التأصيل الشرعي للعمل السياسي للمسلمين في أوروبا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٣١، ٣ أغسطس ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التأصيل الشرعي للعمل السياسي للمسلمين في أوروبا


بقلم / المستشار الشيخ فيصل مولوي


المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

يعيش في أوروبا الآن أكثر من ثلاثين مليون مسلم يتوزّعون إلى مجموعات ثلاثة :

1-المسلمون الأصليون وهم شعوب البوسنة وألبانيا وكوسوفا ومقدونيا وبلغاريا ، وأعداد قليلة من الشعوب الأوروبية الأخرى الذين اعتنقوا الإسلام .

2-المسلمون من أبناء البلاد الإسلامية الذين هاجروا إلى أوروبا لأسباب مختلفة ، واستقرّوا فيها بصورة دائمة ، وحصل بعضهم على جنسية أوروبية ، أما أولادهم فهم جميعاً أوروبيو الجنسية .

3-المهاجرون من البلاد الإسلامية ممّن لم يحصلوا على الجنسية الأوروبية ، وهؤلاء قد تكون إقامتهم دائمة أو مؤقتة ، وهم يشكّلون الشريحة الأقلّ عدداً والتي لا تزيد عن عشر العدد الإجمالي للمسلمين .

هؤلاء المسلمين يعودون في أصولهم إلى أعراق مختلفة ، وإلى ثقافات متنوعة ، وإلى مذاهب متعددة ، فالخلافات بينهم كثيرة ومتشعبة ، لكن وجودهم في أوروبا يفرض عليهم جميعاً ظروفاً جديدة وتحديات كبيرة لا يمكن مواجهتها إلا بتجاوز الخلافات القديمة ، مع الفهم العميق للمجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه ، ومع فقه متجدد يلتزم بالثوابت ويعالج الواقع .

إن المسلمين يتعرضون إلى محاولة تذويبهم تحت ستار الاندماج ، في الوقت الذي لا تزال أكثر الدول الأوروبية لا تعترف بالإسلام اعترافاً قانونياً ، ولا تعامل المجموعة الإسلامية كشريحة شرعية معترف بها ،وإن كانت جميع هذه الدول تتعامل مع المسلمين بقدر من التسامح يزيد أو ينقص .

إن هذا البحث يهدف أولاً إلى تأصيل العمل السياسي الإسلامي بشكل مطلق ، ثم إلى تأصيله بالنسبة للمسلمين في أوروبا ، مع بيان الحكم الشرعي في أهم المسائل السياسية المطروحة عليهم .

الفصل الأول : التعريف والشرح

المبحث الأول : معنى السياسة لغة :

السياسة : القيام على الشيء بما يصلحه (1) . وهي مشتقّة من السوس وهو الرئاسة . وإذا رأَّس القوم أحدهم قيل : سوَّسوه . وفي الحديث : « كَانََ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسُوسُهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ » (2) . وساس الدّابة : يسوسها سياسة قام على شؤونها وروّضها . وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تخدم الزبير – زوجها – « وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ كُنْتُ أَسُوسُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْخِدْمَةِ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ » (3) . وساس الأمر سياسة إذا دبَّره . قالت عائشة عن حديث الإفك : « ... وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسُوسُهُ وَيَجْمَعُهُ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ... » (4) .

فالسياسة في اللغة تدلّ على تدبير الأمور ، وهي تتعلّق بالفرد وبالجماعة .

فلكلّ إنسان سياسته في تدبير أموره الخاصة من إشباع حاجاته ، أو استيفاء حقوقه ، أو القيام بواجباته ، أو تدبير معاشه . ولكل جماعة سياستها في تدبير شؤونها وفي التعامل مع الجماعات الأخرى .

المبحث الثاني : معنى السياسة في الاصطلاح العام :

السياسة في الاصطلاح هي تدبير شؤون الجماعة من الناس .

-عرّفها المقريزي بأنها : ( القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال ) (5) .

