الإسلام وأوضاعنا السياسية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلام وأوضاعنا السياسية


الاسلام-وأوضعنا-السياسية.jpg

بقلم/ الأستاذ عبدالقادر عودة

مقدمة

الحمد لله به نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا " من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلا هادي له " .

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد عبده و رسوله الذي أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره الكافرون .

"و بعد " فإن المسلمين في كل أنحاء العالم قد جهلوا الإسلام و انحرفوا عن طريقه الواضح , حتى لم يعد في الدنيا كلها بلد يقام فيه الإسلام كما أنزله الله , سواء في الحكم و السياسة , أو الاقتصاد و الاجتماع , أو غير ذلك مما يمس مصالح الأفراد و الجماعات , و يقوم عليه نظام الجماعة , و يدعو الى اصلاحها و اسعادها . و لقد ظل المسلمون ينحرفون عن الإسلام حتى هجروا أحكامه , ثم اتخذوا لأنفسهم أحكاما تقوم على أهوائهم و منافعهم , فأدى ذلك إلى التحلل و الفساد , و ملأ بلادهم بالشرور و الآثام و عاد على جماعتهم بالبؤس و الشقاء .

و في ظلال هذه المحنة التي امتحن الله بها الإسلام نبت دعاة الإسلام الحقيقيون فدعوا الناس إلى الإسلام الصحيح , و ربوا الشباب عليه و جعلوا كل مسلم داعية إلى الإسلام بعمله و قوله و سيرته , و صبروا على ما امتحنوا به حتى فتح الله عليهم فانتشر الوعي الاسلامي , و تيقظ المسلمون , و تحقق ذو البصائر أن لا حياة للمسلمين بغير الإسلام , و ان صلاح حالهم و سعادة جماعاتهم لن تكون إلا إذا رجعوا للإسلام و أقاموا أمرهم عليه , و حكموه في كل شؤونهم .

و المسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى معرفة حقائق الإسلام و قد تكالب عليهم الاستعمار و الشيوعية , و زينت لهم الديموقراطية و الاشتراكية , ليعلموا أن لا عاصم لهم من الاستعمار و الشيوعية إلا الإسلام . و واجب على كل مسلم مستطيع أن يبين لمسلمين ما خفي عليهم من أحكام الإسلام , و أن يعرضه عليهم في اغة سهلة يهضمونها , و في أسلوب عصري يقبلون عليه .

و اني لأرجو أن أكون قد قدمت للمسلمين في هذا الكتاب ما يجب أن يعلمه كل مسلم عن نظرية الإسلام في الحكم , و اسلوبه في الشورى , كما أرجو أن يعلم المسلمون بعد الاطلاع على هذا الكتاب أن أسلوب الإسلام هو خير ما عرفه العالم أن كل نظريات الشورى الوضعية ليست شيئا يذكر بجانب نظرية الإسلام .

و الله اسأل أن يوفقنا جميعا إلى الخير , و أن يجمع كلمتنا على الإسلام .

عبد القادر عودة

الخلق و التسخير

هذا الكون خلقه الله

هذا الكون الذي نعيش فيه و نعمره , و نتسلط على ما فيه من حيوان و نبات و جماد , و نحاول أن نحصل على ما فيه من خيرات , و نستغل ما فيه من قوى هذا الكون ليس من صنع البشر و لا من عمل أيديهم , و ما في استطاعتهم خلقه و لا خلق ما دونه , و ما كانوا في يوم من الأيام أهلا لذلك و لن يكونوا , فما هم بشر إلا خلقهم خالق كل مخلوق "بل أنتم بشر ممن خلق"المائدة:18 .

و ما في قدرة المخلوقات أن تخلق و لو تظاهرت على الخلق , و لو اجتمع كل البشر على أن يخلقوا أحقر الذباب و أضعفه لعجزوا , ولو سلبهم أضعف الذباب و أحقره شيئا لما منعوه عنه و لا استنقذوه منه "أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و أن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب "الحج:73.

هذا الكون الذي نعيش فيه و نعمره خلقه الله الذي خلق الناس من تراب ثم سواهم بشرا و صورهم ذكورا و اناثا فأحسن صورهم , و جعل لهم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلهم ينظرون و يتفكرون فيذكروا نعمة الله عليهم , و يشكروه على ما خلقهم و رزقهم و أسبغ عليهم من فضله "و الله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا"فاطر :11.

"يا أيها الانسان ما غرك بربك الركيم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك "الانفطار:5-8. "و صوركم فأحسن صوركم "غافر:64, "و الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون "النمل:78.

هذا الكون الذي نعيش فيه خلقه الله جل شأنه خالق كل شيء مما نعلم و مما لا نعلم , و مما ندرك و مما لا ندرك , و مما نستطيع تصوره و الاحاطة بكنه "ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شيء فاعبدوه "الأنعام:102.

فهو الذي خلق السماوات و الأرض و ما فيها م نمخلوقات , و ما بينهما من أجرام لا يحيك بها العلم , و لا يدركها الوصف , و لا يحصيها العد , و هو القادر على أن يخلق غيرها ان شاء , اذ الخلق متعلق بمشيئته , و راجع لأمره "والله ملك السموات و الأرض و ما بينهما يخلق ما يشاء"المائدة :17 , "لله ملك السموات و الأرض و ما فيهن" المائدة:120.

و هو الذي خلق الأزواج كلها من النبات و الحيوان و الانسان , و مما نحيط بعلمه و مما لا تعلم عنه شيئا , و رتب على اتصالها اللقاح و الأحبال فالأثمار و الانسان حفظا للنوع و استبقاء للحياة "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض و من أنفسهم و مما لا يعلمون " يس:36.

و هو الذي جعل الظلمات و النور , و خلق الليل و النهار و الشمس و القمر و النجوم و هو الذي ربط الظلمات بالليل و النر بالنهار , و جعل الشمس دليلا للنهار , وجعل القمر و النجوم لتهتدي بها في ظلمات البر و البحر "الحمد لله الذي خلق السموات و الأرض و جعل الظلمات و النور " الأنعام: 1," هو الذي خلق الليل و النهار و الشمس و القمر"الأنبياء :33.

و هو الذي خلق الموت و الحياة , و جعل بعد الموت البعث و النشور ليبلو الناس فيما آتاهم و ليجزيهم بما كانوا يعملون "الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" الملك:2.

هذا الكون مسخر للبشر

و الله الذي خلق هذا الكون قد سخره لخدمة البشر و سلطهم عليه بما وهبهم من أبصار و أسماع و عقول تساعدهم على استخدام ما في الكون من خيرات , و اكتشاف ما فيه من قوى , و استغلال ذلك كله في سبيل نفعهم و اسعاد أنفسهم "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة" لقمان:20.

فالله قد سخر للبشر – و هم يعيشون على وجه الأرض – كل ما في السماوات و ما في الأرض , و كل ما في البر و ما في البحر , فالسحاب مسخر لخدمتهم يحمل الماء المتجمع من البحار و الأنهار ثم يرسله مطرا يحيي به الأرض بعد موتها و ينبت فيها من كل الثمرات رزقا للعباد , و البحار و الأنهار مسخرة لخدمة البشر , منها يتكون السحاب , و على مائها يعيش الانسان و النبات و كل الحيوان , و عليها تسير الفلك تحمل الناس الى بلد لم يكونوا بالغيه بغيرها , و في أعماقها تعيش مخلوقات أخرى يتخذ منها الناس طعاما و حلية , و الشمس و القمر مسخران لخدمة البشر , يمدان الكون بالضوءو الحرارة , و هما ضرورتان من ضرورات الحياة و كل ما في الكون من صغير و كبير , و معلول و مجهول , مسخر لخدمة البشر , لهم الحق في استطلاع أسراره و السيطرة عليه , و استغلال منافعه ما استطاعوا لذلك سبيلا , فالكون مذلل لهم بإذن الله , و هم مسلطون عليه بأمر الله " الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره و لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون , و سخر لكم ما في السموات و الأرض جميعا منه أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون "الجاثية 12-13"الله الذي خلق السموات و الأرض و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره و سخر لكم الأنهار , و سخر لكم الشمس و القمر دائبين , و سخر لكم الليل و النهار , و آتاكم من كل ما سألتموه , و أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أن الانسان لظلوم كفار " ابراهيم 32-34.

البشر مسخر بعضهم لبعض

و إذا كان الله جل شأنه قد سخر الكون للبشر , فإنه قد سخر بعض البشر لبعض ليستطيعوا أن يعيشوا في جماعة منظمة متعاونة , و ليكونوا أقدر على استغلال الكون المسخر لهم و الانتفاع بخيراته , و المساهمة في بناء حياة انسانية مرضية."نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا و رحمة ربك خير مما يجمعون "الزخرف:32.

و ما سخر الله بعض البشر لبعض الا لتتم حكمته فيهم و ليبلوهم فيما آتاهم , فمن أحسن فلنفسه و من أساء فعليها و من كفر فعليه كفره , و من آمن نفعه ايمانه :"و هو الذي جعلكم خلائف الأرض و رفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ان ربك سريع العقاب و أنه لغفور رحيم " الأنعام 165 , " هو الذي جعلكم خلائف الأرض فمن كفر فعليه كفره و لا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم الا مقتا و لا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا"فاطر :39.

و لم يجعل الله تسخير بعض البشر لبعض قائما على التحكم , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ,و انما ربط التسخير بطبائعهم و ظروف امكانهم , فجعلهم درجات بما اختلفوا من قوة و ضعف , و علم و جهل , و جد و خمول , و غير ذلك من وجوه الاختلاف المشتقة من طبائعهم و معارفهم و ظروفهم و بيئاتهم و لن يمنع ذلك من كان في درجة دنيا أن يرتفع بعمله و ايمانه الى درجة أعلى من درجته , و أن يصل إلى القمة في عشيرته و أمته , فان العبرة في الإسلام بالأعمال و الايمان , و لن يضيع الله عمل مؤمن :"اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " آل عمران:195.مادام العامل قد أحسن عمله و وصل به إلى درجة الاحسان : "انا لا نضيع أجر من أحسن عملا"الكهف 70.

و لقد آلى الله على نفسه ليحيين حياة طيبة كل من عمل عملا صالحا و هو مؤمن فقال جل شأنه :"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "الأنعام:132. و دعا الله المؤمنين إلى العمل و حثهم عليه :"و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون"التوبة:105. و رتب على العمل درجاتهم فمن رفعه العمل فلا يحطه شيء , و من حطه العمل فلا يرفعه شيء : " و لكل درجات مما عملوا و ما ربك بغافل عما يعملون " الأنعام :133 .

الإستخلاف في الأرض

البشر مستخلفون في الأرض

و لقد خلق الله البشر في الأرض و استعمرهم فيها "هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها " هود:61.

فلا حرج أن نقول أن مكان البشر في الأرض هو مكان المستعمر فيها , المسلط عليها , و أن الأرض بما فيها مسخرة لهم , مذلله باذن ربهم , و أن حقوقهم و واجباتهم يحددها الله الذي استعمرهم في الأرض , و منحهم حق التسلط عليها , و لكننا نفضل أن نصفهم بصفة الاستخلاف التي وصفهم بها الله أكثر من مرة . و القرآن صريح في أن الله جل شأنه خلق آدم أبا البشر ليكون خليفة في الأرض "و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال اني أعلم ما لا تعلمون "البقرة :30.

و المفسرون مختلفون في ما هية خلافة الآدميين خلفوا جنسا سابقا كان يسكن الأرض فافسد فيها و سفك الدماء , و من ثم فالخلافة على هذا الرأي خلافة جنس سابق , و البعض يرى أن الخلافة عن الله جل شأنه لا عن جنس آخر , و أن الله سلط الانسان على الأرض يقيم فيها سننه , و يظهر عجائب صنعه , و أسرار خليقته , و بدائع حكمه , و منافع أحكامه . و سنرى فيما بعد أن هذا الاختلاف لا أهمية له في بحثنا .

استخلاف البشر مقيد بقيود

و لا جدال في أن الله أوجب على البشر حين أسكنهم الأرض أن يطيعوا أمره و ان ينتهوا بنهيه , و أنه عهد إليهم ألا يعبدوا إلا إياه , و ألا يخشوا غيره , و أن يتحلوا بالتقوى , و أن يحذروا فتنة الشيطان , و أعلمهم من اتبع هدى الله فقد اهتدى , و من كفر بآيات الله و كذب برسله فقد ضل و غوى , و أنه جعل للمهتدين الأمن , فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون , و جعل للكافرين المكذبين النار هم فيها خالدون , " قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون , و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"البقرة 38-39.

"قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين , قال فيها تحيون و فيه تموتون و منها تخرجون , يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم , انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون , و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها , قل أن الله لا يأمر بالفحشاء اتقولون على الله ما لا تعلمون . قل أمر ربي بالقسط و أقيموا وجوهكم عند كل مسجد و ادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون. فريقا هدى و فريق حق عليهم الضلالة انهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله و يحسبون أنهم مهتدون " الأعراف:24-30.

و غدا يحاسب الله البشر على زيفهم و ضلالهم , و على تركهم طاعة الله و اتباعهم الشيطان , و يسألهم فلا يجدوا لأنفسهم حجة . ثم يقذف بهم أفواجا إلى النار يصلون حرها جزاء ما عصوا الله و كفروا بآياته و لم يقوموا بعهده "ألم أعهد اليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين , و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم , و لقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون , هذه جهنم التي كنتم توعدون , اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون "يس :61-65.

أنواع الاستخلاف

واستخلاف البشر في الأرض نوعان : استخلاف عام , و استخلاف خاص .

فالاستخلاف العام هو استخلاف البشر في الأرض باعتبارهم مستعمرين فيها و مسلطين عليها " هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها"هود:62 , و قد بدأ هذا الاستخلاف بآدم عليه السلام و من بعده كل ذريته فهم جميعا مستعمرون في الأرض , استعمرهم الله جل شأنه فيها , و سخر لهم و سلطهم عليها بإذنه "و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة "البقرة:30.

و الاستخلاف الخاص هو الاستخلاف في الحكم , و هو نوعان : استخلاف الدول و استخلاف الأفراد , و الاستخلاف في الحكم هو بنوعيه منه أخرى يمن الله بها على من يشاء من عباده أمما و أفرادا بعد أن من عليهم جميعا بنعمة الاستخلاف في الأرض " و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة , و نجعلهم الوارثين"القصص :5 , " و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون "السجدة:24.

و استخلاف الدول معناه الأول تحرير الأمة و استقلالها بحكم نفسها و جعلها دولة لها من السلطان ما يحمي مصالح الأمةو يعلي كلمتها , و معناه الثاني اتساع سلطان الدولة حتى يشمل فوق أبناء الأمة و شعوبا أخرى . و استخلاف الدول اذا كان باذن الله و بأمره منه يمن بها على الأمم , الا أن للاستخلاف مسبباته التي تباشرها الأمم و الشعوب فتؤهلهم للاستخلاف , و تمكن لهم في الأرض , و تتم بذلك سنة الله في خلقه و لن تجد لسنته تحويلا . فلا يمكن أن يجيء الاستخلاف اعتباطا و بلا عمل , و انما يجيء نتيجة نتيجة العمل الشاق و الجهد المستمر , و لقد وعد الله جل شأنه الذين آمنوا و عملوا الصالحات بالاستخلاف في الأرض , فلم يجعل الايمان وحده هو الذي يرشح المؤمنين للاستخلاف , و انما وعد الممؤمنين بالاستخلاف اذا عملوا الصالحات , و المقصود بالصالحات كل ما يصلح شأنهم في الدنيا من الاعداد و الاستعداد و التفوق , و ما يصلح شأنهم في الآخرة من الطاعة و اجتناب المعاصي ." وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم " النور:55.

و استخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة و قد يسمى المستخلف خليفة كما سمي داوود عليه السلام "يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله , ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب "ص:26.

و قد يسمى المستخلف إماما كما سمي ابراهيم عليه السلام و بعض رؤساء بني إسرائيل :"و اذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن ,قال اني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " البقرة:124, " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و أقام الصلاة و ايتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين " الأنبياء :73.

و قد يسمى المستخلف ملكا "و اذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذا جعل فيكم انبياء و جعلكم ملوكا و آتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمن " المائدة:20, " و قال لهم نبيهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا"البقرة:247.

سنة الله في استخلاف الحكم

و سنة الله جل شأنه في استخلاف الدول و الافراد ان يستخلف الأمة ما كانت أهلا للاستخلاف , و أن يستخلف الأفراد ما كانوا أهلا لذلك , يبتليهم جميعا فيما آتاهم "و هو الذي جعلكم خلائف الأرض و رفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم "الأنعام:165 , فان استقام المستخلفون على أمر الله , و دعوا إليه , و عبدوه وحده لا شريك له , و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و فعلوا الخيرات و اجتبوا السيئات , و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر "الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور "الحج:41,"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون "السجدة :24, " و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا اليهم فعل الخيرات و أقام الصلاة و ايتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين "الأنبياء:73, اذا فعل المستخلفون ذلك مكن الله لهم في الأرض , و آتاهم من كل شيء سببا "الكهف:84, و كما مكن ليوسف في الأرض يتبوا منها حيث يشاء مما لم يكن يحلم به أو يتخيله " و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء " يوسف:56 , و كما مكن لبني اسرائيل في الأرض على ضعفهم و قوة أعدائهم , بعد أن عبدهم الفراعنة و استعبدوهم , و ساموهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم و يستحيون نساءهم , فمنحهم الله جل شأنه القوة و بواهم السلطان , و رزقهم من الطيبات و جعل فيهم النبوة و الملك , و آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين "و قد بوأنا بني اسرائيل مبوأ و رزقناهم من الطيبات "يونس :93 ," يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا و آتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين " المائدة:20, و كما مكن لقوم يونس لما آمنوا فأصلح لهم أحوالهم في الحياة الدنيا و متعهم إلى حين , ,"فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا و متعناهم إلى حين "يونس:98.

و الله جل شأنه غني عن العالمين , رحيم بهم , فإذا أمرهم أن يأتوا أو يدعوا فإنما يأمرهم بما فيه صلاحهم , بما يؤدي إلى نفعهم , و هو القادر على أن يذهب بالمكذبين و يستخلف أناسا غيرهم , و لن يعجزه ذلك و قد جاءوا من ذرية غيرهم :" و ربك الغني ذو الرحمة ان يشأ يذهبكم و يستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين " الأنعام :133 .

و ما استقام المستخلفون في الأرض على أمر الله فهم عند وعد الله لهم في تمكين و عزة , يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان , حتى إذا ما كفروا بأنعم الله و كذبوا بآياته و خرجوا على ما أرسل به رسله , و ظلموا و بغوا و افتتنوا بالقوة و السلطان و العلم , أخذهم الله بغتة و هم لا يشعرون , فسلبهم نعمهم , و اذهب دولتهم و استخلف غيرهم , و لم تغن عنهم عقولهم و لا علومهم و لا أمةالهم م نشيء , لما جاء أمر ربك و حاق بهم ما كانوا به يستهزئون" و لقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا و جاءتهم رسلهم بالبينات و ما كانوا ليؤمنوا كذلك نجرزي القوم المجرمين , ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون "يونس 13-14,"ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم و أرسلنا السماء عليهم مدرارا و جعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم و أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " الأنعام:6 ,"و لقد مكناهم فيما أن مكناكم فيه و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شيء اذ كانوا يجحدون بآيات الله و حاق بهم ما كانوا به يستهزئون"الأحقاف :26 .

أمثلة المستخلفين السابقين

و لقد ضرب الله لنا من الأمثلة ما فيه مزدجر , و بين لنا من أخبار السابين ما فيه غناء لكل ذي لب , فهؤلاء قوم نوح كذبوه و استضعفوه و من معه فاستحلف الله هؤلاء الضعفاء و أهلك الأقوياء الذين غرتهم قوتهم و حملهم الغرور على تكذيب آيات الله " فكذبوه فنجيناه و من معه في الفلك و جعلناهم خلائف و أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين " يونس:73.

و هذا هود يدعو قومه عادا و يذكرهم ما حدث لقوم نوح و يخوفهم منه فيقول لهم : " و اذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " الأعراف :63 أي اذكروا كيف استخلفكم الله في الأرض بعد أن أهلك قوم نوح بمثل ما تفعلون , فلما يئس من اصلاحهم قال لهم :"فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به اليكم و يستخلف ربي قوما غيركم و لا تضرونه شيئا ان ربي على كل شيء حفيظ"هود:57.

و هذا صالح يذكر قومه بما أنعم الله عيلهم , و جعلهم خلفاء من بعد عاد , و يحذرهم عاقبة البغي و الفساد في الأرض " و اذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد عاد و بوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا و تنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله و لا تعثوا في الأرض مفسدين " الأعراف :74.

و موسى يشكو له قومه ما نالهم من أذى فرعون و ما أصابهم من بغيه و بطشه , فيبشرهم بأن سنة الله لا بد آتية , و يظهر خشيته من أن تأتيهم نعمة الله فيكفروا بها و يفعلوا ما كان يفعله غيرهم من المعاصي "قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون "الأعراف:119.

و قارون و فرعون و هامان , تجبروا في الأرض و استكبروا بغير الحق , و نسوا نعمة الله عليهم , فلم ينفعهم ما يملكون و ما يعبدون من دون الله شيئا , و أخذهم الله بذنوبهم , فمنهم من أخذته الصيحة , و منهم من خسفت به الأرض , و منهم من غرق "و قارون و فرعون و هامان , و لقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض و ما كانوا سابقين. فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا و منهم من أخذته الصيحة و منهم من خسفنا به الأرض و منهم من أغرقنا و ما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون " العنكبوت : 39,40.

مركز المستخلفين في الأرض

علمنا أن الله جل شأنه استخلف البشر في الأرض , و سخر لهم ما في السماوات و الأرض جميعا و ألزمهم أن يتبعوا هداه و أن يطيعوا أمره و ينتهوا بنهيه , و مقتضى ذلك أن الاستخلاف في الأرض رتب للبشر حقوقا و ألزمهم واجبات , فاذا أردنا أن نحدد مركز المستخلفين في الأرض فينبغي أن نعرف معنى الاستخلاف اللغوي و أن نستخرج معناه الفقهي .

والاستخلاف لغة هو اقامة خلف يقوم مقام المستخلف أو مقام الغير على شيء ما , فاذا طبقنا هذا المعنى اللغوي على استخلاف الله جل شأنه لآدم و ذريته في الأرض قلنا أن البشر أما خلفاء لله أو لغيره.

وهذ النتيجة هي التي انتهى اليها المفسرون في تفسيرهم لقوله تعالى " و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال اني أعلم ما لا تعلمون " البقرة:30, فبعض المفسرين كما قلنا من قبل يرى أن البشر خلفوا خلقا آخر كان يسكن الأرض فأفسد فيها و سفك الدماء و البعض يرى أن الخلافة عن الله جل شأنه لا عن خلق آخر .

ولكن الكثيرين لا يجيزون أن يقال لبشر خليفة الله , و حجتهم انه انما يتخلف من يغيب أو يموت , والله لا يغيب و لا يموت , كما يحتجون بأن أبا بكر قيل له يا خليفة الله فقال "لست خليفة الله و لكني خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم "بينما يجيز غيرهم أن يقال لبشر خليفة الله مادام قائما بأمر الله في خلقه , و لقوله جل شأنه "و هو الذي جعلكم خلائف الأرض و رفع بعضكم فوق بعض درجات"الأنعام :165. و لا شك أن الرأي الأخير هو الأصح , فما ينبغي أن يقاس بالبشر من ليس كمثله شيء و هو السميع البصير , و اذا كان شأن الله أن يستخلف و هو شاهد لا يغيب حتى لا يموت , و يكفي قوله "اني جاعل في الأرض خليفة"و قوله "هو الذي جعلكم خلائف الأرض "ليجوز القول بأن البشر خلفاء الله خصوصا و أنه استخلفهم في ملكه و سخره لهم "لله ملك السموات و الأرض و ما فيهن " المائدة:120"و سخر لكم ما في السموات و الأرض جميعا منه " الجاثية:13.

و اذا صح هذا فلا يهمنا ان نتحقق مما اذا كان البشر خلفوا خلقا سابقا عليهم أم لا , لأن هذا الخلق السابق انما استخلفه الله في الأرض كما استخلف البشر فإذا خلف البشر من كانوا خلفاء لله فالبشر قد صاروا بذلك خلفاء لله أيضا , و من ثم تنتهي في كل الأحوال إلى أن خلافة البشر عن الله جل شأنه و ليست عن غيره . أما معنى الاستخلاف الفقهي فهو النيابة أو القوامة بحسب مدركات البشر الفقهية ذلك أن الله استخلف البشر في الأرض بقوله "اني جاعل في الأرض خليفة"و قد حدد الله جل شأنه وظيفة البشر في هذا الاستخلاف بقوله" و هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها"هود:61. و الاستعمار معناه التمكين و التسلط و هذان المعنيان ظاهران في قوله تعالى "و لقد مكناكم في الأرض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون "الأعراف :10. و قوله " الذين أن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر " الحج :41 . و قوله"و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه"الجاثية:13.

و البشر في تسلطهم على الكون و انتفاعهم بما سخر الله لهم من مخلوقات مقيدون بطاعة الله و الاهتداء بهديه و الابتعاد عما نهى عنه "فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون " البقرة:38."ألم أعهد اليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين أن أعبدوني هذا صراط مستقيم "يس:61,62. و البشر بعد ذلك ليسوا ألا بعض ما خلق الله " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم " الروم 40. خلقهم من تراب و جعلهم بشرا ينتشرون في الأرض "و من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون "الروم:20. و ما خلقهم ليعبدوه حق عبادته " و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون "الذاريات:56. و سماهم عباده و عبيده , و هو القاهر فوقهم , يجيزهم بما قدمت أيديهم , فمن أحسن فلنفسه و من أساء فعليها "و هو القاهر فوق عباده و هو الحكيم الخبير"الأنعام:18. " من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد " فصلت :46.

فاستخلاف البشر في الأرض معناه أن الله جل شأنه أسكنهم الأرض و استعمرهم فيها و منحهم حق التسلط على ما في الكون للانتفاع بما فيه من خيرات في حدود أمر الله و نهيه, و إذا كان الله قد أسكن عبيده في أرضه و سخر لهم ما في الكون منحة منه فإن ما في أيدي هؤلاء العبيد من ملك الله إنما هو من الناحية الفقهية عارية ينتفع بها البشر , و القيام على العارية في فقه البشر نيابة , و ان كانت نيابة العبد عن ربه و المملوك عن مالكه , و اذن فكل فرد من أفراد البشر يعتبر نائبا عن ربه جل شأنه فيما سخر الله للبشر من الكون و ما سلطهم عليه و هو مقيد في كل تصرفاته بحدود هذه النيابة .

و هكذا لا يكاد معنى استخلاف البشر في الأرض لغة يختلف عنه فقها , و نتيجة ذلك أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب , و أن الخلافة أو النيابة هي عن الله جل شأنه , و هي قائمة في حدود ما سخر الله للبشر من مخلوقاته و ما سلطهم عليه من ملكه , و ما خولهم في ذلك كله من الاستغلال و الانتفاع. و يجب أن لا يفوتناأن تسخير الكون للبشر و تسليطهم على ملك الله لا يخرج هذا الذي سخر لهم و سلطوا عليه من سلطان الله , و لا يحد من هذا السلطان شيئا , فالبشر مثلا يحرثون , و يلقون فيها الحب و لكنهم يرجون الانبات و الاثمار من الرب , و ما يحرثون و يلقون الحب الا بما منحهم الله من حياة , و بما ركب فيهم من عقول , و بما علمهم من علم , فهم يستخدمون نعمة الله للانتفاع بنعمة الله , و مالهم في ذلك من سلطان إلا سلطانا منحهم الله إياه.

واجبات المستخلفين في الأرض

و البشر لم يستعمروا في الأرض و لم يستخلفوا عليها ليفعلوا ما يشاءون دون قيد و لا شرط , و ليتركوا ما يشاءون دون حسيب و لا رقيب , و انما استعمرهم الله في الأرض و استخلفهم عليها ليعبدوه وحده لا شريك له , و ليطيعوا أمره , و ينتهوا بنهيه , فإذا كان استخلافهم في الأرض قد منحهم بعض الحقوق , فإنه قد حملهم كثيرا من الواجبات .

و لقد أوجب الله على البشر عامة يوم أسكنهم الأرض أن يهتدوا بهديه , و أن يتبعوا أمره . " فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون " البقرة:38. و عهد اليهم ألا يعبدوا الشيطان , و أن يعبدوا الله "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين , و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم " يس:61,62. و كل من هذين النصين أمر عام باتباع ما أنزل الله و تحريم ما عداه .

و وعد الله جل شأنه المؤمنين به , المهتدين بهيده , أن يبدل خوفهم أمنا , و ضعفهم قوة , و أن يستخلفهم في الحكم كما استخلف الذين من قبلهم , و أن يمكن لهم و يجعل لهم دولة في الأرض و سلطانا على الناس و الدول , ما داموا قائمين بأمر الله , يعبدونه لا يشركون به شيئا , و لا ينحرفون عن طاعته , قليلا و لا كثيرا " وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و لينكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا"النور:55.

و بين الله لنا واجبات المستخلفين في الحكم في أخصر عبارة و أجمعها فقال: " الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهو عن المنكر و لله عاقبة الأمور " الحج : 41 . فمن واجبات المستخلفين في الحكم دولا و أفرادا أن يقيموا الصلاة , و لا يقيمها إلا مؤمن يعترف بأن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله , و هذا الاعتراف يقتضي واجبات لا حصر لها .

و من واجبات المستخلفين في الحكم ايتاء الزكاة , و لا يؤتى الزكاة إلا مؤمن يسلم بما عليه من واجبات , و يعترف بما في ذمته للغير من حقوق .

و من واجبات المستخلفين في الحكم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , و لا يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر إلا من استقام على أمر الله , و تمسك بحبله , و حرص على طاعته .

و قد اقتصرت الآية على هذه الواجبات الثلاث , لأن توفرها دليل على توفير غيرها مما يوجبه الإسلام , فإقامة الصلاة في الأمة دليل على الإيمان و الطاعة , و ايتاء الزكاة دليل على أخذ النفس بالحق ورد الحقوق لاربابها , و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر دليل على الاستمساك بما أمر الله و دعوة الغير اليه و كفهم عن الفسوق و العصيان .

و المستخلفون في الحكم ليسوا الا بشرا مستخلفين في الأرض , فإذا وجب عليهم كحاكمين أن يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و يأمروا بالمعروف و ينهوا عن المنكر فإنه يجب عليهم كبشر مستخلفين في الأرض أن يطيعوا الله و يهتدوا بهديه , و ينتهوا عما نهى عنه.

و نخلص من كل ما سبق أن المستخلفين في الأرض سواء كان استخلافهم عاما أو خاصا عليهم واجبات عديدة تدخل كلها تحت عنوان هام هو طاعة الله , أي الائتمار بأمره و الانتهاء عما نهى عنه.

جزاء تعدي حدود الاستخلاف

رأينا فينا سبق أن الله استخلف البشر في الأرض و سخر لهم مخلوقاته و سلطهم على ملكه و خولهم استغلاله و الانتفاع به , و انه قيدهم بطاعته , و الاهتداء بهدبه , و الانتهاء عما نهى عنه , و انتهينا الى أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة و النائب , و أن الخلافة و النيابة هي عن الله جل شأنه .

و منطق الفطرة يقضي بأن الخليفة أو النائب اذا خرج عن حدود ما منحه من سلطان أو ما قيد به من قيود فعلمه باطل بطلانا لاشك فيه , و لا يصح منه إلا ما يدخل في حدود الخلافة أو النيابة .

و هذا هو نفس الإسلام دين الفطرة , فنصوص القرآن قاطعة في أن الشرك بالله و كراهة ما أنزل و تكذيب آياته و الكفر بعد الإيمان , كل ذلك محبط للأعمال :"و لقد أوحى إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين"الزمر:65."ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأبحط أعمالهم "محمد:9. "والذين كذبوا بآياتنا و لقاء الآخرة حبطت أعمالهم " الأعراف:147.

"و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة " البقرة:207. و حبوط العمل معناه ضياع العمل و بطلانه بحيث يعتبر كأن لم يكن له وجود , و هذا ما نسميه في عرفنا بالبطلان المطلق أي البطلان الذي لاي قبل التصحيح .

و كما يترتب البطلان على الشرك بالله و كراهة ما أنزل و على الالحاد و الكفر بعد الايمان , فانه يترتب أيضا على عصيان المؤمنين أمر الله و رسوله , فكل مؤمن بالله و رسوله عصى الله و رسوله في أمر صغير أو كبير أو خرج على الطاعة في أي شيء فعمله الذي عصى به الله و رسوله أو خرج به على الطاعة انما هو عمل باطل لا يقبل التصحيح , و ذلك قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و لا تبطلوا أعمالكم" محمد:33. و قول الرسول صلى الله عليه و سلم :"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي من عمل عملا خارجا على ما جئنا به فعلمه مردود لا أثر له .

و يستخلص من النصوص السابقة أن كل عمل خارج عن حدود الله هو عمل باطل بطلانا مطلقا و لا أثر له من الوجهة الشرعية , سواء كان العمل حاصلا من مؤمن أو كافر و من معترف بالله أو منكر له , و ليس لمسلم أن يعترف بهذا العمل أو يصححه أو يقوم بتنفيذه , أيا كان نوع العمل حكما أو ادارة أو سياسة أو اقتصادا أو تثقيفا أو غير ذلك , و سواء كان تصرفا شرعيا أو فعلا ماديا , و سواء وقع في دار الإسلام أو في دار غيره .

ذلك هو حكم الإسلام الذي جعله الله للناس دينا : " ان الدين عن الله الإسلام"آل عمران :19.

و أعلمهم أنه لا يقبل منهم التدين بغيره :"و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه "آل عمران :85. و دعاهم إلى أن يتمسكوا به و يموتوا عليه :"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون"آل عمران :102.

المال مال الله

ماذا يملك البشر في هذا الكون

رأينا فيما سبق أن هذا الكون خلقه الله الذي خلق كل شيء و أنه سخره لمنفعة البشر , و سلطهم عليه بما وهبهم من عقول , و أنه استخلف البشر و استعمرهم في الأرض و لكنه قيدهم بطاعته و الاهتداء بهديه . و لا شك أن البشر في تسلطهم على الكون , و استغلال ما فيه من قوى , و الانتفاع بما فيه من خيرات , و يحتاجون في حفظ حياتهم و الاحتفاظ بقوتهم و نشاطهم إلى طعام و دواء و لباس و فراش و مأوى , كما يحتاجون إلى ما يستعينون به على استغلال الكون من أدوات و آلات و حيوانات .

و استغلال الكون بعد ذلك يقتضي البشر أن يسيطروا على بعض الأرض يستنبتون فيها الزرع أو يرعون ما فيها من حشائش أو يستغلون ما فيها من أشجاء , أو يستخرجون ما فيها من معادن أو زيوت , أو يقمون عليها مساكنهم و مخازنهم و متاجرهم و مصانعهم و قرأهم و مدنهم .

ثم أن عجز البشر في طفولتهم و شيخوختهم و مرضهم يدعوهم لأن يدخروا لأبنائهم ما يحييهم في طفولتهم , و إلى أن يدخروا لأنفسهم ما يعنيهم على شيخوختهم و مرضهم .

و قد تنمو الرغبة في ادخال القليل و تتحول إلى رغبة في ادخارا لكثير , و هذا المدخر يتشكل أشكالا مختلفة بحسب ظروف كل شخص فيكون عقارا أو منقولا أو حيوانات أو معادن.

فهل يمتلك البشر كل هذا الذي يحتاجونه أو يجتازونه أو يدخرونه ؟ ما حدود ملكيتهم؟و هل هي ملكية تامة أو هي مليكة ناقصة؟ و هل هي ملكية مطلقة أم هي مليكة مقيدة ؟

المال لله و للبشر حق الانتفاع

و نستطيع في سهولة و يسر اذا رجعنا إلى ما لدينا من نصوص و رتبنا معلوماتنا ترتيبا منطقيا أن نصل إلى نتيجة واحدة هي أن المال كله لله و أن البشر لا يملكون منه إلا حق الانتفاع به .

فالله جل شأنه هو الذي خلق و ما بينهما و ما فيهما من شيء "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء " الأنعام:102,"هو الذي خلق لكم ما في السماوات و الأرض جميعا " البقرة:29,"الله الذي خلق السموات و الأرض"ابراهيم :32.

و منطقنا البشري يقتضي أن يكون خالق الشيء هو مالكه , و بهذا المنطق نفسه جاءت نصوص القرآن , فهي قاطعة في أن الله له ملك السموات و الأرض و ما بينهما :"لله ملك السموات و الأرض و ما بينهما "المائدة:17 , و أنه يملك كل شيء في السموات و كل شيء في السموات و كل شيء في الأرض من صغير و كبير سواء كان له قيمة مالية أو لم يكن له قيمة مالية ."لله ملك السموات و الأرض و ما فيهن", و أنه جل شأنه يملك كل هذا وحده دون أن يكون له ملكه شريك من البشر أو غير البشر, "و لم يكن له شريك في الملك"الاسراء:111.

و لكن الله جل شأنه استعمر البشر في الأرض :"هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها"هود:61, و جعلهم خلائف فيها على ما سبق بيانه:"هو الذي جعلكم خلائف الأرض"فاطر:39, و سخر لهم كل ما خلق في السموات و الأرض و سلطهم عليه بقدر ما يستطيعون من استغلاله و استثماره :"ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة "لقمان:20."و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه"الجاثية:13.

و لم يسخر الله ملكه لفرد دون فرد , أو لفئة دون فئة , و انما سخره للبشر جميعا و جعله مشاعا بين عباده الذين استخلفهم في الأرض ليعيشوا فيه و ينتفعوا به , فما يعيش أحد منهم في ملكه , و ما ينتفع إلا بملك الله , و ليس أحد مهم أحق بملك الله من غيره , و قد جعل الله منفعته لكل البشر سواء .

و لقد بين الله لعباده الذين استخلفهم في الأرض أنهم حينما يستغلون ما خلق و يستثمرونه و يحصلون على منافعه لا يأتون بشيء من عندهم , و انما هو رزق من الله يسوقه اليهم , و فضل آخر يغمرهم به :"قل من يرزقكم من السموات و الأرض قل الله"سبأ:24.."هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الأرض"فاطر:3. و إذا لم يكن ثمة من يرزق غير الله فعلى البشر أن يطلبوا الرزق من الله وحده , و أن يبتغوه عنده"فابتغوا عند الله الرزق"العنكبوت:17, فهو الرازق القوي على خلق الرزق و ايصالهللمرزوقين "ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين"الذاريات:28.

فملك الله مسخر لمنفعة البشر , ولهم جميعا أن ينتفعوا به و يستغلوه و يستثمروه و يعملوا فيه , و الله مؤتيهم ثمرات الملك و غلته و أجورهم رزقا من عنده , و ما لرزقه من نفاد , و ما جعل الله هذا كله إلا نعمة منه على البشر , ما يعود عليه من نفع , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

و لقد علمنا فيما سبق أن ما في أيدي البشر من ملك الله و ثمراته أنما هو عارية ينتفع بها البشر , و أن القيام على العارية في فقه البشر نيابة و ان كانت نيابة العبد عن ربه و المملوك عن ماله , كذلك علمنا أن مركز المستخلفين في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب , و أن الخلافة أو النيابة هي عن الله جل شأنه , و هي قائمة في حدود ما سخر الله للبشر من مخلوقاته , و ما سلطهم عليه ملكه , و ما خولهم في ذلك كله من الاستغلال و الانتفاع .

و اذا كان الله جل شأنه و هو مالك كل شيء قد سخر ما يملك لينتفع به عامة البشر الذين استخلفهم في الأرض , فإنه جل شأنه هو الذي يمنح كل فرد منهم ما في يده من هذا الملك الواسع " والله يؤتي ملكه من يشاء"البقرة:247.

سواء كان ما في يد الفرد قليلا لا يزيد على حاجته أو كثيرا يكفي العشرات و المئات "ان الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر "الرعد:26.و ما تغير هذه المنح أيا كانت صفى الممنوحين , فما هم إلا بعض أفراد البشر المستخلفين في الأرض يقومون على ملك الله , و ما هذا الملك إلا عارية في أيديهم , و ما مركزهم من هذا الملك إلا مركز النائب أو الخليفة , و ما لهم من سلطان على هذا الملك إلا ما خولهم الله من استغلاله و الانتفاع به .

و لقد فرض الله على البشر أن ينفقوا من ماله الذي استخلفهم فيه و جعلهم قواما عليه "و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"الحديد:7. و لم يترك لهم الخيار في الانفاق , و عحب ألا ينفقوا . و ما ينفقون إلا مما رزقهم الله و آتاهم إياه "و ماذا عليهم لو آمنوا بالله و اليوم الآخر و انفقوا مما رزقهم الله " النساء:39 .

و ما أمر الله البشر أن ينفقوا ألا ذكرهم أنهم ينفقون من ماله الذي آتاهم , و رزقه الذي ساقه إليهم , و النصوص في ذلك كثيرة منها قوله "و انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت " المنافقون:10. "يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه و لا خلال" البقرة:254."قل لعبادي الذين آمنوا يقيمون الصلاة و ينفقون مما رزقناهم سرا و علانية " ابراهيم:31. " الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون"البقرة:3.

و اذا كان المال مال الله و هو عارية في يد البشر الذين استخلفهم عليه فليس للبشر أن يتأخروا عن انفاذ أمر الله في هذا المال فإذا أمرهم أن يؤتوا فئات من الناس شيئا من هذا المال فعليهم أن يبادروا بذلك ما يؤتونهم إلا من مال الله "و آتوهم من مال الله الذي آتاكم"النور:33.

و على كل فرد في يده شيء من المال –و كل مال هو مال الله- أن يطيع أمر الله فيه , سواء قل ما في يده أو كثر " و من قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها"الطلاق:7.

و لا يظنن أحد أن ما في يده من مال الله هو رزق خصه الله به فيمنعه عن غيره , و يبخل به على من يستحقه , فان الله يرزق الناس و يؤتيهم ملكه ليقوموا عليه في حدود أمره و نهيه , و اذا فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق فلا يحسبن صاحب الرزق الكثير إذا أنفق أو أعطى غيره أنه ينفق أو يعطي من رزقه , و ليعلم أنه ينفق من مال الله , و أنه لا يعطي شيئا من عنده , و إنما هو وسيط أعطى غيره من مال الله كما أخذ لنفسه من مال الله " والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون"النحل:71.

و لا يفوتنا أن نلاحظ أن بعض نصوص القرآن نسبت المال لأفراد البشر من ذلك قوله تعالى:"و و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"البقرة:188.

, و قوله :"و آتوا اليتامى أموالهم " النساء :2 . و قوله :"لتبلون في أموالكم و أنفسكم"آل عمران:186. و قوله:"خذ من أموالهم صدقة" التوبة:103. و قوله"أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة " التوبة:111. و قوله:"و في أموالهم حق للسائل و المحروم"الذاريات:11.

و اضافى المال للبشر في هذه النصوص و غيرها لا تفيد أن البشر ملكوا المال , و انما تفيد أنهم ملكوا حق الانتفاع به , فالمال مال الله كما قدمنا , و هو مالك كل شيء , و انما سخره للبشر لينتفعوا به , فاذا أضيف اليهم فالاضافة لا يقصد منها إلا ملك الانتفاع. و القاعدة أن الاضافة يكفي فيها أدنى الأسباب , و لقد أضاف القرآن مال السفهاء إلى أوليائهم , لا لأنهم ملكوا المال , و لكن لأنهم يملكون حق التصرف فيه بما لهم من حق الولاية , فقال جل شأنه :"و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما و أروقوهم فيها و أكسبوهم و قولوا لهم قولا معروفا"النساء:5. فإضافة مال الله للبشر لأن لهم حق الانتفاع به هو نوع اضافة مال السفهاء إلى أوليائهم , لأن لهم حق التصرف فيه .

و بعد فان النصوص لا يصح أن تفسر على ظاهرها ما دام هناك نصوص أخرى تناقضها .. و القاعدة أن نصوص القرآن لا يترك بعضها لبعض , و انما تؤخذ جملة و تفسر مجتمعة , و التفسير الصحيح الذي يرفع التناقض يقتضي اعتبارا نسبة المال للبشر نسبة مجازية , و أنه نسب اليهم لوجوده في أيديهم , و لما لهم من حق الانتفاع به في الحدود التي رسمها الله . و نخلص من ذلك كله لأن ما في يد البشر من مال على اختلاف أنواعه و أشكاله و مقاديره و ما ينتجه هذا المال من أموال انما هي جيمعا مال الله لا مالهم و ملكه لا ملكهم أقامهم عليه و استخلفهم فيه فما يملكون من هذا المال الا حق الانتفاع به و ما يستتبع حق الانتفاع بمال من استهلاكه و التصرف فيه .

حدود حق البشر في الانتفاع بمال الله

للبشر حق الانتفاع بما في أيديهم من مال الله و هو الحق الوحيد الذي لهم على هذا المال .. و الانتفاع بالمال قد يكون باستغلاله أو استثماره كما هو الحال في الأراضي الزراعية و المناجم و المحاجر , و قد يكون باستهلاك المال كما هو الحال في الطعام و الشراب و الثمار , و قد يكون بالتصرف في المال تصرفا شرعيا كالبيع و الوصية و الهبة .

و للبشر أن ينتفعوا بمال الله على هذه الوجوه كلها , و لن يخرجهم عن كونهم منتفعين بالمال أن لهم حق استهلاك بعضه , ذلك أن لهم حق الانتفاع فاذا لم يكن الانتفاع ممكنا الا بالاستهلاك كان الاستهلاك هو عين الانتفاع , و لقد أباح الله جل شأنه للبشر أن يستهلكوا من ماله كل ما يقتضي الانتفاع به أن يستهلك , فأباح لهم استهلاك الطعام و الشراب و الثمار و اللباس و الأثاث , كما أباح لهم استهلاك جميع الطيبات , و جميع ما تقتضي ظروف حياتهم استهلاكه , و النصوص في ذلك صريحة منها قوله جل شأنه:"كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا"المائدة:18."كلوا و اشربوا من رزق الله " البقرة: 60 ."يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم"البقرة:172. "كلوا من ثمره إذا أثمر "الأنعام:141. " والله جعل لكم من بيوتكم سكنا و جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم و يو اقامتكم و من أصوافها و أوبارها و أشعارها أثاثا و متاعا إلى حين .والله جعل لكم مما خلق ظلالا و جعل لكم من الجبال أكنانا و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر و سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون"النحل:80,81"و آتاكم من كل ما سألتموه"ابراهيم:44. " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق" الأعراف:32.

و حق البشر في الانتفاع بمال الله ليس حقا مطلقا , و انما هو حق مقيد بقيود , فليس لهم أن ينتفعوا بهذا المال كما يشاءون , و انما لهم أن ينتفعوا به فقط في حدود حاجتهم لهذا المال و بالقدر الذي يكف عنهم الحاجة و يدفعها , بشرط أن يكون ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير , فليس لهم أن يسرفوا في طعامهم و شرابهم و لباسهم و أمور معيشتهم , و ما يجوز لهم أن يقتروا على أنفسهم , و عليهم أن يتوسطوا بين الأمرين و أن لا يتجاوزوا الاعتدال , فقد حرم الله عليهم السرف و بسط اليد في المال كما حرم عليهم التقتير و قبض اليد عن النفس بما هي محتاجة إليه ."كلوا و اشربوا من طيبات ما رزقناكم و لا تظغوا فيه" طه:81 . " و الذين اذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما " الفرقان:67. " و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقد و لا تبسطها كل البسط " الاسراء:29.

و اذا كان للفرد أن يأخذ من مال الله ما يكفي حاجته , فان له أيضا أن يأخذ من هذا المال ما يكفي حاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم كالزوجة و الأولاد و الأبوين , و له أيضا أن يأخذ بعض مال الله لينفقه في حفظ بقية المال , و في استغلاله و تثميره , و له أن يفعل ذلك كله في حدود الاعتدال دون سرف أو تقتير . ما يترتب على كون المال لله :

يترتب على أن المال مال الله النتائج الآتية :

1- لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتملك المال تملكا نهائيا , و لا يجوز لأحد أن يكون له على المال إلا ملك المنفعة , لأن حقوق الله ثابتة له جل شأنه , و ليس لأحد من البشر أن يتصرف فيها أو يتنازل عنها حاكما كان أو محكوما فردا أو جماعة .

2- ان للجماعة بواسطة ممثليها من الحكام و أهل الشورى أن تنظم طريقة الانتفاع بالمال , اذ المال و ان كان لله إلا أنه جعله لمنفعة الجماعة , و القاعدة في الاسلام أن كل ما ينسب من الحقوق لله انما هو لمنفعة الجماعة و هي التي تشرف عليه دون الأفراد .

3- ان للجماعة بواسطة ممثليها من الحكام و أهل الشورى أن ترفع يد مالك المنفقعة عن المال اذا اقتضت ذلك مصلحة عامة , بشرط أن تعوضه عن ملكية المنفعة تعويضا مناسبا, اذ الاسلام لا يجيز الغصب و لا يحل أخذ المال بغير طيب نفس صاحبه , كما لا يحل أخذه بالباطل و ذلك قول الله تعالى "و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل "البقرة:188. و قول الرسول صلى الله عليه و سلم "كل المسلم على المسلم حرام , دمه و عرضه و ماله" و قوله " ان دماءكم و أموالكم عليكم حرام".

4- أن الإسلام و ان كان يبيح حرية التملك إلى غير حد , إلا أنه يجيز للجماعة بواسطة ممثليها و باعتبارها القائمة على حقوق اللهو تنظيم الانتفاع بها أن تحدد ما يملكه الشخص من مال معين اذا اقتضت ذلك مصلحة عامة كتحديد الملكية الزراعية بقدر معين أو ملكية أراضي البناء .

ما يترتب على حق البشر في الانتفاع بمال الله : و يترتب على أن للبشر الانتفاع بمال الله و تملك حق الانتفاع نتائج هي :

1- اذا كانت الجماعة قائمة على حق الله و هو ملكية المال , فليس لها أن تمس ملكية الانتفاع ليس لها أن تحرم ملكية الانتفاع التي جعلها الله للأفراد .

2- أن ملكية المنفعة تتصل بالعين كما تتصل بالشخص فيجوز لمالك المنفعة أن ينقلها إلى غيره بالبيع و الرهن و الوصية و غيرها من التصرفات الشرعية , كما أنها تنتقل عن المالك بوفاته إلى ورثته .

3- ان ملكية المنفعة الدائمة في أصلها بالنسبة للأفراد أي أنها غير مقيدة بمدة معينة , فيصبح أن يظل الشيء في حيازة شخص معين ينتفع به حتى يموت ثم يتوارثه عنه أولاده و أولادهم حتى ينقرضوا كما هو الحال في الوقف .

