الحج في فكر الأستاذ عمر التلمساني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٥٣، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحج في فكر الأستاذ عمر التلمسانى

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

مقدمة

تمثل فريضة الحج مسار لأهم الشعائر التي تظهر وحدة الأمة الإسلامية وتجمعها في شريعة واحدة وكان موسم الحج بالنسبة للإخوان المسلمين وقادتهم وخاصة في فترة السبعينات فكانت بمثابة مؤتمرات إخوانية ، فلقد عظم الإخوان المسلمين الشعائر الإسلامية والتي كادت تختفي في المجتمع بسبب سياسة المستعمر البريطاني والذي كان يعمد إلى طمس الهوية الإسلامية في البلاد، فعمدوا لذلك عن طريق التعليم الأزهري، والتعليم عموما لجموع الشعب واقتصر فقط على بعض الطبقات التي تسير في فلكه والذين لا يمثلون قيم المجتمع ولا القيم الإسلامية، وحينما نشأت جماعة الإخوان عمدت إلى تعظيم هذه الشعائر وإحياءها مرة أخرى والاحتفال بها.

وقد وجَّه مكتب الإرشاد نداءً إلى الإخوان المسلمين بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة لأداء فريضة الحج، واعتبره من العهد الأساسي الذي بايع الإخوان عليه، وأن من يتركه مع القدرة عليه يعتبر ناكثًا للعهد، ويُسأل أمام الله عز وجل يوم القيامة عن تقصيره في الواجب والإخلال بشروط العهد، ومن لم يستطع الآن فليتجهَّز له في المستقبل ويدَّخر من أمواله ما تيسَّر حتى يستطيع أداءه في المستقبل.

ولقد اعتمد مجلس الشورى العام الثالث للإخوان المسلمين المنعقد في القاهرة بتاريخ 12 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 17 من مارس 1935م، لائحة الحج، والتي تحث الأخ المسلم على التجهُّز لأداء فريضة الحج في حدود استطاعته، وأن تكون في كل منطقة لجنة فرعية تسمى (لجنة الدعاية للحج).

كما أنشأت الجماعة لتيسير عملية الحج للراغبين, وقد تكونت من معظم الهيئات الإسلامية, وكان لها مجلس إدارة يقوم بشئونها, وفى مساء الجمعة 22 شعبان 1366هـ, الموافق 11 يوليو 1947م اجتمع الجمعية العمومية الاعتبارية بالمركز العام للشبان المسلمين, حيث تم فيها تقييم العام الماضي وانتخاب مجلس إدارة جديد للاجتماع حيث فاز الأستاذ عبد العزيز علي بك بالرياسة, والأستاذ محمد الجندي لأمانة الصندوق والأستاذ محمود راشد أفندى لمراقبة الحسابات, وقد اعتلت المنصة لجنة الاقتراع برئاسة عبد القادر بك زعتر مدير إدارة الحج وعضوية حضرات اللواء محمد طلعت باشا الأستاذ محمد لبيب البوهي بالنيابة عن الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان وعبد القادر مختار بك مراقب الشبان المسلمين والأستاذ سليمان العقاد المحامى مستشار الجماعة, وبعد افتتاح الحفل بتلاوة للقرآن الكريم للشيخ عبد الفتاح الشعشاعي ثم تحدث الشيخ محمد مبارك مفتش الوعظ تمت القرعة والتي فاز فيها بالقرعة 203 اسما من أماكن مختلفة ما بين فلسطين والقاهرة والإسكندرية وغيرها من المحافظات (1)

وكان المرشد الثالث للجماعة الأستاذ عمر التلمساني اهتمام واضح بفريضة الحج ودأب على أن يساهم دائماً برحلاته وأدبياته في مناسبة الحج باستمرار لذا نجد له ثلاثة مقالات نشرت في مجلة الدعوة بالسبعينات وقبل أن نخوض في الحج عند الأستاذ التلمساني سنتعرض سريعاً لفريضة الحج تعريفاً وأعمالاً.


