التفجيرات.. والمجهول المعلوم!

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التفجيرات.. والمجهول المعلوم!
توفيق الواعي.jpg

بقلم د. توفيق الواعي

الفساد الذي يضرب أطنابه في تضعيف الأمة يفعل كل شيء، والانسداد السياسي الذي يحرم الناس من الحرية ومن الكرامة ومن الإصلاح يفعل الكثير، وأعداء الأمة الذين يتربصون بها الدوائر آناء الليل وأطراف النهار يقدمون على إثارة الفتن والقلاقل التي تدير الرؤوس، والهيام بالسلطة وحب التسلط، والاحتفاظ بالكراسي يوحي بكل بلية وكارثة.

كل هؤلاء وأولئك في قفص الاتهام، والأمة هي الضحية الحقيقية لهذه الآثار المدمرة، وتاريخ أمتنا الحديث مليء بالكثير والكثير من المخازي، ولهذا ينبغي على أبناء الأمة باحثين ووطنيين وإسلاميين أن يتنبهوا وأن يحللوا، وألا تأخذهم الظواهر أو الدعايات المغرضة، بعيدًا عن الحقائق المرة، ونحن في أوقات انعدمت فيها الضمائر وتبلد الإحساس وطاشت العقول، وحل فيها أي شيء! هل تتصور أن رجلاً أصبح زعيمًا لأمة يحرق بلده لحقد أو عمالة، ويدخلها في ورطة تغير مجراها! وما مشكلة بيروت أو دارفور أو غيرها إلا من هذا القبيل.

يتحدث أحمد أبو الفتح عن حريق القاهرة فيقول في كتابه عن عبد الناصر (ص314): "ظل حريق القاهرة مجهول الفاعل، ولا يلقى من المسئولين أي اهتمام حتى جاء عبد الناصر في سنة 1960 ليفتتح مجلس الأمة فألقى خطابًا تضمن العبارة التالية "لقد كان حريق القاهرة أول بادرة الثورة الاجتماعية على الأوضاع الفاسدة، وحريق القاهرة هو تعبير شعبي عن سخط الشعب المصري على ما كانت ترزح فيه مصر من إقطاع واحتكار واستبداد رأس المال". لقد أذهل هذا المقطع من خطاب عبد الناصر، الشعبَ المصري، ذلك لأن المصريين كانوا ولا يزالون يعتبرون حريق القاهرة جريمة من أبشع الجرائم التي ارتكبت ضد مصر في العهد الحديث، فلقد شوه الحريق الإجرامي عاصمة مصر وألحق بها خرابًا هائلاً فظيعًا".

وفضلاً عن ذلك وأهم وأخطر، فإن حريق القاهرة قد أسدل الستار على الكفاح الهائل الجبار ضد الاحتلال البريطاني، وقد برهن أبو الفتح على أن حريق القاهرة كان مدبرًا ومحكمًا بوسائل لا يستطيع أي فرد عادي القيام بها.

ثم إذا بأحمد أبو الفتح يواصل حديثه فيقول في (ص374): "لما طولب عبد الناصر بالدستور وطولب بالانتخابات وإطلاق الحريات وإعادة الحياة النيابية، قام بإخراج العمال وأجزل العطاء لهم، حتى ينادوا بحكم رجال الثورة وإلغاء الدستور والحريات، وهاجم المتظاهرون الصحف ورجال القانون، ولكن الأنكى والأضل ما حكاه من أنه قد صاحب ذلك سلسلة من التفجيرات التي هزت الجامعة وجروبي وباب الحديد والمعادي، وعُرف-بما لا يدع مجالاً للشك- أن جمال عبد الناصر هو الذي دبَّر أمر هذه التفجيرات بالقنابل، واعترف لزملائه بذلك، وأنه طلب تفجيرها جميعًا في وقت واحد كي يسيطر الرعب على الناس ويطالبوا ببقاء حكم الجيش.

