الجزء الثاني الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ .

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ


مقدمة الجزء الثاني

لما ظهر الجزء الأول من هذا الكتاب تلقيت آراء بعض الذين طالعوه فقال بعضهم أنه تاريخ ممتع وقال بعض آخر أنه أسلوب في التأليف يغري بالقراء لما فيه من تنقل بالقارئ من ميدان إلى ميدان ومن موضوع إلى موضوع , وقال آخرون أنه ليس تاريخا فحسب بل هو برنامج ومنهج بين المعالم محدد الخطوات ...

وهكذا تنوعت الآراء ... وأرجو أن يكون الكتاب جديرا بها جميعا , فإنها جميعا كانت أهدافا متوخاة – ولكن الهدف الأول الذي كنت حريصا على إبرازه في هذا الكتاب بأجزائه هو أن أوضح للقارئ حقيقة غائبة عن أكثر الناس هي أن دعوة الإخوان المسلمين هي التي صنعت تاريخ مصر خاصة والأمة الإسلامية عامة في هذا العصر الذي نعيشه صنعا جديدا,وحولت مسار هذا التاريخ إلى مسار آخر ...ولولا ظهور هذه الدعوة في هذه الحقبة من الزمان لتوقف التاريخ بنا حتى اليوم عند الحال التي كنا عليها في أواخر العشرينات من هذا القرن .

فلقد عالجنا في الجزء الأول من الكتاب توضيح الحالة الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة خلال العشرينات والثلاثينيات للشعب المصري خاصة وللشعوب العربية والإسلامية عامة ... وكيف واجهت دعوة الإخوان المسلمين الناشئة هذه الحالة التي كانت تبدو للمصلحين يائسة ميئسة...فالشعوب في هذه البلاد تغط في نوم عميق فاقدة الوعي مقطعة الأوصال مستسلمة للغاصبين, مسترخية لا تدري ما يفعل بها ولا ما تفعل - سواء في ذلك عامة هذه الشعوب وزعماؤها , ورحم الله الشاعر العظيم أحمد محرم إذ يصف حال هذه الأمم الإسلامية في ذلك الوقت في أبياته المشهورة فيقول:

في دولة للمسلمين تشوقهم

أيامها وتهزهم ذكراها

يا ويح للأمم الضعاف اتنفضي

دنيا الشعوب وما انقضت بلواها ؟

أمم هوالك , ما لمست جراحها

إلا بكت وبكيت من جراها

لم أدر إذ ذهب الزمان بريحها

ماذا من القدر المتاح دهاها ؟

إن الذي خلق السهام لمثلها

جمع المصائب كلها فرماها

وبينا للقارئ كيف استطاعت هذه الدعوة – بقيادة ملهمة حكيمة بارعة وجهود مضينة خالصة مخلصة وبتكتيك وئيد منسق منظم راسخ الخطوات بعيد الأهداف لا يستحثه المستبطئون ولا يستخفه المعجبون , ولا ينهنه من غرمة المعوقون – استطاعت أن تبث روح الحياة في هذه الشعوب من جديد فأيقظتها من رقادها وبعثتها من سباتها .. فقامت تنفض عن نفسها غيار نوم طال أمده , وأخذت تتعرف على نفسها وتستعيد هويتها ونحن إلى أصلها وتأسف على ما فرط منها في حق هذا الأصل الكريم عاقدة العزم على استرداد ما سلبته من حقوق وما ضيعته من أمجاد .

وبهذه الأمة الجديدة الفتية المستيقظة المتوبثة, واجهت الدعوة بعقيدتها المستقرة في أعماق النفوس الممتزجة بشغاف القلوب مآسي الأمة الإسلامية التي تقطعت معها إربا, وتوزعت تحت وطأتها شيعا وأثخن بدنها على مر الأيام طعنات وجراحا وديست أرضها بنعال المحتلين من المستغلين وشذاذ الآفاق . واجهت ذلك كله بأسلوب جديد لا عهد للمتصدين للقيادة في أنحاء العالم الإسلام يكله به ... أسلوب الواثق بنفسه المطالب بحقه المقتنع بعدالة قضيته , المنبعث من سويداء قلبه المستند إلى أعدل رسالة الداعي إلى أقوم سبيل , المندفع بآمال أوسع من رحاب الدنيا المؤثر الموت الكريم على العيش الذليل .

وكما أيقظت الوعي في النفوس والعقول في مصر أيقظته أيضا فيما سوى مصر من البلاد العربية والإسلامية فامتد أثرها حتى وصل إلى اندونيسيا وباكستان – وتعهدت القضية الفلسطينية فوصلت بها من حالة كانت فيها مجهولة تماما من البلاد العربية والإسلامية نفسها – سواء في ذلك شعوبها وحكامها – إلى حالة صارت فيها القضية الأولي لهذه البلاد شعوبا وحكاما .

وتجاوب مع الدعاة في القاهرة كل الطبقات المثقفة المستنيرة في أنحاء العالم الإسلامي متخذين القاهرة منارتهم الهادية وسط الظلام الدامس الذي كان مخيما على هذا العالم الإسلامي .. فواجه الاستعمار العالمي لأول مرة منذ قرون انتقاضات واعية , وحركات مواجهة جادة عارمة , تؤججها روح إسلامية شابة ملتهبة سواء في مصر وفي الشرق العربي والمغرب العربي وفي الهند وفي جنوب شرقي آسيا ... حركات وانتقاضات, ليست من الطراز المعهود للاستعمار من قبل تلك التي كان يمتص حدتها بوعود تبذل أول بمناصب تسند ...وانتهت هذه الانتقاضات بتحرير هذه الشعوب من ربقة الاستعمار .. وبحث الاستعمار العالمي هذه الظاهرة الخطيرة التي هددت وجوده في كل مكان .. فلم يجد أن جديدا قد طرأ على هذه البلاد – منذ وطئت أقدامه أرضها وتم له احتواء كل ما نشا فيها من هيئات وأحزاب – لم يجد جديدا قد جد سوى " دعوة الإخوان المسلمين "...

فجمع الاستعمار شمله, وأعد عدته ووضع خططا خطيرة ماكرة لمواجهة السيل الجارف الممثل في هذه الدعوة , وقرر معالجتها بضربة قاضية قبل أن تسبق هي بضربة هذه الضربة .

كل هذه المعاني التي أدرنا الحديث حولها في الجز ء الأول كانت واضحة تمام الوضوح في خاطري وفي مخيلتي حين سطرتها لأنني لابستها وعايشتها وأعتقد أنه قد كان لها نفس الوضوح في مخيلة القراء من جيلنا حين طالعوها لأنهم عايشوها كذلك .. ولكن السؤال الحائر الذي يبحث عن جواب هو : هل كان لهذه المعاني بالذات الوضوح الكافي في نفوس الذين قرأوها من الأجيال الجديدة التي لمتعايش هذه الأحداث والذين نشأوا ولقنوا تاريخا مزورا ممسوخا وهم لا يشعرون .

إن على هذه الأجيال أن تعلم أن كل ما سردناه في لجزء الأول إنما هو مجموعة من الحقائق التاريخية الثابتة التي لا تجحد , ولكن الذي حجبها وموه عليها تواطؤ متعمد بين لا قدرة لهما على تغييرها أو محوها إلى الأبد فإن الأحداث التاريخية جزء من الزمن .

وإذا كانت أحداث الجزء الأول قد وقع أكثرها والعالم الإسلامي لا يزال في غفوة وكان طبيعتها أن لم يكن لها الصخب الكافي الذي يلفت إليها الأنظار فسهل بذلك على المغرضين حجبها فإن أحداث الجزء الثاني هذا جاءت صاخبة متأججة مدوية ...ولكنها مع ذلك لم تكن إلا نتيجة الأحداث التي سردناها من قبل والتي لا يعيبها أنها كانت هادئة رزينة والمثل العربي يقول :" أول الحرب الكلام ".

فماذا يقول الجاحدون حين ننقل للقراء أحداث الجزء الثاني المثيرة المشتعلة من مظانها وقد سجلتها أضابير الحكم وسالت بذكرها والتعليق عليها أنها الصحف في الداخل والخارج ورددت صداها إذاعات العالم , وشهدت لها سجون البلاد ومعتقلاتها ؟

... وهل كانت هذه الأحداث الصاخبة التي يطالعها القراء إن شاء الله في هذا لجزء إلا صدى للعمل الهادئ الوئيد المخطط الذي استمر عشرين عاما دون ملل ولا صخب ولا هوادة..وبفضل الحكمة ومهارة القائد أمكن أن تحجب الدعوة الوليدة عن أعين المتربصين من الخونة والمستعمرين فلم يتنبهوا لها إلا وقد صارت ماردا جبارا يحتاج الظلم والظالمين .

ونحب هنا أن نقف وقفة قصيرة أمام قضية قد يثيرها بعض الناس ... ذلك أن الجزء الأول من هذا الكتاب – بطبيعة مسايرته لأطوار الدعوة منذ كانت فكرة يجب الإقناع بها – قد استعرض كثيرا من أى الكتاب العزيز وبعضا من أحاديث رسول صلي الله عليه وسلم ...وقد لا يجد القارئ في هذا الجزء مثل ذلك فيقول بعضهم : أين موضع هذا الجزء من الدين , ولم نقرأ فيه تفسيرا لآيات ولا شرحا لأحاديث ولا تعرضا لأحكام فقهية تتصل بالعبادة ؟

ولهؤلاء الأخوة الكرام نقول: أن المسلمين قد درجوا في عهودهم التي طمست فيها معالم دينهم على أن يروا أن الكتب التي تتعلق بالدين هي الكتب التي تنحو بالقارئ ناحية علمية نظرية تزيد من معلوماته الدينية وتثريها أما ما سوى ذلك من الكتب فإنها في نظرهم كتب ليست من الدين في شئ ... مع أن الدين ممارسة عملية قبل أن يكون دراسة علمية ..

ذلك أن الإسلام شقان : أحدهما المعلومات والآخر التنفيذ والتطبيق .... ولم يشغل الشق الأول بكل ما فيه - من حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم وحياة الرعيل الأول معه – إلا جزءا من ألف جزء شغلها الشق الآخر .. حيث كانت حياتهم كلها مرصودة للنهوض بأعباء نشر الفكرة الإسلامية وتثبيتها في النفوس , وللعمل المتواصل لإقامة الدولة الإسلامية على المنهج الذي جاء به القرآن وللجهاد الذي لا يفتر لتحرير الشعوب من ربقة الظلم والاستبداد وإنقاذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله – ولقد دخل رجل عاهد النبي صلي الله عليه وسلم على أن يضرب بسهم من هنا فيخرج من هنا , والمعركة قائمة فصدق الله . فصدقه الله , ودخل الجنة قبل أن يركع لله ركعة .

وليس معني هذا أننا نغض من قيمة الشق العلمي في الإسلام ,وإنما قصدنا أن نلفت النظر إلى أن هذا الشق – مع عظيم قيمته – لا ينبغي أن يستوعب من حياة المسلم إلا القليل على أن يخصص الجزء الأكبر من حياته لتنفيذ ما حاره من معلومات وأكثر من تسعين في المائة من المعلومات في الإسلام تتصل بالمجتمع وتطالب المسلم أن يساهم بكل ما أوتي من قدرات ومواهب في إصلاح هذا المجتمع حتى يستقيم على أمر الله مهما كلفه من تضحيات " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ".

وما كان الصحابة رضوان الله عليهم – على علو قدرهم – يعرفون من الأحكام الفرعية في الدين عشر ما يعرفه الآن طلاب المراحل الأولي من الدراسة الأزهرية ولكن حياتهم مع ذلك كانت ممارسة عملية لما تعلموه من المعلومات الأساسية القليلة من أحكام الدين , فكانوا يتحركون للدين , ويسكنون للدين , ويفرحون للدين ويغضبون للدين .. ويعيشون للدين , ويموتون للدين , وكانوا هم الذين حققوا قول الله تعالي : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين , لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ( الأنعام : 162 -163)

ولقد مد الله تعالي في عمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حتى رأى أجيالا – لا شك أنها كانت أحسن منا حالا وأقرب إلى الدين منا – ومع ذلك قال عنهم :" أنزل القرآن عليهم ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا – إن أحدكم ليقرأ من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به "

فالإسلام ممارسة وعمل وصبر وجهاد قبل أن يكون معلومات يتعمق في دراستها ويتبحر في الخوض فيها .. وذا أنت طالعت كتابا في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم لم تقرأ إلا عن سلسلة متصلة الحلقات من الصبر والمصابرة والتجلد والثبات أمام شآبيب من نار التنكيل والتعذيب والسجن والقتل والاضطهاد والتشريد والإعنات ..وهذا هو الرسول الذي خاطبنا الله في شأنه فقال " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ".

والتاريخ يعيد نفسه ..ولا يزال المقتدون برسول الله صلي الله عليه وسلم يشقون نفس الطريق الذي شق ويعانون الآلام التي عاني ويواجهون الاضطهاد الذي واجه .. حتى تقوم الساعة ( آلم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ( 1-3).

والذي يطالعه القراء في هذا الجزء من هذا الكتاب هو حلقة من حلقات هذه السلسلة التي كان الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته الحلقة الأولي فيها – فالأهداف هي الأهداف , والوسائل هي الوسائل , والعقبات هي العقبات ..وإن اختلفت شكلا فقد اتفقت موضوعا ,

هذه وقفة ..وهناك وقفة أخرى من حق الإخوة الذين طالعوا الجزء الأول أن نعرض لها حتى تطمئن نفوسهم تلك هي أن هذا الكتاب هو مذكرات تسجل أحداثا تاريخية ,والأحداث التاريخية لا تخرج عن كونها مواقف لأشخاص .. ولا يمكن فصل المواقف عن الأشخاص الذين اتخذوها – فإذا كان الحدث التاريخي موقفا كريما فأمانة التاريخ تقتضي تسجيله لصاحبه دون أدني محاولة للغض منه أو غمز لصاحبه أو إفراغ ما قد يكون في نفس الكاتب من شعور نحوه ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ( المائدة : 8).

وهكذا جاءت مواقف سجلناها لأصحابها مرهونة بأوقاتها التي اتخذت فيها مشدودة إلى الظروف التي أحاطت بها . مستحقة من الثناء أو الذم ما أوحت به هذه الأوقات وما حكمت به هذه الظروف .

وإذا كان الله تعالي ذكره قد قطع على نفسه عهدا في حسابه لعباده ألا يغفل لعبد منهم عملا صدر عنه مهما صغر هذا العمل فقال : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها وكفى بنا حاسبين ) الأنبياء : 47) ثم زاد هذه القاعدة وضوحا فقال ( فمن مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( الزلزلة : 7,8) ثم تعالي فضله وكرمه فوق أعلي مستويات العدل فقال : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تلك حسن يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) النساء : 40)

ونحن – معشر المؤمنين – مطالبون بأن نتخلق بأخلاق الله .. فكيف نضيق ذرعا بذكر موقف كريم – على سبيل التسجيل التاريخي – لإنسان رأينا له فيما بعد مواقف قد لا تتواءم مع هذا الموقف ؟

أحب أن يكون مستقرا في خلد الإخوة القراء أن أمانة التاريخ ونقل صور الأحداث وتسجيل المواقف .. وأمر يجب أن يؤدي دون أن يتأثر بعاطفة الكاتب من حب للشخصيات التي يكتب عنها أو كراهية .

وإذا كان شريط التسجيل عند الله يسجل الأحداث والمواقف ظاهرها وباطنها , فإن شريط التسجيل البشري يسجل الأحداث والمواقف بظاهرها دون بواطنها ذلك أن الله تعالي وحده هو المحيط بكل شئ علما وهو العالم بالسر وأخفي .. أما نحن فلا ندرك إلا ما يقع في مجال حواسنا .

وليس معنى أن إنسانا كان في وقت من الأوقات على حال ما أن يظل على هذه الحال في كل وقت .

علي أنني ما رأيت صديقا فتنه منصب أو أبطره جاء إلا وكان شعوري نحوه شعور الإشفاق ...لا الإشفاق عليه وحده , بل الإشفاق على نفس أيضا أن لو وضعت في موضعه فقد يغلبني ما غلبه وقد يستهويني ما استهواه ... وقلب لعبد المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن (من يشأ الله يضلله ومن يجعله على صراط مستقيم ) ( الأنعام : 39) ونسأل مقلب القلوب ونضرع إليه أن يثبت قلوبنا على دينه .

وبعد هاتين الوقفتين القصيرتين نرجع إلى ما كنا بصدده فتقول : إن الأحداث التاريخية الكبرى تجرى في أحداثها سنة الكون فتبدأ حياتها جنينا صغيرا يخلق خلقا من بعد خلق في بطون الأمم في ظلمات ثلاث .. حتى إذا تكاملت أسباب الحياة فيه أخذ الحمل تشتد أوجاعه وتتفاقم آلامه , وتتصعد آهاته , بالضجر من ثقله .. حتى إذا تمت للحمل ساعاته وأيامه وشهوره بدأ المخاض .. وما أشق المخاض , وما أصعب لحظاته .. حتى تكون الولادة .

وإذا كان الحدث البشري تجرى عليه هذه الأطوار في بطن أمه حتى يولد في أشهر معدودة فإن الحدث التاريخي يستغرق لاستكمال أطواره هذه في بطن الأمة سنين عددا .

وهكذا ساير القراء في الجزء الأول من هذا الكتاب الحدث التاريخي الذي بدأ والأمة الإسلامية ساهية لاهية تائهة, ثم التقت بالدعوة الناشئة فاحتضنتها فبدأ الحدث التاريخي الكبير أول أطواره وأخذ ينمو في بطن الأمة ويتطور عشرين عاما ... وعلى حين غرة فوجئ الغاصبون الذين كانوا قد أوهموا هذه الأمة بأنها عقيم ووضعوا أيديهم على كل مقدراتها من ثروة ومتاع – فوجئوا بأن الأمة على وشك ولادة حدث خطير يزلزل أقدامهم ويسلبهم كل ما يستمتعون به من ثورة أمة ومتاعها .. فأتوا مذعورين وأجمعوا كيدهم على إجهاضها متغابين في ذلك عن كل مبادئ الأخلاق والإنسانية والرحمة والقانون .

وانتهي القارئ في الجزء الأول مع استعراض ثماني محاولات من هؤلاء الغاصبين لهذا الإجهاض .. فلما فشلت هذه المحاولات لجأوا إلى محاولتين وحشيتين قصدوا بهما قتل الجنين والأم معا .

والأحداث التي تصنع التاريخ لابد لها من أن تمر بهذا الطور البالغ العنف والشدة والقسوة والوحشية .. وقد رأينا أن نفرد لهذا الطور بابين في هذا الجزء الثاني من الكتاب حيث عملت أيد خفية على حجبه , لإيهام الأجيال الجديدة التي لم تعش أيامه أن التاريخ الذي يعيشونه هو من صنع صور تحركها أمامهم هذه الأيدي ..وهذه الصور المحركة من وراءهم الذين قال الله تعالي في شأنهم : ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) ( آل عمران : 188) .

يطالع القارئ في هذا الجزء مجابهة صريحة بين الدعوة الفتية وبين القوة الغاشمة وكيف فعلت القوة الغاشمة بشباب هذه الدعوة ورجالها ونسائها من فظائع ترتجف لهولها النفوس وتقشعر الأبدان ..,كيف تلقي هذا الشباب الطاهر المؤمن هذه الوحشية بالصبر والإيمان والثبات كما أذهل هذا الشباب العالم أجمع بشجاعة وفدائية منقطعة النظير في ميدان القتال أذهله كذلك بصبره وجلده وثباته في ميدان المحنة والابتلاء . كانت هذه الفترة هي أشد ما مر بالدعوة من محن وما اعترض طريقها من شدائد .. إنها كانت جائحة لا يقف أمامها شئ إلا اقتلعته من جذوره ... فالدولة كلها بكل ما تملك من قدرات قد سخرت نفسها وقدراتها لاجتثاث هذه الدعوة من أعمق أعماقها ..وقد تخلت هذه الدولة فعلا قرابة عام كامل عن كل مهمات الدول وتفرغت لهذه المهمة مستبيحة جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة .

ولقد كنا نحن – الإخوان المسلمين – في ذلك الوقت لشدة ما نرى من تضافر جميع القوى ضدنا نلتفت يمينا وشمالا فلا نرى إلا أعداء أو شامتين .. حتى الشعب المسكين بدأ يتأثر بما لم يعد يسمع غيره مما تكيله لنا وسائل الإعلام من تهم وافتراءات . فالتنكيل والتعذيب يتم في خفاء ومن وراء ستار والتهم والافتراءات تكال ملء الصفحات وفي الإذاعة الساعات تلو الساعات , وبألسنة حداد وبلاذع العبارات .. فكأنما كنا المخاطبين بقوله تعالي : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) ( الأحزاب :10, 11)

ولم نكن ندرى بعد أن هذا الذي نعانيه هو طور لابد منه لإفراز حدث تاريخي جديد.. لم نكن ندرى أن هذا هو طور المخاض لحمل تكون في بطن الأمة خلال عشرين عاما وقد آن للمولود أن يولد – وإذا كانت فترة المخاض لإفراز المولود البشري لا تعدو أن تكون ساعة أو نحوها , فإنها تمتد لإفراز الحدث التاريخي شهورا وسنين .

ولعمرى إنها لحقائق تاريخية لسنا في إيرادها متخيلين ولا متوهمين ولا مدعين ..وإذا كان هناك من يدعون أن لهم فضلا في صنع هذا التاريخ فليأتونا بما سجله التاريخ لهم من فكرة محددة المعالم بثوها لمدة عشرين عاما في أذهان الشعب المصري والشعوب العربية والإسلامية فأحيت هذه الشعوب من موات وأيقظتها من سبات , وجمعتها بعد شتات , وواجهت بها – بعد تربية على أعلي المستويات – الفساد في الداخل والاغتصاب والاستعمار في الخارج . ولو كان الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي قد وجدا أمامهما من يعترض طريقهما أو من يخشيان على وجودهما منه لكان لهما معه موقف شبيه بموقفهما من الإخوان المسلمين :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

لقد نكلت الحكومة الحاقدة المؤيدة بكل قوي البغي الداخلية والخارجية برجال هذه الدعوة وشبابها ونسائها ومزقتهم كل ممزق .. ثم لم تكتف بذلك بل أرادت أن تمحو هذه الدعوة من التاريخ , فتقدمت بالحطام الذي أبقي عليه التنكيل والتعذيب من هؤلاء الشباب الأبطال إلى القضاء, بقضايا مجهزة بأخطر التهم وباعترافات خطية مفصلة .. فكانت هذه الخطوة هي أشد علينا من كل ما لقينا من عنت وظلم وافتراء وتعذيب .. ذلك أن كلمة القضاء هي الكلمة الفاصلة التي يتلقاها التاريخ بتجلة وثقة واحترام ..وإذا ضلل القضاء فقال كلمته – بناء على ما قدم إليه من أدلة مزورة والقضاة بشر لا يعلمون الغيب – فإن كلمته هذه تدمغ المقضي في شأنه دمغا يمحو تاريخه ويقضي على مستقبله .. إن كلمة القضاء قبر يوارى فيه من دمغته كلمته إلى الأبد .

ولكن الله جلت قدرته صدق وعده إذ قال ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا ) ( النور : 55 ) فقد تكفل هذا العليم الخبير القدير بأن يجعل هذا القبر الذي أعدوه لهذه الدعوة قبرا لهم .. أو ليس هو سبحانه الذي وصف قدرته فقال : ( ويخلق مالا تعلمون ) ( النحل :8) وسجل وعده فقال ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) ( الصافات : 171 -173) وقال ( وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) الأنبياء : 70) ؟

ولا يحسبن القارئ الكريم أن الغلبة والنصر الذين وعد الله بهما لا يتحققان إلا بتولي الموعودين مناصب الحكم .. فمناصب الحكم عارضة وزائلة , وستنسي على الأيام وينسي من شغلوها ولا يبقي في أذهان الناس إلا رذائلهم وسخافاتهم وطيشهم ..وإنما النصر هو التمكين في الأرض .. وهو تغلغل الفكرة التي تدعو إليها في عقول الناس وقلوبهم وامتزاجها بدماء مهجهم , وصياغتها الأجيال تلو الأجيال على النمط الذي توحى به والطراز الذي تنشده , مهما تعاقبت الأيام وتغيرت الظروف .. لا تعترف العقبات , ولا تكترث بالمعوقات .. فهي ماضية في طريقها كوكبا هاديا في ظلمات ليل بهيم حتى ينبلج الفجر فتكون هي شمسه المشرقة التي ينعم الجميع بنورها ويستمتعون بدفئها وحيوتها .

كان لابد للشعب أن يشهد ويقرأ ويسمع – بعد أن طال أمد تضليله – عن طريق ساحات القضاء ما حجب عنه من بطولات أبنائه وشجاعتهم وفدائيتهم وأن يشهد ويفؤأ ويسمع ما أخفي عنه – من مخازي تلك العهود وخياناتها وتواطئها مع المستعمر – ما يحرك شعور هذا الشعب ويثير حفيظته وما يعده إعدادا عقليا ونفسيا وعاطفيا لثورة عاصفة لا تبقي من هذه العهود على أثر.

والمستعمرون وآلاتهم من حكام الشعوب المستعضفة لا يملون ولا ييأسون مهما فشلت خططهم ومهما حبطت مؤامراتهم فلقد لجأوا أخيرا والدعوة لا تزال في طور ما بين الحياة والموت إلى تطويقها عن طريق التشريعات والقوانين .. وهذا باب من أخطر الأبواب الخبيثة الماكرة , فهو أسلوب هادئ للإعدام بالسم الزعاف الذي لا يسمع له صوت ولا يحس له ضجيج .. هذا هو أسلوب الاحتواء الذي يقضي على شخصية الهيئات والأفكار والدعوات دون أن تحس هي أو يحس غيرها – ولا يلجأ إليه عادة إلا الحكام الماكرون المفتونون بغرور السلطة الذين يعميهم الغرور فينسون أنهم زائلون .. وقد عانت الدعوة أيضا هذا النوع من طرق الإبادة , وأفردنا له فصلا كاملا لما له من خطورة بالغة على حياة الدعوات وعلى حياة الأمم نفسها .

وقد لا يعيب الإخوان المسلمين أن يعترفوا بأن اغتيال المرشد العام بالطريقة التي رتبت لاغتياله كان أشد أثرا في تعريض الدعوة للتبدد والفناء من كل ما وجهت به من أساليب القهر والكبت والعسف والتعذيب – ذلك أن دعوة بلا قيادة هي جسم بلا رأس .. ولا يعيبهم إذا قالوا أنهم عانوا من هذا الموقف طويلا أشد المعاناة .

فلقد كان حال الإخوان في ذلك الوقت حال سفينة غاصة بركابها عصفت بها الرياح الهوج وهي وسط بحر صاخب مائج موجة كالجبال فاختطفت الرياح الهوج أول ما اختطفت ربانها الذي كان ساهرا على قيادتها وتوجيهها ... ثم أخذت الرياح تلعب بدفتها فترنحت السفينة يمينا وشمالا حتى ألقي بها على صخرة عاتية متشعبة فتحطمت , وصار ركابها حيارى لا يرون لأنفسهم من الهلاك ملجئ ولا مهربا ... كل ذلك والحشد الحاشد الواقفون على الشاطئ يرقبون السفينة منذ عصفت بها الرياح ومزقتها الأمواج , ويرون الركاب يغالبون الموت وهو محيط بهم من كل جانب ..ولم يعد من بريق أمل في نجاتهم .. وثبت المراقبون أنظارهم على السفينة المحطمة ليروها حين تهوى ويبتلعها أليم وتغوص بمن فيها إلى العمق السحيق .

وبينما هم يترقبون هذه اللحظة الأخيرة إذا بهم يرون واحدا من هؤلاء المغالبين قد غالب الموج حتى غلبه وشق طريقه إلى الدفة المترنحة فأمسك بها بيدين قويتين فأوقف تذبذبها ووجه ما بقي من حطام السفينة بمن فيه إلى بر الأمان .

فما كان من الحشد على الشاطئ إلا أن تلقوهم بالعناق والأحضان وقد أقنعهم ما رأوا بأعينهم أن هذا الربان الذي أنقذ السفينة بمن فيها من الهلاك المحقق جدير أن يتخذوه في البر قائدا ومرشدا وأميرا .

وهكذا استطاع الإخوان أن يخرجوا من محنتهم ومن حيرتهم ومن ضياع كان محيطا بهم ومن تشتت كاد يأتي عليهم – بالتفافهم حول مرشد جديد رشحته لهم العناية الإلهية في أقسي الظروف وأحرج الأحوال .

وهكذا خرج الإخوان من محنتهم لا ليستردوا حريتهم فحسب بل ليتسلموا لواء القيادة في السلوك ببلادهم إلى طريق جديد .. فلقد كان في خروجهم من آتون المحنة سالمين في أتم عافية , ما أذهل الذين أوقدوا لهم هذا الآتون .. فأسقط في أيديهم ولم يملكوا إلا أن يقفوا أمام هذه الآية خاشعين .

ومع ذلك فإن القيادة الجديدة لم تسلم من عقبات المعوقين من داخل البناء الإخواني كما لم تسلم من مكر الكائدين من خارجه .. ولكن هذه القيادة – بحكمة خطواتها وبصلابة عودها , وبإخلاص نياتها والتفاف الإخوان من حولها – استطاعت بفضل الله أن تتفادي هذه العقبات وأن تشق طريقها بهذه الأمة إلى الغاية التي كان الشعب يتمناها وهي تحريره من تاريخ طويل مظلم مستبد إلى تاريخ مشرق جديد .. وقد نجحت هذه القيادة في تحقيق هذا الأمل العظيم وزحفت بالشعب حتى بلعته نهاية الشوط ووضعته على أول الطريق الجديد .

محمود عبد الحليم
25 من صفر الخير سنة 1401
أول يناير سنة 1981 م

الباب الأول

  • آخر ما كان في جعبة التآمر العالمي
  • وهما : خطتا الإبادة
  • • الخطة الأولي : الحل .
  • • الخطة الأخيرة : جريمة القرن العشرين .

مقدمة

وقفنا في الفصل الأخير من الجزء الأول من هذه المذكرات في استعراضنا لخطط التآمر العالمي على دعوة الإخوان المسلمين عند الخطة الثامنة , وأرجانا تناول الخطتين الأخيرتين من هذه الخطط إلى هذا الجزء من المذكرات ...

وما كان المتآمرون يعتقدون أنهم سيحتاجون إلى اللجوء إلى هاتين الخطتين في يوم من الأيام فالخطط الثماني السابقة كانت كافية – في نظرهم وحسب تجاربهم – لسحق أعظم هيئة تقف في طريقهم ... ولكنهم فوجئوا بما لم يكونوا يحتسبون , من فشل الخطط الثماني في النيل – ولو خدشا – من البناء الإخواني المتين .

وجدوا أنفسهم – حينئذ – مضطرين إلى اللجوء إلى الخطتين المدخرتين , وهم يعلمون أنهما خطتا إبادة ومحو من الوجود , لأنهما من الفظاعة والجرأة والعنف والتوحش بحيث يرتاع العالم لفظاعتهما وتوحشهما وبحيث يغطي دويهما على أصداء الأحداث الجسام التي كانت تجرى على أرض مصر والبلاد العربية في ذلك الوقت .

ولم يقدم المتآمرون على النزول بهاتين الخطتين إلى ميدان المعركة إلا بعد أن وثقوا من توفر جميع أسباب نجاحهما .. مما يوؤسف له , ومما يدمي القلب أن أهم هذه الأسباب أن يكون تنفيذهما بأيد مصرية .. وقد اطمأنوا تمام الاطمئنان إلى وجود هذه الأيدي مستعدة متلهفة .

وقد يختلف المحللون للأحداث في تعليل التوقيت الذي اختاره المتآمرون للإقدام على ارتكابهما فيعلل بعضهم الإقدام عليهم في ذلك الوقت بأنه كان تغطية لفشل الحكومة المصرية في تحقيق الأهداف الوطنية , ولعجزها عن إحراز أى نجاح في الوصول بالقضية المصرية إلى أدني ما يؤمله المصريون .

ويعلل آخرون هذا التوقيت بأنه كان لإسدال ستار على مهازل هذه الحكومة في قضية فلسطين ولصرف أنظار المصريين عن النهاية الأليمة للجيش المصري فيها نتيجة السياسة الخرقاء التي عالجت بها هذه الحكومة شئون هذه الحرب وتخبطها وتناقضها واستبدادها برأيها ورفضها الاستماع إلى نصائح الناصحين وتحير الخبراء المخلصين .

وإطلاقا لضباب كثيف يحجب الرؤية عما تخلل هذه الحرب من خيانات ظهر أثرها في الأسلحة الفاسدة التي أمد بها الجيش , فكانت الذخيرة الموجهة إلى العدو – بدلا من أن تنفجر فيه في جنودنا وضباطنا فتفتك بهم وتقضي عليهم .

ويرى بعض المحللين أن ثورة اليمن التي نشبت ضد الإمام يحيي حميد الدين كانت الدافع لحقيقي إلى هذا التوقيت فقد نشبت هذه الثورة في أوائل عام 1948 وقرار الحل صدر في أواخر العام نفسه.

وهناك من يري أن ظهور القوة المذهلة للروح الفدائية لمتطوعي الإخوان المسلمين في فلسطين هي التي حددت هذا التوقيت وحملت مدبرى المؤامرة العالمية على التعجيل بما كانوا يدخرون من خطط الإبادة .

على أننا نرى أن هذه التعليلات كلها مجتمعة هي التي تضافرت معا على تحديد هذا التوقيت .

  • الخطة الأولي للإبادة
  • الحل
  • صدور أمر عسكري بالحل
  • • صدور أمر عسكري بالحل .
  • • من هو الآمر الحقيقي بالحل ؟
  • • تفنيد أسباب الحل .

الفصل الأول صدور أمر عسكري بالحل

صدور أمر عسكري بالحل كان هو الخطة التاسعة في سلسلة خطط التآمر العالمي على الدعوة إلا أنه كان خطة بعيدة المدى فادحة الآثار بالغة العنف لما اقترن بها من أساليب فاقت في التوائها وغرابتها وتجافيها عن الذوق والعقل والقانون والمنطق والإنسانية أساليب اللصوص والمجرمين وقطاع الطريق .

ويبدو أن المتآمرين قد اختاروا لتنفيذ هذه الحلقة من السلسلة النقراشي رئيس الوزراء في ذلك الوقت لما يعلمون عنه من ضيق الأفق وقصر النظر وبلادة التفكير وهي مؤهلات تضمن لهم أن يكون التنفيذ بطريق الطاعة العمياء .. ولا يصلح لهذه المهمة إلا رجل اجتمعت فيه كل هذه الخصال .. وقد وثقوا من ذلك بعد أن أثبتته موافقة السياسية الداخلية والخارجية خلال سنوات ثلاث تولي خلالها رياسة الوزارة مرتين .. فكان هو طلبتهم والشخصية والتي يندر وجودها بل وقد يستحيل وجودها .. فكل البلاد المتحضرة لا يصل إلى رياسة الوزارة فيها إلا الرجل الكفء القدير البعيد النظر الواسع الأفق الذي يجمع بين الذكاء والمرونة التي هي محصلة كل صفات الكفاءة.

أما في مصر وفي تلك الحقبة من الزمان , فإن استهتار الملك بالشعب وانغماسه في شهواته قد اقتضي أن يستدعي إلى سدة الحكم , ويحكم في رقاب الشعب حزبا من الأحزاب المصطنعة ما كان له أن يصل إلى الحكم فإذا استدعاه الملك , ضمن هذا الملك أن يجد تحت قدميه حكاما يصدعون بأمره , ويذعنون لصلفه , ويلهجون بذكره ويسبحون بحمده ويتنافسون على إشباع نزواته .

وقتل رئيس هذا الحزب – المسمي حزب السعديين – فخلفه على كرسي الوزارة نائبه في الحزب ... وكثيرا ما يكون نائب الرئيس في التجمعات السياسية صالحا لممارسة كل الأعمال إلا الرياسة ..,كان النقراشي باشا من هذا الطراز .. فتولي الوزارة مرتين جر خلالهما على البلاد نكبات لم تمن بمثلها من قبل , ففي عهده هوجم الطلبة بالمدافع الرشاشة فحصدوا حصدا – إذ هو صاحب موقعة كوبري عباس الثانية التي نوهنا عن فظاعتها في الجزء الأول من هذا الكتاب .... وفي عهده ثبت الاحتلال البريطاني أقدامه في أرض مصر .. وفي عهده فقدنا السودان وانقطعت آخر الروابط بيننا وبينه ... وفي عهده ضاعت فلسطين وسلمت إلى اليهود وتأسست دولتهم على أرضها وجلل الجيش المصري الباسل بالخزي والعار لهزائم لا دخل له فيها , ولا ذنب عليه فيما حاق به منها ولكنها هزائم ورط فيها هذا الجيش نتيجة سوء تصرف هذا الحاكم وقصر نظره وفساد تقدير وتحجر عقله وارتضائه أن يكون ألعوبة في يد المستعمر .

وظهرت براعة المتآمرين في اختيارهم منفذ المؤامرة واقتصرت مهمتهم بعد ذلك على وضع هذا المنفذ على قمة المنحدر وارتضي هو لنفسه هذا الوضع واهما – لقصر نظره – أنه يقعد على أرض منبسطة ..وأخذ في الانطلاق فإذا به يتدهور , وكل تدهور يسلمه لما هو أنكي منه وهو لا يملك من أمر نفسه شيئا , ولا يجد حاجزا يحجزه فيقف بتدهور عند حد ... حتى تحطم وتحطمت معه البلاد , والمتآمرون يتفرجون فرحين جذلين .

وكان الوهم الذي سلط على العقلية القاصرة للنقراشي باشا أنه – وقد أيد بسلطة الملك لا سيما ومستشار الملك ورئيس ديوانه هو إبراهيم عبد الهادي صنو النقراشي ونائبه في الحزب .. ومن ورائه مجلس نواب صنعه بيده وأعضاؤه من صنائعه .. ثم أنه مسلح يمضي سلاح يشهره في وجه من يشاء وكيفما شاء هو سلاح الأحكام العرفية – فقد ظن إذن أنه في مأمن من عوادى الدهر وكوارث الأيام وفي حصن منيع تتقطع دونه الرقاب ويرجع عنه كل هجوم عليه وهو كسير حسير..

وهكذا يعمي هيلمان السلطة من يقع في شركها من قصار النظر من الحكام عن رؤية الحقائق في الوقت المناسب , فيعيشون في دائرة الوهم , ويدورون معه حيث يدور ويندفعون في تياره حيث يدفعهم حتى يرتطموا أخيرا بصخرة الواقع فيتحطمون وحينئذ يفيقون بعد فوات الأوان .. وخطورة هذا التحطم أنه يجر معه الخراب والدمار على البلاد التي ابتليت بهذا النوع من الحكام .

ومما يضاعف من أضرار هذا النوع من الحكام أنهم لا يحيطون أنفسهم في الحكم إلا بأمثالهم من قصيري النظر من هواة السلطة وعشاق المناصب – وقد قيل من قبل : شبيه الشئ منجذب إليه - فيكملون بذلك حلقة الظلام المطبقة حولهم – فترى الذين يصلون إلى المناصب الحساسة المحيطة بهم أحد رجلين إما متسلق ميت الضمير وإما من هو على شاكلتهم من ضيقي الأفق وقاصري الإدارة وممن لا يتعدى مدى بصرهم أطراف أنوفهم – مع أن هذا النوع من الحكام هو أحوج أن يكون بجانبهم مساعدون على أعلي مستوى من الذكاء والمرونة وبعد النظر حتى يكملوا ما بهؤلاء الحكام من نقص وحتى يبصروهم بما لا يرون من عواقب الأمور , فتصدر القرارات بذلك مجانبة للخطأ قريبة من الصواب .

ولكن هكذا كان ... أن نولي النقراشي – قيادة البلاد في أحرج ظروفها – وهو ما هو مما وصفنا – واستعان مع ذلك بمن هم شر منه من أمثال عبد الرحمن عمار الذي اختاره وكيلا لوزارة الداخلية للأمن العام – وسوف يرى القارئ في صفحات قادمة إن شاء الله مدى إدراك هذا الرجل أيضا ونصيبه من الفهم والبصيرة والذكاء .

  • • صورة تخطيطية لهيئة الإخوان في ذلك الوقت :

وقبل أن ننقل للقارئ نص قرار الحل ومذكرته التفسيرية نضع بين يديه صورة تخطيطية مجملة لهيئة الإخوان المسلمين في ذلك لوقت حتى يتصور القارئ عظم الجريمة التي أقدم عليها اللاعبون بالنار ممن أصدروا هذا القرار وهم عامدون

  • كانت صورة هذه الهيئة تضم فيما تضم ما يأتي
  1. المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة.
  2. أكثر من 2000 ( ألفي ) شعبة في أنحاء القاهرة والأقاليم .
  3. ما يقارب هذا العدد من جمعيات البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين في أنحاء القطر وبالكثير منها مستوصفات ومدارس ونواد رياضية.
  4. جيش من الفدائيين يحارب في فلسطين وكان في تلك الفترة يحمى مؤخرة الجيش المصري وكان القائد العام للجيش المصري بفلسطين يطالب الحكومة المصرية في نفس تلك الفترة بالإنعام بأوسمة البطولة ونياشنها على ضباط هذا الجيش الفدائي وجنوده لما أظهروا من بطولات فاقت كل تقدير ولما قدموا من خدمات للجيش المصري لا يستطيعها غيرهم .
  5. شركة دار الإخوان للصحافة , شركة مساهمة مصرية مركزها القاهرة وتصدر جريدة يومية ومجلة أسبوعية عدا مجلتين شهريتين.
  6. شركة دار الإخوان للطباعة – شركة مساهمة مصرية مركزها القاهرة .
  7. دار الطباعة والنشر الإسلامية بالقاهرة , وهي تصدر سيلا من الكتب الإسلامية القيمة والرسائل النافعة .
  8. شركة المناجم والمحاجر العربية – شركة تضامن , ومنضم إليها شركة المعاملات الإسلامية بالقاهرة .
  9. شركة الإخوان للنسيج بشبرا .
  10. شركة الإعلانات العربية بالقاهرة .
  11. شركة الإخوان للتجارة بميت غمر .
  12. شركة لإصلاح الأراضي بنجع حمادى ,..... وغير ذلك من المؤسسات .

ثم ننقل فيما يلي نص الأمر العسكري الهمجي الذي أصدره النقراشي باشا للقضاء على أعظم هيئة نافعة في تاريخ مصر , فكان كالطفل الذي أوقد النار في بيتهم وهو يلعب فأتت عليه وعلى أبيه وأمه وأسرته .

نص الأمر العسكري رقم 63 لسنة 1948

بحل الإخوان المسلمين

الأربعاء 7 صفر 1368- 8 ديسمبر 1948

بعد الاطلاع على المرسوم الصادر في 31 مايو 1948 بإعلان الأحكام العرفية .

وعلى المادة الثالثة ( بند 8 ) من القانون رقم 15 لسنة 1923 الخاص بنظام الأحكام العرفية والقوانين المعدلة له .

وبمقتضي السلطات المخولة آنفا بناء على لمرسوم المتقدم ذكره تقرر ما هو آت:

مادة 1: تحل فورا الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين,

بشعبها في جميع أنحاء المملكة المصرية وتغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها . وتضبط الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال , وعلى العموم كافة الأشياء المملوكة للجمعية .

ويحظر على أعضاء مجلس إدارة الجمعية المذكورة وشعبها ومديرها وأعضائها والمنتمين إليها بأية صفة كانت مواصلة نشاط الجمعية , وبوجه خاص عقد اجتماعات لها أو لأحدي شعبها أو تنظيم مثل هذه الاجتماعات أو الدعوة إليها أو جمع الإعانات أو الاشتراكات أو الشروع في شئ من ذلك . وبعد من الاجتماعات المحظورة في تطبيق هذا الحكم اجتماع خمسة فأكثر من الأشخاص الذين كانوا أعضاء بالجمعية المذكورة.كما يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي السماح باستعمال أى مكان تابع له لعقد مثل هذه الاجتماعات أو تقديم آية مساعدة مادية أو أدبية أخرى .

مادة 2 – يحظر إنشاء جمعية أو هيئة من أى نوع كانت أو تحويل طبيعة جمعية أو هيئة قائمة إذا كان الغرض من الإنشاء أو التحويل القيام بطريق مباشر أو غير مباشر بالنشاط الذي كانت تتولاه الجمعية المنحلة أو إحياء هذه الجمعية على أية صورة من الصور كما يحظر الاشتراك في كل ذلك أو الشروع فيه .

مادة 3- على كل شخص كان عضوا في الجمعية المنحلة أو منتميا إليها وكان مؤتمنا على أوراق أو مستندات أو دفاتر أو سجلات أو أدوات أو أشياء من أى نوع كانت متعلقة بالجمعية أو بإحدى شعبها أن يقدم تلك الأوراق والأشياء إلى مركز البوليس المقيم في دائرته في خلال خمسة أيام من تاريخ نشر هذا الأمر .

مادة 4- يعين بقرار من وزير الداخلية مندوب خاص تكون مهمته استلام جميع أموال الجمعية المنحلة وتصفية ما يرى تصفيته منها ويخصص الناتج من التصفية للأعمال الخيرية أو الاجتماعية التي يحددها وزير الشئون الاجتماعية بقرار منه .

مادة 5 – على كل شخص كان عضوا في الجمعية المنحلة أو منتميا إليها وكان مؤتمنا على أموال – أيا كان نوعها – تخص الجمعية أو إحدى شعبها أن يقدم عنها إقرارا للمندوب الخاص المشار إليه في المادة السابقة في خلال أسبوع من تاريخ نشر هذا الأمر , وعليه أن يسلمها إلى ذلك المندوب في الميعاد الذي يحدده لهذا الغرض أو في تاريخ استحقاقها على حسب الأحوال .

مادة 6 – يجب على كل شخص طبيعي أو معنوي كانت له معاملات مالية من أى نوع كانت أن يقدم عنها إقرارا مبينا به طبيعة هذه المعاملات والمستندات المؤبدة لها وما إذا كان مدينا أو دائنا بأى مبلغ وموعد الاستحقاق إلى غير ذلك من البيانات التي تسمح بتعرف مع الجمعية أو إحدى تلك المعاملات , ويقدم هذا الإقرار إلى المندوب الخاص المعين طبقا للمادة الرابعة بكتاب موصي عليه في خلال أسبوع من تاريخ نشر هذا الأمر . ويجوز دائما للمندوب الخاص إلغاء جميع العقود التي كانت الجمعية المنحلة أو إحدى شعبها مرتبطة بها ولم يبدأ أو لم يتم تنفيذها دون أن يترتب على هذا الإلغاء أى حق في التعويض للمتعاقدين معها .

مادة 7- كل مخالفة لأحكام المواد 1, 2, 3 يعاقب مرتكبها بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تجاوز ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين , وذلك مع عدم الإخلال بتطبيق أى عقوبة أشد ينصر عليها قانون العقوبات أو أى قانون أو أمر آخر فضلا عن مصادر الأموال موضع الجريمة ويجوز لرجال البوليس أن يغلقوا بالطريق الإداري الأمكنة التي وقعت فيها الجريمة .

مادة 8 – كل مخالفة لأحكام المادة الخامسة يعاقب مرتكبها بالحبس وبغرامة قدرها خمسون جنيها فإذا كانت قيمة المبلغ الذي لم يقدم عنه الإقرار المشار إليه في المادة الخامسة تزيد على خمسين جنيها كانت العقوبة الحبس وغرامة تعادل قيمة المبلغ المذكور بحيث لا تزيد على 4000 ( أربعة آلاف ) جنيه .

مادة 9- إذا كان الشخص المحكوم عليه في إحدى الجرائم السابقة موظفا أو مستخدما عموميا أو بمجالس المديريات أو المجالس البلدية أو القروية أو أية هيئة عامة أخرى أو كان عمدة أو شيخا تحكم المحكمة أيضا بفضله من وظيفته, وإذا كان طالبا في إحدى معاهد التعليم الحكومية أو الواقعة تحت إشراف الحكومة تحكم أيضا بفصله منها وحرمانه من الالتحاق بها لمدة لا تقل عن سنة .

مادة 10- يكون للمندوب الخاص المعين طبقا للمادة الرابعة صفة رجال الضبطية القضائية في تنفيذ أحكام المادتين 3,5 وله في هذا السبيل حق دخول المنازل وتفتيشها كما أن له تفويض من يندبه لهذا الغرض في إجراء عمل معين من تلك الأعمال .

ويعفي المندوب المذكور والمفوضون عنه وكذلك رجال الضبطية القضائية في مباشرة تلك الإجراءات من التقيد بالأحكام الموضوعية لهذا لغرض في قانوني تحقيق الجنايات .

  • المذكرة التفسيرية

وفيما يلي نص المذكرة المرفوعة إلى دولة رئيس الوزراء بطلب حل جمعية الإخوان المسلمين .

تألفت منذ سنوات جمعية اتخذت لنفسها اسم " الإخوان المسلمون " وأعلنت على الملأ أن لها أهدافا دينية واجتماعية دون أن تحدد لها هدفا سياسيا معينا ترمي إليه وعلى هذا الأساس نشطت الجمعية وبثت دعايتها ولكن ما كادت تجد لها أنصارا وتشعر بأنها اكتسبت شيئا من رضا بعض الناس عنها حتى أسفر القائمون على أمرها عن أغراضهم الحقيقية وهي أغراض سياسية ترمي إلى وصولهم إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد .

وقد اتخذت هذه الجماعة – في سبيل الوصول إلى أغراضها – طرقا شتى يسودها طابع لعنف فدربت أفرادا من الشباب أطلقت عليهم اسم " الجوالة " وأنشأت مراكز رياضية تقوم بتدريبات عسكرية مستتره وراء الرياضة كما أخذت تجمع الأسلحة والقنابل والمفرقعات وتخزنها لتستعملها في الوقت الذي تتخيره, وساعدها على ذلك ما كانت تقوم به بعض الهيئات من جمع الأسلحة والعتاد بمناسبة قضية فلسطين.وأنشأت مجلات أسبوعية وجريدة سياسية يومية تنطق باسمها سرعان ما انغمست في تيار النضال السياسي متغافلة عن الأغراض الدينية والاجتماعية التي أعلنت لجماعة أنها قامت لتحقيقها .

ولا أدل على هذا مما أثبته ممثل النيابة العسكرية العليا في مذكرة له في شأن ما أسفر عنه تحقيق قضية الجناية العسكرية رقم 882 لسنة 1942 قسم الجمرك إذ قال عن جمعية الإخوان المسلمين " وبفحص لمكاتب الأخرى اتضح من الاطلاع على التقرير المرسل من بعض أعضاء الجماعة في طنطا أنهم يعيبون على الجمعية سياستها الحالية التي تصطبغ بصبغة دينية بحتة ويطلبون أن تكشف الجمعية للجمهور عن حقيقة مراميها وعن الغرض الأساسي من تكوينها الذي ينصب بالذات على أن الجمعية ليست جمعية دينية بالمعني الذي يفهمه الجمهور ,وإنما هي جمعية سياسية دينية اجتماعية تنادي بتغيير القوانين وأساليب الحكم الحالية , وأن الخطب الدينية لا تفيد في توجيه الجمهور إلى تفهم غرضها الحقيقي وأن الوسيلة لبلوغ هذا هو إثارة الجمهور بطريقة طرق مشاعره وحساسيته لا عقله وتقديره إذ أن هذه الناحية الأخيرة هي ناحية ضامرة فيه .. الخ" وقد كتب الشيخ حسن البنا رئيس الجماعة بخط يده على هذا التقرير إنه مؤمن بما ورد فيه موافق على ما تضمنه من مقترحات .

ومما يؤيد هذا الاتجاه ما حدث في 8 فبراير 1946 بإحدى قوى مركز أجا إذ قام طالب يخطب الناس حاثا إياهم على الانضمام لشعبة الإخوان المسلمين فيتلك القرية , ومحرضا على مقاومة كل من يتعرض لهذه الجماعة من رجال الإدارة وغيرهم ولو أدي ذلك إلى استعمال السلاح . وقد استمر قادة الجماعة ورؤساؤها يعالجون الأمور السياسية في خطبهم وأحاديثهم ونشراتهم جهرة متابعين الأحداث السياسية منتهزين كل فرصة تسنح لهم للوصول إلى أغراضهم .

وكان بعض الموظفين قد استهوتهم الأهداف الاجتماعية والدينية التي اتخذتها الجماعة ستارا لأغراضها الحقيقية فأصبح موقفهم بالغ لحرج لأن القانون لا يسمح بانتساب الموظفين لأحزاب سياسية .

كما امتدت دعوة الجماعة إلى أوساط الطلبة واجتذبت فريقا منهم فأفسدت عليهم أمر تعليمهم وجعلت من بينهم من يجاهر بانتسابه إليها ويأتمر بأمرها فيحدث الشغب ويثير الاضطراب في معاهد التعليم مما أخل بالنظام فيها إخلالا واضح الأثر .

ولقد تجاوزت الجماعة الأغراض السياسية المشروعة إلى أغراض يجرمها الدستور وقوانين البلاد فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب ولقد أمعنت في نشاطها فاتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها – وفيما يلي بعض أمثلة قليلة لهذا النشاط الإجرامي كما سجلته التحقيقات الرسمية في السنوات الأخيرة :-

أولا : أوضحت تحقيقات الجناية العسكرية العليا سنة 1942 قسم الجمرك حقيقة أغراض هذه الجماعة , وأنها تهدف إلى قلب النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية متخذة طرقا إرهابية بواسطة فريق من أعضائها دربوا تدريبا عسكريا وأطلق عليهم اسم " فريق الجوالة ".

ثانيا – وبتاريخ 6 يونيو 1946 وقع اصطدام في مدينة بورسعيد بين أعضاء هذه الجماعة وخصوم لهم استعملت فيه القنابل والأسلحة وأسفر عن قتل أحد خصومهم وإصابة آخرين . وضبطت لذلك واقعة الجناية رقم 679 لسنة 1946 قسم ثان بور سعيد.

ثالثا : وبتاريخ 10 ديسمبر 1946 ضبط بعض أفراد هذه الجماعة بمدينة الإسماعيلية يقومون بتجارب لصنع القنابل والمفرقعات .

رابعا : كما وقعت بتاريخ 24 ديسمبر 1946 حوادث إلقاء قنابل انفجرت في عدة أماكن بمدينة القاهرة وضبط من مرتكبيها اثنان من هذه الجماعة قدما لمحكمة الجنايات فقضت بإدانة أحداهما ( قضية الجناية رقم 767 لسنة 1946 قسم عابدين – 17 سنة 1946 كلي )

خامسا – وقد تعددت حوادث اشتباك أفراد هذه الجماعة مع رجال البوليس ومقاومتهم لهم بل والاعتداء عليهم وهم يؤدون واجبهم في سبيل حفظ الأمن وصيانة النظام , مثال ذلك ما حدث في يوم 29 يوليه 1947 بدائرة قسم الخليفة من اعتداء فريق جوالة الإخوان المسلمين على مأمور هذا القسم ورجاله .

سادسا – وقد ثبت من تحقيق الجناية رقم 4726 لسنة 1947 الإسماعيلية أن أحد أفراد هذه الجماعة ألقي قنبلة بفندق الملك جورج بتلك المدينة فانفجرت وأصيب من شظاياها عدة أشخاص كما أصيب ملقيها نفسه بإصابات بالغة .

سابعا – وحدث في 19 يناير 1948أن ضبط خمسة عشر شخصا من جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة جبل المقطم يتدربون على استعمال الأسلحة النارية والمفرقعات والقنابل وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع وغيرها من أدوات التدمير والقتل .

ثامنا – وفي 17 فبراير 1948 اعتدى فريق من هذه الجماعة على خصوم لهم في الرأي بأن أطلقوا عليهم أعيرة نارية قتلت أحدهم وكان ذلك بناحية النور مركز ميت غمر وضبطت لذلك واقعة الجناية قم 1407 لسنة 1948.

تاسعا – كما عثر بتاريخ 22 أكتوبر 1948 بعزبة فرغلي رئيس شعبة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية على صندوق يحتوى على قنابل مما استدعي تفتيش منزله فإذا بأرض إحدى الغرف سردابان بهما كميات ضخمة من القنابل المختلفة والمفرقعات والمقذوفات النارية والبنادق والمسدسات وأحد عشر مدفعا . كما عثر في فجوة بأرض الغرفة على وثائق تقطع بأن هذه الجماعة تعد العدة للقيام بأعمال إرهابية واسعة النطاق .

عاشرا : وحرقت في 18 يناير 1947 أحطاب لأحد الملاك بناحية كفر بدواى واتهم بوضع النار فيه فريق من شعبة الإخوان المسلمين بتلك القرية . ولما قام البوليس بالفحص عن أحوال تلك الشعبة تبين أن أحد أعضائها مقدم لمحكمة الجنايات في جريمة قتل شيخ خفراء البلدة .

حادي عشر : وبتاريخ 3 فبراير 1948 قام بعض أفراد شعبة الإخوان المسلمين بناحية البرامون بإيهام الأهالي بأنهم سيعملون على زيادة أجورهم وإرغام تفتيش أفيروف الذي يقع بزمام القرية على تأجير أراضيه مقسمة على الأهالي بإيجار معتدل وقاموا بمظاهرات طافت بالقرية تردد هتافات مثيرة ولما أقبل رجال البوليس لقمع الفتنة اعتدوا عليهم بإطلاق النار وقذف الأحجار . وقد وقع شجار بعد ذلك بنفس القرية في يوم 13 مارس 1948 بين جماعة الإخوان المسلمين ومن إليهم وبين خصوم لهم فأسفر عن قتل أحد الأشخاص وإصابة آخرين .

ثاني عشر – وفي يوم 26 يونيه 1948 حرض الإخوان المسلمون عمال تفتيش زراعة محلة موسي التابع لوزارة الزراعة على التوقف عن العمل مطالبين بتملك أراضي هذا التفتيش الأمر الذي سجلته القضية رقم 921 لسنة 1948 جنح كفر الشيخ.

ثالث عشر – من الأساليب التي لجأت إليها الجماعة إرسال خطابات تهديد لبعض الشركات والمحال التجارية لابتزاز أموال منها على زعم أنها مقابل الاشتراك في جريدتهم واقتنصوا بالفعل أموالا بهذه الوسيلة وقد تقدمت بعض هذه الشركات بالشكوى من هذا التهديد طالبة حمايتها من أذي هذه الجماعة .

ولم تقف شرور هذه الجماعة عند هذا الحد بل عمدت إلى إفساد النشئ فبذرت بذور الإجرام وسط الطلبة والتلاميذ ,فإذا بمعاهد التعليم وقد انقلبت مسرحا للشغب والاخلال بالأمن وميدانا للمعارك والجرائم ومن أمثلة ذلك الحوادث التالية:

أ‌- حدث ببندر دمنهور في يوم 25 مايو 1947 بمدرسة الصنايع أن اعتدى تلاميذ الإخوان لمسلمين على أحد المخالفين لهم في الرأي وشرعوا في قتله بطعنة سكين وضبطت لذلك واقعة الجناية رقم 1248 لسنة 1947 ببندر دمنهور .
ب‌- وفي يوم 3 فبراير 1948 حرض بعض التلاميذ من أعضاء هذه الجماعة زملاءهم تلاميذ مدرسة الزقازيق الثانوية على الإضراب وألقي أحدهم قنبلة يدوية انفجرت وأصابت بعض رجال البوليس . كما ضبط مع آخر منهم قنبلة يدوية قبل أن يتمكن من استخدامها في الاعتداء .
ت‌- ويوم 24 يناير 1948 تحرش بعض تلاميذ مدرسة شبين الكوم الثانوية من المنتمين إلى الإخوان المسلمين بزملاء لهم الأمر الذي أدى إلى حادث قتل .
ث‌- ويوم 24 يناير 1948 تحرش بعض تلاميذ مدرسة شبين الكوم الثانوية من المنتمين إلى الإخوان المسلمين بزملاء لهم الأمر الذي أدي إلى حادث قتل .

ولم تتورع هذه الجماعة عن أن يمتد إجرامها إلى القضاء الذي ظل رجاله في محراب العدل ذخرا للمصرين وملاذا لهم , ينعمون بثقة المتقاضين وطمأنيتهم – إذ قصدوا إلى إرهاب القضاة عن طريق قتل علم منهم هو المغفور له أحمد الخازندار بك وكيل محكمة استئناف مصر , الذي حكم بإدانة بعض أعضاء الجماعة لجرائم قارفوها باستخدام القنابل – وقد ثبت أن أحد المجرمين القاتلين كان سكرتيرا خاصا للشيخ حسن البنا . ولقد أدركت الحكومات المتعاقبة خطورة الأهداف والمقاصد التي تسعي هذه الجماعة لتحقيقها فحاولت – في حدود القوانين القائمة – أن تحد من شرورها وساعدت الأحكام العرفية التي أعلنت خلال الحرب العالمية الأخيرة على اعتقال بعض قادة هذه الجماعة وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت الجماعة سادرة في جرائمها الأمر الذي استوجب إصدار الأمر العسكري بحل شعبتي الإخوان المسلمين بالإسماعيلية وبور سعيد .

ولقد وقعت في يوم 4 ديسمبر 1948 حوادث مؤلمة بجامعة فؤاد الأول بالجيزة ألقي فيها الطلاب قنابل على رجال البوليس وأطلقوا عليهم الرصاص وقذفوهم بالأحجار فأصيب عدد منهم كما حدث فينفس اليوم أن اعتصم بعض طلبة كلية الطب بأسطح مبني الكلية وأشعلوا النار في أماكن متفرقة وقذفوا رجال البوليس الذين كانوا يحافظون على النظام ببعض القنابل وكميات هائلة من الأحجار وقطع الأخشاب وزجاجات مملوءة بالأحماض ثم ألقوا على حكمدار بوليس العاصمة قنبلة أودت بحياته .

وحدث في يوم 6 ديسمبر 1948 أن تجمع طلبة المدرسة الخديوية واندس بينهم بعض الغرباء وألقوا قنبلتين على رجال البوليس الذين كانوا خارج أسوار المدرسة فأصيب ضابط وسبعة من العساكر – وكان مقترفوا هذه الحوادث المروعة من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين .

ولا تزال النيابة العامة ماضية في تحقيق حادث ضبط سيارة بها واد متفجرة وذخائر ومستندات خطيرة , بدائرة قسم الوايلي يوم 15 نوفمبر 1948. وقد أدي التقصي عن ظروف هذا الحادث إلى ضبط كميات هائلة من القنابل والمفرقعات جاءت أضعافا مضاعفة لما ضبط في تلك السيارة وقد كشفت ملابسات هذا الحادث حتى الآن عن أن جماعة من الإخوان المسلمين يكونون عصابات إجرامية هي المسئولة عن حوادث الانفجارات الخطيرة التي حدثت في مدينة القاهرة خلال الشهور الستة الأخيرة وكان آخرها حادث نسف شركة الإعلانات الشرقية يوم 12 نوفمبر 1948 وما نجم عنه من هدم وتخريب في المباني وقتل بعض الأهالي ورجال البوليس وجرح عدد غير قليل من الأشخاص .

وبما أنه يتبين بجلاء من استعراض هذه الحوادث – وهي قليل من كثير – أن هذه الجماعة قد أمعنت في شرورها بحيث أصبح وجودها يهدد الأمن العام والنظام تهديدا بالغ الخطر لذلك أرى أنه بات من الضروري اتخاذ التدابير الحاسمة لوقف نشاط هذه الجماعة التي تروع أمن البلاد في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى هدوء كامل وأمن شامل ضمانا لسلامة أهلها في الداخل وجيوشها في الخارج .

وكيل الداخلية
عبد الرحمن عمار
  • إجراءات أشد شذوذا

بعد أن أوردنا نص قرار الحل ومذكرته التفسيرية نقول : أن قرار الحل في ذاته – متسترا برداء الأحكام العرفية – أمر شاذ, ومع ذلك فإن مصدرى هذا الأمر لم يكتفوا به بل اتبعوه بإجراءات أشد شذوذا .

فالأمر العسكري ببنوده العشرة ما فيها من اعتداء صارخ على الحريات وحرمان من الحقوق قد تم تنفيذه دون أن يتعرض أحد من أعضاء الجماعة للمنفذين .. فلم إذن تعدى مصدرو الأمر حدود بنوده ؟ هل هو تفان منهم في محاولة إرضاء سادة لهم دفعوهم وهم من ورائهم يرقبون ؟ هل هو إثبات لهؤلاء السادة أن المنفذين يستحقون أن تضاعف لهم المكافأة بعد أن برهنوا على أنهم ملكيون أكثر من الملك وإنجليز يون أكثر من الإنجليز ؟

لقد اتبعوا تنفيذ بنود الأمر العسكري بأساليب مبتكرة لم يكن لهذا الشعب بها عهد من قبل من اعتقالات هوجاء , ومصادرات عمياء وبطش عنيف دون مبرر ..

على أن كل هذه الإجراءات الجائرة – مع كل ما فيها من شذوذ فإن هناك من يستطيع أن ينتحل لها مبررا مما سبق أن سقناه على سبيل الاستفهام – أما الإجراء الذي لا يمكن تبريره ومن أجل ذلك يمكن اعتباره أخطر إجراء اتخذوه فهو أنهم حالوا بين المرشد العام وبين الإخوان فلا هو مسموح له أن يتصل ولو بفرد واحد منهم ولا يستطيع أحد منهم أن يتصل به حتى بالتليفون الذي قطعوه عن منزله بل إن أى إنسان يقترب من منزله كان يقبض عليه ولو كان من غير الإخوان .

  • • خطورة هذا الإجراء :

وإني لا تعجب لأولئك الذين قرروا هذا الإجراء الذي إن دل على شئ فإنما يدل على التناقض والتخبط وسوء لتصرف وقصر الإدراك فنصوص الأمر العسكري الذي أصدوره ونصوص مذكرته التفسيرية التي نبوه عليها , توحى إلى القارئ بأن مصدري هذا الأمر ينظرون إلى الإخوان المسلمين على أنهم مجموعة ضخمة من الشباب المتهور الذي لا يبالي بشئ.... وهم يعلمون أنهم – مهما بالغوا في البطش والاعتقال – فإن الإخوان المسلمين من الكثرة بحيث يكون الباقون منهم خارج أسوار المعتقلات والسجون أضعافا مضاعفة لمن هم في داخلها والكثرة الغالبة منهم من الشباب المتحمس الثائر .. كما أنهم يفهمون أن الأمر العسكري الذي أصدروه هو تحد مباشر لمشاعر هذا الشباب واستفزاز له وأنه بمثابة إعلان للحرب عليهم وحكم صدر بإعدامهم بل بإعدام ما هو أعز عليهم من أنفسهم .

وفي الوقت نفسه يفهم هؤلاء المسئولون ويعلمون تمام العلم أن الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يوجه هذا الشباب والذي بيده زمام هذا الشباب هو المرشد العام .

فما معني الحيلولة بين المرشد العام وبين هذا الشباب إذن ؟... لقد شاع في ذلك الوقت وعقب إذاعة الأمر العسكري بحل الإخوان مباشرة وحين أحس الناس بما تضمنه هذا الأمر من عنف وضراوة لم يعهد مثلهما- من قبل – شاع على ألسنة الخاصة والعامة أن هذا التحدي البالغ العنف لابد أن تكون حياة النقراشي ثمن له .

ولقد خبرت الحكومة المصرية على اختلاف ألوانها وأحزابها مقدرة المرشدة العام لخارقة في التأثير في هذا الشباب , واستطاعته أن يقنعهم برأيه مهما كان رأيه معارضا لاتجاههم ومصادما لعواطفهم .. خبروا ذلك في موقفين خطيرين : أحدهما حين قررت إحدى الحكومات الحزبية نقله إلى قنا , والآخر حين طلبت منه إحدي الحكومات الوفدية التنازل عن ترشيح نفسه لمجلس النواب – وقد تحدثنا عن هذين الموقفين بتفصيل في الجزء الأول من هذا الكتاب ... المرشد لعام وحده إذن هو القادر على كبح جماح هؤلاء الشباب إذا لم يحل بينه وبينهم . فما معني هذا الإجراء الغريب لموغل في الغرابة ؟ والذي قد لا نجد له تعليلا ولا تحليلا ولا تبريرا إلا أن يكون حقدا أسودا قد غشي على بصائر هؤلاء الناس وأبصارهم فهم في ضلالهم يعمهون .

وهناك رؤية قد يراها الحاذقون من المراقبين للأحداث الذين لا يكتفون من الأحداث بظواهرها دون بواطنها يلخصها هؤلاء الحذاق في أن مخططي المؤامرة من غير المصريين وهم على أعلي مستوى في الخبرة النفسية – خططوها بحيث يكون دورهم فيها مقتصرا على إشعال فتيلها ثم تركها بعد ذلك متأججة يأكل بعضها بعضا حتى تتحقق كل أهدافهم دون حاجة إلى ظهورهم على المسرح في أى دور من أدوراها . وقد رأوا في اختيار النقراشي بالذات – كما شرحنا ذلك من قبل – الضمان الكامل للوصول إلى النهاية التي يأملون .

ومع ذلك فإن المرشد العام لم يأل جهدا في الاتصال بهم وأخذ يبصرهم بخطأ تصرفهم في الحيلولة بينه وبين الاتصال بالإخوان وحذرهم مغبة هذا الإجراء الذي تدعو مصلحة البلاد إلى العدول عنه , ولكنه لم يتلق على إلحاحه المستمر جوابا إلا وعودا في الهواء .

فكان من نتيجة تمسك الحكومة بهذا الإجراء الأخرق أن وجد هذا الشباب الثائر المجروح المضطهد المطارد نفسه بغير قيادة فتصرف من تلقاء وبدافع من عاطفته .. فكانت أحداث جسام بدأت بما كان يتوقعه الجميع من اغتيال النقراشي في حصنه الحصين بوزارة الداخلية ثم تفاقمت بعد ذلك الأحداث تفاقما لم يخطر ببال أحد إذ أفلت الزمام .

النقراشي باشا

يعد عشرين يوما من صدور الأمر العسكري بحل الإخوان المسلمين , وفي 28 ديسمبر 1948 اغتيل النقراشي باشا في وزارة الداخلية وهو محاط بحراسة مكثفة لا ينفذ من خلالها الهواء ... فكان هذا مصداق قوله تعالي ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) ( النساء: 78) ودليلا على أن الحاكم لا يحميه إلا عدله وتجاوبه مع شعبه .

جاء في مرافعة الأستاذ أحمد حسين أمام المحكمة العسكرية العليا في قضية اغتيال النقراشي في 20/9/1949 قوله :" نشرت جريدة أخبار اليوم أن مصطفي أمين قابل النقراشي باشا وحذره من الإقدام على حل الإخوان لأنه سيقتل فلما أصر خرج باكيا عليه .. فلما قتل بعد ذلك بأسبوع لم يبك عليه فقد بكاه من قبل – وكل من كان حول النقراشي باشا كانوا يشعرون هذا الشعور – إذن كان هناك شبه إجماع وصل إلى حد النشر على صفحات الجرائد أن حل الإخوان كان معناه قتل النقراشي . فما معني هذا التلازم ومن أين جاء هذا الشعور ؟

هل جاء فقط من ناحية خطورة الإخوان المسلمين ؟ ولكن مهما بلغ خطر الإخوان فهل يمكن أن يقاس بقوة الدولة ؟ لقد كان النقراشي باشا حاكما عسكريا ولديه من السلطات مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر... ففيم كانت هذه العقيدة التي تكونت بأن القتل سيكون مصيره ؟!

إنني أخشي أن يكون ذلك هو مظهر الشعور بالإقدام على أمر غير طبيعي وأمر شاذ وأمر متناه في القوة والعجلة فضلا عن أنه ضد القانون وضد الدستور وضد سلامة الشعب "

هذا ما قاله الأستاذ أحمد حسين ونحن نقول : أن هذا الرجل قد ذهب ضحية صلفه وحقده وضيق أفقه واستبداده برأيه واستسلامه للغاصب المستعمر وتأليهه لملكه الغارق في شهواته مما سوف نضعه إن شاء الله موضع المناقشة بعد قليل .

وفي اليوم التالي أسند الملك رياسة الوزراء إلى إبراهيم عبد الهادي باشا وهو من النقراشي بمثابة النقراشي من أحمد ماهر , يبوء بإثم ميراث وبئ من التفريط في حقوق البلاد, والتواطؤ مع المستعمر والتهالك على منصب الحكم والتسابق إلى أن يكون في خدمة نزوات الملك وفي عبادته من دون الله .

جاء هذا الرجل إلى الحكم كالذئب المتعطش للدماء, وجاء ومعه تفويض إلهي من إلهه فاروق بأن يفعل ما يشاء ولن يسأل عما يفعل ( يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم ) ( القصص : 4) بحيث يبيد هذه العصبة الوحيدة المتمردة على عبادة فاروق والسير في ركابه .... ولابد أن إبراهيم عبد الهادي هذا كان يعتقد في ذلك الوقت أن فاروقا قادر على كل شئ... وغاب عنه أن هناك إلها آخر غير فاروق هو الإله الحق الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء .. ذلك أن ما فعله هذا الرجل , وما ارتكبه من آثام لا يمكن أن يقدم عليه إنسان في قلبه مثقال ذرة من إيمان .

ففي عهد هذا الرجل بلغت الأحداث الجسام ذروتها وارتكبت أفظع جريمة في هذا القرن بتدبير حكومته وهي اغتيال المرشد العام.

وقبل أن نشرع في استعراض أيام هذا الرجل السوداء وما سجلته من مآثم يندى لها جبين الإنسانية خجلا . نتناول بالتمحيص موضوعا خطيرا ذا دلالات جوهرية في تاريخ هذه البلاد لا ينبغي أن يسبقه في صدد ما نحن فيه موضوع آخر وهو ما نفرد له الفصل الآتي إن شاء الله .

الفصل الثاني من هو الآمر الحقيقي بالحل ؟

القرار الصادر من مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الاخوان المسلمين واعتبارها حزبا سياسيا

خرج الأمر العسكري بحل " جمعية الإخوان المسلمين " فعلا – من دار رياسة مجلس الوزراء ممهورا بتوقيع النقراشي باشا رئيس مجلس الوزراء ... وعند انصراف دولته من دار الرياسة في مساء يوم 8 ديسمبر 1948 صرح للصحفيين قائلا : إنني أصدرت أمرا عسكريا بحل جماعة الإخوان المسلمين :

ويدعي النقراشي باشا ويصر على أنه هو الذي أصدر هذا الأمر من تلقاء نفسه وأن أحدا غيره لم يتدخل فيه ولم يوعز به .

ولكن هناك ما يلقي ظلالا كثيفة من الشك على هذا الادعاء بل هناك ما يعارضه وينقضه ويظهر زيفه... ونورد هنا ما جاء في هذا الصدد في مرافعة الأستاذ شمس الدين الشناوي في قضية السيارة الجيب أمام محكمة الجنايات بالقاهرة في 21 / 1/ 1951 كما نشرته جريدة " المصري " في ذلك اليوم حيث قال :

" إنهم أدخلوا الجيش المصري فلسطين حتى يتذرعوا بذلك لإعلان الأحكام العرفية حتى يتمكنوا في ظلها من ارتكاب جريمة حل الإخوان المسلمين .

وثيقة

وهنا رفع يده ملوحا وبها ورقة في حجم الكارت البوستال وقال :" هذه هي الفضيحة الكبرى وهذا هو الدليل المادي الذي ينطق بالحق . هذه هي وثيقة مكتوبة باللغة الإنجليزية ... وسلمها للمحكمة .

وأخذ يتلو نص الوثيقة باللغة العربية وهي عبارة عن رد من القيادة العليا للقوات البريطانية في الشرق الأوسط على إشارة وردت إليها من السفارة البريطانية, وتقول القيادة في الوثيقة :

"لقد أخطرت هذه القيادة رسميا بأن خطوات دبلوماسية ستتخذ لإقناع السلطات المصرية بحل الإخوان المسلمين في أقرب وقت ممكن "

وقد ذيلت الوثيقة بإمضاء رئيس إدارة قوات القيادة العليا الحربية البريطانية في الشرق الأوسط .

وبعد أن تلا هذه الوثيقة أخذت المحكمة في مناقشتها .وهنا وقف الأستاذ محمد عبد السلام بك ممثل النيابة وتساءل عن المصدر الذي أتت عنه هذه الوثيقة – فرد الأستاذ الشناوي مداعبا وقال: أن جاسوسية الإخوان هي التي أتت بهذه الوثيقة – فقال ممثل النيابة : لا يمكن التمسك بمثل هذه الوثيقة إلا إذا صح ما جاء فيها .

وهنا قال سعادة رئيس المحكمة : إلى أن تقرر السفارة البريطانية أن هذه الوثيقة مزورة وغير صحيحة,فإنها يجب أن تعد صحيحة . ( وقبل أن ينتهي الرئيس من كلامه سمع تصفيق هائل وتعالت الهتافات : يحيا القضاء العادل . يحيا القضاء النزيه )

وفي جلسة المحكمة في 10/2/1951 قدم ممثل النيابة كتابا من السفارة البريطانية يكذب الوثيقة ونصه : غيري وحيد رأفت بك ( مستشار الرأي لوزارتي الخارجية والعدل ) طلب إلى سفير حضرة صاحب الجلالة بأن أقرر أن نظره قد استرعي أخيرا إلى خبر نشر بالصحف بشأن محاكمة قائمة أمام المحاكم جاء فيها أن محاميا يدعي الأستاذ شمس الدين الشناوي حاضرا عن المتهم أحمد عادل كمال صرح بأن الحكومة البريطانية أو عزت إلى الحكومة المصرية في 1948 بإلغاء وحل الإخوان المسلمين . وأن الأستاذ الشناوي دلل على ذلك بصورة كتاب مؤرخ في 20 نوفمبر 1948 زعم أنه موقع عليه بمعرفة الكولونيل أ. م ماك درموث نيابة عن السلطات العسكرية البريطانية .

وأرى من واجبي إخباركم بأن هذه الوثيقة إن وجدت تكون مصطنعة فضلا عن أن أمر حل الإخوان المسلمين أو ما شابه ذلك كما زعم الأستاذ الشناوي لم يثر ولم يكن محل حديث بين هذه السفارة والحكومة المصرية . ولعلكم ترون أن من الضروري لمصلحة العدالة إحاطة المحكمة علما بما تقدم .

التوقيع

موري جراهام

المستشار القانوني للسفارة البريطانية

وهنا قام الأستاذ الشناوي وقال: إن تكذيب السفارة لهذه الوثيقة لا يفيد من قريب أو من بعيد لأن السفارة لم ترسل بهذه الوثيقة وإنما هي صدرت من القيادة العليا للقوات البريطانية في الشرق الأوسط وهي مذيلة بإمضاء السير ماك درموث قائد القوات البريطانية وأضاف قائلا : بأن المهم هو معرفة حقيقة هذا الإمضاء – وأمام هذا الأمر لا يصدر التكذيب إلا من صاحب التوقيع الفعلي , وهو بنفسه الذي يحق له إنكار الوثيقة .

  • وثائق أخرى

واستطرد قائلا : نحن واثقون من صحة الوثيقة التي تقدمنا بها ولدينا من الأدلة ما يؤيدها ويعززها ولسوف نقدمه لكم في القريب .

يستنصر الإنجليز

وأضاف أن السبب في تكذيب السفارة لهذه الوثيقة هو أن دولة إبراهيم عبد الهادي باشا وجد السفارة لا تحرك ساكنا , وقد مضت قرابة العشرة الأيام فطلب منهم أن ينصروه كما نصرهم أخ له من قبل .. وقد طالعتنا جريدة أخبار اليوم بأن هناك اتصالات حدثت وأن إبراهيم عبد الهادي ألح في مقابلة المستر أندورو تمت مقابلته في منزل عبد الهادي باشا بالمعادي ..

وقال : إنه ظاهر أن المستر أندروز طلب من عبد لهادي باشا أن يكذب الوثيقة بنفسه ولكن عبد الهادي قال أن الوثيقة صدرت من الإنجليز فيجب أن يكون تكذيبها من جانبهم ,.... وأشار إلى أن عدد " المصور " أول أمس نشر أن عبد الهادي سئل عن سبب المقابلة الطويلة فقرر أنها ل تتناول مسائل سياسية ولكنها كانت خاصة بتكذيب الوثيقة .

ممثل النيابة : إن الوضع الطبيعي هو أن يكون عبء إثبات صحة الوثيقة وصحة التوقيع عليها على عاتق الدفاع . ومن القواعد المقررة أنه إذا أنكر المستند فإن على الذي يتمسك به أن يثبت أن الكتابة والتوقيع صادران من خصمه .

المحكمة : الدفاع يقول أن الجهة التي أصدرت التكذيب ليست هي الجهة التي صدرت عنها الوثيقة .

النيابة : السفارة مختصة والتوقيع ولو أنه صادر عن غيرها إلا أني أري أن المستر ماك درموث وهو الموقع علي الوثيقة يتكلم فيها بإسم السفارة البريطانية.

الدفاع : إن هذا الطعن غير منتج . وهذا التكذيب إن هو إلا مؤامرة سياسية لا تجدي ولا تفيد .

المحكمة : يرجأ البحث في الوثيقة حتى يطلع الدفاع على رد السفارة ويقدم المستندات التي يراها .