4- ان ملكية المنفعة انما جعلت لينتفع بها الفرد بطريق مباشر , و لتنتفع بها الجماعة من طريق غير مباشر , فاذا عطل المنتفع المال فلم ينتفع به فقد عطل انتفاع الجماعة , و كان للجماعة أن ترفع يده عنه بشرط أن تعوضه عنه بما يقابل قيمته .

حقوق الغير في مال الله

و اذا كان لكل فرد حق الانتفاع بما في يده من مال الله في الحدود التي بناها , فان للغير حقوقا فرضها الله في هذا المال و أوجب على من في يده المال أن يقوم بها باعتباره مستخلفا في مال الله , و هذه الحقوق هي :

1- الزكاة : و هي فريضة في مال الله , فعلى كل فرد في يده شيء من مال الله أن يخرجها من هذا المال إذا بلغ قدرا معينا , و يؤديها إلى الحاكم ليردها على ذوي الحاجة طبقا لنصوص القرآن .

و الزكاة كالصلاة من مباني الإسلام , يقول الرسول صلى الله عليه و سلم "بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و إقام الصلاة و ايتاء الزكاة و وصوم رمضان و حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا " .

و أكثر النصوص تجمع بين الصلاة و الزكاة , كقوله تعالى "و أقيموا الصلاة و آتوا الزاكة " البقرة:83. و قوله "فان تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " التوبة:5 و كقول الرسول صلى الله عليه و سلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا لله و أن محمدا رسول الله و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة فاذا فعلوا عصموا مني دماءهم و أموالهم و حسابهم على الله " .

و الزكاة فريضة في المال , و لذلك تجب على الرجال و النساء و الصغار و الكبار , لقوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها" التوبة 103 . و مقدارها يختلف باختلاف المال , فقد تصل إلى عشر المال كما في المستنبت المقتات , و قد تصل إلى 2.5 % من المال كما في الحلي و النقود , و قد تكون أقل من ذلك كما في زكاة الأنعام .

و تجب الزكاة في كل مال حال عليه الحول , أي مضى عليه عام في يد المستخلف عليه , لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " .

2- الانفاق :وانفاق المال يعتبر في الإسلام صفة من الصفات الدالة على الإسلام و على الايمان و على طاعة الله و القيام بأمره , و حينما وصف الله المتقين وصفهم بأنهم :"الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون" البقرة:3, فسوى جل شأنه بين الايمان بالغيب و اقامة الصلاة و الانفاق و جعلها جميعا علامة على التقوى .

و وصف الله المؤمنين بأنهم هم الذيم يخشون ربهم فإذا ذكر وجلت قلوبهم و اذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا على ايمانهم , و انهم يعملون و يحسنون عملهم ما استطاعوا ثم يتوكلون يعد ذلك على ربهم , و أنهم الذين يقيمون الصلاة و ينفقون مما رزقهم الله , و أكد الله لنا أن هذه الأوصاف هي أوصاف المؤمن الحقيقي , فالانفاق اذن صفة من صفات المؤمن , و علامة على الايمان الحق "انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم و اذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا و على ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقا" الأنفال 2-4 .

بل ان الانفاق يعتبر في الإسلام أصلا من أصول البر أي الخير , فلا يتم الخير إلا بالانفاق , لقوله تعالى :ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين , و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب , و اقام الصلاة و آتى الزكاة , و الموفون بعهدهم اذا عاهدوا , و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس , أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون" البقرة:177.

و يلاحظ على نص الآية أولا: جعل الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر أصلا من أصول البر أي الخير , و جعل الأعمال الصالحة المترتبة على الايمان و التي هي نتيجة له أصلا ثانيا للبر أي الخير . فالخير هو ما يهدف إليه الاسلام , و الأصول التي يقوم عليها هي الايمان المجرد ثم اتيان ما يقتضيه الايمان من الأعمال . و مثل ذلك قوله تعالى " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون " آل عمران:104, فالغاية هي الدعوة إلى الخير و الوسائل هي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , و يدخل تحتها كل ما جاء به الإسلام , و من ذلك قوله تعالى:"لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة و لكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات " المائدة:48, فغاية الأديان ليست إلا الخير , و ما تدعو الناس إلا الى الاستباق في عمل الخير , و وسائلها إلى ذلك هي الايمان بالله , و العمل طبقا لما أمرالله .

و يلاحظ على نص الآية ثانيا: أنه جعل الانفاق على رأس الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى الخير و هو غاية الإسلام و هدفه , كذلك قدم النص الانفاق على الصلاة و الزكاة , و يكفي هذا دليلا على مكانة الانفاق في الإسلام , و دليلا على أن الإسلام لا يتحقق في مسلم يمتنع عن الانفاق .

و قد بين لنا الله جل شأنه أننا لن نصل إلى ما يهدف إليه الإسلام و هو الخير حتى ننفق من أحب أموالنا و أكرمها علينا , فقال جل شأنه :"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" آل عمران :92, و من أنفق مما يحب هان عليه ما دونه .

و يتبين مما سبق غاية الإسلام هي الخير , و ان وسائله للخير هي الايمان و الأعمال الصالحة , و أن الانفاق هو أول الأعمال الصالحة , و أن الامتناع عن الانفاق يحول دون الوصول إلى غاية الإسلام و هي الخير , و اذا كان الانفاق وسيلة من وسائل الإسلام إلى الخير و نتيجة من نتائج الايمان بالله , فان المسلم الذي يمتنع عن الانفاق يشهد على نفسه بأنه يعصي الله , و أنه يعطل الإسلام , و أنه لم يؤمن بالله حق الايمان .

أنواع الانفاق : و الانفاق نوعان : انفاق الفريضة , و انفاق التطوع , و انفاق الفريضة نوعان : انفاق في سبيل الله , و انفاق على ذوي الحاجة .

و انفاق الفريضة هو ما يجب أنفاقه من المال , و ما للحاكم أن يأخذه ليصرفه في مصارفه , رضي ذلك المستخلف على المال أم كرهه , أما انفاق التطوع فهو ما ترك للمستخلف أن ينفقه دون أن يجبره على انفاقه أحد .

الانفاق في سبيل الله

و الانفاق في سبيل الله فريضة واجبة , و يشمل كل ما ينفق لاعلاء كلمة الإسلام , و الدفاع عنه , و نشر الإسلام بين الناس و اقامة أحكامه , و من واجب كل مستخلف على مال الله أن ينفق منه في هذه السبيل , و من حق الحكومة الاسلامية أن تقتطع من الثروات و الأموال التي في يد الأفراد ما تراه كافيا لاعلاء كلمة الله , و يستوي أن يصرف في الاعداد للعدو أو دفعه أو رفع مستوى المسلمين عامة علميا او اجتماعيا او رياضيا أو نشر الإسلام و اقامة أحكامه بين الناس فكل ذلك انما هو انفاق في سبيل الله , اذ أن سبيل الله هي طاعته في كل ما أمر به من الجهاد و حكم و مساواة و عدل و غير ذلك .

و الانفاق في سبيل الله جهاد , اذ كما يكون الجهاد بالنفس يكون بالمال و يكون بهما معا , و لقد أمر الله المسلمين أن ينفروا خفافا و ثقالا و أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيله , فقال جل شأنه :"انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله ذلك خير لكم ان كنتم تعلمون " التوبة:41, و جعل الله الجهاد بالمال و النفس علامة ايمان الشخص و الدليل على صدق هذا الايمان :"انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " الحجرات:و لقد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة "أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة"التوبة:111, و جعل هذا البيع التجارة الرابحة المنجية " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم " الصف :10-11.

و اعتبر الامتناع عن الانفاق في سبيل الله القاء بالنفس في التهلكة "و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " البقرة:195 . فإذا لم يبذل المسلمون في سبيل الله , و تأييد و دينه و اعلاء كلمته كل ما يستطيعون من قوة و مال فقد أهلكوا أنفسهم , و مكنوا لأعدائهم من رابهم , و روى عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : هذه الآية نزلت فينا معشر الأنصار , لما أعز الله الإسلام و كثر ناصروه . قال بعضنا لبعض سرا : أن أموالنا قد ضاعت , أن الله قد أعز الإسلام , فلو أقمنا في أموالنا فاصلحنا ما ضاع منها , فأنزل الله الآية يرد علينا ما قلنا , فالتهلكة هي الاقامة على الأموال و اصلاحها و الضن بها أن تنفق في سبيل الله .

و اذا كان الله جل شأنه قد فضل المجاهدين بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله على المجاهدين في سبيل الله بأموالهم فقط , فإنه وعد كلا الفريقين الحسنى "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدين في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم , فضل الله المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة و كلا وعد الله الحسنى " النساء :95 . فعلى كل من كان في يده شيء من مال الله أن ينفق منه في سبيله و يجاهد به لإعلاء كلمة الله و حياطة الإسلام , و من فاته الجهاد بنفسه فلا يفوته الجهاد بالمال , فان من فاته الجهاد بالنفس و المال و هو قادر عليهما فقد فاتته رحمة الله و قدم نفسه لنار جهنم , و لقد كره البعض في عهد رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله فوعدهم الله نار جهنم , و منع رسوله أن يصلي على من مات منهم أو يقوم على قبره "فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله و كرهوا ان يجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله , و قالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون .. و لا تصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره انهم كفروا بآيات الله و رسوله و ماتوا و هو فاسقون " التوبة : 81-84.

و لقد أعد الله للذين يكنزون المال في سبيل الله عذابا أليما فقال جل شأنه " و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"و تلك هي التهلكة التي يلقي الناس بأنفسهم إليها حين يبخلون و لا ينفقون في سبيل الله .

و كل مسلم مطالب بالانفاق ما دام يجد ما ينفقه في سبيل الله , فإذا لم يجد فما عليه من حرج , و يكفيه النصح لله و لرسوله و لجماعة المسلمين , لا يكلف الله نفسا إلا و سعها , و لا يؤاخذ الله محسنا أحسن عمله أو قوله بقدر ما يستطيع " ليس على الصعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج اذا نصحوا لله و رسوله , ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم " التوبة :91 .

الانفاق على ذوي الحاجة

يدخل الانفاق على ذوي الحاجة في الجماعة الاسلامية تحت الانفاق في سبيل الله , لأن سبيل الله هي طاعته , فكل انفاق يطاع فيه الله هوانفاق في سبيل الله , و لكنا أفردنا للانفاق على ذوي الحاجة مكانا خاصا و عنوانا مستقلا لأن الله جل شأنه خصه بنصوص خاصة من ذلك قوله تعالى : "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب " البقرة:177. و قوله" آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل " الاسراء:29. و قوله " و بالوالدين احسانا و بذي القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب و ابن السبيل و ما ملكت أيمانكم " النساء:36. و قوله " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين و لم نك نطعم المسكين "المدثر:44, و قوله " و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا" الانسان:8 و قوله "قل ما أنفقتم من خير فللوالدين و الأقربين و اليتامى و المساكين و ابن السبيل " البقرة:205. " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا" البقرة : 273 . و قوله " و في أموالهم حق للسائل و المحروم" الذاريات :11.

و الانفاق على ذوي الحاجة فريضة افترضها الله في المال فليس لمستخلف على مال الله أن يمنعها , و للحكومات الحق في أن تأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء فإن لم تفعل فقد عصت أمر الله و حرمت ذوي الحاجة حقوقهم التي فرضها لهم الله .

و لا يشترط أن يكون الفقراء و ذوو الحاجة معدمين لا يملكون شيئا أصلا حتى يستحقوا الانفاق عليهم , و انما الشرط أن لا يكون لديهم ما يكفي حاجتهم , فكل من كان ايراده لا يكفي حاجته فهو من ذوي الحاجة و على الحكومة الاسلامية أن تأخذ من فضول أموال الأغنياء ما يرد حاجة ذوي الحاجة .

و الانفاق على ذوي الحاجة يعبر عنه بالصدقة كما يعبر عن الزكاة بالصدقة , و ذوو الحاجة الذين يجب لهم الانفاق هم تقريبا الذين فرضت لهم الزكاة في قوله تعالى " انما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و الؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل فريضة من الله " البقرة : 60 . و قد دعا هذا الى اشتباه الأمر على البعض , فظن أن ليس في المال لذوي الحاجة سوى الزكاة , و هذا خطأ لا شك فيه , لأن الزكاة ليست هي كل ما في المال من حق , و انما هي الحق الأول لذي الحاجة , فإن كفتهم فبها , و إلا فقد وجب الانفاق فريضة من الله حتى تكف الحاجة عن ذوي الحاجة .

و ليس أدل على صحة ما نقول من أن القرآن فرق بين الانفاق و الزكاة في نص واحد و اعتبر كليهما من الأعمال التي يقتضيها الايمان و يقوم من أجلها الإسلام , و ذلك قوله تعالى " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب , و اقام الصلاة و آتى الزكاة " البقرة:177. فجاء النص صريحا في وجوب الانفاق و في وجوب الزكاة . و الفصل بين الانفاق و الزكاة بالصلاة دليل على الاختلاف بين الانفاق و الزكاة , و النص على كل من الانفاق و الزكاة على حدة في آية واحدة قاطع بأن كليهما يختلف عن الآخر و أنهما فريضتان مختلفتان , و من ادعى أن الزكاة نسخت الانفاق كفريضة فانه يدعي ما لا حجة له عليه , فالزكاة فرضت في مكة و الآية التي سبق ذكرها مدنية , فكيف تنسخ الفريضة السابقة اللاحقة ؟ بل كيف ينسخ بعض النص الواحد بعضه الآخر؟

و لقد جاءت السنة بنفس ما جاء به القرآن من المخالفة بين الانفاق و الزكاة و جعلها فريضتين مختلفتين , فيروى عن أنس بن مالك أن رجلا من تميم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يارسول الله أني ذو مال كثير و ذو أهل و مال و حاضرة فأخبرني كيف أصنع و كيف أنفق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " تخرج الزكاة فإنها طهرة تطهرك , و تصل أقرباءك و تعرف حق المسكين و الجار و السائل " ففرق الرسول بين الزكاة و بين صلى الأقارب و إعطاء المساكين و الجيران و السائلين حقوقهم التي أوجبها الله لهم بعد الزكاة . و روت فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال " ان في المال لحقا سوى الزكاة " ثم تلا قوله تعالى :" ليس البر أن تولوا و جوهكم قبل المشرق و المغرب ... ألخ الآية"

فالانفاق اذن فريضة غير فريضة الزكاة , و قد افترضه الله لسد ما لم تسده الزكاة من حاجات , و من الممكن أن تسد فريضة الزكاة حاجة ذوي الحاجة كما حدث في عهود الإسلام الأولى , و قد تزيد عن حاجتهم كما حدث في عهد عمر بن العزيز فقد كانت الدولة لا تجد المحتاجين من تنفق عليهم بعض حصيلة الزكاة . فإذا لم تقم فريضة الزكاة بسد حاجة ذوي الحاجة ففريضة الانفاق تقوم بما لن تتسع له فريضة الزكاة .

انفاق التطوع : هذا النوع من الانفاق يأتي بعد أداء انفاق الفريضة بنوعيه , و هو متروك لاختيار المنفق ان شاء الله أنفق و ان شاء امتنع , و لذلك سميناه انفاق التطوع و يسمى صدقة التطوع , فان أنفق فله أجر الانفاق و ان لم ينفق لم يأثم .

و لقد حض الإسلام الانفاق و حببه إلى الناس و أعد لهم أفضل الجزاء " مثل الذين ينفقون في أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء " البقرة : 261. و أعلمهم أن ما ينفقون من خير فإنما يعود عليهم " و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم البقرة :272 . و دعاهم إلى أن ينفقوا من أموالهم في كل وقت من أوقات الليل و النهار و في السر و العلانية و ضمن لهم الأجر الجزيل و الجزاء الأوفى "الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون " البقرة:274.

و سن الرسول صلى الله عليه و سلم تنهج نهج القرآن في الحض على الانفاق فمما روي عنه قوله " تصدقوا و لو بتمرة فانها تسد الجائع و تطفي الخطيئة كما يطفئ الماء النار" و قوله" اتقوا النار و لو بشق تمرة فان لم تجدوا فبكلمة طيبة" و قوله"ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب – و لا يقبل الله إلا طيبا- إلا كان الله آخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فصيلة حتى تبلغ الثمرة مثل أحد " و قوله " كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس " .

حد الانفاق

جعل الإسلام للانفاق حدين : الحد العادي , و حد الضرورة سواء كان الانفاق فريضة أو تطوعا .

فأما الحد العادي للانفاق فيمتد إلى كل ما يزيد عن حاجة المستخلف على المال فما زاد على حاجته فهو محل للانفاق أيا كان مقداره , و الأصل في ذلك قول الله جل شأنه " يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو" البقرة :219 , و قوله " خذ العفو و أمر بالمعروف و أعرض عن الجاهلين " الأعراف : 199 .

و العفو هو الفضل أي ما عفت عنه الحاجة و ما فضل بعد سدها .

و روي في أسباب نزول الآية الأولى أن نفرا من الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حد النفاق فأجيبوا على لسان الوحي أن ينفقوا العفو أي ما زاد عن حاجتهم .

و لقد حاول بعض المفسرين أن يفسر العفو بمعنى آخر , فقال أن العفو نقيض الجهد فيكون معنى الآية أنهم ينفقون مما سهل عليهم و تيسر لهم مما يكون فاضلا عن حاجتهم و هو تفسير متكلف بخالف ظاهر النص و يخالف ما ورد عن الرسول صلى الله عليه و سلم من قوله " يا ابن آدم انك لن تبذل الفضل خير لك و ان تمسكه شر لك و لا تلام على كفاف " و الفضل ما زاد عن الحاجة , و الكفاف ما كف عن الحاجة و يزيد عن قدرها . و قول الرسول " طوبى لمن عمل بعلمه , و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله " و قوله " الأيدي ثلاثة , فيد الله العليا و يد المعطي التي تليها , و يد السائل السفلى , فأعط الفضل و لا تعجز عن نفسك " فهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يفسر العفو بأنه الفضل و ما زاد عن الحاجة , و يدعو إلى انفاقه جميعا و يحذر من امساكه , و يقول في صراحة أنه ملام على الاحتفاظ بما يكفي الحاجة , و انما الملام على ما زاد عن ذلك .

و لقد حدد بعضهم حاجة المستخلف على المال بالحاجة اليومية , و حددها البعض بالحاجة الشهرية و حددها آخرون بحاجة السنة , و حجتهم أن النبي صلى الله عليه و سلم ادخر لأهله قوت سنة .

و اذا كان كل ما زاد عن حاجة المستخلف على المال محلا للانفاق فينبغي أن تعلم أن انفاق هذا الزائد لا يجب إلا إذا استوجب الانفاق حاة الغير اليه , فإذا لم يكن بالغير حاجة إلى الفضل كان لمن في يده المال أن ينفق منه تطوعا ماشاء و لو أتي على كل الفضل , أما إذا كان بالغير حاجة إلى الفضل فليس لمن في يده المال أن يأخذ من الفضل شيئا و إلا كان آخذا غير حقه , و هذا ما فهمه أبوسعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله حين سمعه يقول " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له , و من كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له " قال أبوسعيد فذكر – أي الرسول من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا يحق لأحد منا في فضل .

و للحكومة الإسلامية بعد أن تأخذ من فضول أموال الأغنياء فترها على الفقراء و لو لم يكونوا بحاجة إليها اذا اقتضت مصلحة عامة تحقيقا لقوله تعالى " و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان " المائدة:3.

و هذا هو ما رآه عمر رضي الله عنه قبيل وفاته , فقد أثر عنه قال: لو استقبلت أمري ما استدبرت لاخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء , و كانت عمر يرى هذا بالرغم من أنه فرض لكل شخص في بيت المال حتى الأطفال , فلم تكن حاجة الغير إلى فضول أموال الأغنياء هي التي تدعو عمر إلى القول برد هذه الفضول للفقراء , و انما رأي عمر أن ثروات الأغنياء تضخمت و خشي عليهم الترف و البطر , و خشي على الفقراء الحسد و الفتنة , فود لو حسم الأمر كله برد فضول أموال الأغنياء على الفقراء , و لو طال عمره و فعل هذا لتغير تاريخ الإسلام .

و حاجة الغير لفضول الأموال لا تتحدد فقط بما يكفي حاجة الأفراد متفرقين , و انما تتحدد أيضا بما يكف حاجتهم مجتمعين , أو بتعبير آخر تتحدد الحاجة إلى فضول الأموال بما يسد حاجة الجماعة بعد حاجة الأفراد , و حاجات الجماعة لا تنتهي و لا حد لاشباعها , فكلما تقدمت الجماعة و قويت زادت حاجتها إلى التقدم و القوة لتحتفظ بمكانتها بين الجماعات , و كلما أقامت الجماعة أمر الله تجددت حاجتها إلى إقامة أمر الله لمواجهة المستحدث من الفساد و العصيان .

و اذن ففضول الأموال رهن بما يسد حاجة الأفراد و حاجة الجماعة فليس لمن في يدهم هذه الفضول أن ينفقوا منها شيئا على أنفسهم و إلا كانوا آخذين غير حقهم و ليس لهم أن ينفقوا منها تطوعا إلا بعد أن يأخذ الأفراد و الجماعة ما يجب لهم فيها, و لو أن انفاق التطوع يعود على الغير بالنفع ذلك أن صدقة التطوع تترك لمشيئة المتطوع , يوزعها كيف يشاء , أما انفاق الفريضة فيجب أن يصيب من لهم الحق في المال دون غيرهم . أما حد الضرورة في الانفاق فانه يمتد من الفضول إلى نفس الجزء المخصص لسد حاجة المستخلف على المال , فيصبح للغير من الأفراد للجماعة الحق في أخذ ما تدعوا الضرورة لأخذه من هذا الجزء قل المأخوذ أو كثر لسد بعض حاجة الآخرين و لتوفير المال الضروري لصيانة أمن الدولة الخارجي و الداخلي .

و لا ينتقل حد الانفاق إلى الجزء المخصص لسد حاجة المستخلف على المال إلا لضرورات تقتضي هذا الانتقال . و نستطيع أن نضرب على هذه الضرورات أمثلة حدثت في مطلع العهد الاسلامي .

و أول هذه الأمثلة كان في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم , فقد أمر المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة فهجروا مكة متسللين تاركين أموالهم نهبا لمشركي قريش و دخلوا المدينة و أكثرهم لا يملك قوت يومه , و ما ترك المهاجرون كل أموالهم إلا استجابة لأمر الله , و جهادا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله " للفقراء المهاجرين الذين اخخرجوا من ديارهم و أموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله أولئك هم الصادقون" الحشر :8 . فلما وصل الرسول صلى الله عليه و سلم المدينة آخى بين المهاجرين و الأنصار , و أنزل المهاجرين على الأنصار يشاركونهم في كل ما يملكون , و يقاسمونهم القليل و الكثير , و لم تكن أموال الأنصار التي تتسع لهم و للمهاجرين و لكنهم رحبوا بالمهاجرين و آثروهم على أنفسهم و هم في أشد الحاجة إلى ما يؤثرون به غيرهم , و ما فعلوا ذلك إلا استجابة لله و جهادا في سبيله فاستحقوا بذلك قول الله فيهم : " و الذين تبوأوا الدار و الايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة, و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"الحشر:5.

هذا هو المثل الأول يبين لنا أن مصلحة الإسلام اقتضت أن يضحي المهاجرون بكل أموالهم فضحوا بها طيبة نفوسهم , و أن المصلحة اقتضت أن يضحي الأنصار بالكثير مما هم في أشد الحاجة اليه فنزلوا على أمر الله و آثروا المهاجرين على أنفسهم .

أما المثل الثاني فكان في عهد عمر رضي الله عنه حين حدثت المجاعة في سنة ثماني عشرة من الهجرة , و اشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوي إلى الانس و حتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها قبحا , فآلى عمر على نفسه أن لا يذوق سمنا و لا لبنا و لا لحما حتى يحيى الناس , و كان يقول : "لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسموهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا فعلت , فانهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم ", و ما قال ذلك إلا بعد أن كتب إلى أمراء الأمصار يستمدهم فكان أول من قدم إليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام , و بعث عمروبن العاص الطعام في السفن و على الابل , فبعث عشرين سفينة و ألف بعير محملة بالدقيق , كما بعث خمسة آلاف كساء , و بعث معاوية ثلاثلة آلاف بعير محملة كما بعث ثلاثة آلاف عباءة , و بعث سعد بن أبي وقاص ألف بعير محملة بالدقيق , و كل ذلك وزع على المحتاجين و الفقراء و لكنه لم يكد يسد حادتهم فرأى عمر أن يدخل على كل أهل بيت عدتهم من المحتاجين ليقاسموهم طعامهم و يعيش الجميع على أنصاف بطونهم .

و قد استلهم عمر في هذا الاتجاه روح الإسلام و تأسى بما فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم من المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار و انزل المهاجرين على الأنصار حتى يسر الله للمهاجرين و أذهب عنهم الفاقة. أما المثل الثالث فبطله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كان هو و ثلاثمائة من صحابة الرسول في سفر ففنيت أزواد بعضهم فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين و جعل يقوتهم اياها على السواء . و هكذا يحمل الإسلام الناس في الازمات و المجاعات و عند الضرورات أن يسع بعضهم بعضا فيما هم في حاجة اليه و فيما يقيم أودهم و يحفظ حياتهم , و في هذا روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم قوله :"من كان عنده طعام اثنين فليذهب (الى الطعام) بثالث و من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أوسادس ".

و الأصل في ذلك كله أن المال مال الله , و أن الإسلام فرض على المسلمين أن يتعاونوا على البر و التقوى :"و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الاثم و العدوان "المائدة:3, كما أن الإسلام يقيم المجتمع الاسلامي على أساس التضامن الاجتماعي , فيجعل في أموال الأغنياء حقا للفقراء :"و في أموالهم حق للسائل و المحروم" الذاريات:19. "و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل "حتى ليبرأ الله من كل جماعة أصبح فيهم فرد جائعا , و ذلك قول رسول الله : "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله " . و يجعل الإسلام المسلمين بمثابة البنيان يشد بعضه بعضا , و يقيم بعضه البعض الآخر , بل يجعل المسلمين جميعا جسدا واحدا اذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى , و في ذلك يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"و يقول :"مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ".

و يوجب الإسلام على كل مسلم أن يرحم أخاه المسلم , و أن لا يظلمه و لا يسلمه و ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم :"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله "و قوله :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يسلمه " فمن كان له فضل مال و رأى أخاه جائعا فلم يغثه فما رحمه بلا شك , و من تركه يجوع و يعرى و هو قادر على اطعامه و كسوته فقد أسلمه لا جدال في ذلك .

بحث محدود

هذه هي خلاصة نظرية الإسلام في ملكية المال , و تلك هي الأصول التي تقوم عليها , و ما نريد أن نتعرض لما لا محل له في هذا الكتاب , و ما تعرضنا لنظرية المال الا بقدر ما نستبين حق الحكومات على ما في يد الأفراد من مال و حق الأفراد في هذا المال , و نرجو أن يوفقنا الله لوضع كتاب خاص نبسط فيه النظرية و تطبيقاتها و ما يتصل بها من نظريات اقتصادية اسلامية , و ما يمكن أن يترتب على هذه النظريات في المجتمع الاسلامي .

لله الحكم و الأمر

لمن الحكم ؟

هذا سؤال لا تصعب الاجابة عليه بعد أن علمنا أن الله هو خالق الكون و مالكه , و انه استعمر البشر و استخلفهم في الأرض , و أمرهم أن يتبعوا هداه , و أن لا يستجيبوا لغيره , فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقزل بعد أن علم هذا إلا أن الحكم لله , و أنه جل شأنه هو الحاكم في هذا الكون ما دام هو خالقه و مالكه, و أن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل و يحكموا به , لأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافا مقيدا باتباع هدى الله , و لأنهم من وجه آخر خلفاء لله في الأرض , و ليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه .

و قد جاءت نصوص القرآن مؤيدة لهذا المنطق البشري السليم , فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله , و تحرم عليهم تحريما قاطعا اتباع ما يحالفه :" اتبع ما أوحى اليك من ربك لا اله الا هو و أعرض عن المشركين " الأنعام:106 .

"اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء " الأعراف :3 .

و قد عمنا الله أن الحق شيء واحد لا يتعدد , و أنه ليس في الدنيا لا حق أو باطل , و ليس بعد الحق إلا الضلال "فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى تصرفون " يونس :32 . كما علمنا أنه أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم بالحق " إنا أرسلناك بالحق بشيرا و نذيرا " البقرة:119. و أن الكتاب الذي أنزل عليه جاء بالحق : " انزل عليك الكتاب بالحق " آل عمران:3 ."انا نزلنا اليك الكتاب بالحق" النساء :105 .

و اذا كان الله قد أرسل رسوله بالهدى و دين الحق :"هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق " التوبة:33 . فإن الذين يستجيبون للرسول و لما جاء به انما يستجيبون للحق و يتبعون الهدى .

أما الذين لا يستجيبون للرسول و لما جاء به من الحق فقد علمنا الله أنهم لا يستجيبون للضلال و يتبعون أهواءهم , و أن أعظم الناس ضلالا هو من اتبع هواه و لم يهتد بهدى الله :" فان لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون أهواءهم و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" القصص:50.

و قد جعل الله ما أنزله على رسوله شريعة لنا , وأوجب علينا أن نتبعها و نلتزم حدودها , و نهانا عن اتباع تشريعات الناس و قوانينهم فما هي أهواؤهم و ضلالاتهم يصوغونها تشريعات و قوانين يضلون بها البشر و يصرفونهم عن شريعة الله, و هم مهما تعلموا و علموا لا يعلمون شيئا في جنب علم الله الذي أحاط بكل شيء علما , و الذي يعلم ما فيه هداية البشر و خيرهم :"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " الجاثية:18.

و الشريعة التي أنزلها الله على رسوله و ألزممنا اتباعها و العمل بها ليست الا كتاب الله الذي يقرأه المسلمون و يستمعون اليه في كل صباح و مساء " و هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه و اتقوا لعلكم ترحمون" الانعام:155. و هذا الكتاب هو القرآن الكريم :"كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " فصلت :3 .

و لقد كان في النصوص السابقة ما يكفي للقطع بأن الحكم في البلاد الاسلامية يجب أ يكون طبقا للشريعة الاسلامية , لأن اتباع ما أنزل الله يقتضي أن يكون الحكم ما أنزل الله , و أن يكون الحكام قائمين على أمر الله فيما يتصل بذواتهم و فيما هو في أيدهم فما يستطيعون أن يتبعوه عند الاختلاف , و اذا استطاعوا أن تبعوا أمر الله فيما هو للأفراد فكيف يستطيعون أن يتبعوه فيما هو للحكام أذا لم يكن الحكام مقيدين باتباع ما أنزل الله ؟

و كان يكفي أن نعلم أن الله أوجب علينا عند التنازع و الاختلاف أن نتحاكم إلى ما أنزل الله و نحكم في المتنازع عليه و المختلف فيه بحكم الله "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول" النساء:59. " و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله " الشورى:10 , كان يكفي أن نعلم هذا لنقطع بأن الحكم لله , و أن الحكام و المحكومين في كل بلد اسلامي يجب أن يتقيدوا في كل تصرفاتهم و اتجاهاتهم باتباع ما أنزل الله , و أن يجعلوا دستورهم الأعلى كتاب الله .

و لكن الله جل شأنه , و هو أعلم بالإنسان , و بأنه أكثر شيء جدلا جاءنا بنصوص لا سبيل فيها إلى جدال أو استنتاج , تقضي أن الحكم لله في الدنيا و في الآخرة " هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم و اليه ترجعون" القصص:70. و تبين لنا أن الله لم يرسل الرسل إلا مبشرين و منذرين , و لم ينزل الكتب إلا ليتخذها الناس دستورا في حياتهم الدنيا , يحكمونها و يحكمون بمقتضاها في كل شئونهم "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" البقرة:213.

و من هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أنزل القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ليكون دستور البشرية و قانونها الأعلى , و ليقضي الرسول بين الناس على مقتضى أحكامه كما علمه الله " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"النساء:105.

و نعرف أن الله جل شأنه نفى الايمان عن العباد و أقسم بنفسه على ذلك حتى يحكموا الرسول فيما شجر بينهم ليحكم فيه بحكم الله , و لم يكتف الله تعالى في اثبات الايمان لهم بهذا التحكيم المجرد بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج و الضيق من قضاء الرسول و حكمه , و أن يسلموا تسليما و ينقادوا انقيادا لما حكم به , و لن يحكم إلا بما أنزل الله و بما أراه إياه"فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما " النساء :65.

و من هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله و يحكموا به و أنه تعالى حذر من اتباع الأهواء و الحكم بها , و أمر أن يكون الحكم كله مطابقا لما أوحي به, كما حذر الحاكم من أن يترك بعض ما أنزل الله أو أن يفتن عنه "فاحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق " المائدة:48."و أن احكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك" المائدة:49." و كذلك أنزلناه حكما عربيا و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا واق" الرعد:37 .

و من هذه النصوص نعرف أن الله جعل الحكم بما أنزله أحسن حكم و أفضله , و أنه نسب الحكم بما أنزل إلى نفسه فجعله حكم الله و أنه جعل الحكم بما عداه حكما جاهليا يقوم على الباطل , و أنه وصف من يبتغي غير حكم الله بأنه يبغي حكم الجاهلية القائم على الأهواء و الضلال "أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" المائدة:50.

و من هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله حرم الحكم بغير ما أنزل , كما حرم عليهم الكفر و الظلم و الفسوق و العصيان , و جعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرا و ظالما و فاسقا , فقال جل شأنه" و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة:44 " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " المائدة: 45 " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" المائدة:47.

و لقد عبر القرآن عن الكفر بلفظ الظلم , و من ذلك قوله تعالى " ان الشرك لظلم عظيم" لقمان : 13 و قوله" و الكافرون هم الظالمون " العنكبوت :49 . كذلك عبر القرآن عن الكفر و الظلم بالفسق من ذلك قوله تعالى " و لقد أنزلنا اليك آيات بينات و ما يكفر بها إلا الفاسقون " البقرة:99. و قوله"انهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون "التوبة : 84 , و قوله " و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور:55. و قوله"فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون " البقرة:59. و قوله "و أخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" الأعراف:195.

و إذا كان الظلم و الفسق بمعنى الكفر فيكون فسق من لم يحكم بما أنزل الله و ظلمه هو الكفر , و يكون من لم يحكم بما أنزل الله كافرا في كل الأحوال بنص القرآن .

و لكن بعض المفسرين يفسرون الظلم بالانحراف عن الحق , و يفسرون الفسق بالعصيان , و يجمعون بين الآيات الثلاث في التفسير , فيرون أن من يستحدث من المسلمين أحكاما غير ما أنزل الله و يترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته , فإنه يصدق عليه ما قاله الله , كل بحسب حاله , فمن أعرض عما أنزل الله لأنه بفضل عليه غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعا , و من لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود و النكران فهو ظالم ان كان في حكمه مضيعا لحق أو تاركا لعدل أو مساواة , وإلا فهو فاسق .

الحكم من طبيعة الإسلام

هذه بعض نصوص القرآن التي تعرضت للحكم , ليس بعد ما ذكرنا حجة لمحتج و لا سبيل لجدال , فليعرف المسلمون أحكام دينهم و نصو شريعتهم , ثم ليأخذوا عن بينة و ليدعوا عن بينة , أما أن ينطلقوا وراء تلاميذ المبشرين و أذناب المستعمرين و يدعون مثلهم أن الإسلام لا علاقة له بالحكم , و لم ترد فيه نصوص عن الحكم فذلك هو الجهل المطبق و الجدل المنكر , و أي جهل أشد من جهل رجل يدعي لنفسه صفة لا يعرف ماهيتها , فيدعي لنفسه الإسلام و هو يجهل حقيقة الإسلام , و أي جدل أنكر من جدال جاهل يحتج على الناس بجهله , و يريد منهم أن ينكروا ما علموه لأنه يجهل أو لا يريد أن يتعلمه !.

إن الإسلام يلزم الناس باتباع ما أنزل الله و يوجب عليهم أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله و يحكموا به وحده دون غيره , و ليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام , و الدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام .

ان كل من له إلمام بالإسلام يعلم حق العلم أن الحكم في الإسلام تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مما تقضي به نصوص القرآن , ففي طبيعة الإسلام أن يسيطر على الأفراد و الجماعات و يوجههم و يحكم تصرفاتهم , و في طبيعة الإسلام , و لا يعلمون عنه إلا أنه عبادات يتلقونها عن طريق التقليد و المحاكاة .

الإسلام عقيدة و نظام

و الإسلام عقيدة ومبدأ ما في ذلك شك و لكنه ما كان عقيدة تعتقد و مبدأ يعتنق إلا بعد أن استوى نظاما دقيقا شاملا ينظم كل شأن من شئون النفس البشرية , و ينظم كل ما تحيط به النفوس من المعاني و ما تدركه من المحسوسات , سواء اتصلت بالأفراد أو الجماعات , و سواء اتصلت بدنيانا التي نعيش فيها أو بالحياة الأخرى التي نرجوها حياة طيبة .

و الإسلام كعقيدة هو الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر , و لكنه كنظام يسيطر على الانسان سيطرة تامة و يرسم له منهاجا في الحياة و هدفه منها , كما يرسم له طرائق العمل التي تؤدي إلى السعادة في الدنيا و الآخرة .

الإسلام كنظام يسيطر على المسلم في كل حركاته و سكناته , يسيطر عليه في تفكيره و نيته , و في قوله و عمله , يسيطر عليع في سره و جهره و في خلوته و جلوته , يسيطر عليه في قيامه و قعوده و في نومه و يقظته , يسيطر عليه في طعامه و شرابه و في ملبسه و حليته , يسيطر عليه في بيعه و شرائه و في تصرفاته و معاملاته , يسيطر عليه في جده و لهوه و في فرحه و حزنه و في رضاه و غضبه , يسيطر عليه في بأسائه و نعمته و في مرضه و صحته و في ضعفه و قوته , يسيطر عليه غنيا و فقيرا صغيرا و كبيرا عظيماو حقيرا , يسيطر عليه في بنيه و أهله و في صداقته و عداوته و في سلمه و حربه , يسيطر عليه فردا و في جماعة و حاكما و محكوما و مالكا و صعلوكا , و ليس ثمة تصرف يتصوره العقل أو حال يكون عليها الانسان إلا سيطر فيها الإسلام على المسلم و وجهه الوجهة التي رسمها .

و الذين يظنون أن الإسلام عقيدة و ليس نظاما إنما هم جهال لا يعلمون من الإسلام شيئا , أو هم أغبياء لا يستطيعون أن يقهوا حقيقة الإسلام , فالإسلام في حقيقته صبغة يصبغ الله بها عباده المؤمنين " صبغة الله و من أحسن من الله صبغة" البقرة:138. و لا يكون المسلم مسلما إلا إذا اصطبغ بصبغة الإسلام , و لون نفسه و أهله و تصرفاته و ما يحيط به باللون الاسلامي الخالص .

و أجهل من هؤلاء و أشد غباء من يظنون أن مصلحة المسلمين في أن يحافظوا على الإسلام عقيدة و ينبذوه نظاما , ذلك أن العقائد و المبادئ الاسلامية لا يمكن أن تعيش و تنتشر إلا في ظل النظام الاسلامي الذي تكفل بوضعه الخلاق العليم .

و لست أدري كيف يؤمن هؤلاء بالإسلام عقيدة و لا يؤمنون به نظاما , أتراه عقيدة من عند الله , و نظاما من عند غير الله ؟ " قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا" النساء:78.

أن الله الذي جعل الإسلام دينا هو الذي جعله عقيدة و نظاما , وأن الله ليأبى على الناس أن يبتغوا لأنفسهم دينا غير هذا الدين " و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين"آل عمران :85. و لقد أكمل الله الدين الاسلامي و أتم باكماله نعمته على الخلق و رضيه دينا للناس فما يجوز لهم أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه , و ما يجوز لهم أن يرضوا لأنفسهم غير ما رضيه الله لهم " اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا " المائدة: 3.

و إذا كن الله جل شأنه قد اختار الإسلام دينا و رضيه للناس عقيدة و نظاما , فكيف يكون لمؤمن أن يختار و قد حرم الله عليه الاختيار : و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" الأحزاب :36.

أفلا يعلم هؤلاء أن الحكام لا تتجرأ و لا تقبل الانفصال , و أن نصوصه تمنع من العمل ببعضها و إهمال البعض الآخر كما تمنع من الايمان ببعضها و الكفر ببعض , و أن الله جل شأنه تةعد من يفعل لك بالخزي في الحياة الدنيا و بالعذاب الشديد في الآخرة "أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون فما جزاء من يفعل منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يو القيامة يردون إلى أشد العذاب " البقرة :85.

و لقد تمنى قوم في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يترك الرسول بعض ما أنزل الله ليحكم بما يتفق مع أهوائهم فنزل الوحي يأمر الرسول بأن يتمسك بما أنزل الله و يحذره من اتباع أهواء هؤلاء الفساق , و يعلمه أن تحكيم الأهواء هو حكم الجاهلية , و أن أفضل حكم و أحسنه هو ما اختاره الله لعباده " و أن احكم بينهم بما أنزل الله إليك , فان تولوا فاعلم انما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و أن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"المائدة :49-50.

ان الذين يريدون أن يفصلوا بين العقيدة الاسلامية و النظام الاسلامي انما هم أعداء الإسلام عن عمد أو جهل , فالنظام الاسلامي أشبه ما يكون بالآلة التي تنتج الكهرباء و العقيدة الاسلامية هي النور الذي تعمل الآلة لانتاجه , فإذا عطلت الآلة انقطع النور و انتهى الاسلام .

أن الدين الاسلامي يمتاز بأنه استطاع أن يوحد بين الأجناس و الألوان و الأمم , و أن يوجههم جميعا وجهة وتحدة , و أن يحملهم على نهج واحد و غاية واحدة , و ما استطاع لدين الاسلامي أن يصل لهذا إلا لأنه عقيدة و نظام .

و لقد جاءنا الإسلام بعقائد معينة و لكنه لم يأتنا بها مجردة , و انما أتى معها بالنظام الذي تقوم عليه و تحيا به , و ألزمنا اتباعه و التزامه , و هو نظام دقيق من التربية و التوجيه , يشمل كل شيء كما قدمنا , و يتدخل في كل حالة من حالات الانسان , و ينتقل بالفرد من مرحلة إلى مرحلة حتى ينتهي به إلى مرحلة التخلي عن أنانيته و أهوائه و يصل به إلى مرحلة التجرد لخدمة المبادئ القرآنية و الفناء فيها . و هكذا يربي الإسلام المسلمين تربية واحدة و يوجههم توجيها موحدا , و يجردهم لخدمة أهداف واحدة , فما يطلبه أحدهم هو ما يطلبه الآخر , و ما تعمل له مجموعة منهم هو نفسه ما تعمل له كل مجموعة أخرى , و ما يأمله صغيرهم هو ما يأمله كبيرهم , و ما يضر أحدهم يضر مجموعهم , فهم على تعدد أشخاصهم و تباعد بلادهم نفس واحدة, و قلب واحد , و رجل واحد , و على هذا الأساس شبه الرسول صلى الله عليه و سلم المسلمين بالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى .

و اذا كان الإسلام في حقيقته عقيدة و نظاما , فإن طبيعته تقتضيه أن يكون حكما , ذلك أن قيام العقيدة يقتضي قيام النظام الذي أعد لخدمتها , و لا يمكن أن يقوم النظام الاسلامي إلا في ظل حكم اسلامي يماشي النظام الاسلامي و يؤازره , اذ أن كل حكم غير اسلامي لابد أن يؤدي إلى تعطيل النظام الاسلامي , و اذا كان قيام النظام الاسلامي يقتضي قيام حكم اسلامي فمعنى ذلك أن الحكم الاسلامي من مقتضيات الإسلام أو هو من طبيعة الإسلام .

الإسلام دين و دولة

و الإسلام ليس دينا فحسب و انما هو دين و دولة و في طبيعة الإسلام أن تكون له دولة , و لو حذفنا النصوص الصريحة التي أوردناها فيما سبق و التي توجب الحكم بما أنزل الله , لما غير ذلك شيئا من طبيعة الإسلام التي تقتضي قيام الحكم الاسلامي و الدولة الاسلامية , فكل أمر في القرآن و السنة يقتضي تنفيذه قيام حكم اسلامي و دولة اسلامية لان تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم اسلامي خالص و دولة اسلامية تقوم على أمر الله . و قيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله و بينها الرسول يقتضي قيام دولة اسلامية تقيم الاسلام في حدوده المرسومة , و ذلك منطق لا يجحده إلا مكابر , اذ أن الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير اسلامية لا يهمها أن يقام , و لا يضرها أن ينتقص منه , و لا يمنعها شيء من تعطيله أو الانحراف به , و انما يقوم الإسلام على وجهه الصحيح في ظل دولة تقوم على مبادئ الإسلام و تتقيد بحدوده .

و أكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد و انما هو اختصاص الحكومات و هذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام و مقتضايته و أن الاسلام دين و دولة .

فالإسلام قد أتى بتحريم كثير من الأفعال , و اعتبر اتيانها جريمة يعاقب عليها , و فرض لهذه الجرائم عقوبات , و من هذه الجرائم القتل العمد و عقوبته القصاص :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " البقرة:178. و السرقة عقوبتها قطع اليد :" و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما" المائدة:38. و القذف و عقوبته الجلد :" و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " النور:40 .و لا جدال في تحريم الأفعال و اعتبارها جرائم و فرض العقوبات عليها انما هو من مسائل الحكم و من أخص ما تقوم به الدولة , و لو لم يكن الإسلام دينا و دولة لما سلك هذا المسلك .

و لا شك أن القرآن لم يأت بالنصوص الخاصة بالجرائم عبثا , و انما جاء بها لتنفذ و تقام , و اذا كان القرآن قد أوجب على المسلمين اقامة هذه النصوص و تنفيذها , فقد أوجب عليهم أن يقيموا حكومة و دولة تسهر على اقامة هذه النصوص , و تعتبر تنفيذها بعض ما يجب عليها .

و الإسلام يوجب المساواة بين الناس فو قوله تعالى :" يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر و أنثىو جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم " الحجرات :13, و في قول الرسول صلى الله عليه و سلم : " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " و أخذ الناس بالمساواة داخل في اختصاص الحكومات و لا يدخل في اختصاص الأفراد .

و القرآن يوجب العدالة في الحكم :" و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء:135. و العدالة في الحكم من أخص شئون الحكومات و الدول .

و الإسلام يحرم الاحتكار في قول الرسول صلى الله عليه و سلم :" لا يحتق إلإ خاطئ " . و يحرم الربا في قوله تعالى :"و أحل الله البيع و حرم الربا " البقرة:275 . و يحرم استغلال النفوذ و الرشوة في قوله تعالى :" و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدولوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون " البقرة:188. و تحريم الاحتكار و الربا و الاستغلال و الرشوة من أول ما تعمل له الحكومات الصالحة و من أهم اختصاصاتها .

و الإسلام يفرض ضرائب على الأموال :" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و تزكيهم بها " التوبة :103. و يفرض في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء " و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم " المعارج:24. و يحمل الثروات أحمالا من الضرائب التي تنفق في سبيل الله و على ذوي الحاجة على ما رأينا في فصل المال و يقيد من يدهم المال بقيود شتى , و كل هذا منأخص أعمال الحكومات في أقدم العهود و أحدثها بل هو أهم ما يقيم الحكومات و يسقطها .

و الإسلام يوجب أن يكون الحكم شورى بقوله تعالى :"و أمرهم شورى بينهم " الشورى:38 . و قوله و شاورهم في الأمر " آل عمران :159. و اقامة حكم الشورى تقتضي قيام حكم اسلامي و دولة اسلامية , ول و لم يكن الاسلام دينا و دولة لما تعرض لشكل الحكومة و بين نوعها .

و الإسلام بعد ذلك قد جاءت بنصوص يصعب حصرها تنظم صلات الأفراد بالحكومات , و صلة الحكومات بالأفراد , و تنظم التصرفات و المعاملات من بيعو ايجار و هبة و وصية و زواج وطلاق إلى غير ذلك , و تنظم الادارة و الاقتصاد , و تحكم الفتن الداخلية و المنازعات الدولية , و السلم و الحرب و الصلح و المعاهدات , و تحكم كل شأن من شؤون الأفراد و شئون الجماعات , و تقيم الجماعة على أساس من المساواة و التعاون و التضامن الاجتماعي , و هذه النصوص في مجموعها تكون دستورا للحكم ينبذ كل دستور وضعي عرف حتى الآن و تكون شريعة تحكم كل التصرفات هي أسمى ما عرف إلى اليوم من تشريعات , و كل هذه أمور لا يقوم عليها و لا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات و الدول , فإذا جاء بها الاسلام و أوجبها , فقد جاء بالحكومة و أوجب قيام الدولة , ما يجادل في ذلك عاقل و لا يستسيغ غيره عقل .

و اذا قلنا أن الإسلام دين و دولة , فقد يذهب الظن بالبعض إلى أن الإسلام يفرق بين الدين و الدولة , و هذا ظن خاطئ , فإن الإسلام مزج بين الدين بالدولة , و مزج الدولة بالدين , حتى لا يمكن التفريق بينهما , و حتى أصبحت الدولة في الإسلام هي الدين , و أصبح الدين في الإسلام هو الدولة .

فالإسلام يقيم شئون الدنيا كلها على أساس من الدين , و يتخذ من الدين سندا للدولة و وسيلة لضبط شئون الحكم و توجيه الحكام و المحكومين .

و الدولة المثالية في الإسلام هي الدولة التي تقيم أمور الدنيا بأمر الدين , فتأخذ رعاياها بما أمر الله , و تمنعهم عما نهى الله :"الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر " الحج:41.

و الدين في الإسلام ضروري للدولة , و الدولة ضرورة من ضرورات الدين , فلا يقام بغير الدولة , و لا تصلح الدولة بغير الدين .

الحكومة الاسلامية , وظيفتها و مميزاتها

الحكومة التي تقيم أمر الله

اذا كان الله جل شأنه قد أوجب علينا أن نتحاكم إلى ما أنزل على رسوله , و أن نحكم به , فقد وجب على المسلمين أن ينصبوا عليهم حكومة تقيم فيهم أمر الله و ترعاه , و يتعبد أفرادها باقامة الحكم طبقا لما أنزل الله كما يتعبدون بالصوم و الصلاة .

و الأصل في الحكومات أنها ضرورة اجتماعية لا مفر منها فاذا كان الحكم يتميز بصفات معينة , فقد وجب أن تتصف الحكومة القائمة عليه بنفس هذه الصفات ضمانا لنجاح الحكم فما يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه , و ما يحسن القيام على الفكرة إلا مؤمن بها .