ولهذا كتبت جريدة المصري خلال شهر مارس تحذيرات إلى الشعب في صفحاتها الأولى تقول: "من جريدة المصري إلى الشعب: "احذر أيها الشعب العظيم ما قد يُدبر لك في هذه الأيام من مؤامرات لدفعك إلى القيام بأعمال شغب"، وبعدها فرضت الرقابة على الصحف، وحُكم الناس بالقمع لمصلحة البلد، ونشطت الاعتقالات بقسوة رغم أن وراء كل إنسان معتقل مآسي كثيرة، مأساة حرمانه من حقه الطبيعي في أن يتمتع بحريته، ومأساة أمه ووالده، ومأساة زوجته وأولاده، الذي هو ملاذهم وراعيم وعائلهم، ومأساة عمله وتجارته، التي كانت تؤمم من الدولة بغير حق ولا جريرة، وكان الاعتقال عملاً تشمئز منه الضمائر وتهتز له السماء".

ثم تطرق أحمد أبو الفتح في (ص320) لحادث المنشية الذي افتعله عبد الناصر للإيقاع بمليون من الإخوان وسجن الآلاف منهم وإعدام قادتهم دون ذنب أو جريرة وبمحاكمات هزلية، رغم أن عبد الناصر لم يصب بسوء، وبرهن على أن الإخوان براء من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وقد روى من حول عبد الناصر أن ذلك كان من تدبير خبير أمريكي لرفع شعبية الرئيس والقضاء على خصومه.

ونحن نرى اليوم بعض المؤامرات المدبرة لاحتلال الشعوب أو الضغط عليها، وما احتلال العراق- الذي ادُّعي فيه نزع أسلحة الدمار الشامل المزعومة- عن أسماع الدنيا ببعيد "ولا أسلحة دمار ولا بطيخ"، وما تفجيرات بيروت المحيرة اليوم إلا فصلاً من المسرحية التي ما زالت تتكشف رويدًا رويدًا، ولابد أن تظهر الحقيقة عن قريب، ولكن إذا كان هناك من يقول الحقيقة أو يحاول إظهارها، وإلا ستحول إلى حيث يراد لها أن تكون.

وجاء التفجير الإرهابي الذي ضرب منطقة خان الخليلي- في القاهرة بحي الأزهر- ليضع علامات استفهام كبيرة، خاصة في الظروف التي تمر بها المنطقة، خاصة أن كل الخبراء يستبعدون أن يكون ذلك من فعل تنظيم إرهابي مصري.

وقد أجمعت المعارضة المصرية بجميع أطيافها السياسية على إدانة الانفجار بشدة، فاستنكرت جماعة الإخوان المسلمين هجومَ الأزهر، ودعت إلى وحدة الصف في مواجهة المحاولات التي تستهدف أمن البلاد واستقرارها، وقال المرشد العام إن الحادث يجب ألا يكون سببًا في تعطيل حركة الإصلاح في المجتمع.

واتهمت حركة "كفاية" المعارِضة من وصفتهم بقوى الاستبداد والفساد والهيمنة الداخلية والخارجية بالوقوف وراء الهجوم، وقال رئيس حزب الغد المعارض أيمن نور لوكالة رويترز للأنباء: "نحن تعودنا دائمًا أن الحكومة تستغل الحوادث المؤسفة لتمديد حالة الطوارئ في مصر ، ولتقليل فرص هامش الديمقراطية".

والشارع المصري المضطرب يثير شكوكًا حقيقية حول احتمال ضلوع جهات أخرى مثل الموساد أو "CIA"، فيما يذهب بعض المحللين إلى توجيه الاتهام إلى أصحاب المصلحة وراء هذه التفجيرات التي تصب في دائرة خلط الأوراق في الحياة السياسية، وتعطيل مطلب الإصلاح السياسي، وإبطال الدعوة لرفع قانون الطوارئ وحق التظاهر، وإشراك الإسلاميين في السلطة، وفي صياغة المستقبل المأمول، ثم لماذا هذا التوقيت بالذات؟ أم يكون ذلك دفعة فردية لمأزوم باستغلال ما؟

وأخيرًا نقول:

ينبغي أن تعي الأمة الدروس والعبر، كما ينبغي لقوى الشر أن تعلم أن الزمان قد تغير، وأن الحوادث قد تقرع الجميع كما قرعتهم في أمم كثيرة، خصوصًا أن المجهول قد أصبح معلومًا.

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى