الإسلام حائر بين أهله

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلام حائر بين أهله

إهداء

مهدى إلى روح الشهيد الخالد حسن البنا

محمد عبد الله السمان

المدرس بالمدارس الابتدائية – القاهرة

من تهاون في شرفه فلا مروءة له ...

ومن تهاون في كرامته فلا كيان له ..

ومن تهاون في وطنه فلا وجود له ..

ومن تهاون في دينه فلا مروءة ولا كيان ولا وجود له ...

السمان

الإهداء

إلى روح الإمام الشهيد حسن البنا حيث تطوف وتجول في الملأ الأعلى والفردوس المقيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

إلى مجدد دين الله، ورافع لواء الفكرة الإسلامية دينا ودولة، وجامع الملايين على كلمة الإسلام.

إلى الذي صلح عند فساد الزمن، واستبان به هدى الشريعة بين القلوب الغلف، والآذان الصم والقلوب العمي.

إلى الذي بنى لله ورسوله والإسلام والمسلمين، فشيد ما شيد ودعم ما دعم ولم يضع لنفسه ولا لولده لبنة على لبنة.

إلى الزعيم الحق، والقائد الصدق والمرشد الناصح الذي تعب حين استراح الناس، وافتقر حين اغتنى الناس وضحى حين جبن الناس.

إلى الشهيد الأعزل الذي تكاثرت على قتله كلاب الجبارين وذئاب الباغين فأعاد باستشهاده مأساة الحسين، وأضفى على حياته وذكراه ثوبا من القداسة باركته يد الله ...

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

نظرة خاطفة إلى حالة الإسلام وأمته اليوم، كفيلة بأن تحطم أعصاب الشباب المسلم الغيور، وتلهب في نفوسه أعنف الثورات التي تسلب هدوءه وراحته وصفوه وحسبنا أن نرى أوضاع الإسلام وقد انقلبت إلى صورة تسيء إلى سمعته، وتشوه بهاءه، حتى يخيل إلينا أنها إنما تخدم الاستعمار وتؤيد كبت الحريات واستعباد الشعوب واستذلالها.

وحسبنا أن نرى أمة الإسلام مشردة معذبة خافتة الصوت، خاملة الذكر، خامدة العزم، قانعة بأحط قدر، وأوضع مرتبة، وأصغر وضع، وأدنأ كيان.

وحسبنا أن نرى قادة الإسلام هم الذين يقودون أمته إلى الهاوية ويسلمونها إلى صناديد الاستعمار ويلقون بها في أفواه الغاصبين ...

إذن فحيرة الإسلام حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو أحمق، والخاطرة الجائشة بكل صدر .. إلى من يرفع الإسلام أكفه لينقذ من حيرته ...

أيرفعها إلى قادته وزعمائه وهم بائعوه بأبخس الأثمان: جاه وسلطان.

أم إلى علمائه وهم أعوان الظلمة في تخدير الشعوب وتضليلها أم إلى شعوبه وهي التي آثرت الذلة والاستكانة واستعذبت العبودية والضياع ...

محمد عبد الله السمان السيدة زينب بالقاهرة في رجب 1369هـ مايو1950م


استعراض:أمة ضائعة ...

دمعات ودمعات على أمتك الإسلامية أذرفها من عينيك بل دماء ودماء اعتصرها من قلبك ...

إن كنت تشعر بأنك مسلم معنى لا لفظا وحقيقة لا شكلا فأطلق العنان لعينيك تذرف عبراتها مدرارا، وأرخ الحبل لقلبك يعتصر الدماء اعتصارا، وازهد في الطعام والشراب إن استطعت الزهد فيها واجف النوم إن أمكنك جفاؤه، ومل الحديث إن كان في وسعك ملله، واعرض على نفسك صورة صادقة لأمتك الإسلامية فلعل نفسك تكسر أغلال الغفلة فتهب من نومها وتفيق من سباتها ...

قلب النظر يمنة ويسرة في هذه الأمة فهل يروقك منها هذا الانهيار الشائن؟ وهذا الضعف الفاضح؟ وهذه المسكنة المفزعة وهذه العبودية المزرية التي ما زالت ترسف في قيودها وتتخبط في سلاسلها؟

أم هل يروقك منها الاستهتار بكرامتها والاستهانة بحقوقها والتلاعب بقضاياها والتنافس على استلاب حريتها واغتصاب هدوئها وامتصاص دمائها ...

قل لي بربك – إذا لم يرقك شيء مما ذكرت فهل يروقك منها إعراضا عن دينها وصدوفها عن كتاب ربها وتنكبها سبل شريعتها وتنكرها لآدابها وتقاليدها؟

أم هل يروقك منها انحلال أخلاقها وتدهور نفوسها وانغماسها في بحار شهواتها وانقيادها لأهوائها؟ أم هل يروقك منها تحاسدها وتباغضها وتشاحنها وتفرقها وتخاذلها وتبعثر صفوفها وتفرق أيديها، وتمزق شملها وتشتت جموعها – أم هل يروقك منها تقاعدها وتقاعسها وتباطؤها وخمولها، وإخماد جذوتها وإطفاء شعلتها؟

إذا لم يرقك هذا أو ذاك فهل يروقك منها نسيانها ماضيها، وتهاونها في حاضرها وتشاغلها عن مستقبلها – أم هل يروقك منها تأخرها والأمم في تقدم مستمر، وتقهقرها والأمم في طموح متواصل، وإرضاؤها برنق العيش والأمم أوشكت أن تسأم أعذبه ...

لعله إذن يروقك أنانية زعمائها، وأثرة قادتها، وصغار المبرزين من رجالها – وخيانة الوضعاء من ولاتها، وتلاعب العلية من صناديدها.

فإذا لم يرقك أيها المسلم شيء أبدا من أمتك فاخل بنفسك لحظات واستجد عينيك لتذرف دموعها غزارا، واستعطف قلبك ليعتصر دماءه اعتصارا، واستمل نفسك لعلها تبكي بكاء وتنتحب انتحابا!!


أيتام على مائدة اللئام

أحقا يوجد في العالم الآن ما نسميه دولا إسلامية؟ لا أظن ذلك أبدا – اللهم إلا إذا استغنينا بالألفاظ عن المعاني واكتفينا بالأشكال عن الحقائق وقنعنا بالخيال دون الواقع ...

نعم كانت دولا إسلامية يوم أن كانت جيوشها – بعد أن فتحت آسيا – تتوغل في أوروبا وعلى أسوار فيينا تهدد النمسا وفرنسا وألمانيا.

ويوم أن استطاعت هذه الجيوش أن تقتحم إيطاليا وتستولي على نابولي وصقلية.

نعم كانت دولا إسلامية يوم أن وقفت جيوشها تصد غارات أوروبا الصليبية، التي تكتلت دولها لتكيد للإسلام كيدا، فقلمت أظفارها، وردتها ناكصة على أعقابها.

أما اليوم – وقد أضحت تتخاذل أمام شرذمة من أراذل الخلق، وتقهرها كتائب من اللصوص المشردين، فمن المكابرة أن نسميها حتى دويلات، ومن الحق أن نطلق عليها سائغات تتخطفها الأمم الطاغية كما تتخطف الحدأة الأنقاف، وتبتلعها الدول الجائرة كما يبتلع الحوت صغار الأسماك.

قلب النظر – متى شئت – فلست بعاثر على دولة مسلمة واحدة تتنسم نسيم الحرية العذبة والاستقلال الخالص الذي لا تشوبه شوائب الخداع الدولي ولا الالتواء السياسي.

وليست عينك بواقعة على أرض مسلمة يتخللها الهدوء والسكينة، وترفرف عليها أعلام الأمن والسلام.

فلسطين الشهيدة

ظلت تغلي غليان المرجل عشرات السنين وتتخبط تخبط المخبول، وأخيرا ابتلعتها الصهيونية الأثيمة لقمة سائغة وأقامت دولتها في غمرة الفوضى على أنقاض بيوت الله ومساكن المسلمين!

وكشمير

أخت فلسطين، في غفلة الحق وغفوة العدل وفي ظلمة الجور تنهشها دولة الهندوكيين، فلا يسمع لصياحها ولا يستجاب لاستغاثتها ولا يسأل عنها في حشرجة النفس ولا في سكرات الموت.