وفي جلسة 15/2/1951 وقف الأستاذ شمس الدين الشناوي وتكلم بشأن الخطاب الوارد من السفارة الإنجليزية وقرر أن هذه الوثيقة رسمية صادرة من موظف رسمي مختص بتحريرها وهو المستر ماك درموث, وقال : أن الورقة الرسمية لا يطعن فيها إلا بالتزوير, وكذلك الصورة الفوتوغرافية المأخوذة لهذه الوثيقة بخلاف الورقة العرفية فإن صورتها الفوتوغرافية تكون مجرد قرينة , وذلك تطبيقا للمادة 390 من القانون المدني ولذلك يكون الطريق الذي سلكته السفارة غير سليم , ولا يمكن أن يؤثر في صحة الورقة أو ينال منها . دليل على تدخل الإنجليز

وأشار بعد ذلك إلى تدخل الإنجليز في شئون البلاد الداخلية وقال : أن بيده الآن أحد أعداد جريدة الأساس ( جريدة الحزب السعدى) وأخذ يتلو منه مقالا تحت عنوان :" لماذا يتلكأون ؟" جاء فيه:

"أن الحكومة السعدية تعجب لعدم تسليم الثلاثة من الإخوان الذين هربوا إلى فرقة , في حين أن السفارة الإنجليزية هي التي كانت تطلب إلى السلطات المصرية وضع حد لنشاطهم بمصر . فلما اشتدت وطأة البوليس المصري على الإرهابيين حمتهم السلطات البريطانية في برقة والسلطات المصرية في انتظار تغير موقف السلطات البريطانية في برقة حتى ينسجم مع موقف السفارة البريطانية في القاهرة .

تدخل سافر

ثم قدم الأستاذ الشناوي هذا العدد إلى المحكمة قائلا : إن هذا هو اعتراف صريح من السعديين بالتدخل البريطاني السافر لا في شئوننا الخارجية فحسب وإنما في شئوننا الداخلية أيضا .

  • • قرائن تؤيد صحة الوثيقة:
  • • هذا ما كان من أمر الوثيقة . وليس يعنينا بعد إيرادها وإيراد ما دار حولها من نقاش أن نقيم هذا النقاش , وأن نتعقب ما كان من شأن الوثيقة بعد ذلك , وهل تقدم موقعها السير ماك درموث بتكذيبها والطعن في توقيعه بالتزوير أم وقف الأمر عند هذا الحد وهو تكذيب السفارة – وإصدار السفارات تكذيبا هو عرف متبع في جميع السفارات حين يفتضح تدبير دبره بلد ضد آخر , تقوم سفارة البلد المتهم بإصدار تكذيب ...,مبلغ علمنا أن صاحب التوقيع لم يكذب الوثيقة ولم يطن بالتزوير في توقيعه ولو كان قد فعل لوصل نبأه إلى هيئة المحكمة , على أن شيئا من ذلك لم يصل إليها حتى انتهت من نظر القضية – كما أننا لم ير ولم نسمع أن الموقع تقدم إلى أية جهة قضائية بمثل هذا الطعن.
  • • وإنما الذي يعنينا هو أن ندرس الظروف والقرائن التي تحيط بهذا الاتهام وتتصل به من قريب أو من بعيد , حتى يستطيع القارئ أن يركن في هذه القضية الخطيرة إلى قرار تطمئن إليه نفسه وها أنا ذا أضع بين يدى القارئ بعض هذه الظروف والقرائن :
  • القرينة الأولى . ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب وفي الفصل الأخير منه, كيف أن اليهود كانوا يستعدون علنا حلفاءهم الأوربيين والأمريكيين على الإخوان المسلمين مما كانت تسيل به أنهار الصحف في أوربا وأمريكا في ذلك الوقت .. وأوردنا جزءا من مقال كتبته فتاة صهيونية تدعي " روث كاريف " ونشرته جريدة الصنداي ميرور في مطلع عام 1948. وقد يحسن بنا أن نعيد نقل بعض سطور منه الآن حيث قالت بعد هجوم عنيف على مفتي فلسطين وعلى المرشد العام للإخوان المسلمين :" وإذا كان المدافعون عن فلسطين – أى اليهود – يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة , فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها .
  • • ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجها لوجه ,وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة .. وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي إذ واجهتها حركة فاشية نارية فقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من شمال أفريقيا إلى الباكستان ومن تركيا إلى المحيط الهندي " وإذا عرف أن اليهود هو طليعة جيوش الحلفاء وعيونهم في الشرق الأوسط فإن ما يكتبونه في هذا الشأن لا يكون من قبيل الاستجداء وطلب المعونة وإنما بمثابة إعطاء مقدمة الجيش إشارة البدء للجيش كله ليقوم بالهجوم .

وإلا فكيف نعلل أن يكون استعداء اليهود الغرب ضد الإخوان بهذا الأسلوب الذي يتم عن الفزع والهلع منذ مطلع عام 1948 حيث لم يكن مجهود الإخوان يتعدى مجرد تدريب بعض المنظمات العسكرية للمجاهدين الفلسطينيين.. فلما انتصف ذلك العام كانت قوات الإخوان قد دخلت فلسطين وأذهلت العالم كله بشجاعة منقطعة النظير ودخلت الجيوش العربية فكانت تلجأ إلى قوات الإخوان في أحرج المواقف .. ثم لا ينتهي العام نفسه إلا بصدور أمر حل الإخوان المسلمين وتطويق قواتهم في فلسطين ونقلها إلى المعتقلات في مصر وهل كان من الممكن أن تفرض الأحكام العرفية لو أن الجيوش العربية لم تدخل فلسطين ؟ ... وإذا علم أن هذه الجيوش قد دخلت فلسطين فجأة ودون أدني استعداد – وقد أثبتت التحقيقات ذلك فيما بعد – فما تعليل دخولها وهي في هذه الحالة إلا أن يكون هناك إيحاء خارجي بذلك ليكون دخولها مجرد تبرير لإجراءات معدة تبدأ بإعلان الأحكام العرفية وتنتهي بحل الإخوان وإبادتهم .

والدليل على ذلك أن أصحاب الأمر – دول الغرب – حين رأوا جيش مصر – الذي كان مفروضا أن يهزم من أول معركة – بتعاونه مع قوات الإخوان قد حقق انتصارات على اليهود عملوا على إتاحة فرصة لتزويد اليهود بعتاد كثيف ,فأوعزوا بطلب الهدنة .. وسرعان ما وافق عليها النقراشي رغم تحذيرات الخبراء وابتهال الإخوان له ألا يوافق عليها ..

ثم وجد أصحاب الأمر أن هذه الهدنة لم تكن كافية لقلب ميزان المعركة فأوعزوا بهدنة ثانية لم يتوان النقراشي عن قبولها ضاربا بالتحذيرات والابتهال عرض الحائط, مما يدل على أنه كان ينفذ خطة عليها لامع المصريين – فقد كانوا جميعا ضد فكرة الهدنتين – بل مع آخرين !!

القرينة الثانية – على أن ائتمار حكام مصر بأمر الإنجليز لم يكن شيئا غريبا فلقد أشرنا إلى طرف من ذلك عن الكلام على ترشيح المرشد العام لمجلس النواب في عهدى النحاس وأحمد ماهر . فقد صرح النحاس للمرشد العام بما ذكرنا نصه من قبل كما أن أحمد ماهر اطلع " على البرير" على تبليغ السفارة البريطانية للحكومة المصرية بوجوب منع المرشد العام وعلى البرير من الترشيح .

كما أن المتهم باغتيال أحمد ماهر أثبت أمام المحكمة أن إعلان أحمد ماهر الحرب ضد المحور كان بناء على تدخل الإنجليز وأن أحمد ماهر والنقراشي كانا عند السفير البريطاني في يوم الحادث وهو اليوم الذي كان مزمعا إعلان الحرب فيه وقد طلب المتهم الاستشهاد بالنقراشي على ذلك..

القرينة الثالثة – في أثناء نظر قضية قنابل 6 مايو – وهي قضية سياسية ليست من قضايا الإخوان – أمام محكمة الجنايات بالقاهرة دائرة حسن فهمي بسيوني بك وفي جلسة 9/11/1948 نودي على صالح حرب باشا ( رئيس جمعية الشبان المسلمين في ذلك الوقت ) باعتباره شاهدا.. وردا على سؤال من المحامي اسطفان باسيلي بك عما دار بينه وبين المتهم الأستاذ عبد السلام وفا باعتباره صحفيا فقال :إنني أعرف الأستاذ وفا لأنه انضم إلى جمعية الشبان المسلمين في سنة 1941 ثم انقطع عنها بعد إبعادي إلى أسوان ثم قال : إذا كان المقصود ما دار بيني وبين دولة النقراشي باشا بشأن رياسة جمعية الشبان المسلمين فإنني أردت أن أقول له : أن الإنجليز لم يحملوا النقراشي باشا وحده على طلب تنحيتي عن رياسة جمعية الشبان المسلمين بل إن هذا الطلب طلب أيضا من أحمد ماهر باشا ومن حكومة الوفد . وهذه المسألة تتصل بحادث 4 فبراير 1942.

ولما رأت المحكمة عدم الخوض في المسائل السياسية طلب المحامي أن يوضح صالح باشا الحديث الذي دار بينه وبين الأستاذ وفا – وقد نشر في جريدة البلاغ – عن تصرفات النقراشي باشا حول رياسة صالح باشا لجمعية الشبان المسلمين فقال :

" إنني أذكر هذا الحديث , وقد اطلعت عليه ولاحظت أنه يشمل أشياء لم أقلها .وإن الذي حدث فعلا هو أنني كنت في أسوان واتصل بي دولة النقراشي باشا بالتليفون وطلب عند حضوري إلى القاهرة أن أقابله فلما حضرت اتصلت به تليفونيا واتفقنا على موعد للمقابلة – وكان دولة النقراشي باشا في ذلك الوقت رئيس الوزارة ووزير الداخلية – فلما ذهبت للقائه في الموعد أخرج لى خطابا بالإنجليزية من اللورد كليرن السفير البريطاني يقول فيه السفير أنه طلب من الحكومات المتعاقبة أن تحمل صالح حرب باشا على الاستقالة من رياسة جمعية الشبان المسلمين ولم يتم شئ من ذلك وظل حسن رفعت باشا وكيل الداخلية يكتب له ( أى للسفير ) أن صالح حرب باشا قد انقطعت صلته بالجمعية ولا شأن له بإدارتها ويقول السفير : أن الذي ترامي إلينا أنه لا يزال وثيق الصلة بالجمعية ولا يزال يديرها سواء كان قريبا منها أو بعيدا عنها .

وأضاف السفير في خطابه أنه هو أى السفير والقائد العام للجيوش البريطانية في مصر والقائد العام للطيران في الشرق الأوسط يطلبون من النقراشي باشا أن يساعد على حملة على الاستقالة من الجمعية .

وقال الشاهد : بعد أن اطلعت على الخطاب سألني دولة النقراشي باشا عن رأيي فقلت له : " إنني أعجب من أن تتدخل السفارة البريطانية في شئوننا الداخلية حتى في رياسة جمعية كجمعية الشبان المسلمين ؟ فقال لى دولة النقراشي باشا : أن الحالة لا تزال حالة حرب وإن كانت الحرب قد انتهت فقلت له : إنني لن أستقيل .. فقال دولة النقراشي باشا : إنك ستسبب لنا مشاكل . فقلت له : أرجو من دولة الباشا أن يكون على الحياد وأن يترك الأمر بيني وبين الإنجليز لأن بيننا خصومة ترجع إلى عام 1915.

يضع إصبعه

فقال دولة النقراشي باشا : أرجو ألا يكون هذا آخر ما عندك . وأن تعيد النظر في الأمر والوقت فسيح أمامك فقلت له أن هذا هو آخر ما عندي لأن هذا الطلب طلب مني قبل اليوم , وأنا لن أستقبل ولا توجد قوة في الأرض تحملني على الاستقالة ..

وهنا وضع النقراشي باشا إصبعه على كلمة " قائد قوة الطيران في الشرق الأوسط " التي وردت في الخطاب وردد لقبه . فقلت له : أن قوة بريطانيا كلها لا تستطيع حملي على الاستقالة وأن الذي يحملني على الاستقالة هو شئ واحد , هو أن ترغب جمعية الشبان المسلمين نفسها في ذلك.

ثم سأل المحامي الشاهد: هل كذب دولة النقراشي باشا الحديث الذي نشر في جريدة البلاغ حول هذه الواقعة ؟ فرد الشاهد : لا أذكر , وقد أوردنا هذه الشهادة ليعلم القارئ أن حكام مصر عامة وأن السعديين منهم بوجه خاص وأن النقراشي باشا بوجه أخص , كانوا يستوحون تصرفاتهم من وحي المستعمر ويتلمسون رضاه في كل عمل يعملونه ,ويلتزمون أمره في كل ما يأمرهم به حتى في أتفه الأمور .

فرياسة جمعية الشبان المسلمين وهي جمعية بعيدة كل البعد عن السياسة ويكاد يقتصر على النواحي الرياضية والثقافية تصر السفارة البريطانية والقائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط والقائد العام لقوة الطيران البريطاني بالشرق الأوسط على تنحية فرد عن رياستها وتلح في إصرارها بعد أن حاول وكيل وزارة الداخلية إيهامها بأن هذا الفرد قد قطع صلته بها .. دليلا على أن للسفارة عيونا ترصد ما يجرى في مصر وتتبعه .. فما بالك بهيئة الإخوان المسلمين التي أقضت مضاجع بريطانيا , وهددت وجودها في مصر , وألبت الشعب ضدها وكشفت له عن سوآتها وجرائمها , وكادت تفسد المخطط البريطاني الأمريكي في فلسطين لولا تواطؤ الحكومات العربية , وأيقظت الوعي الوطني الإسلامي في أنحاء البلاد العربية حتى أصبح عملاء الاستعمار فيكل مكان فيحرج من أمرهم ؟ّ... هل تصبر حكومة بريطانيا هذه على هذا الخطر الداهم لمصالحها دون أن تستغل ولاء حاكم مصر لها في القضاء على ألد أعدائها وأقوي خصومها ؟ وهي لم تطق الصبر على وجود فرد ما في رياسة جمعية الشبان المسلمين.

  • القرينة الرابعة . وفي ختام ما نسوق من ظروف وقرائن ننقل كلمة قصيرة وردت في سياق مرافعة الأستاذ فتحي رضوان أمام محكمة الجنايات في إحدي جلسات قضية السيارة الجيب , وكان ذلك في 20/2/1951 ولهذه الكلمة أو الواقعة من الدلالات ما نترك للقارئ تصوره لحقيقة حكام مصر في ذلك العهد ولحقيقة النقراشي باشا بالذات :

أشار الأستاذ فتحي رضوان إلى أسباب دخول الجيش المصري في فلسطين في 15 مايو بالذات فقال : إنه أشيع في ذلك الوقت أن " شرق الأردن" ( المملكة الردنية الآن) عازمة على دخول الحرب ولو منفردة إذا كانت مصر والبلاد العربية غير مستعدة ... ومن الغريب أن حافظ رمضان باشا سأل النقراشي باشا تليفونيا عما إذا كانت مصر مستعدة لدخول الحرب فطلب إليه أن يتصل به عن طريق تليفون آخر لأن تليفونه مراقب من الإنجليز.

وقال الأستاذ فتحي رضوان : أن النقراشي باشا لم يكن راغبا في دخول الحرب وإنما ضغط عليه الإنجليز الذين أرادوا أن يؤدبونا لأننا رفضنا شروط المعاهدة التي أرادوا إملاءها علينا مما أشعرهم أن هناك وعيا قوميا في البلاد العربية لابد أن يموت ويقضي عليه وأن يموت حسن البنا زعيم هيئة إسلامية- وأن يموت النقراشي – وينكل بالأحرار وتدبر القضايا لينشغل الرأي العام عن مطالبه القومية .

الفصل الثالث تفنيد أسباب الحل

عبد الرحمن عمار صاحب مذكرة حل الإخوان عام 1948م

لم يكن ممكنا في ظل الحرب المعلنة من الحكومة المصرية على الإخوان المسلمين , أن يجد الإخوان فرصة للرد على اتهامات الحكومة, التي سخرت لإذاعتها – باسم الأحكام العرفية – جميع وسائل النشر والإعلام وحرمت على الإخوان أن يسمع لهم صوت أو تنشر لهم كلمة ..وكيف لا وقد أصدر الحاكم المفتون بغرور السلطة حكما بإعدامهم .. وإذن فهم غير موجودين بحكم أمر الحل...

ولكن المرشد العام لم يكن الرجل الذي يستسلم مهما أحاط به عدوه من كل جانب ومهما جردوه من كل سلاح يمكن الدفاع به, إنهم جردوه فعلا من كل سلاح لكن سلاحا واحدا لم يستطيعوا أن يجردوه منه ذلك هو إيمانه العميق بدعوته وثقته الكاملة في طهرها ونقائها ..

ومع أنه كان يعلم أن دفاعه عن دعوته بالحجة والبرهان سيحول هؤلاء الحكام بينه وبين أن يصل إلى الشعب .. الشعب المضلل الذي هو في أمس الحاجة إلى من ينير له الطريق في هذه القضية المصيرية , وينتشله من وهدة الذهول والحيرة التي تردى فيها أمام ما فوجئ به من سيل جارف من اتهامات خطيرة قذفت بها هذه الحكومة فجأة في وجه دعوة كانت حتى آخر لحظة مناط أمله ومعقد رجائه .

ثم إنه – أى الشعب – لم تعد تقع عينه بعد ذلك , ولا يقرع سمعه ليلا أو نهارا إلا مقالات ضافية وأحاديث مستفيضة كلها تسبح بحمد الحكومة وتصب اللعنات على أم رأس الإخوان .... كان المرشد العام يعلم ذلك . ولكن ذلك لم يقع بهمة لحظة عن انتهاج كل سبيل يتاح له أن يكتب بقلمه أو ينطق بلسانه ما يستطيعه من دفاع عن دعوته بالحجة والبرهان تاركا ذلك للزمن الذي يعتبره جزءا من العلاج ... فإذا كان هذا الشعب قد ابتلي بهؤلاء لحكام فكانوا مرضه الذي غيبه عن رشده , فإن الزمن كفيل أن يكشف عنه هذا البلاء فيصحو ويستعيد قدرته على النظر والإدراك ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( آل عمران : 140)

ولقد فعل الزمان فعله لم يمض وقت طويل حتى أتيح لهذا الشعب وللعالم كله أن يقرأ دفاع هذا الرجل امؤمن العظيم عن دعوته وذوده بأقوى سلاح من الحجة والبرهان عن حياضها ..واستبان للجميع – في ضوء ما سلط في ثنايا هذا الدفاع من أشعة كاشفة . حقيقة الدوافع التي دفعت هؤلاء الحكام إلى ارتكاب جريمة إصدار هذا الأمر .

  • أولا - محاجة باللسان:

لما بلغه أن الحكومة مصممة على إصدار الأمر العسكرى تحل الإخوان تناسي ما يعلمه من أن هذه الحكومة صنيعة المستعمر وأنها حكومة فاشلة حاقدة , وطلب مقابلة النقراشي باشا , فلما حيل بينه وبين ذلك ذهب إليهم في عقر دارهم بوزارة الداخلية في الليلة التي يضعون فيها اللمسات الأخيرة لنصوص الأمر العسكري وجلس مع كبيرهم عبد الرحمن عمار . وقارعه الحجة بالحجة , فأثبت له زيف ما بنوا عليه هذا الأمر وشرح له ولمن معه ما سوف يحيق بالأمة من أضرار بالغة من جراء هذا الأمر إذا هم أقدموا عليه وناشدهم أن يجنبوا الأمة هذه الأخطار بالعدول عن إصداره .. وقد أدبى لهم استعداده أن يتعاون معهم بالوسائل المشروعة على ما يعود على هذه الأمر بالخير ... أسلوب رجل أكبر من الأحداث وأقوي من أن تجرفه العواطف ... فهو يكره القوم ولكن كرهه إياهم لا يمنعه من أن يبذل جهده في إقالتهم من عثرة ستردى بالبلاد وتحطم مستقبلها .

إنه يعلم أنهم يعدون قرارا بتجريمه , ولكنه – لثقته في نفسه وليقينه من براءة ساحته - يذهب إليهم ويمحضهم النصح , ويعاملهم معاملة الوالد الذي استبد بأبنائه العقوق فجلسوا يدبرون أمرا يعلم هو أن فيه هلاكهم وهلاك أهليهم , فأخذ يبصرهم بالعواقب ويمد لهم يده للتعاون معهم على إنقاذهم وإنقاذ أهليهم ..ولكن العقوق كان قد بلغ بهم مبلغا لا يدع للنصح إلى نفوسهم سبيلا وأصروا على مؤامرتهم وأخرجوها إلى حيز التنفيذ.

  • ثانيا – تفنيد مسجل بالكتابة :

لما لم تجد المحاجة باللسان وأصدروا الأمر العسكري والمذكرة التفسيرية التي بنى عليها هذا الأمر , لجأ الأستاذ المرشد إلى إعداد مذكرة فند فيها كل ما نسبته المذكرة التفسيرية إلى الإخوان من اتهامات , وأثبت زيفها , ووضح فيها دعوة الإخوان المسلمين ومواقفها من الأحداث, وجهادها الكريم في مختلف الميادين وأشار بأصابع الاتهام إلى جهات أجنبية معنية صدر من هذا الأمر لحسابها ...وتعد هذه المذكرة مرجعا شاملا ورائعا وتاريخيا يحرص كل منصف على الاطلاع عليه – وإليك نص هذه المذكرة التي لم تنشر إلا بعد عام من كتابتها فقد نشرت في 12 / 12/ 1949 تحت عنوان : "عمار بك يقر بأن قرار الحل جاء نتيجة للضغط الأجنبي على النقراشي باشا "

بسم الله الرحمن الرحيم – الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدى السبيل . وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

وبعد:

فقد تقدم سعادة وكيل الداخلية عبد الرحمن عمار بك بمذكرة ضافية بتاريخ 28/12/ 1948 عن تاريخ الإخوان المسلمين وغايتهم ووسيلتهم وطلب في نهايتها اتخاذ التدابير الحاسمة لوقف نشاط هذه الجماعة التي تروع أمن البلاد في وقت هي أحوج ما تكون فيها إلى هدوء كامل وأمن شامل ضمانا لسلامة أهلها في الداخل وجيوشها في الخارج.

  • الأمر العسكري

وقد اتخذ دولة الحاكم العسكري من هذه المذكرة سببا لإصدار الأمر العسكري بحل ( جمعية الإخوان المسلمين ) ومصادرة أنديتهم وأموالهم وأملاكهم ونشاطهم في جميع أنحاء البلاد واعتقال رؤسائهم وكثير من أعضاء هيئتهم بالجملة في كل مكان وإعلان حرب عنيفة لم توجه إلى الصهيونيين الذين شرعت الأحكام العسكرية من أجلهم وأذن بها من أجل اتقاء شرهم .. وإقرارا للحق في نصابه أردت أن أناقش ما جاء في هذه المذكرة ليرى الرأي العام المصري والعربي والإسلامي تفاهة هذه الأسباب ومدى العدوان الذي وقع على أكبر مؤسسة إسلامية شعبية نافعة في مصر أدت للوطن وللدين أجل الخدمات طوال عشرين عاما كاملة .

  • بطلان دعوى الإجرام والإرهاب

يقول وكيل الداخلية في مذكرته " ولقد تجاوزت الجماعة الأغراض السياسية المشروعة إلى أغراض يحرمها الدستور وقوانين البلاد فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب ولقد أمعنت في نشاطها فاتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها " وأخذ سعادته بعد ذلك يستشهد ببعض الحوادث ويورد " بعض أمثلة قليلة لهذا النشاط الإجرامي كما سجلته التحقيقات الرسمية " وذكر ثلاثة عشرة حادثة كلها مردودة ولا توصل إلى ما يريد سعادته من إدانة هيئة الإخوان المسلمين ووصف نشاطهم القانوني المثمر بأنه نشاط إجرامي .

وهذا القول منقوض من أساسه , فلم يكن الإجرام يوما من الأيام من وسائل هيئة الإخوان المسلمين فإن وسائلهم ظاهرة معروفة فهذه المحاضرات والدروس والرسائل والصحف , والأندية والدور , والمساجد والمنشآت ناطقة بأن وسائل هيئة الإخوان المسلمين لم تتعارض مع القانون في يوم من الأيام .

  • حقيقة الحوادث

ويكفي للرد على سعادة الوكيل أن القانون حمى هذا النشاط عشرين سنة ولم يستطع أحد الاعتداء عليه إلا في غيبة القانون وفي ظل الحكم العرفي الاستثنائي الفردي البحث والذي ينص الدستور في المادة ( 155) بأنه إذا عطل الحريات فإن ذلك لا يكون إلا تعطيلا مؤقتا هذا التعطيل بانتهاء الأحكام العرفية .. أما ما عدد سعادته من الحوادث فها هي ذى حقيقتها في وضعها الصحيح ..

  • الجناية رقم 883:

أولا : الجناية العسكرية العليا رقم 883 لسنة 1942 قسم الجمرك – وقد كان موضوع الاتهام فيها الدعاية للمحور . وشاء ذوو الأغراض أن يقحموا فيها الإخوان المسلمين وادعي أحد المتهمين أنه عرض على الأستاذ البنا شخصيا أنواعا من السلاح والعتاد الألماني , وأن الأستاذ البنا سر بذلك ورحب بالحصول على هذه الأسلحة,وأن الوسيط في ذلك أخوان من إخوان طنطا وقد قبض عليهما في السجن ثمانية أشهر .. وماذا كانت النتيجة بعد ذلك ؟.

كانت النتيجة أن كذب هذا المدعي نفسه حين ضيق عليه المحقق الخناق وهدده بالمواجهة وحكم ببراءة الأخوين براءة نقية واضحة كاملة – فهل تصلح مثل هذه النتيجة تكأة للإتهام أمام سعادة وكيل الداخلية وهو من رجال القانون ؟

ويتصل بهذه القضية ما ذكره سعادة الوكيل من موافقة الأستاذ حسن البنا على تقدير لأحد إخوان طنطا وكتابته بخطه أنه مؤمن بما ورد فيه .. وعرض الموضوع على هذه الصورة فيه إنتقاص للحقيقة . فلقد كان التقرير مطولا , وكانت إشارتي عليه بالموافقة على بعضه وتعديل بعضه . ولو كان في هذا التقرير ما يؤاخذ عليه لحوكم صاحبه ولما صدر قرار المحكمة ببراءته فقد كان أحد المتهمين المقبوض عليهما في الجناية السابقة .

  • الجناية رقم 679:

ثانيا- الجناية رقم 679 لسنة 1946قسم ثان بور سعيد – ويعلم الخاص والعام أن الإخوان المسلمين كانوا معتدى عليهم فيها ولم يكونوا معتدين فقد أخذوا على غرة وحوصرت دارهم وحرق ناديهم الرياضي ولم تثبت إدانة أحد منهم في شئ .ولم يكن القتيل الذي قتل خصما من خصوم الإخوان ولكن كان صبيا في الطريق – جعله الله لأهله ذخرا – ولكن سعادة الوكيل يأبي إلا أن يجعله خصما من خصوم من خصوم الإخوان ليوهم الناس أنهم يعتدون على خصومهم بالسلاح ..

ثالثا : بتاريخ 10 ديسمبر 1946 ضبط بعض أفراد هذه الهيئة بمدينة الإسماعيلية يقومون بتجارب لصنع القنابل والمفرقعات .. ,هي واقعة لا أصل لها بتاتا فيما أذكر وإني لأسأل سعادة الوكيل من هم هؤلاء الأشخاص ؟وهل حوكموا ؟ وبماذا حكم عليهم ؟ لأن الإخوان بالإسماعيلية معروفون كفلق الصبح ولا أذكر أن أحدا منهم وجه إليه مثل هذا الاتهام في يوم من الأيام .

  • الجناية رقم 767:

رابعا – والشخص الذي أدين في قضية الجناية رقم 767 لسنة 1946 قسم عابدين بمناسبة حوادث ديسمبر 1946 لم يثبت أنه أمر بهذا من قبل الإخوان أو اشترك معه فيه أحد منهم .وقد كانت هذه الحوادث شائعة في ذلك الوقت بين الشباب بمناسبة الفورة الوطنية التي لازمت المفاوضات السابقة ,ولقد حدث بالإسكندرية أكثر مما حدث بالقاهرة وضبط من الشبان عدد أكبر وصدرت ضدهم أحكام مناسبة ولم يقل أحد أنهم من الإخوان المسلمين فتحمل الهيئة تبعة هذا التصرف الذي لا حق فيه ولا مبرر له .

خامسا – حادث اشتباك الجوالة بمأمور قسم الخليفة يوم 29 يونيه 1947 حادث عادي ولم يكن فيه اعتداء بالمعني الذي صوره سعادة الوكيل , فقد اعترض المأمور ورجاله سير طابور نظامي من جوالة الإخوان المسلمين وأراد منعهم بالقوة واشتبك مع قائدهم وأشيع بينهم أن المأمور مزق المصحف الذي كان يحمله أحدهم . فثارت نفوسهم , ثم انتهي الأمر بالتفاهم كما تنتهي عادة مثل هذه الاحتكاكات بين البوليس والجمهور في أى اجتماع من الاجتماعات يترف فيه رجل البوليس بغير الكياسة واللباقة المناسبة للموقف .

  • _ الجناية رقم 4726:

سادسا- الجناية رقم 4726 لسنة 1947 . ثبت أن الذي اتهم فيها غير مسئول عن عمله وسقط الاتهام ضده , وما زال في المستشفي إلى الآن فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية ؟ وهل تكون هيئة الإخوان المسلمين مسئولة عن عمل شخص يتبين أنه هو نفسه غير مسئول عن عمله ؟!

سابعا – هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا في 9 يناير 1948 بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلا .ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في إعداد المتطوعين وحشد المجاهدين الشعبيين .وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحال . فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء الأفراد خصوصا وقد لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ لنبل المقصد وشرف الغاية .

  • • الجناية رقم 1407:

ثامنا – الجناية رقم 1407 لسنة 1948 كوم النور كان الاشتباك في حادثتها لأسباب عائلية بحتى لا صلة لها بالرأي , وإن كان كل فريق ينتمي إلى هيئة من الهيئات . وكثيرا ما يقع مثل هذا الاشتباك في القرى بين من لا صلة لهم بحزب أو هيئة .

تاسعا – وما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد فرغلي في المذكرة ما زال رهن التحقيق ومن الإنصاف انتظار ما يسفر عنه . ولكن المعروف رسميا وعند الجميع أن الشيخ محمد فرغلي هو رئيس معسكر النصيرات – لا معسكر البريج بجوار غزة وأنه تطوع للجهاد من فبراير 1948 إلى الآن ولازم متطوعي الإخوان في هذا المنطقة طوال هذه الفترة وأسندت إليه قيادتهم وأقرته قيادة الجيش المصري على ذلك . كما أنه معروف أن فضيلة الشيخ محمد فرغلي كان من أ،صار المجاهد الكريم الشهيد عبد القادر بك الحسيني وكان ممن يسهلون له مهمة الحصول على ما يريد فالاتهام قبل التحقيق ظلم صارخ وقد سألت النيابة الشيخ محمد فرغلي ثم أفرجت عنه وإن كان الأمر العسكري قد صدر بعد ذلك باعتقاله .

  • • حوادث كفر بدواي :

عاشرا وحادي عشر أما ما يتصل بحوادث كفر بداوي ومنية البراموني فالثابت والمعروف أن أساس النزاع وأصل الاتهام فيها أن عمدة كل منهما يريد ألا تقوم في القرية أية جماعة يكون لها مظهر وكيان , وكلا العمدتين صهر للآخر وخطتهما في ذلك واحدة وقد كان الإخوان هدفا لاضطهادهما اضطهادا قاسيا لولا ما في أنفسهم من إيمان لما ثبتوا له ساعة نهار .

  • • تفتيش ميت موسي:

ثالث عشر – وخطابات التهديد التي ذكرها سعادة الوكيل تحدث فيها سعادته مع الأستاذ صالح عشماوي فرد عليه مدير الجريدة رسميا بخطاب مسجل نفي فيه بشدة هذا الاتهام ورجاه أن يقف حازما من هذه الشركات التي تتهم المصريين بالباطل. وإنا لنرجو أن يتفضل سعادته ببيان مقدرا هذه الأموال التي امتصها الإخوان بالفعل وسعادته يعلم تمام العلم أن الإخوان ليسوا هم الذين يحسنون امتصاص أموال الشركات أو غير الشركات .

  • إثارة الشغب

وقد انتقل سعادته بعد ذلك إلى اتهام الهيئة بإثارة الشغب في معاهد التعليم وهي تهمة باطلة , يشهد ببطلانها الأساتذة أولا ورجال الأمن بعد ذلك لو خلوا إلى أنفسهم واستنطقوا ضمائرهم غير متأثرين باتجاه خاص . ولقد كان كثير من الناس يعيبون على طلبة الإخوان الإغراق في الهدوء والمبالغة في الانصراف إلى الدروس فيجيبون بأن واجبهم الأول أن يكونوا طلابا , ولقد تخرج في ظل الدعوة مئات الطلاب من مختلف المعاهد فكانوا من أوائل الناجحين في شهاداتهم وكانوا من أفاضل الموظفين في أعمالهم .

  • الحوادث لا تنتج ما أريد بها

والحوادث التي ذكرها سعادة الوكيل لا تنتج أبدا ما يريد ولا تسأل عنها هيئة الإخوان المسلمين فقد كان ولا يزال معلوما أن عنصرا جديدا طرأ على المدارس والمعاهد بعد الحرب الماضية كان له أثر عميق في توسيع هوة الخلاف وتعميقها بين الطلاب واستغلال التعصب للحزبية السياسية أسوأ استغلال ودفع المواقف إلى العنف والاحتكاك والله يشهد والمنصفون أن طلاب هيئة الإخوان المسلمين كانوا أكبر ملطف لحدة هذه الظاهرة وأول المناهضين والواقفين في وجهها وفي كل هذه الحوادث كان أعضاء هيئة الإخوان المسلمين في موقف المدافع دائما وما زالت جميعا تحت التحقيق ..ومن الثابت أن الطالب الذي استشهد في مدرسة شبين الكوم هو أحد طلاب الإخوان المسلمين وقد أغلقت المذكرة عمدا هذه النقطة لتظهر الإخوان بمظهر المعتدي مع أنهم هم المعتدي عليهم .

وعرضت بعد ذلك إلى حوادث الخازندار بك. وكل ذنب الإخوان فيه أن أحد المتهمين شاع أنه سكرتير للمرشد العام مع أن هذه الصلة لم تثبت في التحقيق وإن أصرت المذكرة على وصفها بالثبوت مع أنه على فرض ثبوتها لا يمكن أن تتخذ سببا لإدانة هيئة الإخوان المسلمين .

تبعة حوادث 4- 6 ديسمبر

وقد حمل سعادة الوكيل في مذكرته الإخوان المسلمين تبعة حوادث 4 ديسمبر 1948 في الجامعة وكلية الطب وحوادث 6 ديسمبر 1948 بالمدرسة الخديوية . مع أن المعروف أن هذه الحوادث بدأت بمظاهر سلمية بمناسبة مواقف حاكم السودان العام من مصر والمصريين وبعثة المحاميين ثم تطورت بعد الاحتكاك برجال البوليس إلى تلك النتائج المؤسفة حقا .. ولم يكن دور الإخوان فيها أظهر من دور غيرهم من الطلاب والمقبوض عليهم الآن معظمهم من غير الإخوان ولم يعلن بعد قرار الاتهام ولم يثبت أن لهيئة الإخوان يدا في التحريض على هذا الذي حدث – فتحميل الإخوان هذه التبعة سبق لكلمة القضاء .

  • حادث سيارة الجيب

أما حادث سيارة الجيب فقد ضبط فيه عدد كبير من مختلف الهيئات وما زال التحقيق يدور في تكتك شديد ويقول وكيل الداخلية " إن ملابسات هذا الحادث كشفت عن أن جماعة من الإخوان المسلمين يكونون عصابة إجرامية .. الخ" ومقتضي هذا القول لو أن الأمور تسير في حدودها الطبيعية أن تنتظر الحكومة نتيجة التحقيق فإذا ثبت على هؤلاء المقبوض عليهم أخذوا بجرمهم ومن غير المعقول أن تؤخذ الهيئة بتصرفات بعض أعضائها .. وتقول المذكرة نفسها أنهم كونوا من أنفسهم عصابة أخرى تتنافي أغراضها ووسائلها مع أغراض الجماعة ووسائلها القانونية السليمة .

ومن هذه المناقشة الهادئة يتضح لكل منصف أن جميع هذه الحوادث العادية الفردية لا يمكن أنتلو دعوة الإخوان المسلمين بهذا اللون وقد مكثت عشرين عاما صافية نقية . أو تنهض دليلا على أنهم عدلوا عن وسائلهم القانونية إلى وسيلة إجرامية وبالتالي لا يمكن أن تكون بمفرداتها أو بمجموعها – وقد حشدتها المذكرة هذا الحشد المقصود – سببا في هدم بناء إصلاحي ضخم جنت منه مصر والبلاد العربية والإسلامية أبرك الثمرات بل إن الدليل القاطع الدامغ ينادي ببراءة الإخوان من هذا الاتهام فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم قد وضعت كلها تحت يد البوليس في جميع أنحاء المملكة المصرية فلم يعثر في شئ منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلا أو شبه دليل على الانحراف المزعوم – بل لم تجد الحكومة أمامها إلا المدارس تقدمها للمعارف والمشافي والمستوصفات تقدما لوزارة الصحة والمصانع والمعامل تقدمها لوزارة التجارة والصناعة .. وكيفي بهذا شرفا وإشادة بجهود الإخوان الإصلاحية النافعة لهذا الوطن العزيز .

وبعد ... فمن تمام الفائدة بعد هذه المناقشة الهادئة أن نتناول بعض هذه النقاط التكميلية بشئ من البيان والتوضيح .

  • بين الدين والسياسة

أشارت مذكرة وكيل الداخلية إلى أن الإخوان اتخذوا من الدين وسيلة لخوض غمار السياسة وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد – وكل من اتصل بالإخوان ودرس نظمهم يعلم تمام العلم بطلان هذا الاتهام , وكل ما هناك أن الإخوان كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين , واستمدت من روح الدين أسمي معاني الوطنية . ولم تبتدع ذلك ابتداعا ولم تخترعه اختراعا وإنما هي طبيعة الإسلام الحنيف الذي جاء للناس دينا ودولة وكل مواقف الإخوان في ميدان السياسة مواقف وطنية خالصة بريئة كل البراءة عن حب الدنيا أو الرغبة في الوصول إلى الحكم أو الغنيمة – تهدف إلى إصلاح النظم المقررة في البلاد حتى تتفق مع دينها وعقيدتها ونص دستورها الذي ينادي بأن دينها الرسمي هو الإسلام .

  • الأوراق ليست حجة .

وليست الأوراق التي توجد بأيدى الأفراد وفي حيازتهم حجة على هيئة عاشت تعمل وتجاهد في حدود ظاهرة عشرين عاما كاملة .ولكن الحجة هي قوانين هذه الهيئة ولوائحها ونشراتها التي اعتمدتها جهات الاختصاص .. ومنذ صدور القانون رقم 49 لسنة 1945 الخاص بتنظيم جماعات البر والأعمال الخيرية حدد الإخوان نواحي نشاطهم تحديدا واضحا دقيقا وفصلوا بين العمل للبر والخدمة الاجتماعية وبين العمل للوطنية ونشر الدعوة الإسلامية , ووضعوا لكلتا الناحيتين نظاما دقيقا ولوائح مفصلة اعتمدتها وزارة الشئون الاجتماعية وفيها بيان غايتهم ووسيلتهم كاملة – وساروا في حدود هذه الأوضاع يلتزمونها بكل دقة إلى الآن وليس من هذه الوسائل الجريمة ولا الإرهاب كما تريد المذكرة أن تقول . الإخوان وفلسطين

ولعل الذي يسر للحكومة سبيل هذا الاتهام وسهلة عليها وأوجد بين يديها بعض الشبهات – لا الأدلة – عليه هو عمل الإخوان وجهادهم في سبيل فلسطين ,وإن كان هذا العمل من أنصع الصفحات وأمجدها في تاريخ دعوتهم- فقد احتاجت فلسطين الشقيقة إلى السلاح قبل التقسيم بأشهر ونشطت في جمعة الهيئات وأذنت الجهات المختصة من طرف خفي بهذا الجمع وشجعت الإخوان على التعاون مع تلك الهيئات باعتبارهم أقدر الناس على بذل هذه المعونة لانتشار شعبهم وامتداد دعوتهم إلى كل مكان فأبلي الإخوان في ذلك أحسن البلاء وكانوا عند حسن الظن.

وأعلن التقسيم ونشبت الثورة في فلسطين والتحم العرب واليهود في معارك شعبية وللإخوان في فلسطين أكثر من عشرين شعبة في الشمال والوسط والجنوب . وتدفق سيل الأهلين من الفلسطينيين يريدون شراء الأسلحة من مصر , وفتحت الحكومة المصرية لهم الباب,وعقدت الجامعة العربية عدة اجتماعات والفت لجنة لمساعدة هؤلاء الأهلين حتى يحصلوا على ما يريدون وقبل الإخوان رسميا في هذه اللجنة وتطوع بعض شبابهم لهذه الغاية وتركوا مصالحهم وراءهم ظهريا وبذلوا في ذلك غاية الكجهود وقدموا كل ما يستطيعون واحتملوا كثيرا من التضحيات المالية في هذا السبيل , وبخاصة بعد أن عدلت لحكومة عن خطتها وصادرت كثيرا من المشتريات التي اشتريت لأهل فلسطين بمعرفتهم أو عن طريق الإخوان ...,كان جزاء هؤلاء الإخوان أخيرا السجن وسوء الحساب ..

وأقرت الجامعة العربية فكرة التطوع فتقدم إليها الآلاف من شباب الإخوان يريدون الموت في سبيل الله وظلت الجامعة والحكومة مترددين بين الإقدام والإحجام ولحماسة تشتد والنفوس تغلي . مما دعا المركز العام إلى أن يبعث بمائة إلى معسكر قطنة بسورية وهم كل ما استطاع أن يقنع المسئولين هناك بقبوله . ولكن ذلك لم يشف غلة الإخوان فاستأذنوا في إقامة معسكر خاص لهم بالقرب من العريش يمارسون فيه التدريب استعدادا لدخول فلسطين وإذن لهم بذلك . وأقاموا معسكرا كبيرا لعدد منهم يزيد على المائتين. يمدهم فيه المركز العام بكل ما يحتاجون من أدوات وتموين وسلاح وعتاد بإذن الحكومة وعلمها حتى تم تدريبهم ودخلوا فلسطين فيمارس 1948 أى قبل دخول القوات النظامية بأكثر من شهرين واحتلوا هناك معسكرا النصيرات جنوبي غزة .. وكان لوجودهم هناك أحسن الأثر في رد عدوان اليهود وطمأنينة السكان.

وتحركت الحكومة وهيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين وأعدت معسكر هاكستيب لتدريب المتطوعين . تقدم إليه أكثر من ألف أخ .. انتخب منهم أكثر من ستمائة على دفعات جهزتهم الحكومة ودخلوا مع القوات النظامية . ووزعوا على مختلف الجهات وظفروا بحمد الله بتقدير كل من عرفهم أو اتصل بهم أو رأي حسن بلائهم وإخلاص جهادهم . فقد رابط الإخوان في ط صور باهر " وفي " بيت لحم" وعلى مشارف القدس واقتحموا " راما تراحيل " في جبهة الوسط واحتلوا معسكر النصيرات ومعسكر البريج ونسفوا مستعمرة " ديرون" واشتركوا في معارك عسلوج , وحاصروا " المسنة " و" بيروت اسحق " وترددت نقطهم الثابتة والمتحركة في كل مكان في جبهة الجنوب واستشهد منهم قرابة المائة وجرح نحو ذلك , وأسر بعضهم ..وكانوا مثال البسالة والبطولة والعفة والشرف والنزاهة وحب الاستشهاد ... فكان طبيعيا أن تحصل الحكومة على بعض عتاد لم ينقل وأن تجد في بعض الأماكن بقايا من هذه المخلفات ...ولكن ليس معني ذلك أبدا أن الإخوان المسلمين المؤمنين المجاهدين المحسنين قد أصبحوا خطرا يهدد سلامة الأهلين في الداخل وهم دعامتهم , وسلامة الجيوش في الخارج وهم زملاؤهم ..

  • الدوافع الحقيقية في موقف الحكومة

مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه في مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام :-

وهو ما لم يقم عليه دليل ولا برهان – ولكن الدافع الحقيقي فيما نظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث مع اضطرابات السياسة الدولية , وقلق الموقف في فلسطين وتردد سياسة مصر بين الإقدام والإحجام فشددوا الضغط على الحكومة وقد صرح بذلك عمار بك نفسه وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا في فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا في صراحة بأنه لابد من حل الإخوان المسلمين ..وكان في وسع دولته أن يزجرهم عن مثل هذا التدخل في شأن داخلي بحت ,وأن ينظرهم حتى تظهر نتيجة التحقيقات وأن يتعاون مع المسئولين في الإخوان على إزالة هذا الوهم من أنفسهم ... ولكنه بدلا من ذلك استجاب لهذه الرغبة الأجنبية وأصدر قرار الحل فأشمت الأعداء وأحزن المؤمنين الأتقياء ..

وهكذا يقيم الشواهد كل يوم على أن مصر للأجانب قبل أن يكون لأهلها منها نصيب وأن خلاصة شعبها لا مانع من أن تقدم حرياتها قربانا لإرضاء السفراء ورعايا الدول التي طالما ناصبتنا العداء وأنزلت بنا البلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ويكون لما يشاع عن قرب الاتفاق بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية أصل في هذه الخطوة أيضا كما قد يكون للموقف الحزبي والتأهب للانتخابات القادمة دخل كذلك ولا يعلم بالحقيقة غير الله ولله عاقبة الأمور .

  • التعسف في التنفيذ

ولقد كان الأمر العسكري غريبا في نفسه وفي طريقة تنفيذه .. فلا يمكن أن يقول إنسان أن حل هيئة من الهيئات يستلزم اتهام كل ما يتصل بها أو حمل اسمها بالجرم والعدوان ومصادرته في حريته وماله وعمله مهاجمته في كل مكان .. ولئن جار في عرف الأحكام العسكرية أن تحل الهيئات فما بال الشركات التي لا صلة بينها وبينها إلا مجرد الاسم مع تمام الفصل في كل الأعمال ونواحي النشاط .

  • شركات لا صلة لها بالهيئة

إن شركة المناجم والمحاجر العربية , وشركة الإعلانات العربية , وشركة الإخوان للنسيج, وشركة دار الإخوان للصحافة , وشركة دار الإخوان للطباعة , وشركة مدارس الإخوان بالإسكندرية .. كلها شركات لا صلة لها بالهيئة .. جمعت رءوس أموالها من أفراد بصفتهم الشخصية.. وكيف يصح في ذهن أحد أن تصادر أموالها لا لشئ إلا أنها تحمل اسم الإخوان .

وهذه العشرات من الإخوان من كرام الشباب .. لماذا يعتقلون بغير جريرة ولا سبب , وتمنع عنهم أدواتهم الضرورية ,ويلقي بكثير منهم في سجون الأقسام مع المجرمين أمثال " صبيحة وعنتر والششتاوى " وغيرهم من أرباب السوابق ومعتادي الإجرام ويتركون فريسة للبرد والجوع ولا يسمح بأن يقدم لهم الغذاء والغطاء.

  • والصحف أيضا

وهذه الصحف الشخصية التي ليس لها صلة بالهيئة , ولا تدعو لفكرتها من قريب أو بعيد لماذا تصادر ويصادر أصحابها وعمالها في عمالهم وموارد رزقهم . ولقد ضربت الرقابة الشديدة حول مسكن المرشد العام وأحيط بسياج من البوليس الملكي مزودين بموتوسيكل حتى إذا دخل داخل أو خرج خارج أدركوه فقبضوا عليه كائنا من كان , وذهبوا به إلى أحد الأقسام , حيث يقضي ليلة أو ليلتين أو ما شاء له حضرات الضباط , ثم يعمل له بعد ذلك فيش وتشبيه وتحر ويطلق سراحه أو يظل معتقلا إلى ما شاء الله .

  • أسلوب الحرب

هذا الأسلوب من الحرب والتعسف لم تسلكه الحكومة مع الصهيونيين ولا مع أشد الأعداء عداوة للوطن والحرب على أشدها , ولم يعمد إليه الإنجليز إبان الحرب الماضية ولكن لجأت إليه الحكومة مع الإخوان المسلمين في هذا الوقت .

  • حكم هذا الحل في فعله وآثاره

إن هذا القرار فيما نعلم باطل شكلا لأنه ليست هناك جماعة الإخوان المسلمين وإنما هناك جماعات اسمها أقسام البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين وهناك هيئة الإخوان المسلمين العامة .

وباطل موضوعا لأنه تجاوز لحقوق الحاكم العسكري الممنوحة له في مرسوم الأحكام العرفية , ومناف لروح الغاية التي فرضت من أجلها هذه الأحكام ومحال أن تطبق الأحكام التي فرضت للصهيونيين على خصوم الصهيونية الألداء .

  • الحل أوقف نهضة كبرى

لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى تهيأ لها شعب هذا الجيل من أبناء الوطن وأفضل العقائد وترك في النفوس أعمق الآثار .

وسيقول التاريخ كلمته , ويظهر المستقبل القريب آيته , ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ( الرعد : 17) ( والعاقبة للمتقين ) ( الأعراف : 128) . ( انتهت بذلك مذكرة المرشد العام ) .

  • ثالثا- تفنيد في صدد الاغتيالات:

لم ييأس الأستاذ المرشد – مع تفاقم الأحداث – فلم يقطع صلته برجال الحكومة آملا أن يفيئوا إلى رشدهم, ويرجعوا إلى جادة الصواب , ويتركوا له فرصة الاتصال برجال الإخوان ليعمل على تهدئة خواطر هذا الشباب الذي آثاروه بإجراءاتهم الشاذة فوجد الشباب نفسه بغير قيادة فانطلق لا يلوي على شئ ..

وهنا وجد الأستاذ من وزراء الحكومة من يحضر إلى دار الشبان المسلمين لمقابلته والتفاهم معه أو قل من يتظاهر بأنه جاء من قبل رئيس الوزراء للتفاهم معه ..وتمخضت الاجتماعات بينه وبينهم عن أن يجاب لطلبه في الإفراج عن أعضاء مكتب الإرشاد ليستطيع معهم تهدئة الأمور إذا هو أصدر بيانا يستنكر فيه اغتيال النقراشي باشا .

وأصدر الأستاذ المرشد البيان ونشر في الصحف تحت عنوان " بيان للناس " وإن كان ممثلوا الحكومة قد ألزموه بإثبات عبارات معينة في البيان لم يكن هو راضيا عنها ,ولكنه أملا في تدارك الموقف المتفاقم- أجازها كارها .. وإليك هذا البيان الذي نشر في 11/1/1949:

"كان هدف دعوتنا حين نشأت ( العمل لخير الوطن وإعزاز الدين ومقاومة دعوات الإلحاد والإباحية والخروج على أحكام الإسلام وفضائله ) تلك الدعوات التي دوى بوقها,وراجت سوقها في تلك الأيام ,وإذ كان ذلك كذلك,فما كانت الجريمة ولا الإرهاب ولا العنف من وسائلها , لأنها تأخذ عن الإسلام , وتنهج منهجه وتلتزم حدوده , ووسيلة الإسلام في الدعوة مسجلة في كتاب الله ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) ( النحل: 125) والقرآن الكريم هو الكتاب الذي رفع من قدر الفكر,وأعلي من قيمة العقل , وجعله مناط التكليف , وفرض احترام الدليل والبرهان وحرم الاعتداء حتى في القتال فقال : ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) البقرة : 190) .

والإسلام الحنيف هو دين السلام الشامل , والطمأنينة الصافية والمثل الإنسانية الرفيعة ومن واجب كل مسلم ينتسب إليه أن يكون مظهرا لهذه الحقيقة التي صورها النبي الكريم صلي الله عليه وسلم بقوله :" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".

ولقد حدث أن وقعت أحداث نسبت إلى بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها أو يلتزموا نهجها , مما ألقي عليها ظلا من الشبهة فصدر أمر عسكرى بحلها , وتلا ذلك هذا الحادث المروع حادث اغتيال دولة رئيس الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا الذي أسفت البلاد لوفاته وخسرت بفقده علما من أعلا نهضتها وقائدا من قادة حركتها ومثلا طيبا للنزاهة والوطنية والعفة من أفضل أبنائها . ولسنا أقل من غيرنا أسفا من أجله , وتقديرا لجهاده وخلقه .

ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافي مع العنف بل تنكره ,وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها, وتسخط على من يرتكبها , فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها ....ولما كانت بلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها , مما يوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار – وكان جلالة الملكة المعظم حفظه الله قد تفضل فوجه الحكومة القائمة –وفيها هذه الخلاصة من رجالات مصر – هذه الوجهة الصالحة , وجهة العمل على جمع كلمة الأمة وضم صفوفها , وتوجيه جهودها وكفاياتها مجتمعة لا موزعة إلى ما فيه خيرها وصلاح أمرها في الداخل والخارج , وقد أخذت الحكومة من أول لحظة تعمل على تحقيق هذا التوجيه الكريم في إخلاص ودأب وصدق. وكل ذلك يفرض علينا أن نبذل كل جهد , ونستفيد كل وسع في أن نعين الحكومة في مهمتها و ونوفر لها كل وقت ومجهود للقيام بواجبها والنهوض بعبئها الثقيل , ولا يتسني لها ذلك بحق إلا إذا وثقت تماما من استتباب الأمن واستقرار النظام – والعمل على استتباب الأمن واستقرار النظام واجب كل مواطن في الظروف العادية فكيف بهذه الظروف الدقيقة الحاسمة التي لا يستفيد فيها من بلبلة الخواطر وتصادم القوى وتشعب الجهود إلا خصوم الوطن وأعداء نهضته.

... لهذا أناشد إخواني لله والمصلحة العامة أن يكون كل منهم عونا على تحقيق هذا المعني وأن ينصرفوا إلى أعمالهم, ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى بذلك حق الله والوطن عنهم والله أسأل أن يحفظ جلالة الملك المعظم ويكلأه بعين رعايته ويسدد خطى البلاد حكومة وشعبا في عهده الموفق إلى ما فيه الخير والفلاح آمين ".

هذا هو البيان ...والهيئة التي ينشر قائدها هذا البيان ويوضح فيه أهداف دعوته وكلها أهداف إصلاحية نبيلة ويصرح فيه بموقفها من الجريمة بوجه عام ومن اغتيال النقراشي لا شك في أنها ليست الهيئة التي تلصق الحكومة بها الاتهامات التي كالتها بدون حساب .. فكان هذا البيان في حد ذاته تفنيدا آخر لما ادعته الحكومة على الإخوان وأصدرت أمر الحل بناء عليه ...

على أن الظروف التي أحاطت بصدور هذا البيان كانت ظروفا بالغة الحرج والخطورة وسنرجئ تناولها إلى باب قادم إن شاء الله .

الخطة الأخيرة للإبادة جريمة القرن العشرين اغتيال المرشد العام

  • - التمهيد للجريمة.
  • - التدبير الأثيم .
  • - شخصيات ومواقف كشفت عنها المحنة القاسية.
  • - لوذات سوار لطمتني ؟ من هم السعديون ؟
  • - هذه القضية- تطورها الإجرائي أمام القضاء .

مقدمة

كانت إقامتي في عام 1948 في مدينة دمنهور و حيث نقلت إليها في منتصف عام 1947.وكان مقر عملي في أكبر محلج للقطن فيها .. وكانت علاقات الإخوان مع حكومة السعديين برياسة النقراشي باشا في خلال تلك الفترة لا تزداد كل يوم إلا سوءا, مع أننا كنا نحاول استرضاء هذه الحكومة – رغم أخطائها الجسيمة في حق البلاد – من أجل قضية فلسطين التي طغت على جميع القضايا في البلاد العربية والتي كانت تجتاز في تلك الأيام أحرج مواقفها .

وقد أتاح لى وجودي في هذا المحلج فرصة التعرف على شخصية لم أكد أتعرف عليها حتى شعرت أنها تبادلني حبا بحب وتقديرا تلك هي شخصية الأستاذ ( ع. عنان ) مهندس ماكينات المحلج.

ومع ما بيني وبين الأستاذ ( ع ) من توافق روحي من أول يوم , فقد كنا على خلاف كبير في وجهات النظر إلى كثير من المسائل الجوهرية في الحياة السياسية لبلادنا .وكان الخلاف يشتد بيننا في بعض الأحيان في أوائل تعارفنا إلى الحد الذي يخيل لمن يحضر نقاشنا أنه لابد أن يؤدى إلى قطيعة , غير أنه لم يوهن في يوم من الأيام من وشائج الود بيننا ..

كان الأستاذ (ع) من الرجال الأتقياء الذين يعتزون بكرامتهم ولا يخافون في الحق لومة لائم ,وكان على ذكاء وفطنة وعلى درجة واسعة من الثقافة العامة, كما كان من أصل كريم من أسرة عنان هي أسرة عريقة في الدقهلية .. وكان إبراهيم عبد الهادي باشا يمت إلى أسرتهم بصلات نسب .ولذا فإنه كان بحكم هذه الصلات سعديا.وكان مقتضي ذلك أن يكره ما سوى السعديين, فيكره الوفد ويمقت الإخوان المسلمين.. ومع أن الرجل قد عرف أنني من الإخوان المسلمين فإنه كان يصارحني برأيه هذا ,ويتعجب من أن يكون شاب مثلي من الإخوان المسلمين .

وفي أثناء مناقشاتي معه تبين لى أن الرجل معذور في كراهيته للإخوان المسلمين , أولا لأن الصورة التي وضع السعديون الإخوان في إطارها صورة منفرة مخالفة للحقيقة والواقع, ثم إن الظروف لم تسعف الرجل من قبل بالتعرف على أشخاص من الإخوان يمثلون الدعوة الإسلامية في أخلاقهم وتصرفاتهم وتعاملهم من الناس ... وكان الرجل مقتنعا بي كل الاقتناع – وأول شرط لنجاح الداعية إلى أية فكرة أن يقتنع به من يخاطبه – ولذا فقد سهل على بعد عدة جلسات معه أن أصحح له صورة الإخوان بوضعها في إطارها الصحيح .... وكان قد أظلتنا الأيام التي بلغ فيها التوتر وبين السعديين أشده .... وكان الرجل على اتصال بأهله وذويه ومنهم إبراهيم عبد الهادي وأسرته ..

وأسر إلى الرجل بأنه قد اقتنع بالإخوان المسلمين إلا أنه يرى ألا يجهر بذلك, وأن يظل على ولائه للسعديين, لأنه علم أن إحداثا جساما على وشك الوقوع في البلاد.. وأنه يريد أن يقف بجانبي في خلالها ليدفع عني ما يستطيع دفعه من شرورها .. وكنت أعترض أن أكون بمنجى مما يتعرض له إخواني , فكان يقول لي :" إنني أعلم أنك لا تبالي في سبيل دعوتك عذابا ولا تنكيلا, لكنك بوصفك صديقا حللت في قلبي محل الأبناء أو الأخ الصغير ,وأعلم في نفس الوقت أنك على الحق وأن أعداءكم على الباطل فإنني أرى نفسي ملزما – رضيت أم كرهت – أن أؤدي واجبي نحوك , وأن أخفف من المصائب القادمة ما أستطيع .. ثم قال : ليتني أستطيع دفع الويلات عن الإخوان جميعا ,إذن والله لفعلت ولكنه جهد المقل ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها " .

وتحقق الذي أسره إلى فصدر أمر الحل, وتبعه ما أشرت إليه من اعتقال الإخوان وعجبت أن أترك دون اعتقال ...ولاحظت منذ اليوم الذي صدر فيه أمر الحل أن الأستاذ (ع) يلازمني طل اليوم ولا يكاد يفارقني, ولا يدعني أبارح المحلج إلى بيتي دون أن يرافقني حتى أدخل باب البيت ... وكنت أثور عليه في بعض الأحيان فكان يقول لي : يا فلان أليس إيمانك بدعوتك كما هو لم يمس ؟ وما فائدة أن تعتقل إذا كان يمكنك ألا تعتقل دون أن يمس إيمانك ودون أن يتعرض لك السفهاء بما تكره ؟ أليس النبي صلي الله عليه وسلم يقول:" سلوا الله العافية "؟

الفصل الأول التمهيد للجريمة

ظهر للمحللين فيما بعد أن الأصابع الخفية التي نسجت خيوط المؤامرة العالمية للقضاء على الدعوة الإسلامية في هذا القرن ,, كانت قد نسجت هذه الخيوط على أن يكون الخيط الحابك لها جميعا هو اغتيال المرشد العام مؤسس الدعوة وقائدها وروحها والرجل الذي أعياهم الاقتحام إليه بكل ما يملكون من وسائل الترغيب والترهيب والجدار الشاهق الصلب المتين الذي تستند إليه هذه الدعوة ... فإذا أمكن نسفه انهارت بانهياره الدعوة بين عشية وضحاها. ولقد عبر عن هذا المعني الذي سيطر على أفكارهم الضابط محمد الجزار حين قال لأحد الإخوان المتهمين في إحدي القضايا التي لفقوها : لقد كنتم تستندون على وجود الجماعة وعلى وجود المرشد فالجماعة حللناها والمرشد قتلناه فأى سند لكم بعد ذلك ؟

وسأحاول إن شاء الله في هذا الفصل إبراز صورة واضحة المعالم للتخطيط الذي وضعه المتآمرون لإتمام هذه الجريمة التاريخية النكراء في الخطوط العريضة التالية :

وينردج تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية :

  1. عدم الوقوف في وجه العمل الفدائي للإخوان في فلسطين , باعتقاد أن ذلك يستنزف قوتهم ويعين على سهولة القبض عليهم بعد ذلك دفعة واحدة .
  2. عن طريق جمع السلاح للفدائيين وللمجاهدين الفلسطيني يمكن ضبط مخازن هذا السلاح في مصر ليكون هذا الضبط مبررا للقبض على البقية الباقية من الفدائيين من الإخوان الذين لم يتمكنوا من السفر إلى فلسطين وتلفيق قضايا لهم بمحاولة قلب نظام الحكم.
  3. إدخال الجيوش العربية إلى فلسطين لتتحطم روحها المعنوية من جهة- نظرا لضعف تسليحها وعدم تدريبها –ومن جهة أخرى ليكون دخول هذه الجيوش مبررا لإعلان الأحكام العرفية .
  4. اختيار النقراشي باشا لإصدار أمر الحل لما يعلمون من شدة حقده على الإخوان ولصفاته التي أشرنا إليها من قبل , حتى ينطبع في بنود هذا الأمر آثار هذا الحقد من الشراسة والتحدي والاستفزاز, مما يدفع شباب الإخوان إلى القيام بأعمال انتقامية .
  5. توريط النقراشي في إصدار أمر الحل سيدعوه إلى حماية نفسه بإصدار أوامر أخرى باعتقالات يتسع نطاقها يوما يعد يوم حتى يكون الإخوان جميعا تحت يد الحكومة في يوم قريب .

ويندرح تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية :

  1. إظهار الحكومة أمام الرأي العام بمظهر الاعتدال إذ هي في استطاعتها اعتقاله ومع ذلك فإنها الحكومة لشخصيته لا تعتقله – في حين أن عدم اعتقاله لا يجعل الحكومة مسئولة عما قد يتعرض له من اعتداء أو اغتيال .
  2. وجود المرشد العام حرا – فيما يبدو للناس – يجعله مصيدة لاصطياد من يتصل به من الإخوان الذين قد لا تكون أسماءهم مدونة في السجلات التي صادروها .
  3. وجوده حرا دون اعتقال يجعله دائب البحث عن وسيلة للتفاهم مع الحكومة لإيجاد مخرج من الأزمة التي أوجدها أمر الحل , مما يدعوه إلى الاتصال برجال الحكومة , وعن هذا الطريق يمكن ضبط تحركاته إذ تكونت تحت عيونهم .
  • الخط الثالث – قطع الصلة بينه وبين الإخوان :

ويندرج تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية :

  1. أن يفقد الإخوان لا سيما الشباب منهم قيادتهم , فيندفعوا بحكم حماسهم وبتأثير أعمال الاستفزاز التي تقوم بها الحكومة ضدهم إلى ارتكاب أخطاء وأعمال انتقامية تدينهم أمام الرأي العام وتزيد من تمكن الحكومة منهم وتشديد قبضتها عليهم .
  2. كان في ذهنهم احتمال كبير لقيام هذا الشباب باغتيال النقراشي باشا , ومما يزيد نار العداء تأججا بين السعديين ومن ورائهم املك وبين الإخوان مما يدفع السعديين إلى الانتقام .
  • الخط الرابع – تجريده من الحماية الشخصية :

ويدخل تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية:

  1. اعتقال أشقائه جميعا لا سيما عبد الباسط ضابط البوليس.
  2. تجريده من مسدسه الخاص وسحب رخصته.
  3. الاستيلاء على سيارته الخاصة حتى يحد ذلك من حركته , فيضطر إلى استخدام وسائل المواصلات العامة مما يسهل لهم أن يكون تحركه تحت أعينهم .
  4. عدم السماح له مغادرة القاهرة إلى أى مكان آخر في داخل البلاد أو خارجها.
  • الخط الخامس – إغلاق جميع الطرق أمامه .

ويدخل تحت هذا الخط العريض الخطوط التالية :

  1. حاولوا أولا سد جميع الطرق أمامه, ولكنه سارع من أول لحظة وقدم طلبا للعضوية بجمعية الشبان المسلمين فلم لم يفلحوا في إغلاق هذا الطريق جعلوه هو الطريق الوحيد أمامه , ورسموا خطة على هذا الأساس .
  2. استغلوا هذا الطريق الوحيد في إيهامه باستعدادهم للتفاهم معه .
  3. اختارت الحكومة لتمثيل دور الوسطاء بينها وبينه شخصيات حكومية معروفة بالخداع والمداهنة والالتواء .
  4. استطاعت هذه الشخصيات أن تحصل منه على البيان الذي أذيع بعد مقتل النقراشي باشا تحت عنوان " بيان الناس " الذي أشرنا إليه من قبل,وقد تأتي الإشارة فيما بعد إلى الطريقة التي أخذوه بها .
  5. استطاعوا بأسلوب الخداع والغدر والالتواء أن يحددوا له موعدا للقاء بدار الشبان المسلمين في ساعة محددة من مساء يوم معين لإتمام التفاهم على حل نهائي للأزمة , مما جعله يسارع متهلفا إلى الحضور في الميعاد حرصا على مصلحة دعوته ... وعلى أساس من هذا التحديد للمكان والزمان وضعوا خطة الاغتيال .
  • مزيد من الأضواء على هذه التمهيدات

أولا : المرشد يطلب من الحكومة أن تعتقله:

إن الأستاذ المرشد حين وجد أن الإخوان معتقلون دونه شعر بأن هذا الوضع مقدمة لمؤامرة تستهدفه شخصيا فطلب من الحكومة وألح في طلبه إما أن تعتقله مع إخوانه وإما أن تفرج عنهم ..ولكن الحكومة أصرت على هذا الوضع الغريب , فطلب منها أن تفرج عن أعضاء مكتب الإرشاد وهم اثنا عشر شخصا لتتاح له الفرصة معهم في العمل على تهدئة الخواطر حتى لا تتفاقم الأمور ..ولكن الحكومة أصرت على الوضع نفسه.

ثانيا : الشعب كله داخله شعور بالارتياب :

ازداد ارتياب المرشد العام في نية الحكومة من تركه دون اعتقال حيث سحبت منه سلاحه المرخص وسحبت رخصته , واعتقلت شقيقه عبد الباسط في الوقت الذي طوقت بيته بنطاق من البوليس الملكي .. وقد شكا ذلك صراحة في مذكرته التي رد بها على مذكرة عمار بك وكيل الداخلية .. ويبدو أن شعور الارتياب هذا لم يداخل المرشد العام وحده بل داخل الشعب كله لأن الإجراءات غريبة كل الغرابة ولا تحتمل إلا الارتياب .. وقد يبدو هذا الارتياب في أوضح صوره في نقاش دار بين الدكتور عزيز فهمي المحامي وبين المرشد العام وقد أوردت هذه الواقعة جريدة المصري في 4/5/1952 تحت عنوان " بين الشهيدين " حسن البنا وعزيز فهمي " قالت الجريدة :

" روي أمس بعض الذين قدموا للعزاء بدار عبد السلام فهمي باشا ( والد الدكتور عزيز) القصة التالية وقد وقعت بين المرحومين حسن البنا والدكتور عزيز فهمي , وتتلخص في أن المغفور له الشيخ حسن البنا كان قد وكل المغفور له الدكتور عزيز فهمي في قضايا الإخوان بعد حلها . وكان الشيخ حسن البنا في مكتب الدكتور عزيز قبل اغتياله بيومين لمراجعات خاصة بالقضايا . وسأل الدكتور عزيز الشيخ حسن البنا : هل معك سلاح ؟

فرد رحمه الله بقوله : السلاح أخذوه ,والأخ سجنوه

فسأل الدكتور عزيز : وبماذا تدافع عن نفسك؟

فقال رحمه الله :

أى يومي من الموت أفر

يوم لا يقدر أم يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه

ومن المقدور لا ينجو الحذر

ثم قال رحمه الله للدكتور عزيز : إني أخشي عليك أن تموت صغيرا فعقلك أكبر من سنك بمراحل . ثم كان أن اغتيل الشيخ حسن البنا بعد يومين من هذه المقابلة وتوفي الدكتور عزيز بعد ثلاثة أعوام رحمهما الله ".

  • ثالثا – اللواء صالح حرب باشا يكشف عن خبث نيات الحكومة

كاد ارتياب المرشد العام في نية الحكومة نحوه أن يكون يقينا فطلب من الحكومة السماح له بمغادرة القاهرة إلى أى مكان آخر , فلم تحر الحكومة على هذا الطلب جوابا وأترك إلقاء الضوء على هذا الخط أو على هذه الخطة الأثيمة من المؤامرة الدنيئة للرجل الذي كان ملابسا لظروفها , ومحيطا بأبعادها, والذي سجل له التاريخ موقف رجولة نادرة’ وبطولة انعدم مثلها في تلك الأيام المدلهمة, ذلك هو اللواء صالح حرب باشا رئيس جمعية الشباب المسلمين في ذلك الوقت , ونقتطف باقة من خطاب ألقاه في عيد الجهاد الموافق 15/11/1949حيث قال :

" فيمثل هذا اليوم من العام الماضي , وقف موقفي هذا أنعي فيه على الحكومة القائمة يومذاك موقفها السلبي من قضية البلاد وأهدافها الوطنية متسترة خلف ما أسمته تجاهل وجود الغاصبين – وما كان أسعد الغاصبين بهذا التجاهل ...وهل إذا سئلوا أن يتمنوا فهل كانوا يتمنون أكثر من ذلك التجاهل الذي ترجمته الواقعية هي التسليم لهم بلا قيد ولا شرط في حقوق البلاد وكانت نتيجته ما وصلت إليه الحالة اليوم في السودان وبقاء جيش الاحتلال في أرض الوطن , ثم قتل الروح الوطنية , وتعويد الشعب على أن ينسي قضاياه القومية , وصرفه عنها بشتي الوسائل, وكان أفتكها سلاحا سيف الأحكام العرفية المصلت على الرقاب , والإرهاب الحكومي صير كل مصري مشغولا بنفسه , لا يدرى ما مصيره ولا ما يأتي به الغد. فعشش الخوف في النفوس وأفرخ .. وفي غمرة هذه الأحداث وصل الغاصبون إلى غاياتهم وهم في أمن وسلام .

أما الأمن والسلام فلا رعي الله أمنا يمشي فيه المصري ولا يدري أن كان سيصبح في بيته أو في معتقل ويصبح فلا يدرى أن كان سيمسي بين أهله أو بين المجرمين في سجن .. أما نزاهة الحكم فيا لسخرية القدر .. أين هي ؟ دلونا عليها يا زعماء البلاد وساسة الحكم فإن لم تستطيعوا فاسألوا عنها سمعة مصر في بلاد العالمين ,وسلوا عنها كساد الحال وركود الأعمال وارتفاع الأسعار, وإثراء ذوي النعمة وقد كانوا من المفلسين.

  • • لقاؤه بالأستاذ البنا بعد قرار الحل :

ثم قال :وأري من واجبي في هذه المناسبة أن أميط اللثام عن موقف المغفور له الشهيد الشيخ حسن البنا بعد صدور الأمر بحل الإخوان . وقد زرته في منزله وكان المنزل مراقبا عقب حل الجماعة فقال لى: لقد سعيت عقب الحل مباشرة للاتصال بالنقراشي باشا فتعذر ذلك بل استحال, وكتبت له عندما أمعنوا في القبض على كبار الرجال في الجماعة إنني مستعد أن أتعاون مع الحكومة تعاونا صادقا لتهدئة الحال وإقرار الأمن والسلام ..فلم يعبأ بما كتبت له . ولجأت إلى بعض الوزراء أستعين بهم لديه ولم يتم شئ . وسعيت هنا وهنا حتى كدت أنتعل الدم فلم يبال أحد بسعي ورجائي ..ولست أدرى لماذا يتركونني اليوم طليقا وقد اعتقلوا جميع أصحابي ما داموا لا يرغبون في إشراكي معهم لتهدية الخواطر بل ولا يرغبون في الاتصال بي .. لماذا إذن لا يعتقلونني كما اعتقلوا غيري .. والاعتقال خير لى من الحال التي أصبحت فيها بين توجع النساء , ولوعة الشيوخ , وبكاء الأطفال , واحتياجهم جميعا لمن يعولهم ومن يعينهم ومن أين لى وقد جمدوا ووضعوا يدهم على كل ما يملك الإخوان ؟

ثم قال اللواء صالح حرب : وقد قلت له : ثق يا فضيلة المرشد أن دار الشبان المسلمين دارك, وهي مفتوحة لك دائما ... تردد الشيخ على الدار, فامتعضت الجهات الرسمية وخاطبوا الجمعية في ذلك فكان الجواب أن هذه الدار دار المسلمين جميعا , لن يوصد بابها في وجه مسلم , ومن باب أولي لا يوصد في وجه الأستاذ الشيخ حسن البنا , وستظل هذه الدار داره راغبا في زيارتها .

  • • أساليب ملتوية كشفت نية الحكومة

وأخيرا بدت من الحكومة رغبة في الاتصال به وطلبوا إليه أن يذيع بيانا يدعوا فيه إلى الهدوء والسكينة حتى تعود الطمأنينة إلى النفوس . فكتب بيانه وعرضه على المسئولين .

فطلبوا إليه أن يستنكر بصراحة الاعتداء على النقراشي باشا ففعل.. وظل البيان بين المحو والإثبات حتى أقروه ونشر تحت عنوان " بيان للناس " والشيخ في كل هذه الأيام لا يشغله شاغل غير الرغبة الصادقة في التعاون مع الحكومة على إقرار السلام , ولا يشترط غير إطلاق سراح كبار الإخوان ليعاونوه .

وكم كانت دهشتي عندما قرأت في أثناء محاكمة قاتل النقراشي باشا أن هذا البيان كان وسيلة من الوسائل التي استعملت في زلزلة معنويات القاتل وإضعاف عقيدته .. فقلت عفاء على أخلاق عظماء الرجال في مصر .

واطمأن الشيخ على أنه بعد هذا البيان سوف يتغير الموقف , ويسود التفاهم, وتتوالي الخطوات في سبيل تهدئة الخواطر وإقرار السلام . ولكن لسوء الطالع لم يمض يومان على صدور البيان حتى وقع حادث الشروع في نسف محكمة الاستئناف فجاءني الشيخ في حالة من الجزع والفزع لم يسبق أن رأيته عليها وقد عقد لسانه , وجف ريقه ,وملكه ألم كان يفقد صوابه ...وأنا أقسم بعد أن شاهدت الشيخ المرشد على تلك الحال إنه مستحيل على مثله أن يدعو إلى الإجرام أو يأمر به أو يشارك فيه ... وظللت وقتا طويلا أهدئ من روعه حتى سكن قليلا واستطاع الكلام فقال :أرأيت هذا المفتون ماذا كان ينوى أن يفعل ؟ والله ما هذا الشقي مسلما ولا من الإخوان..ولما خوطب الشيخ من الجهات الرسمية في هذا الحادث تبرأ من هذا الشاب واستنكر بكل شدة فعلته وأظهر استعداده لأن ينشر بيانا آخر يذيع فيه أن هذا المفتون وأمثاله ليسوا مسلمين .

بعد هذا الحادث ظهر أن نيات الجهات من ابتدائها لم تكن مخلصة في مفاوضاتها مع الشيخ وبدأ القلق يساوره فقلت له : من الخير أن تطلب من الحكومة الرحيل من القاهرة إلى جهة نائية تقيم فيها حتى تنقشع غياهب الأحداث .

فقال : إني خيرت المسئولين في واحدة من أربع : أما أن يطلقوا سراح كبار الإخوان لنعمل معا جادين مخلصين حسب توجيه الحكومة حتى تطمئن ويزول ما في النفوس لنعمل معا جادين مخلصين حسب توجيه الحكومة حتى تطمئن ويزول ما في النفوس وتهدأ الخواطر وإما أن يختاروا قرية ألجأ إليها ولو كانت في مكان قفز – وإما أن يسمحوا لى بمغادرة القطر إلى أى بلد عربي أو إسلامي – وأما أن يعتقلوني كما اعتقلوا أصحابي ولكنهم إلى الآن لم يستجيبوا إلى واحد من هذه الأربع .

فتبينت العبث ظاهرا في هذه المعاملة, وطلبت من الشيخ بإلحاح أن يغادر القاهرة من تلقاء نفسه إلى أى قرية بعيدة يختارها , ويخطر الحكومة بانتقاله إليها – وقمت إلى أسوان متألما من الموقف بعد أن وثقت من أن الشيخ سيغادر القاهرة غداة سفرى إلى قرية بها شيخ كبير السن من الإخوان يعيش بجواره ..ولست أدرى ما الذي أخر سفره ؟ ومرت الأيام وأنا بأسوان حتى سمعت بمقتله .. وأين ؟ على باب الشبان المسلمين التي قدم طلبا بالانضمام إلى عضويتها ... فيا للخيانة ويا للغدر .. مات الشيخ حسن البنا فمات بموته خلق كثير ".

  • • شهادة محافظ القاهرة تلقي أضواء أكثر :

ويحسن في هذا المقام زيادة في الإيضاح بعد هذا البيان الجامع للواء صالح حرب أن نورد ما يتصل بهذا الموضوع من شهادة الأستاذ فؤاد شيرين محافظ القاهرة في ذلك الوقت أمام مستشار التحقيقات محمد على جمال الدين في 18/3/1953 حيث وجه المحقق إليه سؤالا على الوجه الآتي :

س: هل تقدم الشيخ حسن البنا لحضرتك بطلب التصريح له بالسفر للخارج؟

جـ: أذكر جيدا أنه وصلني جواب من المرحوم حسن البنا يقول فيه إنه يريد السفر إلى بلدة قليوبية للإقامة عند قريب له .وحدث بعد ذلك أن قابلت الأستاذ إبراهيم عبد الهادي رئيس الحكومة في مكتبه , ووجدت أنه على علم بهذا الخطاب وقال لى : لا ترد عليه . فقلت له : إنه يطلب الرد . فقال لى : أليس هناك أشخاص يكتبون إليك ولا ترد عليهم ؟ فقلت : نعم . فقال: إذن افعل ذلك معه .

وانتهى الحديث عند هذا الحد وأظن أن حضرة إبراهيم عبد الهادي يذكر ذلك... وبناء على ذلك لم اتصل بالشيخ حسن البنا , ولم يتصل هو بي لأنه قتل بعد فترة قصيرة.

س: ألم تفهم من حديث إبراهيم عبد الهادي ما هو السبب أو الداعي في عدم الرد وعدم التصريح للشيخ البنا في السفر والإقامة مع قريبة في بنها؟

جـ : لا ... لم أفهم شيئا ولكني تألمت لأني كنت أريد أن أرد عليه .

س : ألم تعلم باعتقال الشخص الذي كان البنا يريد الإقامة عنده ؟

جـ: لا.. لأن شئون الإخوان لم تكن تعرض على ولا أخطر بها .


الفصل الثاني التدبير الأثيم

أخر صورة للإمام الشهيد حسن البنا قبل استشهاده

وقعت هذه الجريمة في اليوم الذي اعتقد فيه المرشد العام – أمام المواثيق التي قدمتها إليه الحكومة عن طريق وسطائها – أنه اليوم الذي ثابت فيه الحكومة إلى رشدها ,وأرادت أن تخرج بالبلاد من ورطتها, وإنقاذها مما آل إليه حالها من تدهور في الأمن , وفقد للطمأنينة والأمان ,وتحول البلاد إلى ميدان حرب بينها وبين الشعب .

وقد تلمح هذا المعني فيما جاء بشهادة عبد الفتاح عشماوي أبو النصر حين استدعاه المحقق في 17/3/1953 فقال : إنه موظف بوزارة المعارف وإنه من الإخوان المسلمين .

وقد اتصل به البوليس السياسي ليعمل مرشدا في خدمته فأبلغ ذلك للشيخ حسن البنا الذي طالب منه مسايرة البوليس لمعرفة أغراضه. واستطرد يقول: فاشتغلت بمكتب عبد المجيد العشري الضابط بالقلم السياسي وطلب مني أن أخبره بكل اجتماعات مكتب الإرشاد. وكنت أطلع الشيخ البنا على كل أخبار البوليس السياسي .

وفي يوم الحادث كنت أنا والأستاذ أحمد سليمان المدرب بالسعيدية الثانوية – وهو من الإخوان وكان مرشدا أيضا للبوليس السياسي – عند الأستاذ المرشد العام لتبليغه خبر اعتقال الشيخ النبراوي.فأخبرنا أنه سوف لا يخرج في اليوم المذكور لأن الحكومة في سبيل السماح له بزيارة المعتقلين وتسوية المسائل ... وخرجنا على أن نعود إليه في اليوم التالي ولكنه اغتيل ..وقال لى الضابط عبد المجيد العشري : إحنا أخذنا بالثأر .

