الإسلام والداعية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلام والداعية


مقالات للمستشار حسن الهضيبي

جمع وتقديم أسعد سيد أحمد

دار الأنصار

فاتحة الكتاب

أكبر ما في حسن الهضيبي صموده وتحديه رغم كبر سنه ومرضه .

إذا كان اسم " حسن الهضيبي " أكبر من أي تعريف فان أبرز ما اتسمت به شخصية حسن الهضيبي هو مقته الشديد للظهور وإيثاره البعد عن الأضواء ما استطاع , وقد كلن يرفض أن تؤخذ له صورة , كما رفض أن يسجل مذكراته إيثارا لما يحتسبه عند الله من أجر . . .

وإذا كان حسن الهضيبي يؤثر الصمت والبعد عن الأضواء فان ذلك مكرمة منه وفضل , ولكن من حق الهضيبي , ومن قبله الإمام الشهيد حسن البنا أن يكون كل منهما أسوة وقدوة , ومنارة على طريق العاملين .

فالشباب اليوم يلتمس العظمة في رجال الغرب أو الشرق , هم في حقيقتهم أقزام إذا ما قيسوا بعظماء المسلمين القدماء منهم والمحدثين . . .

فلقد سجل رجال الدعوة الإسلامية في عصرنا الحديث بطولات نستطيع أن نقول مطمئنين بأنها ترقى إلى مستوى ما سجله الرعيل الأول من المسلمين الأولين , وواجب الحركة الإسلامية أن تكرم شهدائها وأبطالها , ليس لتخليدهم , وإنما ليكونوا منارات على الطريق يستضيء بها السالكون .

وسيجد القارئ في هذه الصفحات جوانب من حياة هذا الرجل العظيم فيها إجابة على سؤال طالما ردده الإسلاميون , وهو : كيف اختير الهضيبي مرشدا للإخوان المسلمين مع أنه لم يكن معروفا عنه أي إسهام في حركتهم قبل هذا التاريخ . فكيف ومتى انضم إلى الحركة , وما المؤهلات التي رشحته لتولي هذه المسئولية الضخمة والعبء الثقيل ؟ . . ونبدأ الطريق مع الهضيبي منذ عام 1943 .

هكذا بدأت صلته بالدعوة على المعنى الإصلاحي , فقد كان ذلك بمدينة الزقازيق عاصمة إقليم الشرقية . وكانت العاصمة على موعد مع الإمام الشهيد حسن البنا أن يؤثرها بالزيارة في هذه الليلة التي تقع على الأرجح في صيف عام 1943 . وكان الإخوان المسلمين يحتشدون للعناية بمقدم الإمام البنا أعظم ما يكون الاحتشاد والعناية ويوسعون نطاق الدعوة إلى الاجتماع به واستماع أحاديثه فلا يتركون طائفة ولا جماعة ولا هيئة موالية أو محايدة أو مناوئة إلا وجهوا إليها الدعوة لشهود الحفل الجامع الذي يخطب فيه الإمام رحمه الله .

من أجل ذلك طبعت بطاقات الدعوة وطرقت كل باب وغشيت كل مجلس وناد وولجت إلى محكمة الزقازيق لتهيب برجال القضاء وكل جمهور هذه المدينة أن يشهدوا اجتماع الإخوان في المساء ليقولوا كلمة المنطق والقانون في ما يقرره الإمام حسن البنا من كفالة النظام الإسلامي والمبادئ القرآنية لإقامة مجتمع وإحياء أمة وباء دولة على أسلم القواعد وأمتن الأسس . وكان بين الذين تلقوا الدعوة رجلان من كبار المستشارين يتميزان بخلق كان ثئر النبوة , وسيرة كأنها أريج الزهر , واستقامة كأنها حد السيف . أما أحدهما فقد سبق إلى جوار ربه وهو المرحوم محمد بك العوارجي , وأما الآخر فهو ضيف الله وقدوة المؤمنين به وحارس دعوته وعنوان الصابرين المحتسبين الأستاذ حسن الهضيبي .

تلقى الرجلان الدعوة لحضور حفل الإخوان المسلمين والاستماع إلى خطاب المرشد العام , وبين عوامل الحنين لكلمة الإسلام والاستيئاس من كثرة الأدعياء المتاجرين , بالدين وحب الاستطلاع الذي يغري بالوقوف على كل جديد , بين خليط من هذه العوامل والمشاعر قرر المستشاران الكبيران أن يستجيبا لدعوة الإخوان ويستمعا إلى خطاب المرشد العام . . . وكان !

ولست محدثك عما وراء الاستماع إلى حسن البنا حين يصادف نفسا منصفة وقلبا سليما , فانك تستطيع أن تعرف ذلك لا من تلميذ بل عارف بل من صحافة الغرب وأدباء الفرنجة الذين كانوا , على جهلهم بالعربية التي يخطب بها الإمام الشهيد , يشعرون بتيار جارف من روح الرجل يغير أرواحهم ومشاعرهم فيحتاجون إلى كبير جهد وعناء ليحصنوا أنفسهم من حافز الانقياد لدعوته وإلحاح الوجدان بالتعلق به .

وإنما أحدثك عن اختلاف أثر الاستماع في نفس الرجلين فان لذلك علاقة بمغزى الحديث . ولكي تدرك الفرق بين أثر الاستماع في الرجلين فعليك أن تعلم أن أولهما كان ذا فضل وصلاح يكفيه من الخير أن يصلح في ذاته ويرضي الأمانة والضمير فيما حمل من التبعات في نطاق عمله .

وأما الآخر فكانت تملكه الحسرة على مصير الأمة الإسلامية وينقد غيرة على إنقاذها ولكن استغراقه في واجباته القضائية ويأسه من جدوى المجهود الفردي في بناء أمة واتسام مسالك العمل الجماعي العام بالسوابق والشبهات التي تثير الحذر والريبة , كل ذلك كان يحبس غيرة الرجل في صدره فان جاوزته إلى مسامع الأصفياء من إخوانه وجلسائه . .

وهكذا تكيف أثر المرشد العام في مشاعر الرجلين , فكان في نفس العوارجي رحمه الله إعجابا بالخطيب ودعاء إلى الله أن يكثر من أمثاله وتمنيات كريمة بأن ينصر الله دعوته .

أما الهضيبي فقد حمله التأثر إلى تقديم نفسه للمرشد العام حين بدأ معه جلسة استيضاح ومناقشة انتهت بعهد وميثاق وبيعة !

أجل كانت بيعة ربطت مصيره إلى الأبد بمصير الدعوة على مضمون الآية القرآن ية الكريمة " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " .

ولكن هذه البيعة تتقاضانا الوقوف قليلا لنستكشف من خلالها بعض ما حفلت به شخصية الهضيبي من نفاذ البصيرة وقوة النفس وصفاء الروح .

أجل ! سرعان ما كشفت بصيرته النافذة حرارة الصدق والإخلاص في دعوة الإمام البنا وأيقن في لحظة أنها الدعوة التي أضنى الظمأ إليها مشاعره ومواهبه أكثر من ثلاثين سنة !

وبلغ من قوة نفسه أن أقبل على الدعوة والحكومة معها في حرب والأحكام العرفية لأصحابها بالمرصاد ومعسكرات الاعتقال تخرج فوجا من رجالها لتستقبل فوجا أخر , وعبادة الوظيفة جعلت أصحاب المناصب الكبيرة يخلدون إلى القعود والشح , ومقعد المستشار الذي تحفز الهضيبي لنبذه لو لا خطة أرادها الإمام الشهيد – ذو بريق يسجد له عمالقة الرجال , لا لأنه مطية ذلول إلى مقاعد الوزارة فحسب بل لأنه مكانة أدبية تعلو في ذوق الناصحين على مقعد الحكم ذاته ! .

وفوق ذلك فقد كشفت هذه البيعة عن مرتبة من صفاء الروح في الرجل قل أن يصيبها خلصاء العارفين . . .

ألا تراه وهو المشرع المحسود على مكانته الاجتماعية يمد يده في بشر وبشاشة ليبايع بالقيادة ذلك المعلم في المدارس الابتدائية ؟ ! حسن البنا .

ألا تراه وهو المستشار الكبير تطيب نفسه بأن يقف في صف الجندية مع كثرة غالبة من بسطاء العمال والزراع وحجاب المحاكم وصغار الموظفين !

ألا تراه وقد جاوز الخمسين يسعد بمشاطرة العمل والجهاد جمهورا أكثره من الشباب الذين لم يبلغوا الثلاثين .

ألا ترى أن المجتمع الإسلامي يفتقد هذا الصفاء المشرق منذ تلقى دروسه في سعد بن معاذ يسلم على يد مصعب بن عمير , وفي أبى أيوب الأنصاري يحاصر الأستانة في جند يزيد , وفي الخليفة الصديق يمشي راجلا في ركاب أسامة ! .

في ظل هذه المعاني الرفيعة كانت بيعة الهضيبي فلم يعقبها يوم إلا والهضيبي يزداد صلة بالدعوة وثقة بالجماعة ووفاء للمرشد العام رضي الله عنه وأرضاه في الجنة , كما يقول الهضيبي كلما ذكر سلفه العظيم . .

ومنذ ذلك التاريخ والدعوة تسجل للهضيبي مواقف وخطوات تنضر وجه المروءة وتشرف صحائف المجاهدين سيشهد القارئ , طرفا منها في ما يلي من الأحاديث .

بيد أن سؤالا يضطرب في النفوس وتتهامس به الشفاه لا بد من الإجابة عليه قبل أن نشرع في متابعة الحديث ! .

ما بال الهضيبي لم يسمع له صوت في الجماعة ولم يكن معروفا لأكثر رجال الدعوة حتى ألقت إليه بمقاليدها في عام 1951 مع أنك تقرر أنه كان من صفوة العاملين للدعوة منذ عام 1943 ؟

لقد كان هذا الخفاء أمرا متفقا عليه بين الإمام الشهيد حسن البنا والهضيبي الصديق من أول لحظة انعقدت فيها البيعة . وكان مرد هذا الاتفاق إلى طبيعة التواضع وحب العمل في خفاء إلى جانب الهضيبي والى الرغبة في أن يكون للدعوة جنود وأنصار غير ظاهرين من جانب حسن البنا , والى ما يحظره القانون المصري على رجال القضاء من الانتساب إلى الهيئات والجماعات التي تشتغل " بالسياسية " . .

أما إذا انتقلنا إلى الجزء الآخر من موضوعنا , من هو الهضيبي ؟

وما هي المميزات التي أهلته ليحتل هذه المكانة بين إخوانه , فإليك الرجل :

" حسن الهضيبي هو المسلم الذي يحفظ القرآن منذ الحداثة , والذي نشأ في طاعة الله فلم يفتر يوما عن أداء الفرائض والواجبات الدينية .

" حسن الهضيبي هو الإنسان الكريم الذي لم ير قط في موطن ريبة منذ كان تلميذا إلى أن صار مستشارا .

" وهو المثل المضروب بين زملائه وعارفيه على الاستقامة ومتانة الخلق وقوة الشخصية وإباء المجاملة في الحق أو الخشية إلا من الله .

" وقد طبع بيته بطابع الإسلام في آدابه وأزيائه بصورة قل أن تراها في بيوت الذين يتصدرون دعوة الدين بل الذين تقلدوا باسم الدين أرفع المناصب والألقاب .

.وحسن الهضيبي هو الذي استنفر كبار المستشارين للانقضاض على القانون المدني الجديد لمخالفته أصول الشريعة فلما انقطعت أنفاسهم دون ملاحقته بالهجوم السافر مكتفين بتقديم مذكرة نقد رفيق إنطاق وحده إلى مقر لجنة القانون وسجل في مضبطتها الرسمية أنه يستنكر كل قانون لا يستمد من الشريعة الغراء أو تتضمن مواده حكما يتعارض مع نص في الكتاب والسنة . وقد كان ذلك موضع حديث الصحف المصرية حتى لقد نقلته [[جريدة الإخوان المسلمين]] بعنوان " الهضيبي ينصر الله " عن جريدة أخبار اليوم ذات المسلك المعروف من الدين والأخلاق .

وأما عن دعمه للجماعة ودفاعه عنها فان للرجل جهدا مشكورا ومساهمة طيبة في شراء دار المركز العام .

وأنه أدى مثل هذه المؤازرة للدعوة أثناء غضبتها لنجدة فلسطين .

وأنه أوعز إلى عشيرته وهم أفاضل كثر بإنشاء شعبه للإخوان في قريتهم في عرب الصالحة وفي ما جاورها من القرى .

وأنه وفق بأسلوبه الخاص وتوجيهه الهادئ إلى إحياء الدعوة في منطقة شبين القناطر وما حولها .

الأستاذ الهضيبي لم تفتر صلته بالإمام الشهيد ولم يقصر يوما في إمداده بالرأي والعون المثمر في كل موقف يقتضي ذلك قبل المحنة الأولى وبعدها على السواء , بل كان يشارك في جلسات خلصاء الإخوان المسئولين حتى ترسم فيها سياسة الجماعة قبل استشهاد المرشد العام رحمه الله وبعد استشهاده .

ولقد بادر عقب قرار الحل بلقاء المرشد الشهيد حيث وضع نفسه وبيته وأولاده ومنصبه وماله جميعا تحت تصرف الدعوة ورهن إشارة المرشد بصفة خاصة .

" لقد كان ضابط الاتصال بينه وبين حسن البنا الأخ الشهيد محمود يونس الذي استدعاه شخص إبان مقدمات محنة 54 لمقابلة هامة على الطريق الزراعي فذهب ولم يعد إلى يومنا هذا كالمئات غيره . . .

" وكان وحده الصدوق للدعوة في محيطه القضائي حتى لأجزم بأنه العامل الأول والأوحد في تنظيف سمعة الجماعة وإلحاق مسئولية الحوادث بأشخاص فاعليها وتحرير دائرة القضاء من التأثر بحملة الأكاذيب والمفتريات التي عمدت الحكومة إلى تحويل القضاء بها عن جادة العدل وإغوائه بإصدار أحكام جائزة ظالمة فيما لفقت الحكومة من اتهامات .

" وكان الهضيبي يتابع نشرات قيادة الإخوان المؤقتة بعد استشهاد الإمام ويزودها بالنصائح التي تجعلها بمنأى عن إثارة الحفيظة وسلطان القانون وأكثر إصابة للهدف الواجب وهو إحكام تنظيم الصفوف وتدعيم الثبات والثقة في الله بين الإخوان العاملين .

" وكان له في العناية بأسر المعتقلين والسجناء جهود لا يستحب الكشف عنها بأكثر من هذه الإشارة . . .

" أما جهاده في محيط عمله وتخصصه فلقد سأله يوما رئيس محكمة النقض والإبرام يا حسن ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكاما مماثلة في الفقه الإسلامي ؟ ! .

قال الأستاذ الهضيبي : بلى . . .

قال الرئيس : فما هو إذا الأساس الكبير والمطالبة الملحة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها ؟

قال : هو أنه الله تعالى قال . " وأن احكم بينهم بما أنزل الله "

ولم يقل أن احكم بينهم بمثل ما أنزل الله , وأن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدي امتثالا لأمر الله , وذلك هو مصدر بركتها وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها وفي كيان الجماعة المؤمنة .

" وحين عرض مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1954 على الأستاذ الهضيبي , سجل كتابة أنه يرفض مناقشة هذا المشروع من حيث المبدأ " لأنه لم يقم أساسا على الكتاب والسنة " . . .

" وفي عام 1947 نشر الأستاذ الهضيبي رحمه الله مقالا في جريدة " أخبار اليوم " المصرية وذلك حين عرض عليه تعديل مشروع القانون المدني المصري قال فيه " إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية " وقال :

" لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت : يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شئون حياتنا وليس في الشئون التشريعية وحدها . إن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به " .

" هذا هو الرأي الذي جاهرت به , وسأظل أدعوا إليه , عن يقين واقتناع , وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة الإسلامية ودراستها إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن الكريم , والحلال بين والحرام بين وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين " .

" هذا ما قلته أمام اللجنة وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به , ولكن لا حرج علي في ذلك ما دمت مؤمنا بما أقول , ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول , وكلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي " .

لقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تصلح من حال بلادنا ولم تحقق ما كان يرجى منها فهذه السجون ملأى بالسجناء , والجرائم تزداد , والفقر ينتشر والحالة الخلقية والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه , ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقتنا بالسنن الكونية التي تنزل الوحي بجملة أسرارها ومعالمها في القرآن , وإلا إذا عشنا في بيوتنا وبين أهلينا وأولادنا ومع الناس أجمعين عيشة قرءا نية " . . .

" وفي العاشر من ديسمبر 1952 أعلن إلغاء الدستور المصري القديم , وبعد يومين عين مائة عضو لوضع دستور جديد كان بينهم ثلاثة من الإخوان , ونشرت مجلة الدعوة مقالا تدعو إلى وضع الدستور على أسس إسلامية , وطالب الهضيبي بالاستفتاء ليتبين أتختار مصر شرائع الإسلام أم شرائع الغرب , فإذا أرادت الأخذ بشرائع الغرب , وهو رأي لا يمكن أن يقول به مسلم عرفنا أنفسنا وعلمنا الأمة أمر ربها وما يجب عليها " .

كان البنا رحمه الله ينزل الناس منازلهم ويختار الأسلوب المناسب لعرض الدعوة عليهم وكسبهم لطرفها , ومثل هذا الأسلوب المناسب لعرض الدعوة عليهم وكسبهم لطرفها , ومثل هذا الأسلوب كان يتبعه مع كبار الموظفين أمثال الأستاذ الهضيبي , فقد كان حريصا على سرية ارتباطه بالدعوة , ولهذا كان الهضيبي يحضر مع البنا رحمهما الله الكثير من الأسر والجلسات الخاص كما كان يستشيره في الأزمات والمعضلات ويدخره ليوم عصيب ووقت رهيب , ويحدث إخوانه عنه في جلساته الخاصة بكثير من الإعجاب والتقدير . . .

ويذكر الهضيبي رحمه الله أن علاقته بالإخوان قد بدأت منذ عام 1942 , وقد اقتنع بهذه الدعوة بالطريق العملي قبل الطريق النظري , وذلك حين لمس من بعض أقاربه الفلاحين إدراكا لمسائل كثيرة في الدين والسياسة ليس من عادة أمثالهم الإلمام بها وخاصة أنهم كانوا شبه أميين , فلما علم أن ذلك يعود إلى الإخوان , أعجب بهذه الدعوة أيما إعجاب , وأخذ يحرص على حضور خطب الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها الأستاذ البنا رحمه الله , وأخيرا تم لقاؤه مع البنا عام 43 بالزقازيق حيث اطلع منه مباشرة على أهداف الدعوة ومبادئها , وبقيت علاقته بالبنا والإخوان سرية حتى أعلن عن انتخابه مرشدا عاما للجماعة عام 1951 .

وكان أول نشاط رسمي عملي بدأه بإقامة حفل بدار المركز العام المؤقت وهو منزل الأستاذ صالح عشماوي 22 ش صبري بالظاهر وكان الحفل بناء على اقتراح قدمه الأستاذ أحمد حسنين المسجون على ذمة قضية السيارة الجيب بأن يقاوم حفل لتكريم أولياء الأمور للمسجونين من الإخوان المسلمين وهيئة الدفاع عن القضايا المنظورة مندوبي الصحافة والأنباء , لتقديم هدية المسجونين إلى المركز العام الجديد . . . وهي عبارة عن علم الإخوان الذي تم نسجه داخل سجن مصر بيد المسجونين . . ولقد أشارت حينذاك مجلة السيدات المسلمات إلى عملية تهريب العلم من داخل السجن إلى الخارج وكان أول علم يرفع بعد المحنة . ولقد نقلت جميع الصحف ووكالات الإنباء أخبار هذا الحفل الكبير وعودة النشاط الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين .

ولقد نفذ هذا العمل الكبير كاتب هذه السطور والأستاذ سعد الوليلي كل في ما يخصه , ولخصت كلمات الهضيبي والأستاذ عبد القادر عودة وباقي خطباء الحفل وما تخلله من مفاجآت .

وفي الثاني عشر من شهر فبراير 1949 اغتال زبانية فاروق الشهيد حسن البنا رحمه الله , فشعر بذلك مركز المرشد العام للدعوة , ولما كانت القيادة ركنا من أركان هذه الدعوة وخاصة في الظروف العصيبة التي كان الإخوان يمرون بها في ذلك الوقت , فقد أخذ الإخوان يبحثون عن قائد آخر يقود سفينة الدعوة إلى شاطئ السلام , ورشحوا لهذا المنصب أكثر من أخ من الإخوان العاملين إلا أن الأغلبية في الهيئة التأسيسية للإخوان أجمعت على انتخاب " حسن الهضيبي " مرشدا عاما , وبقى الهضيبي رحمه الله يؤدي عمله سرا نحو ستة شهور كما أنه لم يترك العمل في القضاء خلالها . ولما سمحت حكومة النحاس باشا للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع , طلب أعضاؤها من الهضيبي أن يرأس اجتماع الهيئة بصفته مرشدا للجماعة , ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأي جمهور الإخوان وطلب منهم أن ينتخبوا مرشدا آخر غيره , ولكن الإخوان رفضوا طلبه وقصدت وفود الإخوان من جميع مصر بيته , وألحت عليه بالبقاء كمرشد عام للجماعة , وبعد أخذ ورد وافق على مطالب وفود الإخوان , وقدم استقالته من القضاء ليتفرغ للعمل لدعوة الله , وفي 17 أكتوبر 1951 أعلن حسن الهضيبي مرشدا عاما لجماعة الإخوان المسلمين .

ومع ذلك قام رحمه الله بجولة على جميع شعب الإخوان ليتأكد أن الوفود التي حضرت إليه تمثل رأي جميع الإخوان في الشعب , وفعلا كان . . . فبايعه كل من التقى به من الإخوان .

وفي حفل مبايعة مكتب إداري الإسكندرية .

أستهل الأستاذ محمد رشاد عبد العزيز سكرتير مكتب إداري الإسكندرية حفل البيعة العام بهذه الأبيات :

وضعت يميني في يمينك مرشدي
على نصر هذا الدين دين محمد
وقدمت قلبي والمشاعر والمنى
وسري وإعلاني وما ملكت يدي
ولست أبالي في سبيل عقيدتي
عداوة باغ أو إساءة معتدي
فما أعذب الآلام بين محامد
وما أروع الإغماض تحت المهند
إذا أفتتح الناس الحياة بمولد
فإن اختتامي بالشهادة مولدي
وإن اثر الناس القعود ضمانة
فإني بأعبائي أروح وأعتدي
وإن جنحوا للهو فنا بزعمهم
جعلت فنون الجلد سمى ومقصدي
وإن تبع القوم السراة جهالة
فإني بآثار النبوة مقتدي
أقوم بأيام الرسول مذكرا
لعل فتى في الحشد يصغى فيهتدي
لعل فتى للصف ينضم عاملا
وكان قبيل اليوم غير مجند
عجبت لأقوام يحيون مولدا
ويبدون للذكرى عظيم التودد
ويهتف شاديهم بمدح منغم
بشتى ضروب اللحن عذب مجود
يظل يبث الحب للفجر قائما
فإن هو أعتبه الصباية يعقد
وتسأل ماذا قد جفوه فلا ترى
سوى عرض فان وعمر مبدد

لقد رأى أكثرية الإخوان في الهضيبي ضالتهم المنشودة كقائد لدعوتهم , لما كان يتصف به رحمه الله من صفات تصلح لقيادة الدعوة في مراحلها القادمة , فالدعوة في عهد البنا رحمه الله كانت تمر في فترة التبشير واختيار الأنصار وإرساء القواعد وتوضيح الأهداف والمبادئ , ولهذا كانت تحتاج إلى قائد عظيم كالبنا رحمه الله استطاع أن يقوم بهذه المهمة ويصل بالدعوة إلى مرحلة متقدمة من البناء والعمل والتربية , أما الفترة التي قيض الله الهضيبي لقيادة الدعوة فيها وإن كانت تعتبر استمرارا للفترة السابقة إلا أنها تتميز عنها بأنها مرحلة المجابهة السافرة مع الأعداء , وإعلاء صرح البناء , وتفصيل أهداف الدعوة ومبادئها والسير فيها لتحقيق هذه الأهداف . كما أن المحنة الأولى التي أصابت الإخوان على يد إبراهيم عبد الهادي كانت لها أثار خطيرة على جبهة الإخوان الداخلية , كما أصبح العداء واضحا بين الإخوان وبين فاروق الذي حل جماعتهم وصادر ممتلكاتهم واغتال مرشدهم الشهيد حسن البنا , ولهذا كانت هذه المرحلة تحتاج إلى قائد ذي صفات معينة يخرج بالدعوة في هدوء وصمت مما هي فيه من المشكل ويزيل من أمامها ما يعترضها من عقبات , ويسير بها نحو أهداف الإسلام الكبرى بحزم وإيمان , ولهذا كانت الدعوة بحاجة إلى الصبر والثبات وحسن الإرادة وسعة الصدر والحنكة السياسية أكثر من حاجتها إلى الخطابة والضجيج وعرض العضلات , وإن كانت هذه لا غنى عنها , في وقت أدرك العالم الغربي فيه خطورة أهداف هذه الدعوة على مصالحه في العالم الإسلامي , ولهذا رمتها دولة عن قوس واحدة حين أعلن ممثلو كل من انكلترا وفرنسا وأمريكا الحرب على دعوة الإخوان حين اجتمعوا في القاعدة البريطانية في " فايد " بالسويس عام 1949 . . .

لم يكن الهضيبي خطيبا كالبنا , ولكنه كان على علم تام بمبادئ الدعوة وأهدافها , بل على العكس كان يغلب عليه قلة الكلام والصمت الذي كان يزعج أعداء الله , ولكن بجانب ذلك كان متزنا , إذا عمل لا يعرف الكلل ولا الملل ولا يخشى في الله لومة لائم لقد تميز رحمه الله بالصبر والثبات وحسن الإدارة والحنكة السياسية وسعة الصدر , كما كان يؤمن بالشورى والنقد الذاتي البناء ويعتبرهما أسسا ضرورية لبناء الجبهة الداخلية للجماعة , أما الحكام فقد كان عنده لكل مقام مقال حيث كان لبقا دبلوماسيا حيث تصلح اللياقة والدبلوماسية , كما كان حازما شديدا حيث لا ينفع إلا الحزم والشدة , فبينما كانت قوات الإخوان تضرب القاعدة البريطانية في القنال عام 1951 وكانت الأحزاب الأخرى تدعى نفسها ما يعمله الإخوان , كما كان الهضيبي رحمه الله يقف في المركز العام ليقول للإخوان " أيها الإخوان أوصيكم بتقوى الله وقراءة القرآن وعدم التدخل في السياسية " أما في الحقيقة فقد كان هو رحمه الله خلف جميع تنظيمات الإخوان في القنال ويطلع بنفسه على كل كبيرة وصغيرة من أعمالهم , والذي يراجع كتاب " المقاومة السرية " يجد فيه تفصيل ذلك كله . ولما حاول الانجليز أثناء الحرب الإيقاع بين الإخوان والأقباط , التقى الهضيبي رحمه الله ببابا الأقباط وتفاهم معه على كل شيء حتى يفوت الفرصة على أعداء الله , وظهر المرشد العام للإخوان المسلمين في اليوم التالي في الجرائد المصرية يصافح زعيم الأقباط ويعلن اتفاقهما على مصلحة مصر . كما كان رحمه الله أكثر الإخوان معرفة بظروف المرحلة القادة للدعوة . , وقد أثبتت الأيام أنه كان رحمه الله خير خلف لخير سلف , وأنه قاد الدعوة في الطريق الذي كان يجب أن تسير فيه , كما رفض أن تنحني دعوة الله أمام الهجمة الصهيونية الاستعمارية عليها . , فحفظ لهذه الدعوة شخصيتها وكرامتها إذ لم يعرف عنه رحمه الله أنه بالرغم من كبر سنه وقسوة السجن والتعذيب الذي كان يلاقيه أنه لانت له قناة أو سمع منه السلطان وزبانيته إلا ما يجلب لهم الغم وما ينغص عليهم حياتهم .

سأله شمس بدران ليملأ استمارة السجن : ما اسمك ؟ قال : حسن الهضيبي . . ثم سأله ماذا تشتغل ؟ قال : المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين . فهب شمس بدران غاضبا وقال : ألم تحل الدولة جماعة الإخوان المسلمين ؟ قال : لقد حلت الدولة جماعة الإخوان المسلمين في مصر . أما أنا فالمرشد العام للإخوان المسلمين في العالم .

فبهت الذي كفر .

هذا حدث داخل السجن الحربي عام 54 .

ومنصب المرشد العام في دعوة الإخوان تكليف وليس تشريفا وخاصة بالنسبة لرجل تجاوز الستين من عمره . ومع أن الهضيبي كان يدرك أنه ورث تركة ثقيلة ودعوة كبيرة , وأعداء كثير عددهم وعظيمة إمكاناتهم , مع هذا كله واجه هذه الأعباء جميعها بقلب ثابت وإيمان صادق لا يعرف الملل ولا الكسل , لقد كان عليه أن يجمع شمل الإخوان وينظم صفوفهم ويقوي جبهتهم الداخلية حتى يكونوا المنطلق الثابت والقاعدة القوية التي تنطلق منها دعوتهم لتحقيق أهداف الإسلام الكبرى , كما كان عليه رحمه الله أن يواجه قوى الظلم والبغي والعدوان التي رمت دعوة الله عن قوس واحدة وقررت خوض المعركة معها مهما تكن النتائج , وبالرغم من أن فترة ولايته قبل الحل كانت قصيرة إذ لم تتجاوز الثلاث سنوات , فقد حقق الكثير من أهداف هذه المرحلة , ولو لا أن المؤامرة على دعوة الإخوان كانت مؤامرة عالمية جند لها أعداء الله كل جهودهم وهاجموها قبل أن تستعيد قوتها بعد المحنة الأولى , وقبل أن تستعد للنزال لاستطاع الهضيبي رحمه الله أن يصل بالدعوة إلى أهدافها المرسومة ولكن الله غالب على أمره ولا راد لقضائه . . .

لقد بدأ الهضيبي من حيث انتهى سلفه البنا رحمهما الله , الذي يراجع ما كتبه من مقالات في مجلة " المسلمون " تحت عنوان " هذا القرآن " , وما كتبه في مجلة " الإخوان المسلمون " , وما أدلى به من أحاديث وتصريحات للمجلات المصرية والأجنبية , وما كتبه إلى الملوك والرؤساء في الدول العربية والإسلامية , ليدرك تفهمه العميق للإسلام خاصة ولدعوة الإخوان بشكل عام . لقد كان يدرك رحمه الله أن المرحلة الحالية هي مرحلة الانطلاق لتحقيق هدف الإسلام ألا وهو إقامة دولة الإسلام على الأرض , ولهذا نجد هذا الموضوع غالبا على كل أحاديثه في رسالته التي بعنوان " دستورنا " وفي أحاديثه مع الإخوان حيث كان يقول لهم " أيها الإخوان أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم " ويقول " دول الباطل ساعة . ودولة الحق إلى قيام الساعة . " . وفي أول لقاء بينه وبين الإخوان في دار المركز العام قال : " أيها الإخوان هذا أول لقاء بيني وبينكم , ويسعدني أن أوصيكم بتقوى الله وطاعته , والإقبال على الله بقلوب خاشعة ونفوس مخلصة , ترتيل القرآن الكريم , وأن تستعدوا في هذه الظروف التي تمر بها بلادنا , والله معنا ينصرنا ويوفقنا " وكتب افتتاحية العدد الأول من مجلة " الإخوان المسلمون " في 20 مايو 1954 فقال . " سيجد الناس أن الإسلام ليس دين عبادة وصوم وصلاة , ولا دين قطع الأيدي ورجم الزناة فقط , ولا دين الفضائل فحسب , سيجدون أنه دين عبادة تطهر النفس وتزكي القلب وتصل العبد بربه حتى يكون قادرا على تحمل تبعات الحياة ومشاقها , وسيجدون أنه دين أقام الحياة الاجتماعية بين المسلمين على أكمل نظام وأوفاه بحاجات الناس , وسيجدون أنه عالج الأخلاق والفضائل وأدب السلوك فأمر بالحسن ونهى عن القبيح , وسيجدون أنه أوجب على المسلمين الجهاد إذا ما ديست أرضهم واحتلها العدو , وسيجدون كيف عالج الإسلام مشكلات العمال وكيف نظر إلى ملكية الأرض بعدالة لا تعادلها عدالة , وكيف عالج شئون الأسرة كما عالج شئون الحكم في قواعده العامة الثابتة التي لا تتغير وتترك التفصيل لاختلاف الظروف " وفي تصريح له لصحيفة " لوموند " الفرنسة في شهر أغسطس 1952 , سأله مراسل الجريدة :

هل تسعون إلى أن تحكموا مصر بتعاليم الإسلام ؟

فقال الهضيبي : إن الذي يهمنا هو أن تحكم البلاد بالإسلام سواء أكان الحكم للإخوان أم لغيرهم ولما سأله : ولكنكم لا تستطيعون إلا إذا تدرب رجالكم عمليا عليه ؟ فرد عليه الهضيبي قائلا : إن الإخوان منبثون في كل مرافق البلاد . . .

وفي تصريح له لجريدة المصري بتاريخ 18 أغسطس 1953 قال :

" إن الشيوعية مذهب قام على نظم مادية بحتة , وهو ينكر الأديان جميعا , ولا يجعل صلة بين الإنسان وشيء كما بينه وبين لقمة العيش , وأما الإسلام فقد بني أول ما بني على توحيد الله وجعل الإنسان موصولا به دائما في كل أعماله لا يقصد بعمله إلا وجه الله , وبني على العبادات والأخلاق وتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما لا تطمع الإنسانية إلى أحسن منه , وهي تتجافى مع عقائده وآدابه وأخلاقه ونظاما الاجتماعي . . . وأما روسيا كدولة فليس بيننا وبينها ما يدعو للعداء , وأما كفكرة فلا نخشاها إذا عملنا بالإسلام على الوجه الصحيح وأخذنا بكل تعاليمه , ولا بد لهذه التعاليم من أن تنتصر على كل فكرة أخرى " .

وقال في مجلة ( المسلمون ) : " إن حكام المسلمين يدعون أنهم يحكمون بالقرآن وهم عن معانيه بعيدون , يحسبون أنه صلاة وصوم وحج , ولا يدركون أنه مع ذلك علم وفهم وتربية وأخلاق وجهاد في سبيل الله , ومعاملة وتحقيق العدل الاجتماعي الذي كفله الله للناس على صورة لم يصل إليها الناس في كافة عصورهم .

وقال " وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلما حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه , فيكون عادلا مع الناس جميعا , ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه , فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم ولا يلمزهم فان أكثر الشرور إنما ينشأ عن مثل ذلك .

كما أصدر رسالة بعنوان " دستورنا " تناول فيها بإيجاز كل ما يتضمنه هذا الدستور الإلهي من شئون العبادات والمعاملات والعقوبات وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأحكام التربية والجهاد , والأحوال الشخصية لغير المسلمين , وأجاب على سؤال يتردد على كثير من الألسن : هل الحكم بالقرآن فرض ؟ كما وضح الإخوان في دعوتهم متبعون , وليسوا مبتدعين حين قال " فنحن حين نطالب بالعمل حسب كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا نبغي من وراء ذلك تطبيق الأحكام الواردة في القرآن فحسب ولكننا نرجو أن يجعل المسلمون القرآن منهاجا يسيرون عليه في الحياة يطبقوه بحذافيره , وهو أفضل لنا من أي دستور آخر لأن القرآن هو الدستور الكامل الشامل الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة في بناء الأمة إلا عالجها تارة بالتفصيل وتارة بالإجمال تاركا له أن تمضي في التفصيل على ما تقتضيه مصالحها ولا يتعارض مع الأصول التي وضعها " .

والمشكلة الخارجية الرئيسية التي واجهها المرحوم الهضيبي أثناء ولايته قبل حل الجماعة هي " علاقة الإخوان بالثورة المصرية " والتي بدأت بالوفاق وانتهت بالخلاف . وأعتقد أنه لم يكن هناك اتفاق رسمي بين الإخوان ورجال الثورة ولكن الاتفاق بينهم كان عرضيا وضد الخطوط الرئيسية للفساد الذي كان منتشرا في مصر والذي لا يختلف فيه اثنان من المصريين مثل فساد فاروق , والاحتلال البريطاني والفساد الاجتماعي . . . وليس معنى اتفاق الإخوان مع الثورة على تحقيق هذه الأهداف أن الاتفاق بينهم كان ضمن خطة معينة تبناها الطرفان , إذ ليس من المعقول أن يتعاون الإخوان مع أشخاص عسكريين مجهولين في انتمائهم , مختلفين في اعتقاداتهم وميولهم الحزبية . . . واهتمامهم وسلوكهم ومشاريهم وولائهم مثل يوسف صديق الذي سمى الشيوعيون شارعا باسمه داخل معتقل القلعة . . .

لقد تم الاتفاق بين الصهيونية والاستعمار لضرب الإخوان منذ عام 1949 على أثر اجتماع عقده سفراء كل من بريطانيا وأمريكا وفرنسا في القاعدة البريطانية في القنال , وكانت محنة الإخوان الأولى على يد فاروق , ولكن هذه المحنة لم تزد الإخوان إلا قوة وشعبية , مما أكد لهذه الدول أن فاروق أضعف من أن يستمر في عملية التصفية , وقد أفرج فعلا عن الإخوان بضغط شعبي عام 1951 .

لقد شعر الصهاينة والمستعمرون أن دعوة الإخوان هي العدو الحقيقي الذي يتهدد أطماعهم في العالم الإسلامي التي تهدف إلى التصدي لكل حركة إسلامية تعمل على تجسيد الإسلام في كيان سياسي حتى يبقى العرب والمسلمون ضعفاء متفرقين يسهل استغلالهم واستعمارهم , ولهذا واجه الإخوان المحنة تلو المحنة .

بدأت علاقة الإخوان بالثورة المصرية بالاتفاق في وجهات النظر على الصعيد الوطني مثل إخراج الانجليز وإصلاح الحكومة والجيش وإخراج فاروق , دون أن يوافق الإخوان على الزج بهم في معركة ليست في مخططهم , وكان الأستاذ " حسن عشماوي " هو حلقة الوصل بين الإخوان ورجال الثورة في مرحلة من المراحل , وقبل قيا الانقلاب المصري بيومين اتصل أحد أعضاء هذا الانقلاب بالأخ " حسن " وأبلغه بعزم الضباط على القيام بانقلابهم , ولما كان الهضيبي رحمه الله يعلم بهذا الخبر من عدة جهات قبل أن يهمس به حسن عشماوي له فلم يكن مفاجئا له جملة وتفصيلا ولا متفائلا ولا مخدوعا , ولهذا لما أبلغه الأخ " حسن " بالخبر وتم البحث في مدى تأييد الإخوان للانقلاب على قال المرشد العام لقيادة الإخوان " إن تنفيذ الانقلاب على يد الجيش معناه السير في طريق الحكم العسكري والديكتاتورية وهذا لا يحقق رغبات الشعب المصري ولا يتماشى مع أصول الإسلام لأن الحرية الفردية هي أساس من أسس الإسلام ولما أخبره العشماوي بأن الجيش سيقوم بانقلاب قال له المرشد أن لن يمنع الإخوان من تأييد حركة الجيش , وأنه سيأمرهم بمعاونته إذا ما حاولت قوات الانجليز في منطقة القناة التدخل لعرقلة حركة الجيش المصري , ثم أنهى المرشد حديثه بأنه سيظل يؤيد حركة الجيش ما دامت تسعى إلى تحقيق أمال الشعب , واعتبر لعشماوي ذلك تأييدا من المرشد للحركة فصدرت الأوامر لشعب الإخوان بتأييد الوضع الجديد " .