و على هذا فإذا وجب أن يقوم الحكم طبقا لشريعة الإسلام فقد وجب أن تكون الحكومة إسلامية , يؤمن أفرادها جميعا بالمبادئ التي يقوم عليها الحكم و يحرصون على العمل بها .

و اذا وجب أن يكون الحكم اشتراكيا فمن البلاهة أن يترك الحكم لمن لا يؤمنون بالاشتراكية .

و اذا وجب أن يكون الحكم ديموقراطيا فلن يصلح له حكام يؤمنون بالديكتاتورية .

ذلك هو منطق الناس , و تلك طبائع الأشياء , فمن أراد أن يقيم الإسلام بحكومة تتحاكم إلى غير شريعة الإسلام فأنما يعمل على تحطيم الإسلام ..

منطق التجارب :

و لقد أثبت التجارب في ابلاد الاسلامية أنه لا يكفي لاقامة الإسلام أن يكون الحكام مسلمين , و انما يجب أن يتحاكموا إلى الإسلام , و يتخذوا القرآن دستورا للحاكمين و المحكومين , و أمامنا البلاد الاسلامية كلها ليس فيها بلد واحد يقيم حكم الإسلام و يخضع له في كل الشئون بالرغم من أن حكامها و أغلب سكانها من المسلمين . بل لقد أثبتت التجارب أن الحكام المسلمين الذين يجهلون الإسلام و لا يعلمون على إقامة أحكامه كانوا و مازالوا حربا على الإسلام و آلة طيعة في يد أعداء الله الذين يكيدون للمسلمين و الإسلام , و في عهود هؤلاء الحكام الجهال استبيحت حرمات الإسلام فحرم ما أحل الله و أحل ما حرم الله , و انتشر الفساد في المجتمع الاسلامي و شاعت الفاحشة , و انحسر مد الإسلام و ذهبت ريحه , و سيطر على بلاده و أهله من لم يكن يطمع فيهم بالأمس بل و لا يستطيع أن يدفع عن نفسه .

هذا هو منطق البشر و منطق الواقع و منطق التجارب كل ذلك يقضي بأن قيام الحكم الاسلامي يستوجب أن تؤلف الحكومات ممن يؤمن بالنظام الاسلامي و ممن لا هم له إلا اقامة الاسلام و تثبيت دعائمه , وسنرى فيما يأتي أن هذا هو منطق القرآن نفسه .

وظيفة الحكومة اقامة أمر الله

و لقد جعل الإسلام وظيفة الحكومة الاسلامية اقامة الاسلام حيث افترض القرآن في الحكومة الاسلامية أن تقضي على الشرك و تمكن للإسلام , و أن تقيم الصلاة و تأخذ الزكاة , و أن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر , و أن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله , و ذلك قوله تعالى : "وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليتسخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهن من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور:55.و قوله :"الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور " الحج:41 .

و الأمر بالمعروف هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله أو فعله طبقا للإسلام و النهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه أو تغييره طبقا لما رسمه الاسلام , فاذا قامت الحكومة على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فقد أقامت كل ما أمر به الاسلام و هدمت كل ما يخالف الإسلام .

و لقد أوجب علينا القرآن أن نطيع الحكام و الحكومات و لكنه أوجب على الحاكمين و المحكومين اذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى حكم الله , و أن يحكموا فيه بما أنزل الله " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول"النساء :59. و رد المتنازع فيه إلى حكم الله يقتضي أن تكون الحكومة و الحكام قائمين على أمر الله حاكمين بما أنزل الله على رسوله .و اعطاء المحكومين حق منازعة الحكام و رد المتنازع فيه إلى أمر الله يقتضي أن يكون الحكام مقيدين بأمر الله لا يسمح لهم بالانحراف عما أنزل الله .

و اذا كانت الحكومات تقوم على طاعة المحكومين و كان من مبادئ الإسلام أن يطيع المحكومين أولي الأمر فيهم و القائمين على شئونهم من الحكام , فان مبادئ الإسلام أيضا أن يخلع المحكومون طاعة الحاكمين اذا ما خرج الحاكمون على طاعة الله و في ذلك يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

و بذلك ربط الإسلام طاعة المحكومين للحاكمين بطاعة الحاكمين لأمر الله , فالحكومة الاسلامية يجب أن تقوم على أمر الله و ليس لها بأية حال أن تنحرف عما أنزل الله و الا فقدت حقها في الطاعة و بالتالي حقها في الحكم .

و اذا كان حق الحكومة في الطاعة و في الحكم ثابتا كلما كانت نازلة على أمر الله , فيتعين أن تكون وظيفتها هي القيام على أمر الله و العمل بكتابه .

ميزات الحكومة الاسلامية

تختلف الحكومة الاسلامية عن كل حكومة موجودة في العالم الآن , و عن كل حكومة وجدت من قبل , فهي حكومة فريدة في نوعها متميزة عن كل حكومة غيرها .

و تتصف الحكومة الاسلامية بثلاث صفات لا توجد في غيرها من الحكومات فهي أولا: حكومة قرآنية , و هي ثانيا: حكومة شورى , و هي ثاثلا:حكومة خلافة أو إمامة.

الصفة الأولى: حكومة قرآنية :

تتميز الحكومة الاسلامية بأنها حكومة قرآنية أي أنها خاضعة للقرآن و هو الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم .

و القرآن هو دستور الحكومة الاسلامية الأعلى , يحكم تصرفاتها و يحدد حقوقها و واجباتها بصفى عامة , و يرسم لها الخطوط و المناهج العامة التي لا يصح لها تتعداها , و يدع لها ما دون ذلك من الماهج و التفصيلات . كما أن القرآن في الوقت نفسه يبين حقوق الأفراد و واجباتهم , و يحدد علاقتهم بالحكومة و مدى سلطانها عليهم و مدى خضوعها لسلطانهم .

و يتميز القرآن بميزات متعددة تخالف بينه و بين أي دستور آخر عرفه البشر , و يهمنا من هذه الميزات ما يأتي :

1- أنه كلام الله أوحى به إلى نبيه محمد النبي الأمي ليبلغه للناس نورا يخرجهم من الظلمات و هدى يعصمهم من الضلال :"و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء انه عليم حكيم و كذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و أنك لتهدي إلى صراط مستقيم .صراط الله الذي له ما في السموات و الأرض ألا إلى الله تصير الأمور " الشورى :51-53. "و كذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا " الشورى:7 "و أوحينا إلى هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ " الأنعام:19.

2- أن المسلمين مكلفون باتباع ما جاء به القرآن و بالاستمساك به , و ليس لهم أن يخرجوا عليه بأية حال "و أتبع ما يوحى إليك و اصبر حتى يحكم الله و هو خير الحاكمين " يونس:109."و اتبع ما يوحى اليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا : الأحزاب:2. " فاستمسك بالذي أوحى اليك أنك على صراط مستقيم"الزخرف :43. " اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء " الاعراف:3. "اتبع ما أوحى اليك من ربك لا اله الا هو و أعرض عن المشركين " الأنعام : 106.

3- أن القرآن لا يقبل التبديل و لا التعديل لأنه من عند الله و لا مبدل لكلمات الله " و قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ان اتبع الا ما يوحى ألي " يونس :15" و اتل ما أوحي اليك من كتاب ربك لا مبدل لكماته و لن تجد من دونه ملتحدا " الكهف :27. " و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم " الأنعام :115. " لا تبديل لكلمات الله " يونس:64.

4- ان القرآن لا يقبل الزيادة و لا يقبل النقص لانه كمل و تم بوفاة الرسول صلى الله عليه و سلم و انقطاع الوحي, أو تم و كمل قبيل وفاته يوم أنزل الله عليه قوله"اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا " المائدة:3 .

5- أن القرآن لا يقبل النسخ , لما سبق , و لأن الله جل شأنه ختم برسالة محمد صلى الله عليه و سلم الرسالات , و جعله خاتم النبيين " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين : الأحزاب:40, و لأن البشر و هو مستخلفون في الأرض ليس لهم أن يخرجوا على أوامر الله الذي استخلفهم , و ليس في استطاعتهم أن ينسخوا كلامه أو يبطل العمل به , فان فعلوا فعملهم باطل بطلانا مطلقا لخروجهم على حدود وظيفتهم و تعرضهم لما ليس من شأنهم .

و نستطيع أن ندلل على عدم قابلية القرآن للنسخ من وجه آخر , و هو القاعدة الأساسية في الشريعة الاسلامية و في القوانين الوضعية هي أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها , أي نصوص صادرة من الشارع نفسه أو من هيئة لها من سلطان التشريع- على الأقل- مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها , فالنصوص الناسخة للقرآن يجب أن تكون قرآنا من عند الله , و ليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي, و لا يمكن أن يقال أن ما يصدر من هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن أو أن لها من سلطان التشريع ما لله و للرسول , و على هذا فليس في طوق البشر أن ينسخوا كلام الله أو يعطلوا العمل به .

الصفة الثانية: حكومة شورى :

جعل الله الشورى من لوازم الايمان , حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين المميزة لهن عن غيرهم " و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و مما رزقناهم ينفقون" الشورى:38 , فلا يكمل ايمان المسلمين إلا بوجود صفة الشورى فيهم , و لا يجوز لجماعة مسلمة أن تقوم أو ترضى اقامة أمرها على غير الشورى و إلا كانت آثمة مضيعة لأمر الله .

و أمر الله رسوله أن يشاورهم في الأمر " و شاورهم في الأمر" آل عمران:160. و ما أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم بمشاورتهم لحاجة منه إلى رأيهم . و إنما فريضة عليهم , ففرض على الحاكم أن يستشير في كل ما يمس الجماعة و فرض على الجماعة أن تبدي رأيها في كل أمورها , فليس للحاكم أن يستبد برأيه في الشئون العامة , و ليس للجماعة أن تسكت فيما يمس مصالح الجماعة , و هذا يتفق مع ما يفرضه القرآن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر" آل عمران :104.

و اذا كانت الشورى فريضة من الفرائض الاسلامية فإنها ليست مطلقة بحيث تمتد إلى كل أمر , و إنما تجب فقط فيما لم يقطع فيه القرآن و السنة برأي , أما ما قطع فيه القرآن و السنة برأي فهو خارج عن نطاق الشورى إلا أن تكون الشورى في حدود التنفيذ و التنظيم لما نص عليه القرآن و بينه السنة.

و الشورى ليست مطلقة من كل قيد فيما تجب فيه , و انما هي مقيدة بأن لا تخرج عن حدود ما جاء به القرآن و السنة , فلا يجوز بأية حال أن تؤدي الشورى إلى مخالفة نصوص التشريع الاسلامي أو إلى الخروج على روح التشريع , و يجب دائما أن تجيء الشورى مطابقة للتشريع الاسلامي و متابعة لاتجاهاته و روحه.

و التقيد بالتشريع الاسلامي و باتجاهته و روحه يقتضي أن يكون الحكام و أهل الشورى , أو أكثرهم , ممن يلمون بالتشريع الاسلامي و يفهمون روحه و اتجاهاته , و معنى هذا أن تنحصر الشورى فيمن تتوفر فيهم صفات معينة .

الصفة الثالثة: حكومة خلافة أو إمامة :

رأ ينا في باب الاستخلاف أن الله استخلف البشر في الأرض و أن الاستخلاف على ثلاثلة أنواع : استخلاف عام , و استخلاف دول , و استخلاف أفراد , و قلنا أن استخلاف الأفراد هو الاستخلاف في الرئاسة , و أن المستخلف قد يسمى خليفة كما سمي داوود عليه السلام " يا داوود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق"ص:26, و قد يسمى المستخلف اماما كما سمي ابراهيم عليه السلام و بعض رؤساء بني إسرائيل " و اذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " البقرة:124, " و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا " الأنبياء:73, و قد يسمى المستخلف ملكا " و اذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا" المائدة:20, " و قال لهم نبيهم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا" البقرة:247.

و الخلافة و الإمامة و الملك لا يقصد منها في نصوص القرآن إلا الرئاسة بمعناها العام , و لا يقصد منها الدلالة على نظام معين من أنظمة الحكم , ذلك أن داوود سمي في القرآن خليفة و سمي ملكا " يا داود انا جعلناك خليفة"ص:26. " و قتل داود جالوت و آتاه الله الملك" البقرة:251, كما أن ابراهيم سمي في موضع اماما و وعد أن يكون المهتدون من ذريته أئمة " قال إني جاعلك للناس إماما قال و من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " بينما وصف ذريته في موضع آخر بوصف الملوك "فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما" النساء:54. و وعد بنو اسرائيل أن يكونوا أئمة بعد استضعافهم و استبعاد فرعون لهم " و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين" القصص:5.فلما تخلصوا من ظلم فرعون و كونوا لأنفسهم دولة مستقلة أخذ موسى يذكرهم بنعمة الله عليهم و يقول لهم " اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم أنبياء و جعلكم ملوكا " المائدة:20, فالخلافة و الملك الإمامة مترادفات تدل على الرئاسة العليا للدولة و لا تدل على أكثر من ذلك .

و نظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين : أحدهما : طاعة أمر الله و اجتناب نواهيه , و الثانية : الشورى أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم . فاذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم اسلامي خالص , و ليسمى بعد ذلك بالخلافة أو الإمامة أو الملك فكل هذه التسميات تسميات صحيحة لا غبار عليها .

أما إذا قام الحكم على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينتسب ل الإسلام بنسب و لا يتصل به بسبب و لو سمي خلافة أو إمامة , و أقرب الأمثلة على ذلك حكم الخلفاء الأتراك في عهودهم النتأخرة فقد كان رؤساء الدولة يسمون أنفسهم خلفاء و تسمى دولتهم دولة الخلافة و تسمى حكومتهم حكومة الخلافة و لكنهم كانوا هم و دولتهم و حكومتهم أبعد شيء عن نظام الحكم الاسلامي .

و لقد استقر أمر العالم كله قبل أن يجيء الاسلام على أن يكون نزام الحكم الملكي وراثيا يتوارثه الأبناء عن الآباء , و أصبحت لهذا النظام سمات و علامات تميزه عن غيره من أنظمة الحكم , فهو يتميز فضلا عن الوراثة بتعالي الملوك و استعلائهم المستمر على الرعايا , و يتميز بما يحيك الملوك أنفسهم به من الترف الذي يهيء لسقوط الهمم و فساد الاخلاق و تفشي المنكرات , و يتميز أخيرا بأنه يؤدي بطيعته إلى الفساد العام .

و لما كان هدف الإسلام هو الاصلاح و التسوية بين الناس و توفير الخير و إشاعته بينهم فقد كره لهم التعالي , حرم عليهم أن يريدوا الاستعلاء , كما حرم عليهم كل ما يؤدي إلى الفسد , و نبه المسلمين إلى أن هذه الصفات ليست من صفات المتقين المؤمنين في شيء " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين"القصص:83.

و لقد جاء الإسلام بالشورى ففرضها على المسلمين و ألزمهم أن يجعلوا كل أمورهم شورى بينهم " و أمرهم شورى بينهم" الشورى:38. و الشورى تقتضي أن تختار الأمة رئيس الدولة و أن تعزله إذا وجد منه ما يستلزم عزله , و هذا وحده يتنافى مع ما استقر عليه نظام الحكم الملكي من توارث الحكم .

و لأن نظام الحكم الملكي كان عندما جاء الإسلام متميزا بالوراثة و بالعلو في الأرض و الافساد فقد كره المسلمون أن يسموا أنفسهم ملوكا , و كان أول من كره ذلك هو الرسول صلى الله عليه و سلم , فقد روى عنه أنه قال لرجل وقف بين يديه فأخذته رعدة " هون عليك فما أنا بملك و لا جبار " و جرى على ذلك خلفاؤه من بعده , حتى اذا أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد أخذ أصحاب الرسول و التابعون يرمون معاوية خاصة و بني أمية عامة بأنهم حولوا الحكم الاسلامي إلى ملك عضوض و إلى حكومة كسروية , أو هرقلية نسبة إلى كسرى ملك الفرس و هرقل ملك الروم .

و اذا كان التباين بين الحكم الاسلامي في طبيعته و نظام الحكم الملكي في أوضاعه المستقرة قد اقتضى المسلمين أن يكرهوا تسمية أنفسهم بالملوك و تسمية نظام الحكم بالملك , فقد اقتضاهم أيضا أن يبحثوا في تسميات أخرى , فاسعفهم النصوص القرآنية الواردة في استخلاف الحكم بما يريدون , فسموا نظام الحكم بالخلافة أو الإمامة , و سموا رئيس الدولة بالخليفة أو الإمام.

و قد جرت العادة على أن تسمى إمامة الحكم بالإمامة العظمى تمييزا لها عما عداها من الامامات كإمامة الصلاة , و تبعا لذلك يسمى رئيس الدولة بالامام الأعظم أي الامام الذي ليس فوقه إمام.

و يري البعض أن لفظ الخلافة اختير لنظام الحكم الاسلامي و أن رئيس الدولة سمي بالخليفة , لأن من جاء بعد النبي صلى الله عليه و سلم خلف النبي في رئاسة الدولة فسمي خليفته و سمي منصبه بالخلافة بدليل أن المسلمين كانوا ينادون أبا بكر بخليفو رسول الله , و هذا في الحقيقة ليس شيئا و لكنهم راعوا في التسمية نصوص القرآن , و سموا رئيس الدولة خليفة و إماما متأثرين بالنصوص , و لقد كان أبوبكر رئيس دولة فاعتبر بنص القرآن خليفة و إماما , و كان في الوقت نفسه خليفة لرسول الله لأنه خلفه في الحكم .

و لا يفوتنا في هذا المقام أن نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجمع في رئاسته للدولة بين النبوة و خلافة الحكم , فهو نبي باعتبار ما يوحى إليه و خليفة باعتباره رئيس الدولة فإذا خلفه أحد في الحكم فهو خليفته باعتباره خلفا له , و هو خليفة باعتباره مستخلفا من الله في الحكم .

و الأصل أن البشر كلهم مستخلفون في الأرض استخلافا عاما , فهم نواب عن الله عز وجل في الأرض و عليهم أن يقوموا على أمره و نهيه , و لكنهم لا يتطيعون أن يقموا أمر الله على ما ينبغي اذا كانوا أفرادا لا تربطهم رابطة , و لا يجمعهم سلطان يخضع له قويهم و يفيء إليه ضعيفهم , كما أن طبيعة الاجتماع و الضرورات الاجتماعية تقتضي أن يقيموا حكومة تفصل بينهم في مشاكلهم و تنوب عنهم جميعا في القيام بأمر الله و بما يرتبه عليهم واجب الاستخلاف في الأرض و واجب الاستخلاف في الحكم .

و اذا كانت الحكومة نائبة عن الجماعة لتقيم فيهم أمر الله , و لتشرف على مصالح الجماعة , و كان الخليفة أو الامام هو ممثل الحكومة الأول , فانه يعتبر نائبا عن الجماعة كلها في وظيفة الخلافة التي جعلت لاقامة ما يجب على الجماعة كلها من أداء حق الله و انفاذ أمره , و للفصل في خصومات الأفراد , و كف قويهم عن ضعيفهم و نشر العدالة و المساواة بينهم , و أخذهم بالتعاون و التضامن و توجيههم إلى الخير و البر كل ذلك في حدود ما أمر الله و اجتناب ما نهى عنه .

و لا يعتبر الخليفة نائبا عن الله جل شأنه الا بقدر ما يعتبر أي فرد آخر على وجه الأرض . و اذا قيل أن الخليفة بنيابته عن الجماعة التي تنوب عن الله يعتبر النائب عن الله فانه يرد على ذلك بأن نيابة الخليفة عن الله يعتبر النائب عن الله فانه يرد على ذلك بأن نيابة الخليفة عن الله في هذا الوجه هي نيابة غير مباشرة و لم ينظر إليها في اقامة الخليفة , و ما أقامت الجماعة ألا يكون نائبا عنها , و ما استمد و لا يستمد سلطانه إلا من نيابته عن الجماعة التي أقامته و التي تملك حق مراقبته و منعه من الخروج على حدود نيابته , بل للجماعة أن تقيد تصرفاته , و أن ترسم له الطريق التي يسلكها في تأدية واجب النيابة عنها , و قواعد النيابة تقضي بذلك كما أن الاسلام يفرضه على الناس حيث أوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمنع الحكام من الظلم و التعسف في استعمال حقوقهم , و لمنعهم من الاهمال في أداء واجباتهم , و لمراقبة الحكام و المحكومين في اقامة أمر الله و انفاذه على وجهه "و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر"آل عمران:104.

و ولاية الخلافة لا تتم الا باختيار الجماعة للخليفة , ليس ذلك لأنه منطق الضرورات الاجتماعية الذي سبق بيانه , و لكن لأن القرار فرض على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم " وأمرهم شورى بينهم " الشورى:38.

فلا يصح أن يستأثر بأمر المسلمين أحد بغير رضاء جماعتهم , و لا تعتبر ولاية الخليفة قائمة الا باختيار ممن لهم حق اختيار الخليفة , و بالقبول من جانب الشخص الذي وقع عليه الاختيار .

و اختيار الخليفة على هذا الوجه يؤكد ان الخلافة ليست إلا عقد نيابة يتم بين الجماعة و الخليفة , فتكل الجماعة إلى الخليفة أن يقوم فيها بأمر الله , و أن يدير شئونها في حدود ما أنزل الله , و يقبل الخليفة أن يقوم بالأمر في الجماعة طبقا لما أمر به الله .

و ولاية الخلافة ليست محدودة بمدة معينة , فما دام الخليفة قائما بأمر الله و على قيد الحياة فهو خليفة . فاذا خرج على أمر الله , أو قامت فيه صفة تستوجب العزل كان للجماعة عزله و تولية غيره, و اذا مات انتهت ولايته بموته .

نوع الحكومة الاسلامية

قلنا فيما سبق أن الحكومة الاسلامية فريدة في نوعها , متميزة عن غيرها , و انها تختلف عن كل حكومة موجودة في العالم الآن , و عن كل حكومة وجدت من قبل .. و سنبين فيما يلي أن الحكومة الاسلامية لا يمكن ادخالها تحت أي نوع من أنواع الحكومات التي عرفها العالم , و انها حكومة لا مثيل لها .

فالحكومة الاسلامية كما عرفنا مقيدة باتخاذ القرآن دستورا لها , و ملزمة بالنزول على أحكامه التي لا تقبل تبديلا و لا تعديلا و لا تعطيلا , فهي بذلك ليست من نوع الحكومات المستبدة المطلقة من كل قيد , كما أنها ليست من نوع الحكومات القانونية , لأن الحكومات القانونية تخضع لقوانين و أنظمة يضعها البشر و هم متأثرون بأهوائهم و شهواتهم , و القوانين و الأنظمة التي يضعها البشر قابلة للتبديل و التعديل و الالغاء اذا ما قضت بذلك أهواء البشر و شهواتهم . أما أحكام القرآن فهي من عند الله , و هي دائمة إلى الأبد لا تماشي أهواء الحكام و لا أهواء المحكومين , و انما تعدل الفريقين و توفي كلا حقه في حدود العدل الخالص مع حفظ مصلحة الجماعة .

و لتكون الموازنة كاملة ينبغي أن تعلم أن نصوص القرآن جاءت بالأحكام الكلية , و رسمت المناهج العامة للحكم و الادارة , و تركت ما دون ذلك لأولي الأمر ينظمونه بقوانين يضعونها و لكن هذه القوانين , و هي من وضع البشر يجب أن يراعى فيها ألا تخرج على الإسلام العامة , و أن تكون تطبيقا دقيقا لروح الشريعة الاسلامية , فهذه القوانين التي يضعها أولو الأمر ليست في الحقيقة إلا صدى القرآن و ظله , و هناك فرق كبير بينهما و بين القوانين التي يضعها البشر غير مقيدين إلا بأرائهم و أهوائهم و مصالحهم .

و اذا كان من أخص صفات الحكومة الاسلامية أنها حكومة شورى فانها لا تشبه في شيء الحكومات النيابية , كما أنها تخالف في طبيعتها الحكومات غيرالنيابية , و اذا كان أساس الحكومات النيابية في العالم هو الشورى إلا أن الشورى في الحكومات الاسلامية لا تشبه في شكلها , و لا نوعها , و لا الغرض منها , تلك الشورى التي تقوم عليها الحكومات النيابية .

و اذا كان من وظيفة الحكومة الاسلامية أن تقيم الدين فانها لا تعتبر من نوع الحكومات الدينية التي يسميها الفقه الدستوري حكومات تيوقراطية , اذا أن الحكومة الاسلامية لا تستمد سلطانها من الله و انماتستمده من الجماعة . و هي لا تصل للحكم و لا تنزل عنه إلا برأي الجماعة , و هي مقيدة في كل أعمالها و تصرفاتها برأي الجماعة . و التزام الحكومة حدود الدين الاسلامي لا يغير من هذه النتيجة شيئا ما , لأن الدين الاسلامي يدعو الناس أن يعملوا لدنياهم قبل أن يدعوهم ليعملوا لأخراهم , بل أنه من يرتب الحياة الأخرى على ما يعمله المرء في حياته الدنيا فهو دنيا قبل أن يكون دينا , و هو أولى قبل أن يكون آخرة , واذا كان الاسلام قد حد للناس حدودا لا يتعدونها , و وضع لهم أحكاما ألزمهم اتباعها فانه لم يسلبهم حريتهم في العمل , ول م يملك عليهم كل أمرهم , بل ترك لهم أن يفكروا في أنفسهم و أن يدبروا حياتهم و أن يعملوا بوسائلهم , و ترك لهم أن ينظموا أنفسهم و أن يرعوا مصالحهم الخاصة و العامة , و أن يعدوا لمستقبلهم ما يشاءون من الخطط التي تؤدي إلى رقيهم و اسعادهم و تفوقهم .

و نستطيع أن نقول في غير تجوز ان الاسلام ترك للبشر الحرية كاملة فيما يأخذون و ما يدعون , و لم يقيدهم إلا بأن تكون حياتهم قائمة علىالفضائل حتى يحيوا حياة فاضلة تسودها العدالة و المساواة و الحب و التضامن و غير ذلك من المبادئ الانسانية العليا التي جاء بها الاسلام و التي يدعي العاك كله أنه يعمل لتحقيقها و ما يستطيع أن يحققها بعد أن انسلخ عن الدين و اتبع الأهواء و الشهوات , تلك المبادئ التي نسميها انسانية و ماعرفها أهل الأرض إلا عن طريق السماء و رسالات الأنبياء .

و لقد فرض الله الشورى على المسلمين و جعلها عمادا لحياتهم العامة , و لو كانت الحكومة الاسلامية حكومة تيوقراطية لما كنت الشورى , و لما ألزم الله رسوله أن يشاورهم في الأمر "وشاورهم في الأمر"آل عمران :159. و هو في غنى عن مشاورة البشر بالوحي الالهي , و لما ألزم الرسول نفسه نتائج المشورة المخالفة لرأيه الخاص كما فعل في غزوة بدر و غزوة أحد و غيرهما من المواقف , و انما ألزم الله رسوله المشورة ليضع للناس قواعد الشورى , و ألزم الرسول نفسه بنتائج المشورة ليسن لمن بعده أن يلتزم نتائجها و يتقيد بها .

و لو كانت الحكومة الاسلامية تيوقراطية لكان للخليفة أن يفعل ما يشاء و يترك ما يشاء , و لكن الخليفة و كل حاكم اسلامي مقيد , فيما ورد فيه نص , بنصوص القرآن و السنة , و فيما لم يرد فيه نص بما تسفر عنه الشورى .

و اذا كان نظام الحكم اليدموقراطي يشبه نظام الحكم الاسلامي فيما يوجبه من اختيار الحكام بمعرفة ممثلي الأمة و فيما يوجبه من قيام الحكم على العدل و المساواة و فيما يطلقه من حرية العقول و الأفكار , فان نظام الحكم الاسلامي يختلف عن الديموقراطية في أنه يقيد الحاكمين و المحكومين بقيود تمنعهم من الانطلاق وراء الأهواء و تحول بينهم و بين الخضوع للشهوات . كذلك يختلف الاسلام عن الديموقراطية في أنه لا يترك مقاييس العدالة و المساواة و غير ذلك من الفضائل الانسانية في يد البشر يرسمون حدودها فيوسعونها تارة و يضيقون منها أخرى نزولا على أهواءهم و خضوعا لشهواتهم , و انما يرسم الإسلام حدود الفضائل و المبادئ الانسانية و يضع مقاييسها و يخضع البشر لهذه المقاييس العلوية , و بذلك حمى الإسلام الحياة العامة من الفساد , و كبح الأهواء , و أقام الحكم على أسس من الفضيلة يسلم بها الجميع و يحترمونها و لا يأنفون من الخضوع لها .

أما الديموقراطية فتترك للبشر أن يرسموا حدود كل شيء و أن يضعوا المقاييس للحياة البشرية و ثم جمحت بهم الأهواء و الشهوات و تغلبت عليهم المصالح و المنافع و انقلبت المجتمعات الديموقراطية إلى مجتمعات متحللة فاسدة تشيع فيها الرذائل و تعيش على مسخ المعاني السامية و الفضائل الانسانية , فالعدالة لا تقاس بمقياس القرابة و الزلفى و الحقوق و الحقوق لا تصل لأربابها إلا عن طريق الرشوة و المحسوبية , و التحرر العقلي معناه الانطلاق من الحياة و الدين و الأخلاق و هدم كل ما يميز الانسان العاقل عن الأنعام و السوائم . و اذا كان النظام الجمهوري يشبه النظام الاسلامي من حيث اختيار الرئيس الأعلى للجمهورية فإنه لا يوجد أي نظام جمهوري يسمح بانتخاب رئيس الدولة لمدى الحياة كما يسمح بذلك النظام الاسلامي , فضلا عما سبق بيانه من وجوه الخلاف بين النظام الاسلامي و الأنظمة الديموقراطية .

و ليس بين النظام الاسلامي و بين الأنظمة الديكتاتورية أي وجه من وجوه المتشابهة , فالنظام الاسلامي يقوم على البيعة و الشورى , و على حدود مرسومة بين الحاكمين و المحكومين , و على جواز عزل الحاكم , و لا تسمح الأنظمة الديكتاتورية بشيء من ذلك .

و يختلف نظام الحكم الاسلامي عن أنظمة الحكم الملكية , فما يورث الحكم و السلطان في الإسلام , و انما يترك للجماعة أن تختار للحكم من تراه أصلح الناس له و أقدرهم عليه و حسبنا دليلا على ذلك أن النبي لقى ربه فما تولى الحكم بعده أحد من أهله و انما خلفه أبو بكر, فلما توفى لم يخلفه أحد من أهله و انما خلفه عمر , فلما قتل خلفه عثمان و هو من غير أهله , فلما قتل خلفه علي و ما كان من أهل عثمان .

و أخيرا فان كل من يحاول الادعاء بأن نظام الحكم الاسلامي يماثل نظاما معينا من أنظمة الحكم التي عرفها العالم قديما و حديثا فانما يتكل و يدعي ما لا يعلم و يبعد عن الحق , فالنظام الاسلامي نظام فريد في نوعه أوجده الإسلام و لم يحاول أحد أن يقلد المسلمين فيه , بل أن المسلمين أنفسهم لم يطبقوا النظام الاسلامي بعد وفاة النبي إلا في عهد الخلفاء الراشدين , ثم حولت الأهواء هذا النظام الالهي إلى ملك عضوض لا يتورع أن يعطل أحكام الإسلام , و يحل حرمات الله ليمكن للأطفال و الفساق و الظلمة من رقاب المسلمين .

نشأة الدولة الاسلامية

الإسلام خلق الدولة الاسلامية

تلك حقيقة لا يجادل فيها أحد فالإسلام هو الذي خلق الدولة الاسلامية من العدم , و مد أطرافها في كل الاتجاهات , و جعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول و تتقرب إليها الممالك .

و القرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة حيث بشرهم بها , و وعدهم بقيامها , و دفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة و أن يقموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها .

و لقد كانت أولى بشرى بقيام الدولة الاسلامية بمثابة التشجيع و التقوية للمسلمين و حضهم على الصبر و التضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب و يماسيهم , و يلاحقهم التكذيب و السخرية أينما ذهبوا , نبههم الله جل شأنه أولا إلى سنته في خلقه و أنه كتب على نفسه أن يجعل الأرض ميراثا لعباده الصالحين يحكمون أهلها و يمدون سلطانهم عليها , ثم نبههم ثانيا أنه يعلمهم هذا بصفة خاصة ليفقهوه و يرتبوا عليه نتائجه و يستعدوا لها " و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين. و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " الأنبياء : 105-107 .

أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة , فكانت بشرى و وعدا من الله جل شأنه باستخلاف المسلمين و يبسط سلطان الدولة الاسلامية على الأرض و التمكين للمسلمين في أقطارها , و بابدالهم من الخوف أمنا و من الضعف قوة " و عد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم , و ليبدلنهم من خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " النور: 55.

و لقد بشر الرسول صلى الله عليه و سلم المسلمين أثناء حفر الخندق حول المدينة بأنهم سيستخلفون على ملك فارس و الروم و اليمن , فكانت هذه البشرى مثارا لسخرية المنافقين و الذين في قلوبهم مرض , و أخذوا يتندرون بهذه البشرى التي جاءت في وقت يحفر فيه المسلمون خندقا حول المدينة ليحموا أنفسهم من كفار قريش و أحلافها حتى أنزل الله في ذلك قوله :"و اذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعد الله و رسوله إلا غرورا" الأحزاب:12.

و لقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها يعد الهجرة إلى المدينة , فاذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم و أخرجوهم من ديارهم و أموالهم , و القتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة , و وعد المسلمين النصر و الغلبة على أعدائهم , و نبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الاسلامية التي قدر لها أن ترث الأرض و وعد الله بالتمكين لها , وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله و ذلك بإقامة الصلاة و ايتاء الزكاة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي ينكره الإسلام " اذان للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و أن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله , و لولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا , و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور " الحج:39-41.

و اذا كانت الدولة الاسلامية قد قامت في أذهان المسلمين و هم في مكةو ارتسمت لها صورة جميلة كانت تداعب خيالهم و هو محصورون في المدينة أثناء غزوة الأحزاب , فإن الدولة الاسلامية قد تكونت فعلا في المدينة بعد أن اعتنق الأوس و الخرزج الإسلام و تجمعوا عليه , و بعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة , حتى إذا لحق بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم التفوا حوله و سمعوا له و أطاعوا فكون منهم أول وحدة سياسية اسلامية , و أخذت هذه الوحدة الصغيرة – ولم تكن تجاوز المدينة و ضواحيها- تكبر و تنمو و تزحف في كل الاتجاهات حتى شملت كل جزيرة العرب ثم ابتلعت بعد ذلك الدولة الفارسية و غيرها من الدول و اقتطعت من الدولة الرومانية معظم ما تملكه و حبستها في أوروبا , و قد تم كل ذلك , و لما يمض أربعون عاما على تكوين الوحدة السياسية الاسلامية أو بتعبير آخر الدول الاسلامية .

و لقد قامت الدولة الجديدة على أساس الإسلام في كل شيء , في ادارتها و سياستها و حربها و سلمها و صلاتها بالأفراد و الجماعات , و اتخذ المسلمون حاكمين و محكومين من القرآن و سنة الرسول دستورا لهم ينظم شئونهم الفردية و العامة , و يهيمن على شئون الحكم و السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و التشريع .

و كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم أول رئيس لهذه الدولة الناشئة , فجمع برئاسته للدولة بين صفتين : أولاهما صفة الرسول فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين و التشريع و يبينه للناس . و الثانية : صفة الحاكم فهو يرأس الدولة و يديرها فيجيش الجيوش و يسيرها و يعلن الحرب و يعقد الصلح و يبرم المعاهدات و يعين القواد و الحكام و القضاة و يقيلهم و يصرف الشئون المالية و القضائية و السياسية و الادارية .

و كان صلى الله عليه و سلم يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام , فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص و ما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه أن نزل فيه الوحي بشيء فان لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم و لم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الاسلامي و اتجاهاته العليا .

سلطان بلا ألقاب

و لقد أعيا البعض أن يفهم كيف يكون الرسول صلى الله عليه و سلم رئيس الدولة و المرجع الأول في ادارتها و توجيه سياستها ثم لا يتخذ لنفسه أي مظهر من مظاهر الحكم , و لا يلقب نفسه بما يلقب به عادة أصحاب السلطان من ألقاب الإمارة و الملك و الخلافة . و لعل هؤلاء لا يعلمون أن النبي صلى الله عليه و سلم كان خلقه القرآن كما قالت عائشة , و أنه قال :" ان الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد و لا يبغي أحد على أحد " و أنه قال :" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " و قال:" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبده و رسوله" و لعل هؤلاء لا يعلمون أن الاسلام يدعو إلى التواضع و البساطة و الرحمة , و يكره التعالي و الظهور , بل أنه ليجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا ترفا و لا عظمة و لا فسادا " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين " القصص:83 . و ما يليق بالرسول الا يكون مثلا لما جاء به , و أن يتخلق باخلاق القرآن .

ثم أن ألقاب الامارة و الملك و الخلافة ليست شيئا بجانب النبوة و الرسالة , و ما يحاول عاقل أن يستبدل الأدنى بالذي هو خير , أو أن يضيف أدنى الألقاب إلى أعلاها و أسماها , فلقب النبوة و الرسالة يحجب كل لقب غيرها , و مظهر النبوة و الرسالة هو المظهر الوحيد الذي يلائم النبي و الرسول سواء أكان حاكما أم غير حاكم مالكا أو غير مالك .

و اذا كان الله جل شأنه قد بين لنا أن بعض الأنبياء كانوا ملوكا أو خلفاء كداوود الذي آتاه الله الملك و الحكمة " و قتل داود جالوت و آتاه الله الملك و الحكمة و علمه مما يشاء " البقرة : 251: " و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب " ص:20 . و جعله خليفة في الأرض " يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " ص: 26 . اذا كان الله جل شأنه قد بين لنا هذا فإنما ذلك لبيان نعمه التي أنعم بها على عباده و رسله و ليس معنى ذلك أن داود كان يلقب نفسه بالملك مع النبوة أوة ان يترك لقب النبوة ليلقب نفسه بالخلافة أو الملك , و ليس أدل على ذلك من أن داود و هو ملك و خليفة كان يأكل من عمل يده كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " ان نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده " و كما ذكر لنا القرآن الكريم :" و علمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم " الأنبياء :80 . و ما أكل داود من عمل يده إلا لتمسكه بلقب النبوة و مظهرها و لأنه ألغى من حياته كل ما للملك و الخلافة من ألقاب و مظاهر كما كان يفعل محمد صلى الله عليه و سلم .

و لن يفوتنا هنا أن نعرض لما رروى عن الرسول من أنه قال لرجل قام بين يديه فأخذته رعدة " هون عليك فإني لست بملك و لا جبار و إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة " فان نفي الملك و التجبر عن الرسول لا يستلزم نفي صفى الحكم و رئاسة الدولة , و كل ما يعنيه الحديث أن الرسول ليس فيه ما يخيف و يرهب فما هو بالملك الذي يستطيل بالملك , و لا بالجبار الذي يأخذ الناس بلا حق .

كذلك الأمر في حديث الرسول الذي اختاره فيه أن يكون نبيا عبدا لا نبيا ملكا . فإن معنى الحديث لا يفيد التخلي عن الحكم و السلطان و انما يعني كراهة المال و الاستطالة على الناس , بل ان مغزى الحديث هو أن الرسول ليس له أن يشكو الفقر فالله أعلم به و لو شاء لأعطاه , و نص الحديث و ظروفه تقطع بهذا فقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان ذات يوم و جبريل عليه السلام على الصفا فقال رسول الله :" يا جبريل و الذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق و لا كف من سويق " فلم يكن كلامه بأسرع من أن يسمع هدة السماء من السماء أفزعته , فقال أمر الله القيامة أن تقوم ؟ فقال جبريل لا و لكن أمر اسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك فأتاه اسرافيل فقال : ان الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض و أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا و ياقوتا و ذهبا و فضة , فإن شئت جعلتك نبيا ملكا و ان شئت جعلتك نبيا عبدا , فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال :" بل نبيا عبدا ثلاثا" و في رواية أخرى أن اسرافيل قال : يا محمد أرسلني اليك ربك أملكا أجعلك أم عبدا رسولا؟ فقال رسول الله : " بل عبدا رسولا " فظاهر نص الحديث أن النبي لم يكن يجدشيئا و أن اسرافيل عرض عليه أن يحول له الجبال زمردا و ياقوتا و فضة و ذهبا , و لم يعرض عليه ممالك و لا بلادا فاختار أن يبقى كما هو , و الأصل أن لفظ ملك يعني لغة كثرة الملك , فيقال لمن يملك الأموال الكثيرة أنه ملك , و يقال للواحد من الملوك الحاكمين أنه ملك لأنه عادة يملك المال الكثير كما يملك الحكم , فاذا كان الرسول يشكو الفقر و كان ما عرض عليه هو المال فقط فيكون الملك الذي رفضه هو ملك المال لا ملك الحكم .

و أخيرا فان الملك و الامارة و الخلافة و الامامة في قديم الزمان انما كانت تدل على سلطان الحكم قبل أن تدل على شيء آخر , و هذا داود عليه السلام آتاه الله الملك و جعل له الخلافة في الأرض و لم يجعل لملكه و خلافته الا مقتضى واحدا هو أن يحكم بين الناس بالحق " يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " . و اذا كان هذا هو أمر الملك و الخلافة و الامارة في القديم , فذلك هو أمرها نفسه في العصر الحديث , فرئيس الدولة أيا كان اسمه سواء أكان أميرا أو ملكا أو خليفة أو إماما أو زعيما أو رفيقا أو رئيس جمهورية انما يمثل سلطان الدولة , و ما للدولة من سلطان إلا سلطان الحكم .

و اذا كان محمد صلى الله عليه و سلم لم يلقب نفسه بلقب الامارة أو الملك أو ما يماثلهما , و رضى لنفسه أن يكون بحيث اختاره الله نبيا و رسولا , فلن يمنع ذلك من محمدا كان رئيس الدولة الاسلامية , و كان له من سلطان الحكم ما كان لداود الملك و الخليفة , لقد قال الله لداود :" فاحكم بين الناس بالحق " و قال لمحمد :" انا أنزلنا اليك اكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله " و قال له :" فاحكم بينهم بما أنزل الله " فالسلطان الذي أعطى للنبي الذي وصف بالعبودية , و الحكم الذي منحه هذا هو الحكم نفسه الذي منحه ذاك , فلا فرق إلا لقب الملك و الخليفة و لهما من قيمة كما قلنا مع لقب النبوة و الرسالة .

السلطان قديماً و حديثاً

السلطان في القديم و الحديث لم يخرج عن ان يكون سلطانا ماديا , أو سلطانا روحيا , فاذا تكلمنا عن هذين النوعين من السلطان بالنسبة النوعين من السلطان بالنسبة للدول فان السلطان المادي هو سلطان الحكم , أما السلطان الروحي فهو سلطان الأنبياء و المصلحين و أصحاب الآراء على العموم .

و السلطان المادي يفرض من الخارج , تفرضه على الناس القوة و الغلبة , أما السلطان الروحي فيفرض من الداخل , يفرضه الناس على أنفسهم و تلزمهم اياه قلوبهم و أرواحهم و عقولهم .

و السلطان المادي في الدولة يستمد من قوة الدولة و يتركز في أشخاص الحكام القائمين عليها , أما السلطان الروحي فيستمد مما يجيء به الرسول أو المصلح لا من شخصه .

و الناس دائما يخشون السلطان المادي و لا يثقون فيه , و يهربون من السلطان المادي كلما استطاعوا , فلا يطيعونه إلا كارهين و لا يسالمونه إلا مغلوبين و لا يؤازرونه إلا طامعين , و اذا استطاعوا أن ينفلتوا من حكمه و كان في ذلك منفعة لهم فلن يصدهم عن الانفلات عقل و لا ضمير . أما السلطان الروحي فان الناس يطلبونه قبل أن يطلبهم و يعبدون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم و يربطون أنفسهم به راضين مسرورين .

و السلطان الروحي بالرغم مما له من أثر في الأفراد قد يتعطل سيره أو يضعف عمله اذا كان السلطان المادي مضادا له , لأن في طباع الكثيرين من البشر أن يؤثروا الأمن و السلامة فيهملوا العمل بما يؤمنون به خشية أن يصيبهم أذى , أو يكتموه في أنفسهم فلا ينتقل إلى غيرهم .

كذلك في طبيعة الأفراد أنهم يشق عليهم أن يلزمهم السلطان المادي ما يجنبهم اياه السلطان الروحي , و أنهم يميلون إلى مقاومة السلطان المادي للتخفيف عن أنفسهم و إرضاء ضمائرهم , و هذه المقاومة مهما كانت ضعيفة تؤدي بمرور الزمن إلى تفويض السلطان المادي أو اضعافه .

فاذا بني السلطان المادي على أساس من السلطان الروحي كان ذلك أدعى إلى إسعاد الجماعة و تضامنها و توثيق الصلات بين أفرادها و بث الثقة بين المحكومين و الحاكمين , بل أن ذلك يوفر على الحاكمين مشقة التنفيذ و المراقبة لأن كل فرد يقيم من نفسه رقيبا على نفسه و يقبل على أداء واجبه ارضاء لضميره . لا خشية العقاب , و النتيجة الطبيعية لهذا كله هي ثبات الأنظمة و حرص الحاكمين و المحكومين عليها .

و بهذا الذي يلائم طبائع البشر و يدعو إلى استجوابتهم , و يوفر لهم السعادة و الحب و الأمن و يصرفهم إلى الخير , بهذا كله نزل القرآن على قلب محمد صلى الله عليه و سلم , حيث ربط السلطان المادي و هو سلطان الدولة بالسلطان الروحي و هو سلطان الدين , و أقام السلطان المادي على دعامة من السلطان الروحي و في حدوده , و جعل من الإسلام عقيدة و نظاما و دينا و دولة .

دولة استكملت أركانها

و لقد حاول محاول أن يشكك في تكوين الدولة الاسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم , فقال أن النبي لم يؤسس دولة , و بني ذلك على ما يظنه من فقدان بعض أركان الدولة و دعائم الحكم , و حدد هذا المفقود فقال : لماذا لم يعرف نظام الرسول في تعيين القضاء و الولاة , و لماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك و قواعد الشورى , و لماذا ترك العلماء في حيرة و اضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه , و لماذا لم يكن للدولة ميزانية و دواوين تضبط شئونها الداخلية و الخارجية ؟

و ما زاد على خدع نفسه حين حاول أن يخدع الناس " يخادعون الله و الذين آمنوا و ما يخدعون إلا أنفسهم و ما يشعرون . و في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا و لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " البقرة:10-11.

إن أركان الدولة طبقا للفقه الدستوري و الاداري لا تزيد على أربعة هي :

1- وجود شعب , و لا شك في وجود الشعب في الدولة الاسلامية من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة .

2- الاستقلال السياسي , و يتوفر اذا لم تخضع الجماعة لغيرها , و لا جدال في أن المسلمين تمتعوا بهذا الاستقلال من يوم أن تجمعوا بالمدينة , فما عرف عنهم أنهم خضعوا في أمورهم الداخلية و الخارجية لأي جماعة أخرى أو لغير توجيه الإسلام الذي دانوا به .

3- وجود اقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة , و لقد كانت المدينة هي اقليم الدولة الاسلامية عاش فيه المسلمون بصفة مستمرة , و بدأ صغيرا لا يتجاوز المدينة و بعض ضواحيها , ثم أخذ يتسع حتى شمل كل جزيرة العرب قبل وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم .

4- السلطان أو السيادة , و تكون اذا وجدت سلطة عامة يخضع لها جميع الأفراد , و لهذه السيادة وجهان : وجه داخلي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق اصدار الأوامر لجميع أفراد الجماعة , ووجه خارجي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق تمثيل الجماعة أو الأمة و التصرف باسمها , و ليس ثمة شك في أن هذا السلطان بوجهيه كان قائما في الدولة الاسلامية من يوم تجمع المسلمين في المدينة , و كان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي يمثل الجماعة الاسلامية في الخارج فيعقد مع الجماعات الأخرى المعاهدات و الصلح و يعلن الحرب كما حدث في عهده لليهود و في معاهدة الحديبية و في غزوة بدر و غيرها من الغزوات , كذلك كان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي كان له حق اصدار الأوامر لجميع أفراد الأمة الاسلامية و كان عليهم واجب السمع و الطاعة " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول " النساء : 59 .

و اذا كانت هذه الأركان الأربعة متوفرة في الوحدة التي ألفها المسلمون برئاسة النبي صلى الله عليه و سلم فقد تكونت الدولة الاسلامية بحكم الفقه و بحكم الواقع , و التعلق بعد ذلك بالتنظيمات الداخلية انما هو تعليق بما لا يفيد و لا ينتج .

ان الجهل بالتنظيمات الداخلية لدولة ما ليس حجة على أنها لم تكن دولة , و عدم تدوين تنظيمات هذه الدولة بدقة لا يطعن في وجود هذه الدولة و إلا اضطررنا أن نمحو من سجل الدولة كل دولة لم يثبت المؤرخون تفاصيل تنظيماتها أو لم يثبتو شيئا منها .

و اذا كنا لم نعرف تفاصيل النظام الذي كان يتبعه الرسول في تعيين الولاة و القضاة فيكفي أن تعلم أنه عين ولاة و قضاة في جهات معينة , لنعلم أنه كان يفعل ذلك في الجهات الأخرى , و أنه بذلك يباشر سلطان الدولة من الوجهة الداخلية .

و ليس سكوت الرسول عن التحدث عن نظام الحكم و قواعد الشورى بمؤثر على قيام الدولة التي قامت فعلا بتوفر أركانها , على أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يسكت عن نظام الحكم بل بينه خير بيان فالقرآن جعل أمر المسلمين شورى بينهم " و أمرهم شورى بينهم " و أمر الرسول أن يشاورهم في الأمر " و شاورهم في الأمر " و التاريخ حافل بذكر الوقائع التي شاورهم فيها حتى لقد كان يشاورهم في تعيين الولاة و يروي عنه في ذلك قوله :" لو كنت مؤمرا أحدا دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد " و هكذا جاء الرسول بمبدأ الشورى في الحكم و أقامه حكمه عليه , و اذا كان لم ينظم هذا المبدأ تنظيما نهائيا فذلك لأن التنظيمات النهائية يجب أن لا تقبل التعديل بطبيعتها و كل تنظيم لمبدأ الشورى لا يمكن أن يكون إلا مؤقتا لأن التنظيم ينظر فيه إلى ظروف الأشخاص و ظروف الزمان و المكان و هي جميعا أما الاحتجاج بعدم وجود ميزانية و دواوين فهو من أعجب صور الاحتجاج , خصوصا اذا كان هذا المحتج يقرر أن الدولة الاسلامية تكونت يوم استخلف ابو بكر , و لا شك أننا جميعا نعرف أنه لم تكن ثمة ميزانية في عهد أبي بكر و أن الدواوين لم تدون إلا في عهد عمر فأي احتجاج أعجب من هذا الاحتجاج ؟ و أي تناقض أبعد من هذا التناقض ؟

مدى سلطان رئيس الدولة الاسلامية

قلنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان مع نبوته رئيسا للدولة و بذلك كان يمثل السلطان الروحي باعتباره نبيا , و يمثل السلطان المادي باعتباره رئيسا , و كانت مهمته النبوية أن يبلغ للناس ما يوحى إليه من ربه و يبينه لهم كما علمه الله , أما مهمته باعتباره رئيسا فهي اقامته الدين و الحكم بما أنزل الله و نوجيه أمور الأفراد و الجماعة و القيام على شئونهم جميعا في حدود ما أنزل الله .