-وعرّفها البجيرمي بأنها : ( إصلاح أمور الرعية ، وتدبير أمورهم ) (6) .

-وعرّفها أندريه هوريو بأنها : ( البحث عن الصالح والمفيد للمجتمع ) (7) وهذا يشمل أساساً المجتمع المحدد في إطار دولة معيّنة ، كما يشمل أنواعاً أخرى من المجتمعات كالأحزاب والنقابات والكنائس والجماعات وغيرها فكلّها ظاهرات ذات طابع سياسي .


المبحث الثالث : معنى السياسة في الاصطلاح الشرعي :

أطلق العلماء على السياسة عدّة أسماء اصطلاحية

-فسماها بعضهم : ” الأحكام السلطانية “ (8) .

-وسماها غيرهم : ” السياسة المدنية “ (9) .

-لكن الاصطلاح الذي ساد وانتشر هو : ( السياسة الشرعية ) وقد بدأ به ابن تيمية ثم ابن القيم ثم انتشر بين العلماء حتى أصبح في هذا العصر عنواناً لكثير من الكتب المنشورة : ( عبد الرحمن تاج ، عبد الوهاب خلاف ، يوسف القرضاوي وغيرهم ) .

وقد اختلف العلماء في تعريف السياسة الشرعية :

-فقال الغزالي وابن عابدين هي : ( استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة ) (10) .

-وعرّفها ابن نجيم بأنها : ( فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد في ذلك الفعل دليل جزئي ) (11) .

-ويفرّق ابن خلدون بين السياسة بالمعنى العام ويسمّيها السياسة العقلية ، وهي القوانين التي يفرضها العقلاء لانتظام الاجتماع البشري ، ويعتبر الملك السياسي هو : ( حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ) .

أما السياسة الشرعية عنده فهي : ( مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها ، وهي نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ، لذلك فهو يعتبر مهمّة الخلافة : ( حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية ) ويعرّفها بأنها : ( خلافة من صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ) (12) .

انطلاقاً من ذلك ، فإني أرى تعريف السياسة الشرعية بأنها :

( تدبير شؤون الجماعة وفق الأحكام الشرعية )

بهذا التعريف نكون قد نظرنا إلى حاجة كل الجماعات المسلمة إلى تدبير شؤونها وفق أحكام الشريعة الغرّاء .

فإذا كانت الجماعة المسلمة مثلاً حركة صوفية تحصر نشاطها في التعبّد والتزكية ولا تتدخّل في الحركة السياسية ، وإذا كانت حركة جهادية تحصر نشاطاتها في قتال المحتلّين ، وإذا كانت جمعية خيرية تحصر نشاطها في إغاثة المحتاجين ، فهي في هذه الحالات وفي غيرها تعمل في إطار سياسة اختارتها .

وهي لا تستطيع أن تختار أي سياسة إلاّ إذا كانت متوافقة مع أحكام الشرع . ولذلك فمن الواجب أن تخضع أي جماعة إسلامية لأحكام السياسة الشرعية .

وحتى توصف السياسة بأنها شرعية فإنها لا بد أن تستمدّ من الأحكام الشرعية ، أو على الأقلّ أن تكون متوافقة معها .

والأحكام الشرعية ليست هي ظواهر النصوص ، وإنما هي فهم علل النصوص ، ومعرفة مقاصدها ، وفهم واقع الناس ومعرفة مصالحهم ، إذ لا يمكن لمن يجهل واقع الناس أن يدبّر شؤونهم ، ولا يمكن لمن يجهل علل النصوص ومقاصدها أن تكون سياسته في تدبير شؤون الناس شرعية وصائبة .


المبحث الرابع : السياسة في العصر الحاضر :

بعد التطوّر الكبير الذي عرفته المجتمعات البشرية ، عادت السياسة إلى معناها الشامل ، وهو تدبير شؤون الجماعة ، وأصبح لها في هذا المجال آفاق واسعة نذكر منها :

1-إذا كان الجماعة تشكّل دولة بالمعنى الدستوري ، فإن تدبير شؤونها يعني أولاً إيجاد السلطة التي تقوم بذلك .

