التربية الوقائية في الإسلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
التربية الوقائية في الإسلام


بقلم : الأستاذ فتحي يكن

المقدمة

الإهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى رفيقة الدرب شقيقة القلب

إلى الزوجة التي عرفتها داعية ومربية .

إلى أم البنات الأربع : إيمان وعائشة وجنان ورابعة بل أم المئات اللواتي تخرجن على يدها مسلمات داعيات بتوفيق الله تعالى .

إلى أم السالمين :

سالم الشهيد (أبو الشهيد ) الذي قضى في إحدى معارك الجهاد عام 1976 .

وسالم الوليد الذي اسأل الله أن يجعله قرة عين ومن الصالحين

إلى العزيزة :أم بلال أهدي هذا الكتاب الذي عاشته معي في قراءته وعشته معها في كتابته عربون وفاء ...

أبو بلال

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

كثير من المشكلات التي تبرز على ساحة العمل الإسلامي وفي نطاق الدعوة يتسببها أسلوب متخلف ونمط من الممارسة خاطئ .. إنه متخلف لأنه في كثير من الأحيان يكون ردة فعل لفعل الآخرين وهو خاطئ لكونه لا يهتم بالوقاية من المشكلة لتلافيها وإنما يتصدى لمعالجتها بعد بروزها وتناميها

إنها الظاهرة التي تتكرر على ساحة العمل الإسلامي وتتكرر معها المأساة مأساة الوقوع فيما وقع فيه من سبق دونما استفادة من التجربة .. مأساة الاستدراج لمخططات الغير ومواقف ومعارك الغير .. مأساة السقوط في أسر المشكلات التي يتسببها الغير ..

وبذلك يبقى العمل الإسلامي مرتهناً لفعل الآخرين ومخططاتهم وخططهم دون أن يأخذ المبادرة ليكون هو صاحب الفعل لا سواه ..

هذا في الجانب الحركي مما يجرى على الساحة الإسلامية أما الجانب التربوي فإنه ليس أحسن حظاً منه .. فالعملية التربوية لا تزال حتى اليوم قاصرة وفاشلة ودون القدرة على تكوين الجيل الإسلامي المنشود .. والسبب الرئيسي في نظري إنما يعود - والله أعلم إلى أن النظرية التربوية تعتمد نمط العلاج لا الوقاية .

من هنا كان هذا البحث محاولة متواضعة لسبر أغوار هذه الظاهرة المتكررة على امتداد ساحة العمل الإسلامي وفي المجالين الحركي والتربوي مما يتسبب بإضاعة كثير من الأوقات وإجهاض كثير من الطاقات وإقحام الساحة الإسلامية والعاملين عليها في دوامات المشاكل والأزمات التي لا تنتهي ..

أرجو أن يكون في ذلك ما يعين على التخلص من هذه الظاهرة ومن أخطارها ومحاذيرها بعون الله تعالى ...

والله المستعان ابتداء وانتهاء وهو ولى الأمر والتوفيق .

1 . رجب الخير 14.8 هـ

18 شباط 1988 م

المؤلف

الفصل الأول

ماذا أعنى بالوقاية والعلاج ؟

الشائع والمعروف في عالم الطب أن المرض يسبق العلاج وأن الوقاية تسبق المرض ولهذا قالوا :( درهم وقاية خير من قنطار علاج ).

والطب الوقائي في الإسلام يقوم على قواعد أساسية من التحصن من شأنها أن تكسب الجسم مناعة ذاتية تقيه غوائل العدوى والأمراض الوافدة وميكروباتها وفيروساتها المختلفة ...

يقول ابن قيم الجوزية : (وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء .. وقالوا : قدر على دفعه بالأغذية والحمية لم يحاول دفعه بالأدوية .. وقالوا : ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله أو وجد داء لا يوافقه أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته تشبث بالصحة وعبث بها ) .

جاء في كتاب ((مع الطب في القرآن ) : (الفرق كبير بين أن نترك الإنسان ليصاب بالمرض ثم نسعى لمعالجته وبين أن نقية من المرض أصلاً ).

أجل .. إن معالجة مريض (التدرن ) السل التي تستمر وسطياً حوالي سنة ونصف تكلف المريض والدولة أموالاً وإمكانات كبيرة إضافة لما يعانيه المريض من العذاب والخطر بينما لا تتطلب وقايته من التدرن سوى لقاح يكلف بضعة قروش .

ولقد أدرك الحكماء القدامى هذا الفرق وكذلك الأمم الحديثة فأولوا الجوانب الوقائية الاهتمام الأول في كل التدابير الصحية .

وإنه ليأخذ الناظر في كتاب الله العجب العجاب حينما يجده قد أولى النواحي الوقائية الأهمية الكبرى وأرسى دعائم الطب الوقائي في الوقت الذي لم يهمل معه النواحي العلاجية ولكن لا عجب في ذلك فالقرآن ذكر رب العالمين أنزله على الناس ليأخذ بناصيتهم إلى الطريق القويم طريق الصحة والقوة والمجد ( إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم } .

لقد بين القرآن الكريم حينما نادى البشرية { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بين لهم الطريق التي تؤدى بهم إلى الهلاك وحذرهم أشد التحذير منها وتوعد من يسلكها أشد الوعيد رحمة به وبمجتمعه كما بين لهم السبل التي تسمو بهم جسدياً ونفسياً نحو الصحة والسلامة كل ذلك في إطار علمي لم ولن يشهد التاريخ له مثيلاً .

فمن الأسباب الوقائية الطبية في الإسلام .

  • - الاهتمام بالطهارة والنظافة الشخصية والمجتمعية وإعلانه أن ((النظافة تدعو إلى الإيمان ))
  • - الحض على الأخذ بأسباب القوة الجسدية بشتى الرياضات ((المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )).
  • - إدراك قيمة العافية والمحافظة عليها قال عبد الرحمن بن أبى ليلى : عن أبى الدرداء: ((قلت : يا رسول الله لأن أعافي فأشكر أحب من أن أبتلى فأصبر فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ورسول الله يحب معك العافية )).
  • - التحذير من إتيان الخبائث المدمرة للصحة في المأكل والمشرب والمنكح وغيرها التي تورث العلل والأسقام وتورد الأمم موارد التهلكة كوباء (الإيدز) الذي يقض مضاجع العالم اليوم لكونه يتسبب بفقدان المناعة المكتسبة ويجعل الإنسان المصاب عرضة لكل الآفات والموت السريع المحقق يكفي هنا أن نشير إلى أن السبب الرئيسي لهذا المرض هو الشذوذ الجنسي ((اللواط )) ولنا عودة إلى هذا الموضوع في مكان لاحق من هذا الكتاب ..

وقائية الإسلام عامة

وإذا كان الإسلام وقائياً في مجال ((الطب الجسدي)) فإنه كذلك في كل المجالات الأخرى ..

فهو وقائي في مجال العقيدة .. فاطمئنان القلوب ثمرة من ثمرات معرفة الله تعالى وذكره .. والقلوب المتصلة بالله الذاكرة لا تعرف القلق الذي تعيشه المجتمعات غير الإسلامية والذي أورثها الأمراض العصبية المختلفة ودفع بها في طريق الجريمة والانتحار إلى الدرك الأسفل .. وصدق الله تعالى حيث يقول { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله }

وهو وقائي في مجال العبادة .. إذ أن الاستقامة والبعد عن الفحشاء والمنكر ثمرة من ثمرات الصلاة والصوم وغيرها .. فالوقائية تبدو جلية في قول الله تعالى { إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر } وفي قوله { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }

أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات )) وفي حديث آخر ((الصيام جنة (وقاية) فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم إني صائم .. الحديث )).

فالعبادة وإن كان مقصدها التوجه إلى المعبود بالطاعة التزاماً لأمره وطلباً لمرضاته وكما يقول الشاطبى ((فالصلاة مثلاً أصل مشروعيتها الخضوع لله سبحانه بإخلاص التوجه إليه والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه وتذكر النفس بالذكر له ) فإن لها مقاصد أخرى تابعة تدخل في صلب عملية التكوين الوقائي للفرد والجماعة .. روى أبو داود أن رجلاً من خزاعة قال : ليتني صليت فاسترحت فكأنهم عابوا ذلك عليه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها ..))

- وهو وقائي في مجال التشريع .. إذ أن الأحكام الشرعية التي من شأنها تنظيف المجتمع من الموبقات والعقوبات الإسلامية الزاجرة الرادعة لمن تسول لهم نفوسهم ارتكاب المنكرات من شأنها أن تحفظ المجتمع سليماً معافى .

جاء في كتاب أصول الدعوة : (والحقيقة أن الشريعة تعن إصلاح الفرد إصلاحاً جذرياً عن طريق تربيته على معاني العقيدة الإسلامية ومنها : مراقبة الله وخوفه منه وأداء ما افترضه عليه من ضروب العبادات وهذا كله سيجعل نفسه مطواعة لفعل الخير كارهة لفعل الشر بعيدة عن ارتكاب الجرائم وفي كله أكبر زاجر للنفوس . وبالإضافة إلى ذلك فإن الشريعة تهتم بطهارة المجتمع وإزالة مفاسده .. ولهذا ألزمت أفراده بإزالة المنكر ولاشك أن المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيراً على منع الإجرام وقمع المجرمين وسيقوى جانب الخير في النفوس ويسد منافذ الشر التي تطل منها النفوس العفيفة وفي هذا ضمان أيضاً لتقوية النفوس وإعطائها مناعة ضد الإجرام .

ولكن مع هذا كله فقد تسول للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم فكان لابد من عقوبة عاجلة زاجرة تمنعهم من العودة إليها وتردع الآخرين الذين تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجريمة وفي هذا استقرار للمجتمع وإشاعة للطمأنينة فيه )) .

من خلال ما تقدم والذي سقناه على سبيل المثال يتبين لنا أن اهتمام الإسلام بالجانب الوقائي يفوق بشكل كبير اهتمامه بالجانب العلاجي وهذا ما يجعل المنهج الإسلامي متفرداً على سائر المناهج ذات المنحى العلاجي المرضى .

الفصل الثاني

النهج العلاجي مرض مزمن

إن اعتماد النهج العلاجي في عالم الأبدان كما في عالم الأرواح وفي نطاق الفرد كما في نطاق الجماعة وفي إطار السلوك الفردي كما في إطار العمل الدعوى والحركي من شانه أن يتسبب بفقدان المناعة الذاتية والمكتسبة وتعود الإدمان العلاجي وفي هذا خطر كبير وشر مستطير ..

والبنية الحركية كالبنية البشرية تحتاج لمواجهة الظروف الصعبة إلى مقومات ذاتية تمكنها من تجاوزها وتخطيها بسلام وأمان ...

وكل بنية حركية تدخل معترك الصراع أو تتدرج إليه قبل الأوان وقبل أن تمتلك مقومات الصمود تكون قد حكمت على نفسها بالإعدام .. وشأنها في ذلك شأن الجاهل الذي يرمى نفسه إلى لجة البحر قبل أن يتعلم السباحة لأنه يكون قد حكم على نفسه بالغرق .

ومن هنا سر اندثار كثير من الحركات التي قامت ثم بادت لأنها استعجلت الشدائد قبل أن تتهيأ لها واعتمدت مواقف وسياسات غير قادرة عليها ورفعت شعارات وهي خاوية الوفاض من مضمونها فدخلت النفق المظلم حيث تتكاثر وتزدحم المشكلات ولا من مناعات كافية أو علاجات شافية فحُم القدر وعمى البصر ووقع ما هو أدهى وأمر .

إن الحركة-أية حركة - عندما تتخطى حجمها ولا تلتزم حدها وتعلن من الطروحات ما يفوق طاقتها وقدرتها تكون قد فقدت المناعة وسقطت في دوامة الاستنزاف ووقعت بين فكي المرض والعلاج إلى ما شاء الله .

أما النهج الذي يعتمد على تفعيل القدرات الذاتية وإيجاد المناعات الخاصة واكتساب الطاقات الوقائية ابتداء وقبل دخول معترك الصراع وحقول التجارب فإن من شأنه أن يحفظ البنية سليمة على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة كما من شأنه أن يوفر الطاقات من أن تهدر بلا طائل ويعمل على خفض نسبة الخلل إلى الحدود الدنيا ..

إن مثل ذلك كمثل جيش كامل التجهيز كامل التعبئة والتدريب قيادته على قدر كبير من الوعي وبعد النظر وتقدير الأمور .. تعرف قدرات العدو وحيله العسكرية تعرف سلاحه وتكتيكاته المعتمدة متأهبة لجبه كل المفاجئات آخذة بكل الاحتياطات .