و بعد وفاة الرسول انقطع الوحي و تحدد الإسلام فلا زيادة و لا نقص و لا تبديل و لا تعديل , و أصبح السلطان الروحي ممثلا فيما جاء به الرسول و هو الإسلام , كما أصبح الإسلام محددا بالقرآن و السنة . و كل من يخلف الرسول على رئاسة الدولة ليس له من سلطان الا السلطان المادي الذي كان يباشره الرسول باعتباره رئيسا للدولة , أما السلطان الروحي فهو للقرآن و السنة أي لما جاء به الرسول , على أنه لما كان السلطان المادي في الإسلام يقوم على السطان الروحي و يندمج فيه فإن ريس الدولة الاسلامية حين يباشر وظيفته إنما يباشر سلطانا ماديا و سلطانا روحيا اندمج كلاهما في الآخر و امتزج به .

الخلافة أو الإمامة العظمى

معنى الخلافة

تعني الخلافة أو الإمامة العظمى رئاسة الدولة الإسلامية , فالخليفة أو الإمام الأعظم هو رئيس الدولة الاسلامية الأعلى.

و لما كانت الدولة الاسلامية قائمة على الإسلام الذي يسيطر على الأفراد و الجماعات و يوجههم في حياتهم الدنيا وجهات معينة , كان للخليفة في رأي الفقهاء الاسلاميين وظيفتان : الأولى اقامته الدين الاسلامي و تنفيذ أحكامه . و الثانية : القيام بسياسة الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام , على أننا نستطيع أن نطتفي بالقول بأن وظيفة الخليفة هي اقامة الإسلام , لأن الإسلام كما علمنا دين و دولة فاقامة الإسلام هي اقامة للدين و قيام بشئون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام .

و لقد سبق أن بينا أن وظيفة الحكومة الاسلامية هي إقامة أمر الله أي إقامة الإسلام , و الخليفة هو رئيس الحكومة الاسلامية فتكون وظيفته هي إقامة الإسلام و ادارة شئون الدولة في حدود الإسلام .

و لقد عرف الفقهاء الخلافة بما لا يخرج عن هذا المعنى , فعرفت بأنها رياسة عامة في أمور الدين و الدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه و سلم , عرفت بأنها خلافة الرسول في إقامة الدين و حفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة .

و عرف الماوردي الامامة بأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين و سياسة الدنيا .

و عرفها ابن خلدون بأنها حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية و الدنيوية الراجعة إليها , اذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة , فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا به .

و ظاهر من تعاريف الفقهاء أنهم يعتبرون الخليفة قائما مقلم النبي في رئاسته الدولية ناظرين في ذلك إلى أن النبي كان له وظيفتان : وظيفة التبليغ عن الله , و وظيفة القيام على أمر الله و سياسة الدنيا به . فلما توفى الرسول انتهت وظيفة التيليغ , و بقيتا لوظيفة الأخرى , فوجب أن يقوم بأدائها من يستطيع القيام بأعبائها , و لأنه يخلف الرسول في هذا الأمر سمي بالخليفة .

و لقد سمي أبوبكر رضي الله عنه بخليفة رسول الله على هذا الأساس , و رأى البعض أن يسميه بخليفة الله ناظرا في ذلك إلى أن الرسول كان قائما على أمر الله و أن أبا بكر قام به أيضا , فكلاهما يعتبر خليفة الله , و لكن أبابكر اختار أن يسمى خليفة رسول الله .

و بعض الفقهاء يجيز أن يسمى الآدميون خلفاء الله و حجتهم في ذلك أن الله استخلف البشر في الأرض فهم خلفاء الله و أنه جعل داود خليفة لقيامه على أمر الله , و بعض الفقهاء لا يجيز أن يسمى البشر خلفاء و حجتهم أن الاستخلاف يكون في حق الغائب و الله لا يغيب , و هذا الرأي الأخير غير صحيح و لا يتفق مع النصوص الصريحة و اذا كان الاستخلاف بالنسبة للبشر لا يكون إلا في حق غائب فان الاستخلاف بالنسبة لله انما هو حق حاضر شاهد لا يغيب , ليس كمثله شيء و هو السميع البصير .

و لما استخلف عمر رضي الله عنه رأى أن يسمى رئيس الدولة بأمير المؤمنين حتى لا تتكرر الاضافة إلى الخليفة السابق ثم سبقه و هكذا حتى تصل إلى رسول الله فجرى الناس من هذا التاريخ على تسمية رئيس الدولة الاسلامية بأمير المؤمين , و لكن الوظيفة بقيت على تسميتها الأولى الخلافة أو الإمامة , و الخلافة أشهر كما أن القائم بشئون الوظيفة و أن نودي بأمير المؤمنين الا أنه أصبح يسمى بالخليفة دون اضافة .

و يسمى الخليفة أحيانا بالإمام الأعظم , و هذه التسمية تدخل تحت قوله تعالى " و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين" القصص , و يوصف الامام بالأعظم تمييزا له عن أي إمام آخر كالامام الذي يؤم الناس في الصلاة .

إقامة الخلافة فريضة

و تعتبر الخلافة فريضة من فروض الكفايات ك الجهاد و القضاء , فاذا قام بها من هو أهل لها سقطت الفريضة عن الكافة , و ان لم يقم بها أحد أثم كافة المسلمين حتى يقوم بأمر الخلافة من هو أهل لها .

و يرى البعض أن الاثم يلحق فئتين فقط من الأمة الاسلامية أولها أهل الرأي حتى يختاروا خليفة و الثانية من تتوفر فيهم شرائط الخلافة حتى يختار أحدهم خليفة"1" .

و الحق أن الإثم يلحق الكافة لأن المسلمين جميعا مخاطبون بالشرع و عليهم إقامته , و من أول واجباتهم أن يأمروا بالمعروف و ينهوا عن المنكر و ليس أحدهم مأمور بأن ينظر فقط إلى نفسه و ما في يده من الأمر , و انما عليه أن يعمل على اقامة الدين على نفسه و على غيره , و على ما في يده و على ما في يد غيره, و اذا كان الاختيار متركا لفئة من الناس , فإن من واجب الأمة كلها أن تحمل هذه الفئة على أداء واجبها و إلا شاركتها في الإثم , بل من واجب الأمة أن تنحي هذه الفئة – إذا لم تقم بواجبها- و إن تقدم غيرها, لأن الأمة اختارتها و ألقت إليها بأمرها لتمثل الجماعة الاسلامية فإن لم تؤدي واجبها سقطت عنها صفتها بما ارتكبت من إثم , و زالت عنها صفة النيابة عن الأمة و كان على الأمة أن تختار فئة أخرى تنوب عنها و تمثلها في اختيار الخليفة .

و لقد اتفق جميع أهل السنة و جميع المرجئة و جميع الشيعة و جميع الخوارج على وجوب الإمامة و فريضتها , و على أن إقامة إمام عادي في الأمة يقيم فيها أمر الله و يسوسها بأحكام الشرعية انما هو من أوجب الواجبات على الأمة , و لم يشذ عن هذا الرأي من الأمة الاسلامية كلها إلا الأصم من المعتزلة و فريق النجدات من الخوارج و هي فرقة بادت و لم يبقى منها أحد , فقد قالوا بأن إقامة الخلافة ليست فريضة و انما الفريضة هي إقامة الشريعة و إمضاء أحكامها , و حجبتهم أن الأمة اذا تواطأت على العدل و تنفيذ أحكام الإسلام , فلا حاجة لإمام , و اذا لم تكن حاجة لإمام فتعيينه غير واجب وانما هو جائز .

و قول هؤلاء فيه ما يكفي للرد عليهم . فاذا كان الواجب بحسب قولهم هو اقامة الشريعة الاسلامية فإن أداء هذا الواجب يقتضي أن تختار الأمة شخصا تكل إليه القيام بهذا الواجب , اذ لا يمكن عقلا أن تتواطأ الأمة كلها على إقامة الشريعة, و اذا تواطأت على إقامتها فلا يمكن أن تتفق على طريقة التنفيذ , و لا يمكن أن تنفذ الشريعة و تقام إذا ترك لكل فرد أن يقيمها و ينفذها بحسب ما يرى و الأراء تختلف بطبيعة الحال, فوجب اذ أن تختار الأمة من تكل إليه إقامة الشريعة و إمضاء أحكامها, و اذا كان اختيار خليفة أو امام أمرا واجبا لاقامة الشريعة و كانت اقامة الشريعة واجبة تعين أن يكون اختيار الامام أو الخليفة أمرا واجبا أيضا مادام الواجب و هو إقامة الشريعة لا يتم إلا به و ذلك طبقا لقاعدة" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" و هي قاعدة أساسها المنطق السليم .

على أن هؤلاء المخالفين إذا كانوا قد رأوا بصفة عامة أن الإمامة جائزة لا واجبة فإن منهم من أوجبها في بعض الأحوال و هؤلاء الموجبون لها في بعض الأحوال اختلفوا فمنهم من أوجبها عند الأمن و اجازها في الفتنة , و منهم أوجبها في الفتنة و اجازها في الأمن , و في هذا التردد بين الوجوب و الجواز و في الخلاف على وقت الوجوب و وقت الجواز في ذلك كله ما يقطع بين هؤلاء المخالفين قد جائبوا الصواب .

مصدر فرضية الخلافة:

المصدر الأول لفرضية الخلافة هو المشرع , فالخلافة أو الإمامة فريضة شرعية يوجبها الشرع على كل مسلم و مسلمة و يخاطب الجميع بها و عليهم أن يعملوا حت تؤدى هذه الفريضة فإذا أوديت سقطت عنهم حتى تجددت بعزل الخليفة أو موته , و الأدلة على فرضية الخلافة هي :

أولا : الخلافة أو الإمامة سنة فعلية أستنها الرسول صلى الله عليه و سلم للمسلمين و عليهم أن يقيموا هذه السنة و يعملوا بها لقوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول" النساء:59 : و قوله " و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله"النساء:64 : و قوله"و ما آتاكم الرسول فخذوه و نهاكم عنه فانتهوا"الحشر:7: و قوله"و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الأحزاب :36.

فالرسول صلى الله عليه و سلم كون من المسلمين وحدة سياسية و ألف منهم جميعا دولة واحدة كان هو رئيسها و إمامها الأعظم , و كان له وظيفتان: الأولى التبليغ عن الله و الثانية القيام على أمر الله و توجيه سياسته الدولية في حدود الاسلام , و قد انتهى عهد التبليغ بوفاة الرسول و انقطاع الوحي ان لم يكن انتهى يوم نزل قوله تعالى :"اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا " المائدة: 3 . و اذا لم يكن بالناس حاجة التبليغ بعد وفاة الرسول لوجود القرآن و السنة فانهم في أشد الحاجة إلى من يقوم على القرآن و السنة و يسوسهم في حدود الإسلام , بعد أن كون الرسول منهم وحدة سياسية , و استن لهم رئاسة الدولة و إمامة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها , بل أن التأسي بالرسول و اتباع سنته يقتضي من المسلمين جميعا أن يكونوا من أنفسهم وحدة سياسية واحدة , و أن يقيموا لهم دولة واحدة تجمعهم , و أن يقيموا على رأسها من يخلف الرسول في اقامة الدين و توجيه سياسة الدولة توجيها اسلاميا خالصا .

ثانيا: اجمع المسلمون و اصحاب الرسول خاصة و هم أدريى الناس باتجاهات الإسلام على أنيقيموا على رأس الدولة من يخلف الرسول , و ما أن تحقق أبو بكر من وفاة الرسول حتى خرج على الناس يقول لهم " ألا أن محمدا قد مات و لابد لهذا الدين ممن يقوم به " فترك الصحابة تجهيز النبي و لم يدفنوه حتى أقاموا أبا بكر خليفة له , و الاجماع مصدر من مصادر الشريعة يلزم المسلمين كما يلزم النص , و اذا كان قد جاء بعد العصر الأول من قال بعدم وجوب الخلافة كالأصم فان هذا لا يطعن في الاجماع الذي انعقد و تواترت به الروايات . و اذا لم يكن هناك اجماع تام فان اتفاق الصحابة دليل على اقتضاء الشرع لاقامة خليفة لرسول الله , و صحابة الرسول خير من يفهم الاسلام و يعرف الوجوب و الجواز و يفرق بين الحلال و الحرام .

و اذا كان الصحابة قد اختلفوا فيما بعد على الخلافة فينبغي أن نعلم أن الخلافة كان على الشخص الذي يملأ الوظيفة لا على وجوب الخلافة و فرضيتها و على وجوب اقامتها .

ثالثا: ان الكثير من الواجبات الشرعية يتوقف على اقامة خليفة أو إمام , و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب شرعا , كما أن في نصب الامام دفع ضرر و ازالة الضرر تجب شرعا , و فيه أيضا جلب منافع للأمة و هو واجب أيضا , ذلك ان مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات و المناكحات و الجهاد و الحدود و شعائر الشرع و غيرها انما هو مصالح عائدة على الخلق , و هذه المصالح لا تتم إلا بإمام يرجعون إليه فيما يختلفون قيه , و هم مه اختلاف الأهواء و تشتت الآراء قلما ينقاد بعضهم لبعض فيفضى ذلك إلى التنازع و النوائب و ربما أدى إلى إهلاكهم جميعا , و التجربة تشهد بذلك و تشهد بأن عدم اقامة خليفة يؤدي إلى تعطيل الدين و الخروج على الإسلام و تفرق المسلمين كما هو حادث الآن .

رابعا : ان نصوص القرآن و السنة أوجبت إقامة إمام للجماعة الاسلامية , من ذلك قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم" و المقصود بأولي الأمر هم أئمة الدولة الذين يتولون الأمر فيها واحدا بعد الآخر و الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه و سلم " من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة الجاهلية " و قال " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له و من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" و قال " من بايع اماما فأعطاه صفقة يده و ثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " و قال " ان من طاعة الله أن تكيعوني و ان من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم " و قال " لا نبي بعدي و ستكون خلفاء فتكثروا قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول فاعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم " و قال " سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره و يليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم و أطيعوا في كل ما وافق الحق فان أحسنوا فلكم و أن أساءوا فلكم و عليهم " و قال " من أتاكم و أمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" و قال " اذ بويع لخليفتين فاقتلوا الأخير منهما "

و يؤخذ هذه النصوص مجتمعة أن على المسلمين أن يختاروا إماما لهم أو خليفة عليهم فإن المسلم الذي يموت و ليس له إمام يموت ميتة جاهلية , و عليهم أن يختاروا إماما واحدا فان بويع لاثنين وجب قتل الأخير ان لم يترك الأمر للأول , و كذلك يجب قتل من أراد أن يفرق الجماعة و هي متجمعة على إمام واحد .

خامسا: ان الله جل شأنه جعل المسلمين أمة واحدة على اختلاف لغاتهم و أجناسهم و شعوبهم , " و ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاتقون" المؤمنون :52, " ان هذه امتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون " الأنبياء: 92 , و واجب على المسلمين أن يتحدوا و يلتفوا حول راية القرآن " و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا" آل عمران : 103 , و حرم عليهم التفرق و الاختلاف و التنازع " و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا" آل عمران :105 , " و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم " الأنفال :46 , و مقتضى هذه النصوص أن يكونوا أمة واحدة و وحدة سياسية واحدة , و أن يكونوا من أنفسهم دولة واحدة .

و يقول الرسول صلى الله عليه و سلم فيما يروى عنه " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم " و يقول " اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم" و دليل هذين الحديثين أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي قد يؤدي للقلق اذا استبد كل منهم برأيه و فعل ما يطابق هواه , كما أن اجتماعهم على أحدهم فيه جمع لكلمتهم و تضامن بينهم في مواجهة ما ينزل بهم .

و اذا شرع هذا لثلاثة في فلاة من الأرض أو مسافرين فشرعيته أولى لعدد أكثر يسكنون القرى و الأمصار و يحتاجون لدفع التظالم و الفصل في الخصومات .

فيجب اذن تطبيقا لهذين الحديثين فضلا عما ذكرنا من أحاديث سابقة أن تقيم الأمة الاسلامية إماما لها أو خليفة عليها , و هي باعتبارها أمة واحدة لن تقيم إلا واحدا و لا يصح لها أن تقيم أكثر من واحد .

سادسا: أن الله و قد جعل المسلمين أمة واحدة و ألزمهم أن يكونوا من أنفسهم دولة واحدة قد جعل أمر الحكم شورى بينهم " و أمرهم شورى بينهم" و اذا كان المسلمون مقيدين بأن يكونوا أمة واحدة و أن تكون لهم دولة واحدة و أن يختاروا من يلي الحكم منهم , فانه يتعين عليهم أن يختاروا لرئاسة الدولة الاسلامية إماما كلما خلا هذا المنصب , و ليس لهم باعتبارهم أمة واحدة و دولة واحدة أن يختاروا إلا إماما واحدا . الخلافة واجبة عقلا :

و كما يوجب الشرع الخلافة فإن العقل يوجبها أيضا , لأن وجود الحكومة في الجماعة انما هو ضرورة اجتماعية , فالبشر يستحيل عليهم أن يعيشوا منفردين و لا بد أن يتجمعوا تدفعهم لذلك المصلحة و الضرورة , فاذا اجتمعوا تزاحموا و تنافسوا و تغالبوا و فرقت بينهم المصالح و المنافع و قامت بينهم الخصومات , فلابد من حاكم يتزعمهم و يفصل في خصوماتهم و يحملهم على سلوك السبيل القويم , و اذا كان من أهداف الجماعة أن تكون متحدة و ان تكون وحدة سياسية واحدة فقد وجب أن يكون لها حاكم واحد تختار الجماعة بدلا منه كلما خلا منصبه .

و اذا كان العقل يقضي بأن عدم قيام الحكومة بين الناس يؤدي إلى الضرر , كانت الخلافة أو الإمامة واجبة عقلا خصوصا إذا كان من واجب الجماعة أن تعيش متحدة غير متفرقة و أن تكون من نفسها وحدة سياسية واحدة .

الشروط الواجبة في الإمام

لا يصلح كل شخص أن يكون إماما أو خليفة لأ وظيفة الإمامة بما لها من جلال و خطر تقتضي أن يكون شاغلها حائزا على صفات معينة , و من ثم يشترط فيمن يختار إماما أو خليفة أو تتوفر فيه الشروط الآتية :

1- الإسلام :

يشترط في الامام أو الخليفة أن يكون مسلما لأن وظيفته نفسها تقتضي هذا , فمهمته إقامة الدين الاسلامي و توجيه سياسة الدولة في حدود الإسلام , و ما يستطيع أن يقوم بذلك على وجهه الصحيح إلا مسلم يؤمن بالإسلام و يعرف مبادئه و اتجاهاته , فطبائع الأشياء اذن توجب أن يكون رئيس الدولة الاسلامية مسلما . و اذا كان هذا هو ما توجبه طبائع الأشياء و منطق الواقع فان الاسلام نفسه يحرم أن يلي أمر المسلمين غير مسلم و ذلك ظاهر في قوله " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء " آل عمران : 28 . فاذا حرم الاسلام على المؤمنين أن يوالوا غير مؤمن فقد حرم عليهم أن يجعلوه حاكما عليهم لأن الحكم ولاية. و قوله تعالى " و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض " التوبة:71. و قوله :" و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكون فتنة في الأرض و فساد كبير " الأنفال:73. و قوله:" و لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"

2- الذكورة :

يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون ذكرا لأن المرأة بطبيعتها لا تصلح لرئاسة الدولة , و ما تقتضيه هذه الوظيفة من المتاعب و العمل المستمر و قيادة الجيوش و تدبير الأمور . كما أن الاسلام منع ولاية المرأة بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم :" لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" و في رواية :" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" .

3- التكليف :

يشترط في الامام أو الخليفة أن يكون مكلفا أي بالغا عاقلا , فالصغير و المجنون و المعتوه لا يصلحون لرئاسة الدولة , لأن الإمامة ولاية على الغير و هؤلاء لا ولاية لهم على أنفسهم , فكيف تكون لهم الولاية على غيرهم , كما أن الصغير و المجنون و المعتوه لا مسئولية عليهم لقول الرسول صلى الله عليه و سلم :" رفع القم عن ثلاثة : الصبي حتى يحتلم , و عن النائم حتى يصحو , و عن المجنون حتى يفيق" و من لم يكن أهلا للمسئولية عن نفسه فهو غير أهل للمسئولية عن غيره .

و الأصل في وظيفة الامام المسئولية التامة لقول الرسول صلى الله عليه و سلم :" كلكم راع و مسئول عن رعيته فالأمير راع على رعيته و مسئول عنهم , و الرجل راع على أهل بيته و مسئول عنهم , و العبد راع على مال سيده و هو مسئول عنه , و المرأة راعية على بيت زوجها و هي مسئولة عنه " و قوله :" لا يسترعى اللع تبارك و تعالى عبدا رعية قلت أو كثرت إلا سأله تبارك و تعالى عنها يوم القيامة أقام فيهم أمر الله تبارك و تعالى أم أضاعه حتى يسأله عن أهل بيته خاصة " .

4- العلم :

يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون عالما , و أول ما يجب عليه علمه هو أحكام الاسلام لأنه يقوم على تنفيذها و يوجه سياسة الدولة في حدودها , فاذا لم يكن عالما بأحكام الإسلام لم يصح تقديمه للإمامة . و يرى البعض أنه لا يكفي الإمام من العلم بأحكام الاسلام أن يكون مقلدا لأن التقليد عندهم نقص و يوجبون أن مجتهدا لأن الإمامة في رأيهم تستدعي الكمال في الأوصاف و الأحوال , و لكن البعض الآخر يجيز أن يكون الامام مقلدا و لا يستلزم أن يكون مجتهدا .

و لا يكفي أن يكون الإمام عالما بأحكام الإسلام , بل يجب أن يكون مثقفا ثقافة عالمية ملما بأطراف من علوم عصره , أن لم يكن متخصصا في بعضها , و أن يكون على علم بتاريخ الدول و أخبارها و بالقوانين الدولية و المعاهدات العامة و العلاقات السياسية و التجارية و التاريخية بين مختلف الدول .

5- العدل :

و يشترط في الإمام أو الخليفة أن يكون عدلا , لأنه يتولى منصبا يشرف على كل المناصب التي يشترط فيها العدالة فكان من الأولى أن تشترط العدالة في منصب الإمامة أو الخلافة .

و العدالة عند الفقهاء هي التحلي بالفرائض و الفضائل و التخلي عن المعاصي و الرذائل و عن كل ما يخل بالمروءة , و يشترط بعضهم أن تكون العدالة ملكة لا تكلفا , و لكن البعض يرى أن التكلف اذا التزم أصبح ملكة و خلقا .

6- الكفاية :

و يشترط في الامام أو الخليفة أن يكون كافيا قادما على يقادة الناس و توجيههم قادرا على معاناة الادارة و السياسة , فمن قام بالقسط فقد قام بما أمر به .

7- السلامة :

و يشترط البعض في الإمام أو الخليفة سلامة الحواس و الأعضاء من النقص و العطلة كالعمى و الصم و الخرس و تجديع الأطراف , و حجتهم أن عدم السلامة على هذا الوجه يقلل من الكفاية في العمل أو من الاتيان به على وجه تام , و لكن البعض يرى أنه لا ضرر من أن يكون في خلق الامام أو الخليفة عيب كما في الأعمى و الأصم و الأجذم و الأحدب و الذي لا يدان له و لا رجلان و من بلغ الهرم مادام يعقل , فكل هؤلاء أمامهم جائزة اذ لم يمنع نص قرآن و لا سنة و لا اجماع و لا نظر , و لا دخل لهذه العيوب في قيام الامام أو الخليفة على أمر الله بالحق و العدل و الله تعالى يقول " كونوا قوامين بالقسط " فمن لم يكن كفئا لوظيفة ليس له أن يتولاها .

8- القرشية :

و هو شرط مختلف عليه , فالجمهور يشترط أن يكون الامام أو الخليفة من قريش و حجتهم قي ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من أحاديث في هذا الشأن فروى عنه " الأئمة من قريش" و روي " الأئمة من قريش ما اذا حكموا و عدلوا " و روي " الأئمة من قريش , ان لي عليكم حقا و لهم عليكم مثل ذلك ما أن استرحموا و رحموا و ان عاهدوا وفوا , و ان حكموا عدلوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجميعن " و روي " أن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله و استقاموا على أمره " و روي " ان هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " و روي " أن هذا الأمر في قريش ما استرحموا رحموا و اذا حكموا عدلوا , و اذا قسموا أقسطوا فمن لم بفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين " و روي " أما بعد يا معشر قريش فانكم هذا الأمر ما لم تعصوا الله فاذا عصيتموه بعث عليكم من بلحاكم كما يلحى هذا القضيب – القضيب في يده- ثم لحا قضيبه فاذا هو أبيض يصلد " و روي " يا معشر قريش انكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا فاذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القصب " و روي " استقيموا لقريش ما استقاموا لكم , فان لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم فان لن تفعلوا فكونوا رواعين أشقيا " و روي " قدموا قريشا و لا تقدموها " و روي " كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم فصيره إلى قريش و سيعود اليهم " و روي " ما بقي منهم اثنان , و ما بقي في الناس اثنان "

و يستند الجمهور أيضا إلى اجماع الصحابة على أن تكون الإمامة في قريش , فقد احتج أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار بأن الأئمة من قريش فعدلوا عن المطالبة بالإمامة بعد أن كانوا يقولون منا أمير و منكم أمير و رضوا بما قاله لهم : نحن الأمراء و أنتم الوزراء .

و يرى الخوارج و بعض المعتزلة أنه لا يشترط أن يكون الامام قرشيا , و انما يستحق الامامة من قام بالكتاب و السنة سواء كان ربيا أو عجميا , ذلك لأنهم يردون حديث الأئمة من قريش بحجة أنه من أحاديث الآحاد . و ذهب ضرار بن عمر إلى تولية غير القرشي أوبى , لأنه يكون أقل عشيرة فاذا عصى كان أمكن لخلعه .

و لما ضعف أمر قريش و تلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف و النعيم عجرزوا عن حمل الأمر , و تغلب عليهم الأعاجم و صار الحل و العقد لهم , فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية , و استندوا في ذلك إلى قول الرسول صلى الله عليه و سلم " اسمعوا و أطيعوا و أن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة " كما استندوا إلى قول عمر:" لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته " و سالم ليس قرشيا , و إلى ما روي عن عمر :" ان أدركني أجلي و أبو عبيدة حي استخلفته , و ان أدركني أجلي و قد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل " و معاذ أنصلري لا نسب له في قريش . كذلك استدلوا يتأمير عبد الله بن رواحة و زيد بن حارثة و أسامة بن زيد و غيرهم في الحروب , و ممن أشقط شرط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أردك ما عليه أمر قريش من التلاشي و الاضمحلال و استبداد الأعاجم بالأمر .

و المتمسكون بشرط القرشية يردون على ذك بأن الحديث ورد في الامارات الصغرى لا في الامامة العظمى , و أن ما روي عن عمر لعله اجتهاد منه بغير بعد ذلك , كما أن تأمير عبد الله بن رواحة و غيره ليس له دخل بالامامة العظمى .

و يعلل ابن خلدون جعل الأمر في قريش بقوة عصبيتهم " لأن قريشا كانوا عصبة مضر و أصلهم و أهل الغلب فيهم , و كان سائر العرب يعترف لهم بذلك , فلو جعل الأمراء من سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم و عدم انقيادهم , و لا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف و لا يحملهم على الكره , فتفرق الجماعة و تختلف الكلمة , و الشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم , بخلاف ما اذا كان الأمر في قريش لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد خلاف عليهم و لا فرقة لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها و منع الناس منها , فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب و هم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة و اتفاق الكلمة , و اذا انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن لهم سائر العرب و انقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة , و وطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات و استمر بعدها في الدولتين الى أن اضمحل أمر الخلافة و تلاشت عصبية العرب , فاذا ثبت أن اشتراط القرشية انما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية و الغلب , و علمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل و لا عصر و لا أمة , علمنا أن ذلك انما هو من الكفاية فرددناه إليها و طلبنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية , و هي وجود العصبية , فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة على من معها لعصرها , و اذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا لأنه سبحانه انما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم و يردهم عن مضارهم , و هو مخاطب بذلك و لا يخاطب بالأمر إلا من له قدر عليه , ثم ان الوجود شاهد بذلك فانه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم , و قل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي "

و ظاهر مما سبق أن ابن خلدون يرى أن الامامة جعلت في قريش لقوتها و غلبتها و أن حقها في الاماة زال بزوال قوتها و غلبتها , و معنى ذلك أن يفسر القرشية بالعصبية الغالبة .

و يرى الدكتور طة حسين أن أبا بكر حينما قال للأنصار الأئمة من قريش لم يفكر في اطلاق الإمامة لقريش كلها دون تحديد , و انما كان يفكر هو وعمر و أبو عبيدة في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام فآمنوا به قبل أن يؤمن غيرهم , و آزروا النبي بأنفسهم و أموالهم على نشر دعوته في مكة أيام الجهد و الشق و الضيق , فأبو بكر حينما قال للأنصار أن الأئمة من قريش كان يقصد إلى هذه الطبقة الممتازة من قريش طيقة الذين سبقوا إلى الاسلام و جاهدوا مع النبي في مكة و المدينة . و معنى هذا الذي يقوله الدكتور طة حسين أن شرط القرشية لا محل له بعد انتهاء الطبقة الممتازة من قريش أولئك الذين سبقوا إلى الإسلام و جاهدوا مع النبي في مكة أثناء الفتنة و جاهدوا معه في المدينة أثناء القوة .

و يلاحظ أخيرا أن الأحاديث التي سبق ذكرها معناها جميعا واحد من حيث أنها جعلت الامامة في قريش و لكن في بعضها زيادة مقبولة تقطع بأن الأمر لم يجعل في قريش مطلقا من كل قيد , و انما هو لقريش ما اطاعوا الله و استقاموا على أمره , فاذا عصو سقط حقهم في الامامة و حديث " لا يزال الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " جاء مطلقا كحديث " الأئمة من قريش " الا أن كليهما مقيد بما اشترط في الأحاديث الأخرى من طاعة الله و القيام على أمره , و سقوط حق قريش في الامامة ليس معناه أن لا يكون امام من قريش و انما معناه أن لا تكون الامامة محصورة في قريش فيجوز أن يكون الامام قرشيا أو غير قرشي .

و يبقى بعد ذلك أن يقال أن الأحاديث كلها وردت بصيغة الخبر عدا حديث " استقيموا لقريش ما استقاموا لكم " و حديث " قدموا قريشا و لا تقدموها " فانها وردا بصيغة الأمر , و الأحاديث الواردة بصيغة الخبر ليست أحكاما , و انما هي أخبار عن حال قريش و ما يحدث لها , و مجموعها يفيد أن الامامة ستكون فيهم ما أطاعوا الله و لو بقي من الناس اثنان , فاذا عصو الله بعث عليهم من يقصيهم عنها , أما الحديثان الواردان بصيغة الأمر فقد جاءا ببيان ما يجب على الأمة من معاملة قريش ما دامت مستقيمة على أمر الله .

هذان رأيان يمكن أن يقالا في تفسير الأحاديث الواردة في امامة قريش و قد بنيا على جمع الأحاديث و استخراج معناها جملة , و لعل هذا هو أصح طريق في تفسير هذه الأحاديث ما دامت هذه الأحاديث جميعا في درجة واحدة تقريبا و بعضها يقوي البعض الآخر و ليس فيها ما ينسخ شيئا منها .

و لا يفوتنا هنا أن ننبه إلى جمهور الأمة المتمسكين بشرط القرشية أجازوا خلافة المتغلب و لو لم يكن قرشيا , و في هذا ما يناقض التمسك بشرط القرشية , و لكنهم عللوا ذلك بالضرورة .

هذه هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الامام الأعظم أو الخليفة , و ليس ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى اذا اقتضتها المصلحة العامة , فيجوز مثلا أن يشترط في الامام أن يكون قد بلغ سنا معينة , و يجوز أن يشترط فيه الحصول على درجات علمية معينة , و يجوز أن يشترط فيه أي شرط آخر اذا دعت لذلك الشرط مصلحة الجماعة أو اقتضته ظروف الحياة التي تتغير بمرور الأيام .

إنعقاد الإمامة أو الخلافة

الطريق الشرعي للامامة

تنعقد الامامة عن طريق واحد مشروع لا ثاني له , و هو اختيار أهل الحل و العقد للامام أو الخليفة و قبول الامام أو الخليفة لمنصب الخلافة .

فالامامة أو الخلافة ليست إلا عقدا طرفاه الخليفة من ناحية و أولوا الرأي في الأمة من الناحية الأخرى , و لا ينعقد العقد إلا بالإيجاب و قبول : الايجاب من أولي الرأي في الأمة أو أهل الشورى , و هو عبارة عن اختيار الخليفة , و القبول من جانب الخليفة الذي اختاره أولو الرأي في الأمة .

على هذا جرى الأمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم , و بهذه الطريقة بويع الخلفاء الراشدون جميعا , و نستطيع أن نتبين ذلك اذا رجعنا الى الوقائع اليت قامت عليها بيعة كل منهم , و الظروف التي تمت فيها , و حللناها تحليلا عليما و منطقيا .

بيعة أبي بكر

لما توفي الرسول صلى الله عليه و سلم اجتمع الأنصار في سقسفة بني ساعدة و أخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر , و سمع عمر بن الخطاب بالخبر فأخبر أبا بكر , و ذهبا و معهما أبو عبيدة إلى السقسفة فخطب أبو بكر في الحاضرين و عرض عليهم أن يختاروا عمر أو أبا عبيدة , فقالا : والله لا نتولى هذا الأمر عليك و أنت أفضل المهاجرين و خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصلاة , أبسط يدك نبايعك , فلما ذهبا يبايعنه سبقهما بشير بن سعد من الأنصار فبايعه , و تتابع الناس فبايعوه من كل جانب , فلما كان الغد جلس أبو بكر على المنبر و بايعه الناس بيعة عامة , ثم قام فخطبهم خطبة منها " أيها الناس قد وليت عليكم و لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوموني " و منها " أطيعوني ما أطعت الله و رسوله , فإن عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم "

هذه هي بيعة أبي بكر لم تتم إلا باختيار المهاجرين و الأنصار و أولي الرأي في الأمة , و بقبول أبي بكر لهذا الاختيار و اقراره له .

و اختيار أبي بكر على هذا الوجه يتفق مع قوله تعالى :" و أمرهم شورى بينهم " الشورى : 38 . و أهم أمور المسلمين و أحقها بالشورى هو أمر الحكم , فعلى المسلمين أن يختاروا من يلي أمرهم و يقوم على شئونهم و ينفذ أمر الله فيهم , ليحققوا ما وصفهم الله به من أن أمرهم شورى بينهم .

و قد بين أبو بكر في خطبته الحدود العامة للعقد الذي تم بينه و بين أولي الرأي في الأمة الذين اختاروا للخلافة , فقال أن من حقه عليهم أن يعينوه و يتعاونوا معه إذا أحسن عمله , و إن من حقهم قبله أن يقوموه و يسددوه إذا أساء أو أخطأ , و أن طاعته واجبة عليهم ما دام لم يخرج على كتاب الله و لا سنة رسوله , فان خرج فما عليهم من طاعة , و ليس له أن يبقى في منصبه.

بيعة عمر

و لما حضرت الوفاة أبا بكر استشار كثرا من الصحابة في تولية عمر , ثم كتب للناس خطابا جاء فيه " أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب و لم آلكم خيرا " و أمر به أن يقرأ على الناس فجمعوا و قرئ عليهم , و كان أبو كبر قد أشرف عليه فقال " أترضون بمن استخلف عليكم فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة و إني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له و أطيعوا" فقال الناس سمعنا و أطعنا .

و لما استشار أبو بكر بعض الصحابة في عمر قبل أن يكتب للناس قال " لو تركته ما عدوت عثمان و الخيرة له أي لعمر – أن لا يلي من أموركم شيئا " .

فهذا أبو بكر لا يفتات على الناس فهو يختار لهم و يجعل اختياره متوقفا على رضائهم به و متوقفا على رضاء عمر , و لو رفض عمر ما وسعه أن يلزمه , و لو رفض الناس تولية عمر لما ألزمهم إياه , و انما أحسن أبو بكر الاختيار و وثق به المسلمون و بحسن اختياره فكانوا عند حسن ظنه بهم , و لو لا أنه كان يعلم الحق أنه نصح و اجتهد للمسلمين في اختيار عمر لما فعلها .

و من الخطأ أن نعتبر ما حدث من أبي بكر اختيارا للخليفة من بعده , فلو كان فعل أبي بكر في حقيقته اختيارا لما سأل الناس أيرضون بعمر أم لا يرضون , و انما كان فعل أبي بكر في حقيقته ترشيحا لمن يراه أقدر على القيام بأمر الناس , و اذا كان الترشيح ممن يحسن الناس به الظن و يأمنونه على مصالحهم يعتبر في حكم الاختيار إلا أنه ليس ترشيحا في واقع الأمور و في فقه الفقهاء , و الاختيار لا يكون و لا يصح إلا ممن لهم حق الاختيار .

و أبو بكر لا يملك أن يختار الخليفة بعده و ن كان يقوم على أمر الجماعة , لأنه نائب الجماعة استخلفه عليها لمهمة معينة يراعى فيها شخصية النائب , و ليس للنائب أن يختار غيره ما دامت النيابة ملحوظا فيها شخصية النائب , كذلك فان الجماعة استخلفت أبا بكر لمدة حياته فاذا صح له أن يختار من ينوب عنه في حياته فليس له أن يختار من يقوم مقلمه بعد وفاته , لأن نيابته تنتهي بوفاته فاذا اختار من يقوم على أمر الأمة بعد وفاته فقد خرج على حدود نيابته , أو لا يكون اختياره إلا ترشيحا ان شاءت الجماعة التي هي صاحبة الحق في الاختيار أن تأخذ به فعلت , و ان شاءت رفضت و لا تثريب عليها .

و لو كان فعل أبي بكر اختيارا و استخلافا فعليا لما كان هناك ما يدعو لأن يبايع الناس عمر بعد ذلك , فبيعة الناس لعمره هي التي جعلته خليفة و ما انعقدت خلافته إلا بهذا دون غيره .

و اذا كان ما فعله أبو بكر ليس إلا ترشيحا فينبغي أن نعلم أن أبا بكر لم يرشح عمر للخلافة إلا بعد أن استشار خاصة الصحابة , فلما قبلوا هذا الترشيح كتب و علق الأمر على اختيار عامة الناس .

و بعد فإن أبا بكر أبر و أتقى من أن يعطل قول الله :" و أمرهم شورى بينهم " و اختيار الخليفة القائم لمن يتولى تامة ليس إلا تعطيلا صريحا لهذا النص الذي أوجب الله على الأمة العمل به .

بيعة عثمان

و لما طعن عمر طلب منه المسلمون أن يستخلف , فقال أنظر فان استخلف فقد استخلف من هو خير مني , و ان أترك فقد ترك من هو خير مني و لن يضيع الله دينه , فخرجوا ثم عادوا فقالوا له يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا , فقال ما أردت أن أتحملها حيا و ميتا , عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله ثلى الله عليه و سلم أنهم من أهل الجنة , و هم : علي و عثمان و عبد الرحمن و سعد و الزبير بين العوام و طلحة بن عبيد الله فليخاروت منهم رجلا , فاذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته و أعينوه .

فلما مات عمر جمع المقداد أهل الشورى في حجرة السيدة عائشة باذنها و طلحة غائب فتنافسوا في الظامر , فقال عبد الرحمن أيكم يخرج منها نفسه و يتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجب أحد , فقال أنا انخلع منها فرضوا به و أعطوه موثقهم على أن يكونوا معه على من بدل و غير , و أن يرضوا من يختاره لهم . و أعطاهم موثقة ألا يخص ذا رحم و ألا يألوا المسلمين نصحا .

و بقي عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها يلقى أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم و من في المدينة من أمراء الأجناد و أشراف الناس يشاورهم في الأمر , حتى أنه لم ينم في الليلة الأخيرة , و ظل يجتمع بهذا و بذاك حتى صلاة الصبح , و في صباح اليوم الرابع جمع المهاجرين و الأنصار و أهل الفضل و السابقة و أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التحم المسجد بأهله , ثم قال : أيها الناس أشيروا علي , فقال عمار بن ياسر ان أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا , و أيد المقداد بن الأسود رأي عمار , و قال ابن أبي سرح أن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان , و أيد هذا الرأي عبد الله بن أبي ربيعة , و تشاح الناس , فقال عبد الرحمن أني قد نظرت و شاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا , و دعا عليا و قال عليك عهد الله و ميثاقه لتعملن بكتاب الله و سنة رسوله و سيرة الخليفتين من بعده , قال : أرجو أن أفعل فأعمل بمبلغ علمي و طاقتي , و دعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي , قال نعم فرفع رأسه إلى سقف المسجد و يده في يد عثمان و قال : اللهم اسمع و اشهد أني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان ثم بايعه فبايع الناس جميعا .

فاختار عمر اذن كان ترشيحا , و اختيار عبد الرحمن كان ترشيحا , و لم تنعقد البيعة لعثمان إلا برضاء الجماعة عنه و مبايعتهم إياه , و اذا كان عبد الرحمن قد اختار عثمان و بايعه فتابعه الناس على ما رأى فما ذلك إلا لأنهم يثقون في عبد الرحمن , و تلك طبيعة البشر في كل الأزمان يتابعون من يثقون فيه و يحسنون به الظن .

بيعة علي و لما قتل عثمان ذهب أصحاب الرسول من المهاجرين و الأنصار إلى علي يعرضون عليه أن يبايعوه , فقال لا حاجة لي في أمركم فترددوا عليه مرارا و صمموا على مبايعته , فقال : اذن ففي المسجد , فاجتمع الناس و بايعوه .

و مع أن جمهور أهل المدينة بايعوا عليا ألا أن الكثيرين لم يبايعوه , لأن الناس لم يجتمعوا عليه , و كانت تلك حجة لبعض من انتقضوا عليه بل كانت حجة طلحة و الزبير أنهما بايعا كارهين فلم تصح بيعتهما .

و ظاهر من هذا أن الخلافة لا تكون إلا ببيعة عامة للناس بيعة عن رضا و اختيار .

نتيجة لا شك في صحتها

هذه هي الوقائع التاريخية لبيعة الخلفاء الراشدين الأربعة تؤدي دراستها دراسة تحليلية إلى نتيجة واحدة لا شك في صحتها , و هي أن البيعة لا تتم إلا باختيار عامة أهل الرأي أو أغلبهم للخليفة و رضاء الخليفة بذلك , و أن اختيار الخليفة القائم لمن يأتي بعده ليس إلا ترشيحا متوقفا على قبول أهل الرأي , فإن قبلوا هذا الترشيح بايعوا المرشح و إلا رفضوه و رشحوا غيره .

و هذا هو نفسه ما فهمه عمر بن عبد العزيز حينما عهد إليه سليمان بن عبد الملك فقد اختاره خليفة من بعده و كتب بذلك كتابا ختمه بخاتمه , و أمر رجاء بن حياة بأن يجمع أهل بيته ليبايعوا لمن في الكتاب دون معرفة اسمه فبايعوا . و بعد أن مات سليمان جمع رجاء الناس في مسجد دابق و طلب منهم المبايعة على من سمي في هذا الكتاب المختوم فبايعوا , فلما بايعوا فض الكتاب و قرأه عليهم فاذا فيه :" هذا الكتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز . اني قد وليته الخلافة بعدي و من بعده يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له و أطيعوا و اتقوا الله و لا تختلفوا فيطمع فيكم " , فلما قرئ الكتاب صعد عمر بن عبد العزيز المنبر و قال :" اني والله ما استؤمرت في هذا الأمر و أنت بالخيار " , و في رواية أخرى " يا أيها الناس اني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه و لا طلبة له و لا مشورة من المسلمين , و أني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم "

فعمر بن عبد العزيز و هو من خيرة المسلمين علما و فقها و دينا يرى أن بيعة الخليفة لا تكون إلا باختياره من جانب أولي الرأي في الأمة , و بقبول من جانبه هو , كما يرى أن اختيار الخليفة السابق ليس ببيعة , و أن مبايعة الناس لمجهول ليست بيعة صحيحة , و لذلك كله رد الأمر للناس ليختاروه ان شاءوا راضين غير مكرهين و قد فعلوا .

تجوز لا محل له

و لقد تجوز أكثر الفقهاء في التعبير و سموا ما حدث من ترشيح أبي بكر لعمر بيعة , و رتبوا على ذلك نتيجة غير صحيحة تخالف كل المخالفة نصوص الشريعة الاسلامية و روحها , حيث أجازوا للامام القائم أن يعقد البيعة لمن يخلفه بعهد منه , حتى بقد قالوا هذه المسألة مما انعقد الاجماع على جوازها و وقع التفاق على صحتها و استدلوا على ذلك بأمرين عمل المسلمون بهما و لم يتناكروها , أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر فأثبت المسلمون امامة عمر بعهد أبي بكر , و ثانيهما : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها و هم أعيان العصر , اعتقادا بصحة العهد بها , و خرج باقي الصحابة منها حتى قال علي للعباس حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرا عظيما من أمور الاسلام لم أر لنفسي الخروج منه .

و ما استدل به الفقهاء لا يؤدي إلى إعطاء الامام القائم حق عقد البيعة لمن يخلفه , و يكفي في التدليل على ذلك ما قالوه من أن أبا بكر عهد بالخلافة لعمر فأثبت المسلمون امامة عمر بعهد أبي بكر , و معنى ذلك أن عهد أبي بكر لم يجعل عمر اماما و انما صار عمر اماما حيث أثبت المسلمون اماته بناء على عهد أبي بكر , اذن فعهد أبي بكر لم يكن الا ترشيحا , و الأمر في عهد عمر للستة أظهر من أن يكون محلا للاشتباه , فهذا العهد لا يمكن أن يكون الا ترشيحا اذ المقصود منه تحديد الأشخاص الذين رأى عمر أنهم يصلحون لتولي الخلافة , و لو كان عهد عمر عقد بيعة لما اختار ستة اذ البيعة لا تكون إلا لواحد فقط .

فعهد أبي بكر لعمر و عهد عمر للستة انما كلاهما ترشيحا , و قبول الأمة لهذا الترشيح يعتبر سابقة تقرر للخليفة القائم حق ترشيح من يخلفه على أن يكون المرشح واحدا أو أكثر , و للأمة أن توافق على المرشح أو ترشح غيره , و ما يعطي ترشيح الخليفة القائم لغيره أي حق , و لا يجعل له فضلا على أي مرشح آخر .

و هذا الذي تقوله قد قاله بعض الفقهاء , حيث رأى أنه ليس من الضروري استشارة أهل الحل و العقد وقت العهدة , لأن عهد الإمام القائم لغيره ليس بعقد للامامة , بدليل أنه لو كان عقدا لأفضى إلى اجتماع امامين في عصر واحد و هذا غير جائز , و اذا لم يكن العهد عقدا فلا يعتبر حضور أهل الحل و العقد وقت العهد , و انما يعتبر بعد موت الامام , هذا القول صريح في أن العهد ترشيح و ليس بيعة .

و لكن الفريق الآخر الذي نقضنا كلامه يرى بغير حق أن الخلافة تنعقد بالعهد , لكن تصرف للخليفة الجديد يكون موقوفا على موت الخليفة القائم , فالبيعة في هذه الحالة تشبه وكالة انجزت و علق تصرفها على شرط , فالخليفة الجديد خليفة حالا و لكن تصرفه هو المعلق .

و مع أن هذا الفريق يرى انعقاد الخلافة بعهد الخليفة القائم ألا أنه يشترط أن يكون الخليفة العاهد جامعا لكل شروط الخلافة , فان لم يكن كذلك فلا يجوز له أن يعهد لغيره , فان عهد لغيره فعهده غير صحيح , و لا يجوز تنفيذه , و القانون بهذا ينتقدون العلماء و أصحاب الرأي في الأمة لقبولهم تنفيذ عهود بني أمية و بني العباس و هي غير صحيحة لعدم استجماع خلفائهم لكل شروط الخلافة , و يعللون سكوت العلماء على تنفيذ هذه العهود مع عدم صحتها بشوكة الخلفاء و قوتهم و بخضية العلماء من الفتنة .

و يرى السيد محمد رشيد رضا رحمه االه أن للامام أن يستخلف غيره بشرط أن يكون الامام جامعا لشروط الامامة و لكن الاستخلاف يون متوقفا على اقرار أهل الحل و العقد له , كما يرى أن الاستدلال الفقهاء يقتضي هذا الرأي و أن كانوا لم يصرحوا به .

ولاية العهد

تختلف ولاية العهد عن الاستخلاف بعض الشيء و أن كان حكمها واحدا , فالأصل أن الاستخلاف لا يكون إلا عندما تحضر الوفاة الخليفة , فيستخلف غيره أي يرشحه للخلافة كما فعل أبوبكر و عمر فانهما لم يستخلفا الا لما حضرتهما الوفاة , و لا يقصد الخليفة من الاستخلاف إلا توجيه أهل الحل و العقد إلى الرجل الصالح للخلافة على أن لا يألو الخليفة جهدا في الاختيار , و أن لا يختار من ذوي قرباه . أما ولاية العهد فتكون و الخليفة في صحة و عافيته , و تحدث غالبا قبل وفاته بزمن طويل أو على أثر توليه الخلافة , و لا يقصد من ولاية العهد إلا ايثار ذوي القربى بالخلافة , و حفظ الخلافة في أسرة بعينها دون رعاية لمصلحة الأمة .

و اذا كان الاستخلاف سنة حسنة سنها أبو بكر و تبعه فيها عمر , فان ولاية العهد بدعة ابتدعها معاوية , ليمكن لولده يزيد الفاسق من رقاب المسلمين , و ليحول الخلافة ملكا عضوضا مستقرا في غلمان بني أمية و فساقها .