فسأله المحقق : لماذا لم تبلغ هذه الوقائع في حينها ؟ فقال :كل واحد كان يتقدم للشهادة كان يعتقل .

وهكذا خدع المرشد العام ..وما كان له إلا أن يخدع , فهو إنسان لم يعد يملك لنفسه شيئا أمام حكومة جردته من كل شئ .. من إخوانه وأهله وسلاحه وسيارته وقلما في الوقت الذي تجردت هي فيه من جميع القيم , ومن أبسط قواعد الأخلاق , ومن أدني صفات الإنسانية , وأباحت لنفسها مالا تبيحه عصابات السطو والإجرام ,فاستباحت أول ما استباحت الكذب والنفاق والخداع والقتل والخيانة والغدر .

تطورات الأحداث حتى وصلت إلى نهايتها

ولكي يتتبع القارئ تطور الأحداث حتى وصلت إلى نهايتها نقول :

مسارعة المرشد لتدارك الأمر :

1- عقب صدور أمر الحل مباشرة سارع المرشد العام إلى مقابلة إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت , وسلمه بيانا أعده لإذاعته على الإخوان يناشدهم فيه التزام الهدوء والسكينة , وأن يتركوا له أمر التفاهم مع الحكومة بما يتفق ومصلحة البلاد العليا .

فلما تسلم النقراشي باشا هذا البيان رفض نشره بالصحف وأنكره على المرشد العام قائلا : إن إخلاد الإخوان إلى الهدوء والسكينة من شأن الحكومة وليس من شأن حسن البنا ,

• على نفسها جنت براقش:

2- كان من أثر هذا الصلف والغرور والجهل الذي تسلط على عقلية ذلك الرجل النقراشي باشا فأعماه عن الحقائق وشرد به عن الواقع فصار يعتقد أن الشعب ليس إلا قطيعا من الغنم متى رفع عليه العصا اتجه حيث يريد .. كان أول أثر أن راح صاحب هذه العقلية الضحية الأولي لصلفه وجهله وغبائه فاغتيل في سويداء عرينه الذي لم يغن عنه شيئا .

• الحكومة تدفع الشباب إلى عمل أهوج :

3- قبض على قاتل النقراشي وعلى عدد معه من الإخوان واتبع في التحقيق معهم أساليب لا يقرها القانون , وانتزعت منهم اعترافات بوسائل دنيئة,في ظل نيابة عامة على رأسها النائب العام محمود منصور الذي تحدثنا عنه من قبل .. وخيل إلى شاب ممن ينتسبون إلى الإخوان – الذين عزلتهم الحكومة الغاشمة عن قيادة ترشدهم وتحسن توجيههم – خيل إليه أن إنقاذ إخوانه الذين سيموا العذاب في هذا التحقيق لا يكون إلا بنسف المحكمة التي أجرى في حجراتها هذا التحقيق وحفظ في خزانتها أوراقه .

وناهيك بعقلية شاب في العشرين فاقد الأعصاب لفظاعة ما تتبعه الحكومة من أساليب القهر والاستفزاز , ويحج نفسه وحيدا , حيث لا يبيح أمر الحل أن يجتمع مع أى آخر من إخوانه ليتبادل معه الرأي فضلا عن أن يتاح له لقاء مع المرشد العام .. فهو يفكر وحده, ويفكر شاردا مطاردا .. فهل يتفتق ذهنه إلا على أفكار خاطئة ؟!

• الحكومة تخادع المرشد العام :

4- عقب اغتيال النقراشي باشا تم لرسل الحكومة الحصول من المرشد العام على " بيان للناس " الذي طلبوا إليه أن يستنكر فيه اغتيال النقراشي باشا .. ونشروا هذا البيان في الصحف . وتبين بعد ذلك أنهم إنما طلبوا هذا البيان ليزلزلوا به عقيدة قاتل النقراشي كما جاء في خطاب اللواء صالح حرب باشا الذي نشرناه آنفا – وكان في هذا من معاني النذالة ما فيه .

وعقب محاولة نسف محكمة الاستئناف – وكان المرشد العام في حالة من التأثر الشديد كما وصف اللواء صالح حرب .. جاء رسول الحكومة واستطاع الحصول من المرشد العام في ظل هذه الحالة من التأثر على بيان آخر عنوانه " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين ".

وقد ألقى رسول الحكومة في روع المرشد العام أن الحكومة في أمس الحاجة إلى بيان بهذا المعني يهدد فيه المرشد العام الإخوان إذا تكرر منهم حادث آخر أن يقدم نفسه للقصاص ... وألح الرسول في طلب البيان في الحال لينشر في الصحف مباشرة قبل أن يقدم الإخوان على حوادث أخرى.

• تصرف مريب إزاء هذا البيان :

5- أخذت الحكومة هذا البيان وبدلا من أن تنشره في الحال احتفظت به دون نشر نحو شهر .. ولم يكن مفهوما تعليل لهذه التصرفات المناقضة لنفسها.. حكومة تلح في الحصول على البيان بحجة حاجتها إلى سرعة نشره ليكون وازعا للإخوان عن الإقدام على أعمال أخرى .. حتى إذا أخذت البيان حجبته عن النشر لا يوما ولا أسبوعا بل شهرا كاملا ..ولكن الأحداث تكفلت فيما بعد بالتفسير الواضح والتفسير الوحيد لهذه التصرفات العجيبة مما نفصله فيما بعد إن شاء الله .

• رئيس الحكومة يستدرج المرشد إلى حيث يغتاله :

6- كان المرشد لعام دائم الإلحاح على الحكومة في كل اجتماع يجتمع فيه برسلها أن تتيح له فرصة الالتقاء بالمسئولين من الإخوان , إما بالإفراج عنهم وإما بالسماح له بزيارتهم في المعتقل ليستعين بهم على تهدئة الحال وتنقية الجو....وكانت الحكومة دائمة الرفض لهذا الطلب ..ولكنها فجأة دون مقدمات وافقت وحددت موعداي يقوم فيه المرشد العام بزيارة الإخوان المعتقلين .. وكان هذا التغير الفجائي في موقف الحكومة – دون مقدمات ودون أن يطرأ عنصر جديد يصلح أن يكون مبررا لهذا التغير – أمرا غير مفهوم , يقف العقل أمامه مشدوها متحيرا ..ولكن الأحداث أيضا تكفلت فيما بعد بالتفسير الواضح والتفسير الوحيد لهذه المفاجأة المذهلة .

ونورد في هذا الصدد ما جاء في شهادة زكي على باشا الوزير بوزارة عبد الهادي أمام المحكمة مما يلقي ضوءا باهرا على هذا التغير المفاجئ :

المحكمة – ما معلوماتك فيما يتعلق بحادث الشيخ البنا ؟

الشاهد – الشيخ البنا جاني أثناء كنت وزير دولة , وكان بيني وبينه علاقة قديمة بصفتي وكيل جمعية الشبان المسلمين,وقال لى : أنا جيت لك أحب أن تكلم رئيس الوزراء فيما يتعلق بالإخوان . فقلت له : أنا مش مختص . وسألته عن طلباته فقال : أنا مضطهد, وكل مجلس الإرشاد معتقل , وما فيش داعي لهذا الاعتقال .. فاتصلت برئيس الوزراء فقال إذا كان هو حقيقة حسن النية يذكر لنا أسماء الأشخاص اللي يشك فيهم أن عندهم أسلحة ومن جهة أخرى يرشدنا عن محطة الإذاعة السرية التي كانت تذيع كل يوم الساعة السابعة صباحا... فرجعت الشيخ البنا وقلت له عن المطلوب فقال : إن مسألة محطة الإذاعة لا أعرفها إطلاقا ,وأن الأشخاص اللي بتقول عندهم أسلحة ما أعرفهمش , واللي يعرف عن هذا مجلس الإرشاد كما قال لي : إن أمكنني الاتصال بالمعتقلين يمكن أعرف حاجة ....

فأنا قابلت إبراهيم عبد الهادي باشا وقلت له رغبة الشيخ البنا . فقال لى : المحطة تذيع أخبارا لا يعرفها إلا الشيخ البنا. وأما من جهة مسألة الإخوان ومجلس الإرشاد فإنه لا يمكن إجابته لطلبه ...فقلت هذا للشيخ البنا فقال لى : أنا مصر أن أقابل أعضاء مجلس الإرشاد بالمعتقل ويمكن أعرف حاجة فقلت له طيب .. وقابلت رئيس الوزارة وقلت له . فكان متشددا في هذه المرة فخرجت .

وبعد بضعة أيام جه رئيس الوزارة وقال لى : تقدر تقول للشيخ البنا إنه يقابل جماعة الإرشاد يوم الاثنين التالي .

وهذا الكلام كان يوم الأربع أو الخميس أى قبل لحادث . فأنا قلت أنا أروح له يوم الجمعة ,وأبلغه , وأنا كنت أعتقد أن هذا الكلام يسره , ويوم الجمعة لم يحضر الشيخ فاتصلت بالأستاذ الناغي سكرتير الجمعية وقلت له : اعمل معروف اتصل بالشيخ البنا وقل له إنه يقدر يقابل الجماعة , وأظن قلت له يوم الاثنين المقابلة – وبعد كده لم أعرف هل هو بلغ الشيخ البنا أم لا , ولم أعرف الحادث إلا ثاني يوم الصبح لما قرأت الجرايد.

7- كان التغير الفجائي في موقف الحكومة حيال السماح للمرشد العام بزيارة المعتقلين تطورا هاما جدا وملفتا للنظر , ومثيرا للاهتمام لأنه ذو دلالات بعيدة المدى بالنسبة للجريمة حتى إن المحكمة والنيابة استفسرتا من الشاهد عن هذا التغير على الوجه الآتي :

المحكمة – قالش لك الأستاذ البنا أنه مراقب وأنه مهدد؟

الشاهد – قال لى إنه مراقب وموش متمع بحريته وإذا كانوا عيزينه يترك البلد فهو على استعداد .

المحكمة – ما عرفتش من الناغي الإجراءات التي حدثت قبل الجريمة؟

الشاهد – الناغي قال لى أنه راح قابل رئيس الوزارة واتفق معه على زيارة الشيخ البنا للمعتقل وأنه طلب الشيخ البنا في الجمعية الساعة الخامسة يوم لحادث , وبعدين خرج من الجمعية وانصرف .

المحكمة – هل كنت تعلم أن الأستاذ الناغي كان حلقة اتصال بين الشيخ البنا ورئيس الوزراء بصفته من أقربائه؟

الشاهد – لا

النيابة – سيادتك بتقول إنهم اتصلت بإبراهيم عبد الهادئ وطرحت عليه إنه يسمح للشيخ البنا بمقابلة المعتقلين كان يرفض وإنه بعد كده سمح بذلك , ما الذي جعله يغير رأيه ؟

الشاهد – اللي فهمته أنه اتخذ احتياطه عند تنفيذ الفكرة .

8- ترتب على هذا التغيير الفجائي في موقف الحكومة إدخال عنصر جديد في الموقف بالنسبة للمرشد العام – عنصر فيه بالنسبة له رائحة الأمن فقد شعر بأنه ظفر أخيرا بما كان يأمله ويلح عليه منذ صدور أمر الحل ... وما كان لمثل الأستاذ المرشد أن يحمل هذا التصريح إلا على محمل الجد فإنه تصريح من رئيس الحكومة إلى وزير من وزرائها ثم أكده لأحد أقربائه الذي يشغل منصبا كبيرا في الحياة الاجتماعية للبلاد هو الأستاذ الناغي العضو المؤسس لجمعية الشبان المسلمين .. مما جعل هذا الأخير يرسل أقرب شخصيات جمعية الشبان المسلمين إلى نفس المرشد العام وهو الأستاذ محمد يوسف الليثي رئيس قسم الشبان بالجمعية إلى بيت المرشد العام ليلقي إليه بالنبأ السار الذي يؤمل المرشد من وزرائها حل الأزمة كلها ويطلب إليه الحضور إلى دار الجمعية في الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم السبت الموافق 14 ربيع الثاني 1368 -12 فبراير 1949 للتفاهم معه في هذا الموضوع .

9- عنصر الأمن هذا الذي ولده التغير المفاجئ في موقف رئيس الحكومة هو الذي جعل المرشد العام يغير من خططه ويعدل عن عزمه الذي اتفق عليه مع اللواء صالح حرب من مغادرة القاهرة إلى مكان آخر من تلقاء نفسه – دون استئذان الحكومة – ثم يبلغها بمكانه الجديد .

حتى أن سروره بتلقي هذا النبأ وما يؤمله من ورائه من خير قد طغي على شعوره بعكس ذلك مما تؤيده الوقائع وما تبعثه في النفس الظروف الغامضة المسيطرة .

فلقد كان شعور الريبة الذي أشرت إليه آنفا هو الشعور الذي تنطق به الظروف لا في نفس المرشد لعام وحده , بل في نفس كل من كان يعايش هذه الظروف .. فقد جاء في شهادة الأستاذ محمود محمد جبر شاعر الشبان المسلمين قوله :

" قبل الحادث بيوم , رأيت رؤيا قصصتها على الأستاذ البنا: شفته بيصلي أمام بيتنا وبعد الانتهاء من الصلاة رحت أسلم عليه . وأخذته وخرجنا من الجامع فقال : أنا عاوز أشرب . فلقيت واحدة في الحارة طلبت منها شوية ميه. فأحضرت لى مية في كوز ولا حظت دماء على ذراع المرشد فبعد أن شرب مسحت له الدم من على إيده بالمية ومشيت ".

بل أن المرشد العام نفسه رأي في تلك الليلة فيما يرى النائم أنه سيقتل في اليوم التالي .وأخبر أسرته وأولاده بما رأي . فلما جاءه الأستاذ الليثي ونقل إليه ما أخبر به الأستاذ الناغي أخذ في التأهب للخروج للموعد , فتوسل إليه أولاده وبكوا ألا يخرج في ذلك اليوم , ولكنه أصر على الخروج قائلا : كيف نهاب الموت والله تعالي يقول ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة (النساء: 78)

طغى شعوره بالأمل في إصلاح الأمور عن طريق لقائه بالإخوان المعتقلين على ذلك كله حتى إنه حين جاءه الإخوان اللذان وكل إليهما موفاته بأنباء البوليس السياسي وأخبراه بأن الحكومة اعتقلت الشيخ النبراوي الذي كان سيأوي إليه في بنها لم يكترث بهذا معتقدا أن هذه المسألة الجديدة ستعالج ضمن معالجة الموضوع كله ورد عليهما الرد الذي أشرنا إليها في مستهل هذا الفصل .

10- كان الذي أوصل النبأ إلى الأستاذ المرشد هو الأستاذ محمد الليثي , والذي كلفه بهذه المهمة هو الأستاذ الناغي , ويبدو أن توصيل النبأ عن طريق الأستاذ الليثي شخصيا كان أمرا مقصودا لما يعلمون من ثقة الأستاذ المرشد فيه وكان اهتمام الأستاذ الناغي واضحا حتى إنه قال لليثي : إنني قابلت إبراهيم عبد الهادي باشافي الصباح وعندي أخبار سارة روح أنده لى بالشيخ البنا وأنا لن أخلع ملابسي إلا بعد أن تخبرني بالنتيجة بعد الظهر فقال له الليثي : تذهب أنت إليه في البيت . فرفض فذهب الليثي وألح على الأستاذ المرشد بناء على إلحاح الأستاذ الناغي .. ولابد أن إلحاح الناغي كان بناء على إلحاح قريبه إبراهيم عبد الهادي .

والله وحده يعلم هل كان الناغي في ذلك ساعيا في الخير أم كان متواطئا مع قريبه ولكننا نستبعد ذلك ونقدم حسن الظن ونقول إن إبراهيم عبد الهادي على عادته في استمراء النذالة قد استغل قريبه الناغي أسوأ استغلال ..وإن كانت هناك أقوال في شهادة الأستاذ الليثي تلقي ظلال من الشك على حسن الظن فقد قال: أن الحديث مكرر وليس هناك جديد "ولما سألته المحكمة : هل كان الناغي مستعجل عندما أرسلك في طلب الشيخ البنا ؟ أجاب : كان مهتم جدا ومتضايق لتأخير الشيخ ؟

ولكن غياهب الشك هذه تنقشع حين نسمع إجلبة الأستاذ عبد الكريم منصور – المحامي وزوج شقيقة الأستاذ المرشد العام وكان مرافقه في تلك الليلة – على رئيس المحكمة حين سأله : وإيه معلوماتك عن الأستاذ الناغي ؟ فيقول : أنا أعتقد بما أحسه بقلبي أنه برئ ورجل طيب , ولكن هو كتم بعض الأقوال اللي قالها إبراهيم عبد الهادي وكان عايز الإمام بيجي الجمعية. ولكن مظهره وتقواه وشكله باين إنه لا يرتكب جريمة .

• مراقبة دائمة على منزل المرشد العام :

11- كانت هناك مراقبة دائمة من البوليس السياسي على منزل المرشد العام سأل المحقق عنها الأستاذ فؤاد شيرين محافظ القاهرة في ذلك الوقت فقال إنه ليس لديه معلومات عن الرقابة على الشيخ البنا , إذ كان ذلك من اختصاص القسم السياسي بالاتفاق مع رئيس الحكومة ووزارة الداخلية .. فلما بدأ التحقيق في هذا الموضوع أنكر ضباط البوليس السياسي وجود هذه الرقابة . وقد سأل المحقق المخبر عبد المنعم إبراهيم الذي كان يراقب منزل الأستاذ البنا فأكد أنه ظل يراقبه حتى ليلة اغتياله – فسئل :

س - هل تتبعت الشيخ البنا في اليوم الذي وقع فيه الحادث ؟

جـ أيوه

س- من أصدر إليك أمر المراقبة ؟

جـ - البوليس السياسي , وأنا كنت في مكتب الصاغ محمد كمال عبد المنعم ومحمد على صالح والأخير هو الذي كلفني شخصيا بذلك .

س- هل كنت ترفع تقارير ؟

جـ - نعم كنت أعمل تقارير تودع في ملف خاص بالمكتب.

س – ألم يصدر لكم الأمر في ذلك اليوم بالكف عن المراقبة؟

جـ - أبدا... أبدا.

س- هل قدمت تقريرا كالمتبع في ذلك اليوم ؟

جـ - لم يطلب منى أحد تقريرا , وأنا ذهلت من حادث اغتياله .

وقام المستشار المحقق بالاطلاع على تقارير مراقبة منزل الشيخ حسن البنا فتبين أنها كانت ترفع يوميا موقعة من المخبر السابق سؤاله وزميله , وأنه مؤشر عليها تارة من الصاغ توفيق السعيد أو الجزار أو محمد على صالح وأنه لا يوجد تقرير عن مراقبة يوم الحادث .

• مواجهة , واستدعي البكباشي محمد على صالح فنفي أنه هو الذي كلف المخبر بمراقبة الشيخ حسن البنا وقال : إن مسائل الإخوان كانت من اختصاص الجزار وتوفيق السعيد . فلما ووجه بإمضائه على أحد التقارير أصر على كلامه كما أصر على تكذيب المخبر . فووجه به وتمسك المخبر بأن الضابط المذكور هو الذي كلفه بحراسة منزل الشيخ حسن البنا .

• ارتكاب الجريمة :

12- بعد مقابلة المرشد العام للأستاذ الناغي غادر الناغي الجمعية في الساعة الثامنة إلا عشر دقائق من مساء ذلك اليوم 12 فبراير 1949 .وحوالي الساعة الثامنة والنصف خرج الأستاذ المرشد العام والأستاذ عبد الكريم منصور ومعهما الأستاذ الليثي الذي طلب من أحد سعاة الجمعية أن ينادي على سيارة أجرة . فجاءت السيارة وركب فيها الأستاذ المرشد وعلى يساره الأستاذ عبد الكريم منصور – ولم تكد السيارة تبدأ السير حتى انقض عليها الجناة .. وخير وصف لما حدث ما جاء في شهادة الأستاذ عبد الكريم منصور حيث طلبت منه المحكمة وصف ما حدث فقال :

" وإحنا خارجين من الجمعية شفت ثلاثة أشخاص على ناصية الشارع الفاصل بين الجمعية ووابور المياه , ولم أشك في الأمر . وركبنا السيارة وبعدين بدأ الضرب من الجانبين, وحاول أحد الجناة أن يفتح الباب من ناحيتي فأنا قاومته فتغلب على وفتح الباب وضربني بالمسدس , والرصاص جه في الأول في الزجاج وتهشم ولم يصب . ولما فتح وضربني وضربني بالرصاص جت الرصاصة في ساعدى .. وفي هذه اللحظة لاحظت أن الجاني الثاني بيحاول فتح الباب وتمكن من فتح الباب اللي ناحية الإمام الشهيد وضرب الإمام بالرصاص فجرى الإمام وراه .وتبين أنه أصيب ولما رجع سألته هل مسكت الجاني فقال : لا دول ركبوا عربية نمرة 9979 , فسألته هو أنت أخذتها فقال أيوة وبعدين رحنا الإسعاف .

13- يقول الأستاذ الليثي في شهادته : لما دخلت الجمعية بعد وقوع الضرب لأطلب الإسعاف وجدت السماعة مرفوعة وتذكرت أن التليفون منتظرني للمكالمة وما أن رفعت السماعة حتى عرفت أن المتكلم هو الصاغ محمد الجزار فقلت له أن الشيخ البنا قتل الآن. فقال بصوت هادئ : يا شيخ مات ولا لأ ؟ - وهنا لاحظت أن التاكسي تحرك فجريت خلفه حتى وصلت الإسعاف . وهناك وجدت شابا أسمر يلبس جلبابا وطربوشا وقال لى : أنا شفت نمرة العربية التي ارتكبت الحادث وذكر لى رقم 9979 فكتبت النمرة على ورقة – وأثناء ذلك أخرج الشيخ البنا على نقالة إلى القصر العيني وطلبت من هذا الشاب التوجه للجمعية لانتظاري هناك..

عدت إلى الجمعية لمقابلة الشاب الذي صرح لى برقم السيارة , ولإبلاغ النيابة بالأمر , فمنعت من دخول الجمعية حيث كانت محاصرة بقوات كبيرة من البوليس , وأخيرا استطعت الدخول.

• بيان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " المدخر :

14- البيان الذي عنوانه " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " الذي أخذوه من المرشد العام عقب محاولة نسف محكمة الاستئناف التي وقعت يوم 12 يناير 1949 لم ينشروه إلا بعد وقوع الجريمة في 12 فبراير 1949.

أى بعد شهر وكان حجبه هذه المدة ونشره بعد الحادث نوعا من أنواع الخداع والتمويه التي رتبوها لإيهام الناس أن الإخوان هم الذين ارتكبوا هذا الحادث ونكتفي الآن بهذه الإشارة ولنا تعليق على هذه النقطة فيما بعد إن شاء الله .

• طرف الخيط أو الدليل الوحيد:

15- يقول العلماء المتخصصون : إن أية جريمة ترتكب مهما اتخذ مرتكبوها من وسائل الاحتياط والحذر ومهما أوتوا من ذكاء وبراعة فإنهم لابد أن يتركوا أثرا يستدل منه عليهم ...,هذه الجريمة قد توفر لمرتكبيها جميع أسباب الحذر والاحتياط فواضعو الخطة هم رئيس الحكومة ووزير الداخلية بتوجيه من الملك وحاشيته ووكيل الداخلية للأمن العام الذي كان من قبل مديرا ( محافظا ) لجرجا , وكان خبيرا في معرفة من يكل إليه أمر تنفيذ مثل هذه الجريمة فاختار رجلا من كبار رجال الوزارة له تاريخ هو يعرفه وهذا الرجل هو مدير المباحث الجنائية بالوزارة – وتداول الرجلان بما لهما من خبرة لاختيار مخبرين عريقين في الإجرام ممن عملوا تحت رياستهما في جرجا وقد وقع اختيارهما على ثلاثة مخبرين .

وقد استقدما هؤلاء الثلاثة إلى القاهرة منتدبين للعمل بالوزارة – دون إسناد أى عمل إليهم – وكان دور رئيس الحكومة ووكيل الداخلية في الجريمة هو ما أسلفنا في الفصل السابق من إخلاء جو البلاد من الإخوان بحلهم واعتقالهم وبتجريد المرشد العام من كل سلاح أو حراسة .. وتكفل رئيس الحكومة وحده بإحضار المرشد العام إلى دار جمعية الشبان المسلمين في يوم معين وفي ساعة معينة بحيث لا يغادرها إلا ليلا .

وكانت مهمة مخطط التنفيذ مدير المباحث الجنائية أن يخصص سيارته الحكومية لتوصيل الجناة الحكوميين إلى مكان الجريمة ثم نقلهم – بعد ارتكابها بأسلحة وزارة الداخلية بعيدا عن مسرح الحادث بآخر سرعة .

وكل هذا يتم تحت رعاية السراي الملكية التي كان هؤلاء جميعا في ذلك الوقت يعتبرونها المعبود القادر على كل شئ .. ويتم هذا في ظل الأحكام العرفية بعد تشبيع الجو مدة شهرين – عن طريق الصحف ووسائل الإعلام – بروح القهر الحكومي والإرهاب الرسمي حتى أن أحدا مهما رأي أو سمع لا يجرؤ أن يخاطر بنفسه فيتقدم للشهادة .

ونورد هنا شهادة اليوزباشي عبد الباسط البنا شقيق الإمام الشهيد حيث يقول أمام المحقق:

" كنت ملازما لشقيقي حتى اعتقلوني عندما وجدوني أنني أتبعه بمسدسي لحراسته وقال : أنني أعتقد أن ما تم حتى الآن في القضية هو تحقيق مع فريق من ثلاث فرق أو عصابة من ثلاث عصابات تسمي عصابة التنفيذ . أما العصابتان الباقيتان فهما عصابة المؤامرة وعصابة التمويه .

أما عصابة المؤامرة فتتكون من الملك السابق وإبراهيم عبد الهادي الذي اعتقل جميع الإخوان ولم يعتقل حسن البنا الذي كان يقول " أنتم تقتلوني بعدم اعتقالي " واتخذ عبد الهادي مع الشهيد سياسة تنبئ بخبيث النوايا , فكان يتظاهر بأنه يريد أن يصل معه إلى اتفاق لإنهاء التوتر بين الحكومة والإخوان وكلف اثنين من الوزراء للمفاوضة معه بينما كان يمهد لتنفيذ ما بيت عليه العزم مع بقية العصابة ثم استدعاء بواسطة قريبه الأستاذ الناغي إلى جمعية الشبان المسلمين حيث تم تنفيذ الخطة .

وقال : وكذلك اشترك في الجريمة الأستاذ حامد جوده فعندما كان رئيسا لبعثة الحج سنة 1948 كان الشهيد يؤدي فريضة الحج , دبرت مؤامرة لاغتياله فطن إليها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود فعين له حراسة قوية , وأعطاه سيارة مسلحة لحراسته مما أنهي هذه المؤامرة بالفشل – وقد علمت من تحرياتي الخاصة أن حامد جوده استصحب معه أفرادا من عصابة له من بلدة " درنكة " ليقوموا بهذا العمل وأنه كان ينوى أن يموه بأن جناة من أقطار أخرى ارتكبوا الحادث ولعل مما يؤيد ذلك ما جاء بأقوال عبد الرحمن عمار من أن القتلة من قبل إمام اليمن .

وعبد الرحمن عمار هو الذي أعد للجريمة عدتها واستخدام سلطته لتنفيذها , فقد أجرى نقل الجناة جميعا كما هو واضح , وجمعهم حول رئيسهم محمود عبد المجيد ..وقد اتضح من غير هذه القضية أن مهمة هؤلاء إنما هي القتل ,آخر أفراد عصابة المؤامرة هو مندوب السراي وصفي الذي فضل أن ينتحر .

أما عصابة التمويه لإبعاد التهمة عن الجناة فيشترك فيها عبد الرحمن عمار واللواء عبد الهادي الحكمدار وقتئذ واللواء أحمد طلعت .

ويتضح من ذلك أن الظروف المواتية , والوسائل المتاحة التي توفرت لمخططي هذه الجريمة ولمرتكبيها لم يتوفر مثلها لمرتكبي الجرائم من قبل .. ولكنهم مع كل هذه الاحتياطات وكل هذا الحذر قد أغفلوا طرفا واحد لخيط رفيع لم يخفوه حين أخفوا بإتقان جميع أطراف الخيوط – وكان هذا الطرف هو رقم السيارة .

• محنة الأستاذ الليثي برقم السيارة :

16 لقد لقي هذا الشاب محمد يوسف الليثي من العنت والإرهاق وعانى من فتنة الإغراء ورعب التهديد , وما لا يصبر عليه إلا من تولاه الله وربط على قلبه من أهل الإيمان واليقين .. وكان هذا كله من أجل غرمه على أداء الشهادة , وإبلاغ المحقق برقم السيارة لذي أخذه من الشاب الأسمر الذي قابله في دار الإسعاف.

• جبهات البوليس الضالعة في الجريمة:

كان هناك من جبهات البوليس – غير الجبهة التي أسند إليها دور ارتكاب الجريمة جبهتان أخريان دورهما حراسة هذه الجبهة وإتمام إسدال الستار عليها, وهاتان الجبهتان هما :

  1. البوليس السياسي .
  2. الحرس الحديدي.

أما البوليس السياسي فمعروف وتحدثنا عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب حديثا موجزا وحديثه موصول ب‘سهاب في هذا الجزء إن شاء الله .

وأما الحرس الحديدي فقد تبين أن الملك فاروقا كان قد ألف عصابة من رجال البوليس ورجال الجيش مهمتها حراسته واغتيال من يعتقد أنه يقف في طريق عبشه ومجونه وكان على رأس هذه العصابة الضابط الأميرلاي محمد وصفي الذي كانت وظيفته الرسمية قائد حرس الوزارات .

وهاتان الجبهتان تصدتا للشاب محمد الليثي حين علمتا أنه عرف رقم السيارة وإليك بعض الأساليب التي لجأت إليها العصابتان في التصدي له ...وهو بعض ما قصه هذا الشاب على المحكمة فيما بعد:

• الضابط محمد الجزار :

أ‌- محاولاته في التأثير بالإغراء :

يقول الأستاذ الليثي للمحكمة : وحوالي الساعة العاشرة والنصف من ليلة الحادث حضر القائمقام مصطفي حلمي إلى الجمعية وسأل عني وأخذني إلى حجرة السكرتيرية فوجدت السماعة مرفوعة وطلب مني أن أتكلم في التليفون وعرفت أن المتكلم هو الصاغ محمد الجزار الذي طلب مني أن أكلمه من تليفون أخر بعيد عن الناس وسألني عن معلوماتي وطلب مني عدم الإدلاء بمعلومات أمام النيابة ونصحني بعدم الشهادة خالص .وقال لى : سأرسل لك عربة لتوصيلك إلى منزلك حتى تكون مطمئنا وإن شهادتك سوف تسبب لك متاعب كثيرة .

وحوالي الساعة 12 مساء حضر مصطفي حلمي مرة أخرى وقال :شو فمين عاوزك على الباب, فوجدت الجزار نفسه . قال لى : ألف مبروك لنجاتك... أنت مجنون تعرض نفسك لضرب الرصاص؟ وأنا جاى مخصوص علشان أنصحك بعدم الشهادة . فقلت لا يمكن لأن النيابة تعلم أني شاهد – فقال : لا دى مسألة في إيدينا والإخوان المسلمين مش حينفعوك وإحنا قطعنا رأس التعبان والسم انتهى فقلت له : أنا قلت للصحفيين على نمرة العربية وأنا اللي أحضرت الشيخ البنا من بيته والناس تقول على لابد شريك في الجريمة . فقال : سأعين لك حراسة تمشي وراك ولا تخاف والصحافة في إيدينا .. فشككت في الأمر فقلت له : أنا يمكن أختلف في رقم واحد فأقول النمرة 9979 أو 9997 فقال لى : لازم تغير الرقم كله . فرفضت وأخرجت الورقة التي بها رقم السيارة من جيبي فخطفها من يدى ومزقها وقال : هات إيدك واقرأ الفاتحة وأنا سأفرج لك عن توفيق بلال ومحمود شكري اللي كلمتني عنهم .

وبعد ذلك حضرت مجموعة من الضباط من بينهم محمد وصفي وحضر المحقق وكنت كلما استرسلت في الحديث عن نمرة العربية واحد يضربني بالمرسي من الخلف فقلت النمرة 9979 أو 9997 والسيارة سوداء على العموم فلقيت وصفي قال : لا النمرة ماهش كدة . ولما نزلت حضر لى الضابط ماهر رشدي وهددني وقال لى : أنت إرهابي كبير من الإخوان .

والحق أني كنت في أشد ضيق بعد أن غيرت رقم العربة , حتى أني كنت أشاهد صورة الشيخ البنا أمامي أينما ذهبت . كأنما يعتب على لتغيير شهادتي . ويعد ذلك انتظرنا حتى حضر النائب العمومي محمود منصور ( أشرنا إليه من قبل ) وقال لى : شرفت يا حضرة شاهد الإثبات وبعد ذلك حضر عبد العزيز حلمي المحقق فقلت له : أني غيرت النمرة تحت ضغط الجزار والنمرة الحقيقية هي 9979 فأثبت ذلك.

وبعد نصف ساعة اتصل بي الجزار وقال :مبروك أفرجنا عن أصحابك وطلب مني أن أقابله في محل نيوزبار خلف الجمعية ولما تقابلنا هناك قال لي : أنت أعصابك تعبانة وهيا نشرب كاسين وسكي ونفرفش ..وطلب من الجرسون إحضار عشاء وكاسين ويسكي فأكلت ورفضت الشرب .. وأخذ يسب في الشيخ البنا ويقول إنه راجل ساحر , وهو الذي قتل الخاندار والنقراشي وسليم زكي , وسيبك من الجماعة دول , ومحدش حينفعك وخليك تعيش لأولادك ويلا نقضي ليلة كويسة .. ولازم تروح قسم عابدين وتغير أقوالك وتطلع من جيبك ورقة مكتوب فيها النمرة غلط وتصر عليها ..فرفضت .

وأثناء الحديث التفت الجزار إلى فتاة كانت تجلس بجوارنا وابتسم لها وبادلته الابتسام وقال لى : اضحك لها فرفضت وقلت أنا متزوج فقال لى ولا يهمك أنا متجوز كمان .. وأخرج من جيبه رزمة فلوس وقال لى دي هدية لك من الحكومة مبلغ 500 جنيه ( خمسمائة جنيه) علشان تروح القسم , ولو أردت أى مبلغ آخر لما تروح النيابة أنا مستعد.. فاعتبرت ذلك جرحا لشعوري ورفضت . وبعدين عرض على الفلوس تاني للذهاب للقسم ساعتها فرفضت وقيل ما أقوم أخرج ورقة وقال لى : اكتب رقم العربية 7999 أحسن تنساها فأنا قلت له : لا أنا فاكرها وإحنا على العموم حنتقابل بكره وروحت .

وفي هذا اليوم نمت خارج البيت وخفت منه لأنه ضابط بوليس وتذكرت حديثه معي وتهديده لى – ونزلت الصبح بدرى وقعدت على القهوة وطلبت حرم اللواء صالح حرب في التليفون, وقلت لها : أنا عاوز أقابلك في أمر هام نظرا لسفر اللواء صالح في أسوان . ورحت لها البيت وسألتني عن الحادث فذكرت لها ما حدث بيني وبين الجزار . فقالت لى : اتصل بالأستاذ مصطفي الشربجي فاتصلت به فقال :أنت تروح للأستاذ فتحي رضوان وتفهمه الموضوع لأنه هو اللي ماسك قضايا الإخوان وتقول له الشوربجي هو اللي قال لى أروح لك ويروح معك النيابة .

وبعد كده رحت الجمعية وقابلت السكرتير والمراقب بها وقلت لهم القصة فاتصلوا بزكي على وكيل الجمعية فرحت له الوزارة لأنه كان وزير في وزارة عبد الهادي وقصيت له القصة فقال لى . مافيش مانع تقول الحقيقة .

واتصلت بالأستاذ فتحي رضوان فقال لى : تعال عندي المنزل بمصر الجديدة .. لما ذهبت إليه اعتذر عن الذهاب معي للنيابة لعدم جواز حضور المحامي مع شاهد فاتصلت بعد ذلك بالأستاذ أبو الخير نجيب وكان محررا بجريدة الأهرام , فاقترح على الاتصال بعمر عمر نقيب المحامين لأخذ رأيه في الموضوع فاتصلت به فلم أجده.

فذهبت إلى النيابة وأدليت لها بأقوالي وذكرت لهم كل التفاصيل التي دارت بيني وبين الجزار سواء بالتليفون أو أثناء مقابلاتي له ولقد دهشت يا حضرات المستشارين عندما علمت على لسان الجزار أن شاهدا هو الأستاذ حسني عباس المدرس بكلية التجارة قد ذكر رقما للسيارة التي ارتكبت الحادث يخالف الرقم الحقيقي الذي تأكدت منه وطلب مني الجزار أن أتوجه لقسم عابدين لأؤيد رواية هذا الشاهد فاعتقدت أن هذا الكلام غير صحيح والمقصود هو تغيير رأيي بأى وجه من الوجوه ..

ولقد أرسلت تلغرافا إلى النيابة أطلب منها حمايتي نظرا لما أدليت به في حق البوليس السياسي .

ب‌- أسلوب فاجر لوصم الشرفاء

كان ضباط البوليس السياسي يختارون من بين ضباط البوليس الذين لا ضمير لهم ولا حياء عندهم ولا خلق ولا دين , ولذا فإنهم كانوا يستبيحون كل منكر ويرون اللجوء إلى الكذب والافتراء وإلصاق التهم بالبراء وسائل مشروعة لا يؤنبهم عليها الضمير لأنهم خلو من الضمير .

ومن هذه الوسائل أنهم إذا حاولوا تجنيد إنسان لخدمة أهدافهم الدنيئة ففشلوا في تجنيده .. يرمونه بأنه كان عميلا لهم وأنه كان يأخذ من الأموال السرية ..وهذه التهمة من السهل عليهم رمي أى إنسان بها لأنه كان من حق أى ضابط في البوليس السياسي أن يطلب من الأموال السرية ما يشاء وينفقها كما يشاء دون أن يطالب بتسجيل طريقة إنفاقها في سجل معين ,, فإذا رمي ضابط منهم إنسانا بأنه كان عميلا له , لم يجد هذا المتهم وثيقة يرجع إليها في دفع هذا الاتهام .

وقد حاول الضابط الجزار – من قبل حل الإخوان بزمن طويل – تجنيد الليثي لينقل إليه أخبار جمعية الشبان المسلمين وأسرارها فلم يفلح وكان الليثي يخبر اللواء صالح حرب أولا بأول بمحاولات الجزار معه .. فلما لم يفلح

وجاء حل الإخوان وفتحت جمعية الشبان المسلمين دارها للمرشد العام ووضعت الحكومة خطة لاغتياله وارتكبت الجريمة وحصل الليثي على رقم السيارة أعاد الجزار محاولاته مع الليثي بالأسلوب الذي رواه أمام المحكمة . ولما انتهت محاولاته بالفشل أيضا وأسقط في يده لجأ إلى الأسلوب الذي أشرنا إليه وهو الأسلوب الوضيع من رمي الليثي بالعمالة للبوليس السياسي ..ولكن الليثي استطاع أن يثبت زيفه ويبين كذب ادعائه وتناقضه مع نفسه إذ قال في شهادته:

"وفي النيابة فوجئت بأنهم يعتبرونني من رجال البوليس السياسي وكان المحقق ليس من رجال النيابة بل هو توفيق السعيد زميل الجزار . ودهشت حين قال لى السعيد : إن الجزار استغني عن خدماتك لأنك لا تقدم تقارير عن الجمعية فأنا استغربت لأنه ل كنت من البوليس السياسي حقيقة لما أمكن للجزار الاستغناء عني وخصوصا في هذه الفترة التي كان يتردد فيها الشيخ البنا على الجمعية وكان في حاجة إلى من يمده بالمعلومات .

الأميرلاى محمد وصفي ممثل الملك في الجريمة:

حتى بعد أن تم ارتكاب الجريمة أرادت الجبهتان الاطمئنان إلى ما تحقق مما هدفوا إليه من خطتهم وهو إزهاق روح حسن البنا لا مجرد الاعتداء عليه يقول الأستاذ الليثي في شهادته :" ذهبت إلى القصر العيني ورأيت الأستاذ الإمام حين أدخل حجرة العمليات وكانت حالته في نظرى غير خطيرة , بدليل أنه حينما طلب الدكتور من الترموجي خلع ملابس الشيخ البنا هب الشيخ وجلس وخلع ملابسه بنفسه ,, كما أنهم لما طلبوا اخذ عنوان الأستاذ عبد الكريم منصور رد الشيخ البنا وقال : اتركوا عبد الكريم لأن حالته خطيرة وأعطاهم هو العنوان .

وبعد ذلك وجدت شخصا يقول للدكتور :أنا جاي من قبيل الحكمدار لأعرف حالة الشيخ البنا . فرد الدكتور بأن حالته ليست خطيرة .. فانتهزت الفرصة وقلت لذلك الشخص إني أعرف نمرة السيارة , فنظر إلى بسخرية دون أن يتكلم , وعرفت بعد ذلك أنه الأميرالاى محمد وصفي ".

  • • هذه الجبهات كانت تعد للجريمة منذ زمن طويل :

ويجدر بنا هنا أن نلفت النظر إلى أمرين من الأهمية بمكان :

أولهما : أن هذه الجبهات كانت تمهد للجريمة من قبل وقوعها بزمن طويل فبعد صدور أمر الحل وما تبعه من اعتقال ومن عزل الأستاذ المرشد العام عن الإخوان وتجريده من كل سلاح يدافع به عن نفسه , صور لهم الوهم أنه قد يكون مرتديا تحت ملابسه درعا يحميه من وصول الرصاص إلى جسمه إذا ما هو ضرب بالرصاص .

يقول الأستاذ عبد الكريم منصور في شهادته :

" بعد صدور قرار الحل قرر الأستاذ الإمام رفع دعوى أمام مجلس الدولة يطالب فيها بإلغاء أمر الحل وعند دخولي أنا والأستاذ مجلس الدولة فتشنا , وجاء شخص فتش الأستاذ الإمام تفتيشا عجيبا كأنه يبحث هل هو يلبس درعا . ولما سألت عن هذا الشخص قيل لى : إنه شخص غريب وإنه مرسل من قبل الأستاذ الدماطي مدير مكتب رئيس الوزراء .

وثانيهما :تبين من وصف الأستاذ الليثي لحالة الأستاذ الإمام وهو في حجرة العمليات بالقصر العيني ومن رد الدكتور الذي كشف على جسم الأستاذ الإمام – على استفسار محمد وصفي عن حالته " أن حالته ليست خطيرة "... ومعني ذلك أن علاجه ممكن وميسور .. في حين أن حالة الأستاذ عبد الكريم منصور هي التي كانت خطيرة بدليل أنه لم يستطع الإجابة عن عنوانه حين سأله الطبيب عنه وتولي الإمام الإجابة عنه .. فكيف يستقيم هذا مع النتيجة التي انتهت إليها حالة هذين المصابين ..؟

بعد ساعات تعلن وفاة الأستاذ الإمام وشفاء الأستاذ عبد الكريم منصور ..ما هذه المفارقات المذهلة ؟.... إن التعليل الذي يصيغه العقل , والذي تناقله الناس في ذلك الوقت عن شهود عيان من موظفين وعمال كانوا يباشرون عملهم بالقصر العيني في تلك الليلة أن أمر عاليا صدر – بعد تبليغ تلك الجهة العالية بحالة الأستاذ الإمام عن طريق محمد وصفي- بأن يترك الأستاذ البنا بالقصر العيني تنزف جراحة حتى يموت .

16- الدرك الأسفل من النذالة والخسة:

17- بلغ من خسة هذه الحكومة بعد أن ارتكبت الجريمة النكراء أن أدخلت جثمان الإمام الشهيد إلى منزله وسط القاهرة من رجال البوليس شاهرة المسدسات والبنادق في وجه سيدات أسرته العزل من كل سلاح . وأرغمت السيدات على حمل الجثمان إلى النعش ولم يسمح لواحد من رجال هذه الأسرة بالاقتراب من الجثة ... حتى القرآن حرم عليهم تلاوته .

ثم نقل انعش وسط هذه المظاهرة المسلحة إلى مسجد قيسون القريب من المنزل ولم يسمح لأحد بالصلاة عليه ولا بالدخول إلى المسجد إلا لوالده ثم نقل لجثمان إلى المقابر ولم يسمح لأحد بتشييعه , حتى إن البوليس كان إذا رأي أحد المارة يقرأ الفاتحة باعتباره يري ميتا أى ميت , كانوا يلقون القبض عليه.. وقد خاطر بعض الناس بزيارة قبره فاعتقلوه ..ولم يستطع أحد من تقديم العزاء فيه إلا مكرم عبيد باشا .. وظلت الحراسة المسلحة قائمة على القبر حتى تغير العهد.

• عنصر الزمن :

18- قلنا في البند الخامس عشر أن مخططي الجريمة – بالرغم من توفر جميع وسائل الحذر والحيطة والذكاء لهم قد أغفلوا شيئا واحد هو طرف خيط رفيع تمثل في رقم السيارة التي ارتكب بها الحادث .. ونقول الآن إن إغفالهم هذا الطرف لم يكن وحده كافيا لكشف جريمتهم ولا لفضح مؤامرتهم .. ولكن العنصر الذي أغفلوه حقا وكان كافيا لكشف جريمتهم وتعرية سواءتهم هو عنصر الزمن.

وهذا العنصر مع بالغ أهميته , خطير أثره يغفله أكثر مخططي الجرائم ويتعامون عنه مع إنه ظاهر ملموس . وكلما كانت إمكانات المخططين أعظم كان إغفالهم لهذا العنصر أكثر.. فإذا كان المخططون أصحاب السلطة كان إغفالهم له إغفالا تاما لأنهم في هذه الحالة يكون قد سيطر عليهم الشعور الذي صورته الآية الكريمة ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) ( يونس : 24)

فالسلطة التي كانت تتمتع بها حكومة السعديين في ذلك الوقت كانت سلطة مطلقة فهي تباشر الحكم وهي تحس أنها ربيبة واهبي السلطات جميعا ابتداء من الملك وانتهاء بالدول العظمي في العالم ويتخلل ذلك برلمان مصنوع يدين لها بالولاء .. ذلك أنها تنفذ الخطة التي أجمعت عليها كل هذه السلطات ..ولقد كانت هذه السلطات دائبة البحث عن منفذ مصري فاجر لخطتها .. فإذا وجدوه في هذه الوزارة فلم لا يمنحونها السلطة المطلقة والتأييد الأبدي ؟

ولو اطلع مطلع على مخيلة إبراهيم عبد الهادي في ذلك الوقت لما وجد فيها أثاره باحتمال فقده للسلطة المطلقة التي كان يتمتع بها أو حتى الانتقاص منها .. وكيف تفقد أو تنتقص وهو على الولاء التام الكامل لواهبي السلطات وتحت يده برلمان لا يعصي له أمر ؟!

ولهذا فحين أوشكت فترة الأحكام العرفية على الانتهاء طلب من هذا البرلمان مدها لمدة ستة أخرى, فاستجاب له مجلس النواب بما يشبه الإجماع كما استجاب له مجلس الشيوخ لم يعارض فيه إلا ثلاثة عشر عضوا.

ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يعترفون بعنصر الزمن هم أولي الناس بالاعتراف به .. فحسبهم أن ينظروا إلى أنفسهم ويسائلوها : كيف آل إلينا الحكم ؟ ألم يؤل إلينا على أنقاض آخرين سبقونا ؟ وإذن فلابد أننا تاركوا هذا الحكم لغيرنا راضين أو كارهين .. وهذا هو الذي قرعت به الآيات المحكمات آذان هؤلاء الغافلين في قول الله تبارك وتعالي :" أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال . وسكنتم مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال. وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ) ( إبراهيم : 44: 47)

وهكذا شهد الأستاذ محمد الليثي أمام المحقق برقم السيارة وأبلغ جريدة المصري بالرقم فنشرته .. وكان هذا هو كل ما فعله طرف الخيط الرفيع الذي أغفلوه .. فهل أجدي وحده ؟

لم يستطع وحده أن يغني فتيلا .. فقد صودرت جريدة المصري " وقد سأل المحقق الأستاذ محمود يوسف الموظف بدار الكتب والذي كان رقيبا للنشر بجريدة " المصري " في ذلك الوقت فقال انه حذف ما حذف عن مقتل الأستاذ حسن البنا ورقم السيارة بناء على تعليمات تليفونية من الأستاذ توفيق صليب مدير الرقابة .وسئل الأستاذ أنور حبيب في ذلك فأحضر الملف الخاص بالرقابة على " المصري " يوم الحادث - وقد قام المستشار المحقق بالاطلاع على مجلد الرقابة المذكور فتبين فيما يختص بيوم الحادث إنه يحوى البيانات الآتية :

" تعليمات لحضرات الرقباء الساعة الحادية عشرة والنصف مساء 12 فبراير 1949 . حادث إطلاق الرصاص أمام جمعية الشبان المسلمين , ينشر الحادث كما وقع أى مجرد وقائع مجردة عن المقدمات والتعليقات والعنوانات الكثيرة ولا تنشر صور فوتوغرافية بتاتا ولا شئ عن جماعة الإخوان المسلمين المنحلة . وكل ما يراد نشره بعد تنفيذ هذه التعليمات يعرض قبل التوقيع بإجازة النشر .وكل ما هو معروف إلى الآن " أن الشيخ حسن البنا كان خارجا من جمعية الشبان المسلمين ومعه آخر فأطلق مجهول الرصاص عليهما ونقلا إلى القصر العيني " وقد أرفق بها بروفات " المصري " التي أشر عليها هذا هو ما كان من أمر رقم السيارة ونشره بجريدة " المصري " كما أن النائب العام في ذلك الوقت كان صنيعة العهد محمود منصور وقد أمر بحفظ التحقيق وتقييد الجناية ضد مجهول . ولم يستطع أحد – تحت سيف الإرهاب الحكومي الفاجر – أن يدلي بشهادة أو أن ينبس ببنت شفة ..وقتل حسن البنا وووري التراب وووري معه قضيته , واعتقد الجناة إنهم قد دفنوا هذه القضية في أعماق وتحت أطباق الثري يوم دفنوا جثة فريستهم دون أن يراها أحد أو يشيعها أحد.

وهنا صفا لهم الجو " وظنوا أنهم قادرون عليها " وأخذوا في مكافأة كبير المنفذين للجريمة صاحب السيارة التي نشر رقمها في جريدة " المصري " وشهد به الشاب المخاطر الأستاذ الليثي .. فقد ظهر في الصحف علنا في يوم 4/7/1949 ما يأتي :

" تفضل جلالة الملك فأنعم برتبة البكوية من الدرجة الثانية على حضرة الأميرالاى محمود بك عبد المجيد مدير المباحث الجنائية بوزارة الداخلية – وقد قوبل الإنعام السامي بالاعتباط لما يبديه حضرته من جهود في خدمة الأمن".

• طغيان مسعور:

19- هذا الشعور الذي استولي على تفكير هذه الحكومة ,والذي أشرنا إليه بقوله تعالي : ( وظن أهلها أنهم قادرون عليها) ( يونس : 24) دفع بهم إلى طغيان مسعور, فلملأوا السجون والمعتقلات .. وقد فتح إبراهيم عبد الهادي خزانة الدولة على مصراعيها لرجال البوليس , يكافأ الواحد منهم بقدر ما يورد للمعتقلات من أفراد الشعب . حتى أن الصحف نشرت في 4/5/1949 أن شابا كان ماشيا في حي السيدة زينب بالقاهرة فاعترضه رجال البوليس وسألوه عن اسمه فارتبك- كشأن أى شاب صغير يفاجأ بمثل ذلك – وبتفتيشه وجدوا في جيبه ورقة بها أبيات من الشعر تذم رئيس الوزراء فاعتقلوه واعتقلوا الطالب الذي قال الشعر . والطالبان هما عبد الله المنياوي وزميله الشاعر مهدي محمد يوسف الطالبان بمدرسة المنيرة الثانوية .

ومع دلالة هذه الحادثة الصغيرة على مدى تشوف رجال البوليس في تلك الحقبة من الزمن إلى الاغتراف من خزينة الدولة المفتوحة لهم والمشروط الاغتراف منها بمدى التهجم على الشعب فإنها تدل أيضا على مقدار ما يكنه الشعب لهذه الحكومة من كراهية ومقت وما تحسه هي نحوه من شكوك وفزع .

وبدافع من هذا التشوف قام البوليس – تحت قيادة البوليس السياسي – بحملات مكثفة على بيوت الإخوان لاعتقالهم بغير مبرر . وقد أدي هذا الاعتداء وهذا التحدي إلى ترك كثير من الإخوان بيوت أهليهم إلى بيوت أخرى استأجروها, هربا من الاعتقال وإشفاقا على أهليهم من غارات البوليس – ولكن البوليس مع ذلك تتبعهم وطاردهم فقتل بعضهم وقبض على بعض آخر ناسبا إليهم تدبير مؤامرات لقلب نظام الحكم مدعيا عليهم حيازتهم لأسلحة ومتفجرات , وسمي المنازل التي اختفوا فيها هربا من الاعتقال سماها أوكارا .

ولما رأي شباب الإخوان المطارد أن الحكومة قد فعلت بالأستاذ المرشد ما فعلت ,أنها تواطأت ودبرت مؤامرة اغتياله , ثم إنها بعد ذلك حفظت التحقيق وقيدت القضية جناية ضد مجهول – أثار ذلك بعض هذا الشباب فأرادوا أن يقتصوا بأنفسهم من القاتل الحقيقي إبراهيم عبد الهادي. فتربص عدد منهم له في طريق عودته إلى منزله – مع علمهم بأنه لا يتحرك إلا وسط جيش لجب من الحراس ..ولكن تبين أن الذي مر في ذلك الوقت كان حامد جودة رئيس مجلس النواب وقبض على هؤلاء الشباب .

وسنفرد إن شاء الله لهذه القضايا وما تم فيها من محاكمات وتحقيقات وتلفيقات وأساليب وحشية تكشف عن حقيقة هذا العهد و ومخازيه فصلا خاصا .

وقد جاء وصف لهذا الطغيان المسعور في الكلمة التي أوردناها في الفصل السابق للواء صالح حرب , ونورد وصفا آخر لهذا الطغيان جاء في بيان نشره في 5/7/1949 بجريدة " المصري" الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة بعد رجوعه من لندن قال فيه :

" وفي وسط هذا الجو الذي عشته في انجلترا تلقيت من الوطن أنباء تجديد الأحكام العرفية التي يعتبر العالم مجرد اسمها يزمر إلى طراز من الحكم قد انقضت أيامه إلى غير رجعة .. فوقع على هذا النبأ موقع الصاعقة ولم يزدني السبب الذي أعلن تبريرا لهذا الإجراء الشاذ إلا فزعا واستنكارا فقد قيل أن الأحكام العرفية جددت بسبب حوادث الإرهاب .

إن الجميع يعلمون أن هذه الحوادث الإرهابية لم تنشأ إلا في ظل الأحكام العرفية وما تخوله للحكام العسكريين من سلطة مطلقة من شأن مزاولتها إيغار الصدور . فهل ستظل ندور في دائرة مفرغة بمعني أن يشتد القمع فيولد الإرهاب فنبقي محكومين بالأحكام العرفية إلى ما شاء الله دون عباد الله أجمعين ؟

وعدت إلى مصر فوجدت آلافا من الشباب لا تزال المعتقلات تغص بهم ولا يكاد الإنسان يفتح اليوم صحيفة من الصحف إلا ويطالع فيها نبأ الهجوم على أوكار إرهابية جديدة أو خلايا شيوعية , والقبض على الناس بالجملة وتفتيش البيوت بالعشرات والمئات..وليست هذه البيوت التي تفتيش في نهاية الأمر إلا بيوتا مصرية ليس هؤلاء الذين يقبض عليهم سوى نفر من أبناء الأمة المتعلمين ..والتسليم بأن هؤلاء جميعا إرهابيون أو شيوعيون معناه أن شباب مصر كله قد تحول إلى شيوعي أو إرهابي ويكون هذا في حد ذاته قضاء على الحكم الحاضر بالإفلاس .

وتوضع الآن قوانين تجعل مجرد حيازة كتاب من الكتب جريمة وتفرض عشر سنوات من الأشغال الشاقة لا على المشتغلين بالشيوعية والتي حددها القضاء المصري تحديدا فنيا ممتازا فإنها صورة من العمل على قلب نظام الحكم بالقوة ولكن هذه العقوبة تشمل عبارات وأقوالا مافتئنا ننادي بها جميعا منذ سنوات لا فرق بين حزب وحزب أو بين جماعة وجماعة دون أن يعتبر هذا إثما أو أمرا غير مشروع .

أى أن الأمر قد تحول كله إلى سد الثغرات والمنافذ التي يمكن للناس أن يتكلموا من خلالها أو أن يعبروا عن أفكارهم في حرية واطمئنان .والأمر كله هو قمع وبطش على كافة الصور والأشكال في سائر الاتجاهات يمينا وشمالا.

وإنني أرى أن ذلك كله دليل على أننا نعيش في أوضاع خاطئة وأن الاستمرار في هذه الأوضاع لا يعود على أحد بالخير أو الفائدة بما في ذلك الذين يظنون اليوم أنهم يستفيدون بهذه الأوضاع .

وحسبي إلى أن أشير إلى ما قاله ممثل إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة وسط تصفيق دول العالم عندما قلت دولة إسرائيل عضوا بالهيئة حيث قال : إننا لم نذهب إلى فلسطين لتأليف دولة يهودية فحسب ولكننا ذهبنا لنحمل إلى الشرق الأوسط الحرية الديمقراطية التي لم يستمتع بها أهله منذ أجيال وقرون ونرفع مستوى حياتهم إلى مصاف الأمم الراقية .

ثم قال الأستاذ أحمد حسين : ولما كنت لا أملك من الأمر شيئا إلا إيماني وإخلاصي لبلادي , فلم يبق أمامي إ الاعتكاف في الريف والابتعاد عن الحياة السياسية في الوقت الحاضر حتى يقتنع الجميع بأن استمرار هذه الحالة الحاضرة وتجاهل إرادة الشعب , بل ومنأواته بهذه الأساليب من شأنه أن يمعن في العودة بمصر القهقري "

ولعل قد استبان للقارئ من الإشارات التي وردت في هذه الكلمة صورة الحالة التي آلت إليها البلاد في تلك الأيام السوداء ... حتى قد بلغ الهلع بهذه الحكومة إزاء ما تشعر بها من معاداتها للشعب ومقت الشعب لها أن صارت تشتبه في كل مصري وفي كل مواطن حتى أن رئيس الوزارة أصدر أمرا في 6/7/1949 بتفتيش السفن في ميناء الإسكندرية للقبض على المشتبه فيهم .. ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن الأستاذ أحمد حسين قد تمكن من إصدار هذا البيان وأن جريدة " المصري " قد تمكنت من نشره لأن الأحكام العرفية كان ينتهي العمل بها في منتصف شهر مايو 1949 وتعمل الحكومة على مد العمل بها سنة أخرى وتحت ضغط المعارضة في مجلس الشيوخ تقرر تخفيف هذه الأحكام في أثناء فتنة إجراء الانتخابات التي كان قد حان ميعادها وقد تناول التخفيف في خلال هذه الفترة موضوع الرقابة على الصحف .

• اطمئنان إلى الخلود في الحكم :

20- مع أن البرلمان بمجلسيه كان ألعوبة في يد هذه الحكومة تستصدر منه ما تشاء من قوانين استثنائية شاذة فإن أقلية ضئيلة في مجلس النواب من أعضاء أحرار يمثلون الحزب الوطني والمستقلين وأقلية أخرى من أعضاء حزب الوفد في مجلس الشيوخ بدأت تثير غبارا في وجه هذه الحكومة.

ففي مجلس الشيوخ قدم استجواب عن استغلال الأحكام العرفية في التضييق على حرية النشر والصحافة وفي مجلس النواب قدم استجواب بهذا المعني كما قدم طلب مناقشة في موضوع لحكم العرفي ومبرراته بعد عقد الهدنة الدائمة في فلسطين واتفاق رودس والموقف العسكري والسياسي في فلسطين .

ومع أن رئيس الحكومة قد استطاع بأغلبية العددية الساحقة في المجلسين أن يتفادي تأثير ذلك كله على حكومته فإنه رأي أن تكرار مثل هذا الهجوم قد يحرجه في يوم من الأيام لاسيما وهو – وإن كان يعتقد أنه مخلد في الحكم – فإنه لا يستطيع مع ذلك أن يبقي على الأحكام العرفية إلى الأبد ...وإذن فلابد من حل ماكر يواجه به هذا التحدي ويضمن له الاطمئنان إلى أن هذه السلطة المطلقة التي يتمتع بها ستظل في يده في المستقبل ونلخص الحل الذي اهتدي إليه في وسيلتين إحداهما مؤقتة والأخرى دائمة:

أما الوسيلة المؤقتة فهي أن يطلب مد الأحكام العرفية مدة عام وسيحل موعد الانتخابات في خلال ذلك العام وسيجربها بنفسه وسيحصل طبعا على الأغلبية الساحقة ويظل في الحكم .. وقد يستطيع بمجلسه الجديد – الذي قد لا يدع لغير أتباعه فرصة دخوله – أن يمد الأحكام العرفية سنة أخرى أو سنتين.

وأما الوسيلة الدائمة فهي أن يسن تشريعا يسميه " تشريع تنظيم الجمعيات " يودعه كل ما في الأحكام العرفية من قيود بحيث يكون تكوين الجمعيات في مصر مستحيلا إلا أن تكون فرعا من فروع الحزب الحاكم تحت اسم مغاير لاسم الحزب ..وسنفرد لهذا التشريع فصلا مستقلا لبالغ أهميته إن شاء الله .

وتقدم إلى برلمانه الحالي يطلب مد الأحكام العرفية لمدة سنة أخرى فوافق البرلمان في الحال وتقدم إليه أيضا بمشروع قانون لتنظيم الجمعيات فأحيل إلى اللجنة التشريعية بمجلس النواب لإعداد تقريرها عنه .. ولم تطلب الحكومة إلى برلمانها نظر هذا التشريع على وجه الاستعجال , حيث لا داعي في نظرها لذلك إذ أمامها عام كامل ستحكم البلاد خلاله بالأحكام العرفية .

• في انتظار المكافأة:

21 – صفا الجو لحكومة إبراهيم عبد الهادي بعد أن أدت المهمة الكبرى التي كان عليها إنجازها فقد أزالت العقبة الكئود من طريق أولياء نعمتها , بالتنكيل بالإخوان المسلمين واعتقالهم ,واغتيالهم المرشد العام في جنح الظلام ,وإلقاء ستار كثيف من الضباب حول هذه الجريمة مما حجب الرؤية حجبا كاملا .. ثم أمنت بعد ذلك ظهرها للمستقبل , فمدت الأحكام العرفية سنة جديدة وبدأت في وضع مشروع لتنظيم الجمعيات ... ثم جلست بعد ذلك تنتظر من أولياء نعمتها المكافأة.

ولم يخطر ببال عبد الهادي أن تكون مكافأة تجديد فترة حكمه لخمس سنوات أخرى .. فهذا كان في نظره وفي نظر الناس المعاصرين أمرا مفروغا منه كما أنه لم يفكر في أن تكون المكافأة توسيع رقعة أملاكه من الأرض الزراعية فهذا أمر في يده هو باعتبار رئيس الحكومة وقد زاد الرقعة التي يملكها حتى صارت عشرة أضعاف ما كان يملك . أما ما كان ينتظره مكافأة له فهو أن تأتيه المكافأة في صورة إنعام ملكي سام بالرتبة التي طالما حلم بها لتضعه في البروتوكول وفي التاريخ في مصاف النحاس باشا وعلى ماهر وحسين سري باشا رتبة " حضرة صاحب المقام الرفيع ".

ولا يعجب القارئ لهذا النوع من الآمال . فكل عهد سماته وأوضاعه وآماله . وكان من سمات هذا العهد التهالك على الرتب والألقاب ,وما تضفيه هذه الألقاب على صاحبها من أبهة وانتفاخ في المجتمع الذي يعيش فيه مما يذكرنا بقول الشاعر الأندلسي:

مما يزهدني في أرض أندلس

ألقاب معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

أما الشعب المسكين المغلوب على أمره, المنكوب بزعمائه ورؤسائه فلم يكن أمله الذي يحلم به يتعدى أن يري هذه الحكومة – حكومة الملك – قد خففت من وطأة ظلمتها ورفعت عن ظهور المواطنين سياط جلاديها .. أما تغيير الحكومة فأمر لا يخطر بخيال أحد لأنها حكومة الملك جاء بها لتوط أقدامه , وقد وطدتها بتحقيق ما كان يأمله , فأمنته من خوف كان يقض مضجعه ومضجع سادته الإنجليز .

ولكن فريقا واحدا من هذا الشعب كانت آماله أوسع من ذلك مدى وأرحب أفقا وأبعد طموحا ...وكان هذا الفريق هو " الإخوان المسلمون" الذين كانوا يتربصون بهذه الحكومة وأولياء نعمتها عنصر الزمن , فكانت آمالهم معقودة بخالق الزمن والمتصرف فيه ..

ولو أن الإخوان المسلمين غفلوا لحظة عن إيمانهم بخالق الزمن الذي ( يخلق ما لا تعلمون ) ( النحل : 8) لما ثبتوا في موقفهم لحظة ولما واصلوا كفاحهم للطغيان دون هوادة ساعة من نهار .. وهل يستطيع من ملأ اليأس قلبه أن يثبت على قدميه ؟...

وسوف يرى القارئ في فصل قادم إن شاء الله أن الإخوان المسلمين قد تحملوا في خلال هذا العهد الأسود المنكود ما تنوء بحملة الجبال ( لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ( آل عمران: 146) وكما بهروا العلم بشجاعتهم المنقطعة النظير في حرب فلسطين , فقد أخذوا بلبه بثباتهم على مبدئهم واستمساكهم بعقيدتهم وهم في أتون التعذيب والقهر والإهانة والتنكيل ..

وعلى حين غرة من الجميع فعل عنصر الزمن فعله فوقف الشعب كله مشدوها فاغرا فاه شاخصة أبصاره لهول ما رأي وما سمع ... لقد قذف مصرف الزمن وخالق كل شئ بمفاجأة خيبت ظنون الظالمين , وقضت على أحلامهم وشتتت النوم من عيونهم فقد جاءهم الشر من حيث انتظروا الخير ,وأتاهم العذاب من حيث كانوا يترقبون المكافأة... فإذا أخير الذي ينتظرون , والغيث الذي يترقبون ... ريحا صرصرا عاتية اقتلعتهم من مقاعدهم وألقت بهم بعيدا في عالم النسيان فكان حالهم كما قال الشاعر الحكيم .

إذا كان غير الله للمرء عدة

أتته الرزايا من وجوه الفوائد

وبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون

ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى


21- كان الإخوان في ذلك الوقت في معتقلاتهم وفي سجونهم وكنت أنا في منفاي الذي اختاروه لى – مما يأتي بيانه بعد قليل إن شاء الله – ومنا نتلقي في كل يوم من لحكومة مطارق جديدة على رءوسنا ففي كل يوم مطاردة وفي كل يوم قبض وفي كل يوم مؤامرة وفي كل يوم تهم جديدة ومحاكمة وفي كل يوم أوامر متلاحقة بالتضييق والتهديد والتنكيل .. وقد وطنا أنفسنا على ذلك نستقبله استقبال الأمر المتوقع ..ولكننا مع ذلك ومع انغلاق جميع المنافذ أمامنا لم يخامرنا اليأس من رحمة الله ... ولكن كيف تنفذ إلينا هذه الرحمة والمنافذ كلها محكمة الإغلاق ؟ هذا ما كنا نتركه لقدرة الله وإرادته .

• رؤيا لى نادرة:

وقد كنت إنسانا قليل الرؤى بل أكاد أكون عديمها ... وطالما شكوت ذلك إلى الأستاذ الإمام فكان يطمئنني بأن هذا ليس عيبا يعيب المؤمن ..وقد مكثت الفترة الأولي التي مكثتها في منفاى- أكثر من خمسة أشهر – لم أر خلالها رؤيا واحدة ..ولكنني في إحدي ليالي الثلث الأخير من شهر يوليو 1949 وكان ذلك موافقا لإحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان رأيت رؤيا طويلة زاخرة أذهلتني وأطارت لبي وأثارت وجداني وأرسلت دموعي ..

وحين أحاول الآن – بعد ثلاثين عاما – أن أتذكر تفاصيل هذه الرؤيا أجد أكثر هذه التفاصيل قد بهتت في خاطري حتى لا أكاد أراها – ولكن الذي لا يزال ماثلا أمامي منها حتى الآن هو منظر الأستاذ الإمام واقفا على منصة عالية . ونحن – عدد غير قليل من الإخوان – بين يديه يحدثنا ويوجهنا ويوصينا وكأنه يريد أن يشعرنا بأنه مغادرنا ,, ووصاياه كلها في الحرص على الإخوة والترابط والحث على الصبر ..وكان شعوري بما يعتزمه من مفارقتنا قد جعل دموعي تنهمر لا أقوي على مدافعتها ..وقد أكثرت أنا وزملائي من الاستفسار منه عن أمور كثيرة وكنا في عجلة في توجيه الأسئلة إليه قبل أن يغادرنا المغادرة التي نشعر ألا لقاء بعدها .. وكنت حريصا على أن ألتزمه وأعنقه عناقا حارا طويلا ثم أمسك به حتى لا يفارقنا .. ولكنه كان يشعر بهذا الشعور منا فيمهلنا حتى يتم وصاياه إلينا ..وكان ارتفاع المنصة ارتفاعا لا يتيح لأحد منا أن نصعد إليه إلا أن ينزل هو إلينا .

وكان مما لفت نظري واسترعي انتباهي في هذه الرؤيا أن الأستاذ المرشد كان خلالها حليق اللحية, وهو منظر لم نره فيه من قبل . كما أنه كان حين يتكلم ويوجه نصحه إلينا ويسدى وصاياه كان يفتح فمه ويحرك شفتيه ولسانه كالمتكلم تماما ولكنه لا يصدر صوتا ومع ذلك كنا نفهم كل ما يقول .. وفجأة التفتنا فإذا بنا لا نراه .

وفي مساء اليوم التالي أتاحت لى فرصة عجيبة – وسط اجتماع أخوى حبيب أن ألتقي بضيف طارئ لم أره من قبل وكان شيخا وقورا ذا لحية ضخمة وفي سن يناهز السبعين – وقد أنسيت اسمه – وقد علمت أنه عالم أديب ومن المجاهدين غير المصريين المطاردين.. فلما قصصت رؤياه على إخواني في هذا الاجتماع ابتسم هذا الشيخ ابتسامة عريضة وقال لى ولمن حولي من الإخوان : أبشروا فإن الله سيغير الأوضاع وهذه رؤيا صادقة ودليل صحتها وصدقها أمران , أولهما رؤيتك الأستاذ المرشد بغير لحية مما لفت نظرك , والثاني كلامه المفهوم بغير صوت,فالأستاذ الآن في حياة البرزخ وهي الحياة التي بين الحياتين الدنيا والآخرة , ومن مميزاتها أن يكون الناس فيها في سن واحدة وبدون لحي .

وقد يكون من القول المعاد أن أقول أن الفترة التي رأيت فيها هذه الرؤيا لم يكن يخطر ببال أحد في مصر لا سيما في بال رئيس الوزراء أن تتغير الوزارة وكان أى محال يبدو ممكنا إلا أن يخلع إبراهيم عبد الهادي من الوزارة وهو أقرب المقربين إلى الملك ويؤيده مجلسا البرلمان بلا تحفظ وهو الخادم المطيع للحضرة الملكية التي كانت معبودا لهم من دون الله.وبعد أيام من هذه الرؤيا وقع النبأ الذي لم يكن متوقعا . واهتزت البلاد من أقصاها إلى أقصاها لأن الحدث كان أبعد الأحداث عن الاحتمال . وأعلن سقوط وزارة عبد الهادي وتأليف وزارة سميت " محايدة" وأعلن في خطاب تأليفها أن مهمتها النظر في الإفراج عن المعتقلين .

وتدل مجريات الأحوال على أن إسقاط وزارة عبد الهادي وتأليف وزارة محايدة لم يكن من بنات أفكار الملك وحاشيته , كما لا يمكن أن يكون من تفكير عبد الهادي وحزبه وإنما كان من تفكير وسعة دهائهم وأنهم أمروا بذلك لأنهم خشوا لو طال بقاء عبد الهادي أكثر من ذلك لأدى إلى انفجار الموقف انفجارا قد لا تسهل السيطرة عليه .

وقد يتطلع القارئ إلى معرفة الصورة الرسمية التي تم هذا التغيير في إطارها فنقول نقلا عن الصحف في ذلك الوقت – أن الملك أوفد حيدر باشا –وكان قائدا عاما للقوات المسلحة ومن المقربين إلى الملك – إلى إبراهيم عبد الهادي لإبلاغه رغبة الملك في استقالته , كما أوفد حيدر باشا إلى حسين سرى لإبلاغه بتكليف الملك إياه لتأليف الوزارة الجديدة.

ولما كان إبراهيم عبد الهادي لا يملك إزاء هذه الصفعة القاتلة إلا الخضوع والإذعان فقد قدم استقالته ونصها :

" مولاى – تفضلتم فعهدتم إلى بالحكم في ظروف دقيقة – وقد استطعنا بفضل سامي توجيهكم وكريم إرشادكم ورعايتكم أن ننهض بالأمانة وأن نؤديها على خير ما نرجو – والآن وقد أوشكت الدورة البرلمانية على النهاية فإن الحكومة تضع استقالتها بين يدى جلالتكم لتوجهوا البلاد وفق ما ترجونه لها من خير ".

وقبل أن يكتب هذه الاستقالة رد على حيدر باشا بقوله : إنني أتلقي هذا التوجيه الملكي بالاحترام والإجلال وسأبلغه إلى زملائي وننزل على هذه الرغبة الكريمة.

وقد رد الملك في نفس اليوم على عبد الهادي بقبول استقالته وجاء في الرد :وإنا إذ نجيبكم إلى ملتمسكم لنذكر بالتقدير تلك الهمة العالية والوطنية الصادقة التي سستم بها أمور البلاد في حرص على طمأنيتها وسعى لتوطيد الأمن في ربوعها .

• هدية الملك إلى الشعب :

• ولما كانت إقالة هذه الوزارة قد تمت في 30 رمضان 1368, فقد أصدر الملك نطقا ملكيا بأن الملك قد جعل هذه الإقالة هدية الملك إلى شعبة بمناسبة عيد الفطر المبارك وفي أول جلسة لمجلس النواب حضرها حسين سري باشا رئيس الوزارة الجديدة ألقي حسين سري بيانا مقتضبا لم يشر فيه إلى المعتقلين فقام مكرم عبيد باشا عضو المجلس وطالب بإلغاء الأحكام العرفية والإفراج عن جميع المعتقلين في الحال فصاح النائب السعدي فتحي المسلمي قائلا : إذا أفرج عن المعتقلين فستكون أنت أول ضحاياهم .

كان الدليل المادي على كذب هذا النائب السعدى وحزبه هو أن رئيس الوزراء الجديد في الوقت الذي قرر فيه أن تبقي الحراسة حول دار إبراهيم عبد الهادي كما كانت بدون تغيير لم يصحب هو بعد تكليفه بتشكيل الوزارة سوى ياور رئيس الوزراء وترك الحرس الكبير الذي كان يحرس رئيس الوزراء السابق – ورفع بوليس حرس الوزارات الذي كان قائما حول مبني ديوان الرئاسة وديوان المالية ولم يبق سوى ثلاثة جنود موزعين في أماكن متباعدة .

ولما قدم له عبد الرحمن عمار وكيل الداخلية للأمن العام بعد عشرة أيام من تشكيل الوزارة كشوفا بأسماء من تمنحهم إدارة الأمن العام مكافآت شهرية من المصاريف السرية أعاد إليه الكشوف مؤشرا عليها بعدم الصرف وإلغاء هذا النوع من المكافآت – ونقله هو شخصيا من وزارة الداخلية وكيلا لوزارة المواصلات ... ومع ذلك لمتحدث حادثة واحدة تفكر صفو الأمن .

تنفس الناس الصعداء وأخذت التحقيقات في القضية المراد طمرها تشق طريقها من جديد ولكن على استحياء.

الفصل الثالث شخصيات ومواقف كشفت عنها المحنة القاسية

مقدمة

كنت – منذ بدأت مؤامرة الحل – في دمنهور تحت الحراسة الأخوية النبيلة من الرجل الكريم الأستاذ ( ع) – فلما ارتكبت الجريمة الشنعاء كاد الحزن يقتلني .. ومع أنه كان فيما أسر إلى به الأستاذ (ع) من قبل إشارة إلى احتمال وقوع هذه الجريمة فإن ذلك لم يخفف من أثر وقوعها فعلا في نفسي .. ولم أفهم الحديث الذي كنت أقرأه ومعناه أن النبي صلي الله عليه وسلم يقول :" إذا عظمت مصيبة أحدكم في عزيز فليذكر مصيبته لى فتهون عليه مصيبته "

إلا حين وقعت هذه المصيبة ووجدتي عاجزا عن احتمالها , فقدرت مدي مصيبة المسلمين بوفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم :" لا يؤمن أحدكم حتى أكوت أحب إليه من أبيه وأمه ومن نفسه التي بين جنبيه ". وبدأت أفهم معني قول الصحابي الجليل : كنا إذا أحمر الحرق وحمى الوطيس احتمينا برسول الله صلي الله عليه وسلم .

لقد كان محمد صلي الله هو صاحب الدعوة تلقاها بالوحي عن ربه , وقد قرر القرآن له حقا على المؤمنين أنه أولي بهم من أنفسهم , وحين قرر القرآن هذا الحق لم يكن مقررا إلا أمر واقعا ,وشعورا متملكا قلب كل مؤمن نحو هذا الرسول الكريم .. وبعد أن أدي مهمته , وبلغ رسالته, اختار الرفيق الأعلي , فكانت المصيبة التي أذهلت أثبت المؤمنين جنانا وأصلبهم عودا وأقواهم شكيمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ثم كان على مر الزمن , بين الفينة والفينة دعاة يقومون على أثر محمد صلي الله عليه وسلم,يجدون دعوته ويجمعون الناس على لب رسالته .. وهؤلاء الدعاة قلة على طول الزمن .. لا يكاد الزمن يجود بواحد منهم إلا بعد مرور أجيال وأجيال يكون الدين في خلالها قد درست معالمه وطمست قسماته وذهبت نضارته وغابت تحت أكداس الزيف والترهات حقيقة .. حتى صار أصحاب العقول يتلمسون من ينقذ الدين مما ألم به ومن يأخذ بيد الأمة الإسلامية الضالة الحائرة فيقفها على أول الطريق .. فيمن الله الرءوف الرحيم بواحد من هؤلاء الدعاة فيتسابق أصحاب العقول إلى مبايعته ثم يستجيب له الناس طوائف طوائف , فيسير فيهم سيرة النبي الكريم في صحابته فيحبهم ويحبونه , ويؤثرهم على نفسه ويؤثرونه ويعرفون له فضله في هدايتهم إلى الحق , ويحسون السعادة في عمق تأثيره في نفوسهم بإعراضه عن متاع الدنيا ويتعلمون بين يديه التضحية في سبيل الحق حين يرونه يخوض الغمرات في سبيله يتعلمون بين يديه صناعة الموت .. وما أعظم الفرق بين الموت وبين صناعة الموت , فكل الناس يموتون .. ولكن الذين تعلموا صناعة الموت لا يموتون لا إذا رغبوا لموتهم ثمنا غاليا وربحا كبيرا يموتون في المواقف التي يحيي موتهم فيها أممهم وعشائرهم حيث يرجون لأنفسهم في الآخرة مكانا عليا .

هؤلاء الدعاة تكون المصيبة في فقدهم قريبة في فداحتها على المؤمنين من مصيبة المؤمنين في فقد رسول الله صلي الله عليه وسلم – وكأنما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يقصد هؤلاء الدعاة والمستجبين لهم حين قال لأصحابه :" ما أشوقني إلى إخواني . فقال الحاضرون : ألسنا إخوانك ؟ قال : لا ... بل أنتم أصحابي . إخواني قوم يأتون بعدكم ,أجر الواحد منهم كأجر أربعين . قالوا : وكيف استحقوا هذا الأجر ؟ قال : إنكم تجدون على الخير أعوانا أما هم فلا يجدون على الخير أعوانا " أو كما قال صلي الله عليه وسلم .

أدرت الحديث حول الدعوة والدعاة لأقرب إلى خيال القارئ مدى فداحة الرزء الذي ينزل بالمؤمنين حين يفقدون مرشدهم وقائدهم ..ولم يكن هذا شعوري وحدي , وإنما كان شعور مئات الألوف من الناس , لا في مصر وحدها , بل في العالم الإسلامي كله .. لقد أذهلني المصاب عن أهلي وعن أولادي وعن بيتي وعن عملي وعمن حولي وعن نفسي ... وإذا كانت الخنساء تقول حين فقدت أخاها صخرا وهو رجل كسائر الرجال :

ولولا كثرة الباكين حول

على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن

أعزى النفسي منهم بالتأسي

فأني لنا أن نجد عزاء في فقد حسن البنا الذي قلما تجود الأيام بمثله ؟! لم أجد بجانبي في ذلك الوقت العصيب إلا الرجل الطيب الدمث الأخلاق الكريم المحتد الأستاذ( ع) قضيت معه بعد المصاب أياما لا تعدو الأربعة , لم يكن يفارقني فيها إلا وقت النوم – إن كان هناك نوم – ثم وصلني أمر بالنقل فورا إلى " أبو تيج". وقد تبين لى أنه ليس نقلا بالمعني المألوف بل هو تحديد إقامة , فقد طلب إلى أن أسافر وحدى دون أسرتي وأولادي فلما وصلت إلى هناك علمت أنني ممنوع من مغادرة ذلك البلد غلى أى مكان آخر .. وقد ودعني الرجل الكريم ( ع) والدموع تترقرق في عينيه , وهو يقول لو معتذرا : لا تؤاخذني يا فلان هذا النقل هو أخف إجراء استطعت أن أصل إليه معهم فيما يختص بك .