وبلاد المغرب

لا زالت تعاني آلام الصدمة العنيفة التي أطاحت بها: شعب آمن في سربه يفاجأ بالأغلال توضع في أعناقه، وبالأيدي المخربة تغتصب أرضه، وتمتص قوته، وتختلس حريته، وتفاجأ بالقوة الغاشمة تنتزع لغته وقوميته وترغمه على الانسلاخ من عقيدته ...

وإندونيسيا الجريح

لا يمكن أن يقال عن مأساتها إلا ما يحز في النفس، إن عشرة ملايين من الهولانديين يأبون إلا استعباد سبعين مليونا من المسلمين يكونون جمهورية أندونيسيا، ولا يمكن أن يقال في قضيتها إلا ما يمزق الكبد، وإن من البلاهة أن يعتمد على الحق وحده ليستخلص الحقوق من قوة غاشمة يؤيدها التعصب الأحمق ...

ووادي النيل

ليست مأساته بأقل من مآسي جيرانه، شعب لم يكتب له الهدوء ولا الاستقرار منذ سبعين عاما، منذ أن احتلته جيوش المستعمرين لتحفظ العرش ولتمكث أياما فبقيت سبعين عاما والتهمت البلاد من أقصاها إلى أقصاها:

واد واحد يقطنه شعب واحد، ويسقى بماء واحد ويدين بدين واحد وينطق بلغة واحدة، ولكن القط (الإنجليزي) الذي ألجأته الظروف العمياء ليكون قاضيا، يأنف أن يخرج من غير نصيب، ويأنف أن يكون نصيبه أقل من شطر الوادي الذي احتله ليستتب الأمن والنظام فوق أرضه، وكأنه ندم أن يكون نصيبه الشطر الجنوبي فحسب، فراح يزاحم في الشطر الشمالي باسم الأمن الدولي.

والقط الإنجليزي لا يعرف السياسة المكشوفة سياسة البلهاء، فإن له أشياعا من الفئران المأجورة الممناة تنادي باستقلال شطرها تحت ظل القط الإنجليزي الوديع.

والجزيرة العربية

اليمن لا تزال في عزلة عن العالم تعاني في الداخل آلام الفقر المدقع، والجهل المطبق، والتأخر المزمن – هكذا تود أن تظل ميتة في عداد الغابرين، والحياة البدائية التي تحياها وتجعلها أحط قدرا من مجاهل أفريقيا – ويدعي (رعاتها) أن هذا من صميم الإسلام، ونضيف نحن إلى هذا – أنه من صميم الإسلام أيضا أن يموت الشعب جوعا والأحمر والأصفر مكدسان في بيت المال أو بيت الإمام، ومن صميم الإسلام أن يستخرج الذهب من أرض المسلمين ليحرم على المسلمين، ويستمتع به أمراؤهم في صالات باريس وحانات نيويورك ومعارض لندن.

عزلة اليمن عزلة مصطنعة لم تحررها من مطامع الاستعمار بل جعلتها عضوا أشل لا يؤدي الواجب، وتستطيع اليمن أن تكون عضوا مجدا إذا دب الخطر، ولكن إذا ما حسنت نيات سادتها .. وهيهات ...

والمملكة العربية

ها هي ذي تفسح المجال للأصبع الأمريكية بغير ما حيطة ولا حذر، حتى أصبحت مستعمرة أمريكية، نعم إن الأصبع الأمريكية تسوق الذهب سوقا، ولكن إلى عرين الأسد ليتخذ منه عرشا يتربع عليه، ويتخذ منه الأمراء مقوما في رحلاتهم حول الدنيا الجديدة وعواصم أوروبا، وعندئذ تستطيع أن تتصور حكم الشريعة في المملكة السعودية كيف ينفذ في الشعب الذي يضطره الجوع إلى مد يده فتقطع، ومن يقطعها، أولئك الذين سلبوا قوته وهم أصل فقره وجوعه، ومبعث شقائه وحرمانه .. ومع هذا فليست المملكة العربية تستطيع إثبات وجودها إذا ما جد الجد وحزب الأمر، وما مأساة فلسطين عنا ببعيد.

والعراق وشرق الأردن، ما قيل عن اليمن والبلاد السعودية يقال عنها، وليس ثمة كبير فرق بينهما، فتلكما استراحتان أمريكيتان، وهاتان محميتان إنجليزيتان، والفرق التافه: أن استراحتي أمريكا قانعتان بالانتكاس، ومحميتي الإنجليز تودان تحقيق مشروع سوريا الكبرى لتقدما إلى الأسد البريطاني (فلسطين وسوريا ولبنان) لقمة سائغة ...!

وتركيا وإيران والأفغان

أما تركيا فقد طلقت الإسلام والشرق والعرب، فهي لن تنسى يوم أن تكتلت جيوش العرب والمسلمين لتحطيمها تحت قيادة صناديد الدول الصليبية، دون أن تراعي للإسلام ولا للأخوة إلا ولا ذمة.

ولنفرض أنها في طريقها لتتقرب من الإسلام مرة أخرى، فلا يفوتنا أنها واقعة تحت نفوذ أمريكا، ولا يمكنها التحول عن السياسة التي ترسمها لها قيد شبر.

وأما إيران: فهي في وضع قريب من تركيا، والاضطراب الداخلي المتوالي يوضح لك مدى الاستقرار الذي تستمتع به، ومع هذا فهي واقعة تحت النفوذ الأجنبي من غير ما شك أوروبية.

وأما الأفغان: فهي في مهب المطامع الدولية، ولا يداخل الإنسان ريب في أنها لم تسلم من النفوذ الأجنبي، وإلا فلم هذا التوتر السائد بينها وبين جارتها الباكستان المسلمة؟

والباكستان: ميلاد دولة الباكستان الفتية اهتزت له جوانب المسلمين فرحا، ولم يكن عجبا أن يحيط بميلادها جو من الاضطراب والقلق، فما كان الاستعمار ليدع دولة (إسلامية) تتنسم أنسمة الهدوء ساعات، فمشكلة الهجرة وتبادل السكان على أساس ظالم أدى إلى احتكاك دموي رهيب سقطت في حومته آلاف الضحايا – ومشكلة كشمير وحيدر أباد.

فكشمير أغلبية سكانها مسلمون وحاكمها هندوكي، وعندما أرادت الانضمام إلى الباكستان بحكم أغلبيتها مانعت الهندستان واشتبك المسلمون مع الهندوك في معركة دموية لا زالت رحاها تدور إلى الآن – وكذلك (حيدر أباد) أغلبية سكانها هنوك وحاكمها (النظام) مسلم وقد أنذرته الهندستان بالاحتلال إذا ما رغب في الانضمام إلى ال[باكستان]].

وليبيا

ليبيا بقسميها: طرابلس وبرقة، احتلها الطليان بعد الترك، وفي الحرب الأخيرة أدت الواجب بجانب الحلفاء وعلى أيدي رجالها تمت هزيمة الطليان – وكان أتفه قدر من المروءة – لو وجد – يحتم على إنجلترا أن تطلق حرية الشعب واستقلاله من عقالها وتهب البلاد جوا آمنا من الراحة والحرية جزاء ما قدمت – ولكن إنجلترا وعدت – وما أصدقها إذا وعدت – وجاءت لتنفذ وعدها، فجرت على أسلوبها التقليدي من تقسيم الوطن الواحد إلى ثلاثة أقسام:

طرابلس وبرقة وفزان، وأخذت تلوح للمتزعمين في كل قسم بكراسي الحكم لإقرار هذا التقسيم، ولك أن تضحك أو تبكي إذا ما قرأت أن للإيطاليين الذين قطنوا البلاد في ظل الاحتلال رأيا يجب أن يقدر عند تقرير مصير البلاد .. وعلى كل فهذا الوطن العزيز في انتظار السكاكين التي تعدها إنجلترا في الخفاء لتقوم بتقسيمه بأيدي أبنائه عشاق الزعامة وطلاب العروش ...