و لقد بذل معاوية في سبيل أخذ العهد لولده يزيد ما بذل من الدهاء و الخديعة و الرشوة , ثم لجأ أخيرا إلى التهديد و الاكراه و الادعاء بأن كبار أبناء الصحابة كالحسين و عبد الله ابن الزبير و عبد الله بن عمر بايعوا يزيد و هم لم يبايعوه , حتى اذا ظن أنه مكن لولده يزيد كان قد كان مكن للفساد و الفتنة , و أقام أمر الأمة الاسلامية على المحاباة و الظلم و اهدار الحقوق , و قضى على الشورى و عطل قوله تعالى "و أمرهم شورى بينهم " و حول الحكم الفاضل العادل النظيف إلى حكم قذر قائم على الأهواء و الشهوات ,و وجه الناس إلى النفاق و الذلة و الصغار .

و من المحتمل أن يكون معاوية قد أدرك نتائج فعلته , و من المحتمل أن تكون قد فاتته , و لكن الذي لاشك فيه أن كل من جاءوا بعده إلى عصرنا هذا قد عملوا بسنته و تشبثوا ببدعته حاشا عمر بن عبد العزيز , فعلى معاوية و قد استن هذه السنة السيئة أثمها و اثم من عمل بها إلى يوم القيامة أن لم يكن قد اجتهد فأخطأ .

و ولاية العهد ليست إلا استخلافا لمن يلي الخليفة القائم على ما بين الاستخلاف و ولاية العهد من فروق , فاذا كان الاستخلاف في حقيقته ترشيحا للخلافة فان ولاية العهد ليست الا ترشيحا للخلافة أيضا , و ليس لها في ذاتها أي أثر شرعي , فلا يمكن أن يكون ولي العهد اماما الا باختيار الأمة له بعد وفاة الامام الذي عهد اليه , أما الاختيار الذي يحدث في حياة العاهد فليس اختيارا صحيحا , لأنه يحدث عادة تحت التهديد و الاكراه , ولأنه سابق لأوانه , اذ أن ولي العهد لن يصبح خليفة الا بعد وفاة الخليفة الذي عهد اليه و الا اجتمع خليفتان , و ربما لا تتوفر فيه شروط الخلافة وقت العهد اليه كأن يكون صغيرا , أو لا تتوفر فيه وقت توليته الخلافة كأن يكون فاسقا , و فضلا عن ذلك فان الامام و هو نائب الأمة ليس له أن يأخذ الأمة التي أنابته في ادارة شئونها و القيام على أمرها باختيار من ينوب عنها بعده , فذلك خروج عن حدود نيابته , و تدخل منه فيما هو من شأن الأمة الخاص , خصوصا أن النيابة عن الأمة تستلزم شروطا خاصة يجب توفرها في شخص النائب , و القاعدة أنه إذا روعي في النيابة شخصية النائب فليس للنائب أن ينيب عنه أحدا كذلك فان النيابة مرتبطة بالحاجة اليها و ما دامت الأمة في غير حاجة إلى من ينوب عنها بقيام خليفة على أمرها فليس ثمة ما يدعو لاختيار خلف له لانعدام الحاجة اليه , فاذا توفي الامام القائم قامت الحاجة لاختيار غيره و كان للأمة أن تختار من تراه صالحا للنيابة عنها .

و قد تجوز الفقهاء في ولاية العهد كما تجوزوا في الاستخلاف و اعتبروا ولاية العهد عقدا للامامة , و لكنهم اشترطوا أن يعهد الامام إلى من هو أحق بالامامة و أقوم بها , ثم اختلفوا بعد ذلك , ففريق اشترط أن يرضى أهل الاختيار لتلزم البيعة الأمة , لأن اختيار الخليفة حق للأمة فلا تلتزم الأمة بخليفة الا اذا رضيته و اختارته , و فريق رأى لزوم البيعة للأمة باختيار الخليفة القائم دون حاجة إلى أن تختار هي , و حجة هذا الفريق أن بيعة أبي بكر لعمر لزمت الأمة و لم تتوقف على رضائها , و هذا خطأ لا شك فيه أو مغالطة في التدليل – كما بينا ذلك من قبل – قصد منها ارضاء الملوك و الخلفاء و تبرير خروجهم على أحكام الاسلام . و اختلفوا بعد ذلك في حعل ولاية العهد للابناء , فالذين يستلزمون الرجوع للامة و يجعلون البيعة متوقفة على رضاها و اختيارها يجيزون أن يعهد الخليفة إلى من ينتسب اليه ببنوة اذا كان المعهود اليه على صفات الأئمة , وحجتهم أن الامامة لا تنعقد للمعهود اليه بنفس العهد , و انما تنعقد باختيار المسلمين للمعهود اليه , و من ثم تنتفي التهمة عن الخليفة العاهد .

أما الذين يرون انعقاد البيعة بالعهد و لا يستلزمون الرجوع للأمة فيوجبون في حالة العهد الى ولد أو والد الرجوع للأمة , و لا يجيزون للخليفة أن ينفرد بعقد البيعة لولد و لا لوالد حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيروه أهلا لها , فيصح حينئذ عقد البيعة . على أن من هؤلاء من يرى أن للخليفة أن ينفرد بعقد البيعة لولده أو والده و يكون عقده صحيحا , و هم بعد ذلك قسمان : قسم يرى رضاء أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومة للأمة , و قسم يرى العهد ملزما للأمة دون حاجة للرجوع إليها .

و الجميع يشترطون رضاء المعهود اليه به , و لكنهم اختلفوا في زمان القبول ففريق رأى أن القبول لا يكون إلا بعد وفاة العاهد في الوقت الذي يصج فيه للمعهود اليه أن يتولى الأمر , و فريق رأى أن القبول يكون فيما بين العهد و الموت .

و يشترط في المغهود اليه اتفاقا توفر شروط الامامة فيه وقت العهد اليه , و استدامتها إلى ما بعد موت العاهد , فإن كان المعهود اليه صغيرا أو فاسقا وقت العهد و بالغا عدلا وقت وفاة العاهد لم تصح خلافة المعهود اليه إلا اذا استأنف أهل الاختيار ببيعته .

نتائج الاستخلاف وولاية العهد

كان الاستخلاف في أول الأمر مقصودا به النصح للأمة و حفظ مصلحتها و جمع كلمتها على خليفة عادل تقي قوي , و هذا ما رمى اليه أبو بكر حين استخلف عمر و ما رمى اليه عمر حين اختار أهل الشورى , و لكن أصحاب المآرب استغلوا هاتين السابقتين الكريميتين ليقولوا بولاية العهد و ليزينوا لمعاوية أن يؤثر بها ولده يزيد من دون الناس , فلما فعلها معاوية خلق سابقة جديدة تختلف كل الاختلاف عن سابقة الاستخلاف و ان كان معاوية قد حاول جهده أن يبين للناس أنه لم يفعل أكثر مما فعل سابقوه .

و الفرق بين الاستخلاف و ولاية العهد ظاهر , فالاستخلاف يقوم على ترشيح الخليفة القائم رجلا أو أكثر لولاية أمر الأمة بعده على أن يجتهد الخليفة في الاختيار و أن لا يكون بينه و بين المرشح صلة , أما ولاية العهد فهي ترشيح الخليفة القائم ولده أو احدى ذوي قرباه ليتولى أمر الأمة بعده بقصد حفظ الأمر في أسرة الخليفة , و بغض النظر عما اذا كان المرشح صالحا أو غير صالح .

و هكذا ينظر في الاستخلاف إلى مصلحة الأمة , و ينظر في ولاية العهد إلى مصلحة أسرة الخليفة , و يقوم الاستخلاف على التجرد , و تقوم ولاية العهد على المحاباة , و يرمي الاستخلاف إلى أقامة الشورى التي فرضها الله و الخلافة التي يتمز بها الاسلام أما ولاية العهد فترمي إلى إقامة الملك العضوض الذي يبغضه الله , و التمكين للاستبداد و الاستعلاء الذي يحرمه الاسلام .

و لقد تطورت بدعة ولاية العهد أكثر من مرة فيوم ابتدعها معاوية كان العهد لشخص مكلف و لم ير معاوية بدا من أن يأخذ الناس ببيعة ولي العهد طوعا أو كرها مستعينا في ذلك بالرشوة و الخديعة و بما يملك من سلطان على الناس , و لكن من جاءوا بعد معاوية عهدوا إلى الأطفال و هو عهد غير صحيح و كانوا يأخذون لهم البيعة وقت العهد على أن تصحح البيعة بعد توليتهم الحكم و هو تصحيح شكلي محض فما كان ثمة من يجرؤ على مقاومة من تولى الحكم فعلا أو يجرؤ على رفض البيعة له , و هكذا تبدأ البيعة باطلة ثم تصحح في ظل البطش و الاكراه و بعد أن يتولى السطان الفعلي ذلك الذي لم تصح له بيعة , ثم تطورت ولاية العهد و تطورت حتى انتهت إلى أن يكون العهد بقانون إلى أطفال لو يولدوا بعد و انما يعرفون بأوصافهم و درجاتهم دون حاجة إلى بيعة في الحال أو الاستقبال .

و لقد كان للفقه أثره في تطور الاستخلاف إلى ولاية العهد , و في تطور ولاية العهد من شكل إلى شكل آخر , فلعل بعض الفقهاء الذين باعوا الدنيا بالآخرة هم الذين أشاروا على معاوية بولاية العهد لولده يزيد و هم الذين زينوا له هذا الأمر و قربوا ما بين ولاية العهد و الاستخلاف من بون شاسع , أو لعل معاوية هو الذي فكر في ولاية العهد فلما حقق ما أراد أخذ بعض الفقهاء تحت تأثير المجاملة أو الخوف يقيسون ولاية العهد بالاستخلاف و يحملون الاستخلاف ما لا يحمله من المعاني و يرتبون عليه ما لا يترتب من النتائج و لما حاول بعض الحكام أن يعهدوا إلى الأطفال وجدوا من يفتيهم بجواز العهد إلى الأطفال , و لما حاول بعض الحكام أن يرجعوا إلى الأمة وجدوا من يفتيهم بأن عهد الحاكم يلزم الأمة و أن لا حاجة للرجوع اليها .

و هكذا تضافر الحكام المسلمون و بعض الفقهاء المسلمين – و كلا الفريقين ـمين على مصالح الأمة – تضافروا جميعا على خيانة الأمة الاسلامية , و سلبها حقوقها التي فرضها الاسلام , فالاسلام يعطي للأمة حق اختيار حكامها و عزلهم , و يجعلهم بمثابة النواب عنها , و لكن الحكام و بعض الفقهاء تآمروا على الأمة الاسلامية فسلبوها كل حقوقها , و جعلوا من أفراد عبيدا و من الحكام سادة يأمرون فلا يرد لهم أمر و يتصرفون في حقوق الأمة و مستقبلها و أرواح أبنائها دون حسيب و لا رقيب .

و قد شارك في هذه الخيانة جماهير المسلمين بسكوتهم على الباطل , و برضاء بعضهم به , و بعدم ثورتهم عليه , فتمت بذلك المؤامرة الكبرى التي أوشكت أن تقضي على الاسلام , و التي عطلت سيره و أوقفت اندفاعه من مئات السنين , و خان المسلمون جميعهم – عن جهل أو عمد – الأمانة التي عرضت على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و تعرض لحملها الإنسان على ما فيه من جهل و ظلم :" إنا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " الأحزاب : 72.

خان المسلمون أمانة خلافة الله في الأرض و كفروا بأنعمه عليهم , فلم يقيموا أمر الله فيما بينهم و لم يهتدوا بهديه , و لم ينتهوا عن نهيه :" فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون " البقرة: 38 .

و خانوا أمانة الاستخلاف في الحكم بعد أن مكن الله لهم , فلم يقيموا الصلاة و لم يؤتوا الزكاة و لم يأمروا بمعروف و لم ينهوا عن منكر :" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر " الحج : 51 . و نسي الحكام المسلمون أن الحكم أمانة في عنق الحاكم : " يا أبا ذر إنك لضعيف و إنها لأمانة " .

و خانوا الله الذي جعلهم في مركز الهداة للبشرية , المعلمين لدين الله و القائمين بدعوة الله و المتوسطين بين الأمرين يكشفون لهذا الطرف عن باطله , و لذاك الطرف عن باطله , و يدعونهما إلى الحق الذي هم عليه :" و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " البقرة:143 , :" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله " آل عمران : 110 .

و ارتكب المسلمون حكاما و محكومين هذه الخيانات و قد نهاهم الله عن خيانة الأمانات و حذرهم منها :" يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و أنتم تعلمون " الأنفال : 27 , فجزاهم الله المهانة في الأرض , و سلط عليهم أعداءهم يملكون بلادهم , و يتقاسمون أوطانهم , و يحولون بينهم و بين نعيم الحياة و نعمة الكرامة و الحرية .

و لقد انتهى هذا كله إلى أسوأ النهايات , فقد فسدت أداة الحكم في الدولة الاسلامية و تحولت عن غايتها التي رسمها الاسلام , و أصبحت مهمة الحكام أن يحكموا في حدود الهوى و المنفعة , و ابتغاء الاستعلاء و السيطرة أو ابتغاء رضاء المستعمرين , بعد أن كان واجبهم الأول أن يحكموا في حدود الاسلام ابتغاء مصلحة الجماعة و ابتغاء وجه الله .

و حينما انفلت الحكام من حدود الدين انقلبت الموازين في أيديهم و اختلطت الأوضاع عليهم , فهم لا يميزون الطيب من الخبث و لا يعرفون الحق من الباطل و لا يفرقون بين الضار و النافع , لأنهم يتبعون أهواءهم , و يتخذون منها آلهة لهم " أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا" الفرقان: 43 .

و ترتب على فسد الحكم و خروج الحكام على حدود الدين أن ابتعد الناس عن الدين , و فسدت الأخلاق , و شاعت الفاحشة , و ضعف المسلمون , و تصدعت وحدتهم , و تعددت أحزابهم و اتجاهاتهم , بما اتبعوا من أهوائهم , حتى أصبحت الفوضى شعارهم , و التفرق الذي نهوا عنه يميزهم عن غيرهم و حتى انتهوا إلى ما هم فيه من الاستعباد و الذلة , يستعبدهم المستذلون و يغلبهم على أرمهم الشردون المغلوبون .

ان الفتن و النقلابات و الحروب الداخلية في داخل البلاد الاسلامية ابتداء من فتنة عثمان , و حروب الخوارج و انقلاب بني العباس حتى فتنة عرابي و الثورة العربية , و الانقلاب التركي و الانقلابات السورية الأخيرة , كل ذلك انما يرجع في الحقيقة لسبب واحد هو الانحراف عن الاسلام , و اذا كان هذا الانحراف قد بدأ بما نسب إلى عثمان من ايثار بعض ذوي قرباه ببعض وظائف الدولة , و من منحه بعض الناس شيئا من مال الدولة , فإن الانحراف قد انتهى إلى أسوأ نهاية اذ انتهى باستبدال الحكام بكل أمور الأمة , و باهمال مصالحها , و بالاستعلاء عليها , و حرمانها من استعمال حق الشورى استعمالا صحيحا , كما انتهى بالحيف على حقوق الأفراد , و الاستئثار بالأمور العامة , و إقامة أمر الأمة على الأثرة و المحاباة و الظلم و الجور , حتى لقد أصبحت الحكومات الاسلامية مضرب المثل في العالم كله على الظلم و الاستبداد , و أصبحت الشعوب الاسلامية مضرب المثل في العالم كله على التأخر و الانحطاط .

إمامة التغلب

و يرى بعض الفقهاء أن الامامة تثبت أيضا بطريق التغلب كما تثبت باختيار أهل الرأي , و يسمون هذا النوع من الامامة بامامة التغلب أو امامة الضرورة لأنها تقبل تحت تأثير الضرورة خشية الفتنة و نتيجة لتغلب شخص ذي عصبية على الحكم , و يرتبون على التغلب طاعة المتغلب و الاعتراف بامامته و لو لم تتوفر فيه شروط الامامة اذا كان في صرفه عن الامامة فتنة لا تطاق , فان لم يترتب على صرفه فتنة أو كان في صرفه أخف الضررين وجب صرفه عن الامامة و اخراجه منها . و يمثل الفقهاء لامامة التغلب بما حدث من عبد الملك بن مروان حين خرج على عبد الله بن الزبير فقتله , و استولى على البلاد , و حمل أهلها على مبايعته طوعا و كرها و على أن يدعوه اماما .

و يشبه البعض امامة التغلب بأكل الميتة و لحم الخنزير عند الضرورة و يرى أن السعي واجب دائما لازالتها عند الامكان و لا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها .

و لقد قبل الفقهاء امامة التغلب اتقاء للفتنة و خشية الفرقة , و لكنها أدت إلى أشد الفتن و إلى تفريق الجماعة الاسلامية و اضعاف المسلمين و هدم قواعد الاسلام و لو علم الفقهاء الذين أجازوا ما سوف تؤدي إليه لما أجازوها لحظة واحدة , فالمتغلب الذي يطلب السلطان على الأمة من غير طريق الشورى انما هو رجل لا يؤمن بقوله تعالى :" و أمرهم شورى بينهم " و من كان لا يؤمن بقول الله فليس أهلا لولاية أمر المسلمين , فما يقوم أمر المسلمين إلا على إقامة أمر الله , و المتغلب الذي تسلط على المسلمين بما ينافي أمر الله ليرضي أهواء نفسه لن يتأخر عن إرضاء نفسه في كل وقت و على حساب أمر الله كلما نازعه إلى ذلك هواه .

ان المسلمين رضوا بولاية العهد , و بإمامة التغلب , و بالسكوت على الأئمة الظلمة و الفسقة , و كان رضاؤهم يرجع إلى الخشية من الفتنة , و ما علموا أنهم في الفتنة سقطوا بما رضوا من الخروج على أمر الله , و بما سكتوا عن إقامة أمر الله .

إن الفتنة كل الفتنة هي الرضا بالخروج على أرم الله , و إقامة أمور الدنيا أو الدين على غير ما أقامها الله , و ما يصح لمسلم و لا مسلمة أن يرضى بغير ما رضيه الله ,أو يتقاعد عن إقامة أمر الله ففيم جاء الاسلام و علام جالد المسلمون الأوائل و فتنوا و عذبوا و قتلوا ان كان خوف الفتنة مما يقبض أيدي المسلمين عن إقامة الاسلام و يرضيهم بأوضاع لا تتفق مع الأوضاع التي يفرضها الاسلام ؟

ان كل وضع مخالف ل الإسلام يجب أن يزول مهما كلف ذلك من تضحية لأن في ذلك اقامة للاسلام والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم ليقيموا بها الإسلام , فما يملكون أن يتأخروا عن تضحية أموالهم و أولادهم و أنفسهم في ذلك السبيل .

مركز الخليفة أو الامام في الأمة

الخليفة فرد ينوب عن الأمة

علمنا مما سبق أن البشر جميعا مستخلفون في الأرض " و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة "و ظاهر النص أنهم استخلفوا في الأرض و استعمروا فيها بصفتهم الآدمية لا بأية صفة أخرى , و هم في صفة الآدمية سواء لا فرق بين صغيرهم و كبيرهم و لا غنيهم و فقيرهم . و لما كان الخليفة أحد أبناء آدم فهو لايزيد من هذه الوجهة عن أي آدمي آخر .

و علمنا أيضا أن استخلاف البشر في الأرض معناه النيابة عن الله عز وجل و أن البشر مكلفون بالقيام على أمره و نهيه " فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنزن" البقرة:38. و لكن البشر بطبيعة الحال لا يستطيعون أن يقيموا أمر الله على ما ينبغي اذا كانوا فرادا لا تربطهم رابطة و لا يجمعهم سلطان يخضع له قلوبهم و يفيء اليه ضعيفهم , فاقتضى أمر أن يقيموا لهم حكومة تفصل في مشاكلهم و تنوب عنهم جميعا في إقامة أمرهم في حدود ما أنزل الله .

و قد قام القرآن أمر المسلمين كله على الشورى فأمر الله و رسوله صلى الله عليه و سلم أن يشاورهم في الأمر " و شاورهم في الأمر" آل عمران :159. و هو غني بالوحي , و بالتوجيه الالهي عن مشورتهم , و كان الرسول يشاورهم في كل أمورهم الا فيما كان يوحى اليه من ربه و هو في الغالب خاص بالتشريع , حتى لقد كان الرسول يشاورهم في تأمير الأمراء و لاي قطع ذلك دونهم و هو رئيس الدولة , يدل على ذلك ما روي عنه من قوله " لو كنت مؤمرا أحدا دون مشورة المؤمنين لأنرت ابن أم عبد " كذلك جعل القرآن الشورى من لوازم الايمان حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين و المميزة للجماعة الاسلامية " و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و مما رزقناهم ينفقون" الشورى :38. فلا يكمل ايمان المسلمين الا بقيام الشورى فيهم , و لا يجوز لجماعة مسلمة أن تقيم أو ترضى اقامة أمرها على غير الشورى .

و أهم المسلمين و أحقها بالشورى هو أمر الحكم , فاذا ما أوجبت ظروف الأحوال و طبائع الأشياء أن يقيم المسلمون لأنفسهم حكومة فقد وجب أن تقوم على الشورى , و عن طريق الشورى , فيختار أصحاب الرأي من المسلمين حكامها , و يلتزم الحكام في مباشرة شئون الحكم أن يرجعوا إلى أهل الشورى في كل ما يقتضي الرجوع إلى الأمة أو الاستئناس برأيها فيه .

و وظيفة الحكومة الاسلامية هي كما علمنا القيام على أمر الله و سياسة أمور الدولة في حدود ما أنزل الله و هي الوظيفة نفسها التي يجب على كل فرد أن يقوم بها باعتباره مستخلفا في الأرض استخلافا عاما , فكل فرد عليه أن يقيم أمر الله و أن يوجه أموره في حدود ما أنزل الله أي عليه أن يهتدي بهدى الله و ينتهي عما نهى عنه الله .

و اذا كانت الجماعة تختار الحكومة لتقوم بالواجب المفروض على الأفراد نفسه فالحكومة تعتبر نائبة عن الجماعة كلها و عن كل فرد منها .

و اذا كان رئيس الحكومة هو ممثلها و النائب عنها فالرئيس في الدولة الاسلامية و هو الخليفة أو الامام الأعظم يعتبر نائبا عن الأمة الاسلامية كلها و ممثلا عنها .

فسلطان الخليفة أو الامام الأعظم مستمد من النيابة عن الأمة الاسلامية , و مدى هذا السلطان يرجع فيه إلى الأمة التي منحته النيابة عنها و التي يمثلها , و تستطيع الأمة بما لها من حق اختيار النائب عنها أن توسع هذا السلطان أو تضيق فيه أو تقيده بقيود كلما رأت في ذلم مصلحة عامة أو ضمانا لحسن القيام على أمر الله و عدم الخروج عليه .

و اذا وسعت الأمة في سلطان خليفة ما فإن ذلك لا يقيدها بالنسبة لغيره فلها أن تضيق في سلطان من يخلفه , و لها أن تقيد سلطانه بقيود معينة , و ليس له أن يحتج بما منح الخلفاء قبله من سلطان واسع , فما هو إلا نائب عن الأمة , و النائب مقيد في سلطانه بـأمر من انابه ليس له أن يخرج عنه .

فمركز الخليفة أو الامام الأعظم في الأمة الاسلامية هو مركز النائب عنها , لا المتسلط عليها , و المنفذ لأمرها لا المستبد به , و كل أعمال الخليفة أو الامام تقوم على اساس نيابته عن الأمة , فما جاء منها داخلا في حدود نيابته , موافقا لرأي الأمة فهو صحيح واجب الاحترام , و ما جاء خارجا على حدود النيابة , أو مهلا لرأي الأمة , فهو باطل بطلانا لا شك يجعله لا يستحق الاحرتام و لا تجب له الطاعة .

و الخليفة أو الإمام الأعظم لا يستطيع بطبيعة الحال أن ييقوم بشئون الأمة وحده ما دامت الأمة قد أنابته عنها في القيام بكل شئونها فله أن يستعين بغيره فيما لا يستطيع أن يقوم به بنفسه , له أن يستعين بوزراء و مديرين و قضاة و موظفين من كل نوع و يعين لكلم نهم العمل الذي يقوم به , و هؤلاء ان اعتبروا نوابا عن الخليفة فانهم يعتبرون أيضا نوابا عن الأمة بمجرد تعيينهم ف وظائفهم , و له هو الاشراف عليهم باعتباره ممثل الدولة و نائب الأمة الأول , و يترتب على اعتبارهم نوابا عن الأمة أنهم لا ينعزلون بعزل الخليفة أو موته , و لو كانوا نوابا عن الخليفة دون الأمة لانعزلوا بعزله و بموته . و يترتب أيضا على اعتبارهم نوابا عن الأمة أنه لا يجوز للخليفة أن يعزلهم ما داموا قائمين بعملهم على وجهه الصحيح . و يعتبر الموظفون نوابا عن الأمة شرعا بالرغم من أن الخليفة هو الذي اختارهم , لأنه اختارهم بصفته نائبا عن الأمة , و اختارهم ليعملوا للأمة لا له ,و لأ وجودهم ضروري للقيام على أمر الأمة , و لا يغني وجود الخليفة عن وجودهم شيئا .

الاسلام لا يقدس الخلفاء

و رئيس الدولة الاسلامية و هو القائم على أمر الاسلام لا يعفيه الاسلام من أخطائه , و لا يخفف من مسؤوليته , و لا يميزه عن أي شخص , و لذلك كان الخلفاء و الأئمة أشخاصا لا قداسة لهم و لا يتميزون على غيرهم , و اذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد آخر يرتكبها .

و لقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم و هو نبي و رئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة و لا امتيازا , و كان يردد قوله تعالى :" قا انما أنا بشر مثلكم يوحى إلي " فصلت:65 و قوله :" قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا" الاسراء : 93. و كان قدوة حسنة لخلفائه و للمسلمين في توكيد المساواة بين الحكام و المحكومين و رؤساء الدول و الرعايا . و دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول , فقال صلى الله عليه و سلم : " هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد " و تقاضاه غريم له دينا فاغلظ عليه , فهم به عمر بن الخطاب , فقال الرسول : مه يا عمر , كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء و كان أحوج إلى أن تأمره بالصبر "

و خرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عباس و علي ابن أبي طالب حتى جلس على المنبر , ثم قال :" يا أيها الناس ! من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه و من كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه و من أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه , و لا يخش الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني , ألا وان أحبكم إلى من أخذ مني حقا ان كان له , أو حللني فلقيت ربي و أنا طيب النفس " ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى .

و كان يكره أن يتميز على المسلمين , من ذلك أنه كان يطوف بالبيت , فأتى السقاية فقال اسقوني , فقالوا ان هذا يخوضه الناس و لكننا نأتيك به من البيت , قال : " لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب منه الناس", و كان يكره أن يوصف بغير ما وصفه الله به من أنه بشر رسول , و يحذر المسلمين من أن يطروه فيقول لهم : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبده و رسوله ".

و جاء خلفاء الرسول فنسجوا على منواله , و اهتدوا بهديه , فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة فتكون أول كلمة يقولها توكيدا لمعنى المساواة , و نفيا لمعنى الامتياز . قال :" أيها الناس قد وليت عليكم و لست بخيركم , ان أحسنت فأعينوني , و ان أسأت فقوموني ".

و هذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أشد تمسكا بهذه المعاني حتى أنه ليرى قتل الخليفة الظالم , خطب يوما فقال : لوددت أني و إياكم في سفينة في لجو البحر تذهب بنا شرقا و غربا , فلن يعجز أو يولوا رجلا منهم فان استقام اتبعوه و ان جنف قتلوه , فقال طلحة :" و ما عليك لو قلت و أن تعوج عزلوه ؟ قال لا , القتل أنكم لمن بعده " .

و أعطى أبو بكر القود من نفسه , و أقاد للرعية من الولاة , و فعل عمر بن الخطاب مثل ذلك و تشدد فيه , فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة , و لما قيل له في ذلك قال :" رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يعطي القود من نفسه و أبا بكر يعطي القود من نفسه . و أنا أعطي القود من نفسي ".

و أخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه , فما ظلم وال رعيته إلا قاد من الوالي للمظلوم و أعلن على رؤوس الأشهاد مبدأه هذا في موسم الحج , حيث طلب من ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم , فلما اجتمعوا خطبهم و خطب الناس قال :" يا أيها الناس أني ما أرسل عليكم عمالا ليضربوا أبشاركم , و لا ليأخذوا أموالكم , و انما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم و سنة نبيكم , فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي , فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه , فوثب عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين , أرأيتك ان كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته انك لتقصنه منه ؟ فقال : أي و الذي نفس عمر بيده اذن لأقصنه منه , و كيف لا أقصنه منه ! و قد رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يقص من نفسه" .

و لقد جرى العمل , يوم كان المسلمون لا يعرفون لهم قانونا إلا الشريعة الاسلامية , على أن يتحاكم الخلفاء و الملوك و الولاة إلى القضاء العادي , و أن يحاكموا أمامه , فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يفقد درعا في خلافته و يجدها مع يهودي يدعي ملكيتها , فيرفع الأمر إلى القاضي ليحكم لصالح اليهودي ضد علي أمير المؤمنين و خليفتهم .

و هذا هو المغيرة والي الكوفة يتهم بالزنا , فيحاكم على الجريمة المنسوبة إليه بالطريق العادي , و لا ينقذه من العقوبة إلا أن الدليل لم يكن كافيا لاثبات التهمة .

و يقص علينا التاريخ أن المأمون اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد , فدخل المأمون إلى مجلس يحيى و خلفه خادم يحمل طنفسه لجلوس الخليفة , فرفض يحيى أن يميز الخليفة عن أفراد رعيته , و قال : يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه , فدعا المأمون للرجل بطنفسة أخرى .

و بعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة و الولاة و الأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت هو التحكيم , كما فعل عمر بن الخطاب , فقد أخذ فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب , فخاصم الرجل عمر , فقال عمر : اجعل بيني و بينك رجلا , فقال الرجل : اني أرضى بشريح العراقي , فقال شريح لعمر : أخذته صحيحا سليما فأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما . زو كان هذا الحكم الذي صدر ضد عمر هو الذي حفز عمر لتعيين شريح قاضيا .

و فقهاء الشريعة الاسلامية و ان كانوا يشترطون في الامام أو الخليفة شروطا لا تتوفر في كل شخص الا أنهم يسوونه بجمهور الناس أما الشريعة , و لا يميزونه عنهم في شيء , و هم يستندون في هذه التسوية إلى قوله تعالى " يا أيها الناس إنا خاقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " الحجرات: 13 . و إلى قول الرسول صلى الله عليه و سلم " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " و إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من أنه رؤي و هو يقص من نفسه , و إلى أن نصوص الشريعة في العقوبات و غيرها جاءت عامة فتسري على الجميع دون استثناء .

و لكن الفقهاء بالرغم من اتفاقهم على ما سبق اختلفوا في عقاب الخليفة و الإمام الأعظم في بعض الحرائم , و اتفقوا على عقابه في بعضها الآخر و لهم في ذلك نظريتان :

النظرية الأولى : و هي نظرية أبي حنيفة , و خلاصتها أن الجرائم التي تمس حقوق الجماعة كالزنا و الشرب لا يعاقب عليها الخليفة , لا لأنه معفى من العقاب و لكن لتعذر إقامة العقوبة عليه , اذا أنه صاحب الولاية على غيره و ليس لغيره ولاية عليه حتى يقيم عليه العقوبة , و اذا كانت ولاية العقاب للامام و الخليفة في الجرائم التي تمس حقوق الجماعة , فلا يعقل أن يعرض الإمام نفسه للخزي و النكال بإقامة الحد على نفسه ,و اذا امتنع تنفيذ العقوبة فقد امتنع الواجب و هو العقاب , و اذا امتنع الواجب لم يعد واجبا .

فالفعل المحرم في رأي أبي حنيفة يظل محرما و يعتبر جريمة و لكن لا يعاقب عليه لعدم امكان العقاب .

و يترتب على اعتبار الفعل محرما أن الإمام لو زنا و هو محصن فقتله أي فرد من الأفراد فإن القاتل لا يعاقب على القتل لأنه قتل شخصا مباح الدم , اذ أن الزنا من محصن عقوبته الموت , و لما كانت عقوبة الزنا من الحدود , و الحدود لا يجوز تأخيرها و لا العفو عنها , فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجبا لا بد منه إزالة للمنكر و تنفيذا لحدود الله , فمن يقتل الزاني المحصن يؤدي واجبا عليه و من ثم فلا يمكن اعتباره قاتلا .

أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد كالقتل و الجرح فيرى أبو حنيفة أن الخليفة يؤخذ بها و يعاقب عليها , لأن حق استيفاء العقوبة ليس له أصلا و إنما هو للمجني عليهم و أوليائهم , و إذا قام الخليفة بتنفيذ العقوبة فإنما يقوم به نيابة عن الأفراد , فإذا ارتكب الخليفة جريمة من هذا النوع كان للأفراد , أصحاب الحق الأصلي في استيفاء العقوبة , أن يستوفوها من الخليفة مستعينين في ذلك بالقضاء و بالجماعة و اذا استوفى الأفراد العقوبة الواجبة من غير طريق القضاء كأن قتلوا الخليفة اقتصاصا لقتله شخصا آخر فلا حرج عليهم لأنهم فعلوا ما هو حقهم .

على أن بعض الحنفيين يون أن الخليفة إذا ولى قاضيا للحكم في كل الجرائم كان من حق القاضي أن يأخذ الخليفة بكل جريمة ارتكبها سواء أمست حقا لله أن حقا للأفراد .

و يؤخذ على نظرية أبي حنيفة أنها تقوم على أساس ضعيف , لأن الخليفة أو الإمام ليس إلا نائبا عن الجماعة , و لأن الخطاب في التشريع الاسلامي موجه للجماعة و ليس للخليفة أو الإمام , و انما أقامت الجماعة الخليفة ليقيم أحكام الشريعة نيابة عن الجماعة , فاذا أرتكب الإمام جريمة كان للجماعة – و هي صاحبة الحق الأول – أن تعاقبه على ما فعل تنفيذا لما هي مخاطبة به و مسئولة عنه .

و يستطيع القاضي المختص بنظر الجريمة أن يحكم على الخليفة أو الإمام بعقوبتها و لو كان الخليفة الذي ارتكب الجريمة هو الذي عين القاضي , لأن الخليفة عينه باعتباره نائبا عن الجماعة فهو قاض ينوب عن الجماعة و لا ينوب عن الخليفة , و يستمد سلطانه من الجماعة لا من الخليفة الذي عينه .

النظرية الثانية : و هي النظرية اليت يقول بها جمهور الفقهاء و خصوصا مالك و الشافعي و أحمد و أصحاب المذهب الظاهري فهؤلاء جميعا لا يفرقون بين جريمة و جريمة و يرون الخليفة أو الإمام مسئولا عن كل جريمة يرتكبها سواؤ تعلقت بحق الله أو بحق للفرد , لأن النصوص عامة , و الجرائم محرمة على الكافة بما فيهم رئيس الدولة فيعاقب عليها من يرتكبها و لو كان الخليفة , و لا ينظر هؤلاء الفقهاء إلى امكان تنفيذ العقوبة كما يفعل أبو حنيفة لأن تنفيذ العقوبات ليس للخليفة وحده و انما له باعتباره نائبا عن الأمة و لنوابه الذين يعتبرون أيضا نوابا عن الأمة , فاذا ارتكب الخليفة جريمة و حكم عليه بعقوبتها نفذ عليه العقوبة أحد من ينوبون عنه و عن الأمة ممن لهم حق تنفيذ تلك العقوبة .

مدة الخلافة

و اذا كان الخليفة يعتبر شرعا نائبا عن الأمة في إقامة أمر الله و في القيام على شئون الأمة في حدود أمر الله و كان هذان العملان واجبين على الأمة بصفة دائمة , فإن نيابة الخليفة عن الأمة ليست موقوتة بمدة معينة , و لكنها تمتد ما طال عمر الخليفة و كان قادرا على مباشرة عمله و لم يأت بما يستوجب عزله من النيابة , اذ لا معنى لتحديد مدة نيابة الخليفة ما دامت واجبة , و ما دام هو قادرا عليها صالحا للقيام بشئونها .

و لقد جرت السوابق الاسلامية على أن يبقى الخليفة في منصبه مدى حياته ما لك يرغب هو في اعتزال المنصب كما فعل الحسن بن علي و معاوية بن يزيد , أو لم يعزل من منصبه لسبب ما كما عزل ابراهيم بن الوليد و مروان بن محمد الأمويين .

و الواقع الذي تؤيده التجارب التاريخية أن بقاء الخليفة في منصبه إلى وفاته يؤدي إلى استقرار أمور الأمة و يحول دون الخلاف على شخص الخليفة أو التنافس على منصب الخلافة إلا للضرورة القصوى , و يحصر هذه الضرورة في حالات ثلاث هي : حالة الموت و حالة العزل و حالة الاستقالة , و الحالتان الأخيرتان نادرتان . و ليس ثمة نصوص صريحة توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته , و لكن اجماع الأمة على هذا يقوم مقام النص , لأن الاجماع من مصادر الشريعة الاسلامية .

عزل الخليفة :

و اذا كان من حق الخليفة أن يبقى في منصبه طول حياته فإن من حق الأمة أن تعزله إذا تغير حاله , لأن اختياره للخلافة مشروط بتوفر شروط معينة فيه , فإذا ظلت هذه الشروط قائمة فيه فهو قائم في منصبه , و إذا انتفت عنه كان أهلا لأن ينفى عن المنصب .

و تتغير حال الخليفة أو الإمام الأعظم أما بجرح في عدالته أو بنقص في بدنه على ما يرى أو الحسن الماوردي .

الجرح في العدالة :

هو الفسق , و هو على ضربين : أحدهما ما تابع فيه الشهوة , و الثاني ما تعلق فيه بشبهة .

فالأول متعلق بأفعال الجوارح , و هو ارتكابه للمحظورات و إقدامه على المنكرات تحكميا للشهوة و انقيادا للهوى كالزنا و شرب الخمر و الغصب , فهذا نوع من الفسق يمنع من انعقاد الإمامة و يمنع من استدامتها , و إذا طرأ على من انعقدت له الإمامة انعزل بفسقه , فإذا عاد إلى العدالة لم يعد للإمامة إلا بعقد جديد على رأي الماوردي و بعض الفقهاء , و ان كان من يرى أنه يعود للإمامة دون عقد و لا بيعة ما دام يعزل فعلا .

أما الضرب الثاني من الفسق فمتعلق بالاعتقاد و المتأول بشبهة تعترض فيتناول لها خلاف الحق , و من رأي الماوردي و غيره أن فسق الاعتقاد حكمه حكم فسق الجوارح يمنع من انعقاد الإمامة و يمنع من استدامتها , على حين يرى بعض عليما البصرة أن الفسق المتعلق بالاعتقاد لا يؤدي إلى عزل الإمام , بل هناك من يرى أن الفسق بنوعيه لا يترتب عليه العزل ما لم يكن كفرا .

و قد استدل من قال بعزل الخليفة بالكفر دون المعصية بحديث عبادة بن الصامت قال :" بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في منشطنا و مركهنا و عسرنا و يسرنا و أثره علينا و أن لا ننازع الأمر أهله ألا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " .

و القائلون بالعزل يرون أن المقصود بالكفر هو المعصية , خصوصا و قد ذكرت روايات أخرى للحديث بلفظ المعصية و الإثم بدل الكفر , فما دام الخليفة أو الإمام قد أتى منكرا محققا يعلمه الناس من قواعد الاسلام فلهم أن ينكروا ذلك , و أن يتنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم و أحقيتهم لها .

و جمهورا لفقهاء يرون , كقاعدة عامة , أن للمسلمين عزل الخليفة للفسق , و لأي سبب آخر يوجب العزل , مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين و انتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه و اقامته لانتظامها و اعلائها .

و اذا كانت القاعدة عند جمهور الفقهاء أن للأمة خلع الخليفة أو عزله بسبب يوجبه , إلا أنهم اختلفوا في حالة ما إذا استلزم العزل فتنة , فرأي فريق أن يعزل الخليفة لسبب يوجبه و لو أدى ذلك إلى فتنة , و رأي فريق أنه إذا أدى العزل لفتنة احتمل أدنى المضرتين , و رأي الفريق الثالث أن لا يعزل الخليفة إذا استلزم العزل فتنة و لو أنه مستحق العزل بفعله .

و نرى أن أصح هذه الآراء الثلاثة هو الرأي الأول الذي يرى عزل الخليفة للفسق و لأي سبب آخر يوجب العزل و لو أدى العزل إلى فتنة , لأن هذا الذي سيؤدي إليه العزل ليس في حقيقته فتنة , و إنما حركة إصلاح و إعلاء لكلمة الحق و تمكين للاسلام و قطع لدابر الفساق , و ما الفتنة إلا في اتيان الخليفة ما يوجب العزل و السكوت عليه , فتلك هي الفتنة التي إذا لم يوصد بابها تفتح منها كل يوم باب و التي تنتهي دون شك بالقضاء على الاسلام , و كل مسلم مطالب بإقامة الاسلام و حفظه .

و لقد دعا أصحاب الرأيين الأخيرين إلى ما اتجهوا إليه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من حثه على ترك قتال الأئمة و الخلفاء , و على عدم مفارقة الجماعة , مثل قوله :" من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإن من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية " و قوله:" خيار أئمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و تصلون عليهم و يصلون عليكم , و شرار أئمتكم الذين تبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم – قالوا يا رسول الله ألا ننابذهم – قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله و لا ينزعن يدا من طاعته "

و مثل حديث عبادة بن الصامت و قد أوردناه فيما سبق . و هذه الأحاديث يجب ألا تؤخذ على ظاهرها . و أن تفسر على هدى ما أوجبه القرآن و الأحاديث الأخرى على كل مسلم من إقامة الإسلام و الجهاد في إقامته بالنفس و المال , و عدم موادة من يكره الاسلام و يعمل على اضعافه , و من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قتال الباغيين فإذا فسرت هذه الأحاديث على هذا الوجه كان معناها وجوب الصبر على الأئمة فيما لا يضر بالاسلام و عامة المسلمين , و فيما لا يمس التحليل و التحريم , و فيما يستطاع فيه حمل الأئمة بالحسنى على التزام الحق و الرجوع إليه .

و لقد استعرض ابن حزم هذه الأحاديث و غيرها مما يماثلها و بين أنها لا تؤدي لما فهمه بعض الفقهاء منها , و أن من الواجب على المسلمين " إذا وقع شيء من الجور و لو قل أن يكلموا اللإمام في ذلك و يمنعوه منه , فان اقتنع و راجع الحق و أذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء , و لإقامة حد الزنا و القذف و الخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه و هو امام كما كان لا يحل خلعه , فان امتنع من انفاذ شيء من هذه الواجبات عليه و لم يراجع وجب خلعه و اقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى " و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان " و لا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع .

و لو أننا أخذنا رأي الفقهاء القائلين باحتمال أدنى المضرتين إذا أدى العزل لفتنة و فسرنا هذا الرأي على ضوء التجارب التاريخية و على الواقع الذي يعيش فيه السلام لتبين لكل ذي بصر أن أدنى المضرتين في كل الأحوال هي العزل و لا شيء غيره , إذا أن عدم العزل يؤدي إلى الإضرار بالاسلام و اضعاف سلطانه و تلك المضرة العظمى بلا جدال .

و أخيرا قد انتهينا إلى عصر أصبحت في الكلمة للشعوب و لم يعد فيه لرؤساء الدول سلطان أمام سلطان الأمة , فلم يعد ثمة محل للخوف من أن تصاحب العزل فتنة إذا رأت الأمة الاسلامية عزل الخليفة لم يعد هناك محل إلا لرأي واحد هو رأي جمهور الفقهاء الذين يجمعون على عزل الخليفة أو الامام كلما أتى عملا يستوجب عزله , و هو رأي الفريق الأول من جمهور الفقهاء الذي يقول بعزل الخليفة لسبب يستوجب العزل أيا كانت الظروف و الأحوال .

نقص البدن :

أما ما يطرأ على الخليفة فيغير حالة و يدعو إلى عزله فينقسم ثلاثة أقسام على ما يرى الماوردي و الغراء :

الأول : نقص الحواس : و منه ما يمنع عقد الإمامة أو استدامتها و هوزوال البصر أما الصم و الخرس فيمنعان من عقد الإمامة و لكن اختلف في منعها من استدامتها .

الثاني: فقد الأعضاء و منه ما يمنع من عقد الإمامة و من استدامتها و هو ما يمنع العمل كذهاب اليدين أو يمنع من النهوض كذهاب الرجلين , و اختلف فيما منع من بعض العمل و بعض النهوض , فقيل يمنع من استدامة الامامة , و قيل لا يمنع .

الثالث : نقص التصرف : و هو نوعان حجر و قهر . فأما الحجر فهو أن يستولي عليه أحد أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصيته و لا مجاهرة بمشاقة , فلا يمنع ذلك من إمامته و لكن ينظر في أفعال من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين و مقتضى العدل جاز اقراره عليها , و ان كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين و مقتضى العدل لم يجز اقراره عليها , و لزمه أن يستنصر من يقبض يده و يزيل تغلبه .

و أما القهر فهو أن يصير مقهورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه فيمنع ذلك من عقد الإمامة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين و يمنع من استدامتها لليأس من خلاصة و للأمة فسحة في اختيار غيره .

و إذا كان هذا هو ما يراه الماوردي و الغراء فإن ابن حزم يرى أنه " لا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب كالأعمى و الأصم و الأحدع و الأحدب , و الذين لا يدان له و لا رجلان , و من بلغ الهرم ما دام يعقل و لو أنه ابن مائة عام , ومن يعرض له الصرع ثم يفيق , و من بويع أثر بلوغه الحلم و هو مستوف لشروط الإمامة , فكل هؤلاء إمامتهم جائزة اذ لم يمنع منها نص القرآن و لا سنة و لا اجماع و لا نظر و لا دليل أصلا , بل قال تعالى :" كونوا قوامين بالقسط " فمن قام بالقسط فقد أدى ما أمر به . و لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها , و لا في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ" .

الشورى

الشورى من الايمان

الشورى دعامة من دعائم الايمان , و صفة من الصفات المميزة للمسلمين , سوى الله بينها و بين الصلاة و الانفاق في قوله :" و الذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و مما روقناهم ينفقون " الشورى :38 . فجعل للاستجابة لله نتائج و بين لنا أبرزها و أظهرها , و هي إقامة الصلاة و الشورى و الانفاق .

و اذا كانت الشورى من الايمان فانه لا يكمل ايمان قوم يتركون الشورى , لا يحسن اسلامهم اذا لم يقموا الشورى إقامة صحيحة .

و ما دامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل ايمانه إلا بتوفرها , غهي إذن فريضة اسلامية واجبة على الحاكمين و المحكومين , فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم و الادارة و السياسة و التشريع , و كل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة و على المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها , سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم .

و لقد أوجب الله على رسوله – و هو الذي ينزل عليه الوحي بالتشريع و التوجيه و حل المشكلات – أن يستشير المسلمين فقال جل شأنه " و شاورهم بالأمر " آل عمران: 159. فأمره أمرا جازما بأن يستشيرهم , و ما أمر الله نبيه صى الله عليه و سلم بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم , و انما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل , و أن يحملهم على الاقتداء بالرسول , و أن يرفع من أقدارهم باشراكهم في الحكم , و تعويدهم على مراقبة الحكام , و أن يحول بين الحكام و الاستئثار بالحكم و التعالي على الناس .

و روي عن الرسول أنه لما نزلت " و شاورهم بالأمر " قال : أما أن الله و رسوله لغنيان عنهما – أي المشورة – و لكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا و من تركها لم يعدم غيا و في هذا الحديث حض شديد على الشورى , فهو يبين لنا أن الشورى تهدي إلى الرشاد , و أن الاستبداد بالرأي يهدي إلى الغي و الضلال , وروي عن الحسن أنه قال في تفسير " و شاورهم في الأمر " قد علم الله ما به اليهم من حاجة و لكنه أراد أن يستن برسوله من بعده .

و للرسول صلى الله عليه و سلم أحاديث أخرى في الحض على الشورى , فيروى عنه أنه قال :" ما ندم من استشار و لا خاب من استخار " و قال " المستشار مؤتمن" و قال :" ما تشاور قوم قط إلا هدوا إلى رشد أمرهم ".

و قد تنبه الفقهاء لهذا كله و لم يفتهم ما تحمل هذه النصوص جميعا من المعاني فقرروا أن الشورى من أصول الشريعة الاسلامية و قواعدها , و من عزائم الأحكام التي لابد من نفاذها , و رتبوا على ذلك أن من ترك الشورى من الأحكام فعرزله واجب دون خلاف .

نطاق الشورى

و الشورى و إن كانت من الايمان فإنها ليست مطلقة , و انما هي مقيدة بنصوص التشريع الاسلامي و روحه , فما جاء فيه نص فقد قضى فيه النص و خرج من اختصاص البشر فلا يمكن أن يكون محلا للشورى , ألا أن تكون الشورى مقصودا منها التنفيذ أي تنفيذ ما جاء به النص ففي هذه الحالة تجوز الشورى بشرط أن لا يخرج التنفيذ عن معنى النص و روح التشريع .

و أما ما لم يرد فيه نص فكله محل للشورى , و للمسلمين أن ينتهوا منه إلى ما يرون من رأي , فإن رأت جماعتهم رأيا وجب تنفيذ هذا الرأي بشرط أن لا يخرج الرأي على مبادئ الاسلام العامة و روحه التشريعية .

و اذا كانت النصوص التي وردت في الشورى قد جاءت عامة إلا أنها خصصت بالنصوص التي استأثرت بالحكم في مسائل بعينها , كما أنها خصصت بفعل الرسول صلى الله عليه و سلم حيث كان لا يشاور فيما نزل أو ينزل الوحي بحكمه , و لو أن الشورى تجوز في كل شيء لما كان هناك محل لغير النصوص التي وردت في الشورى إذ أن كل ما عداها يكون عبثا .

و يمكن القول بأن الاسلام قد جاءت نصوصه بالمبادئ الكلية و المناهج العامة ول م يأتنا بالتفصيل و الدقائق إلا في حالات قليلة تعتبر بذاتها مبادئ عامة بالنسبة لغيرها أو تطبيقا للمبادئ و المناهج العامة , و هذا هو الذي يخرج من نطاق الشورى و لا يدخلها إلا بقصد اقامته و تنفيذه , أما ما عداه فكله محل للشورى موضوعا و تنفيذا في حدود مبادئ الاسلام العامة و روحه التشريعية .

و اذا كان كل ما قضى فيه الاسلام بحكم خارجا عن نطاق الشورى و ما عداه داخلا في نطاقها بشرط أن لا تخرج عن حدود الاسلام , فمعنى ذلك أن الشورى مقيدة بالاسلام تسير في نطاقه , و تماشي مبادئه , و تخدم أهدافه , في كل الظروف و الأحوال . و الاسلام يعمل على تحقيق المساواة بين البشر و تحرير عقولهم من الجهل , و نفوسهم من الذل , و قواهم من الاستغلال , كما يعمل على إقامة المجتمع على التعاون و التضامن و الحب و التراحم و الايثار , و تلك هي بعض الأسس التي يشيد عليها بناء المجتمع الاسلامي , و ما هي إلا بعض المبادئ الانسانية العليا التي تطمح الانسانية إلى تحقيقها .