لقد اشترط المرشد العام رحمه الله أن الإخوان سيؤيدون حركة الجيش إذا ما حاولت القوات البريطانية التدخل , ولما لم تتدخل هذه القوات اقتصر تأييد الإخوان للحركة على المحافظة على الأمن وكان مكمن الخطر يأتي من أن يثير الإنجليز أو غيرهم فتنة بين المسلمين والأقباط . لذلك كرس الإخوان كل إمكانياتهم البشرية لحراسة الكنائس والأديرة والجمعيات القبطية وكذلك كل مؤسساتهم وكانت الحراسة مستمرة 24 ساعة في اليوم مقسمة إلى ثلاث دوريات وهذا سر يذاع لأول مرة لا يعرفه إخواننا الأقباط ولا رجال الثورة وما فتنة السويس ببعيدة عن الأذهان .

كما اشترط أيضا أن الإخوان سيؤيدون الحركة ما دامت تعمل على تحقيق أمال الشعب , أما ما كان يجري خلف الكواليس فلم يكن الإخوان على علم به .

وحين أصدر رئيس وزراء مصر قراره بحل جماعة الإخوان المسلمين عام 1954 م بعث إليه الأستاذ حسن الهضيبي بالرسالة التالية :

" إن قرار حل الإخوان , وإن أنزل اللافتات عن دورهم , فإنه لم يغير الحقيقة الواقعة وهي أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم , لأن الرابطة التي تربط بينهم هي الاعتصام بحبل الله المتين , ولا تزال هذه الرابطة قائمة وستبقى كذلك بإذن الله , ومصر ليست ملكا لفئة معينة ولا يحق لأحد أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها والنزول إلى إرادتها , لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم , وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء . . .

يروي علم من أعلام القضاء – كان يلي الأستاذ الهضيبي مباشرة في ترتيب القضاة والمستشارين – أن الهضيبي كان أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك , عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمامه قبل تولي مناصب المستشارين , إذ كان دفعته حوالي عشرة , سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين , حتى إذا جاء دور الهضيبي , الواهن البنية الصامت اللسان , فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك وأقسم اليمين منتصب القامة مرفوع الجبين , بصورة أنعشت الإباء في من بعده – وأولهم محدثي الباشا " س . ر " فأدى قائما عالي الرأس , وهو يقول لنفسه " إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني معه " وتبعها سائر المستشارين فصافحوا الملك وأقسموا اليمين دون تخاضع أو انحناء .

ويروي عنه المرحوم عبد الحكيم عابدين بمجلة الشهاب :

1 – اتصل به كبيران من أعوان الملك يسألانه موعدا لزيارته , فما حدد لهم الوعد – وكان بعد ثلاثة أيام – حتى أخبراه بأنهما سيحضران معهما صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان .

وقبل الموعد ببعض ساعة هتف إلى من داره يكلفني بصرف الرجلين إذا سألاني عنه , ولما ذكرته بأن رد مثلهما بهذه البساطة سيورطنا في أزمة صارحني – وكنت لا أعلم سبب الزيارة – بأن لا مفر من ردها بأية وسيلة لأنهما سيطلبان منه تعليق صورة الملك بالمركز العام , وهذا , لا يفعله ولو قطعت يمينه ! وألهمني الله أن أقول : له سأرسلهما إليك بالمنزل ولا حاجة لهذا الجفاء , وما عليك إلا أن تعتذر لهما بأن الإخوان قوم ملتزمون يحرمون التصوير , وسأبادر الآن إلى رفع صور الإمام الشهيد من غرف المركز العام , حتى يستقيم الاعتذار وما هو إلا أن سمعها حتى قال : يرحم الله أباك , افعل وأنا لهما في الانتظار ! !

2 – بعد أن اعتمد مكتب الإرشاد العام الصياغة التي أعدت بها مذكرتنا التقليدية لوزارة الدكتور علي ماهر بعد حريق القاهرة سنة 1952 وكلفني بطبعها وتوقيعها من المرشد العام دعاني إليه وأقبل على آخر سطر منها يتضمن أماني التوفيق " في ظل جلالة الملك المعظم " فضرب بقلمه علة عبارة " في ظل جلالة الملك " غير ملتفت لتنبيهي بأن مكتب الإرشاد قد اعتمدها , ولا إلى أن خلو الكتاب منها يثير نقمة في القصر الملكي , مجيبا على كل ذلك بقوله " احذفها على مسئوليتي , وحسبنا والملك والوزارة أن نكون في ظل الله وحده " . . .

3 – وفي ربيع العام نفسه , إذ كان طفلي هشام يعالج بمستشفى الدكتور عبد الوهاب مورو " باشا " قدم المرشد العام مشكورا لزيارته , ولما هم بالانصراف بعد جلسة طويلة غمر فيها هذا الطفل ببره وعطفه , أشرت عليه بزيارة رئيس الديوان الملكي , وكان يعالج بنفس المستشفى , فلما فوجئت بإعراضه عن الفكرة وشرعت أعدد له محاسنها ومحاذير تركها , ولا سيما بعد أن رؤى في نفس المستشفى , لأنه لا تكاد تمر لحظة دون أن يغص صالون رئيس الديوان بمجموعات من الأمراء ورؤساء الوزارات والشيوخ والنواب وكبار العلماء والوزراء ورجال الصحافة والأعمال , ورحت أقنعه بأن زيارة الرجل مجاملة للملك , وهي عيادة مريض على كل حال , إذا به يصافحني مودعا وهو يقول " لقد قصدت الله تعالى بعيادة ولدنا هشام , ولم أقصد الملك بزيارة رئيس الديوان " ! .

4 – أما الهضيبي الذي رأينا مناعته في وجه الملك ومطالب حاشيته قد ارتفعت به أصالة خلقه عن أن يتأثر بهذا التيار , وتملكه سلطان التعفف والترفع فلم ينزلق ولا سمح لإخوانه أو صحفه بالانزلاق لحظة إلى مهاجمة رجل جرى القضاء على سلطانه بالزوال , وليس وراء ملاحقته بالسباب إلا ما تأباه المروءة , وما نهى عنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم , من إتباع المدبر والإجهاز على الجريح !

5 – لا يسعني أن انفض يدي من هذه العجالة الخاطفة عن مواقف الراحل الكريم وأخلاقه دون أن أورد نموذجا من منزلة الخلق عنده حين يبدوا التمسك به وكأنه إضاعة للمصلحة وخدمة لأعداء الدعوة :

قامت ثورة مصر وبينها وبين الدعوة وقيادتها أسباب ليس هذا مجال الإفاضة فيها , وأخلص الهضيبي في نصحه للثورة ومنحها أنفع التأييد في ما يتفق مع مبادئه الإسلامية , فلما اشتعلت أعاصير الخلاف بينها وبين جماعة الإخوان , وراحت الثورة تصب على الجماعة أبشع ضروب البطش والاضطهاد , سارع أحد خلصاء الهضيبي إلى مقر قيادة الثورة وكان لا يزال موضع ثقتها الكاملة – للإجهاز على رجالها انتصارا للدعوة وكفا للأذى عن الجماعة , فاكفهر وجه المرشد غضبا وقال له " لأن يملك يهلك الإخوان عن آخرهم – وللدعوة رب يحميها – خير من أن نبلغ قمة النصر عن طريق الغدر والخيانة , إننا مسلمون قبل كل شيء , ولو ملكنا الدنيا بإهدار الخلق الإسلامي فنحن خاسرون " .


ما زالت الكلمات للمرحوم عبد الحكيم عابدين عن مجلة الشهاب اللبنانية  :

6 – اغتنم مدير السجن فرصة إخلائنا الغرف في لحظات " الفسحة " اليومية , فحمل مدفأة مكتبه الخاص وتركها مشتعلة في زنزانة الهضيبي , الذي ما كاد يدخل الزنزانة ويفاجأ بنعمة الدفء , ثم يلمح المدفأة في زاوية من زنزانته , حتى أقبل على باب الزنزانة من الداخل يوسعه طرقا بكتلة يديه , إلى أن أسمع الحارس , فأسرع يفتح باب الزنزانة , ليفاجأ بنزيلها قد حمل المدفأة بيده وقذف بها إلى الخارج ثم أغلق الباب على نفسه دون ضوضاء !

وجاء مدير السجن يعاتبه , بحجة أنه أثره بها على نفسه , وأن في هذا ردا لكرامته , والمرشد لا يزيد على أن يدعو له , ويكرر أنه لن يقبل ميزة ولا هدية ولا كرامة خاصة . إلا بعد أن تعم كل المعتقلين من إخوانه .

7 – ولفت أنظارنا أن مرشدنا المتداعي البنية يقضي ساعة فسحته في الحديقة المواجهة لمكتب المدير ناشطا في القيام بتمرينات رياضية وهو بملابس ناصعة الألوان لعله كان يتوقر عنها وهو في شرخ شبابه .

ولما كاشفته – في أول لقاء هيئ لي معه – بغرابة هذه الحركات الرياضية , وهذه الملابس الزاهية , على مقامه وسنه , ضرب في صدري بيده ضربة حنان وتنبيه , وهو يقول دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وارتفاع المعنوية , حتى يتحققوا أن سهامهم طاشت , ولم يبلغوا منا ما يريدون ألم يبلغك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله امرئ أراهم من نفسه القوة " .

8 – اعتاد الإخوان أن يجدوا في السجون أسعد الفرص للخلوة بالله سبحانه , حيث تشغلهم أعباء العمل للدعوة أوقات الحرية عن التفرغ لما يحبونه من مناجاته , وكان الأخ " ع " بين المعتقلين من أرقهم قلبا وأغرزهم دمعا وأعلاهم نشيجا في مناجاة الله إذا حلك الظلام وسكنت الحركة بين المعتقلين والحراس .

واستطاع الأستاذ الهضيبي أن يتبين من هذا النشيج شخصية صاحبه , فما وقعت عليه عينه في ساحة الفسحة العامة , حتى أقبل يقول له " أنا أعلم أنك رقيق القلب تبكي من خشية الله , وتلك رتبة نغبط عليها جميعا , ولكن جهلة الحراس إذا سمعوا بكاءك , وأنت مرموق المكان في الدعوة , أسرعوا إلى سادتهم الطغاة , فأفهموهم أن قادة الإخوان قد أصابهم الهلع من الاعتقال , حتى أنهم ليبكون بكاء الأطفال " !

9 – اتسعت موجة النقمة على الحكم العسكري بعد اعتقال الإخوان في 13 / 1 / 1954 , ودب الشقاق إلى صفوف رجاله البارزين , حتى اضطروا إلى اتخاذ قرار بالإفراج عن الإخوان المعتقلين في حوالي 20 / 3 / 1954 , ودب الشقاق إلى صفوف رجاله البارزين , حتى اضطروا إلى اتخاذ قرارا بالإفراج عن الإخوان المعتقلين في حوالي 20 / 3 / 1954 , وخيل للقوم أنهم يستطيعون تقاضي ثمن جزل عن هذا الإفراج , فأوفدوا إلينا اثنين من رجالهم يبشراننا بالإفراج وهما الأستاذ فؤاد جلال رحمه الله والسيد محمد أحمد .

وكان مبعوثا السلطة يتوقعان لمفاوضتهما أو لمساومتهما باهر النجاح فسارع الأستاذ الهضيبي إلى إعلان أنه لن يقبل الإفراج فضلا عن أن يتعهد بأي شيء في مقابله – إلا بعد أن تمحص الاتهامات الخرافية , التي برر بها اعتقال الإخوان , أو بعد أن تعلن قيادة الثورة بطلان التهم والاعتذار عن الاعتقال !

وثبت المرشد والإخوان على هذا الموقف الأشم – بعد أن انفض أول اجتماع على غير اتفاق – حتى عاد المبعوثان بعد يومين ليفتحوا باب السجن ويعتذرا للمعتقلين – وتتبع ذلك زيارة قائد الثورة للمرشد في بيته , وزيارة وزير الإرشاد لكاتب هذه السطور في بيته , في سعي لإزالة ما علق بالنفوس من مظالم الاعتقال . . .

10 – شاءت الأقدار أن يكون الأستاذ الهضيبي في سوريا ولبنان في صيف عام 1954 بعد زيارة للملكة العربية السعودية قام بها في أول ذلك الصيف إجابة لدعوة من الملك السابق سعود بن عبد العزيز رحمه الله .

وفي ما كان الهضيبي موضع الحفاوة والتكريم وإذا الأنباء تتواتر عن موجة اضطهاد عارمة تنصب على الجماعة في مصر فتغلق مراكزها التي شارفت الألفين وتشر وتعتقل قادتها , والموظفين من أعضائها وتصادر أموالها , وتلفق جديدا وقديما من الاتهامات لأهداف الجماعة ومناهجها !

غير أن الهضيبي – أمام الجهاد والصدق والثبات والصبر – ما كاد سمع أنباء النكسة الجديدة للسلطات المصرية , وما أدت إليه من تسجير المحنة والبطش بأهل الدعوة في أرض الكنانة , حتى أمر بالتجهيز للعودة إلى مصر , وراح يفند نصائح أحبابه والغيورين عليه وعلى دعوته وجماعته , بالبقاء خارج " القفص " خدمة للدعوة وتزويدا لها بقيادة حرة , تملك من العمل والإعلان وتعبئة الرأي العام ما لا سبيل إلى شيء منه في مصر , بحكم البطش العسكري والرقابة الصحفية .

ولكنه سارع بالرحلة إلى مصر أعذارا إلى الله بضرب المثل واستنفاد الطاقة, وصيانة الدعوة من أن يشاع أن المرشد العام يهش قيادتها في الرخاء ويترك جنودها دونه يصطلون بنارها في المحنة والبأساء .

11 – وفي عام 1957 على ما أذكر , قررت لجنة من خمسة أطباء مسيحيين – في ما بلغني – أن حالة الهضيبي تنذر بالهلاك .

بيد أن الهضيبي الذي يعي تبعات القيادة تجاه الجنود ما لبث أن أخذه الحنين إلى إخوانه وأبنائه المسجونين , ولم تطب نفسه بأن يكون في نظر الطغاة ذلك الواهن الضعيف الذي يتلقف مثل هذه الفرصة لينعم بحياة الدعة متميزا على إخوة له في الجهاد , هو أولاهم بأوفر حظ في البلاء !

لذلك ما كاد يتنسم أريج العافية حتى سارع بالكتابة إلى السلطات يبلغها أنه قد عوفى بحمد لله من عارض المرض الذي أوجب الإفراج عنه , وأن باستطاعته العودة إلى السجن لقضاء باقي المدة المحكوم بها علي !

هذا هو حسن الهضيبي قمة في كل شيء . قمة في القيادة أثناء العواصف والأعاصير . قمة في التجرد والعطاء قمة في البذل والتضحية قمة في الصبر والثبات . قمة في العزة والإباء . قمة في الانتصار للحق ودفع الظلم والطغيان . قمة في مواجهة الشدائد مع التمسك يشرع الله . قمة في علو الهمة وعدم الرضي بالدنية . قمة في إحقاق الحق والعمل الجاد لإبطال الباطل .

إنه نموذج حي لإمام جديد تقدمه المدرسة المحمدية لهذا العصر التائه في صحراء العبث المهلك , والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

مراجع المقدمة

رسالة التعاليم لحسن الهضيبي

رسالة دستورنا لحسن الهضيبي

" الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية " د . إسحاق موسى الحسيني

مجلة المسلمون المجلد الثامن العدد 6 , 9

مجلة المسلمون المجلد التاسع العدد 2

مجلة الشهاب اللبنانية عدد نوفمبر 1975

حسن الهضيبي قبسات من حياته

" ولد حسن الهضيبي في عرب الصوالحة مركز شبين القناطر سنة 1303 هجرية , الموافق لشهر ديسمبر سنة 1891 ميلادية .

" قرأ القرآن في كتاب القرية .

" التحق بعدها بالأزهر لما كان يلوح فيه من روح دينية وتقي مبكر .

" ثم تحول إلى الدراسة المدنية حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907 .

" التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية وحصل على شهادة البكالوريا عام 1911 .

" التحق بمدرسة الحقوق وتخرج فيها عام 1915 .

" قضى فترة التمرين بالمحاماة بالقاهرة حيث تخرج محاميا .

" عمل في حقل المحاماة في مركز " شبين القناطر " لفترة قصيرة , ورحل منها إلى سوهاج , وبقى فيها حتى عام 1924 حيث التحق بسلك القضاء .

" كان أول عمله بالقضاء في قنا , وانتقل إلى نجع حمادي عام 1925 ثم إلى المنصورة عام 1930 , وبقى في المنيا سنة واحدة , ثم انتقل إلى أسيوط فالزقازيق فالجيزة عام 1933 حيث استقر سكنه بعدها بالقاهرة .

" تدرج في مناصب القضاء , فكان مدير إدارة النيابات , فرئيس التفتيش القضائي , فمستشارا بمحكمة الاستئناف , فمستشارا بمحكمة النقض .

" استقال من سلك القضاء عام 1950 بعد انتخابه ليكون مرشدا عاما وبايعه الإخوان المسلمون جميعا في مقار شعبهم كما سيأتي بالتفصيل في ما بعد .

" اعتقل للمرة الأولى مع إخوانه في 13 يناير سنة 1954 , وأفرج عنه في شهر مارس من نفس السنة حيث زاره كبار ضباط الثورة معتذرين .

" اعتقل للمرة الثانية أواخر عام 1954 حيث حوكم وصدر عليه الحكم بالإعدام ثم خفف إلى المؤبد .

" نقل بعد عام من السجن إلى الإقامة الجبرية لإصابته بالذبحة ولكبر سنه .

" رفعت عنه الإقامة الجبرية عام 1961 .

" أعيد اعتقاله يوم 23 أغسطس سنة 1956 في الإسكندرية وحوكم بتهمة إحياء التنظيم , وصدر عليه الحكم بالسجن ثلاث سنوات على الرغم من أنه كان قد جاوز السبعين , أخرج خلالها لمدة خمسة عشر يوما إلى المستشفى ثم إلى داره , ثم أعيد لإتمام مدة سجنه .

" مددت مدة سجنه بعد انتهاء المدة حتى تاريخ 15 أكتوبر سنة 1971 حيث تم الإفراج عنه .

" انتقل إلى رحمة ربه تعالى في الساعة السابعة صباح يوم الخميس 14 شوال سنة 1393 هجرية الموافق 11 نوفمبر سنة 1973 ميلادية .

رحمه الله وتغمده بواسع رحمته .

قال عن حسن البنا المرشد الملهم

بقلم حسن الهضيبي

عرفته أول ما عرفته من غرس يده . . . كنت أدخل المدن والقرى فأجد إعلانات عن " الإخوان المسلمين " دعوة الحق والقوة والحرية فخلت أنها إحدى الجمعيات التي تعني بتحفيظ القرآن والإحسان إلى الفقراء ودفن الموتى والحث على العبادات من صوم وصلاة . . . وأن هذه قصارا ها من معرفة الحق والقوة والحرية . . . فلم أحفل بها .

فكثير هم الذين يقرءون القرآن دون أن يفقهوه ودون أن يعملوا به , وأكثر منهم الذين يصلون ويصومون ويحجون دون أن يكون لذلك أثر في نفوسهم , والإحسان إلى الفقراء كثيرا ما يوضع في غير موضعه . . .ولم أحاول كما هي العادة أن أعرف شيئا عن الإخوان المسلمين .

ثم التقيت يوما بفتية من الريف أقبلوا علي – على غير عادة الأحداث مع من هم كبر منهم سنا ومركزا – يحدثونني . فوجدت عجبا . فتية من الريف : لا يكاد الواحد يتجاوز في معارفه القراءة والكتابة يحسنون جلوسهم مع من هم أكبر منهم في أدب لا تكلف فيه . . . ولا يحسون بأن أحدا أعلى من أحد ويتكلمون في المسألة المصرية كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف ويتكلمون في المسائل الدينية كلام الفاهم المتحرر من رق التقليد . . ويبسطون الكلام في ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية , ويعرفون من تاريخ الرسول – وتاريخه هو تاريخ الرسالة – ما لا يعرفه طلاب الجامعات . . . فعجبت لشأنهم وسألتهم أين تعلمتم كل ذلك ؟ فأخبروني أنهم من الإخوان المسلمين . . وأن دعوتهم تشمل كل شيء . . وتعني بالتربية والأخلاق والسياسة والفقر والغنى والاقتصاد وإصلاح الأسرة وغير ذلك من الشئون صغيرها وجليلها .

من ذلك الوقت تتبعت حركة الإخوان المسلمين وصرت أقرأ مطبوعاتهم وأتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك .

ولكني عرفته من غرس يده . . قبل أن أعرف شخصيته .

كان يوم خرجت أنا وبعض زملائي لمشية العصر على حافة النيل فوجدنا جمعا من الجوالة سألناهم عن شأنهم فعلمنا أن حسن البنا سيلقي خطبة في حفل الليلة فوافينا الحفل وسمعنا حسن البنا . لقد تعلقت أبصارنا به ولم نجد لأنفسنا فكاكا من ذلك . . وخلت والله أن هالة من نور أو مغناطيسا بوجهه الكريم فتزيد الانجذاب إليه . خطب ساعة وأربعين دقيقة وكان شعورنا فيها شعور الخوف من أن يفرغ من كلامه وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها ذلك الوقت .

كان كلامه يخرج من القلب إلى القلب شأن المتكلم إذا أخلص النية لله . . وما أذكر أني سمعت خطيبا قبله إلا تمنيت على الله أن ينتهي خطابه في أقرب وقت . كان كالجدول الرقراق الهادئ ينساب فيه الماء . لا علو ولا انخفاض , يخاطب الشعور فيلهبه والقلب فيملؤه إيمانا . . . والعقل فيسكب فيه من المعلومات ألوانا .

انقضى وقت طويل دون أن ألتقي به . . ولما أذن الله بذلك التقينا فإذا تواضع جم وأدب لا تكلف فيه وعلم غزير وذكاء فريد وعقل واسع ملم بالشئون جليلها وحقيرها , وآمال عراض . . . كل ذلك يحفه روح ديني عاقل لا تعصب فيه ولا استهتار . . وكذلك جعلناكم أمة وسطا : إنه كان ملهما وأقسم أني التقيت به وعاشرته فما سمعت منه كلمة فيها مغمز في عرض أحد أو دين أحد , حتى من أولئك الذين تناولوه بالإيذاء والتجريح في ذمته ودينه وكان في ذلك ملتزما حدا ما أمره الله .

هذا هو حسن البنا الذي قتلوه . . . لقد قتلوا أخطر داعية ظهر على الأرض منذ قرون , والآن فإن الغرس الذي عرفت فيه حسن البنا قد نما وترعرع وصارت دعوته إلى كتاب الله مستقرة في القلوب . . .

وصار تلاميذه يعلمون الناس ما علم ويلهمونهم ما ألهم وزاد عددهم على البأساء والضراء حتى أصبحوا أقوى جلدا مما كانوا , وأعرف بشئون الحياة وأصبر على المظالم وأعلم بأن أعداء دعوتهم أكثر من أنصارهم فأعدوا أنفسهم لكفاح طويل في سبيلها .

ولقد صار " الإخوان المسلمون " اسما لا يعبر عن منظمة في مصر وإنما يعتبر عنوانا لنهضة الإسلام وبعثه وحيويته في جميع البلاد الإسلامية من المحيط إلى المحيط . . فاسم الإخوان في أندونيسيا وال باكستان وكل البلاد العربية . وصارت دعوتهم رعبا للمستعمرين وأنصار المستعمرين والمنافقين والظالمين , لأن الباطل يفزع من الحق أينما كان وحيثما وجد . . .


نظراته في القرآن الكريم

" عدل الله "

نحن في حاجة في هذا الزمان , وفي كل زمان , إلى أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى ونتذكر ما أوصانا به من خير , فلنستزيد منه وما نهانا عنه من شر فنتجنبه , ولقد غشيت هذه الأمة غواشي الظلم وانسدل عليها من محنه وأرزائه ما يجعلنا نستروح نسمات العدل الإلهي في كتب الله , وكيف يكون , لعلى الله يريح نفوسنا , فنلزم طريقه ونعدل عن طريق الفتنة , ولا نتمادى في إتباع الهوى , فقد أضلنا عن سبيل الله .

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .

فعدل الله كامل شامل , لا يختص به فريقا دون فريق , هو عدل يشمل الناس جميعا غنيهم وفقيرهم , قريبهم وبعيدهم , عدوهم وصديقهم , مسلمهم وغير مسلمهم . وقد جعل الله تعالى المرجع في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله حتى لا تكون فتنة وحتى لا يتبع الناس أهوائهم في سن قوانين يزعمون أن من اتبعها ومن حكم بها فقد عدل . ومن لم يحكم بها فقد جاوز العدل .

قال تعالى : يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم , فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا .

فطاعة الله واجبة , وطاعة رسول الله واجبة , وطاعة أولي الأمر واجبة ما التزموا كتاب الله وسنة رسوله . فإن اختلفنا وجب أن نر د أمورنا إلى الله ورسوله , ولا شك أنا نجد فيهما الحكم المراد : " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون – الفاسقون – الكافرون " . . .

فهذا هو القانون الذي يرجع إليه العادل فيعدله , ومهما التمس العدل في غيره فهو ظالم أو فاسق أو كافر . ولن يقبل الله من أحد أن يرجع إلى غيره وغير رسوله عند التنازع .

وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .

وقد يحكم الإنسان بحكم الله , ولكن الهوى يدخل على قلبه فيؤثر قريبا أو يحابي صديقا , ويلم بعيدا أو عدوا أو ذميا , فلا يكون متبعا لأمر الله إلا في ظاهر الأمر دون حقيقته , ويكون عمله من التدليس الذي إن خفي على الناس فلا يخفى على الله الذي يعلم السر والنجوى , لذلك كان تحذير الله من مثل ذلك شديدا , تنقل فيه عزل وجل من الأمر بالعدل بصفة عامة إلى التحذير من أسباب الميل التي قد تسوغها الأهواء للنفس الضعيفة التي لا تخالطها بشاشة الإيمان الصادق .

قال تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها , وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل , فهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام , ويدخل فيه جميع الخلق , ففي الحديث " كلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن راعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عنه , والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عنه . ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته "

وقال تعالى " وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " .

وفي النهي عن محاباة الأقارب يقول الله عز وجل : " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا "

ويقول في النهي عن ظلم الأعداء : " يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون "

ومن أروع الآيات التي نزلت في تحقيق العدالة ما نزل في قصة ابن أبيرق يكشف للرسول عليه السلام عن حقيقة الأمر فيها أو ما دبره الخائنون لصرفه عن الحق حتى كادوا يوقعونه في ظلم بريء لم يستحق إثما , ويسمهم بما هم أهله .

سرق ابن أبيرق درعا لجاره , فأمر رسول الله عليه السلام بقطع يده , ففر وجاء أهله إلى الرسول وزعموا له أنه لم يسرق الدرع إنما الذي سرقها هو فلان اليهودي , وما زالوا به حتى مال إلى قولهم , فأنزل الله هذه الآيات التي تعتبر دستورا لأعظم نوع من العدل الصرف , العدل الذي يشمل الإنسانية كلها , العدل الخالص البريء من الهوى :

" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما , واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . . يستخفون من الناس ولا يستخفون من لله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتهم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا . ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما . ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما . ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا مبينا . . ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " إلى أخر هذه الآيات من سورة النساء .

سقنا هذا القرآن لنتدبره ونعرف كيف يكون العدل الذي فرضه الله علينا ونقيس ما نحن عليه بهذا المقياس الرباني , لنعلم أين نحن من ذلك في تفكيرنا وما يجول بخواطرنا , وفي أقوالنا وأفعالنا وفي أنفسنا وأقاربنا ومن نحب ومن نكره , ونعرف مقدار ما أصابنا من خير بحرصنا على الحق والعدل , وما أصابنا من شر ببعدنا عنه والتفريط فيه , فنعود إلى الله ونستغفره ونرجو رحمته .

وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلما حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا من أخلاقه وسلوكه , فيكون عادلا مع الناس جميعا . ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه , فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم , ولا يلمزهم , فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك .

ثم ننظر كذلك في ما يعتبره غيرنا عدلا وهو غير ذلك , فإن هؤلاء لا يعدلون – إذا عدلوا – إلا بين بني جنسهم . أما بينهم وبين غيرهم فالعدل أبعد ما يكون منهم وأمثلة ذلك كثيرة يمكن أن يقرأها الإنسان في كل تصرفاتهم وأحكامهم , حتى يبدو ديننا على حقيقته , ونعلم أن الله أراد ببني الإنسان الخير في إتباعه والاعتداء بهديه والعمل به , وصدق الله العظيم .

" إن هذا القرآن يهدى التي أقوم "

آفات القانون الوضعي

قرأت قول الله تعالى " قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى , ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " . . .

قرأت هذه الآيات ووقفت عندها وتأملتها . كانت هذه وصيته تعالى لأدم وزوجه حين أخرجهما من الجنة وأهبطهما إلى الأرض فهي من أقدم الوصايا على الإطلاق . لذلك كانت خليقة بأن تكون سنة كونية – لا يتخلف مدلولها عن أحد من خلقه تعالى في أي حال من الأحوال – والقرآن مليء بالسنن الكونية . أي القواعد من مثل واحد وواحد يساوي اثنين وخمسة في ستة يساوي ثلاثين , أشياء ثابتة لا تتغير ولا تتبدل . وهذه السنن الكونية والله أعلم وضعت لإرشاد الخلق إلى الحق , لأن الإنسان قد يجد لنفسه عقلا يفكر ويدبر , فيذهب به الشطط إلى الظن بأنه قادر على كل شيء بتفكيره وتدبير وأنه يستطيع أن يمضي في هذه الحياة بما يوحي إليه عقله من خير يحسبه شرا وشرا يحسبه خير , ولذلك وللحد من سلطان هذا العقل وضع الله تعالى تلك السنن الكونية للإنسان العاقل ليهتدي بها ويسير على رشدها كما وضع لسائر مخلوقاته من النواميس ما هو ثابت دائم كالشمس والقمر والكواكب والنباتات والحيوان وما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى . كل ذلك لو تأملته لوجدته يسير على سنن لا تتخلف أبدا , فكذلك الإنسان وضعت له السنن الكونية فإن ائتمر بما أمر الله وانتهى عما نهى كان له جزاء الحسنى في الدنيا والآخرة .

تأمل الآية الكريمة " فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " وهدى الله تعالى هو ما جاءت به الرسل والأنبياء , من اتبعه فقد نجا من الضلال والشفاء . هذا وعد من الله حق , لو اطمأنت نفوسنا إليه ورضينا ب هوامنا وعملنا بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام القائل " ما تركت من خير إلا وأمرتكم به وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه " لكان لنا عند الله ما وعد به المطيعين ولحق لنا أن نكون من السائلين .

وتأمل الآيات الكريمة أيضا " ومن أعرض عن ذكري " أي هداي " فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . . " ترى فيها ما يصيب المخالفين لأمر الله تعالى من جزاء في الدنيا وعذاب في الآخرة .

ونحن قد أتانا هدى الله على لسان نبيه الكريم فهل اتبعنا الهدى فيحق لنا ألا نضل ولا نشقى أو أعرضنا عنه فلنا – ولا تبديل لأحكام الله – معيشة ضنك ؟ ؟ وقانا الله من جزاء يوم الحشر .

إن بلاد العالم الإسلامي تحكم اليوم إما بقوانين وضعية مستعارة من القوانين الأوربية لا صلة لها بالقرآن ولا يهدي القرآن , وإما أن حكامها يدعون – أنهم يحكمون بالقرآن وهم عن معاني القرآن بعيدون يحسون أنه صلاة وصوم وحج ولا يدركون أنه مع ذلك علم وفهم وتربية وأخلاق وجهاد في سبيل الله ومعاملة وتحقيق العدل الاجتماعي الذي كفله الله للناس على صورة لم يصل إليها الناس في كافة عصورهم , لذلك كانت دعواهم أن دستورهم القرآن من الدعاوي التي تضر بالإسلام والمسلمين أبلغ الضرر فإنها تكون مقرونة دائما بجهلهم وفقرهم وتأخرهم وتخلفهم عن ركب الحياة , فاتخذ الناس من ذلك دليلا على أن الإسلام غير صالح لهذه الحياة , وما العيب في الإسلام ولكن العيب في القائمين عليه وبلاد العالم الإسلامي فشا فيها من ذميم الأخلاق ما لا يمكن معه أن يصدق أن المتخلقين بها مسلمون .

فأكل أموال الناس بالباطل أصبح سجية فيهم : فلا يسأل الإنسان نفسه عن ماله أمن حلال كسبه فيحمد الله أم من حرام جناه فيتوب إليه ويذكر قول الرسول عليه السلام " كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به " فالقمار المحرم أصبح وسيلة من وسائل الكسب التي تتراءى للناس كأنها مشروعة لفرط ما ألفوها . ولا يبالي الواحد أن يأكل مال أخيه ولا يسأل نفسه عن سبب استحلاله لماله . والرشوة والاختلاس وخيانة الأمانة أصبحت كأنها من مقررات الحياة وأنها جزء من مرتبات الموظفين وعمل العاملين . الأمر الذي تسبب عنه تعطيل المصالح العامة والخاصة لعدم ثقة الناس بعضهم ببعض .

وظلم الأغنياء للفقراء وعدم إيفاءهم حقوقهم التي أمر الله زاد غنى الأغنياء وفقر الفقراء وجهلهم وأفسد الحياة الاجتماعية وأخل بتوازنها .

والزنا والفجور واستهتار الرجال والنساء وانتهاك الحرمات وشرب الخمر صار كل ذلك شيئا عاديا يتحدث الناس بحقائقه كأنها من الأمور المباحة , وبالأكاذيب فيه كأنها من دواعي الفخر .

ولا تسأل عن الكذب والنفاق والغيبة والنميمة وسخر الناس بعضهم ببعض والتنابز بالألقاب واتهام الناس بالباطل . .

هذه النقائض كفيلة بهدم المجتمع . نقترفها كل يوم ولا تكلف أنفسنا أن نعرضها على كتاب الله حتى نعلم إننا أعرضنا عن هدي الله تعالى فكان جزاؤنا ما نحن فيه من ضنك المعيشة وصدق الله العظيم " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " . . .

الشريعة القصاص

ولكم في القصاص حياة :

قرأت في ما قرأت أنه وقعت حادثة قتل في إحدى قرى مديرية الشرقية في زمن محمد علي , فألف لها محكمة خاصة لتحقيقها والحكم فيها , فوقفت عند هذه الحقيقة أتأملها : حادثة قتل واحدة يؤلف لها الحاكم محكمة خاصة . واليوم محاكم الجنايات مقامة في عاصمة كل مديرية , وتفصل في قضايا القتل التي لا تعد بالآحاد بل تعد بالعشرات , وأصبح القضاة لا ينفعلون بهذه الحوادث ولا يهتمون بها , ويحكمون فيها كأنها مسائل عادية لا توجب الفزع ولا الاهتمام . وقل أن يحكم في واحدة منها بالقصاص , بل يحكم في بعضها بعقوبات تافهة لا تشفي الغليل .

وقفت عند هذه الحالة وتأملتها , فوجدت أن حال الناس قد عادت إلى جاهلية مظلمة , فالقاتل لا يقتل , بل يتهم غيره لعلم الناس أن المحكمة لا تحكم بالقصاص . فيقدم غير القاتل حتى يحكم عليه , ويبقى هذا طليقا خارج السجن ليقتص منه أهل القتيل . فإذا قتل انتقم أهله من أهل قاتليه , عرف القاتل من بينهم ولم يعرف وقد عدد لي أحد الشهود إذ كنت أحقق ببعض القضايا ثلاثة عشر قتيلا ترتيب قتلهم على قتل رجل لم يحكم على قاتله بالقصاص , وقد حصل في بعض قرى الوجه القبلي أن قتيلا قتل فذهب أهله إلى عمدة القرية – وهو كبير عائلة القاتل – وطلبوا منه أن يسلمهم القاتل ليقتلوه , فكبر عليه ذلك وردهم ردا غير جميل , فكان هو أول قتيل , ثم استمر القتل بين العائلتين إلى أن بلغ القتلى ثمانية عشر وشرع في قتل نحو أربعين , وأصبح الواحد منهم لا يأمن على نفسه أن يبرز خارج البيت , وبارت زراعتهم وتجارتهم , وركبهم الفقر , وأصبحوا في حالة يرثى لها . . .

وأمثال ذلك كثيرة في قرى الريف وحوادث القتل دائما في ازدياد .

والذي يتأمل هذه الحال ويتعرف أسبابها يجزم بأن القانون الذي نحكم به قانون وضعي , لم ينزل بأمر الخالق وهو أعلم بخلقه وأعلم بما يصلحهم وبما يفسدهم , ولو اتبعنا ما أمر لله به لكان لنا في ذلك حياة . . . حياة القاتل الذي يتروى إذا عرف أنه لا محالة مقتول بمن قتل , وحياة أهله الذين ينتقم منهم جهلا وكيدا . . .

القانون الوضعي يقضي بألا يقتل القاتل إلا إذا كان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد , ثم هو يبيح مراعاة الظروف لمخففة فيجوز للمحكمة أن تنزل عن عقوبة الإعدام إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة , وذلك مع مراعاة لأحوال الجاني وظروف ارتكابه الجناية اعتبارا بأن القاتل والمقتول ملك الدولة وأنها تصلح من شأن القاتل بما يتفق وحاله . . ولا يلقى القانون بالا لأهل المقتول الذين تلتاع أفئدتهم من رؤية القاتل يمشي على الأرض بعد قتل والدهم أو أخيهم أو أحد أقاربهم . ومن هنا كان التخفيف عن القتلة , ومن هنا كانت النفوس التي لا تطمئن إلى هذه الحال فتجري في القاتل وأهله العقاب الذي يشفي غليلها ويبرد قلوبها .

إن خالق الخلق هو أعلم بهم , لذلك كان وضعه للعقوبات متفقا مع أحوال النص , جانين ومجنيا عليهم , وما يرضيهم وما يسخطهم . وكان القرآن لذلك جبارا في عقوباته إذا شاء أهل الدم القصاص , وكان كذلك رءوفا رحيما إذا عفوا وغفورا , أو إذا رضوا بأن يأخذوا الدية . . .

فعقوبة القاتل – بسبق إصرار أو بدونه – القتل , ولأهل القتيل أن يأخذوا الدية – ولهم أن يعفوا ويصفحوا – وهذا يفيد أنه لا يراعى في القصاص إلا مرضاة أهل القتيل وبراءة نفوسهم من الضغن الذي يدعو إلى القتل وتجاوز الحد فيه , .

" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " فإذا طلبوا القصاص فقد وجب , ولا يرضى نفوسهم إلا هذا , وإذا قبلوا الدية فقد قدروا مصلحتهم . ولعلهم يجدون الخير كل الخير في أن يفعلوا ذلك إذا كانت بينهم وبين القاتل قربة , أو كان للمقتول صبية يستفيدون من الدية أو غير ذلك من الأسباب , ولهم أن يعفوا عمن قتل , وذلك أقرب للتقوى , وليس للدولة أن تتدخل في ما بينهم فتقتص من القاتل إذا لم يشاءوا – على ما ذهب إليه بعض الفقهاء وما دخولها بينهم إذا صفت نفوسهم ولم يعد فيها من دواعي الحفيظة شيء ؟ إن ادعاء أن القاتل والمقتول ملك للدولة بعيد عن المعقول , والدولة في هذه الصورة ليست إلا قوامة على حفظ الأمن , فإذا استقامت أموره فلا عليها بعد ذلك أن يكون الناس أحبابا لا أعداء وصدق الله العظيم . " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ " .

" ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " .

" من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " .

" ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق , ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " .

" يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى , فمن عفي له من أخيه شيء , فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان , ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون " .

اللهم إنا نسألك أن تهدي أولى الأمر منا إلى العودة إلى أحكام كتابك الكريم والعمل به ,حتى تصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة . . .

في الشريعة

ليس في الدنيا كتاب أحاط بمسائل الحياة وربط بين شئونها , وجعل بعض هذه الشئون أسباب لبعض , وحل مشاكلها في بساطة ويسر القرآن الكريم .

" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , تنزيل من حكيم حميد "

فإذا قرأته , وتدبرت آياته وجدته كلا لا يقبل التجزئة , ووجب أن ترجع ما فيه من أحكام إلى أصولها , حتى يتبين لك الحق فيها , فلا تقتصر على حكم دون أن تلقي بالا إلى ما لا يتعلق به من الآيات الأخرى , كما فعل ويفعل بعض المسلمين في كثير من المسائل .

ولنضرب لذلك مثلا الآية القرآن ية الكريمة : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم " .

لا شك أننا إذا قرأنا هذه الآية وحدها منقطعة عن باقي القرآن وفهمنا السرقة بمعناها المنصوص عليه قانونا من أنها : ( اختلاس مال مملوك للغير ) شعرنا بشيء من التردد في أن يكون الأمر كذلك وأن يعاقب السارق بقطع يده , أو شعرنا بأن العقوبة رهيبة لا تتفق رهبتها مع تفاهة السرقة في حد ذاتها , أو تفاهة المسروق أحيانا , وهذا لا يعترض به كثير من المسلمين , والأجانب على العموم , ويبدون امتعاضا من هذا الجزاء الصارم , وهم معذورون في ذلك لأنهم لا يعرفون من أمر الإسلام ما يدعوهم إلى الاطمئنان إلى أنه حق من عند الله : " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " .

إن القوانين الوضعية لا تستقصى حالة السارق وقت السرقة , ولا تستقصى أثر الحكم فيه , وفي أهله وولده , بل تعاقبه مطلقا . جاهلا كان أم عالما . فقيرا أم غنيا . بل ربما كان علمه وغناه من أسباب تخفيف العقوبة عليه لا من أسباب تغليظ العقاب . والأمر ليس كذلك في دين الله .

إن الله عز وجل أراد أن تنشأ العفة من داخل النفس أولا : فينصرف الإنسان عن المعاصي وهو في خلوته لا يطلع عليه أحد من الناس , ويشعر بأن ربه معه أينما كان مطلع على أعماله , لا تخفى عليه خافية " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم , ولا خمسة إلا هو سادسهم , ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا , ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة , إن الله بكل شيء عليم " .

وقد ذكر الله تعالى عقاب السرقة مرة واحدة , ولكنه كرر النهي عن أكل أموال الناس بالباطل , وصوره في صورة مؤثرة ترد من تحدثه نفسه بأن يمد يده إلى مال غيره دون حاجة إلى التخويف بالعقاب الدنيوي " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا , وسيصلون سعيرا " .

" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل , وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون "

وفي الحديث عن الرسول عليه السلام : إن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام وتأمل قول الله تعالى : " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى , واتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " .

تأمل : " من بعد ما تبين له الهدى , أعني أنه يجب أن تبلغ الدعوة إلى السارق , ويتهذب بالتهذيب القرآن ي . ويعرف ما له وما عليه . مما يتعين معه القول بأن التعليم في الإسلام إجباري و وواجب على الفرد . وحق له في الوقت نفسه .

فإحياء روح الإنسان وضميره وتزكية نفسه , وتطهير قلبه واجب أول في الإسلام , عليه أكثر المعول في أن يسلك الإنسان سلوكا حسنا في الجماعة التي يعيش فيها .

وإذا كنا ندرك أثر التعليم العادي في نفوس الناس , فما بالنا بتعليم القرآن الذي هو أساس لكل الفضائل , ولكن لا يكفي أن تهذب الشخص , وتطهر قلبه وتزكى نفسه , وتحيي ضميره لكي يكون إنسانا فاضلا , فان حاجته الضرورية التي بها وقاية نفسه تغلبه على الفضائل أحيانا . لذلك قضى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بأن يوجد في الدين من النظم ما تندفع به حاجة الإنسان إلى السرقة .

وبمعنى آخر لا بد من أن نتأكد قبل أن نعاقب إنسانا أن عذره في ارتكاب جنايته قد سقط , وأنه لم يرتكبها إلا بغيا وعدوانا .

وحاجات الإنسان الضرورية هي :

( 1 ) بيت يسكنه يواريه عن أعين الناس , ويجعله في أمن من العادين الباغين .

( 2 ) طعام يحفظ له نفسه .

( 3 ) ملبس للصيف والشتاء .

وأقول : إن الآيات والأحاديث التي أخذ منها الفقهاء النص على هذه الأشياء الثلاثة تستوجب القول بأنه يجب أن يكون لكل إنسان العلاج المجاني من الأمراض , متى لم يكن قادرا عليه .

هذه الضرورات لا يحصل عليها امرؤ بالاستجداء , بل لا بد من العمل , ودينه يحضه على ذلك .

" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله "

وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يد عامل ورمت من العمل فقال " هذه يد يحبها الله ورسوله " وجاء رجل يسأله فلم يعطه ما سأل ؟ بل أعطاه أداة العمل , ووجهه إليه و وقال : " ارجع إلي , لتنبئني بحالك . "

فيجب حينئذ على ولي الأمر أن يساعد الناس على إيجاد أعمال لهم , ويهيئ لهم أسباب العمل وبتعهدهم حتى تصلح حالهم .

فإذا كان دخل إنسان لا يكفيه أو لم يجد عملا أو كان غير قادر على العمل فهو في كفالة الدولة تمده بأسباب الحياة الضرورية التي بيناها .

أما المال الذي يلزم لذلك فيؤخذ من الزكاة التي جعلها الله في أموال الأغنياء حقا للفقراء فإن لم تكف الزكاة لسد حاجات الفقراء أصبح فرضا على كل من عنده فضل من مال أن يعود به على الفقراء حتى يستوفوا حاجتهم .

فإذا منع الفقير فله أن يقاتل عليه , لأن الله يأمر بمقاتلة الباغين " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله "

ولا شك أن مانع الحق باغ .

فلما كفل الله عز وجل للفقير حقه وأباح له القتال عليه , كانت العقوبة الهينة مفسدة للمجتمع ولا تتفق مع المسئوليات التي فرضها الله على الناس . فكان جزاء من سرق – بعد أن استوفى حقه – أن تقطع يده , وليس بعد ذلك توازن في الحقوق والواجبات , ومن أحسن من الله قيلا .

لا شك أن الإنسان حين يعلم ذلك , وينتهي إلى أن النص على عقوبة السرقة مكمل بنظام اجتماعي محكم تستريح نفسه إلى عدالة العقاب وتطمئن إلى حكم العزيز الحكيم .

هذه العقوبة الغرض منها هو زجر البغاة عن أن تمتد أيديهم إلى مال الناس بالباطل . وهذا يكفي لانقطاع السرقة من المجتمع الذي تسود فيه العدالة الاجتماعية على هذا النحو .

وهكذا يجب أن نقرأ القرآن , ونتدبر آياته , ونربط بعضها ببعض , ونربطها بما ورد عن المعصوم عليه السلام , المبين عن ربه , لكي نعلم أن كل ما جاء به القرآن الكريم إنما هو حق لا شائبة فيه .


حكم الإسلام والأقليات

قال القائلون : كيف تطبقون قواعد الإسلام في بلد فيه مسيحيون ويهود , وفيه أجانب ؟ ولم ينتظروا جوابا , وحكموا بأن في ذلك إحراجا للأقليات , وإحراجا للأجانب . ومن ثم فقد حكموا بأن الإسلام غير صالح لأن يحكم الناس في هذا العصر . ولم يعلم هؤلاء أن الإسلام لم يترك للأقليات قضية تتردد على مر السنين وبين أطواء القرون , ولم يجعل لهم شيئا يشكون منه , بل حسم الأمر وفض القضية وانتهت منذ أربعة عشر قرنا , وصارت في حيز النسيان . . والذين يثيرون هذه القضية لا يجدون لها موضعا , وإنما يثيرونها كوهم من الأوهام . . .

ذلك أن القرآن أباح حرية العقيدة وحماها " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " , وقال " يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي واتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون " . . .

وما حاجة الله إلى أن نكره أحدا على اعتناق الإسلام إذا كان الله ينظر إلى قلوب الناس لا إلى صورهم ولا إلى ما يقولون دون ما يعتقدون .

ولم يحصل أن أكره أحد من غير المسلمين على اتخاذ الإسلام دينا في جميع عصور التاريخ الإسلامي .

وأباح حرية العبادة , فلغير المسلمين أن يقيموا معابدهم كيفما شاءوا وأن يعبدوا الله فيها من غير حرج عليهم في ذلك " ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " وكثيرا ما حصل أن بنت الدولة الإسلامية الكنائس المسيحية يؤدون فيها شعائر دينهم , ولا يزال المسيحيون واليهود يتمتعون بهذه الحرية إلى اليوم . لا يستطيع مسلم أن يحرمهم منها , لأنه إن فعل يكون عاصيا لله سبحانه وتعالى غير مطيع لأمره , والمسلمون إذ يبيحون حرية العقيدة وحرية العبادة لا يتفضلون على أحد بذلك وإنما يفعلونه عبادة لله تعالى وقربى له دون أن يملكوا منعا .

وفي أحوالهم الشخصية فإن الأقليات تطبق قواعد دينهم , تحكم في ذلك محاكمهم : فالزواج – والطلاق – والنفقة – والعدة – والرضاعة – والنسب – والميراث – والوصية – والهبة : كل ذلك وغيره مما يدخل في هذا الباب قد أمرنا فيه بتركهم وما يدينون – لا يتعرض لهم أحد في ذلك .

وكل ما يصح لنا أن نفعله هو أن نهيي لهم محاكمهم , ونهيئ لهم طرق السير في قضاياهم إذا هم طلبوا ذلك , أما الموضوع فلا شأن لأحد فيه لأنه دين محض ليس علينا أن نقول لهم أخطأتم فيه أو أصبتم .

فإذا جاءوا إلينا طائعين مختارين حكمنا بينهم بما أنزل الله , وقديما جاءوا إلينا في قضايا الميراث لأن الإسلام يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين . ولو أنه فاتهم أن الإسلام كل غير قابل للتجزئة , وإنه إذا كان يعطي المرأة نصف حظ الذكر , فلأنه لا يكلفها نفقة على زوجها ولا على نفسها ولا على أولادها ولا على أحد من أقاربها , على حين أن الرجل مكلف بالنفقة عليها ولو كانت غنية , وعلى أولاده , ووالديه وأقاربه .

وإن في هذه الحريات من الحق والإنصاف والإسماح ورعاية مشاعر غير المسلمين ما لا نجده في القوانين الوضعية الحديثة , فالله تعالى لا يشرع حين يشرع للمسلمين وحدهم فيظلم النصارى محاباة لهم , ولا يشرع للنصارى فيظلم للمسلمين لحسابهم , وإنما يشرع لخلقه جميعا وهو أعدل الحاكمين , وليس في حاجة إلى ظلم أحد لحساب أحد .

وإن الدول الأجنبية والقوانين الأجنبية لا تعطي أحدا من الناس من الحقوق مثل ما أعطى الإسلام لغير المسلمين , فالمسلم الإنجليزي كاللورد هدلي مثلا . . . لا يستطيع أن يتوارث أبنائه على ما أنزل الله , بل طبقا للقانون الإنجليزي , ولا أن يتقاضى أمام قاضيه بل أمام قض غير مسلم , ولا يكون زواجه وطلاقه وهبته ووصيته إلا طبقا للقانون الإنجليزي , وكذلك القانون الفرنساوي وسائر القوانين الأجنبية حتى القانون التركي لم يجعل للمسلمين ولا لغير المسلمين حقا في أن تستريح نفوسهم بالعمل بقواعد دينهم .

وأما من حيث المعاملات فإن المسيحية ليس فيها نصوص تنظمها , أما الإسلام فقد تعرض لها وقرر أحكامها , فالبيع – والشراء – والإجازة – والقرض – والعارية – والشركة : كل ذلك مما تعرض له الإسلام وتكلم فيه الفقهاء من أمور الدنيا قد جعل شرعا للمسلمين لا يختلف عن الشرائع المعمول بها في الوقت الحاضر في سائر البلاد غير الإسلامية إلا في أحوال قليلة . ويهمنا أن يلزم المسلمون دينهم , وأن يأخذوا به على أنه أمر من الله تعالى واجب الطاعة والاحترام , وأن يروضوا أنفسهم على تنفيذه بدافع من ضمائرهم واعتقادهم لا مراعاة نصوصه فقط , تلك النصوص التي يشعر المرء فيها بأنه يستطيع الخروج عليها وعدم الطاعة لها متى قدر على ذلك ما دام يعتقد أنها من صنع إنسان مثله ليس له حق الاستعلاء عليه والتشريع له لجواز خطئه وتحيزه وتأثره بالأهواء والأباطيل . . .

ولما كانت المسيحية ليس فيها نصوص من هذا القبيل فيستوي عند المسيحيين أن يكون قانون المعاملات بحيث يعتقده المسلمون دينا ويحترمون تنفيذه في حق أنفسهم وحق غيرهم , وأن يكون قانونا بالنسبة لغير المسلمين .

وقد بقى قانون المعاملات معمولا به في مصر مدة ثلاثة عشر قرنا , فأصبح قانونا قوميا للمسلمين والمسيحيين على السواء .


المستأمنون

دخل علي في الأسبوع الماضي مراسل جريدة أجنبية ومعه أحد الإخوان الذين يساعدونني في الإلقاء إليه بما أريد باللغة التي يتكلمها . وقد لاحظت لأول مقدمه أنه ينتفض من الرهبة . فلم أشعره بأني لمحت شيئا من حاله وجعلت أحدثه في ما أراد , ولما هم بالقيام لاحظت أنه خف عنه الروع ولم يذهب , فاستبقيته بعض الوقت وقلت له في ما قلت إنك سألتني عن مقاصد الإخوان المسلمين وعلى الأخص بالنسبة للأجانب : هل يسمح لهم بأن يمارسوا عباداتهم وتجارتهم , وهل يمكن أن تتعاونوا مع الأجانب على النهوض بالبلاد . . . الخ . وقد أجبتك بحقيقة أحكام ديننا في ما سألت , وليس في هذه الأحكام شيء يتنافى مع ما تفعله الدول الأخرى من التقنين بالأجانب , فما هو السر في ما تعتقدون من تعصب المسلمين , هذا الاعتقاد الذي تدل عليه الأسئلة الكثيرة التي وجهت وتوجه إلى . فقال الرجل : هذا شيء نتعلمه في المدارس منذ أجيال حتى صار كأنه حقيقة واقعة رسخت في نفوسنا ولا بد من أجيال أخرى لإزالة ما رسخ في النفوس . . .

وحقيقة الواقع أنه بعد الحروب الصليبية عاد كثير من الأجانب ببعض الأفكار الخيرة عن الإسلام والمسلمين ولكن هذه الأفكار لم يقدر لها الرواج , وغلبت عليها أفكار رجال الدين المتعصبين , فغيروا الحقائق وكتبوا تاريخ الإسلام على هواهم وشوهوه وبدلوه من بعد ما عقلوه , وصار الأجانب يدرسون ذلك في مدارسهم , ويدرسونه للمسلمين الذين ابتلوا بهم في غير حياء ولا خوف , فالطعن على رسول المسلمين صار جزءا من برامجهم , والطعن على الإسلام من باب أولى . وصار بعض من نسميهم بالمسلمين يصدقون ذلك . . . ويتقربون للأجانب بمجاراتهم , ويظهرون لهم المودة والموافقة على ما يقولون . . .

هذه حال ستدوم : " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " وعلينا نحن ألا نقابل بالمثل , وكيف نفعل ونحن مأمورون بأن نشهد بالله وملائكته وكتبه والنبيين . وتعظيم كتابنا لعيسى وموسى أكثر مما يعظمهم اليهود والنصارى , ولئن كانوا ظلموا التاريخ بتشويه حقائقه فليس علينا إلا أن نعدل فيهم ونتبع هدي القرآن .

قال تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " ولم يقل الله تعالى وإذا حكمتم بين المسلمين – فإن العدل في الإسلام عدل إنساني لا يعرف التفرقة بين مسلم وغير مسلم .

وقال تعالى " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا , اعدلوا هو أقرب للتقوى " – فنهانا الله بذلك أن نفرق في عدلنا فنعدل في من نحب ولا نعدل في من نكره , بل يجب علينا العدل بين الناس في كل الأحوال .

وقال تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " . وقال : " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " .

وقال : " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " . فأحكام الإسلام تأمرنا بأن نعامل الناس كافة بالعدل ولو قال لنا الإسلام شيئا آخر لفعلنا , ولو قال قاتلوهم لقاتلناهم .

فالأجانب متى استأمنوا كانت لهم في المعاملات الحقوق التي للمسلمين لا فرق في ذلك بين أحد وأحد ثم إنهم أحرار في ممارسة عباداتهم . ولا يستطيعون أن يأتوا بشاهد واحد على أن المسلمين تعرضوا لهم قديما أو حديثا بما يكرهون في هذا الباب . والحق أن الأجانب لا يخشون من أن يظلمهم المسلمون – ولكنهم يخشون من أن يتساووا بالمسلمين وأن يكون لهؤلاء ما لهم من الحقوق – ألا ترى أن حكام المسلمين في عهود ازدهار الحكم الإسلامي منحوهم مزايا لم تكن تضر بهم في ذلك الوقت فلما ضعف المسلمون تعلقوا بها وصارت حقوقا لهم لا يتخلون عنها إلا بشق الأنفس . وما عهدنا بامتيازات الأجانب ببعيد – بل ما زال يلحقنا منها بعض القيود في تشريعاتنا .

وبعد : فنحن مستعدون لمعاملة الأجانب كما نعامل الوطنيين ونوليهم من العدل ما تولى هؤلاء . ولكن ليس لهم أن يطمعوا في أن يأتوا إلى بلادنا فيملئوا جيوبهم من المال من غير رعاية لحقوق المصريين بل يجب عليهم الخضوع بأمانة إلى قوانين البلاد .

شبهات

" ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها إلا هو وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " ( الآية 2 سورة فاطر )

كانت السيارة تطوي بنا الأرض ونحن ننتقل بين قرى الصعيد لزيارة شعب الإخوان المسلمين , وكنا نتبادل ملاحظات على سير دعوة الإسلام واستجابة الناس لها , ووددنا لو أن الناس كانوا في ذلك سواء فاستجابوا لها وعلموا أن أكثرهم لم يكونوا مسلمين إلا بالاسم , وابتغوا إلى الله سبيل الهداية , وكانوا ربانيين في كل شيء . . . إلى آخر ما يدور عليه الحديث أثناء السفر بين قرية وأخرى في هذه الشئون . وتلا أحدنا هذه الآية الكريمة : " ما يفتح الله للناس من رحمة . . . . . " إلى أخرها . وجعلت أديرها في ذهني , واعتزمت أن أجعلها موضوعا " للمسلمين " ولكن الحركة المستمرة أنستني إنا , ولم تدع لي أن أكتب أنا آخر حتى كانت هذه الأيام التي انصدع القلب فيها مرات ومرات لقول بعض الناس أننا في العصر الملكي الذي ليس فيه تشريع وسيأتي التشريع عندما يأتي العهد المدني وأن قول الله تعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " خاص باليهود .

وقرأت رسالة لكاتب يعتبر نفسه من كبار الكتاب , ذكر فيها أنه كان في سهرة أقامها أحد الألمان فأثارت سيدة موضوع نظم الحكم , ودافع فيه الشيوعي عن الشيوعية والديمقراطي عن الديمقراطية والدكتاتوري عن الدكتاتورية , وجاء دور رجل الدين فقال : إن العالم لا بد وأن يرجع إلى الدين ويعترف به , ولقد كانت الكنيسة الكاثوليكية مسيطرة وأظنها لا تزال – على السياسة الدولية . . . وهنا تدخل الكاتب المسلم : لكن هل كان حكم الكنيسة الكاثوليكية عادلا على إطلاقه أم أن التاريخ قد ضج من ظلم رجال الدين ؟ فقال القس : الدين بريء والرجال وحدهم المسئولون , فلا تخلط بين مسئولية الدين ومسئولية الرجال . وعاد الكاتب المسلم يقول : وكيف نستطيع أن نوفق بين الأسس الدينية وأسس الحكم الوضعية ؟ فقال القس : إن في وسع المتحررين من رجال الدين أن يوفقوا بين الروحانيات والماديات , وأن دينكم الإسلامي كان دائما دين سياسة وحكم , وقد نجح في هذا نجاحا مشهورا فكيف تعارض ؟ وانتهى الاجتماع على لا شيء , وقال الكاتب المسلم : فهل يا ترى يتمخض العصر الحديث عن مذهب خامس يجمع محاسن كل المذاهب ويتفادى مساوئها ؟ . . ثم يجيب : هيهات ! ! . .

فهذا مسلم يطوع لنفسه أن يقول ما يستفاد منه أننا كلنا مضينا في التاريخ حقبة , وفتر من فتر عن دينه , انصرفنا عن الدين وكنا في العصر المكي الذي لا تشريع فيه , ويبقى هذا العصر المكي زمنا يطول حتى يبلغ الأجيال , وقد يقصر , وحينئذ يأتي العصر المدني فنأخذ بما فيه من تشريع – وهذا يستتبع أن التشريع الذي نأخذ به من الشريعة الإسلامية ليس واجبا أيضا , فالزواج , والطلاق , والعدة والنفقة والنسب والميراث والهبة والوصية إلى غير ذلك مما نأخذ به من أحكام القرآن والسنة يمكن أن يتجاوز عنه ونأخذ مثل هذه الأحكام مثلا من القانون الإنجليزي أو قوانين الدول والأديان الأخرى , وكأنه يزكي هذه الفكرة بأن قول الله تعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " كما قال الطبري , خاص باليهود . وقد ذكر الطبري آراء الفقهاء وذكر أن الآية خاصة باليهود ولكنه قال إنها حكم المؤمنين . والقرآن مملوء بالآيات التي تفيد وجوب الحكم بما أنزل الله , ولكن بعض الناس لا يعجبهم إلا أن يأخذوا ببعض قول الطبري دون بعضه , ودون أقوال سائر المفسرين ودون آيات الله البينات الأخرى .

وهذا الكاتب المسلم يقول له القس الكاثوليكي : وإن دينكم الإسلامي كان دائما دين سياسة وحكم وقد نجح في هذا نجاحا مشهودا فكيف تعارض ؟ ! ويأتي الكاتب المسلم إلا أن ينسب للإسلام عيوبا فيتحرق شوقا إلى أن يتمخض العصر الحديث عن مذهب خامس يجمع محاسن هذه المذاهب ويتفادى مساوئها ولكنه يقول : هيهات ! فستبقى هذه المذاب وفيها الإسلام بحسناتها وسيئاتها ! ! . .

ليس من غرضي هنا أن أقيم الدليل على خطأ هؤلاء الناس ولا أن أرشدهم إلى موضع الصواب , فأما الذي يتحدث بما جاء في تفسير الطبري فلا شك أنه يعلم من أمر الدين ما أعلم في هذه المسائل , ولكنه اختار لنفسه أن يتكلم بما يتكلم به إرضاء للناس , وليس من الحق أن ننشد مرضاة أحد بغضب الله مهما تكن المصلحة ومهما يكن الخوف , ومن فعل ذلك فقد عبد الهوى والله تعالى يقول : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون "  ! والرسول يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " والدين بعد ليس تشريعا فقط وإنما هو تطهير وتزكية .

وأما الاخر فإنه يجهل أحكام الإسلام جهلا تاما وإلا فإننا نتساءل ما هو الحكم الذي يتعارض فيه الإسلام مع محاسن المدنية الحديثة إن صح أن المدنية تكون حجة على الإسلام , وما هي المساوئ التي يتضمنها الدين الإسلامي وتمنع من الأخذ به في الحكم والسياسة ؟ . . .

ألم يجعل الإسلام الحكم لله وحده وأن العباد مأمورون بألا يحكموا بأهوائهم وشهواتهم ؟ !

ألم يجعل الحكم منتخبا ( بأي شكل كان ) , ولم يسلم بأن يكون الحكم بالوراثة , وأن يكون تعيين الموظفين مبنيا على الكفاية ؟ ! ! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

"من أمر على عشرة من المسلمين واحدا منهم وهو يعلم أن في العشرة من هو خير منه فقد خان الله وخان رسول الله وخان جماعة المسلمين " .

ألم يجعل المال لله وأن العباد فيه مستخلفون لا يجوز لأحدهم أن ينفقه في غير ما أحل الله , وكان المال الذي يجيء من الخلق ويصير إلى يد الحاكم ليس له وإنما هو لله يصرفه في شئون عباده ومنفعتهم فلا يحق له أن يصرف منه قرشا في غير هذا الوجه ؟ ! !

ألم يجعل للفقراء حقا في أموال الأغنياء يجعلهم يعيشون كما يعيش بنو الإنسان ولا يحيون حياة الحيوان ؟ ! .

ألم يجعل التعليم إجباريا للرجل والمرأة على السواء , وجعل الحكم ضالة المؤمن يتلقفها أنى وجدها ؟ ! .

ألم يجعل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم عليهم حراما ؟ !

نعم إن في الإسلام مساوئ في نظر هؤلاء الناس : أنه لا يبيح الخمر , ولا يبيح الزنا , ولا يبيح المراقص وانتهاك الحرمات , ولا يسمح بأن ينادي بعض الكتاب بإنشاء " لوكا ندات وكازينوهات " تأتي فيها الموبقات ويلعب فيها القمار إكثارا للمال الحرام في يد المسلمين ولا يسمح بأن يبدو النساء عرايا في الطرقات ولا على " البلاجات " ولا أن يختلطن بالرجال اختلاطا في غير حدوده . .

هذه وأمثالها مما يضايق الناس من الإسلام هي العيوب التي تزهدهم في الإسلام من غير أن يدرسوه ويعرفوه .

فيارب لم لم تفتح لهؤلاء الناس من رحمتك , وتبصرهم لشريعتك ؟ !

إني أؤمن بقولك : " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " .

فاللهم افتح لهم الرحمة فلا رحمة أكبر من معرفة دينك ولزوم صراطك المستقيم : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " .

الأمور تجري بقدر

ذهبت إلى الإسكندرية في الأسبوع الماضي كي أسير في جنازة شهداء البحرية الذين لم يموتوا في قتال , وإنما غرقت بهم السفينة في جو لم تقو فيه على مغالبة الرياح , وقد ذهب ضحية الحادث بضعة وخمسون رجلا من أوفى الناس لبلادهم . وكنت مهموما محزونا لهذا الحادث , أفكر فيه وفي نتائجه القريبة والبعيدة , ولما وصلت إلى حيث يبدأ المشيعون سيرهم ضاق صدري وكدت اختنق , وهي حالة تعتريني في ساعات الحزن , ولا أجد في عيني دمعة واحدة تطئها فإن دمعي غير حاضر , وتضق على مواقف الحزن التي لا أجد إلى التخفيف منها سبيلا , وقد ذكرت حينئذ الطائرة الحربية التي سقطت قبل أيام , وتصورت شهدائها والخسائر التي حلت بنا , واشتد بي الضيق لولا أن تذكرت قول الله تعالى : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا . . إنا لله وإنا إليه راجعون , أولئك عليهم صلوات من بهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " فقرت نفسي المضطربة , وعلمت أني استجبت للعاطفة أكثر مما ينبغي, وأني سهوت عن التفكر في الأمور تجري بقدر , وأن لله في ما قدر حكمة هو بالغها وذكرت قول الرسول عليه الصلاة والسلام " لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه أبدا , وما أخطأه لم يكن ليصيبه أبدا , جفت الأقلام وطويت الصحف " .

ولكن لم ألبث أن سمعت بنبأ تلك الطائرة التي أدت واجبها في رحلة طويلة , وفي ما هي تقترب من نهاية الرحلة عائدة إلى القاهرة احترقت , واحترق معها كل من كانوا فيها وذهبت هذه الأرواح إلى ربها , وأنا أعلم أن فيها قوما كان لا يلهيهم شيء عن ذكر الله .

وعدت إل تذكر الآية الكريمة والحديث الشريف وقلت : ( جفت الأقلام وطويت الصحف ) .

وسبح فكري إلى زلزال إيران حيث انشقت الأرض وانطبقت على قرية بأكملها فأهلكت أناسها وحيوانها وزرعها – وقلت إن لله في ذلك حكمة هو بالغها وجفت الأقلام وطويت الصحف . .

ووثب فكري إلى ما كان من هياج البحر , وطغيان مائه الذي سبب لانجلترا وهولندا كوارث فخرب البيوت وشتت سكان بعضها وأفنى بعضها , وأتلف الزرع والماشية , وأفسد الأرض أن تصلح للزراعة في بعض الجهات دهرا طويلا , ثم قال أهل تلك البلاد أنهم بما قووا من سدود وما وضعوا من أكياس الرمل قد انتصروا على الطبيعة وتعلبوا عليها , فارتد البحر عنهم وخفضت أمواجه وعاد مهزوما .

اجتمعت هذه الحوادث في ذهني , وساقتني إلى التفكير فيها , وفي غيرها , فرأيت أن الإنسان الضعيف القوي , الذليل المتمرد , المسكين الجبار , الأعمى البصير , ينسى في تصرفه ضعفه وذله واستكانته وعماه , ولا يتذكر إلا قوته وتمرده وتجبره وبصره فينسى خالقه ويستطيل عليه , بل يكفر بوجوده ويزعم أنه قادر على كل ما هداه عقله بتوفيق الله إليه , وأنه يستطيع أن يتصرف في هذا الكون تصرف ما لا يرد له قول أو فعل , وأنه يستطيع أن بغالب الطبيعة , ولا يذكر الله إلا قليلا , ويرتكب من المظالم ما تعينه حيلته عليه , غير شاعر بأن الله جلت قدرته قد وضع لهذا الكون قوانين يجري عليها , وأن من هذه القوانين علاقة المرء بربه في سره وإعلانه , ونجواه وجهره وعلاقته بالناس أفرادا وجماعات , فكما أن الشمس والقمر والنبات والحيوان والأرض وما فيها كلها تسير وفقا لقوانين ثابتة لا تتغير , فكذلك الإنسان قد رسم الله له الطريق وهداه إلى الصراط المستقيم هداية بيان وتعليم , ولم يبق له إلا أن يهتدي إلى ما هداه ويستعين الله في ذلك ويسأله التوفيق .

ولكن الإنسان خرج على هذه القوانين , فالله تعالى يذكره بين آن وآخر بقدرته وعظمته وجبروته لعله يتذكر أو يخشى , انظر قوله تعالى : " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون " .

ومن حكمته تعالى ورحمته بخلقه ألا ينزل العقاب بالناس إلا بعد أن ينذرهم ويرسل لهم الرسل ثم لا يجعل لهم بعد فيأخذوهم بذنوبهم , بل يملى لهم حتى يتوبوا أو يبقيهم على ما اجترحوا ليوم آخر " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى " .

وغضبه على عباده في الدنيا وعقابه لهم ليس من الضروري أن يكون في صورة من الصور التي كانت تحصل للأمم السابقة من نحو ما جاء في قوله تعالى : " كذبت ثمود بطغواها , إذا انبعث أشقاها . فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها . فكذبوه فعقروها . فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . ولا يخاف عقباها . " بل قد يكون من نوع ما جاء في قوله تعالى " وفرعون ذي الأوتاد . الذين طغوا في البلاد . فأكثروا فيها الفساد . فصب عليهم ربك صوت عذاب . إن ربك لبا لمرصاد " وسوط العذاب قد يأخذ صورا عديدة كلها مما يحزن القلب وتجزع له النفوس ويضطرب الفكر فتغشى الناس غواشي الحيرة والارتباك في شئونهم , وعدم الأمن على أنفسهم وأموالهم , ومن خصائص هذه النكبات العامة أنها تأخذ الظالم والمظلوم والبر والفاجر والذين هم في ضلال مبين والذين هم على هدى , وصدق الله العظيم " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " .

فإذا صح لنا أن نقول أن ما يقع لنا ولغيرنا من الكوارث والنكبات ليس إلا نذيرا من الله تعالى لعبده , حتى يبصرهم بما هم فيه من خروج على سننه الكونية وشرائعه الإلهية , وأنه إذا شعر الإنسان بقوته ليرجع إلى الله حتى تتضاءل هذه القوة فلا يضل ولا يطغى , وأن الله تعالى أغير على خلقه من أن يدعهم يظنون به الظنون وأن حياتهم تجري على حسابهم وحدهم كما تجري عملية حساب واحد وواحد يساوي اثنين , ففي بعض الأحيان لا يساوي الواحد عند الله شيئا وأحيانا يساوي كثيرا , والله تعالى هو الذي يمنح حتى يصبح الضعيف قويا ويمنع حتى يصبح القوي ضعيفا " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " .

والرجعة إلى الله تقتضينا العمل بكتابه وسنة رسوله عملا لا تخشى فيه أحدا ولا نمالئ أحدا , وهو العمل الوحيد الذي تزدهر به حياتنا ونذوق طعم السعادة , ونأمن الكوارث , وصدق الله العظيم " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "


على هامش الإسراء والمعراج

" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آيتنا إنه هو السميع البصير " .

" والنجم إذا هوى , ما ضل صاحبكم وما غوى , وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى " .

قال صاحبي وهو يحاورني : أنا أؤمن بأن الإسراء والمعراج كانا بالروح والبدن . . ولو أن الناس فهموا أن ذلك كان بالروح فقط لما أنكر الرسول قوله , ولما كانت هذه الآيات التي تفيد الانتقال الحسي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , ذلك أن المسلم وغير المسلم , البر والفاجر كل منهم يرى الرؤيا المفاجئة , وأنه انتقل من المغرب إلى المشرق فلا يعترض احد عليه , فلو كان لإسراء بالروح فقط لم يكن في الأمر معجزة : مع أن الإسراء لم يكن إلا معجزة تحدى بها الرسول عليه السلام الناس , فهو بالروح والبدن " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " . .

قال : لكن الذي حاك في صدري أن هذه الرحلة قد تمت في وقت قصير , دون أن يصاب الرسول فيها بأذى من هول السرعة وتقلب الأجواء , ثم العروج إلى السموات العلا حيث لا توجد الأوساط المناسبة للحياة الإنساني , ومع ذلك يعود الرسول إلى بيته حيا معافى سليما لم تزده الرحلة إلا نشاطا دب فيه مما رأى من حباء الله تعالى له واختصاصه بالنعمة .

حاك ذلك في صدري فلما كثرت المخترعات في العصر الحديث , وعرفت الطائرات ثم الطائرات النفاثة , وتفتيت الذرة والتليفون ( والراديو ) إلى آخر ما هناك سهل ذلك عندي فهم الأمر الذي لم أكن أفهم , وإن كنت اعترف بأن هذا ليس كذلك .

قلت لصاحبي : إن هذا ليس كذاك كما تقول , وإياك أن يلتبس عليك أمر المخترعات الحديثة ومعجزات الرسل , فليست المخترعات الحديثة إلا كشفا للسنن الكونية هدى الله العقول إليها بإرادته , كما هداهم منذ زمان إلى الزرع والسقي والحصاد والسياحة مما يعتبر من البديهيات التي لا تلفت النظر لاعتيادنا لها وإلفنا إياها , ولو فكرنا وتدبرنا لوجدنا أن الزرع أدخل في باب الغرابة من الطائرة ( والراديو ) . وأما المعجزات فإنها مخالفة للسنة الكونية مخالفة تامة , ولو كانت غير ذلك لما كان فيها شيء من التحدي , ولا دلالة على صدق صاحبها وإليك بعض أمثلة من القرآن الكريم تدلك على ذلك .

" وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى , قال أو لم تؤمن , قال بلى ولكن ليطمئن قلبي . قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك , ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم " . . .

فتقطيع الطير أجزاء يعدمه الحياة , ولم يعهد أن ما ذبح من الطير أو قتل عادت إليه الحياة مرة أخرى , ولكن الله تعالى أراد أن يؤيد عبده ونبيه بمعجزة هي إحياء الطير الميت , واستجابته لدعائه له وسعيه إليه , فهذه مخالفة للسنة التي سنها الله تعالى .

" قلنا : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " والسنة التي خلقها الله ألا تكون النار بردا وسلاما بل تكون محرقة مميتة .

ومعجزة موسى عليه السلام هي معجزة العصا التي تصير حية تسعى : غصن ميت من شجرة ينقلب حيوانا فإذا هو يلقف ما يأفكون , وليس من السنن الكونية ما يحي العصا حيوانا , فذلك قد وقع لموسى مخالفة لهذه السنن , ولم يقبل عقل فرعون هذه المخالفة , بل قال حين امن السحرة : إنه لكبيركم الذي علمكم السحر . . .

" والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها أية للعالمين " . . .

" . . فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . قالت أني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا . قال إنما أنا رسول ربك لأهب لكي غلاما زكيا . قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر , ولم أك بغيا , قال كذلك قال ربك هو علي هين , ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا " .

ولو أن هذه العبارة لم تذكر في القرآن والإنجيل لما صدقها أحد , لمخالفتها لسنة الله التي استنها لبقاء النسل على الأرض " " إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ولكن الله تعالى أراد إن يجعله آية لنا ورحمة منا فكانت إرادته . . .

هذا بعض ما جاء في القرآن من معجزات الرسل , وكله يسير على غير سنة ولا قاعدة ولا منطلق ولا شيء مما عهده الناس أو كانوا يعهدونه أو سوف يعهدونه , وإنما هي إرادة الله الذي يستطيع وحده أن يخالف ما وضع لهذا الكون من سنن .

كذلك كان الإسراء والمعراج مخالفين لسنن الله التي جعلها لعباده . . ومن أقدر من الله على ذلك " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون "

استدراك

ذكرت في عبارة نشرتها " المسلمون " في العدد الرابع حديثين أحب أن أصححهما :

1 – ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام ) .

هذا الحديث ذكره ابن حزم في المحلي في غير موضع منه واستند عليه في فقهه .