تعريف الحج

الحج هو الشعيرة الرابعة في الإسلام، وهو آخر ما فرض من الشعائر والعبادات التي رسم الله حدودها ومعالمها. إذ كانت فرضيته في السنة التاسعة من الهجرة النبوية على أرجح الأقوال. والحج هو تلك الرحلة الفريدة في عالم الأفار والرحلات، ينتقل المسلم فيها ببدنه وقلبه إلى "البلد الأمين" الذي أقسم الله به في القرآن للوقوف في عرفات والطواف ببيت الله الحرام الذي جعله الإسلام رمزاً لتوحيد الله ووحدة المؤمنين به، ففرض على المسلم أن يستقبله كل يوم في صلواته "وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره." ثم فرض عليه أن يتوجه إليه بشخصه ويطوف به بنفسه في العمر مرة واحدة.


صلة المسلم بالبيت الحرام وبانيه

إن هذا البيت العتيق هو أول بيت أقيم في الأرض لعبادة الله، وبانيه هو الخليل إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله من ذريتهما هذه الأمة المسلمة، واستجاب دعوتهما الخالصة وهما يشيدان هذا البناء العتيد. إن إبراهيم الخليل قد عرف في التاريخ بأنه عدو الشرك، ومحطم الأوثان ورمز التوحيد، وأبو الملة الحنيفيّة، فملّته هي الإسلام الخالص، وهو الذي سمّانا المسلمين من قبل. فلا عجب أن يكون بينه وبين المؤمنين من هذه الأمة روابط روحية لا تضعف منها مسافة الزمن الطويل. في ظل هذه المعاني والمشاعر والروابط التي تربط المسلمين بالبيت الحرام وبانيه الأول إبراهيم، فرض الله الحج على كل مستطيع وجعل تركه أو الاستخفاف به كفراً بالله ومروقاً من الدين.


أعمال الحج

الحج يبدأ بالميقات (وهو مكان يحدده الشرع ليحرم منه أو بحذائه أهل جهة معينة) والإحرام يتمثّل في نية الحج والتجرد من الثياب المعتادة التي يزهى بها الناس ويختالون، والاقتصار على لبس ثياب بيضاء متواضعة لم تعمل فيها يد الصنعة والتزويق هي أقرب ما تكون إلى الثياب التي يكفن فيها الموتى من المؤمنين. وهو تحقيق لمبدأ العودة إلى طهارة الطبيعة الذي دعا إليه روسو وغيره من الفلاسفة ولم يحققوه. وبعد هذا يرفع الحاج صوته بهذا الشعار الذي هو النشيد العام للحجاج جميعاً طوال أيام الحج ومواقفه "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك." وأهم أعمال الحج بعد الإحرام الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة في نهار التاسع من ذي الحجة، ودون ذلك في الأهميّة رمي الجمرات والمبيت بمنى وذبح الهدي فضلاً عن السنن والمستحبّات الأخرى. وقد كان كثير من هذه الأعمال في حج الجاهليين، توارثوه عن ملة إبراهيم، ولكن خلطوا حقاً بباطل وصالحاً بسيئ، فحرفوا الحج عن وجهته وملأوا الكعبة، بيت التوحيد، بالأنصاب والأوثان، واتخذوا من هذه الأنصاب آلهة مع الله واصطنعوا في الحج تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان. فلما جاء الإسلام نقى الحج من ضلالات الجاهلية وأدران الأوثان وجعله خالصاً لله وحده...


معاني الحج وفوائده

1) الحج مجموعة رموز صيغت بأعمال:

  • فهو رمز على استسلام الإنسان لله تعالى إذ ينفذ الأمر بصرف النظر عن المعنى العملي لهذا الأمر.
  • رمز على ارتباط هذه الأمة بأبيها إبراهيم عليه السلام حيث نحيي شعائره ونطوف بالبيت الذي بناه.
  • رمز على وحدة الأمة الإسلامية بصرف النظر عن الأجناس والألوان والأوطان.