و يود عقلاء البشر و حكماؤهم أن تتصل حياة الناس بها , و بهذه المبادئ الانسانية العليا و بمثلها جاءت نصوص الاسلام و عليها أقام حياة الناس و ثقافتهم و نشاطهم و معاملاتهم , كما ربط بها بين نفوسهم و عقولهم و قلوبهم .

و اذا كان الاسلام قد أخرج النصوص التي جاءت بهذا كله و بأمثاله من نطاق الشورى فانما أرخج من يد البشر ما لا يحسنون القيام به , و لا يستطيعون الاتيان به علة وجهه , و حال بينهم و بين أن يتسلطوا على الأسس التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي , و الأجهزة التي توجهه , و القوى التي تبعث فيه الحياة الصالحة , و تنمي في أفراده و مجموعه النزعة إلى الخير و الفضيلة و تنتهي بهم جميعا إلى السعادة المنشودة .

و اذا كان الاسلام قد ترك الكثير للشورى فقد تركه للناس مقيدا بألا يخرج عن حدود الاسلام , و لا يفسد النظام الاجتماعي الذي أقامه , و ما على هذا النظام الاجتماعي من شهوات البشر و أهوائهم اذا جرى كل شيء في المجرى الذي خطه الاسلام , و سار في الططريق المستقيم الذي رسمه , فإن الاسلام قد وضع أما الشهوات و الأهواء من السدود و القيود ما يفل حدها , و يضعف حدتها , و يحطم قوتها إذا تمسك الناس باسلامهم و لم يفرطوا في أمر دينهم .

القواعد التي تقوم عليها الشورى

جاء الاسلام فقرر مبدأ الشورى في قوله تعالى " و أمرهم شورى بينهم " الشورى:38, و في قوله :" و شاورهم في الأمر" آل عمران :159 . و لم يكن تقرير الشورى تمشيا مع حال الجماعة و لا نتيجة لرقيها و تقدمها , فقد جاء الاسلام و العرب في أدنى دركات الجهل , و في غاية التأخر و الانحطاط .

و انما قرر الاسلام نظرية الشورى , لأنها قبل كل شيء من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التعديل و التبديل , و لأن تقرير النظرية يؤدي بذاته إلى رفع مستوى الجماعة و حملهم على التفكير في المسائل العامة و الاهتمام بها , و النظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدية , و الاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر , و توجيههم إلى مراقبة الحكام و محاسبتهم و الحد من سلطانهم , فنظرية الشورى اذن مقررة لتكميل الشريعة الاسلامية و لتوجيه الجماعة و رفع مستواها .

و ظاهر من صيغة النصين المقررين لمبدأ الشورى أنهما عامان مرنان آخر حدود العموم و المرونة , بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلها أو تبديلها في المستقبل , و في هذا و ما سبق بيان لما يجب أن يغرفه كل انسان من أن الشريعة الاسلامية تتميز بصفتي الكمال و الدوام , و ان نصوصها من العموم و المرونة بحيث تستعصي على التبديل و التعديل .

و كما جاءنا الاسلام بالشورى مبدأ عاما يقوم عليه أمر المسلمين فإنه جاءنا أيضا بالقواعد الأساسية التي يقوم عليها المبدأ و الحدود التي ينطبق فيها , و لم يترك هذه القواعد الأساسية لأولي الأمر و الرأي في الأمة , إن كان قد ترك لهم ما عداها من قواعد و على الأخص ما يختلف باختلاف الأمكنة و الأزمنة و المجاعات . و القواعد الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشورى حكمها حكم المبدأ نفسه لا تقبل التبديل و لا التعديل , لأنها أما قواعد يقتضيها النصان المقرران للشورى و أما قواعد جاءت بها نصوص أخرى , و القواعد التي جاء بها الاسلام لا تقبل التبديل و لا التعديل .

والقواعد الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشورى هي :

أولا: أن الشورى حق مقرر للحاكمين و المحكومين , و ليس أحد الطرفين أحق به من الآخر , فكما يستطيع الحاكمون أن يبدوا رأيهم في كل أمر من أمور الأمة يستطيع كل فرد من المحكومين أن يبدي رأيه في كل أمر من أمور الأمة .

و حق الحاكمين و المحكومين مستمد من قوله تعالى :" و أمرهم شورى بينهم " فقد وصف الله الأمر بأنه أمرهم جميعا , و اذا كان الأمر للجميع استوى في استحقاقه و القيام عليه الحاكم و المحكوم , فليس لأحد الفريقين أن يستأثر به أو ينكره على الآخر .

أما تنظيم استعمال هذا الحق فهو أمر يختلف باختلاف الزمان و المكام و الجماعات و لذلك ترك أمره لأولي الأمر و الرأي في الجماعة الاسلامية ينظمونه بما يتفق مع ظروفهم و في حدود استطاعتهم .

ثانيا : ان عرض كل أمور الأمة على الشورى من واجبات الحكام و ليس حقا لهم قوله تعالى :" و شاورهم في الأمر فالنص يوجب على الحاكم أن يستشير في كل أمر للأمة صغر هذا الأمر أو كبر , فاذا لم يعرض الحاكم الأمر على الأمة فقد أخل بواجبه , و للأأمة أن تستعمل حقها في الشورى فتشير بما تراه و تطلب من الحكام أن يضعوا رأيها حيث وضعه الله , و لها أن تطلب من الحكام أن يعرضوا عليها كل أمر لم يعرضوه , و أن يبينوا رأيهم فيه لتستطيع الأمة بعد ذلك أن تبدي رأيها على خير وجه تراه .

ثالثا:ان الشورى يجب أن تقوم على الاخلاص لله و الرغبة فيما عنده و العمل لرفع شأن الاسلام دون نظر إلى الترات الشخصية و المنافع الذاتية و العصبيات القبلية و الاقليمية , فلا يقبل الله من الناس إلا ما خلص له وحده و قصد به وجهه " ألا لله الدين الخالص " الزمر:3. و ما يسلك في سلك المؤمنين إلا من اعتصم بالله و أخلص الدين لله " إلا الذين تابوا و أصلحوا و اعتصموا بالله و أخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين " النساء : 146 .

و لا يصح أن تقوم الشورى على كذب أو غش أو خداع أو اكراه أو رشوة فكل ذلك يحرمه الاسلام لذاته , و من يفعله في الشورى فانما هو خائن لله و لرسوله و خائن للأمانة التي حمله الله إياها فوق كذبه أو غشه أو ما ارتكب من خداع أو اكراه أو رشوة , ذلك أن الشورى أمانة في عنق صاحبها و المستشار مؤتمن كما يقول الرسول صلى الله عليه و سلم فإن خان أمانته فقد أتى ما حرمه الله عليه و خان الله و رسوله " يا أيها الذين آمنوا لا توخونا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم و أنتم تعلمون " الأنفال :27.

رابعا :ليس من الضروري أن يجمع أهل الرأي على رأي واحد و انما الرأي ما أتفقت عليه أكثرية المسلمين بجماعتهم بدليل حديث حذيفة المشهور الذي أخبر فيه الرسول صلى الله عليه و سلم بما يكون من الفتن في الأمة , قال حذيفة فما تأمرني أن أدركني ذلك قال :" تلزم جماعة المسلمين و إمامهم " قال قلت : فإن لم يكون لها جماعة و لا إمام , قال :" فاعتزل تلك الفرق كلها " فالجماعة في هذا الحديث ليست كل المسلمين و انما هي أكثر المسلمين , و قد اعتبرت على الحق دون غيرها .

و ربما صح عقلا أن يأتي رأي الأكثرين خاطبا و رأي الأقلين صوابا و لكن هذا نادر , و النادر لا حكم له , و المفروض شرعا أن رأي الأكثرين هو الصواب ما دام كلهم يبدي رأيه مجردا لله و ما دامت الآراء الآراء جميعا تناقش دون تعصب لها أو لأصحابها , و أساس ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم " لا تجتمع أمتي على ضلالة , و يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار" و في رواية أخرى " سألت الله أن لا تجتمع أمتي على ضلالة و أعطانيها " فالله يسدد دائما خطأ الجماعة و يوجهها إلى الرأي السديد .

و الواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذ لم يؤخذ برأي الأكثرية , و وجوب الشورى على الأمة الاسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية , و قد سن الرسول صلى الله عليه و سلم سنة التزام رأي الأكثرية في خروجه لغزوة أحد فقد استشار المسلمين أيخرج إلى كفار قريش الذين نزلوا قريبا من جبل أحد أم يمكث في المدينة , و كان رأيه ألا يخرجوا من المدينة و أن يتحصنوا بها , فإن دخلها الكفار قاتلهم الرجال على أفواه الأزقة و النساء من فوق البيوت , ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي و بعض الصحابة , و لكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج و الحوا عليه في ذلك , فكان الرسول أول من التزم رأي الأكثرية و أول من تجهز للخروج إلى أحد .

خامسا: أن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأكثرية , و أن تنفذه باخلاص باعتباره الرأي الذي يجب اتباعه و لا يصح اتباع غيره و أن تدافع عنه كلما دافعت عنه الأغلبية , و ليس للأقلية أن تناقش من جديد رأيا اجتاز دور المناقشة أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ , و تلك هي سنة الرسول صلى الله عليه و سلم التي سنها للناس , و التي يجب على كل مسلم اتباعها طبقا لقوله تعالى :" و ما آتاكم الرسول فخذوه و نهاكم عنه فانتهوا " الحشر:7 . و قوله :" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر " الأحزاب:21.

و لقد استن الرسول صلى الله عليه و سلم هذه السنة بعد أن استشار أصحابه و رأى أكثرهم للخروج لأحد , فكان الرسول أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ اذ نهض من المجلس فدخل بيته و لبس لامته و خرج ليقود الأقلية و الأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة , و قد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث أنه كان الرأي الأحق بالاتباع .

و عمل أصحاب الرسول بهذه السنة بعد وفاته في حروب الردة , فقد كان رأي الأكثرية أول الأمر متجها إلى عدم محاربة المرتدين و مسالمتهم , و كان رأي الأقلية و على رأسهم أبوبكر متجها إلى محاربة المرتدين و عدم التسامح معهم , و انتهت المناقشة بجنوح الأكثرين إلى رأي أبي بكر بعد اقتاعهم به , فلما وضع هذا الرأي موضع التنفيذ كان المخالفون في الرأي هم أول المنفذين له و المضحين في سبيل تنفيذه بأموالهم و أنفسهم . هذه هي القواعد الأساسية التي تقوم عليها الشورى في الاسلام , و هي في الواقع تكمل مبدأ الشورى و تعتبر جزءا منه .

في الشورى صلاح العالم

و الشورى كما جاء بها الاسلام فيها صلاح العالم و علاجه من أمراضه الاجتماعية و فيها بيان لمواطن النقص في النظم الديموقراطية و الديكتاتورية .

فالبلاد التي تطبق النظم الديموقراطية فشلت فشلا ذريعا في تطبيق مبدأ الشورى لسببن أولهما أنهم يؤثرون المنافع الشخصية و العصبيات الحزبية على المصالح العامة , و ثانيهما أنهم يسمحون للأقلية أن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة , و أن تشكك في قيمته و صلاحيته أثناء تنفيذه , بل أن الرأي يظل موضع الانتقاد و السخرية حتى بعد تمام تنفيذه .

و لما كانت القاعدة أن فريق الأغلبية هو الذي يتولى الحكم , فإن آراء هذا الفريق و أعماله لا تقابل بما يجب لها من الاحترام , بل تكون دائما محل تشكيك و سخرية , و يطعن عليها بتفاهتها , و عدم صلاحيتها , بل قد يحدث أن تمتنع الأقلية عن تنفيذ القوانين التي تسنها الغالبية حسدا لمكانتها و تعجيلا لنهايتها , و تظل الحال على ذلك حتى ينقلب الوضع فيصبح فريق الحاكمين أقلية فيترك الحكم ليتولاه فريق الأكثرية التي تقابل آراؤه و أعماله بمثل ما قوبل به فريق الأكثرية السابق , و هكذا لا يتولى الحكم فريق إلا كانت آراؤه و أعماله محل النقد و التشكيك و السخرية .

و قد يكون النقد سبيلا من سبل الاصلاح إذا أبدى الناقد رأيه وقت المناقشة متجردا عن الهوى , أو نقد آراء لم تناقش من قبل , أما نقد الآراء التي نوقشت و التشكيك فيها بعد أن وضعت موضع التنفيذ فذلك هو الفساد عينه .

أن نقد الآراء بعد مناقشتها و بعد وضعها موضع التنفيذ يتناقض مع الأساس الذي تقوم عليه الشورى , فأساس الشورى هو أن يحكم الشعب طبقا لما رأته الأغلبية المتجردة عن الهوى , و معنى ذلك أن الأغلبية اذا اجتمعت على رأي كان رأيها قانونا أو حكما تجب له الطاعة و الاحترام .

و لقد أدى موقف الأقلية من الأغلبية إلى نتيجته الطبيعية , فظهر أولو الأمر و أولو الرأي في البلاد الديموقراطية بمظهر العاجز الذي لا يحسن التصرف , و فقد الأفراد ثقتهم في الزعماء و الأحزاب , و أصبحوا يتشككون في قدرتهم على حكم الشعب و ادارة أموره , و حق لهم أن يفقدوا ثقتهم فيمن تصدوا لقيادتهم فلم يسمعوا عنهم في يوم ما أنهم ارتأوا رأيا فكان موضع التقدير , أو جاءوا بفكرة لم تكن موضع السخرية أو قاموا بعمل لم يكن موضع النقد و التشكيك .

و اذا كان فشل البلاد الديموقراطية في تطبيق مبدأ الشورى قد أدى إلى انعدام الثقة فيمن يتصدون لقيادة الشعب , ألا أن تفشي هذا الفشل في كل البلاد الديموقراطية جعل الناس يعتقدون أن مبدأ الشورى نفسه غير صالح للتطبيق , فانتقل الشك و عدم الثقة من القائمين على تطبيق المبدأ إلى ذات المبدأ , و اعتنق كثير من البلاد الديموقراطية مبدأ الديكتاتورية و هم يظنون أنهم سيجدون فيه علاجا لحالة الشك و عدم الثقة التي تعيش فيها الشعوب .

و لكن التجارب الحديثة أثبتت أن الديكتاتورية تنتهي بفشل أفظع من فشل الديموقراطية , لأن من طبيعتها أن تكم الأفواه و تعطل حرية الرأي و حرية الاختيار , كما أنها تؤدي إلى انعدام الثقة بين الشعوب و الحكام و توريط الشعوب و الحكومات فيما لا تريده أو فيما لا يعود عليها إلا بالضرر .

و اذا كانت الديكتاتورية تبدأ غالبا بالنجاح اذا استبدلت بالديموقراطية الفاشلة , فان النجاح لا يرجع إلى النظام ذاته , و انما يرجع كما أثبتت التجارب إلى ثقة المحكومين بأشخاص الحكام و تعضيدهم اياهم , و إلى حرص الحكام على صالح الجماعة , فإذا ما تغير الحكام الموثوق بهم أو فشلوا في القيام بمهمتهم انعدمت الثقة بين الحكام و المحكومين , و ابتدأ الفسد يدب في النظام الديكتاتوري , و كان ذلك ايذانا بتغيير نظام الحكم , و ان كان التغيير في ذاته يتوقف على عوامل مختلفة أظهرها ضعف الحاكمين , و شجاعة و قوة المحكومين . و نستطيع أن نقول بحق أن النظام الاسلامي هو أصلح نظام يرضي أصحاب الميول الحرة , وهو في الوقت ذاته يعتبر صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية , اذ أن النظام الاسلامي يحفظ للشورى قيمتها النظرية و يحقق صلاحيتها العملية , و يجيش كل القوى لخدمة الجماعة و يدعو إلى الثقة بالشورى و القائمين على أمرها , و يسد الطريق على الاستبداد و الاستعلاء و الفساد.

و نستطيع أن نقول أيضا أن النظام الديموقراطي يقوم في أصله على الشورى و التعاون , و لكنه ينتهي بعدم التجرد و بسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين و انعدام التعاون بينهما , و أن النظام الديكتاتوري يقوم في أصله على السمع و الطاعة و الثقة بين الحاكمين و المحكومين , و لكنه ينتهي بعدم التجرد و بسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين و انعدام الثقة بينهما .

أما النظام الاسلامي فيقوم على الشورى و التعاون و التجرد في مرحلة الاستشارة , و على السمع و الطاعة و الثقة في مرحلة التنفيذ , و لا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق , و بهذا جمع النظام الاسلامي بين ما ينسب إلى الديموقراطية من فضائل , و ما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا و محاسن , ثم هو في الوقت نفسه بريء من العيوب التي تنسب للديموقراطية و الديكتاتورية معا .

أهل الشورى

هم أهل الحل و العقد و ذوو الرأي في الأمة الاسلامية , و عدد هؤلاء محدود بالنسبة لعدد الأمة بطبيعة الحال , فلا يمكن أن يكون أهل الشورى هم كل الأمة لأن الاستشارة لا توجه إلا إلى كل شخص ناضج يستطيع أن يعطي رأيا صحيحا , و لأن المشورة لا يعتد بها إلا إذا جاءت من ذوي الرأي الناضج و ذوي الخبرة بالأمور التي تعرض للشورى .

و اذا كان منطق الحال يقتضي أن يكون أهل الشورى محدودين فإن منطق الاسلام يقتضي أن يكون جميع أهل الشورى أو أكثرهم ممن لهم إلمام تام بالشريعة الاسلامية إذا الشورى مقيدة بألا تخرج على نصوص الشريعة الاسلامية و لا روحها التشريعية .

و لما كانت الحياة قد تعقدت و كان للمسائل غير وجهها التشريعي وجوها أخرى فنية فقد وجب أن يكون أهل الشورى الملمين بالشريعة الاسلامية و بالعلوم و الفنون و الصناعات و غيرها مما يتعلق بمصالح الأمة , و ليس ثمة ما يمنع أن يقوم اختيار أهل الشورى على التخصص بشرط أن لا يكون لغير الملمين بالشريعة رأي فيما يتعلق بالشريعة الاسلامية , أو بشرط أن تكون هناك هيئة خاصة لترد كل ما يخرج على حدود الشريعة أو ورحها إلى موضعه الصحيح داخل نطاق الشريعة , و يستوي أن تكون هذه الهيئة لجنة خاصة من أهل الشورى أنفسهم أو هيئة أخرى قضائية كمحكمة مثلا , و كل ذلك متروك لأولي الأمر و أولي الرأي في الأمة ينظمونه على حسب الظروف و الأحوال و بالطريقة التي تحفظ مصالح الأمة .

و لم تحدد الشريعة الاسلامية عدد أهل الشورى و لا طريقة اختيارهم , و انما يرجع ذلك إلى ظروف الزمان و المكان , و قديما كان أهل الشورى هم المقيمين بالمدينة من المهاجرين و الأنصار و أشراف الناس , ثم أضيف إليهم الحكام و رؤساء الجيوش في مختلف البلاد الاسلامية , ثم تطور الأمر فأصبح أهل الشورى هم أصحاب الرسول و ذوي النفوذ و المكانة في كل قطر و أمراء السرايا و الجيوش و الحكام الاداريين في كل البلاد الاسلامية . و يلاحظ أن السوابق الاسلامية جرت على اعتبار الحكام و رؤساء الأجناد بصفة عامة من أهل الشورى , و لكن السوابق ليس لها قوة تشريعية ما لم تكن اجماعا . فان لم تكن كذلك كان العمل بها أو اهمالها متعلقا بالمصلحة العامة .

الشروط الواجبة في أهل الشورى :

و ليكون الشخص من أهل الشورى يجب أن تتوفر فيه الشروط الآتية :

1- العدالة : يشترط فيمن يصلح للشورى أن يكون عدلا , و العدالة هي التحلي بالفرائض و الفضائل و التخلي عن المعاصي و الرذائل , و عما يخل بالمروءة أيضا , و يرى بعض الفقهاء أن تكون العدالة ملكة لا تكلفا , و هو رأي لا محل له لأن التكلف اذا التزم صار خلقا .

2- العلم : يشترط أن يتوفر العلم في أهل الشورى , و العلم المقصود هو العلم بمعناه الواسع فيدخل فيه علم الدين و وعلم السياسة و غيرهما من العلوم , و لا يشترط أن يكون العالم منهم ملما بكل أنواع العلوم بل يكفي أن يكون ملما بفرع من العلوم كالهندسة أو الطب أو غير ذلك , و ليس من الضروري أن يكون العلماء جميعا مجتهدين فيكفي أن يتوفر الاجتهاد في مجموعتهم لأن في كل فرد منهم .

و اذا توفر في جماعتهم العلم جاز أن يكون فيهم غير عالم , و لا بأس أن يكون ذا ثقافة تؤهله لأن يدرك ما يعرض عليه ادراكا يمكنه من الحكم عليه و ابداء رأيه فيه .

3- الرأي و الحكمة: و يشترط فيمن يصلح للشورى أن يكون ممن عرف بجودة الرأي و الحكمة , و لا يشترط فيه أن يكون من ذوي العصبية , لأن أساس الشورى هو الرأي الصحيح الحكيم المتفق مع الشرع المجرد من الهوى و العصبية .

سلطان الأمة

قلنا فيما سبق أن الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل ايمانه إلا بتوفرها , و أنها فريضة اسلامية واجبة على الحاكمين و المحكومين , و اذا كانت الشورى فريضة قد وجب أن يكون لأهل الشورى السمع و الطاعة على كل أفراد الأمة من حاكمين و محكومين , و هذا السلطان الذي تعطيه الشورى لأهل الشورى ليس سلطانهم وحدهم و انما هو سلطان الأمة كلها , اذ أن أهل الشورى ليسوا في الواقع إلا نواب الأمة و أصحاب الرأي و النفوذ فيها اختيروا ليمثلوا الأمة ابداء رأيها في أمورها التي جعلها الله شورى بين المسلمين جميعا .

و اذا كان الحكام كما رأينا ملزمين بتنفيذ ما تفضي إليه الشورى و باقامته على الوجه الذي ارتضاه ممثلو الأمة , فالحكام يكونون من هذه الوجهة خداما للأمة و منفذين لارادتها و تكون الأمة هي مصدر سلطانهم فيما يفعلون و ما يدعون تنفيذا لما افضت أليه الشورى .

و يستدل البعض على سلطان الأمة بأن الله أمر بطاعة أولي الأمر و لا يطاع الواحد منهم إلا بتأييد جماعة المسلمين له , فهم الذين اختاروه و بايعوه و طاعته تابعة لطاعتهم و اجتماع كلمتهم كما ورد في الأحاديث الصحيحة الخاصة بالتزام الجماعة كحديث :" من رأى من أميره شيئا فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية " , و حديث حذيفة بن اليمان الذي قال فيه الرسول :" تلزم جماعة المسلمين و امامهم " , قال حذيفة : فان لم يكن لهم جماعة و لا امام قال :" فاعتزل تلك الفرق كلها " . فهذان الحديثان يدلان على انعدام السلطة بانعدام الجماعة , و وجودها بوجود الجماعة و اذا كانت السلطة لا توجد إلا بوجود الجماعة , فالجماعة هي مصدر السلطان , و يمثلها أولو الأمر من المسلمين و أهل الحل و العقد و الرأي و المطاع .

و يدللون أيضا على سلطان الأمة بما روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم من قوله :" لا تجتمع أمتي على ضلالة " و في رواية أخرى :"سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة و أعطانيها ". و مقتضى الحديث أن الاجتماع على رأي يجعله ملزما , و اذا كان الرأي ملزما فصاحبه ذو سلطان .

و يدللون كذلك على سلطان الأمة بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم " النساء :59 . و قوله :" و اذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " النساء: 83 . و يفسرون أولي الأمر بأنهم أهل الحل و العقد من المسلمين , و يدخل فيهم الأمراء و الحكام و العلماء و الرؤساء عامة و رؤساء الجند خاصة و الزعماء الذين يرجع اليهم في الحاجات و المصالح العامة , و يقولون : أن هؤلاء اذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا , و أن لا يخالفوا أمر الله و لا سنة رسوله , و أن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر و اتفاقهم عليه , و أن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة التي لأولي الأمر سلطة فيها و وقوف عليها . أما ما يؤخذ عن الله و رسوله فقط فليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه أو تنفيذه .

و يدللون على صحة تفسير أولي الأمر الواردة في الآية الأولى بالمعنى السالف بما تدل عليه عبارة أولي الأمر في الآية الثانية .

و اذا كان لأولي الأمر على هذا المعنى سلطان واجب النفاذ و هو ممثلو الأمة فالسلطان لمن يمثلون و هي الأمة , و ما جاءهم السلطان إلا عن طريقها بصفتهم نوابا عنها و ممثلين لها .

اختيار الخليفة أو الإمام

كيفية الاختيار : اختيار رئيس الدولة الاسلامية من أمور الأمة التي جعلها الله شورى بين المسلمين ان لم من أهم أمورها , فللأمة أن تختار رئيسا للدولة كلما خلا منصب الرئاسة بموت أو عزل أو استقالة , و لا يجوز أن يفتات عليها في ذلك بأي زجه من الوجوه و ألا تعطل قوله تعالى :" و أمرهم شورى بينهم " .

و لم تأت الشريعة الاسلامية بنصوص خاصة بتنظيم الاختيار و بكيفيته , لأن الأمر في هذه المسألة يختلف باختلاف ظروف الأحوال من الزمان و المكان , و قدرة الأشخاص على الانتقال و الاتصال , ومن ثم كان للمسلمين أن ينظموا أمر الاختيار بما يلائم ظروفهم , و بما يتفق مع التطورات التي تطرأ حينئذ على وسائل الانتقال و الاتصال .

و يستدل البعض على سلطان الأمة بأن الله أمر بطاعة و في أول عهد الاسلام كان يكتفي بأخذ رأي أهل الشورى المقيمين بعاصمة الخلافة لوجود أغلب صحابة الرسول صلى الله عليه و سلم بالمدينة و لوجود المرشحين للخلافة بها أيضا , ثم تطور الأمر بعد تفرق الصحابة في الأمصار , فكان يؤخذ أولا رأي المقيمين بعاصمة الخلافة , لا لتميزهم على غيرهم و انما لسبق علمهم بخلو منصب الخلافة , و لا مكان أخذ رأيهم قبل غيرهم , فاذا اختاروا خليفة أخذت البيعة له ممن في بقية الأمصاء , و كان المقيمون في الأمصار يتابعون أهل العاصمة , و هكذا كا الاختيار عرفا لا شرعا للمقيمين في العاصمة , و كان المقيمون في غيرها متابعين في الواقع لا مختارين , و كانت العلة في حرمان أهل الأمصار من الاختيار الصحيح صعوبة جمع أهل الشورى في مكان واحد و استحالة معرفة رأيهم في وقت واحد مع بقاء كل منهم في مكانه . أما اليوم و قد وجدت السكك الحديدية و السيارات و الطائرات و السفن البخارية و التلغرافات و اللاسلكي , فمن الممكن أن يختار أهل الشورى اختيارا صحيحا , و أن يعرف رأيهم في كل مصر و كل قطر في الوقت نفسه الذي يعرف فيه رأي المقيمين بعاصمة الخلافة .

و اذا رجعنا إلى السوابق التاريخية وجدنا أن اختيار أبي بكر تم في اجتماع السقيفة أولا ثم كانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي , و لم يتخلف عنها أحد من أصحاب الرأي من الأنصار و المهاجرين الا أشخاص لا يبلغ عددهم عدد أصابع اليد الواحدة , و بويع عمر بناء على ترشيح أبي بكر له و ما تخلف عن مبايعته أحد من أهل الرأي أنصارا أو مهاجرين ممن قرئ عليهم خطاب أبي بكر في المسجد أو ممن لم يشهدوا اجتماع المسجد, و بويع عثمان في المسجد لم يتخلف عن مبايعته أحد من أهل الرأي المقمين في المدينة بعد أن قبل ما لم يقبلوا علي بن أبي طالب من اقتراح عبد الرحمن بن عوف , و بويع علي بن أبي طالب من أكثر أهل الرأي في المدينة و لم يتخلف عن بيعته إلا بضعة أشخاص .

و مع أن الفقهاء متفقون على أن اختيار الإمام لا يكون إلا عن طريق أهل الشورى , و أن بيعته لا تتم إلا إذا تم الاختيار على هذا الوجه , إلا أن الفقهاء قد اختلفوا في دلالة السوابق التاريخية التي ذكرناها كما اختلفوا في النائج المترتبة عليها .

فمنهم من رأى – و هؤلاء هم أصحاب الرأي الصحيح – أن الإمامة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل و العقد في كل بلد و لم يشأ أن يجعل لهذه السوابق أثرا ما على القاعدة العامة المتفق عليها .

و منهم من تجاهل القاعدة و رأى أن يتخذ من هذه السوابق أحكاما يسار عليها في اختيار الإمام , و هؤلاء اختلفوا بدورهم فمنهم من رأى الاكتفاء باختيار الحاضرين من أهل الشورى في عاصمة الخلافة دون انتظار لغائب و دون اهتمام برأي المقيمين في الأمصار , و أصحاب هذا الرأي متأثرون بصعوبة الانتقال و لا يريدون التعلق بما يشق على الناس أو بما ليس في الامكان .

و منهم من قال يكتفي باختيار خمسة يجتمعون علىعقد البيعة لشخص معين أو يعقدها أحدهم برضا الآخرين , و أصحاب الرأي يستدلون على صحة رأيهم بأن بيعة أبي بكر تمت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس و هم عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح و أسعد بن خضير و بشر بن سعد و سالم مولى أبي حذيفة , كما يستدلون بأن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا 5 , و أصحاب هذا الرأي مخطئون في استدلالهم فما اجتمع الخمسة الذين ذكروا على بيعة أبي بكر و لا اتفقوا عليها , و انما كانوا أول من بايع أبا بكر , و لو انعقدت البيعة باختيارهم لما كان هناك ضرورة لمبايعة غيرهم و للبيعة العامة التي تمت في المسجد في اليوم التالي , كذلك فإن اختيار عمر للستة لم يكن إلا ترشيحا و لم تنعقد البيعة إلا باختيار جمهور أهل الشورى الذين حضروا في المسجد و بايعوا عثمان على ما بين من قبل .

و قال البعض تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين لأن البيعة عقد فتصبح بعاقد و شاهدين كعقد و شاهدين كعقد النكاح يصح بولي و شاهدين , و قال آخرون تنعقد بواحد لأن الأمر فيها لا يحتاج لشهود . و كل هذه الآراء لا تتفق مع قول الله تعالى :" و أمرهم شورى بينهم " فلا يكون الأمر شورى إذا اكتفى بر أي واحد أو اثنين أو خمسة , و انما يجب أن يقوم على رأي كل من يستطاع أخذ رأيه , و لعل أقرب هذه الآراء جميعا للصحة هو الرأي الذي كان يرى الاكتفاء برأي أهل الشورى في عاصمة الخلافة لصعوبة الحصول في الوقت المناسب على رأي الآخرين , و لكن ظروف العصر لا تجعل لهذا الرأي محلا اليوم , فلا بد اذن أن يقوم الاختيار على رأي أهل الشورى في جميع البلاد الاسلامية ما دام في الاستطاعة أن يبدوا رأيهم جميعا في وقت مناسب , فاذا اجتمعوا جميعا أو أكثرهم على اختيار شخص انعقدت له الامامة باختيار الجميع أو كثرتهم .

وحدة الامامة

المقصود بوحدة الامامة أنه لا يختار لرئاسة الدولة الاسلامية إلا شخص واحد و أنه لا يجوز أنت يكون للمسلمين إلا دولة واحدة , و ذلك أن الله جل شأنه جعل المسلمين أمة موحدة و ما يكون للأمة الموحدة إلا رئيس واحد و دولة واحدة :" و ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " المؤمنون:52." و ان هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون " الأنبياء : 92.

والله يوجب على المسلمين أن يتحدوا و يلتفوا حول راية القرآن و يحرم عليهم التفرق و الاختلاف , و لا يتم اتحادهم و يمتنع تفرقهم و اختلافهم إلا إذا كانوا أمة موحدة تكون دولة واحدة لها رئيس واحد " و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا " آل عمران : 103. " و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا " آل عمران:105. و ما يصدق على المسلمين أنهم معتصمون بحبل الله غير متفرقين و لا مختلفين أذا كانوا شعوبا متفرقة و دولا متعددة .

و لقد أكد الرسول صلى الله عليه و سلم هذه المعاني في قوله :" إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" فالرسول يرى أن يكون للمسلمين جميعا خليفة واحدة و اذا بويع لاثنين قتل الآخر منهما حفظا لوحدة الأمة , و هذا إذا لم ينزل هو عن التمسك ببيعته . و في مثل هذا المعنى قوله :" من أتاكم و أمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم و يفرق جماعتكم فاقتلوه " و قوله :" ستكون هنات و هنات فمن أراد أن يفرق هذه الأمة و هي جمع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ": فهذه الأحاديث قاطعة في أن الأمة الاسلامية أمة موحدة تكون دولة واحدة لها رئيس واحد و لا يجوز للأمة بأي حال أن تتفرق و تتوزعها الحكومات و الأئمة .

و ليس ثمة ما يمنع أن يتعدد المرشحون للخلافة , و لكن لا يصح أن يختار منهم جميعا إلا واحدا , و أهل الشورى مقيدون باختيارهم بأن يختاروا واحدا توفرت فيه شروط الخلافة فإن توفرت الشروط في أكثر من واحد قدم أهل الشورى أكثرهم فضلا و أكملهم شروطا , و ليس لهم أن يختاروا من أداهم اجتهادهم إلى اختياره قبل أن يعرضوا الأمر عليه , فإن أجاب اليها بايعوه عليها , و ان امتنع عن الامامة و لم يجب إليها لم يجبر عليها و عدل إلى سواء ممن تتوفر فيه شروطها .

و اذا تكافأ في شروط الامامة اثنان قدم اسنهما و ان لم يكن ذلك شرطا , فان بويع اصغرهما جاز , فان كان احدهما أعلم و الآخر أشجع روعي في الاختيار ما توجبه الظروف , فان كانت الحاجة لإلى فضل العلم أدعى كان الأعلم أحق .

و اذا تعين لأهل الشورى واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة ثم وجد بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول و لم يجز العدول عنه إى من هو أفضل منه .

أما اذا ابتدأوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل فان كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبا أو مريضا أو كون المفضول أطوع الناس و أقرب إلى القلوب انعقدت بيعة المفضول و صحت امامته , فان بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته و صحة امامته فذهبت طائفة إلى أن بيعته لا تنعقد لأ نالاختيار اذا دعا إلى أولي الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مما ليس بأولى , و قال أكثر الفقهاء تجوز الامامة و تصح البيعة و لا يكون وجود الأفضل مانعا من امامة المفضول اذا لم يكن مقصرا عن شروط الامامة لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار و ليست معتبرة في شروط استحقاق الامامة ...

و لا يجوز أن تعقد الامامة لشخصين , فان حدث ذلك في عقد واحد فالعقد باطل لأنه لا يجوز أن يكون للأمة امامان في وقت واحد و أن شذ قوم فجوزوه,, و اذا بطل العقد تعين أن يستأنف الاختيار , و كان على أهل الشورى أن يختاروا من جديد أحدهما أو شخصا غيرهما .

و اذا عقدت الامامة لشخصين في وقت واحد و كان العقد لكل منهما على انفراد , فالامام في رأي الغزالي من انعقدت له البيعة من الأكثرين أي من اختاره أكثر أهل الشورى , أما جمهور الفقهاء فيرون أن الامام هو من سبقت له البيعة سواء اختاره الكثيرة أو القليلون , فان جهل السابق بطل العقدان و استؤنف الاختيار على رأي , أو أقرع على رأي آخر .

و رأي حجة الاسلام الغزالي يتفق مع أوضاعنا العصرية . فيما تجري عليه من انعقاد النيابة لأعضاء مجالس الشورى بأكثر الأصوات , و فيما تأخذ به الدول الجمهورية من اختيار من نال أكثر أصوات الناخبين رئيسا لها .

أما رأي القائلين بالأسبقية فهو رأي لا يقوم على سند صحيح من المنطق أو الفقه اذ أن اختيار الامام انما هو من الأمة التي ينوب عنها أهل الشورى و لا يمكن عقلا أو منطقا أن يقال أهل الشورى اختاروا اذا اختار أحدهم أو بعضهم , و انما يصح أن يقال أنهم اختاروا اذا اذا اختار كلهم أو أكثرهم شخصا بعينه , و لما كا اجماعهم غير متيسر وجب أن يختار أكثرهم أو يرضى بمن اختير , و البيعة ليست الا مظهر الاختيار فيجب أن يبايع الأكثرون لتنعقد الامامة , فمن لم يبايعه إلا القلة لم تنعقد امامته خصوصا اذا لم ترض الكثرة ببيعته أو بايعت غيره .

و يلاحظ أن الذين أجازوا وجود امامين في وقت واحد انما أجازوا ذلك للضرورة , و بعد انتشار الاسلام و اتساع رقعته و تباعد أطرافه و استقلال بعض ذوي العصبية ببعض الأقطار و التفرد بحكمها لا لمصلحة الاسلام و انما لاستغلال هذه الأقطار و الاستعلاء على سكانها .

فالذين أجازوا تعدد الامامة لم يجيزوا ذلك لأن الاسلام يجيزه , و انما أجازوه للضرورة و هو يسلمون بوجوب الوحدة و الاتحاد . و اذا قامت هذه الضرورة قديما على بعد المسافات و تعذر المواصلات و صعوبة تنفيذ الأحكام و مباشرة السلطان فانها قد سقطت اليوم , و لم يعد ثمة مبرر لتفرق المسلمين و تمزيق وحدتهم بعد أن قربت المسافات و سهلت المواصلات و تطورت الأفكار و أصبح الشعفاء في هذه الدنيا مطمعا للأقوياء و هدفا للاستغلال و الاستذلال , و بعد أن علم الناس كافة أن القوة و الكرامة و السعادة و السيادة انما هي في الوحدة و الاتحاد , و أن الأمر للأمم و الشعوب و ليس للحكام و الأفراد , و بعد أن بلغت الأمم من الرشد ما هيأ لها أن تتخلص من استبداد الأفراد و استغلال الأسر و ذوي العصبيات .

و اذا كانت الأمم الأوروبية تحاول أن تحمي نفسها من الضعف بتكوين دولة موحدة منها على ما بينها من ترات و أحقاد , و على ما بينها من اختلاف في اللغات و الآداب و المذاهب الدينية و الاجتماعية , فأولى بالشعوب الاسلامية أن تكون دولة موحدة أو واحدة , وحدها الدين و التاريخ و الثقافة , وألف بين قلوب أبنائها الاسلام .

و اذا كانت الأمم الأوروبية تستجيب فيما تحاول لمصلحتها فإن الأمم الاسلامية حينما تكون دولة واحدو انما تستجيب للمصلحة و تلبي أوامر الدين , و تنشد القوة و العزة و الكرامة , و تتخلص من الاستذلال و الاستغلال , و تحمي نفسها من الاستبداد و الاستعلاء , و تمهد طريق العودة إلى قيادة العالم و توجيهه إلى الخير و السعادة .

المبايعة

قلنا فيما سبق أن الامامة أو الخلافة ليست عقدا طرفاه الخليفة من ناحية و أولو الرأي في الأمة من الناحية الأخرى , و لا ينعقد العقد إلا بايجاب و قبول : الايجاب من أولي الرأي في الأمة أو أهل الشورى و هو عبارة عن اختيار الخليفة , و القبول من جانب الخليفة الذي اختاره أولو الرأي في الأمة .

و نستطيع هنا أن نقول أن الامامة تمر في ثلاث مراحل :

أولها : مرحلة الترشيح للامامة , فيرشح الامام السابق , أو أحد أهل الرأي الامام اللاحق . و من الأمثلة على ذلك ترشيح أبي بكر لعمر أو أبي عبيدة في اجتماع السقيفة و ترشيح عمر لأبي بكر بعد أن رفض عمر و أبوعبيدة ترشيح أبي بكر لهما , و كذلك ترشيح أبي بكر لعمر عندما حضرته الوفاة و ترشيح عمر للستة بعد أن طعن .

ثانيهما : مرحلة الاختيار أو قبول الترشيح , و في هذه المرلحة يختار أهل الشورى واحدا من المرشحين اذا تعدد المرشحون , أو يوافقون على اختيار المرشح اذا كان واحدا . و من الأمثلة على ذلك موافقة الناس على ترشيح أبي بكر لما قرئ عليهم خطاب أبي بكر , و اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان بن عفان و متابعة الناس له في هذا الاختيار .

ثالثها : مرحلة البيعة , و هي مظهر الاختيار و الدليل عليه , و قد تندمج مرحلة البيعة في مرحلة الاختيار فلا يكون بينهما فاصل زمني كما حدث في بيعة أبي بكر فقد رشحه عمر و قال له أمدد يدك أبايعك , فبايعه و تتابع الناس على ذلك .

و البيعة تقليد اسلامي أثر عن الرسول صلى الله عليه و سلم , و أول بيعة الاسلام ذات شأن هي بيعة الأنصار في مكة و تسمى بيعة العقبة بايع فيها سبعون أنصاريا رسول الله كما قال لهم :" على السمع و الطاعة في النشاط و الكسل و على النفقة في العسر و اليسر و على الأمر بالعمروف و النهي عن المنكر و على أن تقوموا في الله لا تأخذكم لومة لائم , و على أن تنصروني اذا قمت عليكم و تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم و أزواجكم و أبناءكم و لكم الجنة ".

و قد نزل القرآن ببيعة النساء في قوله تعالى :" يا أيها النبي اذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن أولادهن و لا ]أتين ببهتان يفتريه بين أيديهن و أرجلهن و لا يعصينك في معروف فبايعهنو استغفر لهن الله ان الله غفور رحيم " الممتحنة : 13 .

و كان الصحابة يبايعون الرسول صلى الله عليه و سلم على الاسلام و على الهجرة و على الجهاد , بل بايعوه على عدم الفرار من القتال كما حدث في الحديبية .

و روي عن ابن عمر أنه قال :" كنا اذا بايعنا رسول الله على السمع و الطاعة يلقننا هو " فيما استطعت". و الأصل في البيعة أن تكون على الكتاب و السنة و اقامة الحق و العدل من قبل الامام , و على السمع و الطاعة في المعروف من قبل أهل الشورى , و تتم المبايعة اذا بايع جميع أهل الشورى أو أكثرهم .

و اذا تمت المبايعة انعقدت الامامة , ووجب على الامام أن يقوم بأمر الله في المسلمين , و أن يقيم فيهم كتاب الله و سنة رسوله , لا يألوا جهدا في احقاق الحق و تحقيق العدل , و كان على أهل الشورى على الأمة بصفة عامة أن يسمعوا للامام و يطيعوه في حدود طاعة الله , أما أهل الشورى فعليهم ذلك التزاما بالبيعة التي بايعوا , و أما أفراد الأمة فالتزاما ببيعة نوابهم الذين ينوبون عنهم و يمثلونهم و هم أهل الشورى , و ليس لأحد الفريقين أن ينزع يدا من طاعة م لم يحدث الامام ما يقتضي الخروج على طاعته , و قد حرم الاسلام هذا و اعتبره غدرا في قول رسول الله صلى الله عليه و سلم :" لكل غادر لواء يعرف بقدر غدرته و أن أكبر الغدر غدر أمير عامة " و قوله :" من نزع يدا من طاعة فلا حجة له يوم القيامة ".

و الأصل أن يضع المبايع يده في يد من يبايعه ثم يأتي بعبارة البيعة , و قد سجل القرآن شكل البيعة في قول الله جل شأنه :" ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايدهم " الفتح:11. كذلك سجل الحدديث هذا الشكل في قول الرسول صلى الله عليه و سلم :" من بايع امام فأعطاه صفقة يده و ثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ".

و قد أثر عن الرسول أنه كان يضع يده في يد المبايعين , و أنه انتدب عمرليأخذ بيعة النساء , و جرى الأمر بعد الرسول على أن يتقبل الخلفاء البيعة من الحاضرين , و أن يتقبلها نوابهم ممن لم يحضر مجلس الخليفة .

طلب الولاية

و يجمل بأهل الشورى أن لا يختاروا أو يبايعوا من يطلب الامامة أو يحرص عليها , فان طلب الولاية و الحرص عليها مكروه في الاسلام ان لم يكون محرما , و أغلب طلاب الولاية الحريصين عليها انما يطلبونها للسلطان و الجاه و الاستعلاء على الناس , و ما تؤدي ولاية هؤلاء غالبا الا الى الفسد و الافساد .

و قد نهى الرسول صلى الله عليه و سلم عن طلب الامارة و الحرص عليها و منعها من طالبيها , فعن أبي موسى أنه دخل على رسول الله و رجلان من بني عمه فقال أحدهما يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل , و قال الآخر مثل ذلك فقال :" انا والله لا نولي هذا العمل أحدا يسأله أو واحدا حرص عليه " و عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة فانك ان اعطيتها من غير مسألة أعنت عليها و ان أعطيتها عن مسألة و كلت اليها " و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " أنكم ستحرصون على الامارة و ستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة و بئست الفاطمة ".

و أولى بالمنع من الولاية من طلبها و هو ضعيف ليس أهلا لها و لا يقدر على القيام بحقها , و لقد منعها الرسول أبا ذر لضعفه فيروى عن أبي ذر أنه قال يا رسول الله ألا تستعملني قال " انك ضعيف و انها أمانة و أنها يوم القيامة خزي و ندامة الا من أخذها بحقها و أدى الذي عليه فيها ".

السلطات في الدولة السلامية

تكاد السلطات فيا لدولة الاسلامية لا تخرج عن خمس : هي : السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية , و السلطة القضاشية , و السلطة المالية و سلطة المراقبة و التقويم .

و يقوم الامام باعتباره نائبا عن الأمة في مباشرة هذه السلطات في حدود ما أمر الله به من جعل كل أمور الحكم شورى بين المسلمين , و في حدود ما أمر الله به الحاكم من استشارة أهل الرأي في كل أمور الحكم , و سنتكلم فيما يأتي عاى هذه السلطات واحدة واحدة .

أولا: السلطة التنفيذية

يقوم عليها رئيس الدولة و هو الامام , و يختص بها وحده , فمن واجبه القيام بكل الأعمال التنفيذية لاقامة الاسلام و ادارة شئون الدولة في حدود الاسلام , و يدخل في هذا التعبير العام اختصاصات شتى أهما تعيين الموظفين و عزلهم و توجيههم و مراقبة أعمالهم, و قيادة الجيش و اعلان الحرب و عقد الصلح و الهدنة و ابرام المعاهدات , و اقامة الحدود و تنفيذ الأحكام , و لاية الصلاة و الحج و حمل الناس على ما يصلح أمورهم و يوجههم وجهة الاسلام صحيحة بما يسنه من لوائح و يصدره من أوامر , و العفو عما يجوز العفو عنه من الجرائم و العقوبات .

و الأصل في الاسلام أن الامام هو رئيس الدولة و مصرف أمورها و المسئول الألو عن أعمالها , و مسؤولية الامام ليست محدودة , و انما هي مسئولية تامة فهو الذي يضع سياسة الدولة و يشرف على تنفيذها و هو الذي يهمين على كل أمور الدولة و مصائرها .

و للامام أن يستعين بالوزراء في القيام على شئون الدولة و توجيه أمورها , و لكنهم مسئولون أمامه عن أعمالهم و ليس لهم سوى تنفيذ سياسته و اتباع أوامره , و مركزهم منه مركز مركز النواب عنه يعينهم و يقيلهم ,و هم أفراد أو مجموعات , يستمدون سلطانهم منه و ينوبون عنه فيما يباشرون من أعمالهم , و كل منهم يعتبر رئيسا اداريا للوزارة التي يشرف عليها , و آراؤهم و سياستهم لا تقيد رئيس الدولة ما لم يسكت عليهم حتى ينفذوها فيتقيد بما تم تنفيذه منها .

و اذا كان هذا هو الأصل في سلطة الامام و سلطة الوزراء فان التطورات التاريخية قد انتهت بجعل الوزارة على ضربين : وزارة تفويض و وزارة تنفيذ :

فأما وزارة التفويض فهي أن يستوزر الاماممن يفوض اليه تدبير الأمور برأيه و امضاءها على اجتهاده , و وزير التفويض له اختصاص عام الا أن عليه أن يطالع الامام بما أمضاه من تدبير و أنفذه من عمل , لأنه مسئول عن كل عمله و ليس له أن يستبد بعمله على الامام . و للامام من جهته أن يتصفح أعمل الوزير و تدبيره الأمور ليقر منها ما وافق الصواب و يستدرك ما خالفه .

و أما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصود على رأي الامام و تدبيره , و ما الوزير إلا وسيط بينه و بين الرعايا و الولاة يؤدي عنه ما أمر و ينفذ ما ذكر و يمضي ما حكم و يعرض على الامام ما ورد من الرعايا و الولاة و ما استجد من أحداث ليعمل فيها بما يؤمر به , فهو معين في تنفيذ الأمور و ليس بوال عليها و لا متقلد لها . و يفرقون بين وزارة التفويض و وزارة التنفيذ من أربعة وجوه .

أحدها : أنه يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم و النظر في المظالم و ليس ذلك لوزير التنفيذ .

و الثاني : أنه يجوز لوزير التفويض أن يستبد بتقليد الولاة و الموظفين و ليس ذلك لوزير التنفيذ .

و الثالث : أن يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتيسيير الجيوش و تدبير الحروب و ليس ذلك لوزير التنفيذ .

و الرابع : انه يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما يستحق له و دفع ما يجب عليه و ليس ذلك لوزير التنفيذ .

و سواء كان الوزراء مفوضين أو منفذين فهم مسئولون امام رئيس الدولة و له أن يقيلهم كلما خرجوا على أوامره و توجيهاته أو انحرفوا عن سياسته في ادارة شئون الدولة .

و رئيس الدولة بدوره مسئول عن سياسته لأمور الدولة أمام أفراد الأمة بصفة و أمام أهل الشورى بصفة خاصة .

ثانياً: السلطة التشريعية

الأصل في الشريعة الاسلامية انها جاءت للناس لتحكمهم في كل حالاتهم , و ليحكموها في شئون دنياهم و آخرتهم , و لكن الشريعة مع هذا لم تأت بنصوص تفصيلية تبين حكم كل الحالات الجزئية و الفرعية , و انما اكتفت الشريعة في أغلب الأحوال بايراد الأحكام الكلية و المبادئ العامة , فاذا تعرضت لحكم فرعي فنصت عليه فانما تنص عليه لانه يعتبر حكما كليا أو مبدأ عاما بالنسبة لما يدخل تحته من فروع أخرى .