وفي هذا المجال فإنّ جميع دول العالم اليوم تحدد في دساتيرها آلية انبثاق السلطة ، وتقسّمها إلى سلطات ثلاث لتمنع الاستبداد الذي يظهر عند تجميع السلطات في يد واحدة .

كما أن أكثر الدساتير اليوم يجعل السلطة مؤسسة جماعية بعد أن كانت سلطة فردية ، وهذا يحتاج إلى تنظيم تفصيلي يضمن فعالية المؤسسة في القيام بواجبات السلطة .

وانطلاقاً من حقّ كلّ مواطن في أن يكون له رأيه في تدبير شؤون الدولة التي ينتمي إليها ، جاء تشريع الأحزاب السياسية التي تحدد نظرتها إلى السلطات وإلى ممارسة واجباتها في تدبير شؤون الناس ، وتنشط للحصول على تأييد الجماهير لها للوصول إلى السلطة .

وحتى تستطيع هذه الأحزاب أن تنجح في مهمتها كان لا بدّ من تشريع وجودها وحماية حريتها وتمكينها من التعبير عن أهدافها ومطالبها من خلال وسائل الإعلام الحديثة .

لذلك نقول أن السياسة الشرعية في هذا العصر لا بدّ أن تتناول كلّ هذه المسائل فهي أساس الحياة السياسية اليوم ، بل لا بدّ أن نتناول هذه الموضوعات بما ذكره فقهاؤنا من أحكام تناسب زمانهم .

أو أن نغفلها بشكل كامل لأنّ فقهاءنا لم يتعرّضوا لها .

2-إذا كانت الجماعة تتألّف من شريحة معيّنة تعيش في إطار دولة تتوافق معها في المبادئ الأساسية فهي تتحرّك وفق القوانين المتعلّقة بها . وليس في حركتها إشكال ذا بال ، وذلك كالأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات وأمثالها . وكلّ منها لها أهداف محددة تسعى لتحقيقها ، ولها سياسة معيّنة تلتزم بها .

3-أما إذا كانت الجماعة تتألّف من شريحة دينية معيّنة – كالمسلمين مثلاً – وتعيش كأقلية في بلاد غير إسلامية ، فإنّ هذا الواقع يطرح عليها إشكاليات كثيرة فيما يتعلّق بتعاملها مع المجتمع ومع الدولة ، وتحتاج إلى تأصيل جديد لأنّ ظروف مثل هذا الواقع اليوم اختلفت بشكل كبير عن الظروف التي عاشها المسلمون في القرون الماضية . وهذا ما سيكون موضوع هذا البحث .

المبحث الخامس : العمل السياسي الإسلامي :

من المعروف أن الإسلام ، وهو رسالة الله تعالى التي بُعِثَ بها محمد r إلى العالمين ، هي منهج حياة كامل يبدأ برعاية الفرد وتصحيح عقيدته وتزكية أخلاقه وتنظيم عمله في عمارة الأرض ، ثمّ يصل إلى رعاية الأسرة منذ نشوئها وتنظيم العلاقات بين الزوجين ، وبينهما وبين الأولاد ، أثناء قيام الزوجية ، وبعد الفراق ، وتنظيم ما ينتج عن الزواج بعد الوفاة .

كما يتناول شؤون الجماعة ، وتنظيم أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وترتيب علاقاتها مع الجماعات الإنسانية الأخرى . قال تعالى : ) ... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( [ النحل : 89 ] .

انطلاقاً من هذا الأمر ، المسلَّم به عند المسلمين وعند غيرهم ، تدخل السياسة بجميع معانيها اللغوية والاصطلاحية في منهج الإسلام ، فسياسة الفرد هي أسلوب تعامله مع نفسه وربّه والآخرين ، وسياسة الجماعة هي تنظيم شؤونها . فليس هناك إسلام سياسي وإسلام غير سياسي . بل هذا إسلام واحد السياسة جزء منه .