2) الحج مظهر عملي لكثير من قواعد الإسلام:

  • هو المظهر العملي للأخوة الإسلامية.
  • هو المظهر العملي للمساواة بين الشعوب إذا دخلت في الإسلام، وهو المظهر العملي لقوله تعالى: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".
  • هو المظهر العملي لخضوع المسلمين جميعاً لسلطة سياسية واحدة.

3) الحج مدرسة يرتفع بها المسلم إلى آفاق أرقى وأعلى:

  • يتعلم بها على بذل الجهد مع الصبر.
  • يتعلم بها أن يعيش في عبادة دائمة.
  • يتعلم أن يكون لطيفاً مع المؤمنين رحباً بهم.
  • يتعلم بها كبح عواطفه وإلجام نزواته.
  • يتعلم بها دروساً من الإخشيشان والقسوة.
  • يتعلم بها دروس العبودية لله.
  • يتعلم بها كيف ينفق في سبيل الله دون مقابل.
  • يتعلم بها كيف يعظم ما عظمه الله وكيف يحقّر ما حقّره الله.
  • يتعلم بها أن يعادي من عادى الله وأن يوالي من والاه.

4) الحج يحيي في نفس الإنسان مشاعر كثيرة:

  • يحيي فيه مشاعر العطف على المسلمين والانتصار لمأساتهم ومشاعر الجيل الإسلامي الأول الذي عاش هنا وحياة الاضطهاد من أجل العقيدة التي عاناها.
  • يحيي مشاعر الولاء لله والرسول والمؤمنين.
  • يحيي مشاعر التوجه الخالص لله.
  • مشاعر التجرد عن الدنيا والإقبال على الآخرة.
  • مشاعر العزم على فتح صفحة جديدة مع الله.


المفهوم الحقيقى للحج عند التلمسانى

كان الحج بالنسبة للأستاذ التلمساني ليس تلك الشعائر التي تؤدى وفقط ولكنها تحمل معاني عديدة للمسلمين كما أنها تحمل رسائل لحكام المسلمين

يقول الأستاذ التلمساني في مقال له بعنوان (المعنى الحقيقي لاجتماع المسلمين في موسم الحج):

للحج مناسك تزار وترى وتؤدى، وللآمال العِرَاض بالقبول والغفران استشراف يؤرق المضاجع، ويؤجج الشوق ويبعث الحنين.. قلوب خاشعة وألسنة ذاكرة، وأعين دامعة، وتبتلات ضارعة، في منازل الوحي، ومطالع النور، وأمين الدعوة عليه الصلاة والسلام بين القرى رائح غدَّاء.
كل هذا رائع وجميل ومطلوب، وفيه من الخير ما إلى التهوين من شأنه سبيل، ولكن أهذا هو الحج؟ أهذه حكمته؟ أهذه هي روعته؟ أمن أجل هذا وحده، ونفعه عائد إلى صاحبه، يطالبنا العليم الخبير الحكيم بترك الأهل والمال والولد؟! ألهذا نغادر أوطاننا من أقصى الديار! ألهذا وحده نحتمل مشاق السفر، ووعثاء الطريق ووعرة السير، وغصص الغربة، وتعطيل المتجر والعمل؟! أمن أجل هذا يهيب رب القدرة بنبيه عليه الصلاة والسلام ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ (الحج)، ألهذا وحده استجاب العلي الكبير دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يوم أن ناداه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 37)، الأمر أجلُّ من كل هذا شأنًا، وأعمق غورًا، وأبعد أثرًا، وأخلد ذكرًا.
تعالوا أيها الإخوة المسلمون، أيها الأحباب المؤمنون، تعالوا نقف لحظات، متأملين متفكرين، بين أضواء قوله تبارك وتعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: من الآية 28)، ألا ترى تعميم المنافع أولاً، ثم تخصيص الذكر بعد تعميم؟! أليس من وراء ذلك شيء يراه من كان له قلب يقظ، وفهم وسيع؟!.
إن من أجلِّ هذه المنافع التي يسعى إليها المسلمون في الحج أن يجتمع زعماء العالم الإسلامي، حكامًا ومفكرين، صافية نفوسهم، خاشعة قلوبهم، بادية حسرتهم على حال أممهم اليوم، وبعدها عن حال أسلاف لهم سبقوهم إلى تلك البطاح.(2)