2 – والحديث الآخر : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يد عامل ورمت من العمل فقال : " هذه يد يحبها الله ورسوله " . وليس فيه فأخذها وقبلها . . فأتوب إلى الله واستغفره . وهذا جزاء من يعتمد على ذاكرته الكليلة في رواية الحديث , ولم أجد له أصلا في الكتب المعتمدة , وجزي الله خيرا فضيلة الأستاذ الشيخ عبد المهيمن إمام الحرم المكي لحسن إرشاده , وأثابه , وعفا عنه وعنا .

حسن الهضيبي


الصوم والقرآن

" يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " .

ليس من غرضي أن أبين أحكام الصوم في هذه الكلمات , بل الغرض منها الإلمام ببعض المعاني التي قد تخطر بالبال عند ما يوافينا شهر رمضان المبارك في كل عام .

كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم , فجعل الله تبارك وتعالى الصيام أصلا من أصول الديانات كلها على خلاف في كيفيته . وليس الغرض من الصيام – في ظني – إذلال النفس بكفها عن المأكل والمشرب والملذات , بل الغرض منه رفع النفس الإنسانية عن شهواتها وتهيئتها لعظائم الأمور وتعويدها الصبر والاحتمال لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم كلما هم بغزوة من الغزوات توطيدا لنفسه الشريفة على احتمال ما يلاقيه في سبيلها , وتقربا إلى الله تعالى بالطاعة , وإرشاد للمسلمين إلى سلوك سبيل الاستعداد لاحتمال الشدائد وليس في ذلك إذلال للنفس , بل فيه إثبات لعظمتها وقدرتها على التغلب على الحاجات والأهواء والتغلب على المعاصي والمنكرات . والنفس الذليلة هي التي تقارف المنكرات , وأما النفس العظيمة فهي التي تعلو عليه ولا تتنزل إليها .

وليس الصيام هو الكف عن الطعام والشراب , وما أحل للإنسان من طيبات أخرى , بل هو – في ما أعتقد – كف عن جميع المحرمات من قول وعمل , وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه من أجله " فالله تعالى ليس في حاجة إلى أن ندع طعامنا وشرابنا من أجله إذا كذبنا أو اغتبنا أو سخرنا بغيرنا أو وعدنا فاخلفنا أو نظرنا نظرة سوء أو استقر الباطل في أنفسنا أو قصرنا في واجب أو تجاوزنا الحق في حكم . . إلى غير ذلك مما تشعر النفس بأنه معصية . . وإنما جعلته العادة أمرا مباحا أو كالمباح . .

وهذا تدريب على الخلق الفاضل والحياة الطاهرة , فإذا لزم الإنسان مدة شهر كل سنة هذا الخلق وهذه الحياة كان خليقا ألا ينحرف عن ذلك في سائر الأيام والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

وقد رأى بعض الفقهاء من الحديث السابق ذكره , ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم . " كل عمل أتي على غير أمرنا فهو رد " أن ارتكاب أي معصية مهما صغرت وهانت في نظر مرتكبها تبطل الصوم .

في الصيام ما يعلم الناس وما لا يعلمون من فوائد طيبة ما زال الطب الحديث يكشف عنها . ولست قول ذلك لأبحث فيها , فليس ذاك من شأني , وإنما ألفت النظر إليها لأبين أن الله يعلم من أمورنا ما يعلم . وقد فرض علينا من الفروض ما هو غنى عنه , وإنما فرضه لمصلحتنا دون أن نعرف الفوائد التي تعود علينا منه فإذا أثبت الطب فائدة للفرض فكم من فوائد خفيت على الطب وتحققت بأداء الفروض دون أن يدركها الإنسان . فالفروض التي أمر الله تعالى بها علاجا لتصحيح النفوس والأبدان يجب علينا أن نتقبلها ونؤديها من غير نظر إلى ما يكشفه الطب من فوائدها , فهو يكشف عن شيء وتغيب عنه أشيء , وإنما يعلم ذلك الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .

من أنواع الطاعات التي يأتيها المسلمون في رمضان الإكثار من تلاوة القرآن . والقرآن خليق بأن يكون أمام المسلم فيكل وقت وخصوصا في رمضان . ولكنا نقرؤه على نحو لا يؤدي الغرض المقصود منه . وبعض الناس يفرضون على نفسهم قراءة قدر منه كل يوم حتى إذا مر الشهر كان قد ختمه كله مرة أو مرات ثم طوي المصحف بعد ذلك فلا يعاود قراءته أو يعادها بلا نشاط . وهو في كل ذلك يمر على ما يقرأ مرا سريعا لا يكاد يفقه لما يقرأ معنى , أو لا يدرك إلا معنى القليل منه . . .

وليست العبرة في التلاوة بمقدار ما يقرأ المرء , وإنما العبرة بمقدار ما يستفيد , فالقرآن لم ينزل بركة على السؤال عليه السلام بألفاظه مجردة عن المعاني , بل إن بركة القرآن في العمل به , واتخاذه نهجا في الحياة يضيء سبيل السالكين , فيجب علينا حين نقرأ القرآن في رمضان أو غير رمضان أن يكون مقصدنا من التلاوة أن نحقق المعنى المراد منها , وذلك بتدبر آياته وفهمها والعمل بها . .

وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرءون من القرآن إلا عشر آيات لا يجاوزونها إلى غيرها حتى يفهموها ويعملوا بما فيها , فحبذا لو نهجنا نهجهم وسلكنا مسلكهم , فإن في القرآن آيات إذا تدبرها الإنسان وعمل بها فخرج من بينه ملاكا طاهرا وعاد إليه ملاكا طاهرا . . ومن أنسب ما يتدبره الصائم هذه الآيات :

" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما , والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما , والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما , إنها ساءت مستقرا ومقاما . والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواما . والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا . إلا من تاب وامن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما . ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا . والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما . والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا . والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما , أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما . خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما . قل ما يعبأ بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما .

" صدق الله العظيم "

غزوة بدر عوامل النصر

( بيان في مناسبة غزوة بدر ) :

لما خرج الرسول عليه السلام إلى لقاء أعدائه في موقعة بدر لم يخل هذا الخروج من متاعب , فقد جادله في الحق قوم وكرهوا أن يخرجوا معه , وفي ذلك يقول الله تعالى " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " فهو قد أخرجه الله من بيته بالحق ووجد قوما يجادلونه بعد ما تبين لهم الحق جدالا عنيفا يريدون أن ألا يخرجوا , فلم يتأثر رسول الله عليه الصلاة والسلام بذلك ولم يستمع إلى قول المثبطين الذين لا يريدون قتالا في سبيل نصرة عقائدهم . . .

ثم إنه ذهب يريد شيئا وأراد الله شيئا آخر . أراد الرسول وأصحابه أن يلحقوا بعير أبي سفيان تعويضا لهم عما أخذت قريش من أموالهم حين الهجرة ولكن أبا سفيان انحاز إلى الشاطئ وأتت قريش بخيلها ورجلها تريد أن تحارب الرسول وتقضي على دعوته , وهنا يقع في قلوب بعض الناس أن الغاية التي جاءوا من أجلها قد انتهت وأن أبا سفيان قد فاتهم بما معه من عروض النجارة التي كانوا يطمعون في غنمها , وأنه لا ضرورة لقتال قريش , ولكن الله تعالى كان قد قدر لهم أن الخير في قتال قريش لأنهم الفئة ذات الشوكة التي إن انهزمت فقد انهزم الشرك كله , وأخذت الدعوة سبيلها إلى الذيوع والانتشار وفي ذلك يقول الله تعالى : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أنغير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين " .

التقى الجمعان وكان المسلون قلة آمنت بحق , وكان المشركون كثرة تجمعت على باطل , لذلك وجد الابن يقاتل أباه والأخ يقاتل أخاه , ووجدت صلة الأخوة في الله بين المسلمين أقوى من صلة الدم . أقوى من القرابة القريبة " قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره " . . .

انتصر المسلمون , انتصر الحق على الباطل , فلنتأمل في عوامل هذا النصر لعلنا نفيد منها شيئا .

فأول هذه العوامل – الإيمان : الإيمان الذي لا يخالجه شك . إن قلوب المؤمنين كانت عامرة بالإيمان . كلهم امن بأن الموت حق وأن الحروب لا تقصر الآجال , وأن القعود في البيوت لا يطيلها " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " " إن روح القدس نفث في روعي إنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها وعملها " والذين يمنون على أمتهم بأنهم ضحوا بأرواحهم لم يقدموا في حقيقة الواقع شيئا , وإنما يجب عليهم أن يشكروا الله أن وفقهم لهذه التضحية , فلنؤمن بالله وبحقنا ولنؤد ما يفرضه علينا الحق تعالى غير خائفين من الموت ولا مما يخيف الناس عادة " لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه أبدا , وما أخطأه لم يكن ليصيبه أبدا , طويت الصحف وجفت الأقلام " .

ومن عوامل النصر أنه يجب علينا حين نعتقد أمرا لا نلتفت إلى تثبيط المثبطين ولا تخذيل المخذلين , بل نمضي في ما اعتزمنا بعد تدبر وتفكر نذود عن أفكارنا ما عسى أن يكون علق بها من دواعي القعود . وأن للمثبطين والمخذلين طرقا غاية في البراعة يلبسون فيه الحق بالباطل حتى يشتبه الأمر على الناس , فليحذر الإخوان أن يستمعوا إلى شيء من ذلك أو أن يسرعوا إلى تصديق الأخبار التي تذاع فإن أغلبها مما يرجف به المغرضون .

ومن دواعي النصر تفويض الأمر لله تعالى والرضي بما اختاره والاعتقاد بأن الخير كله في ذلك , فالخير الذي نجم عن فوات أبي سفيان للرسول وكان قد خرج للقائه , ثم لقاء قريش وحربها والانتصار عليها وهي الفئة ذات الشوكة لم يكن هينا في تاريخ الإسلام , بل كان شيئا خطيرا , فقد انتصرت فئة قليلة على فئة كانت ثلاثة أضعافها فأدى ذلك إلى علو مكانة الإسلام وهيبته في نفوس العرب وإلقاء الرعب في نفوس المعاندين وهذا وذلك من عوامل قوة الدعوة وإضعاف خصومها .

إن الله تعالى قد أمرنا أن نتخذ العدة فقال " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " وهذه هي سنة الله الكونية الأمم والشعوب , وإعداد القوة لا يقتصر على القوة المادية , ولعل قوة النفس بالإيمان وتحصينها بالتقوى والبعد عن المعاصي تقع في المرتبة الأولى من وسائل الإعداد . . . ولكن لا ينبغي لنا أن نعتقد أن العدة وحدها كفيلة بالنصر , وقد ذكر ذلك في آيات كثيرة من القرآن " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " " ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " . لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر يدعو الله في عريشه أن ينصر المسلمين ويبالغ في دعائه مع أن الله وعده بالنصر , ولعله فعل ذلك مخافة أن يختلج قلب مسلم بالظن بأن العدة كافية أو أن يختلج قلب مسلم بمعصية فيحبط عملهم , فعلينا أيها الإخوان أن نزود أنفسنا بالقوة , قوة الإيمان وقوة التقوى وقوة الأخلاق وقوة الاستقامة . وأخيرا القوة المادية بجميع أنواعها .

أيها الإخوان: إن مما تمتاز به دعوتكم أنها تذكر الناس قرءا نهم وسنة رسولهم .

هذا القرآن طالما قرأه الناس على الأموات , وما انزله الله إلا ليقرأه الأحياء فيكون لهم به حياة . وصدق الله العظيم " يا أيها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " ومن ثم يقرؤه الإخوان المسلمون معاني لا ألفاظا يقرءونه وطنية وأخلاقا واجتماعا وما أشد حاجة الناس إلى هداية القرآن في هذه النواحي , لو كان أعداؤنا يعرفون أن القرآن يقرؤه المسلمون اليوم كما كان يقرؤه المسلمون في الصدر الأول ويتأثرون به كما كانوا يتأثرون وأن قراءته تهز شعرة واحدة في أبدان المسلمين لما أذاعته على المسلمين إذاعات لندن وباريس وإسرائيل , ولكنهم يذيعونه على أن المسلمين يطربون له كأنغام توقع للتسلية وتقضى بها أيام الماثم والأفراح ثم لا شيء وراء ذلك .

أيها الإخوان : إن دعوة الإخوان المسلمين لم تعد دعوة محلية في حدود وطن صغير , وإنما أصبحت دعوة عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره , وتوقظ في المسلمين روح العزة والكرامة والتقوى فهي اليوم عنوان انبعاث لا نوم بعده , وتحرر لا عبودية معه , وعلم جهل وراءه , ولم يعد من السهل على أي طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح أو امتدادها , وما ذلك إلا لأنها تعبير صادق عن شعور عميق يملأ نفوس المسلمين جميعا ويستولى على مشاعرهم وعقولهم , وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية .

هو ضرورة وطنية لأن الوطن في حاجة إلى قلوب أبنائه وسواعدهم وتضحياتهم , وليس كالدين عامل قوي يبعث في نفوس المثقفين وعامة الشعب على السواء حب الوطن والتضحية في سبيله والذود عن كيانه , والتاريخ الإسلامي القديم وعظمته ليست إلا أثرا بينا لما أوجده الدين في نفوس المسلمين الأوائل من هذه الحياة المليئة بأروع معاني التضحية والإيثار , وفي عصرنا لحاضر استطاعت الدعوة الإسلامية أن تحيي هذه المعاني بما رآه الناس من ضروب التضحية والفداء في حرب فلسطين ومعركة القنال الأولى على أيدي الإخوان المسلمين , ولو أن جميع من اشتركوا في حرب فلسطين كانت تملأ نفوسهم تلك الروح التي بثها الدين في نفوس الإخوان المسلمين لتغير مصير المعركة من هزيمة إلى نصر . إن الجيوش لا تنتصر بقوة السلاح فحسب , ولكنها تنتصر بقوة الروح المعنوية قبل كل شيء , وقادة الجيوش في العصر الحديث يحرصون على الروح المعنوية في جيوشهم بوسائلهم الخاصة . , ونحن المسلمين لا نجد أذكى لهذه الروح من الدين يفهم على وجهه الصحيح .

والدين ضرورة اجتماعية , فكل الغيورين على مصالح الشعب وكرامته يشعرون معنا بأن مجتمعنا مليء بالنقائص والمفاسد وأن الواجب يحتم علينا المبادرة إلى معالجة هذه النقائص والمفاسد من أقرب طريق وأحكمه . ولا يشك كل من درس الإسلام بروح منصفة وعرفه على حقيقته من مصادره الصافية في أنه خير وسيلة لإصلاح العيوب التي نشعر بها في وطننا , وأسرع طريق للوصول إلى الإصلاح الذي ننشده . ذلك لأنه يكفل لكل مواطن حقه في العلم والعقيدة والعبادة والحياة الكريمة التي من ضرورتها في الإسلام المسكن الصالح والغذاء الصالح والملبس الصالح والعلاج الكافي , كما أن من ضرورتها توفير الكرامة لكل إنسان حتى لا يهان بشتم أو تحقير أو عقوبة بغير حق , والإسلام يسخر قوى الدولة كلها لتحقيق هذه الضرورات للمواطنين جميعا ولا يترك أمرها لضمائر الناس حين تغفل القيام بواجبها . ولعل مما يجهله كثير من الناس أن من مقاصد الجهاد في الإسلام رفع الظلم بمختلف أنواعه عن الضعفاء والمظلومين في الأرض : " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا " .

إن هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام لإصلاح المجتمع هي جزء من نظامه العام وعقيدته الشاملة . وهو بذلك يلامس عقائد الناس وضمائرهم , فالاستجابة إلى هذه المبادئ التي ينادي بها الإسلام هي في نظر المسلم فرض يجب تحقيقه كالصلاة والصيام . فلماذا نترك هذا السلاح الفعال السريع في إصلاح أمورنا وأحوالنا ؟

أما الخوف من أن تؤدي الاستفادة من الإسلام في إصلاحنا الاجتماعي إلى الإساءة لإخواننا المواطنين من غير المسلمين فهو خوف لا محل له لأن ما يستفيده المجتمع من إصلاح الإسلام يشمل الناس جميعا , وخير لغير المسلمين أن يعيشوا في مجتمع تكفل فيه أسباب السعادة والعيش الكريم وتحكمه مبادئ الأخلاق الفاضلة التي نادت بها الشرائع جميعها من أن يعيشوا في مجتمع مفكك كمجتمعنا الحاضر يفيض بالماسي والمظالم .

ومن الضرورات الاجتماعية التي تحتم الاستفادة من الإسلام في وضعنا القائم أنه خير علاج للقضاء على التعصب الديني الذميم والنعرات الطائفية البغيضة , فالإسلام قدر الحقيقة الواقعة وهي اختلاف الناس في أديانهم , وقدر الحاجة إلى تعاونهم في الحياة مع اختلاف أديانهم فأمر المسلمين باحترام عقائد الآخرين , وحرية عباداتهم , بل أوجب علينا الإيمان بالأنبياء السابقين وكتبهم المنزلة " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ومن أجل ذلك كان المجمع عليه في الإسلام أن لا يجوز شتم أهل الكتاب في دينهم وأنبيائهم وكتبهم , ومن الظواهر البارزة في تاريخ الإسلام كله أنه لم تحاول دول من الدول الإسلامية سواء كانت في عصور العزة والعلم أم في عصور الضعف والجهالة أن تتدخل في شئون غير المسلمين الدينية بل كانت تترك لهم حرية التحاكم إلى محاكمهم الملية في أحوالهم الشخصية وكل ما له علاقة بعقائدهم فعل المسلمون هذا في مختلف العصور لا مجاملة ولا تفضلا , بل نزولا على حكم الإسلام ولو أمرهم الإسلام بغير ذلك لفعلوا – ونزيد على ذلك أن ما أوجبه الإسلام على المسلمين من آداب المعاملة في الجوار لم يفرق فيه بين مسلم وغير مسلم , بل قال الرسول عليه السلام " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " – هذا هو موقف الإسلام وعمله في القضاء على التعصب الطائفي لا كما يظنه المغرضون على الإسلام والجاهلون به .

والإسلام ضرورة إنسانية فإنه أمر بالتعاون بين الشعوب على أساس الحق والكرامة , ومبادئ العدالة المطلقة التي لا تتأثر بالمصالح الشخصية والفروق الجنسية " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا , إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وهو دين سلا , ولذلك كانت تحية المسلمين السلام وختام عبادتهم السلام واسم الله السلام وتحيته لعباده يوم يلقونه سلام . بل إن هدف الإسلام هو إيصال الناس إل طرق السلام " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين , يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام " ولهذا وجب على المسلمين كافة أن يدخلوا في السلم ولا يجوز لهم القتال إلا دفعا للعدوان عن أنفسهم وعن غيرهم .

وإنما يعكر صفو السلام بين شعوب الأرض اليوم أن قادة هذه الشعوب لا ينظرون إلى مصلحة الإنسانية مجتمعة وإنما ينظرون إلى مصلحتهم ومصلحة شعوبهم , فهم يدعون إلى السلام في جو من الحقد والجشع والتعصب , وهي من أكبر عوامل الحروب بين الشعوب , فهذه الدعوة التي تتصاعد هنا وهناك للسلام من رجال يصرون على استعمار الشعوب واستلاب خيراتها والعدوان على كرامتها ليست إلا نفاقا وخداعا يستحق الرثاء .

أيها الإخوان : نحن نحيي هذه الذكريات لنتحدث عن الماضي فنعتبر به , وعن الحاضر فنذكر أنفسنا بما يجب علينا القيام به – وقد حدثتكم عن العبر المستفادة من وقعة بدر , وعن الإسلام كضرورة وطنية اجتماعية وإنسانية – والآن أحدثكم عما يهمنا من شئون الحاضر .

لقد كنا نود أن تنتهي المحادثات التي جرت بين الحكومة المصرية والانجليزية بالاعتراف بحق مصر في الجلاء الناجز فنوفر على البلاد مجهوداتها وأوقاتها لتدعيم نهضتنا في الإصلاح والتعمير , وتمكين مصر من خدمة قضايا شقيقاتها العربية والإسلامية والمساهمة في قضية السلام العام الذي يتطلع إليه العالم , ولكن المطامع الاستعمارية تغلبت على الانجليز وأبت أن تعترف بحقنا في السيادة الحقيقية على أرضنا , وتذرعت بأسطورة الدفاع عن العالم الحر لتبقى جيوشها مثلا للعدوان على شعب حر يريد أن يعيش قويا كريما . وبذلك أصبحت مصر في حل من أن تسلك كل طريق يؤدي بها إلى تطهير أرضها من الغاصبين .

والإخوان المسلمون يضعون كل إمكانياتهم رهن وصول مصر إلى حقها الكامل , لا يضنون في سبيل ذلك بدمائهم ولا بأموالهم ولا بجهودهم . وإن لهم من إيمانهم وصدق عزيمتهم ووطنيتهم وقوة تربيتهم مما يجعلهم قادرين على تحمل الأعباء الجسيمة في معركة مصر المقبلة , وإذا كان غيرهم يعتبر قيامه بهذا الواجب مما تفرضه عليه الوطنية فإن الإخوان يرون في قيامهم بنصيبهم في تلك المعركة عبارة يتقربون بها إلى الله ويشترون بها الجنة .

وإننا مع هذا نتابع جهودنا في ميدان الإصلاح الداخلي متعاونين مع كل من يريد الإصلاح والخير لهذا الوطن , مؤيدين رجال العهد الحاضر في ذلك تأييد الكريم للكريم, لا يألوه عونا إن أصاب ولا نصحا خالصا إن أخطأ , معرضين عن كل ما يحاوله أعداء الإصلاح في عهده الجديد من إيغار النفوس وتفريق الصفوف . وموقعنا هذا مما يفرضه حق الأمة والوطن على جماعة تدعو إلى الله وتحمل لواء الإسلام لا تبتغي من الناس جزاء ولا شكورا , وليس علينا بعد ذلك أن تكون نصيحتنا مقبولة أو غير مقبولة , ونحن لا ندعي العصمة في الرأي وإنما نسأل الله لتوفيق والسداد .

وإذا كنا قد أعلنا عن استعدادنا للعمل لتحرير مصر من كل أثر للاحتلال , فإننا نعلن بهذه القوة نفسها وهذا العزم نفسه عن استعدادنا للعمل على تحرير الشعوب العربية والإسلامية من الاستعمار والاحتلال , حتى يتبوأ العالم الإسلامي مكانه اللائق به في عالم الحق والخير . وما دام الإسلام يعتبر معركة الحرية في بلاد الإسلام واحدة لا تتجزأ فإن على كل مسلم أن يساهم بنصيبه في تحرير الوطن الإسلامي من قيود الاستعمار وأثار الطغيان .

أيها الإخوان : إن الله جعلكم جنودا لقضية الحق والفضيلة والعزة في وطنكم وفي العالم الإسلامي كله , وإذا كان من واجب الجندي المخلص أن يكون مستعدا دائما للقيام بواجبه في خوض المعركة فإن من واجبكم أن تكونوا مستعدين دائما لما يؤدي بكم إلى النصر في ميادين الإصلاح والتحرير . . . فزكوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وحاربوا أهوائكم وشهواتكم قبل أن تحاربوا أعدائكم . فإن من انهزم بينه وبين نفسه في ميدان الإصلاح أعجز من أن ينتصر على عدوه في معركة السلاح . وكونوا مثلا حية للأخلاق القراءانية حتى يعرفكم الناس بأخلاقكم قبل أن يعرفوكم بأقوالكم .

للنصر شروط

" ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز , الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " .

إن وعد الله حق وصدق , وقد أكد تبارك وتعالى لينصرن الله من ينصره , وأشار إلى أن قوته وعزته كفيلة بهذا النصر , ثم بين كيف يكون نصر الناس له سبحانه وتعالى , فإن نصر الله لا يعطى مجانا , ولا يكتسب بهين من القول أو الفعل , بل إنه لا يتأتى إلا بقائمة طويلة من الأعمال . يبذل المرء فيها طاقته ويخلص فيها النيلة له تعالى . فمن أبطأ عليه نصر الله تعالى أو تخلف فلا يقولن : إن الله وعدني , بل يجب عليه أن يفتش في نفسه ليتبين ما إذا كان قد نصر الله حقا أم لم ينصره .

إن الله قد وضع شروطا لنصره وجعل أولها : إقامة الصلاة , وهي العبادة الروحية التي تصل المرء بربه وتقربه منه . أما الصلاة التي يؤديها الإنسان قائما قاعدا راكعا ساجدا دون أن ترقق قلبه , ويشعر فيها بأنه اقترب من الله تعالى , فهي صلاة آلية لا خير فيها , ولا تعد مما يتحقق به النصر . . وكأنني أشعر وأنا أكتب هذا الكلام أن القارئ سوف يحسب أن كاتبه قد بلغ الذروة من الحرص على الصلاة المقصودة فأقول له : إنني أحاول أن أفعل فأنجح في قليل من الأحيان , وأسأل الله المغفرة عن التقصير في كثير منها ولكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها , فعلينا أن نتجه إلى الله العلي الكبير , ونسأله التوفيق , وربما وصلنا يوما ما .

ثم إيتاء الزكاة : وإذا كانت الصلاة يعتريها ما يخرجها من أن تكون مؤثرة في النفس مقربة من الله , فإن الزكاة كذلك ثقيلة على الأنفس التي لم تأنس بالقرب منه تعالى , فلا يؤتيها كثير من الناس بل أكثر الناس , ومن يؤتها فإنه ربما لا يخلص النية في ذلك فلا تكون طيبة بها نفسه , أو يتيمم الخبيث من ماله ينفق منه .

ولا تحسبن الحكومات أنها بمنجاة من عقاب الله , ومن تفويت النصر الذي وعد به من ينصرونه إذا هي عطلت هذه الشريعة , وحرمت الفقراء من حقهم في أموال الأغنياء , وجعلت تعالج مشكلة الفقر بأساليب تستعيرها ممن فشا الفقر بين بعض طوائفهم , فلم يجدوا له علاجا على رغم الجهود التي يبذلونها , والله تعالى قد سن العلاج البسيط الشافي لهذه المشكلة , وحسبنا الله .

أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما دعامتان لإصلاح الأفراد والمجتمع , وقد أقام الله بهما المدرسة الأزلية التي تعلم الناس الفضيلة وتجنبهم الرذيلة , تعلمهم البر والتقوى وتجنبهم الإثم والعدوان وقد مسخنا أمر الله وحللنا الحرام وحرمنا الحلال , فقد قال الله تعالى " واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " وقال : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون – الظالمون – لكافرون – " وقال : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " وقال : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " فغيرنا وبدلنا وحكمنا بغير ما أنزل الله , وقبلنا فتنة الناس عن بعض ما أنزل الله , بل عنه كله .

فأصبح الربا حلالا يأكله الناس بنص القانون وهو حرام بنص الكتاب , وكذلك أصبح الميسر وشرب الخمر , ومنعنا الزكاة ولم يجبها ولي الأمر , وأبحنا زنا من لم تكن متزوجة , وعاقبنا على زنا المتزوجة بعقوبة تافهة , وقبلنا عليها من الأدلة ما لم يأذن به تعالى , وأسقطنا القصاص والدية ومنعنا عفو المجني عليه عن الجاني , ولم نأخذ أنفسنا بالأخلاق القرآنية الإلهية , وغير ذلك كثير .

إن من ينظر إلى " حقائق الأمور " يجد أن النصر الذي وعد الله به عباده ليس قريبا منا , ولا يتم لنا النصر إلا إذا تحقق لنا من الإيمان بالله والقرب منه وإتباع أوامره , واجتناب نواهيه ما يكون لنا شفيعا عنده إذ لا ينفع إلا الصدق والإخلاص .

حدثني بعضهم أن أخا في الله هم بنسف ذخيرة للأعداء في معركة القتال , فذهب فوجد الأسلاك الشائكة كأنها سد منيع , ووجد الحراس متيقظين , وحاول أن يفعل فأطلقوا عليه النار وأنجاه الله من نيرانهم فعاد من حيث أتى , ورجع إلى نفسه , وقال : لا بد أن يكون الذي وقع لي إنما وقع بذنب أتيته وأعلمه , وفي اليوم التالي اغتسل وصلى وتاب إلى الله ودعاه , وذهب إلى حيث يعاود الكرة , قال : فكأنما كنت كلما وضعت رجلي في الأسلاك الشائكة صادفت فجوة لم أكن أتوقعها ووجدت الحراس قياما ينظرون كأنما سكرت أبصارهم فلم يعودوا يبصرون , وكأنما مهدت إلى الأرض فلم أجد صعوبة في الوصول إلى الغاية التي قصدتها , فأديت الأمانة , ونسفت من الذخيرة ما عد خسارة فادحة للأعداء وأيقنت في نفسي أن التوبة إلى الله هي التي وطأت لي الأمر كله وإن أنكر الكافرون .


اللهم حقق لنا وسائل النصر ولك عاقبة الأمور . . .

في الأخلاق

حدثني أحد أقراني في عهد الدراسة أن أستاذا من أساتذة علم النفس أراد أن يختبر طلبته في قوة استيعاب ما يلقى إليهم من أخبار وعبارات ونقلها إلى غيرهم , فكتب عبارة في ورقة أعطاها لأول طالب يجلس أمامه , وطلب منه أن يقرأ ما في هذه الورقة ويسر ما بها إلى الطالب الذي يليه , ثم يسر به هذا إلى الذي يليه حتى آخر الفصل فيكتب الطالب الأخير ما ألقى إليه ويقارن ما كتب في الورقتين . .

لا شك أن كل طالب كان متنبها إلى ما يقوله جاره , حريصا على فهمه , حريصا على الإدلاء به إلى جاره الآخر , بعيدا عن شبهة التدليس في النقل بحذف جزء من العبارة أو زيادة عليها . قال الصديق : ومع ذلك جاءت الكلمات التي تلقاها الطالب الأخير ودونها في ورقة مغايرة في مبناها ومعناها تمام المغايرة للعبارة التي كتبها الأستاذ وهكذا ضاعت الحقيقة بين نحو ثلاثين شخصا كلهم قد أخلص النية في أن يؤدي ما أؤتمن عليه منها . . .

وقد علم الله تعالى من أحوال النفس الإنسانية ما نعلم فحذرنا من أن نثق بما نسمع حتى نتبين . قال تعالى :

" يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين , واعلموا أن فيكم رسول ألهه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليك الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان وأولئك هم الراشدون , فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم " .

وقد يتأتى ما يدخل على الخبر من تغيير من أن السامع فهم غير ما أراد القائل , سواء كان المعنى قريبا أم بعيدا فينقله بالعبارة التي تؤدي معنى ما فهمه هو , وهكذا تتغير الحقيقة تماما . وقد يكون الناقل سيء النية فينقل بعض ما قيل دون بعضه : وقد يزيد عليه كلمة تحقق غرضه من التلفيق , وقد يصور له الوهم حصول شيء لم يحصل . ذلك إلى غيره من البواعث التي نعلمها أو لا نعلمها .

فالمؤمن الحق هو الذي يتأدب بأدب القرآن ولا يتلفت إلى كل ما يلقى إليه حتى يتثبت من صحته , وإن عز عليه التثبت فيجب عليه أن يتوقف عن التصديق والتكذيب حتى لا يلوث ضميره بإقراره أمرا قد يترتب عليه شر كثير أو إثم عظيم .

ولعل من أسباب تأخر المسلمين ما شاع فيهم من عد الأخذ بما أدبها الله به من التثبت , فصاروا كلما ألقى إليهم نبأ طاروا إلى تصديقه , ورتبوا عليه من النتائج ما يوافق أهواء من ألقوا به , وهم يعلمون أن هناك منظمات من أعدائهم دأبها بث الأخبار الكاذبة بينهم بطرق غاية في الدقة والمهارة . لذلك فشت فيهم الفرقة وأصبحوا لا يأتمن بعضهم على بعض ولا يثق واحد بأخيه " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " . . .

وقد علم الله أن سيترتب على ذلك شر مستطير , وتخاصم وتنافر وقتال بين المؤمنين , فأدبنا أدبا آخر فذكر بعد الآية التي أوردنا :

" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " . . .

ففرض الله تعالى على المسلمين أن يصلحوا بين المتخاصمين , ويقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله بالكف عن البغي والعدوان , فإن رجعت كان الحكم بينهما على ما يحب الله لعباده المؤمنين من العدل والقسط : أي أن الله تعالى أقام من المؤمنين حارسا على أنفسهم حتى لا يخرج منهم خارج على أحكام الله , ولا يبغي باغ على عباد الله . فأين نحن من ذلك وأحكام الله التي تنتهك , والبغي الذي يقع على عباده مما لا يدخل تحت حصر .

من مألوف النفس الإنسانية أن تظن فتبني أحكامها على الظن . والظن قد يصيب الحقيقة , وقد يكون لازما في بعض الأوقات , وقد يكون من حسن الرأي وصواب التدبير إذا كان مبنيا على حقائق ثابتة ومقدمات تؤدي إلى ما انتهى إليه . ولكنه كثيرا ما يكون ظنا كاذبا لم يبن إلا على الأوهام وفي مثل هذا يقول الرسول عليه السلام " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث " وعلى الظنون الكاذبة كثيرا ما بينت سياسات وتقررت تدبيرات وارتكب ظلم فادح , حتى صرنا في ظلمات بعضها فوق بعض , ومن مألوفها أيضا الرغبة في معرفة أخبار الناس ودخائلهم وأسرارهم وكشف ما يخفون من قول وعمل بلا فائدة ترجى من وراء ذلك إلا حب الاستطلاع أو جب الشناعة على الناس في خصائصهم , ثم التحدث عنهم بالحق أو بالباطل , ثم السخر بالناس ولمزهم ونسبة العيوب إليهم ولو لم تكن فيهم , وقد علم الله أن أكثر الفساد في الأرض يتأتى من مثل هذه الأخلاق الذميمة التي يجعلها الناس مادة في حديثهم وتندرهم , فتورث العداوة بينهم , وتشيع قالة السوء فيهم , ويشتغلون بذلك عن النافع من الأمور والإصلاح بين الناس . . .

وقد أدب الله المؤمنين بالأدب الذي لو اتبعوه لكان حريا أن يكون بينهم مودة ورحمة وتعاون على فعل الخير . قال الله تعالى :

" يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خير منهم , ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن , ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابذوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان , ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون " . . .

" يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن اسم , ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا , أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم " .

إن الناس يستصغرون هذه الذنوب وهي عند الله عظيمة فاعتزم أيها المؤمن الكف عنها والتحرر منها , واعلم أنه إنما يكب الناس على وجوههم حصائد ألسنتهم فارجع إلى الله بتوبة تمح ما مضى , واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما .

العبادات والأخلاق

لا ينبغي للمسلم أن يقف عند العبادات ولا يتجاوزها , فمع أنها من الأهمية بالدرجة العظمى إلا أنها ليست كل شيء , بل أصبح العابد الذي يقتصر على العبادة ويظن أن الله لم يكلفه غيرها أقرب إلى الإضرار بالدين بما يكون من سوء فعله في فتنة الناس عنه , فالتاجر الذي لا يكاد يفرغ من غش الناس حتى يتجه إلى المسجد لأداء الفريضة , والموظف الذي يشعر بالاطمئنان لأنه يؤدي واجبه كاملا ثم يأخذ في أثناء خروجه قلم رصاص أو بعض الأوراق التي تصرف له لأداء أعمال الحكومة أو الشركة أو المصنع الذي هو فيه ليستخدمها ابنه أو يستخدمها هو في شئونه الخاصة , والوالد الذي يهمل أولاده ولا يبذل كل عناية في تربيتهم , والزوج الذي يظلم زوجته أو والدته , والطبيب الذي يرى الداء ويعرف الدواء ولكنه يؤخر أسباب الشقاء حتى يستكثر من زيارة المريض , والمدرس الذي يقصر في حق تلاميذه رغبة عن إفادتهم حتى يلزمهم بتلقي دروس خصوصية , هؤلاء وغيرهم بعيدون عن الإسلام الصحيح كل البعد , ويصدون الناس عن الدين ويوحون إليهم بأن الدين لا يجدي في تربية النفوس ولا يقيم المتدينين على منهاج من الأخلاق , وليس الذنب في ذلك ذنب الدين وإنما هو ذنب الذين لا يفهمون الدين على حقيقته ويجعلونه هيكلا عظيما لا روح فيه ولا لحم ولا دم , وهم يحسبون أنهم بما أدوا من صلوات أو صوم أو حج يحسنون صنعا .

إن في العبادات أسرارا قد نعلمها , ويجب أن نتلقاها أمر من الله مفروضا علينا , ومع ذلك فلنا أن نفكر فيها , ونستكشف خباياها . ومن أسرار العبادات أنها تهيئ النفس إلى احتمال المشقات والتكاليف التي كلف الله بها عباده , تخفف من ثقلها على الطبائع . اقرءوا قوله تعالى لنبيه : " يا أيها المزمل , قم الليل إلا قليلا , نصفه أو انقص منه قليلا , أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا , إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " . فعلاقة العبادة بتحمل التكاليف ظاهرة في هذه الآيات . .. .

وما لم تؤذ العبادات إلى هذه النتيجة كان أداؤها غير محقق للأغراض التي قصدت منها . ومن الأغراض المقصودة – والله أعلم – أن يكون الإنسان على خلق , فإن الأخلاق الفاضلة من أصعب الأمور ما لم تهيأ لها النفوس تماما , ولو كان الأمر على خلاف ذلك لم يكن لذي الخلق فضل على غيره , إذ اليسير من الأمر من الممكن إدراكه لكل إنسان .

ومن الأخلاق التي يرضى الله عنها أن يكون المسلم عزيزا فلا يذل لأحد ولا يقبل ضيما , ولا يعتقد أن أحدا يستطيع أن يصله بشيء لم يأذن الله به , ولا يحرمه شيئا أراده الله له , وصدق الله العظيم " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " , " ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين , وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم " . . .

وهو مع عزته لين العريكة , موطأ الأكناف , من الذين يألفون ويؤلفون , متواضع في غير ضعف , مترفع في غير عنف , ويقول دائما : " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ". وينبغي أن يكون المرء صادقا , فالصدق من الصفات التي عدها الله من موجبات ذكر الأنبياء فقال تعالى " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " .

وأمرنا الله تعالى بأن نكون من الصادقين فقال : " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " . والصدق يكون في القول ويكون في الفعل فإذا وعدت إنسانا فيجب أن تكون صادقا في ما وعدت , قاصدا الوفاء عاملا له , ولا يصح أن يكون الوعد بقصد التخلف من موقف أو دفع إلحاح , أو إرضاء لخاطر أحد من الناس , وإذا تحدثت بشيء فلا تتحدث بما يتنافى مع الحقيقة التي تعلمها وتعتقدها . وإذا استنصحك أحد فاصدق في نصحه , ولا تجعل نصحك مشوبا بالهوى أو الغرض وإلا كنت غاشا مخادعا .

وإذا عملت فعلا فكن صادقا العزم على القيام به على وجهه الصحيح وموفيا حق طالبه , صادقا في ما تطلب من حقك , حدثت بحديث في شأن صدق الوعد واعتباره قيدا لا ينفك عنه الإنسان لا بأس من أن أسوقه للدلالة على ما تنطوي عليه النفوس الكبيرة من الخير : ذلك أن أحد رؤساء الوزارة في التاريخ الحديث – ولم يكن مشهورا بالتدين – باع قدرا من الأطيان لشخص ما , ووعده بالتوقيع على العقد يعد أن يهيأ . وفي هذه الأثناء جاءه شخص آخر يريد شراء هذه الأطيان فأخبره بأنه باعها لفلان , فعرض عليه ثمنا يزيد نحو عشرين ألفا من الجنيهات وقال له إنك لم توقع العقد , فقال : إن كلامي عقد , فاذهب إلى المشترى وادفع له الفرق واتفق معه وأنا أمضي العقد لأيكما . . .