المبحث الخامس : الموقف أو الرأي السياسي :

من طبيعة المسلم ، بل من طبيعة أي إنسان أن يكون له رأي أو موقف تجاه كل حدث يعلم به ، حتى ولو كان الحدث لا يؤثّر عليه .

عندما يسمع الإنسان باعتداء يقع على أبرياء في فلسطين أو في العراق أو في أمريكا أو أوروبا أو آسيا أو أي مكان فإنّه يتألّم ويستنكر هذا الاعتداء . إنه موقف سياسي قد لا يترتّب عليه عمل ، لكنّه يعبّر عن الفطرة عند الإنسان السوي ، ويعبرّ عن حقيقة الإسلام عند المسلمين .

الموقف أو الرأي هو الفكر السياسي لكلّ مسلم ، في أي مكان وتحت أي ظرف كان ، وهذا رسول الله r في مكة المكرّمة يعاني من المشركين كلّ أنواع التعذيب والإيذاء والضغوط ، وتقع حرب ضروس بين فارس والروم ، فيتنـزل عليه القرآن يتحدّث عن الواقعة ، ويبيّن للمؤمنين موقفهم منها .

قال تعالى : ) الم % غُلِبَتِ الرُّومُ % فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ % فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ % بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( [ الروم : 1-5 ] .

قد يكون موقف المسلم إيجابياً من الحدث ، تأييداً أو معارضة ، وقد يكون سلبيّاً يعبّر عن اللامبالاة . في جميع الحالات هذا الموقف يجب أن يكون ملتزماً بالضوابط الشرعية ، فإذا أحبّ المسلم أو أبغض فيجب أن يكون حبّه وبغضه لله .

وإذا أيَّد أو استنكر فيجب أن يكون تأييده أو استنكاره في حدود الحقّ والعدل .. وهكذا .

المبحث الخامس : العمل السياسي :

هناك فرق كبير بين أن يقدّم الإنسان رأياً سياسياً ، أو يعلن موقفاً من حدث معين ، وبين أن يكون له عمل سياسي .

فالعمل السياسي يقتضي أن يكون هناك مشروع سياسي له أهداف محددة ، وأسلوب معيّن لتحقيق هذه الأهداف ، ووسائل تساعده لتحقيق الأهداف .

قد يكون للإنسان رأي معيّن في الحاكم ، كأن يعتبره مستبداً ، أو فاشلاً في سياسته الاقتصادية ، وقد يعلن هذا الرأي ، لكن هذا لا يكفي لاعتباره عاملاً في الحقل السياسي .

أما إذا وضع مشروعاً لإزاحة هذا الحاكم ، أو للضغط عليه حتى يغير سياسته الاقتصادية ، أو لمحاولة إقناعه بذلك ، فهو في هذه الحالة يعتبر قائماً بعمل سياسي .

وهذا ما يفعله الزعماء السياسيون والأحزاب السياسية ، وربما بعض مؤسسات العمل الأهلي التي تتصدى أحياناً للعمل السياسي .

بناءً على ذلك فإنّ العمل السياسي الإسلامي في العصر الحاضر هو العمل الذي تقوم به مجموعة إسلامية ، عندما تحدد مشروعها السياسي ، وأسلوب عملها لتحقيق هذا المشروع .

الفصل الثاني : المسألة السياسية في الإسلام

الإسلام منهج حياة . وهو بهذا المعنى يعتبر رسالة دينية ( بالمعنى الضيق للدين ، أي العبادات والأخلاق ) ، ومشروعاً سياسياً ( بالاصطلاح المعاصر ) يهدف إلى إصلاح المجتمعات الإنسانية لتكون قادرة على تحقيق المهمّة التي كلّف الله بها الإنسان ، وهي الخلافة في الأرض وعمارتها .

منذ بُعث محمد رسول الله r في مكّة المكرّمة ، كان تركيزه على دعوة الناس للإيمان بالله تعالى وعبادته . لكن المشروع السياسي لم يكن غائباً عنه أبداً ، وكان له هدف واحد هو : تبليغ الدعوة .

وقد استعمل أسلوب السرية في السنوات الأولى حتى لا يستثير الخصوم ، ثمّ جهر بالدعوة واستعمل أسلوب الموعظة الحسنة والإقناع ، ثم لما تألّبت قريش عليه ولجأت إلى الضغط والحصار والتعذيب وحتى القتل ، كانت سياسته : الإصرار على الدعوة وعدم المواجهة المادية : ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ... ( [ النساء : 77 ] .

وأخيراً ، وعندما يئس من استجابة قريش لدعوته توجّه إلى القبائل الأخرى ، سواء بالخروج إلى ديارها كما فعل عندما توجه إلى الطائف ، أو بالاتصال بمن يأتي إلى مكّة زائراً كما فعل مع أهل المدينة وغيرهم . وكان يطالب الجميع بالحماية حتى يستطيع تبليغ دعوته للناس . كلّ ذلك يؤكّد أن المشروع السياسي لرسول الله r وللمسلمين في مكة كان يرتكز على تبليغ الدعوة .

كانت الهجرة المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة انتقالاً بالرسالة الدينية من مرحلة العقيدة والبناء الفردي ، إلى مرحلة التشريع وبناء المجتمع .

وكانت الهجرة أيضاً انتقالاً من مشروع سياسي ( هدفه تبليغ الدعوة ) إلى مشروع سياسي آخر تنوعت أهدافه ، من بناء المجتمع الإسلامي الجديد في كيان سياسي مستقل ، إلى تنظيم علاقاته مع الجماعات الأخرى ، سواء في المدينة ( اليهود والمنافقون ) ، أو في الجزيرة العربية ( قريش والقبائل الأخرى ) ، أو خارجها في بلاد الشام وفارس ، ودون أن ننسى أن تبليغ الدعوة بقي محوراً أساسياً في المشروع السياسي الإسلامي ، وهذا ما تجلى في المعاهدات والحروب والرسائل إلى الملوك مما يعتبر أعمالاً سياسية واضحة .

في المدينة المنورة أصبح المسلمون جماعة مستقلة ، تعيش في نطاق كيان سياسي لها فيه سلطة كبيرة ، وإن لم تكن مطلقة ( لوجود اليهود معهم ) .

ولم تعد الرسالة الدينية تتركّز على الدعوة للإيمان ومكارم الأخلاق والعبادات فقط ، وإنما توسّعت لتنظم حياة الجماعة الإسلامية في مرحلتها الجديدة ، فنـزلت آيات الأحكام تنظّم شؤون المجتمع الإسلامي الوليد ، ابتداءً من العائلة وما يتعلّق بها من زواج وطلاق ومواريث وغيرها ، إلى شؤون المجتمع الاقتصادية ، والعلاقات القبلية ، وصولاً إلى تنظيم علاقات السلم والحرب مع الآخرين . ولم يكن المسلمون بحاجة إلى تنظيم شؤون السلطة التي تقودهم ، فقد كان رسول الله r يجمع في شخصيته صفتين أساسيتين :

1- أنه رسول الله الذي يحمل إلى الناس رسالة الإسلامٍ .

2- وأنه في حياته ، وبصفته رسول الله فهو القائد والحاكم وصاحب السلطة السياسية .

وكان المجتمع العربي على درجة كبيرة من البدائية ، يعتمد الحياة القبلية حيث يتمتّع شيخ القبيلة بجميع السلطات .

ولأن الإسلام رسالة الله الخاتمة إلى يوم القيامة ، فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يكون فيها أحكام تفصيلية تتناول تنظيم مسائل السلطة ، واكتفت بتحديد المبادئ الأساسية التي يمكن في ضوئها صياغة التشريعات الدستورية حسب الحاجة ، وبما يتناسب مع تطوّر المجتمعات البشرية .

بعد وفاة رسول الله r ، اكتملت الرسالة الدينية : ) ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا ... ( [ المائدة : 3 ] . وانحصر دور المسلمين فيها بعد ذلك بالفهم والتعليم والاجتهاد ضمن ضوابط أصول الفقه .