شعائر الحج كما يراها التلمسانى

يتحدث التلمساني في أحد رسائله تحت عنوان شعائر الحج ويصف فيها تلك الروح والمشاعر التى يجب ان يكون عليها الحاج بينه وبين ربه فيقول التلمساني :

لو أن الله قدر لك أن تحج إلى بيته الحرام، وتسعد بالمناسك وتحظى بالتلبية بين التلال الطاهرة، والوديان العامرة بالحجيج، يرددون التلبية، فتجاوب أصداء تلك البقاع بالنغم الهانئ في تهليل وتكبير، يهز القلوب من الأعماق شعورا بقدسية فارض الحج، ومتعة بإلقاء المسلم بالمسلم، وفرحة التعارف بين المسلمين من أطراف الأرض، وروعة مشاهدة الألوف ومئات الألوف بل الملايين تهو إلى هدف واحد، وترنو إلى بيت كريم، وتنسم نسائم المغفرة والرأفة من رءوف، والرحمة من رحمن رحيم، لو أنك زرت تلك المنازل وسعدت عيناك بهاليك المشاهد، لو أنك فزت برؤية الكعبة، فخشعت جوارحك أمام بيت الله الحرام، واعتزت كل جارحة منك بجلال ذي الجلال والإكرام.
أنت في الحج ذاهب لذكر الله في أيام معلومات فهل أعددت نفسك للمثول الكبير بين يدع العلى العظيم؟
إن ذكر الله هناك، بل وفى كل مكان مشغلة للمسلم عن كل ما سواء، تطهير للنفس حيث لا تشغل إلا بذكر باريها، وحياة للقلب الذي لا يستوي على عرشه إلا من أعده هذا الإعداد العجيب، نقاء في اللفظ، فلا كلمة جارحة، ولا نبرة ساخطة، ولا نظرة غاضبة، سيطرة كاملة على الأعصاب، تحول بينها وبين فورة تفسد عليك ما تحملت من أجله مشاق الفريضة, هدهدة للعواطف، فلا تنبض إلا بالحب، ولا تبطن إلا بالخير، في حرص في حذر في يقظة في مراعاة تامة، ومراقبة كاملة، لمن لبيت نداءه بالحج انه يعلم ما تخفى وما تعلن، إنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، إنه قابل التوبة، صاحب المغفرة، فهل أنت على استعداد كامل كي تكون محلا لمهبط الرحمات، والتزام الآداب الجم والتواضع الوفير.
أنت في بقاع الأرض، منازل الوحي، مهابط جبريل، متلقيات التنزيل مجامع المسلمين، قواعد الإسلام، أنت هناك لا تلتقي إلا بمسلم، ولا تجالس إلا مسلما، ولا تتعامل إلا مع مسلم، ولا تسكن إلا في بيت مسلم، ولا تطعم ولا تشرب إلا من مسلم، فهل يعز عليك أن تكون هناك مثلا طيبا لكل مسلم، يسعدك الرضا بالالتقاء به في ارض الحب والسلام ؟ أعط كل مسلم تلقاه هناك كل ما في قلبك من ألفة ووداد.. أعط منازل الرحمن هناك حقها من التوفير والتعظيم والتكبير.
أنت سائر إلى رب الأرباب، إلى الكريم الوهاب، إلى الغفار التواب، فهل تعي كيف تدخل عليه بيته، وتخشى حرمه؟
أنت أمام الكعبة خاشع الطرف حياء وإجلالا، أنت أمام الحجر الأسود، واجف القلب خوفا ورجاء.
أنت بين يدي اجب محبوب وأعظم مطلوب، واسعد مرغوب فإذا أعناك صاحب البيت على إتمام المناسك تامة طاهرة مؤداة، وفارقت بلدا كان رسول الله × يحن إليها في مهاجره، وتذرف عيناه الدموع إذا ما تغنى بلال بوادي القرى واذخر وجليل واهتاجت مشاعره بذكريات تشوقا إلى شامة وطفيل.
الحج آداب كله.. جلا من الرفت والفسوق والجدال.. طهر كله بالذكر العطر، والتهليل التدى، والتكبير المسعد السعيد، نفع كله المزائر والمزور، للمنتجع ومن كان أهله حاضري المسجد الحرام، ونام كله يسود مجتمع التالف والتعارف، رباط وثيق بين مسلمي المشرق ومسلمي المغرب، عن قرب وعن معاشرة ومعاملة. فريضة لم ولن تتوافر لأصحاب دين غير المسلمين. (3)