أولا – شخصيات ومواقف خاصة

لما حملني القطار إلى " أبو تيج" وكنا في المساء نزلت في فندق بها ووجدتني مضطرا لقضاء هزيع من الليل في مكان آخر حتي يغلبني النوم حيث حالة الفندق تقتضي ذلك فاتخذت لى مجلسا في مقهى أمام الفندق – ولما كنت وجه غريبا فقد تقدم نحوي شابان ظريفان كان يجلسان معا في المقهى قريبا مني وتم التعارف بيني وبينهما .ولما علما بأنني نزلت بالفندق – وكانا يعرفان حالة الفنادق في هذا البلد – أصرا على استضافتي في شقتهما ذات الحجرتين الواسعتين القريبة من الفندق .

والحق أن الشابين – سعد وحسن – الموظفين بالمحكمة وأولهما من الفيوم والآخر من بنها كانا معي غاية في الكرم فلقد حضر الأخ الكريم الحاج هاشم محمد خليل صبيحة اليوم التالي – حين علم بحضوري – وحاول انتزاعي منهما فرفضا بكل شهامة , فأمدني الحاج هاشم –أكرمه الله – بكل ما يلزمني من الفراش, وشاركتهما السكن .. وكانت حجرة حسن أوسع فشاركته فيها .

ومعذرة إلى القارئ في هذا الاستطراد فسأقص طرفا من قصتي مع هذين الشابين ومع غيرهما ممن صادفني فيتلك الفترة من حياتي بهذا البلد الطيب , فلقد تعلمت على يد هذين الشابين أمورا في حياة بلادنا الاجتماعية من الخير أن يلم بها القارئ . وكأنما نحن – الإخوان المسلمين – أراد الله أن يطلعنا على خبايا من الحياة الاجتماعية للجمهور الذي هو منا ونحن منه حتى إذا تحدثنا إليه تحدثنا إلى من نعرف عنه الكثير .

  • • خطورة القمار :

لاحظت أن " حسنا " قد كرر اقتراضه مني حتى اقترض مني أربع مرات في خلال أسبوعين . فسألت " سعدا" ن ظروفه التي دعته إلى هذا الاقتراض ففاجأني بأن " حسنا " يلعب القمار . فلما واجهت " حسنا " بذلك أنكر .

وكان من عادتي أن أستسلم للنوم بعد العشاء . فلفت " سعد" نظرى إلى أن " حسنا " يسهر معظم الليل في لعب القمار . وحدد سعد المكان الذي يباشر فيه هذا اللعب . فلماذا سألت " حسنا " عن ذلك أنكر . فلما علم سعد بهذا الإنكار طلب لى أن أخالف عادتي وأسهر الليلة القادمة . وصحبني نحو منتصف الليل إلى مكان ناء خارج المدينة وأشار إلى حجرة مغلقة الباب والنوافذ في الدور الأرضي . وكنا إذ ذاك في ليالي الشتاء الباردة وقال هذه الحجرة .

وطرقنا باب الغرفة وفتحوا لنا الباب بعد أن أطمأنوا إلى أننا لسنا من رجال البوليس ,فاندفع نحونا من الباب هبة نتنة من هواء ساخن فاسد,, مما حملنا على التراجع قليلا منحرفين عن الباب حتى خفت حدة هذه الهبة . ودخلنا فإذا هي غرفة صغيرة تتوسطها منضدة والغرفة مكتظة بالأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين الشباب والكهولة ورأيت بينهم صديقنا "حسنا" الذي بدا على وجهه الخجل – ولا أقول احمر وجهه خجلا , لأن اكتظاظ الغرفة بهذا العدد مع الانفعال المستمر أثناء اللعب جعل الدم مندفعا إلى وجوههم فهي حمراء دائما ,وبعد أن صافحنا حسنا انسحبنا من الغرفة .

ولما التقيت بحسن بعد ذلك اعتذر إلى من هذه " الهفوة" التي حاول أن يقنعني بأنها غلطة لن تتكرر.. وقد انتهزت الفرصة وشرحت لحسن خطورة مجرد وجوده داخل مثل هذه الحجرة وتنفس هذا الهواء النتن , وحذرته من أن خروجه من هذا الهواء الساخن ومقابلة الجو البارد قد يعرضه لمرض خطير .. فأقسم لى أن هذا لن يتكرر.

ولكن سعدا لفت نظري إلى أن حسن مستمر في خطته , وأنه في أكثر الليالي لا يأوي إلى المنزل لينام إلا بعد منتصف الليل , وفي بعض الليالي لا يأتي إلا قبيل الفجر , وأنه حريص حين يدخل الشقة ألا يحس به أحد فهوي يمشي على أطراف أصابعه ... أما أنا فكنت أصحو من النوم لأصلي الفجر فأراه نائما في سريره ..ومع ذلك فقد كنت حريصا على أن أسدى إليه النصح من الناحية العامة المرة بعد المرة , وهو يقنعني في كل مرة بأنه امتنع منذ الليلة التي رأيناه فيها في معمان اللعب ..وكان حريصا على أن يصلي صلاة الصبح أمامي كل يوم..

وفي صباح أحد الأيام حين استيقظت لصلاة الفجر رأيت سرير حسن خاليا فخشيت أن يكون قد أصابه مكروه , ولكنني بعد أن صليت الفجر واتخذت مضجعي في السرير ثانية وكادت الشمس تشرق ,أحسست أن أحدا قد فتح باب الشقة بخفة فتظاهرت بالنوم ورأيت صاحبنا قد دلف إلى الحجرة في هدوء وأوي إلى فراشه .

ولما حان الموعد الذي تتأهب فيه للذهاب لأعمالنا استيقظ حسن وهو معتقد أنني لم أشعر بدخوله ولكنني أفهمته أنني أحسست به فانتحل بعض الأعذار ..وشددت عليه النصح حتى بكي ووعد بالحضور مبكرا ..وما هي إلا أيام حتى عاد إلى ما كان عليه , ووصل الحال آخر الأمر إلى أنه لا يحضر إلى المنزل ويستغرقه اللعب في الحجرة الملعونة طوال الليل حتى يحين موعد الذهاب إلى عمله في الصباح فيهرول ولا يصل إلى عمله إلا متأخرا .. ويخبرني سعد بذلك ولا أراه أياما متتالية .. ثم يتفاقم الأمر ويخبرني سعد بأنه قد اكتشف عجز في خزينة المحكمة وأن حسنا يواجه تحقيقا قد يؤدي إلى فصله ( كان حسن أمين خزينة المحكمة ) ولكن زملاءه من موظفي المحكمة تعاونوا معا وأنقذوا الموقف.

وهنا طلبت من سعد أن يحضر لى حسنا إلى المنزل بعد صلاة العشاء مباشرة حيث جلست معه جلسة طالت إلى جوف الليل ..واجهته فيها بكل ما في نفسي وشرحت له خطورة ما هو منغمس فيه من ضلال وكذب, وما هو مقبل عليه من دمار وتحطم..وبينت له ألا داعي للكذب أمام إنسان يتمني الخير لك وهو لا يملك لك ضررا ولا نفعا .. ويبدو أن حالة من الانفعال في النصح لبستني وكأنما لمست أخيرا موضع الإحساس من قلبه فتغيرت لهجته فجأة واتجه إلى بقلبه لأول مرة وقال : يا فلان ... أنت الآن أعز عندي من أبي ودعني أصارحك لأول مرة بما لم أصارح به أحدا من قبل : كان والدي مدرسا في ثانوية بنها وكنت طفلا مدللا فكنت ألعب " البلي " مع الأطفال في الشارع فلم ينهني فلما كبرت باشرت أنواعا أخرى من القمار دون أن أجد من ينهاني فصار الشغف بالقمار مختلطا بدمي – وأحب أن أقرر بين يديك أن المقامر مهما أقسم لك أنه امتنع عن القمار فهو كاذب لأن القمار داء من تمكن منه استعبده واستولي على قلبه ومشاعره بحيث لا يستطيع التخلص منه طوعية فقد يستدين ويبيع ما يملك ويسرق إلا أن يجد من يحبسه عنه بالقوة ولمدة طويلة

فقلت له يا حسن ليتني أملك أن أحبسك ولكنك تعرف الظروف التي تحيط بي أنا الآن أبكي, لأنني أعرف النهاية التي تقترب منها كل يوم , وليتني أستطيع أن أدفع عنك.

وتطورت الأيام بعد ذلك , وغادرت " أبو تيج" إلى بلاد أخري وبعد سنوات التقيت بسعد صدفه فسألته عن " حسن "فقال لى : إن " حسنا " قد اغتاله " السل " والعياذ بالله ومات به .. فكان ما توقعته وحذرته منه أسأل الله تعالي أن يتغمده برحمته .

  • • من أضرار الحشيش:

أما " سعد " فلم يكن يلعب القمار,وكان يبدو لى شابا مستقيما بل إنه كان يلفت نظرى إلى انغماس " حسن " في القمار رجاء إصلاحه, وقد ظللت على ظني هذا حتى كانت ليلة أيقظني على غير عادتي في منتصف الليل حصر بول , فقمت من سريرى متجها إلى دورة المياه التي كان بابها قبالة باب حجرة سعد.. وقد استوقفني عندما استيقظت أصوات منبعثة من حجرة سعد الملاصقة لحجرتنا , ولاحظت أن الأصوات لأكثر من شخص وأكثر من شخصين , كما لاحظت أن الألفاظ التي تبينتها من هذه الأصوات ألفاظ غير مهذبة... فتريثت لحظات ثم أرغمني البول على مغادرة الحجرة إلى الصالة حتى إذا وصلت إلى باب دورة المياه وجدت حجرة سعد مشاءة ووجدت بابها مفتوحا ورأيت منظرا مهينا .. رأيت هؤلاء الأشخاص بعد أن لعب الحشيش - الذي فاحت رائحة جخانه – بعقولهم وقفوا جميعا كل أمام الآخر وقد رفعوا ثيابهم وكشفوا عن عوراتهم وكل منهم يتبول على الآخر متفوها بألفاظ مزرية .

وفي الصباح قررت أن أنقل سريري إلى مسكن آخر مع صديق . وقد عارض سعد في ذلك أشد المعارضة , لكنه أحس من شدة إصراري أنني أطلعت على ما لم يحب أن أطلع عليه من أمره مع أصدقائه المنحرفين – ويعلم الله أنني ما قصدت إلى الاطلاع – فاضطر آسفا أن ينزل على رغبتي ..ولعله بعد ذلك أقلع وتاب .

هذا ولعلي بهذه الكلمات القصار قد ألقيت بعض الضوء على مرضين خطيرين من أمراضنا الاجتماعية ما كنت قبل تجربتي هذه أقدر خطورتهما هذا القدر .

  • • في النار ولا يحترق :

قدمت من قبل أنني كنت أثق كل الثقة في مقدرة الأستاذ الإمام على اختيار الرجال .

كان الأخ الحاج هاشم محمد خليل من أوائل من وقع اختيار الأستاذ عليهم لعضوية الهيئة التأسيسية ولم تكن معرفتي به تتعدي فترات اللقاء في اجتماعات الهيئة القليلة العدد فلما اختارت وزارة السعديين " أبو تيج" لتكون لى منفي , كان هذا المنفي الذي أرادوه هو أحب مكان إلى بفضل تعرفي عن قرب على شخصية الأخ الحاج هاشم.

كان الحاج هاشم تاجرا وعالما وأديبا وكان أكبر تاجر للدخان في الوجه القبلي يستورد أوراقه الشجرية من الخارج ويوزعه على التجاروالمصانع, وعلمت أنه ورث هذه التجارة عن أهله كابرا عن كابر . وكانت شركات السجاير الكبيرة عندما تفكر في إنتاج توليفة لسيجارة جديد ترسل إليه مندوبا يعرض عليه التوليفة ليبدي رأيه فيها .. ومع هذا كله فهو لا يدخن مطلقا حتى أنه يختبر التوليفة المقترحة كان يتذوقها بأن يدخن منها عدة أنفاس دون أن يبتلع أى دخان منها ..وقد سألته في هذه المفارقة العجيبة ؟ كيف يكون أكبر تاجر للدخان وفي الوقت نفسه لا يدخن .. فكانت إجابته كالآتي :

تناول نوعا من السجاير كان يعد في ذلك الوقت أغلي وأرقي أنواع السجاير ويسمي " سيجار التوسكاني " والسجارة عبارة عن ورق شجر الدخان بحالته الطبيعية ملتف بعضه على بعض ولا يغلفه ورق عادي كالذي يغلف جميع أنواع السجاير. تناول واحدة منها وأشعلها وسحب منها عدة أنفاس وتركها حتى انطفأت( طبيعة هذا النوع أنه ينطفي من تلقاء نفسه عدة مرات ويعيد مدخنه إشعال السيجار في كل مرة ) فلما انطفأت كسر السيجارة نصفين وقربهما من أنفي فشممت رائحة نتنة لم أطقها – فقال لى : لهذا أنا لا أدخن .. هذه شجرة نتنة ولولا أنني ورثت هذه التجارة عن أهلي وآبائي ما زاولتها .

  • • قلوب تلطف عسف القوانين

لما طال غيابي عن أولادي المقيمين في رشيد عدة أشهر وتولاني القلق عليهم فكرت في زيارتهم . فتحدثت في هذا الشأن مع رئيسي المقيم في أسيوط وكان زميلا لى مسيحيا , وطلبت منه إجازة لمدة أسبوع . فتلعثم وبدا عليه الحرج ثم كاشفني بأن هذا النقل هو بأمر من وزارة الداخلية وأطلعني على الخطاب السري الخاص بذلك.

ولما كان هذا الرئيس زميلا كما قدمت , فقد أخذ يفكر معي في وسيلة للخروج من هذا المأزق, وانتهي التفكير إلى أن السفر إذا أمكن فلا يكون بأجازة رسمية, وأبدي استعداده للقيام بعملي في غيبتي لكنه لفت نظري إلى أن رقابة من وزارة الداخلية مفروضة علي . وكنت أعلم أن مأمور المركز رجل كريم ومن أسرة عريقة . في العلم والدين فذهبت إلى المركز وقابلت ضابط المباحث وكان شابا دمث الأخلاق ذا سيرة طيبة فكاشفته بالموضوع بصراحة تامة. فقال لى أن الرقابة المحلية هنا مقدرة لظروفكم ونستطيع التهاون فيها, ولكن هناك رقابة أخرى من وزارة الداخلية بالقاهرة .. واتفق معي على أن أسافر في جنح الظلام وأترك رقم تليفون في رشيد وألا أشعر الناس في رشيد بوجودي فإذا جد في الأمر شي اتصلنا بك تليفونيا للحضور في أول قطار .

ونفذت الخطة . وبعد يومين من وصولي إلى رشيد جائني التليفون فاستقللت أول قطار وذهبت إلى عملي في أبو تيج حيث اتصل بي فيه تليفونيا مأمور المركز وطلبني لمقابلته .. فأطلعني على الإشارة التليفونية المرسلة إليه من وزارة الداخلية يسألونه عما ردا كريما , دافع فيه عني قرر أنه كان يتصل بي يوميا في عملي وأنني لم أغادره مطلقا وهكذا يقوم الرجال الصالحون بتلطيف القوانين مهما بلغت هذه القوانين من الجور والظلم والعدوان .

  • • وعي فج مقلوب :

في البلاد الصغيرة التي يعرف الناس فيها بعضهم بعضا لا يكاد الناس يتأثرون بدعايات الحكومة ولا بما تذيعه أجهزة إعلامها من زور وافتراء حيث يسمعون ويقرأون عن الإخوان المسلمين أوصافا يجدون عكسها فيمن ينتسب إلى الإخوان من أهل بلدهم.

ولهذا كان محل الأخ الحاج هاشم – بالرغم من التضييق الحكومي – ملاذا للمثقفين من أهل " أبو تيج" ومن الطارئين عليها على اختلاف مبادئهم واتجاهاتهم وآرائهم .

وفي إحدي جلساتنا بمحل الحاج هاشم انطلق أحد الجالسين – وكان شابا حقوقيا يشغل منصبا إداريا مرموقا بالمدينة – يقول : لقد أثبت النحاس باشا أنه رجل طيب حقا لأنه ضرب بالنار ولكنه لم يصب أما حسن البنا فيبدو أنه كان رجلا شريرا بدليل أنه لما ضرب بالنار أصيب وقتل .

فقلت له :مهلا يا أخي ولا تتسرع بالحكم .. فلو أننا أخذنا بمقياسك هذا لخرجنا بنتائج عجيبة .. فبهذا المقياس يكون عمر بن الخطاب رجلا شريرا ويكون عثمان بن عفان رجلا شريرا ويكون على بن أبي طالب رجلا شريرا ويكون الحسن بن على رجلا شريرا وهكذا .. فبهت الشاب وأسقط في يده ..

وقد سقت هذه الواقعة ليقف القارئ على مدى سذاجة الناس في نظرتهم إلى الأحداث , وفي تقديرهم للرجال ومدى فقدانهم للوعي السليم وافتقارهم إلى ميزان دقيق يزنون به الأمور.

إن كل ما نزل بالإخوان في ذلك العهد من مصائب وما انصب علي رءوسهم من ويلات لم يجرح قلوبهم ,ولم يدم أفئدتهم .. ولكن الذي جرح قلوبهم وأدمي أفئدتهم هو ما سمي " بحملات التوعية الأزهرية ".

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

وينبغي ألا يتطرق إلى ذهن القارئ أن الأزهر كان عدوا للدعوة الإسلامية المتمثلة في الإخوان المسلمين فإن شباب الأزهر كانوا هم عماد دعوة الإخوان وكانوا في مقدمة من صب على رءوسهم البلاء ... ولكن الذين أقصدهم هم فئة قليلة من كبار الشيوخ عبدوا المناصب ونسوا الله فأنساهم أنفسهم .

في خلال فترة وجودي في " أبو تيج" كان الأخ الكريم الشيخ أحمد شريت مفتش الوعظ في محافظة أسيوط . ولم تكن الحكومة قد تيقظت بعد إلى أنه من الإخوان المسلمين فكان لذلك حر الحركة .وكنا حريصين على ألا يكون اتصاله بنا اتصالا مباشرا حتى يمكننا الإبقاء على حريته فكان يتصل بنا عن طريق أشخاص معينين.

وفي يوم من الأيام جاء رسول الشيخ أحمد ينقل إلينا الخبر التالي :

وصلت إلى أسيوط بالأمس " حملة الأزهر للتوعية " مكونة من عدد من العلماء برياسة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز ( مدير الوعظ والإرشاد بالأزهر ووكيل الأزهر فيما بعد).

ولما كنت المسئول عن الوعظ في المحافظة فقد كنت في استقبالهم وطلبوا إلى أن أرافقهم لمقابلة المحافظ – كمال الديب باشا – ليستأذنوه في المرور ببلاد المحافظة فرافقتهم .

ولما دخلنا مكتب المحافظ استقبلنا الجرل وأخذنا مجالسنا . وشرع الشيخ دراز باعتباره رئيس الحملة – يتحدث عن الإخوان المسلمين حديث يطعن في إيمانهم .. فلما أحس أن الحديث بهذا الأسلوب لا يلقي قبولا لدى المحافظ اختصر الشيخ الكلام ولجأ إلى أسلوب آخر فقال : إن الإخوان المسلمين هم السبب في أن فقدت البلاد رجلين من رجالها فسأله المحافظ.. ومن هما الرجلان ؟ فقال الشيخ : النقراشي باشا وحسن البنا فإذا بالمحافظ ينطلق قائلا : ولكن يا فضيلة الشيخ " حسن البنا " لا يعوض .

وكأنما كانت كلمة المحافظ هذه سهما أطلقه على الشيخ فأصاب منه مقتلا إذ سكت الشيخ وارتج عليه ولم يتكلم حتى استأذن وانسحب برجاله .

ولا داعي من ناحيتنا نحن للتعليق على كلمة هذا الرجل الكبير الذي نطق بما نطق به وهو في منصبه الرسمي ممثلا للحكومة السعدية في وجه شيخ كبير من شيوخ الأزهر معروف بميوله لحزب الحكومة – كما لا أري داعيا للإشارة إلى ما قامت به حملة التوعية هذه من جوب البلاد تنشر الأكاذيب وتشيع البهتان وتثير الفتن مشيعين من أهل الريف الطيب في كل مكان نزلوا فيه بالاحتقار والازدراء .

ثانيا – شخصيات ومواقف عامة

في الأسطر القليلة السابقة أشرت إلى شخصيات ومواقف لابستها في الوضع الذي قضت فيه أحرج أوقات المحنة وكانت هنالك فينفس الوقت أحداث تجرى وشخصيات تتكشف ومواقف تتحدد , على مستوى القطر كله .. في القاهرة حيث حيكت المؤامرة وحيث المسرح الذي تتصارع على خشبته القوى المتآمرة والقوى المتحالفة والقوي المتزلفة والقوى المؤمنة,والقوى الشريفة ذات الضمير وذات المبدأ .

وأحاول هنا إن شاء الله أن أضع بين يدى القارئ نماذج من هذه الشخصيات وعينات من هذه المواقف ليتبين له دورها فيحكم على كل منها الحكم الذي هي جديرة به

  • • الأول الهيئات الدينية

وهذه الهيئات إما رسمية ويمثلها الأزهر . وإما شعبية وهي الهيئات التي تناولنا تفصيلها في الجزء الأول من هذا الكتاب .. أما الأزهر فإنه كان يستغل في بعض المواقف أسوأ استغلال ونجد الحكومات في ضعاف النفوس من بعض شيوخه من يضع نفسه في خدمتها وحسبنا ما ذكرناه آنفا .

وأما الهيئات الشعبية فكانت في تلك الأيام تغط في نوم عميق وترى دورها قاصرا على تكفير بعضها بعضا لزيارة ضريح أو لتفسيرات مختلف عليها لآيات معينة وموقفها بعد ذلك إزاء ما يجرى على أرض هذه البلاد موقف سلبي حيث تعتقد أنها إذ فعلت ما فعلت مما أشرنا إليه فقد أدت حق الله والإسلام والوطن والمروءة.

ولكن الهيئة الإسلامية الشعبية الوحيدة التي لم ترض لنفسها هذا الموقف هي جمعية الشبان المسلمين ,وذلك بفضل رئيسها الرجل الشجاع المؤمن المناضل صاحب التاريخ المجيد اللواء صالح حرب – وقد ألمحنا إلى بعض مواقفه المجيد في مختلف المناسبات – وبفضل رجال حوله أوفياء مثل عبد القادر بك مختار والدكتور يحي الدرديري .. وإن كان يؤسفنا أن نذكر أن من أعضا مجلس إدارة هذه الجمعية من لم يكونوا على مستوى رئيسهم شجاعة مروءة ونجدة ووفاء في خلال تلك الأيام الملتهبة التي كشفت عن معادن الناس .

وقد يأتي توضيح ذلك في سطور قادمة إن شاء الله .

  • • الثاني الملك

كان يكفي دليلا على تجريم فاروق في هذه المؤامرة الدنيئة أنه هو الذي كان محتضنا حزب السعديين منذ حكومة أحمد ماهر إلى آخر أيام إبراهيم عبد الهادي .. ومعروف أن السعديين حزب لا قاعدة له من الشعب فهو يستمد سلطته وقوته بل ووجوده من الملك.. وما كان هذا الحزب ليجرؤ على الانقضاض على ما انقض عليه من مقدرات الشعب وحرياته لولا ثقته المطلقة في تأييد السراي له ومباركتها اتجاهه الأثيم ..ولكننا لن نكتفي بهذا الدليل الدامغ وسوف نلجأ إن شاء الله في إثبات الإدانة إلى ما جاء في التحقيقات التي أجراها القضاء في القضية:

  • • من شهادة الأستاذ فؤاد شيرين :

في 18 /3 / 1953 طلب الأستاذ فؤاد شيرين الذي كان محافظا للقاهرة أيام وزارة عبد الهادي للشهادة أمام المستشار محمد على جمال الدين الذي انتدب لإجراء التحقيق فسأله المحقق :

س- ألم تعلم باعتقال الشخص الذي كان الشيخ البنا يريد الإقامة عنده ؟

ج‌- لا.. لأن شئون الإخوان لم تكن تعرض على ولا أخطر بها . والسبب في ذلك أنني كنت أخالف في رأي السراي والحكومة في موضوع الإخوان ..وهذا الخلاف كان ينصب على حل هذه الجماعة..وقد أوضحت للأستاذ حسن يوسف وكيل الديوان الملكي في ذلك الوقت – وكانت السراي تؤيد الحكومة في موقفها من ضرورة حل الإخوان – فأوضحت له أن ذلك قد يكون له نتائج سيئة , آذان للإخوان هيئة يرجعون إليها في تصرفاتهم ويخشونها فإذا حلت الهيئة لم يعد أفرادها يخشون أحدا .. ولكن لم يؤخذ برأيي .

'ح‌'نص غليظ- وبعد حل الإخوان ببضعة أيام قابلت الأستاذ حسن يوسف فقال لى : إن جلالة الملك يقول لك " إننا حلينا الإخوان ولم يحدث شئ".. وقال المحافظ في التحقيق أيضا أنه ليس لديه معلومات عن الرقابة على الشيخ البنا إذ كان ذلك من اختصاص القسم السياسي بالاتفاق مع رئيس الحكومة ووزارة الداخلية .

خ‌- ( ليلاحظ القارئ أن الأستاذ فؤاد شيرين صاحب هذا الرأي المخالف للحكومة والملك كان المفروض أن تعزله الحكومة – جريا على سياستها – أو تنقله إلى عمل آخر لكنها لم تفعل ولم تجرؤ على ذلك حيث كانت تربطه بالسراي صلة قرابة ونسب ..وبهذا نجا الرجل الصالح من بطش الحكومة الغاشمة .وقد يذكرنا موقفه هذا بموقف مؤمن آل فرعون الذي حكي لنا القرآن عنه فقال : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصيبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب . يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) غافر : 28:29)

  • • من شهادة الأستاذ حسن يوسف وكيل الديوان الملكي

ثم استدعي المحقق الأستاذ حسن يوسف وكيل الديوان الملكي ودار التحقيق معه على الوجه التالي :

س- ألم يدر بينك وبين الأستاذ فؤاد شيرين أى حديث بخصوص جماعة الإخوان ؟

جـ - أذكر أن الأستاذ شيرين زارني وأفهمني أن من المصلحة تعاون القصر مع الإخوان وأنه – بحكم صلته بهم – مستعد لتلقي أى توجيه من الملك .. فأخبرته بأن هذه المهمة تعتبر من المسائل السياسية وأحلته على رئيس الديوان ..وأذكر أنني بلغت رغباته واقتراحه للملك فقال لى فيما يتعلق باقتراحه لخاص بالإخوان : أن ردك عليه في محله .

س- هل لديك معلومات عن حادث اغتيال الشيخ حسن البنا ؟

ج- أذكر أن الملك اتصل بي تليفونيا في مساء يوم الحادث وكنت في منزلي . وأظن أنني كنت نائما وقال لى : هل سمعت الحادث ؟ فقلت له : أى حادث ؟ فقال : الشيخ حسن البنا ضربوه بالرصاص .. وأذكر أنني قلت لا حول ولا قوة إلا بالله وأرجو ألا يكون قد أصيب وأن يكون الجناة قد قبض عليهم . فقال : لسه ما فيش تفاصيل.

س – هل تعلم ممن تلقي الملك هذا الخبر؟

ج- أنا ليس لى معلومات بهذا الشأن وفيه بوليس سرى لذلك..وأذكر أنه كان من عادة الملك أن يكون هو البادئ بإخبار رجال الديوان بالحوادث الهامة على سبيل الزهو .

  • • من شهادة محمد حسن الأمين الخاص للملك .

ثم طلب المحقق محمد حسن الأمين الخاص وكان التحقيق على الوجه الآتي :

س- أما كان الملك السابق يبدي تخوفه من الإخوان المسلمين قبل حصول الحادث ؟

جـ- ما فيش شك .. إنه كان يبدي تخوفه من الإخوان من ناحية أن الجماعة دول راح يقلبوا نظام الحكم.

س- ألم يبد منه ما يدل على رغبته في التخلص من هذا الحزب ومن رئيسه ؟

كان متخوفا منهم ولكنه لم يبد أمامي رغبة في التخلص منه وكل مالا حظته بعد وقوع الحادث أنه لم يكن ممتعضا من وقوعه, بخلاف مالا حظته عندما قتل النقراشي حيث كان متأثرا جدا في حين أنه وقت مقتل الشيخ حسن البنا لم يظهر أى تأثر بتاتا .

س- ذكرت في أقوالك في قضية مقتل الضابط عبد القادر طه أن الضابط محمد وصفي قال إنه سينفذ الجريمة أى قتل عبد القادر طه بواسطة ضابط وعسكريين فهل ذكر اسم هذا الضابط العسكريين ؟

جـ - لم يذكرهم وإنما أورد هذا في سياق حديثه لأحمد كامل قومندان بوليس السراي وسمعت وصفي يقول لأحمد كامل أن دول هم اللي قتلوا الشيخ حسن البنا .

س- ألم تسأله عن أسمائهم ؟

ج - أنا لم أسأله . وما أعرفش إذا كان أحمد كامل يسأله أم لا .. ووصفي كان بيقول هذا الكلام اعتدادا بنفسه , وبيقول أنا عندي رجاله وفيه عسكريين رايح أنقلهم من الصعيد وقال إن دول أولاد قتالين قتلة , ويقتلوا ولا يهمهم وقال لنا أهم دول اللي حسن البنا عيني عينك ولم يذكر أسمائهم .. ووصفي قال كما أنه بعد ما أصيب حسن البنا هو راح المستشفي بقصد إنه إذا كان حيا يخلص عليه

  • • من شهادة أحمد كامل :

ثم استدعي المحقق أحمد كامل قومندان بوليس السراي وسأله عن شعور الملك السابق نحو الإخوان فقال :" كان الملك متخوفا من الإخوان كثيرا , لدرجة أنه كلفني في ذلك الوقت أن أشدد الحراسة عليه في تنقلاته وعمل حواجز حديدية على الأبواب الرئيسية لسراي القبة وعابدين لإجبار السيارات الداخلة إليها على الوقوف والتحقق ممن فيها كما طلب مني إخراج المستخدمين والموظفين الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان من السرايات والتفاتيش الملكية – واعتقادي الشخصي أن هذا الحادث ارتكب لحساب الملك السابق والحكومة "

  • • الثالث الأحزاب:

أ‌- مصر الفتاة :

الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة

كان موقف مصر الفتاة موقفا كريما , وقد وضح للقارئ ذلك من مرافعات الأستاذ أحمد حسين في قضايا الإخوان كما وضح في كلمته التي نشرها في جريدة المصري حين رجع إلى مصر من زيارة قام بها إلى انجلترا .

ب‌- اللجنة العليا للحزب الوطني :

ونحب أن نذكر القارئ بأن هذه اللجنة هي شئ آخر غير الحزب الوطني وهي مجموعة من شباب الحزب الوطني أرادت أن تحمل الحزب على الاحتفاظ بمبادئه التي وضعها مؤسسه مصطفي كامل فلما يئست من استجابة كبار رجال الحزب اتفصلت عنه وحملت هي مبادئ مصطفي كامل ورأسها الأستاذ فتحي رضوان .

وهذه اللجنة لم تأل جهدا في الدفاع عن الإخوان حتى في عنفوان المحنة مخاطرة في ذلك بمستقبلها فلقد كانت الهيئة الوطنية الوحيدة التي لجت لدى حكومة النقراشي باشا على حل الإخوان المسلمين عندما صدر هذا الأمر , فقد نشرت جريدة " المصري " في 8/2/1950 تحت عنوان " اللجنة العليا للحزب الوطني تعترض على أمر حل الإخوان المسلمين " ما يلي :

تلقينا من الأستاذ فتحي رضوان البيان التالي باسم اللجنة العليا للحزب الوطني:

" حينما نشر الأمر العسكري رقم 63 في 8 ديسمبر 1948 قاضيا بحل جمعية الإخوان المسلمين أذاعت اللجنة العليا للحزب الوطني بيانا تعترض فيها على هذا الأمر على أسس من الدستور . قم قال . ولم يفت اللجنة أن تقول في بيانها – الذي لم تأذن الرقابة وقتذاك بنشره – إنها لا تحتج على حل هيئة الإخوان المسلمين تشيعا لها ولا تشيعا ضد خصومها وإنها تصدر في ذلك الاحتجاج عن حرص على نص الدستور وروحه .. وقد كفل الدستور في المادة 21 للمصريين حق تكوين الجمعيات .. ثم قال .

ولم يفت اللجنة أن تقول في بيانها – الذي لم تأذن الرقابة وقتذاك بنشره – إنها لا تحتج على حل هيئة الإخوان المسلمين تشيعا لها ولا تشيعا ضد خصومها وإنها تصدر في ذلك الاحتجاج عن حرص على نص الدستور وروحه....

وقد كفل الدستور في المادة 21 للمصريين حق تكوين الجمعيات .. ثم قال

ونحن نذكر اليوم ما ذكرناه بالأمس من أنه لا توجد هيئة سياسية لم ينسب إلى أفراد أو جماعات من التابعين لها اتكاب الجريمة أو الجرائم . وقد صدرت أحكام ضد البارزين في كل هيئة سياسية في مصر – ومع ذلك لم يقل أحد أن هذه الهيئات تتحمل وزر عشرة أو عشرين من أعضائها .

ولعل من أبلغ الأمثلة على أن ما يلقيه التطاحن السياسي على الأحزاب والجماعات السياسية من ظلال الجريمة يكون ظالما أو على الأقل يكون عارضا يزول مع الزمن أن غاندي وهو الداعي إلى المسالمة قضت عليه محكمة الهند أكثر من مرة على أساس مسئوليته عن جرائم التخريب والشغب والقتل . ونحن لا نزال نذكر أن المرحومين ماهر والنقراشي أتهما بالقتل ولم ترتض بريطانيا الحكم الصادر ببراءتهما"

  • ج- حزب الأحرار الدستوريين :

أما حزب الأحرار الدستوريين ومعه المستوزرون وهم الذين كانوا يسمون بالمستقلين فقد سجلوا على أنفسهم الخزي والضعة لقد كانوا يتهربون من لقاء الأستاذ المرشد العام فإذا زار أحدهم أمضي الجلسة يتلفت يمينا وشمالا خوفا من أن يراه أحد مع الأستاذ المرشد فيبلغ رئيس الوزارة فيغضب عليه ولقد عبر الأستاذ محمد يوسف الليثي وقد كان أكثر شخص اتصالا بالأستاذ المرشد في تلك الحقبة – عن ذلك فقال : إن الأستاذ المرشد كان يحس بمرارة من خسة هؤلاء الناس وجبنهم حين كان يزور بعضهم على أمل أن يجد منهم من يكون وسيط خير بينه وبين الحكومة ولقد كان يزور واحدا منهم ومعه شقيقه عبد الباسط فإذا بالرجل يفزع ويسأل : من هذا الذي يرافقك ؟ فهذا الأستاذ من روعه وقال له لا تفزع إنه شقيقي عبد الباسط البنا . أما موقف حزب الوفد فنرى أن نؤجله حتى توضحه فصول قادمة إن شاء الله

..... ولحزب الوطني – كما سبق لنا الحديث عنه – هو بحكم نشأته وبمقتضي دستوره الذي وضعه مؤسسه مصطفي كامل رحمه الله وارتضاه صحبه وأنصاره .وهو أقرب صورة من الأحزاب السياسية – إلى هيئة الإخوان المسلمين – فهو يؤمن بما يؤمن به الإخوان من الرابطة الإسلامية والامتداد التاريخي الإسلامي والتربية الإسلامية ... ولا أزال أذكر حتى الساعة أنني كنت وأنا صغير أسمع والدي وأعمامي – وكانوا يمثلون قيادة الحزب الوطني في رشيد في إبانه – يتحدثون عن المسرحية التي كلفهم الحزب بتمثيلها أمام الجمهور وقاموا هم بتمثيل الأدوار الرئيسية فيها وهي تشرح للمشاهدين المعاني الإسلامية العليا والروابط الأخوية بين المسلمين في بقاع الأرض والتي قامت على أساسها الدولة الإسلامية الجامعة الممثلة في " الخلافة "

ولقد تعاقب على زعامة هذا الحزب بعد مؤسسه رجلان, أولهما محمد فريد , وقد سار على نهج زعيمه مصطفي كامل حتى مات مشردا غريبا – ميتة المجاهدين – وخلفه من بعده حافظ رمضان فتابع سيرة سابقيه في أول الأمر محترزا من فتنة الحكم فكان الحزب – مع انحسار عدد مؤيديه – رمزا للثبات على المبدأ وللكفاح الحر الشريف العارف عن المغانم الرخيصة التي كان الكل في ذلك الوقت يلهثون وراءها مدعين أنهم يجاهدون ومما تجدر الإشارة إليه أنه في خلال هذه الفترة التي نتكلم عنها قد ظهرت في أفق السياسة المصرية بدعة المفاوضة في حقوق البلاد في حين كانت النغمة التي ضرب علي وترها مؤسس الحزب الوطني وطرب لها الشعب كله هي " لا مفاوضة إلا بعد الجلاء " واقتضي هذا المبدأ أن يقاطع الحزب مناصب الحكم ما دام الغاصب يحتل البلاد . فلما ظهر الزعماء الجدد وعلى رأسهم سعد زغلول فتنوا الشعب بنغمتهم الجديدة فتبعوهم مولين ظهورهم للحزب الوطني آملين أن تتحقق آمال البلاد بالأسلوب الهين الين الجديد.. ومع توالي الأيام صار الوصول إلى كراسي الحكم هو الهدف الأصيل للزعماء الجدد وتميعت قضية حقوق البلاد..

على أن الحزب الوطني لم يقف موقفا سلبيا من الأوضاع الجديدة بل كان له أعضاء في مجلس النواب من أمثال محمد محمود جلال , ومحمد فكرى أباظة, وعبد اللطيف الصوفاني ,والدكتور عبد الحميد سعيد وعدد آخر من إضرابهم , كانوا يزلزلون بمساجلاتهم ومناقشاتهم واستجواباتهم أرجاء هذا المجلس . وكان الناس يترقبون نصوص ما يصدر عنهم في المجلس ليقرأوه بإمعان , حيث مستقر في نفوس الناس أن هذا هو الموقف الجاد. والرأي الأصوب والتوجيه السليم , لأنه صادر عن أشخاص عزفوا عن مناصب الحكم وما يلازمها من ضغوط وإغراءات – وكان هؤلاء النواب فوق كل هذا موئل كل مظلوم وملتجأ لكل من حاقت عليه السلطة .

ولكن يبدو أن المسئولين في هذا الحزب قد طال عليهم الأمد , وخيل إليهم أنهم إذا هم أدخلوا بعض التعديل على خطتهم فإنهم قد يحققون من أهدافهم الوطنية ما لم يحققوه طيلة عهودهم الماضية – وكان هذا التعديل الذي أدخلوه هو استعدادهم للمشاركة في الحكم مع وجود حيوش المستعمر جاثمة على صدر البلاد وكان في هذا التعديل خروج سافر على شعارهم العتيد وتجاوز لمبدئهم القويم ..أدخلوا هذا التعديل الكبير على خطتهم فانظر ماذا حققوا من وراء هذا التعديل .

• ماذا حقق الحزب الوطني بخروجه على مبدئه الأصيل ؟

1- كان من أوائل الوزارات التي اشترك فيها الحزب الوطني وزارة أحمد ماهر باشا في 9/10/1944 اشترك فيها رئيس الحزب حافظ رمضان باشا وزيرا للعدل – وكان منحه رتبة الباشوية دليلا على رضا السراي عنه ... وهذه الوزارة هي الوزارة التي باءت بإثمين كبيرين أحدهما داخلي وهو التضامن مع جيش الاحتلال في إسقاط المرشد العام حين رشح نفسه لمجلس النواب في دائرة الإسماعيلية – مما أتينا على تفصيله في الجزء الأول من هذا الكتاب.

والإثم الخارجي الذي باءت به هو استجابتها للمستعمر في إعلانها الحرب على المحور فكانت بهذا الإعلان قد خرجت على إجماع الأمة بجميع أحزابها وهيئاتها وطوائفها في وجوب أن تقف بلادنا على الحياد . وقد راح رئيس هذه الوزارة ضحية هذا الخروج على إجماع الأمة .

فماذا فعل اشتراك رئيس الحزب الوطني في هذه الوزارة ؟ هل استطاع أن يحول بينها وبين التواطؤ مع المستعمر ؟ وإذا فرضنا أنه حول ذلك ففشل فهل استقال احتجاجا على خطة لا يرضاها ؟.... لم يفعل من ذلك شيئا .

2- وبعد مقتل أحمد ماهر خليفة النقراشي فتولي الرياسة والداخلية و الخارجية وأبقي على الوزارة بتكوينها الذي كانت عليه . ومعني هذا أن الحزب الوطني ظل ممثلا في هذه الوزارة برئيسه .... فماذا فعلت الوزارة التي تولت الحكم في أواخر فبراير 1945 وماذا سجل التاريخ لها ؟

لم يسجل لها شيئا وإنما سجل عليها المذكرة الرزيلة المتخازلة التي تقدمت بها إلى المستعمر للمطالبة بحقوق البلاد بعد نحو عام ضيعته في إعدادها فكانت على حد قول القائل :" سكت دهرا ونطق كفرا " مما أطمع المستعمر وقوى مركزه وجعل مصر في مواقف المستجدي لا في موقف المطالب بحق مغتصب- وقد دمغت جميع الهيئات والأحزاب هذه المذكرة بالخزي والعار .

3- ثم ختمت هذه الوزارة النكدة أيامها البغيضة بعار لا يمحي على الزمن ..تلك هي مذبحة كوبري عباس الثانية التي نوهنا عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب وأصيب فيها 160 طالبا فقد منهم ثمانية وعشرون.. والفرق بين هذه المذبحة وبين سابقتها في نفس المكان عام 1936 أن الذي أمر بالضرب في الأولي ضابط انجليزي ولكن الذي أمر بالضرب في هذه مصري هو عبد الرحمن عمار وكي الداخلية المصري الذي تتبرأ " المصرية " منه ومن وزيره الذي فوضه في ذلك ... فماذا رئيس الحزب الوطني المشترك في هذه الوزارة ؟

ثم جاءت بعد ذلك وزارتان أولاهما برياسة إسماعيل صدقي والأخرى برياسة النقراشي مرة أخرى ولم يشترك الحزب الوطني في هاتين الوزارتين وإن اشترك رئيسه في وزارة النقراشي ثم استقال – وقد أحسنا الظن آنذاك وقلنا لعل الحزب رأي أنه مخطئ في العدول عن خطته الأصيلة بعد أن جرب فعاد عليه الاشتراك في الحكم بخسران مبين ولكن هذا الظن قد اصطدم بتصرف عجيب من الحزب نفسه .. فبعد أن اصدر حزب السعديين الأمر العسكري بحل الإخوان واغتيل النقراشي على أثره وأسندت الوزارة إلى إبراهيم عبد الهادي رأينا الحزب الوطني يشترك في هذه الحكومة بوزيرين هما عبد العزيز الصوفاني سكرتير الحزب ومحمد زكي على أحد كبار أعضائه .

ولا داعي هذه المرة للسؤال الذي نسأله في كل مرة اشترك فيها الحزب عما فعل اشتراكه للبلاد من خير فإن مجرد اشتراكه في وزارة يعلم الجميع سمتها والظروف المحيطة بها يثير الفزع ويبعث على الريبة والاشمئزاز ثم إن هذا الاشتراك قد استمر حتى بعد ارتكاب هذه الوزارة جريمة اغتيال المرشد العام !!

4- ومع كل هذا الذي جنح إليه الحزب من الانغماس في حمأة السياسة المشبوهة فإن الأستاذ المرشد العام – بما طبع عليه من مرونة ورحابه صدر وتقديم لحسن الظن دائما والتماس العذر لكل من بدا منه انحراف أو تقصير – لم يسئ الظن بهذا الحزب ولم يفقد الأمل فيه بل ظل يعتبره في مقام الأقربين الأولي بالمعروف , والأحق بأن يتشاور معهم .. فلما صدر أمر الحل كان أول من فكر في التشاور معه حافظ رمضان باشا ,, بحثا عن وسيلة لتسوية الأمور بين الإخوان والحكومة .

وقبل أن أترك مجال الحديث للأستاذ فتحي رضوان الذي كان أشد أعضاء هذا الحزب اتصالا بأحداث هذه الفترة وألصقهم بأشخاصها وأكثرهم معاناة لتناقضها – أراني مطالبا أن أحيط القارئ علما بما تلا وزارة عبد الهادي من وزارات حتى أصل إلى الظروف التي اضطر الأستاذ فتحي رضوان أمامها إلى الكشف عن حقائق كان يجهلها أكثر لناس فيما يتعلق بقصة الحزب الوطني مع الإخوان وقصته هو ومجموعة من زملائه أعضاء الحزب مع الحزب نفسه .

فقد أسند الحكم بعد سقوط عبد الهادي إلى وزارة ائتلافية اشتركت فيها جميع الأحزاب ومنها الحزب الوطني كما اشترك فيها مصطفي مرعي ممثلا للمستقلين وكانت برياسة حسين سري ثم استقالت هذه الوزارة وألف حسين سري وزارة كل أعضائها محايدون أجرت الانتخابات التي أسفرت عن فوز حزب الوفد فألقت وزارة وفدية برياسة مصطفي النحاس وكان فؤاد سراج الدين وزير الداخلية بها .

وعلى غير ما هو معهود في وزارات الوفد ولأسباب لا يعلمها إلا الوفد نفسه غيرت هذه الوزارة أسلوبها ,وأخذت تصانع الملك وتلاينه مما قضي على السبب الوحيد الذي كان يجعل الملك دائما في ضيق من وزارات الوفد حيث كان يتلمس لها الأخطاء ويتصيد الفرص لإقالتها والتخلص منها .

ولعل هذا الشعور الجديد بين الوفد والملك قد ألقي في نفوس السعديين وأحزاب الأقلية الأخرى اليأس من أن تتاح لهم فرصة في المستقبل للاستمتاع بمناصب الحكم فقد سد الوفد المنفذ الذي كانوا ينفذون إليها منه ... فماذا هم فاعلون ؟

اجتمعوا جميعا وقرروا رفع عريضة موقعة منهم إلى الملك يتباكون فيها على البلاد لما انتشر فيها من فساد في جميع مرافقها , ويطالبون بإصلاحات في كل ناحية ..ويومئون في خلال فقراتها من طرف خفي إلى مواطن ضعف تمس الملك شخصيا ..وكانت هذه الإيماءات التي بثها السعديون بالذات بين سطورها هي بيت القصيد والأمل الوحيد - كأنهم يهددون الملك قائلين : إذا لم تنتبه إلينا وتعرنا التفاتا فسنجهر بها إلى الشعب – ونحن أعرف الناس بأسرارها لأننا نحن الذين يسرنا لك أمرها يوم كنا نعمل لحسابك ..

واستطاعت حكومة الوفد أن تحول دون وصول العريضة إلى الملك فأخذوا في سلوك الطريق الآخر باستجواب قدمه مصطفي مرعي في مجلس الشيوخ - وهو المستقبل الذي حشر نفسه وسط أصحاب العريضة ولكنه كان مستوزرا وقد كشف هذا الاستجواب حقيقته فقد ثبت منذ اللحظة أنه حليف إبراهيم عبد الهادي ومولاه ويده التي يبطش بها وعقله الذي يدبر به ويحيك المؤامرات .

وكان الإخوان في ذلك الوقت قد خرجوا من المعتقلات ورأت الأحزاب التي نفذت خطة الإبادة بعينها كما رأي غيرهم أن هذه الخطة قد فشلت كل الفشل .. فالإخوان عادوا كما كانوا من قبل قوة وعزما وثباتا وحيوية .. فأخذ كل حزب يتزلف إليهم ويتملص مما هو منسوب إليه من مساهمة في خطة الإبادة أو إعانة عليها .

والآن أترك المجال للأستاذ فتحي رضوان ليروي قصة الحزب الوطني مع الإخوان في خلال الفترة العصيبة التي انصهرت في حر نارها المعادن الخبيث من الطيب :

قصة الحزب الوطني مع الإخوان

• ماسجلة حزبية بين الوفد والحزب الوطني بصدد الإخوان :

في 26 أكتوبر 1950 – في عهد وزارة الوفد – نشرت جريدة الأهرام تصريحا لفؤاد سراج الدين وزير الداخلية قال فيه : أن الإخوان سيباشرون نشاطهم قبل مايو المقبل .

وقد سأل مندوب " الأهرام " حافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني في ذلك فجاء في رده :" وقد حاولت جهدي أن أقنع زملائي ممن وقعوا على " العريضة " المرفوعة إلى جلالة الملك بالنص فيها على وجوب إلغاء قرار حل الإخوان ولكنهم لم يوافقوا – ما عدا مكرم باشا – لأنهم كانوا في الحكم عندما صدر قرار الحل .

ولما قلنا لسعادته أنه كان عضوا في الوزارة التي أصدرت قرار الحل أجاب بأنه استقال قبل صدور القرار لأسباب سياسية معروفة ..وأخذ يهاجم قرار الحل .

وفي 27 أكتوبر قال "الأهرام ":تلقينا من الأستاذ عبد العزيز الصوفاني سكرتير الحزب الوطني الكلمة التالية " قرأت في أهرام اليوم تصريحا لفؤاد سراج الدين باشا نسب فيه إلى من يقولون بعودة الإخوان المسلمين إلى العمل وإلغاء أمر حلهم أنهم يتملقون هذه الجماعة باعتبارها طائفة من الجماهير – ويسألهم أين كانوا عندما صدر قرار الحل .

ولما كان حضرة صاحب السعادة حافظ رمضان باش رئيس الحزب الوطني هو صاحب وجهة النظر بادية الذكر , فيكون هو المعني من فؤاد سراج الدين باشا بما قال . ولما كنت سكرتير الحزب الوطني ويحكم هذا المركز كنت أطلع على ما يدور مع رئيس الحزب كما كان سعادته يخبرني أول بأول بما يجده عنده .. أقرر الآتي :

بعد أن صدر أمر حل جماعة الإخوان المسلمين زار المغفور له الأستاذ حسن البنا المرشد العام سعادة رئيس الحزب الوطني ليتبادل معه الرأي فيما يجب عمله ,وطلب إليه إن يبذل جهده لدى السلطات العليا لصالح الإخوان ويعمل على رفع الحيف الذي وقع عليهم بأمر حلهم .. فقام بهذا فعلا .. ورثي أن اللجوء إلى الهيئات النيابية قد يضر ضررا بليغا إذا ما وافقت تلك الهيئات على إجراء السلطة التنفيذية في حل هذه الجماعة .

إن الناس جميعا ومنهم فؤاد سراج الدين باشا يعرفون أن رئيس الحزب الوطني ليس بالرجل الذي يعمل دون عقيدة حبا في التملق للجماهير لكسب عطفهم لأن ما يعمله دائما يصدر عن عقيدة سليمة لوجه الله والمصلحة العامة ,كما يعرف فؤاد سراج الدين باشا بل هو أعرف الناس بهؤلاء الذين يلجأون إلى تملق والعمل على كسب عطفهم بالطرق الخداعة الملتوية ".

• الأستاذ فتحي رضوان يتصدى لكشف حقيقة موقف الحزب الوطني من الإخوان في محنتهم :

وفي 29 أكتوبر جاء بالأهرام ما يلي :

لمناسبة ما نشرته " الأهرام " عن الإخوان المسلمين لمعالي فؤاد سراج الدين باشا وسعادتي حافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني والأستاذ الصوفاني سكرتير الحزب – كتب إلينا الأستاذ فتحي رضوان المحامي ورئيس اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني مقالا روي فيه قصة الحزب الوطني مع الإخوان كما عاصرها .وفيما يلي هذا المقال.

" لما كنت قد اتصلت بالحوادث السابقة على حل الإخوان والمعاصرة للأمر العسكري الذي قضي بتصفية نشاطهم ومصادره أموالهم وما تفرع عن ذلك كله من اضطراب بلغ غايته بمقتل المرحومين النقراشي باشا والأستاذ حسن البنا فقد رأيت أن أضع تحت نظر الناس بعض ما يعين على تاريخ هذه الحقيقة المضطربة حتى يتبين الإخوان المسلمون على ضوئه طريقهم ..

في شتاء 1948 كنت دائم الاتصال المرحون الأستاذ البنا – وقد أسفر هذا الاتصال عن تفكيره رحمه الله – جديا في أن يكل نشاط الإخوان المسلمين السياسي إلى الحزب الوطني وأن يقتصر عمله هو ودعوته على الناحية الدينية البحتة.

ثم وقع الحل فاتخذ المرحوم الأستاذ حسن البنا من مكتبي مكانا يلقي فيه بعض أنصاره ويتصل عن طريقه برجال السياسة والحكومة وفي أحد الأيام أفضى إلى أنه يود أن يكل إلى هيئة من رجال السياسة المصريين حزبيين ومستقلين وبعض المشتغلين بالشئون العربية والإسلامية بأمر الوساطة بين الإخوان وحكومة النقراشي باشا . وكان يؤمل أن تنجح وساطة هؤلاء الكبار في أن تخفف الحكومة من شدة إجراءات الاعتقال ,وأن تعفى من المصادر والحل للشركات التي تمارس نشاطا اقتصاديا وعلم الأستاذ الصوفاني بأن الأستاذ البنا عندي بالمكتب .وأننا نتناول فيما نشأ عن أمر الحل فحضر إلينا واشترك في الحديث إلى ساعة متأخر".

وأحطنا علما بما كنا فيه من التفكير في دعوة لجنة من الكبار تبسط للحكومة رأي الإخوان وتسعى بينهما بالخير والتوفيق . وأضاف الأستاذ البنا أنه كان يطمع في أن يقوم حافظ رمضان باشا بدعوة هذه اللجنة بداره ,وأن يوجه هو إلى أعضائها الدعوة ... وأخذ الأستاذ الصوفاني كشفا بأسماء أعضاء اللجنة ووضعه في جيبه ... وفي اليوم التالي ذهب إلى حافظ رمضان باشا وعرض عليه الفكرة والكشف . فنصحه حافظ باشا بأن يصرف النظر عن المشروع كله – وكان هذا آخر عهد المرحوم الأستاذ البنا بالأستاذ الصوفاني ورئيسه حافظ باشا .

وكان رحمه الله يتفضل بزيارتي كل ليلة بالمكتب وكانت بداية الحديث بيننا قوله لى مداعيا " ماذا فعل الباشا لنا وبنا .. نسينا أم غضب علينا ؟ وكنا نضحك . وكنت أقول له : أما قلت لك أن الخلاف بينك وبين الحكومة خلاف مبدئي لا تنفع فيه وساطة الوسطاء وكنت تقول هذا باب مفتوح يجب أن نطرقه حتى لا نكون في نظر الناس قد قصرنا في شئ .

وعين الأستاذ الصوفاني وزيرا بعد مقتل النقراشي باشا واشتدت وطأة الحكومة على الإخوان وضاق صدرها بمن يتصلون بهم أو يدافعون عنهم فرأيت من جانبي أن أرجو معالي مصطفي مرعي بك أن يلقي الأستاذ البنا ويستمع إليه وتوسطت في تحديد ميعاد لهما وكان مكان لقائهما في منزل مصطفي بك.. وذهب المرحوم الأستاذ البنا إلى الميعاد ومعه شقيقه الأستاذ عبد الباسط وكان الأستاذ البنا يحمل معه مسدسه المرخص فتجمل بإعطاء المسدس لأخيه حتى لا يلقي الوزير مسلحا وخصوصا في تلك الأيام الحرجة . وتحدث هو ومصطفي بك طويلا ,واستمع إليه مصطفي بك ونزلا معا فإذا بهما يجدان العسكري الحارس على دار مصطفي بك قد ألقي القبض على الأستاذ عبد الباسط فأمر مصطفي بك العسكري بإطلاق سراج عبد الباسط ووصل نبأ كل هذا إلى السلطات فاحنق بعضها على مصطفي بك وأحنق الجميع علي.

وعين الأستاذ الصوفاني وزيرا . وهو كما مر بك كان يلقي الأستاذ البنا وكان لا يكره أن يتوسط للإخوان عند رئيسه حافظ باشا وكان يعرف أن ما بيني وبين الإخوان ومرشدهم قبل وفاته هو الدفاع عن الحرية كمبدأ , ومشايعة الإخوان كفكرة وطنية تدفع الاستعمار ... فكم كان غريبا أن أسمع أن " معاليه" ذهب إلى مكتب دولة رئيس الوزراء ينقل إليه ما اتصل بعلمه من أنباء تعاوني مع الإرهابيين من الإخوان . ولما كانت الأقدار قد ساقت الأستاذ مصطفي مرعي بك فقد استمع إلى هذا الحديث وأدهشه أن يكون للأستاذ الصوفاني من مصادر الأخبار ما لم يتوافر لرئيس الوزراء نفسه ووزير الداخلية بالذات . ورأى أن خير ما يرصف به هذا الحديث " الخطر " هو أن يسأل عن رأي الأستاذ الصوفاني في بيان اللجنة العليا – التي أتشرف برياستها – في الأحكام العرفية ومحاولة مدها ..وأدرك رئيس الوزراء أن بين رأي اللجنة العليا في الأحكام العرفية والأخبار التي وصلت إلى علم الوزير الصوفاني بك صلة لا تخفي على لبيب .

وعرض أمر الأحكام العرفية على مجلس الوزراء وانقسم المجلس إلى فريقين فريق يرى مدها ستة أشهر وفريق يرى إطالة عمرها عاما .. وكان من رأي وزير اللجنة الإدارية التي يرأسها حافظ باشا رمضان أن يطول عمر الأحكام العرفية عاما وكان معني ذلك أن تطول مدة اعتقال المعتقلين عاما على الأقل . ولا يفوتك أن المبرر الوحيد عند الحكومة في ذلك الحين لإبقاء الحكومة على الأحكام العرفية هو جهادها ضد الإخوان المسلمين ودعوى اضطراب الأمن ..ولم يكن ثمة سبب لاضطراب الأمن عند الوزارة الإبراهيمية إلا الإخوان ونشاطهم " اللعين "

فإذا أضفت إلى هذا كله أن القبض والاعتقال والتفيش العسكري والتشريج العرفي استمر في عهد وزارة إبراهيم عبد الهادي كله ولم ينقطع يوما , وأن وزيرى اللجنة الإدارية المتشرفة برياسة حافظ باشا في وزارة إبراهيم باشا بقيا إلى آخر عهدها – أمكن لك أن تعرف مدى عطف الأستاذ الصوفاني ورئيسه على الإخوان ومدى اعتقادهما في صحة المثل الأعلى الذي تدافع عنه هيئة الإخوان وتؤمن به "

• ملاحظات على بعض ما جاء في حديث الأستاذ فتحي :

أولا – تفكير الأستاذ المرشد العام في أن يكل نشاط الإخوان السياسي إلى الحزب الوطني واقتصاره هو على الناحية الدينية البحتة , أمر لم يكن لى به سابق علم حيث كنت في ذلك الوقت بعيدا عن القاهرة ولكنني لا أستبعده فالأستاذ رحمه الله كان رجلا لبيبا مرنا واسع الحيلة ألمعيا وكان قد رأي غيوم المؤامرات التي أومأنا إليها – تتجمع في الأفق حتى أوشكت على سده .. فأراد بهذا الأسلوب أن يشق لدعوته منفذا تنفذ منه مؤقتا قبل أن تطبق عليها هذه الغيوم إطباقا كاملا فلا تجد منفذا ..

حتى إذا أفلتت من هذا الإطباق عملت بعد ذلك على تفتيت هذه الغيوم واسترداد ما وزعته من مسئولياتها الثقال في أثناء تفادي الإطباق وإلا فهو – رحمه الله – كان خير من يعلم أن فصل ما يسمونه " السياسة" عن الدين أمر لا يمكن تصوره بالنسبة للإسلام ولا في الخيال كما كان يعلم أيضا أن الحزب الوطني بتركيبه الذي كان عليه في تلك الأيام لا يصلح لحمل مثل هذه المسئولية ..

ولعله – رحمه الله – كان يهدف من وراء ذلك أن يدخل الطمأنينة إلى نفس الملك الذي كان أحد الأصابع المحركة في جهاز المؤامرات المتربصة بالإخوان خوفا منهم – ويعلم أيضا – رحمة الله أن الحزب الوطني في أسلوبه المستوزر الجديد أصبح من الأحزاب المرضي عنها ممن الملك ..ولكنه أى هذا الحزب لا يزال على كل حال أقلها سوءا .

ثانيا – جاء بصدد الوزير مصطفي مرعي في حديث الأستاذ فتحي ذكر واقعة تعرض لها الأستاذ محمد الليثي في حديث له نشر " بالأهرام " بعد حديث الأستاذ فتحي ..

وربما نقلنا بعض هذا الحديث وشيكا إن شاء الله لما فيه من أضواء ألقاها الأستاذ الليثي على شخصية الأستاذ مرعي وما لعبته من أدوار في قضية اغتيال المرشد العام ..وأستطيع أن أقول أن الواقعة التي أوردها الأستاذ فتحي في حديثه عن الأستاذ مرعي .. ربما كانت واقعة بذاتها تمت عن طريق الأستاذ فتحي دون علم الأستاذ الليثي وأنها وقعت قبل أن تبدأ اللقاءات الرسمية التي كلف بها الأستاذ مرعي من رئيس الوزراء والتي تمت في منزل اللواء صالح حرب .

ثالثا : بمناسبة ما ذكره الأستاذ فتحي عن رأي وزيري الحزب الوطني في وزارة عبد الهادي بصدد مد الأحكام العرفية . نضيف أن أحد هذين الوزيرين وهو محمد زكي على باشا كان وزيرا أيضا في وزارة حسين سري باشا التي خلفت وزارة عبد الهادي ..وأعلنت هذه الوزارة أنها ستعود بالبلد إلى حالتها الطبيعية وكان مفهوما أن الحالة الطبيعية هي رفع الأحكام العرفية .. غير أنها توانت في ذلك فشنت جريدة المصري حملة ضد إبقاء الأحكام العرفية ..وكانت هذه الحملة في صورة استفتاء للرأى العام في هذه القضية وقد وجهت السؤال في هذا الشأن إلى عدد كبير من رجال يمثلون قطاعات الرأي العام , وقد استمر الاستفتاء نحو أسبوعين ..

وفي نهاية المدة كتبت " المصري" تلخص نتيجة الاستفتاء فقالت – وكان ذلك في 25/10/1949 :-

" الآن بقي أن نذكر من أمتنع عن الإجابة على سؤالنا : معالي محمود غالب باشا ( سعدي ) معالي على أيوب بك ( سعدى ) معالي محمد زكي على باشا ( وطني ) الدكتور نجيب محفوظ ( طبيب)..

وعلقت الجريدة على إجابة محمد زكي على باشا حين رد على سؤال الجريدة بصدد الأحكام العرفية بقوله :" ليس لى رأي "..ز فقالت الجريدة : كم كنا نتمني أن يكون لمعاليه - وهو الوزير المسئول – رأى في هذه المسألة ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.

وهذا الوزير كان في ذلك الوقت وكيلا لجمعية الشبان المسلمين : فلما مثل للشهادة أمام المحكمة في 18 /11/ 1953 – بعد طرد معبودهم فاروق – وأخذت المحكمة في توجيه الأسئلة إليه بشأن الأستاذ حسن البنا كان هو الشاهد الوحيد الذي أخرج منديله ليمسح دموعه التي ذرفها حزنا على فقده وحين سئل في المحكمة عن أخلاقه قال : أخلاقه .. هو حد يشك في أخلاقه ؟...

وكانت مفاجأة أن سمحت المحكمة لشاهد آخر هو الأستاذ محمد الليثي بمواجهة هذا الشاهد . فقال الليثي :" أنا لم أذهب إلى الأستاذ محمد زكي على بمكتبه بالوزارة إلا بناء على توجيه من الأستاذ عبد القادر مختار والدكتور يحيي الدرديري لأني أعلم أن الأستاذ زكي على كان غير موافق على حضور الشيخ البنا إلى الجمعية بعد حل الإخوان وإنني لم أذهب إليه لأستشيره بل ذهبت إليه لأستعين به بوصفه وزيرا لكي يمكنني من الإدلاء بأقوالي في النيابة .. ولكنه قال لى إليه أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه وزير وأنه لم يقل لى كل لحقيقة بل قال لى أنهم يقولون أن هذا رجل مجرم ويقصد بذلك الشيخ البنا ولكن ما فيس مانع إنك تقول الحقيقة .

ولما استدعيته النيابة لسماع أقواله في هذه الواقعة غضب على وأبدي استياءه لأني ذكرت اسمه في التحقيق وأعرب عن هذا الشعور عندما طلب منه اللواء صالح حرب في إحدي المناسبات أن يجلس في مكتبي فلم يقبل وقال : حد الله ما بيني وبينه .. وذلك بعد أن سمع شهادتي أمام المحقق .وأنا لما نشرت بيانات عن الحادث في جريدة المصري احتج الأستاذ زكي مني فلم يكن لأجل تغيير النمرة وإنما لأنني عرضته لغضب الأستاذ إبراهيم عبد الهادي عندما كان رئيسا للوزارة ".

وهنا رد الاستاذ زكي على قائلا : إنني لم أكن أكره الشيخ البنا بل إنني كنت أعلم أن الشيخ البنا يريد أن يدمج الإخوان والشبان في جمعية واحدة وأنا كنت ضد هذا الرأي لأن مبادئنا تختلف عن مبادئهم .

هـ - الأستاذ مصطفي مرعي :

أما وقد أفردنا فصلا لتقييم أشخاص وإبرار مواقف في صدد ما نعالج من أحدث تلك الفترة فما ينبغي لنا أن نغفل شخصية هذا الرجل الذي رضي لنفسه أن يلعب الدور الذي أترك الحكم عليه للقارئ بعد أن أضع بين يديه الوقائع التي لن تكون من الوفرة والوضوح كما كان ينبغي أن تكون لأن الدور الذي أتم تمثيله وقع أكثره في الظلام الدامس الذي غطي رداؤه الأسود سماه البلاد أكثر من عام .

والأستاذ مصطفي مرعي محام كبير اختاره إبراهيم عبد الهادي في وزارته المشئومة وزير دولة ..ولم يكن هو وحده وزير الدولة في هذه الوزارة . ولكنه كان من بين وزراء الدولة في هذه الوزارة الوزير الوحيد الذي اختير لذاته , فقد كان زملاؤه مرشحين من أحزابهم أما هو فلم يكن منتسبا لحزب ..وإذا اختار إبراهيم عبد الهادي في وزارته تلك التي يعلم في قرارة نفسه المهمة المنوط بها إنجازها – والتي عرفها الناس فيما بعد – إذا اختار عبد الهادي لهذه الوزارة وزير دولة لذاته – في ظل تلك الظروف – فإنما ينتقيه على أساس من صفات معينة , ومقدرة خاصة تتلاءم والمهمة الموكول إلى الوزارة القيام بأعبائها .

ومهمة هذه الوزارة معروفة ..وإذا كان هناك من خامرة شك في معرفتها فقد سجل التاريخ وسجل التاريخ وسجل القضاء نوعها ومدى ارتباطها بما تم في أيامها من جرائم ...

  • • كيف اختار عبد الهادي مرعي وزيرا ؟

اختار عبد الهادي هذا الوزير اختيار شخصيا بحتا , لما يعلم من كفاءته الفائقة لما رشحه للنهوض به من أ‘مال خطيرة يتوقف على إنجازها مستقبل هذه الوزارة ومستقبل رئيسها ... وقد اجتباه لنفسه وأئتمنه على أخص خصائصه فكان هو رئيس الوزراء والحاكم العسكري العام ووزير الداخلية للأمن العام , وكان الوزير المختار وزير دولة منوطا به الإشراف على الأمن العام .. وقد أثبت القضاء أن في ديان هذه الوزارة – وزارة الداخلية – وفي مكاتب إدارات الأمن العام بها قد حيكت المؤامرة الدنيئة لاغتيال المرشد العام . وربما لم يكن في وثائق تأليف وزارة عبد الهادي ما ينص على تعيين مرعي وزير دولة لشئون الأمن العام , ولكن الأحداث ومجريات الأمور هي التي وضحت مهمته هذه من بين زملائه وزراء الدولة بالحكومة , فقد جاء في شهادة الأستاذ محمد زكي على وزير الدولة بهذه الحكومة أمام المحكمة قوله :" الشيخ البنا جاءني أثناء كنت وزير دولة , وقال لى : أحب أن تلكم رئيس الوزراء فيما يتعلق بالإخوان فقلت له : أنا مش مختص وفيه وزير مختص " فسأله رئيس المحكمة : أمال مين المختص ؟ فأجاب : الأستاذ مصطفي مرعي .

ومعني أن وزير دولة بوزارة عبد الهادي هو المختص بشئون الإخوان . معني ذلك أنه هو المختص بشئون الأمن العام لأنهما في عهد هذه الوزارة كانا مترادفين .

  • • حكومة الوفد مكنت القضاء من مسخ قضية الإمام :

وقد توالت على الحكم بعد سقوط عبد الهادي وزارتان برياسة حسين سرى ثم جاءت وزارة الوفد فوجدت نفسها أمام عاملين شديدى الضغط عليها ولكنهما متعارضان ضغط شعبي جارف يطالبها بفتح باب لتحقيق من جديد في قضية اغتيال المرشد العام.. هذا من ناحية . ومن الناحية الأخرى وجود الموصوم الأول بهذه الجريمة الملك – على رأس الدولة وهو المسيطر على شئون البلاد.. وكان خروج هذه الوزارة من المأزق إرضاء لمشاعر الناس ومصانعة للملك أن أمرت النيابة باستئناف التحقيق وأوعزت إليها فأصدرت في نفس الوقت أمرا بحظر نشر أى شئ عن هذا التحقيق .. فكان أمر الحظر هذا بمثابة إفقاد هذا التحقيق قيمته فإذا كان هذا التحقيق قد أتاح لبعض الشهود البرءاء من كل غرض كالأستاذ الليثي أن يقول الحقائق ويزوروا الوقائع بالطريقة التي تحقق أغراضها وتطمس المعالم بحيث يهيئ للمجرمين فرص الإفلات ويلقي بظلال الجريمة على البرءاء ..كان أمر الحظر الذي أصدرته النيابة حماية لهؤلاء المزيفين فقد كانوا في مأمن من أن يفتضح زيفهم فأني للناس أن يكشفوا هذا الزيف ما دام محجوبا عنهم ؟!

ولكن عاملا جديدا لم يكن بحسبان رجال الحكم قد طرأ على الموقف ذلك أن القضايا التي لفقها المستولون في عهد عبد الهادي ضد بعض الإخوان قد حل ميعاد نظرها أمام القضاء العادي – بعد أن زالت الأحكام العرفية وقد طالبت هيئات الدفاع في هذه أمام القضاء العادي – بعد أن زالت الحكام العرفية وقد طالبت هيئات الدفاع في هذه القضايا بضم ملف التحقيقات التي أجريت في قضية اغتيال المرشد العام . وأمرت إحدي هذه المحاكم بضم هذا الملف مع طبعه وتوزيعه على أفراد هيئة الدفاع وعن هذا الطريق افتضح السر الذي كان المتسترون على الجريمة يريدون أن يظل دفينا .

ونحب بهذه المناسبة أن نلفت النظر إلى أن التحقيق في هذه القضية قد تم على ثلاث مراحل :

المرحلة الأولي : في عهد وزارة عبد الهادي وحين كان محمود منصور نائبا عاما وقد طوى التحقيق بعد أيام قلائل حيث لم يجرؤ أحد – أمام الإرهاب الحكومي – على التقدم للشهادة . وقيد الحادث جناية ضد مجهول .

المرحلة الثانية : في عهد وزار الوفد وقد تم التحقيق بالطريقة التي ذكرتها آنفا وقد استحق أن يقال عنه إنه كان تحقيقا يجرى على استحياء فقد تستر صانعو الجريمة وراء قرار النيابة بحظر النشر وراحوا يختلقون قصصا كلها تزوير وكذب وافتراء .

المرحلة الثالثة: بعد أن قامت الثورة وطرد الملك فاروق . وقد تم التحقيق فيها ولكن طول المدة التي مرت بين ارتكاب الجريمة وبدء التحقيق في هذه المرحلة لم يتمكن التحقيق معها أن يصل إلى أغوار القضية وأن كان كشف الكثير من ظروفها .. وهو التحقيق المعول عليه والذي ننقل عنه في بحثنا هذا من أقوال وشهادات .

  • • ادعاءات للأستاذ مرعي داحضة ومريبة :

وقبل أن نورد من أقوال الشهود وأقوال الأستاذ مرعي نفسه ما يلقي ضوءا على حقيقة دوره نوجز في النقاط التالية بعض ادعاءاته التي ادعاها وتبين مخالفتها للحقيقة :

1- ادعي أمام المحقق وأمام المحكمة أنه لم يكن له سابق معرفة بالمرشد العام إلا ما كان ينشر عن نشاطه ... وثابت ثبوتا قطعيا أن شقيقة المرحوم الأستاذ أمين مرعي المحامي بالإسكندرية كان رئيسا للإخوان بها في فترة خلال الأربعينيات ,وأنه رحمه الله – دعا المرشد العام لزيارة موطن أسرتهم وهي قرية من أعمال مركز فوه في البر المقابل لرشيد من النيل وكان والدهما رحمه الله عمدة هذه القرية وقد حضر هذا الحفل جميع آل مرعي كما حضره عدد كبير من إخوان رشيد .

فهل مثل مصطفي مرعي شقيق المرحوم أمين مرعي يجوز له أن يدعي أنه لا يعرف المرشد العام ولا يعرف عنه إلا ما يقرأه في الصحف ؟... نعم إن شقيقه قد فصل من منصبه في الإخوان بعد ذلك , ولكن ليس معني هذا أن الفصل من منصب يمحو حقائق التاريخ .

2- ادعي أمام المحققين أن الأستاذ المرشد هو الذي رغب في مقابلته فوسط اللواء صالح حرب في ذلك ..وقد كذبه في ذلك الادعاء الأستاذ محمد الليثي كما كذبه اللواء صالح حرب نفسه إذ قرر أن الأستاذ مرعي هو الذي رجاه أن يهيئ له مقابلة المرشد العام في بيته وقد تمت المقابلة فعلا في بيت اللواء وتكررت وكل مرة كانت تتم بناء على طلب الأستاذ مرعي .

3- ادعي أمام المحكمة أنه لم يأخذ من المرشد العام بيانا عنوانه " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " ثم ادعي أنه لا يعرف شيئا عن هذا البيان ولم يسمع عنه .. وقد كذبه في ذلك الأستاذ محمد الليثي واللواء صالح حرب .

4- لما أنكر أنه لم يسمع عن هذا البيان قالت له المحكمة إنه نشر في الصحف فادعي أنه لا يقرأ الصحف .. ولعل القارئ يري معي أن هذا ادعاء لا يستحق صاحبه حتى أن يكذب ( بتشديد الذال المفتوحة )

5- ادعي أمام المحكمة أنه إنما كان مجرد وزير دولة في وزارة عبد الهادي لا يعرف شيئا عن أعمال الوزارة وقد كذبه في ذلك الأستاذ الليثي بعبارات صدرت منه تفيد أنه كان الوزير المسئول عن الأمن العام وبشهادة زميله الأستاذ محمد زكي على بأنه كان مختصا بشئون الإخوان . • أضواء كاشفة على دور مرعي من شهادة الشهود ومن شهادته نفسه :

والآن نود من أقوال الشهود ومن أقوال الأستاذ رعي نفسه ما يؤيد ما جاء في هذه البنود الخمسة :

• من شهادة الأستاذ عبد الكريم منصور :

"إن المرشد رغب في السفر إلى مكان آخر غير القاهرة ولكن الحكومة عملت على إبقائه فيها ليسهل اغتياله , واتخذت مصطفي مرعي كأداة صيد فقد أخذه مرعي بأساليب ملتوية ممقوتة للعمل على إبقائه في القاهرة موهما إياه بأن الحكومة ستلغي أمر الحل وتعيد الأمر إلى ما كان عليه معهم .

فسألته المحكمة : يعني إيه الطرق الملتوية؟

فأجاب : كان يوهمه بأنهم جادون في إعادة الإخوان ويقول له : بس لو سمحت تكتب بيانا صغيرا لإظهار حسن نية الإخوان وكان يملي عليه بعض الألفاظ ويعارض فيها الشهيد , وكان يحاول إقناعه بمختلف الأساليب لكتابة هذا البيان . وبمجرد ما كتب أخذه مرعي وأعطاه لرئيس الحكومة فعدلوا فيه وأحضره للشهيد وأقنعه بالتعديل ووقعه الشهيد . ثم أخذوه وأعطوه لقاتل النقراشي وقالوا له : شوف الشيخ حسن البنا بيقول إيه حتى يزلزلوا عقيدته .ثم قال : ودليل خبث سريرة مصطفي مرعي وسوء نيته أنه كان غير كريم في موقفه فقد افترى على الشهيد أقوالا لم تحدث إطلاقا ذكرها في التحقيقات ( في المرحلة الثانية ) والشهود الذين استشهد بهم مصطفي مرعي مثل صالح حرب كذبوه في أقواله .. مما يدل على أن هناك مسألة مبيتة وأن الأمور لم يكن المقصود منها مفاوضات"

• ومن شهادة الأستاذ محمد الليثي :

" بناء على تكلف اللواء صالح حرب لى اتصلت تليفونيا في أوائل الأمر قبل محاولة نسف المحكمة – بالرموز المتفق عليها – بالأستاذ البنا وقلت له إن الباشا ( صالح حرب باشا ) يطلبك فحضر وقابل صالح باشا الذي أفهمه أن مصطفي مرعي اتصل به ويريد مقابلته في منزل اللواء الساعة الخامسة مساء .. فلما تم هذا الاجتماع علمت أن مرعي طلب من الشيخ البنا إصدار بيان يستنكر فيه قتل النقراشي , ووافق الشيخ بشرط أن تقف حركة الاعتقالات . فردت الحكومة البيان طالبة منه التبرؤ من الإخوان ..وأخيرا صدر البيان لكن الحكومة اعتبرته ناقصا لا يفي بالغرض المطلوب ..وبعد وقوع حادث محاولة نسف المحكمة تكررت اتصالات مصطفي مرعي باللواء صالح حرب للتفاهم على الأوضاع وأمر المعتقلين .. وتبرم الشيخ من هذه الاتصالات غير المجدية ورفض مقابلة مرعي خصوصا بعد حادث المحكمة ..واقترح مرعي أن يقابله في منزله ... وأخيرا اجتمع به واصدر الأستاذ البنا لمرعي بيان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " ورغم ذلك كله زادت حركة الاعتقالات ..وتضايق الشيخ من مرعي لأنه أحس بأنه يكلمه بلهجة الأمر لموظف لديه وشعر الشيخ بأن الأمور تزداد سوءا "

• ومن مقال للأستاذ الليثي بجريدة الأهرام :

وقد نشر بتاريخ 3/11/1950 قال الأستاذ الليثي :

"وقد لعب سعادة مرعيبك في قضية الإخوان دورا خطيرا اكتنفه الغموض التام على الرغم من أنه لم يكن له أى اتصال سابق بالإخوان إلا ما عرف من أنه شفيق الأستاذ أمين مرعي رئيس جمعية الإخوان بالإسكندرية والذي أصدر فضيلة الأستاذ البنا قرار بفصله من رياسته لهذه الجمعية في عام 1947.

ولقد ترتبت على اتصالات مرعي بك بالأستاذ البنا نتائج خطيرة مما جعل الأمور تسير من شئ إلى أسوأ ..ونقل إلى الأستاذ البنا أن مرعي ينقل عنه أقوالا لم ترد على لسانه ما زاد موقف الإخوان سوءا على سوء وقد أيد ذلك ما جاء على لسان مرعي في أثناء تحقيق قضية مصرع الشيخ البنا إذ قال مرعي في ذلك التحقيق أقوالا يمنع حظر النشر في هذه القضية من أذاعتها هنا ( نشر هذا المقال في الوقت الذي كان لا يزال ساريا حظر النشر لما

يدور في أثناء التحقيق ) ولكنها تسئ بغير شك إلى ذكري الأستاذ البنا , وتهدف إلى إهدار دمه فقد أراد أن يدخل في روع المحقق أن الإخوان هم الذين قتلوا الأستاذ البنا "

• ومن مقال آخر للأستاذ الليثي:

وقد نشر هذا المقال أيضا في جريدة الأهرام في 7 / 11/1950 ولكنه تميز بتفصيل ومعالجة أمور خطيرة بالغة الأهمية جاء فيه ما يلي :

" وبعد أن وقع حادث محاولة نسف محكمة الاستئناف المؤسف والذي كان له أسوأ الأثر في نفس فضيلة لمرشد طلب مرعي من فضيلته أن يصدر بيانا آخر لنشره بالصحف يقول فيه بصراحة ( إنه يعتبر أى حادث من هذه الحوادث يقع من أى فرد سبق له الاتصال بجماعة الإخوان موجها إلى شخصه ولا يسعه – أى الأستاذ البنا – إلا أن يقدم بنفسه للقصاص, أو يطلب إلى جهات الاختصاص تجريده من جنسيته المصرية التي لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء )

ولقد أوجد حادث محاولة نسف المحكمة جوا صالحا مكن مرعي من الوصول إلى ما يريد من بيانات يود الحصول عليها ..وقد صدر البيان موقعا عليه من فضيلته بعنوان " ليسو إخوانا وليسوا مسلمين "

البيان لا ينشر في موعده

وتسلمت الحكومة البيان , ولكنها بدلا من أن تنشره في اليوم التالي لحادث نسف المحكمة نشرته في اليوم التالي لحادث اغتيال الشيخ البنا ... ثم قدمته لجهات التحقيق زاعمة أن الإخوان المسلمين هم الذين قتلوا شيخهم لإصداره هذا البيان .