أما المشروع السياسي فقد ظهر أمامه تحدّ كبير ومن نوع جديد ، هو المحافظة على الكيان السياسي الذي أوجده رسول الله r للمسلمين .

وهذا يقتضي أولاً تحديد من يخلف الرسول r في ممارسة السلطة ، وكيف يمارس هذه السلطة ، وما هو دور الأمّة في ذلك .

واستطاع المسلمون بسرعة أن يختاروا أبا بكر t خليفة لرسول الله r ، وأعلن هو كيف سيمارس السلطة : « الضعيف فيكم قويّ عندي حتى آخذ له الحقّ ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحقّ . أطيعوني ما أطعت الله فيكم ... » .

وتأكد دور الأمة في الشورى من حيث المبدأ وإن لم تتضح أحكامه التفصيلية . ثم تمّ اختيار عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب y على قاعدة الشورى ، مع اختلاف في كيفية الاختيار ، إلى أن تحوّلت السلطة بعد ذلك إلى ملك وراثي تنافست عليه القبائل المختلفة ، وضاعت عنده حقيقة الشورى .

لكن المشروع السياسي الإسلامي ، رغم تعرّضه لبعض الفشل كان أكثر نجاحاً في محاوره الأخرى ، وقد استطاع المحافظة على الكيان السياسي للأمة الإسلامية ، وعلى قيامها بواجب الدعوة ، وعلى احتكامها للشريعة الإسلامية ، وعلى تطوّر أحكامها الفقهية ، إلى أن انهارت الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وفي بداية القرن العشرين .

يتبيّن من هذا العرض أن المسألة السياسية لصيقة الصلة بالإسلام ولا يمكن فصلها عنه . وقد عبَّر عمر بن الخطاب t عن هذا الأمر أحسن تعبير حين قال : « ... ُ لاَ إِسْلاَمَ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ ، وَلاَ جَمَاعَةَ إِلاَّ بِإِمَارَةٍ وَلاَ إِمَارَةَ إِلاَّ بِطَاعَةٍ ... » (13) . فالإسلام لا يكتمل إلا بجماعة تلتزم به وتدعو إليه . ولا جماعة إلاّ بإمارة وسلطة تقودها ، ولا سلطة إلاّ إذا خضع لها الناس وأطاعوها . فالإمارة والطاعة لا تنفصل عن الإسلام ، وهي أهمّ محاور السياسة والعمل السياسي .


الفصل الثالث : التأصيل الشرعي للعمل السياسي الإسلامي

1- مشروعية العمل السياسي :

بناءً على التعريف المحدد أن السياسة هي : ( تدبير شؤون الجماعة وفق الأحكام الشرعية ) فإننا نقول : أن مشروعية العمل السياسي لم يقع حولها خلاف ، بل إن الإجماع منعقد عليها ، وذلك استناداً إلى :

- نصوص القرآن الكريم الكثيرة التي تحدّثت عن كيفية تدبير شؤون الجماعة ، ووضعت أحكاماً تفصيلية لكثير منها سواء كانت تتعلّق بالأسرة أو بالمجتمع أو بالحاكم أو بالعلاقات الدولية ، ولا أجد حاجة لذكرها فهي معروفة من الجميع .

- نصوص السنّة الصحيحة ، وهي كثيرة جداً سواء في أقوال الرسول r أو في أفعاله ، فقد مارس السياسة بجميع معانيها اللغوية والاصطلاحية ، وكان رئيس دولة يحافظ على رعيته ، ويشرِّع لهم ما يحتاجون إليه ، ويخوض بهم الحروب ، ويعقد باسمهم المعاهدات ، ويعيّن مساعديه من ولاة المناطق أو قادة الجيوش ، ويؤكّد مسؤولية الأمراء : ( فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته ) ويبيّن في المئات من الأحاديث الصحيحة واجبات الأمير وحقوقه ، والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها ، من الرفق بالرعية والنصح لهم ، والعدل بينهم ، وعدم قبول الهدية منهم ، ويأمر الناس بالطاعة لأمرائهم بالمعروف ، ويبيح لهم المخالفة إذا أُمروا بمعصية ، كما يأمرهم بلزوم الجماعة وترك التفرّق .