وأريتريا ومصوع والصومال وجعبوب

هذه البلاد كانت إلى عهد قريب تابعة لمصر، وبغت عليها إيطاليا كما بغت الدول الاستعمارية على غيرها – وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب الأخيرة – أخذت أصابع الاحتلال هناك تحرك بعض الصنائع لينادوا بتفضيل حكم الذئب البريطاني الذي يساومهم في الخفاء ...

والمسلمون في الاتحاد السوفيتي

يضم الاتحاد السوفيتي أربعين مليونا من المسلمين ذاقوا في عهد القيصرية صنوف القسوة والاستبداد، وفي ظل الشيوعية الآن زادت حالهم سوءا، وكان نصيب الكثير من زعمائهم النفي إلى سيبريا أو الموت والإعدام، ولا يدري الآن غير الله والاتحاد السوفيتي حالة هؤلاء المنكوبين، ولا القلق والاضطراب اللذين يسودانهم، ولا الكبت والعنت اللذين يشملانهم ...

المشردون في أوروبا والأقليات الإسلامية في كل مكان

في كثير من البلدان أقليات إسلامية كما في الصين والحبشة، وفي بلدان أخرى مهاجر لفئات من العرب والمسلمين كما في أمريكا الشمالية والبرازيل.

وهناك في أوروبا آلاف المسلمين شردوا في معسكرات الاعتقال كأسرى حرب من يوغسلافيين وألبانيين وأتراك وأوكرانيين وشراكسة وغيرهم.

هذا استعراض خاطف للدول الإسلامية والأقليات المسلمة في بقاع الأرض فهي بين راكع أمام الاستعمار الغاشم وبين ساجد تحت أقدام القوى المستبدة، وبين يتيم تفضل الاستعمار عليه بالكفالة، وقاصر تكرم عليه بالوصاية.

وبين مستقل استقلالا كاذبا، الاستعمار السافر خير منه وبين فزع يخشى أن تعصف به رياح المطامع، وبين مضطرب لا يهدأ له روع ولا يسكن له خاطر، وبين مشرد يعيش عيشة الوحوش الهائمة، وبين مكبوت لا يكاد يسمع بالحرية إلا على ألسنة الطيور الطليقة في الهواء ...

ونستطيع أن نقدم من جولتنا السريعة هذه (اللافتات) في صورة صريحة صادقة لتوضع دائما أمام أعين المسلمين الأغيار كعوامل بارزة على نكبة الإسلام في أمته:

  1. عروش ديكتاتورية – وليدة ظروف حمقاء – لا تثبت أمام نهضات الشعوب الحرة المستقلة التي ترغب في الحياة، ومن الخير لهذه العروش أن تعيش في كنف الاستعمار والاحتلال كحصن حصين لها ..
  2. زعماء تمخضت عنهم تيارات دخيلة يشغلهم الاستعمار بكراسي الحكم كما يشغل اللصوص الكلاب بقطع العظام.
  3. شعوب علمها السيف والسوط والمعتقل والسجن والنفي والتشريد كيف تهدأ قليلا، فهي مغلوبة على أمرها منكوبة في حياتها .. لو أخرجت من أنفسها قادة وزعماء يكفرون بالحكم كما يكفرون بالوثن، ويفرون منه كما يفرون من الجذام – لاستطاعت الشعوب الهادئة أن تثأر لنفسها وترد الحقوق إلى نصابها ...

وبعد هذا فليس مثار دهشة أن ترى أمة الإسلام معذبة في الأرض ليس لها كيان تحمد عليه ولا وضع تغبط من أجله ولا شأن يؤبه له ولا قدر يلتفت إليه، وليس مثار غرابة أيضا أن نرى الدول الإسلامية، لا تستطيع حل مشكلاتها الأليمة، ولا أن تربح قضية من قضاياها المهضومة، ولا أن تسلك إلا طريق الاستجداء والخنوع في نيل حقوقها – وما أشبهها دائما في كل حركة باليتامى حول مائدة اللئام ...

جهود وتضحيات مخجلة

"يا أماه ... أتمي صلاتك ولا تبكي، بل اضحكي وتأملي، ألا تعلمين أن إيطالية تدعوني وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحا مسرورا لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان ...

سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن .. ليس بأهل للمجد من لم يمت إيطاليا حقا ...

لا تموتي لأننا في طريق الحياة، وإن لم أرجع فلا تبكي على ولدك، ولكن اذهبي في كل مساء وزوري المقبرة، ونسائم الأصيل تحمل إلى طرابلس وداعك الذي يأبى الحداد على قبر فلذة كبدك، وإن سألك أحد عن عدم حدادك علي فأجيبيه:

إنه مات في محاربة الإسلام ..."هكذا وقف شاب من شباب إيطاليا يرتل هذا النشيد مودعا أماه، وهو راحل عن الديار ليحارب الإسلام في طرابلس، وليس يعنينا ما يفيض من النشيد، من حقد وكيد للإسلام، وإنما يعنينا ما ينبئ عنه من روح طموح وثابة تواقة إلى بناء المجد لأمتها ولو على أسس من البغي والعدوان:

هذه حال شباب إيطاليا، وهذه أرواحهم عند ما يحتاجهم الوطن ليتخذ منهم عدة البغي والجور، فكيف يكون حالها لو أن الوطن أراد أن يتخذ منهم عدة للنصرة والذود؟ ولنرجع إلى شهور قليلة لنرى كيف كان الشباب الذاهب إلى الميدان لنصرة الإسلام يودع بالنحيب والبكاء – وكيف كانت الأسرة تقيم المآتم شهورا إذا استشهد منها واحد في ميدان الكرامة والبطولة، وكيف كانت عبارات السخط تتردد على الألسنة في كل مكان، وأنات التذمر تنفجر في كل صدر، لأننا تدخلنا فيما لا يعنينا، ومصرٍٍ في واد وفلسطين في واد ...

الدول الغربية عندما نهضت وارتقت وعظمت دفعت الثمن غاليا: جهودا جبارة لا تعرف الملل، وتضحيات عالية لا تعرف التفاهة، ونحن نريد أن ننهض بغير بذل ونرتقي من غير جهد، ونعظم بدون تضحية، ونسود بدعوات طيبات نرددها في بيوت الله ...

لقد فقد الألمان في الحرب مليوني قتيل، والفرنسيس مليونا ونصف مليون، والإنجليز أكثر من نصف مليون والطليان كذلك والروس ما يفوق الإحصاء فما سمعنا تبرما ولا شكوى، ونحن عندما فقدنا في الحرب الفلسطينية بضع مئات أقمنا الدنيا وأقعدناها، وأشبعنا فلسطين سبا ولعنا ...

وفي عام 1929 حدثت وقائع دموية بين العرب واليهود في [[فلسطين]ي فهب يهود العالم يساعدون المصابين منهم فبلغت الإعانة مليون جنيه، وأراد العالم الإسلامي أن يساعد عرب فلسطين فبلغت التبرعات ثلاثة عشر ألفا من الجنيهات أي نحو جزء من مائة.

وفي عام 1911 بلغت تكاليف إيطاليا في الحرب الطرابلسية مائة مليون من الجنيهات، وبلغت تبرعات المسلمين مائة وخمسين ألف جنيه أرادوا أن ينقذوا طرابلس من بين فكي الذئب الإيطالي الجائع بهذا المبلغ التافه الضئيل.

ومنذ سنين قام أهل الريف [المغرب]ي في وجه الأسبان وطردوا جيوشها بعد أن قتلوا في معركة واحدة 26 ألف نسمة، ثم تألب الفرنسيس مع الإسبانيول وحشدوا لحرب الريفيين 300 ألف مقاتل وحصروا الريف، وكانت طياراتهم القاذفة بالديناميت تحصد بالمئات، ولم تكف طياراتهم بل جاء سرب طائرات أمريكية من نيويورك لفرنسا وإسبانيا النصرانيين ..

هذا كله والمسلمون ينظرون نظر المغشي عليه .. وأخيرا – وبعد عام كامل – قام بعض الأفراد لجمع التبرعات لجرحى الريف فبلغ مجموع الإعانات من كل العالم الإسلامي 1500 جنيه لا غير.