ولعل هناك حكمة لا يعلمها إلا علام الغيوب ثم مرعي بك في أن يظل هذا البيان حبيسا شهرا كاملا , وألا يفرج عنه إلا لكي تنشره إحدي الصحف ( الأساس" صحيفة السعديين) بالزنكوغراف تحت عنوان " النار بدأت تأكل بعضها – الإرهابيون ينقلبون على شخيهم ".

خطاب مفتري بشأن تسليم الأسلحة

ونشرت هذه الصحيفة أيضا قصة خطاب آخر قالت أن فضيلته أرسله قبل مصرعه بيومن إلى الحكومة وأعلن فيه استعداده لتسليم محطة الإذاعة السرية التي تتحدث باسم الجماعة واستعداده لتسليم الذخائر والأسلحة الباقية لدى بعض إخوانه ولم تقع تحت يد البوليس حتى الآن .

وإني لأعلن هنا أن قصة هذا الخطاب غير صحيحة وأؤكد أن فضيلته لم يرسل مثل هذا الخطاب وأنه قد صرح لى بأنه أبان لمن تحدثوا إليه من ممثلي الحكومة في هذا الشأن بأنه لا يعلم شيئا مطلقا عما يسمى أسلحة وذخائر أو محطة سرية

لماذا لم ينشر الخطاب المزعوم ؟

وكان من الطبيعي أن تهتم الصحيفة لمشار إليها بنشر صورة زنكو غرافية للخطاب الذي ادعت فيه أن فضيلته أبدي استعداده لتسليم الأسلحة ومحطة الإذاعة إن كان لهذا الخطاب وجود – ولكنها لم تفعل .

وإذا كان فضليته قد أرسل هذا الخطاب فما الذي كان يدعو رئيس الحكومة في ذلك الوقت إلى أن يرسل في يوم 12 فبراير – وهو يوم مصرع فضيلته – مندوبا من قبله ليتباحث مع الشيخ في مسألة ضرورة تسليم الأسلحة والذخائر والمحطة ؟

تهديد الشبان المسلمين

ويقول الأستاذ الليثي : عقب صدور قرار الحل ذهب اللواء صالح حرب وعبد القادر بك مختار والدكتور يحيي الدرديرى إلى الأستاذ البنا في منزله وقالوا له : اعتبر دار الشبان هي دار الإخوان , وفي اليوم التالي حضر الأستاذ البنا إلى دار الشبان . فلما علمت الحكومة بذلك اتصلوا بصالح حرب وقالوا له : إن هذا تحد لأمر الحل . وإذا لم تمنعوه من دخول لدار فسنطبق عليكم بنود هذا الأمر فأصر صالح حرب وقال لى : أخل حجرة مكتبك للأستاذ البنا ولكن حاول ألا يجتمع معه في المكتب أكث من ثلاثة أشخاص حتى لا يجتمع أكثر من خمسة فيطبق عليه قرار الحل وقال لى : لا تدع الأستاذ البنا يعلم بشئ مما دار بيننا وبين الحكومة بشأنه ..وقد اشترك الأستاذ البنا في لجمعية ودفع اشتراك خمس سنوات ماضية حيث إنه من مؤسسي الجمعية ( انتهي مقال الليثي ) .

  • • ومن شهادة الأستاذ مصطفي مرعي أمام المحكمة :

وكان الأستاذ مرعي قد بدا شهادته بقوله " كنت في وزارة عبد الهادي وزير دولة فقط وعلى هذا لم يكن لى علم بنشاط الحكومة بخصوص القبض على الإخوان أو غيرهم لأن هذا هو شأن وزارة الداخلية وحدها – وفي الأسبوع الأول من وزارة عبد الهادي اتصل بي السيد صالح حرب وافهمني أن الشيخ البنا يطلب أن يجتمع بي فقلت له لماذا ؟ قال : لأشياء يريد أن يصارحك بها حين يلقاك. فأنا لم أعرف عن الشيخ البنا إلا ما أسمعه عن نشاطه , ولم أكن أعرفه شخصيا ومع ذلك استجبت لطلب صالح حرب . ثم أنهي الأستاذ مرعي شهادته بأن أدعي أن الأستاذ البنا هو الذي طلب من تلقاء نفسه أن يكتب بيانا ... وجاء ي مناقشة الدفاع له : ألم تقرأ جريدة المصري بعد حادث الشيخ البنا ؟

مرعي – لا أذكر .

الدفاع – إزاى دى أكبر جريدة .. أولا تذكر واقعة مصادرتها ؟

مرعي : لا .. إنما أذكر أن جماعة من نقابة الصحفيين شكوا إلى من شدة الرقابة .

المحكمة – ماذا تعرف عن البيان الثاني الذي أذاعه المرشد بعنوان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين ؟

مرعي – لا أعرف عنه شيئا .

المحكمة – ألم تنشر الصحف هذا البيان بعد مقتل البنا ؟

مرعي – أنا مش غاوي قراءة جرايد ولا أعرف إلا البيان الأول .

المحكمة – دا البيان نشر في جريدة " الأساس " بالذات .

مرعي – هو أنا غاوي " أساس " أنا لم أقرأ " الأساس " في حياتي إلا مرتين وأنا مندهش كيف يسمح لهذا الإنسان المدعو الليثي بنقل التحقيق حرفيا ونشره في الجرايد في حين أن التحقيق كان سريا .

( وهنا وقف الأستاذ الليثي وطلب من المحكمة السماح له بتوضيح هذه النقطة فرفضت المحكمة).

مرعي – أقول لكم كيف تمكنت من نشر مقالي في " الأهرام " ردا على أكاذيب الليثي .. اتصلت بالأستاذ زكي عبد القادر فرحب بنشر المقال . وفي الساعة الواحدة والنصف بعد نصف الليل اتصل بي زكي عبد القادر وأخبرني أن الرقيب منع المقال بأمر سراج الدين . فاتصلت سراج الدين فقال لى : النشر محظور في قضية الشيخ البنا فسألته كيف يكون محظورا على ومباحا لليثي ؟ فقال / ما هو شأنك . فقلت له : ما هش عيب ؟ ..وذرته بخدماتي في أيامه السود.. وتمكنت من استدرار عطفه فوافق على النشر وأدلي بنفسه بحديث " للأهرام " بأني كنت من أشد المتحمسين للإفراج عن الإخوان . عضوا اليسار – إيه صلة الموضوع ده بالشهادة ؟

مرعي – أنا بأقول إني نجحت في إثارة النخوة في سراج الدين , ومضي يقول : إنه مما ساعد على إثارة الغبار حول أحد أولياء الدم اسمه عبد الكريم منصور وهو كان موظف حكومة فرفع دعوى تعويض والمحكمة قررت ضم ملف الموظف .وأنا كنت في إدارة قضايا الحكومة في ذلك الوقت فغاب الدوسيه وأجلت القضية وفوجئت بعبد الكريم منصور يرفع على دعوي لأني ساهمت بفعلي في الضرر الواقع عليه.

المحكمة – هل كنت في الوزارة عند مقتل البنا ؟

مرعي- نعم

المحكمة – ألم تصل لكم معلومات بخصوص السيارة التي استعملت في مقتل البنا ؟

مرعي – لا شأن لى بذلك . وأنا قدمت استقالتي ثلاث مرات من وزارة عبد الهادي

المحكمة – لهذه الأسباب ؟

مرعي – لا... لخلاف بيني وبينهم وعلشان كده كده كنت بعيد عن هذه المعلومات .

المحكمة – يبدو غريبا أنك اطلعت على بيان الليثي سنة 1950 ولم تطلع على الصحف التي كتبت بعد مقتل الشيخ البنا.

مرعي – أبدا ... أبدا لأن هذا البيان كان يهمني وله ظروف خاصة

المحكمة – ألم تذكر يوم قتل الشيخ البنا؟

مرعي – ما أعرفش.

( وهنا طلبت المحكمة الأستاذ الليثي ليقول ما عنده فقال )

إن البيانات التي نشرتها في جريدة الأهرام كان الغرض منها الوصول إلى معرفة الحقيقة في قضية الشيخ حسن البنا ..ونظرا لأني كنت قد قابلت الأستاذ فؤاد سراج الدين قبل توليه الوزارة ووعدني في هذه المقابلة بإثارة قضية الشهيد حسن البنا عند عودة الوفد إلى الحكم , فانتهزت فرصة تولي الوفد الحكم وكان الأستاذ فتحي رضوان نشر في ذاك الوقت بيانا أشاد فيه بموقف الأستاذ مصطفي مرعي من الإخوان والمعتقلين ..ونظرا لأني أعرف حقيقة موقف مصطفي مرعي من الإخوان والمعتقلين من الأستاذ البنا فضلا عما جاء على لسان الأستاذ مرعي نفسه في تحقيقات قضية الشهيد من أنه قال للأستاذ البنا بأنني بحثت حالة جميع المعتقلين فوجدت أن اعتقالهم له ما يبره.... كل هذه الأمور هي التي دفعتني إلى الكتابة في موضوع القضية ولم يكن الأستاذ مرعي هو المقصود بل إنه جاء في الطريق لأنه له دور في القضية.

ولقد طلبت صراحة في بياناتي التي يدعي الشاهد بأنني نشرتها بناء على إيحاء من الحكومة الوفدية من الأستاذ فؤاد سراج الدين وزير الداخلية أن يفي بوعده ويثير القضية خاصة وأن مرتكبيها من رجال وزارة الداخلية التي يتولاها . وقد نشر الأستاذ مرعي بيانا ضدي في الأهرام ولما طلبت من الجريدة أن تنشر ردى عليه أبلغتني بأن وزير الداخلية أمر بعدم نشر أى بيان لك ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الوزير نشر بيانا باسمه أشاد فيه بموقف الأستاذ مرعي من المعتقلين .

وإني أطمئنك ( الكلام موجه إلى مرعي ) وأقول لك بأن محكمة الجنايات التي تنتظر قضية الاعتداء على حامد جودة قررت ضم أوراق قضية الشيخ البنا استابة لطلب الدفاع , ووزعت ملفات هذه القضية على أكثر عن عشرين محاميا ,, وكان بينهم الأستاذ طاهر الخشاب عضو مكتب الإرشاد بالإخوان المسلمين فأطلعني على أقوالك التي سجلتها على نفسك في التحقيق . فنشرتها لتأييد أقوالي التي نشرتها عنك..وأظن أن ذلك يبين لك أنني كنت أستقي معلوماتي من الإخوان وليس من الوفد كما كنت تتخيل .

  • • شهادة أحد الرقباء على الصحف في أيام عبد الهادي :

وقد يكون مناسبا قبل أن أختم الحديث عن موقف الشخصية التي نعالج الحديث عن موقفها أن نثبت هنا شهادة للأستاذ بكر درويش الذي كان رقيبا في عهد وزارة عبد الهادي.وقد أدلي بها أمام المحكمة بعد أن أنكر الأستاذ مرعي بطريقة مثيرة علمه بهذا البيان بيان "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " وقد وصل به التنصل من هذا البيان إلى حد قوله إنه لا يقرأ الجرائد...

المحكمة – ما هي معلوماتك عن الحادث ؟

الشاهد – الذي أعرفه قد يكون متصلا بسر العمل ولكن العدالة...

المحكمة – العدالة لازم تأخذ مجراها .

الشاهد – أثير اليوم موضوع البيان الذي كتبه المرحوم الشيخ حسن البنا , ونشر بعد وفاته,,....

المحكمة – بيان ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين"؟

الشاهد – أيوه ... وأنا كنت في ذلك الوقت رقيبا بمراقبة النشر بوزارة الداخلية وكنت أقوم بمراقبة جريدة" صوت الأمة" وبعد الحادث بيون أو يومين على ما أذكر طلب منا إعطاء البيان للصحف لنشره على أساس أن يلقي في الأذهان أن لحادث كان مرجعه إلى تذمر بعض الإخوان المسلمين تذمرا أدى إلى ارتكابهم الحادث .

المحكمة – هل طلب منك الإيحاء بهذا لجريدة " صوت الأمة؟

الشاهد – الذي أذكره أنه طلب منا هذا .

المحكمة – من كان الرقيب العام ؟

الشاهد – كان الأستاذ عبد الرحمن عمار , وكان مدير الرقابة هو الأستاذ توفيق صليب .

المحكمة – وممن كنتم تتلقون التعليمات؟

الشاهد – كان اتصالنا بمدير الرقابة .وكان هو يتلقي التعليمات من الجهات التي يتلقي منها . ولكن كان اتصال الرقباء بمدير الرقابة دائما .

المحكمة – وهل أوصيت أنت إلى " صوت الأمة" بذك؟

الشاهد- الذي أذكره أنني نفذت التعليمات وأذكر أني أعطيت البيان للجريدة ونشرته ولكني أظن أنها لم تنشر تعليقا عليه .

و. جريدة " المصري".

من حق هذه الجريدة – وننحن بصدد ما نعالج من قضية – أن تذكر وأن يشاد بذكرها... ومع أن هذه الجريدة كانت جريدة حزبية فإنها كانت طيلة حياتها الصحفية وتتلمس طريق الحق وتنتهجه لنفسها طريقا حتى مع حزبها الذي تنتسب إليه وتنطق بإسمه ... رأيناها في مواقف هامة نشغب عليه وتف في وجهه تريد أن تسدده لأنها ترى الحق في غير موقفه . ولا زلنا حتى اليوم نذكر بالدهشة والإعجاب المقالات الضافية الصارخة التي دبجها يراع الأستاذ أحمد أبو الفتح على صفحات جريدته الأيام تلو الأيام رافعا لواء العصيان حين أعلنت حكومة الوفد في عام 1950 عزمها علي إصدار تشريع يقيد حرية الصحافة ..وظل الأستاذ أحمد أبو الفتح يوالي مقالاته النارية حتى أحبط المشروع.

ولقد كانت هذه الجريدة تكن نحو الإخوان عاطفة من الود – لا سيما بعد أن برزت دعوة الإخوان في أفق الحياة المصرية , فكانت تنتهز الفرص السانحة للتعبير عن هذه العاطفة بنشر منجزات الإخوان في مختلف المناسبات والتنويه بها ... كما أنها كانت تمتنع عن أن يسطر على صفحاتها ما يعد نيلا من الإخوان إذا ما اقتضت الشهوة الحزبية ذلك..

ولو لم تخاطر هذه الجريدة ويغش مندوبها ميدان المعركة الخبيثة التي وقعت أمام باب جمعية الشبان المسلمين في الليلة السوداء ويلتقط رقم السيارة ممن رآها .. ولولا مسارعة هذه الجريدة إلى طبع كمية من هذا العدد الذي به رقم السيارة وتسريب بعضها قبل أن تنتبه الرقابة .. لو لم تقدم هذه الجريدة على هذه المخاطرة لاستطاع المجرمون أن يطمسوا معالم الجريمة إلى الآبد .

  • • شهادة مدير ومحرر " للمصري " أمام المحكمة :

ونورد بهذه المناسبة الشهادة التي أدلي بها إلى المحكمة الأستاذان محيي الدين فكرى المحرر " بالمصري " ومرسي الشافعي مدير تحريرها :

قال الأول: كنا موجودين في " المصري " الساعة الثامنة مساء فبلغنا الحادث , فنزلت وأخذت معي المصور. فوجدنا عربة الإسعاف ووراءها سيارة بوليس – ووصلنا الجمعية وجمعنا معلومات . وبعد خمس دقائق أخرجنا البوليس ثم عرفنا نمرة السيارة التي هرب بها الجناة من كونستابلين لابسين ملكي وقالا إنهما أخذا النمرة من الأستاذ الليثي , مع أننا لم نكن نعرف الليثي في ذلك الوقت..

وقال الأستاذ الشافعي : كان فيه رقابة على المصحف فأفهمت الرقيب المعلومات التي عندي ... فاتصل برؤسائه وكان البوليس مهتم ليلتها " بالمصري " على غير العادة وبينزلوا المطبعة , وكنا ابتدينا نطبع العدد وفيه صورة للشيخ حسن البنا ورقم السيارة وبعدين صودر العدد وتسرب منه بعض النسخ وحصل معنا تحقيق بعد ذلك.

الرئيس – ما تعرفش اللي تسربت قد إيه ؟

الشاهد – حوالي ستة آلاف نسخة .. مش متأكد

الرئيس- والنسخ الثانية صدرت من غير النمرة ؟

الشاهد –أيوه ... نفذنا تعليمات البوليس فشيلنا النمرة والصورة لأنها تثير الشعور.

الرئيس – طيب وما عرفتش ليه منع نشر الرقم بتاع السيارة ؟.... عرفنا أن الصورة انشالت علشان تثير الشعور ... طيب والنمرة ؟

الشاهد – في الوقت ده ماكانش يمكننا مناقشة الرقيب ...وإحنا فوجئنا بالبوليس داخل الجريدة ( انتهت الشهادة)..

أقول : ثم تابعت " المصري " بالرغم من وجود الأحكام العرفية جهودها في نفس الاتجاه .. وقد طالع القارئ في فصل سابق من هذا الجزء من الكتاب حديث الأستاذ المرشد العام الذي كتبه مفندا أسانيد مذكرة الحل وقد نقلناها عن " المصري " وسيقرأ القارئ حديثا آخر بعد قليل إن شاء الله نقلناه أيضا عن " المصري "

فلما زالت الغمة عن البلاد بسقوط عبد الهادي : أخذت " المصري " تدعو إلى رفع الأحكام العرفية .. حتى إذا خفت وطأتها – أى وطأة الأحكام العرفية – وقفت بجانب الإخوان في موضوع بالغ الأهمية يتصل بهذه الأحكام وبكيان الإخوان بعد رفعها مما نفرد له فصلا خاصا إن شاء الله تعالي .

وقد تابعت قضايا الإخوان منذ عرضت على القضاء فكانت حريصة على نشر ما يجرى خلالها مبررة ما يتصل من مناقشاتها بالتعذيب وانتزاع الاعترافات بالإرهاب أو بالإغراء .

• " المصري " تحاول كشف دور مرعي :

• وكان مما حرصت " المصري" على التنبيه إليه وإماطة اللثام عنه الدور الخطير الذي مثله الوزير مصطفي مرعي الذي كان موضع سر عبد الهادي فيما يتصل بما تم في أيامه من إجرام ..وقد بدأت " المصري " في ذلك في 28 أكتوبر 1950 بجعلها "كلمة المصري " في ذلك اليوم بعنوان " الإخوان المسلمون " وكتبت تحته ما يلي :

" كان الإخوان المسلمون أصحاب صيحة دينية عالية استطاعوا بها أن يشغلوا الأذهان فترة غير قصيرة وأن ينقذوا كثيرا من الشباب من براثن الفراغ المثيت ومن ممارسة حياة اجتماعية فاسدة قد تدفع إليها ضرورات شباب متعطل .

ولا ينكر منكر أنهم استطاعوا – على هدى من إيمانهم – أن يكونوا أولي الطلائع المصرية بل والعربية جمعاء في الذهاب إلى أرض فلسطين عن طواعية لإحدى الحسنيين .. استخلاص فلسطين أو الاستشهاد في سبيل استخلاصها من أيدي الصهيونيين ...وأنهت " المصري " كلمتها بالمطالبة بإعادة حقوقهم إليهم .

وفي 2 نوفمبر كتبت عنوان :" مصطفي مرعي بك وعد الإخوان المسلمين بالدفاع عنهم ثم أعد مذكرة كانت سبب تشريدهم " قالت :" كان مصطفي مرعي بك في وزارة النقراشي باشا رئيسا لأقلام قضايا الحكومة , واتصل به المرشد العام فتظاهر بأنه معارض للإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضد الإخوان , ووعد بإعداد مذكرة في ذلك ... فتبين أنه حتى بعد أن صار وزيرا في وزارة عبد الهادي كتب مذكرة معاكسة لذلك .ولما صار وزيرا في وزارة حسين سري باشا كان هو معارضا في الإفراج عن المعتقلين ثم صار وزيرا في وزارة حسين سري باشا كان هو معارضا في الإفراج عن المعتقلين ثم أوردت حديثا لزميل له في الوزارة هو عبد العزيز الصوفاني بك يقرر هذا المعني بالنسبة له وبأنه كان معارضا حتى في رفع الأحكام العرفية ".

ثم نشرت " المصري " ردا من مصطفي مرعي تحت عنون " مصطفي مرعي يقول : لم أهاجم الإخوان المسلمين ولم أكن ضدهم – كنت لهم السفير الداعي إلى الهوادة والرفق والمطالب بحريتهم " وفي رده هذا حاول أن ينفي عن نفسه ما نشر عنه من موقف معاد للإخوان .

ولكن " المصري" نشرت في نفس الصفحة ردا على رده تحت عنوان " كيف أصدر الشهيد حسن البنا " " بيان للناس " منع تلاوة القرآن الكريم عند دفن المرشد العام "وقالت : هذا هو رد مصطفي مرعي بك على ما نشرناه بالأمس . وكنا نود أن يتضمن هذا الرد إجابة أو إيضاحا على ما آثاره عبد العزيز الصوفاني بك عن موقف سعادته من الأحكام العرفية ومن جمعية الإخوان المسلمين .. ولا شك في أن الصوفاني بك عندما تكلم في هذه المسائل إنما كان يتكلم عن معرفة حقيقية بحكم زمالته لمرعي بك في وزارة عبد الهادي ".

ثم نشرت بعد ذلك تحت عنوان " معلومات الأستاذ الليثي " ما يلي جاءنا من الأستاذ محمد الليثي رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين ,والذي أتيح له أن يرافق الشيخ حسن البنا في أيامه الأخيرة منذ حلت جمعية الإخوان حتى يوم مصرعه .وقد اطلع بحكم هذا الاتصال على جميع ما دار في الاتصالات التي تمت بين المغفور له الشيخ حسن البنا والمسئولين في ذلك الوقت ومن بينهم مصطفي مرعي بك – يقول الأستاذ الليثي عن رأيه في حقيقة موقف مصطفي مرعي من الإخوان المسلمين والشيخ حسن البنا عندما كان وزيرا للدولة في وزارة عبد الهادي :

رغبة مرعي بنفسه

" أحب أن أؤكد أن اتصال مرعي بك بالشيخ حسن البنا لم يتم بناعلى رغبة من الشيخ حسن البنا , بل تم هذا الاتصال بناء على رغبة من مرعي بك وكان في اتصاله هذا ممثلا للحكومة ومتكلما بإسمها , ولذا وسط سعادة صالح حرب باشا الرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمين ليساعده على الاجتماع بالشيخ البنا .

وكان مفهوما في أول الأمر أن مرعي بك بوصفه وزير الدولة المشرف على شئون الأمن في ذاك الوقت – كما ذكر هو بنفسه – إنما أراد الاتصال بالشيخ البنا ليتفاهم معه على إنهاء حالة التوتر التي كانت قائمة بين الإخوان والحكومة ...ولكن اتضح بعد ذلك من المناقشات التي دارت في اجتماعاتهما أن غرض سعادته كان ينحصر في الرغبة في الحصول على بيان من الشيخ يستنكر فيه مقتل النقراشي ويندد بحركة الإرهاب ومرتكبيها .

ولكي يحصل على هذا البيان بسط وعودا طمأنت الشيخ البنا إذ صرح له بأنه وهو الوزير المسئول سيوقف بمجرد إصدار البيان حركة الاعتقال والتنكيل بالإخوان بل ذهب إلى أبعد من هذا ووعد بأنه سيبحث من جديد مع إبراهيم عبد الهادي مسألة الأمر العسكري الصادر بحل الجمعية وسيعمل أيضا على الإفراج عن المعتقلين على دفعات. وطلب من الشيخ البنا كشفا بمن يرى الإسراع في الإفراج عنهم لظروفهم الخاصة .

ولما كان الشيخ موافقا من ناحية المبدأ على إصدار البيان إذ أنه رحمه الله كان لا يقر الحركات العنيفة ,علاوة على أن الوعود التي تقدم بها مرعي بك كانت ستؤدي كما فهم الشيخ إلى الكف عن حركات الاعتقال بل والإفراج عن المعتقلين فإنه أقر فكرة إصدار بيان رغم ما جاء في بعض فقراته من نصوص لم تكن ترضيه وصدر البيان بعد ثلاثة اجتماعات متوالية عقدت بمنزل صالح حرب باشا ونشر تحت عنوان " بيان للناس " وما أن صدر البيان حتى تعذر على الشيخ البنا مقابلة مرعي بك الذي كان يعتذر دائما عن المقابلة بانشغاله في العمل . المعتقلون

أما عن المعتقلين الذين وعد سعادته بالإفراج عنهم فقد نقلوا من معسكر هاكسيتب بالقاهرة إلى معتقل الطور .. وكانت أول دفعة تصل إلى الطور تضم – بين من رحلوا فيها – جميع من طلب الشيخ الإفراج عنهم لظروفهم الخاصة ..وفتح معتقل الهاكستيب لاستقبال معتقلين جدد.

كيف دخل الجثمان منزله ؟

وأين كان سعادته عندما أدخل جثمان الشيخ البنا منزله وسط مظاهرة مسلحة من رجال البوليس شاهرة المسدسات والبنادق في وجه سيدات أسرته العزل من كل سلاح... وأرغمت السيدات على حمل الجثمان إلى النعش , ولم يسمح لواحد من رجال هذه الأسرة بالاقتراب من الجثة .. حتى القرآن حرمت عليهم تلاوته كما حرم على أسرته وأقاربه زيارة قبره , بل اعتقل بعض محبيه ممن زاروا قبره ...

وأين كان سعادته يوم كانت الحرية تهدد بهذا الشكل الخطير ؟ وما له ينسي كل هذا ويتقدم اليوم الصفوف محاولا أن يظهر بمظهر المدافع عن الحرية ؟ ( انتهي )

هذا .. ولعل القارئ قد لاحظ أننا في تناولنا تجلية موقف جريدة المصري في قضيتنا قد جاءت هذه التجلية في معظمها امتدادا لتجلية موقف الوزير مصطفي مرعي ...

وأرجو بعد هذه العجالة الخاطفة أن أكون قد وفقت إلى جمع شتات ما تناثر هنا وهناك من " فتافيت " هذه الصورة التي أراد صاحبها أن يمزقها عن قصد إلى " فتافيت " صغيرة ويرسلها مع الرياح في كل جانب حتى لا يقوى أحد على جمعها فتظل بذلك صورته الحقيقية مجهولة المعالم ليظهر هو بالصورة التي تروقه مما يناسب كل وقت , ويتلاءم مع كل مقام .. وإني لأدع للقارئ بعد ذلك أن يصدر حكمه على هذه الصورة بما يوحى به إليه ضميره .

الفصل الرابع لوذات سوار لطمتني ؟ .. من هم السعديون ؟

قد يكون فيما أسلفنا في هذه المذكرات من سرد لتاريخ القضية الوطنية وقضية فلسطين ما يكفي لدمغ حكومات السعديين بالخزي والخيانة والعار ولكن رأينا مع ذلك أن نختم هذه الفصول التي استأسدوا فيها على بنى جلدتهم من أبناء هذا الوطن بنبذة تكشف عما كان تحت جلود الأسود التي تطاولوا بها على مواطنيهم من قلوب الذئاب وأحلام العصافير .

ومن حق القارئ أن يعرف الحقائق المجردة عن الشخصيات التي لعبت في تاريخه أدوارا خطيرة لا زال الشعب يعاني من آثارها ويكتوى بنارها .. ومما يؤسي له أن الظروف السياسية لم تتح إلى اليوم أن يتصدي للكتابة عن هذه الشخصيات إلا للكتاب الذين تمرغوا فيما كان هؤلاء الحكام يعتصرونه من أقوات الشعب ليشتروا به الضمائر والأقلام.. فكان هو هؤلاء الكتاب حتى اليوم أن يحجبوا عن الشعب ما يعرفونه من آثامهم وجرائمهم .. وبات الشعب بعد ذلك مضللا تائها لا يميز بين المحسن والمسئ ويتقلب في المصائب يصطلي بنارها ويحترق في لهيبها وهو يسبح بحمد من أشعلوا منذ ثلاثين عاما فتيلها .

فكان حقا علينا أن نميط الألثمة عن الوجوه حتى تبدو على حقيقتها دون زيف أو تمويه أو تزوير .. وحين نحاول هذه المحاولة لن نلجأ إلى أسلوب القدح والقذف بجارح اللفظ فهذا ليس أسلوب المؤمنين ولكننا سننقل الحقائق المادية من سطور التاريخ المجمع عليه دون تحوير ولا تنميق ولا زيادة ولا نقصان .. ونترك الحكم بعد ذلك للقارئ وهو حينئذ على بينة من الأمر .

والتاريخ الذي ننقل عنه قد سطر ما سطر في فترتين مختلفتين : أولاهما كتب فيها ما كتب في عهد السلطة الملكية وهو عهد كان يحتضن هؤلاء السعديين ويحميهم حتى بعد أن أبعدهم عن الحكم فقد يسمح بنشر بعض أخطائهم وفضح بعض جرائمهم ولكنه مع ذلك لا يسمح بمؤاخذتهم ولا حتى بمساءلتهم لأنه يعتبرهم من جملة خدمه وقد يحتاج إليهم في يوم من الأيام والفترة الأخرى من التاريخ هي تلك التي انقشع فيها ستار الحماية الملكية عن السياسيين المحترفين عامة بزوال الطاغوت الذي كان يحتضنهم وهي مستهل أيام ثورة يوليو 1952 , وهي فترة زالت فيها الحوائل التي كانت تحول دون أخذ المجرمين بجرائمهم .

أولا – فترة ما قبل الثورة

كانت وزارة إبراهيم عبد الهادي قد سقطت وتنفس الناس الصعداء وأخذوا يتنفسون في شوق أنفاسا عميقة – بعد أن كتمت أنفاسهم ردحا طويلا – وإن كان الهواء الذي يتنفسونه ليس الهواء النقي الذي تهفو إليه نفوسهم بل هو هواء مشوب بأذي وكدر ولكنه على كل حال هواء مسموح بتنفسه يزيل بعض ما في الصدور من حرج .. بدأت بعض الأوراق المحجوبة تتكشف وبعض الألسنة تفصح وتتكلم.. وإليك بعضا مما تكشف :

  • (1) سفير يشرح كيف جنى الجهل والأنانية على قضية البلاد:

كان محمود حسن باشا سفيرا لمصر في الولايات المتحدة الأمريكية في خلال الفترة التي كان النقراشي باشا رئيسا لوزارته الثانية التي قررت عرض قضية مصر على مجلس الأمن , وقد استقال هذا السفير في عهد الوزارة نفسها بعد الانتهاء من عرض القضية على المجلس ... والآن أترك له الحديث الذي نشره " المصري " يوم 13/12/1949 وهو يعالج موضوعا سبق لنا أن عالجناه , ولكنه يعالجه بإسهاب معالجة الأخصائي المتمرس وباعتباره أحد المحاور التي كان يدور عليها الموضوع الذي يعالجه فيقول :

" إن من حق مواطني أن يطالبوني بما أعرفه في صدد قضيتنا ولكني رأيت أن الوقت لم يكن مناسبا وقتئذ لتلبيتهم لأن الجمهور عند عودتي لم يكن قد هدأ من أثر الصدمة التي أصابته بسبب فشلنا في مجلس الأمن حتى جاءت حوادث فلسطين ومأساتها في جمعية الأمم المتحدة واندفاعها بسببها إلى حرب أكدت الحكومة – رغم ملاحظاتي المتكررة أنها على أتم الاستعداد لها وهي في تأكيدها هذا لم تكن إلا منخدعة أو مخدوعة ..

ثم أعلنت الأحكام العرفية فقيدت الحريات وفرضت الرقابة على الصحف وقلت أقلام الكتاب ,فحال ذلك بيني وبين سد تفاصيل القضية المصرية , رغم ما كنت أشعر به من حق الخاصة والعامة على ولا سيما والقضية ما زالت معلقة في مهب الرياح .. وقد يكون لذكر تفاصيلها نفع لمن يريد مخلصا أن يختط خطة سليمة ناجحة أو محتملة النجاح لحل هذه المسألة التي ما عقدتها إلا لنزاعات الحزبية والمآرب الشخصية , والرغبة في الإعلان عن النفس , واكتساب المجد الكاذب .

ثم ذكر كيف أفادت سورية ولبنان وإيران من عرض قضاياها على مجلس الأمن منتهزة الفرص المناسبة , منتفعة من اختلاف لدول الكبرى فيما بينها , ومكتسبة بينها , مكتسبة الدول إلى جانبها ... أما مصر فقد أهملت كل ذلك , وركزت كل جهدها في مفاوضات طال أمدها كما لو كانت تعيش في عام 1936 ..وكان خليقا بها أن تعرف أن نتحاءها زاوية وحدها مع انجلترا في عزلة عن الدولة الأخرى لن تفترق بعدها إلا ونحن من الخاسرين.

ولعل فيما جاء على لسان وزارة الخارجية الإنجليزية في ختام فترة المفاوضات الأخيرة " أن هذا هو أقصي ما تستطيع أن تعطيه إنجلترا لمصر " ما يفيد أن انجلترا تنظر إلينا نظرها إلى المستجدي لأصحاب الحق .

لكنا وبكل أسف لم نلجأ إلى مجلس الأمن إلا بعد أن أمضت ( وقعت) الحكومة – بالأحرف الأولي – مشروع اتفاقية مع الحكومة الإنجليزية فأصبحنا في وضع شاذ وأكثر منه شذوذا أن يتولي الدفاع عن قضيتنا رجال قبلوا هذا المشروع ودعوا إليه ودافعوا عنه بل وخاصموا غيرهم من أجله .

إن الحكومة القائمة في ذلك الوقت لم تكن جادة في الالتجاء إلى الهيئة الدولية , بل هي اضطرت إلى ذلك تحت ضغط المعارضة والرأي العام الذي أشعرها بأنها لن تستطيع البقاء في الحكم وهي واقفة ذلك الموقف السلبي الذي كانت تفقه بعد المفاوضات .

وليس أدل على ذلك من أنها أخذت تسوف وتؤجل – تارة تحت ستار السعي في اختيار أشخاص ممثليها أو اختيار الهيئة المختصة – وأخرى في انتظار انتهاء الدورة البرلمانية – حتى كان صيف سنة 1947 رأت أن تتحرك بعد أن ضيعت الفرصة تلو الفرصة فلا هي نجحت في ضم الصفوف في الداخل ولا هي طرحت القضية في الوقت المناسب بل لعل الوقت الذي أتت فيه إلى نيويورك كان أبعد الظروف ملاءمة .

وبعد أن أثبت سيادته نصوص الخطابات التي أرسلها إلى النقراشي باشا برأيه في عرض القضية من ناحية الشروط والظروف المناسبة قال :وكان آخر خطاب مني بعد ما وصلت إلى شبه اليأس وتغيرت الظروف , حيث عرضت قضية فلسطين على هيئة الأمم وصاحب عرضها دعاية واسعة لصالح اليهود ضد العرب وضد مصر , والتجاء الأمير عبد الكريم لمصر وما في ذلك من إثارة خواطر الفرنسيين, ثم الانقلاب الذي حدث في المجر وما صحبه من شعور متزايد بضرورة التضامن والتكاتف بين الولايات المتحدة وبريطانيا إزاء الخطر الروسي المتفاقم .

يقول : ومع ذلك أصر النقراشي باشا على المجئ إلى نيويورك وتمسك ببقائي في منصبي مع ما طلبته من إعفائي ..فرحت أستشير ذوي الرأي فيما يجب اتخاذه من التدابير واقترحت استشارة محام ذي خبرة دولية فوافقت الوزارة على هذا الطلب فرأيت أن ألجأ إلى أكبر مكتب في العاصمة , وهو المكتب الذي تولي مسألتي إيران واليونان عند عرضهما على مجلس الأمن وكان هذا المحامي يعرفني حيث كنت ممثل مصر في مجلس الأمن عند هاتين القضيتين فرحب بي وطالب إلى أن أزوده بالمعلومات اللازمة عن قضيتنا ووعدني بالرد في أقرب فرصة .. وراح بدوره يدرس القضية وظروفها وملابساتها ,ثم اتصل بي ليبدي جوابه بأحاطني علما بأن مكتبهم يري بعد الاتصالات العديدة وبعد جس نبض الرأي العام بالعاصمة ونيويورك بأن عرض القضية في القريب العاجل هو أسوأ الأوقات اختيارا وأن قضيتنا يجب لتوافر نجاحها أن يكون بجانبها الرأي العام الأمريكي ولكن الوقت الحاضر غير مناسب لذلك إذ كب البيئات بجانبها الرأي العام الأمريكي , ولكن الوقت الحاضر غير مناسب لذلك إذ كل البيئات متخوفة من الاتحاد السوفييتي واتجاهه نحو المجر وبلغاريا إلخ .. فعرض القضية ليس فقط بعيدا عن المصلحة فحسب بل هو مضر لمصر . وإن مكتب المحامي على كل حال لا يقبل التوكيل في هذه القضية في الوقت الحاضر ..ومع كل هذا فقد أصر النقراشي باشا على عرض القضية في ذلك الوقت وأن يكون هو وحده المتقدم بها إلى المجلس .

ملحوظة : كان من بين المقترحات التي أقترحها السفير على النقراشي باشا لما رآه مصرا على عرض القضية في ذلك الوقت غير المناسب ,أن تقوم بعرضها على المجلس هيئة تضم ممثلين عن جميع الجبهات السياسية في مصر , لعل ذلك يكسب القضية شيئا من القوة ويبطل حجة الإنجليز في أن الذي يتقدم بالقضية شخص سبق أن وافق ووقع على معاهدة بينه وبينهم وهو ملزم بتوقيعه .. وقد حدث هذا فعلا وكان من أهم الأسباب التي اعتمد عليها المجلس في رفض القضية . وإن كان المجلس قد سمي هذا الرفض تعليقا .

  • (2) التستر على خيانة الجيش :

لعل القارئ الكريم يذكر أن من أهم أسباب هزيمة الجيش المصري في فلسطين أنه أمد بأسلحة وذخيرة فاسدة... وقد قامت إحدي الوزارات التي تولت الحكم بعد إبراهيم عبد الهادي بإجراء تحقيقات في هذا الشأن كانت على جانب كبير من الأهمية باشرتها النيابة العامة ..وقد كشفت هذه التحقيقات عن وقائع خطيرة وجنايات جسيمة ..ولكن السراي الملكية تدخلت في التحقيقات لصالح المتهمين حيث تبين أن بعضهم كان يعمل لحسابها... فأخفيت الحقائق حتى أنها لما عرضت على القضاء لم يجد بين يديه من الأدلة ما يكفي لإدانة المتهمين فحكمت المحكمة ببراءة جميع المتهمين ما عدا اثنين حكمت بتغريم كل منهما مائة جنيه ... وقد جاء في حيثيات هذه القضية التي جاءت في مائتي صفحة وحكم فيها في 5/7/1953 ما يلي :

" ثبت أن فاروق هو الجاني الأول جعل لنفسه حسابا خاصا باسم إدمون جهلان – أحد سماسرة الأسلحة – وأوفد ناظر خاصته أثناء تفتيش خزانة جهلان يفرض على سلطة التحقيق أخذ أوراقه من الخزانة ..."

وفي 18 أكتوبر 1950 وتحت عنوان " النقراشي باشا وعبد الهادي باشا تسترا على جرائم الجيش " كتبت جريدة " المصري " ما يلي : " في الوقت الذي تعددت فيه الاجتماعات من بعض أفراد المعارضة وبعض المستقلين لوضع العريضة التي قرروا رفعها إلى جلالة الملك.. وفي الوقت الذي يريد فيه موقعوا هذه العريضة التي قرروا رفعها إلى جلالة الملك.. وفي الوقت الذي يريد فيه موقعوا هذه العريضة أن يوهموا الناس بالحرص على مصالح البلاد وتطهيرها من الفساد .. إلى آخر ما جاء في عريضتهم ... تسلم سعادة الأستاذ محمد عزمي بك النائب العام ملفا رسميا من الملفات التي تحتفظ بها وزارة الداخلية منذ عام 1948, احتوى على مستندات على جانب كبير من الأهمية والخطورة تشير إلى أن النقراشي باشا وخليفته عبد الهادي باشا تسترا واحدا بعد الآخر في منصبيهما كرئيسين للوزارة ووزيرين للداخلية وحاكمين عسكريين على كثير من الجرائم التي ارتكبت في حق الجيش ويدور بشأنها التحقيق الآن ..

• تفاصيل التستر:

وترجع تفاصيل هذا التستر من جانبها واحدا بعد الآخر إلى عام 1948 , فقد أعلنت الأحكام العرفية في صبيحة دخول قوات الجيش المصري إلى فلسطين , وكان من نتائج إعلانها أن فرضت الرقابة الدقيقة على المراسلات والمخابرات التليفزيونية والبرقية الداخلة إلى مصر والخارجة منها .

وقد حدث في خلال أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 1948 ويناير وفبراير ومارس وأبريل ويونيه 1949 – حدث خلال هذه الشهور على وجه التحديد أن ضبطت وسجلت في محاضر رسمية مخاطبات تليفونية ورسائل تبودلت في الداخل ومع الخارج بين ضباط من المتهمين في التحقيقات الدائرةوعملاء وسماسرة لتوريد الأسلحة , وقد تضمنت هذه المخاطبات والمراسلات المسجلة في أحد ملفات وزارة الداخلية الرسمية اعترافات صريحة بأيدي بعض المتهمين تتضمن هي الأخرى عبارات تثبت الجريمة , وضعت كلها في ملف المضبوطات التي تعرض على وزير الداخلية والحاكم العسكري للبت فيها .

وكان النقراشي باشا وعبد الهادي باشا من بعده يطلعان بحكم منصبيهما كوزيرين للداخلية وحاكمين عسكريين على كل هذه المضبوطات .. ومع ذلك بقيت هذه المستندات الخطيرة في الملف الذي احتواها دون أن يفكر أحد منهما في كشف ما انطوت عليه .

  • (3) حالة الجيش المصري عند إدخاله فلسطين :

في 28 أكتوبر 1950 نشرت المصري هذا التحقيق البالغ الخطورة في صفحتها الأولي فقالت :

" وفي الحقائق التي سنوردها هنا تفاصيل جديدة على جانب كبير من الخطورة تكشف كيف كانت حكومة السعديين تهزل في معالجتها لمصائر البلاد:

قبل بدء حملة فلسطين ببضعة أيام سافر سعادة اللواء المواوي بك إلى الحدود للإشراف على القوات المصرية هناك التي كان قد بدئ في ترحيلها إلى مراكزها بالتدريج .

وقد عكف سعادته بعد وصوله إلي الحدود على تفقد القوات المصرية والاطلاع على ما تملكه من أسلحة وعتاد ..وهال سعادته أن تكشف له أن هذه القوات ليست مستعدة بالمرة لأى احتمال بالاشتراك في الحرب .. ولما كانت الأنباء تتحدث في ذلك الوقت بصراحة عن استعداد الدول العربية ومشاوراتها لشن حملة تأديبية على فلسطين فقد رأي سعادته أن الواجب يحتم عليه أن يصارح المسئولين بحقيقة الأحوال بالنسبة للقوات المصرية التي تستعد على الحدود فوضع سعادته ما يسميه العسكريون " أمر تقدير " أشار فيها بصراحة تامة إلى أن حالة القوات من حيث العتاد والأسلحة سيئة جدا ولاسيما إذا كانت الحكومة تفكر في الاعتماد عليها في حملة ضد الصهيونيين في فلسطين .

وعود

وسارعت الحكومة السعدية القائمة تطمئن قواد الجيش المسئولين عند الحدود . وتؤكد لهم أنه إذا تطور الأمر وأصبح من اللازم أن تشتبك القوات المصرية في حرب ضد الصهيونيين فستنهال الأسلحة الثقيلة والخفيفة على الميدان وستمتلئ سماء المعركة بطائرات القتال المصرية التي ستكون كثيرة إلى حد " يحجب الشمس عن العيون " .

السيارات

وكان مما أشار به القواد في ذلك الوقت وجوب مد القوات المرابطة عند الحدود بالسيارات وقبل أن تصدر الأوامر إلى القوات المصرية بدخول فلسطين بليلة واحدة وصلت إلى القوات المصرية في الميدان 17 سيارة فقط من أكثر من150 سيارة تعطلت في رمال الصحراء أثناء اتجاهها إلى الحدود. فإذا تصورنا أن هذا العدد الضخم من السيارات لم يتحمل عبء السفر من القاهرة إلى الحدود لأدركنا تفاهة للرجاء في أن تعتمد القوات المصرية على السيارات التي تيسر لها الوصول .

بدء القتال

وبينما القوات المصرية على هذه الحال من العجز والحاجة الماسة إلى العتاد والسلاح والسيارات صدرت الأوامر من القاهرة ببدء الزحف لتأديب الصهيونيين في فلسطين .

روح معنوية عالية

ولم يسع قواد الجيش إلا طاعة الأوامر وبدأ الجيش المصري الحرب وكل اعتماد قواته على الروح المعنوية وحدها إلى كانت مرتفعة إلى أقصي حد بين رجال الجيش ضباطه وجنوده وعلى أمل أن تبر الحكومة بوعدها فتمطر الميدان بما وعدت به من أسلحة .

أول هدف

وكان من أول أهداف الجيش المصري الزحف نحو مستعمرة يهودية وقد قدرت المسافة بينها وبين العريش بأربعة كيلو مترات وكان العجز في السيارات واضحا ولكن الروح المعنوية المرتفعة بتت في الموقف فتقرر أن يكون اتجاه الجيش إلى المستعمرة مشيا على الأقدام .. وسار الجنود البواسل يجرون ما تيسر لهم من مدافع وراءهم وكان عليهم أن يشقوا طريقهم في حذر حتى لا تقع عليهم عيون العدو. فاضطروا إلى أن يسلكوا مناطق صحراوية وجداول نضبت فيها المياه وهكذا حتى طالت المسافة بينهم وبين الهدف ..

وشعر الجنود بالعطش بعد أن فرغ ما يحملونه من ماء وأنهكهم المشى على الأقدام حتى أن بعض الجنود قد اضطر إلى التخفيف من حملهم , كما اضطر بعضهم الآخر إلى ترك بعض المدافع التي يجرونها وراءهم .

العودة

وواصل الجنود إلى المستعمرة فعلا بعد أن قطعوا عشرة كيلو مترات ولكنهم كانوا في حالة من التعب والإجهاد لم يسعهم معها إلا العودة من حيث أتوا ... وكانت هذه البداية بمثابة صدمة عنيفة لم يخفف من حدتها إلا إيمان الجميع بسمو الرسالة التي وكل إليهم أمر أدائها .

العدو يشهد

واستمرت المعارك التي يشترك فيها الجيش المصري , وأثبت الجيش خلالها جميعا أنه قوة فعالة جعلت الخصوم أنفسهم يخشونها حتى أن بعض الصهيونيين في هذا الوقت طبعوا منشورا يقع في 31 صفحة يتحدثون فيه عن بسالة ضباط الجيش المصري وجنوده ووقعت بعض النسخ من هذا المنشور في أيدي القوات المصرية في ذلك الحين وكان لها أثر كبير في مضاعفة الروح المعنوية وتحبيب الجنود في التضحية والإقدام .

25%

وبقي قواد الجيش المصري ينتظرون أن تبر الحكومة بوعودها ولم يترددوا مع هذا في مواصلة الحرب بما يملكون من عتاد كان في مجموعة لا يزيد على 25% مما تحتاج إليه القوات فعلا .

معركة دير سنيد

وجاءت معركة دير سنيد .وقد اشتركت فيها القوات المصرية بروح معنوية عالية يمكن وصفها بأنها كانت رقما قياسيا من ارتفاع المعنوية وكان سبب هذا هو فرح الضباط والجنود وسعادتهم البالغة بتلك الدبابة التي تسير وهم يسيرون خلفها فكانت أول دبابة تطأ " جنازيرها "أرض المعركة في فلسطين من جانب القوات المصرية .

الدبابة

وهكذا كان حال الضباط والجنود يوم معركة " دير سنيد" أما حال الدبابة نفسها فكان مصيبة بل مهزلة مبكية كانت دبابة إيطالية قديمة تركتها فلول الجيش الإيطالي المنهزم أمام البريطانيين في الصحراء الغربية وكانت خالية من كل ما تزود به الدبابات من مدافع وسلاح ولم يكن فيها غير " الموتور" الذي يجعلها تتحرك .. ولا يعلم إلا الله وحده كيف نقلت هذه الدبابة من مكانها في الصحراء الغربي إلى القوات المصرية المحاربة في فلسطين .

ومع هذا كانت هذه الدبابة – بحالها هذا – مصدر فزع ورعب كبيرين للصهيونيين المدافعين عن " دير سنيد" ومعني هذا أنه لو كانت الحكومة القائمة في ذلك الوقت ساهرة بجد على حاجات الجيش في الميدان لكان في وسعها أن تردك أن شيئا من هذا الاهتمام بإعداد عدد غير كبير من الدبابات المزودة فعلا بالسلاح كان من شأنه أن يمكن الجيش المصري من القضاء على عدوه في الأيام الأولي من المعركة وقبل أن يتمكن من الاستعداد والتزود بالأسلحة التي مكنته فيما بعد من الوقوف في وجه الجيش المصري .

وكانت نتيجة " معركة الدبابة الواحدة" هذه أن انتصرت القوات المصرية وتمكنت من أسر 112 صهيونيا كان من بينهم طبيب اعتمدت عليه القوات المصرية بعد دخولها " " دير سنيد"

خطر جديد

وبعد أن استتب الأمر للقوات المصرية في دير سنيد بدأ الضباط والجنود يتفقدون الحصن وما حوله . وهنا تقدم الطبيب الصهيوني الأسير قائلا : هل أحميكم من الموت مقابل تمكيني من إنقاذ ابنتي الجريحة؟ فقيل له : لك هذا إذا صدقت الوعد . فاصطحب بعض الضباط والجنود المصريين وأرشدهم إلى حقول الألغام التي ثبتت بالقرب من الحصن في طرق كانت القوات المصرية لا شك ستطرقها في تقدمها وتجوالها في هذه المنطقة .

عجز في مجسات الألغام

ولولا هذا الطبيب الصهيوني الأسير وابنته الجريحة لتعرضت القوات المصرية لخطر داهم نتيجة لهذه الألغام فقد كانت القوات المصرية في ذلك الوقت لا تملك حتى مجسات الألغام اللازمة للكشف عن حقوله التي بثها العدو.

الذخيرة الفاسدة

وحديث الذخيرة الفاسدة حديث طويل ويكفي أن نذكر منه الآن طلقات المدافع زنة 25 رطلا. وكانت هذه المدافع بالذات هي أثمن ما يملكه الجيش في الميدان ..

ولقد سببت الطلقات الفاسدة التي تلقتها القوات في الميدان لهذا النوع من المدافع أن شرخ عدد كبير منها بل إن حادثا معينا وقع – وعلمته الحكومة في حينه في تقرير مفصل – يتخلص في أن أحد تلك المدافع قد انفجر أثناء إطلاق قذيفة فاسدة فيه فأودي بحياة كل من كانوا حوله يشرفون على إطلاقه .

وبقي القواد مع هذا ينتظرون أن تبر الحكومة بوعدها أملا في تسلمهم أسلحة وذخائر غير فاسدة ولكن الحكومة مضت في تصرفاتها فراحت ترسل إلى الميدان ذخيرة فاسدة تفتك بأرواح الأبطال من أبناء البلاد.

  • (4) براءة أعداء البلاد:

لما تولت الحكم في عام 1950 وزارة حزب الوفد برياسة مصطفي النحاس باشا أخذت تعالج القضية الوطنية بالأساليب المعتادة التي تعتمد على التفاوض مع المستعمر واستجدائه فلما يئست من جدوى هذه الأساليب استجابت أخيرا لصوت الشعب وأقدمت على خطوة جريئة بإعلانها بطلان معاهدة 1936واتفاقيتي 1899 وحملت لواء مقاطعة الإنجليز والتف حولها الشعب , واستجاب لدعوتها جميع الزعماء على اختلاف ألوانهم ونزعاتهم ..وكان إجماعا رائعا قلما تحقق مثله في يوم من الأيام .

لو كان مصريا واحدا خرج على هذا الإجماع وشذ عن الشعب الثائر على المستعمر وذهب يتقرب إلى هذا المستعمر متحديا إرادة الشعب وجماع الأمة وذلك هو إبراهيم عبد الهادي باشا الذي انتهز فرصة عيد الميلاد في تلك السنة وأرسل إلى السفير البريطاني برقية يهنئه فيها بالعيد ويبعث إليه بأحسن التمنيات .

يبدو أن عبد الهادي أراد أن يثمل الدور الذي تضمنه المثل العربي الذي يقول" رمتني بدائها وانسلت " فأوعز إلى جريدة " أخبار اليوم " أن تنشر خبرا مؤداة أن النحاس باشا أبرق إلى المستر تشرشل يهنئه .. فلم يكتف النحاس باشا بتكذيب هذا الخبر بل استطاع أن يحصل من الجهات المختصة على أصول البرقيات التي أرسلت إلى الخارج في خلال تلك الفترة واستخرج منها السر الدفين فقد نشرت جريدة " المصري " في 30 ديسمبر 1951 ما يلي : ادعت " أخبار اليوم " أن النحاس باشا أرسل برقية يهنئ فيها تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بمناسبة عيد الميلاد – ولكن النحاس باشا كذبها وقال أن الذي أرسل البرقية هو إبراهيم عبد الهادي وهذا نصها :

سير رونالد كامبل

أدمبره – موراي بليس

عيد سعيد وأحسن التمنيات بالعام الجديد

إمضاء

إبراهيم عبد الهادي

العنوان –إبراهيم عبد الهادي باشا بالقاهرة المعادي

  • (5) الخروج على إجماع الأمة وتحدى شعورها :

في 26 يناير 1952 وقع حريق القاهرة , وهو حدث تاريخي كبير سيأتي الحديث عنه في حينه إن شاء الله , ولكن حسب القارئ الآن أن يعلم أن هذا الحريق قد قوض الجهود العظيمة التي كتلت الأمة جمعاء خلف الحكومة ضد الإنجليز .. والفاعل الحقيقي لهذا الحريق هم الإنجليز....

وقد زاد هذا الحدث الخطير المصريين على اختلاف نزعاتهم حقدا على الإنجليز ومقتا لهم حتى إنهم قاطعوهم ورفضوا التعامل معهم ..,لا عجب في ذلك فلا زالت دماء المصريين الذين قتلوا برصاص الجيش البريطاني تخضب شوارع الإسماعيلية ومدن القناة ..وانظر ماذا كان موقف إبراهيم عبد الهادي وسط هذه المقاطعة الجماعية ؟!

في 20 /2/1952 تحت عنوان " شطر بريطاني لعبد الهادي باشا "نشرت جريدة المصري " صورة لعبد لهادي باشا وهو في الكنيسة الإنجليزية بالقاهرة وكتبت تحتها ما يلي :

" نشرنا منذ بضعة أيام نبأ مبادرة إبراهيم عبد الهادي باشا إلى الاشتراك في الصلاة على روح جلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا .وأشرنا على التعليقات التي أثارتها تلك المبادرة من جانب دولته في الوقت الذي امتنع فيه عن الاشتراك في أية مظاهرة قومية كما أدي إلى ثورة أحد أعضاء الهيئة السعدية وتهديده بالاعتكاف .

وقد أعادت مجلة " الدعوة " التي يصدرها الأستاذ صالح عشماوي وفريق كبير من كبار الإخوان المسلمين نشر ما جاء " بالمصري " أول أمس في هذا الصدد وقد علقت عليه المجلة بقولها :" ليس هذا غريبا على إبراهيم عبد الهادي باشا , ولكن الغريب أن يبقي هذا الرجل على رأس حزب ولو من الوجهة الرسمية .

ونضيف إلى ذلك أن دولته قد تلقي من السفير البريطاني كتابا رقيقا يشكر فيه دولته على اشتراكه في الصلاة ".

وفي 25 /2/ 1952 نشرت " المصري " تحت عنوان " عبد الهادي باشا يستضيف الإنجليز " ونشرت صورة له وكتبت ما يلي :

" عندما علم دولة إبراهيم عبد الهادي باشا بأن كثيرا من أصحاب المباني في القاهرة رفضوا تأجير محال أو غرف لمكتبة " سميث " التي احترق محلها يوم 26 يناير وأن أصحاب المباني بنوا رفضهم على أساس أن مكتبة " سميث " يملكها انجليز – عندما علم دولته بذلك بادر فأصدر أمرا بإخلاء ثلاث غرف من الدور الثالث الذي تشغله جريدة " الأساس " جريدة حزب السعديين – واستضاف المكتبة في هذه لغرف .

وقد كان لهذا التصرف أعظم الأثر في نفس الجالية الإنجليزية في مصر وقد اتصل كثير من الإنجليز بدولته وعبروا له عن عظيم امتنانهم لدولته لعواطفه نحوهم في كل مناسبة .

هذا وقد اقترح بعض أفراد الجالية إقامة حفل تكريم لدولته ولكن رؤى أن الوقت غير مناسب لذلك "

أما أنا فتعليقا على هذا أقول : صدق الله العظيم إذ يقول:

( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) (المجادلة : 22)

ثانيا – بعد قيام الثورة

مع عدم إقرارنا للمحاكمات العسكرية والمحاكمات الخاصة باعتبارها وسيلة من وسائل التقاضي فإن النصوص التي نستشهد بها مما جرى على ألسنة رجال النيابة ولشهود فيها هي نصوص من صميم الواقع التاريخي . لا علاقة لها بإجراءات التقاضي .

وكل الذي فعلته الثورة – في إبانها – هي أزالت السلطة المتحكمة في البلاد التي كانت تحمس اللصوص والخونة والسفاحين من رجال الحكم باعتبارهم من أدوات تحكمها ولا تسمح لسلطة القانون أن تمتد إليهم – وبإزالتها وجد هؤلاء المجرمون من الحكام أنفسهم فجأة أمام سلطة المساءلة وجها لوجه .

وقد نجد أكثر التهم الموجهة إلى حكام السعديين بعد قيام الثورة هي نفس التهم التي وجهها إليهم من قبل حكام الوفد ولكنهم وقفوا بها عند حد الاتهام دون أن يجرءوا على محاكمتهم عليها ..,حتى تلك التي جرءوا على محامتهم عليها – خوفا من ثورة الجيش – تدخلت القوة المسيطرة وقتئذ وعلى رأسها الملك فسلبت التحقيقات فاعليتها – كما أشرنا آنفا – حتى لم يعد الاتهام حين قدم إلى القضاء يقوم على قوائم من القانون .

أما عند قيام الثورة فإن لجو كان خاليا من العوائق فوجهت الاتهامات مدعومة بأسانيدها وانطلقت ألسنة الشهود التي كانت ملجمة من قبل بلجام من الخوف ,وأدلي كل إنسان بما عنده .

وإليك بعض الحقائق التاريخية التي تكشفت خلال هذه المحاكمة حيث كان إبراهيم عبد الهادي هو أول سياسي قدم للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم إلى الإشغال الشاقة المؤبدة وكانت محاكمته في حقيقتها هي محاكمة عهد حزبه قبل أن تكون محاكمة شخصية له.. ولو أن سلفه النقراشي كان على قيد الحياة وقتئذ لقدم معه في نفس المحاكمة :

1- تضاعف ثروة عبد الهادي عشرة أضعاف :

جاء في مرافعة النيابة أن ثروة إبراهيم عبد الهادي – مستقاة من المصادر الرسمية – تضاعفت إحدي عشرة مرة في ظل المناصب الحكومية التي تولاها فقد صارت 990 ( تسعمائة وتسعين ) فدانا وثلاثين ألف جنيه وكانت في الأصل تسعين فدانا .

2- الزج بالجيش في الحرب دون أدني استعداد :

قرر الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة في أيام حرب فلسطين وأيده في ذلك اللواء موسي لطفي مدير العمليات الحربية آنذاك " أن موقف القوات المصرية بالعريش لا يسمح لها بالدخول في المعركة بالنسبة للنقص الكبير في العربات ولأن الموجود منها وإن كان صالحا للسير إلا أنه غير صالح للقتال – والأسلحة والذخائر الموجودة منها لا يكفي للبدء في العمليات ويجب التأكد من وجود مورد ثابت مضمون لاستعاضة المستهلك منها ولتسليم الوحدات التي ستستدعي من الاحتياط للخدمة العاملة . وقرر اللواء أحمد المواوي – القائد العام للجيش المصري بفلسطين – حسن سئل في اللجنة التي جمعت الضباط يوم 10/5/1948 بصراحة تامة عما يفتقر إليه الجيش وما كان يعانيه من نقص فقال :

" لا توجد وحدة ما في الجيش كاملة المعدات والتسليح وأذكر أنني فتشت على الوحدات بمجرد وصولي للعريش وقدمت لرياسة الجيش كشوفا بالنقص وهي مريعة وتجعل الوحدات عاجزة تماما عن الدخول لأية معركة"

ويقول الفريق محمد حيدر في التحقيق وفي لجنة الجيش " بينت للنقراشي الحالة وعلى الرغم من أني عارضته صمم على دخول الحرب. وكان في ذلك تحقيق رغبة الملك بدليل حضور رئيس الديوان أى أن الأمر كان من السراي , وكان فاروق يريد تزعم الدول العربية وهو الذي دعا رؤساء هذه الدول إلى أنشاص ولم تعلم الحكومة بأمر هذه الدعوة وأول من اشتهي دخول الحرب هو فاروق والمسئولون عن تحقيق هذه الشهوة اثنان هما رئيس الديوان إبراهيم عبد الهادي ورئيس الحكومة النقراشي ..ولو سمعا كلام اللجنة المختصة وعملاء به لأقنعا فاروق بوجهة النظر الصحيحة ولما دخل الجيش الحرب ولكنهما عملا على تحقيق شهوته – كما أيد هذا اللواء أحمد المواوي في شهادته الموجودة بهذا الملف وكذلك اللواء موسي لطفي .

ومما يجب ألا ينسي أن اللواء موسي لطفي بعد أن قرر أمام النقراشي الأمر الواقع للجيش قال له النقراشي " لا تتهيب " ثم قال له " انتم تحت أوامرنا "

3- تضليل البرلمان :

قرر شاهد النفي الدكتور نجيب اسكندر – عضو حزب السعديين وأحد وزرائهم – أن رئيس الحكومة النقراشي لم يكن من رأيه دخول الحرب بعدما رأي في مؤتمر بلودان ...ومع ذلك أعلن في جلسات مجلس الشيوخ والنواب يوم 12 مايو 1948 ما جاء بالحرف الواحد في المضبطة السرية لمجلس النواب يوم 13 مايو 1948 :" أن في الجيش المصري كفاية كاملة وأسلحة وافية , وذخيرة متوفرة ,وأن الذي يقدم على مثل هذا الأمر يتخذ له عدته ".

4- إغفال المؤسسات المختصة :

قرر مجلس الجهاد الأعلى أن موضوع الدخول في حرب فلسطين لم يعرض على المجلس ... كما قرر المحققون في هذه القضية أنه بالبحث عن قرار مجلس الوزراء في شأن دخول هذه الحرب تبين أن مجلس الوزراء لم يصدر قرارا في هذا الشأن ولم يرد ذكر لهذا الموضوع في محاضر جلسات المجلس أى أن الأمر تقرر شفويا .

5- نماذج من طريقتهم في الحكم :

(أ‌) يؤلمه أن يسمع " أن واحد ماشي بالقانون ":

في أثناء محاكمة إبراهيم عبد الهادي طلب شاهدي نفي هما الأستاذ حسين رأفت واللواء أحمد عبد الهادي .وقد استدعي الأستاذ حسين رأفت وجرت شهادته على النحو التالي وكان السائل هو المدعي :

س- في أى عهد كنت مديرا ( محافظا ) للدقهلية ؟

ج – نقلت إليها ومكثت مديرا لها ثلاث سنوات في عهد النقراشي وعبد الهادي .

س- لماذا نقلت ومتى من الدقهلية؟

ج- نقلت في مايو 1949 إلى مدير عام اللوائح والرخص وأنا حاولت معرفة السبب الحقيقي فلم أعرف ولكن الظروف التي كنت فيها جايز تنير الطريق – حصل بيني وبين النواب والشيوخ في الحزب السعدي سوء تفاهم ووصل لرئيس الحزب وكان رئيسا للحكومة وهو السيد إبراهيم عبد الهادي وكان سببه قرب موعد الانتخابات فكان لهم بعض طلبات كنت أؤخرها , فمثلا كانوا عاوزين نقل رؤساء المدارس الأولية والمدرسين في دائرة المديرية( المحافظة) فأنا قلت لهم فاضل ثلاثة أو أربعة أشهر . وفيه طلبات أخرى بالعمد والمشايخ وبعض الموظفين ..وكانوا بيقولوا إحنا عاوزين نهئ أنفسنا وقلت لهم لسه بدرى ولازم أعرف سبب كل شئ – وقمت بأجازتي السنوية , وبعدها طلبني رئيس الوزارة وقال لى إنه طلب منه كشف بتعديل الدوائر فقلت له : لماذا عملت هذا التعديل قبل حضوري ؟ فقال : أنت حد في تعديلها . وعلمت أنه أرسل صورة منها لرئيس الديوان ويظهر أن ذلك كان بناء على طلب النواب والشيوخ .. فقلت له : ما دامت أرسلت لرئيس الديوان حراجع إيه ؟

والسبب الثاني في نقلي أن إبراهيم عبد الهادي كان بيطلب مني طلبات ما أقدرش أجيبها .. وأنا كنت أسمع أنه بيقول إني عامل قانوني .. وكان بيؤلمه أن يسمع أن واحد ماشئ بالقانون .. وهو اتصل بي مرة وقال : إنت اعتقلت أد إيه من الإخوان ؟ فقلت له . سبعة . فقال : سبعة ولا سبعين .. أنت منتظر لما بيجو يقتلوني ؟.. وبعد كده قال لي : انت بتطبطب على المعتقلين وتوديهم المعتقل كده ؟

فقلت له : أمال أعمل إيه ؟ فقال : يا أخي أسأل إخوانك .

فقلت له : أسأل إخواني ليه.. أنا أتلقي أوامري منك بس تكون في حدود القانون

فقاللى : يا أخي إنت دايما تقول لي ... قانون قانون .ز؟!

س- هل نقلت وحدك أم في حركة ؟

ج- وحدي وكان ذلك في عيد الجلوس .

س – وهل المركز الذي نقلت إليه كان يساوى مركزك ؟

مركز المدير ( المحافظ ) أكبر من الناحية الإدارية .

(ب‌) عبد الهادي يتصل مباشرة بالضابط السنباطي متجاهلا المحافظ :

كان سعد الدين السنباطي أحد الضباط العريقين في الإجرام في عهد إبراهيم عبد الهادي .. وجاء دوره في المحاكمة بعد قيام الثورة عما اقترفه من جرائم التعذيب .. وقد طلب هذا المتهم الأستاذ أحمد راغب الدكروري شاهد نفي فاستدعته المحكمة وجرت شهادته على النحو التالي :

س- متى كنت مديرا ( محافظا ) للغربية ؟

ج – في نوفمبر 1947 إلى سبتمبر 1949 حيث نقلت إلى الداخلية .

س – ما هي الوظيفة التي كان يشغلها سعد الدين السنباطي في عام 1949؟

ج – كان في وظيفة رئيس القسم المخصوص بمديرية ( محافظة ) الغربية .

س- هل حصلت اعتقالات في هذا العهد؟

ج- أحب أن أوجه النظر إلى أن السنباطي عندما نقلت للغربية كان من الموظفين الذين وثقت فيهم كل الثقة, لأني لمست فيه الكفاية والإخلاص والجداول اجتهاد فقربته مني . حتى أن كثيرا من إخوانه حقدوا عليه هذه المنزلة وحذروني منه كثيرا , وقالوا لي إنه رجل خطر .. ولكني حملت هذا على أنه حقد ..وظل على هذا وأنا واثق فيه إلى أن قتل المرحوم النقراشي وظفر إبراهيم عبد الهادي بالحكم.. وصحب هذا كله موجة من الإرهاب والطغيان أرسلها إبراهيم عبد الهادي في القطر كله .وليس هناك من يجهل هذه الموجة وكان الغرض من هذه الحملات الإرهابية الانتقام من الإخوان المسلمين لقتل النقراشي .

في هذا الوقت تغير السنباطي ومشي في ركاب الطغيان والإرهاب وخرج عن وفائه لى لأنه كان أدني إلى إبراهيم عبد الهادي منه لى لأنه صنيعته في الأصل . وكما علمت منه فيما بعد أنه من أخلص المخلصين له وأنه يضحي بنفسه وماله وأولاده في سبيل إرضائه .

فكنت ألمس أن إبراهيم عبد الهادي كان يتصل مباشرة بسعد الدين السنباطي في كل ما يتصل بالإخوان المسلمين والاعتقالات والحبس وغير ذلك ويتجاهلني تماما ..,كلنا في هذا الوقت كنا نرهب هذا العهد لا لشئ إلا لأنه كان عهدا لا عقل به ويجوز أنه كان ينال من الأبرياء ..

فكان السنباطي – بصفته رئيس القسم المخصوص وبحكم اتصاله بإبراهيم عبد الهادي – يتصرف كيفما يشاء ويعتقل كيفما يشاء ولا معقب لتصرفاته فكان يعتقل ويقبض كما يريد , وما عليه إلا أن يقدم مذكرة بمعلوماته – وفيها الكفاية – على أن هؤلاء الناس من أخطر الناس على الأمن وكان يحصل بهذا على أوامر الاعتقال .

وقد لاحظت أن الحملة الإرهابية كان يصاحبها دائما تفتيشات وضبط أسلحة ومهمات كثيرة مثل الأجهزة اللاسيلكية فلما تكررت العملية بدأت أتشكك في أنها صحيحة ولكن تشككي لم يذهب إلي حد اليقين , وكنت غير مرتاح لهذا ..ولهذه اللحظة ما أقدرش أقول إني متيقن من أن هذه الأشياء كانت تضبط فعلا أم أنها كانت للفتنة .

وفيما يختص باتصال سعد الدين السنباطي بإبراهيم عبد الهادي واستسلام عبد الهادي لطلباته .. وكان سعد الدين صاغا ( رائدا ) في ذلك الوقت .. فيه حادثة أقول لكم عليها :

سعد الدين في موجة الإرهاب ادعي أن هناك مؤامرة على قتلة من الإخوان المسلمين ليه؟ لأنه داير يقبض عليهم .. بلغني هذا واتخذ هو بنفسه إجراءات فيها فكان محقق ومجني عليه .. فأنا أشرت أن المسألة لازم تروح النيابة .. وبدأ التحقيق فيها رئيس النيابة ..ولأن القضية فيها مؤامرة على قتل موظف كبير حبيت أشوف التحقيق ماشي إزاي . فذهبت إلى البندر ووجدت رئيس النيابة أمامه أحد المتهمين وكان يسأله عن نقطة معينة أنكرها المتهم . فرئيس النيابة قال له : إن زميلك اعترف بها , فأجابه بأنه يمكن أعترف لأنهم عذبوه كما عذبوني . فأراد رئيس النيابة أن يسأله عن وقائع تعذيبه فهاج سعد الدين السنباطي وثار وترك التحقيق وانصرف قائلا لرئيس النيابة : إنت بتسيب التحقيق الأصلي وعاوز تحقق في التعذيب ؟ أنا الحقيقة ذهلت .. ماذا أستطيع أن أفعله .. بعد ما سابنا ومشى وحاولنا أن نعيده مارضيش إلا بعد نصف ساعة محايلة .. وأنا وجدت إني أحسن ما أقعدش فخرجت ورحت قعدت في النادي .. ثم قابلت سعد الدين فقال لى : هذا ليس بتحقيق لأن رئيس النيابة يترك الموضوع الأصلي ويحقق ضدنا في التعذيب ...ومع ذلك هو مش رايح يحقق القضية أنا اتصلت بإبراهيم عبد الهادي ووعدني أن النائب العمومي سيصل باكر صباحا لسحب التحقيق منه .

لم أستغرب ولكني برضه استكثرتها .. فقعدت أفكر وأنا زعلان منه لأنه أساءني ومس كرامتي وجت الحكاية دى .. ولو تم ما قاله سعد الدين تبقي هذه الجريمة - جريمة سحب التحقيق من رئيس النيابة – لأني اعتبرها جريمة – تقع على عاتق مين ؟ سعد الدين السنباطي ولا إبراهيم عبد الهادي ولا النائب العام ؟

انتظرت للصبح فسمعت ان النائب العام وصل للأسف .. رحت أشوف النائب العام فوجدت النائب العام بنفسه ومعه ثلاثة من مفتشي النيابة – سلمت عليه ثم فهمت منه بأنه جاى يفتش فوجد أن رئيس النيابة مشغول بقضية كبيرة وفيه شغل تاني كتير وأنه رأي من صالح العدالة إنه يسحب التحقيق معه ويعطيه لمفتش النيابات ليتفرغ هو إلى الشغل العادي .. وقد كان ويكل أسف وسحبت القضية من رئيس النيابة .

رئيس المحكمة – من هو النائب العام في ذلك الوقت ؟

جـ الأستاذ محمود منصور .

بعد كده دلني هذا على شئ هو أن فيه تعذيب .. ولو لم يكن فيه تعذيب ما كانش سعد الدين ثار واتصل برئيس الحكومة ولا كانش رئيس الحكومة يسوغ له العبث بالعدالة . لكن من المسئول؟ .. هذه مسألة أتركها لكم .

س- ألم يصل إلى علمك أن رئيس الحكومة نكل برئيس النيابة وعطل ترقيته ؟

ج – سمعت فيما بعد من رئيس النيابة أنه كان مدرجا ضمن المرشحين للترقية ولما عرض على إبراهيم عبد الهادي شطبه وآخر ترقيته وأنا قلت لرئيس النيابة ولم يكن يعرف السبب الحقيقي – لا يا أستاذ حصل كذا وكذا وحكيت له حقيقة اللي حصل .

  • (ج) البوليس السياسي في عهدهم :

وجاء دور اللواء أحمد عبد الهادي حكمدار القاهرة ( مدير أمن القاهرة ) في عهد عبد الهادي لأداء الشهادة فسئل عن البوليس السياسي( وكان يسمى أيضا بالقسم المخصوص ) فأجاب :

" ضباط البوليس السياسي لم يكونوا خاضعين للحكمدار وإنهم يكتبون تقاريرهم من ثلاث صور : إحداها ترسل للسفارة البريطانية والثانية للسراي والثالثة للوزارة ".

وبعد

فهؤلاء هم الذين كانوا يحكمون البلاد في تلك الأيام..

ومن هؤلاء .. جاءت مذمتنا ..

ورحم الله أبا الطيب إذ يقول :

وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لى بأني كامل .

الفصل الخامس هذه القضية .. تطورها الإجرائي أمام القضاء

في سجلات النيابة العامة والقضاء نقرأ أطوار هذه القضية في الخطوط الرئيسية التالية :

أولا - وقعت الجريمة في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم السبت الموافق 12 فبراير 1949 أمام مبني جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة.
ثانيا : أجريت تحريات وتحقيقات وقتئذ لم تسفر عن معرفة الجناة وانتهي الأمر بحفظ التحقيق مؤقتا, وكان ذلك في عهد النائب العام محمود منصور .
ثالثا – استأنفت النيابة التحقيق في عهد وزارة حسين سري ثم في عهد وزارة الوفد وأصدرت النيابة أمرا بحظر النشر عن هذا التحقيق فلم تسفر هذه التحقيقات عن الوصول إلى الجناة .
رابعا : لما قامت الثورة أمرت القيادة بالقبض على الأميرالاي ( العميد) محمود عبد المجيد وكان مديرا ( محافظا ) لجرجا في ذلك الوقت وذلك في 29 يوليو 1952 كما أمرت بالقبض على المتهمين الآخرين,وأودعوا السجن الحربي ,حيث تولي التحقيق معهم نائب الأحكام البكباشي ( المقدم ) إبراهيم سامي جاد الحق .
خامسا – إحالة القضية إلى غرفة الاتهام :

ثم أحيل التحقيق إلى القضاء وندب الأستاذ حسن داود المستشار بمحكمة الاستئناف للقيام به . وأحيلت القضية إلى غرفة الاتهام برياسة الأستاذ مرسي فرحان رئيس محكمة الاستئناف وعضوية الأستاذين محمد على جمال الدين وعبد الرحمن جنينة .. ومثل النيابة الأستاذ فؤاد سري – فقررت الغرفة الإفراج عن اليوزباشي عبده أرمانيوس والبكباشي حسين كامل والأمباشي حسن محمدين رضوان والجاويش محمد سعيد إسماعيل والبكباشي محمد الجزار – واستمرار حبس الأومباشي أحمد حسين جاد ومصطفي محمد أبو الليل غريب والباشجاويش محمد محفوظ السائق والأميرالاي محمود عبد المجيد ..

كما قررت إحالة جميع المتهمين إلى محكمة الجنايات – وقررت ألا محل لإقامة الدعوي على إبراهيم عبد الهادي وعبد الرحمن عمار . سادسا – أول دائرة جنايات تنظر القضية:

ثم تولت دائرة الجنايات برياسة الدكتور كامل ثابت نظر القضية في 10 نوفمبر 1953 فبدأت بسماع شهود ( الإثبات ) فاستمعت إلى الأستاذ محمد يوسف الليثي وهو الشاهد الرئيسي في القضية وقد أوردنا نتفا من شهادته .

• شهادة عبد الله خليل فواز :

ثم استمعت إلى شهادة عبد الله خليل فواز من أعيان جرجا وكان على صلة وثيقة بالمتهم الميرالاي محمود عبد المجيد – وجاء في شهادته : أنه حضر إلى القاهرة في شهر فبراير 1949 لزيارة المعرض , وفي يوم 12 فبراير دعا مدير عليهم محمد محفوظ سائق محمود عبد المجيد وتحدث معه حديثا خاصا نحو عشرة دقائق ثم خرجا معا.

وفي اليوم التالي قابله محمود عبد المجيد وأخبره بمقتل الشيخ البنا فقال له : إنني سمعت هذه الإشاعة بعد ما تركتموني أمس بربع ساعة – وقال : إن محمود عبد المجيد قال لى : إن البعض أعطي نمرة سيارتي على أنهم رأوها عند الحادث .. وحدثت مناقشة بيننا حاول خلالها أن يحملني على أن اعترف بأن سيارته كانت تقف أمام اللوكاندة وقت الحادث إلا أني نظرا لأني لم أرها قلت له : والله أنا لا أعرف حاجة , ورفضت أن أشهد بذلك.. وطلب مني عدم السفر حتى أدلي بأقوالي التي يريدها.

وفي اليوم التالي قابلته التالي بالوزارة وسألته عما تم فقال : مافيش داعي .. سافر أنت ..

• اعتراف السابق محمد محفوظ بارتكاب الجريمة :

وبعد أسبوع رجعت إلى القاهرة مرة أخرى وركبت سيارة محمود عبد المجيد مع السائق محمد محفوظ.. وأثناء الطريق طلب منى محفوظ أن أتوسط لدى محمود عبد المجيد لترقيته فرفضت .. وفوجئت به يقول : 30 جنيه إيه.. دي حاجة ليس لها قيمة – وأنا كنت خالي الذهن من هذا الموضوع .. إلا أنه لاعتقاده بصلتي بمحمود عبد المجيد ظن أنني أعرف كل شئ فبدأ يصارحني واعترف بكل شئ وقال : أنا ركبت السيارة ومعي أمارنيوس ومحمدين وأشخاص آخرون لا أذكر أسماءهم , وتوجهنا إلى جمعية الشبان المسلمين ,ووقفنا في مكان مقابل لها ونزل أحمد حسين – المتهم الأول – ومعه شخص لا أذكر اسمه وراحوا الجمعية وارتكبوا حادث مقتل الشيخ لابنا وعادوا وركبوا السيارة ..والجماعة اللي كانوا معاهم كانوا حاميين ظهورهم – وبعد الحادث ركبوا معي وأمروني بالاتجاه لوزارة الداخلية .. وهناك غيروا ملابسهم.. وعاد محمد محفوظ إلى اللوكاندة حيث قابل الأميرالاي محمود عبد المجيد.... فانا دهشت وقلت له هذه مسائل خطيرة وتضرك كثيرا .

• شهادة محمد حسنين عضو جمعية الشبان :

وسمعت الحكومة أيضا الشاهد محمد حسنين وجاء في شهادته أنه كان المتهم ( وأشار إلى أن أحمد حسين جاد) يتردد كثيرا على الجمعية . كما أنه شاهد المتهم محمدين يجلس القرفصاء على الرصيف أمام الدار وذلك قبل مصرع الشهيد بأيام – وقد أمرت المحكمة المتهمين بالوقوف فتعرف عليها الشاهد وأصر على أقواله .

• حرم النقراشي تعطي القاتل بقشيشا:

ثم سمعت المحكمة الشاهد سعد الله مصطفي السيد من أهالي أبو دومه بسوهاج وجاء في شهادته ما يلي :

كنت موجودا بسوهاج بعد الحادث بشهر . وقابلني أحمد حسين جاج – وأشار إلى المتهم الأول – فعرض على قطعتين من الصوف لبيعهما .. وإحنا في سياق الحديث سألناه عن مصدر الصوف فقال :" هدية من ناس كبار . من حرم النقراشي باشا لأني أخذت لها ثأر زوجها .. ومحمود عبد المجيد وعبد الرحمن لحرم النقراشي باشا فأعطتني الهدية وأعطوني يقشيش 600 جنيه ".