إن هذا الجيش بما أخذه من أسباب وقائية ودفاعية أقدر في المقياس المادي على النجاح وتحقيق النصر من آخر عادى التجهيز أو ضعيفه وعديم الوقاية والحيطة ..

وعن أهمية الحيطة والوقاية يقول العقيد محمد صفا في كتابه الحرب :( الحيطة هي السلامة أو هي الواسطة لتحقيق السلامة .. إنها الاحتياط ضد الطوارئ والمفاجئات من أي نوع كانت ومن جميع الاتجاهات وإنه واجب كل مسئول (وجماعة) أن لا يؤخذ أبداً على غرة ..

والحيطة التي هي لغة الاحتياط للطوارئ من كل نوع ومصدر ، والتي هي عملياً عبارة عن مجموع وحاصل لعدد من التدابير والإجراءات الاحترازية والتحضيرية وكذلك نتاج (لتكوين ) الفرد والجماعة وهي كمبدأ إستراتيجي وتكتيكي في مقدمة المبادئ (العملانية ) الأساسية من حيث الأهمية والأسبقية .

تستدعى الحيطة قبل كل شئ معرفة بالخطر وتقديره حق قدره وتحديداً لنوعه ومصادره واتجاهاته وتحضيراً للوسائل العلمية والمادية من أجل تجنبه ومقابلته ..

إنه لا مباغته أبداً حيث تكون الحيطة جيدة وشاملة ومستمرة دون انقطاع ولما كانت المباغتة نصف الطريق إلى النصر فالحيطة التي تحول دون وقوع المباغتة هي أيضاً نصف الطريق إلى النصر ..)

وفي نطاق العمل الإسلامي وحياة الدعوة والداعية الوضع متشابه فالحركة التي تأخذ بكل أسباب الإعداد العقائدي والفكري والتربوي والحسي وتكون مناهج التربية عندها وقائية وتصوغ قراراتها ومواقفها في ضوء المنطق الذي يفرضه الشرع وفق الأولويات والقدرات والظروف المتاحة ووفق ما تريد هي لا وفق ما يريده العدو وفي الزمان والمكان والكيفية التي تناسبها هي لا وفق ما يفرض عليها لاستدراجها وإجهاضها .. هذه الحركة تكون مالكة لزمام نفسها وقواها وخطواتها ونهجها بعون الله غير منساقة أو مستدرجة أو محتواة أو مخترقة وتكون بعيدة عن دوامة الاستنزاف واحتياجات العناية الطبية اليومية الفائقة ولنسمع إلى الفتات القرآنية في صميم هذا المعنى حيث يقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم .. الآية} ويقول {... ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة .. الآية } .

الفصل الثالث

الوقاية التربوية

وإذا أردنا أن ننتقل من العموميات في الكلام عن الوقاية وضرورتها في كل جانب من جوانب الحياة نبدأ بالكلام في هذا الفصل عن الوقاية التربوية أو التربية الوقائية ..

التربية عموماً عملية بناء الفرد والمجتمع وفق صيغة قائمة على مفاهيم عقائدية وأخلاقية محددة فإذا كانت التربية إسلامية كان ارتكاز هذه الصيغة على مفاهيم الإسلام العقائدية والفكرية والمسلكية .

والعملية التربوية في الإسلام تستهدف بناء الشخصية بناء الفرد والمجتمع وفق هذه المفاهيم تماما ومن غير مداخلات أخرى فإذا تحقق ذلك كان بناء الشخصية الإسلامية بناء متكاملاً ومتوازناً ووقائياً الشخصية التي تمتلك مناعة ذاتية تحفظها من السقوط في المتاهات والانحرافات والوقوع في فخ الأهواء والنزوات .

إن ملاحظة أن تكون العملية التربوية وقائية من شأنها خفض نسبة المشكلات والآفات في حياة الفرد والجماعة إلى الحدود الدنيا كما سبق وأشرنا وبالتالي خفض نسبة الطاقات والأوقات التي تهدر وعلى كل المستويات إلى الحدود الدنيا كذلك .

إن الساحة الإسلامية عموماً لا تزال تعانى من إخفاق مناهج التربية ومن بروز وتنامي ظواهر مرضية كثيرة والاعتبارات في هذا الشأن كثيرة منه :

1- إن العملية التربوية تتم وسط بيئة منحرفة لا تساعد على إنجاح العملية وإنما تتسبب بإجهاضها وإفشالها ..
2- إن هذه البيئة بما تمتلكه من إمكانات التأثير المختلفة التعليمية والإعلامية وغيرها تجاوز أثرها الشريحة المراد تربيتها إلى النهج التربوي نفسه وإلى آلية التربية نفسها .
3- إن عملية التربية لا تزال تراكمية الأسلوب لا تقوم على نظرية متكاملة الحلقات والمفردات متناسقة الأدوار والخطوات فهي تقليدية المنحى شأنها شأن البرامج التعليمية (المدرسية أو الجامعية) مما يفقدها القدرة على تحويل هذه المفاهيم إلى واقع معاش وإلى ممارسات سليمة وإلى مواقف ومبادرات ذاتية صحيحة في شتى المجالات ..

إن بروز كثير من الآفات المرضية في بنيتنا التربوية والحركية ومن خلال الممارسات والتجارب المختلفة كسقوط الأعضاء وخسارتهم والنزعات الفردية القاتلة والظواهر العنيفة والتطرفية المدمرة والنزعات النفعية والمصلحية المؤذية وإفرازات الخطوات والمشاريع غير المدروسة والانشقاقات في البني التحتية والفوقية والعصبيات المحلية والإقليمية وعدم تفعيل الدور المؤسسي وضعف التأثير في المحيط والفشل في بناء البيت المسلم وتراجعية القدوة الحسنة يؤكد وجود خلل ما في النهج التربوي

بصراحة أقول .. إن عملية التربية حتى تكون فاعلة وجذرية ووقائية يجب أن تعتمد أسلوب (التخلية ثم الترقية) أي قاعدة ( التضعيف ثم التوثيق ) وبعبارة أوضح قاعدة تدمير القديم وبناء الجديد أي إزالة رواسب الماضي وإعادة بناء الشخصية وفق الأسس والأوليات الشرعية ..

إن العملية التربوية يجب أن تبدأ بعد كشف الحالة التي عليها الفرد لمعرفة : أفكاره وكيف يفكر، تصرفاته وكيف يتصرف ، علاقاته ومن يعاشر ، مشاكله ومسبباتها ، ميوله وغرائزه ومدى تحكمه فيها ، نقاط القوة والضعف عنده ، مكامن الخير والشر فيه بعد ذلك يمكن تحديد المنهج موضوعاً وكيفية .. وكل عملية تربوية تتم خلاف ذلك لا تحقق إلا تراكمات جديدة في شخصية الفرد قد تصيب حيناً ولكنها تكون فاشلة في غالب الأحيان لأن الجديد بنى على اعوجاج القديم ...

إن على الحركة الإسلامية أن تعيد النظر وبشكل جذري في العملية التربوية يجب أن تتحسس الواقع بما فيه من أمراض وعلل أن تدرس التجارب التربوية ومدى نجاحاتها وأن تستيقن من مدى جدارة المناهج المعتمدة لترى في النهاية إن كانت هذه المناهج تتكافأ مع عملية تغير الواقع أفراداً وحركة والارتقاء به إلى المرتجى ؟.

اكتفي بعرض مثال واحد من الظواهر المرضية في الواقع الحركي الإسلامي المعاش وهو مرض الانفصام المزمن بين السياسة والتربية ، والخصام شبه الدائم بين العاملين في الحقل السياسي وبين العاملين في الحقل التربوي .. ولا أرى سبباً رئيسياً لذلك إلا أن العاملين في الحقل السياسي انقطعوا عن المجالات والاهتمامات الشرعية والتربوية فكراً وممارسة وأن العاملين في الحقل التربوي انقطعوا عن المجالات والاهتمامات السياسة والاجتماعية فكراً وممارسة كذلك -

كما نجد : أن المفهوم السياسي والنظرية السياسية غير مبنية على أدلة شرعية وأن المفاهيم الشرعية والمناهج التربوية غير مرتبطة بالواقع السياسي أو ملاحظة له .

إن النظرية التربوية يجب أن تستهدف ومن خلال أي منهج يوضح ومفردات تعتمد وتصنف تكوين الجيل الإسلامي المنشود .. ومن مواصفاته :

  • - أن يكون متفقهاً في شرع الله ملتزماً به .
  • - أن يكون فاعلاً في مجتمعه وبيئته بأفكاره وسلوكه ومواقفه وطروحاته .
  • -أن يعيش هم الإسلام والحالة الإسلامية في كل شؤونه .
  • -أن يكون واعياً لزمانه وعصره مدركاً لما يجرى حوله . فهو إن كان مكلفاً بحيازة ما يجب أن يعرف من الدين بالضرورة فإنه مكلف كذلك بحيازة ما يجب أن يعرف من (العصر ) بكل أحواله السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وغيرها بالضرورة كذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

إن نجاح العملية التربوية ليس في اختزان المعلومات والثقافات والعلوم المختلفة وملء الأدمغة بالمعارف إنما في تفعيل هذه جميعاً لتؤدى كل معرفة دورها الصحيح في عملية التربية والتكوين الوقائيين والله أعلم ...

إن نجاح هذه العملية يرتبط كذلك بمدى قدرة المربى على تحديد نقطة البدء في التكوين لأن البداية الصحيحة تحقق النهاية الصحيحة وفي كثير من الأحيان يكون منشأ الفشل في مجال التربية ناجما عن كون المربى لم يعرف من أين يبدأ وكيف يبدأ .

إن مثل ذلك بناء (العمارات والدور ) فإن أقيم البناء من غير سبر لأغوار الأرض ومعرفة بطبيعتها وتربتها وخصائصها وما يلزمها من عمق الأساس ومئونة الحديد والأسمنت وخلافه كان بناء ضعيفاً معرضاً للانهيار والسقوط لدى أدنى اهتزاز .

فالعملية التربوية يجب أن تبدأ إذن بعد كشف الحالة التي عليها الفرد ويجب أن تكون وفق نظرية تربوية متناسقة المفردات والعلوم والمعارف والثقافات وبواسطة مرب يملك إمكانيات التربية ويملك قوة النظر والفراسة في الناس فيتناولهم من حيث يستجيبون ويتأثرون ويخاطبهم من حيث يسمعون ويفهمون .. وفي معظم الأحيان يعود الفشل في الحقل التربوي إلى الأمور التالية :

  • -إن المربى لم يستكشف شخصية الفرد ومفردات تكوينه السابقة ليبنى على أساسها .
  • - إن المربى لا يملك المقومات التي تساعد على التربية .
  • - إن المادة التربوية لم يحسن اختيارها فيتعطل بالتالي مفعولها .
  • - إن بناء الجديد كان في الفراغ أو على أساس غير سليم أو فوق تراكمات لم يجر رفعها وإزالتها .

شواهد من الواقع

هنالك شواهد كثيرة يمكن أن تساق على فشل النهج التربوي والعملية التربوية ..

- أذكر أن شاباً (ناصرياً ) كان مهووساً بالرياضة التحق بأحد نوادينا الرياضية وكان ذلك مدخلاً لاجتذابه إلى إحدى الحلقات الدراسية هذا الشاب بقى في الحلقة الدراسية قرابة عامين حفظ خلالها بعض قصار السور والأربعين حديثاً النووية وتعلم بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالطهارة والنجاسة ونواقض الوضوء وموجبات الغسل وفرائض الصلاة وسننها ..

والحقيقة أن هذه المفردات على قيمتها الذاتية لم تكون هي المادة التي يحتاجها ابتداء .. لم تكن المدخل الصحيح لعملية التغيير في أفكاره وتصوراته ومعتقداته ولذلك بقى ناصري العقيدة ناصري التفكير ناصري السياسة والتوجه وإن بقى مقيم الصلاة محافظاً على الشعائر الدينية .. وفي ظرف من ظروف المفاصلة الجذرية بين الاتجاه الإسلامي والاتجاه الناصري كان هذا الشاب في أقصى موقع من مواقع الناصرية تطرفاً وإسفافاً .

من النماذج التي يمكن أن تساق على النهج النبوي في المتابعة التربوي من المربى أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت يا رسول الله فأنكر ذلك رسول الله وابتدره على الفور بما يصحح عقيدته وينقيها فقال : (( أجعلتنى لله نداً ؟ بل ما شاء الله وحده )) وقال له آخر : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مصححاً : ((بئس الخطيب أنت قل : ومن يعص الله ورسوله )).

- شخص آخر تبوأ على الساحة الإسلامية مناصب قيادية مرموقة مع أنه كان معروفاً بحب الزعامة والدوران في الذات منذ حداثته .. المنهج التربوي التراكمي لم يستهدف استئصال العلة وإنما غلفها .. والتخطيط الحركي بدل أن يعمل على تحجيم التطلعات الشخصية لديه عمل على بعثها وتناميها .

فرشح إلى منصب زعامي كان بالنسبة للحركة غلطة العمر وبالنسبة إليه قاسمة الظهر كل ذلك بالرغم من التحذير النبوي الوقائي والذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع حيث قال ((طالب الولاية لا يولى )) وقال (( إنا والله لا نولى هذا العمل أحداً سأله وأحداً حرص عليه )) وقال ((اتقوا الله فإن أخونكم عندنا من طلب العمل )) .

- وشخص آخر تعهدته الدعوة صبياً يافعاً حتى بلغ من خلالها وبتشجيع منها مراتب اجتماعية وعلمية عالية ... كان مصاباً بداء العظمة والغرور منذ الصغر ومعروفاً بنزعة فردية قاتلة لم تعمد مناهج التربية إلى معالجتها واستئصالها ولم تتعد العناية به جانب التكوين العلمي والثقافي والخطبى .. ولذلك كبر في الدعوة وكبر داؤه وعندما استفحل أمره وزاد خطره تحرك المعنيون للعلاج ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن بلغ مرحلة اللاعودة ... هذا الإنسان لم يتورع عن أن يمتد لسانه على من علمه الكلام بالنقد والتجريح وقد غفل عن التوجيه النبوي الكريم :(( لا تنسوا الفضل بينكم )) ((إن الله يسأل عن عشرة ساعة )) وصدق الله تعالى حيث يقول { قتل الإنسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء انشره كلا لما يقض ما أمره } .

وهكذا تتكاثر الظواهر الفاجعة على مسرح الدعوة من جراء فشل العملية التربوية وعدم ملامسة المنهج التربوي ومفرداته مكامن العلة وجذور الداء والذي لا يمكن تحديده من غير اعتماد لصيغة (التصفية ثم الترقية) ومن غير استئصال للأدران السرطانية المتشبثة بعقلية الفرد ونفسيته .

إن عملية ( التصفية أو التخلية ) التي تسبق مرحلة التربية والترقية تتفاوت موضوعاً ونهجاً بين شخص وآخر وذلك بحسب ما لدى كل فرد من سابق تصورات وأفكار وعادات وطباع ومشكلات .. وبحسب ما عنده من استعدادات للتلقي والانفعال وفي هذه الحالة والمرحلة لا يمكن أن تكون وحدة التوجيه والعطاء ناجحة أما إذا استوى الجميع بعد عملية التصفية وتم اجتثاث رواسب الماضي ومخلفاتها من حياتهم فيمكن أن تتم مرحلة التربية والترقية وفق منهج واحد وبنجاح شرط أن تنتظم مفردات المنهج نظرية تربوية كاملة وقدرة على التربية فاعلة .

إن المنهج التربوي يجب أن يستهدف بناء : العقلية الإسلامية والنفسية والإسلامية اللتين تتكون منهما الشخصية الإسلامية وأن تحقق مفردات المنهج خدمة هذا الهدف بشكل أساسي .

فالدراسات القرآنية : يجب أن تؤدى دوراً أساسياً في خلق الشخصية القرآنية يأخذ منها المسلم الفكر لعقله والنور لقلبه والقوة لإرادته والوقاية لنفسه من وساوس الشيطان وإلقاءات الهوى يعيش القرآن في أحواله كلها وكأنه المعنى بالخطاب والتكليف والترغيب والترهيب ومن هنا سر الدعاء الجامع المضيء الذي علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث يقول ((اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل فىّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي )).

- يقول الغزالى رحمه الله :(( درجات القراءة ثلاث :

1- أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفاً بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه فيكون عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال .
2- والثانية : أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه : الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم .
3- والثالثة : أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره وهذه درجة المقربين وما قبله أصحاب اليمين وما خرج عن هذه الصورة فهو درجة الغافلين )).

الدراسات القرآنية يجب أن تتعدى في مؤداها وأثرها حدود الحفظ والتلاوة على أهميتها وقيمتها إلى تحقيق عملية صياغة الشخصية القرآنية وحسبي أن انقل هنا بعض الشواهد التي ترسم وتوضح معالم هذه الشخصية :

- قال ابن مسعود : ( ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون وبنهاره إذا الناس يفرطون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون )

- قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه :(( يا رسول الله أراك شبت ؟ فقال : شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت )) .

وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قارئاً يقرأ : { إن لدينا أنكالاً وجحيماً } فصعق .

- وعن ابن عباس قال :( لما أنزل الله على نبيه هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة } تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخر فتى مغشياً عليه فوضع النبي يده على فؤاده فإذا هو يتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا فتى قل : لا إله إلا الله فقالها فبشره بالجنة ).

هكذا كانت صلة الأولين بالقرآن الكريم وهكذا كانت علاقتهم به وتفاعلهم مع آياته وأحكامه .

والتكاليف العبادية : يجب أن تؤدى نفس الغرض وتصب في ذات الاتجاه اتجاه تكوين وصياغة الشخصية الإسلامية وفق ما شرع الله فلا تكون العبادة طقوساً جامدة وحركات راكدة ميتة لا روح فيها وإنما تكون مدخلاً لتجديد الإيمان وتقويته وتزكية النفس وترقيتها وتهذيب الجوارح وضبط النزوات وحب الخيرات والمكرمات .

يقول ابن تيمية رحمه الله في رسالة العبودية : العبادة أصل معناها الذل : يقال : طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام ولكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل والحب فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له فإن آخر مراتب الحب هو التتيم وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصاب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب ثم العشق وآخرها التتيم يقال : تيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له ولو أحب شيئاً ولم يخضع له كما قد يحب الرجل ولده وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شئ وان يكون الله أعظم عنده من كل شئ )

وفي موضع آخر يقول : ( وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضى الله ويسخطه ما يسخط الله ويحب ما أحب الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ويوالى أولياء الله تعالى ويعادى أعداء الله تعالى . هذا هو الذي استكمل الإيمان كما في الحديث : (( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان )). وفي آخر (( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله )).

وعن أبى الدرداء رضى الله عنه أنه قال :( يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرحم من أمثال الجبال من عبادة المغترين ).

والدراسات الفقهية : يجب أن يكون الباعث من ورائها التفقه في الدين كيما تحقق معاني العبودية الحقة لله وامتثال أمره والاحتكام إلى شرعته والتزام شريعته على علم ودراية وهدى ونور وبذلك تتحقق معايشة الإسلام في كافة شؤون الحياة الخاصة والعامة السياسية والاجتماعية الأخلاقية والمعيشية والاقتصادية وفق أحكام الشرع وبعيداً عن متاهات الهواء والمصالح وفي هذا قوة وتكامل المفعول الوقائي في شخصية المسلم وصدق الله تعالى حيث يقول { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم :(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )).

من هنا كان اختلاف دراسة الفقه بين بيئتي : المعهد والدعوة بين الجامعة والجماعة مادة وأسلوباً وغاية ..

والفارق هنا إنما يتمثل : في كيفية تفعيل الدور الفقهي والتربية الفقهية في بناء الشخصية الإسلامية فالغاية يجب أن تتجاوز تحقيق القدرة على الفتوى والاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية وقوة النظر في الدليل الشرعي إلى استقامة الأعمال وصلاحها واستنهاض النفوس من غفلتها والوقوف بها عند حدود الله تعالى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ((العلم علمان : فعلم ثابت في القلب فذاك العلم النافع وعلم في للسان فذلك حجة الله على عباده )).

ودراسة السيرة النبوية : أن تكون يجب للتأسي والإقتداء وليس للمعرفة والعلم المجردين ونحن حين نفعل ذلك فإنما نذعن لتكليف رباني وأمر إلهي إذ هو القائل سبحانه { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } { وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ..} .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني )) .

وقال : (( من أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة )).

وقال : ((من تمسك بالسنة دخل الجنة )).

وحسن الإقتداء سبب من أسباب حسن الاهتداء مما يعين على اتقاء مواطن الشر واجتناب مواقع الضر والتزام سبل الخير .. وقد قيل لي من تعاشر أقل لك من أنت .. فكيف إذا تحققت صحبة خير الأنام وسيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم .. إنه الخير كله والأمان كله والهداية كلها والوقاية جميعها ..

يجب أن نعيش مع رسول الله سيرته وسنته في عبادته معاملته في سكوته وكلامه في شرابه وطعامه فينومه وقيامه في حكمه وقضائه لنحاول قدر الاستطاعة أن نفعل كما فعل ولو بنسبة أقل وقدر أدنى لأنه المعصوم وللسنا كذلك ولكونه نبي ونحن أتباعه ولكونه لا ينطق عن الهوى وما اكثر الهوى فيما ننطق !

وحتى نعيش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتابع خطاه ونتحرى سنته لا بد وأن نحبه كما احب أصحاب محمد محمداً وان يكون الله ورسوله أحب إلينا من كل شئ وإلا كنا معنيين بقوله تعالى { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين }

- أخرج الطبرانى عن عائشة رضى الله عنها قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدى وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتى فأنظر إليك وذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وأنى إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك ؟ فلم يرد عليه النبي صلى الله علليه وسلم حتى نزل قوله تعالى { ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } .

- وعن أبى ذر رضى الله عنه أنه قال : يا رسول الله الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم ؟ قال : (( أنت يا أبا ذر مع من أحببت )) قال  : فأنى أحب الله ورسوله قال ((فإنك مع من أحببت )) . قال : فأعادها أبو ذر فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- وعند ابن إسحاق عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخواها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لهل (أي أخبرت بموتهم ) قالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت : أرونيه حتى أنظر إليه قال : فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ( أي هينة يسيرة ) .

وأخرج البيهقى عن الزهري قال : حدثني من لا اتهم من الأنصار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدروا نخامته فمسحوا بها وجوههم وجلودهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من احب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره " .

الفصل الرابع

النهج القرآني في التربية الوقائية

إن من يتمعن في النهج التربوي القرآني ، ويجرى مسحاً للآيات التربوية يجد أن التركيز إنما ينصب على البناء الوقائي للفرد و للمجتمع ، وعلى تقوية المناعة المكتسبة لدى الناس ، تداركاً للأمور و المشكلات ، وتحوطاً منها ، واتقاء لشرها قبل وقوعها .

إن النهج القرآني يعمد إلى تجنيب الفرد و المجتمع كل السباب و العوامل المرضية و المؤدية إلى المرض ، سواء كانت عقيدية أو نفسية أو فكرية أو جسدية أو خلقية حتى يكون الأصل في حياة الناس العافية وليس المرض ، وحتى لا يتحول المجتمع كله بفعل الأمراض و المشكلات المختلفة إلى ( مصح أو مسشتفي ) كما هو الحال اليوم .

كل المجتمعات البشرية اليوم مجتمعات موبوءة عليلة لأنها فقدت مقومات الوقاية فاستشرت فيها الأمراض و العلل بلا حدود ، فالعافية في هذه المجتمعات استثنائية، وأهل العافية قلة ، وهذا بعكس ما عليه المجتمع الإسلامي ، حيث العافية هي الأصل و المرض هو الشذوذ .

إن جولة سريعة في الرياض العطرة من كتاب الله تعالى تؤكد لنا وقائية النهج القرآني ، من خلال عدد من محطات الإنذار المبكر ، التي من شأنها شد الانتباه ، والأخذ بكل أسباب الحيطة و الحذر لضمان عدم الإصابة بالمرض و الوقوع في العلة ، وفيما يلي نماذج من هذه اللفتات القرآنية الكريمة :

- ففي الوقاية من الشرك قال تعالى :{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان } ، وقال :{ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموماً مخذولاً } ، وقال :{ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم نذير مبين } .

- وفي وقاية الأنفس والأهل من النار :{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة } ، { واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً } .

- وفي الوقاية من الشح و البخل { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .

- وفي الوقاية من العدو ، كل عدو { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } ، { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } .

- وفي الوقاية من الربا يقول تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } .

- وفي الوقاية من الخمر و الميسر وغيره { إنما الخمر و الميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ...}

- وفي الوقاية من قول الزور ( و التزوير عموماً ) يقول تعالى ر ... واجتنبوا قول الزور ... )

- وفي الوقاية من الظن { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } .

- وفي الوقاية من الآفات الجنسية ، يقول تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } ، { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، { فاعتزلوا النساء في المحيض ... } .

- وفي الوقاية من الخلاف و التفرق { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ... } ، { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... }

هذه بعض نماذج من النهج القرآني في التربية الوقائية التي يذخر بها كتاب الله تعالى عرضناها هنا على سبيل المثال لا الحصر .

الفصل الخامس

النهج النبوي في التربية الوقائية

والنهج النبوي كالنهج القرآني ساء بسواء لأنه ترجمة وتفصيل له فهو من جانب يؤكد النمط الوقائي ومن آخر فصل في التدابير الوقائية ويوسع مساحتها وحجمها .

والمتتبع لخطوات النبوة عبر السيرة والسنة يجدها ذاخرة بالتدابير والتوجيهات والوصايا الوقائية على كل صعيد مما يؤكد أن عملية التربية في الإسلام تهدف إلى قطع الطريق على العلة قبل حدوثها وتقي الأفراد والمجتمع منها قبل وقوعها . وبذلك تبق البيئة الإسلامية معافاة من الأمراض والعلل والمشكلات والآفات التي تفتك بسائر البيئات الأخرى ..

وحي بمناهج التربية على الساحة الإسلامية أن تستشف معالم هذا النهج القويم والفريد في كل مراحل التربية وفي مختلف مجالاتها العقيدية والفكرية والروحية والحركية والأمنية وغيرها وبذلك يمكن أن تستقيم كثير من الأمور وتختفي كثير من المشكلات التي يعانى منها الجسم الحركي والبنية الدعوية في كل مكان .

إن عملية التربية في نطاق الدعوة والحركة يجب أن تكون عملية صياغة وبناء للشخصية الإسلامية هذه العملية يجب أن تشترك فيها كل العوامل والمواد التربوية اللازمة مجتمعة غير متفرقة ومتناسقة غير متعارضة وضمن إيقاع واحد لتتم ولادة الشخصية بشكل صحيح ويكون المولود سليماً معافى وغير مشوه .

وفيما يلي نقدم عينة من النصوص النبوية في مجالات التربية الوقائية ليتأكد لنا بالتالي أن الوقائية نهج أصيل في المنهج الإسلامي عموماً ..

نصوص وقائية في اجتناب الموبقات

يقول صلى الله عليه وسلم (( اجتنبوا السبع الموبقات : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم التولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ))

ويقول : (( اجتنبوا هذه القاذورات التي نهي الله تعالى عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله )) .

ويقول :(( إياكم والخمرة فإن خطيئتها تفرع الخطايا كما أن شجرتها تفرع الشجر )).

ويقول (( إياكم والجلوس ل الطريق فإن أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقها : غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) .

ويقول : ((إياكم والدخول على النساء )).

ويقول :(( إياكم والتعرى فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم )).

ويقول :(( إياكم والزنا فإن فيه أربع خصال : يذهب البهاء عن الوجه ويقطع الرزق ويسخط الرحم والخلود في النار )).

ويقول : اجتنبوا أم الخبائث فإنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة فأرسلت إليه خادماً تقول إنا ندعوك لشهادة فدخل فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه حتى إذا أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة وعندها غلام وباطية خمر فقال : إني لم أدعك لشهادة ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام أو تقع علىّ أو تشرب كأساً من الخمر فإن أبيت صحت بك وفضحتك قال : ففلما رأي أنه لا بد له من ذلك قال :اسقني كأساً من الخمر فسقته كأساً من الخمر فقال زيديني فلم تزل حتى وقع عليها وقتل النفس )).

نصوص وقائية من فتنة الدنيا

يقول عليه الصلاة والسلام : ((اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت )).

ويقول :(( اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طلاع رصاد وماهو بشىء من فخوخه بأوثق لعبده في الأتقياء من النساء )).

ويقول : (( أكثروا ذكر هازم اللذات الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعه إلا ضيقها عليه )).

ويقول (( أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم )).

نصوص وقائية من مرض التفرق والخلاف

يقول عليه الصلاة والسلام :(( اتقوا الله وصلوا أرحامكم ))

ويقول (( إن الله يسأل عن عشرة ساعة )).

ويقول :(( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك )).

ويقول :(( إياكم والفتن فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف )).

ويقول:(( إياكم والحسد فإن ابنى آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً فهو اصل كل خطيئة)).

ويقول :(( إياكم والعضة النميمة القالة بين الناس )).

نصوص وقائية من مداخل الشيطان

يقول عليه الصلاة والسلام ((أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعمة الله عز وجل ))(

ويقول :(( لا تباشر المرأة فتنعها لزوجها كأنه ينظر غليها )).

ويقول :(( لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)).

ويقول : (( النظرة سهم مسمومة من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه )).

ويقول :((إياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولد الغفلة )).

ويقول : ((باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء فإنه إذا كانت المعاينة واللقاء كان الداء الذي ليس له دواء )).

ويقول : (( إياكم والهوى فإن الهوى يصم ويعمى )).

( للسجزى في الإبانة عن ابن عباس ).

ويقول (( إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه )).

ويقول : (( أكثروا من تلاوة القرآن في بيوتكم فإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره ويكثر شره ويضيق على أهله )).

وعنه أنه : (( نهي عن الغناء والاستماع إلى الغناء وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة وعن النميمة والاستماع إلى النميمة )).

ويقول :(( إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان )).

ويقل : إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وما يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .. الحديث )) متفق عليه .

نصوص وقائية من الغلو والتطرف

يقول صلى الله عليه وسلم :(( إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان فبلكم بالغلو في الدين )).

ويقول : (( إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ))(

ويقول : ((قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه )).

وأنه : ((ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أوسطهما )).

ويقول : (( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق )).

ويقول :(( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى )).

ويقول : ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على سواه )) .

ويقول : (( من يحرم الرفق يحرم الخير كله )).

نصوص وقائية من الزواج الفاشل

يقول صلى الله عليه وسلم (( تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع وفي رواية دساس )). ذكره الشريف الرضي .

ويقول : تنكح المرأة لأربع : لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك )).

ويقول (( ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خير له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته إن غاب عنها حفظته في نفسها وماله )).

ويقول : (( إياكم وخضراء الدمن ؟ )) : قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : ((المرأة الحسناء في المنبت السوء )) .

ويقول : (( إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )).

ويقول : (( تزوجوا من فقرائكم يغنيكم الله من فضله )).

الفصل السادس

نماذج من المعالجات الوقائية لبعض الآفات الأخلاقية

في هذا الفصل سأتناول نماذج من الآفات الاجتماعية مبيناً النهج الوقائي الذي اعتمده الإسلام في مواجهتها ومكافحتها والفضاء عليها ...

الخمرة (أم الخبائث )

تعتبر الخمرة (المسكرات عموماً ) مدخلاً لعالم الخبائث والفواحش والانحرافات المختلفة فوباء تعاطى الخمرة والإدمان عليها وباء عات وقديم .. كان في الجاهلية قبل الإسلام وهو الآن كائن ومتفاقم في كل أنحاء المعمورة ...

كل المحاولات التي قامت لمكافحة هذا الوباء قديماً وحديثاً باءت بالفشل إلا التجربة الإسلامية التي نجحت ناحاً باهراً وجذرياً ...

من التجارب الحديثة الفاشلة التجربة التي قامت بها (الولايات المتحدة الأمريكية ) عام 1919 حيث أصدر ( الكونجرس ) قانوناً يحرم صناعة الخمر سراً وجهراً ويمنع بيعها وتصديرها واستيرادها ونقلها وحيازتها ويفرض العقوبات الشديدة بحق المخالفين ووضعت الحكومة لتنفيذ القانون إمكانات كبيرة فأنفقت على الدعاية الإعلامية والتعليمية ما يزيد عن 6. مليون دولار ونشرت من الكتب ما يزيد عن 1. ملايين صفحة وأنفقت لتنفيذ القانون حوالي 25. مليون جنيه وكانت النتيجة بعد كل ذلك انتشار آلاف الحانات السرية وازدياد عدد شاربي الخمر أضعافاً وسجن حوالي نصف مليون شخص لمخالفتهم القانون مما دفع إلى إصدار قرار عام 1933 يقضى بإلغاء حظر الإدمان فبقى المرض مسيطراً عليها بالرغم من قوانين المنع والحظر .

أما الإسلام فقد اعتبر أن القضية قضية الإنسان أولاً .. قضية بناء مقومات الخير فيه واجتثاث عوامل الشر منه إضافة إلى الاحتياطات الأخرى اللاحقة التي لحظت بعضها منها القوانين الوضعية .

ولهذا كان النهج الإسلامي في معالجة هذا الوباء الخطير فريداً وناجحاً ...

- ففي المرحلة الأولى انصب الاهتمام على إيجاد الاستعداد النفسي العقيدى والقابلية الذاتية للتلقي أولاً .. التلقي بشفافية وتسليم ورضى ..

في عالم (البث الإذاعي ) لا يكفي أن يكون جهاز إرسال جيداً فلا بد وأنن يكون جهاز الاستقبال كذلك والعمالية التربوية كيما تكون ناجحة لا بد وأن يكون مصدر الوجيه قوياً وفاعلاً والمادة التوجيهية كذلك إضافة إلى قابلية المتلقي وانفعاله مع التوجيه وكل خلل في واحدة منها سيؤدى إلى الفشل والإخفاق حتماً ..

فالتلقي عن الخالق غير التلقي عن المخلوق والانفعال والتفاعل مع الوحي غيره مع القانون واستجابة الإنسان لمن يؤمن به ويحبه ويعظمه ويعبده ويخشاه غير استجابته لرجل القانون خوفاً من عقوبته وغير تجاوبه مع قدرة بشرية محدودة يمكن أن يخادعها أو يختفي لدى ارتكابه للمعصية من عينها ؟؟ .

ولكن أنى له ذلك إن كان الرقيب هو الله وان كان الحسيب عالم الغيب والشهادة الذي لا يخفي عليه شئ في الأرض ولا في السماء { يعلم خائنة الأعين ما تخفي الصدور } { فإنه يعلم السر وأخفي ..} { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } . إن الله لا يخفي عليه شىء في الأرض ولا في السماء } .

إن بلوغ الإنسان مرحلة التلقي للتنفيذ هو البداية الصالحة للتفاعل مع العلاج لتبدأ مرحلة جديدة .

- وفي المرحلة الثانية كانت لفتة القرآن إلى الخمرة ومنابعها في معرض المقارنة مع الرزق الحلال الطيب مطعماً ومشرباً ولغاية تسديد الفكر والتصور وترشيده إلى الأفضل والأحسن فقال تعالى { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } .

هذه اللفتة الكريمة العابرة من شأنها أن تنساب برفق في أعماق النفس وحنايا الذهن فتحفزهما إلى تلقى المزيد بشغف وشوق ضمن عملية حوار بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون .. إنها عملية تجاذب بين العوامل النفسية المختلفة من شأنها أن تستنهض عوامل الخير وتستحثها وتقويها وهذا ما تم فعلاً وما عبر عنه عمر بن الخطاب في هذه المرحلة بالذات حيث هرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائلاً متلهفاً :(( اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً )) .

- ولا يطول الانتظار حتى يأتي الجواب من خلال لفتة كريمة أخرى أكثر وضوحاً تتجلى فيقوله تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } وفي هذه اللفتة قضية جديدة تبعت على التفكر أنها قضية الضرر - المادي المعنوي المترتب على شرب الخمر والذي جاء التعبير عنه بالإثم ليكون وقعة في الوجدان والشعور وقعا عميقاً يتعدى حدود الإضرار المادي .

-ثم ينتقل البرنامج الوقائي إلى مرحلة أكثر تقدماً .. تبدأ فيها المفاصلة (المؤقتة)بين الخبيث والطيب تمهيداً للمفاصلة الدائمة والكاملة والجذرية بينما في الحقيقة صنوان لا يلتقان فيقول تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } .

- وعندما يتحقق التفاعل الكامل بين مواد المنهج ومراحله المختلفة وبين الإنسان المسلم ويبلغ مرحلة اللاعودة إلى الوراء يأتي الأمر الإلهي والحكم الشرعي القطعي بالتحريم في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا :إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهلل أنتم منتهون ؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين } .

ولم يتأخر جواب المسلمين على سؤاله تعالى : فهل انتم منتهون } ؟ لأن النفوس كانت قد تهيأت ولأن الإرادات كانت قد شحذت ولأن الأفئدة كانت قد استضاءت واستيقنت فجاء الجواب على لسان عمر بن الخطاب رضى الله عنه (انتهينا يا رب ).

جاء في تفسير ابن كثير عن أبى طعمة سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يقول : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد فخرجت معه فكنت عن يمينه وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه فكان عن يمينه وكنت عن يساره ثم أقبل عمر بن الخطاب فتنحيت له فكان عن يساره فأتى رسول الله المربد فإذا بزقاق على المربد فيه خمر قال ابن عمر فدعاني رسول الله بالمدية وما عرفت المدية إلا يومئذ فأمر بالزقاق فشقت ثم قال : ((لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها )) .

لقد كان تلقى المسلمين للحكم الشرعي في الخمرة تلقياً كاملاً وفورياً جعلهم عندما جاءهم أمر التحريم يبصقون ما في أقوالهم من بقايا الخمرة ويسكبون ما في القلال من الخمر على الأرض حتى فاضت بها شوارع المدينة وبذلك اقفل ملف هذا الوباء العاتي والمرض الخطير .

الشذوذ الجنسي (اللواط)

ومن الأمراض الخبيثة والأوبئة الفتاكة الخطيرة التي تتهدد المجتمعات كافة بأوخم العواقب النفسية والحسية وباء الشذوذ الجنسي وفي مقدمته اللواط ..

هذا الوباء قديم الإنسان والتاريخ .. وتسميته التي تعود به إلى عهد النبي لوط عليه السلام الذي كافحه تدل على ذلك ..

وجاء الإسلام وحكى القرآن الكريم قصة هذا المرض الخطير في أكثر من موضع وعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم في مواقع كثيرة ومختلفة من أحاديثه الشريفة .

وبدأت رحلة أخرى على طريق استئصال هذا الداء واجتثاث هذا الوباء على النحو الوقائي الجذري المعتمد وخلاف ما لجأت إليه واعتمدته القوانين الوضعية المختلفة ..

- في المرحلة الأولى ككل عملية تكون وقائي لا بد من إرساء كل المقومات المساعدة على التجاوب مع العلاج حتى لا يبطل مفعوله وينعدم تأثيره هذه المقومات وكما أسلفنا تعتمد أساساً على الإيمان بالله تعالى وما يتفرع عنه من مقتضيات وتكاليف عبداً لله يحل حلاله ويحرم حرامه ولتصبح طاعة الله ورسوله أحب عنده وأوجب من حب وطاعة ما سواهما ..

فوق هذه الأرضية الصلبة والقاعدة الراسخة يبدأ الإسلام علاجه وهو مطمئن إلى النتيجة أما إذا بدئ العلاج والعقيدة ضعيفة والإيمان مهزوز والنفس غير مطمئنة ومستيقنة ومستعدة للتلقي والتنفيذ فالعملية تكون فاشلة مهما تضافرت السباب الخارجية لإنجاحها .

-بعد ذلك مرحلة جديدة .....مرحلة إيحاء نفسي بالغة التأثير والأثر عبر الأسلوب القصصي القرآني الذي عرض - وفي أكثر من موقع لقوم لوط الذين كانوا يمارسون الشذوذ علانية ومن غير حياء ولا خجل ...كل ذلك في إطار إيقاع ترهيبي تقشعر منه الأبدان وتؤدى كل جزئية فيه دورها الفاعل في معالجة جذور هذا الوباء واستئصاله من واقع حياة الإنسان .

فلنستعرض الآن بعضاً من هذا القصص التربوي الوقائي الأخاذ الذي حفل به كتاب الله تعالى وجاءت الإشارة إليه في نحو أربعة عشر سورة تأكيداً على خطورة هذا الوباء ..

قال تعالى :{ ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال تقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه غلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعاً وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذا القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون } .

جاء في تفسير هذه الآيات إن عقوبة قوم لوط بسبب فعلتهم الشنعاء إحراقهم بنار وكبريت نازل من السماء وقلب الأرض بهم حيث أصبح عاليها سافلها إضافة إلى الرجم بالحجارة ..

وجاء في موضع آخر من القرآن الكريم قوله تتعالى { كذبت قوم لوط بالنذر انا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر } .

وفي موقع آخر { ولما جاءت رسلنا لوطاً سىء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون غليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد } .

وفي موقع آخر { كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إنى لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } .

- بعد هذا ينتقل الإسلام بالمعالجة إلى مرحلة يسد فيها كل المنافذ التي تؤدى فيه هذا الوباء الخطير ... من ذلك :

أ- الحض على الزواج المبكر حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) .

ب - التحذير من الفراغ والحض على ملئه بما هو صالح ومفيد فيقول عليه الصلاة والسلام (( أخوف ما أخاف عليكم الصحة والفراغ )).

ج - اجتناب التعري لقوله صلى الله عليه وسلم :(( إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عبد الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم و أكرموهم )) . ( رواه الترمذي)

د- التحذير من مجالسة ومعايشة المردان ، لكونها تجر إلى الشهوة وتوقع في الفتنة قال الحسن بن ذكوان:((لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صوراً كصور العذارى وهم أشد فتنة من النساء )). ودخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه صبى حسن الوجه ، فقال : (أخرجوه عني فأنى أرى مع كل امرأة شيطانا ، ومع كل أمرد سبعة عشر شيطانا).وجاء رجل إلى الإمام احمد ومعه صبي حسن الوجه فقال له :(من هذا منك !) قال: ابن أختي . قال : ( لا تجئ به إلينا مرة أخرى، ولا تمش

معه بطريق لئلا يظن بك من لا يعرفك ويعرفه بسوء ) . وقال سعيد بن المسيب : ( إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه ).

هـ- التزام الحدود الشرعية في العلاقات بين الأفراد فكل تفريط يمكن أن يؤدى إلى انحرافات .

ففي كتاب مشكلات الدعوة والداعية قلت في هذا المجال : ( الأخوة الإسلامية هي العلاقة الطبيعية الفطرية التي لا تجنح (العشق ) ولا تبلغ مبلغ (الوله والتيم ) بل ينبغي أن لا تصل إلى حد ذوبان الأخ بأخيه لأنها إن وصلت إلى هذا فقدت ضوابط الصيانة والحدود الشرعية ووقع ما لم يكن بالحسبان والعاقل من تدارك الأمر قبل فوات الأوان ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ) .

- بعد هذه الإجراءات الوقائية التي يتخذها الإسلام لتحصين الأفراد والمجتمع من هذا الوباء الخطير يلجأ إلى أسلوب وقائي آخر من خلال العقوبة الرادعة الزاجرة ..

فقد اجمع العلماء على أن اللواط زنى ولكنهم اختلفوا نسبيا في تحديد العقوبة :

قال البغوى : (اختلف أهل العلم في حد اللوطي فذهب قوم إلى أن حد الفاعل هو حد الزنى إن كان محصناً يرجم وإن لم يكن محصنا يجلد مائة جلدة وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم سواء كان محصناً أو غير محصن وذهب البعض إلى وجوب التعزيز حسب ما يراه الإمام رادعاً للمجرم ).

فمن القائلين بأن حده حد الزنى : سعيد بن المسيب وعطاء بن أبى رباح والحسن وقتادة والنخعى والثوري والأوزاعى والإمام يحيى وغيرهم .

ومن القائلين بالقتل مطلقاً : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والناصر والقاسم بن إبراهيم والشافعي في قول ..

ومن القائلين بالتعزيز : أبو حنيفة والمؤيد بالله والمرتضى وغيرهم .

وقد رجح الشوكانى مذهب القائلين بالقتل وضعف المذهب الأخير الذي قال بالتعذير لمخالفته للأدلة ..

من ذلك ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من وجدتموه يعمل عمل قوة لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) .

واختلف العلماء في كيفية قتل اللوطيين :

- فروى عن أبى بكر وعلى : أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية .

- وذهب عمر وعثمان : إلى أنه يلقى عليه حائط .

- وذهب ابن عباس ك إلى أنه يلقى من أعلى حائط في البلد .

- وحكى البغوى عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم .

وعقوبة الموت قد تبدو لأول وهلة قاسية ومخيفة وبخاصة أنها تطال الفاعل والمفعول به إلا أنها أصبحت اليوم وبعد ظهور وباء (الإيدز والسيدا والهيربس ) إعجازاً وإنجازاً فريدين يكيفان في إقامة الحجة على البشرية كلها بقوامة الإسلام ..

وحسبي أن انقل هنا ما أورده الدكتور (سعيد الصائغ ) في كتابه (الإيدز مرض الشباب ) والذي يبين فيه بكل وضوح أن (اللواط ) هو السبب الرئيسي والأهم لهذا الوباء الخطير .

يقول تحت عنوان (المرشحون للإصابة بمتلازمة القصور في المناعة المكتسبة الإيدز) يصيب هذا المرض فئات معينة من الناس وكثر هذه الفئات تعرضاً :

1- اللواطيون وتتعدى نسبتهم الـ 7 بالمائة من المجموع العام .

2- المدمنون على المخدرات بواسطة الحقن ونسبتهم 17 بالمائة .

3- والنسبة الباقية تتوزع على : المتحدرين من أصل أسباني أو المهاجرين إلى الولايات المتحدة من جزيرة (هاييتي) بالذات .

وفي موضع آخر يقول :وأما هؤلاء المرشحون للإصابة بالإيدز أو من يمكن أن نسميهم بالفئات البشرية الخطيرة أي الأكثر تعرضاً لهذه الإصابة فهم :

1- اللواطيون الذكور وهم الأكثر تعرضاً للإصابة بهذا المرض على الإطلاق.

إن فيروس المرض الذي يصيبهم يؤدى إلى انخفاض في الخلايا الليمفاوية (ت) المساعدة والمحرضة وتؤدى هذه الحالة إلى اعتلال الغدد الليمفاوية أي إلى انتفاخ هذه الغدد وتضخمها مما يفضي إلى مجموعة من الأمراض وقد يتطور هذا المركب من الأمراض إلى المرض نفسه الذي نحن بصدده .

أما أهم وأوضح الخصائص التي تزيد في نسبة تعرض اللواطين الذكور للإصابة فهي :

أ - كثرة الشركاء في الفعل الجنسي الشاذ عندهم فكلما ازداد عدد الشركاء الذين يمارسون الجنس فيما بينهم زاد احتمال الإصابة بهذا المرض .
ب - اللواطيون الذكور المستقبلون للقضيب في الشرج فهؤلاء اللواطيون معرضون للإصابة أكثر من اللوطيين الفاعلين أي الذين يقومون بالعمل الجنسي الشاذ .
ج - اللواطيون المستقبلون لقبضة اليد في الشرج وهذه القبضة هي نوع من الممارسات الشاذة التي يستعملها اللواطيون فيما بينهم قبل أو بعد القيام بالعمل الجنسي نفسه ونعنى بالقبضة إدخال قبضة اليد في الشرج وكثير ما يسبب هذا الإدخال رضاً وتمزقاً في نسيج الشرج مما يسهل التلوث والتلوث بفيروس الإيدز .

2- المدمنون على المخدرات بواسطة الحقن ويمثل هؤلاء نسب 17 بالمائة من المرشحين للإصابة بمرض الإيدز خاصة أن هؤلاء يكونون إجمالاً من اللوطيين أو من ثنائي الجنس (أي الذين يمارسون الجنس مع الرجل والمرأة على السواء ) وهذا ما يسهل انتقال الفيروس بين أفراد هذه الفئة إذ أن الحقن بالوريد يشكل طريقاً سهلة جداً لغزو فيروس هذا المرض لدم الضحية المدمن .

3- سكان جزيرة هاييتي فقد بدأ هذا لمرض ينتشر في الجزيرة منذ عام 198. في مدينتي كارفور وبورت اوبرنس وهما مدينتان معروفتان بالبغاء عند النساء وعند الرجال على السواء .

أما عن آلية العدوى في هاييتى فهي تعود إلى الاتصال الجنسي الشاذ وإلى استعمال الحقن والإبر غير المعقمة .

وفي موضع آخر يقول الدكتور صائغ وبعد أن يعرض لعدد من الإجراءات الوقائية يقول (هذه الإجراءات الوقائية بنيت على أساس وجود اللواط هذا العمل الشاذ المحرم دينياً كواقع ولكننا إذا أردنا أن نعلن صادقين إجراءات وقائية شاملة وحاسمة فليس علينا إلا أن نعمل على التحذير من هذه الآفة الاجتماعية والأخلاقية والصحية المحرمة ففي ذلك حل عام وربما حل نهائي لمرض الإيدز .

ويختم الدكتور صائغ كلامه فيقول : (المنطق يجرنا إلى الاعتراف بأن هذا الفيروس لم يكن ليحضنه غير مجتمع دنس كقوم لوط مثلاً ، فهم كانوا يعبثون بالمحرمات ويقترفون من الرذائل ما تندى له الجباه أم لم يصفهم الله تعالى في كتابه الكريم :{ ولوطاً إذا قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر } وفي هذا الوصف توضيح لشذوذ هؤلاء الفاسقين وقد كرر تعالى ذلك فلا آيات أخري{ أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون }{ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } .

هذا المجتمع الموبوء بكل أنجاس الملذات لم يكن ليرعوى عن الشر أبدا فلم ينتصح بما قاله لوط ولا بما أتى به إليهم فغضب الله ونالهم منه كما نال بلدتهم ما حولها إلى(كبريت وملح أرضها حريق لا تزرع ولا تنبت ولا يطلع فيها عشب ) ( وليكن الزواج مكرماً عند كل واحد ولمضجع غير نجس وأما العاهرون والزناة فسيدينهم الله ).

ولكن الفاسقين رفضوا النصائح كلها فكان غضب الله عليهم إغراقاً وحرقاً .

الفصل السابع

نماذج من الآفات الحركية وعلاجها الوقائي في الإسلام

أود في هذا الفصل أن أعرض لنماذج مختارة من الآفات والأمراض والمشكلات الحركية التي تطفو وتظهر على مسرح العمل الإسلامي وفي بنية الحركات الإسلامية المعاصرة وذلك بهدف التعرف إلى أسبابها وعواملها وللتأكيد على أنها من نتائج القصور أو الخلل التربويين وبسبب عدم اعتماد النهج الوقائي في التربية والتوجيه والتخطيط وفي معظم مجالات العمل الإسلامي .

أولاً : الانشقاقات الداخلية في الحركات :

تعتبر الانشقاقات الداخلية من أخطر الآفات التي تصيب الساحة بهدم الحركة واستنزافها وإجهاضها من الداخل ..

قد لا تقوى معاول الأعداء مجتمعة أن تنال من الحركة ما بقيت محصنة من داخلها وقد تجهز عليها فتنة داخلية فتجعلها هباء منثوراً .

وإذا قمنا بدراسة موضوعية دقيقة لاستكشاف الأسباب التي تقف خلف هذه الظاهرة لخرجنا بجملة أمور منها  :

ضعف المستوى التربوي

فهنالك خلل ما يجب أن يدفع لاستكشافه ومعالجته فقد يكون من المنهج التربوي وقد يكون من المربى وقد يكون من الاثنين معاً ونجاح التربية مرتهنة بسلامة المنهج وصلاحية المربى معاً .

وقد يتأتى ضعف المستوى التربوي من قصور في التخطيط أو خلل في خطط العمل بحيث يتضخم جانب من جوانب العمل على الجوانب الأخرى وقد بسبب استنزاف الحركة في معارك جانبية لا طائل تحتها ولا فائدة منها أو قد تستهلك كثيراً من طاقاتها في مشاريع لا تقع في الدرجة الأولى من حيث الأهمية والأولوية .

إن ضعف المستوى التربوي هو الخرق الذي يمكن أن تدلف منه كل العلل والأوبئة والمشكلات إلى جسم الحركة وهو الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتن .

فهو المناخ المناسب للآفات المساعدة على حصول الهزات والانقسامات في حياة الأفراد والجماعات والحركات كالغيبة والنميمة وتتبع العورات والنقد الهدام والتشكيك والإرجاف وعدم التماس الأعذار وعدم التبين والتعصب للرأي والمكابرة والعناد وطرح الخلافات فيغير مواطن طرحها وإنشاء المحاور وتحريكها وتحويل الخلافات المبدئية إلى خلافات شخصية إلى ما هنالك من آفات وعلل لا تبقى ولا تذر.

إن ضعف التربية يعنى تدنى مستوى التقوى والورع يعنى ضعف قوامة الشريعة على السلوك والأعمال والأقوال والتصرفات عموماً وهذا يؤدى بالنتيجة إلى السقوط في حبائل الشيطان وشراك الهوى ومضلات النفس الأمارة بالسوء مما فيه هلكة الفرد والجماعة ..

إن ضعف التقوى والورع مدخل إلى الترخص واستصغار الذنوب والتساهل مع النفس مما يؤدى في النتيجة إلى ارتكاب الموبقات والكبائر تحت شعارات ومبررات وعناوين عريضة كلها في الحقيقة من تلبيس إبليس وهذا ما أشار إليه أنس رضى الله عنه حين قال :(( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات)).

احتراف النقد والغيبة والنميمة

ومن عوامل الفتن التي تشق الصفوف وتنقض الغزل وتأتى على البنيان احتراف النقد وامتهان الغيبة والنميمة وتتبع العورات وتطاول الألسن وشيوع ذلك وانتشاره واستساغته وعدم استرذاله بحجة تصحيح الأوضاع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هذا الداء العضال ابتليت به الحركات الإسلامية على امتداد الساحة محلياً وإقليمياً ودولياً وكان من نتيجته في كل حين : إحباط النفوس وتصدع الصفوف وفقدان الثقة وانكشاف الضعف أمام العدو . من هنا كان التحذير القرآني والنبوي من هذه الآفة قوياً صارخاً فقال تعالى: { لئن لم ينته المنافقون والذي نفي قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } .

وعن سفيان بن عبد الله رضى الله عنه قال  : قلت يا رسول الله حدثني بأمر اعتصم به قال : ((قل ربى الله ثم استقم )) قلت : يا رسول الله ك ما أخوف ما تخاف على ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال :((هذا )) .

ومن الأمثلة القريبة المعاشة على ما تقدم : أن حركة من الحركات الإسلامية أصيبت بهزيمة سياسية أو عسكرية مما فتح الباب على مصراعيه أمام هذا الداء العضال بدأ بالتلاوم على مستوى القيادة ثم امتد إلى القاعدة حتى نخر بنيتها نخراً ! .

كان هؤلاء لا يتقون الله في أعراض إخوانهم يشرحونهم كما يشرح الطبيب الجثة أو كما يقطع الجزار الدابة من غير تحفظ في التعبير أو أدب في الخلاف أو موضوعية في النقد أو تخير للأطر التي يجب أن تطرح فيها مقولاتهم ناسين قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً } وناسين قول رسوله صلى الله عليه وسلم وتحذيره ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة )) .

فكانت النتيجة أن انشق الصف وتصدع البنيان وأصبح صف الحركة مرتعاً للشيطان ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديان ..

والإمام النووي رحمه الله خصص في كتابه (رياض الصالحين ) بابا أسماه ( باب ما يباح من الغيبة ) فقال:

( اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أبواب ):

الأول : الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب .

الثاني : التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو غيره لإنصافه .

الثالث : الاستفتاء لتحصيل الحق ودفع الظلم .

الرابع : تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم .

الخامس : ذكر الفاسق بما فيه بعد أن يكون مجاهراً بفسقه .

السادس : جواز تعريف الإنسان بلقب معروف به كالعمش والعرج والحول وإذا أمكن تعريفه بغير ذلك أولى .

اهتزاز الثقة بالقيادة

ومن العوامل المساعدة على تصاعد الحركات وحدوث الانشقاقات اهتزاز الثقة بالقيادة بما يجرح جدارتها وأهليتها أو ينال من استقامتها ومصداقيتها لدى القاعدة .

وقد لا يترتب على هذا الأمر شئ خطير وشر مستطير لو أن هذه القيادة أخلت موقعها لغيرها وانسحبت من تلقاء نفسها إذن لسلم البنيان من الأذى والتصدع .

غير أنه في بعض الحيان يكون العكس هو صحيح فيتشبث القائد بمنصبة ويستغل موقعة ابشع استغلال ...فيقيم المحاور ويحرك الصراعات ويديرها ويحول مجاري الخلافات لينجو هو ولو هلكت الجماعة بكاملها !نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وصدق الرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول :(( إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم )).

وفي حالة أخرى قد تكون القيادة فيها مظلومة والخروج عليها محض افتئات وافتراء وتعسف ومع كل ذلك فإنه يحسن بالقيادة أن تحيل القضية إلى جهة ثالثة لفصل الخطاب فتكون بذلك في مأمن من اللوم والعتاب وابعد عن الشبهة والحساب .

إن القيادة كي تبقى بالمعنى الصحيح لا بد وان تكون في منأى عن الشبهات وبخاصة ما يتصل منها بالشؤون المالية وعليها أن تكون الزهد والبعد عن كل ما يشتم منه رائحة النفعية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (( ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس )).

وعن عوف بن مالك رضى الله عنه قال ك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم )).قلنا : يا رسول الله أفلا ننابذهم ؟قال :((لا ما أقاموا فيكم الصلاة )).

نشوء مراكز قوى مختلفة

ومما يتسبب بالشقاق والانشقاق قيام مراكز قوى متعددة في الحركة إضافة إلى ضعف في القيادة يحول بينها وبين ضبط النزاعات وتحقيق التوازنات ولجم النوازع والتطلعات وحسم الخلافات والصراعات .

وأسباب نشوء مراكز القوى متعددة وكثيرة فقد يطغى الجانب السياسي ويتعاظم شأن القائمين به أشخاصاً وممارسات وقد يطغى الجانب العسكري فيتولد في المسئولين عنه شعور العجب والفوقية كما حصل يوماً بالنسبة للجهاز الخاص في مصر وتسبب بأسوأ المشكلات حيث دفعت الحركة بنتيجة ذلك ثمناً باهظاً وكان مدخلاً إلى محنة مريرة عاتية ..

ومن الأسباب وجود عوامل الكبر والغرور في النفوس أو حب العظمة وتسلق جدران الزعامة بأي ثمن فإذا توافق ذلك مع ظرف من الظروف قويت هذه العوامل ونمت وبلغت مرحلة اللاعودة حيث يصاب أصحابها بداء العتو والشموخ الذي أصيب به إبليس حين قال ((أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )).

إن طاعة القيادة في الإسلام من طاعة الله ورسوله بحكم قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } وبحكم قوله صلى الله عليه وسلم ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )).

والطاعة هذه تلزم كل الأفراد على مختلف مواقعهم ومراكزهم ولو كانوا أعضاء في مجلس القيادة حتى يكون مصدر الأمر واحداً ومرجع الطاعة موحداً وإلا تعددت القيادات ونشأت بالتالي مراكز القوى واختل توازن كل شئ ..

وبديهي أن الطاعة المقصودة هي الطاعة بالمعروف لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك )).

ويجوز أن تسحب البيعة من قيادة جاهرت بالكفر والفسوق وانهارت الثقة بها وبات ضررها أكبر من نفعها بإجماع الثقاة من أهل الحل والعقد ممن اختاروها وولوها أما الخروج على القيادة وتشكيل المحاور وإيغار الصدور والتحريض على الفتنة والأذى والعدوان فإنه من مضلات الهوى ونزعات الشيطان وليس له فيشرع الله دليل أو برهان ..

إن حدود اعتراض الأفراد على سياسة ما أو موقف ما يجب أن ينحصر في المجالات التالية:

أ- أن تكتنف مسألة ما بشبهة مما يعرضها للمفسدة فإن على الأفراد في هذه الحالة واجب التبين والتنبيه ليس إلا .

ب- أن يختلف على تقدير تحقق أو عدم تحقق مصلحة ما فهذا وإن كان من حق القيادة فليس من ضير على الأفراد من التنبيه ولفت النظر .

ج- أما حق الأفراد في معصية القيادة وعدم طاعتها فينحصر في حال معصيتها القطعية والثابتة لله وعدم وجود أي مبرر شرعي لمواقفها وممارساتها وقيام الحجة عليها فيذلك .

فعن عبادة بن الصامت قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا ((أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )).

إن لتعميق معاني الطاعة مفاهيم شرعية يجب أن تربى القاعدة عليها ومنها إن من حقوق القيادة المفاضلة بين السياسات الجائزة واختيار ما يتناسب والظروف والمصلحة فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في موقفه من الأسرى يمن على بعضهم ويقتتل البعض الآخر ويفادى بعضهم بالمال وبعضهم بأسرى المسلمين وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة ).

والقيادة لها الحق الشرعي في أن تحارب أو تهادن أو تحالف حسب المصلحة ومقتضى الضرورة شرط أن يكون ذلك بعد تمحيص الآراء والاستشارة .

وللقيادة الخيرة في الأخذ بواحدة من هذه السياسات واستحسان وتفضيل بعضها على بعض بحسب اجتهادها وتقديرها كما على الأفراد أن يلتزموا اختيارات القيادة ولو كانت مخالفة لآرائهم وقناعاتهم إلا أن يروا فيما اختارته القيادة وقررته خروجاً على الإسلام وتعريضاً واضحاً بمصلحة المسلمين ،وعندئذٍ يتعين عليهم مكاشفتها بالدليل الشرعي و الحجة البينة ، وفي حدود آداب التواصي بالحق وأصول النقد المباح .

فشل الحركة أو هزيمتها

ومما يتسبب بالخلاف و الشقاق ، ويفضي إلى الانشقاق :

فشل الحركة في قضية ذات أهمية ، أو انهزامها في معركة ، وبخاصة إذا تمحور السبب بالقيادة ، وكانت أصابع الاتهام مشيرة إليها وحدها ، فهنا تتحرك في النفوس أهواءها ويبتعث ما دفن وعفي عليه الدهر من سقطات وأخطاء ، وكأنها فرصة العمر وسانحة الدهر يجب اهتبالها !

فتنسى في تلك اللحظة المعاني الشرعية كلها ... فلا موضوعية ، ولا تثبت ، وإنما هوى متحكم ونفوس مشرئبة ، وفتنة هائجة يرتع فيها إبليس على هواه و العياذ بالله تعالى ! .

وفي غفلة من النفس ، وانسياق مع الشيطان ينسى الأخ أخاه ، ينسى أن " المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله " ، وأن " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " .

ينسى كل ذلك ويتحول وحشاً كاسراً ينهش إخوانه دون مخافة من الله أو استحياء منه تعالى ... ألا قتل الإنسان ما أكفره ! .

في تاريخنا المعاصر تجربة مرة وقاسية ، اسأل الله أن يخرج أصحابها من الفتنة التي وقعوا فيها قبل أن تمزقهم شر ممزق ، كان السبب المباشر لهذه الفتنة ما سبق وأشرنا غليه ... فقد وقعت بساحتهم هزيمة دفعت الحركة ثمنها باهظاً من رجالها وشبابها ، وكان التلاوم وتبادل الاتهام ، وكان النقد و التجريح ثم ارتفعت وتيرة ذلك إلى الحد الذي ولد الغل و الحقد وكرس انشقاق الصف قاعدة وقيادة و العياذ بالله تعالى .

ولو أن هؤلاء جميعاً التزموا أدب الإسلام في الخلاف لفض لساعته ، ولكنها النفس المارة بالسوء ، النفس التي تنسى في ساعة الغفلة وارتكاس الإيمان كل القيم و التوجيهات القرآنية و النبوية ، وكأنه طبع عليها بالطابع الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " الطابع معلق بقائمة عرش الله عز وجل ، فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئاً " .

جاء في كتاب ( أدب الاختلاف في الإسلام ) ما يلي :

( من خلال استعراضنا لقضايا الاختلاف نلحظ أن الهوى لم يكن مطية أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، وإن الخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحرى الحق ، كانوا يتحاشون الاختلاف وهم يجدون عنه مندوحة ، فهم يحرصون كل الحرص على عدمه ، وحين يكون للخلاف أسباب تبرره يسارعون للاستجابة للحق ، والاعتراف بالخطأ ، دون أي شعور بالغضاضة ، لا يجاوز أحد منهم قدر نفسه ، ولا يغمط حق أخيه ... وكل منهم يرى أن الرأي مشترك ن وأن الحق يمكن أن يكون فيما ذهب غليه ، وهذا هو الراجح عنده ، ويمكن أن يكون الحق فيما ذهب إليه أخوه ، وذلك هو المرجوح ، ولا مانع أن يكون ما ظنه راجحاً هو المرجوح ، ولا شئ يمنع أن يكون ما ظنه مرجوحاً هو الراجح .

كانت أخوة الإسلام بينهم أصلاً من أصول الإسلام الهامة التي لا قيام للإسلام دونها ، وهي فوق الخلاف أو الوفاق في المسائل الاجتهادية .

إن اختلاف الأولين ، و الذي وصل إلى حد الاقتتال ، لم يخرج هؤلاء على أدب الإسلام في الخلاف ، فالخلاف بين على ومعاوية على شدته ، لم يخرج واحداً منهما عن طوره وأدبه ، فقد اخرج أبو نعيم عن أبى صالح قال : دخل ضرار بن صخرة الكنانى على معاوية ، فقال له : صف لي عليا فقال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعفيك ، قال : أما إذا لابد ، فإنه والله بعيد المدى ، شديد القوى يقول فصلاً ن ويحكم عدلاً ، ويتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواصيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ( الدمعة ) طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه ن يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ( خشن ) كان والله لأحدنا ن يدنينا إذا أتيناه ، ويحيينا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له .

فإن يبتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ويحب المساكين ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضاً لحيته ، يتململ تململ السقيم ، ويبكى بكاء الحزين فكأني اسمعه وهو يقول : يا ربنا يا ربنا ، يتضرع إليه ن يقول للدنيا : إلى تعرضت ؟ إلى تشوفت ؟ هيهات هيهات ، غري غيري ، قد بتتك ثلاثاً ( أي طلقتك ) فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق .

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال معاوية ، كذا أبو الحسن رحمه الله ...

وينال أحدهم من أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بمحضر من عمار بن ياسر - الذي كان على غير موقفها يوم " الجمل " فيقول له رضى الله عنه :( اسكت مقبوحاً منبوحاً ، أتؤذى محبوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشهد إنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة لقد سارت أمنا عائشة رضى الله عنها مسيرها وإنا لنعلم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ... ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها ) .

ثانياً : الانهيار الكامل للحركة

وبعض الحركات تتعدى إصابتها حدود الانقسامات والانشقاقات فتصاب بالانهيار الكامل وقد تندثر وتصبح أثراً بعد عين ...

وفي تاريخنا المعاصر حركات قامت ثم بادت .

وأجدنى في هذا المقام أمام حركة قامت في بلدنا ونمت بسرعة عجيبة وذاع صيتها في الآفاق ، ثم ما لبثت أن تهاوت وانفرط عقدها ، ولم يبق من آثارها إلا ما خلفته وراءها من سلبيات على ساحة العمل الإسلامي

ومن فقرات البيان الأول الذي صدر عن هذه الحركة تتضح معالم النهج المعتمد لديها و القائم على المفصلة المعلنة من أول يوم مع كل القوى والأنظمة و التنظيمات ن ودون أن يسبق ذلك إعداد وبناء وضبط وتنظيم لكل المقومات و الطاقات البشرية و التقنية والمنية و العسكرية والاقتصادية و الطبية وخلافها .... مما أقحم الحركة في أتون الصراعات و التصفيات المتلاحقة وافقدها القدرة على التحكم في زمام نفسها وخطاها ومواقفها وسياساتها وتصرفاتها ، وهذا ما جعلها عرضة لردات الفعل المختلفة ، وطعما سهلاً لاستدراج القوى و السياسات المعادية للإسلام ، وبذلك انتهت وحكمت على نفسها بالإعدام ! .

عوامل الضعف في هذه الحركة

تميزت هذه الحركة بخصائص كانت جديدة وملفتة ومثيرة في ظاهرها ، ولكنها كانت مضرة وخطيرة ، بل كانت السبب الذي قوض بنيانها ودك أركانها ، وسنتناول في هذا المقام بعضاً من هذه العوامل على سبيل الدراسة و العبرة :

1- جماهيرية العمل :

اعتمدت هذه الحركة في دعوتها للإسلام النمط الجماهيري ، وصولاً إلى خلق تيار إسلامي عام ، وبتعبير خاص ( نقل الإسلام من الحالة التنظيمية وجعله حالة شعبية ) ... ولقد كان هذا المنحى قاسماً مشتركاً بين أطراف الحركة حتى قبل قيامها ، حيث كان هؤلاء يأخذون على ( الحركة الإسلامية ) تشبثها بالعقد و القيود التنظيمية وتمحور العمل في إطار التنظيم ، علماً بأن هذه الحركة تحولت بعد فترة من قيامها إلى صيغة تنظيمية وبنية حزبية جديدة ...

والحقيقة إن اعتماد السياسة الجماهيرية منذ اللحظة الأولى لنشأة الحركة لم يترك لها مجالاً لتكوين بينتها التنظيمية وأجهزتها العاملة القادرة على ضبط وتوجيه الشرائح الشعبية الملتحقة بها .. والعمل الجماهيري يمكن أن يكن ناجحاً إذا أمكن ضبطه وترشيده واستيعابه ...

ولقد تسبب العمل الجماهيري لدى هذه الحركة إلى ولوج عناصر شتى إلى صفها بل إلى مواقع مهمة وخطيرة فيها ..

- من هؤلاء من ليس لديه أدنى فهم للإسلام حتى ما ينبغي أن يعرف من الدين بالضرورة ..

- ومنهم من دخل الحركة لغاية ما في نفسه مادية أو سياسية أو أمنية الخ ...

- ومنهم من كان عيناً على الحركة برصد حركاتها ويستطلع أسرارها ويسبر أغوارها ...

وهكذا أصبح جمهور الحركة خليطاً متناقضاً متفاوتاً في ولائه للإسلام ولحركة مما جعل الجماهيرية ) عبئاً على الحركة وعامل إيذاء يومي لها ولسمعتها ...

2- الاهتمام بالشعار :

إن النمط الجماهيري في العمل يعتمد عادة على الشعار أكثر من المضمون وذلك لسهولة نقله وتداوله والحركات التي لا تتمكن من تحويل الشعار إلى مضمون وترجم الشكل إلى محتوى تفقد قيمتها وفاعليتها تكون بالتالي أعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى والبعيدة

والإسلام ركز اهتمامه على المضمون والمحتوى من غير إغفال للشعار والشكل وكما أنه حرص على تحقيق نصاعة ونظافة المظهر والجوهر إلا أنه اختص الجوهر باهتمام أكبر فمن قوله تعالى { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم الآية } ومن قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم )).

والحركة هذه أولت الشعار الاهتمام الأكبر ولم تتمكن من ترجمة الشعار إلى فعل عمل يومي يراه الناس ويلمسونه .. بل كان العمل في كثير من الأحيان مخالفاً للشعار متعارضاً مع المظهر .. وكان هذا من أشد عوامل الهدم في جسم الحركة ....

إن مئات من الرايات الإسلامية والشعارات الإسلامية والملصقات الإسلامية ليست هي السبيل لتحقيق التغير الإسلامي وإقامة حكم الله في الأرض ما لم يتم ترجمة مضمون هذه الرايات والشعارات والملصقات في واقع حياة الناس وأخلاقهم وقوانينهم .

3- الاهتمام بالكم :

من الأمراض الفتاكة التي تصيب الحركات عموماً والتي أصابت هذه الحركة انشغالها بالكم عن الكيف وانصرافها إلى توسعة رقعة انتشارها بدل تركيز هذا الانتشار وتأصيله وتجذيره ...

والإسلام على عكس هذا تماماً فقد اهتم بالنوع لا بالعدد وشغل باستنهاض القيم في الإنسان والارتقاء به في مدارج الكمال البشرى ولم يكن همه يوماً تكديس الأفراد للوصول إلى رقم أكبر .

ويوم بدر انتصرت النوعية الجيدة على قلتها بينما انهزمت الكثرة في حنين حيث خالطها شئ من رياء ليتأكد من ذلك أن النصر للمؤمنين ولو كانوا قلة وأن وراثة الأرض لعباد الله الصالحين { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } .

ولم يكن الكم يوماً إلا عبئاً على الحركة الإسلامية لأن الكم مرتبط دوماً بمتاع الحياة الدنيا حيث وصفه في قول الله تعالى { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ..}

ومن هنا يمكن ن نفهم سر انتقاء الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله للقادة الأربعة الذين أرسلهم لمساندة عمرو بن العاص يوم فتح مصر حيث كتب له قائلاً ( إني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل رجل منهم مقام الألف : الزبير بن العوام والمقداد بن عمر وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد واعلم أن معك اثني عشر ألفاً ولا تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة ).