هذه أمثلة خاطفة أردنا بها إثبات جهود الأمة الإسلامية وتضحياتها التي تحمر لها الوجوه خجلا وتطرق الرءوس حياء والتي تود بها دول الإسلام أن تحفظ كيانها وتصون كرامتها وتذود عن حوضها وترد كيد أعدائها ...

ومعاذ الله أن نقصد بهذه الأمثلة أن نسجل الشح على أغنياء المسلمين وعظمائهم، فإن قائمة التبرعات لنادي العلمين في مصر مثلا لتسجل بكل فخر الرقم القياسي في السخاء لأغنياء المسلمين، وإن صالات باريس وأندية الدنيا الجديدة، وفنادق لندن لتشهد جميعا بالسخاء المفرط لأمراء المسلمين، لا سيما سيوف الإسلام، ونصراء الإسلام...

انهيارالحصن المحطم

كان يوم 22 مارس 1924 هو آخر يوم في حياة الخلافة الإسلامية، حيث قضت فيه نحبها وأسلمت الروح إلى خالقها ونفسها تفيض حسرة وتذوب أسى، فانهار الحصن الحصين الذي صان الإسلام قرونا، وتقوض البناء الشامخ الذي ظل أمدا بعيدا يحفظ له كرامته.

إن المعاول التي تعاونت على هدم هذا الصرح لم ترفعها سوى أيد مسلمة – وإن كانت أصابع الغرب العدو هي التي كانت تحركها في الخفاء – ولم تكن لدى هذه الأيدي المسلمة حجة غير أن الخلافة انحرفت واستبدت ..

وهل من المعقول أن تنحرف الخلافة وتستبد، وهي لم تزد عن كونها رمزا ثابتا تقر به أعين المسلمين، وحصنا صامدا تفزع إليه قلوبهم؟ وما ذنب الخلافة إذا انحرف القائمون بأمرها واستبدوا؟ أما كان الأجدر بهؤلاء الهدامين أن يأخذوا على أيدي المنحرفين المستبدين ليبقى للأمة الإسلامية رمزها وحصنها وهي على الدوام في أمس الحاجة إليهما؟

ولا نكران في ذلك الظلام الذي ساد الخلافة في أواخر أيامها، ولا في انصراف الخلفاء إلى حياة القصور، وتصريفهم الأمور على ضوء تقريرات بطانة السوء والجواسيس النشاط، ولا في أن كل همهم كان منصبا على جباية الضرائب من ممتلكاتها الواسعة لتتخم وتثرى على حساب الشعب الجائع المسكين، أما هذا الشعب فحسبه أن يستمع في المساجد إلى عظات الزهد في الدنيا وملذاتها طمعا في الآخرة ونعيمها ...

ومهما تخيلت من فظائع الفوضى والتعسف والجور والانهيار في عهد أواخر الخلفاء فالحقائق تربو كثيرا عما تخيلت، ولكن لا ينهض كل هذا مبررا ولا يقوم حجة على تقويض أركان الخلافة والتفاني في تمزيقها لأن الخلفاء جاروا واستبدوا – فهل يقر العقل تقويض صرح القضاء إذا جار القضاة .. أو إغلاق المعاهد إذا ضل الأساتذة، أو إلغاء الجيش إذا تمرد القواد، أو تعطيل الأرض إذا اعوج الزراع ...؟

إن الأيدي التي تعاونت في تقويضها كان في استطاعتها أن تقوم اعوجاجها وتصلح ما فسد منها ما دام الإخلاص متوفرا للإسلام وأمته، ولكن العسير هو التوفيق بين الإخلاص وبروق المطامع ونزوات الأهواء ...

إن انحراف الخلفاء، وتعصب الغرب، ومطامع الولاة – هي من أهم العوامل التي أعانت على تقويض أركان الخلافة، فانحراف الخلفاء جعل الفرصة سانحة للغرب لأن يتدخل، ومطامع الولاة كانت حافزا لهم على التآمر والاندفاع بغير تفكير.

كان العداء المتحكم في نفس الغرب المتعصب يدفعه لأن يتسلط على دولة الخلافة تسلط الظالم الحاقد الذي يتأكل قلبه على الأمة القرآنية التي كان لها في التاريخ مكان مرموق، والتي صرعت أوروبا في عدة مواقف وردتها مهزومة محطمة في الأندلس وإيطاليا والآستانة ...

وقف الغرب الغشوم على أقدامه لا يهدأ له خاطر، وهو ينظر إلى الخلافة الإسلامية التي تمتد سيادتها على اليونان وألبانيا ويوغسلافيا وبلغاريا ورومانيا وكريت وقبرص والقوقاز والشام وفلسطين والجزائر ومراكش – والتي تخفق راياتها على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض وقد صار البحر الأحمر بحيرة إسلامية ...

وقف الغرب ينظر إليها كأنها الأسد الهصور، فأبى إلا أن يهجم على الأسد في عرينه ليوهن من عزيمته ويضعف من شوكته، وراح يعد العدة لتمزيق شمل الخلافة وانتقاصها من أطرافها، فأخذ يبعث المؤامرات ويحوك الدسائس في الأرجاء، ويلوح لزعماء الممتلكات ببروق المطامع لتأليب ممتلكات الخلافة على الخلافة ..

وقد تم للغرب ما أراد فقد تجمعت جيوش المسلمين تحت قيادة قواد أوروبا في الحجاز وصوبت ضرباته بغير ما رحمة إلى الخلافة حتى قضت عليها غير آسية ولا آسفة لتتحرر وتتخلص – ولم تمض لحظات حتى أيقنت الدول الإسلامية المتآمرة أنها لم تسلم من نيران المؤامرة، وأنها كانت فريسة الغدر والبلاهة، وأن الحفرة التي حفرتها بمعاول المطامع للخلافة قد سبقت الخلافة إلى التردي فيها .. ففي اللحظات التي كانت فيها ممتلكات الخلافة المتآمرة تحكم تصويب السهم إلى صدر الخلافة، كانت أوروبا تتقاسمها بالقسطاس ...

لقد أسدل الستار على هذه الحرب الصليبية التي شنتها دول الصليب على دول القرآن، وسخرت فيها سيوف المسلمين ليتعاونوا مع الصليب على تحطيم الإسلام ولينزلوا رايات القرآن لتحل محلها رايات الصليب .. وفي نشوة النصر وقف مجرم من مجرمي الاستعمار يقول كلمته التي دوت في آذان المسلمين ...

"إن الحرب الصليبية قد انتهت اليوم"

"وأخيرا – فليس حنيننا إلى الخلافة يجعلنا نرجو تكرار المأساة بإعادة الخلافة – كما يقول المتشائمون من الخلافة – ويعلم الله أن هذا الحنين قد امتزج بالأسى قبل أن يمتزج بالعاطفة، فالضياع الذي لحق الأمة الإسلامية، والانهيار الذي دب دبيبه إلى أرجائها، والتصدع الذي هز أركانها – كل أولئك يحتم على المسلم أن يفكر تفكير الجاد لا الهازل والعازم لا العابث، ويجعل المسلم يرفع كفيه طالبا النجدة وراجيا الغياث ...

ونحن إذا تطلعت أعيننا إلى الخلافة فلا نقصد الخلافة الوراثية الاستبدادية التي تفرض على شعوبها الخضوع قبل أن تنشر العدل – وتفرض التسليم قبل أن تنشر الحرية، وتفرض الطاعة قبل أن تنشر النظام، وتفرض الضرائب قبل أن تنشر الرخاء – أجل لا نقصد الخلافة التي يستحل في حكمها دم من يقول لأميره: لم؟

وتقدم إلى السيف رقبة الناصح للأمير قبل أن يقدم نصيحته بحجة أنه شق عصا الطاعة .. ويصلب صاحب الرأي الحر قبل أن يبدي رأيه بحجة أنه مثير للفتنة وعامل على تفرق الكلمة.