وكانت هذه الحادثة مدار مقارنة بين هذا الذي لم يشتهر عنه الدين وبين بعض المتدينين أو العلماء الذين يفرض فيهم الاستفادة من التدين .

ومن الصفات العظيمة التي يفتقدها الإنسان في الناس الأمانة .

" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "

" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " , ومن أقوال الرسول عليه السلام : أربع من كن فيه كان منافقا , وذكر منها : إذا اؤتمن خان .

وليست الأمانة قاصرة على شيء فكما يكون الإنسان أمينا على المال يكون أمينا على كل شيء كلف بواجب نحوه , فالزوج أمين على زوجته , والوالد أمين على عياله , والطبيب أمين على المريض , والمدرس أمين على تلاميذه , وأنت أمين على العلم الذي بين جبينك وهكذا . . .

إن هذا الخلق من أعظم الأخلاق ونحن نفتقده بيننا فلا نكاد نجد له أثرا عند كثير من الناس مع أن فواته كفيل بأن يهدم دولا بأسرها , وفكر في الأمر بين أن يأخذ الإنسان نفسه بالأمانة في كل ما وجب عليه , وبين أن يترخص فيها ويلقي بها ظهريا وينطلق وراء أهوائه نجد أثر ذلك بالغا , وعواقبه من أسوأ العواقب .

أردت بكتابة هذه الكلمات أن أنبه إلى أن كمال المسلم لا يتم بالعبادات وحدها , بل يجب أن يكون مشتملا على الأخلاق القرآنية العظيمة متبعا لها , عاملا بها , حريصا عليها , وهذا هو الذي يميزه عن غيره . إذ يجب أن يكون المسلم ممتازا عن غيره في كل شيء . . وهذا التميز لازم للإسلام لأنه من رب العالمين , وكل ما فيه صحيح وضعه خالق الخلق العليم بما تصلح به أحوالهم . . وإن في آيات القرآن كثيرا من أمثال ما ذكرت , ولكني اقتصرت عليه لأنه أولى بالتنبيه من غيره . . العزة – الصدق – الأمانة فضائل تستأهل الحرص عليها , والله يوفقنا ويهدينا سبيل الرشاد .

إلغاء معاهدة سنة 1936 والمقاومة المسلحة في القنال

نص الرسالةالتي كتبها الأستاذ / حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين إلى دولة رئيس وزراء مصر


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . وبعد :

فإن ما حملنا الله من أمانة الجهر بالحق والنصح للحاكم يتقاضانا ن نصارح دولتكم بما يخالج نفوس الأمة المصرية من تعجل الفصل في قضيتها الكبرى وتحقيق أهدافها في الجلاء والوحدة , وبما بات يساورها من الضيق بهذه الأشهر الستة التي انقضت منذ إلغاء المعاهدة دون أن تصيب البلاد ثمرة الكفاح الصادق الذي مهرته بدماء شبابها الأبرار الذين حملوا عبء الكفاح في سبيل الله والوطن " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " . . .

والإخوان المسلمون يعتقدون أنه ما وطني كريم تظله سماه الوادي حاكما أو محكوما – إلا وهو يكن لبلاده الحب ويتمنى لها الخير والمجد . وهم أحسن ببني وطنهم ظنا من أن يتصوروا أن هناك خلافا على القضية أو حيدة عن الحقوق الوطنية ولكن ذلك كله لا يعصمنا – وقد طال الانتظار دون جدوى – من الإشفاق أن يكون الزمن في صالح الاستعمار , وأن يكون الإنجليز وحدهم الرابحين من تثاقل الخطوات التي تتعثر فيها القضية الوطنية , ومن الهزات التي تتناول مقاعد الحكم وتلقي في روع المستعمر – ولو خطأ – أن المصريين في شغل بأنفسهم ومنازعاتهم الداخلية عن قضية الجلاء والوحدة . . .

من اجل ذلك يا صاحب الدولة رأينا أن نتقدم إلى دولتكم بالمشورة الصادقة في علاج الموقف الخارجي والداخلي مستمدة من إيماننا بالله وغيرتنا على وطننا وبراءتنا من الهوى واستقلالنا بالرأي " والله يقول الحق وهو يهدي السبيل "

يا صاحب الدولة :

أما الموقف الخارجي فمن البداهة بمكان أن الإنجليز لا يستجيبون لآمالنا الوطنية ولا يفكرون في الجلاء إلا بقدر ما يصيب أقدامهم من زلزلة واضطراب , وما يتعرض له استقرارهم ومصالحهم المادية الإستراتيجية من خلل وإقلاق . فتقبلها منا يا صاحب الدولة نصيحة خالصة لم ننكص عن أدائها لكل من استنصحنا ممن حملوا هذه الأمانة قبلك . إن الكفاح وحده هو سبيل الجلاء والوحدة , الكفاح الذي ينظم الحاكم والمحكوم , ويتلاقى تحت أوليته الكبير والصغير , ويبدوا فيه العزم والإصرار على تحقيق الأهداف . وتؤخذ الأهمية لاستمراره وشموله بحشد الكفايات العلمية والاقتصادية والسياسية والحربية والأخلاقية فوق ذلك كله لتنظيم المقاطعة ودوام المناجزة بما يزلزل الأرض تحت أقدام الغاصبين . ويجعل أيامهم في الوادي خسارة يفرون منها ومغرما لا يستطيعون الصبر عليه .


فإذا انشرح لذلك صدرك يا صاحب الدولة فخير البر عاجله , والله معك وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا . . والشعب بجانبك متحفز لأداء تكاليف الحرية حتى يدركها وإن غلت واثقا بوعد الله الكريم " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " .

وإن كنت لا بد أخذا – على خلاف ما نرى – بأسباب المفاوضات فلا أقل من أن تضرب لها أمدا محدودا وتضع لمطالب الإنجليز نهاية بينة يتمحص بعدها الموقف أو يستأنف الجهاد " فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير " " وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير "

أما عن الموقف الداخلي فأول ما نطالب به إلغاء الأحكام العرفية وتحرير البلاد من قيودها الشاذة على الحريات الاجتماعية والاجتماعات والأقلام , ذلك أن الأحداث التي دعت إلى إعلانها – وإن لم يسلم بجواز إعلانها لتلك الأحداث – قد اختفت آثارها واستتب الأمن باعتراف كبار المسئولين أوفر استتباب , فأية مصلحة تصيبها البلاد من فرض القيود باختيارها على حرية أبنائها وهي تقف من أجل الحرية في صراع مرير مع أعدائها .

ولا وجه في ما نعتقد للاحتجاج بقضايا 26 يناير لمد الأحكام العرفية , فلن تقصر بإلغائها يد العدالة عن أخذ المجرمين . . وفي مواد القانون العام من روادع الأحكام من مثل هذه الجرائم ما لا يخشى معه أن يتعرض المجتمع والعدالة لسوء فإن أبت الحكومة إلا استبقاء الحكم العرفي بهذه الحجة أو سواها – وهو ما لا نقرها عليه – فلا يصح أبدا أن يجاوز أمده الفصل في هذه القضايا ولا يجوز أن يتعدى نطاقها إلى مصادرة الحريات أو سوق الناس إلى المعتقلات .

ولذلك يرى الإخوان المسلمون ضرورة المبادرة إلى الإفراج عن المعتقلين جميعا من أي حزب كانوا وإلى أي هيئة انتسبوا , فإن المثل الأعلى الذي يستهدفه الإخوان هو كفالة الحرية لأبناء الوادي جميعا بقطع النظر تماما عن رأي الإخوان المسلمون في الهيئات والأفراد الذين فرض الحكم العرفي قيودا على ما أعطاهم الدستور من حريات .

بقيت كلمة أخيرة في ما أعلنته الحكومة من رغبة التطهير فلا مراء في أن التطهير غاية كريمة لا يتعرض عليها أحد , بيد أن هناك ملاحظات في هذا الصدد يتم بها واجب النصح والإرشاد .

أولا : ينبغي أن يوجه التطهير إلى النفوس والأخلاق وأولادها بالبدء نفوس القادة والمسئولين .

ثانيا : يجب أن يعني التطهير بصفة أساسية بتطهير المجتمع المصري من الموبقات والمفاسد الأخلاقية ومظاهر اللهو الحرام التي تحطم القوى وتزري بالمثل العليا وتستنزل غضب الله على الجماعة ففي الحديث الشريف " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم " .

ثالثا : لا بد أن يتناول التطهير كل العهود دون تفرقة وأن يقدم إلى محكمته الموالون والمخاصمون على السواء " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " " ولا يجرمنك شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " . وأن يشمل أنواع الجرائم جميعا سواء ما يتعلق بالمال كالرشوة والاختلاس أو ما يتعلق بالاستبداد وسوء استخدام السلطة وفساد الحكم كجرائم التعذيب والبغي على الحريات وترويع الآمنين , فالحق واحد والضمير لا يتجزأ والله لا يقبل منا أن نضرب على السارق حتى نعذر إليه بأخذ الباغي الجائر والمستبد الظالم . وفي الحديث الشريف " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يضربوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده " .

رابعا : نرجو ألا تكون قضية التطهير على ما لها من أهمية وجلال مشغلة عن قضية الوحدة والاستقلال حتى لا ندع المستعمرين يتوهمون أن اصطنعنا ميدانا للصراع الداخلي لا نفرغ القوي منه لصراع الاستعمار , ذلك الصراع الحق الذي تؤمن به البلاد ويحتشد له الشعب بجميع طوائفه وفئاته , وتريده دائما موصولا لا يعرف قرارا ولا يلقي سلاحا حتى تتحقق الوحدة ويجلوا آخر جندي أجنبي عن أرض الوادي العزيز " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " .

والله أكبر والحمد لله . . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

صرح فضيلة المشرد العام الأستاذ حسن الهضيبي في مؤتمر كبير بالإسكندرية أن الإخوان أيدوا الحكومة في خطوتها بإلغاء المعاهدة وتركوا لها القيادة وانتظروا ما ينجم عن تصرفها حتى لا يكون في أي عمل من جانبهم ما لا يتفق مع خطة الحكومة التي قالت أنها أعدتها ولم تعلنها , وحتى لا يكون في استقلال الإخوان بخطة من جانبهم مظنة تتأوها الحكومة على غير وجهها كما حدث معهم في حرب فلسطين .

وذكر فضيلته أن قال لمعالي وزير الداخلية في اجتماع الزعماء الخاص بكتائب التحرير أنه ليس لدى الإخوان كتائب ولكن لديهم مؤمنين كل منهم كتيبة في ذاته , وإذا أرادت الحكومة منهم عملا فلتسلمني السلاح ولا تسألني عن أسمائهم وأنا المسئول عنهم . ولا يجوز أن ينتظر من الإخوان غير ذلك بعد الذي خبروه في محنتهم وما دام في البلاد بوليس سياسي . وإن الحكومة لم ترد على هذا حتى الآن . وأن من مستلزمات الكفاح أن تتطهر البلاد من المباءات الخلقية . وأماكن اللهو الرخيص التي تثبط عن الجهاد وتجعل المجاهدين يتشككون في روح الجد في البلاد . . .

الإخوان المسلمون وثورة 23 يوليو سنة 1952

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين , وعلى اله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

أيها الإخوان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد , فأسأل الله تبارك وتعالى أن تكونوا على خير ما يحب الله لعباده المؤمنين المخلصين المجاهدين من الصبر والاحتساب , وأن ينزل السكينة في قلوبكم لتزدادوا إيمانا مع إيمانكم , ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما . . .

إن دعوة الإخوان المسلمين – وهي دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تزد عليه ولم تنقص – كانت ولا تزال صراعا بين الحق والباطل , بين الإيمان والإلحاد , بين المعروف والمنكر , بين العقل والهوى , بين الخلق القويم والتحلل الذميم , بين الإنسانية الفاضلة والأنانية الخاسرة , من أجل ذلك كانت بحاجة إلى جهاد قوم مؤمنين يخلصون لله دينهم ويهبونه أرواحهم طيبة بذلك نفوسهم . لا تزيدهم المحن إلا ثباتا على حقهم وازدراء لباطل خصومهم , وكانوا في عزائمهم أشد وأقوى , وإلى ربهم أقرب وأدنى , وبانتصارهم يؤمنون , وعلى ربهم يتوكلون ( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .

وإني مذكركم – فالذكرى تنفع المؤمنين – ببعض ما توحي به الظروف التي خلقها بعض أعداء الدعوة حتى يكونوا على بينة من طريقكم الحق , ولا تجروا مع خصوم دعوتكم في ما جروا فيه من الإثم والبغي بغير الحق افتراء على الله , أذكركم بالصدق في القول والعمل وترك الجدل واللجاجة مع المخالفين . اصدقوا أنفسكم وصدقوا الله واصدقوا الناس ( يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) .

إن خصوم الدعوة توهموا أنهم بأكاذيبهم يغلبون حقكم فاتهموا السرائر واختلقوا الوقائع وأخفوا الحقائق ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) , قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا ؟ . . قال : نعم , قيل : أيكون بخيلا ؟ , . . قال : نعم , قيل : أيكون كذابا ؟ . . قال : لا ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وألئك هم الكاذبون ) .

فلا تهنوا ولا تحزنوا . . فلن يبلغ الكذب من دعوتكم شيئا , إنكم على الحق بإذن الله , ولن يخلف الله وعده ( إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) , وقد ذكرناكم بالحق فكرهوه وضاقت به صدورهم وظنوا أن الكذب ينجيهم , والله تعالى يقول ( وقد خاب من افترى ) .

وليس الكذب على الأشخاص وحدهم , فقد حرص خصوم دعوتكم على أن ينسبوا أخطاء المسلمين في بعض العصور إلى الدين نفسه , وظنوا أن ذلك يصرفكم عن دعوتكم إلى الإسلام دينا ودولة . . .

فانتبهوا لما توحي به هذه الاتجاهات وتفهموا ما وراء هذا مما يضمره المبطلون ( يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة , ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) .

أيها الإخوان . . .

اصبروا وصابرو ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون

أخوكم

حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

رسالة من حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين إلى محمد نجيب رئيس الجمهورية

المسرحية التي أعدها عبد الناصر لضرب الإخوان المسلمين في يناير 1954 تفشل فيعيد تمثيلها في أكتوبر 1954 . .

في يناير سنة 1954 شمر عبد الناصر عن ساعديه لضرب الإخوان المسلمين والاتجاه الإسلامي في مصر فملأ السجون والمعتقلات بآلاف الأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين . وظن أن الطريق صار ممهدا أمامه للانفراد بالسلطة وقيام نظام ديكتاتوري فردي . . إلا أن الأمة هبت كلها ثائرة في وجه هذه النزعات الفردية فعمت المظاهرات أنحاء البلاد وأعربت كل الهيئات والطوائف عن استنكارها لأي حكم مستبد وطالبت برجوع الجيش إلى ثكناته وقيام نظام برلماني نظيف .

ونكس عبد الناصر رأسه للعاصفة الشعبية وأفرج عن الإخوان المسلمين وزار مرشدهم في منزله من أجل الاتفاق على نقاط تكفل الضمانات اللازمة لسير الأمور في المستقبل وسط جو مستقر تحكمه المصالح العامة لا المصالح الفردية .

ولقد كانت الانتفاضة الشعبية من القوة والصلابة للدرجة التي أعلن فيها نظام الحكم يومئذ عن حل مجلس قيادة الثورة . . وقيام حياة حزبية نظيفة وقيم حكم برلماني حر في البلاد . . . وإن كان عبد لناصر قد نظر إلى الأمر على أنه مسكنات وقتية لا تخرج عن دائرة الإعلان والقول . . . حتى اعد عدته وحشد كل قوات البطش بقوى الشعب وتطبيق الخناق على الأحرار حتى سنحت له الفرصة في أكتوبر سنة 1954 فدبر مسرحية الاعتداء عليه في ميدان المنشية بالإسكندرية وأعلن مرة أخرى حل الإخوان المسلمين وإلقاء الألوف منه في السجون والمعتقلات وعليق قادتهم على حبال المشانق والتنكيل بالباقين سجنا وتعذيبا وإرهابا وتقتيلا . ومن أعماق السجن الحربي في مارس سنة 1954 بعث المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين برسالة إلى اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيس الجمهورية يومئذ نشرتها جريدة المصري . . تحكي جانبا من قصة الظلم الذي وقع على الإخوان المسلمين دون ذنب ولا جريرة . . .

وعلى نفس صفحاتها تنشر الدعوة بيانا أصدره الإخوان المسلمون عن دورهم في الوساطة بين محمد نجيب وعبد الناصر متناسين كل ما حل بهم من اعتقال أو وقع عليهم من ظلم من أجل التقريب بين عناصر الحكم المختلفة يومئذ بهدف وحدة الصف وتوحيد القوى لمنفعة الوطن وحده . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السيد رئيس اللواء أركان حرب : محمد نجيب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أما بعد . . . فإن مجلس قيادة الثورة قد أصدر قرارا في 12 يناير سنة 1954 بأن يجري على جماعة الإخوان المسلمين قانون حل الأحزاب السياسية . . ومع ما في هذا القرار من مخالفة لمنطوق القانون ومفهومه فقد صدر بيان نسب إلينا فيه أفحش الوقائع وأكثرها اجتراء على الحق . وقد حيل بيننا وبين مناقشته والرد عليه . . واعتقلنا ولم نخبر بأمر الاعتقال ولا بأسبابه . وقيل يومئذ أن التحقيق في الوقائع التي ذكرت به سيجري علينا واستبشرنا بهذا القول لأننا انتظرنا أن تتاح لنا الفرصة للرد عليه لنبين أن ما اشتمل عليه كله على الصورة التي جاءت به لا حقيقة له فيعرف كل إنسان قدره ويقف عند حده ولكن ذلك لم يحدث .

وإلى أن تتاح لنا الفرصة فإننا ندعوكم وندعو كل من اتهمنا وندعو أنفسنا إلى ما أمر الله تعالى به رسوله عليه الصلاة والسلام حين قال : " فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناؤكم ونساءنا ونساؤكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين "

وقد استمرت حركة الاعتقالات شهرين كاملين حتى امتلأت المعتقلات والسجون بطائفة من أطهر رجال البلد وشبابها بلغوا عدة ألوف لكثير منهم مواقف في الدفاع عن البلاد وعن حرياتها شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولم يكتفوا بالكلام كما يفعل كثير من الناس , أما كيفية الاعتقالات ومعاملة المعتقلين فلن نعرض لها هنا . .

وقد بدت في مصر بوادر حركة إن صحت فسوف تغير من شئونها وأنظمتها , وقرار حل الإخوان وإن أنزل اللافتات عن دورهم فإنه لم يغير الحقيقة الواقعة وهي أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم لأن الرابطة التي تربطهم هي الاعتصام بحبل الله المتين وهي أقوى من كل قوة . . .

وما زالت هذه الرابطة قائمة ولن تزال كذلك بإذن لله . ومصر ليست ملكا لفئة معينة ولا حق لأحد أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها والنزول إلى إرادتها لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم , وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء .

وأن ما دعوتم إليه من الاتحاد وجمع الصفوف لا يتفق وهذه الأحوال فإن البلاد لا يمكن أن تتحد وتجتمع صفوفها وهذه المظالم وأمثالها قائمة .

نسأل الله تعالى أن بقى البلاد كل سوء وأن يسك بنا إلى سبيل الصدق في القول والعمل وأن يهدينا إلى الحق وإلى صراط مستقيم .

والسلام عليكم ورحمة الله .

حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

دور الإخوان المسلمين في الوساطة بين عبد الناصر ومحمد نجيب دليل تجردهم للقضية الوطنية

" الشروط التي خرج الإخوان المسلمون من المعتقلات على أساسها في مارس 1954 .

" الإخوان المسلمون لم يتنازلوا أبدا عن الحياة لنيابية النظيفة وإطلاق الحريات .

وفي العدد 5866 من جريدة المصري الصادر في 21 رجب سنة 1373 , 26 مارس سنة 1954 كان العنوان الرئيسي الأول : " الإفراج عن الهضيبي وعودة , وجميع المعتقلين " والعنوان التالي " حل مجلس الثورة يوم 24 يوليو " وفي نفس الصفحة الأولى وتحت عنوان " تصفية المعتقلات والإفراج عن الهضيبي وزملائه " قالت صحيفة المصري : وتم الإفراج عن الأستاذ حسن الهضيبي من السجن الحربي كما أفرج عن باقي أعضاء جماعة الإخوان المسلمين . وقد تم أمس اتصال بين المسئولين وبين السيد حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإفراج عنه بشأن عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى نشاطها السابق وقد تم الاتفاق معهم على ثلاث نقاط :

أولا : أن تعود الجماعة إلى سابق نشاطها وكيانها بدون أي حد من حرياتها , وتعود أموالها المصدرة وشعبها ومركزها العام .

ثانيا : الإفراج فورا عن جميع المعتقلين من الإخوان المسلمين مدنيين أو عسكريين مع من فضل منهم من الخدمة العسكرية .

ثالثا : أن يصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يوضح فيه حقيقة الأسباب التي اعتبرها داعية إلى حل الإخوان ويكون هذا البيان بمثابة فصل الختام في هذه المسألة المؤسفة .

وقد صرح السيد حسن الهضيبي للمسئولين بأن الإخوان المسلمين سيكونون بعد عودتهم عونا للحكومة على طرد الإنجليز من منطقة القناة ورد اعتداءاتهم الوحشية . . وفي منتصف ليلة أمس توجه البكباشي جمال عبد الناصر إلى منزل السيد حسن الهضيبي حيث اجتمع به في منزله .

الإخوان يطالبون بالحريات والحياة النيابية والعودة للعمل :

وفي عددها 5869 الصادر في 24 رجب 1373 , 29 مارس سنة 1954 قالت المصري تحت العنوان السابق :

أذاع مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين البيان التالي :

بسم الله الرحمن الرحيم

لا ريب أن مصر تمر بفترة بالغة الدقة والخطورة في تاريخها بعيدة الأثر في كيانها ومستقبلها وهي تقتضي من كل مواطن أن يهب البلاد نفسه ويبذل لها وجوده ويؤثرها بالخالص من رأيه ومشورته حتى يأذن الله بانجلاء هذه الغمة ويخرج الوطن منها بحياة أمن واستقرار ووحدة . . .

ولقد فوجئ الإخوان المسلمون غداة خروجهم من السجن والمعتقلات بتوالي الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها البلاد في حدة وسرعة لم يتيسر معها معرفة أسبابها والعوامل التي تؤثر فيها ثم تحديد وسائل العلاج الذي يلائمها .

من أجل ذلك بادر الإخوان المسلمون إلى العمل على أداء واجبهم في التماس المخرج من هذه الأزمة فبدا لهم أن من العسير أن ترسم الخطط الصالحة ويوضع العلاج لهذه المشاكل ويسمع للمشورة الصادقة في جو الغضب والانفعال وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل لله ألا يستجيب له وهو غضبان .

الاتصال بطرفي الخلاف :

لهذا لم يكن بد من الإسراع بلقاء المسئولين والاتصال بطرفي الخلاف للدعوة إلى اتخاذ مهلة تتجنب فيها المضاعفات وتنتهي فيها حالة التوتر القائمة حتى يتيسر لأولي الرأي والإخلاص أن يتقدموا للمسئولين وللأمة بخطة كاملة مدروسة تكشف عن البلاد هذه الشدة وتضع القواعد الكفيلة بوقاية البلاد من أن تتعرض لمثلها في أي مناسبة . وعلى هذا الأساس قام وقد الإخوان المسلمون برئاسة المرشد العام بلقاء السيد البكباشي جمال عبد الناصر في الليلة الماضية ثم بزيارة السيد اللواء محمد نجيب لانشغاله في نفس الليلة بالاجتماع بجلالة الملك سعود ضيف مصر الكبير الذي أثرها مشكورا بكريم وساطته في علاج هذا الموقف العصيب .

الإخوان يواصلون وساطتهم : وما زال الإخوان المسلمون يواصلون خطواتهم في إقناع المسئولين باتخاذ مهلة مع قيامهم في الوقت نفسه بدراسة خطة العلاج الشاملة آملين أن يستجيب المسئولون إلى ندائهم فتتغلب الحكمة الوطنية على بواعث الخلاف والفرقة ويلتقي الجميع بإذن الله على كلمة سواء . . .

مناشدة الشعب الهدوء :

وإذا كانت الجهود تتوالى في العمل على جمع الكلمة وحل الأزمة فإننا نناشد الشعب الكريم أن يعتصم بالهدوء والسكينة ورباطة الجأش وأن ينصرف أبناؤه جميعا إلى أعمالهم في انتظام وطمأنينة مع التوجه إلى الله العلي الكبير أن يحفظ البلاد من كل سوء وأن يعين الساعين ويجمع المسئولين على الحل الكامل السليم الذي يرج البلاد من المأزق الحاضر ويحفظ وحدة الأمة ويصون حقوق الشعب وحرياته ويحقق الاستقرار المنشود في ظل حياة نيابية نظيفة محوطة بالضمانات التي تجنبها مساوئ الماضي وتوفر القوى والجهود لتخليص الوطن من الغاصب المستعمر , ومتابعة حركة الإصلاحات الإيجابية التي تستكمل بها البلاد نهضتها . والله ولي التوفيق .

حسن الهضيبي


حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين يتحدث عن المعاهدة التي وقعها عبد الناصر مع الإنجليز وجعل منها ذريعة لضرب الإخوان المسلمين

" لا يجوز أن يتم اتفاق دون عرضه على برلمان منتخب انتخابا حرا . . .

في سنة 1954 وقع عبد الناصر مع الإنجليز معاهدة الجلاء المشهورة وقد انتقد الإخوان المسلمون بنودا معينة في المعاهدة وأرسلوا بها مذكرة إلى حكومة عبد الناصر من قبيل إبداء الرأي والنصح إلا أن عبد الناصر منع نشر المذكرة ومنع الإخوان من إبداء أي رأي واتخذ من الأمر ذريعة لمحاربتهم واتهامهم بشتى التهم وتضييق الحصار عليهم حتى لا يرتفع لهم صوت يوضح الحقائق ويظهر الخفايا . . وقد أجرت المنار الدمشقية حديثا مع المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين حينئذ . . كصورة ومثال لفهم الإخوان المسلمين وجهادهم بالكلمة في مجال الكلمة . . وبالسلاح في مجال السلاح . . قال فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي :

كنت أتمنى أن أجد في الاتفاق الذي وقع أمس الأول في القاهرة بالأحرف الأولى ما يحقق مطالب مصر , ولكني لم أجد أية مصلحة في عقده بل هو يحوي كل أضرار بمصالح مصر والدول العربية عامة .

أما ما نص عليه الاتفاق من جلاء الجنود البريطانيين عن منطقة قناة السويس خلال عشرين شهرا من وقت التصديق على المعاهدة فهذا كان متفقا على أن يتم في عام 1956 بموجب معاهدة سنة 1936 التي ألغتها مصر , وإذا فرض أن الإنجليز كانوا يأبون الخروج عند نهاية تلك المدة , فإن بقاؤهم يكون بلا سند قانوني , فما المصلحة في منحهم هذا السند للبقاء والعودة . . . ؟

فقد أعطى الاتفاق المذكور الإنجليز حقا في العودة إلى احتلال القناة إذا هوجمت إحدى الدول الموقعة على معاهدة الدفاع المشترك الذي عقد ضمن نطاق الجامعة العربية أو على تركيا – ولم يكن لهم هذا الحق من قبل – وتركيا كثيرة الأحلاف والأعداء معا مما يربطنا ويربط الدول العربية معنا بالمعسكر الغربي في كل حرب .

بل إن الاتفاق حين أباح للإنجليز العودة إلى مصر , لم يحدد لخروجهم بعد ذلك أمدا , والإنجليز أصحاب حيل ومكائد لا يعجزون على أن يجدوا المبررات التي يتذرعون بها لبقاء احتلالهم . .

إن الاتفاق عقد اعترف للإنجليز بقناة السويس كقاعدة عسكرية وأباح لهم احتلال أجزاء منها لم تبين , فاعترف بشرعية القاعدة مع أن معاهدة 1936 لا تعطيهم الحق في إنشائها حتى يتعللوا الآن بوجودها , وهكذا أقررنا باحتلالهم بوثيقة لصالحهم دون مصلحة لنا فيها .

ومن الأمور الخطيرة في الاتفاق أن مصر وضعت بموجبه مطاراتها في جميع أنحاء البلاد وفي كل وقت من أوقات السلم والحرب تحت تصرف السلاح الجوي البريطاني – والطيران هو السلاح الرئيسي في هذه الأيام .

أما إدارة القاعدة والإشراف عليها فلا يجوز أن نخدع أنفسنا بالقول بأنه سيكون بواسطة مدنيين , فهم في الواقع عسكريون تابعون للحكومة البريطانية مباشرة , من قال غير ذلك فقد غالط نفسه .

لقد كسبت بريطانيا بهذه الاتفاقية امتدادا للمعاهدة الملغاة خمس سنوات أخرى , ولا تنتهي الأوضاع بعدها . بل تعود إلى الحلقة المفرغة , التشاور بشأن التدابير التي ينبغي اتخاذها بعد انتهاء مدة الإنفاق , أسلوب التشاور مع بريطانيا أسلوب سبق أن عرفناه ولمسنا نتائجه . وبهذه المعاهدة أضافت بريطانيا حلقة جديدة إلى الحلقات التي تطوق بها البلاد العربية بمعاهدات وأحلاف عسكرية , والتي كان آخرها المعاهدة الليبية , وقد استغلت بريطانيا في ذلك ضعف بعض الحكومات وعدم تمثيلها لشعوبها فسارت في ذلك على سياسة إغفال إرادة الشعب مما سيحلق بها أفدح الأضرار .

ولذلك يعلن الإخوان المسلمون رفضهم هذا الاتفاق ويصرون على أن اتفاقا ما بين الحكومة المصرية وأية حكومة أجنبية لا يجوز أن يتم دون أن يعرض على برلمان منتخب انتخابا حرا نزيها يمثل إرادة الشعب المصري أصدق تمثيل , كما يجب رفع الرقابة عن الصحافة حتى يقول كل إنسان رأيه في هذه الاتفاقية دون حد من إرادته وحريته فما كان لأحد أن يتحكم في مصائر الشعب دون الرجوع إليه .

حسن الهضيبي

خطاب من حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين إلى جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء

الاستقرار في مصر يدرك بالعدل والإصلاح والرفق

في غرة رمضان سنة 1373 ( 4 مايو سنة 1954 ) أرسل المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين خطابا إلى جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينئذ يناقش فيه الآثار التي ترتبت على حل جماعة الإخوان المسلمين في يناير سنة 1954 واعتقال أعضائها ثم الإفراج عنهم والسماح للجماعة بمزاولة نشاطها وفق اتفاق تم بين قيادة الجماعة وبين رئيس الحكومة دعا فيه لأخير إلى تناسي الماضي والتغاضي عن آثاره من أجل المصلحة العامة للبلاد , إلا أن أمورا ذات أهمية خاصة في الاتفاق لم يقم رئيس الحكومة بتنفيذها الأمر الذي دعا المرشد العام للإخوان المسلمين إلى إرسال هذه الرسالة متناولا فيها الكثير من الحقائق الهامة والأمور الخطيرة وهذا نصها :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

السيد رئيس مجلس الوزراء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . وبعد . فإنكم دون شك تذكرون أنكم اتفقتم معنا على إنهاء الوضع الشاذ الذي أوجده حل جماعة الإخوان المسلمين يوم دعوتهم الإخوان إلى تناسي الماضي والتعفية عن آثاره . . ورأيتك أن خير البلاد ومصلحتها في أن يبدأ الإخوان ورجال القيادة عهدا جديدا من التعاون .

وقد سلمتم يومئذ بوجوب إلغاء قرار حل جماعة الإخوان المسلمين وبالإفراج عن جميع المعتقلين وبرفع الأثر الذي ترتب على بيان الحل رفعا صريحا يغنينا عن التعرض لمناقشة البيان .

وبصرف النظر عن أن المسائل الخاصة بالجماعة لم ينته الرأي فيها إلى ما اتفق عليه . فإن مصلحة الوطن تقتضينا أن نبذل لكم من رأينا في مشاكله ما نرى أنه يدعو إلى اطمئنان الناس كافة ويحقق الاستقرار الذي لا يمكن بدونه أن يتم شيء من إصلاح الأمور الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الشئون على وجهه الصحيح . والدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم كما قال الرسول عليه السلام ومن حقنا أن نؤدي لكم الواجب علينا من ذلك .

إن مصر اليوم تجتاز مرحلة من أدق المراحل التي مرت بها فنحن جميعا نهدف إلى تحرير البلاد وإخراج الإنجليز منها ولن تخرجهم الخطب والبيانات وإنما يخرجهم كفاح شاق طويل ليس هذا موضع بيانه , ونحن لا نريد الدفاع عن أنفسنا فحسب ضد إسرائيل التي استأسدت علينا في الآونة الأخيرة بل نريد إخراجها من فلسطين ولا تزال الحرب بيننا وبينها قائمة وإن كنا في هدنة .

وأول ما يجب علينا أن نتخذ العدة لذلك وأن نعد جيشنا لمهمته الأصلية وواجبه الأول .

وإن مصر لتحتاج إلى الاستقرار وهو أمر لا ينال بالكلام . ولا يدرك بالشدة . . . ولكنه ينال حينما يشعر الناس شعورا حقيقيا بأنهم حماة الثورة , وحماة ما اتجهت إليه من ضروب الإصلاح . . والثورة لا بد للمحافظة عليها من أن تحوطها القلوب وتذود عنها أما القوة وحدها فإنها لا تحقق الغاية المقصودة , ويدرك الاستقرار كذلك بالعدل والإصلاح والرفق . إنه لن يغني واحد من هذه عن الآخر . وأن للاستقرار وسائل أحب أن أضع تحت نظركم منها ما يأتي :

( 1 ) إعادة الحياة النيابية :

لا ريب أن الحياة النيابية هي الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر . وإذا كانت تجارب الماضي قد أظهرتنا على بعض العيوب فمن واجبنا أن تخلي حياتنا النيابية من العيوب وأن نجعلها أقرب ما تكون إلى الكمال . والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية في فترة الانتقال .

وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل فلنشرع فورا في ما يؤدي بنا إليها في أقرب وقت .

( 2 ) إلغاء الإجراءات الاستثنائية والأحكام العرفية :

فإن الإجراءات الاستثنائية إذا أفادت الهدوء المؤقت والاستقرار الظاهر فإنها تخلق حالة من الغليان وتذكي النار تحت الرماد ولن يؤمن على مستقبل الوطن إذا اشتعلت فيه النيران .

( 3 ) إطلاق الحرية :

وأود أن تطلقوا الحريات جميعا وعلى الأخص الصحافة فإن في ذلك خير مصر وأمنها وسلامتها , ولقد رأيتكم تأخذون على الناس أنهم لم يقولوا لفاروق ( لا ) حيث يجب أن تقال وأنتم الآن بفرض الرقابة على الصحف تمنعون الناس أن يقولوا لكم ( لا ) حيث لا يجب أن تقال وما هكذا تربى الأمة على نصرة الحق وخذلان الباطل .

ونحن لا نسلم بأن تتجاوز الصحافة حدودها ولا أن يطلق لها العنان لتلبس الحق بالباطل . وإنما نحب أن تترك لتقول الحق في حدود القانون . فإذا تجاوزته حق عليها العقاب . وقد تجدون في معارضة الصحف لكم خيرا كثيرا . . .

وغني عن القول أن إطلاق حريات المعتقلين وبعض المحكوم عليهم من المحاكم الاستثنائية أمر توحي به الضرورة لجمع الشمل وتوحيد الكلمة ويوجبه الحق والعدل . . .

أم الإصلاح فمجله وسع وفي رأينا أن إصلاح النفوس أولى من كل إصلاح لأنه أساس لكل إصلاح .

والله نسأل أن يرزقنا الصدق في القول والعمل . وأن يعصمنا من الزلل وأن يهدينا جميعا سواء السبيل . إنه سميع مجيب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . .

خطاب من حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين إلى جمال عبد الناصر رئيس الحكومة

تأزمت الأمور سنة 1954 وامتلأت البلد بالشائعات وكأنها كانت تمهيدا لجو معين وأمر مرسوم . وكممت الأفواه حرية القول والكلمة .

وكدأب الإخوان المسلمين ومن إيمانهم وفهمهم للإسلام كان لا بد أن تقال كلمة الحق تطالب بالحق وترفض إهدار الحقوق . . .

وكان خطاب من الأستاذ حسن الهضيبي مرشد الإخوان المسلمين إلى السيد جمال عبد الناصر رئيس الحكومة حينئذ ولعل هذا الخطاب يعطي من الأضواء على ما لحق من أحداث بحيث توفر الفهم السليم لفترة 1954 وما بعدها .

السيد جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , أما بعد , فإني ما زلت أحييك بتحية الإسلام وأقرئك السلام , وما زلت ترد علي التحية بالشتائم واتهام السرائر واختلاق الوقائع وإخفاء الحقائق والكلام المعاد الذي سبق لكم قوله والاعتذار عنه , وليس ذلك من أدب الإسلام ولا من شيم الكرام , ولست أطمع في نصحك بأن تلزم الحق فذلك أمر عسير وأنت حر في أن تلقى الله تعالى على ما تريد أن تلقاه عليه , ولكني أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها وأنها في حاجة إلى بصيص من النور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير وأن غيركم يسلكون بها سبل الشر والهدم والتدمير إلى آخر ما تنسبون إليهم . إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري , القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب , إنها في حاجة إلى حرية القول , فمهما قلتم أنكم أغدقتم عليها من خير فإنها لن تصدق إلا إذا سمحتم لها بأن تقول أين الخير وسمحتم لها بأن تراه , ومهما قلتم أنكم تحكمونها حكما ديمقراطيا فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام والتعبير عن الرأي .

وإذا حققتم ذلك فإننا نعدكم بأن نذكر الحقائق ولا تخلف من ونصدق القول ولا نشوبه بالكذب والبهتان والاختلاق ولا نتهم لكم سريرة ولا نبادلكم في ما تضمرون وتدخرون في أنفسكم ولا نجاري بعض وزرائك في ما يكتبون من غثاثة وإسفاف . وإنما نعدكم – كما هو شأننا – بأن نناقش المسائل مناقشة موضوعية على ما تعطيه الوقائع التي ترضونها أو تصدر عنكم , إما أن تعطوا أنفسكم الحق في الكلام وتحرموا الناس منه . وإما أنكم تفرضون آراءكم ( بالنبوت ) على الأمة فشيء لا يعقله الناس ولا ترضاه الأمة .