وننقل هنا ما ذكره ابن عقيل وابن القيم حول تعريف السياسة ومشروعية العمل السياسي : { وقال ابن عقيل في الفنون : جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الجزم ، ولا يخلو من القول به إمام .

فقال شافعي : لا سياسة إلاّ ما وافق الشرع . فقال ابن عقيل : السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي ، فإن أردت بقولك : ( إلاّ ما وافق الشرع ) أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإن أردت لا سياسة إلاّ ما نطق به الشرع ، فغلط وتغليظ للصحابة .. وهذا موضع مزلة أقدام ، ومضلّة أفهام ، وهو مقام ضنك ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة ، فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق ، وجرؤا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، محتاجة إلى غيرها ، وسدّوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحقّ والتنفيذ له ، وعطّلوها ، مع علمهم وعلم غيرهم قطعاً أنه حقّ مطابق للواقع ، ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع .

ولعمر الله أنها لم تناف ما جاء به الرسول ، وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم . والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة ، وتقصير في معرفة الواقع ، وتنـزيل أحدهما على الآخر ، فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلاّ بأمر ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا من أوضاع سياستهم شراً طويلاً وفساداً عريضاً ، فتفاقم الأمر وتعذّر استدراكه ، وعزّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك ، واستنقاذها من تلك المهالك .

وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة ، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله ، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، وأنزل به كتابه ، فإنّ الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات ، فإذا ظهرت أمارات العدل ، وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثمّ شرع الله ودينه ، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخصّ طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة ، فلا يجعله منها ، ولا يحكم عند وجودها وقيام الناس بالقسط ، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له ، فلا يقال أن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع ، بل موافقة لما جاء به ، بل هي جزء من أجزائه ، ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحكم ، وإن هي عدل الله ورسوله ، ظهر بهذه الأمارات والعلامات } (14) .

2- الحكم التكليفي بحقّ الأمراء :

أما الحكم التكليفي في ممارسة العمل السياسي في حقّ الأمراء والمسؤولين فهو فرض عين لا نعلم في ذلك خلافاً بين العلماء أو المذاهب ، لكن ظهر الخلاف بينهم حول ما إذا كانت السياسة التي يمارسها الإمام محصورة بتطبيق النصوص الشرعية فقط ، أم أنه يجوز له الاجتهاد في تفسير النصوص أو كيفية تطبيقها ، أو القيام بأعمال جديدة لم تتناولها النصوص . وقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن : ( للسلطان سلوك سبيل السياسة في تدبير أمور الناس وتقويم العوج ، ولا تقف السياسة على ما نطق به الشرع ) (15). وقال الحنفية : ( السياسة داخلة تحت قواعد الشرع ، وإن لم ينصّ عليها بخصوصها فإنّ مدار الشريعة – بعد قواعد الإيمان – على حسم مواد الفساد لبقاء العالم ) (16).

وقال القرافي من المالكية : ( إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع ، بل تشهد له الأدلّة وتشهد له القواعد ، ومن أهمها كثرة الفساد وانتشاره ، والمصلحة المرسلة التي قال بها مالك وجمع من العلماء ) (17).

وقال أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة : ( .. ولا تقف السياسة على ما نطق به الشرع ، إذ الخلفاء الراشدون قد قتلوا ومثّلوا وحرّقوا المصاحف ، ونفى عمر نصر بن حجاج خوف فتنة النساء ، واعتبروا ذلك من المصالح المرسلة ) (17).

وقد ذهب الشافعية إلى أن السياسة يجب أن تكون في حدود الشريعة لا تتعداها ، حتى قالوا : ( لا سياسة إلاّ ما وافق الشرع ) .