وإنما نريد الخلافة التي تعيش رعيتها في كنفها سواسية كأسنان المشط، وتمنحها حرية الرأي كما تمنح النسيم العذب، والتي يجعل خليفتها أو الأمير من أمرائها من نفسه خادما لرعيته، لو ضاع عقال بعير داخل حدودها لخشي أن يسأله الله عنه، لأنه مسئول عن الأمن، ولو عثر بعير في طريق لخشي أن يسأله الله عنه لأنه مسئول عن إصلاح الطريق، والتي يستطيع أحد رعاياها أن يقول لخليفته أو أميره: اتق الله – لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ...

التراث المعطل

حين نتكلم عن التراث الإسلامي، فإنما نقصده كاملا وافيا لا جمود فيه ولا غموض، ينهض بالأمة ويخطو بها نحو المجد، ويرقى بها في مدارج الرقى – نقصده نظاما يسعد الأمة الإسلامية في عيشها، وقانونا يهبها الأمن والاستقرار في حياتها.

لا تسأل لم أوقف نظام الإسلام وعطل قانونه؟ ولكن سل المسلمين لم تنظرون إلى هذا الاعتداء نظر المغشي عليه؟ تتمتمون بشفاهكم وألسنتكم لا تنطق وقلوبكم لا تتحرك ...

أي جواب يجيب به المسلمون، وأي عذر يقدمونه، إذا ما وقف الإسلام منهم موقف الخصم يوم الحشر وقال: رب! هؤلاء قومي عشت بينهم حائرا .. أضاعوني أيما إضاعة، وتهاونوا في أمري أيما تهاون ... خذلوني حيث تلزمهم نصرتي، وتولوا عني حيث يجب عليهم الوقوف بجانبي ...

أوقف نظامي رغم أنوفهم وعطل قانوني استخفافا بشأنهم، كانوا يثورون إذا سلبت أموالهم أو هضمت حقوقهم أو مست كرامتهم – ولكنهم لم يثوروا عندما عطلت حدودي وشوهت مبادئي واعتدي على أنظمتي، ونسوا أني أحق من دمائهم وأموالهم.

لعلهم يقولون: إنه الاستعمار .. وإنها الحكومات .. فيكون العذر أقبح من الذنب والحجة أوهى من بيت العنكبوت فلم ذللتم بأيديكم الطريق للاستعمار؟ لم لم تصرخوا في وجهه وقد غزاكم في عقر دياركم، ووطئ بنعاله حرماتكم حتى يرد على أعقابه ناكصا فتحيوا حياة طيبة وإلا متم ميتة أبية مكرمة ..؟ وأما الحكومات فلم واليتموها وهي الظالمة؟ ولم أبدلتموها باعتدائها طاعة وانقيادا وهي المتمردة؟ ولم لم ترغموها على إقرار أنظمتي وهي البادئة؟

ولعل البعض يلمس في هذا الحوار التواء في الأسلوب وهربا من المسئولية، والواقع أنه ليس هناك ما يدعو إلى الالتواء ولا إلى الهرب، لأن هذا هو الحق الذي أومن به – والحق بلا ريب – فوق كل قوة وفوق كل حكومة، إن المسلمين قد ضرب بنظام دينهم وقانونه عرض الحائط وهما من لدن حكيم عليم، وهم لا يثورون ولا يتحركون بل إنهم صابرون جبنا وساكتون ضعفا، لا حمية على دينهم تأخذهم، ولا غيرة عليه تحركهم، وإن كان لا يفوتهم السخط باللسان والإنكار بالقلب والتمتمة بالشفاه.

وتكاد تذهب نفسك حسرات إذا حاولت أن تثير الحمية الدينية في المسلمين، فإنك لسامع أجوبة متفقة مهيأة:

"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه .."

ولهم في هذا الميدان تفسيرات أكبر الظن أن تقاعدهم وضعفهم هما اللذان صوراها لهم، لا "يا سادة" ليست المسألة مسألة منكر كالغيبة والنميمة وشرب الخمر ولعب الميسر حتى تقنعوا بأضعف الإيمان – وإنما المسألة مسألة دين معرض للضياع وقد أخذ عليكم نصرته وعدم التخلي عنه ولو تخلت رءوسكم عن أبدانكم ...

وهذه الحكومات الإسلامية لفظا .. لم لا يضطرها المسلمون إلى تحديد موقفها من الإسلام .. فإما أن تكون مقتنعة بأنه دين صالح لإسعاد دولها - إذن فلم تهمل نظامه وتعطل قانونه؟ وإما أن تكون غير مقتنعة فعندئذ يحتم على الشعوب الإسلامية في بقاع المعمورة أن يروا لهم رأيا .. لأن القضية قضيتهم، وكما تشغلهم قضايا الحياة الدنيا شهورا وأعواما، فقضية دينهم أحق ...

أما كون المسلمين يقنعون من الإسلام بصلوات يؤدونها لا خشوع فيها، وشهر يصومونه كل عام لا بركة فيه، ويكتفون من القرآن بتلاوة آياته تلاوة لا تتجاوز حناجرهم، وقراءة سوره قصد البركة – فهذا ما لا يليق بالإسلام الذي جاء لإقامة دولة حية ذات مصحف وسيف، ولا يليق بالقرآن الذي أنزل ليكون منار الدولة تهتدي بهديه، وتسير على ضوئه.

إن المسلمين لن يعفيهم من عقاب الله ونقمته أن يلقوا التبعة على العلماء ورثة الأنبياء، فليس الإسلام دين العلماء وحدهم ولا الزعماء وحدهم ولا الأمراء وحدهم – وإنما هو دين المسلمين جميعا وهم المسئولون عن ضياعه وإهدار حقوقه أمام الله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه – فأما الذين اسودت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون – وأما الذين ابيضت وجوههم، ففي رحمة الله هم فيها خالدون ...  

الأخوة المضطربة

كلما اعتورت الأمة الإسلامية المنكوبة المحن، وتأججت بين أرجائها نيران الفتن، وكلما ادلهمت عليها الخطوب وتألبت عليها المصائب، تطلعت الأعين إلى الأخوة الإسلامية، وأرهفت الأسماع لصوتها، ولكن هيهات أن يرى لها شبح أو يسمع لها صوت ...

إذن، فأين هي الأخوة الإسلامية اليوم .. لقد أطاح بها الدهر كما أطاح بقوم عاد وثمود .. وما أطاح بها حقيقة غير أولئك الذين تصدوا لقيادة الأمة الإسلامية فقادوها إلى موارد الهلكة والضياع، وباعوها بأبخس الأثمان .. وسلموها لعدو ظالم لا يعرف العدل، مستبد لا يعرف الحق، نذل لا يعرف الرحمة ..

إن من المجازفة أن نضيع الوقت في محاولة التماس الأخوة الإسلامية اليوم، لأن المطامع والأهواء والأثرة والأنانية التي يتمتع بها قادتنا وزعماؤنا تجعل الأمل القريب سرابا والجائز الممكن مستحيلا ...

إن لنا من ماضينا وحاضرنا عبرة – فحكيم الشرق الثائر – جمال الدين الأفغاني – حاول ربط الأمة الإسلامية برباط واحد ليجعل منها أمة حية ذات وضع وكيان، وعبأ لدعوته كل جهوده، ووهبها كل وقته وراحته وعقله وتفكيره، وراح ملوك الدول الإسلامية ورؤساؤها يتنافسون في دعوة حكيم الشرق إلى بلادهم، لعل كلا منهم ينال المكان المرموق في الجامعة الإسلامية المنشودة.

ولا يكاد يحس الواحد منهم بأن قوة إيمان الحكيم الثائر لا تجعل من دعوته مطية إلى نيل مطمع أو تحقيق هوى، حتى ينقلب عليه، وبقدر ما استقبلته بلاده من الحفاوة والتكريم تودعه من الإهانة والسخرية، وبقدر ما تضفي عليه عند قدومه من صفات الإخلاص والشجاعة تكيل له عند رحيله من عبارات الخيانة والنفاق – وليس لدى الملوك حجة في طرد المجاهد الصادق من بلادهم إلا اتهامه بالزندقة والمروق والإلحاد ..