أيها السيد :

إن الأمة ضاقت بحرمانها من حريتها فأعيدوا إليها حقها في الحياة , فإذا كان الغضب على الهضيبي وعلى الإخوان المسلمين قد أخذ منكم كل ما أخذ فلكم الحق أن تغضبوا وهذا شأنكم – ولكن لا حق لكم في أن تحرضوا الناس على الإخوان المسلمين وتغروهم بهم , ليس ذلك من كياسة رؤساء الوزراء في شيء فإنه قد يؤدي إلى شر مستطير وبلاء كبير . ومن واجبكم أن تحافظوا على الناس مخطئهم ومصيبهم وأن تجمعوا شمل الأمة على كلمة سواء . وأنكم لا شك تعلمون أن الإخوان المسلمين حملة عقيدة ليس من الهين أن يتركوها ولا أن يتركوا الدفاع عنها ما وجدوا إلى الدفاع سبيلا . فإغراء بعض الأمة بهم وتحريضهم عليهم من الأمور التي لا تؤمن عواقبها .

وإنني أؤكد لكم أن في وسعك أن تمشي ليلا أو نهارا وحدك بلا حراس وفي أي مكان دون أن تخشى أن تمتد إليك يد أحد من الإخوان المسلمين بما تكره . إما أن يمد أنصارك أيديهم بالسوء إليهم استجابة إلى إغرائك فإن مسئوليتك عند الله عظيمة . ولعل الذي حملك على إبداء العداوة والبغضاء للإخوان المسلمين هو أنهم عارضو المعاهدة . فالإخوان المسلمون لن يؤمنوا بها دون أن تناقش في برلمان منتخب انتخابا حرا يمثل الأمة أكمل تمثيل .

وخير لكم وللأمة ألا تخدعوا أنفسكم عن الحقائق , فإن الأمة قد بلغت من حسن الرأي ومن النضج مبلغا يسمح لها بأن لا يتصرف أحد في شئونها دون الرجوع إليها والأخذ برأيها .

والله يتولاكم بتوفيقه . . .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عقيدة . . عبادات . . أخلاق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله

دستورنا

في هذه الأيام التي يكثر فيها الكلام عن الدستور , ولجنة الدستور , وكيفية وضعه , وماذا ينص عليه فيه , يتساءل الناس عن معنى قول الإخوان المسلمين " القرآن دستورنا " ومكان هذا الكلام من الدستور المرتقب , وما ينبغي أن يكون عليه الدستور الجديد حتى يكون متفقا مع ما جاء بالقرآن الكريم من أحكام .

ليست دعوة الإخوان المسلمين شيئا جديدا , وإنما هي الدعوة التي أمرنا الله تعالى بها إلى آخر الزمان " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " وقد أذن الله لهذه الدعوة أن تنشأ في مصر ثم تجتاز حدودها إلى جميع البلاد الإسلامية حتى لم يعج " الإخوان المسلمون " اسما لجمعية أو هيئة في مصر ولكنه أصبح علما على بعث فكر الإسلام الخالص النقي , ونهضة المسلمين في جميع مشارق الأرض ومغاربها . . .

ولما كان هذا البعث لا يتفق مع ما وقع فيه الإخوان المسلمون بسبب تركهم دينهم وعدم إتباع أوامره ونواهيه والأخذ بفضائله , من جهل وذل واستعباد , كان أعداء الإسلام والمستعمرون وطلاب المنافع الحرام والجهلة من كبراء المسلمين حربا على دعوة الدين : يشوهون من مقاصدها , وينسبون إليها ما ليس منها , بالكذب والافتراء وتزييف الوقائع , حتى لقد أخبرني بعض العائدين من السويد أن الجرائد نشرت صور نفر من الناس مقطوعي الأيدي يظن أنهم من مشوهي الحرب وكتبت تحتها . هكذا يقطعون الأيدي في القاهرة من أجل السرقة . وأخبرني بعض مراسلي الصحف الأجنبية أن القوم في انجلترا يعتقدون أن دعوة الإخوان المسلمين هي دعوة إلى ترك جميع مظاهر المدنية والرجوع إلى معيشة البدو في الصحراء . . .

فرأيت لذلك أن أعبر عما يمكن أن يشتمل عليه الدستور الجديد من مبادئ مأخوذة من القرآن

وقبل ذلك يجب أن نعلم أن القرآن الكريم لم يقم على القوانين وما اشتملت عليه من عقوبات ومعاملات وعبادات فقط فإن القرآن نحو ستة آلاف آية ومجموع آيات الأحكام فيه لا تزيد عن خمسمائة أيه فصلها العلماء وبنوا عليها فقها كثيرا لا يختلف إلا قليل عن أحكام العصور الحديثة . وإنما قام القرآن على تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس وتطهيرها , وإصلاح المجتمع من المفاسد والعمل على سد الذرائع للجرائم كلية , وما العقوبات التي وردت فيه إلا عقوبات صارمة الغرض منها كف الناس عن الشر إن لم يثمر فيهم التهذيب وتجاوزوا حدهم بعد أن استوفوا حقوقهم .

فنحن حين نطالب بالعمل بكتاب الله وسنة رسول الله لا نسعى من وراء ذلك إلى تطبيق الأحكام الواردة في القرآن فحسب ولكننا نرجو أن يجعل القرآن منهاجا يسار عليه في الحياة يطبق بحذافيره . . .

وكان هذا حسبنا من كل دستور آخر لأن القرآن هو الدستور الكامل الشامل الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة في بناء الأمة إلا عالجها , تارة بالتفصيل , وتارة بالإجمال , تاركا لها أن تمضي في التفصيل على ما تقتضيه مصالحها ولا تتعارض مع الأصول التي وضعها .

هل الحكم بالقرآن فرض ؟ !

ولنذكر الآيات التي تدل على أن الأخذ بكتاب الله فرض علينا لا يحق لنا أن نتحلل منه بأي وجه من الوجوه , ولا ينبغي أن نتعلل في عدم تطبيقه بالظروف والملابسات , لأن هذه الظروف والملابسات من فعلنا ويجب العمل على إزالتها . .

هذه هي الآية الكريمة فأقرأها إن شئت :

قال الله تعالى " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) .

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .

ومن ن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين .

وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . .

وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ !

أفغير الله أبغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين . . .

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون .

وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون .

المص . كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون .

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون .

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون .

إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين .


هذه آيات بينات فيها أقطع برهان على وجوب الحكم بكتاب الله . ولا يقول بغير ذلك إلا من رضي لنفسه بالكفر والظلم والفسق . ومحادة الله ورسوله وعد الاعتصام بحبل الله . فهو قليل الحظ من التوفيق والهداية .

أحكام القرآن

اشتمل القرآن – في ما اشتمل عليه – على أحكام عملية يمكن تلخيصها في ما يلي :

1 – العبادات :

وهي ما شرعه الله تعالى لتنظيم علاقته بالخلق كالصلاة والصوم والزكاة والصدقات والحج . . . . . . . الخ . . .

2 – المعاملات :

وهي الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض وتقيم الروابط بينهم على العدل والرحمة والتعاون والمحبة ورفع أسباب الضر والعدوان واجتلاب الخير والمنفعة للناس جميعا ويدخل في ذلك نوعان :

المعاملات المدنية : من بيع وتجارة ورهن وشركة . . . الخ . وهذه القوانين في الشريعة كأحدث القوانين في العصر الحاضر إلا ما حرم لله فهو حرام إلى يوم القيامة .

والأحوال الشخصية : من زواج وطلاق وعدة وثبوت نسب الخ . . .وهذه قد أمرنا فيه بترك الناس وما يدينون فإن جاءوا إلينا حكمنا بينهم بما أنزل الله .

3 – العقوبات : وقد شرعت لحفظ حياة الناس وأعراضهم وأموالهم : تأديبا للناس وزجرا لهم عن ارتكاب الجرائم مثل عقوبات القتل والسرقة وقطع الطريق وأهل الفساد والزنا والقذف أي القصاص والحدود . .

4 – أحكام نظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم : وبيان حقوق ولي الأمر على الرعية وحقوق الرعية على ولي الأمر وأحكام الشورى والعدل والمساواة بين الناس .

5 – وأحكام أخرى شرعت للحرب والقتال . وتنظيم علاقات المسلمين بغير المسلمين . . .

علاقة الحاكم بالمحكوم

ولما كان الدستور المراد وضعه ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم جريا على ما تجري عليه الأمم الغربية وتحسب أنها سباقة إليه كما يحسب جهلة المسلمين : فليس من الممتنع علينا أن نضع الأحكام من القرآن ونبرر بها المعاني المهمة التي تقوم عليها حياة الأمة وصلاح حالها .

" فينص فيه على أن الحاكم تختاره الأمة لمدة محدودة أو غير محدودة على أن يكون محاسبا ليس فقط على أعماله السياسية بل على أعماله الجنائية والمدنية ويحاكم أمام أية محكمة عادية , بل إن لأي إنسان أن يرفع عليه الدعوى بذلك أمام المحاكم , فالإسلام لا يعرف في ذلك كبيرا ولا صغيرا كلهم عنده سواسية كأسنان المشط .

" وكذلك ينص فيه على أن القوانين تصدرها شرائع الإسلام وشرائع الإسلام من الطول والعرض بحيث تتسع لأحكام الزمان جميعا : فما اتفق منها مع أصولها كان شرعا بإقرار ولي الأمر له , وما لم يتفق اطرحناه اعتقادا منا بأن الله ما أراد لنا أن نتجنبه إلا لخير أراده لنا .

" وينص فيه على وجوب تعليم الرجل والمرأة لشرائع الإسلام على السواء – أم العلوم الأخرى فهي فرض كفاية يتحمل المسلمون إثم التقصير في تحصيلها إلى أن يحصلها من بينهم من بقى بحاجة الأمة في كل فرع وفن .

" وينص فيه على حق الفقراء جميعا من المسلمين وغير المسلمين في العمل وفي المسكن والملبس والمأكل .

" وينص فيه على احترام الأديان الأخرى وحرية أهلها في عقائدهم وعصمة أرواحهم وأعراضهم وأموالهم إلا بالحق .

ولست في ذلك أضع مواد الدستور فذلك مجال آخر , وإنما أشير إلى بعض المسائل التي يظنها الناس من مميزات العصر الحاضر وما هي كذلك وإنما هي من قواعد الإسلام وأصوله يأثم تاركها ويعاقبه الله على عصيانه فيها ولو كانت المعصية بينه وبين نفسه .

التربية الدينية هي الأساس

قلت أن الإسلام لم يقم نظامه على العقوبات بل قام في حقيقة الأمر على تهذيب النفس وتطهير القلب .

وقد قال الرسول عليه السلام : ما تركت من خير إلا وأمرتكم به وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه , فالتربية كفيلة بتنشئة المرء على حب الخير ومساعدة الناس ومودتهم والإحسان إليهم . وهي التي تخلق فيه روح التسامح وتبعده عن روح البغي وكلما تعصب المسلم لعقيدته بعد عن التعصب ضد الناس , واحترم عقائدهم وأموالهم وأعراضهم وأرواحهم . وأما العقوبات فهي لا تأتي إلا في المقام لأخير لأنها إنما وضعت لشواذ الناس الذين لا تردعهم الموعظة الحسنة .

والأديان كلها سواء في ذلك , فإذا طالبنا بحكم القرآن فإننا نطالب بما أمر الله به في سائر الأديان من الفضيلة والنهي عن الرذيلة والبغي دائما يصاحب الجهل , والاعتداء لا يتأتى إلا من عدم الشعور بالواجب . وإنه لخير للمسلمين وللمسيحيين أن يتهذبوا بتهذيب دينهم حتى يلتقوا على الخير والفضيلة ويجب على الحكومة أن تدخل هذا التعليم بصورة جدية في المدارس الابتدائية والثانوية للمسلمين والمسيحيين على السواء .

الأحوال الشخصية لغير المسلمين

إن مما أتى به الإسلام في ما يعتبر من المعاملات ما يسمى بقوانين الأحوال الشخصية – وهذا لا ينطبق على المسيحيين ولا على غيرهم بل ينطبق عليهم حكم ديانتهم لذلك أمرنا بتركهم وما يدينون فما داموا متفقين على التحاكم إلى كتابهم فليس لنا بهم شأن . وأما إذا جاءونا فإننا نحكم بينهم بما أنزل الله .

المعاملات

أما المعاملات من مثل البيع والإجارة والرهن فليس للمسيحية فيها نصوص . لذلك كان الأخذ بما تراه لأغلبية في مصلحتها واجبا: يأخذه المسلمون على أنه دين ويأخذه المسيحيون على أنه قانون – ولعله من الخير لهم أن يأخذه المسلمون على أنه دين لأن هذه الفكرة تعصمهم من الزلل في تنفيذه , وعين الله الساهرة ترقبهم لا رهبة الحاكم التي يمكن التخلص منها في كثير من الأحيان – على أن المعاملات في شريعة الإسلام غاية في السمو والعدالة – وليس للمسيحيين أن يشكوا من أنها تحرم الربا فهو محرم في ديانتهم وقد أقام المسيحيون على ذلك ثلاثة عشر قرنا حتى أصبحت شرائع الإسلام في هذه الناحية تعتبر بالنسبة لهم شرائع قومية .

العقوبات

وأما العقوبات , فأكثر ما يعترض بها علينا قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن . وقد بينا في كثير من المناسبات أنه لا تقطع يد سارق إلا إذا استوفى حقه من التعليم ومن المسكن والمأكل والعلاج , وسداد دينه إن كان مدينا , ولذلك لم يثبت في تاريخ الإسلام , أنه قطعت يدي أكثر من ستة أشخاص , ورهبة العقوبة مانعة من التعدي , وأما حد الزنا فحسبنا أنه لم يثبت ولا مرة واحدة بشهادة الشهود – وهم أربعة لا بد أن يروا رأي العين فهذه عقوبات تهديديه لكي تبين للناس فداحة الجرم إن هم أقدموا عليه , وعادلة لأنها لا تطبق إلا في مجتمع إسلامي متكامل توافرت فيه دعائم التربية السليمة – وأسباب الاستقرار الاجتماعي المادية والأدبية .

ووراء الحدود القليلة التي نص عليه الكتاب وبينتها السنة , باب واسع لنظام العقوبة في الإسلام اسمه " التعزيز " , استفاضت فيه بحوث فقهاء الإسلام , وبلغت حدا من الغنى والدقة يعز معهما على دارس القانون أن يرى جهل المسلمين بها وغفلتهم عن الاستفادة منها , وآراء الفقهاء فيها تقابل الآراء المعمول بها في القوانين القائمة فماذا علينا لو تلمسنا الرأي الأنفع في ما عندنا قبل أن نتسول له من عند غيرنا , فنكون بذلك قد أرضينا ربنا الذي قال : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " ولم يقل بمثل ما أنزل الله , ونكون كذلك قد حفظنا على أمتنا عزتها القومية , وأمانتها في رعاية الميراث العزيز الذي ألقاه التاريخ إليها ؟ !

وبعد فإنه يجب أن يتبين الناس أغراضها من الدعوة إلى الإسلام والحكم بشرائعه . . إنها الدعوة إلى العلم والعمل , وإلى النظام الإلهي المحكم في محاربة الرذيلة والجهل والمرض . . . دعوة إلى الطهر والاستقامة والخير للناس كافة . .

والله يتولانا بتأييده . . .


7 مسائل داخل سجن ليمان طره الشباب يستوضح أحكام عقيدته وفضيلة المرشد يجيب

السؤال الأول :

إن الرجل كان حي ينطق بالشهادتين يجد الكيان الذي يعلن دخوله فيه , وبهذا يكون قد انتقل علميا من كيان يشرك بالله إلى كيان يسلم لله يعطيه كل ولائه . . . وبهذا يكون واضحا لديه تكاليف النطق بالشهادتين فهمهما أم لم يفهمهما أم الآن فليس هناك كيان إسلامي يدخل فيه المرء الذي ينطق بالشهادتين ويعطيه وحده ولاءه , وربت البعض على ذلك أن دخول الفرد في الكيان شرط الحكم بإسلامه , ولا يكفي مجرد النطق بالشهادتين وعند السؤال عن الدليل على جعل الكيان شرطا في الحكم بإسلام الفرد , قيل أن الواقع نفسه يكفينا كدليل فلم نجد رجلا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف إلى مجتمعه ليعيش فيه كما يعيشون , بل يدخل مجتمع المسلمين ويعلن له ولاءه العام حتى لو اضطرته ظروف الحركة أن يعيش بعيدا عن المجتمع بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . . واستشهد آخر بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه " عليك أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم , قال : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى تدرك الموت وأنت على ذلك " .

الإجابة :

نقول بعون الله : إن عبارة " الكيان الإسلامي " عبارة تحتاج إلى تحديد وضبط على أسس شرعية حتى لا يقع الاختلاف الجوهري في مدلولها , على أنه على أية صورة يمكن تأويل تلك العبارة إليها , فإن الذي لا شك فيه أنه لم يدخل " الكيان الإسلامي " أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم – فإسلام المرء شرط يجب أن يتحقق فيه أولا صفة يجب أن تثبت له قبل دخوله " الكيان الإسلامي " أي أن ذلك الأمر وتلك الصفة من المتعين اللازم ثبوتهما في حق المرء سابقين على دخوله " الكيان الإسلامي " وانتمائه لأمة المسلمين – وعمل الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله المنقولان إلينا نقل الكافة عن الكافة الذي هو أشد وأقوى أنواع التواتر وأقوى درجات الاجتماع والذي اتفق عليه المسلمون فقهاؤهم وعامتهم منذ ألف وأربعمائة سنة بدون أدنى شذوذ أن المرء يحكم بإسلامه بنطقه الشهادتين مقرا بهما وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم جملة وعلى الغيب , والمرء محكوم بإسلامه حتى نطقه بالشهادتين وفور نطقه بهما دون أدنى تأخير ولو طرفة عين , ودون أي شرط آخر يتعلق عليه الحكم بإسلامه – فإذا نطق المرء بالشهادتين وحكم له بالإسلام كان من نتيجة ذلك دخوله " الكيان الإسلامي " وقبوله فردا من المسلمين وانتماؤه إلى أمة المسلمين – فدخوله " الكيان الإسلامي " والانتماء إليه هو إذن نتيجة لثبوت عقد الإسلام للمرء .

والقول بأننا لم نجد رجلا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف إلى مجتمعه ليعيش فيه , بل يدخل مجتمع المسلمين ويعلن له ولائه التام , هذه القضية إن صحت لا تؤدي إلى النتيجة التي يراد بها الاستدلال عليها , فليس فيها شبهة دليل على أن دخول " الكيان الإسلامي " شرط يعلق عليه الحكم بإسلام الناطق بالشهادتين – وغاية ما يمكن أن تدل عليه إن صحت – أن المسلم المحكوم بإسلامه لنطقه بالشهادتين , والذي ثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين مأمور أن يهاجر من بين أظهر المشركين وأن يقيم بين المسلمين , والشأن في ذلك هو ذات الشأن في التزام الناطق بالشهادتين المحكوم بإسلامه بنطقه بهما بالعمل وتنفيذ كافة شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وصدق في القول وانتهاء عن الغيبة وعن شرب الخمر وعن الزنا وعن السرقة والتزام الجهاد في سبيل الله . . إلى كافة شرائع الإسلام التي تلزمه ويتعين عليه العمل بها سواء علمها حال النطق بالشهادتين أو جهلها فلم يعلمها كلها أو بعضها إلا بعد النطق بالشهادتين لأن مقتضى نطقه بالشهادتين إعلانه قبول شرائع الإسلام جملة وعلى الغيب , والتزامه أن يعمل بها ويخضع لها , وهذا هو معنى الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة وعلى الغيب – فالهجرة إلى دار الإسلام أو التزام جماعة المسلمين شريعة من شرائع الإسلام لا تلزم إلا المسلم الذي ثبت له فعلا عقد الإسلام ولا تقبل إلا من مسلم محكوم له بالإسلام شأنها في ذلك شأن الصلاة والزكاة والصوم والحج إلى اخر شرائع الإسلام التي ما ترك الرسول عليه الصلاة والسلام أحدا ممن بايعه وقبل إسلامه إلا وأمره باعتقادها والعمل بها وتنفيذها ولا خلاف أنه لا تقبل صلاة ولا صوم ولا زكاة إلا من مسلم محكوم بإسلامه فعلا قد ثبت له عقد الإسلام يقينا قبل قيامه للصلاة أو إمساكه عن الطعام أو توجهه إلى البيت الحرام .

فالمرء يحكم له بالإسلام بنطقه بالشهادتين ويثبت له بذلك عقد الإسلام يقينا وفور نطقه بالشهادتين وفي ذات لحظة تلفظه بهما دون أدنى تأخير أو تأويل , وأيا كانت الظروف التي ينطق فيها بهما , وحتى لو نطق بهما وقد بهره شعاع السيف الذي كاد أن يقتلع رأسه من فوق عنقه ثم هو بعد ثبوت عقد الإسلام له مأمور بتنفيذ شرائع الإسلام التي أعلن قبوله بها والتزامه بتنفيذها بعد نطقه الشهادتين فإذا أخل بشريعة من الشرائع لم يعمل بها , نظرنا إلى ما أمرنا الله به ورسوله في شأن المخالف للأمر الذي وقعت فيه المخالفة فما حكم الله تعالى بأن فاعله يعتبر مرتدا عن الإسلام بعد ثبوت عقد الإسلام له حكمنا على فاعله بذلك , وما حكم الله بأن فعله – وإن عصى وفسق واستحق القتل أو قطع اليد أو الرجم أو الجلد – لا يعتبر مرتدا عن الإسلام بل باق له عقد الإسلام أجرينا عليه حكم الله فيه , فالناطق بالشهادتين إذا بلغه الأمر بأن عليه أن يهجر الإقامة بين المشركين وأن ينضم إلى أمة المسلمين أو أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم وجب عليه تنفيذ الأمر والعمل به , والشأن في ذلك هو ذات الشأن في ما إذا بلغه الأمر بوجوب الصلاة والزكاة والحج والانتهاء عن السرقة وشرب الخمر والزنا والغيبة , وبفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . الخ .

فإذا لم يبلغه الأمر بذلك كله أو بعضه فهو معذور بجهله , ثم نقول لمن قال إننا لم نجد رجلا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف إلى مجتمعه الذي كان يعيش فيه من قبل – نقول له أن اشتراط الحضور إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ومبايعته مشافهة ومصافحة وجها لوجه لم يكن لحظة ما في تاريخ الإسلام شرطا لصحة إسلام المرء . وكم من ضارب في أعماق الصحاري علم بدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام فنطق بالشهادتين وامن به عليه الصلاة والسلام رسولا من عند الله لا ينطق إلا بالحق , ومات على الإسلام دون أن يلتقي بالرسول عليه الصلاة والسلام ثم ليعلن قائل هذه المقالة أن النجاشي رضي الله عنه ما برح أرض الحبشة , وما التقى برسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفاه الله وهو مقيم بين قومه صاحب السلطان فيهم , وهو مع ذلك يخفي إسلامه عنهم وعن غيرهم وكان من المعجزات التي أجراها الله على لسان رسولنا عليه الصلاة والسلام أن أوحي إليه بأمر وفاته يوم موته , فأخبر بذلك عليه الصلاة والسلام وأنه – أي النجاشي – مات على الإسلام , وجمع عليه الصلاة والسلام من شاء الله أن يجمعهم من الصحابة فصلوا على النجاشي صلاة الغائب , فكيف يجوز بعد ذلك لقائل أن يقول أن دخول " الكيان الإسلامي " بمعنى الانتقال والهجرة للإقامة بين المسلمين شرط للدخول في الإسلام , وأن الناطق بالشهادتين يبقى حكمه معلقا لا هو مسلم ولا هو غير مسلم حتى تتم الهجرة . وقد يطرح هنا سؤال وهو :

ما حكم المسلم الذي لم يهاجر من بين ظهراني المشركين إلى جماعة المسلمين ؟

" نقول بعون الله : أن ذلك المسلم إن كان يجهل لزوم تلك الشريعة له فلا شيء عليه , وهو معذور بجهله محكوم بإسلامه بنطقه للشهادتين , فإذا بلغه الأمر وقامت عليه الحجة فهو إن جحد الأمر واستحل خلافه كان مرتدا محكوما عليه بحكم المرتد عن الإسلام بعد ثبوت عقد الإسلام له – وفرق كبير بين من لم يصح إسلامه أصلا وبين من ثبت له عقد الإسلام ثم ثبتت عليه الردة , فمثلا إذا كان الناطق بالشهادتين لم يثبت له عقد الإسلام فإنه لا يعتبر مرتدا ويكون معصوم الدم والمال بأداء الجزية إذا خضع بلده لسلطان المسلمين . أما إذا قلنا بالحكم بإسلامه بنطقه بالشهادتين فإن جحوده النص بعد ذلك واستحلاله مخالفته مؤداه أنه يحكم بقتله , ولا تقبل عودته إلى اليهودية أو النصرانية أو أي دين آخر حاشا الإسلام . ولا يكون له مع المسلمين عهد ولا ذمة .

أما المقيم بين أظهر المشاركين بعد نطقه بالشهادتين وبعد بلوغ الأمر إليه بضرورة الهجرة إلى الجماعة الإسلامية – إذا لم يكن جاحدا الأمر فهو إما معذور بعذر منعه من الهجرة أو غير معذور . أما غير المعذور فقد وقع الاختلاف في شأنه , فقال البعض أنه يعتبر مرتدا عن الإسلام بإقامته بين أظهر المشركين وذلك لقول الرسول عليه الصلاة والسلام . " أنا بري ء من كل مسلم أقام بين ظهر المشركين " وقالوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبرأ إلا ممن خرج عن الإسلام . ومن القائلين بهذا الرأي الإمام ابن حزم ( انظر المحلي ج 11 ص 198 ) .

" ورد البعض على هذا الرأي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أثبت لمن تبرأ منه اسم المسلم وصفة المسلم , فالحديث فيه ثبوت اسم المسلم وصفته لمن حصلت البراءة منه , فدل ذلك على أن البراءة ليست براءة خروج من الدين , بل فقط في التزام بودي ( أي إعطاء الدية ) من قتل منهم أو يصاب أثناء الإغارة على المشركين الذين يقيم بينهم على الظن أنه منهم , يؤكد صحة هذا القول قول الله عز وجل في سورة الأنفال : " والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " فأثبتت الآية اسم وصفة المؤمن لمن لم يهاجر رغم إثباتها انتفاء الولاية بينه وبين المهاجرين , أي الدولة الإسلامية أو الجماعة الإسلامية , كما أثبتت الآية وحدة الدين بقوله تعالى : " وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر " – وإذا كان ثمة خلاف في شأن من ليس له عذر فليس ثمة خلاف في شأن من يقيم بين ظهراني المشركين عن عذر , فالاتفاق بأنه محكوم بإسلامه بنطقه الشهادتين ثابت له عقد الإسلام بمقتضاهما معذور وبعذره لا يكفر ولا يفسق ولا يعصى .

وساء أخذنا بهذا الرأي أو ذاك في ما يتعلق بحكم المقيم بين ظهراني المشركين بغير عذر , فيجب التنبيه إلى أن هذا الحكم خاص بالمسلم الذي يقيم بين أظهر المشركين لا الذي يقيم بين مسلمين عصاة .

أما الولاء للإسلام والمسلمين فأمر آخر غير الهجرة , وهو أمر متعلق بالإحسان والشعور مفروض في من نطق الشهادتين بافتراض صدقه وإخلاصه في النطق بهما والمنهي عنه شرعا تولي غير المسلمين من دون المسلمين أي مناصرته لهم على المسلمين , وفاعل ذلك ليس من الله في شيء فهو مرتد , ونكرر القول هنا بأنه محكوم له بالإسلام بأصل نطقه للشهادتين , ثم هو محكوم بردته عن الإسلام وبخروجه عن الإسلام بعد سابق إسلامه , بتوليه الكافرين دون المؤمنين حين يأتي ذلك . . .

" ثم نقول بعون الله : أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحة قاطعة الدلائل على أن من نطق الشهادتين محكوم بإسلامه حال نطقه بهما ثابت له عقد الإسلام في التو واللحظة معصوم الدم والمال بنطقه بهما منهي عن أي محاولة لتأويل نطقه بهما أيا كانت الظروف التي نطق بالشهادتين فيها . . . وقد فصلنا هذا وأقمنا الأدلة القاطعة على ثبوته وصحته في بحثنا – والذي لا شك فيه أن حكم إسلام الناطق بالشهادتين الذي قرره الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أخبر به عليه الصلاة والسلام وحيا من الله " وما ينطق عن الهوى . . إن هو إلا وحي يوحي " . – وحيا من الله عز وجل الذي علم ويعلم ما كان وما هو كائن وما سوف يكون , فكيف وقد نبأ عليه الصلاة والسلام بما سيكون عليه أمر المسلمين وأنه يأتي عليهم زمان لا يكون لهم فيه جماعة ولا إمام ولا كيان , وفي ذات حديث حذيفة بن اليمان الذي أشار إليه السائل التنبؤ بتلكم الحال والذكر الصريح لها . . وقد سمى الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين وهم على تلك الحال مسلمين وأرشد السائل إلى الطريقة التي يلزمها بما يقطع أنه تبقى للفرد صفة المسلم ويثبت له عقد الإسلام والإيمان رغم انعدام الجماعة والإمام .

ولو كان النطق بالشهادتين يختلف أمره من الزمان الذي يكون فيه المسلمين جماعة وإمام عن الزمان الذي لا يكون لهم فيه ذلك لأوضح لنا الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك الأمر الهام الذي هو الحد بين الكفر والإسلام " وما كان ربك نسيا " .

ثم نقول الذي يفترض ضرورة دخول " الكيان الإسلامي " كشرط لصحة إيمان الناطق بالشهادتين ثم يقول في نفس الوقت أن ذلك الكيان معدوم في هذا الزمان الذي يعيش فيه , نقول له : أما تنبهت كيف حكمت على نفسك وأنك بذلك تقضي على نفسك بعدم صحة إسلامك , فإن قلت أنك داع وعامل على إيجاد " الكيان الإسلامي " كان الواضح أنك استبدلت شرطا بشرط فأنت أولا ادعيت أن الشرط هو دخول " الكيان الإسلامي " فعلا وقررت أن ذلك الكيان معدوم الوجود ثم إنك عدت تصحح إسلامك بشر ط آخر وهو أنك عامل ومجاهد لتحقيق " الكيان الإسلامي " والعمل على تحقيق الكيان الإسلامي أمر مختلف وشرط مخالف لشرطك الأول , فما دليلك عليه من كتاب الله وسنة رسوله ؟ وقد أسلفنا الأدلة القاطعة على أن حكم الله أن يحكم بإسلام الناطق بالشهادتين حال نطقه بهما , وأن كل تكليف وكل شريعة غير شريعة النطق بالشهادتين لا تقبل من أحد إلا بعد أن يثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين بل ولا يتطلب من أحد ولا نلزمه إلا بعد أن يثبت له عقد الإسلام بنطقه بالشهادتين . . .

وإذا كان هذا هو الحكم الشرعي فإن هذه الجماعة التي تنتسب إليها قد اعتنقته مبدأ أساسيا من مبادئها منذ نشأت ومنذ بدأت تزاول نشاطها لم تحد عن ذلك لحظة , وواقع حالها وحال منشئها رضوان الله عليه والقائمين عليها لا يجعل مجالا لمناقشة هذا الأمر , والذي يحاول الجدل في هذا الأمر إنما يحاول عبثا إنكار الوقائع المادية الثابتة ثبوتا لا شك فيه , ثبوتا لا يقبل تأويلا على أي وجه من الوجوه , ومن حاول مثل ذلك كان من مبطلي الحقائق فلا يقبل منه قول ولا فائدة من مناقشته أو نصحه وهو يعتبر غير ملتزم بالجماعة ولا بمنهجها – وقد أورد الإمام الشهيد في رسالة التعاليم البند العشرين فقال " ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض – برأي أو معصية ما لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال , أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا إلا الكفر "

" والمتأمل لهذه العبارة يجدها مطابقة تماما لما قدمناه في بحثنا من شرح العبارة المأثورة " ولا نكفر مسلما بمعصية ولا نقول ولا يضر مع الإيمان ذنب " وقد أجهد بعضهم نفسه محاولا التعلق بقول الإمام الشهيد " ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما " فادعى ضرورة العمل بالشهادتين بمعنى ضرورة العمل بكافة الشرائع والأحكام , وهذا تمويه فاسد لأن معنى هذا القول أن يكون ما جاء بعده من تقرير عد اتهام المسلم بالكفر برأي أو معصية لغو "

لأن الذي لا شك فيه أن المعصية خروج عن مقتضى العمل بالشهادتين إذا فسرت هذه العبارة على إطلاقها دون مراعاة الاصطلاحات الفقهية المتعارف عليها والتي كان الإمام الشهيد رضي الله عنه من أكثر الناس معرفة بها ودراية بأصولها وأوجه استعمالها , ولذا حدد تحديدا دقيقا الأحوال التي يجوز فيها اتهام المسلم بالكفر وهي أن ينكر معلوما من الدين بالضرورة أو يكذب صريح القرآن أو أن يفسر القرآن على وجه لا تتحمله أساليب اللغة العربية بحال من الأحوال أو أن يأتي عملا لا يحتمل تأويلا إلا الكفر . ولقد كان سير الإمام الشهيد بالجماعة والخط الذي رسمه لها سواء في معاملته أعضاء الجماعة أو من كانوا أعضاء بالجماعة ثم وقع عنهم الشقاق والانفصال أو من لم يكونوا أصلا من أعضاء الجماعة , أقول كانت سيرته رضي الله عنه تطبيقا عمليا صادقا أمينا لما جاء برسالة التعاليم , ونكرر القول أن شأن الجماعة وما استقرت عليه منذ نشأتها في هذا الأمر واضح لكل ذي بصر بحال الجماعة أو علم بسيرتها وهو ما رسخ واستقر وبات معلوما بالضرورة لكل من اتصل بالجماعة وعرف شيئا عنها . ( انتهى )

السؤال الثاني :

هناك من يقول أنه لا يكفر أحد نطق بالشهادتين ولكن ليس معنى ذلك أن يحكم للناس مجتمعين بالإسلام وهو متأكد تمام أن فيهم كثرة تأتي أعمالا وأقوالا هي بنفسها تخرج عن الملة – وكما أنه لا يستطيع أن يرميهم جملة بالكفر فهو كذلك يتحرج من وصفهم جملة بالإسلام . . .

وهو يسأل : ما الفرق بين أن يقول أن الناس في جملتهم مسلمون وأن نقول : مجتمع مسلم – وهل الأصل أن يحكم للفرد في هذه المجتمعات القائمة حاليا بالإسلام ولا يخرج عن الملة حتى يتبين أنه هو بنفسه أتى فعلا أو قولا يخرج به عن الملة , أو أننا لا نحكم له بالإسلام إلا أن نتأكد من نطقه هو بالشهادتين أو ما يدل عليهما من أعمال . . وليس الأصل وجوده في هذه المجتمعات اعتبارا يحكم له بالإسلام بمقتضاه ؟

الإجابة :

ورد بالبند الخامس من رسالة التعاليم ما نصه :

" وكل مسألة لا ينبغي عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا " وفي حدود هذا الأصل نجيب على هذا السؤال فنقول بعون الله : إن هناك أحكاما تنبني على النظر في حال الغالب من الناس , أي حال الظاهر للمجتمع مثل إلقاء تحية الإسلام ومثل ديانة اللقيط الذي لا يعرف له أبوان فأنت تلقي تحية الإسلام على من لا تعرف من الناس أخذا بالظاهر العام من أن الناس أغلبهم مسلمون مع احتمال أن يكون من ألقيت عليه السلام أو بعض من ألقيت عليهم ليسوا مسلمين .

أما في ما عدا ذلك من الأحكام فإنك أيها الأخ لو أنك عشت في عصر الخلافة الرشيدة لكان الفرض عليك آنذاك كما هو الفرض عليك الآن أن تتبصر حال من تعامله أو ترتبط به – فأنت دائما في العلاقات الفردية تستطيع أن تدرك من أحوال من يعاملك ما يظهرك على حاله . وما دمت تسلم بالأصل المتفق عليه من أن من نطق بالشهادتين فد ثبت له عقد الإسلام . . . وأن من أتى عملا دل على إسلامه فهو مسلم على ظاهر حاله حتى يقوم الدليل على عكس ذلك فلن تقع بإذن الله في حرج ولن تخرج بعون الله عن السبيل القويم , أما الفرق بين قولنا أن الناس في جملتهم جميعا مسلمون وبين أن نقول مجتمع مسلم فهو كالفرق بين قولك عن شخص أنه مسلم رغم كل ما يقترفه من ذنوب أو معاص بينما يعز عليك أن تقول أن خلقه خلق إسلامي مع تسليمك بأنه لم يخرج عن الإسلام ولم يرتد إلى الكفر وأن بعض ما يأتيه هو عمل بشرائع الإسلام وإن كان ذلك قليلا إلى جانب ما يقترفه من معاص .

أم التساؤل عن الأصل في الحكم على الفرد في هذه المجتمعات القائمة حاليا وعما إذا كنا نحكم له بالإسلام حتى يظهر منه ما يخرجه إلى الكفر أو إننا لا نحكم له بالإسلام أي نحكم عليه بالكفر حتى نتأكد من نطقه الشهادتين أو ما يدل عليهما من أعمال وعما إذا كان لأصل وجوده في هذه المجتمعات اعتبار يحكم له بالإسلام بمقتضاه . . .

فالجواب على ذلك هو : أننا نحكم على الفرد في المجتمع الذي عم فيه الإسلام بالإسلام حتى نتبين خلاف ذلك , هذا رغم عدم سماع غالبية المسلمين للفظ الشهادتين من كل من في هذا المجتمع , وإنما يكفي العلم بأن الشخص مسلم وأن نطق بالشهادتين أنه تصدر عنه أعمال مما وردت في شرائع الإسلام كأن تراه يؤذن أو يردد الأذان أو يصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقرأ القرآن أو يدعوا الناس إلى الإسلام أو إلى إقامة شريعة الله أو يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . . . . . . الخ . . .

كما أن من يولد لأبوين مسلمين أو لأب مسلم وأم كتابية حكمه الإسلام , وليس له أن يختار عند البلوغ دينا غير الإسلام , فإن فعل فإنه مرتد , وعلى ذلك فإننا نحكم لكل من يولد هكذا بالإسلام ويدل على ولادته كذلك الاسم الذي أطلقه والده عليه إن كان مما لا يسمى بمثله غير المسلمين , فهذا كسابقته يحكم له بالإسلام ويطالب بشرائعه ويلزم أحكامه إلا أن يخرج عنه بما يخرج عن الإسلام من جحد بشيء من شرائعه أو إتيان عمل جاء النص بأنه مخرج عن الإسلام أو مدخل في دين آخر – فهذا مرتد بعد إسلامه وليس كافرا من الأصل ولو كان صبيا خرج من دين الإسلام لحظة بلوغه . . .