وقد نسبت الموسوعة الفقهية هذا الرأي إلى المذهب الشافعي وليس هذا دقيقاً .

بل إن مُحقِّقي الشافعية أخذوا بالمصالح المرسلة كغيرهم من المذاهب ، ولا يزال كتاب سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام : ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام ) يعتبر من أهمّ المراجع الفقهية المعتمدة في تقدير المصلحة المشروع والمفسدة المذمومة ، وفي الموازنة بين المصالح والمفاسد .


3- الحكم التكليفي بحقّ عموم المسلمين :

لم يتحدّث الفقهاء عن الحكم الشرعي في السياسة والعمل السياسي بالنسبة لعموم المسلمين ، لأن أكثرهم كانوا يحصرون هذا الأمر بالسلطان .

لكنّهم جميعاً يتحدّثون عن ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ويعتبره جمهور العلماء فرض كفاية ، بل ذكر النووي وابن حزم الإجماع على وجوبه (19) ويعتبره البعض فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة .

ومما لا شكّ فيه أن العمل السياسي يدخل تحت هذا الباب ، ابتداءً من إعلان الموقف السياسي ، إلى العمل على تحقيق مصالح الناس وإنكار المفاسد والمطالبة بإلغائها ، وصولاً إلى وضع مشروع سياسي متكامل يحقق مصالح المسلمين ويدرأ المفاسد عنهم .

وإقناع المسلمين بهذا المشروع والسعي لتحقيقه ، هو نوع من تحقيق المعروف وإزالة المنكر .

وقد كان المسلمون منذ الصدر الأول مشاركين في العمل السياسي بكلّ أنواعه ، بل كان العلماء دائماً في طليعة الأمّة في هذه المشاركة ، حتى شارك بعضهم في الثورات الشعبية بقصد إزالة المنكر ، والذين لم يشاركوا كان قصدهم عدم الوقوع في منكر أكبر ، هو تمزّق الأمّة وانفراط وحدتها ، فالجميع كانوا أصحاب مشروع سياسي بالمعنى المعاصر ، وإن اختلفت اجتهاداتهم في تفاصيل هذا المشروع .

الهوامش

  • البحث الذي قدمه فضيلته في ندوة المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته المنعقدة في مدينة استانبول في تركيا بتاريخ 7-13 جمادى الآخرة سنة 1427ه ، الموافق 3-9 تموز/يوليو 2006م

1.ابن منظور : لسان العرب ج6 .

2.متفق عليه عن أبي هريرة .

3.مسند أحمد 6/352 .

4.رواه الترمذي في تفسير سورة النور .

5.المقريزي : الخطط 2/220- مكتبة المثنى – بغداد .

6.حاشية ابن عابدين 5/15 – طبعة الحلبي .

7.القانون الدستوري والمؤسسات السياسية 1/24 – اندريه هوريو – الأهلية للنشر والتوزيع – بيروت .

8.الماوردي وأبو يعلى وقد ألّف كلّ منهما كتاباً معروفاً بهذا العنوان.

9.أبو البقاء في كتابه الكليات 3/31 وزارة الثقافة دمشق.

10. حاشية ابن عابدين 5/15 طبعة الحلبي – فاتحة العلوم لأبي حامد الغزالي – طبعة القاهرة .

11.مقدمة ابن خلدون.

12.مقدمة ابن خلدون .

13. سنن الدارمي 1/69 – بيروت – دار إحياء السنة النبوية.

14. ابن القيم : الطرق الحكمية ص13 ط السنة المحمدية - القاهرة

15. الموسوعة الفقهية الكويتية – باب سياسة.

16. حاشية ابن عابدين 4/15.

17. ابن فرحون: تبصرة الحكام 2/150 ط الحلبي – القاهرة.

18. ابن مفلح: الفروع 6/115 ط عالم الكتب – بيروت.

19. شرح النووي على صحيح مسلم 2/22.

20. مجلة الرائد عدد 208- 259