فقلت له : ما دام صاحب القماش قتل أنا لا آخذه. وتركته .

وسألته المحكمة : هل رأيت شيئا آخر مع المتهم؟

فقال : وراني صورة النقراشي مكتوب عليها " هدية لبطل الصعيد وجرجا " وموقع عليها من حرم النقراشي باشا .

ثم سمعت المحكمة الشاهد على محمد يونس تاجر وترزي بطما .. شهد بأن سعد الله مصطفي أخذه إلى القهوة وحضر المخبر أحمد حسين ومعه القماش وصورة النقراشي وأيد شهادة سعد الله .

• اعتراف السائق محمد مرة أخرى:

وسمعت المحكمة أيضا شهادة الباشجاويش محمد فرج على الوجه الآتي :

المحكمة : هل حدث حديث بينك وبين محمد محفوظ؟

الشاهد – بعد الحادث بثلاثة أو أربعة أيام الأميرالاي محمود عبد المجيد كان عاوز يركب ويروح مجلس الوزراء فلم يجد سيارته فركب في سيارتي الحكومية ووصلته وانتظرته هناك وفي هذه اللحظة جه محمد محفوظ وأنا قلت له أن الشيخ البنا قتلوه أول امبارح ومحدش عمل حاجة وأن واحد سفرجي ضربه . فرد على وقال : الحكاية ماهيش كده... أقول لك الحكاية وما تقولش لحد ؟ فحلفت له إني لا أقول ولكن لم يصدقني إلا بعد أن حلفت يمين الطلاق.

فقال لى : احنا كنا في الحادث وضربناه إحنا والعيال المخبرين اللي جايين من جرجا , وكان ويانا سعادة محمود بك عبد المجيد وقت ما ضربوه . وقال لى : أن محمود عبد المجيد كان يلبس الجلابية ولافف تلفيعة على دماغه وقالوا عليه سفرجي وهو اللي ضرب أول طلقة ,احمد حسين هو اللي ضرب الطلقات الثانية .

وقلت له : إزاى تعمل كده ؟ فقال : احنا نعمل إيه ؟ رغبة الحكومة كده والسراي راضية لأن الإخوان قتلوا النقراشي .

وقال كمان إن عبده أرمانيوس وحسين كامل والمخبر محمد السعيد كانوا مجودين معانا وكان محمد سعيد يلبس بدلة وكان واقف بالشارع وكانوا دول حارسين .

وقال الشاهد : أن هذه المعلومات لم أقلها إلا في القيادة بعد أن قامت حركة الجيش وعلمت أن محمد محفوظ جابوه من جرجا .

المحكمة – محمد محفوظ ما قالش لك إنه أخذ فلوس ؟

الشاهد - بعد اعترافه لى بعشرين يوم تقابلنا بالوزارة . وأخذت اشتكي له الضيق وكثرة المصاريف , فأخرج محفظة من جيبه وبها ثلاث ورقات , ورقة بمائة جنيه والاثنين التانيين كل واحدة بمبلغ خمسين جنيه – فقلت له : ليه شايل المبالغ دي كلها ؟ قاللى : لو كان معايا فكة كنت أعطيت لك اللي أنت عاوزه .

كما سمعت المحكمة شهادة آخرين منهم الأستاذ مصطفي مرعي والأستاذ محمد زكي على واللواء صالح حرب ومطلقته والأستاذ مصطفي الشوربجي..

وقد عرضنا في الفصول السابقة لبعض ما جاء في شهادتهم .

سابعا – رد هيئة المحكمة التي تنظر القضية :

في نهاية جلسة 19/11/1953 وفي أثناء أداء اللواء صالح حرب لشهادته طلب المتهم محمد محمد الجزار عقد الجلسة سرية لأنه يريد أن يقول أشياء تتصل بالليثي والشاهد وزوجته لا يجوز ذكرها في جلسة علنية . فأصر الشاهد على أن يقول الجزار ما يشاء علنا , ولكن محامي الجزار قال للمحكمة أن موكله عدل عن طلبه .. فإذا برئيس المحكمة يقول للمحامي : هل رجعت إلى موكلك في شأن العدول عن السرية ؟

وهنا ثار الأستاذ عبد القادر عودة من المحامين المطالبين بالحق المدني وقال :

إن المطالبين بالحق يرون في تصرف رئيس المحكمة في قوله للمحامي عن الجزار : هل رجعت إلى موكلك بعد أن قرر العدول عن الجلسة السرية وموكله بجانبه , يرون في ذلك نوعا من التحيز لا سيما وقد سمح رئيس المحكمة للدفاع بمناقشة الشهود قبل المطالبين بالحق المدني الأولوية في توجيه الأسئلة إلى الشهود – وقال  : إن رئيس المحكمة تربطه بإبراهيم عبد الهادي روابط معينة كما أنني حين كنت قاضيا كنت لا أشهر في ثقة من ناحيته وأشعر بحرج .. وأساس القضاء ليس هو العدالة ولكن الثقة في نفوس المتقاضين – وطلب تنحيه .

وقررت المحكمة – بعد المداولة – إحالة الأستاذ عبد القادر عودة لقاضي التحقيق على أن يتخذ هو من جانبه إجراءات الرد.

واستغفرت إجراءات رد المحكمة زمنا طويلا فقد عرض طلب الرد أولا على دائرة برياسة محكمة الاستئناف فطلب الأستاذ عبد القادر رد هذه الهيئة . فعرض بعد ذلك على هيئة برياسة أكبر مستشاري محكمة الاستئناف سنا فرفضت طلب الرد.

فاستأنف الأستاذ عبد القادر القرار أمام محكمة النقض – الدائرة المدنية – ثم الدائرة الجنائية فقررت كلتاهما عدم الاختصاص .

فظل قرار رفض طلب الرد قائما .. وحينئذ تنحت هيئة المحكمة من تلقاء نفسها عن نظر القضية .

ثامنا – هيئة جنايات أخرى تعيد نظر القضية :

انعقدت الجمعية العمومية للمستشارين وعهدت إلى دائرة الأستاذ محمود عبد الرازق وعضوية الأستاذين محمد شفيع الصيرفي ومحمد متولي عتلم بنظر القضية ومثل النيابة الأستاذ على نور الدين ..وبدأت أولي جلساتها يوم 16/ 4/ 1954.

وحضر عن المدعين بالحق المدني الأساتذة عبد القادر عودة ومحمد عزمي وعبد الحكيم منصور والدكتور عبد الله رشوان وعلى طمأن وأحمد كامل .. وطلبوا 30 ألف جنيه لزوجة الشيخ البنا وأولاده 30 ألف جنيه للأستاذ عبد الكريم منصور . كما طلب والدا المجني عليه قرشا صاغا من المتهمين والحكومة.

وحضر عن الحكومة الأستاذ أحمد محمد أغا المستشار بقسم قضايا الحكومة وطلب رفض الدعوى المدنية وبراءة المتهمين وتألفت هيئة الدفاع عن المتهمين من الأساتذة فريد أبو شادي وأحمد الحضري وشوكت التوني ومحمد على رشدي وعبد الجليل العمري وسيد مصطفي وحماده الناحل وعبد الحميد رستم وحسن إدريس وعبده أو شقة وعبد لمجيد الشرقاوي والظاهر حسن ومختار قطب .

تاسعا – شهود جدد استمعت إليهم الهيئة الجديدة:

• موظف بالداخلية يقرر أن المخبرين جاءوا من جرجا لمهمة سرية :

بعد أن استمعت المحكمة إلى الشهود الذين أدلوا بشهاداتهم أمام الهيئة السابقة أخذت في الاستماع إلى شهود آخرين لم يكونوا قد أدلوا بعد بشهاداتهم .. ومنهم الأستاذ زكي عبد التواب الموظف بوزارة الداخلية وعضو جمعية الشبان المسلمين وجاء في شهادته ما يلي :

قال : إنه كان في جمعية الشبان المسلمين لأنه سكرتير القسم الاجتماعي بها فسمع فرقعة ونظر من نافذة الدور الثاني فرأي رجلا شكله شاذ يلبس جلابية وعلى رأسه تلفيحة كان واقفا عند محطة الترام ..وشهد بأنه رأي غلاما أسمر يقول إنه أخذ نمرة السيارة . ثم قال : وكان واحد أسمه محمد عثمان عندنا في الجمعية ناداني قائلا : يا زكي يا زكي .. فرحت وقال لى : إن الولد ده معاه نمرة السيارة . فسألت الولد فذكر لى النمرة وواحد من الواقفين كتبها ومش متذكره .. وبعدين الولد ركب على رفرف العربية وراح معاهم الإسعاف .. وأنا قلت للعسكري هناك : بقي ترتكب أمامكم جريمة ولا تمسكوش الجاني وإحنا نمسكه .. روح يا شيخ ما هو انتوا اللي قتلتوه .. ورحت أنا ومحمد مصطفي ومجموعة كبيرة الإسعاف وما وجدناش الشيخ البنا لأنه كان راح القصر العيني .

وفي اليوم التالي رحت الوزارة – وزارة الداخلية – وسمعت مخبرين بيقولوا ما حدش ارتكب الحادث ده إلا المخبرين دول .. وأنا تذكرت شكل الشخص اللي شقته عند الترامواي ..

ولما شفتهم في الوزارة عرفتهم وسألت عنهم فقيل لى إنهم من جرجا والمدير جابيهم علشان مهمة سرية فقلت لازم هم اللي عملوا الحادث فنزلت علشان أتأكد من الشخص اللي شفته فلم أجدهم لأنهم كانوا مشيوا وربطت بين الحوادث دي كلها . وبعد كده بدأ محمد محفوظ يتكلم مع مخبرى الوزارة .

وفيه واحد اسمه فهمي مصطفي سأل المخبر أحمد حسين قائلا : هو الشيخ البنا فين النهاردة ؟ فقال له : إنت بتسألني ليه .. هو أنت بتجسس على ؟ .. والمخبرين اللي في الإدارة قالوا إن محمد محفوظ بيقول لهم : إحنا رحنا واستنتهم بالعربية ارتكبنا الحادث , وأنا بيتهالي كل ما أروح الحتى دي أشوف شبح الشيخ البنا .

الرئيس – مين اللي قال كده من المخبرين ؟

الشاهد – واحد اسمه محمدين ..ومرة حصل إن محمد محفوظ كان مدين لفهمي هذا في خمسة قروش صاغ فطلع له محفوظ ورقة بمائة جنيه .

ومضي الشاهد يقول إنه حذر الليثي أكثر من مرة نظرا لاهتمامه بالحادث وقال له : يجب أن تكون حذرا لأن هؤلاء الناس خطرين وإن المجهودات التي يقوم بها ستضيع هباء .

الرئيس – وده إذن اللي خلاك امتنعت عن الشهادة ؟

الشاهد – أيوه .. أنا شخصيا كنت خايف , وعارف أن السعديين خطرين وهم حاولوا نقل خمسة مخبرين مرة واحدة وظهر على شان كانوا بيتكلموا كتير في الموضوع – ومرة طلب مني الليثي أن أتقدم للشهادة فقلت له : مش ممكن لأنه ما فيش ضمان للواحد وأنا كان ضميري يؤنبني لأني عايز أقول الحاجة اللي شفتها فكتبت جواب من غير إمضاء وبعته لليثي وذكرت فيه المعلومات اللي أعرفها .

الرئيس – واشمعني بتبعته لليثي؟

الشاهد – أنا خفت أرسله للنيابة بخطفوه فبعته لليثي لأنه متحمس

الرئيس – من هو الشخص الذي اشتبهت في وقوفه أمام محطة الترام ؟

الشاهد – ( أشار إلى أحمد حسين) وقال : هو ده 80% هو ده وبعدين شفته في الداخلية مع المخبرين الثلاثة .

الرئيس – ما شفتش حد غيره من المخبرين اللي شفتهم في الداخلية بعد الحادث عند باب الجمعية ؟

الشاهد – أيو شفت وهم دول ( وأشار إلى محمد إسماعيل وحسين محمدين).

الرئيس – هل بينك وبين الأميرالاي محمود عبد المجيد حزازات ؟

الشاهد – أبدا .. أبدا وأنا أحترمه .

الرئيس – لما سمعت إنهم جابوا مخبرين من جرجا ما عرفتش مين جايبهم؟

الشاهد – اللي سمعته أن عبد الرحمن عمار هو صاحب الفكر والموعز بإحضارهم لأنه كان مدير جرجا وعارفهم من زمان .

الرئيس – عرفت منين كده؟

الشاهد من الوزارة .. كان الموظفين بيتكلموا وقالوا أن عبد الرحمن عمار خايف على نفسه بعد حل الجمعية .

الرئيس – إيه اللي خلاك فاكر نمرة السيارة ؟

الشاهد – لأنه رقم سهل جدا 9979.

• شاهد آخر سمع اعتراف محمد محفوظ :

ثم سمعت المحكمة محمد حسن ندا صاحب محل حلوي قال :

أنا في محلي فوجدت عربية الأميرالاي محمود عبد المجيد وقفت أمام بيت أحمد سليم جابر اللي جنب المحل ونزل الأميرالاي عبد المجيد وفضل السواق محمد محفوظ والمخبرين ثلاثة لا أعرفهم . ومحمد محفوظ دخل جوء المحل عندي فقلت له : أنتم جايين منين كده ؟ فقال: جايين من حاجة جامده .. احنا قتلنا الشيخ حسن البنا .. فقلت له : إزاي ؟ فحكي لى عن الدور وإنهم ضربوه بالمسدس وانكسر الزجاج والسواق اترمي على الأرض , وواحد فتح الباب من اليمين والتاني فتح الباب من الشمال – وكان الكلام ده يوم الحادث الساعة تسعة ونصف تقريبا .

الرئيس – هل كان محمد محفوظ بتردد عليك قبل كده وشفت المخبرين قبل كده ؟

الشاهد – أنا شفت محمد محفوظ كتير قبل كده لكن المخبرين ما شفتهومش .

الرئيس – شفتش حد يتردد على بيت سليم جابر غير محمود عبد المجيد ؟

الشاهد – كان بيجيله على حسنين المتهم في قضية عبد القادر طه

• ومن شهادة الصول محمد البهي شرف:

وهو موظف بإدارة المباحث الجنائية يقول :

في خلال شهر يناير 1949 وجدت الثلاثة المخبرين دول في بوفيه الوزارة تحت وكنت لاحظت أنهم بيترددوا على الصاغ حسين كامل فسألتهم أنتم مين ؟ فقالوا :احنا مخبرين وجايين نشتغل في الوزارة هنا . فدخلت أبحث عن أوراق عن كيفيه نقلهم فلم أجد فسألت الصاغ حسين كامل عنهم فقال : ايوه .. ثم عاد وطلب مني أن أنتظر حتى يسأل الأميرالاي محمود عبد المجيد ثم دخل لمحمود عبد المجيد وخرج بعد شوية وقال لى  : دول جايين في مأمورية خاصة ومالكش دعوة بيهم .

الرئيس – ألم تثبت اسم أحد من المخبرين دول في الدفاتر؟

الشاهد – أظن أثبت اسم أحمد حسين جاد في الوقت اللي سألت فيه الصاغ حسين كامل ومأ أثبتش الباقي علشان الأمر اللي صدر لي .

• جاكتة الصول للسائق محمد محفوظ :

وجاء في شهادة القائمقام طه زغلول أن السائق محمدي الحركي أطلعه على جاكته صول فصلها محمد محفوظ مقدما حيث وعدوه بالترقية مكافأة له فأخذه طه زغلول فأوصله إلى القيادة بالسجن الحربي وسلم الجاكتة للقيادة .

فطلبت لمحكمة إحضار السائق محمدي الحركي في الحال فأحضر وبسؤاله قرر ما قاله طه زغلول . فلما ووجه بمحمد محفوظ وحاول محفوظ على الإنكار قال محمدي للمحكمة : إذا أصر على الإنكار فأذكر اسم لا ترزي الذي فصلها ..وقد اعتبرت المحكمة موضوع الجاكتة هذا من أهم نقط القضية.

عاشرا – من مرافعة النيابة في القضية:

بدأت النيابة مرافعتها بالسطور التالية :

" الجريمة المقدمة اليوم تعد من أخطر الجرائم التي نكبت به البلاد في العهد الأخير وتتمثل خطورتها في ناحيتين : أولا – أنها جريمة اغتيال رجل من أكبر رجال الدين في العصر الحديث هو المغفور له الشيخ حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين – وثانيا – أنها جريمة قتل دبرتها وأشرفت عليها ونفذتها الدولة في سبيل القضاء على فكرة معينة أو دعوة معينة كان ينادي بها الفقيد . وكانت تلقي التأييد من عدد من الموطنين..

وكانت الدولة ترى في هذه الدعوة ما يهدد كيانها فأرادت أن تقضي عليها بالتخلص من صاحبها ,وذلك باغتياله . وهكذا سخرت الدولة قوتها وسلطانها في ارتكاب جريمة قتل رجل أعزل مجرد من القوة والحماية ولا لشئ إلا للرغبة في إرضاء الحاكمين الذين رأوا أن بقاء هذا الرجل الأعزل يهدد نظام دولتهم وحكمهم فدبرت هذه الجريمة بوساطة رجال الأمن المفروض فيهم المحافظة على أرواح المواطنين وحمايتهم .

وهكذا عادت بنا هذه الحكومة إلى عصور البربرية الأولي حين كانت شريعة الغابة هي القانون الوحيد وحيث كان السيف هو اللغة الوحيدة لمناقشة رأي معارض أو فكرة لا تروق الحاكم – كيف لا وقد أهدرت هذه الحكومة كل القوانين السماوية والوضعية ونسيت وظيفتها الأولي في حماية الناس وتمكينهم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم "

الحادي عشر – نص الحكم الذي أصدرته المحكمة :

بدأت هذه الدائرة في نظر القضية يوم 16 من أبريل 1954 وانتهت من نظرها يوم 7 يوليو 1954 , وقررت تأجيل النطق بالحكم إلى جلسة 2 من أغسطس 1954 .

وبلغ عدد الجلسات التي عقدتها المحكمة 34 جلسة سمعت خلالها 33 شاهدا وبلغ عدد صفحات محاضر الجلسات 1100 ألف ومائة صفحة عدا أوراق القضية وتبلغ نحو آلاف صفحة .

وقد عقدت الجلسة يوم 2 من أغسطس وأصدرت الأحكام التالية :

حكمت المحكمة حضوريا :

أولا – بمعاقبة أحمد حسين جاد بالأشغال الشاقة المؤبدة . وكل من الباشجاويش محمد محفوظ والأميرالاي محمود عبد المجيد بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشر سنة وبإلزامهم بطريق التضامن والتكافل مع الحكومة المسئولة عن الحقوق لمدنية :

أ‌- بأن يدفعوا عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض للسيدة لطيفة حسين الصولي زوجة المرحوم الشيخ حسن البنا وأولاده القصر منها وفاء وأحمد سيف الإسلام وثناء ورجاء وهالة واستشهاد المشمولين بولاية جدهم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا .
ب‌- وبأن يدفعوا للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا والسيدة أم السعد إبراهيم صقر والدي القتيل مبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت .
ت‌- وبأن يدفعوا للأستاذ عبد الكريم محمد أحمد منصور مبلغ ألفي جنيه على سبيل التعويض ..

وألزمت المتهمين المذكورين بالمصروفات المدنية وثلاثين جنيها مقابل أتعاب المحاماة للفريقين الأول والثاني المدعين بالحق المدني و20 جنيها للثالث .

ثانيا – بمعاقبة البكباشي محمد محمد الجزار بالحبس مع الشغل لمدة سنة ورفض الدعاوي المدنية قبله .

ثالثا: ببراءة كل من : مصطفي محمد أبو الليل واليوزباشي عبده أرمانيوس والبكباشي حسين كامل والجاويش محمد سعيد إسماعيل والأومباشي حسين محمدين رضوان مما أسند إليهم مع رفض الدعوي المدنية الموجهة لهم.

رابعا : وقدرت المحكمة 20 جنيها لكل من المحاميين المنتدبين وهم الأساتذة أحمد الحصري وحمادة الناحل وعبد الحميد رستم وعبد الفتاح لطفي تصرف لهم من الخزانة العامة.

وكانت المحكمة خلال هذه الجلسة في حراسة شديدة . وحضر المراسلون لوكالات الأنباء والصحفيون وقد ازدحمت قاعة الجلسة بعدد كبير من رجال القانون والضباط وأقارب المتهمين والسيدات . ومنع الدخول إلا بتذاكر – وسأل الصحفيون رئيس المحكمة عن حيثيات الحكم فقال إنها قد تم إنجازها وهي تقع نحو خمسمائة صفحة .

وقد أمرت النيابة بالقبض على البكباشي محمد الجزار المحكوم عليه بسنة حيث قضي منها في السجن ثلاثة أشهر فقط . وهكذا كان من حق القارئ علينا أن يكون على تصور كامل واضح لمعالم المحاكمة وإجراءاتها الرسمية انعقدت جلساتها في خلال عامي 1953, 1954 في قاعة الجنايات بمحكمة القاهرة, وما دار خلالها وما أسفرت عنه من نصوص الأحكام ... فهذا بلا شك جزء لا ني عن الإلمام به لمن يريد أن يلقي على القضية نظرة شاملة .

والواقع أن هذه المحاكمة وما جرى فيها وما أسفرت عنه لم تكن في حقيقة أمرها إلا مجرد مؤشر ذي دلالة ناطقة أشار بأسلوب رمزي إلى الجناة الحقيقيين من بعيد ... وأومأ من طرف بنداء صامت إلى أصحاب الحق أن استرداد حقوقه من غاصبيها هو أمر فوق طاقة القضاء .

ذلك أن القضية ليست نزاعا بين أفراد, بل هي صراع أمم ونضال مرير بين مبادئ وأفكار , وأن هذا الخلاف متأصل في النفوس وأصل إلى أعماقها , وأن الزمن وحده هو الذي يقضي فيه... وهو نزاع قديم متجدد ... إنه الصراع بين الحق والباطل .. وهو الصراع الذي بدأت آخر حلقاته برسالة محمد صلي الله عليه وسلم .. ولا زالت الحرب منذ ذلك الحين قائمة على قدم وساق وإن تشكلت في كل مرحلة من مراحلها بشكل معين وتزيت بزى مختلف .

ولعل هذا هو ما نحا بنا في معالجة هذه القضية هذا النحو الذي جعلنا نوغل فيما أحاط بها من مؤامرات عالمية ومؤشرات سياسية بعيدة الغور وحللنا في خلالها كثيرا من مواقف الأشخاص والأحزاب والحكومات والدول .

وقد يرى القارئ فيما وقع بعد ذلك من أحداث جسام أن الحكم الحقيقي في هذه القضية لم يصدر بعد لأن الزمن حين يصدر حكمه لا يصدره داخل جدران محكمة, ولكن يصدره في ميادين تراق فيها الدماء ,وترخص فيها النفوس, وتزهق فيها الأرواح وتقوض فيها العروش وتذال فيها الدول , ويتغير معها وجع الدنيا .. وسيظل الصراع قائما هكذا حتى يتمخض آخر الأمر عن انتصار الأفكار التي اغتيل حسن البنا من أجلها فتحتل مكانها في القلوب والعقول ,وتكون هي الفيصل بين الناس في جميع شئون حياتهم بعد أن يثبت لهم أفكار المتآمرين وإفلاس أساليبهم ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ) ( فصلت : 53) ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون .وإن جندنا لهم الغالبون ) ( الصافات : 171 -173)( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ) ( آل عمران : 196)

الباب الثاني محاولات أخيرة للإجهاز على الجريح

  • • قانون الجمعيات
  • • المحاكمات .
  • • معالم في هذه القضايا .
  • • البوليس السياسي والتعذيب

الفصل الأول قانون الجمعيات

مقدمة

اعتقد الإخوان ,واعتقد أكثر الناس بأن معاناتهم ومعاناة الإخوان قد آن لها أن تنتهي بعد أن عملوا بكل جهودهم على إسقاط السعديين وتم ذلك بنجاح " الوفد" في الانتخابات , وتقديمه ليتسلم زمام الحكم غير منازع, بالأغلبية الساحقة التي أولوه إياها وهي أغلبية تكاد تكون إجماعا .. لاسيما وأن حصوله على هذه الأغلبية قد جاءه على يأس وكانت قد سدت أمامه السبل .

ولم يأل المسئولون في الوفد جهدا في قطع العهود على أنفسهم وعلي حكومتهم المستقبلة ألا يبقوا من عهد السعديين على أثر , وأن يردوا إلى الشعب وإلى الإخوان المسلمين كل ما سلب من حقوقهم , وأن يعوضوهم عما أصابهم .

وكان الجميع يعرفون أن الورقة الرابحة الحيدة التي لعب بها الوفد في هذه الانتخابات ضد خصومه إنما هي ورقة الإخوان المسلمين , وهي التي جعلته يكتسح اكتساحا , وجعلت مرشحي خصومه يتوارون من الناس خجلا وجعلتهم سخرية للناخبين .

وتسلم الوفد بكل جدارة أزمة الحكم . وأخذ الناس يتطلعون أن توافيهم الإذاعة وتطالعهم الصحف في صبيحة اليوم التالي بالنبأ المرتقب الذي ترتقبه كل نفس في البلاد وهو إلغاء الأحكام العرفية بكل ما نجم عنها وما ترتب عليها ... ولكن طال أمد الانتظار ومرت الأيام تباعا دون أن يتحقق للناس ما يأملون ..

فكثير القيل والقال , واستبد بالناس القلق , وآخذوا يتساءلون فيما بينهم,يوجهون الأسئلة المشوية بالغضب إلى ممثليهم في مجلس النواب .. ووجد سكرتير الوفد ووزير الداخلية الأستاذ فؤاد سراج الدين أن لا بد من إجابة على هذه الأسئلة الملحة فصرح سيادته في 18 يناير 1950 بالتصريح التالي :

" أن الوزارة قبل أن تقدم على رفع الأحكام العرفية ستنتظر حتى تسن قوانين لحماية البلاد ولحماية الأمن ومن ضمنها تشريع خاص بالجمعيات ينظمها ويجعلها لا تحيد عن الطريق الذي أنشئت من أجله , ومن بينها الجمعيات التي نشأ لأغراض دينية بحتة ". تصريح فاجأ الناس ودهمهم وصدمهم وخيب آمالهم وزعزع ثقتهم في هذا الحزب لنقضه عهوده أثناء الانتخابات .

وهذا التصريح المخيب للآمال يضطرنا إلى أن نرجع بالقارئ قليلا إلى الوراء .. إلى عهد السعديين لنفتش عن أواصر القربي التي ربطت بين حزب الوفد وبينهم والتي تدلنا على أنهما – وأن اختلفا في المظهر فإنهما يستقيان من معين آسن واحد .

قدمنا من قبل أن إبراهيم عبد الهادي حين آذنت الدورة الأخيرة لبرلمانه بانتهاء , واستقر في علمه أنه مهما طال الزمن وهو على رأس الوزارة فلابد أنه مواجه يوما من الأيام ترفع فيها الأحكام العرفية .. ولما كانت الإجراءات الشاذة المعلنة على الإخوان المسلمين مرتبطة بوجود هذه الأحكام – لأنها مستمدة منها – فلابد لتأييد هذه الإجراءات من تشريع يسن بالطريق " الديمقراطي " يتضمن كل هذه الإجراءات والقيود .. ومثل هذا التشريع " الديمقراطي " يتطلب أن تضع الحطومة مشروع هذا القانون , وتضمنه ما تشاء من قيود وشروط ثم تعرضه على مجلس النواب فمجلس الشيوخ .. فإذا وافقا عليه وقعه الملك وصار قانونا نافذ المفعول يلتزم به الشعب وتحكم به المحاكم ....

ولما كان التشريع لا يكون تشريعا حتى تكون له صفة العموم , فلا يجوز أن يسن تشريع لفئة خاصة من الشعب أو لطائفة معينة منه , فكان لابد من البحث عن صيغة يكون المقصود منها تقييد نشاط الإخوان المسلمين ووضع العقبات في طريقهم وتأخذ في نفس الوقت صفة العموم .. ,كان أن تمخض تفكير القانونيين عن سن تشريع للجمعيات عامة ..

وطلب عبد الهادي من حكومته وضع المشروع .. فوضعته في الإطار الذي يروقه ويستوفي كل ما انطوت عليه جوانحه من ظلام وحقد .. وأحيل المشروع إلى مجلس النواب الذي أحاله بدوره- كالمعتاد- إلى هيئة تضم لجنتي الشئون الداخلية والشئون الاجتماعية والعمل .... وكانت هذه الهيئة تفهم أن مهمتها تقتصر على تبرير ما تضمته المشروع من أحكام جائزة واستحداث مواد جديدة تضفيها إلى المشروع تزيده جورا وظلما وخروجا على العرف والدستور والقانون .. وإن سمت ذلك تأكيدا للحريات وحفاظا على الدستور.

ولم تعجل عبد الهادي برلمانه في نظر المشروع وإقراره – ولو شاء لتم له ذلك في يوم وليلة – بل تمهل – كما قلنا من قبل – لأنه كان واثقا من أن خمس سنوات طوالا هي في انتظاره ليقضيها على رأس الحكومة القادمة ببرلمانه الجديد.

وأتمت هذه الهيئة البرلمانية تقريرها عن هذا المشروع في النصف الأول من شهر يوليو 1949, وتوطئة لعرضه على مجلس النواب فمجلس الشيوخ .. وقد رأينا أن نطلع القارئ على ملخص لهذا التقرير حتى يرى بنفسه ما كان يعده هذا العهد البغيض للإخوان المسلمين خاصة وللشعب عامة من أغلال تشل يديه ورجليه وتكمم أنفاسه وتقتل إنسانيته وتلغي شخصيته :

  • مشروع قانون الجمعيات

في عهد عبد الهادي وتعديلات لجنة النواب عليه

" انتهت الهيئة المكونة من لجنة الشئون الداخلية ولجنة الشئون الاجتماعية والعمل في مجلس النواب من نظر القانون الخاص بالجمعيات وأدخلت عليه بعض التعديلات وفيما يلي تقرير اللجنة :

دعا منطق الحوادث إلى وجوب تلافي النقص في التشريع لتنظيم الجمعيات . فلا أمر تكوينها فوضي , تندمس فيها العناصر الخطرة فتنحرف بها عن الطريق السورى وتطوح بها إلى هوة الجريمة السحيقة فتقوض أكان الأمن والنظام . فالتحرز في أمر تكوينها والتأكد من أنها أمينة على الغرض الذي قامت من أجله أمر لا جدال فيه لتأمن الجرائم التي تدبر في الخفاء والتي لو تركت لاستشري خطرها وهزت كيان الأمة هزا فتعوقها من اللحاق بركب التقدم والازدهار الذي أخذت نفسها به.

وهذا التشريع إنما هو استكمال حق مقرر بمقتضي الدستور والذي مؤداه :" أن للمصريين حق تكوين الجمعيات . وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون"

لم يتعرض هذا المشروع للجمعيات إلا بالقدر اللازم لوقاية الأمن والنظام لذا نراه لا يتعرض للجمعيات التي ترمي للربح المادي لأعضائها ولا للجمعيات والمؤسسات المنظمة بقوانين أخرى, ل للهيئات المركزية للأحزاب السياسية الحالية لوضوح أغراض تلك الأحزاب ولقيامها منذ فجر الحركة الوطنية – وإن كان يجدر وضع تشريع خاص بها أسوة بما هو متبع في أكثر البلاد الأجنبية لما لها من أكبر الأثر في حياة البلاد للبرلمانية والاجتماعية .

• استصدار إذن:

وقد نص على اشتراط استصدار إذن في حالة انضمام الموظفين والطلبة للجمعيات يكون من رئيس المصلحة بالنسبة للأولين ومن دور التعليم بالنسبة للآخرين , حتى لا يكون التحاق الموظف بجمعية مدعاة لأضرار أهوانها عدم قيامه بعمله على خير وجه وللطالب انصرافه عن الدرس والتحصيل فتنضب ثروة الأمة المرتقبة من جهود شبابها المدخر الذين ينعقد عليهم مستقبلها ومجدها .

• مقر ثابت :

• وقد فرض المشروع على الجمعيات إخطار المحافظة أو المديرية عند إنشائها وموافاتها بالبيانات التي يهم السلطات العلم بها , فإذا لم تعترض المحافظة أو المديرية في المدة المقررة كان للجمعية الحق أن تباشر عملها . كما نص على أن يكون لتلك الجمعية مقر ثابت توجد فيها جميع أوراقها , وأن تنشئ سجلات تدون فيها جميع قراراتها وكل ما يتعلق بنشاطها لتكون واضحة الغرض , بينة المرمى وليسهل على رجال الأمن أمر الأشراف على تلك الأغراض ووسائل تحقيقها .

• قرار الحل :

والجمعية التي لا تلتزم أحكام هذا المشروع أو التي ترتكب مخالفة جسيمة أو تحيد عن هدفها , تستهدف لقرار الحل من مجلس الوزراء . كذلك إذا قامت الجمعية بتدوين بيانات غير مطابقة للحقيقة في الإبلاغ أو الأخطار أو إذا قامت بما يخالف الآداب والنظام العام أو تعدت أغراضها الأساسية ولا يعفي هذا من تطبيق العقوبات الأشد المنصوص عليها في القوانين الأخرى .

وقد رأت الهيئة في المادة (3) إشراك رئيس الجمعية في المسئولية عن الأحكام المنوه عنها في المادة الثالثة إمعانا في الحيطة والحذر فقد لا يكون الرئيس من الداعين إلى تأسيس الجمعية أو المؤسسين لها أو عضوا في مجلس إداراتها فيفلت من المسئولية المقررة في تلك المادة .

كما أضافت الهيئة فقرة أخيرة إلى المادة ( 14) هذا نصها :

" إذا كان مرتكب هذه الجرائم كلها أو بعضها من الداعين لتأسيس الجمعية أو المؤسسين لها أو رئيسا لها أو عضوا في مجلس إدارتها حسب الأحوال وجب ألا تقل عقوبة الحبس عن ستة أشهر والغرامة عن مائة جنيه وذلك بفرض حد أدني لعقوبة من يرتكب جريمة من الجرائم المشار إليها في تلك المادة إذ أن مسئوليتهم في الواقع أشد وجريرتهم أنكي من باقي الأعضاء فلا أقل من أن ينص على أخذهم بالشدة لضمان حد أدني لعقوبتهم فيكونون عبرة لغيرهم ". ولنفس السبب المتقدم أضافت الهيئة فقرة أخيرة للمادة ( 15) هي :

" فإذا كان مرتكب الجريمة من المنصوص عليهم في الفقرة الأخيرة من المادة السابقة وجب ألا تقل عقوبة الحبس عن شهر والغرامة عن عشرين جنيها "

• ورجال الضبط:

ورأت اللجنة بشأن المادة ( 16) الاكتفاء برجال الضبط القضائي في القيام بإثبات الجرائم التي ترتكب مخالفة لأحكام هذا القانون تمشيا مع نصوص مشروع قانون الإجراءات الجنائية .

• القضاء العادي :

ولاحظت اللجنة أنه قد يرد على الخاطر لأول وهلة أن تقدير ركن العمد في تلك الجرائم وحق الحل كان يحسن إخضاعه للقضاء العادي أو الإداري تحقيقا للعدالة , وتوكيدا للطمأنينة ودفعا لمظنتي الشطط والاضطهاد , ولكن هذا الحق المعطي لمجلس الوزراء روعي فيه اتصاله بسياسة البلاد ومصيرها فوق اتصاله بأمنها ونظامها . فهو إذن مقرر لعلاج أمر يستدعي سرعة البت وقوة الحزم .. وهذا الحق لا يتأتي إلا لمجلس الوزراء المنوط به مصالح البلاد العليا , ولا شك أنه في حكمه على تلك الأمور سيكون مستهدفا الصالح العام وحده .

• قطع السبيل :

وقد أيد التشريع قطع السبيل على الجمعيات التي يصدر قرار بحلها من أن تعود بصورة من الصور , وتحرز في ذلك بشتى الوسائل . كما أعطي مهلة شهرين للجمعيات التي يسري عليها أحكام هذا المشروع ومن انضم من الموظفين والطلبة إلى جمعية من الجمعيات لمراعاة تلك الأحكام , واستيفاء البيانات والإجراءات التي أوجبها .

وفي هذا المشروع دعم للأمن فينتشر علم الصفاء على ربوع الوادي وتتضافر جهود الجمعيات لإقامة بناء مجده شامخا عزيز الجانب " هذا ما أعده عبد الهادي لتقييد الحريات

فما الذي فعله الوفد؟

كان هذا هو تقرير الهيئة البرلمانية في عهد السعديين عن مشروع قانون الجمعيات الذي قدمه عبد الهادي إلى مجلس نوابه ...وكان مفروضا أن يعرض على المجلس الذي كان سيسارع بكل قوة إلى إقراره .. ولكن إرادة الله وقضاءه الذي لا يرد داهم عبد الهادى فجأة في يوم 26 يوليو 1949 بما لم يحتسب فأقصي عن الحكم وجهازه الحكومي وهو في أوج سلطانه وعنفوان تمكنه ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ( هود: 102).

وجاءت وزارة انتقالية برياسة حسين سري كانت مهمتها تجميد أعمال برلمان عبد الهادي حتى أصدرت مرسوما في 5 نوفمبر بحله وحددت 2 يناير 1950 لإجراء انتخابات جديدة وأجريت الانتخابات التي تمخضت عن فوز حزب الوفد الفوز المكتسح الذي أشرنا إليه .

وجاءت وزارة الوفد .. فانظر ماذا فعلت وماذا اتخذت من موقف .. موقف مثير للألم إزاء هذا الموضوع الخطير الذي كاد الناس يتهمون أسماعهم وأبصارهم حين رأوا تصرفات هذه الحكومة وسمعوا تصريحات المسئولين فيها..ونحاول إن شاء الله في السطور التالية إحاطة القارئ علما بهذه التصريحات :

أولا : تصريح مذهل:

أصدرت الوزارة بلسان وزير داخليتها وسكرتير حزب الوفد التصريح الذي أشرنا إليه من قبل والذي صدم مشاعر الناس وأذهلهم .

ثانيا : الوفد يحمي ظهر عبد الهادي ويتحدى الشعب :

في 20 فبراير 1950 تقدمت حكومة الوفد إلى مجلس النواب بمشروع قانون لإلغاء الأحكام العرفية وكانت المادة الثانية منه تنص على :

" عدم سماع أى دعوى أو طلب أو دفع يكون الغرض منه الطعن في تصرفات الحاكم أو السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية ".

ومعني هذا النص أن تهدر حقوق جميع الذين أضيروا وعذبوا واضطهدوا وشردوا واعتدى عليهم وعلى أبنائهم وزوجاتهم وأهليهم فلا يكون لواحد من هؤلاء الحق في مقاضاة هذا الحاكم الظالم المعتدى حيث يحميه هذا النص ويجعله في حصانة من أن يطلب للمثول أمام القضاء .

ولسنا ندرى ما هي مصلحة حزب الوفد في حماية إجرام السعديين وتحصينهم ضد القضاء وضد من أضيروا من هذا الشعب الذي بوأهم مناصب الحكومة ليستردوا له حقوقه التي اغتصبها السعديون وداسوها بالنعال ؟

ولقد كان تضمين الحكومة مشروع القانون هذا النص صدمة للنواب الوفديين أنفسهم حتى أن أكثر من نائب منهم طالب بإلغاء هذه المادة. ولكن سراج الدين أصر عليها . فلما رأي الضغط شديدا من جانب النواب اقترح إبدالها بنص آخر تضمن نفس المعني بل إنه كان أشد إبرازا للمعني المبذول وهو : " أنه لا تسمع شكوى الشاكين أمام الجهة القضائية ضد أى عمل تولته السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية أو مندوبوها عملا بالسلطة المخولة لهم بمقتضي نظام الأحكام العرفية وفي حدود تلك الأحكام "

وتكلم عدة نواب فعارضوا ذلك حتى أن العضو الدكتور محمد مندور – رحمه الله - استحلف النواب أن يؤيدوه في إعطاء الحق في مقاضاه الحاكم العسكري وعماله إذا ثبت أنهم أساءوا استعمال السلطة التي خولت لهم.

ولكن مصيبتنا فيمصر هي أن مجالسنا النيابية التي كان مفروضا – كدأب البرلمانات – أن تكون رقيبة على الحكومة لا يعرف أعضاؤها مهمة لهم إلا الولاء للحكومة والخضوع لها والتزلف إليها وخدمة أغراضها والتفاني في إرضائها مهما تعارض إرضاءها مع مصلحة البلاد ومع حريات الشعب ..ولذا فقد نسي أعضاء هذا المجلس تعهداتهم لأهل دوائرهم الانتخابية ونسوا حق بلادهم وأعرضوا عن استحلاف زميلهم لهم وانطلقوا مؤيدين سيدهم وزير الداخلية .

• الوفد يستبقي الأمر العسكري بحل الإخوان :

أما المادة الثامنة من مشروع قانون إلغاء الأحكام العرفية فإنها تستبقي أو تنص على استبقاء عدد من الأوامر العسكرية منها الأمر العسكري بحل الإخوان المسلمين..

وقد نوقشت هذه المادة طويلا في مجلس النواب نظرا لما فيها من تحد ظاهر لمشاعر الناخبين , ومن خرج بالتالي لنواب هذا المجلس .. وطالب كثير من أعضاء المجلس بإلغاء هذا الأمر بالذات مباشرة ومن الآن .. ولكن سراج الدين وزير الداخلية وعبد الفتاح الطويل وزير العدل قررا أن هذا الأمر العسكري سيستمر حتى يصدر قانون الجمعيات ومما قاله سراج الدين:

" لقد كانت هذه الجماعة على صلة طيبة بنا, ولكنا لا ندرى من الذي زج بها في ميدان السياسة ؟"

ثم طلب سراج الدين إقفال باب المناقشة في هذا الموضوع . فصدع المجلس بالأمر ولما نظر مشروع قانون إلغاء الأحكام العرفية أمام اللجنة التشريعية بمجلس الشيوخ عدلت المادة الثامنة على الوجه التالي ." استبقاء الأمر العسكري بحل الإخوان المسلمين لمدة سنة أو حتى يتم سن قانون الجمعيات أيهما تقدم .فإذا لم يصدر قانون الجمعيات في خلال هذه السنة ألغي الأمر العسكري تلقائيا"

ثالثا – حادث تافه ولكن ذو دلالة :

في 29 / 3/ 1950 وقع حادث هو في ذاته تافه إلا أن له دلالات كبيرة ذلك له أمام مسجد المنيرة بالقاهرة – وهو مسجد كان يؤمه كثير من الإخوان في صلاة الجمعة – فبعد صلاة الجمعة في ذلك اليوم وزعت شارات الإخوان .. وقد قامت الحكومة لهذا الحادث التافه كأنه جريمة نكراء ,وأمرت الحكومة بإجراء تحقيق , واعتبرت هذا التصرف مقصودا به إحراج حكومة الوفد مع الإخوان .. ولا ندرى ما وجه الإحراج في هذا مع حكومة تعهدت من قبل أنها سترد للإخوان جميع حقوقهم حين تلي مناصب الحكم ؟!

رابعا – الإخوان يبدون استياءهم من مشروع القانون :

حين وجد الإخوان أن الحكومة مصممة على سن قانون للجمعيات طلبوا إليها في 16/4/1950 أن تتمها في إصداره ,وتعرضه أولا على الهيئات والجمعيات لإبداء ملاحظاتها عليه قبل عرضه على مجلس الوزراء والبرلمان وختم الإخوان مذكرتهم التي تقدموا بها إلى الحكومة بقولهم : " وكيفما كان الأمر فلن يتزحزح الإخوان عن أداء رسالتهم الكبرى كأصحاب دعوة تعمل لخير الوطن والإسلام ".

لم تستجب الحكومة لاقتراح الإخوان فتصدي أحد جهابذة القانون لمناقشة هذا المشروع على صفحات الجرائد فنشرت " الأهرام" مقالا ضافيا للأستاذ محمد حسن العشماوي باشا, وهو وزير معارف سابق ومن كبار رجال القانون في مصر , وكان عنوان المقال " حول تشريع الجمعيات " أثبت فيها القانون المزمع إصداره يتنافي مع الدستور وأن التشريع المصري في وضعه الحالي كفيل بضمان الأمن والنظام وعدم الانحراف عن النشاط المشروع وأنه كفل بذلك الحرية كما كفل الجزاء على سوء استعمالها.

وبعد نشر هذا المقال بيومين نشر "الأهرام " الكلمة التالية :

تلقينا كلمة من الأستاذين أحمد حسن الباقوري وكيل جمعية الإخوان المسلمين ومحمد طاهر الخشاب المحامي وعضو مكتب الإرشاد بالجمعية جاء فيها ما يلي :

" إذا كنا لا نملك حق الحديث عن الإخوان المسلمين , لأن رئيس أية هيئة هو الذي يملك الحديث عنها لكن هناك أمورا دخلت في لب التفصيلات والخطط الجزئية وهي أشبه بالمبادئ العامة ويجوز لكل منتم إلى تلك الهيئة أن يتناولها بالحديث , ومن هذا الجانب نستطيع أن نقول : أن عودة الإخوان المسلمين حق لهم وليس منحة من أحد الناس والإخوان المسلمون موجودون فعلا وهم يؤدون رسالتهم الخالصة في حدود ما يعتقدون أن فيه مصلحة لوطنهم – أداء كاملا لا ينقص منه عدم الاعتراف بهم من الناحية الرسمية .

أما قانون الجمعيات الذي تزمع الحكومة – كما قال معالي وزير الداخلية – إصداره فقد قال أحد كبار رجال القانون قوله فيه . ولعل الحكومة تنصف نفسها فتعيد إلى الإخوان حقهم المسلوب كاملا "

خامسا : تواطؤ الأحزاب التقليدية :

كان هناك اتفاق بل تواطؤ بين جميع الأحزاب التقليدية بما فيها الحزب الوطني على إصدار هذا التشريع القاتل للحريات فتصدت حكومة الوفد – ناكثة عهودها لمهمة إصداره , ووقفت الأحزاب الأخرى موقف الشيطان الأخرس لا تتكلم ولا تعترض بل تؤيد من صميم قلبها كل خطوة تخطوها الحكومة.... • اللجنة العليا للحزب الوطني تشجب المشروع :

ولم يبق بعد ذلك إلا القلة القليلة من الأحرار من الشباب الذي يمثله حزب مصر الفتاة والمجموعة التي يرأسها فتحي رضوان وتضم محمد زهير جرانة ومصطفي المنزلاوي والدكتور نور الدين طراف والتي اعتبرها الحزب الوطني شاغبة عليه وأصدر هذا الحزب في 29 يناير 1950 قرارا بفصلها , فأعلنت عن نفسها أنها " اللجنة العليا للحزب الوطني "

وأنها صاحبة الحق في الكلام باسم الحزب الوطني .. وقد أصدرت هذه اللجنة بمناسبة تصميم الحكومة إلى إصدار هذا التشريع بيانا في 8/2/ 1950 جاء فيه :

" ولذلك تري اللجنة أن التشريع الذي تنوى الحكومة إصداره لتحويل الأمر العسكري الرقيم 63 من إجراء اقتضته ضرورات النزاع القائم بين الحكومة السابقة وجماعة الإخوان المسلمين إلى قانون دائم هو تشريع مخالف لروح الدستور وأن الأحكام العرفية تعتبر باقية طالما أن هذا القانون لم يلغ لأن المصريين لم يحسوا بوطأة الحكم العرفي فيما يخص حملة فلسطين وإنما أحسوا بوطأته في حملة الحكومة ضد المسلمين وأنصارهم ومن أخذ بشبهة الاتصال بهم أو معاونتهم .

ولا يفوت اللجنة أن تشير إلى أن التشريع المزمع إصداره قد نص على منح وزير الداخلية حق مراقبة الأشخاص الذين كانوا معتقلين في ظل الأحكام العرفية الملغاة وأن من حق هؤلاء أن يعارضوا في قرار المراقبة أمام لجنة مكونة من رئيس محكمة ورئيس نيابة ومندوب عن قسم الرأي في مجلس الدولة .

واللجنة – اللجنة العليا للحزب الوطني – ترى أن مراقبة السياسيين هي ابتكار جديد تسبق به الدولة المصرية جميع الدول ولعل ذلك مما يصمنا في وقت تعلو فيه الصيحة للحرية في كل مكان وترى اللجنة أن الحكومة قد أخطأها التوفيق حتى في اختيار الهيئة التي يعارض أمامها هؤلاء التعساء الذين اعتقلوا لشبهات وظنون والذين يراد استمرار تعذيبهم لنفس هذه الشبهات والظنون فقد كان ممكنا أن يلجاؤا بشاياتهم وظلاماتهم للمحاكم العادية على اختلاف درجاتها فالحد من حقهم القانوني وخلق محاكم مصرية خصوصية يعيد إلى الذهن ذكريات الاحتلال البريطاني القديمة التي لا نظن أن الحكومة تود إحياءها .

لقد عاهدنا أنفسنا أن نخلص النصح للحكومة في هوادة ورفق وهنا نحن أولاء نناشدها مناشدة المواطن لأخيه أن تعدل عن إصدار هذا التشريع لتلتئم جروح الماضي ولتسدل على مآسيه وآلامه ستار كثيفا عسانا نستطيع أن نقف في وجه ما تدبره لنا الأيام من مخاطر صفا واحدا ملء قلوبنا الثقة بالوطن وبرحمة وعدل أبنائه"

هذه هي مذكرة اللجنة العليا للحزب الوطني ... أما موقف مصر الفتاة فلعل سطورا تالية إن شاء الله تجليه.

سادسا : مجلس الوزراء يصر ويقر مشروع القانون :

لم تعر الحكومة اقتراح الإخوان ولا نصيحة الناصحين اهتماما , وفوجئ الشعب بإقرار مجلس الوزراء لمشروع القانون وإحالته إلى مجلس النواب .. وقبل أن نعرض لما قوبل به هذا المشروع من مختلف الجهات نرى أن نقتطف منه البنود الهامة حتى يوازن بين هذا المشروع وبين مشروع السعديين وربما خرج القارئ من الموازنة بالنتيجة المؤلمة وهي أن المشروعين مشروع واحد , وكانت ستقدمه يد أثيمة ملطخة بالدماء والعار وارتضت لنفسها أن تنوب عنها في تقديمه يد كنا نعتقد أنها تربا بنفسها أن تنوب عنها في تقديمه يد كنا نعتقد أنه تربأ بنفسها أن ترضي بذلك... وإليك أهم بنود هذا المشروع ثم نتبعها بالمذكرة الإيضاحية له :

من مواد مشروع قانون الجمعيات لحكومة الوفد

المادة الأولي – يسري هذا القانون على الجمعيات التي تسعى إلى تحقيق أغراض اجتماعية أو دينية أو علمية أو أدبية إذا كان عدد أعضائها يزيد على عشرين شخصا طبيعيا .

المادة الثالثة – لا يجوز أن يشترك في تأسيس الجمعية أو ينضم إلى عضويتها :

(أ‌) المحكوم عليهم بعقوبة جنائية
(ب‌) المشتبه فيهم
(ت‌) القصر .

المادة الخامسة : يجوز للمحافظ بقرار مسبب أن يعارض في إنشاء الجمعية أو فروعها خلال الثلاثين يوما التالية لوصول إخطارها إلى المحافظة .

المادة السادسة : يجب على من يناط بهم إدارة الجمعية أن يخطروا المحافظ خلال ثلاثين يوما بكل تعديل في النظام وبالقرار الذي يصدر بحل الجمعية وأسبابه – وفي حالة عدم توفر حكم من أحكام هذا القانون يجوز للمحافظ أن يعارض في التعديل بقرار مسبب خلال ثلاثين يوما من تاريخ الإخطار ..

المادة السابعة – على الجمعية أن تحتفظ في مركزها بالوثائق والأوراق والسجلات الخاصة بها والصور الفوتوغرافية للأعضاء وبمعلومات كاملة عن كل عضو , وتدون محاضرها وحساباتها في دفاتر مفصلة .

المادة الثامنة – يحظر على غير أعضاء الجمعية المقيدة أسماءهم في سجلاتها أن يشتركوا في إدارتها أو في مداولات الجمعية العمومية .

المادة التاسعة – لا يجوز للجمعية أن تجاوز في نشاطها الغرض الذي أنشئت من أجله .

المادة العاشرة – يحظر على الجمعية أن يكون لها تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية.

المادة الحادية عشرة – مع عدم الإخلال بأحكام المادة 66 من القانون المدني يجوز لوزير الداخلية عند مخالفة أحكام المواد 10,9,8,7,6,3 أن يطلب حل الجمعية أو فروعها أو إبطال الإجراء المخالف , ويقدم الطلب إلى المحكمة الابتدائية لتابع لها مركز الجمعية أو الفرع ويكون الحكم الصادر منها نهائيا .

المادة الثالثة عشرة – عقوبات بالحبس والغرامة 6 شهور ومائة جنيه لمن يخالف هذا القانون .

المادة السادسة عشرة – يكون لرجال الضبط القضائي في سبيل إثبات الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له حق الاطلاع على دفاتر الجمعية وحساباتها وأوراقها .

  • المذكرة الإيضاحية للمشروع

نصت المادة 21 من الدستور على أن للمصريين حق تكوين الجمعيات وأن كيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون وبناء على هذا النص فإن حق المصريين في تكوين الجمعيات أصبح مقررا في الدستور بحيث لا يجوز المساس به , وإنما تكون مهمة المشرع مقصور على تنظيم استعمال هذا الحق ومراقبة السلطة التنفيذية لاستعماله ضمانا لعدم تجاوز الجمعيات في نشاطها الحد المشروع .

ثم قالت المذكرة : إنه يبدو أن القانون المدني بما تضمنه من أحكام خاصة بالجمعيات في المواد من 54 إلى 68 وفي المادة 79 قد سد فراغا في هذه الناحية , وإنما الواقع أن هذا القانون لم يعن وكان له أن يعني بأكثر من تنظيم الجمعيات عموما من الناحية المدنية وحقوق الأعضاء قبلها , وكيفية التصرف في أموالها عند حلها وتقييد حق ملكيتها في العقارات وتمتعها بالشخصية الاعتبارية بمجرد إنشائها وشهرها وما يترتب على عدم الشهر , وجواز إبطال القرارات التي تصدرها بالمخالفة للقانون أو لنظام الجمعية , والجهة التي تصدر حكمها بإبطال هذه القرارات وكذلك جوار إبطال التصرفات التي يقوم بها مديرو الجمعية متجاوزين حدود اختصاصاتهم .

وليس في هذه الأحكام أى غناء عن إصدار تشريع آخر بتنظيم هذه الجمعيات من حيث خضوعها لمراقبة السلطة التنفيذية ضمانا لعدم خروجها في نشاطها عن الحد المشروع والإتيان بما ينطوى على إخلال بالنظام العام أو الأمن العام أو الآداب العامة مما يدخل في نطاق القانون العام . وتحقيقا لهذه الغاية قامت الحكومة بما وعدت به البرلمان في دور انعقاده السابق بوضع مشروع القانون المرافق وضمنته أحكاما تسري على الجمعيات التي تنظم بقوانين خاصة ويجرى العمل بمقتضاه جنبا إلى جنب مع تلك القوانين الخاصة .

وختمت المذكرة بالقول إنه من المفهوم أن أحكام القانون المدني في شأن الجمعيات تسري على الجمعيات المنظمة بهذا المشروع باعتبارها أحكام القانون العام في هذا الشأن. ولتأكيد ذلك المعني بوضوح رؤى النص في المادة ( 17) على أنه ( فيما عدا الأحكام الخاصة الواردة في هذا القانون تسرى على الجمعيات المنصوص عليها فيه أحكام القانون المدني ) .

ومن المفهوم كذلك أن هذا المشروع لا يسري على الجمعيات السياسية وبعبارة أخرى الأحزاب السياسية وذلك لأن هذه الأحزاب لها من الأهمية والخواص بما يجعلها محلا لتنظيم خاص بتشريع يصدر مستقبلا في المستقبل إذا رؤى لزوم ذلك – وهذا فضلا عن أن المصريين يمارسون حقوقهم السياسية التي خولها لهم الدستور في حدود القوانين القائمة وحسبنا أن نذكر أنهم يشتركون بمالهم من تشكيلات سياسية في حكم البلاد , وفي توجيه سياستها عن طريق الاشتراك في الانتخابات العامة وفي البرلمان .

سابعا : قانون الجمعيات أمام لجنتي الشئون التشريعية والداخلية بمجلس النواب

في 17/4/1950 عرضت الحكومة مشروع هذا القانون على مجلس النواب فأحيل إلى لجنتي الشئون التشريعية والداخلية ..وطلبت الحكومة مناقشته في اليوم التالي .. فعارض بعض النواب في هذا التعجل الذي لا داعي له .

وفي يوم 18 منه بدأت اللجنة في مناقشة وكان المفروض ألا تستغرق مناقشة مواد القانون السبع عشرة وقتا طويلا غير أن المعارضة التي قوبل بها القانون من فريق من الأعضاء أدت إلى أن تستغرق مناقشته سبع ساعات كاملة .. وقد عقدت اللجنة اجتماعين أحدهما في الصباح والآخر في المساء .

• الحكومة تهدد أعضاء اللجنتين :

ولما كانت المعارضة من الشدة حتى أنها دفعت ممثل الحكومة عبد الفتاح حسن بك وكيل وزارة الداخلية البرلماني إلى التهديد بأن الحكومة ستضطر إلى سحب مشروع القانون في حالة رفض اللجنة له وتستعيض عن ذلك بحل الجمعيات بقرارات من مجلس الوزراء .

• معارضة في المبدأ :-

وقد حمل لواء المعارضة ثلاثة من أعضاء اللجنة هم الأساتذة فريد زعلوك وعوض الجندي بك ومحمود كمال أبو النصر . فقد أعلنوا في بدء الاجتماع أنهم يرفضون فكرة القانون من مبدئها ولا يقرونه على الإطلاق لأنه يتنافي والحريات العامة والدليل على ذلك أن القانون المدني حدد طرق إنشاء الجمعيات المختلفة وكيفية التصرف في مواردها المالية كما أن قانون العقوبات نظم طرق المعاقبة على ارتكاب الجرائم ..فلا محل إذن لاستصدار تشريع جديد خاص بالجمعيات والتخوف من إنشائها وطلبوا من اللجنة أن تقرهم على طلبهم الخاص برفض نظر هذا القانون .. غير أن بقية الأعضاء لم يوافقوا على هذا الرأي .

• شروط العضوية :

وأخذت اللجنة في مناقشة مواد القانون مادة مادة .. وتوقفت طويلا عند المادة الثالثة الخاصة بشروط العضوية . واستغرقت المناقشة فيها أكثر من ساعتين كاملتين إذ طلب الأستاذ عوض الجندي استثناء المحكوم عليهم في جرائم الرأي من عدم جواز اشتراكهم في الجمعيات , غير أن الحكومة رفضت الأخذ بهذا الرأي وقالت أن عقوبة جريمة الرأي لا تعتبر جناية أما العقوبات المشددة التي تنزل بالجرائم التي يرتكبها الهدامون كالشيوعيين وأمثالهم فلا يجوز التغاضي عنها والسماح لمن صدرت ضدهم أحكام لمثل هذه الأسباب بالاشتراك في الجمعيات .

القصر وعدم جواز اشتراكهم :

وعارض الأستاذ فريد زعلوك في حرمان القصر والمشتبه فيهم من الاشتراك في لجمعيات . غير أن الحكومة خالفت هذا الرأي وأشار ممثلها إلى أن المجال متسع أمام القصر للاشتراك في الجمعيات المدرسية وما يشابهها .وأخيرا وافقت أغلبية اللجنة على هذه المادة دون تعديل ..

• حكم الحل غير نهائي :

وتمت الموافقة بعد ذلك على بقية المواد دون إدخال أى تعديل عليها ما عدا المادة الحادية عشرة التي كانت تنص على أن يكون حكم المحكمة الخاص بحل الجمعيات نافذا ونهائيا إذ رأت اللجنة تعديلها فنصت على أن يكون الحكم الذي تصدره المحكمة على أى جمعية حكما غير نهائي وقابلا للاستئناف .

• حق الالتجاء لمجلس الدولة :

وقررت اللجنة أيضا إضافة مادة جديدة بعد المادة السادسة نص فيها على أن اعتراض المحافظ أو المدير على إنشاء الجمعية وكذلك اعتراضه على كل تعديل في نظامها يمكن التظلم منه أمام مجلس الدولة:

• الأحزاب السياسية :

هذا وقد اعترض الأستاذ فؤاد زعلوك على عبارة وردت في نهاية المذكرة الإيضاحية للقانون يفهم منها أن الأحزاب السياسية ستكون محل تنظيم خاص بتشريع سيصدر مستقبلا في المستقبل إذا رؤى لزوم ذلك وطلب حذف هذه الفقرة من المذكرة فوافقت الحكومة وأقرت اللجنة على ذلك .

• تسجيل رأي الأقلية:

هذا وستقوم اللجنة بوضع تقرير برأيها في مشروع القانون اليوم في الصباح ليعرض في الجلسة الخاصة التي سيعقدها مجلس النواب في مساء اليوم لهذا الغرض .

وقد اختارت اللجنة الأستاذ محمود فهمي جندية بك مقررا لرأي الأغلبية التي وافقت على المشروع والأستاذ فريد زعلوك ليشرح رأي الأقلية التي رفضته .

وكانت الحكومة – بعد أن حظيت من هذه اللجنة البرلمانية على ما تبتغي مستغلة في سبيل ذلك كل ما كان متاحا لها من وسائل – كانت حريصة على عرض المشروع في نفس اليوم على المجلس كله.

ثامنا : موقف الإخوان من القانون :

لم يقف الإخوان مكتوفي الأيدي أمام هذا التدبير الذي قصد به قتلهم ووأد الحرية في البلاد.. فقد عقدوا اجتماعا طويلا مساء ذلك اليوم ونظروا فيه في مشروع القانون الذي يناقشه البرلمان في الغد على وجه الاستعجال .

• رفض العودة وإعداد مذكرة :

وانتهي اجتماعهم إلى قرار أعلنوا فيه رفضهم العودة في ظل هذا القانون وأنهم يكتفون بالتزام موقفهم الحالي بمعني أنهم مكونون فعلا ولا يضيرهم أن يحرم الشعب من امتداد دعوتهم للاستفادة بخيرها – كما أقر الاجتماع مذكرة ناقشوا فيها المشروع وضمنوها رأيهم فيه وقرروا إبلاغها إلى المسئولين وتوزيعها على أعضاء مجلس النواب قبل نظرهم المشروع .

• نص مذكرة الإخوان :

إن الإخوان حين يبدون رأيهم في مشروع قانون الجمعيات لا يرمون من وراء ذلك حماية مصالحهم التي لا صلة لها بهذا القانون .. وإنما يريدون أن ينبهوا الشعب المصري إلى ما يحمله هذا المشروع من قيود فرضها على حقوق الأفراد التي كفلها الدستور للمصريين في تكوين الجمعيات ومن حد من نشاط هذه الجمعيات ذات الأغراض السامية ومن وضع لها تحت سلطان الإدارة وتقلباتها إلى أبعد الحدود .

ونريد أن يذكر نواب الأمة وشيوخها الذين سيتولون مناقشة هذا القانون موقفهم المجيد في أول الجلسة الماضية حين أريد أن يعبر القانون المجلس دون دراسة أو تمحيص .ونريد أن يذكر نواب الأمة وشيوخها الذين سيتولون مناقشة هذا القانون موقفهم المجيد في أول الجلسة الماضية حين أريد أن يعبر القانون أن المجلس دون دراسة أو تمحيص .

وليذكروا دائما أن كل قانون رجعي لن يقتصر ضرره على جماعة من الأمة دون جماعة بل إن مساوئه ستمتد إلى جميع المصريين بما فيهم حضرات الشيوخ والنواب أنفسهم فإن سلطان الحكم إذا كان يعفي من كثير من المتاعب مؤقتا فإنه سلطان زائل. أما القانون الرجعي فباق أثره السئ في تعويق الأمة عن نهضتها .

وإنا لنتساءل أولا .. ما الداعي إلى إصدار هذا القانون ؟ والقانون المدني وما حوى من مواد تنظم الجمعيات وتراقب نشاطها كفيل بأن يحفظ لها حريتها في حدود القانون.

وما نظنها بحاجة إلى إضافة قيود جديدة في صور هذا المشروع المقدم من الحكومة أخيرا ثم نتساءل ثانيا عن المقصود بعبارة " أغراض دينية" الواردة في المادة الأولي من المشروع ؟,.... فإنها على هذا النحو لا تتفق مع الإسلام وهو دين الدولة الرسمي لأن الإسلام من العموم في معناه وشموله لكافة نواحي النشاط , بحيث لا يتفق إطلاقا مع الفكرة السائدة في الغرب من التفريق بين الدين والتربية والسياسة فإن كان قصد القانون من هذه العبارة – وهو مالا يتصور غيره – هي تلك التي تدعوا إلى مكارم الأخلاق , والتمسك بالفضائل فليحدد الشارع إذن هذا الغرض على أساس " الأغراض الخلقية مثلا فيزيل اللبس ويتجنب ما قد يثور من اعتراض .

ونظرة خاصة إلى نصوص هذا القانون تكشف عن العجلة التي صاحبت إعداده, والرغبة في إصداره على أى وضع , حتى جاء مجافيا لأولويات المبادئ التشريعية , منافيا لأبسط أسس العدالة مهدار للكثير من حريات الأفراد وحقوقهم :

أ: الشباب أحوج إلى التربية

تنص المادة الثالثة من المشروع على حرمان القصر أى الشبان من الانضمام إلى عضوية الجمعيات ذات الغرض الاجتماعي أو الخلقي أو الأدبي أو العلمي .

وهذا التحريم أمر غير مفهوم وغير مقبول , إذ أن الشباب أحوج الناس إلى الانضمام لجمعيات تلك أغراضها : تربيهم وتنشر بينهم العلم , وكيف تستسيغ أن يحرم على الشباب الانضمام لجمعيات تربوية وثقافية بينما يجوز لهم قانونا الانضمام إلى الأحزاب السياسية التي تعرضهم للفساد وتزج بهم في مضمار الحزبية التي تضربهم دون أن تعود عليهم منها أية فائدة خلقية أو تربوية أو علمية .. هذا أمر غير مستساغ إلا إذا كان المقصود حماية مصالح الأحزاب دون الشباب ..

ولا يمكن أن يقبل الاحتجاج بأن القاصر غير مكتمل الأهلية . فهذا حجة لا صلة لها بالتربية والتثقيف عن طريق الجمعيات بل هو أدعي لإباحة انضمام القصر للجمعيات فضلا عن أن تشريعاتنا تحمل القصر – وأهليتهم غير مكتملة – أمانة الوظائف العامة حتى الخطير منها مثل النيابة العامة .

ت‌- ما شأن وزير الداخلية ؟

يقضي المشروع بأن وزير الداخلية هو صاحب الإشراف على الجمعيات إذ يطلب حلها ويصدر اللوائح التنفيذية للقانون الخاص بها , ولا ندرى صلة الأغراض التي تسعي إليها هذه الجمعيات بوزارة الداخلية .. فكلها أغراض اجتماعية وخلقية وعلمية وأدبية يعم نفعها المجموع .. فكان من الطبيعي أن يكون الإشراف على القانون الخاص بها لوزارة تشجعها وترعي مصالحها وتتفق وأغراضها كوزارة الشئون الاجتماعية ووزارة المعارف العمومية.

ث‌- البوليس :

إذا كان القانون قد نظم الجمعيات في بضع مواد فقد قضي عليها في مادة واحدة ألا وهي المادة السادسة عشرة التي تجعل لرجال البوليس حق الاطلاع على سجلات الجمعية وكافة أوراقها لإثبات المخالفات القانونية .. فهل يمكن أن تدلنا الحكومة على الصلة بين البوليس وهذه الجمعيات ذات الأغراض السامية التي تتبع في تحقيق أغراضها أسسا علمية ؟... أما كان المنطق يقضي بترك هذا الاطلاع لفنيين متخصصين ؟ أمترى أريد أن يترك لرجال البوليس الذين يخدمون أغراضا حزبية وسياسية ؟

د. أسباب طلب الحل:

يبدو أن الغرض الأساسي من هذا المشروع هو منح الحكومات أوسع سلطة ممكنة في قتل الجمعيات بواسطة طلب حلها – ولا أدل على ذلك من أن المادة الحادية عشرة أعطت وزير الداخلية الحق المطلق في طلب حل الجمعيات عند وقوع أى مخالفة للمواد 10,9,8,7,6,3 من القانون – أى أغلب نصوصه .. مع أن طلب حل الجمعية يجب أن يراعي فيه أنه طلب خطير واستثنائي يعادل طلب الإعدام للشخص الطبيعي .

والمنطقي من الأمر أن يقصر طلب هذا الجزاء على المخالفات الخطيرة الجوهرية لأحكام القانون والتي تنسب إلى الجمعية ذاتها ... أما المخالفات القانونية أو العرضية والتي ترجع إلى الأشخاص فيكفي فيها الحكم بإبطال الإجراء وتصحيح الوضع .

هـ - الحل بحكم نهائي :

وأريد أن أسأل أخيرا عن الداعي لجعل الحكم الذي يصدر من المحكمة الابتدائية بحل الجمعية بناء على طلب وزير الداخلية حكما نهائيا لا يجوز الطعن فيه بأى طريق من طرق الطعن في الأحكام .. في حين أن العقوبات الأخرى التي نص عليها القانون في مادته الثالثة عشرة مثلا تسرى عليها القواعد فيجوز الطعن فيها بالاستئناف حتى لو لم تكن العقوبة إلا بغرامة قروش معدودة .

فهل يرى واضع المشروع أن حل جمعية أى الحكم بإعدامها أمر أهون من حكم الغرامة .. فلا يترك الباب مفتوحا أمام الجمعية للطعن في الحكم لطرق التي قصد بها في التشريع التأمين لسلامة الأحكام ؟

: ولا حاجة بنا للقانون إطلاقا :

إن الإخوان المسلمين وأن كانوا قد درسوا مشروع قانون الجمعيات وأدلوا برأيهم القانوني فيه. فإنهم لا يزالون عند رأيهم من أن أوضاعنا التشريعية ليست بحاجة إطلاقا لصدور أى قانون بضيف جديدا إلى ما ضم القانون المدني من نصوص كاملة لا تحتاج إلى مزيد.. تاسعا: محاولة أخيرة للإنقاذ : في 19/4/1950 نشرت الصحف بيانا عما تم في مجلس النواب بالأمس تحت العنوان التالي :

" ثلاثة آلاف متظاهر من الإخوان المسلمين أمام مجلس النواب أمس "

" فؤاد سراج الدين باشا يفند أقوال المعارضين للمشروع - المجلس يقر القانون ".

وكانت المظاهرة الإخوانية تهتف " الإسلام دين ودنيا" " الإسلام نظام لا يحتاج إلى نظام " " الإسلام قانون لا يحتاج إلى قانون " وهم يحملون المصاحف – وخطب الجموع صالح عشماوي ثم فريد عبد الخالق . ثم سمح لوفد منهم بمقابلة رئيس المجلس وتقديم مذكرة إليه , وكان الوفد من صالح عشماوي وسعد الوليلي وفريد عبد الخالق وأمين إسماعيل .

• مناقشة في المجلس بين أحرار قلائل وحكومة مستبدة :

وأهم ما دار في المجلس من مناقشات في هذا اليوم هو الآتي :

قال الأستاذ فريد زعلوك : لا حاجة قط إلى هذا القانون المعروض علينا الآن ما دام القانون المدني قد نص فيه على تنظيم الجمعيات من الناحية المدنية , كما أن القانون الجنائي قد نص فيه على تنظيم الجمعيات من الناحية الجنائية أما لجرائم لسياسية فشأنها كشأن الأحزاب السياسية التي لا تخضع لأى نوع من أنواع التنظيم أو الرقابة _ وقال : إن الضمانات التي وردت في مشروع القانون ومنها رفع الأمر إلى مجلس الدولة , تشبه رجلا نسرق نقوده ثم يقال له : اذهب إلى المحكمة – فيحين أن الأصل ألا تسرق نقوده .

وتكلم الأستاذ عبد الحميد السنوسي فقال :

إن الهيئة التي بحثت مشروع القانون قالت في تقريرها أن هذا المشروع مماثل لأرقي التشريعات في العالم . وقد رجعت إلى القانون الإنجليزي وإلى القانون البلجيكي وبعض القوانين الأجنبية فلم أجد فيها قانونا مماثلا أو شبيها بهذا القانون وقال : إن مجلس الدولة قد انحرف عن طريق الدستور بإقراره هذا التشريع .

فقال عبد الفتاح حسن الوكيل البرلماني : لا أذيع سرا إذا قلت أن سعادة رئيس مجلس الدولة وواضع القانون المدني العام قد شارك في وضع نصوص مشروع القانون المعروض عليكم ..

وتكلم الأستاذ إبراهيم شكري – مصر الفتاة – فقال :

إن هذا الاستعجال في نظر مشروع القانون , والظروف التي تحتم أن يصدر في وقت معين قبل أن ينتهي تاريخ الأمر العسكرى الذي حل جمعية الإخوان المسلمين .. يؤيد أنه تشريع خاص أريد به حالة خاصة وهي حالة " الإخوان المسلمين " وإن هذا القانون يخالف روح دستور لأنه قصد به تنظيم بوليسي للإشراف على الجمعيات.

وقال : أن معالي وزير الداخلية واثق من أن هذا المجلس يري ما يراه معاليه.

وثار المجلس – كالمعتاد – وعد هذا الكلام إهانة له فاعتذر إبراهيم شكري .

وانتهي الأمر بموافقة البرلمان بمجلسيه على القانون ..واستغرق الموضوع كله منذ بدء تقديم المشروع إلى مجلس النواب حتى التصديق عليه من المجلسين الفترة من 18 / 4 حتى 25/4

• تعقيب على هذا التشريع:

أوردنا هذا القانون , وأوليناه اهتماما خاصا وفصلناه تفصيلا . مع أنه – وقد أراد الذين أوحوا به وأراد الذين تحملوا إصر تمريره بالخطوات التي جعلته قانونا , أن يجعلوه غلا دائما في عنق الشعب – أراد الله الذي بيده الأمر كله أن يئده حيا وأن يجعل الجهد الذي بذلوه في إنجازه كما قال في كتابة ." وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ".

بعد إنجاز هذا القانون واستوائه تشريعا فعالا كما يقولون , لم يستمتع الذين أنجزوه ولا الذين أوحوا به بيوم واحد ذاقوا فيه لذة ما كانوا يأملون من لذع ظهور الشعب بسياطه .. فلقد تعاظمت الأمور وتفاقمت ووجدت الحكومة نفسها في أمس الحاجة إلى سند يسندها من الشعب فتناست هزلها الذي كانت تهزله , وراحت تلتمس من الشعب العون والتأييد والحماية والتسديد .

فلم إذن كان اهتمامنا هذا الشديد بقانون لم يعمل به واندثر فيما اندثر من مئات القوانين ؟.. لقد كان اهتماما لدواع منها :

أولا : الإلمام بالتاريخ : وهي فترة مرت بها الدعوة , وكانت من أعصب فتراتها فكان لابد من الكتابة عنها والإبانة عما أحاط بها .. وهو أمر لا غني عنه .
ثانيا : لفت النظر إلى صفحات مطوية : فمن أخطر الأمور أن يهمل أصحاب الدعوات النظر إلى صفحت التاريخ المطوية , وألا يولوا اهتمامهم إلا للصفحات المنشورة .. ظنا منهم أن صفحة ما كادت تفتح حتى طويت هي صفحة عقيم , بدليل أنها كانت عديمة الأثر في أيامها , فهي في غير أيامها أشد عدما .. في حين أن مثل هذه الصفحات لم تطو, لأن أحداثا أكبر منها لنموها طغت عليها وحجبتها ولكنها لا تلبث – وهي مستكنة – حين تجد البيئة المناسبة لنموها أن تنطلق من سباتها وتكشف عن أنيابها .
ثالثا : أن يتنبه أصحاب الدعوات إلى أن لمناصب الحكم سحرها الذي لا يقاوم فقد يكون الرجل كريما نبيلا, يتدفق رقة ووطنية وإخلاصا .. فإذا احتل منصة الحكم صار شيئا آخر ونسي ما كان يدعو إليه من قبل .
رابعا : أن يعرف دعاة الدعوة الإسلامية أن جميع القوى العاملة في ميدان السياسة والاجتماع – مهما اختلفت وجهاتها وتباينت مناهجها وناصب كل منها الآخر العداء – تتفق جميعا وتنسي خلافاتها في مواجهة الدعوة الإسلامية .
خامسا : إنها لحقيقة ثابتة ,جديرة بالاعتبار والتدبر .. تلك هي " أن التاريخ يعيد نفسه " على المؤمنين الكيسين الفطنين أن ينتفعوا بهذه الحقيقة .

وتوضيحا لهذه الدواعي الخمسة نقول :

• الجولة الأولي لمحاولة فرض هذا التشريع الخانق :

ليست هذه هي المرة الأولي أو بالتعبير الأدق ليست هذه هي المحاولة الأولي التي حاولت فيها حكومة مصرية إنشاء القيود وخلق العقبات أمام تكوين الجمعيات فلقد بدأت هذه المحاولات وزارة الوفد التي تولت زمام الحكم في فبراير 1942 .. إذ وضعت هذه الحكومة مشروع قانون سمته " قانون تنظيم الجمعيات الخيرية " وعرضته على مجلس وزرائها ثم على مجلس نوابها وناقشه هذا المجلس وفي 20/ 6/ 1944 اعتمد هذا المجلس من هذا المشروع النص التالي :

تعد جمعية خيرية كل جماعة من الأفراد تسعى إلى تحقيق غرض من أغراض البر سواء أكان ذلك عن طريق المعاونة المادية أو المعنوية وتعد مؤسسة اجتماعية كل مؤسسة تنشأ بتخصيص مال لمدة غير معينة سواء أكانت هذه المؤسسة تقوم بأداء خدمة إنسانية أو دينية أو علمية أو فنية أو زراعية أو رياضية أو أى غرض آخر من أغراض النفع العام دون قصد إلى تحقيق ربح مادي لأعضائها – ويشترط في جميع الأحوال ألا تكون الجمعية أو المؤسسة ووسائلها في تحقيق هذه الأغراض مخالفة للنظام أو الأمن العام أو الآداب العامة " وأقيلت حكومة الوفد في 9/10/1944 قبل أن يستكمل مشروع القانون خطوات إصداره . وجاءت حكومة السعديين برياسة أحمد ماهر الذي اغتيل فجاء من بعده النقراشي ..

ومعروف أن وزاراتنا الحزبية في مصر تأتي كل وزارة منها إلى الحكم وهمها الأول أن تنقض ما بنته سابقتها إن خيرا وإن شرا .. ولكن وزارة السعديين نقضت ما بناه الوفد في وزارته إلا " قانون تنظيم الجمعيات الخيرية " فإنها أبقت عليه وتبنته وأخذت في استكمال خطواته " حتى أصدرته على نفس الأسس وبنفس الصياغة التي تركته بها الوزارة الوفدية وكل الذي فعلته وزارة السعديين أن عرضت على البرلمان بقية المواد التي لم تكن قد عرضت بعد.

ووافق برلمان السعديين على التشريع وأصدر قانونا في أبريل 1945 .. وكانت إحدى مواده تجعل للحكومة حق حل الجمعية إذا اشتغلت بالسياسة .. وهو بيت القصيد ..

ولا شك في أن القارئ الكريم مدرك من مجرد ما أشرنا إليه من بنود هذا القانون أنه إنما كان المقصود به هيئة واحدة وجمعية معينة .. أرادوا أن يقذفوا بها بعيدا عن ميدان السياسة ويضعوا كل أنشطتها تحت رقابتهم حتى يظل ميدان السياسة دولة بينهم محتكرا لهم خاليا إلا منهم .

إن دخول عنصر الإخوان المسلمين ميدان السياسة في مصر كان حدثا تاريخيا ..وكان مثار غضب وفزع لدي محتكري السياسة في مصر من رجال الأحزاب وخدام المستعمر , وعباد القصر الملكي .. ذلك أن هذا العنصر الجديد أراد أن يجعل للسياسة مقاييس جديدة وأهدافا جديدة ووسائل جديدة لا يتقبلها هؤلاء المحتكرون ولا يستطيعونها ..

فهو يطالب الساسة بالشجاعة في مواجهة الغاصب , وبالتضحية بالمال والجهد والدم فضلا عن المناصب ..وهذا أمور لا قبل لهم بها وفيها قضاء على آمالهم ومصادرة لشهواتهم .

ولهذا قرر هؤلاء المحتكرون أن يتعاونوا – والحكم في أيديهم – على حصر هذه الهيئة الناشئة في أضيق نطاق وضربها ضربة تبدد شملها وتشغلها بنفسها وتقضي على أحلامها ... وانتهى تفكيرهم إلى سن هذا القانون .

ولا يعنينا أن نعترف بأن هذا القانون الذي بدأه الوفديون وأكمل إصداره السعديون كان تحديا صارخا لبناء دعوة الإخوان المسلمين ..ولقد شغلنا بأنفسنا فعلا عدة أشهر فلقد واجهتنا به حكومة السعديين بعد إنجازه مباشرة سنة 1945 وخيرتنا بمقتضاه بين أن تكون جمعية خيرية تحت إشراف وزارة الشئون الاجتماعية أو أن تكون حزبا سياسيا .