من هذا يتعين أن لأصل وجود الفرد في هذه المجتمعات أثرا في الحكم عليه بالإسلام بالرغم من أننا متأكدون من أن فيهم الكثير ممن خرج عن الإسلام وارتد عنه فمن علمنا عنه ذلك بذاته حكمنا بردته وكفره بعد إسلامه . ( انتهى )

السؤال الثالث :

الجاهلية من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وقد شاع استعمالها في الفترة الأخيرة دون أن يتحدد معناها أو مفهومها , ولم يطرقها البحث من قريب أو بعيد , ويرد فيها قول واضح . . وماذا عما يسمى بالمجتمع الجاهلي ؟ وماذا تعني هذه التسمية على وجه التحديد الآن ؟

الإجابة :

نعود فنلفت النظر إلى أن البحث السابق إرساله إنما قصد منه فقط الرد على أقوال معينة ظهرت أخيرا رأينا خطورتها وخروجها على أصول دعوتنا , فعنينا بالرد على ما وجدنا أنه يلزم الرد عليه من هذه الأفكار دون استقصاء لها جميعا , ونكرر القول بأننا لم نكتب بحثا في الدعوة بمفهومها الكامل أو برنامجها الشامل, وما كان لنا حاجة بذلك وللدعوة رسائلها وكتبها وليس الوقت ولا الظروف التي نعيش فيها بالمناسبين للكلام في شئون الدعوة على وجه التفصيل – ولذا فإننا بالمناسبين للكلام في شئون الدعوة على وجه التفصيل – ولذا فإننا إنما بحثنا ما اضطررنا إلى بحثه والرد عليه درءا لخطر أكبر من الأخطار التي تهددنا بالكتابة في الظروف التي تحيط بنا .

والجاهلية كالضلال والعصيان والفسوق والظلم من الألفاظ التي استعملت في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية , وتعني الخروج عن أحكام الدين , ذلك الخروج الذي لا يبلغ أحيانا حد الخروج عن الملة والردة عن الإسلام . قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه " إنك امرؤ فيك جاهلية " ويعلق البخاري الذي أورد الحديث يقول : " المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك " البخاري ج 1 ص 14

ومن ذلك يتضح لك أن كلمة الجاهلية يقصد بها كل خروج عن أحكام الدين , أما تحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ حد الردة عن الإسلام أم لا , فيرجع فيه للأحكام الشرعية التي تحدد الفرق بين المعصية التي لا يعتبر مرتكبها مرتدا – والقول أن المجتمع الجاهلي يوازي القول أن المجتمع ضال أو المجتمع فاسق , فجميع هذه الألفاظ إنما تدل على أن فيه خروجا ظاهرا على أحكام الدين . وأن تلك الصفة الغالبة على حال أفراده وأنظمته ولكن لتحديد ما إذا كان ذلك الخروج قد بلغ بفرد معين أو بالمجموع كله حد الردة أو الكفر أم لا , يتعين الرجوع إلى أحكام الشريعة المأخوذة من الآيات والأحاديث والحاكمة في هذا الشأن . ( انتهى ) . . .

السؤال الرابع :

ما هو دور الجماعة وما هو شرعية وجودها وأهميته إذا حكم للناس بالإسلام – والحاكم لم يرد فيه نص قاطع في البحث . ..

الإجابة :

بالنسبة للحاكم , لقد عنينا في بحثنا بذكر القاعدة الشرعية , أما تطبيقها على شخص أو أشخاص معينين فليس من مهمتنا . .

وقد قلنا مرارا أن الجماعة منذ نشأتها التزمت أصلا لا محل للخروج عليه وهو ألا تتعرض للأشخاص بحكم ما وإنما الجماعة تعلن الأحكام الشرعية تالية على الناس آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام مستشهدة إذا لزم الأمر بأقوال أئمة الفقه واللغة والحديث تاركة لكل مستمع أن يضع نفسه في الموضع الذي هو أعلم بنفسه أن ينطبق عليها – وقلنا مرارا أننا دعاة ولسنا قضاة – فالقول بأن الحاكم لم يرد فيه نص قاطع : إذا كان السائل يطلب حكما على شخص أو أشخاص فقوله مردود – أما إذا كان يسأل عن رأي فقهي فإن في رسائل الجماعة التي وضعها الإمام الشهيد الرد على السؤال . كما أننا أوردنا في بحثنا أقوال الفقهاء في هذا الشأن بما يتفق مع الاختيار الفقهي للجماعة منذ نشأتها . . .

أما دور الجماعة فنقول باختصار : قال الله عز وجل : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " وقال تعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " وقال تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وقال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما , فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " وقال علي الصلاة والسلام : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " وقال عليه الصلاة والسلام " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعممنكم الله بعذاب من عنده " . . وقال عليه الصلاة والسلام " ما من نبي يبعثه الله في أمة إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدرون بأمره ثم يحدث من بعدهم خلف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم لسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " . وهل من بغي أوضح من تعطيل شرائع الله والحكم بين الناس وإنفاذ الأمر بينهم على خلاف أمر الله ورسوله ؟ ! !

وهل من بر يجب التعاون عليه كأمر الله – أعظم من إنفاذ أوامر الله وشرائعه والتمكين لدينه والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا وهذا هو الهدف الذي قامت الجماعة أصلا لتحقيقه , وهو أمر واجب على كل المسلمين ولا يمكن أن يحققوه أفرادا فلزم العمل في جماعة تهدف لتحقيق هذا الهدف الكبير , ومن تخلف عن الانضمام لمثل هذه الجماعة والعمل معها يأثم كإثمه عن ترك أي فرض أو تكليف شرعي , ولا يخرجه من الملة بسبب ذلك إلا أن يجحد الهدف وهو تحكيم شرع الله فيكون كافرا مرتدا . ( انتهى )

السؤال الخامس

النقطة التي عالجت مسألة الإكراه في حاجة إلى مزيد من الإيضاح ويرى البعض أن الأخذ بالرخصة لا يصلح ليجتمع عليه صف يريد أن يتحمل عبء الدعوة . .

الإجابة :

لقد استوعبنا في بحثنا كافة النصوص المتعلقة بموضوع الإكراه والكثير من أقوال الفقهاء استيعابا يكاد يكون حاصر لها , ولقد أثبتنا حكم الرخصة لما شاهدناه من استسهال البعض إلقاء تهمة الكفر على غيرهم لمجرد الترخيص دون الإلمام بأحكام الشريعة . وأوضحنا ما أوضحناه عملا بقول الله عز وجل " إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " ولأننا نؤمن بأنه ليس في الدين سر يكتم عن أحد , وإنما الأحكام الشرعية يجب أن يعرفها الناس جميعا وأن يتصرف كل أمريء وهو على علم بها وفهم لها .

ونحن نؤمن بأن الأخذ بالرخصة لا يصلح لأن يجتمع عليه صف يريد أن يتحمل عبء الدعوة , وقد أوفى الإمام الشهيد رضي الله عنه هذه الموضوع حقه من الشرح في رسائله إلى الإخوان " راجع رسالة بين الأمس واليوم " .

" ولقد قلنا في بحثنا : ( إن الله تعالى قد ندبنا للصبر والثبات والعمل على إعلاء كلمة الحق والجهر بها والتمكين لها ودفع المظالم ورد البغي والعدوان وجعل العاملين في سبيل ذلك أعظم الأجر وأعلى درجات الرفعة عنده في جنات النعيم ) ( . . . والحق أن سنن الحياة تؤكد أن الدعوات والأمم إنما تنتصر ويعلو شأنها بمن يسخرهم الله عز وجل بفضله ورحمته من الصادقين الصابرين الثابتين الذين يشرون الدنيا بالآخرة ويبتغون في كل قول وعمل وجه الله تعالى ولا يخافون في الحق لومة لائم أو ذهاب دنيا أو ضياع جاه " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة "

" الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا " وإنما اجتمع صفنا على العزيمة وبها بعون الله نأخذ ونأمر إخوتنا أن يستعينوا بالله وبلزومها ) ( انتهى )

ملاحظات عامة :

البحث لم يكن توجيها عاما ولكنه رد محدد على أفكار محددة فلا مجال لمن يستنتج أنه يدعو إلى الترخص .

السؤال السادس :

النقطة التي عالجت موضوع الجماعة والبيعة جاءت مقتضية وأثارت أسئلة منها حديث ابن سعود : لا يحل دم أمريء مسلم إلا بإحدى ثلاث منها التارك لدينه المخالف للجماعة " وحديث :

" من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " وحديث " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع " . . .

وتساءل البعض : هل يصح أن يوجد المسلم بغير جماعة ؟ وهل يعني خروجه عن الجماعة خروجه عن الملة ؟ وتساءل اخرون : هل إذا عمل الشخص في منظمة معروف أنها تتعارض مع ما يقرره الإسلام أو أنها تعمل لمحاربة الإسلام فهل يحكم له بالإسلام ؟

الإجابة :

الذي عنينا بالرد عليه في بحثنا بيان حكم الجاهل بضرورة لزوم الجماعة وبضرورة البيعة , وأيضا حكم المخالف لنا في فهم معنى البيعة ومعنى لزوم الجماعة أو معنى الجماعة ذاتها وأنه لا يجوز لنا أن نتهم غيرنا بالكفر في غير الأحوال التي يثبت فيها حكم الكفر شرعا ويقينا على الشخص , وقد أسلفنا القاعدة التي وضعها مؤسس الجماعة رضي الله عنه في البند العشرين من رسالة التعاليم كما أوضحنا السياسة الشرعية التي ألتزمتها الجماعة من أنها تقرر الأحكام الشرعية , ولكنها لا تنصب نفسها قاضية لتحكم على الأفراد .

" وزيادة في الإيضاح نقول بعون الله أن الجماعة التي ورد ذكرها في الأحاديث المشار إليها في السؤال قد وردت معرفة بال العهدية والعلمية , فخرج بذلك من مفهوم النصوص أن يكون المقصود أية جماعة من المسلمين , وإنما المقصود جماعة خاصة معينة لها شروطها وأحكامها .

وهناك اختلاف كبير بين الفقهاء في بيان الجماعة وشروطها وأحكامها , ومعنى البيعة وحكم من لم يبايع .

ومن المسلم به أن جماعة الإخوان المسلمين مع إيمانها الكامل أنها قامت على الحق ويقينها الذي لا شك فيه أن دعوتها دعوة حق خالصة أمر الله بها أمر وجوب وإلزام فإن المؤكد أن الاختيار الفقهي لمؤسسها لم يكن النظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين المقصودة في الأحاديث , وإنما هي داعية بعون الله لتحقيق جماعة المسلمين . يؤكد ذلك أن مؤسس الجماعة رضي الله عنه قد اعترف طوال فترة قيادته للجماعة وجميع صحبه الذين آزروه واجتمعوا معه على دعوته , قد اعترفوا لغيرها من الجماعات بأنها جماعات إسلامية كما اعترفوا بصفة المسلم لمن لم يكن منضما لجماعة الإخوان أو فصل منها .

وقد قرر الإمام الشهيد فصل وكيلي الجماعة السابقين وعشرات غيرهما كان بعضهم أعضاء بمكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية ولم يكن قد نسب لأحدهم أنه أتى عملا أو قال قولا ارتد به عن الإسلام , ولا زعم أحد أنهم بفصلهم عن الجماعة قد خرجوا من الإسلام – وبعد الإمام الشهيد صدق مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية على فصل عدد غير قليل من أعضاء كانوا بالجماعة منهم من كان عضوا بمكتب الإرشاد أكثر من مرة , ومنهم من تولى مراكز قيادية في الجماعة وأنظمتها , وكان القول الصريح من قيادة الجماعة في هذه المناسبات أن المفصولين مسلمون معصوموا الدم والمال ترجو الجماعة لهم أن يخدموا الإسلام بمجهوداتهم الفردية وبأساليبهم الخاصة بعد أن استعصى عليهم توطين أنفسهم على نظام الجماعة والالتزام بمفهوماتها وبرامجها ومناهجها .

وفي رسالة المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين يقول الإمام الشهيد : " لعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها , وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فيها والاهتمام بها , ويرى الإخوان أن الأحاديث التي وردت في وجوب تنصيب الإمام وبيان أحكام الإمامة لا تدع مجالا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بأمر خلافتهم منذ حورت عن مناهجها , ثم ألغيت تمام إلى الآن .

والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتهم في رأس مناهجهم وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها , وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات .

" أما التساؤلات عما إذا كان يصح للمسلم أن يوجد بغير جماعة فبالإجابة أننا سبق أن قلنا أن المراد بالجماعة الواردة في الأحاديث السالف الإشارة إليها ليس أية جماعة وإنما جماعة خاصة لها أحكامها وشروطها فمن وجد في إحدى الجماعات تلك الأحكام والشروط واعتقد أنها الجماعة المقصودة بالأحاديث لزمه أن يدخلها ويعمل فيها , وإن كان اعتقاده هذا ليس حجة على غيره ممن لا يرون في الجماعة التي دخل فيها هذا الرأي – وعلى أي حال فأمر الله لنا بالتعاون على البر والتقوى يتضمن التالف في جماعة لتنفيذ أمر الله , إذا الانتظام في جماعة ضرورة يقتضيها التعاون المأمور به لتحقيق المقصد المطلوب شرعا . وقد أسلفنا بيان أنه قد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة التنبؤ أنه يأتي على المسلمين زمان لا يكون لهم جماعة فيه ولا إمام وأن ذلك لا ينفي عنهم صفة الإسلام وإن كان ذلك بطبيعة الحال لا يعفيهم من فرض المجاهدة لتحقيق الجماعة وتنصيب الإمام . . .

أما الذي يعمل في منظمة تحارب الإسلام والمسلمين فهو متول الكافرين – وليس من الله في شيء – وتلك قاعدة عامة إما تطبيقها على الأفراد فيحتاج إلى تحقيق واستيضاحات قلما تتوافر لغير ذي سلطة ما لم تكن المنظمة متبرئة من الإسلام جملة بحيث لا يشتبه على أحد أنها خارجة على الإسلام محاربة له – ونكرر القول أننا دعاة ولسنا قضاة . . . انتهى

السؤال السابع :

إذا كان واقع الناس وظاهرهم متفقا تماما مع البعد عن شريعة الله , أليس ذلك معناه أن هناك خللا اعتقاديا فدليل الإيمان هو العمل به . . . والقائل بهذا الرأي يستشهد الآية : " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء " فجعل الله تعالى اتخاذهم أولياء مترتبا على عدم إيمانهم ودليلا عليه . . .

الإجابة :

ونقول بعون الله أنه لو فرض جدلا صحة القول بأن الخروج أو البعد عن أحكام الشريعة دليل على وجود خلل اعتقادي لدى الخارج , فإن مرد الحكم على الخارج ليس إلى آرائنا , ولكن ما حكم الله أن الخروج عن أحكام الشريعة فيه دليل على أن الخلل الاعتقادي قد بلغ حدا يجعل الخارج مرتدا على الإسلام كافرا مشركا , قلنا نحن : يحكم الله فيه . أمام من حكم الله بأن بعده أو خروجه عصيان لا يجعله مرتدا وأنه باق له حكم الإسلام , فواجب علينا أن نحكم بحكم الله فيه , ولا يجوز لنا أن نبتدع من عند أنفسنا حكما آخر وإلا كنا نحن الحاكمين بغير ما أنزل الله . وهذا بذاته موضوع التفرقة بين المعاصي التي لا تكفر صاحبها ولا تخرجه عن الملة , وتلك التي تخرج صاحبها عن الملة ويعتبر مرتدا , وقد سبق استيفاء ذلك البحث مع وضوح أن هذه الأحكام تكون بالنسبة لكل فرد بذاته وليس على عامة الناس بجملتهم . . . . . . . . . . .

( تم بحمد الله )

خطاب فضيلة المرشد العام في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم

ألقى فضيلة المرشد العام هذا الخطاب الجامع في الحفل الكبير الذي أقامه المركز العام للإخوان المسلمين وحضره الرئيس اللواء محمد نجيب وكثيرون من رجال العروبة والإيلام , واحتشد فيه بضعة آلاف ضاق بها ميدان الشهيد حسن البنا بالحلمية الجديدة والشوارع المؤدية إليه .

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى سائر رسله وأنبيائه أجمعين

أيها الإخوان , أحييكم بتحية الإسلام , فتحية مباركة طيبة من عند الله تعالى , فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته , ولكم جزيل الشكر على تشريفكم حفلنا وجزاكم الله عنا خير الجزاء . . .

لم يكن أسلافنا الأقدمون يقيمون مثل هذا الاحتفال بمولد الرسول عليه السلام أو هجرته من مكة إلى المدينة لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى من يذكرهم بخطر هذا الميلاد وبخطر هذه الهجرة – وما حاجتهم إلى ذلك وقد كانوا يعيشون كل يوم في ما تحقق للناس كافة من خير في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وكانوا يدركون قول الله تعالى ( يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله باسمه وسراجا منيرا ) .

وكانوا يدركون قول الرسول عليه السلام إنما أنا رحمة مهداة ولكنا قد نسينا ما جاء به الرسول ونسينا أنه رحمة مهداة إلى الناس كافة فاتخذنا هذا الاحتفال لنذكر فيه ذلك ونذكر به ونجتمع على كلمة لله وبيان حقائق الإسلام نجليها للناس كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) .

والإخوان في بيان ذلك وتذكير الناس به قوم عمليون يريدون أن يفهم الناس أن تلبية داعي الله لا يكون إلا عملا وأنهم مسئولون أن يأخذوا أنفسهم وأوضاعهم بأحكام الله ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما أتيت ويسلموا تسليما ) .

مغزى المطالبة بالأخذ بكتاب الله

وإنا لا نطلب الأخذ بكتاب الله تعالى لتشفى بالعقوبات الصارمة التي سنها الله تعالى , بل نطلب الأخذ به كلا لا يقبل التجزئة لأنه ما من حكم فيه إلا وهو مترتب على أحكامه الأخرى ولا تجد عقوبة إلا وقد سدت الذريعة إليها وأسقط عذر الجاني في جنايتها .

لا يجوز أن يحرم مسلم من التعليم

وأول ذلك هو التعليم وهو واجب على كل مسلم ومسلمة حق لهما لا يجوز أن يحرما منه . . .

وعلى ولي الأمر أن يهيئ لهما أسباب تعلم الإسلام وأحكامه وبلوغ دعوته إلى الناس , وهذا فرض عين على كل أحد ويجب أن تكون مهمة التعليم الأولى هي تعلم إقامة الوازع النفسي في الناس حتى يكون إقبالهم على طاعة الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة مبينا على هذا الوازع فإذا غاب الوازع عند بعض الناس جاء دور العقوبة . . وقد ذكر الله تعالى العقوبات في آيات معدودات ولم يذكرها إلا مرة واحدة ولكن القرآن بعد ذلك مليء بمناجاة النفوس وحضها على الخير والبر والأخلاق الفاضلة .

( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ادني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) .

وأسباب العلوم الأخرى

وعلى ولي الأمر كذلك أن يهيئ أسباب العلوم الأخرى التي تحتاج إليها الأمة في شئون حياتها من زراعة وتجارة وطب وهندسة وطيران وفنون حرب إلى آخر ذلك , وهذا فرض على الكفاية يلزم المسلمين جميعا ولا يسقط عنهم إثم تركه إلا حين يتعلم منهم من يسد حاجة الأمة في كل فن .

لذلك يجب على ولي الأمر أن يكون حريصا أشد الحرص على إيفاء كل جانب من جوانب الحياة حقه في التعليم فلا يحق لنا أن نشكو من نقص في عدد الأطباء أو المهندسين أو الكيميائيين أو الميكانيكيين أو الضباط أو العسكر . . .

السهر على توفير الأرزاق

والواجب الثاني على ولي الأمر هو أن يسهر على توفير الأرزاق للناس فإن شريعة الله تقتضي بأن يكون لكل إنسان في الدولة مسلما كان أو غير مسلم الحق في منزل يرد عنه حر الصيف وبرد الشتاء ويمنع عنه الأعداء والمتطفلين – والغذاء الذي لا بد منه لحفظ كيانه وصحته , والكساء الذي لا بد منه للشتاء والصيف . والعلاج الذي يلزمه إذا مرض .

حقوقه في عنق الدولة وليست صدقة

هذه حقوق لازمة في عنق الدولة وليست صدقات يأتيها الناس أولا يأتونها – والسبيل إلى توفيرها لهم هو العمل – فكل إنسان عليه واجب الحصول على عيشه من طريق الحلال بحسب ما تؤهله له مواهبه وتهيئه له ظروف حياته ويجبر على العمل إذا هو قعد عنه , فالإسلام لا يحب القاعدين ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )

يدبر له العمل إذا لم يوجد

فإذا فرض بعد ذلك أن لم يجد أحد عملا كان على ولي الأمر أن يدبر له العمل ويهيئ له وسائله ويمده بأدواته ثم يتعهده في ذلك كله لكي يتحقق أنه ناجح في عمله مستريح فيه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم , وما فعله إلا إشارة لواجب الحاكم في هذا الشأن وإن كانت أساليب العمل تختلف .

كفالة المسلمين لمن لم يجد عملا

فإذا كان عمل العامل لا يكفيه أو لم يجد عملا أو كان غير قادر على العمل أصلا فهو في كفالة المسلمين عامة – في كفالة الدولة تمده بما يحتاج إليه أو نقص من حاجاته الضرورية .

واجب الدولة إذا لم تكف الزكاة

وسبيل الدولة إلى ذلك هو الزكاة التي يجب على كل مسلم أن يؤديها ويجب على الحكومة أن تحصلها , وللفقراء حق معلوم فيها لا يجوز بحال من الأحوال أن يحرموا منه ولا أن ينقص شيء منه قبل أن يستوفوا حقوقهم التي ذكرناها – فإن لم تكف الزكاة فقد أصبح واجبا على كل من عنده فضل من المسلمين أن يعود به على إخوانه في الإنسانية بما يوفر لهم حاجاتهم .

الزكاة تصرف في المكان الذي جمعت فيه

والحاكم المسئول أن يحق لهم ذلك , والزكاة تصرف في المكان الذي جمعت فيه ولا تنقل إلى جهة أخرى إلا إذا استغنى أهل الجهة التي جمعت فيها – وهو أحدث ما اخذ به في معالجة الفقر في الأزمنة الحديثة – أما تنظيم ذلك كله فهو من الأمور التي تخضع لظروف الزمان والمكان .

الإسلام يرفع الحياة الاجتماعية للناس

وهكذا أيها الإخوان يرفع الإسلام الحياة الاجتماعية للناس – بالعلم وبلوغ الدعوة وإعطاء الفقير حقه . . .

ويعالج الأمور من أساسها بطريقة عادلة ميسورة , ثم هو يطلق القوى والمواهب لتحصيل العيش كما يريد الإنسان .

للمسلم أن يجمع من الثروة ما شاء بشرط أن يكون من حلال

وكل أحد من المسلمين له حق في أن يجمع من الثروة ما شاء بشرط أن يكسب ماله من حلال وينفقه في الحلال فلا يباح لأحد أن يصرف في غير الأوجه التي أحلها الله تعالى فلا خمر ولا ميسر ولاشيء مما تعارف الناس على عده من المباحات – فإذا فعل ذلك وأدى حق الله فيه فإن الإسلام يحمي ماله ويقطع اليد التي تمتد إليه .

عقوبة السرقة التي يرتجف الناس منها

إن عقوبة السرقة التي يرتجف منها الناس عقوبة فيها غاية الرحمة بالناس لأنها لا يصح إنزالها بالسارق إلا إذا كان قد استوفى حقوقه التي ذكرنا كلها ووفر له المجتمع تعليمه ولباسه وطعامه ومسكنه وعلاجه بل وسد عنه دينه وهي بعد عقوبة زاجرة تمنع البغاة الذين نالوا حقوقهم من الجماعة من أن يفكروا في السرقة ومن فعل منهم فعليه الجزاء الحق ( جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) .

ست مرات فقط

وتاريخ المسلمين الذي كان فيه هذا النوع من الحياة مستقرا لم تنفذ فيه عقوبة القطع إلا نحو ست مرات . . .

عقوبة القطع وأحوال المسلمين

فلما نسى حكام المسلمين أن يهيئوا للناس تلك الحياة الاجتماعية النظيفة الراقية وجدوا أن عقوبة القطع لا تتفق مع أحوال المسلمين فمنعوها وهم على حق في منعها ولكنهم كانوا بغاة ظالمين في حرمانهم من حقوقهم وضروريات الحياة وكانوا بذلك مسئولين عن تعطيل حدود الله . . .

الربا

أيها الإخوان إن الربا في معاملاتنا حرام لا شك فيه ولا ينبغي لنا أن ندافع عنه بحال من الأحوال , بل يجب أن نتناهى عنه كما نتناهى عن أي منكر , وليس الربا حراما في ديننا فحسب ولكنه حرام في المسيحية كذلك وفي كل الأديان : ( يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم يفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) . وعلينا أن نبين للناس فضائل ديننا وفلسفته العالية في تحريمه وفوق ذلك ندل الناس على التعامل الذي يحل محله ويكون خيرا وبركة على الناس أجمعين .

بعض علماء الإنجليز والألمان نقدوا نظام الربا

إن بعض علماء الإنجليز وبعض علماء الألمان نقدوا هذا النظام وردوا إليه الاضطراب في أحوال العالم الاقتصادية واقتراحا إلغائهم بالتدريج . . وهم في ذلك يعودون إلى أصول الأديان من عدم التعامل بالربا وإن كانوا يبنون أرائهم على فكرة تنمية الأعمال الاقتصادية في العالم وما من شك في أن في مقدور العمل الإنساني أن يحل من المعاملات الناجحة في الاقتصاد ما يغني عن الربا .

ويجب علينا أن نتخلص منه فقد حقق الله وعيده إذ أذننا بحرب : هذه الحرب المائلة في انهيار الأخلاق وعدم تحمل التبعات : وفي الاختلاسات التي لا يظهر منها إلا القليل الفينة بعد الفينة – والسرقات التي أصبحت من لوازم الأعمال الحكومية والأعمال الخاصة والآفات الزراعية التي تأكل الكثير مما تنبته الأرض ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا )

فما نكسبه من الحرام يذهب في الحرام : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به .

مقترحات الإخوان في هذا الشأن

وفي اعتقادي أن عند الإخوان المسلمين من المقترحات في هذا الشأن ما فيه مصلحة الأمة ويرضي عنه الأجانب والمصريون على السواء .

ارتباط أحكام الإسلام بعضها ببعض

هذه مثل من أمثلة ارتباط أحكام الإسلام بعضها ببعض وتوقف النصوص على الأخذ بأصولها جميعا ولله المثل الأعلى – ولا أحب أن استقصى كل الشئون فلا استقصائها مجال آخر . . .

فضائل الإسلام

أيها الإخوان , أريد أن أحدثكم حديثا آخر عن فضائل الإسلام في العدل الذي يرجى أن يسبغه المسلم على المسلمين وعلى غيرهم :

إن عدل الإسلام عدل إلهي شامل كامل لا يختص الله به فريقا دون فريق , يشمل الناس جميعا غنيهم وفقيرهم , قريبهم وبعيدهم , عدوهم وصديقهم , مسلمهم وغير مسلمهم . قال الله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )

فهذا عدل لكل الناس ليس المسلمين وحدهم , وفي النهي عن محاباة الأقارب يقول الله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ) ويقول في النهي عن ظلم الأعداء ( يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا , اعدلوا هو أقرب للتقوى , واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون ) .

لا يظلم عدوه

ومن أروع الآيات التي نزلت في تحقيق العدالة ما نزل في قصة ابن أبيرق يكشف للرسول عن حقيقة الأمر فيها وما دبره الخائنون لصرفه عن الحق حتى كادوا يوقعونه في ظلم بريء لم يستحق إنما ويسمهم بما هم أهله : سرق ابن أبيرق درعا لجار له فأمر رسول الله بقطع يده ففر , وجاء قومه إلى الرسول وزعموا أنه لم يسرق الدرع , وإنما الذي سرقها هو فلان اليهودي , وما زالوا به حتى مال إلى قولهم فأنزل الله هذه الآيات التي تعتبر دستورا لأعظم نوع من العدل . الصرف الذي يشمل الإنسانية كلها , العدل الخالص البريء من الهوى .

( إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما , واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما , ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما , يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول , وكان الله بما يعملون محيطا , ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمن يكون عليهم وكيلا , ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما , ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما , ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تك تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) .

أكثر الناس لا يعدلون إلا مع بني جنسهم

فليعلم كل مسلم أنه لا يكون مسلما حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه فيكون عادلا مع جميع الناس .

ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل إلى غيره من أنواع الظلم التي يرتكبها الإنسان مع بني جنسه فإن أكثر الناس لا يعدلون إن عدلوا إلا بين بني جنسهم .

عدل الإنجليز والأمريكان

فعدل الإنجليز للإنجليز خاصة وللفرنسيين خاصة وللأمريكيين خاصة أما غيرهم فلا عدل فيهم , ففي كينيا وقنال السويس أو فلسطين عدل غير العدل في الجزائر البريطانية وفي شمال أفريقيا عدل غير العدل الذي للفرنسيين , وفي أمريكا عدل للبيض وعدل للسود أما عدل الله فهو رحمة للعالمين وصدق الله العظيم ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) .

الإسلام والمصالح المشروعة للناس

أيها الإخوان إن هذا العدل يقتضينا أن نحرص الحرص كله على المصالح المشروعة للناس كافة – نحرص على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم فكل ذلك حرام على المسلمين إلا بالحق , ولكن ليس لهم أن يدعونا إلى التسامح معهم في ما نهى الله عنه مما جر على بلاد المسلمين تحلل الأخلاق وإشاعة الفساد في الأرض , فإننا نقاوم بذلك هذا الفساد بكل قوة حتى نمحوه فإنه أضر علينا من جيوش الاحتلال بل الاحتلال لم يكن ليعيش في بلادنا لو لا إفساده الأخلاق وإفشائه المنكرات بين الناس .

حركة الجيش تمت بنجاح ويجب أن تستمر بنجاح

أيها الإخوان . . . إن حركة الجيش قد تمت بنجاح ويجب أن تستمر بنجاح .

ويجب أن يجد الناس في الإخوان المسلمين قوما يعملون ولا يتكلمون ويحقون الحق ويبطلون الباطل ولو كره الناس أجمعون . ( ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز ) . ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) . . .

كلمة فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين في الاحتفال بذكرى الهجرة بمدينة المنصورة

في " المحرم سنة 1373 ه – سبتمبر سنة 1953 م "


أيها الإخوان . . .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . .

الأستاذ سيد قطب كان يقول في كلمته أننا لا يجب أن نهتم كثيرا بالخطب , ولا ننشر الدين بالخطب , ولهذا فسأكلمكم وأنا جالس الآن لا أريد أن أكون خطيبا ولا أحب أن أكون خطيبا . . .

يا إخوان . . .

كنا زمان في المدرسة الثانوية , وحيث لم تكن هناك وقتها احتفالات بالعام الهجري , بدرت عندنا فكرة من الغيظ من الاحتلال . . فكرة نتنفس بها في جانب من جوانب الحياة . . . فقلنا نحتفل بالعام الهجري وبعد تعب أجبنا إلى أن نحتفل بهذا العيد , ثم مرت أيام , وأنا فكرت : ما الذي استفدناه من الاحتفال بالعام الهجري ؟ وجدت أولا أنه لا فائدة لهذا الاحتفال بالمرة . . . ندخل الاحتفال عصاة ونخرج منه عصاقه يعني مثلا كنا ندخل بغير صلاة المغرب ونخرج ولم نصل العشاء , وكنا ندخل ولا علم لنا بآية واحدة من القرآن ونخرج " بنفس الحال " ولا نعرف أية من القرآن . . .

كنا ندرس القانون في مدرسة الحقوق ولا نشعر بأنه ينقصنا شيء , وما كنا نشعر أنه هناك دين اسمه الإسلام يستوجب علينا أن ندرس شريعة الإسلام على اعتبار أنها قانون حي . . . على اعتبار أنها قانون لازم للحياة . . . فما فائدة هذه الاحتفالات ؟ . . وبقينا على هذه الحال وكلما مر الوقت قل أملي في هذه الاحتفالات , لأن الكلام الذي يقال فيها يدخل من ودن ويطلع من ودن , ولا نتقدم به شيئا , أليس هذا هو الحق ؟ ! . . نعم , هو الحق وهو الواقع . . . وجاءت أحداث بالبلد أملنا فيها خير , فلم ينتج عنها خير , إلى أن وقعت على دعوة الإخوان المسلمين , فعلمت أن هذا قبس من نور , وأن هذا النور يوشك أن يهدي الناس كما هداهم أول الأمر . . .

يا إخوان . .

إن دعوة الإخوان المسلمين ليست شيئا جديدا , إنها الدين الخالص , الدين الحق , الدين الذي لا فلسفة فيه , الدين الذي ليس فيه كسب لمطالعتها ليلا ونهارا ونرجع إليها , إنها قول بسيط جدا :

لا إله إلا الله محمد رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة , إنها الأخلاق , إنها الفطرة السليمة , إنها شيء عملي تعمله كل يوم . . . وقد نظرنا حولنا فوجدنا أن الإخوان المسلمين أوجدوا في البلد حياة . . . أوجدوا في البلد طائفة من الشباب استعدت بالروح وبالجسم وبالمال لافتداء الدين والوطن , وجدنا أن هذه الفئة ثابتة لا تتكلم , لا تهتف باسم أحد , ولا تعظم شخصا ولا تحيي إنسانا , إنما تحيي الله سبحانه وتعالى , تحيتهم هتاف لله سبحانه وتعالى . . عاملين منيبين طيبين يتوجهون إلي الله بالعمل الطيب , ويعملون في صمت وسكون , إلى أن أتت الأحداث فأثبتت أنهم جنود الله حقا . . الدعوة الإسلامية . . دعوة تشمل الحياة كلها , تدخل على الإنسان , تغير منه . . تغير من عقيدته كما غيرت من عقيدة عبدة الأوثان وعبدة الناس , تدخل في قلوب الناس فتنير بصائرهم . . تدخل في قلوب الناس فتريهم الحق حقا والباطل باطلا . . تريهم الحق فيتبعونه , وتريهم الباطل فيجتنبونه , هذه هي دعوة الإخوان المسلمين التي نتحدث عنها . . ونقيم هذا الاحتفال في الحقيقة لا لنقول العام الهجري فحسب إنما لنبين للناس شيئا من حقيقة دعوة الإخوان المسلمين , ولا أريد أن أطيل في هذا الأمر إنما أريد أن أرجع إلى يوم الهجرة فقط لأعرض بعض اعتبارات نستفيدها من الهجرة .

يا إخوان . . .

الحاجة الأولى التي نستفيدها ولتي استفدتموها من كلام أخي عبد المعز وكلام أخي سيد . . استفدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم منح الدعوة كل وقته وكل روحه وكل جسمه وكل ماله إن كان عنده مال .

فيا أيها الإخوان . . لا تظنوا أن كلامي لكم كان تملقا , إن أمامكم الشيء الكثير الذي يجب أن تفعلوه , ولا تظنوا أن من انتسب إلى دعوة الإخوان المسلمين قد بلغ منها حظه حقا . . يجب على من يدخل الدعوة أن يهبها ويمنحها كل وقته وكل جهده وكل ماله وكل نفسه . . فلا نستكفي بالحضور إلى الشعبة فيمكث الواحد فيها طول النهار , إنما يجب أن يمنح الدعوة كل وقته , وليس معنى كلامي أن الواحد يدور في الشوارع ينادي بدعوة الإخوان المسلمين ولا أن ينصرف عن أعماله ولا يجعل له من سبيل إلا الكلام عن دعوة الإخوان المسلمين , ولكن أقول مع ذلك أنه يجب أن يمنح دعوة الإخوان كل وقته وكل جهده وكل ماله وكل نفسه , وذلك بأن يحقق في نفسه وفي عمله وفي سائر النشاط الذي يعمله في يومه معاني القرآن العظيم .

يجب أن يمنح الواحد هذه الدعوة . . . يمنح هذا الدين كل الوقت ليحقق المثل الأعلى الذي بينه القرآن ونحن في هذا الطريق لنا مثل أعلى ويمكن فينا من هو مثل أعلى , وفينا واحد كده يمكن أنه يصلح وواحد ما يطقش , ولكن كلنا يريد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى , وكلنا يريد الصعود إلى جبل فمنا من يصل إلى القمة , ومنا من يصل إلى منتصف الجبل ومنا من يظل في السفح ومنا من يبدأ ولكنا جميعا لنا وجهة واحدة هي وجهة الله ( ألا لله الدين الخالص )

فيا أيها الإخوان . . .

الدين الخالص يقتضينا : في التجارة في الزراعة في معاملتنا للناس , التلميذ في مدرسته الزارع في زرعه يعبد لله بإتقان عمله . . . ويعبد الله بأن يفكر دائما في الله حين يعمل العمل فيعمله لوجهه تعالى . إذن يكون قد منحنا الدعوة كل وقتنا وكل جهدنا وكل مالنا فلا يدخل على الحياة زيف منها , ولا يدخل علينا الغرور من أي جانب من جوانب أنفسنا . . فيجب علينا أن نكون دائما مستغرقين في دعوة الله سبحانه وتعالى كما كان الرسول عليه السلام مانحا كل وقته بالليل والنهار , كل حاجة كل عمل من أعماله كان خالصا لوجهه تعالى في تجارته في نشاطه فيكل عمل من أعماله كان خالصا لوجه الله تعالى , وكان يؤدي هذا الواجب عن طيب خاطر وهو مشغوف به . . . فيجب كذلك أن يكون لنا في رسول الله أسوة حسنة , وأن نتجه إلى الله العلي العظيم بكل أنفسنا وكل قلوبنا وبكل أرواحنا وبكل ما نملك ونعمل لهذه الدعوة , وبذلك يمكن أن نقول أننا أدينا شيئا نلقى الله به بوجه حسن .

يا أيها الإخوان . . .

الدعوة كما سمعتم من إخواني لا تزال كما كانت في أول الأمر تحفها العقبات وتحفا الصعاب . . وأراكم حين تشموا طعم العافية تقوموا تطمعوا في هذا . . . وتفكروا أنكم وصلتم إلى شيء كبير . . فأنا أتمنى لكم الشدائد حتى تستحقوا أن تكونوا الإخوان المسلمين . .

فلنسأل الله أن يديم علينا الشدائد حتى يديم علينا الإيمان الكامل فلا نستطيع أن نمضي في دعوتنا إلى الله إلا إذا أيقنا بأننا أمام عقبات كثيرة وصعوبات جمة ويجب أن تجتازها . . والصعوبات والعقبات تتجدد كل يوم ليس فقط اليوم وليس فقط الصعوبات وعقبات إبراهيم عبد الهادي , إنما ما زال أمامنا الكثير من هذه الصعوبات والعقبات فيجب علينا أن نفكر في ذلك , ويجب علينا أن نكون مستعدين لك . . ودعوة الإخوان المسلمين لا تحتاج إلا إلى يقظتهم , ولا تحتاج إلا إلى عنايتهم بعد عناية الله بطبيعة الحال , لأن دعوة الإخوان أصبحت من الدعوات العالمية التي لا يمكن لشخص من الأشخاص أن ينال منها . إن دعوة الإخوان لم تعد دعوة جماعة أو جمعية في مصر يقال لها الإخوان المسلمون , إنما أصبحت دعوة عالمية . . دعوة يعرفها المشرق والمغرب . . دعوة ينتظرها الناس جميعا شرقيهم وغربيهم . . دعوة ينتظرها المسلمون لإنقاذهم من كل هم فيه من بلاء . . ينتظرونها في مراكش وفي تونس , في المغرب الأقصى وفي ليبيا وفي خليج العرب وفي أندونيسيا وفي تركيا وفي باكستان وفي كل مكان ينتظرون دعوة الإخوان المسلمين " هتاف " , فإذا كان هذا هو اعتقاد الناس فيكم , وإذا كان هذا أمل الناس فيكم فيجب أن تحققوا أمل الناس ويجب أن تحققوا رجاء الناس , ويجب أن تهتموا بالدعوة وتتفانوا فيها . . وحينئذ لا يستطيع أن يمسكم أحد . . إن دعوة الإخوان المسلمين ليست شعبا وليست مكاتب إدارية وليست مكتب إرشاد وليست حاجة اسمها جماعة الإخوان المسلمين , إنما هي دعوة أصبحت في القلوب , لا يمكن أن يحلها إلا الله , والله قد تكفل لا يحلها ولكنه تكفل بصيانتها " هتاف " إنكم إن فعلتم كنتم مجاهدين في سبيل الله , ولله تعالى وعد المجاهدين بالخير الكثير فقال ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا , وإن الله لمع المحسنين ) فإن فعلتم ذلك فلينصركم الله , والله قد تكفل بالنصر , لأن النصر ليس بالكثرة ولا بالقلة , وليس بيد مخلوق , وإنما هو بيد الله تعالى , وفي آيات القرآن الكريم جميعا أنه اختص نفسه بالنصر فلا يمنحه إلا لعباده العاملين , إلا لعباده المتقين , إلا لعبده الذين ينصرونه وينصرون دينه ( ولينصرن الله من ينصره , إن الله لقوي عزيز , الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) " هتاف " .