مما يثير الشعب المسلم الجاهل عليه .. وبارك الله في العلماء ورثة الأنبياء الذين لا يتهاونون في تقديم الفتوى تطوعا .. وكان من الطبيعي أن ضاعت محاولاته سدى لأنه لم يستجب لمطامع السادة، وقضى نحبه والحسرة تكاد تشغله عن سكرات الموت، وأغلق جفنيه الإغلاقة الأخيرة وشفتاه ترددان: لا أخشى على المسلمين إلى من المسلمين ...

وحاضرنا مزدحم بالشواهد، وأبرزها "الجامعة العربية" التي خلقتها الظروف الدولية فشيدها "إيدن" وباركها "روزفلت" وشرب لعبتها العرب الأبطال، فقلنا لعلها للعرب نصرا وعلى الغرب حسرة، ثم توالت الأعوام فإذا عواصف المطامع تجعل من البناء الشامخ شبحا مضطربا وشيك الانهيار ..

الملك الهاشمي المنتسب إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ثائر، لأن صبره عن تحقيق مشروع سوريا الكبرى قد نفد، والعراق من وراءه تشجع ثورته ..

والجامعة العربية تهدده بالفصل إذا هو ضم العظام المتبقية من الذئب اليهودي من فلسطين الفريسة، وسوريا ولبنان تقطعان العلاقات بينهما خشية أن تتأثر بانقلابات سوريا، ومصر والعراق تتبادل كل منهما منع طائرات الأخرى من نزولها في مطاراتها، والعراق يكشف حقيقة مصر بأنها دخيلة على العرب، وسوريا تتهم مصر بأنها تفرض عليها الزعماء تنفيذا لخطة إنجليزية مدبرة .. وما إلى ذلك من المهازل التي تواريها عن العيون العمى تصريحات أمين الجامعة:

إن الجامعة على أتم وئام ووفاق ..

إذن فمحاولة إيجاد رابطة أخوية بين دول الإسلام ضرب من المخاطرة إذا حيكت بصورة رسمية وتقدم الملوك والأمراء والزعماء ليباركوا هذه الرابطة – والشعوب وحدها غير كفيلة بالقيام بأعباء هذه المهمة لأنها شعوب ركنت إلى الذلة والضعة، وطاب لها أن تعيش أغناما تساق أو عبيدا يرهبون بالسياط.

إذا استغنت الأمة الإسلامية عن كل شيء فلن تستغني بحال من الأحوال عن الأخوة التي تربطها وتشد أزرها – والمهمة سهلة إذا استطاعت الشعوب الإسلامية أن تخلق نفسها خلقا آخر، وتبدأ صفحة جديدة في العصامية والاعتماد على ذاتها، والتحرر جهد المستطاع من الشعوب بحاجتها إلى حكوماتها، فإن قوة الشعب تجعل من حكومته وسيلة من وسائل خدمته والسهر على راحته، وضعف الشعب يجعل من حكومته سادة يبيعون فيه ويشترون كقطائع الأغنام أو كتائب الرقيق ...

فإذا دب الوعي الإسلامي في الشعوب الإسلامية، وعز عليها أن تسام بلادها الخسف والهوان، وأوحى إليها الاستعباد والاستبداد الغيرة الملتهبة – كان من السهولة أن يمهد لرابطة أخوية قوية يدعمها الإخلاص والصدق ونكران الذات ..

وتستطيع هذه الرابطة بعدئذ أن تجمع شتات المسلمين في الأرض، وتلم شعث الأقليات المبعثرة في أرجاء العالم، والقطائع المطمورة في مجاهل المعمورة، وتستطيع أن تعيد الحياة في النفوس التي قضى عليها تخلف الأمة الإسلامية عن ركب الحياة، وتبعث الأمل في القلوب التي أذابها تردي الأمة الإسلامية في أسفل الدركات...

عقبات:العدو الرابض

"لقد أصبحنا نعتقد أن أوروبا تحارب المسلمين كافة، - وبدون استثناء – حربا صليبية في شكل سياسي، والدليل على ذلك أن أوروبا قد حررت في القرن التاسع عشر أمما مسيحية عديدة، ولم تحرر أمة مسلمة واحدة.

وإننا نرى أن إنجلترا لا تعمل ولا تتأثر إلا بالجرائم والمذابح فهل تريد أن يستعمل المسلمون أيضا هذه الأسلحة البربرية لينالوا حريتهم وخلاص وطنهم؟

ولقد أصبح من الأمور البدهية – بل من الحقائق التي لا تنكر أن أوروبا إذا تساهلت وتركت الإنجليز في البلاد الإسلامية، كانت الحافرة بيدها أعمق هوة دولية، والمعرضة بنفسها منافعها للخطر" مصطفى كامل.

لم يكن لنا أن نقول شيئا إلا بقدر يسير، بعد هذا التقرير الموجز الشامل الذي نطق به وطني مصر الأول، وزعيمها الصادق من أعماق نفسه، وليس لدينا ما نقوله غير أن هناك إسلاما، وهنالك عربا، وأن الغرب هو العدو اللدود للإسلام، يتربص به الدوائر، ويقعد له كل مرصد، ويقف عقبة كأداء في سبيل رسالته، لا يسره أبدا أن تقوم له دولة، أو تكون له صولة، أو يسمع له صوت ...

استنطق دول الإسلام دولة دولة، تحطك بتعصب الغرب الأحمق المشتعل في قلبه، وكيده الدنيء المضطرم بأحشائه .. إن مطيتي الغرب (أو الاستعمار) هما قرتا آسيا وأفريقيا، لا لشيء سوى أنهما حاضنتا الإسلام وفيهما شع نوره، وباسم المروءة والخدمة الإنسانية يبث الغرب الجشع فيهما مبادئ الاستعمار، فالمدارس التبشيرية والكنائس الدينية، والأندية الثقافية كلها مؤسسات تمهد للاستعمار قبل أن يحل، وتدعم أركانه عندما يستقر.

وليتها تقنع بجنوبي أفريقيا ومجاهل آسيا لتضيق على الإسلام في البقاع التي حل بها، ولتقيم دونه سدا منيعا في البقاع التي لم يصل إليها، ولكنها تأبى إلا أن تؤدي رسالتها في حواضر الدول، والويل كل الويل لمن يمسها بسوء من المسلمين الأغيار، ولو أن خطرها مقصور على بث دعايتها الدينية أو الطعن في رسالة الإسلام وتشويهها لهان الأمر، فإن لها مهمة أسمى، فقد حدث مثلا (أيام مفاوضة صدقي – بيفن)

أن أوحت هذه المؤسسات إلى أذهان بعض عناصر الأقباط – لا سيما الشباب منها – أن الجلاء عن وادي النيل خطر يستر وراءه أوخم العواقب لطوائف الأقباط، وكان أن اتخذت دورها أماكن لاجتماعات طوائف الشباب القبطي لتوقيع عرائض إلى وزارة الخارجية البريطانية بأنهم لا يوافقون على الجلاء، لما يحجب وراءه من خطر يهدد حياتهم ومصالحهم، وكان من الطبعي أن يمد (بيفن) رجليه ليقول لصدقي باشا: كيف تطلبون الجلاء ومنكم من لا يرغب فيه ...؟

وما لنا نذهب بعيدا، وها هي ذي جمعية الصليب الأحمر، إنها ملاك رحمة يخفى تحت جناحيه شيطانا رجيما، ونعجب عندما نرى نشاطها بارزا في الحروب التي يكون أحد طرفيها دولة مسلمة لتؤدي واجبها نحو الجبهة المعادية، ومن بينها التجسس على حركات المسلمين، كما حدث في ثورات المغرب ومأساة فلسطين، وحسبك أن تعلم أن (برنادوت) الجائر الطاغية كان رئيسا لجمعية الصليب الأحمر إبان حرب فلسطين ..

وأخشى إذا نحن استعرضنا تعصب الغرب أن ننسى إنجلترا فننسى كل شيء – فهي زعيمة كل كيد للإسلام، ومدبرة كل مؤامرة عليه، وهي اليوم في دولة مبعث كل فتنة وأصل كل محنة، لا تطأ أقدامها أرضا حتى تسبقها الفوضى والقلاقل والاضطراب ..