الحج رسالة إلى الحكام

ويعتبر الأستاذ التلمساني أن من أهم رسائل الحج هي التوجيه للحكام فيقول فى مقاله (المعنى الحقيقي لاجتماع المسلمين في موسم الحج):

أين هي عزة الحاكم المسلم الذي لا يرضى لنفسه ولا لأمته ضيمًا أو هوانًا.. أين هم من وحدة طالبها بها ربهم، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾ (المؤمنون)، أين هم؟ وقد هانت الدراهم في عالم المادة والجحود والاستغلال، وكأنهم اليوم قصد الشاعر:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم
ولا يستأذنون وهم شهود
أين هم من دين يهيب بهم إلى مراتب الرفعة ومنازل الجلال، حتى تدين لهم الدنيا بالرهبة والاتقاء؟!
أين هم من قوة سادت بفضلها عقيدتهم دنيا السلام، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)﴾ (يونس).
تمزقت الوحدة، وضعفت القوى، وهان الشأن، وخفت الصوت الرنان، وعلت جعجعة السباب، وطحن الانحدار، وهم عن كل ذلك، ولا شك، مسئولون، يوم يذهب الذهب، ونعدم المتع، ويضيع السلطان.
ما بالكم يا حكام المسلمين لا تتجمع كلمتكم على الأخوة ونصرتها؟! ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، فكونوا حكامًا إخوانًا.
ما بالكم لا تغضون عن الشتائم ولا تأخذون بالصبر والصفح والتسامح، ولا تمرون باللغو كرامًا، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (القصص: من الآية 55).
ما بالكم لا تنصرفون إلى قضيتكم الكبرى، قضية دينكم، وتشتغلون بالقضايا الجانبية التافهة، التي يثيرها فيما بينكم خصوم الإسلام، والخسار في كل هذا عليكم وعلى المسلمين، وأنتم المتسببون؟!
ما بالكم ميادين مهيئة لتجربة أسلحة الخصوم، وخصوم دينكم تستنفد أموالكم وتلهيكم عن مصالح شعوبكم، وتحصد أفراد أممكم في غير ما عناية سامية، ولا هدف كريم؟!
ما بالكم تجتمعون ولكلٍّ وجهة هو موليها، والمفروض فيكم أن تستقبلوا الخيرات؟! وتصدرون من القرارات ما لا ينفذ إلا فيما لا يعود على الإسلام بخير؟! وتظنون أنكم تحسنون صنعًا.
لقد شبت شعوبكم عن الطوق، وبلغت السعي، وأدركت الوعي فهي تقدر كل ما تخفيه الظواهر، ومهما تبطن تظهره الأيام، ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية 29).
ما بالكم لا تضحون بذواتكم، وقد اشتراها الله منكم بأن لكم الجنة ولا تضحون بأموالكم وسلطانكم في سبيل من هيأها لكم، وأفاضها عليكم، بلا حول منكم ولا قوة.
ما بالكم لا تستعينون ببعضكم البعض، بدلاً من استعانتكم بمن هنا وهناك، وأنتم يد على من عاداكم، ويسعى بذمتكم أدناكم تولون وجوهكم حيث تبدد الأموال، ويخيب الرجال والآمال، ويعصف بأقدار الرجال!! أولئك الذين يبيتون لكم شرًا، وينوون بكم غدرًا، مآله الزوال والاضمحلال.
هذا أوان الحج قد أظلكم زمانه، هذا داعي الحج يهيئ لكم الفرصة الغالية فهبوا وتطهروا وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا يثيرها دعوى جاهلية يراكم الله منها هذا هو مؤتمر الحج فيمموه، هذا هو مؤتمر القمة حقًّا إن كنتم فاعلين.
اجعلوا موسم الحج مؤتمر السلام بينكم جميعًا، ثم اجعلوه مؤتمرًا للوحدة منها، ثم اجعلوه مؤتمر التضامن والنصر عاليًا رفيعًا، هناك تحبكم شعوبكم وتخلص لكم بل تفتديكم، فترسخ أقدامكم، وتسلم ذواتكم، بعيدًا عن الدروع والتجسس والمخابرات، فما لبشر حماية من قدر الله، ولو اعتصم في شعاب الجبال، وحتى لو كان في بروج مشيدة.(4)