و الأحكام الكلية و المبادئ العامة التي نصت عليها الشريعة تعتبر بحق القواعد العامة للتشريع الاسلامي , و الهيكل الذي يمثل معالم التشريع الاسلامي , و الضوابط التي تحكم التشريع الاسلامي .

و قد تركت الشريعة لأولي الأمر و الرأي في الأمة أن يتموا بناء التشريع على هذه القواعد , و أن يستكملوا هذا الهيكل فيبينوا دقائقه و تفاصيله في حدود المبادئ و الضوابط التي جاءت بها الشريعة .

و الطريقة التي التزمتها الشريعة في التشريع هي الطريقة الوحيدة التي تتلاءهم مع شريعة كتب لها الدوام تقتضي أن لا ينص على حالات مؤقتة تتغير أحكامها بتغير الظروف و توالي الأيام و السمو و الكمال , فصفة الدوام تقتضي أن لا ينص على حالات مؤقتة تتغير أحكامها بتغير الظروف و توالي الأيام و السمو و الكمال يقتضيان النص على المبادئ و النظريات الانسانية و الاجتماعية التي تكفل حياة سعيدة للجماعة , و تحقق العدل و المساواة و البر و التراحم بين أفرادها .

و اذا كانت الشريعة قد أعطت أولي الأمر و الرأي في الأمة حق التشريع فانها لم تعطهم هذا الحق مطلقا من كل قيد , فحق هؤلاء التشريع مقيد بأن يكون ما يصنعونه من التشريعات متفقا مع نصوص الشريعة و مبادئها العامة و روحها التشريعية . و تقييد حقهم في التشريع على هذا الوجه يجعل حقهم مقصورا على نوعين من التشريع :

(أ‌) تشريعات تنفيذية : يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الاسلامية , و التشريع على هذا الوجه يعتبر بمثابة اللوائح و القرارات التي يصدرها الوزراء اليوم كل في حدود اختصاصه لضمان تنفيذ القوانين الوضعية .

(ب‌) تشريعات تنظيمية : يقصد بها تنظيم الجماعة و حمايتها و سد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة , و هذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت فيه بنصوص خاصة .

و يشترط في هذا النوع من التشريعات أن يكون قبل كل شيء متفقا مع مبادئ الشريعة العامة و روحها التشريعية , و الا كان باطلا بطلانا مطلقا , فليس لأحد أن ينفذه و ليس لأحد أن يطيعه .

و يمارس الامام وحده السلطة التشريعية فيما يصدر من تشريعات تنفيذية , لأنها تعتبر من أعمال التنفيذ الحقيقة و ان كانت في شكلها تشريعا .

و يمارس الامام بالاشتراك مع أهل الشورى السلطة التشريعية فيما عدا ذلك في حدود الشورى و بقيودها التي سبق بيانها , فاذا ما انتهت بهم الشورى إلى اقرار تشريع ما استقل الامام بتنفيذه , لأنه هو القائم على سلطة التنفيذ.

ثالثاً: السلطة القضائية

مهمة هذه السلطة هي توزيع العدالة بين الناس و الحكم في المنازعات و الخصومات و الجرائم و المظالم , و اتيفاء الحقوق ممن مطل بها و ايصالها إلى مستحقيها و الولاية على فاقدي الأهلية و السفهاء و المفلسين , و النظر في الاوقاف و أموالها و غلاتها إلى غير ذلك مما يعرض على القضاء .

و الاسلام يوجب على القضاة أن لا يجعلوا لأحد عليهم سلطانا في قضائهم , و أن لا يتأثروا بغير الحق و العدل , و أن يتجردوا عن الهوى و أن يسووا بين الناس جميعا :" ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء :58 , " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " ص : 26 , " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين أن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا " النساء : 135 .

و تاريخ القضاء الاسلامي قاطع في القضاة كانوا دائما مستقلين في عملهم لا سلطان لأحد عليهم إلا الله , و لا يخضعون في قضائهم إلا لما يقضي به الحق و العدل .

من ذلك أن ابراهيم بن اسحق قاضي مصر سنة 104 ه اختصم اليه رجلان فقضي على أحدهما فشفع إلى الوالي فأمره الوالي أن يتوقف في تنفيذ الحكم , فجلس القاضي في منزله حتى ركب إليه الوالي و سأله الرجوع إلى عمله , قال لا أعود إلى ذلك المجلس أبدا , ليس في الحكم شفاعة . و وقع بين أم المهدي و بين أبي جعفر المنصور خصومة , فتحاكما إلى غوث بن سليمان قاضي مصر , فحكم لصالح أم المهدي ضد الخليفة .

و قضي خير بن نعيم على أحد الجنود بالحبس فأخرجه الوالي من المحبس , فاعتزل خير بن نعيم وجلس في بيته فلما طلب منه الوالي الرجوع لعمله قال لا حتى يعود الجندي إلى المحبس .

و لقد قضى شريح على عمر بن الخطاب في خلافته , و قضى ضد علي بن أبي طالب في خلافته , و كلاهما ترافع اليه و هو يعتقد أنه على حق , و الأمثلة من هذا النوع كثيرة جدا .

و الامام هو الذي يولي القضاة بصفته نائبا عن الأمة , و له الاشراف عليهم و عزلهم بهذه الصفة و لا يعتبر القضاة بمجرد تعيينهم نوابا عن الامام , انما يعتبرون نوابا عن الأمة , و لذلك لا يعزلون عن عملهم بموت الامام أو عزله , كما أن الامام لا يملك عزلهم لغير سبب يوجب العزل .

و على هذا الأساس يعتبر القضاة سلطة مستقلة مصدرها الأمة , و اذا كان الإشراف على هذه السلطة للامام فانما يشرف عليها بصفته نائبا عن الأمة .

و يلاحظ أن التقاليد الاسلامية جرت من أول عهد الاسلام على أن يباشر رئيس الدولة القضاء , فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقضي بين الناس و كذلك كان الخلفاء الراشدون , و كان المتفقهون من الخلفاء بعدهم يقضون , ثم انتهى الأمر إلى ترك القضاء للقضاة المختصين به , و لعل ذلك راجع إلى عدم المام الخلفاء بالفقه أو عدم مرانهم على القضاء .

القضاء و شرعية القوانين:

و يوجب الاسلام على القضاة أن يتصدوا لشرعية القوانين و النصوص , و أن لا يحكموا إلا بما أنزل الله , و بما هو تطبيق لمبادئ الاسلام العامة, و ذلك قوله تعالى :" فاحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق " المائدة : 48 . و قوله " و ان احكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " المائدة : 49 .

و يحرم الاسلام على المسلمين أن يحكموا بغير ما أنزل الله , و يعتبر من لم يحكم بما أنزل الله كافرا " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون " المائدة : 44 .

و هكذا نزلت نصوص القرآن بوجوب تصدي القضاة لشرعية القوانين التي يطلب اليهم تطبيقها , فان كانت شرعية طبقوها إلا أهملوها و طبقوا نصوص الشريعة أو تطبيقا لمبادئها العامة و روحها التشريعية . و بذلك سبق الاسلام القوانين الوضعية بحوالي ثلاثة عشر قرنا في تقرير نظرية شرعية القوانين أو ما نسميه اليوم في عرفنا القانوني بنظرية دستورية القوانين .

رابعاً: السلطة المالية

و لقد أوجد الاسلام من يوم انشاء الدولة الاسلامية سلطة مستقلة أخرى لم تكن معروفة من قبل و لم يعرفها العالم كله إلا في هذا القرن , تلك هي السلطة المالية , فقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعين عمالا يستقلون بأمر القضاء . و عمالا يستقلون بأمر الإدارة و عمالا يستقلون بأمر الصدقات يجمعونها من الأغنياء في كل منطقة ليردوها على فقراء المنطقة , فما بقي منها نقل إلى بيت المال .

و لما فتح الله على المسلمين اتسع اختصاص القائمين على السلطة المالية فكان يشمل الصدقات و الخراج و الجزية و الفيء و الغنيمة , و كان المال الذي يجمع من هذه المصادر يوزع طبقا لما جاء في كتاب الله و على ما جرت به سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم , فما كان من نصيب أفراد معيين و طوائف معينة وزع عليهم , و ما كان من حق الجميع أرسل إلى بيت المال ليوزع على الجميع و ليأخذ كل منه بنصيب حتى لقد فرض عمر في بيتا لمال فروضا شهرية لكل رجل و لكل امرأة و لكل كبير و صغير , بل أنه فرض لكل طفل يولد بمجرد ولادته , و ظلت هذه الفروض قائمة في بيت المال زمنا طويلا .

و كان عمر بن الخطاب يحلف على ايمان ثلاث يقول :" والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد و ما أنا بأحق به من أحد , و والله ما من المسلمين أحد إلا و له في هذا المال إلا عبدا مملوكا , و لكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل و قسمنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم , فالرجل و بلاؤه في الاسلام , و الرجل و قدمه في الاسلام و الرجل و غناؤه في الاسلام , و الرجل و حاجته , و والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال و هو يرعى مكانه ".

و اذا كان عمر قد ميز بالسابقة و القدم في الاسلام , فميز المهاجرين على الأنصار و أصحاب بدر على غيرهم و هكذا , الا أنه رأى أخيرا أن يعدل عن هذا التمييز و يعود إلى ما كان يفعله أبو بكر من التسوية بين الجميع .

و كان أبو بكر و علي يسويان بين الناس في قسمة المال العام , أما عثمان فكان على ما كان عليه عمر من المفاضلة و التمييز , و كان أبو بكر يقسم بين الحر و العبد , أما عمر فمنع العبيد اجتهادا لأنهم لا ملك لهم , على أن الثابت أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطى الأمة و لا فرق بين الأمة و العبد . و التسوية أقرب إلى عمل رسول الله صلى الله عليه و سلم و قوله , فقد سأله سعد بن مالك قال قلت يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم أيكون سهمه و سهم غيره سواء ؟ قال : " ثكلتلك أمك ابن أم سعد و هل تزقون و تنتصرون إلا بضعفائكم ".

أما اعتبار المال مال الله ليس أحد أحق به من غيره فهو قوله صلى الله عليه و سلم " ما أعطيكم و لا أمنعكم إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت " و عن الرسول أخذ عمر مقالته , و عنه قال علي بن أبي طالب ما أثر عنه :" الا أن مفاتيح مالكم معي ألا و أنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم ".

و الامام بصفته نائباعن الأمة كلها هو المشرف على القائمين على السلطة المالية , يوليهم و يعزلهم و يراقبهم بصفته هذه , و لكنهم يعتبرون نوابا عن الأمة لا عنه بمجرد تعيينهم كما هو شأن القضاة , فما يعزلون بموت الامام و لا يجوز له عزل أحدهم إلا بسبب يوجبه , و مما يؤثر في هذا الباب أن خازن بيت المال في عهد عثمان اعترض على صرف أموال لم ير جواز صرفها , فقال له عثمان انك خازن , فرد عليه بأنه خازن بيت مال المسلمين لا خازنه الخاص .

فالقائمون على السلطة المالية مستقلون في عملهم ليس لأحد عليهم سلطان إلا ما جاء به القرآن و السنة , فهو رائدهم يتبعونه و يلتزمونه , و على هذا جرى العمل حتى انحرف الحكام بالاسلام عن طريقه و حرفوا أحكامه .

و الأموال التي تحصل محدودة النسب معلومة المقادير في الأموال العادية , و يمكن زيادتها في الأموال الاستثنائية بموافقة أهل الشورى اذا اقتضت ذلك مصلحة عامة , و ليس للقائمين على السلطة المالية أو للامام و هو المشرف عليهم أن يتصرفوا بأي حال في هذه الأموال إلا في الوجوه التي حددها الاسلام , و ليس لهم أن يأخذوا منها لأنفسهم أكثر من مرتباتهم التي تحدد لهم في حدود حاجاتهم المختلفة و في حدود قول الرسول :" من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فان لم يكن له خادم فليكتسب خادما فان لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا " قال أبو بكر أخبرت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق " و في حدود قول الرسول :" من استخلفناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول ".

خامساً: سلطة المراقبة و التقويم

هذه هي سلطة الأمة جمعاء في مواقبة الحكام و تقويمهم , و ينوب عن الأمة في القيام بها أهل الشورى و العلماء و الفقهاء .

و هذه السلطة مقررة للأمة من وجهين :

أحدهما : أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام و تقويمهم بما أوجب الله على الأمة من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :ط كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله " آل عمران :110, " و لتكنمنكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون " آل عمران : 104 .

و لقد بين لنا الرسول صلى الله عليه و سلم أن ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يؤدي إلى الفسد فقال :" لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم " و أوجب على كل قادر على تغيير المنكر أن يغره ما استطاع لذلك سبيلا , و جعل أدنى درجات التغيير عند العاجز أن يكره المنكر بقلبه , و أن يبغض فاعليه و يمقتهم عليه :" و رأى منكم منكرا فليغريه بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و ذاك أضعف الايمان ".

و ثانيهما : أن الأمة هي مصدر سلطان الحكان باعتبارهم نوابا عنها , و بما يلزم الله الحكام من الرجوع إلى الأمة و استشارتها في كل أمور الحكم و التزام ما يراه ممثلوها :" و شاورهم في الأمر" آل عمران : 159 , " و أمرهم شورى بينهم " الشورى : 38 .

و اذا كانت الأمة هي مصدر سلطان الحكام , و كان الحكام نوابا عنها , فللأمة أن تراقبهم في كل أعمالهم , و أن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا , و تقومهم كلما اعوجوا .

و سلطة الأمة في مراقبة الحكام و تقويمهم ليست محل جدل , فالنصوص التي جاءت بها قاطعة في دلالتها و صراحتها , و خلفاء الرسول صلى الله عليه و سلم كانوا أول من عمل بها و طبقها , و ما عطل هذه النصوص و أنكر سلطان الأمة إلا الذين فسقوا عن أمر الله , و اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة , نصبوا من أنفسهم جبابرة على هذه الأمة يسلبونها حقوقها , و ينكرون سلطانها , و يستعملون عليها و ما فعلوا ذلك و ما جرأهم عليه إلا سكوت الأمة عن اقامة أمر ربها , و تهاونها في الدفاع عن حقوقها و التمسك بسلطانها .

و لقد ولى أبو بكر الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أول ما تفوه به هو اعترافع بسلطان الأمة عليه و حقها في تقويم اعوجاجه . خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها :" أيها النس قد وليت عليكم و لست بخيركم ان أحسنت فأعينوني و ان أسأت فقوموني ".

و ولى عمر الحكم فكان يقول في خطبة :" من رأى في اعوجاجا فليقومه " حتى قال له أعرابي : و الله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا .

و كان عثمان يقول :" ان وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في القيد فضعوا رجلي في القيد ".

و كان أول ما قاله علي :" ان هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم . ألا إنه ليس لي أمر دونكم ".

بل كان عليه صلحاء الأمة في العصور الأولى فما كانوا يتأخرون في الدفاع عن حقوق الأمة و سلطانها كلما واتتهم الفرصة .

كان بين عمر بن الخطاب و رجل كلام في شيء فقال له الرجل اتق الله يا أمير المؤمنين , فقال له رجل من القوم أتقول لأمير المؤمنين اتق الله ؟ فقال عمر : دعه فليقلها لي نعم ما قال . لا خير فيكم اذا لم تقولوها لنا , و لا خير فينا اذا لم نقبلها منكم .

و صعد عمر المنبر يوما و عليه حلة و الحلة ثوبان , فقال أيها الناس ألا تسمعون ؟ فقال سلمان لا نسمع . فقال عمر و لم يا أبا عبد الله ؟ قال انك قسمت علينا يوما ثوبا ثوبا و عليك حلة , فقال لا تعجل يا أبا عبد الله , ثم نادى عبد الله فلم يجبه أحد فقال يا عبد الله بن عمر فقال لبيك يا أمير المؤمنين .. قال نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أو ثوبك ؟ قال اللهم نعم . فقال سلمان : أما الآن فقل نسمع .

و حبس معاوية العطاء عن الناس ذات مرة فقام اليه أبو مسلم الخولاني فقال له : يا معاوية أنه ليس من كدك و لا كد أبيك و لا كد أمك . فغضب معاوية و نزل عن المنبر و قال للناس مكانكم و غاب عنهم ساعة ثم خرج عليهم و قد اغتسل فقال أن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني و اني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" الغضب من الشيطان , و الشيطان خلق من النار و انما تطفأ النار بالماء فاذا غضب أحدكم فليغتسل " و اني دخلت فاغتسلت و صدق أبو مسلم انه ليس من كدي و لا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم .

و أدخل أبو سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور , فقال له ارفع الينا حاجتك , فقال اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما و جورا , فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا حاجتك , فقال انما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين و الأنصار و أبناؤهم يموتون جوعا فاتق الله و أوصل اليهم حقوقهم , فطأطأ رأسه ثم رفع فقال : ارفع الينا حاجتك , فقال حج عمر بن الخطاب لخازنه كم أنفقت ؟ قال بضعة عشر درهما أرى هاهنا أموالا لا تطيق الجمال حملها , ثم خرج .

فهؤلاء م يواجهوا الخلفاء هذه المواجهة إلا بما للأمة من سلطان مراقبة الحكام و تقويم اعوجاجهم , و ما قبل منهم الخلفاء هذا التحدي و ما استجابوا لهم إلا لعلمهم أن للأمة سلطانا , و أن عليهم أن يطأطئوا رءوسهم لهذا السلطان .

واجبات الامام و حقوقه

اذا اختار أهل الشورى اماما و بايعوه , ثبتت له الامامة بالبيعة , وثبوت الامامة له يلزمه واجبات يسأل عن أدائها , و يجعل عليه مسؤوليات لا حصر لها , و لكنه في الوقت نفسه يرتب له حقوا على الأمة تظل قائمة ما قام الامام بواجباته و لم يقصر في القيام على مسؤولياته .

واجبات الامام

تنحصر واجبات الامام على كثرتها في واجبين أحدهما اقامة الاسلام , و الآخر ادارة شئون الدولة في حدود الاسلام .

و اذا قلنا أن من واجب الامام ادارة الدولة في حدود الاسلام , فمعنى ذلك أن من واجبه أن يدر شئون الدولة في حدود الشورى , لأن الاسلام يجعل الشورى فريضة على المسلمين , و يلزم الحكام أن يستشيروا المحكومين في كل أمور الحكم و يأخذوا برأيهم أو برأي أكثريتهم إن لم يجمعوا على رأي واحد و قد حاول بعض الفقهاء أن يعدد واجبات الامام فحصرها في عشرة أشياء :

أحدهما : حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة أي إقامة الدين على وجهه الصحيح بتعبيرنا العصري .

الثاني : تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين و قطع الخصام بينهم , أي إقامة العدل بين الناس و تنفيذ الأحكام . الثالث: حماية البيضة و الذب عن الحوزة ليتصرف الناس في المعايش و ينتشروا في الأسفار آمنين , أي نشر الأمن في الداخل .

الرابع : اقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك , و تحفظ حقوق عباده من اتلاف و استهلاك . أي تنفيذ عقوبات جرائم الحدود و جرائم القصاص .

الخامس : تحصين الثغور بالعدة المانعة و القوة الدافعة حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرما و يسفكون فيها دما لمسلم أو معاهد . أي حماية الأمن الخارجي بالعدة و الاستعداد الدائمين .

السادس : جهاد من عائد الاسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة .

السابع : جباية الفيء و الصدقات على ما أوجبه الشرع نصا و اجتهادا من غير عسف .

الثامن : تقدير العطاء و ما ستحق في بيت المال من غير سرف و لا تقصير و دفعه في وقت لا تقديم فيه و لا تأخير . التاسع : استكفاء الأمناء و تقليد العظماء فيما يفوضه إليهم من الأعمال .

العاشر : أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور و تصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة و حراسة الملة .

هذه هي واجبات الامام كما حددها بعض الفقهاء و هي تدخل جميعا تحت واجبين اثنين هما اقامة الدين و ادارة شئون الدولة في حدوده .

مسؤولية الامام في أداء واجباته

و الامام في أدائه لواجباته مسئول عن أخطائه و اهماله و تقصيره و سوء استعماله للسلطة الممنوحة له , فضلا عما يتعمده من خروج على حدود سلطاته و ما يرتكبه من جور أو عسف أو ظلم , وهو في هذا كله خاضع للنصوص العامة , لأن الاسلام لا يفرق بين فرد و فرد , و لا بين حاكم و محكوم بل الكل سواء يسري على هذا ما يسري على ذاك دون تمييز .

و يؤكد مسئولية الامام و عدم تمييزه عن أي فرد آخر من أفراد الأمة قول الرسول صلى الله عليه و سلم " كلكم راع و مسئول عن رعيته , فالأمير راع على رعيته و هو مسئول عنهم , و الرجل راع على أهل بيته و هو مسئول عنهم , و العبد راع على مال سيده و هو مسئول عنه , و المرأة راعية على بيت زوجها و هي مسئولة عنه " و قوله " لا يسترعى الله تبارك و تعالى عبدا رعية قلت أو كثرت إلا سأله الله تبارك و تعالى عنها يوم القيامة أقام فيهم أمر الله تبارك و تعالى أم أضاعه حتى يسأله عن أهل بيته خاصة " و قوله " ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت و هو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة " و في رواية " فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة " و قوله " ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم و ينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه إلا لم يدخل معهم الجنة ".

بل أن أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم تؤكد أن مسئولية الامام أكثر من مسؤولية أي فرد عادي و ذلك ظاهر مما سبق و من قوله " من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حادتهم و خلتهم و فقرهم احتجب الله دون حادته و خلته و فقره يوم القيامة " و قوله " ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار " و قوله " ما من أمير عشرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل ".

و مما يروى عن عمر بن الخطاب أنه استعمل بشربن عاصم على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك , أما لنا سمع و طاعة ؟ قال بلى و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" من ولى شيئا من أمر المسلمين آتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا , و ان كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا " فخرج عمر كئيبا محزونا فلقيه أبو ذر قال مالي أراك كئيبا محزونا . قال مالي لا أكون كئيبا محزونا و قد سمعت بشر بن عاصم يقول سمعت رسول الله صلى الل هعليه و سلم يقول كذا و ذكر الحديث , قال أبو ذر أو ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : لا , قال : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" من ولى أحدا من المسلمين آتى به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فان كان محسنا نجا و ان كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا و هي سوداء مظلمة " . فأي الحديثين أوجع لقلبك قال كلاهما أوجع قلبي فمن يأخذها بما فيها فقال أبو ذر من سلت الله أنفه و ألصق خده بالأرض , أما أنا لا تعلم إلا خيرا , و عسى أن و ليتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من أثمها .

و عمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي كان يقول : لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله سائلي عنها يوم القيامة . و هو الذي رآه على ابن أبي طالب على قتب يغدو فقال له يا أمير المؤمنين أين تذهب ؟ فقال بعير من ابل الصدقة أطلبه فقال علي لقد أذللت الخلفاء بعدك , قال لا تلمني يا أبا الحسن فوالذي بعث محمدا بالنبوة لو أن عناقا ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة .

عمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي كان يهنأ بنفسه ابل الصدقة , وهو الذي كان يقتص من نفسه و يقتص من عماله , و هو الذي عزل أحد عماله لأنه لا يقبل ولده , وهو الذي عزل أحد قواده لأنه أنزل جنديا في الماء يرتاد مخاضة ليجوز منها الجيش فمات الجندي من البرد و لم يترك عمر القائد حتى ألزمه الدية .

عمر بن الخطاب الذي أوجع قلبه هذا الحديث هو الذي لان قلبه في الهه حتى لهو ألين من الزبد , و اشتد قلبه في الله حتى لهو أشد من الحجر , و هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم :" ان الله جعل الحق على لسان عمر و قلبه ". كان اذا أتاه الخصمان برك على ركبتيه و قال :اللهم أعني عليهما فان كل واحد يريدني على ديني . و كلمته امرأته في أحد عماله فقال : يا عدوة الله و فيم أنت و هذا انما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين . و أرسل اليه عامله على اذربيجان سفطين من الخبيص فلما ذاقه وجد شيئا حلوا , فقال للرسول أكل مال المسلمين يشبع من هذا في رحله ؟ قال لا , قال أما لا فارددهما , ثم كتب إلى عامله : أما بعد فانه ليس من كد أبيك و لا من كد أمك , أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك , و أرسل إلى امرأة بلغه أن الرجال يتحدثون عنها , فلما جاءها الرسول ضربها المخاض من الخوف فألقت غلاما , فوداه عمر لا من بيت المال و انما من مال عاقلته .

و القاعدة في الشريعة أن الامام يقتص منه في كل ما تعمده من جور فجار به على الناس , فاذا قتل انسانا قتل به و اذا قطع انسانا قطع به سواء باشر الفعل كأن ضربه بسيف أو تسبب فيه كأن حكم عليه ظلما بالقتل أو القطع .

و لكن الامام لا يسأل جنائيا اذا أدى عمله طبا للحدود المرسومة للعمل , أما اذا تعدى هذه الحدود فهو مسئول جنائيا عن عمله اذا كان يعلم أن لا حق له فيه , أما اذا حسنت نيته فأتى العمل و هو يعتقد أن من واجبه اتيانه فلا مسؤولية عليه من الناحية الجدنائية .

و كما يسأل الامام عن عمده يسأل عن خطأه , لكنهم اختلفوا في ضمان الخطأ فرأى البعض أن الضمان على الامام و عاقلته لأنه ضمان وجب بخطأه فمسئوليته عنه كمسئولية أي مخطئ , و رأى البعض أن ضمان الخطأ في بيت المال لأن خطأ الامام يكثر فلو وجب الضمان في ماله و مال عاقلته لأجحف بهم فضلا عن أن الحاكم يعمل للجماعة و ليس لنفسه .

حقوق الامام

و للامام حقان في مقابل قيامه بواجباته , أحدهما حق له على الناس , و الثاني حق له في مال المسلمين . حق الامام على الناس :

و حق الامام على الناس هو حق السمع و الطاعة , و لكن هذا الحق ليس حقا مطلقا و انما هو مقيد بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا " النساء : 59 . فالطاعة واجبة لأولي الأمر في حدود ما أنزل الله بدليل أن ما يتنازع فيه يرد إلى أمر الله و رسوله , فمن أمر منهم بما يتفق مع ما أنزل الله فطاعته واجبة و من أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له و لا طاعة .

و قد بين الرسول صلى الله عليه و سلم حدود طاعة الناس لألي الأمر فقال " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " و قال " انما الطاعة في المغروف " و قال " السمع و الطاعة على المرء فيما أحب و كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة " و قال " انه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة و يحدثون بدعة , و يؤخرون الصلاة عن مواقيتها . قال ابن مسعود : يا رسول الله كيف بي اذا أدركتهم قال : ليس يا ابن أم عبد طاعة لمن عصى الله – قالها ثلاث مرات ".

و هكذا قطع القرآن و السنة في أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلا في طاعة الله , و أن ليس لأحد أن يطيع فيما يخالف كتاب الله و سنة رسوله .

حق الامام في مال المسلمين

عرفنا أن الامام نائب عن الأمة , و النيابة لا تقتضي بطيعتها أن يأخذ النائب أجرا على عمله , و لكن لما كان تفرغ الامام للنيابة يمنعه من تحصيل عيشه فقد رؤي أن يفرض للامام من بيت مال المسلمين ما يقوم بعيشه و عيش أهله الذين يعولوهم فضلا عما يصيبه كفرد من الأموال العامة التي تقسم بين الجميع كنصيبه في الفيء و حقه في العطاء .

و لم يكن الرسول صلى الله عليه و سلم و هو رئيس الدولة يختص نفسه بشيء من الأموال العامة مقابل تفرغه لشئون الدولة , و كان يكتفي بما أفاء الله عليه من أموال بني النضير , بل كان لا يستبقي من هذا الفيء لنفسه و أهله إلا القليل , أما الباقي فينفقه في سبيل الله و على ذوي الحاجة و ما عرض له محتاج إلا آثره على نفسه , تارة بطعامه و تارة بلباسه , بل كان ينفق ما في يده و هو و أهله في حاجة اليه .

و لما ولي أبو بكر مكث ستة أشهر يدر شئون الدولة و يقوم بعمله الخاص و هو التجارة التي كان يزاولها قبل أن يكون خليفة , ثم رأى أن أمور الناس لا تصلح مع التجارة , و أنه ما يصلحهم إلا التفرغ لهم و النظر في شأنهم , فحدث المسلمون و حدثوه في ذلك , ورأوا أن يتفرغ لشئون الدولة , فقال لهم لا بد لعيالي مما يصلحهم , ففرضوا في كل سنة ستةآلاف درهم و هو ما يقوم بحاجته و حاجة عياله مقابل تفرغه لشئون الدولة , و لكن لما حضرته الوفاة , قال لأهله انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه عني , فوجدوه ثمانية آلاف درهم , فأمر يعطى بيت المال أرضا يملكها مقابل ما أخذ من المال .

و قال لابته عائشة عند موته : أنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا و لا درهما , و لكننا قد أكلنا جريش طعامهم و لبسنا خشن ثيابهم , و ليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا العبد و هذا البعير و هذه القطيفة , فاذا مت فابعثي بالجميع إلى عمر . فلما مات بعثته إلى عمر , فجعل يبكي و يقول : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده , و عرض عبد الرحمن بن عوف على عمر أن يرد هذه الأشياء على عيال أبي بكر , فقال : و الذي بعث محمدا لا يكون هذا في ولايتي و لا يخرج أبو بكر منه و أتقلده أنا .

فهذا أبو بكر يعمل للمسلمين ستة أشهر بلا مقابل , و سنة و أربعة أشهر بمقابل يرده عند وفاته , و هذا عمر يرفض أن يمنح عيال أبي بكر عبدا و قطعة قطيفة أمر أبو بكر بردها لبيت المال , و لو كان غير أبي بكر من حكام هذا الزمان لأتخم نفسه ثروة في ولايته , و لو كان غير عمر من حكام هذا الزمان لمنح عيال سلفه معاشا أو أقطعهم أقطاعا .

ثم يلي عمر أمر المسلمين بعد أبي بكر فيمكث زمانا لا يأكل من مال المسلمين شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة , فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستشارهم فقال : قد شغلت نفسي بهذا الأمر فما يصلح لي منه ؟ فقال عثمان : كل و أطعم , و قال ذلك سعيد بن زيد , و قال لعلي : ما تقول أنت ؟ قال غداء و عشاء , فأخذ عمر بما قال علي , و في رواية أخرى أن عليا قال له ليس لك في هذا المال إلا ما أصلحك و أصلح أهلك بالمعروف , فقال عمر : القول ما قاله ابن أبي طالب .

و تساءل البعض ماذا يحل لأمير المؤمنين من مال الله أي ما الدولة فسمع عمر فقال : أنا أخبركم بما استحل منه , تحل لي حلتان حلة في الشتاء و حلة في القيظ , و ما أحج عليه و أعتمر من الظهر , و قوتي و قوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم و لا أفقرهم , ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم , و قال أيضا لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلا من صلب مالي .

و كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له و لعياله و أنفق في حجته ثماني و مائة درهم .

و كان يقول : أني أنزلت مال الله أي مال الدولة مني يمنزلة مال اليتيم , فان استغنيت عففت عنه , و ان افتقرت أكلت بالمعروف , و اكن ينظر في هذا إلى قوله تعالى :" و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف " النساء: 6.

و جيء لعمر بمال فبلغ ذلك حفصة أم المؤمنين , فجاءت فقالت : يا أمير الؤمنين حق أقربائك من هذا المال , قد أوصى الله بالأقربين . قال : يا بنية حق أقربائي في مالي , و أما هذا ففيء المسلمين , غششت أباك و نصحت أقرباءك , قومي .

و رأى عمر في سكة من سكك المدينة صبية تطيش على وجه الأرض تقوم مرة و تقع أخرى , فقال عمر يا ويحها يا بؤسها من يعرف هذه منكم ؟ فقال عبد الله بن عمر أو ما تعرفها يا أمير المؤمنين ؟ قال لا و من هي ؟ قال هذه إحدى بناتك هذه فلانة بنت عبد الله ن عمر , قال ويحك و ما صيرها إلى ما أرى ؟ قال منعك ما عندك قا و منعي ما عندي منعم أن تطلب لبناتك ما يكسب الأقوياء لبناتهم ؟ انه والله مالك عندي غير سهمك في المسلمين وسعك أو عجر عنك , هذا كتاب الله بيني و بينكم . و كان عمر يقول : ان الله جعلني خازنا لهذا المال و قاسمه بل الله يقسمه

و يقول : ما مثلي و مثل هؤلاء إلا كقوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم فقالوا له أنفق علينا , فهل له أن يستأثر منها بشيء ؟ قالوا لا يا أمير المؤمنين قال فكذلك مثلي و مثلهم .

و لم يكن أبو بكر و عمر فيما فعلا مبتدعين و حاشاهما أن يفعلا , و انما كانا فيما متبعين لرسول الله صلى الله عليه و سلم و عاملين بسنته , و بما جاء من عند ربه , ذلك أن الاسلام جعل الاستخلاف في الأرض و الاستخلاف في الحكم أمانة .

" انا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الانسان " الأحزاب : 72 . و قد أمر الله المسلمين بأداء الأمانات إلى أهلها , و ليس ثمة أمانة كالحقوق , " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانت إلى أهلها " النساء : 58 . و حرم عليهم خيانة الله و رسوله بعصيان أمر الله , كما حرم عليهم خيانة أماناتهم في الحكم و العدل و غير ذلك " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله و الرسول و تخونوا أماناتكم " الأنفال : 27 . كذلك حرم الله على المسلم أن يغل , و الغلول هو الأثرة على الناس , أو عدم القسمة بالعدل , أو الخيانة " ما كان لنبي أن يغل و من يغلل يأتي بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسب و لا يظلمون " آل عمران : 161 . و لقد قامت محمد صلى الله عليه و سلم على العدل بين الناس " و ما أمرت لأعدل بينكم " الشورى : 15 . و جعل الله من سيرة رسوله في الناس أسوة حسنة لهم "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " الأحزاب: 21 . و ما يعدل بين الناس لايكون لهم أسوة حسنة من يؤثر نفسه عليهم , أو يمز بعضهم على بعض .

و اذا كان الحكم أمانة و كان على الحاكم أن يؤدي أمانته فلا يخون الناس و لا يؤثر نفسه بشيء دونهم , و كان عليه أن يعدل بينهم في كل شيء , و أن يتأسى بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم فسيسير بمثلها في الناس, اذا كان هذا من واجب الحكام فما فعل أبوبكر و عمر إلا أنهما أديا ما أوجبه الله عليهما , و تأسيا بسيرة رسول الله و تابعا فعله .

و عمل الرسول و قوله في الأموال العامة معروف مشهور , فعن عمر بن الخطاب قال :" كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل و لا ركاب , فكانت للنبي صلى الله عليه و سلم , فكان ينفق على أهله نفقة سنته و في لفظ يحبس قوت سنته و يجعل ما بقي في السلاح و الكراع عدة في سبيل الله ". و عن عوف بن مالك أن رسول الل هصلى الله عليه و سلم كان اذا آتاه الفيء قسمه في يومه , فأعطى الأهل حظين و أعطى العزب حظا .

و عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال " ما أعطيتكم و لا أمنعكم إلا أنا قاسم أضع حيث أمرت " و يحتج بهذا الحديث في أن الفيء مال عام جعلت قسمته للرسول على الوجه الذي أراه الله .

و عن عمرو بن شعيب عن أ[يه عن جده في قصة هوازن أن النبي صلى الله عليه و سلم دنا من بعير فأخذ وبره من سنامه ثم ثال " يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيئا و لا هذه إلا الخمس , و الخمس مردود عليكم فأدوا الخيط و المخيط .

و يروى عن علي بن أبي طالب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان , قصعة يأكلها هو و أهله و قصعة يضعها بين يدي الناس .

فالامام ليس له من مال الدولة إلا ما يسد حاجته و ما يصلح عياله و ما زاد عن ذلك فهو خيانة و غلول . و قد يكون أحد الأئمة كثير العيال فيحتاج إلى أكثر مما يحتاجه غيره , و لكن هذا و ذاك لا يصح أن يأخذ مما يسد حاجته و حاجة عياله . فقد كان أبو بكر يأخذ ستة آلاف درهم في العام و كان عمر يأخذ كل يوم درهمين على كثرة الأموال العامة في عهد عمر و ازدياد الفيء أضعافا مضاعفة .

على هذا الهدى سار الأئمة المهديون و به تمسكوا , فهذا علي بن أبي طالب يموت و هو خليفة المسلمين فما يترك صفراء و لا بيضاء كما قال ابنه الحسن إلا ثمانية مائة أو سبعمائة درهم أرصدها لخادمه . و لقد كان علي و هو خليفة يلبس ازارا غليظا اشتراه بخمسة دراهم , و كانت حمائل سيفه من الليف , و عرض سيفه للبيع ليشتري لنفسه ازارا , و كان يقول : من يشتري مني هذا السيف ؟ فوالذي خلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم , و لو كان عندي ثمن ازار ما بعته ".

و ما كان المال بعيدا عن علي بن أبي طالب لو حرص على المال , فقد كان يربط الحجر على بطنه من الجوع , و يعرض سيفه للبيع ليشتري به ازارا , في حين أن الايراد اليوم للأموال التي تصدق بها و أوقفها صدقة جارية على الفقراء أربعة آلاف دينار .

و ما كان المال بعيدا عن علي لو رضى أن يمد يده للأموال العامة و يأخذ منها حاجته " كما فعل من سبقه من الخلفاء" و لكنه حرم نفسه ذلك يوم بويع للخلافة حيث قال :" ألا و انه ليس لي أمر دونكم , إلا أن مفاتيح مالكم معي , إلا أنه ليس لي أن آخذ منها درهما دونكم , أرضيتم ؟ قالوا : نعم , قال : اللهم اشهد " , و كما حرم على نفسه أن يأخذ شيئا من المال العام فإنه حرم على نفسه أن يبقى على شيء من ماله الخاص , فقد كانت يده تمتلئ بماله الخاص فينفقه كله في سبيل الله , و على الفقراء , و لا يبقي لنفسه إلا ما دون الكفاف .

و جاء عمر بن عبد العزيز خليفة على المسلمين فلم يرتزق من بيت مال المسلمين شيئا و لم يرزأه حتى مات بل لقد رد عمر كل ما كان يملكه قبل أن يكون خليفة إلى بيت مال المسلمين و لم يترك لنفسه إلا عينا بالسويداء كان استنبطها بعطائه , فكان يأتيه من غلتها كل سنة مائة و و خمسون دينارا أو أقل أو أكثر و كان أكثر طعامه العدس , و لم يكن له إلا ثوب واحد , و بلغ من ورعه أنه كان يطفئ شمعة بيت المال إذا ما انتهى من عمل الدولة و يجلس في سراجه الخاص و رفض أن يتوضأ أو يغتسل بماء ساخن على حجر مطبخ بيت المال إلا بعد أن دفع ثمن الحطب كله , بالرغم من أن صاحب المطبخ أخبره أن الماء سخن على حجر و لو ترك لخمد حتى يصير رماد .

و نخرج مما سبق بأن الامام إذا كان له مال يقوم بحاجته و حاجة عياله فليس له أن يأخذ من مال المسلمين إلا بمقدار ما يأخذ أي فرد آخر , فإذا كان ماله لا يكفي حاجته أخذ من بيت المال ما ينقصه و ان لم يكن له مال أصلا أخذ من بيت المال ما يقوم بحاجته و حاجة عياله كرجل من أوسط الناس ليس بأغناهم و لا أفقرهم .

حقوق الأفراد في الإسلام

قرر الاسلام من يوم نزوله حقوقا للأفراد على الجماعة لم تعرفها القواني الوضعية إلا بعد أن أتى بها الاسلام بثلاثة عشر قرنا تقريبا , و هذه الحقوق يقصد منها رفه مستوى الأفراد و تمكينهم من المشاركة في العمل لخير الجماعة و اسعادهم , و الاحتفاظ للفرد بكرامته الانسانية , و تنمية مواهب الأفراد , و مساعدتهم على استغلال قواهم العقلية و الجسمانية .

و أهم الحقوق التي قررها الاسلام للأفراد هي المساواة, و الحرية .

المساواة

يقرر الاسلام أن المساواة بين البشر جميعا و يفرضها على المسلمين فرضا في قوله تعالى :" يا أيها الناس اني خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم " الحجرات : 3 . و في قول الرسول صلى الله عليه و سلم " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " و قوله " أن الله قد أذهب للاسلام نخوة الجاهلية و تفاخرهم بآبائهم لأن الناس من آدم و آدم من تراب و أكرمكم عند الله اتقاكم "

ويلاحظ على هذه النصوص انها فرضت المساواه بصفه مطلقه ، فلا قيود ولا استثناءات ، وانها فرضت المساواه على الناس كافه اي على العالم كله ، فلا فضل لفرض على فرض ، ولا لجماعه على جماعه ، ولا لجنس على جنس ، ولا لون على لون ، ولا لسيد على مسيود ، ولا لحاكم على محكوم وهذا هو نص القرآن يذكر الناس انهم خلقوا من اصل واحد من ذكر وانثى ، ولا تفاضل اذا تساوت الأصول انما مساواه ، وهذا هو قول الرسول يذكر الناس انهم جميعا ينتمون الي رجل واحد فهم اخوه متساوون ويشبههم في تساويهم بأسنان المشط الواحد ، وما تفضل سن المشط سنه الأخري بحال .

واذا كان البشر ابناء رجل واحد وامرأه واحده فان وحده اصلهم ترشحهم الي المساواه في حقوقهم وواجباتهم ومسؤلياتهم ، فلا فضل لرجل على رجل كما يفضل اليوم ابناء انجلترا وفرنسا على ابناء المستعمرات التابعه لهاتين الدولتين ، ولا فضل لأبيض على اسود كما يفضل اليوم الأمريكي الأبيض على الأمريكي الأسود ، ولا فضل لجنس على جني كما ادعت المانيا و غيرها افضلياتها على سائر الأجناس . وجميع المسلمين على اختلاف الوانهم وثقافاتهم وبلادهم سواء امام الاسلام ، فحقوقهم الشرعيه واحده وواجباتهم واحده ، وهم متساوون امام الدوله ، وامام القضاء ، وليس لأحدهم من الحقوق اكثر مما للآخر ، ولا يلزم أحدهم بواجبات اكثر مما يلزم به غيره لو كان في مركزه .

ويسوي الاسلام بين المسلمين والذميين في كل مكان فيه متساوين ، ولا يختلف المسلمون عن الذميين الا فيما يتصل بالعقيده ، ولذلك كان كل ما يتصل بالعقيده لا مساواه فيه ، لأن معني المساواه هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم وحمل الذميين على ما يختلف مع عقيدتهم والقاعده في الاسلام ان لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، مع تركهم وما يدينون حيث (لا اكراه في الدين ) البقرة 256 .

واذا كان الاسلام يترك الذميين وما يدينون وينزلهم فيما عدا ذلك منزلة المسلمين ، فمعنى هذا ان اليهود والمسيحيين في ارض الاسلام يكادون لا يخضعون في الحقيقه الا لأحكام دينهم ، ذلك انه من اصول الاسلام الايمان بكل الرسالات والكتب السابقه : " قولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل اسحاق ويعقوب والاسباط واوتى موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون " البقرة 136 . وما جاء القرآن الا مصدقا لما سبقه من الكتب و مهيمنا عليها " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله " المائده 48 . فاذا ترك الذميون وما يدينون فيما يخالف الاسلام وطبق عليهم حكم الاسلام في كل الذي لا يدينون به ، فما حكموا الا دينهم وما حكم عليهم بغير شريعتهم ، وهم في هذا لا يختلفون عن المسلمين الذين يحكمون الاسلام في كل ما شجر بينهم ، كلا الفريقين يحكم دينهم ولا يخضع لما يخالف شريعته هي المساواه التي ما بعدها مساواه .

الحرية

وجاء الاسلام معلنا حرية الافراد في اروع مظاهرها ، فأعلن حرية التفكير ، وحرية الاعتقاد ، وحرية القول ، وحرية العلم ، وحرية التملك .

حرية التفكير :

جاء الاسلام معلنا حرية التفكير محررا العقول من الاوهام والخرافات والتقاليد داعيا الى نبذ كل ما لا يقبله العقل ، ولقد قامت الدعوه الاسلاميه نفسها على اساس العقل ، فالقرآن يعتمد في اثبات وجود الله ويعتمد في اقناع الناس بالاسلام على استثارة تفكيرهم ، وايقاظ عقولهم فيدعوهم الي التفكير في خلق السماوات والارض ، وفي خلق انفسهم ويدعوهم الى التفكير فيما تقع عليه ابصارهم ، وما تسمعه آذانهم ليصلوا من وراء ذلك الى معرفة الخالق ، وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل .

ويعيب القرآن على الناس ان يلغوا عقولهم ، ويعطلوا تفكيرهم ، ويقلدوا غيرهم ، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام ، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد ، دون تفكير فيما يتركون وما يدعن ، ويصف من كانوا كذلك بأنهم كالأغنام بل اضل سبيلا من الأنعام .

ونصوص القرآن صريحه في تقرير هذه المعاني واقرأ ان شئت قوله : " قل انما اعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى تتفكروا " سبأ 46 . " اولم يتفكروا في انفسهم ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما الا بالحق وأجل مسمى " الروم 8 . " وما يذكر الا اولوا الالباب " آل عمران 7 . " واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا اولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " البقرة 170 . " افلم يسيروا في الأرض فيكون لهم قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " الحج 46 . " ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آ ذان لا يسمعون بها أولائك كالأنعام بل هم اضل اولائك هم الغافلون " الاعراف 179 .

حرية الاعتقاد :

و شريعة الاسلام هي أول شريعة أباحت حرية الاعتقاد , و عملت على صيانة هذه الحرية و حمايتها إلى آخر الحدود . فلكل انسان طبقا للشريعة الاسلامية أن يعتنق من العقائد ما شاء , و ليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها .

و كانت الشريعة الاسلامية عملية حين قررت حرية العقيدة , فلم تكتف باعلان هذه الحرية , و انما اتخذت طريقين :

أحدهما : الزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء و في تركه يعمل طبقا لعقيدته , فان كان ثمة معارضة فلتكن بالحسنى و لبيان وجه الخطأ فان قبل صاحب العقيدة أن يغيرها عن اقتناع فلا حرج , وان لم يقبل فلا يجوز اكراهه و لا تهديده , و اقرأ هذا المعنى صريحا في قوله تعالى :" لا اكراه في الدين " البقرة : 256 , و قوله :" و لو شاء ربك لآمن من قي الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " يونس : 99 .

الثاني : الزام صاحب العقيدة أن يعمل على حماية عقيدته , و أن لا يقف موقفا سلبيا , فاذا عجز عن حماية نفسه كان عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يحترم أهله العقيدة و يمكن فيه من اعلان ما يعتقد , فان لم يهاجر و هو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه و ارتكب اثما عظيما " ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض , قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم و ساءت مصيرا , الا المستضعفين من الرجل و النساء و الولدان لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا , فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم و كان الله عفوا غفورا " النساء : 97 – 99 .

حرية القول :

جعلت الشريعة الاسلامية حرية القول حقا لكل انسان , بل جعلت القول واجبا على المسلم في كل ما يمس الأخلاق و المصالح العامة و النظام العام , و في كل ما أوجبت فيه الشريعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :" و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر " آل عمران : 104 .

و اذا كان لكل انسان أن يقول ما يعتقد أنه الحق , و يدافع بلسانه و قلمه عما يعتقده , فان حرية القول ليست خارجا على نصوص الشريعة و روحها .

و لقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها , و قيدت في الوقت نفسه هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان و اساءة الاستعمال , و كان أول من قيدت حريته في القول محمد صلى الله عليه و سلم , و هو رسول الله الذي جاء مبشرا بالحرية و داعيا لها , ليكون قوله و عمله مثلا يحتذى , و ليعلم الناس أن لا يمكن أن يعفي أحد من هذه القيود اذا كان رسول الله أولى من قيد بها على ما وصفه به ربه من قوله :" و انك لعلى خلق عظيم " .

لقد أمر الله رسوله أن يبلغ رسالته للناس , و ان يدعوهم جميعا إلى الايمان بالله و أن يحاج الكفار و المكذبين , و يخاطب عقولهم و قلوبهم , و لكن الله جل شأنه لم يترك لرسوله حرية القول على اطلاقها , فرسم له طريق الدعوة , و بين له منهاج القول و الحجاج , و أوجب عليه أن يعتمد في دعوته على الحكمة و الموعظة الحسنة :" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن " النحل : 125 , و أمره أن يعرض عن الجاهلين " خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين " الأعراف : 99 , و ان لا يجهر بالسوء من القول " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " النساء : 148 , و أن لا يسب الذين يدعون من دون الله " و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " الأنعام : 108 .

و حرية القول في هذه الحدود تعود على الأفراد و الأمم بالنفع , و تؤدي إلى نمو الاخاء و الاحترام بين الأفراد و الهيئات , و تجمع الكلمة على الحق , و تجعل الجماعة في حالة تعاون دائم , و تقضي على النعرات الشخصية و الطائفية .. و هذا كله ينقص العالم اليوم أو يبحث عنه العالم فلا يهتدي إليه .

حرية التعليم :

و لا يكتفي الاسلام بأن يقرر حرية التعليم , بل يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة في قوله تعالى :" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم " التوبة : 122 , و في قول الرسول صلى الله عليه و سلم " طلب العلم فريضة على كل مسلم " و قوله أيضا :" اطلبوا العلم و لو في الصين " .

و لقد رفع الاسلام من قدر العلم ما لم يرفع من شيء آخر , فقال جل شأنه :" يرفع الله الذين آمنوا و الذين أوتوا العلم درجات " المجادلة : 11 , و فرق الله بين العالم و الجاهل بالعلم وحده في قوله :" هل يستوي الذين لا يعلمون و الذين لا يعلمون " الزمر : 9 , و جعل الاسلام العلم وسيلة لمعرفة الله و خشيته " انما يخشى الله من عباده العلماء " فاطر : 28 , و لمعرفة حقائق الأشياء و الأفعال " و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون " العنكبوت : 43 , بل جعل الاسلام العلم الوسيلة الوحيدة لفهم كتاب الله :" و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم " الأعراف : 52 , بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " العنكبوت : 49 .

و اتعبر الاسلام العلم طريقا للخير , فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و يلهمه رشده " , و اعتبر العلماء ورثة الأنبياء , فوضعهم في أسمى المراتب , اذ لا رتبة فوق رتبة النبوة , وذلك قول الرسول :" العلماء ورثة الأنبياء " .

و اذا كان الاسلام قد جعل طلب العلم فريضة و وضع العلم هذا الموضع السامي فقد أصبح من واجب كل فرد أن يتعلم ما استطاع للعلم سبيلا , و وجب على الحكومة الاسلامية نشر العلم و القيام على أمره و تميكين الجميع منه . و لقد سن الرسول صلى الله عليه و سلم للحكومة الاسلامية كل هذا يوم جعل فداء الأسرى المتعلمين أن يعلم كل منهم عددا من أبناء المسلمين الكتابة و القراءة .