فدعوة الإخوان المسلمين لم تصبح لعبة في يد الناس , وإنما أصبحت حقيقة هذا البلد , وحقيقة في بلاد العالم الإسلامي , ولا بد من أن ننتصر , ولا بد من أن ننال حقنا وواجبنا بتطبيق كتاب الله تعالى إن عاجلا أو آجلا " هتاف " . . .

يا إخوان . . .

في كثير من الأحيان يسأل الإخوان ويسأل الناس . . عن علاقتنا بالحكومات وعلاقتنا بالهيئة وهذا سؤال أرجو من الإخوان المسلمين ألا يكثروا ترداده . . ما شأننا بالناس ؟ سؤال لا يجب أن نسأله كثيرا , فإذا كنا سائلين , فيجب أن نسأل أنفسنا ما علاقتنا بالله تعالى " هتاف " . . إذا كنا نسأل أنفسنا هذه السؤال , ونقول ما علاقتنا بالله تعالى ونقف عند هذه المسألة لنرى مقدار علاقتنا بالله تعالى , فلا نسأل عن علاقتنا بالناس أبدا , إن علاقتنا بالله هي الأمر الواجب النظر فيه أولا وأخرا ثم نترك أمورنا بعد ذلك على الله . . . نعمل الواجب علينا ونسأل عن علاقتنا بالله . . نعمل مثل ذلك الراعي الذي قيل له : لماذا لا تحرس غنمك , فقال : أنا والله أصلحت ما بيني وبين الله فأصلح الله ما بين الغنم والذئب . فإذا ما اتبعنا هذا القول الحكيم . . اتبعنا ألا نسأل إلا الله ولا نحرص إلا على مرضاته فإنه سوف يصلح بين الذئب وغنمنا . . ومع ذلك فإني أراكم تبحثوا وتسألوا . .

بمناسبة ما قيل أن بين الإخوان المسلمين وبين رجال الجيش سوء تفاهم أو عدم انسجام . . أو عدم تعاون . . أنا في الواقع يا إخوان أقول لكم : الحق أني أبحث عن سبب واحد يقتضي هذا القول فلا أجد في نفسي شيئا مطلقا , وأنا أتحدى كل فرد بهذا القول . . . ما هو الأمر الذي طلب من الإخوان المسلمين أن يفعلوه فلم يفعلوه ؟ ولما يكون فيه غضب نقول سبب الغضب على ماذا ؟ . . . طيب ماذا طلبتم . . ما الذي طلبتموه منا , أنا لا أريد أن أقول طلب واحد يتفق مع دعوتنا اتفقنا عليه ولم ينفذ . . بل لم يطلب منا أي طلب في الواقع أن بعض الناس حلا لهم الكلام في موضوع أنه ليس هناك تفاهم ولا تعاون بين الإخوان المسلمين وبين الجيش أو بين هيئة التحرير . . حلا لهم هذا الكلام وأخذوا يكررون فيه حتى أصبح حقيقة في رؤوسهم لا غيرها . . عندهم وحدهم لأننا لا نجد له أثرا في أنفسنا ولا في تصرفنا , هيئة التحرير , نحن اتفقنا مقدما مع بعض على أن الإخوان يظلوا هيئة قائمة بذاتها حيث اعترف بأنها هيئة مفيدة وهيئة طبعا عاملة ولا ينكر عملها إلا مكابر . . اتفقنا على أنهم يريدون إنشاء هيئة تحرير . . وهذا أمر لا يهمنا , لكن في الحقيقة لا يرجى من الإخوان المسلمين , وإذا قلت لا يرجى من الإخوان المسلمين أن يساعدوا على إنشاء هيئة التحرير فذلك لأنهم أصحاب دعوة ولا يمكن أن نعين دعوة أخرى أو منظمة أخرى تخالف دعوتنا . هذا والأمر الثاني أننا قد أعطينا أوامر صارمة للإخوان المسلمين بأن لا يتعرضوا مطلقا على إنشاء هيئة التحرير . . بل كان بعض القائمين في لقائهم بالإخوان المسلمين يقولوا لهم : إنكم هيئة التحرير وليسوا راضين عن هيئة التحرير . . وهذا حقيقة الأمر , حقيقة الواقع . . لكن من جانبنا نقول ما هو العمل الواحد الذي عمله الإخوان المسلمون لكي يضايقوا به هيئة التحرير أو يعاكسوها . . لا يوجد غير هذا الكلام , الكلام الفارغ , الكلام الذي ليس ليه شيء من الصحة , الكلام الذي لم يحصل , ولو حصل لبلغني , ولو حصل لقيل لي فكنت أعالجه , ولكن لم يحدث شيئا مطلقا من ذلك , كلها إشاعات . . كله كلام لا أصل له في الحقيقة , بل هو أوهام في رؤوس بعض الناس وأوهام تجسمت في النفوس حتى ظنوا أنها حقيقة , لا شيء من ذلك بالمرة . . وإنما أقول لكم أنه في كل حالة , وفي كل حالة تقتضيها الدعوة : مثلا البلد في حاجة إلى الدفاع فنحن مع الجيش في هذا الدفاع . . هناك حاجة إلى زرع الصحراء , فنحن مستعدون إلى زرع الصحراء . . هناك حاجة إلى كنس الشوارع , فنحن مستعدون إلى كنس الشوارع . . هناك حاجة إلى إضاءة الحارات بلمبات كبيرة وصغيرة فنحن مستعدين أن نوقدها معا . . . نحن مستعدون إلى أن نضع يدنا في يد أي عامل لمصلحة هذا البلد لأننا لا نعمل لغير الله " هتاف " نحن لا نعمل شيئا نتملق به أحدا , ولا نعمل شيئا من أجل شخص معين , إنما نعمل لله فقط والعمل لله لا يختلف فيه اثنان . . تريدون الحرب نحارب معكم , تريدون الإصلاح معكم . . . تريدون أي شيء من هذا فنحن معكم لأنها مسائل يقبلها الإسلام , نعملها نحن بنياتها الإسلامية ويعملها غيرنا كيف ما أراد .

فيا أيها الإخوان . .

إذا سمعتم شيئا من هذا القبيل فأرجوا أن يكون ردكم هكذا بسيطا . . ما العمل الذي طلبتموه منا ولم نعمله ما هو ؟ اسألوا عن التفصيل . . اسألوا لماذا الجيش غضبان من الإخوان المسلمين ؟ . .

هذه إشاعات مغرضة القصد منها التفريق بين الناس , تفريق أهل الوطن الواحد لكي لا تجتمع كلمتهم ولا يتفقوا على مصلحة من مصالح البلاد , ونحن في زمن أحوج ما نكون فيه إلى الاتحاد وإلى فعل الخير . . البلد تحتاج إلى أعمال كثيرة جدا ولا تحتاج لكلمة من كلمات التفريق ولا تحتاج لكلمة واحدة لكلمات التثبيط ولا تحتاج واحدة من كلمات التهديد . .

نحن يا إخوان لسنا مختلفين مع أحد , ونريد أن نمد أيدينا لكل عامل في البلد . نريد أن نحيي موات هذا البلد بمجهوداتنا ومجهودات الناس جميعا . . فقط لا نريد أكثر من ذلك . . وبعد هذا أستطيع أن أقول كما بدأت : لسنا نحن في غضب من الجيش وإذا كان هناك غضب في ناحية فلا نعرفه , ولكن لسنا غاضبين من هذا من جهتنا .

أن أغلب ظني أنه لا يوجد غضب من جهة الجيش . . أغلب ظني أن اليهود هم الذين ينشرون هذه الأقاويل وهي فتن إنجليزية . فلا يصح أن نعيش على سماع الأقوال ولا يصح أن نعيش على الريب والظنون ولا يصح أن نعيش على اتهام السرائر ولا يصح أن نعيش على سماع كلام من الناس ونبني عليه ونجعله حقائق . . ( يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) .

يا إخوان . .

لم يبق إلا أن أؤكد أن عليكم . أن الإنسان لا يدعو بالخطب مثلما قال الزميل سيد قطب , ولا يدعو باللسان إنما يجب أن تتمثل فينا أخلاق القرآن , فإذا تمثلت فينا أخلاق القرآن في جماعة الإخوان المسلمين فهذا حسبهم , لأنهم يدلون الناس على أن الدعوة الإسلامية قد بلغت من نفوسهم المبلغ المطلوب والمبلغ المرجو , وعلموا أن دعوة الإسلام حق , وأنها تصلح من النفوس ما لا يصلحه أي قانون في البلد .

نحن في بلد أصبحت تحوطها حالة عسيرة جدا لأن تربية الإخوان المسلمين ليست بهينة . أيها الإخوان : تربية الإخوان المسلمين تحوطها الصعاب والعقبات . . إن كل شيء في هذا البلد يضرب تربيتهم :

السينما الفاحشة تضربهم . . الخمارت . . المراقص . . الفساد في الشوارع . . كل هذا يضرب هذه التربية , فلما نجد واحد من الإخوان المسلمين يحافظ على كتاب الله يجب أن نسميه بطلا من الأبطال .

يا أيها الإخوان . .

لا أريد أن أطيل عليكم وأرجوا أن اراكم بخير وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم . . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .

خطب . . بيانات

إلى الإخوان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .

وبعد , فهذه نشرة " قسم نشر الدعوة " نريد بها أن يكون الإخوان على صلة دائمة ورأي واحد في كل ما يتصل بشئون دعوتهم , وقد ظلت هذه الوحدة والحمد لله رب العالمين طابعنا الذي نمتاز به , وسرا من أسرار قوتنا في كل مرحلة .

وستحتوي هذه النشرة مستقبلا بإذن الله على أخبار المركز العام , ونشاط الأقسام , وسير الدعوة , في الأقاليم , وتوجيهات من فضية المرشد العام ومن القسم – ونرجو أن توافينا المكاتب الإدارية بنشاطها موجزا وافيا مرتين كل شهر عربي .

والله المسئول أن يبارك الجهد ويتولاه بالتوفيق وحسن القبول . .


تحية

أيها الإخوان . .

السلام عليكم ورحمة الله , وبعد فهذه نشرة كنت أرجو أن تصدر إليكم من نحو سنة تزودكم بأخبار المركز العام وأخبار الإخوان فلم أوفق إلى إصدارها إلا في الوقت الحاضر – ولئن كان فتنا وقت طويل فنرجو أن يعوض بالمجهود الذي يبذل فيها الآن فينسينا الحاضر وتقصير الماضي .

أيها الإخوان . .

أحييكم أحسن تحية وأرجو أن أبعث إليكم جميعا بحبي ووفائي وأدعو الله أن يعيننا على ما فيه خير دعوته وإعلاء كلمته ويهدينا صراطه المستقيم . .

إن علينا واجبا وعليكم واجبا .

فأما واجبنا فأن نكون عاملين لدعوة الإخوان المسلمين ما وسعنا الجهد – مستعينين بكل مقبل علينا راغب في معاونتنا باذل نفسه وماله , ومن لم يجد في نفسه هذا الإقبال وتلك الرغبة فليس له أن يدعي الأخوة في الله . . .

وأما واجبكم يا إخواني فهو أن تعيشوا في القرآن تلونه تلاوة تدبر وفهم وإمعان وتتخذونه منهجا لكم في حياتكم وتحققون ما أمكنكم تحقيقه من أوامره ونواهيه . وان تجعلوا الأخوة والحب شعاركم فعليهما تقوم الألفة بينكم وأن تجتنبوا اللغو عن الكلام ولا تذكروا أحدا بسوء ولا تبغضوا من يخالفكم في رأي وقابلوا إساءة الناس برفق فالرفق ما دخل في شيء إلا زانه وليؤد كل منكم حق الدعوة عليه ويبذل نفسه وماله في سبيلها ويقوم في شعبته بما يعهد إليه محتسبا في ذلك وقته وجهده لله والله يحفظكم ويرعاكم .

أخوكم

حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

بيان وحديث

نقرأ في ما يلي " بيانا " أصدره فضيلة المرشد أثر ما نشر حو الأزهر والقوانين الإسلامية , وبعث به المركز العام إلى الصحف , كما نقرأ " حديثا " أدلى به فضيلته على سؤال لمندوب المصري – ولكن صدر الصحف لم يتسع للبيان ولا للحديث ,مما يجعلنا نستشعر الحاجة الشديدة إلى صحيفة تنطق بلساننا وتنقل إلى الناس رأينا . . .

البيان

الأزهر والقوانين

نشرت إحدى الصحف أن الأزهر أخذ يعد قوانين دينية لإحلالها محل القوانين الوضعية , فبادر حضرة الرئيس محمد نجيب إلى نفي هذا الخبر وأكد أنه غير صحيح وأنه ليس في النية إحلال القوانين الدينية محل القوانين الوضعية وتساءل ألا يأخذ الناس ربا عن النقود التي يضعونها في البنوك . . وما في الأمر ما يستوجب هذا الفزع كله لأن الأزهر ليس الجهة التي تضع القوانين – فإذا شاء في عهد النهضة وعهد إزالة التراب والأنقاض ويبني مع البانين ويقنن الشريعة كما فنن بعضها قدري ( باشا ) – ويظهر الناس على فضائلها وأن فيها غناء عن التسول على موائد الأجانب ويعد العدة لليوم المحتوم الذي تبلغ فيه يقظة المسلمين مداها – فما الذي يزعج الناس من ذلك وهذا واجب الأزهر كما هو واجب كل مسلم .

وما أظن إلا أن الأجانب فئتان , فئة تعلم من أمر ديننا كثيرا من الحقائق وتريد أن تخفي هذه الحقائق عن الناس حتى يبقى المسلمون على ما هم عليه من الضعة ولخمول ليتمكن الأوروبيون من استعمارهم واستغلالهم , وفئة تفهم الإسلام فهما مشوها وتخشى من أن تتحقق نتائج هذا الفهم كما تصورها لهم أوهامهم . . وواجب الأزهر كما هو واجب كل إنسان أن يقف من هذه وتلك وقفة الذائد عن دينه الذي يجلي للناس حقائقه ويبين فضائله . .

والجهة التشريعية بعد خليقة بأن تأخذ بأفضل الشرائع التي يجب الأخذ بها على فرض أننا أحرار في ذلك وانه ليس من أوجب الواجبات علينا أن نأخذ بديننا . بل إن بلاد العالم الإسلامي قد تستفيد من عمل الأزهر وتأخذ بمشروعات القوانين التي يضعها , ولا يحق لحضرة الرئيس أن يتساءل عن الربا وإغلاق البنوك ولا يحسبن أن الربا هو كل ما جاء في الدين . ولا يحسبنه نظاما بعيدا عن النقد عند الأوروبيون فإن بعض علماء الإنجليز وبعض علماء الألمان قرروا أن سعر الفائدة هو أحد أسباب الاضطراب الاقتصادي في العالم واقترحوا إلغاءه ولكننا في بلادنا نأخذ بما هو قديم ولا نكاد نجترئ على الأخذ بالجديد إلا بعد أن تبلى جدته . . وليست مهمة البنوك وقفا على التعامل بالربا . وفي باكستان أوجدوا حلولا لهذه المسألة وأقاموا صناعات ضخمة اعتبر المودعون مساهمين في شركاتها ولا تزال البنوك تؤدي واجبها في إنماء الشئون الاقتصادية ولم تلغ ولم تتعطل مصالح الأمة , ولعلى أوفق لأن أقدم لحضرة الرئيس بعض آراء فيها حل يرتضيه المسيحيون قبل المسلمون . وليس من أجل الربا نلغي ديننا والدين فيه الخلق والفضيلة بأتم معانيها والمجهود الشاق الذي يضني الرئيس في إزالة التراب والأنقاض لن تكون له الثمرة المرجوة إلا إذا أقيم البناء على الدين أخلاقه وفضائله , أوامره ونواهيه .

وبعد , فإذا كان حضرة الرئيس يرى تأجيل الأخذ بكتاب الله لظروف يقدرها , فإنه يجب عليه أن يشجع من يريدون تجليه فضائل الإسلام وأحكام الإسلام ويطالبون بإحلال القوانين الإسلامية والقوانين الأجنبية . . . .

الحديث

تردد في الجامعة في الأيام الأخيرة أنه كلما نادي بعض الطلبة بالدستور حدثت اشتباكات بينهم وبين بعض طلبة الإخوان فهل لفضيلتكم تعليمات معينة في هذا الصدد وهل من رأيكم عدم عودة الحياة الدستورية للبلاد ؟ .

فأجاب فضيلته قائلا :

إن الوصاية المعطاة للإخوان المسلمين في هذا الشأن تنحصر في وجوب ألا يحدثوا نزاعا بينهم وبين إخوانهم من أجل هذه المسائل فإن لكل أحد الحق في أن يبدي رأيه كيف ما شاء , وهم في ما أعلم لم يعتدوا على أحد لهذه السبب .

وأما رأينا في إعادة الدستور فإننا لا نطالب بإعادة دستور كيف ما كان لأننا نطالب بالعودة إلى الأخذ بكتاب الله دستورا منظما لكل شئون الحياة , فإذا وضع الدستور الذي ينظم اختصاص السلطات على هذه الأساس , فهذا طلبنا الذي نستمسك به ولا نحيد عنه وأما أي دستور على غير هذا الأساس فليس من شأننا المطالبة به . . .

وسنصل يوما إلى تحقيق غايتنا والله معنا , ولكننا نريد أن نختار لتحقيق هذه الطلب الأوقات المناسبة فلا ينبغي أن نلح على الحكومة بوجوب تحقيقه فورا في الوقت الحاضر لانشغالها بتثبيت دعائم الانقلاب وتصريف أمور على جانب عظيم من الخطر في شئون الدولة لا تحتمل الإرجاء ولسنا غافلين عما ينبغي اتخاذه لهذا الأمر من عدة خصوصا تجلية فضائل الإسلام في ما يحسبه بعض الناس من معايبه وما هو بعيب ولكنهم لا يدركون أن القرآن كل لا يتجزأ , ولا يصح أخذ أيه منه دون سائر ما تقتضيه آياته من تربية وتعليم وإيجاد نوع من الحياة الاجتماعية السامية والتكافل الاجتماعي والعدل الذي لا يفرق بين الصديق والعدو , وهو ما لا يوجد له نظير إلا في النظام الإسلامي . ونرجو في وقت قريب أن تتآزر الحكومة مع العاملين على تفهم هذه الفضائل وتجليتها للناس فعندنا لكل اعتراض الجواب الشافي . . .

وسأل مندوب المصري فضيلة الأستاذ المرشد العام عن رأي الإخوان في الحديث الذي نشرته الأهرام للأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف عن رأيه في قيام الحكومة الدينية واشتراطه لذلك ثلاثة شروط . . .

فأجاب فضيلة المرشد بقوله :

نحن لا نوافق في ما جاء بهذا الحديث إلا على مسألة واحدة وهي أن ينبغي أن تقوم الحكومة الإسلامية على أدوات صالحة لتنفيذ أوامر الدين ونواهيه .

ولا نوافقه على قول أن الناس يجب أن يرتدوا إلى الدين ويؤمنوا به , فإن الناس لم ينسلخوا عن الإسلام وإنما جهلوه وقصروا في فهمه والعمل به بسبب إعمال الحكومات المتعاقبة لشأنه وتنحيته عن شئون الحياة وذلك بما سيطر المستعمر على هذه الحكومات ويجب علينا في عهد النهضة أن نعلم الناس ونأخذهم بحكم الإسلام ونبلغهم دعوته ولا يمكن أن تؤدي مجهودات الجماعات إلى هذه الغابة ما لم تؤازرها جهود الحكومة . .

ولا نوافقه أيضا على قوله " أن الحكومة الإسلامية لا يفرض على الناس فرضا ليبين : الأول أن استفتاء لم يحدث ليعرف ما إذا كان المسلمون يريدون أن يحكمهم كتاب الله أو القوانين الأجنبية " ولو أن مثل هذا الاستفتاء قد حدث لما شذ واحد منهم عن قبول حكم كتاب الله عن طواعية واختيار ورضي واطمئنان لاعتقادهم جميعا بأن من يقول بغير ذلك خارج عن الإسلام . والسبب الثاني أنه في أي جماعة من المسلمين يجب أن تفرض عليهم حكومة الإسلام فليس يباح لنفر من المسلمين أن تحكمهم حكومة غير إسلامية طبقا لأهوائهم وأحاسيسهم .

ونخالفه كذلك في ما قال في السبب الثالث من أنه " يجب لإقامة حكومة إسلامية أن يقوم الاستغناء التام عن العالم الخارجي شرقيه وغربيه مقام الاحتياج إليه والتعاون معه وهو ما لا تسمح أوضاعنا الراهنة به ولا تعين مقدرتنا المحدودة عليه " .

وهذا أشبه بما يقوله بعض الناس الذي يجهلون الإسلام على حقيقته تنفيرا من الإسلام لأن الإسلام لا يأبى التعاون مع الأمم على ما فيه مصلحة الإنسانية وكل ما يطلبه العالم شرقيه وغربيه من أمة تحكم بكتاب الله أن تصان مصالحه المشروعة فيها , ولن نجد ما يصون مصالح الناس صديقهم وعدوهم على السواء إلا في أحكام القرآن .

أما المصالح غير المشروعة التي تتعارض مع الفضائل والأخلاق وما قضى به الدين من حلال وحرام , فلا سبيل لرعاية مصلحة أحد فيه . وبعد . . . فإن واجبنا يقضي علينا بأن نحكم الدين في المصالح والأهواء ولا نحكم المصالح والأهواء في الدين .

كلمة المرشد العام

أيها الطلاب – يا شباب اليوم ورجال المستقبل . . .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

إن أمتنا العزيزة تجتاز اليوم ظروفا دقيقة وتمر بمرحلة من أصعب المراحل التي تمر بها الأمم . . فالجيش قام بحركته بنجاح – وهو يحاول أن يستمر هذا النجاح . ومن شأن الهيئات والجماعات حين إقدامها على أمر لم يكن لها عهد به من قبل أن تضطرب بعض الاضطراب . .

والإقدام على الإصلاح ليس بالأمر الهين , لأنه ينبغي أن يتجرد فيه للصلح من حب الذات والمصالح الشخصية ويجعل وجهته خالصة لله تعالى , ثم هو يحتاج إلى أن يختار طريقه بعد دراسة وتمحيص وقد يوفق إلى السداد من أول الأمر وقد لا يوفق فيعيد النظر في ما اتخذ من وسائل ومقاصد إلى أن يسدد الله خطاه , والناس عند ذلك يكثر اضطرابهم ويخشون الزلل والانحراف في المقاصد , هذه أحوال ينبغي أن يأخذ الشبان أنفسهم عندها بأكبر حظ من ضبط النفس ووزن الأمور بروية فلا يستحوذ عليهم القلق لكل نبأ ولا يصدقوا كل ما ينشر – لأن الناشر يريد أن يبادر بنشر الخبر المثير دون أن يتحرى الصدق ويمحص الأمور – والصبر بعض الوقت يمكن الإنسان من أن يتبين – كما أمر الله – ويقف على الحقيقة . . .

هذا ولا تشغلنكم الشواغل عن متابعة دروسكم والعناية باستذكارها والوقوف على أسرارها والتثبت منها – لأن هذا الزمن هو زمن العلم والتفوق – والمستقبل العظيم الذي تبغونه يجب أن يرحب بكم ترحيب العالم بفضلكم – والدولة التي تطالبون بها هي التي ستحملون أعباءها فيجب أن يكون حملكم لها بأمانة :

( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) . . .

بسم الله الرحمن الرحيم

من فضية المرشد العام إلى الإخوان الطلاب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه .

أيها الإخوان :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – وبعد :

أصبحت نهاية العام الدراسي تقترب رويدا رويدا , وتضيق الشقة بيننا وبينها , وكأننا نريد أن تقف حركة الأيام حتى يتسع لنا الوقت لاستذكار دروسنا وتحصيل ما فاتنا . ولكن هيهات أن يكون لنا من الوقت إلا ما يضيق شيئا فشيئا فلا تأخذنا الحيرة ولا يعترينا الارتباك ولنبادر إلى تنظيم أوقاتنا تنظيما دقيقا يمكننا من التعب ومن الراحة ومن أن نأخذ حظنا من متع الحياة البريئة , فلا يطغي شيء من ذلك على شيء . فوقت للاستذكار نحدده ونعرف مقداره , ووقت لغير ذلك من الشئون نحدده ونعرف مقداره . ولا ينبغي أن يجور أحد منا على ساعات نومه فإن هذا الجور حري أن يعقبنا بطؤا في الإدراك وقلة في التصور .

بهذا النظام الذي نتوخاه في حياتنا نستطيع أن نثب إلى الأمام وثبات مباركة وليعلم كل واحد منا أن انصرافه إلى الدرس وعكوفه على طلب العلم عبادة من أجل العبادات وقربى إلى الله تعالى من أجل القرب , وعمل لدعوة الإسلام من أفضل الأعمال . . . ذلك بأننا إذا أردنا أن نقيم دولة الإسلام فلنقمها في ما تقام عليه – على العلم النافع الذي يجب علينا أن نفيده من غيرنا أو بأنفسنا , والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا طلعت علي شمس يوم لم أزدد فيه علما ) .

وعلينا ألا نغفل لحظة عن تعهد أنفسنا وأخذها بالأخلاق القرآنية العظيمة : العزة , الكرامة , الصدق , الأمانة , الوفاء , النجدة , والكف عن المحرمات والغيبة والنميمة وقول الزور . . . . . إلى آخر ما أمر الله به أو نهى عنه – وأن نتميز عن غيرنا بهذه الأخلاق الكريمة فلا يحتاج الأخ المسلم إلى أن يقول أنه كذلك وإنما يجب عليه أن يدعهم يعرفون ذلك من أفعاله وليس أصدق من الأفعال حديثا عن الناس .

ولتكن معاملتنا لإخواننا من الهيئات الأخرى مما يرتفع به المعنى الحزبي من نفوسنا ونفوسهم لأننا أصحاب دعوة إلى كتاب الله وهي دعوة يجب أن تطمئن إليها القلوب عاجلا أو آجلا , فلا ينبغي لأحدنا أن يصد عنها إنسانا بما ينفره منها , ويبعده عنها , بل ينبغي أن نعامل الناس بالحسنى ونبصرهم بالكلمة الطيبة , ومن لم يقتنع اليوم فسيقتنع غدا إن شاء الله .

" ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . .

تعقيب لفضيلة الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين

اطلعت في مجلة المسلمون " على مقال في " الربا " لفضيلة الشيخ محمد أبي زهرة , ذكر فيه ما دار من مناقشة حول الموضوع في ندوة الإخوان المسلمين .

وحاصل المسألة أني ذكرت لبعض الباحثين أن الربا لا يجوز إلا إذا قضت به ضرورة واضطررنا إليه اضطرارا , وحينئذ ينطبق علينا قول الله تعالى . " وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " . ولم يخطر بالبال أن يكون الربا نظاما معترفا به , ليس له وجه من وجوه الحل , وقد وافق الأستاذ أبو زهرة على حالة المضطر إلى قرض لم يجد من يقرضه إياه إلا بربا لإجراء جراحة . . . الخ . فثبت ما قلنا .

وقد ضربت له وضرب له الحاضرون أمثالا , من ذلك يدون البنك العقاري المعقودة قبل العودة إلى كتاب الله : ما شأنها ؟ لم يقل أحد باحترام هذه العقود لأن العقد شريعة المتعاقدين , فنحن نعلم أنه ليس للعاقدين شريعة إلا شريعة الله . وكل عقد خالف ذلك فهو باطل شرعا لا يجوز تنفيذه عند إمكان عدم التنفيذ , وإنما كان السؤال ماذا نصنع إذا لم يمكننا لسبب من الأسباب التي ربما لا تخفى على أحد . والجواب على ذلك واضح لا يحتاج إلى تكلف .

والمسألة بعد مسألة تقدير الضرورات , فعلى المكلف بتقديرها أن يبذل قصارى جهده في تحري حكم الله فيها , والله أعلم . . .

مقدمة رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيه الكريم

طلب إلى بعض الإخوان أن يضع المركز العام رسالة في نظام الأسر لأنه إذا كان الإخوان القدامى على علم بهذا النظام , فإن هذا السيل الجارف الذي لبى نداء الدعوة والتحقق بها ليس له به من عهد .

فرغبت إلى قسم الأسر في أن يجمع شتات المسألة في رسالة صغيرة يمهل تداولها وفهمها والعمل بها في ما بين الإخوان , فوضع الرسالة التي أقدمها إليكم اليوم .

وقد كتب فيها عن الأوضاع السياسية العامة في داخل البلاد وخارجها في الدعوة , وبين منها أن الدعوة لقيت من الصعاب ما لقيت , واعترضها من الصعاب ما اعترض . ولكنها ذللت الصعاب وتخطت العقبات ولكن يجمل بالإخوان المسلمين أن يدركوا حق الإدراك أن الدعوة لا تزال في أطوارها الأولى , وأن الصعاب التي ذللوها .

والعقبات التي تخطوها ليست شيئا مذكورا بالنسبة إلى ما قد يدخره المستقبل لهم من صنوف المحن وضروب الاضطهاد , فليوطنوا أنفسهم على ذلك , وليستعدوا له , ولا يذكروا ما فات إلا على سبيل العبرة والتدبر .

وإن أقوى ما يعينهم على تحمل مشاق الدعوة والنفوذ بها إلى حيث يصبح أن تنفذ بها أن يأخذوا كتاب الله جملة , ويحققوا في أنفسهم معاني الخير التي فيه , من إيمان وعمل وعبادة وخلق ومعاملة وألا يتهاونوا في شيء من ذلك حتى في الكلمة الصغيرة ينبو بها لسان الأخ في حق أخيه .

وليس نظام الأسر إلا تحقيق معاني الإسلام تحقيقا عمليا بين الإخوان , فإذا هم حققوا ذلك في أنفسهم , صح لهم أن ينتظروا ما وعد الله به المؤمنين من نصر , لا يعلم كيف يكون ولا متى يكون إلا هو جلت قدرته , وأحاط بكل شيء علما .

ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز , الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ؟ .

هذه الصحيفة

اليوم تصدر " جريدة الإخوان المسلمون " أو تعود إلى الظهور بعد أن تعطلت منذ سنة 1948 بفعل الطغاة من الحاكمين أو بسببهم , هؤلاء الطغاة الذين ظنوا بما اجترحوا أنهم قضوا على الإخوان فخيب الله ظنهم واستيقنوا أن هذه الدعوة تنمو وتزدهر على ما يصادفها من شدة ورخاء على السواء .

ودعة الإخوان المسلمين ليست شيئا جديدا فهم لم يبتدعوها ولا أدخلوا عليها من ألوان التجديد ما يرغب الناس فيها , كلا بل هي دعوة الله تعالى التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام . لم يفعل الإخوان المسلمون شيئا غير أنهم نفضوا عنها ما علق بها من غبار القرون وأزالوا عنها النطاق الذي حصرها فيه الجهلاء من المسلمين وذوو الأغراض منهم ومن المستعمرين , وقدموها للناس بيضاء ناصعة بسيطة , وكلا غير قابل للتجزئة , تتناول الحياة جميعا فلا تترك منها شاردة ولا واردة وتجري معها في يسر وائتلاف وسماحة وإنصاف .

ورحم الله الأستاذ حسن البنا الذي أرى الناس من آيات الإسلام ما كانوا عنه غافلين . . .

وسيجد الناس أن الإسلام ليس دين عبادة وصوم وصلاة كما فهم المقصرون , ولا دين قطع الأيدي ورجم الزناة فقط كما شنع المغرضون . ولا دين الفضائل " فحسب " , سيجدون أنه دين عبادة تطهر النفس وتزكي القلب وتصل العبد بربه حتى يكون قادرا على تحمل تبعات الحياة ومشاقها .

وسيجدون أنه دين أقام الحياة الاجتماعية بين المسلمين على أكمل نظام وأوفاه بحاجات الناس حتى لا يجد امرؤ حاجة إلى السرقة وغيرها من الجرائم لامتناع أسبابها . . وسيجدون أنه عالج الأخلاق والفضائل وآداب السلوك فأمر بالحسن ونهى عن القبيح . وسيجدون أنه أوجب على المسلمين رجالهم ونسائهم صغيرهم وكبيرهم – الجهاد إذا ديست أرضهم واحتلها العدو وسيجدون فيه كيف عالج مشكلات العمال وكيف نظر إلى ملكية الأرض بعدالة لا تعادلها عدالة , وكيف عالج شئون الأسرة , فلم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا تناولها بما يريح النفس ويطمئن القلب .

كما عالج شئون التحكم في قواعده العامة الثابتة التي لا تتغير وترك التفصيل لاختلاف الظروف والأحوال . .

وأسس ذلك كله على العلم الذي فرضه على الرجل والمرأة على السواء .

فهذه الموضوعات وغيرها ستتناولها " جريدة الإخوان المسلمون " وتبين للناس حقائق الإسلام وتزودهم بزاد من المعرفة يشرح النفوس الحرجة وتسكن إليه الأفئدة المغلقة . .

وهي إذ تنشر هذا النور لن تلبسه بباطل من الميل الشخصي أو التنابذ , فلن نجادل أحدا ولن نخاصم أحدا وإنما نناقش الآراء والأفكار والنظم .

وتوسع صدرها للباحثين في العلوم والآداب من يخدم الإسلام كل في ما هيئ له أو تخصص فيه والله نسأل أن يرزقنا الصدق في القول والعمل وأن يجنبنا الشطط ويسلك بنا سبيل الرشد والسداد . .

مقدمة كتاب المرأة بين البيت والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله تبارك وتعالى , وأصلي وأسلم على نبيه الكريم .

كنت أتحدث إلى الإخوان في الصيف الماضي , وأنا بالإسكندرية وقلت لهم في ما قلت : " أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم " . . .

وبعد الحديث جاءني أحد الإخوان الخلصاء , وقال لي . . أريد أن أقيم دولة الإسلام في صدري , ولكني لا أدري كيف أقيمها ؟

فأنا لا أعلم كيف أتصرف في كثير من شئوني على مقتضى الإسلام وضرب مثلا فقال : هل أخرج مع زوجي . . . . هل لي أن أركب معها الترام , أو نذهب إلى السينما . . . وهل لإخواني أن يرونا معا وها أدخل بناتي الجامعة ؟ وسألنا إخوان كثيرون أثناء تقلبي في البلاد عن مثل هذه المسألة التي تدور حول المرأة : حول حق المرأة وواجبها في البيت والمجتمع وتبينت أن كل واحد منهم يدرك من حقائق الإسلام شيئا ويخلط أشياء من ذلك بما جرى عليه العرف والعادة بين قومه وعشيرته وأهل الجهة التي يعيش فيها زد على ذلك أن الكتاب – وبخاصة الأوروبيين منهم – استقوا كثيرا مما كتبوه عن المرأة مما شاهدوه من حالها , وحسبوا أن ذلك هو حكم الإسلام , فلما نشرت فينا كتابتهم ظننا أنهم درسوا وحققوا وأيقنا أن ما كتبوه هو كذلك حكم الإسلام . . .

وقد صور الإسلام لذلك , في كثير من الأحيان بغير صورته الحقيقية , فهو عند بعض الناس يخنق حرية المرأة , ولا يسمح لها بالتنفس إلا في جو مظلم فاسد بعيد عن الطلاقة والبشاشة وبعيد عن حرية الفكر وعيش الكرامة الإنسانية . . ولما وصلت هذه الأفكار إلى أبنائنا ضاقوا بها , وحسبوا أن الإسلام لا يتفق مع العصور المختلفة , وأنه أدى دوره في الحياة وأصبح العهد عهد المدنية الحديثة بكل ما فيها , وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا , ولا ريب أن الذين حسبوا الإسلام هو ما عليه المسلمون الآن , لا يخلون من عذر , لأن المسلمين من أشد الناس تعلقا بدينهم , وإيمانهم به ثابت متين ولا يفتئون يؤدون بعض فروضه على وجه إن لم يكن كله صحيحا فإنه من المظاهر التي تدل على هذا التعلق وذلك الإيمان , والناظر على بعض الحق , حين يظن أن الأخذ بالدين مطرد في كل شأن , وأن عقائد المسلمين تنتج أثرها في سلوكهم وآدابهم وأخلاقهم , زد على ذلك أن بعض العلماء دافع عن آراء غاية في الضيق وهي لا تمت في ما نعتقد إلى الإسلام بصلة :

وقد وجد لذلك ناس يزعمون أنهم تقدميون طرحوا الإسلام وراءهم ظهريا ولم يجعلوا له شأنا في حياتهم , ووجد آخرون من الجامدين غير الفاهمين , وظنوا أنهم يجعلون له شأنا وهم في الحقيقة عنه يبتعدون . . . .وبين هؤلاء وأولئك عولجت قضية المرأة بغير دوائها , وما دواؤها إلا الإسلام الصحيح ! دين الفطرة السليمة في ما منح ومنع , على أن يؤخذ كله جملة واحدة وكلا غير قابل للتجزئة , يكمل بعض أجزائه بعضا لأن الإسلام منهج في الحياة . . أراد الله تعالى ليكون لهم مأمنا من شطط الأفكار وإتباع الأهواء ولا يحق – إذا – لأحد أن يأخذ بعض ما في الإسلام دون بعض لأن الإسلام لا يجيب على قضايا جزئية في دولة لا تخضع لمقتضياته .

وقد أشرت على أخي ( البهي الخولي ) بأن يضع رسالة موجزة سهلة تبين حقوق المرأة وواجباتها في البيت والمجتمع , يلم فيها بحكم الإسلام في ذلك وأخذا من الكتاب والسنة بعيدا عن جدل المجادلين وتزمت المتزمتين وترخص المترخصين فوضع هذه الرسالة التي أقدمها للقراء راجيا أن تحقق لهم الانتفاع بالآداب الإسلامية وسماحته وأن يدركوا قول الله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " . . .

ولست أثني على أخي البهي – وأدع للرسالة أن تثني عليه – وإنما أسأل الله له أحسن الجزاء على ما قدم للناس من خير والله أكبر ولله الحمد .

13 رجب سنة 1373 .

28 مارس سنة 1953.