إن إنجلترا هي بمثابة الرأس للعدو اللدود الذي تكتلت دول الغرب في جسده، وإن هذا العدو لهو بمثابة الشوكة في حلق الأمة الإسلامية، ومن المؤلم أن تظل هذه الأمة العريضة مستعذبة لهذه الشوكة دون أن تعمل حتى على زحزحتها – ولو قليلا، وأخشى أن تظل هذه الشوكة ثابتة في حلقها ما دمنا نعتمد على المفاوضات والمساومات والمراوغات –

وإذا كنا نرى إنسانا قد وقفت في حلقه شوكة يقبل مفاوضة الطبيب في إخراجها، أو إنسانا غريقا يصارع الموج يقبل مساومة المنقذ في انتشاله، أو إنسانا في الخلاء التهمت النار كوخه يقبل مراوغة صاحب الساقية في مده بالماء ..

فبم نتهم هؤلاء؟ إنها لتهمة يسيرة .. إذا نحن اتهمناهم بالخبل والبلاهة والغباء ..وتستطيع أن تستسيغ كل شيء من الغرب – إن راغما وإن راضيا – ولكنك كيف تستسيغ تفكير ما نطلق عليهم "عشاق الغرب" من أبناء المسلمين ...؟

إن المرء الذي يشيد بعدل عدوه الجائر وبرحمة مستعبده المتجبر، للموت خير له من الحياة، ولبطن الأرض خير له من ظهرها .. عشاق الغرب لا يخجلون أن يشيدوا بديمقراطية الغرب التي لا تتعدى حدوده، وإنسانيته التي لا تخرج عن دياره، وينسون أنه باسم ديمقراطيته تمنح دول المغرب الإسلامية إيطاليا وفرنسا وأسبانيا وإنجلترا.

وباسم ديمقراطيته يضع الإنجليز نعالهم فوق هامتي العراق والأردن، وباسم ديمقراطيته يلتهم الهندوك كشمير بين عشية وضحاها، وباسم ديمقراطيته تستحل هولاندة استعباد سبعين مليون مسلم في أندونيسيا .. وباسم ديمقراطيته تبسط أمريكا نفوذها على تركيا وإيران والأفغان واليمن والمملكة السعودية مهبط الوحي!

وأخيرا .. وليس بآخر فباسم ديمقراطيته .. تستعبد إنجلترا المصريين وتحتل ديارهم ومنذ سبعين عاما ..وينسون أيضا أنه باسم إنسانية الغرب دارت رحى المذابح في الهند والقوقاز والبلقان، وباسم إنسانيته ألقت طائرات إيطاليا وأسبانيا الديناميت على الشعب المغربي الآمن، وباسم إنسانيته شرد عرب فلسطين وأخرجوا من ديارهم – بعد أن مثل بشيوخهم وأطفالهم واعتدى على أعراضهم – فاستهدفوا لعواصف الجوع والعراء ...

أما كيف نتخلص من هذا العدو المتمكن فأقول لك: نريد أولا شعبا يعرف قدر نفسه فيتقوى، وكرامته فلا ينافق، ونريد ثانيا قادة يتفانون في خدمة الوطن لا في الوصول إلى الحكم، ويتسابقون إلى نصرته لا إلى كراسي الحكم ..

ونريد ثالثا: صحافة لا تساوم ولا تفاوض ولا تقبض الثمن .. ولك بعدئذ أن تسأل عن العدو كيف تلاشى وتقهقر وولى الدبر ...

الحزبية العمياء ...

إن الغرب الاستعماري الجشع استطاع أن يثبت دعائم الاستعمار في البلاد التي احتلها على أكتاف زعمائها، وأن يجد بواسطة أبنائها مسوغا لبقائه والتدخل في شئونها، ألقى إلينا بداء الحزبية البغيضة زاعما أنه دواء لإيقاظ الوعي في الشعوب، ويؤيد زعمه بأن هذا الدواء لا يخلو منه دولة من الدول الغربية الراقية–

هو مؤمن كل الإيمان بأن هذا الدواء الذي استطاع أن يظل دواء في بلاد الغرب الناهضة المستقلة الحرة، سيكون بلاء في البلاد الشرقية الإسلامية المستعمرة المستعبدة، يفرق كلمة الأمة ويمزق صفوفها ويقيم صرحا من الفولاذ يبقى فيه الاستعمار مرفوع الرأس بحجة المحافظة على الأمن والاستقرار وحراستهما من الفوضى والاضطراب ..

هذه الأحزاب المتعددة في كل دولة لا خير فيها ولا فائدة مرجوة منها، فهي لا تلد إلا أضرارا، ولا تثمر إلا شرورا، ولا تنتج إلا فتنا، ولو لم يكن من سماتها غير تسابها في غير ما حياء، وبذاءتها في غير ما خجل –

ولو لم يكن من ثمراتها غير الضغائن تزرعها في النفوس، والإحن تغرسها في الصدور لكان ذلك كفيلا بأن ينفر العاقل منها نفوره من الفاقة، ويسحقها الوطني الصادق بنعله ليطهر الوطن من أرجاسها، إذا سألت عن أهداف الأحزاب جميعها وجدتها متفقة، إذن فلم التعدد وعلام الاختلاف؟ إنها الأثرة والأنانية، وشهوة المناصب وكراسي الحكم؟

تعدد الأحزاب يستفيد منه المستعمر الغاصب وحده، فهو الذي بيده الحول والطول، وهو الذي يقدم هذا الحزب إلى منصة الحكم ويؤخر الأحزاب الأخرى، ولن ينال حزب رضاه إلا إذا برهن على الإخلاص والولاء له، وجنات المستعمر لا يخشى صوت الأحزاب أبدا، فقد يقوم الحزب المعارض بدور من "التهويش" ويبالغ في الثرثرة إلى حد الطيش.

ويوهم بإيقاظ الشعب وإثارته، ويبتسم المستعمر سخرية ويمهد الطريق له إلى الحكم، ليعمل مخدرا ومسكنا ومضللا ومزيفا، وليتولى من جديد قتل الحريات التي كان بالأمس ينادي بإطلاقها – وربما خيل إليك أننا أعطينا المستعمرين صفة أصحاب العروش في بلاد غير بلادهم، والحقيقة أن هناك استعمارا صريحا واستعمارا "مؤولا" فهم في بلاد النوع الأول أصحاب عروش حقيقة لا خيالا، وسادة لفظا ومعنى، يأمرون وينهون ويحلون ويربطون ويشترون ويبيعون، أما في بلاد النوع الثاني فهم أصدقاء صداقة الند للند والرأس للرأس غير أنهم أذكياء، علمتهم الأيام أن التدخل السافر في البلاد التي اقتنعت شعوبها بأنها مستقلة –

وهي لم تنل من الاستقلال غير اسمه حسبها أن تترنم به – يعتبر مواجهة لشعوبها، ولا يشق على المستعمرين إلا مواجهة الشعوب، فهم يتدخلون ولكن في غير سفور، ويأمرون وينهون ولكن من وراء حجاب، ولقد بلغ الاستعمار من السياسة منزلة يحسد عليها.

فالمستعمرون في البلاد المستقلة لفظا لا يؤمنون الآن بالسفور في التدخل، ولا يرتاحون لزيارة سفيرهم رئيس الحكومة يأمر وينهى في قالب نصيحة، فتثير زيارته الأحزاب المعارضة، فارتضوا أخيرا أن تلقى المهمة على عاتق صحافتهم في الخارج، ويصاغ الأمر والنهي في قالب التوجيه والنقد السياسي النزيه على طريقة .. واسمعي يا جارة .. وقد يكفي خبر قصير – لإقصاء حزب وإدناء آخر – تنشره جريدة استعمارية .. بأن لندن مثلا غير مستريحة لكذا وكذا ...

هذه الأحزاب المتعددة نشأت تنشئة هزيلة، ومما يزيد في هزالها أنها لا تستمد قوتها من قوة الشعب، اللهم إلا إذا كنا نعتبر الشعب ممثلا في طبقة المأجورين الهتافين الذين تجمعهم أندية الأحزاب من الأزقة والشوارع وأسوار الحدائق، لتدوي صيحاتهم ولترتفع عقائرهم كلما احتاجت الأحزاب إليهم، وإنما تستمد قوتها من حفنة من الأثرياء الذين تصير الأمور إليهم إذا أقبلت الدنيا على أحزابهم، والذين يطلب منهم أن يشعروا بفقر الشعب وخزاناتهم مكتظة، وبجوعه وبطونهم متخمة، وبتشريده وقصورهم تتحدى السحاب ...