الحج رسالة لوحدة المسلمين

ويدعو التلمساني إلى أن يكون الحج مؤتمر لوحدة المسلمين فيقول فى مقاله (المعنى الحقيقي لاجتماع المسلمين في موسم الحج):

اعقدوا مؤتمر الحج، واسألوا بين زمزم المقام من شئتم من مسلمي الفلبين وتايلاند و[ماليزيا] وإندونيسيا والهند وجنوب إفريقيا وغيرهم ممن تشاءون، اسألوهم ماذا يفعل بهم، وكيف ينكل بهم فيشردون ويطيحون ثم يقتلون، لا لشيء إلا أنهم مسلمون، ثم تشاوروا فيما بينكم كأمراء مسلمين ماذا يجب أن يفعل الإخوة لكم في الله؟ وتساءلوا: هل ينجيكم من الله أن تقيموا علاقات سياسية بينكم وبين حكومات هاتيك البلاد، وهل يفعلون بالمسلمين عندهم ما تعلمون أو ما لا تعلمون، أم النجاة لكم من حساب الله أن تكونوا معهم على غير ما أنتم عليه اليوم من علاقات ومعاملات، إنكم كحكام مسلمين لستم مسئولين عن المسلمين في بلادكم، ولكنكم مسئولون جميعًا عن كل مسلم في أية بقعة من بقاع الأرض، ورحم الله المعتصم يوم أن نادته مسلمة في بلاد الروم: وامعتصماه، فلبى النداء على خيله البلق العناق أمانة، وضعها الله في أعناقكم يا حكام المسلمين، وحملكم مسئوليتها، وإنها لجسيمة خطيرة، وإنها يوم القيامة لنعمة وكرامة، وإلا فإنها لحسرة وندامة، اذكروا في موسم الحج أمجاد أسلافكم، ومواقف حكام المسلمين يوم أن دان لهم المعروف من الأرض في ذاك الزمان، وخلد التاريخ ذكراهم في أنصع صفحاته دينًا وإصلاحًا وعزًا واقتدارًا.
أما أن نضرب صفحًا عن مؤتمر كهذا ومؤتمر كذا بين حين وحين، وكأنها أسواق تقام ثم تنفض، تعالوا إلى مؤتمر الحجيج وحسبكم أن يعقد في العام مرة على تقوى من الله ورضوان، فيكفيكم عن النظام المشي حينًا والسعي حينًا، تعالوا إلى مؤتمر ترفرف فيه يد الله بالرحمة فوق رءوسكم، لتنجيكم من حمل أثقالكم وأثقال مع أثقالكم، تعالوا فأقيموا ليالي وأيامًا على مشارف التجرد والصدق والإخلاص، تحفكم قلوب المسلمين الحاجين، تدعو لكم بالنجاح والتوفيق، وتحفكم ملائكته بالرحمة والإرشاد.
هذا رجائي إليكم، ورجاء المسلمين، هذا أملي فيكم؛ بل أمل الملايين من المسلمين.. هذه أنَّة مكلوم الفؤاد مما صار إليه حال المسلمين في أخريات السنين، عودوا إلى كتابكم واجعلوه شرعة لكم، واذكروا كلمة مرشد الإخوان السابق الأستاذ الهضيبي رضوان الله عليه يوم أن قال: "أقيموا دولة القرآن في قلوبكم تقم على أرضكم"، ويا لها من كلمة حق صادرة من قلب ملأه الله باليقين، ولا نزكي على الله أحدًا.
إنها صراحة من مسلم لا يخشى في الله سلطانكم، كما أنه لا يستهين بأقداركم وله في مرشد الإخوان المسلمين الأسبق، الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليه له فيه قدوة طيبة سامية، يوم أن كان يخاطب أصحاب الجلالة والسمو والفخامة، ملوك وأمراء ورؤساء المسلمين، في صدق المؤمن، وصراحة الصادق، ولا خير فينا إذا لم نقلها، ولا خير فيكم إذا لم تسمعوها، فالدين النصيحة لله ورسوله أولاً، ثم لكم ثانيًا، ولولا أني أحب الخير لما واجهتكم بما قد لا يرضيكم، أيًّا كانت نتائج كلمة الحق تقال للحاكم.
فامشوا على الأرض هونًا، وقولوا خيرًا وقاربوا وسددوا، يرفع الله من شأنكم، ويدعم سلطانكم، ويلقي بزمام الأمور إليكم وينزلكم المنزلة التي يرضاها الله للصالحين من عباده، وإلا فلكم في الأندلس عبرة أية عبرة، والسعيد من اتعظ بغيره.(5)