حرية التملك :

و قد أطلق الاسلام الحرية للبشر في أن يتملكوا ما يشاءون من العقار و المنقول و الأشياء ذات القيمة في حدود نظرية الاسلام في مليكة المال , فلكل انسان أن يملك أي قدر شاء من الأموال على اختلاف أشكالها و أنواعها على أن لا يكون له الا ملكية الانتفاع بها , و على أن ينتفع منها بقدر حاجته في غير سرف و لا تقتير , و على أن يؤدي ما يوجبه الاسلام للغير في المال من حقوق على الوجه الذي بينا في صدر هذا الكتاب .

وحدة الأمة الاسلامية

جعل الاسلام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أمه واحده على تعدد اوطانهم واختلاف الوانهم وألسنتهم " ان هذه امتكم امة واحدة وانا بربكم فاعبدون " الأنبياء : 92 ، " وأن هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون " المؤمنون : 52 ، وامرهم بالاتحاد والالتفاف حول راية القرآن " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " آل عمران : 103 . وحرم عليهم التنازع وبين لهم انه يفضي الي الإخفاق والضعف " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الأنفال : 46 ، وحذرهم من ان يؤدي بهم الخلاف الى الفرقه كما حدث للذين من قبلهم " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا " آل عمران : 105 ، واوصاهم اذا تنازعوا في شيء او اختلفوا فيه ان يردوه الي الله والى ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويأخذوا فيه بحكم الله وحده ، فيقضى بذلك على الخلاف والنزاع ، وتبقى الوحدة قائمه والصفوف سليمة ، ولا يكون للأهواء والأغراض من سبيل على المسلمين " فان تنازعتم في شيء فردوه ال الله والرسول " النساء : 59 ، " وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الي الله " الشورى : 10 .

ولقد صنع الاسلام للوحدة الاسلاميه كل ما يقتضيه التوحيد ، و أقام الوحدة على دعائم ثابته دائمة لا يتطرق اليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين على طاعة ربهم .

وحد الاسلام بين المسلمين جميعا بما اوجب عليهم من الايمان برب واحد ، والخضوع لاله واحد ، واتباع كتاب واحد ، وشرع واحد ، وبما جعل للأمة الاسلاميه على تعدد افرادها من هدف واحد ، وتفكير واحد ، ونهج واحد ، وبما طبع عليه المسلمين من آداب واحدة ، وسياسة واحدة ، وسلوك واحد ، وأمر لا يختلف عن اصوله اثنان .

وآخى الاسلام بعد ذلك بين المسلمين ، وأقام المجتمع الاسلامي على اساس متين من الاخوه الاسلامية " انما المؤمنون اخوة " الحجرات : 10 ، " فأصبحتم بنعمته اخوانا " آل عمران : 103 ، تلك الأخوه الاسلامية التي تربط بين المسلمين ، وتوحد اتجاهاتهم ، وتقوي صفوفهم ، وتجعلهم اصلا للتعاون والتضامن والبر والتراحم .

وفرض الاسلام على المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى وطاعة الله ، وحرم عليهم أن يتعاونوا على اثم او عدوان " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " المائدة .

وجعل الاسلام المسلمين متضامنين في الدعوه الي الخير ، وعمل الخير ، والأمر بالطاعات ، والنهي عن المحرمات وتغييرها " ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " آل عمران : 104 ، " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم " التوبة : 122 .

وجعل الاسلام المسلمين متضامنين في كل ما يصيبهم من خير وما يحيق بهم من شر ، حتى لقد اعتبرهم كالبنيان يشد بعضه بعضا ويمسك بعضه البعض اللآخر ان يميل أو يقع ، بل اعتبرهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ، و ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وقوله " مثل المؤمنين الذين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى " وقوله " المؤمنون كرجل واحد ان اشتكى عينه اشتكى كله وان اشتكى رأسه اشتكى كله " .

و ألزم الاسلام كل مسلم أن يحفظ اخاه المسلم ، فلا يضيعه ولا يظلمه ، ولا يتهاون في امره ولا يخذله ، ولا يحقره ، كما ألزم كل مسلم أن يعين اخاه المسلم وأن يرحمه ، و أن يكون في حاجته أن يستر عليه ، وأن يحوطه من ورائه ، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه و من كان في حاجة أخيه كان الله عز وجل في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عز وجل بها كربة من كرب يوم القيامة ، و من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " وقوله : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ، التقوى ههنا ــ ويشير الى صدره ــ بحيب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله " وقوله :" المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه " وقوله " من لايرحم لا يرحم " .

و حرم الاسلام على المسلمين أن يسخر بعضهم من بعض , أو يتجسس بعضهم على بعض , كما حرم عليهم الغيبة و التنافس و التحاسد و التباغض و التدابر و التنابذ بالقاب و السباب , و ذلك قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم , و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابذوا بالألقاب " الحجرات : 11 و قوله :" و لا تجسسوا و لايغتب بعضكم بعضا " الحجرات : 12 . و ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم :" اياكم و الظن فان الظن أكذب الحديث و لا تجسسوا و لا تحسسوا و لا تنافسوا و لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و كونوا عباد الله اخوانا " و قوله :" سباب المسلم فسوق و قتاله كفر " .

تلك هي الأمة السلامية , وحدها الله وجمعها على كلمة التقوى , و اقام وحدتها على دعائم ثابتة من الأخوة و التعاون و التضامن و التراحم و الأخلاق الكريمة .

و في سبيل حفظ هذه الوحدة قضى الاسلام على الحواجز الجغرافية و العصبيات الاقليمية و القبلية , و قضى على اختلافات اللغة و الجنس و اللون , فسوى بين المسلمين تسوية عامة مطلقة غير مقيدة " يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم " الحجرات : 13 . و جعلهم في التسوية بينهم كأسنان المشط سنه الأخرى , و لا فضل بين السنين و ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم :" الناس سواسية كأسنان المشط الواحد ".

لقد وضع الاسلام الأحساب و الأنساب و لم يجعل لهم في ميزان التفاضل نصيبا , وحطم العصبية و الجنس و لم يجعل لهما في الاسلام شأنا , و أقام التفاضل على الدين و العمل الصالح و التقوى , و جعل التفاخر بالأحساب و الأنساب و العصبيات و الأجناس و الألوان عملا جاهليا ليس من الاسلام في شيء , و في ذلك كله يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :" ان انسباكم هذه ليست بسباب على أحد و انما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملأه , ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين أو عمل صالح " و يقول " انظر فإنك لست بخير من أحمر و لا أسود إلا أن تفضله بتقوى " و يقول :" يا أيها الناس ان ربكم واحد و ان اباكم واحد , ألا لا فضل لعربي على عجمي و لا عجمي على عربي و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى , ان أكرمكم عند الله اتقاكم " و يقول :" ان الله عز وجل اذهب عنكم عيبة الجاهلية و فخرها بالآباء , الناس بنو آدم و آدم من تراب , مؤمن تقي و فاجر شقي , لينتهين أقوام يفخرون برجال انما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها " و يقول :" ليس منا من دعا إلى عصبية , و ليس منا من قاتل على عصبية , و ليس منا من مات على عصبية " و يقول :" من قتل تحت راية حمية بغضب للعصبية و يقاتل للعصبية فليس من أمتي ".

هذا هو حكم الاسلام في المسلمين , جعلهم أمة واحدة و جعل منهم دولة واحدة , وجعل لهم اماما واحدا يحكم هذه الدولة الواحدة و تلك الأمة الواحدة يقيم فيها الاسلام و يصرف شئونها في حدود الاسلام .

إقليم الدولة الاسلامية

و اذا كان الاسلام يوجب أن يكون المسلمون أمة واحدة لهم دولة واحدة فان هذا يقتضي أن يكون إقليم الدولة الاسلامية شاملا لكل البلاد الاسلامية .

و الأصل في الاسلام أنه شريعة عالمية لا مكانية , جاءت للعالك كله , لا لجزء منه , وللناس جميعا لا لبعضهم , و هو شريعة الكافة , لا يختص بها قوم دون قوم , و لا جنس دون جنس , و لا قارة دون قارة , و هو شريعة العالم كله , يخاطب بها المسلم و غير المسلم , و لكن لما كان الناس جميعا لا يؤمنون بها , و لا يمكن فرضها عليهم فرضا فقد قضت ظروف الامكان أن لا تطبق الشريعة إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد , و هكذا أصبح تطبيق الشريعة الاسلامية مرتبطا بسلطان المسلمين و قوتهم , فكلما اتسعت الأقاليم التي يتسلط عليها المسلمون اتسع سلطان الشريعة , و كلما انكمش سلطانهم انكمش سلطانها , فالظروف و الضرورة هي التي جعلت من الشريعة الاسلامية شريعة اقليمية , و ان كانت الشريعة في أصلها عالمية .

و قد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار حين قسموا العالم كله إلى قسمين لا ثالث لهما , الأول يشمل كل بلاد الاسلام و يسمى دار الاسلام . و الثاني يشمل كل البلاد الأخرى و يسمى دار الحرب .

دار الاسلام :

تشمل دار الاسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الاسلام أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الاسلام , فيدخل في دار الاسلام كل بلد سكانه أو أغلبهم مسلمون , و كل بلد يحكمه المسلمون , و لو كانت غالبية سكانه من غير المسلمين .

دار الحرب :

و تشمل دار الحرب كل البلاد غير الاسلامية التي لا تدخل تحت سلطان المسلمين و لا تظهر فيها أحكام الاسلام , سواء أكانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أو تحكمها دول متعددة , و يستوي أن يكون بين سكانها المقمين بها اقامة دائمة مسلمون , أو لا يكون ما دام المسلمون عاجزين عن اظهار أحكام الاسلام .

و المقصود من تقسيم العالم إلى دار اسلام و دار حرب انما هو تقسيم العالم إلى قسمين : أحدهما دار أمن و سلام للمسلمين , و الثاني دار خوف و عداء للمسلمين , و بيان الأحكام التي تسري على المسلمين في كل دار .

و قد اعتبرت البلاد الاسلامية على تعددها و اتساعها دار واحدة , لأنها محكومة بقانون واحد هو الشريعة الاسلامية , و لانها تخضع لدولة واحدة هي الدولة الاسلامية فهي من هذه الوجهة وحدة سياسية و وحدة قانونية لا تتعدد فيها الحكومات , و لا تختلف فيها الأحكام باختلاف الجهات .

أما البلاد غير الاسلامية فانها تعتبر دار واحدة لأن الأحكام التي تسري عليها طبقا للشريعة الاسلامية أحكام واحدة لا تختلف باختلاف الجهات , و لا باختلاف الحكومات .

الجنسية في الإسلام

و تقوم الجنسية في الاسلام على أساس الدار , فأهل دار الاسلام لهم جنسية واحدة هي الجنسية الاسلامية , سواء أكانوا مسلمين أو ذميين , و مهما تميز المصري عن السوري , أو العراقي , أو المغربي , فذلك تمييز محلي لا ينبني عليه حكم شرعي و لا يؤدي إلى تمييز في الخارج .

و أهل دار الحرب لهم جنسية واحدة مهما تعددت بلادهم و حكوماتهم , و مهما تميز الانجليزي عن الفرنسي أو الأمريكي فذلك تمييز داخلي بينهم , و لكن أحكام الاسلام واحدة بالنسبة لهم جميعا . على أن الاسلام لا يمنع من النظر إلى الدول الأجنبية المختلفة كل على حدة بحسب ظروفها , فيجوز أن يكون بين المسلمين و بين الانجليز حرب , و يجوز أن يكون بين المسلمين و بين الامريكيين عهد أو هدنة .

و أساس الجنسية في دار الاسلام هو اعتناق الاسلام , أو التزام أحكامه , فمن اعتنق الاسلام فهو مسلم , و من التزم أحكام الاسلام و لم يسلم فهو ذمي , و كلا المسلم و الذمي رعية من رعايا الدولة الاسلامية , و جنسية كل منهما الجنسية الاسلامية .

أين أوضاعنا الحالية من الإسلام ؟

نحن معشر المسلمين في العالم كله ننتسب للاسلام , و نحرص على الانتساب اليه , و نفخر بهذا النسب الالهي الكريم , و لكنا مع الأسف لا نعرف كثيرا عن الاسلام , و لا يعرف أكثرنا حقائق الاسلام , و يكاد الاسلام لا يتصل بقلوبنا و أعمالنا و أن اتصل بألسنتنا و أقوالنا .

و ليس يهمنا أن نعرف كيف وصل المسلمون الى هذه الحال , ما دمنا نعرف أن الجهل بالاسلام يؤدي إلى البعد عن أحكام الاسلام , و أن البعد عن الاسلام و هجر بعض أحكامه يؤدي إلى الخروج على الاسلام , بل يؤدي إلى هدم الاسلام .

و لقد جهل أكثر المسلمين الاسلام حتى بعدوا عن حقائق الاسلام و أحكامه , و بعد المسلمون عامة عن الاسلام و هجروا أحكامه حتى خرجوا على الاسلام و هدموا معالم الاسلام .

و ان شئنا أن نعرف إلى أي حج بعدنا عن الاسلام فلقد رأينا فيما سبق كثيرا من أحكام الاسلام فلننظر أين نحن من هذه الأحكام ؟

ان الاسلام يجعل من المسلمين وحدة سياسية واحدة , و لقد كون المسلمون هذه الوحدة و حرصوا عليها من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة , وظلت هذه الوحدة تتسع و تقوى حتى بلغت من المنعة و القوة ما لم تبلغه أية وحدة سياسة أخرى قبلها , ثم أخذ المسلمون بعد ذلك يستجيبون للأهواء و المطامع , و يفتنهم عن دينهم الحكم و السلطان , و تحركهم المنافع الشخصية و العصبيات القبلية , فانقضوا على هذه الوحدة المقدسة التي صنعها الله و أمر بالمحافظة عليها فمزقوها شر ممزق , و قطعوها امارات و سلطنات و ممالك و جمهوريات باسم الاسلام و باسم الاستقلال في ظاهر الأمر و باسم الاستغلال و باسم الاستعلاء و باسم العصبيات في حقيقته , و ما فعلوا إلا أن مزقوا قوتهم و منعتهم , و أضعفوا ملكهم و سلطانهم , هيأوا لاعداء الاسلام أن ينالوا من الاسلام , و أن يضعوا أيديهم على هذه الامارات و السلطنات و الممالك و الجمهوريات باسم الاحتلال و باسم الحماية و باسم الانتداب و باسم التحالف و بغير ذلك من الأسماء التي يستظل بها الاستعباد و يستتر فيها الاستعمار , و يستعان بها على اذلال الشعوب و اخضاع الأمم .

و يوم كان للمسلمين دولة واحدة كانت دول الأرض جميعا تخافهم و ترجوهم و تتود اليهم و تتهافت عليهم , و كانت كلمة هذه الدولة الواحدة هي الكلمة العليا في السياسة الدولية , بل كانت سياستها هي السياسة العالمية , أما اليوم و دول الاسلام بضع عشرة دولة عدا الامارات و السلطنات فقد خفت صوت الاسلام و المسلمين و أصبح المسلمون سخرية أهل الأرض , و أهونهم على الناس , و أضيعهم في ميدان السياسة الدولية , و ما نفعتهم هذه الدول المتعددة شيئا و ما حفظت لهم حقا و لا ردت عنهم حيفا , و ما كانت إلا ذيلا لغيرها من الدول تستتبع فتتبع , و يشار إليها فتخضع .

و لقد تغير الزمن فأخذ الأقوياء يتوحدون خشية الاستضعاف و يتكتلون رجاء الانتصاف و يواجهون أعداءهم الأقوياء بمثل قوتهم و بما هو أكثر منها , و لكن المسلمين لا يزالون في غمرتهم ساهون , يتفرقون و لا يتوحدون و الأصل فيهم التوحد , و يتمزقون و لايتكتلون و الأصل فيهم التكتل , كل وحدة وحداتهم تؤول إلى وحدات و كل دولة إلى دويلات و كل جماعة إلى جماعات و كل حزب إلى أحزاب , حتى ضيعوا قوتهم و أهلكوا أنفسهم , ومكنوا لأعدائهم بأيديهم .

و الاسلام يجعل من المسلمين اخوانا متحدين متعاونين متضامنين متراحمين , و لكن المسلمين خرجوا على مبادئ الاسلام فاتخذوا لهم من أنفسهم أعداء يناوئ بعضهم بعضا , و يحسد بعضهم بعضا , و يتجسس بعضهم على بعض , و يتحسس بعضهم على البعض الآخر و يغتابه و يقع في عرضه , فهم في تقاطع و تدابر متنافرين متنابذين , بأسهم بينهم شديد لا تجتمع كلمتهم إلا على هوى , و ما تفترق إلا على هوى , لا يتعاونون و قد فرض عليهم الاسلام التعاون , و لا يتضامنون و قد أوجب عليهم الاسلام التضامن , و لا يتراحمون و قام الاسلام على التراحم , و ليس هذا شأن الأفراد وحدهم و انما هو شأن الدول الاسلامية أيضا , فهي على تقاطع و تدابر لا تجتمع إلا على هوى و ما تفرقت ألا عن هوى , ليس لها منهج تسير عليه , و لا هدف تنظر اليه , و لا تتعاون في أمر الاسلام الذي تنتسب اليه .

و الاسلام يفرض على المسلمين أن يكون لهم امام واحد , ويوجب قتل من ينازعه في امامته أو يشاركه فيها أو يعمل على تمزيق وحدة الجماعة , و لكن أئمة المسلمين اليوم لا تعد كثرة حتى لقد خال أحدهم في معرض السخرية ان الاسلام جعل للمسلمين اماما واحدا و جعل للكفر أئمة , فاذا زاد عدد أئمة المسلمين عن واحد فهم أئمة الكفر , و هذه السخرية لا تبعد عن الحقيقة فما ليس اسلاما فهو كفر , و اذا أوجب الاسلام على المسلمين أن تكون لهم دولة واحدة و امام واحد فلم يفعلوا ما يوجبه عليهم اسلامهم و جعلوا لأنفسهم دولا و أئمة فما هم بمسلمين حقيقين بوصف الاسلام , و عملهم كفر خالص ان فعلوه متعمدين غير متأولين .

والاسلام يوجب على المسلمين أن يكون أمرهم شورى بينهم ، و أن يختاروا رئيس الدوله الأعلى ، و لكن أكثر رؤساء الدول الاسلامية لا يختارهم المسلمون ، انما يفرضون على المسلمين فرضا بقوه القانون او بقوة العصبية أو بقوة الاستعمار وما في ذلك كله من الشورى شيء .

ورئيس الدولة الأعلى يستمد سلطانه من الأمة ويستند في وظيفته الى رضاء الأمه عنه وهذا هو الأصل في الاسلام ، ولكن التاريخ يشهد أن أكثر رؤساء الدول الاسلامية لم يستمدوا سلطانهم من الأمه ولم يعتمدوا عليها ولم يستندوا في بقائهم في مناصبهم اليها ، واذا كان بعضهم استمد سلطانه من قوته أو استند الى عصبيته ، فان الكثيرين استمدوا سلطانهم من اعداء الاسلام واستندوا في مناصبهم الى قوة الاستعمار ، ولقد طال ما عمل الاستعمار على اقتطاع بعض اجزاء الدولة الاسلامية ليجعل منها امارات ودويلات ويقيم فيها امراء و رؤساء يسبحون بحمده ، ويعتبرهم بعض جنده ، بل لقد حرص الاستعمار من زمن طويل على ان يوقع بين الشعوب و رؤسائها حتى اذا وقعت الواقعه تدخل الاستعمار لحماية الرؤساء من الأمة ولحماية الأمة من الرؤساء ، فأما من يخضع له الرئيس فيسنده ويؤيده ، وأما من يأبى يجيء بغيره ممن يعتبر نفسه مدينا بمنصبه للاستعمار أو ممن يعجز عن مناهضة الأستعمار .

والاسلام يوجب أن يكون امر الحكم شورى بين الناس ، ولكن الحكم في البلاد الاسلامية قائم على الهوى والاستبداد ، وان ستنعت أكثر البلاد الاسلاميه لنفسها نظما ديمقراطية ، ففي كل الأحوال يستبد الرؤساء والحكام والزعماء بأمور الشعب ولا يتركون له من امره شيئا ، ولا يجعلون له الى الشورى الصحيحه سبيلا .

والاسلام يحرم استغلال الأفراد للأفراد ، ويحرم استغلال الشعوب للشعوب ويحرم استغلال الخكام للمحكومين ، ويحرم الاستغلال من اي نوع كان ، ولكن المسلمين اليوم تقوم حياتهم ونظامهم على الاستغلال الذي حرمه الاسلام ، فالقوى يستغل الضعيف والغني يستغل حاجة الضعيف ، والحاكم يستغل المحكوم ، والشعوب الاسلامية على تعددها يستغلها المستعمرون ، ويستأثر بخيراتها واقوات ابنائها الانجليز والفرنسيون وغيرهم من الوروبيين والغربيين .

والاسلام يوجب على المسلمين ان يكونوا اقوياء اعزاء ، وان يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة ليرهبوا عدو الله وعدوهم ، وليخيفوا من تحدثه نفسه بالاعتداء عليهم ، فيظل في امن وسلام وقوة وعزة ، ولكن المسلمين تركوا امر الله فلم يعدوا ولم يستعدوا حتى اخذتهم الصيحه من كل مكان ، فتغلب عليهم اعداؤهم ، واحتلوا بلادهم وتقاسموا خيراتهم واصبح المسلمون ضعفاء اذلاء لا حول لهم ولا قوة ، ولا عاصم لهم مما هم فيه الا ان يرجعوا الى الله وان يعملوا بكتابه ، وان يطيعوا امره ، وان يعدوا لعدوهم ويعملوا على اخراجه من بلادهم .

والاسلام يوجب على المسلمين ان يحاربوا اعداء الاسلام حتى يستسلموا كارهين ويعطوا الجزية صاغرين ، ولكن المسلمين اليوم يسالمون اعداء الاسلام الذين يحاربونهم ويستسلمون لهاؤلاء الأعداء وهم يستطيعون ان يمتنعوا منهم ، ويخذون من هؤلاء الاعداء ائمه يأتون بهم ويأتمرون بأمرهم ، ويطيعونهم حتى في انفسهم وكرامتهم ، ويحكمونهم في اموالهم واوطانهم ، بعد ان اطاعوهم في الله وفي الاسلام ، وحكموهم في كتاب الله وفي تعاليم الاسلام . والاسلام يوجب على المسلمين ان يحكموا بما انزل الله ويحكموا في كل شؤنهم كتاب الله ، ويجعل من لم يحكم بما انزل الله كافراا ، وهو ينفى الايمان عمن لا يتحاكم الى كتاب الله ، ولاكن المسلمين في كل بقاع الارض تقريبا يحكمون بغير ما انزل الله ، ويتحاكمون الى اهوائهم وشهواتهم يصوغونها قوانين ومراسيم ولوائح وغيرها من المسميات ، حتى احلوا لأنفسهم ما حرمه الله وحرموا على الناس ما أحله الله .

والاسلام يوجب على المسلمين ان يدعوا للخير وان يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ، ولكن المسلمين تخلوا عن هذا الواجب كما تخلوا عن كل واجباتهم الاسلامية فهم لا يدعون الى الخير وقد فشى فيهم الشر ، ولا يأمرون بالمعروف وهم في اشد الحاجه الى الأمر بالمعروف ، ولا يتناهون عن المنكر وقد عمهم الفساد وضلوا سبيل الرشاد .

و الاسلام يجعل المساواة فريضة من فرائضه و العدالة دعامة من دعائمه , و لكن المسلمين و هو القوام على الاسلام لم يتركوها فريضة من فرائض الاسلام إلا وضعوها , لا دعامة من دعائمه إلا هدموها , فليس في البلاد الاسلامية اليوم مساواة , و ليس فيها عدالة , و انما فيها أثرة كاملة و محاباة صارخة , و فيها استعلاء على الضعفاء و استطالة على الفقراء , و فيها عون للباطل و مناهضة للحق , و فيها ظلم فادح و جور فاضح .

و الاسلام يجعل المال كله لله , و يجعل للبشر المستخلفين في الأرض الانتفاع به , في حدود أمر الله , و بعد أن يؤدوا للغير حقه في هذا المال , و لكن المسلمين جعلوا لأنفسهم مال الله و رموا الغير حقه في هذا المال , حتى أصبح المال دولة بين أغنيائهم ممنوعا عن فقرائهم , و حتى ضاق الفقراء بالفقر و بالأغنياء , و يا ويل أمة يمنع أغنياؤها حقوق فقرائها , و يصيق فقراؤها بأغنيائها .

و الاسلام جاء لمحاربة الظلم و الاستبداد و الاقطاع , و لكن علماء السوء و حكام آخر الزمان أرادوا أن يجعلوا من الاسلام سندا سندا للظلم و دعامة للاستبداد و الاقطاع و مورد رزق حرام للمفتين المأجورين الذين يسودون أوراقهم ليسكتوا المسلمين عن محاربة الظلم و مقاومة الاستبداد و قطع دابر الاقطاع , و ما كان الاسلام ليقيم ما جاء بحربه و القضاء عليه , و لكنها عقلية الحكام الظالمين و المفتين المأجورين لا تتغير بتغير الزمان و المكان , و من شأنها أن تظل مغلقة لا تتقبل الحقائق و لا تتفتح على الواقع حتى يأتيهم الطوفان و تأخذهم الصيحة من كل مكان .

هذا هو بعض شأن الاسلام الذي اختاره الله للناس دينا :" ان الدين عند الله الاسلام " آل عمران : 19 . و رضي للناس أن يتدينوا به :" و رضيت لكم الاسلام دينا " المائدة : 2 , و أعلمهم أنه لن يتقبل منهم دينا غيره :" و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " آل عمران : 85 , و حذرهم من أن يموتوا على غيره :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون " آل عمران : 102 .

هذا هو بعض شأن الاسلام الذي جعله الله نورا يخرج الناس من الظلمات , و يهديهم إلى الصراط المستقيم , و يردهم عن سبيل الضلال و الهلاك إلى سبل الرشاد و السلام " قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم " المائدة : 16 .

لقد علمنا الله جل شأنه أن الحق شيء واحد لا يتعدد , و أنه ليس في الدنيا إلا حق أو باطل , و أنه ليس بعد الحق إلا الباطل و ليس بعد الهدى إلا الضلال " فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون " يونس : 32 . و علمنا الله جل شأنه أنه لم يرسل رسوله صلى الله عليه و سلم الينا إلا بالحق , و أن الكتاب الذي أنزل عليه هو الحق , و أن الدين الذي جاء به هو دين الحق . " انا انزلنا اليك الكتاب بالحق " النساء : 105 . " هو الذي أرسل روله بالهدى و دين الحق " التوبة : 33 .

فاذا كان محمد صلى الله عليه و سلم قد جاء بالهدى و دين الحق فكل ما خالف الاسلام فهو الضلال و دين الباطل , و اذا كان في غير الاسلام شيء يشبه الاسلام و شيء يختلف عنه , فما يماثل الاسلام حق و ما يخالف الاسلام باطل , و هذا و ذاك في مجموعة حق تلبس بباطل , و باطل تلبس بحق , و قديما فعل الناس هذا و لايزالون يفعلونه كلما أرادوا أن يخرجوا على أمر الله و يخرجوا عن طاعته , و قد نهى الله عن هذا و حرمه فيقوله :" لا تلبسوا الحق بالباط " البقرة : 42 , و كفل للذين لا يلبسون الحق بالباطل و الايمان بالكفر أن يرزقهم الأمن و الهداية " الذين آمنوا و لم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون " الأنعام : 82 .

و اذا كان الاسلام هو الدين الذي رضيه لنا الله , و هو الحق الخالص الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و هو النور الذي يخرج الناس من الظلمات و الهدى الذي يخرجهم من الضلضال , اذا كان الاسلام هو هذا , فما بالنا معشر المسلمين نحول وجوهنا شطر أوروبا و أمريكا نطلب منها النور و ما فيهما إلا الظلام , و نرجو منهما الهداية و ما عندهما الا الضلال , و نبحث عندهما عن الحق و ما يعرفان إلا الباطل أو الحق متلبسا بالباطل .

لقد غشيتنا الظلمات يوم أدرنا ظهرنا للإسلام , و ولينا و جوهنا شطر أوروبا و أريكا , و دخلنا المتاهة يوم تركنا القرآن طريق الله المستقيم , و تعلقت أبصارنا بالمذاهب الأوروبية من ديموقراطية و اشتراكية و شيوعية و غيرها , و ضاع منا الحق يوم هجرنا كتاب الله الذي أنزله على رسوله بالحق , و تعلقنا بكتب جان جاك روسو و كارل ماركس و لينين و أشباههم من الفسقة الكفرة أئمة الكفر و الضلال .

و ما فعل بنا هذا و صيرنا إليه في أكثر الأحوال إلا جهل أكثر المسلمين للاسلام , ذلك الجهل الذي بلغ ببعض المسلمين أن يؤمنوا بالديموقراطية أو بالاشتراكية أو بالشيوعية و هم في الوقت نفسه يؤمنون بالاسلام , و يتعبدون به في حدود عليمهم و يرجون في كل صباح و مساء أن يلقوا الله عليه , و ما يتفق الاسلام مع أحد هذه المذاهب و لا هي منه في شيء , و اذا كان فيها من الحق الذي جاء به الاسلام شيء ففيها من الباطل أشياء , بل فيها كل الباطل و ما تقوم في واقع الأمر على الباطل .

و لقد بلغ الجهل ببعض المسلمين أن يقرن الاسلام بهذه المذاهب القائمة على الهوى و الضلال فيقول : ديموقراطية الاسلام , و اشتراكية الاسلام , وشيوعية الاسلام , وهو يقوله ليروج للاسلام و يرفع منه في أعين الناس , و هو دون شك يظلم الاسلام بهذه التسميات التي أنزل الله بها من سلطان , اذ الاسلام أرفع و أفضل من الديموقراطية و الاشتراكية و الشيوعية متفرقة و متجمعة , و هو أوسع منها جميعا و أجمع للخير , و أنه ليجمع كل ما في هذه المذاهب من خير قليل إلى ما فيه من خير كثير لا يحصى و لا يستقصى , كما أنه يخلو من الأهواء و الأباطيل و الشرور التي تعج بها هذه المذاهب و تقوم عليها , و أن الاسلام مشتق من السلام و كل ما فهويدعو إلى السلام , وما جاء إلا ليحقق السلام , و ليس في هذه المذاهب ما يحقق السلام و لا ما يدعو اليه , و انما تدعو هذه المذاهب جميعا إلى الحرب و الفتنة و الفساد في الأرض , و احياء طائفة و امات أخرى , و اسقاط جماعة لاعلاء أخرى , و تاريخ هذه المذاهب يشهد عليها أنها لا شيء , فقد نشأت الديموقراطية لمحاربة الفساد و اصلاح الجماعات و اسعاد الناس , فزادتهم فسادا على فسادهم و شقاء على شقائهم , فاتخذ البعض الاشتراكية مذهبا لاصلاح ما عجزت عنه الديموقراطية , فكانت الاشتراكية أعجر من الديموقراطية , فاصطنع بعض الشيوعية فكانت أبعد المذاهب عن الاصلاح , و أعونها على الفساد و الافساد , و ما أن وقفت على قدميها في روسيا بفضل البطش و الارهاب حتى غشي العالم كله الشقاء و غرق في بحر من الدماء .

و لو عرف المسلمون حقائق الاسلام لتورعوا عن أن يقرنوا عمل الناس بعمل الله , و تسميات الناس بتشميات الله , و دين الحق بأهواء الشر و ضلالاتهم .

من المسئول عما نحن فيه ؟

ان المسلمين جميعا مسئولون عما نحن فيه و عما انتهى اليه أمر الاسلام , و قد تختلف مسئولية بعضهم عن مسؤولية بعض , فتخف مسئولية فريق و تشتد مسئولية فريق , و لكنهم جميعا مسئولون عما هم فيه من جهل و فسق و كفر , و عما هم فيه من تفرق و ضعف و ذله , و عما يعانون من فقر و استغلال , و عما يحملون من نير الاستعمار و بلاء الاحتلال .

مسئولية الجماهير

ان جماهير المسلمين مسئولة عما انتهى اليه أمر الاسلام , فما وصل إلى هذا الذي هو فيه إلا بجهل هذه الجماهير للاسلام , و بانحرافها شيئا فشيئا عن الاسلام حتى كادت تنسلخ عنه دون أن تدري أنها انسلخت عن الاسلام .

ان جماهير المسلمين قد الفت الفسق و الكفر و الالحاد حتى أصبحت ترى كل ذلك فتظنه أوضاعا لا تخالف الاسلام , أو تظن أن الاسلام لا يعني بمحاربة الفسق و الكفر و الالحاد , و لا عنيه من أمر ذلك كله شيء .

ان يوجب على المسلمين أن يتعلموا الاسلام و أن يتفقهوا فيه و أن يعلم بعضهم بعضا " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم " التوبة : 122 , و لقد طالما نفرت طوائف من المسلمين فأنذروا قومهم و حاولوا تفقيههم في الدين , و لكن الحكومات الاسلامية أخذت على نفسها أن تحارب هذه الطوائف , و أن تحول بينها و بين ما يوجبه الاسلام ارضاء للاستعمار , و اطاعة للطواغيت , و موالاة لأعداء الاسلام , و رضيت الجماهير هذا الوضع من الحكومات و ما كان لها أن ترضاه , فشارك الجمهور الحكومات في خنق الاسلام و هدم الجماعات العاملة للاسلام .

ان جماهير المسلمين قد فقدوا القوة و العزة و الكرامة فهم يعيشون عبيدا للأقوياء , عبيدا للاستعمار , و عبيدا للحكام , يسلبونهم أقواتهم , و يستنزفون قواهم , و يدوسون كرامتهم , ويهدرون حريتهم ,و ما أتى المسلمون الا من تركهم دينهم دين القوة و العزة و الكرامة , ول عادوا له لعادت لهم القوة التي فقدوها , و العزة التي حرموها , و الكرامة التي يتطلعون اليها .

ان جماهير المسلمين في غفلة قاتلة : انهم في غفلة عن دينهم , في غفلة عن دنياهم , و في غفلة عن أنفسهم , ويوم تتفتح أعينهم على الحقائق سيعلمون أنهم خسروا دنياهم و آخرتهم بما فرطوا في جنب الله , و بما انحرفوا عن كتاب الله .

مسئولية الحكومات الاسلامية

و الحكومات الاسلامية مسئولة إلى أكبر حد عما أصاب الاسلام من الهوان , و عما أصاب المسلمين من الذل و الخبال .

ان الحكومات الاسلامية قد أبعدت الاسلام عن شئون الحياة , و اختارت للمسلمين ما حرمه عليهم الله , و حكمت فيهم بغير حكم الله .

ان الحكومات الاسلامية تدفع المسلمين إلى الضلالات الاوروبية , و تدفعهم عن الهداية الربانية , فتحكم بحكم القوانين الوضعية , و لا تحكم فيهم بحكم الشريعة الاسلامية .

ان الحكومات الاسلامية خرجت على الاسلام في الحكم و السياسة و الادارة , و خرجت على مبادئ الاسلام فلا حرية و لا مساواة و لا عدالة , و نبذت ما يوجبه الاسلام فلا تعاون بين المسلمين و لا تضامن و لا تراحم , و شجعت ما يحرمه الاسلام من الظلم و المحاباة , و من الاستغلال و الاقطاع , و اقامت المجتمع الاسلامي على الفساد و الافساد , و على الفسوق و العصيان , و على الأثرة و الطغيان .

ان الحكومات الاسلامية تحول دون المسلمين و قد حرم عليها الاسلام أن توالي أعداءه , و تطيع في المسلمين أعداء الله و ما لهم عليها من طاعة .

ان الحكومات الاسلامية هي التي أورثت المسلمين الضعف و الذل , و جلبت عليهم الاستغلال و الفقر , و أشاعت فيهم الفسد و البغي .

مسؤولية رؤساء الدول

و رؤساء الدول الاسلامية هم أكثر الناس مسئولية عن الاسلام , و عما أصاب الاسلام , و اذا أعفتهم القوانين الوضعية من المسئولية فما يعفيهم الاسلام أن يسألوا عن صغير الأمور و كبيرها , و ما يمنع انسانا أن يواجههم بالواقع , و يفتح عيونهم على الحقائق .

ان في يدكم معشر الرؤساء الحكم و السلطان , لكم القوة و فيكم القدرة على أن تعودوا بالاسلام إلى ما كان عليه , و لكنكم و رثتم أوضاعا مخالفة للاسلام عن أسلافكم فأنتم تعيشون فيها , و تقيموا سلطانكم عليها , على علم أو جهل بمخالفتها للاسلام , و هذه الأوضاع الموروثة هي أول ما يضعف الاسلام و يؤخر أهله عن النهوض , و كل ضعف للاسلام عائد عليكم , و كل قوة له انما هي قوتكم , و انه لخير لكم ان تكونوا أفرادا من الأفراد في دولة قوية من أن تكونوا ملوكا و أمراء و رؤساء في دولة ضعيفة مستعبدة يتسلط عليها موظف صغير من موظفي الدولة المستعمرة , يأمر و ينهي , فيسقط الحكومات و يقيمها , و يهز أمره عرش العروش , و يزلزل أقدام الرؤساء و الأمراء .

انكم معشر الرؤساء متفرقون ! و من الخير لكم و للاسلام أن تتجمع قواكم , و انكم متنابذون أو متباعدون , و من الخير لكم و للاسلام أن تتعاونوا و ان تتحدوا و انه أن يخضع بعضكم لبعض و يتولى بعضكم بعضا خير لكم و أهدى من أن تخضعوا جميعا للاستعمار و يتولاكم المستعمرون .

انكم معشر الرؤساء مسلمون من قبل كل شيء , فضعوا الاسلام فوق كل شيء , وحكموه في أنفسكم , و اجعلوه أساس حكمكم , و أقيموا عليه الدولة الاسلامية , و لا تجعلوا أشخاصكم حجر عثرة في سبيل قيام هذه الدولة , فأشخاصكم فانية و ليس بعد الموت إلا الجنة أو النار , و لن ينفع أحدكم ملكه أو ماله أو أهله , انما ينفعه العمل الصالح والقيام على أمر الله , و انه لخير لكم أن يذكر لكم التاريخ أنكم عاونتم على إعادة الدولة الاسلامية و الحكم الاسلامي , و أنكم لو تأخروا قيام هذه الدولة بتشبثكم بمناصبكم و بأوضاعكم التي لايرضاها الاسلام للمسلمين . و ان الأمر كله لن يحتاج إلا قوة عزائمكم , و التغلب على أنفسكم , فان تتغلبوا على أنفسكم فقد تغلبتم على كل شيء , وان تضعفوا أمام منافعكم و أمام مغريات الحكم و السلطان فسيظل المسلمون جميعا في فرقة و تخاذل و ضعف و ذلة , يتسلط عليكم و عليهم الأقوياء , يخيفكم المستعمرون , و يحرككم و يحكرهم الدول ذات المطامع و النفوذ , و يستغلكم و يستغلهم أولئك الذين عرفوا حق المعرفة أن القوة في الاتحاد , و أن الغلبة لأصحاب القوة .

أيها الرؤساء لا تحرصوا على الامارة و السلطان , و لا تتشبثوا بالألقاب و التيجان فان هذا الحرص هو الذي أذل المسلمين و أضعف فيهم روح الاسلام , و مزقهم ممالك ضعيفة , و دويلات صغيرة , و امارات لا تدفع عن نفسها عدوا , و لا تحمي لنقسها حقا , حتى أصبح المسلمون على كثرة عددهم , و اتساع أقطارهم , و توفر المواد الخام و الأيدي العاملة في بلادهم , و تهيؤ أسباب السيادة و العزة لهم .. أصبح المسلمون مع كل هذا أضعف أهل الأرض و أذلهم و أهونهم على الدول شأنا .

فاذا غلبكم الحرص على منافعكم و على مناصبكم و على ألقابكم و سلطانكم , فأحرصوا على أن تتجمعوا في شكل من الأشكال , و أن تتحدوا و توحدوا قوة بلادكم , ليكون المسلمون جميعا قوة واحدة , و يدا واحدة .

يا رؤساء الدول الاسلامية : ان مناصبكم و القابكم لن تغني عنكم من الله شيئا , و ان الله سائلكم و أسلافكم عن الاسلام و المسلمين , سيسألكم عن الاسلام الذي أصبح غريبا في بلادكم , مهملا في حكمكم . و سيسألكم عن المسلمين الذين فرقتهم وحدتهم , وضيعتم قوتهم , و مزقتم دولتهم و جعلتموهم أنتم و أسلافكم مثلا على الفرقة المصطنعة , و القوة الضعيفة , و الكرامة المهدرة , و الأطماع التي تذل الرجال الكرام, توطئ ظهور الأبطال , و تضع أنوف السادة في الرغام .

يا رؤساء الدول الاسلامية لا تحرصوا على الامارة و السلطان فان محمدا صلى الله عليه و سلم يقول :" انكم ستحرصون على الامارة و ستكون ندامة يوم القيامة , فنعم المرضعة و بئست الفاطمة "

و اعلموا أن الامارة أمانة , فمن أخذها بحقها , أدى ما يجب عليه فيها سلم يوم القيامة , فأدوا الأمانات الى أهلها فان الله سائلكم عنها , و اذكروا قول الرسول الكريم لأبي ذر لما سأله أن يستعمله , :" يا أبا ذر انك ضعيف و انها أمانة و انها يوم القيامة خزي و ندامة ألا من أخذها بحقها و أدى الذي عليه فيها ".

مسؤولية علماء الاسلام

و علماء الاسلام يحملون وزر ما نحن فيه و اثم ما أصيب به الاسلام .. يحملون أوزار المستعمرين و الاستعمار , و أوزار الحكام و الحكومات .. و أوزار الجماهير الغافلة عن الاسلام و الخارجة عليه .

و علماء الاسلام أهل لأن ينسب لهم هذا , لأنهم يظاهرون الاستعمار أو يسكتون عليه , و لأنهم يظاهرون الحكومات الاسلامية حينا و يسكتون عليها حينا , و لأنهم تركوا جماهير المسلمين جاهلة بأهم أحكام الاسلام , غافلة عما يراد بالاسلام .

و علماء الاسلام بهذا قد حالوا بين المسلمين و الاسلام لأنهم لم يبنوا لجماهير المسلمين حكم الاسلام في الاستعمار و المستعمرين , و حكم الاسلام في الحكومات التي تظاهر الاستعمار و توالي المستعمرين , فسكنت الجماهير إلى الاستعمار , و أطاعت الحكومات التي تخدم الاستعمار , و ضاع الاسلام بسكوت السادة العلماء , و رضيت الجماهير بضياع الاسلام و ساعدت عليه , لأنها تعتقد أن علماء الاسلام لا يسكتون إلا على ما يتفق مع الاسلام و يرضى رب الأنام .

ان علماء الاسلام أغمضوا أعينهم و أطبقوا أفواههم و وضعوا أصابعهم في آذانهم و ناموا عن الاسلام و لما استيقظوا من عدة قرون فنام وراءهم المسلمون , و هم يعتقدون أن الاسلام في أمان و الا ما نام عنه علماؤه الأعلام .

ان علماء الاسلام ناموا عن الاسلام من زمن طويل فما هاجموا وضعا من الأوضاع المخالفة للاسلام , و لا حاولوا ايقاف أمر أو حكم مخالف لأحكام الاسلام , و ما اجتمعوا مرة يطالبون بالرجوع لأحكام الاسلام .

لقد ارتكب الحكام المظالم , و أستحلوا المحارم , و أراقوا الدماء , و انتهكوا الأعراض , و أفسدوا في الأرض , و تعدوا حدود الله , فما تحرك العلماء للمظالم , لا غضبوا من استحلال المحارم , كأن الاسلام لا يطلب اليهم شيئا , و لا يفرض عليهم فرضا و لا يوجب عليهم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر , و لا يلزمهم نصيحة الحكام و المطالبة بالرجوع لأحكام الاسلام .

و احتلت مصر مثلا فما غضب علماؤها على الاحتلال , و لا بينوا للناس حكم القرآن و السنة في جهاد المحتلين و مقاومة الاحتلال و في مسألة المحتلين و موالاة الاحتلال .

و كان المفروض في علماء الاسلام أن يقاطعوا المحتلين الطفار , و لكنهم مع الأسف والوا أعداء الاسلام و اتخذوا من دار عميد الدولة المحتلة مقرا لاحياء بعض مواسم الاسلام .

و نفذت القوانين الوضعية في مصر و غيرها من بلاد الاسلام , و هي تخالف أحكام الاسلام , و أدى تنفيذها إلى تعطيل الاسلام , و اباحة ما حرم الله , و تحريم ما أحل الله , فما انزعج العلماء لتحطيم الاسلام , و غضبوا لمستقبلهم و هم يطعمون و يلبسون و يعيشون على حساب الاسلام , و لا اجتمعوا و تشاوروا فيما يحفظ مستقبلهم و مستقبل الاسلام .

و انتشر الفجور و الاباحة , و أنشئت الحانات و المراقص , و رخصت الحكومات الاسلامية للمسلمات بالدعارة , و جهر الناس بما يخالف الاسلام , فانكمش العلماء و اكتفوا بهز الرؤوس و مصمصة الشفاه.

و انشئت المدارس المدنية و هي لا تعترف بتعليم الدين , فكان علماء الدين أول من أقبل عليها و أدخل أولاده فيها , و أنشئت المدارس التبشيرية التي تبشر بالمسيحية و تفتن أبناء المسلمين عن الاسلام , فأدخل السادة العلماء بناتهم فيها ليرطن بلغة أجنبية و ليتعلمن الرقص و الديانة المسيحية .

و كلما حزب الظامر احدى الحكومات لجأت إلى علماء الاسلام فأسرعوا يردون المسلمين إلى طاعة الحكومات التي تبيح الخمر و الزنا و الربا و الكفر و الفسق , و تستبدل بحكم الاسلام أهواء الناس و نزوات الحكام و الأحزاب .

و طال هذا الأمر بالمسلمين حتى ظن جمهرة المسلمين أن ما نحن فيه من فسوق و عصيان هم الاسلام الصحيح , قفشا الفسق و الفجور و عم الفساد و عز الاصلاح , و كل ذلك بفضل علماء الاسلام و تهاونهم في اقامة أحكام الاسلام .

ان العلماء هم ورثة الأنبياء , و ما يليق بالعلماء أن يقفوا هذا الموقف من ميراث الأنبياء , و لقد فرض الاسلام على العلماء واجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فمن يقوم بهذا الواجب اذا أهمله السادة العلماء ؟

و لكن الله جل شأنه قد فتح على علماء مصر فتكلموا أخيرا و انطلقوا على غير عادتهم يتجمعون و يخطبون , و يدعون إلى الاضراب و الاعتصاب . أفترى ذلك كان من أجل الاسلام و اقامة أحكام الله ؟ لا والله , و لكنهم ثأروا لأجل المرتبات و العلاوات و الدرجات المالية , و الكرامة الشخصية , و أصدروا في سبيل ذلك البيانات , و عقدوا الاجتماعات , و تشدقوا بالخطب و زينوها بالأحاديث و الآيات .

انهم فعلوا هذا من أجل أنفسهم و لحفظ كراماتهم , و لم يفعلوه من أجل الاسلام كان الاسلام أهون عليهم من أنفسهم و كأن كرامته أدنى من كراماتهم , و من المؤلم أن بعضهم أراد في هذه الاجتماعات أن يذكرهم بالاسلام , و أن يوجه هذه الغضبة للاسلام , فأسكتوه و أنكروا ما أتاه , كأن العمل للاسلام منكر في نظر علماء الاسلام .

يا علماء الاسلام اتقوا الله في أنفسكم و في الاسلام .

يا علماء الاسلام انكم لم تهونوا على الدول و الحكام إلا بعد أن هان عليكم الاسلام .

يا علماء الاسلام ان عزتكم من عزة الاسلام , و قوتكم من قوة الاسلام , فإن شئتم أن تشعروا بالعزة و القوة فاعلموا لعزة الاسلام و لقوة السلام .

يا علماء الاسلام ليس من الاسلام في شيء أن تمسكوا ألسنتكم عن بيان حكم الله و تغضوا أبصاركم عن أعداء الله حتى ينتهكوا حرمات الله .

يا علماء الاسلام ليس من الاسلام في شيء أن تقوموا في المعاهد لتعلموا طلبتها أحكام الاسلام في حين أن الحكومات لا تقيم هذه الأحكام .

يا علماء الاسلام ليس من الاسلام أن تقفوا على المنابر لتعلموا الناس محاسن الأخلاق و أداء العبادات , و تتركوهم جهالا يما يوجبه الاسلام في الحكم و الحكام و التشريع و القضاء و في الاقتصاد و الاجتماع , و في معاملة الأعداء و الأصدقاء .

لماذا لا تبينون للناس وظيفتكم البيان ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في الاحتلال , و من يولونه و يوادونه , و من يحاربونه و يمقتونه ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في الحكام الذين يلزمون المسلمين ما يخالف الاسلام و هل يوجب الاسلام طاعتهم و اتباع أهوائهم , أم يجب عصيانهم و الخروج عليهم ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في القوانين الوضعية , و ما يوجبه على المسلمين من طاعتها أو عصيانها ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في المال و في الاستغلال و الاحتكار , مع تطبيق هذا الحكم على أوضاعنا المالية و أحوالنا الاقتصادية ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في هذا الغنى الفاحش , في ذاك الفقر القاتل ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام فيمن يحارب دعاة الاسلام , و يعين على حرب العاملين للاسلام ؟

لماذا لا تبينون حكم الاسلام فيما يخالفه من أوضاع , و هل يوجب السكوت عليها أم يوجب محاربتها و هدمها ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في النصيحة و البيان , و هل لا يجب أحدهما إلا مرة واحدة طول الحياة , أم التكرار واجب كلما استمر ما يستوجب النصيحة و البيان ليذكر الناس حكم الاسلام في كل وقت و آن ؟

لماذا لا تبينون للناس حكم الاسلام في المسلم الذي يطالب باحترام شخصه , ويرفض أن يطالب باحترام الاسلام ؟

أيها العلماء إني لا أنكر عليكم أن فيكم فئة قليلة كريمة عملت بكتاب الله , و استقامت على أمره أن منكم من بذلوا من علمهم و قوتهم و حياتهم في سبيل اقامة حكم القرآن , لم تأخذهم في الله لومة لائم , و لكنها والله قلة يسوءها أن تحسب عليكم و أن تنتسب اليكم , و ما يغير عمل هذه الفئة القليلة الخيرة من سوء عملكم , و لا يهون من أوزاركم , و لا يرفع عنكم وصمة التفريط و الاهمال .

أيها العلماء تشبهوا بهذه الفئة الصالحة , و سيروا على أثرها , و أعملوا للاسلام فقد طال ما سكتم عن الاسلام , و أن هذا والله لهو الخير لكم و للإسلام .