4- غلبة الاهتمام العسكري :

ومن الظواهر التي اتسمت بها هذه الحركة غلبة الاهتمام العسكري لديها على أي اهتمام آخر ..

وهذا ما دفع بالشباب اليافع والمراهق الذي يهوى حمل السلاح إلى الالتحاق بالحركة بل هذا ما أغرى حملة السلاح وتجاره من قبضايات الأحياء وأصحاب السوابق والمنافع المختلفة بركوب الموجة والاحتماء بغطائها والضرب بسيفها ..

والحقيقة أن القوة العسكرية سلاح ذو حدين إن لم يضبط ويحسن استعماله كان وبالاً على صاحبه وبخاصة إن كان هذا السلاح بيد غير أمينة ومع أناس لا يخافون الله ولا يتقونه ..

لقد تسببت هذه الظاهرة بممارسات شاذة على الساحة الإسلامية حيث استخدمت القوة العسكرية في الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم ووظفت في سبيل تحقيق المصالح والمنافع الشخصية فكم من بيوت أخليت بقوة السلاح وكم من عقارات اشتريت بأثمان بخسة بقوة السلاح وكم من (خوات ) فرضت على الأفراد والمؤسسات بقوة السلاح وكم من كرامات ديست ومقامات أهينت بقوة السلاح

ثم إن امتلاك القوة العسكرية قبل امتلاك القوة الإيمانية والكفاءة الخلقية والوعى السياسي والانضباط التنظيمي مدخل نفسي إلى كل الآفات النفسية كالعجب والغرور والاستعلاء وهي من الصفات التي يجب أن ينأى الإنسان العادي عنها فكيف بمن نصب نفسه داعية للإسلام وعاملا على ساحته؟؟

والحركة التي تسكرها مظاهر القوة وتخدعها الأعداد الكبيرة من المؤيدين تندفع بغير وعى إلى امتلاك الساحة والتحكم فيها وإخلائها من كل قوة أخرى ولو كانت إسلامية !!! ذلك أن الحركة ذات النزعة العسكرية تحرص على الانفراد بساحة العمل وعلى تصفية كل المنافسين ولو كانوا حلفاء مرحلة أو أنصار قضية .

من هنا لا بد للقوة العسكرية من أن يحكمها الشرع ويلجمها العقل وهو ما عبر عنه الإمام الشهيد حسن البنا في معرض كلامه عن موقع القوة في موقع الحركة حيث قال : (أما القوة الإسلامية في كل نظمه وتشريعاته .. والإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء ولابد أن يعملوا في قوة ولكن الإخوان أعمق فكراً وأبعد نظراً من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر فلا يغوصوا إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها فهم يعلمون أن أول درجات القوة قوة العقيدة والإيمان ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً وأنها إذا استخدمت الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك ..

هذه نظرة ونظرة أخرى : هل أوصى الإسلام والقوة شعاره باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال ؟ أم حدد لذلك حدوداً واشترط شروطاً ووجه القوة توجيهاً محدوداً ؟ .

ونظرة ثالثة : هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي ؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون ؟ .

5- علانية كل شئ :

ومن الأخطاء التي ارتكبت على الساحة الإسلامية من قبل الحركة هذه العمل بعكس قاعدة (ليس كل ما يعلم يقال ) بل بسياسة( التفكير بصوت عال ) وبسياسة كشف كل المواقع الأهداف والخطوات القريبة والبعيدة وهذا كله مخالف للنهج النبوي الذي كثيرا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله :(( استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى هذه المعاني منها : وصية يعقوب عليه السلام لبنيه { وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله شيئاً } وهذه إشارة من نبي من أنبياء الله إلى ضرورة الأخذ بكل أسباب الحيطة والحذر وعدم كشف القوى والأشخاص والأمثل في كل الأحوال الالتزام بقاعدة(علانية العمل وسرية التنظيم ) وصدق الله تعالى حيث يقول { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً } .

والحقيقة أن سياسة العمل في نقطة الضوء أو بالعبارة الدارجة(على المكشوف ) أدت إلى كشف وتعرية ساحة العمل الإسلامي مما ساعد على رصدها ومعرفة تفصيلات تحركاتها واستكشاف رجالها وقياداتها وقواها جميعاً فكل شئ أصبح على السطح وعبر وسال الإعلام دون أدنى تحفظ وهذا بالنتيجة خطره كبير وشره مستطير ولقد أكدت الأيام الأحداث صحة ذلك ولكن بعد فوات الأوان وخراب البصرة .

6- انعدام الوعي السياسي :

قد يظن بعض الجهال أن الإيمان يغنى عن الأخذ بالأسباب وعن الوعي السياسي وعن التدبر والتبصر في الأمور ... والحقيقة أن الإسلام يدفع ويحض على الأخذ بكامل الأسباب ومنها الوعي واستكشاف الآفاق واستشفاف ظواهر الأمور وبواطنها ..

والحركة التي لا تمتلك الأجهزة والقدرات اللازمة التي تعينها على عمق النظر في القضايا وعلى بعد النظر في الأمور من أجل استكشاف أبعاد وآفاق السياسات والمواقف والمواقع والصراعات المحلية والإقليمية والدولية وعلى معرفة موقع كل حدث مما يجرى على هذه الساحات والمستويات جميعاً هي حركة لن يكتب لها الحياة ولن يحالفها التوفيق ولن تكون في خير وعافية خاصة وأننا في عصر غدت فيه مصالح الدول والنظم والأحزاب والمؤسسات والأشخاص متشابكة متداخلة وعملية التفكيك والتحليل واستخلاص النتائج ليست بالأمر السهل وتحتاج إلى جهود وإمكانات جبارة .

والحقيقة أن هذه الحركة لم يكن لديها هذا الأفق السياسي وهذه المرجعية الذاتية التي تعينها على تقصى الحقائق وتحديد التوجهات والسياسات السليمة الصحيحة وهذا ما جعلها تقع في كثير من التناقضات في المقولات والمواقف والتصرفات ...

وحسبي أتناول في هذه العجالة بعضاً من هذه السياسات التي إن دلت على شئ فإنما تدل على ضآلة في الوعي السياسي وعلى قصر نظر ...

أولاً : أعلنت الحركة عداءها لكل الأنظمة والدول والتنظيمات والأحزاب دفعة واحدة وقبل أن تكون بنيتها وإمكاناتها قادرة على مواجهة ردود الفعل والتحدى من واحدة من هذه القوى فكيف بها مجتمعة ؟ (راجع الوثائق ).

ثانياً : شنت الحركة هجوماً على نظام معين تجلى ذلك في خطب وتصريحات وبيانات متعددة ثم عادت بعد ذلك تهاون وتلاين بل وتمتدح وتطرى . ( راجع الوثائق )

ثالثاً : عارضت الحركة بقوة وعنف فكرة تولى الجيش للأمن وقامت من ذلك بعدد من التصرفات العنفية لمنع الجيش من النزول ثم ما لبثت أن وافقت ورحبت (راجع الوثائق ) .

رابعاً : تحالفت الحركة مع زعيم فلسطيني واشتركت معه في غرفة عمليات واحدة ثم ما لبثت أن شنت عليه حرباً شعواء ووصفته بالخائن والعميل ( كذا)! (راجع الوثائق ) .

خامساً : أعلن أمير الحركة عن استعداده لحل القضية اللبنانية ولكن دون أن يقدم بين يدي ذلك أي مشروع بهذا الخصوص إلا إذا استثنينا الطرح المبدئي للإسلام وأنه البديل والقادر على حل مشاكل البشرية جمعاء ... (راجع الوثائق ).

سادساً : تصورت هذه الحركة أن إقامة الحكم الإسلامى أمر جد بسيط وأن ذلك لا يحتاج لأكثر من قوة مسلحة وشعارات ورايات وأمراء يحكمون الشوارع إضافة إلى عدد من السجون والتعاونيات الاستهلاكية ولقد فاتها أن الحكم الإسلامي يجب أن يسبقه تغيير جذري للواقع الجاهلي وأن يمهد له ويساعد عليه قيام بيئة قادرة على احتضان حركة التغيير الإسلامي وعلى الدفاع عنها وعلى إمدادها بكل متطلبات الصمود والاستمرار ...

إن الحكم الإسلامي لا يمكن تحقيقه في مدينة مطوقة عسكرياً محاصرة اقتصادياً معزولة جغرافياً !! بل إن مجرد التفكير في إقامة حكم إسلامي في مدينة من المدن أو شارع من الشوارع ضرب من العبثية والسطحية (راجع كتاب التغيير الإسلامي سماته ومستلزماته ).

7- اختصار الزمن :

ومن السمات البارزة في أساليب وطروحات هذه الحركة أنها كانت حريصة على اختصار الزمن في عملية التغيير الإسلامي .. علماً بأن عامل الزمن له قيمته وأهميته في أية عملية تغييرية أو حتى خطوة تصحيحية فما تحتاج إلى عشر سنوات لا يمكن اجتزاؤه بسنة وما يحتاج إلى مائة عام لا يجوز اختصاره بعشرة أعوام ! .

والتغيير الإسلامي بصورة خاصة ليس عملية تجميلية أو شكلية وإنما هو استبدال واقع بواقع بكل ما في هذا الواقع من مرتكزات عقائدية وفكرية وتشريعية وقانونية وخلقية وحضارية وعملية كهذه ينتظر أن تقف كل قوى الجاهلية في العالم دون تحقيقها ونجاحها يجب أن تأخذ مدارها من الإعداد وحاجتها من الاستعداد ...

وكل مطلع على المشاريع والسياسات التي يعتمدها أعداء الإسلام من حركات صهيونية وصليبية وشيوعية لتحقيق أهدافهم وغاياتهم يلحظ مدى عناية هؤلاء بعامل الزمن فيرون أن الهدف الذي قد يستحيل تحقيقه اليوم يمكن أن يكون مستطاعاً بعد ذلك وأن المشروع الذي يصعب الوصول إليه وإقامته اليوم قد يسهل غداً وذلك لاعتبارات كثيرة منها : توفر مزيد من الإعداد والتحضير وتوقع مزيد من الظروف المناسبة وامتلاك مزيد من المعطيات المساعدة ..

والإمام البنا أشار إلى هذه الناحية في رسالة المؤتمر الخامس حيث قال ( أيها الإخوان وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم .. اسمعوها منى كلمة عالية مدوية  : إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعية حدوده ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت بها كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول .. أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة تصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة ...) .

ويقول الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق : (ثم نقول لهؤلاء المستعجلين : هل تظنون أن التربية كالصناعة المادية حيث تصنع الخامة من المعدن أو القطن أو الصوف في جانب من المصنف لنتلقاها في جانب آخر سيارة وثلاجة وقماشاً ؟؟.

وهذا خطأ كبير لأن التربية الإنسانية الفعلية بطيئة بطء النمو الجسماني فتربية الأفكار والعقائد وآداب السلوك يحتاج من الزمن ما يحتاجه النمو الجسمانى وأكثر .

ومثل المستعجلين في التربية كمثل من يريد جنيناً بشرياً في أقل من تسعة أشهر ومن يريد إخراج رجل كامل في أقل من السنين التي تستلزم ذلك .

والحال إننا نحتاج لنعيد الأمة إلى جادة الحق وصراط الله إلى عدد من السنين يناسب الوقت الذي في مثله يتربى الجيل ) .

خاتمة

خاتمة الكتاب

في نهاية هذا الكتاب أود أن أخلص إلى القول بأن التربية الإسلامية الأصيلة تربية وقائية كما تبين لنا بالدليل والحجة عبر رحلتنا القصيرة في هذا لكتاب ...

وإنني أتمنى على المربين والقائمين على الشؤون التربوية في كل مكان ـ أن يولوا هذا الموضوع أهمية خاصة لعل في ذلك ما يعين بعون الله على رأب الصدع ومعالجة الخلل وتحصين الساحة الإسلامية أفراداً وجماعات من الظواهر المرضية والانحرافات السلوكية والحركية .

إنني أقترح على الجهات المتخصصة حركية ورسمية أن تعبد النظر في مناهج تربيتها والسياسات التربوية التي عندها في ضوء فرضية اعتماد النهج الوقائي في شتى المجالات التربوية والحركية .

{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }

صدق الله العظيم

وصلى الله على رسوله لكريم وعلى آله وصحبه وسلم .