الحج .. وحدة الوجدان

ويوجه التلمساني رسالته إلى الحجاج داعيهم إلى أن يمارسوا شعائر الحج بوحدة وجدانية وفكرية فيقول في مقاله (المعنى الحقيقي لاجتماع المسلمين في موسم الحج):

أما أنتم أيها الحجاج، زوَّار بيت الله وعُمَّاره، فاستأنسوا وتريثوا، وتعارفوا وتوددوا وتآلفوا وتحاببوا، ففي كل هذا منافع لكم، إن الله خلقكم ثم جعلكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.
لا تجعلوا حجَّكم تمسحًا بالأركان في غيبة الوجدان، ولا تجعلوه هديرًا باللسان، والغفلة متلبسة بالجنان، تزاوروا في الله يغفر لكم ذنوبكم، وتدارسوا شئون دينكم، يفسح الله لكم، لموا شعثكم ووحدوا اتجاهاتكم، فعلى تضامنكم وترابطكم، وصدقكم ورجولتكم، ينزل حكامكم، استجابة لمطالبكم.
تعرفوا إلى مشاكلكم، وليذكر بعضكم بعضًا، إنكم أخوة في الدين، فرابطة الدين أقوى وأطهر من رابطة الدم والنسب، إن الأخوة في الدين تبيح الوراثة، والاختلاف في الدين يحرمه حتى بين الابن وأبيه.
إن المسلم إذا نزل في بلد مسلم آخر، تفنن في استغلاله، واستلاب ماله، والدين يمنع من ذلك ويحض على الإيثار ولو على الخصاصة، توبوا إلى الله واجعلوا الحج فرصة لتحقيق توبتكم، وارفقوا ببعضكم تقوى الروابط بينكم وتحقق الأخوة بينكم، وتثبيت القوة فيكم، وتعودوا كما كنتم سادة أعزة، ترهب الدنيا كلها جانبكم.
تعاهدوا في حجكم هذا على الوفاء، لا لأنفسكم فحسب، ولكن لأسركم وأممكم، حتى تصبحوا كالجسد الواحد، إذا ألمت بعضو منه نازلة، تداعت له سائر الأعضاء بالأرق والأنين.
إن خصوم دينكم يؤذيهم تجمعكم في حجكم، ويودون، بجدع الأنف، لو يدكون كعبتكم التي تولون إليها وجوهكم؛ حيث ما كنتم فخيبوا آمالهم، وردوا كيدهم إلى نحورهم، إنهم يكيدون لكم، ويتناولونكم شعبًا شعبًا حتى يفرغوا منكم، ولن تتبينوا حقيقة ذلك بأنفسكم إلا في حجكم، حيث يعرف كل واحد منكم خبر غيره، فيدلي به إلى مواطنيه، لتتقوا الخديعة والمكيدة.
استمسكوا في فترة الحج بحبل الله المتين، إنه فلاحكم وعزكم، فأنتم خير أمة أخرجت للناس إذا فقهتم، لا ترضوا بالدنية؛ فالتلبية اعتصام بالقوي المتين، ولا تركنوا إلى الذلة فبيت الله عزيز الأركان ولا تقيموا على ضيم، ففي ملابس الإحرام مظهر التجرد من المغريات، واطِّراح للدنيا بأسرها دبر الآذان.
طهروا نسككم ففي موقف عرفات أضواء القوة، ووحدة القيادة، والتزام الأمر.
وفوا المشاعر حقها، ففي الطواف صبر وتبتل وفناء، وفي ضحايا العيد رمز الصدق والوفاء، والله معكم ولن يَتِركم أعمالكم.. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: من الآية 200)، وكونوا خير الفريقين ﴿فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)﴾ (البقرة).
الحج وكل الفرائض مزرعتكم، فيها حرثكم، ومنها حصادكم ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ (الشورى).
معان دارت بالخاطر، فجرت حروفًا على القرطاس، وآمال فسيحة تداعب النفس آناء الليل وأطراف النهار، فإن صادفت خصبًا في القلوب، فقد فزت بالمطلوب، وإلا فإعذار إلى الله، وعلينا أنفسنا لا يضرنا من ضل إذا اهتدينا، ما دام لله عاقبة الأمور، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)﴾ [النحل].(6)