ووقف الأستاذ المرشد العام أمام هذه المواجهة حائرا فترة من الزمن وعقدت الهيئة التأسيسية أكثر من اجتماع لاتخاذ قرار في هذه المواجهة الخطيرة وكان القرار الوحيد الذي اتخذته الهيئة بعد أول دراسة للقانون هو رفض فكرة الحزب السياسي وفوضت الهيئة الأستاذ المرشد العام في اتخاذ ما يراه من قرار بعد ذلك .. واجتمع مكتب الإرشاد العام عشرات المرات ,وتباحث المتخصصون في القانون بعد ذلك.. واجتمع مكتب الإرشاد العام عشرات المرات وتباحث المتخصصون في القانون من الإخوان واستعان المرشد العام بالمتخصصين من غير الإخوان .. ومع ذلك وبعد كل هذه البحوث والاجتماعات ظل القرار الوحيد الذي أمكن اتخاذه هو قرار رفض الحزبية دون الوصول إلى صيغة تخرجنا من الحيرة والحرج ..

وأخيرا تفرغ الأستاذ المرشد إلى نفسه مسترشدا بما قدم إليه من بحوث مستعينا بما عوده ربه من هداية وبما يسكبه في نفسه من إلهام ..وخرج علينا بعد ذلك بمشروع انتشلنا به من وهدة لحيرة وقادنا به إلى بر الأمان وعرض المشروع على مكتب الإرشاد ثم عرض على الهيئة التأسيسية فنال الثقة الكاملة وحمد الجميع ربهم أن وفق مرشدهم إلى هذا القرار الملهم المنقذ ..

• الخطوط العريضة للقرار المنقذ :

وينبغي للقارئ الكريم أن يعلم أن هذا القرار كان من أخطر القرارات التي اتخذها الإخوان المسلمون في حياتهم العملية فكان فاصلا بين عهدين في تاريخهم وكان بمثابة تجربة قاسية كان على الدعوة أن تخوضها وهي راغمة لتستبقي لنفسها حق مواصلة الحياة ..ولذا فإن القرار لم يقف عند حد تعديل في بعض مواد قانون الإخوان المسلمين بل تناول القانون الأساس كله بالتغيير , بحيث اتخذ صورة جديدة . وكان ذلك على الوجه الآتي :

  1. تعريف الإسلام بأنه نظام شامل لجميع شئون الحياة وأهدافه النهوض بكل هذه الشئون .
  2. ما اختص من أهداف الإسلام بالشئون الاجتماعية تؤسس له هيئة مستقلة مركزها القاهرة تسمى " المركز العام لجمعيات البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين " لها أعضاؤها الذين يكونون جمعيتها العمومية ولها اشتراكاتها وماليتها الخاصة بها ولها دفاترها وحساباتها التي تخصها – ويقوم أعضاء جمعيتها العمومية بانتخاب مجلس الإدارة الخاص بها وتكون مسجلة في وزارة الشئون الاجتماعية وتحت إشراف مندوبيها في جميع أعمالها وتصرفاتها – ولهذا المركز العام أن ينشئ فروعا تابعة له في مختلف الأحياء والبلاد وتكون فروعه مسجلة بوزارة الشئون الاجتماعية وتحت إشراف مندوبيها ,
  3. أغراض الإسلام الأخرى التي لا تدخل في نطاق أعمال البر والخدمة والاجتماعية كنشر الدعوة الإسلامية وبث الروح الوطنية والقيام بالأعمال الاقتصادية .. تقوم بها " هيئة الإخوان المسلمين العامة"

وبذلك تفادي الإخوان الشراك الذي نصبته الدولة لاصطيادهم ..وقد ذهل رجال القانون الحكوميون حين تلقوا رد الإخوان .. وكانوا يعتقدون أن الإخوان سيعجزون عن الجواب إلا أن يأتوا مذعنين فلقد أحكموا الخناق القانوني حول عنقهم فإما الاستسلام وأما الاختناق وكلاهما فناء .

وكانت هذه إحدي عبقريات حسن البنا التي أيئست أعداءه أن يستطيعوا النيل منه مهما أحكموا من خطط اصطياده .. ما دامت هذه الخطط في حدود العرف والقانون فما كانت مشكلة يستعصي عليها حلها مهما تعاظم أمرها وتفاقم خطرها وتعقدت خيوطها وما ذلك إلا بتوفيق الله تعالي له .

وكان هذا القانون محنة اجتازها الإخوان بسلام وتفادوا بمعونة الله وتوفيقه ما أ‘د لهم من مزالق ومهالك . ومنذ ذلك اليوم كنت تدخل المركز العام بالحلمية الجديدة فتجد على يمينك في فنائه مبني صغيرا مستقلا عليها لافتة كتب عليها " المركز العام لجمعيات البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين " ولهذا لمركز مجلس إدارة مستقبل على رأسه الأخ الكريم الأستاذ عبد الرحمن البنا – شقيق الأستاذ المرشد العام – وتجد القانون الخاص بهذا المركز مطبوعا في كتيب صغير مستقل .. كما أنك واجد في كل شعبة من شعب الإخوان تقريبا في مختلف البلاد فروعا للبر والخدمة الاجتماعية على نسق هذا المركز وتابعة له :

ولا أعتقد أن وزارة الشئون الاجتماعية تبعها في يوم من الأيام جمعيات لها عشر معشار ما كان لهذا المركز وفروعه من نشاط في ميادين البر والخدمة الاجتماعية من أنشطة صحية وثقافية ورياضية واجتماعية وإصلاحية وبر وإحسان .

• الجولة الثانية :

كانت هي الجولة الأولي من جولات هذا النوع من الصراع وقد رأي القارئ أنها لم تكن صراعا بين حزب معين وبين الإخوان بل كنت بين الباطل الحزبي كله علي اختلاف أحزابه وألوانه وبين الإخوان وحدهم فلقد اشترك في وضع هذا القانون حزب الوفد وحزب السعديين ومن معه من الأحزاب الأخرى. ثم كانت الجولة الثانية ..وكانت بتدبير نفس المدبرين إلا أنها كانت نابعة هذه لمرة من أحط ما في نفوسهم من خسة ونذالة .. فإذا قلنا – تجاوزا- أن الجولة الأولي كانت أشبه بالمواجهة بين خصمين فماذا نقول في جولة كانت إجهازا على جريح؟...

هاجموا الإخوان هذه المرة وهم يترنحون من شدة طعنات حكومة غادرة متواطئة غاشمة ودماؤهم تتفجر من كل جانب , ولا يجدون من يضمد لهم الجراح ..

إن الأعداء الشرفاء عن شهر السلاح على عدوهم إذا وقع مثخنا بالجراح ولكن الأخساء يهتبلونها فرصة فيتكالبون عليه وهو في الرمق الأخير لا يدفع عن نفسه وكانت الجولة الثانية من هذا النوع الخسيس الذي تأباه النفوس الشريفة .. أخذوا في سن هذا القانون والإخوان ممزقون كل ممزق بين معتقل ومسجون ومطارد ومعذب وبعد أن امتدت يد الغدر والخيانة إلى مرشدهم العام .

" هل هناك جولات أخرى ؟

وقد رأيت أن أتناول بشئ من الإسهاب الحديث عن هذا القانون بجولتيه , لتتضح أما أعين هذا الجيل والأجيال القادمة صورة حقيقية غير مزيفة لطبيعة الرجال وطبيعة الزعماء وطبيعة المجتمعات في بلادنا .. حتى لا يتمادى بهم حسن الظن فؤخذوا على غرة وحتى لا ينخدعوا بالمظاهر المصطنعة والخطب الرنانة والأحاديث المنمقة.. ألا فليعلموا أن من ورائها نفوسا لا تنطوى إلا على الأنانية والأثرة والغدر .. ولا هدف لها إلا التسلق على أكتاف المخدوعين حتى يتسنموا قمة السلطة فيخلفوا وعودهم ويستنكروا لماضيهم ولشعبهم ولوطنهم ... وينحصر همهم بعد ذلك في العمل على تثبيت أقدامهم في مراكز السلطة ..ويتحول معني الإخلاص في نظرهم حينئذ إلى مظاهر الخضوع لهم والإذعان لأمرهم , ,معني الوطنية إلى التفاني في خدمتهم والإشادة بفضلهم ومعني لشجاعة إلى الدفاع عن باطلهم وتبرير أخطائهم .. أما من خرج على هذا الخط الذي حددوا به معاني الإخلاص والوطنية والشجاعة واستنكف أن يعبد أحدا من دون الله فإنه يعد خارجا وخائنا وإرهابيا وتزرع أمامه الطرق بالعقبات وتكال له التهم وتلفق له العيوب ويلاحق بأساليب القهر والمطاردة .

وهذا الذي تسنم قمة السلطة وذاق حلاوتها فتشبث بأسبابها لا يريد لها فراقا أول ما يلجأ إليه في محاربة من ارتفع على أكتافهم ويعلم أنهم لا يقبلون بآماله الجديدة – هو أن يستغل ما تنيحه له هذه السلطة من وسائل .. وأول هذه الوسائل هي التشريعات والقوانين التي تجعل الحلال حراما والحرام حلال .. وهكذا تأتي جولات وجولات .. ( والله من ورائهم محيط) ( البروج : 20) .

الفصل الثاني المحاكمات

مقدمة

كانت ثمرة السياسة الحاقدة الخرقاء التي انتهجتها الطغمة الحاكمة التي كانت واجهتها هي وزارات السعديين, أن اضطربت أحوال البلاد, وخيم عليها ظلام دامس لا يأمن فيه مواطن على نفسه .. وكيف يأمن والحكومة التي وظيفتها أن تحميه وتوفر له أسباب الأمن رأي أنها صارت هي التي المؤامرات بل وترتكب الجرائم ..

وأخطر من هذا وأدهي وأمر أن هذه الحكومة – وقد تلوثت يداها بدماء أفراد الشعب .. أضحت فريسة للوساوس والهواجس والأوهام , فقد صور لها شعورها بجريمتها أن كل فرد يمشي في الشارع أو يأوي إلى بيت أو يدرس في معهد أو يلهوا في مقهي أو يتكلم مع أصدقائه خيل لها أن هؤلاء جميعا يعملون على فضح جريمتها والكشف عن مؤامرتها ... فثبت عيونها في كل مكان يتتبعون السائرين ويتصنتون على لمتحدثين ويهاجمون الآمنين .. وتفرغت بكل مقوماتها وإمكاناتها لهذا الأسلوب المثير .

وتحولت صورة الموقف في مصر من حكومة ترعي مصالح الشعب إلى حكومة تتحدي شعبا وتقف له بالمرصاد تبتدع كل يوم أسلوبا جديدا لاستفزازه وإثارته... مدعية – زورا وبهتانا – أنها تحميه من الإخوان المسلمين .. فهل شكا إليها الشعب يوما من الإخوان المسلمين ؟؟... وهل الإخوان المسلمون .. فهل شكا إليها الشعب يوما من الإخوان المسلمين ؟... وهل الإخوان المسلمون إلا أبناء هذا الشعب وإخوته وأخواته وآباؤه وأمهاته وأعمامه وأخواله ؟ لم يكن الإخوان المسلمون فئة محدودة تعد على الأصابع كما هو الحال في حزب السعديين وأمثالهم حتى يقال إنها عصابة تفزع الناس في قرية من القري أو في حي من الأحياء فتقوم الحكومة بمحاصرتها حتى تقضي عليها وتوفر لهذه الجهات الأمن والأمان .

وإنما الأمر شئ آخر تماما .. الإخوان المسلمون فكرة وعقيدة سرت في قلوب لشعب من أقصاه إلى أقصاه ..ودخلت كل بيت واستقرت في كل نفس لأنها فطرة الله لتي فطر الناس عليها , وما من مكانة دخلته هذه الفكرة إلا ولمس أهله والمقيمون فيه من آثارها ما سرهم وأسعدهم ومن تقريب بين النفوس وتثقيف للعقول وتصحيح للأبدان وتطهير للقلوب وأخذ بيد الضعيف .. فكيف يشكوا الناس من هذا الفيض الرباني الذي غمرهم فنقلهم من الظلمات إلى النور ؟

لم يشك أحد من هذا الشعب المفترى عليه ولكن الذين شكوا هم سكان القصور في القبة وعابدين ومرضي النفوس من الساسة المحترفين الذين رأوا في هذه الفكرة تدمير آمالهم , وتحطيم رفاهيتهم القائمة على استعباد الشعب واستغلال جهوده لأنفسهم..

لم يكن بد أمام الشعب المغلوب على أمره – ممثلا في شبابه الطاهر – إلا أن تثور نفسه إزاء الاستفزاز المستمر , فيقدم على أعمال يعلم أنها مهالك ولكنه يقدم عليها أملا في أن تضع حدا لهذا الاستفزاز المتوقح , والظلم لجائر , والاستبداد الفاجر. هي طبيعة النفوس البشرية .. لها طاقة محدودة من التحمل والصبر , فإذا زاد الضغط على حد التحمل انفجرت غير عابثة بشئ ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ( النساء : 148) وقعت أحداث خطيرة .. كانت تعبيرا لرد الفعل لا ردا للفعل , فإن رد الفعل الذي كان يجب أن يقع – وهو كما تقول القوانين يضاد الفعل ويساويه – أن تندلع في البلاد ثورة عاتية تقتلع الظلم والظالمين ..ولكن يبدو أن إرادة الله قدرت أن تؤجلها – كما يتضح ذلك في ثنايا الحديث عن المحاكمات – أو لعل هذه الثورة لم تكن قد استكملت بعد كل عناصر اندلاعها فكانت هذه الأحداث مقدمة لها ونذيرا لها , وإرهاصا بقدومها ..

وإذا أردنا أن نحصي هذه الأحداث هالتنا كثرة عددها ولذا فإننا نختار منها ما استطاعت أن تصل به تلك العصابة الحاكمة إلى الحد الذي صورته للشعب في صورة الأعداد للثورة عليها والعمل على قلب نظام الحكم وشكلته في هيئة قضايا خطيرة أمضي القضاء الجاني في نظرها بضع سنين وقامت الدنيا لها وقعدت لما أثير فيها من أسرار ومفاجآت .

ولما كنا بصدد الحديث عن المحاكمات فنري علينا أولا وقبل الخوض فيها أن نعرض لقضية نسبت إلى الإخوان كهيئة زورا وبهتانا لأنها لم تكن إلا عملا فرديا وتصرفا شخصيا ووحي انفعال ذاتي كما ينفعل أى فرد من الناس على آخر في الطريق أو في العمل أو في لبيت نتيجة كلمة نابية أو تصرف يمس كرامته .. فهل إذا أسفر هذا الانفعال عن ضرر يكون كل الجهة المنتسب إليها هذا الفرد مؤاخذ بآثار انفعاله ؟.... كان هذا الانفعال الفردي ,وما نجم عنه من تصرف شخصي بحت هو ما سمي " قضية اغتيال الخازندار " .

• قضية اغتيال الخازندار

وقعت هذه الجريمة في 22 فبراير 1948 . واتهم فيها طالبان من المنتسبين إلى الإخوان المسلمين من بين عشرات الآلاف من الطلبة المنتسبين إلى الإخوان ... ولا أزال أذكر كيف وقع نبأ هذه الجريمة على الأستاذ الإمام وعلينا جميعا موقع الصاعقة .. حتى أن الأستاذ -رحمه الله – تنهد طويلا وأخذ يشكو إلى الله من هذا التصرف الأحمق والحماس الأعمي الذي شبهه بإخلاص الدب لصاحبه , إذ أراد أن يخلصه من مضايقة ذبابة على وجهه وهو نائم , فأتي بحجر ضخم وألقاء على الذبابة فلم يصبها ولكنه قتل صاحبه .

تبين فيما بعد أن هذين الشابين – وكان بعد في الدراسة الثانوية – كان صديقين لشابين في مصل سنهما من الإخوان هما حسين محمد عبد السميع ومحمود نفيس حمدى , اتهما – في معمعان ثورة الشعب على طغيان العسكريين الإنجليز وتعديهم على أفراد الشعب – بإلقاء قنبلة يدوية على نادي الضباط الإنجليز بالقاهرة في ليلة عيد الميلاد من عام 1947م ولم يصب أحد من هذه القنبلة , ولم يقبض عليهما في مكان الحادث بل ضبطا في أثناء سيرهما , وبتفتيشهما وجد في جيب الأول قنبلة لما سئل عنها قال إنه وجدها في الطريق ولما عرضت هذه القنبلة على ضابط استكشاف القنابل قدم تقريرا بأنها ليست من النوع الذي ألقي في تلك الليلة ..وقد هذان الشابان إلى محكمة الجنايات برياسة المستشار أحمد الخازندار بك فأصدرت حكمها في 18 يناير 1948 بحبس حسين عبد السميع ثلاث سنوات مع الشغل وغرامة مائة جنيه – وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الحادثة في موضعها في الجزء الأول من هذا الكتاب .

وفي خلال ذلك العام نفسه عام 1947 كانت هناك أمام القضاء قضية هامة لجريمة بشعة مروعة وقعت في الإسكندرية وقد هزت أرجاء البلاد سميت بجريمة سفاح الإسكندرية وكان يدعي حسن قناوي , وقد راح ضحية هذه الجريمة أكثر من قتيل .

وكانت دوافع ارتكاب جرائم القتل هذه دوافع جنسية قذرة.. وكانت تفاصيل هذه القضية وما دار في جلساتها من شهادات مما يزكم الأنوف ويؤذي المشاعر من بهيمية منحلة ووحشية مرعبة .. وكان من تنقله الصحف مما يدور في جلسات هذه القضية يثير الذعر والاشمئزاز في نفس كل مصري ومصرية ... وتمنى الشعب أن لو استطاع القضاء أن يخلص الإنسانية من هذا الوحش الكاسر الدنئ .. وطالب الأستاذ أنور حبيب وكيل النيابة في مرافعته برقبة المتهم فجاء طلبه مترجما لشعور الناس جميعا في أنحاء البلاد..

ولكن الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات برياسة احمد الخازندار بك كان صدمة لمشاعر الناس , فقد أصدرت المحكمة في 12 مارس 1947 حكمها على سفاح الإسكندرية بسبع سنوات من الأشغال الشاقة , تلقاها المتهم – كما جاء بالصحف في ذلك الوقت – بالابتسام بعد أن كان واجما .

تبين أن هذين الشابين حنقا على رئيس المحكمة ألا يراعي في حكمه الدوافع الوطنية النبيلة في القضية الأولي ,, وأن يساوي بينها وبين الدوافع القذرة الأثيمة في القضية الثانية فأقدما على ما أقدما عليه .

كانت هذه الجريمة في ذاتها – مع كل ما قيل فيها من اعتبارات وظروف – جريمة شائنة ولكنها بالنسبة للإخوان المسلمين – وهم متقيدون بالمثل الإسلامية العليا – كانت صدمة قاسية وكارثة أليمة ... وما كان الإخوان في ذلك الوقت يملكون إزاءها أكثر من أن يعلنوا استنكارهم أشد استنكار, وتبرؤهم منها ومن مرتكبيها .

ومع أن محاكمة الشابين أثبتت أنهما لم يستوحيا إقدامهما على الجريمة من أية جهة غير تصورهما الشخصي, ومع أن الفحص الطبي أثبت أن بهما لوثة من الجنون وأصدرت المحكمة بناء على ذلك حكمها عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة دون الإعدام... مع كل هذا فإن الجريمة تركت أثرها في نفوس الرأي العام بأن كل ذلك لم يكن كافيا لإبراء ذمة دعوة هي في نظر الناس أطهر من ماء السماء ..وليس معني هذا أن الرأي العام قد وصم الإخوان بهذه الجريمة , أو اعتقد أن لهم فيها يدا, وإنما كان يتمنى ألا يكون مرتكبا هذه الجريمة قد انتسبا إلى هذه الدعوة في يوم من الأيام .. وكما أن هذا الشعور كان شعور الرأي العام فإنه أيضا كان شعور الإخوان أنفسهم لا سيما الأستاذ الإمام , الذي دفعه هذا الشعور إلى إعداد العدة لإعادة النظر في صفوف المنتسبين إلى الدعوة .. ولولا معاجلة الأحداث له لنفذ الخطة التي أعدها لذلك وإن كان المسئولون عن الدعوة من بعده قد وضعوا خطته هذه موضع التنفيذ ..مما يأتي بيانه في فصول قادمة إن شاء الله .

هذا بيان موجز غاية الإيجاز عن هذه القضية كان لابد من تقديمه قبل الحديث عن موضوع هذا الفصل – فإن هذه القضية – وأن لم تكن من قضايا الإخوان – إلا أنها كانت من أبعد القضايا أثرا في دعوة الإخوان المسلمين بحيث اتجهت بها اتجاها خاصا , وشكلتها بتشكيل معين .

• أهم القضايا المسماة بقضايا الإخوان :

ثم نرجع إلى ما كنا بصدده مما تمخضت عنه جهود حكومة عبد الهادي إذ تمخضت عن عدد وافر من القضايا أهمها هذه الخمس :

  1. قضية اغتيال النقراشي .
  2. قضية محاولة نسف محكمة الاستئناف .
  3. قضية السيارة الجيب .
  4. قضية محاولة اغتيال حامد جوده ( رئيس مجلس النواب ).
  5. قضية الأوكار

وكل هذه القضايا وقعت أحداثها في عهد عبد الهادي ما عدا قضية السيارة الجيب فقد وقعت أحداثها في عهد النقراشي ..وقد تعارف الناس كما تعارفت الصحافة على تسمية هذه القضايا الخمس بقضايا الإخوان .. وقد استغرق نظر هذه القضايا الفترة الزمنية ما بين أيام عبد الهادي سنة 1949 حتى بعد قيام الثورة إلى عام 1954 حيث لم يكن القضاء قد أنهى بعد نظر قضيتي حامد جوده والأوكار – أما القضايا الثلاث الأخرى فقد صدر حكم قضائي عسكري في اثنين منها وهما قضية اغتيال النقراشي وقضية محاولة نسف محكمة الاستئناف في عهد وزارة عبد الهادي .. أما القضية الباقية وهي قضية السيارة الجيب فقد نقلت من القضاء العسكري بعد أن نظرها حينا إلى القضاء العادي حيث ألغيت الأحكام العرفية , وأصدر القضاء حكمه فيها في عهد وزارة الوفد سنة 1951.

وفي معالجتنا لموضوع المحاكمات لن نقصد إلى تناول هذه القضايا تناولا موضوعيا مفصلا, وإنما سوف نقتصر في هذا التناول على النواحي الشكلية منها .. وتلك النواحي التي جعلت من هذه القضايا بدلا من أن تكون محاكمة لأفراد على تهم وجهت إليهم ..

جعلت منها محاكمة تاريخية لعهد , ولأسلوب حكم , ولفترة مظلمة من حياة هذه البلاد. ولهذا فقد حشدت حكومات ذلك العهد كل ما تملك من قوة ومال وسلطة وبطش وفرغت المسئولين فيها في جميع المواقع لجمع العناصر التي لابد من جمعها لخلق هذه القضايا وتكوينها .. وكانت غايتها من وراء ذلك أن تجد بين يديها آخر الأمر من أحكام القضاء ما يدفع الإخوان المسلمين بالجريمة, فيكون هذا الدفع القضائي مبررا لما اتخذته ضدهم من إجراءات انتقامية شاذة فاجرة.. ويكون في هذا الإجهاز التام على الجريح المثخن بالجراح ولكنه لا يزال يغالب الموت .

ومع أن معالجتنا لهذه المحاكمات هي على النحو الذي بيناه , فإننا مطالبون مع ذلك بأن نضع بين يدى القارئ فكرة موجزة عن كل واحدة من هذه القضايا حتى يساير الحديث الذي نسوقه بعد ذلك فيما يتصل بها إن شاء الله . نبذة موجزة عن هذه القضايا

1- قضية اغتيال النقراشي :

وقعت هذه الجريمة في 28 ديسمبر 1948 , وقبض فيها على الجاني عبد المجيد أحمد حسن الطالب بكلية الطب البيطري .... وحسب هذه القضية ما كتبناه في الفصول الأولي من هذا الجزء من الكتاب , فقد أطلنا الحديث فيها عن ظروف هذه الجريمة وأسبابها ودواعيها وعن المسئول الحقيقي عن وقوعها – كما أشرنا إلى " بيان للناس " الذي أخذوه من الأستاذ الإمام بدعوى أنه وسيلة لتحسين العلاقات بين الإخوان والحكومة ولكنهم استعملوه لزلزلة عقيدة المتهم في هذه القضية .. وقد تزلزلت عقيدته فعلا فبعد أن اعترف بأنه أقدم على هذه الجريمة من تلقاء نفسه تراجع وأخذ يتهم آخرين بالتأثير عليه .

• قرار الاتهام :

وكان محمود منصور بك في ذلك الوقت هو النائب العام , وكان من المتفانين في خدمة أغراض الطغمة الحاكمة , حتى إنه كان يريد ضم جميع قضايا الإخوان في قضية واحدة وتقديمها إلى القضاء العسكرى .. ولكن نظرا لطول التحقيق وكثرة عدد المتهمين مما يحتاج إلى وقت طويل في النسخ والاطلاع والاستعداد فقد رأوا أن الوقت لا يتسع لنظر هذه القضية في العام القضائي الحالي الذي ينتهي في منتصف يونيه – وإن كان هذا لا يمنع من نظرها خلال العطلة على اعتبار أن القضايا العسكرية من القضايا التي تنظر على وجه الاستعجال , فلا تحول العطلة القضائية دون نظرها – ولكن رئي أخيرا – لتعذر تنفيذ هذه الخطة – العدول عنها .

واكتفي النائب العام بعد ذلك بضم بعض المتهمين في قضية السيارة الجيب وقضية حامد جوده إلى المتهمين في قضية اغتيال النقراشي , ووضع تقرير الاتهام في هذه القضية في 8 مايو 1949 وجعل المتهمين في 24 متهما , منهم خمسة متهمون بالاشتراك في قتل النقراشي والتسعة عشر الباقون متهمون بالاتفاق الجنائي مع الخمسة للاستيلاء على الحكم بالقوة وأصدر قرار الاتهام على الصورة الآتية :

عبد المجيد أحمد حسن سن 22 سنة طالب بكية الطب البيطرى بسجن الأجانب
السيد فايز عبد المطلب سن 29 سنة مهندس ومقاول مباني بسجن مصر
محمد مالك يوسف محمد مالك موظف بمطار القاهرة - هارب
عاطف عطية حلمي سن 25 سنة طالب بكلية الطب بسجن مصر
سيد سابق محمد التهامي سن 24 سنة مقرئ دلائل بسجن مصر
أحمد عادل كمال سنة 23 سنة موظف بالبنك الأهلي بسجن مصر
طاهر عماد الدين سن 25 سنة مهندس بشركة كوكينوس بسجن مصر
إبراهيم محمود على سن 30 سنة ترزي بسجن مصر
مصطفي كمال عبد المجيد أيوب سن 26 سنة مكانيكي بسجن الأجانب
مصطفي مشهور مشهور سن 27 سنة مهندس بالأرصاد الجوية بسجن مصر
محمود السيد خليل الصباغ سن 28 سنة مهندس بالأرصاد الجوية بسجن مصر
أحمد زكي حسن سن 25 سنة مدرس بمدرسة الجيزة الابتدائية بسجن مصر
أحمد محمد حسنين سن 28 سنة مراقب حسابات شركة المعادن بسجن مصر
محمد فرغلي النخيلي سن 29 سنة تاجر معادن بسجن مصر
عبد الرحمن على فراج السندى سنة 32 سنة موظف بوزارة الزراعة بسجن مصر
محمد حسني أحمد عبد الباقي سن 33 سنة عضو مجلس مديرية الجيزة بسجن مصر
أحمد قدرى البهي الحارتي سن 21 سنة مهندس بمصلحة الطيران المدني بسجن مصر
محمد بكر سليمان سنة 26 سنة نساج بشركة النيل للمنسوجات بسجن مصر
أسعد السيد أحمد سن 26 سنة مكانيكي بسجن مصر
محمد سعد الدين السنانير سن 28 سنة مقاول نقل بسجن مصر
على محمد حسنين سن 27 سنة قوموسيونجي بسجن مصر
سعد محمد جبر سن 28 سنة مهندس لاسلكي بسجن مصر
محمد محمد فرغلي سن 24سنة واعظ الإسماعيلية بسجن مصر
محمد إبراهيم سويلم سن 22 سنة فلاح بسجن مصر


الأول متهم بقتل النقراشي باشا والأربعة التالون اشتركوا معه بطريق الاتفاق والتحريض والمساعدة ,والجميع حتى 24 متهمون بالاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب الجنايات والجنح المذكورة بعد, واتخاذها وسائل للوصول إلى الاستيلاء على الحكم بالقوة . واتحدت إرادتهم على الأعمال المسهلة والمجهزة لارتكابها ... وهذه الجرائم هي :

  1. قلب وتغيير دستور الدولة وشكل الحكومة بواسطة عصابات مسلحة .. المادتين 87,88 عقوبات .
  2. إتلاف سيارات وأسلحة الجيش المصري المعدة للدفاع عن البلاد , الأمر المنطبق عليه المادة 81 عقوبات .
  3. تخريب المنشآت الحكومية وأقسام ومراكز البوليس ومحطات الإضاءة والمياه وغيرها – المادة 90 عقوبات .
  4. قتل عدد كبير من المصريين والأجانب المبينة أسماءهم بالكشف المرفق عمدا مع سبق الإصرار والترصد , مما ينطبق عليه المواد 230, 231, 232 عقوبات .
  5. تعريض أموال الناس وحياتهم عمدا للخطر باستعمال القنابل والمفرقعات في عدد من السفارات والقنصليات الأجنبية وغيرها من الأماكن العامة والخاصة المأهولة بالسكان والمبينة بالكشف – المادة 258 عقوبات .
  6. تعطيل وسائل النقل العامة بنسف قطارات السكة الحديدية وجسورها وخطوطها ونسف الطرق والكباري العامة وسيارات الأوتوبيس وتعطيل القوى الكهربائية المولدة لحركة الترام - المادة 167 عقوبات .
  7. إتلاف الخطوط التلغرافية والتليفونية الحكومية عمدا في زمن الفتنة بقطع أسلاكها وقوائمها ونسف أدواتها – المادتين 165, 166 عقوبات .
  8. سرقة البنك الأهلي وبعض المحال التجارية بطريق الإكراه, باقتحامها بأشخاص مسلحين.
  9. إتلاف مباني شركة قنال السويس .
  10. قتل خيول البوليس عمدا.
  11. إقامة واستعمال محطات إذاعة سرية.

ثم طلبت النيابة بناء على مواد الأحكام العرفية إحالة القضية إلى المحكمة العسكرية .

• قائمة الشهود

طائفة للشهادة في حادث قتل النقراشي باشا والطائفة الثانية عن حادث ضبط السيارة الجيب . والثالثة عن ضبط حافظة جلدية مع المتهم مصطفي مشهور وبها باقي أوراق الجماعة والرابعة عن ضبط محطة الإذاعة والخامسة عن ضبط أسلحة ومفرقعات في دكان السنانيري بمصر القديمة والسادسة عن ضبط أسلحة ومفرقعات وأوراق الجماعة الإرهابية في مزرعة الشيخ محمد محمد فرغلي بالإسماعيلية .

كما وجدت أوراق لتكوين جماعة لغرض التجسس على جميع الأحزاب السياسية وغيرها من الهيئات كالبوليس السياسي ونقابات العمال وحزب العمال الاشتراكي .

وقد بلغت ملفات التحقيق ألقي صفحة . وتولي التحقيق فيها محمود منصور باشا – الذي استحق أن ينعم عليه بالباشوية – ومعه كبار رجال النيابة – وتنظر القضية في دورة يوليو ويترافع فيها محمد منصور باشا بنفسه .

ومعذرة إلى القارئ , فقد أتعبت نفسي بنقل كل هذه البنود,ولابد أنه قد أرهق أيضا بقراءتها ولكني تحملت وإياه هذه المشقة مرة واحدة لأعفيه من قراءتها مرات بعد القضايا فإن هذه البنود التي تفتق عنها ذهن موظف النيابة الذي وكل إليه أمر اختراعها هي التي تضمنتها قرارات الاتهام في جميع القضايا .. ولقد كان مؤسفا وسنة سيئة اقتفت أثرها الحكومات التي جاءت بعد ذلك حين أرادت أن تنكل بخصومها السياسيين .

وأحيلت هذه القضية إلى القضاء العسكرى أمام دائرة عسكرية عليا برياسة محمد مختار عبد الله بك وعضوية غالب عطية بك ومحمد عبد العزيز كامل بك واثنين من العسكريين ومثل النيابة الأستاذ محمد عبد السلام .

• طلب رد رئيس المحكمة :

وقد تقدم المتهمان السابع السيد فايز والخامس عشر محمد نايل طالبين رد رئيس المحكمة.... فتنحي مؤقتا ونظر أسباب الرد العضوان الآخران في حجرة المداولة . وبعد ساعتين نطقت الهيئة برفض طلب الرد.

وأخذ الدفاع على رئيس المحكمة أنه قام بدور قاضي التحقيق في هذه القضية مما يبطل هذا التحقيق ولكنه رفض رأى الدفاع وأصر على مواصلة نظر القضية ..وكان لهذا الرجل مواقف غريبة في أثناء نظر هذه القضية سنشير إليها في موضعها إن شاء الله .

وقد استمعت المحكمة فيمن استمعت إليهم من الشهود إلى عبد الرحمن عمار .. وقد ناقشه الدفاع في مذكرة الحل التي كان قد أعدها .. وألقي مرافعة النيابة محمد عزمي بك النائب العام في ذلك الوقت حيث سقطت في خلال هذه الفترة فجأة وزارة عبد الهادي , فلم يعد لمحمود منصور مكان في الحكومة الجديدة التي أرادت أن تظهر للشعب بمظهر المطهر .

وبدأت جلسات هذه القضية في 27/ 8/ 1949 وكانت آخر جلساتها في 25/9/ 1949 , ومعني هذا أنها لم تستغرق إلا أقل من شهر , وصدر الحكم فيها في 9/ 10/1949 بإعدام المتهم الأول وبأحكام دون ذلك لبقية المتهمين ومنها البراءة لبعضهم .

2- قضية محاولة نسف محكمة الاستئناف :

وهي تعتبر ملحقة بالقضية السابقة لأنها مرتبطة بها في ظروفها ودواعيها التي وضحناها من قبل وقد وقعت هذه المحاولة في 12 / 1/ 1949 والمتهم فيها هو شفيق إبراهيم أنس سنة 22 سنة يعمل موظفا في أرشيف وزارة الزراعة . ,قد أراد أن ينسف المحكمة انتقاما لما كان يجري بين جدراتها من تزييف وتلفيق وإكراه وتعذيب لإخوانه .. على أن أحدا لم يصب والحمد لله .

وقد نظرت هذه القضية أمام نفس المحكمة التي نظرت قضية اغتيال النقراشي وكان ممثل الاتهام فيها هو محمد كامل القاويش .. ولم تستغرق المحاكمة إلا أياما قليلة صدر بعدها الحكم على المتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة .

3- قضية السيارة الجيب:

في يوم 21 /11/1948 نشرت الصحف نبأ أذاعته وزارة الداخلية يقول : إنه قد تم ضبط سيارة جيب بها كميات كبيرة جدا من المتفجرات الخطرة والأوراق في دائرة قسم الوايلي أمام أحد المنازل . وتبين أن راكبي السيارة الذين جروا وقبض عليهم من جماعة الإخوان المسلمين .

وفي 25 / 29/1949 وضع النائب العام محمد عزمي بك تقرير الاتهام في هذه القضية فقدم 32 متهما بتهمة الاتفاق الجنائي على قلب نظام الحكم – ولا داعي لإعادة إثبات البنود الأحد عشر التي دأبت النيابة على رصها رصا في هذه القضايا أمام القضاء أما المتهمون فهم :

عبد الرحمن على السندي 32 سنة موظف بوزارة الزراعة
مصطفي مشهور 27 سنة موظف بالأرصاد الجوية
محمد الصياغ 28 سنة مهندس بالأرصاد الجوية
أحمد زكي حسن 25 سنة مدرس ابتدائي
أحمد محمد حسنين 28 سنة مراقب حسابات شركة المعادن
محمد فرغلي النخيلي 29 سنة تاجر معادن
أحمد قدرى الحارتي 21 سنة مهندس بالطيران المدني
محمد حسني عبد الباقي 33 سنة عضو مجلس مديرية الجيزة
أحمد متولي حجازي 29 سنة تاجر راديو
السيد فايز عبد المطلب 29 سنة مهندس ومقاول مباني
أحمد عادل كمال 23 سنة موظف بالبنك الأهلي
طاهر عماد الدين 25 سنة مهندس
إبراهيم محمد علي 30 سنة ترزي
دكتور أحمد الملط 32 سنة طبيب بوزارة الصحة
جمال الدين فوري 39 سنة موظف بالبريد
محمود حلمي فرغلي 27 سنة موظف بالداخلية
محمد أحمد علي 25 سنة موظف بالأشغال
عبد الرحمن عثمان 22 سنة طالب حقوق
السيد إسماعيل شلبي 44 سنة تاجر
أسعد السيد أحمد 26 سنة ميكانيكي
محمد بكر سليمان 26 سنة نساج
صلاح الدين عبد المتعال 18 سنة طالب ثانوي
جمال الدين الشامي 26 سنة مهندس ري
جلال الدين ياسين 24 سنة موظف وطالب
محمد الطاهر حجازي 24 سنة بالتجارة
عبد العزيز البقلي 24 سنة طالب بالزراعة
كمال القزاز 27 سنة ترزي
محمد سعد الدين السنانيري 27 سنة نجار
على حسنين الحريري 27 سنة مقاول نقل
محمد محمد فرغلي - واعظ بالإسماعيلية
محمد إبراهيم سويلم - فلاح بالإسماعيلية
سليما مصطفي عيسي - قوموسيونجي

وجاء في ملاحظات النيابة على هذه القضية وجود رسم حارة اليهود ورسم للسفارتين الأمريكية والبريطانية وتقرير عن حسن رفعت باشا ( يبدو أنه كان الأستاذ الأعظم للماسونية في ذلك الوقت ) ومحل إقامته والأشخاص الذين يترددون عليه والأمكنة التي يتردد هو عليها , وتقرير عن نسف مصنع النيل للمنسوجات بشبرا ..وقد قرر المتهم محمد بكر سليمان أنه حرر هذه الأوراق بخطه وزعم أنه حررها من نسج الخيال لتحسين خطه .

والملحوظة الأخيرة هي أنه ضبط في دار المركز العام للإخوان المسلمين مشروع اعترف المتهم سليمان مصطفي عيسي بأنه حرره وجاء فيه أنه يقترح أن يكون هذا النظام جمهوريا اشتراكيا وأن ينتخب رئيس الجمهورية لمدى الحياة .

وقد أحيلت القضية إلى دائرة جنائية عسكرية عليا ... ولما رفعت الأحكام العرفية أحيلت إلى دائرة جنايات عادية برياسة أحمد كامل بك وعضوية محمد عبد اللطيف بك وزكي شرف بك. ومثل النيابة محمد عبد السلام بك..وعقدت هذه المحكمة لنظر هذه القضية جلسات متوالية . وكانت أول جلسة لنظرها في هذه الدائرة يوم 2/12/ 1950.

وقد استدعت المحكمة بناء على طلب الدفاع في هذه القضية إبراهيم عبد الهادي واستجوبته باعتباره شاهدا كما استدعت كثيرين من كبار رجال الدولة وقواد الجيش ومن كبار رجالات العرب.

وفي أثناء نظر هذه القضية قام الأستاذ شمس الدين الشناوي – أحد أفراد هيئة الدفاع – بتقديم الوثيقة التي اشرنا إليها في فصل سابق فكانت مفاجأة اهتزت لها الأوساط البريطانية والدوائر السياسية.. وفي أثناء نظر هذه القضية تكشفت أسرار كثيرة داخلية وخارجية ..

وكانت آخر جلسة لهذه القضية في 26/ 2/ 1951 وتقرر النطق بالحكم يوم 17 مارس 1951 , وبذلك يكون نظر هذه القضية قد استغرق أمام هذه الدائرة نحو ثلاثة أشهر ونصف شهر .

وكان للحكم الذي أصدرته هذه المحكمة في هذه القضية , ولحيثيات هذا الحكم دوى كبير في الأوساط القانونية والأوساط السياسية في مصر وفي خارج مصر .

4- قضية محاولة الاعتداء على حامد جوده

رؤى في أول الأمر نظر هذه القضية وحدها . ونظرت عدة جلسات منها فعلا أمام محكمة عسكرية عليا – ولم يكن المقصود من هذا الحادث الذي وقع في 6 مايو 1949 هو حامد جوده , بل كان المقصود هو إبراهيم عبد الهادي , ولكن هذا تخلف عن موعده ومر حامد جوده فألقيت على سيارته قنبلة وهو يمر عند جامع عمرو , ولكنها لم تصبه .

وقدمت النيابة عشرة متهمين في هذه القضية إلى القضاء العسكري وهم :

  1. مصطفي كمال عبد المجيد ( ميكانيكي )
  2. محمد نجيب جويفل ( طالب )
  3. عبد الفتاح ثروت ( راصد جوى )
  4. فتحي محمد علام ( طالب )
  5. سمير جلال شهبندر
  6. مصطفي محمد الجابري
  7. عبد الكريم محمد السيد ( عامل )
  8. محمد شحاته عبد الجواد ( طباع)
  9. سعيد جلال شهبندر ( طالب)
  10. على صديق السيد فراج ( طالب )

والمحكمة العسكرية العليا التي نظرت هذه القضية في أول الأمر كانت برياسة رياض رزق الله بك وعضوية عبده المليجي بك وقطب عمر بك واثنين من العسكريين .. ثم أحيلت إلى دائرة عسكرية أخرى برياسة مرسي فرحات بك وعضوية محمود صبري بك وعبد الرحمن جنينة بك واثنين من العسكريين . وقد ظلت هذه القضية تنظر أمام هذه الهيئة حتى جاءت وزارة الوفد وأسندت وزارة التموين إلى مرسي فرحات بك فأجلت جلساتها .ولما رفعت الأحكام العرفية أحيلت إلى دائرة جنائية غير عسكرية برياسة حسين طنطاوي بك... وفي الجلسة الرابعة لهذه الدائرة وافقت المحكمة على ضم هذه القضية إلى قضية الأوكار واعتبارها قضية واحدة .. وسمعت هذه الدائرة الأستاذ حامد جودة باعتباره شاهدا.

وفي أثناء نظر هذه القضية أمام المحكمة العسكرية الثانية وافقت المحكمة على طلب للدفاع بضم ملف قضية اغتيال الأستاذ الإمام حسن البنا فكان هذا هو أول تحريك لهذه القضية .

5- قضية الأوكار :

هي قضية حشروا فيها كل من أرادوا حشره من الإخوان – الخطرين في نظرهم وأسندوا إليهم تهما باتخاذهم أوكار جمعوا فيها أسلحة وذخائر ومحطات إذاعة لقلب نظام الحكم .. وقد ضمت هذه القضية أكبر عدد من المتهمين حيث بلغ عددهم خمسين متهما وهم العشرة المتهمون في قضية حامد جودة مضافا إليهم من يأتي :

  1. حلمي محمد الفيومي
  2. أحمد على يوسق
  3. حسين حامد عوده
  4. كمال عبد المجيد مرسي
  5. محمد محمود دعبس
  6. حسن يوسف طويلة
  7. فؤاد أحمد الصادق
  8. مصطفي أمين البطاوي
  9. عبد الفتاح إسماعيل علم الدين
  10. محمد جلال إبراهيم سعده
  11. دسوقي إبراهيم ضيف
  12. صالح محمد محمد الجنايني
  13. محمد عبد الحكيم عبد المنعم
  14. يحي أمين البطاوي
  15. صلاح الدين أحمد علي
  16. مصطفي محمد محمود البساطي
  17. إبراهيم عامر محمد
  18. سعد محمد جبر التميمي
  19. محمد حلمي الكاشف
  20. محمد عبد العزيز على خالد
  21. إسماعيل على السيد
  22. محمد عبد المتعال محمد مدني .
  23. جمال الديم عطية محمد 4
  24. محمد نايل محمود إبراهيم
  25. وائل محمد زكي شاهين
  26. محمود يونس الشربيني
  27. مختار حسين إبراهيم
  28. عز الدين إبراهيم
  29. محمود على حطيبة
  30. عصام الدين حامد الشربيني
  31. حسن أحمد يوسف
  32. يوسف على يوسف
  33. يوسف عبد المعطي شرك
  34. أحمد محمد البساطي
  35. إبراهيم أحمد محرم
  36. أحمد نجيب الفوال
  37. محمد طه عبد النبي
  38. بيومي مرسي جعفر
  39. عبد الفتاح محمد شوقي
  40. على أحمد رياض

وجاء في تقرير النيابة أن هؤلاء المتهمين قد قبض عليهم في أوكار : وكر روض الفرج ووكر شبرا ووكر شارع السندوبي ووكر آخر بروض الفرج ووكر الجيزة وعثروا في هذه الأوكار على محطة إذاعة وأسلحة وذخيرة واتهمتهم النيابة باتفاق جنائي لمحاولة قتل إبراهيم عبد الهادي .

ومن هولاء الخمسين متهما أربعة أفلتوا من أيدي البوليس السياسي وتمكنوا من الهرب إلى ليبيا وهم : محمود يونس الشربيني وعز الدين إبراهيم ويوسف على يوسف ومحمد جلال سعده.

وقد قبض البوليس بعد شهر في الإسكندرية على أحدهم وهو يوسف على يوسف – أما الثلاثة الآخرون فقد تمكنوا من الفرار إلى ليبيا قبل القبض عليهم , وقد نشرت الصحف صورهم بأمر الطغمة الحاكمة ,وطالبت الطغمة حكومة ليبيا بتسليمهم مهددة بقطع العلاقات إذا لم يسلموا , ولكن عاهل ليبيا الملك إدريس السنوسي رفض تسليمهم فكان موقفا إسلاميا بطوليا لهذا الرجل العظيم .

وهذه القضية – قضية الأوكار – هي التي اغتال البوليس السياسي في أثناء تتبع الإخوان فيها الأخ الشهيد أحمد شرف الدين بأحد المنازل حي روض الفرج .

ولما ضمت هذه القضية وقضية محاولة اغتيال حامد جودة واحدة أمام الدائرة التي يرأسها حسين طنطاوى بك, وافقت هذه الدائرة – بناء على إلحاح الدفاع – على تحقيق التعذيب .. وجاء ذكر " العسكرى الأسود" في سياق ما ذكره المتهمون من ألوان التعذيب التي كانوا يسامونها مما نبسط الحديث عنه في صفحات قادمة إن شاء الله .. وقد افتضحت أساليب التعذيب في أثناء نظر هذه القضية بحيث صارت جريمة ثابتة بالأدلة المادية .

وهنا وفي جلسة يوم 9/6/ 1951 طالب الدفاع بالإجماع المحكمة بأن تفصل أولا في بطلان الإجراءات نظر لما سمعته من شهادات قاطعة بحدوث التعذيب واشتراك النيابة في تزوير القضية . وأصر الدفاع بإجماع أعضائه على هذا الطلب .. ثم عقدت الجلسة وقام رئيس المحكمة وهو في حالة نفسية تسترعي النظر وقرر تأجيل القضية لدور مقبل , بعد أن اتهم الدفاع بوضع العراقيل أمام المحكمة.

وفي 24 أكتوبر 1951 عقدت المحكمة جلسة قررت فيها الإفراج عن 25 منهما وهم : سمير جلال شهبندر ومصطفي الجابري وسعيد شاهبندر وعلى صديق والمتهمين أرقا ,12, 13, 19, 21, 22, 23, 24, 25, 26, 27, 28, 29, 30, 31, 32, 36, 39, 40, 41, 42, 45, 47 – وكان قد أفرج من قبل عن ستة من المتهمين .واستمر حبس 19 متهما هم الباقون . وأجلت القضية إلى دور مقبل ..وظلت القضية معلقة حتى أول أكتوبر 1954 حيث تقرر إعادة عرضها من جديد على محكمة الجنايات .

وكان هذا هو السبب في أن هذه القضية لم تتم جلساتها ولم يصدر فيها حكم حتى قامت الثورة في 23 يوليو1952 .

هيئة الدفاع

في قضية السيارة الجيب : المحامون الأساتذة : ( مرتبون حسب ترتيب المتهمين )

محمود كامل الدكتور عزيز فهمي على حسين بك حمد المسماري
أحمد رشدي بك زكي عريبي على بدوى بك إسماعيل وهبي
عبده أو شقة يوسف حلمي شمس الدين الشناوي حسن العشماوي
حسن الجداوي فهمي أبو غدير الدكتور مصطفي القللي حنفي عبود
على منصور عبد المجيد نافع صلاح توفيق هنرى فارس
إبراهيم رياض فهمي القلعاوي جمال عبد الفتاح
فتحي رضوان مختار عبد العليم طاهر الخشاب

  • في قضية الأوكار وجودة : المحامون الأساتذة  : ( بحسب ترتيب المتهمين أيضا )
عبد المجيد نافع عمر التلمساني جلال شاهين شمس أحمد الشناوي
عبد الفتاح حسن طاهر الخشاب فتحي رضوان أحمد السادة
أحمد حسين عبد الرحمن الوكيل سامي عازر جبران سمير حيدر
مختار عبد العليم الدكتور عزيز فهمي زكي البهنيهي بك

أما القضيتان الأخريان فكانت هيئة الدفاع فيهما بعض أفراد هاتين الهيئتين مضافا إليهم في قضية النقراشي محامون آخرون منهم الأساتذة محمود سليمان غنام وحنا أنطون وعطية البقلي :

علما بأن هيئات الدفاع في هذه القضايا قد ضمت أعظم المحامين وأكبر رجال القانون في مصر في تلك الأيام .

الفصل الثالث معالم في هذه القضايا

إن القضايا التي استغرق نظرها أمام القضاء زهاء أربعة أعوام وملأت محاضرها عشرات الآلاف من الصفحات , وتشعبت في كل اتجاه.. ليس من اليسير الإحاطة بكل ما دار فيها ولا الإلمام بكل ما تشعب منها ولكننا نحاول في هذا الفصل إن شاء الله التقاط عدة صور لأبرار المواقف في هذه القضايا , بحيث يستطيع القارئ إذا هو أنعم النظر في هذه الصور أن تكون له رؤية واضحة لهذه القضايا .

ولا يخفي على القارئ أن هذه المحاكمات قد بدأت والمسئولون في الدولة ينظرون إلى الأفكار التي حاكموا عليها هذه المجموعة من الشباب على أنها هي الكفر بعينه , وهي الخبل والعته والجنون . وتعاقبت في هذه النظرة في هذه المحاكمات خمس حكومات مصرية .. وشايع الشعب هؤلاء المسئولين في نظرتهم ردحا من الزمن ,ولكن المحاكمات نفسها – بما دار فيها وبما تكشف في أثنائها – أخذت كل يوم تغير من نظرة الشعب ...

فما كادت تنتهي المحاكمات حتى كان الشعب قد اقتنع تمام الاقتناع بأنه كان مضللا..وحينئذ قام مع الجيش يوم 23 يوليو 1952 لتحقيق الأفكار التي حوكم من أجلها هؤلاء المتهمون , والتي طالما تهكم عليها حكام البلاد .. وهكذا كانت هذه القضايا وما تكشف عنها من أفكار وبطولات وفدائية ووعي جديد نتيجة تكوين وتربية استمرت عشرين عاما .. كانت تمهيدا لابد منه لإعداد الشعب للقيام بالثورة وتغيير الأوضاع .

أولا – في قضية النقراشي

• رأي رئيس المحكمة في القضية :

في جلسة 29 / 8 / 1949 جاء على لسان بعض المحامين أن هذه القضية قضية سياسية , فاعترض رئيس المحكمة على ذلك وقال : أن هذه القضية ليست سياسية فتصدى له الأستاذ أحمد حسين وقال : إن هذه القضية سياسية مائة في المائة , وأنا أطلب سماع أقوال إبراهيم عبد الهادي وحامد جوده وعبد الرحمن عزام لكي أبرهن على أنني لست متعسفا وأقرر أنني أريد أن أصل إلى أكثر من أن شخصا قتل شخصا . وإني أحمل إبراهيم عبد الهادي والآخرين نتيجة هذه الجريمة.

تبجح عمار وانحياز رئيس المحكمة له :

في جلسة 4/9/1949 استمعت المحكمة لشهود النفي ومنهم عبد الرحمن عمار ومن أسئلة الدفاع له :

الدفاع – هل زارك الأستاذ البنا قبيل صدور أمر الحل بساعات , تحدث معك في شأن اجتماع سفراء انجلترا وأمريكا وفرنسا في 6 ديسمبر الماضي , وتقديمهم مذكرة بحل الإخوان وكان اجتماعهم في فايد ؟

الرئيس – هل سفراء يجتمعون فيوسط الصحراء ؟ بلاش يا عمار بك الإجابة .

عمار - هذه المسألة في مذكرة سرية طبعها الإخوان بعد الحل لكي يظهروا النقراشي بأنه خاضع للتأثير الأجنبي وهي واقعة لا ظل لها من الحقيقة .

الدفاع – لقد أوردت في مذكرتك كثيرا من الحوادث منسوبة للإخوان مع حفظ التحقيق فيها أو صدور البراءة .. فكيف تفسر ذلك؟

عمار – لم أكن مقيدا بالتصرفات القضائية التي تصدر في القضايا سواء بالبراءة أو الإدانة وإنما كنت أذكر الوقائع التي تنطق بها التحقيقات , لأن لها دلالتها ومراميها , فأنا أتصرف في هذا تصرف رجل الأمن .

ولما واجهه الدفاع بأنه كان يحضر في أثناء إجراء تحقيقات النيابة قال إنه حضر بعض التحقيقات لينفذ ما تشير به النيابة العمومية من إجراءات ونفي أنه شهد أو سمع أو اشترك في حوادث تعذيب للمتهمين .

ولما واجهه الدفاع بأنه أورد في مذكرته حادث مقتل طالب شبين الكوم رغم أن هذا الطالب هو القتيل وهو من الإخوان المسلمين فرد على ذلك بأنه أورد هذا الحادث في مذكرته لأن الاشتباك الذي نجم عنه الحادث كان الإخوان طرفا فيه .

وناقشه الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي فيما أورده في مذكرته من حادث اشتباك البوليس مع الجوالة وسأله: ألم تسمح إدارة الأمن العام للإخوان بإقامة حفلة في نفس المكان الذي حدث فيه صدام الجوالة ترضية لهم ؟ فقال عمار : لم يحصل ..ولو عرض على لرفضته . فقال الأستاذ عبد الكريم منصور : ولكن الحفل أقيم فعلا وأنا حضرته .

وتعليقا على شهادة عمار جاء في مرافعة الأستاذ على منصور في جلسة 14/ 9/ 1949 ما يلي :

"وما وقعت الجريمة حتى احتدمت النيران التي كانت تأكل صدور معظم رجال الإدارة بالنسبة لهذه الجماعة , وظهر منها أمام المحكمة الروح التي ما استطاع كبير رجال الأمن في ذلك العهد وهو عبد الرحمن عمار أن يخفيها فقد اندفع ملكيا أكثر من الملك ممثلا حقدا هو بعض ما كان في صدور أعوانه وأتباعه . ثم قال :

" إن النيابة صورت الإخوان في الصورة التي ارتأتها في نظرها وهي إدخال كل من مت لهذه الجماعة بصلة إلى داخل نطاق هذه الصورة .. وفي إمكان الدفاع أن يقارع قول النيابة في تكييف الإطار الخاص بالإخوان بأن يستشهد بأقوال ذات كبراء البلد ووزرائها يوما في الجماعة المكونة لهذا الإطار .. ولكنه ( الدفاع) لا يقر مبدأ الجمع بين هذه القضية كقضية قتل مستقلة وبين غيرها حتى لا ينحدر إلى مبدأ أخذ هؤلاء المتهمين كجماعة .

وهاجم على منصور قرار الحل فقال ك نبتت الجريمة في جو تمهيد الطعن في جماعة الإخوان وجني على رئيس الوزراء في خلال ذلك سياسته ومريدوه وأعقب الحادث تشريد وتشديد . ثم تلت سلسلة من الوقائع والإجراءات التي تدور بين الترغيب والترهيب.

فلا يضار المتهمون بما يعزى إليهم من انتمائهم لجماعة الإخوان , فلا تثريب على هذه الحفنة من الشباب في انضوائها تحت لواء جمعية آزرتها يوما الطبقات المختلفة في البلد واحتضنها لفيف من الكبراء ذوي الرأي فينا .

حتى أن مذكرة الحل التي بني عليها القرار الذي أنهي شكل الجماعة استندت إلى أمور كانت مبررة في نظر ولاة الأمور يوما ما,, وانتهت هذه الأمور رسميا وقانونا بما يؤخذ للجماعة لا عليها , وهو أكثر حجية مما لهذه المذكرة من حجية".

• أين قتلة حسن البنا؟

طالب الأستاذ أحمد حسين بالتحقيق وكشف قتلة حسن البنا والذين حاولوا قتل النحاس وقال إنني أتهم السلطات بالتعصب الحزبي مقارنا بين تتبعها قتلة النقراشي وإغفالها ذلك في النحاس وحسن البنا وطالب بإحضار عبد الهادي ومصطفي مرعي للشهادة لسؤالهما عن الظروف التي صدر فيها بيان الشيخ حسن البنا في وقت كان كل من ينطق بكلمة يشتم منها رائحة النشاط للإخوان يرتكب جريمة , وقد كان البيان ثمرة مفاوضات طويلة متصلة بين الشيخ البنا وبين معالي مرعي بك وزير الدولة وكان أساسها أن يذيع الشيخ البنا هذا النداء تمهيدا للنظر في إعادة الإخوان بعد إدخال إصلاحات على نظمهم .

ولقد دهش الناس وقتئذ لصدور هذا البيان الذي يدل على قرب عودة المياه إلى مجاريها بين البنا والحكومة .. فلما سألت واحدا من كبار السعديين العاملين عن تفسير هذا البيان وهل هو مقدمة لعودة الإخوان ؟ إذ به يقهقه ساخرا ويقول : لقد غررنا بحسن البنا لنحصل منه على هذا البيان للتأثير به على عبد المجيد من ناحية وليكون مقدمة لما سيحل بعد ذلك بحسن البنا "

• شخصية حسن البنا :

وكان مسك الختام في هذه القضية كلمة ختم بها الدكتور عزيز فهمي مرافعته حيث قال :

" ولقد افترى على الشيخ حسن البنا كثيرون في حياته , وظلمه كثيرونه بعد قتله . ولكنه كان مؤمنا برسالته الإسلامية ,ولم يكن له مطمع سوى تحقيقها . لذلك لم يحقد رحمه الله على خصومه. بل كان يتمثل بقول الرسول عليه الصلاة والسلام :" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ".

واغتاله المجرمون , وليس في مصر من يجهلهم بعد أيام في أكبر شارع من شوارع العاصمة .. وخطف مشيعوه وأرسلوا إلى الطور... وقيد الحادث ضد مجهول ... وأصبح الصباح وليس في بيته كسرة من الخبز يتزود بها أهله – ذلك هو الرجل وهذه رسالته . ولئن قتل في سبيلها فإن رسالته لم تمت بموته , فهي خالدة لأنها رسالة الإسلام وإنها لأبقي على الزمن الباقي من الزمن ".

ثانيا – في قضية السيارة الجيب

طلب الدفاع من المحكمة أن تأمر بتوزيع ملف القضية على هيئة الدفاع مجانا نظرا لفداحة ثمنه ,وأكثر المتهمين لا يتحملون هذا الثمن , وأجابت المحكمة الطلب .

• علاقة هذه القضية بحرب فلسطين

قال الأستاذ طاهر الخشاب المحامي : حيث أن السيارة ضبطت في 15 نوفمبر 1948 أى بعد دخول حرب فلسطين , فإننا نطلب شهودا كثيرين ليشهدوا بأن هذه الأسلحة كانت تجمع لحساب فلسطين . وممن طلبهم للشهادة اللواءات أحمد المواوي وفؤاد صادق وسيد طه , الصاغات كمال الدين حسين وصلاح سالم وحسن فهمي واليوزباشيات معروف الحضري وخالد فوزي وصلاح متولي كما طلب مفتي فلسطين ومأمور مركز الحمام .

وطلب إبراهيم عبد الهادي ليشهد على أن البوليس السياسي أخذ المتهم عبد الرحمن عثمان المعترف لمقابلة عبد الهادي في صالونه الخاص بالقطار بمحطة القاهرة فقابله وركب معه حتى الإسكندرية .

(أ‌) من شهادة الشهود

1- مصر جمهورية إسلامية

في الجلسة الثانية في 4/12/1950 سمعت المحكمة أقوال الصاغ محمد الجزار والصاغ توفيق السعيد اللذين قالا أنهما وجدا في أوراق المركز العام مذكرة على هيئة دستور مادته الأولي أن مصر جمهورية إسلامية .

2- شهادة إبراهيم عبد الهادي :

وفي الجلسة الرابعة في 19/ 12/1950 سمعت شهادة إبراهيم عبد الهادي – ولما كانت هذه الشهادة من أهم ما أدي من شهادات في هذه القضية بالرغم من كل ما فيها من اعتصام بالإنكار وحذق في المراوغة فإننا نثبتها بنصها لبالغ أهميتها .

المحكمة – عبد الرحمن عثمان أحد المتهمين في القضية يقول إنه أخذ من السجن إلى محطة القاهرة وأنه سافر معك إلى الإسكندرية واختليت به في صالونك الخاص. فإيه الحكاية ؟

الشاهد – قبل سفري إلى الإسكندرية بيوم وكان ذلك في شهر يوليه 1949 كنت أسأل عن مجريات التحقيق في القضية فقيل لى أن أحد المتهمين له اعتراف جديد فطلبت اللواء أحمد طلعت بك وسألته عن هذا الاعتراف فقال إن هذا المتهم يعترف على ابن خالته وهو نجل محمود يوسف باشا وكيل الخاصة الملكية وكان وقتئذ طالبا في الكلية الحربية أو البوليس , فأحببت أن أسمع هذا الاعتراف من المتهم نفسه فطلبت إلى طلعت بك أن يحضره لى لأسمع أقواله .

وفي اليوم التالي جد أمر استوجب سفري للإسكندرية فنزلت من مكتبي وقصدت إلى المحطة لاستقل قطار الظهر فلحق بي طلعت بك وذكرني برغبتي في مقابلة هذا المتهم وقال إنه جاء به إلى المحطة فطلبت إليه أن يحضره إلى في القطار وفعلا ركب المتهم القطار واستمعت لاعترافه ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك ,هل استمر في القطار مع الضابط المرافق له إلى الإسكندرية أم غادره في الطريق ؟

المحكمة – لماذا طلبتم سماع أقوال هذا المتهم ؟

الشاهد – لكي أوجه التعليمات اللازمة . فمثلا طلب إلى اعتقال الشخص الذي ذكره هذا المتهم فلم أوافق على ذلك وأحببت أن أعرف الحكاية إيه .

محمود كامل المحامي – من الذي يعرض على دولة الشاهد نتائج التحقيق وتطوراته ؟ الشاهد – ( يجيب في حدة) لم يعرض على أحد نتائج تحقيق ولا خلافه . ولا يعرض على شئ إلا حين أسأل أنا عن شئ . فلم يعرض الحكمدار على حلقات التحقيق وكل ما في الأمر لما يكون فيه حاجة مهمة أسأل أنا عنها أو يطلعوني عليها .

ونفي دولته اختلاءه بالمتهم في القطار وقال أن أحمد طلعت بك كان حاضرا الاجتماع وكذلك نفي أنه تحدث مع المتهم في أى شئ آخر غير موضوع اعترافه . وقال إنه لا يعرف الأستاذ عبد الحكيم عابدين .

وأجاب دولته على سؤال خاص بتمويل جماعة الإخوان بأنه لا يذكر أنه سأل المتهم عبد الرحمن عثمان عن مصدر هذا التمويل , وأنه لم يتحدث إليه بشأن حل الجماعة ولم يعرض عليه بعض المرطبات , وإن كان قد قدم طعاما إلى متهم آخر في قضية أخري .

وسئل الشاهد هل علم أن هناك تعذيبا وقع على المتهمين فأجاب بالنفي وقال أن هذه مجرد إشاعات , وهنا ذكر الأستاذ محمود كامل أن المتهم عبد الرحمن عثمان قال إنه في يوم10 يوليو 1949 أثناء تولي دولتك الحكم جئ به إلى المحافظة وعذبه الضابط محمود طلعت والضابط محمد الجزار بوضع ساقيه في فلكة وضربه بالسياط. وأن الطبيب الشرعي أثبت الإصابات التي في جسمه . فهل سمعت دولتك بذلك؟

فأجاب دولته – لم أسمع .

وذكر الدفاع واقعة تعذيب أخرى حدثت لهذا المتهم , فنفي دولته حدوث أى تعذيب بعلمه , وأنه لم يكن يحضر إلى المحافظة في أثناء التحقيق .

وسئل دولته هل رأي مصطفي كمال عبد المجيد؟

فقال : إنه في ليلة وقوع حادث محاولة الاعتداء على الأستاذ حامد جودة قصد إلى قسم مصر القديمة, فوجد هناك مصطفي كمال عبد المجيد .وبمجرد أن رأي دولته صاح مستغيثا به . فسأله دولته لماذا فعل ذلك فأجابه أنه فعل ذلك تحت تأثير العقيدة وأنه سيعترف بكل شئ . ثم صعد إلى الطابق العلوي وظل في القسم حتى حضر المحققون وباشروا التحقيق .

وأقسم إبراهيم عبد الهادي بشرفه أن مصطفي كمال عبد المجيد لم يعذب أمامه. وقال دولته ردا على سؤال إنه ذهب إلى المحافظة بضع مرات أثناء تحقيق قضية حامد جوده .والليلة الوحيدة التي سهر فيها بالمحافظة إلى الخامسة صباحا هي ليلة اعتقال محمد مالك .

وهنا أراد عبد الرحمن عثمان أن يوجه أسئلة إلى دولة الشاهد . فاعترضت المحكمة قائلة أن لكل متهم محاميا يسأل عنه ما يشاء – فتدخل سعادة محمد هاشم باشا المحامي ورجا المحكمة أن تفسح صدرها للمتهمين فهم أولي بالسؤال من المحامين – وبعد مناقشة سمحت المحكمة للمتهم بإلقاء أسئلته عليها أولا ... وتبين من إلقائها أن دولة الشاهد سبق أن سئل عنها وأجاب عليها وأكثر هذا الأسئلة كانت خاصة بتعذيب هذا المتهم.

ثم سأله المتهم ألم تقل لي دولتك أن الشيخ حسن البنا قتل واسترحنا منه وأنت تدرس القانون ومن مصلحتك أن تنجو بنفسك وهذه قضية عسكرية ؟

الشاهد – ما كانش فيه موجب لكل هذا .

وسأل الأستاذ زكي عريبي دولة الشاهد : تؤكد لنا دولتك أن النيابة لم تكن تتلقي وحيا ؟

الشاهد – نعم ... ثم قال إنه يأمر باعتقال شخص أو الإفراج عن شخص بحكم كونه حاكما عسكريا لا يعرف إن كان القبض نتيجة تحريات البوليس أو تحقيق النيابة , إنما تعرض عليها أسماء مطلوب اعتقال أصحابها , كان لابد أن يسأل عن سبب اعتقاله , فالمسألة ليست مسألة توجيه النيابة ولكنها مسألة حفظ أمن البلاد.

وسأل الأستاذ مختار عبد العليم دولة الشاهد عن سبب استغاثة مصطفي كمال عبد المجيد حين رآه في القسم . الشاهد – كان يستغيث أنا عطشان . عايز أشرب ( ضحك)

وأجاب على سؤال بأنه لا يعرف جمال فوزي – وهو أحد المتهمين في القضية – ولا يذكر هذا الاسم . ولا يعرف أن كان أحمد طلعت بك استأذن النيابة في خروج عبد الرحمن عثمان من السجن أم لا .

ونفي دولته أنه تحدث إلى الشيخ حسن البنا في شأن جمع الأسلحة في أثناء توليه رياسة الديوان الملكي , وقال أن كل ما حدث أن الشيخ حسن البنا كان يريد السفر إلى اليمن أثناء الثورة اليمنية فنصحه بالعدول عن ذلك.

وهنا انتهت شهادة إبراهيم عبد الهادي .. وحدث أثناء خروجه من القاعة أن أخذ المتهمون يهتفون :" رحم الله شهيدا أعزل " و" يحيا الشعب ويسقط الظلم " وقد غضبت المحكمة لهذا الهتاف وأنبت المتهمين عليه ,اعتذر الدكتور هاشم باشا بالنيابة عن المتهمين فصفحت المحكمة .

• طلب ممثل الاتهام للشهادة :

وطلب الأستاذ زكي عربي المحامي الاستشهاد بالأستاذ محمد عبد السلام بك ممثل النيابة في القضية عن واقعة خروج عبد الرحمن عثمان من السجن لمقابلة عبد الهادي إذ أنه ثابت في دفتر أحوال السجن أنه خرج للنيابة للتحقيق , وعبثا حاول الأستاذ محمد عبد السلام ثنيه عن طلبه قائلا أنه سيعرض لهذه النقطة في مرافعته – كما طلب أعضاء من الدفاع آخرون سماع ممثل النيابة كشاهد , والسؤال الذي سيوجه إليه هو :

" بعد أن قابل المتهم عبد الهادي قال له الأستاذ محمد عبد السلام في اليوم التالي " هل قابلت الباشا ووعدك خيرا ؟" كما أنه قال له " أن الباشا قابل مصطفي كمال عبد المجيد ووعده خيرا وإن شاء الله يعدك أنت الآخر خيرا " .. فطلبت المحكمة أن يجتمع الدفاع لإعداد الأسئلة المراد توجيهها إلى النيابة وتعرض على المحكمة للنظر فيها .

.. في الجلسة التالية قرت المحكمة عدم الموافقة على .. في الجلسة التالية قرت المحكمة عدم الموافقة على إدخال رئيس النيابة شاهدا في القضية.

3- شهادة الصاغ محمود لبيب :

قرر أن التطوع لفلسطين يرجع إلى سنة 1947 عندما عينته الهيئة العربية العليا قائدا عاما لمنظمة الشباب الفلسطيني .وأراد الإنجليز إخراجه من فلسطين فرفض لأنه عربي في أرض عربية وفي عودته اتصل بالمفتي ,وبصالح حرب ..وانتهي تشاورهم إلى أن العرب لا ينقصهم العدد وإنما تنقصهم العدة... فأخذت الهيئات العربية ومنها الإخوان في الحصول على تصاريح بجمع الاسماء ..

وقد بدأ المتطوعون أعمالهم في فلسطين تحت قيادته بمهاجمة قوافل اليهود ومستعمراتهم ونسف أنابيب المياه , وهاجموا دير البلح لعجم قوة اليهود.

الأستاذ زكي عربي ( محام مصري يهودي ) – بلا ش تسميه اليهود . قل الصهيونيين .

الشاهد – صحيح الصهيونيين أستغفر الله .

وقال إن المتطوعين وزعوا أنفسهم على المستعمرات الصهيونية فكان دخول الجيش المصري من رفح إلى غزة بدون إطلاق رصاصة واحدة . كما تمكن الفدائيون بقيادة الشهيد أحمد عبد العزيز من غزو هذه المستعمرات لدرجة أنهم دخلوا حدود القدس الجديدة بثلاثة كيلو مترات .. كل ذلك في 13 يوما .

وروي كيف تمكن المتطوعون ببسالتهم قبل دخول الجيوش النظامية بثلاثة أيام من تدمير ثماني مصفحات يهودية وغنم أربع مصفحات, كما غنموا كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمؤن .

• كيف سقطت راما تراحيل ؟

وقال إنه في خلال معركة القدس رؤي وجوب الاستيلاء على مستعمرة راما تراحيل التي كانت تمون القدس باللبن والدواجن . فتسلل الإخوان المتطوعون إليها واحتلوها , لكنهم فوجئوا بجيش الملك عبد الله ( ملك الأردن ) يحضر إليها ومعه فرقة اسمها ( النهاده) جعلوا ينهبون ويتشاجرون مع بعضهم ويثيرون الفوضى فانسحب الإخوان من المستعمرة وتمكن الأعداء من استردادها من جيش الملك عبد الله .

وعاد الإخوان واحتلوها للمرة الثانية وفوجئوا بجيش الملك عبد الله والنهادة الذين كانوا يقتتلون على بقر المستعمرة وهو من النوع الهولندي الكبير فترك الإخوان المزرعة مخلفين النهاده يقتل بعضهم ويثيرون الفوضي فانسحب الإخوان من المستعمرة وتمكن الأعداء من استردادها من جيش الملك عبد الله .

وعاد الإخوان واحتلوها للمرة الثانية وفوجئوا بجيش الملك عبد الله والنهاده الذين كانوا يقتتلون على بقر المستعمرة , وهو من النوع الهولندي الكبير , فترك الإخوان المزرعة مخلفين النهادة , يقتل بعضهم بعضا للفوز ببقرة هولندية . وعاد الإخوان للمرة الثالثة واحتلوا المستعمرة ,ولكنهم لم يفاجأوا هذه المرة بظهور جنود الملك عبد الله لأنهم يمكن " اخشوا على دمهم " .

• محاولة لفك حصار الفالوجه :

وقال إنه حدث في نوفمبر 1948 أن أرسل إليه عزام باشا ( الأمين العام للجامعة العربية ) وقابله باللواء أحمد منصور بك ضابط الاتصال, وأخبره بأن إشارة وردت للجامعة العربية بضرورة إرسال كتيبتين من الإخوان بالذات لفك حصار الفالوجه . وتوجه به إلى صلاح صبري مدير مكتب وزير الحربية وتم الاتفاق على إعداد الكتبيتين وأعد هو 1600 ( ألف وستمائة متطوع ) واحدا من كل شعبة إخوانية في القطر .. ثم إذا به يفاجأ بأن النقراشي باشا رفض هذا الرأي .

وقرر الشاهد أن الجيش المصري في فلسطين حدث أن طلب من الإخوان إمداده ببعض المتفجرات لأن الجيش لم يكن لديه سوى أسلحة انجليزية في حين أن المتطوعين كانوا يملكون أسلحة وذخائر ألمانية وإيطالية . وقرر أن هيئة الإخوان المسلمين وزعت منشورات على المتطوعين بالحث على القتال والجهاد.

• قطار اللاجئين:

وقال الشاهد أن المتطوعين كانوا يقتسمون مئونتهم مع اللاجئين .ولقد رأوا أن يطلب من أهل الخير في جميع أنحاء القطر التبرع بما يفيض عن حاجتهم من مؤن وغيرها. وأعد لذلك قطار يدعي قطار اللاجئين. واستطاعوا أن يجمعوا من القاهرة في ليلة واحدة ما حمولته ألف عربة يد وعشرات السيارات ولكنهم فوجئوا بأن وزارة الداخلية منعت ذلك . فكانت صدمة حيث حظروا عملا إنسانيا خيريا .

ملحوظة : اللاجئون هم ضعاف الأسر الفلسطينية التي أخرجهم اليهود من ديارهم ففروا بأبنائهم ونسائهم وأطفالهم إلى القرى والمدن الفلسطينية التي يسيطر عليها الجيوش العربية وقوات المتطوعين .

• وسائل خاصة :

وأجاب الشاهد بناء على أسئلة من النيابة أنه بعد دخول الجيوش النظامية فلسطين كان الجيش يمد المتطوعين بالمؤن أما الأسلحة فكانت ترسل إلى المتطوعين بوسائلهم الخاصة عن طريق الهيئة العربية العليا وغيرها لا عن طريق الحكومة .

4- شهادة اللواء أحمد المواوي بك:

5- كان اللواء أحمد المواوي أول قائد للجيش المصري في فلسطين وجاء في شهادته ما يلي :

• جيش بلا معدات :

قرر الشاهد أن هؤلاء المتطوعين كانت روحهم المعنوية قوية , واشتركوا في معارك كثيرة وقاموا بانتزاع الألغام من النطاق الخارجي للمستعمرات اليهودية واستعملوا هذه الألغام ضد اليهود الذين تكبدوا بسببها الخسائر حتى أنهم تقدموا إلى مراقبي الهدنة الأولي شاكين وكان هذا العمل من الإخوان له أهميته إذ لم يكن لدي الجيوش النظامية ألغام .

الرئيس – هذا شئ عجيب . كيف لا يكون لدى جيش ألغام؟

الشاهد – من المعروف أن الجيش دخل الحرب بدون معدات .

ثم ذكر الشاهد كيف استمات الإخوان حتى استردوا العسلوج بعد أن فقدها الجيش وكانت رياسة الجيش قد أرسلت أمر باستردادها مهما كان الثمن لخطورة موقعها .

وأجاب على سؤال عن الشروط التي يجب توفرها في رجل العصابات " الكوماندوز" فقال إنه يجب أن يكون مثل هؤلاء الرجال الأذكياء الذين يمتازون بالجرأة وحسن التصرف بسرعة ولا يعتمد الواحد منهم إلا على نفسه .. هذا إلى المهارة في استعمال السلاح والتسلل والتخفي وتسلق الأشجار فضلا عن اعتياده على أعمال الكشافة . وقال أن نظام الفرق الفدائية قد استحدث في الحرب الأخيرة وأصبح لا غني عنه .

المحكمة –هل في جيشنا هذه الفرق ؟

الشاهد – لا... ولكن الفكرة موجودة .

• عشرة آلاف متطوع :

وقرر الشاهد أن عدد المتطوعين كان حوالي عشرة آلاف شخص من مختلف البلدان والأديان ومعظمهم من الإخوان وكانت الجامعة العربية هي التي تتولي مدهم بالسلاح , وقد حدث مرة أن أعطيتهم بعض الذخيرة .

• متطوع في المائة من عمره:

واستطرد قائلا : كان فيه مشايخ متطوعون عمر الواحد مائة سنة.

الرئيس – مائة سنة ويحارب .. ده تطوع لدخول الجنة بسرعة .

الشاهد – أن الروح المعنوية كانت عظيمة جدا حقا .

وقال أن أسلحة المتطوعين كانت مدافع خفيفة ورشاشة وتومي وقنابل يدويه إيطالية. ثم سمعت المحكمة شهادة اللواء فؤاد صادق باشا ثاني قائد للجيش المصري في فلسطين فكانت شهادته مطابقة لشهادة اللواء المواوي ..وكانت شهادتهما قد أدليا بها في جلسة 20/12/1950.

6- شهادة الحاج عبد الرحمن علي:

وهو مقاول فلسطيني . وجاء في شهادته التي أدلي بها في جلسة 21/12 / 1950 أنه كلف من الهيئة العربية العليا بجمع الأسلحة من الصحراء الغربية من أبريل 1947, واستعان على ذلك ببعض الإخوان ومنهم الصباغ المتهم , حتى منعه رجال الحدود من دخول الصحراء على أثر مصادرة حكومة النقراشي باشا لمخازن الأسلحة .

فما كان من سماحة مفتي فلسطين إلا أن راجع النقراشي باشا في هذه التصرفات فلم يبد النقراشي باشا استعداده لتسليمها إلا على الحدود وحتى ذلك اليوم لم يتم فرؤى أن يكون إرسال السلاح من مرسي مطروح عن طريق اللاذقية بدلا من العريش .

وسأله الأستاذ مختار عبد العليم المحامي عن أسماء الأشخاص الذين كانوا يسعدونه فتفرس الشاهد في وجه المحامي وقال : أنت نفسك كنت منهم .

وقرر أن الشهيد عبد القادر الحسيني كان يدرب المتطوعين في جهات عديدة بالقطر المصري كحلوان والهرم .

7- شهادة السيد أمين الحسيني مفتي فلسطين

الحاج أمين الحسيني

سأله الأستاذ حسن العشماوي المحامي عن دور الإخوان في حرب فلسطين فأجاب بأن الإخوان كان لهم دور كبير منذ البداية فقاموا بالدعاية للقضية الفلسطينية منذ عام 1936 وأثناء الجهاد جمعوا أسلحة وذخيرة واستمروا على خدمة القضية بأقصى جهدهم وقال: كانوا يعاونون المرحوم عبد القادر بك الحسيني في جمع الذخائر ويساهمون في دفع ثمنها ومنهم الصباغ ( المتهم )فقد اشترى بثلاثة آلاف جنيه أسلحة وقام بتسلميها للهيئة العربية العليا, كما استشهد فريق منهم في معركة القسطل .

ولقد استمروا على ذلك بعد دخول الجيوش النظامية , كما استمرت الهيئة العربية في جمع الأسلحة , فبعد دخول الجيوش العربية فلسطين زارني المرحوم الشيخ حسن البنا وقال لى ما ينم عن قلقه من موقف التخاذل الذي اتخذته جيوش بعض الدول العربية , وما لمسه من دسائس تحاك في الظلام , لتودي بقضية فلسطين بسبب الدسائس والتخاذل من " البعض " .

وابتسم سعادة رئيس المحكمة لكلمة " البعض " فابتسم سماحة الشاهد بدوره .

• عشرة آلاف متطوع :

ومضي سماحته يقول : أن الشيخ البنا قال إنه لابد من عمل حاسم , وإنه سيقوم على الفور بإعداد عشرة آلاف متطوع من الإخوان ليشتركوا مع المجاهدين في الميدان ,وإنه سيعرض الأمر على الحكومة حتى تمدهم بالسلاح فإذا تعذر ذلك فإنه سيصدر أوامر إلى كل شعبة للإخوان بأن تتولي تسليح متطوعيها بسلاح تشتريه .

• لم يمكن إرسالهم :

• وتابع كلامه بقوله : إنه متأكد من أن الشيخ البنا كان مصمما على تنفيذ هذه الفكرة وإنه في سبيل تنفيذها اتصل بكافة الشعب لتجمع الأسلحة ولتدريب المتطوعين ويبدو أن العقبة كانت في أنه لم يكن من المستطاع إرسالهم . وقال : إن الإخوان عملوا على شراء الأسلحة حتى بعد دخول الجيوش النظامية فلسطين وذلك بسبب خيبة الآمال في بعض الجيوش العربية لتخاذلها .

• لا تتوسل بالعنف :

وسأله الأستاذ مختار عبد العليم عن رأيه في هيئة الإخوان المسلمين وأهدافها ووسائلها وعما إذا كان من بين وسائلها العنف والإرهاب ؟ فقال : اعتقد أن الإخوان المسلمين هيئة إسلامية تعتنق المبادئ الإسلامية وتحمل دعوتها .وتعمل على إنشاء جيل على مبادئ الإسلام وأخلاقه ,ذلك لصالح المسلمين وغير المسلمين ولا أعتقد أنها تتوسل بأى عمل يخالف الشرع كاستعمال العنف ..

• كيف يمكن إنقاذ فلسطين ؟

ووجه إليه الأستاذ مختار عبد العليم السؤال الآتي :

بوصفكم المسئول الأول عن القضية الفلسطينية هل يمكن أن تشرحوا لنا الطريقة المثلي لإنقاذ فلسطين ؟

عضو اليمين – يعني الجهاد الشعبي هو الأفضل أم المجهود الحكومي ؟

الشاهد – إن اللجنة العسكرية المختصة قررت سنة 1947 الخطة المثلي , وذلك في اجتماع الجامعة العربية في عالية بلبنان ..وأسس هذه الخطة هي التعويل على عرب فلسطين أنفسهم في الدفاع عنها , على أن تعاونهم الدول العربية بتسلحيهم وتدريبهم وتحصين قراهم . أى تضعهم في نفس الوضع الموضوع فيه اليهود في فلسطين .

ولقد وافق مجلس الجامعة على تقرير هذه الخطة بالتعويل على عرب فلسطين ثم المتطوعين أما الجيوش العربية فتقف على الحدود مترقبة . • لماذا عدل عن هذه الخطة ؟

كانت هذه هي الخطة المثلي المتفق عليها ..ولكن حدث بعد ذلك أن قدمت إحدى الدول الأجنبية مذكرة تحتج فيها على هذه الخطة .. وبذلك أوقف تسليح عرب فلسطين وتدريبهم وتحصينهم وترتب على ذلك العدول عن الخطة المثلي .. ومضي سماحته فقال : إن كفاح فلسطين بين عقيدتين متعارضتين , العقيدة العربية والعقيدة الصهيونية , فالسلاح الأول في هذه المعركة إنما هو الإيمان والعقيدة .

ولقد فطن الأعداء إلى هذه الحقيقة فوجهوا كل همهم إلى أبعاد العناصر المؤمنة عن ميدان المعركة.. ثم ثنوا بالسعى لأبعاد الفريق الثاني في الأهمية وهم المتطوعون من العرب كالإخوان وغيرهم , وذلك حتى يخلوا الميدان فلا يبقي فيه إلا الجنود النظامية . وبذلك استطاعوا أن يأمنوا .. إذ أبعدوا العناصر المصممة أبديا على الكفاح ..

ثم أجاب سماحته بناء على مناقشة الدفاع أنه لم يفهم من النقراشي باشا حقيقة الدافع إلى مصادرة السلاح , وأن النقراشي باشا لم يخبره أنه يخشي من تسرب جانب من أسلحة مخازن العربية لاستعمالها في حوادث داخلية.

8- شهادة صلاح أمين الحسيني:

وهو نجل سماحة مفتي فلسطين وطالب بكلية الحقوق . وقد قرر أن بعض الإخوان كانوا يقومون فعلا بجمع السلاح للهيئة العربية العليا , وأن الهيئة تراقب استلامها حتى لا تتسرب إلى جهة أخرى , وأنه اشترك في مسترى محطة كهربائية للهيئة .

9- تقرير خبير الخطوط :

وهو الأستاذ محمد وهبي . انتدبته المحكمة خبيرا استشاريا لمضاهاة الأوراق المضبوطة بسيارة الجيب بخطوط المتهمين عبد الرحمن عثمان وإبراهيم سويلم ومحمد أحمد علي فقدم تقريره إلى المحكمة ويقول فيه أن هذه الأوراق المضبوطة ليست بخطهم .

(ب‌) من المرافعات

جاء في مرافعة النيابة تهجم على هيئة الإخوان المسلمين في نقطتين:

الأولي- في موضوع اغتيال الخازندار بك والثانية في شعار الهيئة السيفان والمصحف والآية .

وجاء في مرافعة الأستاذ عبد المجيد نافع وكانت هي المرافعة الأولي رد على النيابة في هذين التهجميين كما تعرضت المرافعة لنقاط أخرى لها أهميتها . ونورد فيما يلي نتفا من هذه المرافعة .

1- من مرافعة الأستاذ عبد المجيد نافع :

كان أول المترافعين من هيئة الدفاع في هذه القضية واستغرقت مرافعته عدة جلسات وقد بدأ مرافعته في جلسة 16/1/1951 وجاء فيها .

• حسن قناوي والبواعث الوطنية :

وإذا كان عبد الحافظ قد قتل الخازندار بك فما كان ذلك إلا لأن المتهم أخطأ النظر في الأمور .وفي ذلك الحين كانت تدور مفاوضات بين مصر وانجلترا في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية وهي الجلاء الناجز ووحدة وادي النيل تحت التاج المصري ..واعتقد الشبان أنهم يستطيعون تقوية مركز المفاوض المصري حين يجلس على المائدة الخضراء وجها لوجه مع المفاوض البريطانية فألقوا القنابل التي ألقوها ( هذه قضية أخرى غير التي أشرنا إليها قبلا وكانت في القاهرة ).

ونظرت قضايا هذه القنابل أمام الخازندار بك وأصدر فيها أحكاما قاسية بلغت عشر سنوات في جريمة سياسية يحدوها باعث شريف هو تخليص مصر من الاستعمار ..

وذلك في نفس الوقت الذي حكم فيه على سفاح الإسكندرية حسن قناوي بالأشغال الشاقة سبع سنوات .

ولا شك أن لهذه الأحكام ما يبررها من وجهة النظر القانونية تماما.. ولكن الشبان الصغار الذين تختل لديهم الموازين لا يدركون ذلك .. ومع ذلك فإنه لا يوجد منطق في عدالة السماء والأرض يحمل الإخوان المسلمين مسئولية هذه الجرائم .

• عهد ملوث :

إنه في الوقت الذي تسند فيه النيابة إلى الإخوان الجرائم التي عددتها , يتوافد إلى الذهن مصرع الشهيد حسن البنا ينادي بأعلي الصوت وملء الفم: إن الدماء عالقة بهذا العهد وإن يده مخضبة بدم الشهيد وغيره من الشهداء .

• الموت لحسن البنا :

ولقد هدد بذلك في جنازة النقراشي باشا على ملأ من الناس في هتافات مدوية فكان الشبان يصيحون من حناجرهم في هتافات تدوي فتبلغ عنان السماء , ويتوعدون بالويل والثبور وعظائم الأمور جماعة الإخوان المسلمين بل لقد كانوا يملأون أفواههم هتافات " الموت لحسن البنا " .

• تنفيذ الوعيد:

وكان هذا في ختام عام 1948 وبالتحديد في يوم وفاة المغفور له في 28 ديسمبر 1948 . وبعد ذلك في مستهل عام 1949 وبالتحديد يوم 12 فبراير 1949 استشهد حسن البنا الزعيم السياسي والروحي لجماعة الإخوان المسلمين على باب جمعية الشبان المسلمين في ظروف غامضة تثير الشكوك والشبهات وتوحي إلى أية جهة أو أية جهات تتجه الشكوك وهذه الشبهات .

• السيفان والمصحف:

تقول النيابة : أن حسن البنا جعل شعار الجماعة سيفين بينهما مصحف وزود الشعار بهذه الآية ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ( الأنفال :60) ولا يمكن أن يكون السيف رمزا للعنف وعنوانا للجريمة, ولكنه رمز للقوة لأن الأمم الإسلامية لا ينبغي أن تكون مستضعفة أمام الاستعمار الأجنبي والسيف رمز للحرب المعلنة أما الجريمة فترتكب في الظلام وفي غفلة من الناس .

• الحمد لرب مقتدر:

ثم تلا ما استشهدت به النيابة من قول حسن البنا " أنتم لستم جمعية خيرية محدودة المقاصد " فقال : إنه يقول لهم أنتم لستم جمعية خيرية .. وهذا صحيح فهم ليسوا جمعية مكارم الأخلاق ولا جمعية مواساة ولا جمعية عروة وثقي ولا جماعة الحمد لرب مقتدر ...

• لن تقتلوا دعوته :

واستطرد فقال : إنهم قتلوا حسن البنا ولكنهم لم ولن يستطيعوا أن يقتلوا دعوته في سبيل انتشال الإسلام مما وصل إليه من ذلة وخضوع وهو دين عزة وقوة .

• الشيخ المراغي يقرظه :

يقول الشيخ المراغي عن حسن البنا " إن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه , يفهم الوسط الذي يعيش فيه ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية "

• شهادة مكرم عبيد باشا :

وقال مكرم باشا " إني لا أدي لماذا ثار جدل عنيف حول اشتراك الإخوان في السياسة وهم في ذلك على دينهم والدين هو المظهر الأول للسياسة الوطنية .

• رئيس المحكمة يطلب قانون الإخوان:

وبعد أن تحدث الأستاذ نافع طويلا عن نظم الإخوان وقوانينها طلب الرئيس قانون الجماعة فقدمه إليه الأستاذ طاهر الخشاب –واستطرد الأستاذ نافع في مرافعته فقال : إن حسن البنا لم يبغ إلى قلب نظام الحكم , وإنما كان يقصد إلى إصلاح الحكم فحسب وهذا ما دل عليه في جميع خطبه ومقالاته ونصحه لإخوانه , فقد قال :" لقد نادينا بدعوة الحكومات إلى عمل الإصلاح , لأن الهوة بين الغني الفاحش والفقر المدقع اتسعت حتى كاد الشعب المصري يخرج عن طوره , وقد عصرته تلك المظاهر الصاخبة التي يظهر بها الأغنياء وأغلب الشعب يتضور جوعا وعريا وإني لأقولها بأعلى صوتي وملء فمي : " ارحموا الشعب يرحمكم خالقه , فالشعب من حقه أن يعيش ولا أقل من أن يعيش ".

• الإسلام دين ودولة :

وخلص من ذلك إلى قوله : إن الإسلام دين ودولة يجمع بين سلطتين وسلطة دينية وسلطة زمنية وهو قسمان معاملات وعبادات وهو يضع الأصول والكليات ويترك الجزئيات والتفاصيل تتطور مع تطور الأزمان – وإن الفصل بين الدين والدولة ضلالة وقد وضع القرآن أسس الحكم , وتنظيم الحكومات والشعوب ..

الإنجليز طلبوا حل الإخوان :

واستهل مرافعته في يومها الثالث بالكلام عن العوامل التي دعت إلى حل الإخوان المسلمين فقال : إن السلطات البريطانية طلبت من الحكومة المصرية صراحة حل الإخوان وقد طلبت ذلك من رفعة النحاس باشا في سنة 1942 وقوات المحور على مشارف مصر,ولكن النحاس باشا لم يذهب إلى المدى الذي ذهب إليه النقراشي باشا فاكتفي تحت ضغط ظروف الحرب بإغلاق الشعب وابقي على المركز العام .

• ضحك الأقدار:

وقال : وفي عهد الظلم والظلام سنة 1949 عندما كان إبراهيم عبد الهادي باشا يعتقد أنه سيجري الانتخابات فيسوم البلاد الخسف والهوان خمس سنوات أخرى عمل جاهدا للتخلص من الإخوان لأنه عرف أن قوتهم اشتدت وأنهم سوف يكتسحونه في الانتخابات , ولذلك أمعن في تشريدهم وتعذيبهم حتى يذهب ريحهم .. ويقدرون وتضحك الأقدار..

ثم ختم مرافعته بالحديث عن حق السعديين حتى منعوا أحدا من تشييع جنازة حسن البنا.

2- من مرافعة الأستاذ هنرى فارس:

اتهم النيابة بالتحريف فقال : إنها حين نقلت كلام الأستاذ البنا أغفلت كلمة "وسلام" في قوله " نحن دعاة حق " كما أنها غيرت ميعاد ضبط السيارة الجيب بدلا من الساعة الثانية ظهرا جعلته الساعة الثالثة .

3- من مرافعة الأستاذ شمس الدين الشناوي :

سبق لنا الإشارة إليها في فصل سابق وذكرنا فيه موضوع الوثيقة التي قدمها إلى المحكمة والتي تثبت أن القيادة البريطانية للجيش البريطاني في الشرق الأوسط طلبت إلى حكومة النقراشي حل الإخوان .

4- من مرافعة الأستاذ حنفي عبود:

قال : أن حسن البنا قد نجح إلى حد بعيد في وضع المسمار الأول في نعش الاستعمار بأن ربي جيلا جديدا .

الإنجليز يخافون:

وقال : وكان آية هذه الرسالة القوية ما سمعوه عن بلاء الإخوان في حرب فلسطين مما لفت نظر العالم المستعمر وبخاصة الإنجليز فملأ الخوف قلوبهم واتجهت لذلك نيتهم إلى التخلص من هذه الجماعة عن طريق مخالب القط من رجالنا الرسميين . وثائق التاريخ :

وقال : أننا إذا قلنا الإنجليز فلا نحتاج إلى وثائق لإثبات ما نقول , لأن بيدنا الوثيقة الكبرى التي لا يستطيعون الطعن فيها ألا وهي التاريخ .. وأن هذا التاريخ يحدثنا عن تدخلهم في فجر الحركة الوطنية لإقالة شيخ الأزهر لأنه أفتي الدين يهدر دم كل كافر من أهل الكتاب إذا دخل ديارنا بدون أمان من الأمام .

وقال : إن التجارب قد علمت الإنجليز أن الروح الدينية خطر على كيانهم فإذا ما رأوا هذه الروح من جديد في حركة الإخوان فلا غرابة في أن يطالبوا بالحل والتشتيت .

وقال : إن التجارب قد علمت الإنجليز أن الروح الدينية خطر على كيانهم فإذا ما رأوا هذه الروح من جديد في حركة الإخوان فلا غرابة في أن يطالبوا بالحل والتشتيت .

• عهد وصم نفسه بالفوضى:

واستطرد فقال : إننا كنا في عهد عجيب وصم نفسه من أول يوم بأنه عهد الفوضى..وأن من يرجع بذاكرته إلى يوم 9 من أكتوبر سنة 1944 ويذكر ما نشرته الصحف عقب إسناد الحكم إلى رجال ذلك العهد من أنهم ركبوا إلى دور الوزارات ولم ينتظروا حتى تفتح لهم الأبواب بل حطموها .. فسجلوا بأنفسهم على أنفسهم ومن اللحظة الأولي بعدهم عن إدراك أصول الحكم الصالح وما يتطلبه من نظام ووقار ورزانة, وكشفوا عن خفايا النفس وما انطوت عليه من فتنة وشهوة متعطشة إلى الكراسي ( يقصد أول وزارة للسعديين برياسة أحمد ماهر ) .

5- من مرافعة الأستاذ طاهر الخشاب :

جاء في مرافعته أن الإخوان اشتروا 800 فدان في نجع حمادي من الأراضي غير الصالحة للزراعة وحولوها إلى جنة .

6- من مرافعة الأستاذ فتحي رضوان:

قال : إن الأستاذ البنا بعد أن صدر قرار الحل زاره أكثر من مرة فكان يرحب به , وكان الأستاذ البنا يشكوا إليه ويكرر الشكوى , فلا يسعني إلا أن ابتسم في وجهه لأنني أعلم أن الخلاف بين الإخوان والسعديين لا يمكن أن يفلح فيه صلح أو مفاوضة .

وأشار إلى الحق الذي كانت تكنه حكومة تلك العهد على كل من يناصر جماعة الإخوان .. وقال : إنه ذهب ذات يوم إلى قنا للمرافعة في إحدي القضايا فقابله أحد أصدقائه وقال له : أصحيح ما نسب إليك من أن الشيخ البنا قد زارك في ليلة مقتل النقراشي باشا وقال لك : لقد انتهي الأمر ورد إلينا اعتبارنا ؟ لقد أشيع هذا الكلام ووصل إلى مسامع رئيس الوزراء وقال إنه دهش لهذا الحديث .. قال : ونفيت هذا الحديث لمحدثي ولم أعلق على الأمر أهمية , حتى حدثني أحد الوزراء بعد ذلك بنفس هذه المعاني قائلا إنه لا يستطيع أن يدافع عني لدي الحكومة بعد ذلك ,لأن رئيس الوزراء غاضب عليك لما نقل إليه من أمر هذا الحديث الذي أكد له أنك ممن يناصرون دعوة الإخوان .

• وطنية صادقة :

وقال : إن التاريخ يشهد على صدق وطنية المصريين وإنه لم يحدث أن حوكم مصري لأنه خان وطنه , وإنما للأسف الشديد يقدم المصريون للمحاكمة لأنهم أرادوا أن يقفوا فيوجه الإنجليز مطالبين بحقوقهم .

ثالثا - في قضية جودة والأوكار

لم تكن في هذه القضية معالم ذات بال فيما يتصل بالسياسة العامة والأفكار الوطنية والاجتماعية بخلاف القضية السابقة ولكن هذه القضية كانت ذات معلمين بارزين هما تحريك بل إحياء التحقيق في قضية اغتيال الأستاذ الإمام حسن البنا ثم فضح أساليب التعذيب ..وقد أفردنا لفضح أساليب التعذيب فصلا مستقلا ..ولذلك نقتصر في هذا المقام على الإشارة إلى نقاط في هذه القضية أكثرها يتصل بقضية الأستاذ الإمام .

• طلب ضم قضية اغتيال الأمام :

الأستاذ نافع – ( في جلسة 6/11/ 1949 ) اطلب ضم أوراق التحقيق في مصرع الشيخ حسن البنا.

رئيس المحكمة – ما هي الحكمة في ضم أوراق هذا التحقيق ؟

الأستاذ نافع – لقد اغتيل الشيخ البنا في 11 فبراير الماضي , والحدث المنظور أمامنا وقع في 5مايو. ومن الطبيعي أنني سأتعرض في دفاعي للباعث على الجريمة , ولقد كان الشيخ البنا مرشدا عاما للإخوان .ولقيام الشكوك حول موقف الحكومة من مصرعه وزنه في تقدير الباعث في قضيتنا وأنا لا أطلب ضم أوراق حادث مصرع الشيخ البنا فحسب بل أطلب نسخة وتوزيعه ..والشهود قد أدلوا بأن الهدف من الاعتداء لم يكن حامد جودة بل كان إبراهيم عبد الهادي .

إن الشيخ البنا قد قتل في ظروف غامضة للغاية ومثيرة للريبة . وهناك شاهد في حادث مصرعه هو محمد الليثي أفندي ( رئيس القسم الرياضي بجمعية الشبان المسلمين ) فقد قرر عند سؤاله أنه عقب اغتيال الشيخ البنا أخبره على الفور شخص برقم السيارة التي ارتكبت بها الجريمة وأن المساعي بل الجهود قد بذلت من جانب البوليس السياسي بالوعد والوعيد والتهديد بأنه إذا لم ينزل عن هذا القول الخاص برقم السيارة فإنه سيكون فريسة للإعتقال .. وبرغم ذلك فقد أرشد الليثي أفندي عن رقم السيارة .. وتبين أنها خاصة برئيس القلم الجنائي بوزارة الداخلية وهو الضابط محمود عبد المجيد بك – وفجأة طويت أوراق التحقيق .. فالأمانة لموكلي على تنقاضاني أن لحف في ضم هذه التحقيقات .

الدكتور عزيز فهمي – أؤيد طلب طلب ضم أوراق مصرع المرحوم الشيخ حسن البنا وأن ما ذكره الأستاذ عبد المجيد نافع عن محمد الليثي أفندي جعل الليثي في خطر محقق ومن المحتمل قتله – وأنا أحمل في حالة وقوع اعتداء على حياة الليثي أفندي المسئولية للصاغ الجزار وكذلك مدير المباحث الجنائية الذي استخدمت سيارته في قتل المرحوم الشيخ حسن البنا وحبذا لو رأت النيابة من جانبها أن تعمل على حماية الليثي أفندي .

( وأحنى الأستاذ فتحي مرسي ممثل النيابة رأسه بما معناه " حاضر "

• طلب ضم نسخة من جريدة " المصري " المصادرة"

الأستاذ طاهر الخشاب – أطلب ضم نسخة جريدة " المصري " التي صدرت صباح يوم مقتل الشيخ البنا وصودرت الطبعة الأولي منها . وهذه النسخة موجودة الآن بإدارة المطبوعات ولها أهميتها الكبرى , لأن فيها مفتاح الجريمة وأؤكد أن هذه النسخة كان بها رقم السيارة التي ارتكبت بها الحادث فصودرت لذلك, وظهرت الطبعة الأخرى وليس فيها رقم السيارة .

الرئيس – ما هي العلاقة بين ما تذكر والقضية .

الأستاذ طاهر الخشاب – إن جرائم القتل – وأنتم أئمة القانون – ببحث فيها عن الباعث . فإذا كان صحيحا ما قيل من أن الحكومة هي التي دبرت اغتيال الشيخ البنا وأنها أهملت التحقيق , وأنها تسترت على المجرم بمصادره " المصري " مع أن فيه الدليل المادي الذي كان يمكن أن تسير وراءه النيابة .. فإن موقف الحكومة هذا يكشف لنا عن الباعث في هذه القضية .وأنا مصر على طلب هذه النسخة .

ثم قال : إن النيابة تقول عن حادث سليم زكي باشا أن شخصا أبلغ عن نفسه فحقق معه ولكني كنت في المعتقل وقد مر على فيه جميع المتهمين وذكروا لى أن هذا الشخص أدلي باعترافات وبأسماء أشخاص خارجة عن المحضر الذي أثبت فيه أقواله وأتي بسلسلة من الشخصيات نتيجة تعذيبه .

الأستاذ البيطاش ( ممثل النيابة أيضا ) لالا .. لقد ذكر في أول بلاغه أنه ارتكب الحادث مع آخرين ذكر أسماءهم .

الأستاذ الخشاب – أصر على أنه اعترف على أشخاص غير الواردين في بلاغه فبدأت الاعترافات تنتزع من هؤلاء الأشخاص .

• قضية الأستاذ الإمام تصور الجو الذي صدرت فيه الاعترافات :

الأستاذ عبد الفتح حسن – إن الدفاع يرجو على الأخص ضم قضية مقتل الشيخ حسن البنا لأنها ليست متعلقة بالباعث في قضيتنا فحسب , بل إنها تصور الجو الذي صدرت فيه الاعترافات .. وما دام المحققون في قضية مقتل الشيخ البنا حاولوا أن يلتوى شاهد عن السبيل القويم , فلا يكون هناك عجب إذا قيل أن هناك إجراءات قصد بها إبعاد التهمة عن الهيئة الحاكمة وقتئذ .

ولقد فوجئنا باعترافات قال فيها كل معترف " ألقيت قنبلة انفجرت وقصدت بها الإصابة" وهذا الأسلوب لا يعرفه متهم وإنما يعرفه الذين يكيفون الواقعة ويصفون التهمة ..وتلك هي وظيفة النيابة العمومية فهذه الاعترافات لم يكن للمتهمين بها شأن سوى تحريك ألسنتهم .

الأستاذ نافع – إن هذه القضية ليست قضية هؤلاء المتهمين , بل هي قضية حكومة متمدينة أو غير متمدينة لم نر لها مثيلا في عصور الهمجية والوحشية – أن الذي قيل أن الهدف من هذه الجريمة التي نحن بصددها هو إبراهيم عبد الهادي لأن يده انغمست في جريمة مقتل الشيخ حسن البنا ويجب أن أقرأ القضية وأبحثها بعناية لكي أرتب دفاعي كما ينبغي ويجوز أن أطلب إبراهيم عبد الهادئ للشهادة وقد يوفي التحقيق بسمع شهادة أمثال محمد زكي على ومصطفي مرعي وصالح حرب ومحمد الناغي ومصطفي الشوربجي .

الأستاذ سامي عازر – أطلب التصريح بإعلان شهود نفي وهم الواردة أسماؤهم في عريضة مصطفي الجابري السابق تقديمها قبل الجلسة ويضاف إليهم والد الشيخ حسن البنا . ومعالي مكرم باشا لسماع شهادتهما عن الطريقة التي شيعت بها الجنازة ودفن بها القتيل .

( استجابت المحكمة لهذا الطلب ) .

• تليفونات جمعية الشبان المسلمين كانت مراقبة بأمر:

الأستاذ طاهر الخشاب – ( في جلسة 5/12/ 1949 ) إن تليفونات جمعية الشبان المسلمين كانت موضوعة تحت المراقبة وأطلب ضم التقرير الذي أرسل إلى المراقبة في هذا الشأن في الفترة ما بين الساعة الخامسة مساء يوم اغتيال الشيخ حسن البنا إلى الساعة العاشرة من مساء اليوم التالي :

الرئيس – وما علاقة ذلك بالقضية ؟

الخشاب – أن قضية اغتيال البنا ضمت إلى قضيتنا .

الرئيس – ذلك لما قد يتناوله الدفاع عن الباعث .

الخشاب – ولكن الأهم أن أقدم مثلا على تصرفات الحكومة في ذلك العهد – تلك الحكومة المفروض فيها المحافظة على الأمن – والثابت في تحقيقات مقتل الشيخ البنا أنه وقت مصرعه كانت تليفونات جمعية الشبان المسلمين تدوي بأصوات رجال القلم السياسي تسأل عما إذا كان الشيخ البنا قضي نحبه أم لا يزال فيه نفس يتردد.

• الحاكم العسكرى استغل الأحكام العرفية لمحاربة خصومه السياسيين :

الأستاذ فتحي رضوان :- دفع بعدم اختصاص المحكمة العسكرية بنظر الدعوى وأفاض في ( البحث القانوني ) وجاء في دفعه : أن الدفاع يتهم الحاكم العسكرى – ( ولا داعي لذكر اسمه ) بأنه خرج عن سلطته التي منحها , ومسخ النص الذي أقامه, فبدلا من أن يصدر أوامر حربية للاطمئنان على الجيش المصري أصدر أوامره لمحاربة خصومه السياسيين.

ولقد أغنانا ذلك الحاكم العسكري عن البرهنة على صحة هذا الاتهام فقد أذاع عن طريق مكتبه ردا على النحاس باشا رئيس الوفد , فجعل يتكلم في بيانه عن عصابات الإخوان المسلمين لا عن عصابات الصهيونيين, وعن الأسلحة والقنابل في أوكار الإخوان لا عن ذخائر وأسلحة الجيش المصري .. فهو في صراحة يعلن أن الدافع لهذه الأحكام العرفية لا أنه يريد حماية ظهر الجيش المصري, ولا لأنه مشغول البال بحركات جيشنا في الميدان ,وإنما ليحارب الإخوان المسلمين وغيرهم من خصومه السياسيين .

ولا يصح إطلاقا أن يأتي رئيس وزراء على خلافات سياسية مع غيره وهو في هذه الخلافات لا يريد أن يترك مقاعد الحكم .. حتى انتهي الأمر به إلى ما يشبه الإقالة – لا يصح أن يسخر الأحكام العرفية في مآربه الشخصية .

إن الشعب جميعه كان يعلم وكان مقتنعا بأن الأحكام العرفية لم تكن لسلامة الجيش . بل إن هيكل باشا – وهو رئيس حزب مشارك بحق النصف في هذه الوزارة وهو أيضا رئيس مجلس الشيوخ أى رئيس الهيئة التشريعية – هذا المسئول الكبير قال قولا له قيمته القانونية لنا – فقد قال : " إنه يعلن أنه دائما كان ضد الأحكام العرفية والرقابة على الصحف. وضرب سعادته مثلا بأن الحكم في مسألة إعلان الأحكام العرفية إنما كان قائما على المعلومات التي رأس رئيس مجلس الوزراء وقتئذ شخصيا أن يلقيها على زملائه الوزراء "

وعلق الأستاذ فتحي على حديث هيكل باشا قائلا: إن سعادته يعلن ويعني أن الحاكم العسكري قال كلاما للوزراء فهموا منه أن الحالة في فلسطين تستدعي مد الأحكام العرفية , وأنه استطاع بعد ذلك هيكل باشا أن يعرف أنهم كانوا مخدوعين, وأن الحاكم العسكرى أعطي بيانات غير صحيحة .

وقال الأستاذ فتحي : أن الحاكم العسكرى في هذه الفترة ( الانتخابات ) في إجازة ولا يجوز أن تنظر محكمة عسكرية دعوى في خلال هذه الإجازة .

وقد قررت المحكمة ضم الدفع إلى الموضوع مع التصريح بتقديم مذكرات .

• من شهادة الأستاذ حامد جودة :

حضر في جلسة 18 / 12/ 1949 وقرر في شهادته أن القصد بالاعتداء لم يكن هو بل كان إبراهيم عبد الهادي . وقال إنه لما وصل منزله اتصل بعبد الهادي ليحذره فوجده قد سبقه .

الأستاذ مختار عبد العليم – هل تتولي حضرتك الإشراف على جريدة " الأساس "؟

الشاهد – تقريبا .

الأستاذ مختار – هل تذكر أنه نشر بها مقال عقب مقتل النقراشي باشا بأنه يجب مقاومة العناصر الإرهابية بالطرق المشروعة وغير المشروعة ؟

الشاهد – مش متذكر .

الأستاذ مختار – ما السبب في اعتقادك أن المقصود بالحادث هو إبراهيم عبد الهادي ؟

الشاهد – لأنه هو الذي يقاوم الإخوان المسلمين.

المحكمة – من الذي تعتقد أنه يقوم بهذه الحوادث ؟

الشاهد – الحوادث التي وقعت كانت من فعل خليط من الشيوعيين والصهيونيين والإخوان . وأن لثلاثة امتزجوا ببعض .

الخشاب – ما الدليل على ذلك ؟

الشاهد – لأن جمعية الإخوان كانت تصرف مبالغ كبيرة .

ثم سأله المحامون عما إذا كان قد اتهم في حوادث قتل أو أوي مجرما فقال : أنا الذي سلمت الخط.

الفصل الرابع البوليس السياسي والتعذيب

مقدمة

أنشئ البوليس السياسي في مصر ليكون أداة لتثبيت أقدام الاحتلال البريطاني فيها فهو من ناحية الشكل جهاز من أجهزة وزارة الداخلية المصرية وأعضاؤه ضباط وجنود وموظفون مصريون جنسية , ولكن أعمالهم وجهودهم وأهواءهم وولاءهم للمستعمر الذي يعتقدون فيه ما يعتقد المؤمن في ربه .

وكانت الرياسة السرمية لهذا الجهاز في أول الأمر لغير المصريين فلما أبدت شخصيات من العاملين في هذا الجهاز من المصريين نضوجا في خيانة بلادهم وتفانيا في الإخلاص للقائم في السفارة البريطانية أسندت الرياسة الرسمية للمصريين , فنبذ هؤلاء الرؤساء المصريون أسلافهم الأجانب في التسلط الإجرامي على الشرفاء من مواطنيهم تسلطا أذهل سادتهم الإنجليز أنفسهم .

والعجيب هو أن الحكومات المصرية المتعاقبة كانت تعلم عن هذا الجهاز هذه المعلومات ومع ذلك لم تجرؤ واحدة منها على المساس به أو حتى على الاحتجاج عليه بل أن بعضها كان يستخدمه في الكيد لمنافسيه على كراسي الحكم .. ولم تكن السفارة البريطانية – صاحبة الجهاز الحقيقية – تعارض في ذلك , لأن هذا كان لحسابها إذ هو في نطاق اللعبة التي اخترعها ليتلهي بها الزعماء عن المطالبة بحقوق بلادهم .. ولكن الأساليب التي كان يتبعها الجهاز في هذه الحالة بالذات لم تكن تتعدي فض اجتماع أو التصنت عليه أو مصادرة عدد من صحيفة أو منشور , أو مضايقة سياسية في تنقلاته .

وأعمال البوليس السياسي الآثمة – ومجرد وجوده إثم – كانت موضع سخط الشعب باعتباره أداة للتجسس عليه ونقل أخباره وتحركاته بل وهمساته إلى المستعمر ,.... ومع ذلك فإن هذا الجهاز كان يعتبر هذه الأعمال إن هي إلا مداعبات إذا قيست بما خول من سلطات لا حدود لها .. ولكن سادته الإنجليز كانوا يرون أن ما بقي في هذا الشعب من رمق لا تستدعي مكافحته بأكثر من هذه المداعبات . فلما فوجئ المستعمر بحيوية مفاجئة في هذا الشعب , نمت وترعرعت في غفلة منه نموا لم تعد الأساليب المعتادة كافية لمكافحته ,فإن وجود المستعمر نفسه أصبح مهددا أمام هذا النمو الفارغ المباغت .. أخذ في استجماع قواته المصرية شكلا ليقابل بها السيل الجارف الجديد من الحيوية المتدفقة .. فأشار إلى حكومة عميلة حاقدة , فأتته طائعة جاثية , ووضع في خدمتها وتحت إمرتها رجاله الخلصاء من البوليس السياسي , على أن يهيئ رئيس هذه لحكومة لهم الجو المغلق بإعلان الأحكام العرفية , وعلى أن تكون أبواب خزانة الدولة مفتوحة لهم على مصاريعها , لأن هذين معا – الجو المغلق والخزانة المفتوحة - هما الوقود الدافع لهم والمحرك لأحط الغرائز فيهم , حتى يحققوا الغاية التي من أجلها أنشئ جهازهم , وهو إزالة كل ما من شأنه أن يهدد وجود المستعمر أو يعكر صفوه .

فاندفعوا بأحط غرائزهم اندفاع الذئاب الجائعة, ففعلوا بالشباب الطاهر من الوطنيين المؤمنين الشرفاء ما يعجز الخيال عن تصوره من أساليب الإجرام وضروب الوحشية غير عابثين بشرف ولا مكترثين بعرف ولا قانون ..

وقد رأيت حين أفردت هذا الفصل لعرض هذه الأساليب الوحشية ألا أتدخل في وصفها بكلمات من عندي أو بعبارات من قلمي حتى لا أتزيد في الوصف ولا أقصر عنه ورأيت أن أدع هذا الوصف لأولئك الذين عانوا من هذه الوحشية وكانوا فرائس لهذه الوحوش الآدمية الضارية .

وليس معني ذلك أنني آتي في هذا الفصل على كل من عانوا ولا على كل ما عانوا – فهذا ما لا يتسع له الكتاب بجميع صفحاته – لكنني أجتزئ بقليل من كثير على سبيل الأمثلة والنماذج التي يهتدي القارئ بها إلى ما وراءها .

أولا – في قضية النقراشي

• المتهم محمد مالك :

في جلسة 29/8/1949 طلب المتهم محمد مالك من رئيس المحكمة السماح له بالكلام فقال : إنه لما اعتقل في الإسكندرية جاءوا به موثق اليدين والرجلين إلى المحافظة فقال له الأستاذ عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية " أنا عمار عدو الإخوان " ثم أمر رجال البوليس بتعذيبه فانهالوا عليه بالضرب المبرح – ولما جئ به إلى القاهرة اجتمع عليه ضباط القسم السياسي ورفعوا بعد ربطهما وانهالوا عليه ضربا في كل جسده , وكانوا يدوسون علي وجهه بأحذيتهم ثم شفعوا ذلك بلفحات من الكرابيج وكان يغمي عليه ويود ألا يخرج من إغمائه حتى لا يشعر بهذا العذاب.

وخيروه بين تأييد رواية عبد المجيد وبين التعذيب وأعدوا له حجرة تعذيب ..ولما أدركوا أنه لم يعد يستطيع المشئ أجبروه على أن يجري , ولما لم يستطع الوقوف أرغموه أن يقف ساعات , وكان يترك الأسابيع دون أن يغتسل أو يبدل ملابسه . وهنا وقفت والدة مالك وفي يدها رباط شاش وقالت أن ابنها كان كل جسده جروحا فأسكتها رئيس المحكمة .

وكان مالك يروى بتأثر وحنق ويقول إنه عاجز عن تصور ما كان يعانيه من عذاب حتى تلفت أعصابه وكان يضرب بالحديد لعله ينطق وكان البوليس يوجه إليه كلمات مقذعة خبيثة ,واستعانوا بصغار إخوته ليرغموه على الاعتراف .

فسأله الرئيس : ولماذا لم تخطر النيابة وقد حقق معك أكثر من مرة ؟

مالك – بلغت إسماعيل عوض بك رئيس النيابة بلا جدوى كما بلغت محمد عبد السلام بك .

محمد عبد السلام – عندما بلغني المتهم أحلته على الكشف الطبي .

دكتور عزيز فهمي – لقد عذب أيضا بعد الكشف .

وقال مالك أنه لم ينج من التعذيب حتى في الشوارع أثناء ذهابه للتحقيق.

الرئيس – وكيف ذلك ؟

الأستاذ أحمد حسين – ثابت أن المتهم كان يقاد إلى التحقيق وهو يرتدي جلبابا وحافي القدمين .

• المتهم محمد نايل :

وفي نفس الجلسة قال المتهم محمد نايل أمام المحكمة إنه كان يضرب على قفاه من ضباط القلم السياسي وهو جالس في الغرفة المجاورة للمحقق وأنه أخذ بحجة التحقيق معه في النيابة واقتيد إلى قسم عابدين حيث هدده رجال القلم السياسي بتشريح جسمه إذا لم يعترف .

وقال إنه بعد أن نال ضربا مبرحا أخذ مكبلا إلى غرفة الحكمدار فوجد فيها إبراهيم عبد الهادي باشا , فدهش لوجوده ...ويظهر أن رئيس الوزراء لاحظ تلك النظرة فقال له

"بتبص لى كده ليه ؟ أنت عندك حاجة يا واد؟" ثم أمر بإخراجه حيث ضرب بالفلقة وقال المتهم أن لديه شاهدا على هذا التعذيب وهو أمان الله خان .

الرئيس – من ملوك أفغانستان؟

نايل – فعلا من الأسرة المالكة الأفغانية وكانت له قضية يعرفها القلم السياسي.

• عدم إثبات الإصابات

وقال نايل لما توجه إلى سجن مصر , رفض الطبيب أن يثبت إصاباته . فلما ألح عليه اكتفي بوصفها " قراحات " وقال إن هذه المعاملة الهمجية الظاهرة جعلته يطمع في حمي النيابة- وهو يعتقد أنها ستنصفه – ولكن لما استدعاه إسماعيل عوض بك رفض أن يسجل إصاباته بناء على طلب القلم السياسي.

• عمليا تعرف مزيفة :

وقال إن عمليات التعرف عليه كانت مزيفة فإن الشخصين اللذين تعرفا عليه كانا قد أجلسا قبلا بجواره طيلة ساعة كاملة .

• صمت مخجل:

وقال أن هناك أشياء أخرى يخجل من ذكرها أمام الناس .

وفي الجلسة التالية المنعقدة يوم 3/9/1949 بدأ الحديث الدكتور عزيز فهمي المحامي فقال : إن لمحكمة تفضلت في الجلسة السابقة بالاستماع إلى أقوال المتهمين مالك ونايل وقد اتضح من هذه الأقوال أن بعض المتهمين كان هدفا للتعذيب لحملهم على الإفضاء باعترافات معينة . وقد رأت المحكمة آثار هذا التعذيب على أجسامهم , ووصف الرئيس هذه الآثار بأنها لا تزول مع الزمن – واستطرد الدكتور عزيز فقال : ولم يكن التعذيب جسمانيا فحسب , بل كان البعض هدفا لجرائم من نوع آخر يمس أعراض المتهمين وأعراض أخواتهم وأمهاتهم وزوجاتهم كما أشار إلى ذلك كل من مالك ونايل وأمسكا اللسان عنها استحياء . ثم طلب الدكتور عزيز من المحكمة أن تسمع أقوال المتهمين فيما وقع عليهم من اعتداءات تمس الأعراض وتحقيقها لمحاكمة مرتكبيها طبقا للقانون( ودارت مناقشة بين الدكتور عزيز في ذلك وبين رئيس المحكمة رفض في نهايتها رئيس المحكمة طلبه بالتحقيق في التعذيب ) .

• لا حياء في القانون :

وقال الدكتور عزيز : أن المتهمين يريدان الإدلاء بأقوال للمحكمة ومن حقهما أن يطلبا الاستماع إلى هذه الأقوال . ولقد منعتهما المحكمة في الجلسة الماضية من سرد ما ارتكب ضدهما ويمس الأعراض بحجة أنه يتضمن عبارات نابية مع أنه لا حياء في القانون كما أنه لا حياء في الدين ..وأصر الرئيس على عدم سماع المتهمين.فتساءل الدكتور عزيز عما إذا كانت المحكمة ترفض سماع متهم ولا تريد أن تستنير ..وقال أن الجرائم التي أشار إليها المتهمان تحمل مرتكبيها مسئولية جنائية عقوبتها الأشغال الشاقة أو السجن ..ومع ذلك أصر الرئيس .

• المتهم عبد الفتاح ثروت شاهدا :

وفي خلال جلسة 3/9 هذه استمعت المحكمة إلى ثلاثة من المتهمين في قضية السيارة الجيب – بناء على رأي رئيس المحكمة – كشهود في هذه القضية ,ومن هؤلاء الشهود عبد الفتاح ثروت الذي قرر أنه راصد جوى . وما إن سألته المحكمة عن معلوماته في القضية حتى اندفع يروى قصة تعذيبه .

وقد استعل كلامه قائلا إنهم عذبوه – وكشف للمحكمة عن آثار التعذيب في قدميه – ثم قال إنه ارتكبت معه أعمال منافية للآداب . الرئيس – بس.... بس .

الدكتور عزيز – نريد أن نسمع الشاهد.

الرئيس – ستسمعون ولكن ليس في جلسة علنية .

واستأنف الشاهد كلامه فقال إنه كان يعذب بالضرب في سجن الأجانب والمحافظة . وكانوا يجبرونه في حجرة التعذيب على الوقوف من الصباح إلى المساء حتى لا ينام . كما قبضوا على أقاربه ونكلوا بهم.

• أصبحت محطما :

واستطرد يقول : لا يمكن أن أصور الآلام التي قاسيتها .. لقد كنت في عملي الحكومي نشيطا , أما الآن فقد تحطمت أعصابي ,وأصبحت فريسة للنوبات والاضطرابات, ولم يعمل لى طبيب السجن شيئا ..وأنا أتناول أدوية من الخارج ...

• تعذيب أمام النائب العام:

وقال : لقد كان رجال البوليس السياسي يحضرون التحقيق ويهددونني بعد تعذيبي وذلك أمام سعادة محمود منصور باشا النائب العام السابق وقد شكوت له فقال لى :

" لا تتعب نفسك بالشكوى فنحن نعرف والحكومة تعرف وسوف نشرحك "

• وأما إبراهيم عبد الهادي:

واستأنف يقول : وقاموا بضربي يوميا ثلاث مرات في المحافظة ومرة في النيابة وأخذوني لإبراهيم عبد الهادي باشا فقال لى " تكلم أحسن لك علشان تطلع كما طلع غيرك" – وقال الشاهد : أنه لانهيار أعصابه وقع على أوراق لا يدري ما فيها .

وأجاب الشاهد على سؤال لغنام بك المحامي بأنه دخل على إبراهيم عبد الهادي باشا وملابسه ملوثة بالدماء فقال له " يا ولد أنت عارف حتتكلم إزاى ولازم تقول كل حاجة "

ثم أخرج بعدها إلى غرفة التعذيب . وقال : إنهم كانوا يفصحون له بأنهم يعرفون كل شئ عن عائل 257 ته فقالوا له أن أخته مريضة بالسكر وأنهم شردوا والده ..وقال أن البوليس طلب منه أن يذكر كلاما عن مالك وأن يتهمه بالاشتراك في الحادث .

وأجاب على سؤال آخر لغنام بك بأنه قابل إبراهيم عبد الهادي باشا ثلاث مرات وكان البوليس يهمس في أذنه قبل المقابلة أن الباشا في يده كل شئ .وكان الباشا بلح عليه في أن يتكلم .

وقد وافقت المحكمة على إحالة الشاهد إلى الكشف الطبي .

• الأستاذ على منصور يطالب المحكمة بتحقيق التعذيب أو إيقاف المحاكمة

وقد طالب الأستاذ على منصور المحكمة بتحقيق التعذيب أو إيقاف المحاكمة حتى تقوم النيابة بهذه المهمة حتى ترى المحكمة ما يلقيه هذا التحقيق من ظل – وعقب على النيابة أن التعذيب تم بحضورها .. كما هاجم تقرير الكشف الطبي على " مالك" حيث قرر أنها مجرد تسلخات بسيطة من أثر القيد الحديدي وأنها لا تحتاج إلى علاج بل تزول من نفسها على مرور الأيام .


وقال الأستاذ على منصور: لقد جانب هذا التقرير الحقيقة مجانية سافرة إذ أن الآثار التي يكشف عنها " مالك " أمام المحكمة ليست بالتسلخات البسيطة , ومنها ما هو بالفخذ مما لا يعقل أن يكون من القيد الحديدي .

وقال إنه يتمسك بتحقيق التعذيب الثابت من الآثار المادية التي شاهدها الجميع في قاعة الجلسة كما أن لدي " مالك " شهودا على وقائع تعذيبه هم الدكتور جمال عامر والشيخ محمد جبر وسيد أفندي شامه ومحمد أفندي أمين حنفي .

• يتهم البوليس السياسي بأنهم قتلوا متهما ودفنوه :

ثم قال الأستاذ على منصور : والدليل على ذلك أيضا أنه قد توفي بين أيدي الجلادين أحد الشقيقين أحمد عبد النبي أو محمد عبد النبي وذلك بدار محافظة الإسكندرية حيث تولت الإدارة دفنه في مكان مجهول ثم أخطرت أهله .

واستطرد يقول : هي حقائق مقتطفة من كثير مما ثبت لدى ولا أستطيع بيانه خوفا على مراكز من يعرفني بها . وفي هذا الكفاية أضعه أمام الضمائر الحية لحضرات المستشارين والضباط العظام لتقديرها .

• الدكتور عزيز فهمي يقول " هذا التعذيب لم يقع مثله في القرون الوسطي:

في جلسة 26م9/1949 جاء في مرافعة الدكتور عزيز فهمي عن التعذيب قوله:

" أن هذه الجرائم التي يتحدث عنها الناس في الأندية العامة والخاصة لم نسمع لها مثيلا من قبل فلقد كان عهد فلبيدس وبدر الدين ومن إليهما من الطغاة والمستبدين – الذين وصفت محكمة النقض والإبرام عهدهم بأنه كان إجراما في إجرام – عهدا إنسانيا بالنسبة لهذا العهد الأخير. ولقد كان فلبيدس وبدر الدين ومن إليهما ملائكة رحمة إذا قورنت جرائمهم بهذه الجرائم – إن هذه الجرائم لا يمكن أن يرتكب مثلها في بلاد الهمج , ويستحيل أن يكون ممثلها قد وقع في القرون الوسطي أو في المجتمعات البدائية دون أن ينال مرتكبوها جزاءهم الصارم .

ثانيا – في قضية السيارة الجيب

في جلسة 19/12/1950 استمعت المحكمة إلى ثلاثة من المتهمين في قضية الأوكار وجودة باعتبارهم شهود نفي في هذه القضية وهم سعد جبر التميمي ومصطفي كمال عبد المجيد وعبد الفتاح ثروت .

• سعد جبر – ضربوني بالحذاء في وجهي :

• قال إنه استأجر فيلا الزيتون ولم تكن الأجهزة التي بها هي لمحطة إذاعة كما أذيع وإنما هي أدوات لمشروع تجاري خاص بتسجيل إسطوانات المطربين في مصر بدلا من الخارج. وقال إنه اعتدي عليه بالضرب حتى منتصف الليل على يد الصاغين ( الرائدين ) توفيق السعيد وعبد المجيد العشري والجاويش مصطفي التركي الذي كان يضربه بالحذاء في وجهه.

مصطفي كمال – علقت كالذبيحة وشووني بالسجاير أمام عبد الهادي :

قرر أن كل ما نسب إليه في التحقيقات هو من إملاء اللواء طلعت بك بعد تعذيبه – وقال:علقوني في شباك القسم زى الذبيحة ولما صرخت شووني بالسجاير المولعة – وجاء إبراهيم عبد الهادي باشا فاستغثت به ولكنه لم يعبأ بي وأشار على ضابط ضخم معه لمواصلة تعذيبي قائلا : شرحوه.

كما أنهم لم يسمحوا لى بالنوم أبدا . وقد حاصرني ضابطان كانا يبادراني بصفعي كلما همت عيني بالنوم وكانوا يجعلوني أوقع على أوراق وأنا كالجثة الهامدة – وقد استغثت بحضرة المحقق محمد عبد السلام بك فلم يعبأ بي وتخلي عني .

• عبد الفتاح ثروت مرة أخري :

ولما كانت حالته لا تمكنه من أداة الشهادة واقفا فقد سمحت له المحكمة بالجلوس على مقعد وقد قرر أنه لم يعترف بأى شئ في التحقيق وأن التعذيب جعله فاقد الشعور .

• جردوني من ملابسي :

وروي بصوت مرتعش ضعيف صنوف التعذيب فقال : أن اللواء طلعت بك هدده بالتشريح إذا لم يعترف قائلا : أن البلد في أحكام عسكرية – ثم قال :أخذوني إلى غرفة الضابطين العشري وفاروق كمال وجردوني من ملابسي ونزلوا في ضرب من تسعة مساء إلى أربعة صباحا .

• الفلكة انكسرت:

ولقد قسموا أنفسهم أربع مجموعات كل مجموعة من 12 عسكري وضابط ووضعوا رجلي في الفلكة واستمر الضرب حتى أن الفلكة انكسرت.. ثم استعملوا كرابيج الهجانة ..ولما أفقت من إغمائي قال لى طلعت بك : هذه هي الجولة الأولي والبقية تأتي.

• أمر بالموت :

وأخذوني إلى إبراهيم عبد الهادي باشا فقال لى : أنا عندي أمر إني أموتك.. ثم أمر بموالاة تعذيبي . وكان التعذيب على أربع درجات : بالضرب بالعصي والكرابيج ثم الكي بالنيران وأحضروا سيخ حديد محمي ولكن الضابط محمود طلعت طلب من الضباط أن يكفوا عني قائلا : ده صاحبي وسيعترف بكل شئ .. ثم نمت على الأسفلت فكانوا يطرقون الباب حتى يهرب النوم من عيني وما كانوا في حاجة إلى ذلك لأنني لم أكن أستطيع الرقاد على أى جزء من جسمي المشوي كله .

• اعتداء منكر :

• ثم طالبوني بالاعتراف وهددوني أن لم أفعل أن يعتدوا على اعتداء منكرا وفعلا تقدم واحد يريد الاعتداء على .. فقلت له : أنا أعرف أنني لا أستطيع مقاومتك وأنت يمكنك أن تفعل معي هذه الجريمة .ويمكنك أن تنجو من عقاب القانون .. ولكني أريد أن أقول لك قبل أن تبدأ : أن الله لن يترك هذه الجريمة بلا حساب .. فابتعد عني .

• هاتوه أخرس : وظل تعذيبي ..وتلفت أعصابي ..وكنت لما أذهب إلى إسماعيل عوض رئيس النيابة وأشكوا له يضرب الجرس ويأتي الحرس فيقول لهم هاتوه لى أخرس خالص .

• أنا الحاكم العسكري :

وجاءني إبراهيم عبد الهادي باشا 4 مرات وقال : أنا أبهدلك أهلك وأنا الحاكم العسكري . كما جاءا النائب العام محمود منصور باشا فلما تقدمت له شاكيا قال : أنا عارف كل حاجة . وتركني .

• حفظة الأمن :

وقال :إن من الغريب حقا أنني حينما حضرت اليوم لأداء الشهادة وجدت بعض رجال البوليس السياسي معهودا إليهم المحافظة على الأمن . وكنت أعتقد أنهم الآن أمام المحاكمة لمعاقبتهم على ما ارتكبوه من آثام .

الرئيس – هل طلبوا منك أقوالا معينة ؟

الشاهد – نعم .. أن أقول إنني أ‘رف مالك وعاطف وأنني مشترك في الاعتداء على حامد جودة.

• نوبة عصبية :

وما كاد المتهم ينتهي من هذه العبارة حتى ارتجف بدنه وحملق في الهواء وأصيب بنوبة إغمائية وجعل يرسل شهيقا عصبيا مؤلما أبكي معظم الحاضرين في القاعة – وبادر رجال البوليس برش الماء على وجهه كما خف إليه طبيب من الموجودين وحملوه إلى الخارج . وقد وافقت المحكمة على إثبات ذلك في المحضر.

عبد المجيد نافع يقول : أقسم أن عبد الهادي كان يحضر التعذيب :

تحدث الأستاذ عبد المجيد نافع في مرافعته عن الاعترافات والتعذيب فقال : أن التواتر يعتبر حجة . والذي تواتر على الألسنة أن حوادث تعذيب مروعة كانت تقع على كثير من المتهمين . بل كان الناس يتناقلون في مجالسهم الخاصة والعامة أن هذا التعذيب كان يقع بأوامر من إبراهيم عبد الهادي باشا أو على الأقل بمعرفة منه أو على أقل القليل كان يصادف هوى في نفسه .

ولقد مثل إبراهيم عبد الهادي باشا بين أيديكم , واعتصم بالإنكار البات فيما تعلق بوقائع التعذيب , ولكن عبد الهادي باشا إنسان, وقد كان رئيس حكومة ووزير الداخلية فلا يعقل أن يعترف أمام الرأي العام بأنه كان يأمر بالتعذيب .

لقد أقسم عبد الهادي باشا بشرفه أنه لم يشهد التعذيب . والدفاع يقول : " لقد قال لكم " بروتس " ذلك "وبروتس" رجل شريف وكفي ".

• يمين على أقوال ضابط:

ثم عاد الأستاذ نافع فقال : إنني أقسم يمينا ويمينا حقا بأنني سمعت من أحد كبار الضباط أن إبراهيم عبد الهادي باشا كان يحضر بنفسه عمليات التعذيب .

• إلى متر هذا البوليس السياسي :

ثم قال : أن البوليس السياسي قد استعمل من صنوف التعذيب للمتهمين ما لم يتصوره أحد . حتى أن هيئة الدفاع التي شكلت للدفاع في قضية قنابل 6 مايو ( ليست من قضايا الإخوان ) كانوا يصرخون ظلما من تصرفات رجال البوليس السياسي ومنهم عبد الفتاح الطويل باشا ومحمود سليمان غنام بك وعمر عمر بك وعبد الفتاح الشلقاني بك ( منهم من تولوا منصب الوزارة بعد هذه القضية التي ترافعوا فيها ونرجو أن يعملوا شيئا لإصلاح هذه الحالة.

ثالثا – في قضية جودة والأوكار

في 6/11/1949 أثبت الطبيب أن أحد المتهمين نزعت أظافره.

• أمر عسكري بإخضاع سجن الاستئناف للبوليس السياسي:

الأستاذ فتحي رضوان المحامي – أطلب من المحكمة أن تأذن لى بأن يسلمني المتهم الثاني التقرير الذي كتبه عن وقائع تعذيبه ومعذيبه وشهود التعذيب على أن يكون ذلك مباشرة دون أن تطلع النيابة على هذا التقرير .

وقد فهمت عند مقابلة المتهم في السجن أن أمرا عسكريا صدر لمدير مصلحة السجون يخرج سجن الاستئناف من سلطة مصلحة السجون ويخضعه للحاكم العسكري , بمعني أن الحاكم رأي أن يدخل ضباط القسم السياسي سجن الاستئناف وكما يشاءون مع أن لائحة السجون تمنع دخول أحد إلا بإذن من النيابة . وأطلب ضم هذا الأمر العسكري فإن صدوره يعني أن الحاكم العسكرى رأي أن الإجراءات العادية لا تمكنه من سير التحقيق على النحو الذي يرتضيه . الرئيس – ماذا يهم الدفاع من ذلك ؟

فتحي رضوان – صدور هذا الأمر يدل على أن المحقق ضاق ذرعا بالنظام العادي المتتبع في كل قضية وأن الاعترافات صدرت في ظل إجراءات شاذة مخالفة للقوانين .

الرئيس – ما هو رقم هذا الأمر ؟

فتحي رضوان – لم أمكن من معرفة ذلك .

الرئيس – ألا تكون المسألة وهمية؟

عبد الفتاح حسن المحامي – إن الدفاع مصدق . وفتحي بك يذكر واقعة محددة في فترة معينة ومن حق المحكمة أن تستجليها كما أن من حق الدفاع أن يبرر الظروف التي شابت هذه القضية ومن بينها العمل على الوصل بين ضباط القلم السياسي وبين المتهمين في سجن الاستئناف .

فتحي رضوان – أن واقعة هذا الأمر العسكري ليست مستنتجة أو مدعاة بل سمعتها من نفس موظفي السجن وأطلب ضم قضية مقتل سليم زكي باشا حيث نسبت فيها لبعض المتهمين اعترافات ثم رأت النيابة حفظ القضية مع وجود هذه الاعترافات والدفاع يستفيد حين يقدم نموذجا من تحقيقات القضايا في ذلك العهد وظروف الاعترافات وحفظ القضايا رغم وجود اعترافات فيها .

عمر التلمساني المحامي – أطلب ضم قضية مقتل النقراشي باشا لأن موكلي ( الثالث) كان شاهد نفي أثناء التحقيق فيها , وقد أحيل وقتئذ على الطبيب اشرعي فأثبت وجود آثار تعذيب به كما أطلب ضم ملف خدمة المتهم بالأرصاد الجوية حيث أن البوليس السياسي استطاع أن ينتزع صورة المتهم من ملف خدمته وأن يعرضها على الذين تعرفوا عليه وقد ناقشته في هذا الطلب فتدخل في المناقشة الأستاذ عبد الفتاح حسن .

عبد الفتاح حسن – إن من مصلحة الدفاع أن يضم ملف خدمة المتهم حتى يتبين للمحكمة الموقرة مدى تزيد هؤلاء الأشخاص الذين عاونوا المحقق . وذلك رصيد نقدمه لأن دفاعنا سيستقي من هذا المعين , وسنقدمه للتدليل على الأكاذيب التي اكتنفت التحقيق .

الأستاذ مختار عبد العليم – أطلب إحالة موكلي ( الرابع ) إلى طبيب أخصائي في أمراض الإذن لأنه فقد سمعه وأصبح ( أطرش ) نتيجة تعذيبه .

الرئيس – لقد أحيل على الكشف ولم يثبت به شئ .

مختار – الطبيب الشرعي فحص فقط الإصابات الظاهرة , ولقد مضي على إحداثها عدة شهور فامحت , أما آثارها فباقية ومنها فقد المتهم سمعه. عبد الفتاح حسن – إن الذي قام بالتحقيق في قضيتنا هذه هو المحامي العام – ولا أسميه – حقق أيضا القضية المحدد لنظرها 15 الجارى بالإسكندرية " قضية إخفاء يوسف على يوسف " وفي القضية المذكورة تقرير من الطبيب الشرعي بأن أحد المتهمين قد انتزعت أظافره انتزاعا و وعلى الرغم من ذلك لم يثبت المحقق هذا في محاضر تحقيقه .

ومن حق الدفاع أن يحصل على صورة من هذا التقرير الطبي حتى يشعر المحكمة بالدليل المادي بأن التحقيق الذي باشره شخص معين كان يغفل الوقائه الخاصة بالتعذيب حتى الأظافر المتنزعة لا يمكن أن يكون تحقيقا أمينا . فأرجو أن تأذن لى المحكمة بصورة من هذا التقرير .

( وكان الدفاع قد طلب تقارير استشارية عن بعض المتهمين وقررت المحكمة إجابة جميع طلبات الدفاع ).

• مكافأة المتواطئين :

في جلسة 5/ 3/ 1951 استمعت المحكمة إلى أقوال مصطفي كمال عبد المجيد ونجيب جويفل وبقية المتهمين . وكان من أقوال عبد الفتاح ثروت أن التعذيب يبتدئ بالفلقة والكرباج وينتهي بالقتل , وأن إرهاب البوليس السياسي له بلغ حد استعداده لأن يعترف بأنه قتل النقراشي رغم اعتراف قاتله – واعترف شهود الإثبات وأكثرهم من جنود البوليس بأنهم قبضوا مكافآت سخية من إبراهيم عبد الهادي باشا .

• رئيس النيابة زور التحقيق :

• وذكر أحد المتهمين في سياق أقواله بأن إسماعيل عوض بك رئيس النيابة والمحقق في قضية حامد جودة كان متخصصا في التزوير وقلب الحقائق فكان لا يثبت في محاضر التحقيق إلا ما يمليه عليه رجال القلم السياسي .

وهنا وقف الأستاذ صادق المهدي بك ممثل النيابة وقال إنه يحتج على هذا الألفاظ التي يتفوه بها المتهمون .وقال أن المحقق وهو مستشار الآن ينزه عن ذلك الكلام.

وعلى أثر ذلك وقف الأستاذ عبد المجيد نافع المحامي وقال : إن للمتهم أن يحرج المحقق , وله أن يهدم أدلة الاتهام بما يشاء .. ثم التفت إلى ممثل النيابة وقال : إني سوف أكون على استعداد لتجريح حضرة ممثل الاتهام بالذات , وإني سأهاجم ما استطعت المحقق في قضية حامد جوده بالذات , بل إني سأهاجمكم أنتم ,وإني أعتبر ذلك إنذار لكم وأن الدفاع يعرف واجبه حق المعرفة وسوف يؤدبه على أكمل وجه.

• وزير الزراعة مع متهم :

في جلسة 12/3/1951 قال المتهم محمود محمد دعبس إنه بعد تعذيبه أدخلوه حجرة أخرى وقالوا له : ستقابل الباشا .. فرأى عبد الهادي وبجواره شخص لا يعرفه فأشار عبد الهادي إلى هذا الشخص وقال له : هل تعرف هذا الشخص ؟ فقال لا . فقال إنه معالي وزير الزراعة أحمد عبد الغفار باشا – فتقدم نحوي وزير الزراعة وقال : نحن بلديات وأنا أعمل لمصلحتك , والأجدر بك أن تعترف حتى تنقذ من هذا العذاب . ثم قال المتهم : ومن هذه الفترة وقف التعذيب لأني قريب الباشا .

• البوليس يقيم في مسكنه مع أمه وأخته :

وقال المتهم يوسف عبد المعطي أن ثلاثة من رجال البوليس السياسي أقاموا في مسكنه مع أمه وأخته لمدة أسبوعين بعد اعتقاله واعتقال والده – وقد أرسلت أخته ( سن 12 سنة ) برقية إلى النائب العام تطالب بإخراج البوليس من الشقة ولكن عهد الإرهاب لم يستجب .

• النائب العام يأمر بعدم إثبات الإصابات :

وقال المتهم محمد نايل بالهندسة إنه لما عاد إلى سجن مصر – الذي كان يثبت وقتئذ إصابات كل من يرد إليه – حدثت أزمة استدعت حضور النائب العام السابق محمود منصور باشا الذي أصدر أمرا بألا يثبت السجن إصابات أى متهم .

• عبد الهادي يكذب على مجلس الشيوخ :

• وقال المتهم عصام الدين الشربيني وهو من طنطا : إن الضابط سعد الدين السنباطي رئيس القلم السياسي بطنطا اعتقله وعذبه ونقله إلى القاهرة وهدده بأن والده وفدي. وقال المتهم : بعد أن عذبت في القاهرة حملني الجنود وعرضوني على إبراهيم عبد الهادي باشا وأنا محمود . وقد ذكرني هذا المنظر بالمناظر التي نراها في السينما عن رئيس العصابة وهو ينظر مزهوا إلى الضحية بين يدى أعوانه .

ثم قال المتهم : إن فؤاد سراج الدين باشا حين وصلته أنباء اعتقالنا قدم استجوابا في مجلس الشيوخ فأجاب عن الاستجواب إبراهيم عبد الهادي باشا معلنا في كذب جرئ صريح أنه لا أنا ولا أى واحد من أسرتنا في الاعتقال .. وقال المتهم أن ذلك ثابت في مضبطه مجلس الشيوخ , وأني أطالب بضمها لتروا كيف أن رئيس وزراء بلد وحاكمها العسكري ودكتاتورها قد كذب على مجلس الشيوخ المحترمين . فهل يستبعد عليه أن يلفق لنا التهم ؟ • هذا هو الطبيب الشرعي:

ثم قال : لا أدخلت على إسماعيل عوض بك رئيس النيابة حافي القدمين التمست منه أن يحيلني على الطبيب الشرعي . فأظهر سعادته استجابة سريعة لهذا الطلب . وإذا به يستدعي الضابط أحمد طلعت بك ويقول : هذا هو الطبيب الشرعي . داويه يا أحمد بك – ومنذ تلك اللحظة ( حرمت ) أن أطالب بالطبيب الشرعي .

• المطالبة بتحقيق التعذيب :

في جلسة 9/4/1951 طلب المحامون أن تبدأ المحكمة بتحقيق التعذيب وعارضتهم النيابة وقررت المحكمة النظر في طلب الدفاع بعد سماع الشهود .

تهافت البوليس على المكافأة الحكومية:

وفي جلسة 10/4/1951 استمعت المحكمة إلى شاهد هو على محمد على الطالب بكلية الحقوق قال : إنه كان يسكن هو وبعض زملائه فيلا بمنطقة الهرم ثم نقلوا منها إلى فيلا مجاوزة .

وفي أول فبراير 1949 حضر شخص ومعه سمسار لاستئجار الفيلا فأرشده إلى صاحبها وتم العقد . وبعد مضي شهرين لاحظ الشاهد تغيب السكان فذهب ومعه بعض رفقائه للسؤال عنهم ولكنهم فوجئوا بوجود باب المسكن مفتوحا . فلما دخلوا لاستطلاع الأمر وجدوا في إحدي الحجرات أجهزة لا سلكية وأدوات أخرى .

واستطرد الشاهد يقول إنهم ارتابوا في الأمر وتوجهوا فورا إلى بندر الجيزة وأبلغوا المأمور فأحالهم إلى ضابط المباحث الذي شكرهم على هذا البلاغ ونصحهم ألا يذكروا شيئا عنه , وأنه سوف يجرى التحقيق ويبعدهم عن الشبهات إذا ما قرروا أنهم لم يبلغوا شيئا وذكرهم بأن مكافأة الحكومة لا قيمة لها – ومع ذلك فقد اعتقل هو ومن معه واستمروا في السجن خمسة عشر يوما .

فاستدعت المحكمة ضابط المباحث وهو الملازم أول حسن أبو باشا فادعي أنه كلف بتفتيش المساكن المتطرفة وأنه هو الذي عثر على هذه الفيلا .

وهنا واجهت المحكمة هذا الضابط بالشاهد فأصر كل منهم على أقواله . ولكن الشاهد لم يقنع بهذا وطلب من المحكمة أن يحلف الشاهد على المصحف على صحة أقواله وأيده الدفاع ولكن النيابة اعترضت بأن هذا القسم لم يرد في القانون .

• والدة متهم تربط بقيد واحد مع إحدي العاهرات :

وقبل أن ينصرف هذا الضابط وقف المتهم صالح الجنايني وأشار إليه قائلا : أن هذا الضابط أحضرني إلى بندر الجيزة في 20 مايو 1949 وهددني بوجود مظروف سيؤدي بي إلى حبل المشنقة إذا لم أعترف . فلما أخبرته بأني لا أعرف شيئا أمر الجنود بإحضار والدتي – وكان قد استحضرها من بلدتي بمحافظة الشرقية ووضعت في الحجز – ولكني لم أصدق هذا حتى تبينت لى الحقيقة المرة ووجدت العسكري يدخلها علينا وهي مربوطة بقيد حديدي واحد مع إحدي العاهرات وكانت العاهرة عارية الثياب فأشار إليها الضابط وقال لى : سوف نجعل والدتك كهذه العاهرة إذا لم تتكلم . واستطرد المتهم يقول : ثم احضروا أخي الصغير – وهو كفيف البصر – ومعه ابن عمي –وهو مريض بالصرع – والدم ينزف منهما وقال لى الضابط : انظر بعينيك لتعرف مصيرك ومصير أهلك . ثم أخرجوني ودخلت على المحقق الذي أعرض عني وانشغل بمكالمة تليفونية . ثم دخل هذا الضابط وأخرجني حيث نصبت لى فلكة من نوع جديد ابتكروه لى وتوالي التعذيب .

وسئل الضابط عن صحة هذه الوقائع فأنكرها .

• الدفاع يطلب سمع شهادة محققين في هذه القضية :

وعلى أثر افتتاح الجلسة التالية للمحكمة في 13 / 4/ 1951 طلب أحمد حسين المحامي إعفاءه من الانتداب وتنازله عن التوكيل عن المتهمين لأنه لا يستطيع الاستمرار في القضية ما لم تأخذ المحكمة بما طلبه من إجراء تحقيق فيما تم من تعذيب فرد عليه رئيس المحكمة بأن المحكمة وافقت على طلبات المحامين .وزملاؤه تقدموا بحوالي خمسين شاهدا للتحقيق في وقائع التعذيب وطلبت منه تقديم ما عنده في هذا الشأن – فشكر المحكمة وطلب منها سماع أقوال الأستاذين عصام الدين حسونة وعدلي بغدادي وكيلي النيابة , لأنهما اشتركا في تحقيق هذه القضية فأجابته المحكمة إلى هذا الطلب .

• هل هناك أدلة قانونية على التعذيب ؟

في جلسة 16/4/1951 قال رئيس المحكمة أن المحكمة قررت تحقيق هذه الوقائع بالفعل , وكل متهم يقدم دليلا على تعذيبه فنحن على استعداد لتحقيقه .

البهنيهي بك المحامي – المتهمون لا يستطيعون أن يقدموا أدلة لأن التعذيب كان يحصل بين أربعة جدران وهم لا يستطيعون الاستشهاد بأحد خصوصا وأن المحيطين بهم كلهم من رجال البوليس . وكان الأطباء يدعون للكشف عليهم بعد عدة شهور من وقوع التعذيب مما يجعل الأطباء يثبتون آثار الإصابات وأن كانوا لا يستطيعون الجزم بها .

الرئيس – إن المحكمة ستقدر كل ذلك .

• كلهم خطرون :

سألت المحكمة الضابط محمد الجزار عن وظيفتهم في هذه القضية فأجاب بأننا نبحث عن جميع الخطرين ونضبطهم.

الرئيس – من هؤلاء كان خطرا ؟

الجزار – اتضح أنهم كلهم كانوا خطرين .ولكن لا أذكر أحدا بالذات.

الرئيس – هل يعد من الخطرين في الكشوف الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي وهو ضرير والشيخ جبر التميمي وسنه 70 سنة والشيخ أحمد الشناوي القاضي الشرعي والشيخ إبراهيم على سعده المدرس في كلية الشريعة ؟

الجزار – ما أنا إلا ضابط – فلو صدر أمر لي بضبط أحد فأنا أضبطه .

• اغتيال البوليس السياسي أحمد شرف الدين :

ادعي البوليس السياسي أن أحمد شرف الدين كان في وكر بشبرا وكان يحمل مدفعا رشاشا وجهه إلى القوة التي هاجمت الوكر – ودفاعا عن النفس ضربوه بالنار فقتلوه ولم يصب منهم أحد ..وقد دار النقاش حول هذا الحادث بين زكي البهنيهي بك وبين الجزار على الوجه الأتي : البهنيهي – هل كان أحمد شرف الدين يستعمل المدفع الرشاش في منزل روض الفرج ويوجهه إلى القوة في نفس الوقت ؟ الجزار – نعم .

البهنيهي – وكيف لم يصب أحد من القوة ؟

الجزار – هذه إرادة الله ( ضحك).

البهنيهي – بل هي بركة الإخوان تخلت عن الإخوان وحلت على رجال البوليس – الواقع يا حضرة الصاغ أن المسألة غير معقولة وقد فهمت أن استعمال المدفع الرشاش لا يحتاج تصويبه إلى أى مجهود فني إطلاقا فكيف وشرف الدين كان ضابطا في الاحتياطي متمرنا على استعمال هذا المدفع وغيره ؟

• خداع البوليس السياسي للشيخ جبر التميمي وعبد الرحمن عثمان :

في جلسة 22/4/1951 استمعت المحكمة إلى شهادة أحمد طلعت الضابط بالبوليس السياسي .. فقدم للمحكمة ورقتين أحداهما مكتوب فيها شهادة من الشيخ محمد جبر التيميم أنه يثني على حسن معاملة البوليس السياسي له – فأحضرته المحكمة وسألته فاعترف بأنه كتب هذه الورقة ولكنه قال :

ظللت في القسم حوالي عشرين يوما لم أطلب فيها وكانوا يعرضون على بين الفترة والأخرى المعذبين أمثال مالك وأحمد فؤاد الصادق. وكان في القسم معتقل من الإخوان اسمه على إبراهيم كان يتولي تضميد جراح الإخوان .

وقال الشيخ إجابة على سؤال من المحكمة : إن الإخوان كانوا يؤخذون بغير سؤال ولا جواب وأنا شخصيا كرهت كلمة " الله أكبر ولله الحمد " لأنها كانت تجر إلى جحيم لا نهاية له وقال إنني لم أكتب هذه الشهادة إلا بعد أن طلبوها مني .

• عبد الرحمن عثمان شاهدا:

أما الورقة الأخرى فكانت عبارة عن خطاب موجه من المتهم عبد الرحمن عثمان إلى أهله مكتوب فيه :" إنني مرتاح وفي حالة جيدة وأطلب إرسال ملابس " فأحضرته المحكمة كشاهد في هذه القضية , فاعترف بكتابة الورقة وقال:

إن الصاغ توفيق السعيد كان يستدعيني ليلا و ومهمته تحطيم أعصابي وبدعوي الإشفاق على وقد رأي ملابسي قد تمزقت أرشدني أن أكتب خطابا لعائلتي بخصوص الملابس وكتبت الخطاب..ومهما كان الإنسان في ضيق فلابد أن يخبر أهله أن مرتاح – ولما كنت أعرف عن رجال القلم السياسي المكر والخداع طلبت من المحقق أن يسمح لى بإرسال خطاب ..وإذ كنت على يقين بأن الخطاب السابق لن يرسل وفعلا هذا هو الذي حصل , وظل توفيق السعيد محتفظا بالخطاب حتى قدم للمحكمة ليكون دليلا على أننا كنا مرتاحين في السجن .

• جريمة خلقية :

وقال المتهم عبد الرحمن عثمان : إنني أذكر يوم 11 يوليو ذهبت برفقة الملازم أول فاروق كامل وظللت ست ساعات في المحافظة واعتدى على الصاغ العشري بالضرب ومعه عسكري أظن أنه رقي لدرجة الصول ويدعي حسب الله .. وما كان الضرب والتعذيب يحملاني على الاعتراف وإنما التهديد بجريمة خلفية .وقد لمست في ذلك الوقت أن مبادئ القانون قد ديست .

وفي 13 يوليو استدعاني المحقق محمد عبد السلام بك فظننته حصنا لي ولكني وجدته عونا لرجال السلطة التنفيذية على .

• اتهام عبد الهادي بقتل حسن البنا :

وفي يوم 14 يوليو حضر الملازم كمال الرازي وأخرجني من السجن لتوصيلي إلى نيابة الاستئناف ولكنني فوجئت بالصاغ محمد على صالح والملازم فاروق كامل يصحباني إلى محطة القاهرة . وصعدت إلى القطار الذاهب إلى الإسكندرية. وبمجرد تحرك القطار أدخلني صالونا وجدت به إبراهيم عبد الهادي باشا - أحب أن أسجل أن هذه المقابلة لم تكن كما زعم دولة الباشا بخصوص أحمد محمود يوسف ابن خالي . وإنما كانت بخصوص التحقيقات نفسها وكان مع عبد الهادي باشا محاضر التحقيقات .

وأخذ الباشا يسألني عدة أسئلة حتى يئس منى لأني لم أجبه على شئ – فقال لى : ما رأيك في شعور الإخوان بعد قتل مرشدهم ؟ فقلت : إن شعورهم ينحصر في أن دولتك قاتل حسن البنا . فذهل الباشا , وكان لهذا الرد وقع أليم في نفسه , وطلب مني الإفصاح عن هذا القول فقلت له:

إننا نعلم جميعا أن الأنوار أمام جمعية الشبان المسلمين أطفئت , وارتكب الحادث بسيارة محمود بك عبد المجدي رئيس المباحث الجنائية .. فأطرق الباشا مليا ,وطلب لى مشروبا " ساقع " ولكنني رفضت لأني كنت صائما في رمضان فأذن لى بالخروج فخرجت .

• دماء على الحائط:

ثم قال : وقد فاتني أن أذكر حينما دخلت الحجرة رقم ( 12) في سجن الأجانب ,وجدت على الحائط آثار دماء مشار إليه بقوس ومكتوب تحتها عبارات " لقد مزقوني إربا إربا وسعادتي في إيماني , وإيماني في قلبي , ولا سلطان لأحد على قلبي" ومذيلة بإمضاء إسماعيل على – وأظن أن آثار هذه الدماء موجودة حتى الآن .

• النيابة تنتقل :

وهنا طلب الدفاع أن تأمر المحكمة بتحقيق هذه الواقعة . فكلفت المحكمة الأستاذ صادق المهدي ممثل النيابة بالانتقال مع الشاهد وبصحبته الأستاذ أحمد السادة من هيئة الدفاع لى السجن ومعاينة المكان وإثبات حالته .

ثم طلبت المحكمة المتهم إسماعيل على وواجهته بالشاهد , فقرر أنه كان بهذه الحجرة وظل بها حوالي شهر ثم رحل بعد ذلك إلى سجن مصر . وقال إنه كتب كلاما كثيرا وآيات قرآنية ومنها نفس الكلام الذي ذكره الشاهد.. وقرر أنه كتب هذا الكلام بواسطة قطعة من زر جرس كان بالحجرة وحفر به هذا الكلام على الحائط تحت الدم الذي كان يمسحه على الحائط من آثار الضرب والتعذيب والجروح الموجودة بجسمه . وأضاف الشاهد قوله : إني أتذكر أن هذا الكلام مكتوب على الحائط على يسار الداخل على ارتفاع حوالي متر . وإني أنا شخصيا حفرت على الحائط عبارة " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "

• نتيجة المعاينة :

وجد أن كل ما قرره المتهم والشاهد صحيح حيث وجدت على الحائط عبارة " أيتها العصبة الطاغية لكم الجسد البالي فمزقوه إن شئتم إربا إربا , فإن ذلك لن يشقيني أبدا أبدا لأني سعادتي في إيماني, وإيماني في قلبي , وقلبي لا سلطان لأحد عليه إلا الله " وقد وقع على ذلك بإمضاء إسماعيل علي.

ووجد بجوار هذه العبارة كلمات" إيذاء زائد صبر زائد بلا زائد صبر زائد تعذيب زائد صبر يساوي نصر " – ووجدت آثار الدماء على الحائط في خطوط سوداء قاتمة اللون,ووجد أن مفتاح الجرس الذي أشار المتهم إلى أنه استخدمه في الحفر على الحائط مخلوع من مكانه وقد ركب بدله جرس آخر – وقد حرر محضر بكل ذلك وختم على الغرفة بالشمع الأحمر.

• العسكري الأسود:

هو أحد معالم ذلك العهد الدنس . وهو عار لا يمحي مهما طال الزمن وهو الشخص الدنئ الذي رضي لنفسه أن يكون آلة في يد البوليس السياسي في تهديد المتهمين بهتك عرضهم لحملهم على الاعتراف بما يريدون .

وقد ذكره المتهمون أمام المحاكم التي حاكمتهم.. ولكن الأدلة القانونية واسمه الحقيقي ومكان وجوده وقت المحاكمات , لم يكن متوفرا ..ولكن جريدة أسبوعية كانت تصدر في ذلك الوقت وكانت ذات نشاط صحفي مبتكر تسمى جريدة " الجمهور المصري " تبنت هذا الموضوع, وحملت على عاتقها كشف سر هذا الشخص الدنئ ..

وجازف اثنان من محرريها هما الأستاذان إبراهيم البعثي وسعد زغلول وقاما برحلة يكتنفها الخطر بعد أن أثبتت تحرياتهما أن هذا العسكري قد سرح من البوليس وأنه مقيم في بلدته الأصلية " إدفو"

واستطاع هذان الصحفيان – بطريقتهم الخاصة – أن يلتقيا بالعسكري الأسود في بلدته , ونشرت جريدة " الجمهور المصري " اسم هذا الشخص ومحل إقامته .. وبناء على ما نشر في هذه الجريدة أمرت المحكمة النيابة بإحضاره لسماع أقواله باعتباره شاهدا ..

وفي جلسة 10/5/ 1951 حضر هذا الشخص واسمه " أمين محمد محمود مرسي النقيب " في سن دون الثلاثين , وتمسك بالإنكار التام المطلق ..ولكن الدفاع كان قد علم بأن طريقة إحضاره من بلدته وحضوره إلى النيابة قد تخللها مناورات خطيرة قام بها البوليس السياسي في القاهرة.

وقد واجهه الدفاع بما أحرجه في كيفية تسفيره من بلدته إلى القاهرة , وفي نزوله أول ما حضر عند ضابط من ضباط القلم السياسي اسمه مرتضي ... مع أنه كان يجب أن يسلم نفسه مباشرة إلى النيابة .

وطلب الدفاع من المحكمة أن تسمع أقوال سعد زغلول الصحفي في جريدة " الجمهور المصري " فكان الموجود زميله بالجريدة الأستاذ البعثي فسمعت المحكمة أقوال على سبيل الاستدلال فقال :

" إن زميلي سعد زغلول محاصر الآن بمنزل صديق له هو عبد الرحيم صدقي شقيق اليوزباشي مصطفي كمال صدقي . و