الحج وعالمية الإسلام

إن الحج كما أراده العليم الخبير، دلالة كبرى من أدلة عالمية هذا الدين هذه العالمية التي بدأت مع بدء الإسلام نفسه في مكة، إذ كان أوائل الصحابة وأكرمهم أبو بكر العربي وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي وغيرهم وغيرهم من شتى الأمم والشعوب.

إنه النداء العالمي الأصيل «وكونوا عباد الله إخوانًا» وليست هذه المحاولات الفاشلة التي تبدو يومًا في صورة عصبة الأمم المتحدة ويومًا في صورة محكمة العدل الدولية، ويومًا ويومًا.. وكلها لم تغن الناس شيئًا عن الدمار والخراب والويل والدم المسفوح ظلمًا وعدوانًا في كل بقعة من بقاع هذه الكرة التي ما قاموا عليها إلا ليعمروها ويجعلوها جميعًا مزرعة لهم تفيض عليهم بالمنفعة والقوة والغذاء، دون ما عداوة ولا بغضاء ولا فقر ولا جهل ولا مرض.

إنه الوحدة الحقيقية، قبل أن يكون الوحدة المصلحية، الوحدة التي يجب أن تقوم بين أبناء الأب الواحد والأم الواحدة.. آدم وحواء. وحدة الحب ورباط الأسرة التي تتسم بالتضحية والفداء والإيثار والتجرد من الفردية التي تقوم على الأثرة والأنانية، إلى الجماعية التي تتأصل برباط العقيدة قبل أن ينظر إلى رباط الدم وحده الذي قد يسيل هنا احنًا ويجري هناك عداءًا، هنا في هذا الطهر ينطق العالم كله بكلمة واحدة "الله أكبر" ويطوف حول رمز واحد ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (آل عمران:96) ويشرب من معين واحد، هو شفاء لما شرب له.. زمزم الحبيب وينفر كله من مصدر الشر والزيغ عند رمي الجمار، هذه هي رموز الوحدة وجمع الشمل وسمو المجتمع أينما كان هذا المجتمع وأينما قام.

في الحج يعرف كل حاج عن طريق اليقين والمشاهدة، ما يجب أن يعرفه كل حاج عن أخيه أينما كان الموطن والمقام، لا المعرفة التي تتم عن طريق القراءة الصامتة، والسماع الذي يشبه الصمم ولا شيء غير رجع الصدى، في الحج يعرف كل شعب مسلم حال غيره من الشعوب المسلمة.


الإخوان والحج

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

وثائق وأحداث في صور