وليس من العدل أن نتجاهل وفاء هذه الأحزاب، فالحزب إثر توليته الحكم يشغله شاغلان أساسيان: أحدهما رسم سياسة محكمة يموه بها على الشعب ويخدر، والآخر كتابة تقرير واضح شامل عن الأنصار والمخالفين، لتقريب الأولين والإغداق عليهم بغير حساب، وإقصاء الآخرين والتنكيل بهم بلا ميزان ...

وليس من الحق أن نغمط إخلاص الأحزاب للبلد الذي تعيش فيه على حسابه، فالحزب الحاكم لا يقبل نصيحة المعارضة ولو نطقت بإخلاصها، ولا يستنير برأيها ولو كان فيه انتشال الوطن من وهدة الشقاء، وكذلك المعارضة، لا تقر الحزب الحاكم ولو كان على حق، ولا تعترف له بفضل ولو رفع الوطن من الحضيض، ونثر على أرضه الذهب والفضة ...

وأخيرا – فلنا أن نضحك قليلا مع المجالس النيابية، ولا نسأل: كيف توزع كراسيها أو تباع، ولا ممن يتألف أعضاؤها: من طبقة الهتافين، أو أثرياء الحرب أو أصحاب العصبيات، ولا ما مهمة هؤلاء، أهي الثرثرة الجوفاء، أم تحريك الرءوس وإطلاق عبارات الموافقة والاستحسان ...

العصبية الجهلاء ...

إذا كان من شرور الحزبية أن تفرق الكلمة وتمزق الوحدة وتورث الضغائن – فإن من شرور العصبية أن تقتل الشجاعة الأدبية وتوهن الروح المعنوية وتنمي بذور الهمجية والفوضى.

لا يكاد يسلم بلد من بلدان المسلمين من أقوام اطمأنوا إلى كثرة عددهم وكثرة عصيهم وسياطهم، فراحوا يفرضون سيادتهم على البلد فرضا، ويأبون إلا أن يكونوا لسانه الناطق وقلبه النابض ورأسه المفكر وعقله المدبر ..

ولسنا ندري بأي وجه نطلب من الشعب أن يصيح في وجه الاستعمار إذا كان مهددا من الداخل باستعمار العصبية الحمقاء، وكيف نطلب منه أن يتحرر وهو مقيد بقيود العنجهية البغيضة، وكيف نطلب منه أن ينال حريته وهو لم يذق طعم الحرية بين جدران مساكنه حتى يعرف قيمتها فيبذل دماءه من أجلها ..

إن العصبية تحجب الكفاءة والموهبة والنبوغ، لأن أصحاب العصبيات علموا الشعب أن يقول: ابن من هو؟ - قبل أن يقول: ما كفاءته ...؟ كثيرون في أوروبا وأمريكا لم تحل دون وصولهم إلى أرقى المناصب كون آبائهم مكارين أو صيادين أو كواءين، أما في بلاد المسلمين فالنسب له دخل كبير في إبراز الشخصيات ولو كانت أجهل من الدواب – إن العصبية لا يستقر معها العدل والمساواة، فلم يزل في بلاد المسلمين أسر ذات سياط، وهي صاحبة الحل والربط في بلادها، وإلى أين يتوجه الضعيف الأعزل إذا لفحت وجهه هذه السياط، وهو يعلم أن لها سادة منهم النائب والوزير ..

لن يمهد الفقر وحده للشيوعية في بلاد الشرق الإسلامي، فهناك مزاحم آخر هي العصبية، فلنعط الفقير حريته، ولنكفل له صون شخصيته من الذلة والهوان والاستخفاف، قبل أن نزيل فقره ونشبع بطنه، إن العصبية كانت أولى العقبات التي اعترضت طريق الإسلام فحطمها، وهي اليوم تحتل مكانة مرموقة بعد أن تلاشى نفوذ الإسلام، لقد وجد الإسلام في عصره الأول من يقول:

كلكم لآدم وآدم من تراب، الناس سواسية كأسنان المشط، ومن يأمر سوقة ليلطم أميرا اقتصاصا، قائلا للأمير عند احتجاجه: إن الإسلام قد سوى بينكما – ولكنه لا يجد اليوم من يرد الرعاديد عن غيهم، والعصبية اليوم هي عقبة العقبات في طريق نهضة الشعوب، ولكن أين يوجد الذي يحطمها فيقطع اليد التي تمتد لتسلب إنسانا حريته، أو ترفع لتلطم خدا، أو تشهر السوط لتلفح وجها – ويصرخ في وجوه السادة: لا سادة ولا عبودية، ولا نعرة ولا عنجهية، ولكنها المساواة والأخوة الصادقة ...

آلام:تقاعد وتخاذل ..

إن التقاعد الذي منيت به الأمة الإسلامية منذ أمد هو الذي ألبسها ثوبا من التخاذل حطم نفوسها وطأطأ رأسها وأرغم أنفها ..

فهل كان في استطاعة محمد – صلوات الله وسلامه عليه – أن يقيم دولة بغير جهاد؟ وهل كان في استطاعة المسلمين الأول أن يفتحوا في نصف قرن ما يحير كبار الفاتحين، لو أنهم اكتفوا بالصلوات والتسبيحات والدعوات المباركات ..

بدأ ظل الأمة الإسلامية يتقلص وسلطانها ينكمش، ومجدها يتلاشى، عندما آثرت التقاعد على الجهاد، والانزواء على النضال، والقبوع على الكفاح، وكان من جراء هذا أن استسلم أبناؤها لحياة الدعة والخمول..

والأمة التي تود أن تعيش بغير جهاد أشبه في مكابرتها بالطائر الذي يحاول الطيران بدون جناح، والإسلام حين كتب الجهاد على أمته، فإنما أراد لها أن تظل حية لا تمتد إليها يد الفناء – ولم يكتب الجهاد عليها إلى أمد محدود، لأنها ستبقى إلى أن يرث الله الأرض، ولأن ملازمة الجهاد ضروري لتتخذ منه سياجا يصد عنها غوائل الدهر وحادثات الأيام ..

عجيب أمر الأمة الإسلامية اليوم .. تعلم أن التاريخ ليشهد لماضيها الأول بأروع الأمثلة في البطولة والتضحية، يوم أن كانت تجاهد لنشر كلمة الله، ولتوسيع رقعة دولتها فيتسابق شبابها وكهولها وشيوخها إلى الموت كالأسود تتسابق إلى الفرائس، ويندفعون إليه كاندفاع السهم إلى الهدف، ويتهافتون عليه تهافت الأسير على نسائم الحرية، ويصول أحدهم وسط المعمعة وهو يقول:

إني لأشم رائحة الجنة، حتى إذا خر صريعا قال: هذا يوم الفرح الأكبر، ويسمع أحدهم داعي الجهاد فيلقى بتمرات كن في يده وهو يقول: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة ..

ويحتضر أحدهم على فراشه – ولم يفز بالشهادة في سبيل الله رغم ما أحرزه من نصر لجيوش المسلمين في زهاء مائة موقعة – فيردد عبارات الأسف: هأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء ..

وهذه الأمة الإسلامية التي تعلم عن ماضيها ذلك كله ترى رأي العين، ما حاق بحاضرها: من عبودية في كل شبر من أراضيها، واستبداد بكل شعب من شعوبها – ولسنا ندري متى تبدأ تحرر أوطانها وترد لها اعتبارها؟ وإلى متى تظل عربة يجرها قطار إحدى الكتلتين .. وإلى متى تظل قطاطا تنتظر فتات الموائد .. وإلى متى تظل عالة تتكفف الدول الكبرى ...؟

شباب اليوم يسمعون مثل هذا القول فيقولون ذلك: ما هذا الهراء ..؟ أين نحن من الدول الكبرى؟ لا بد لنا من أن نرتبط بإحدى العجلتين، لتكون لنا القوة والناصر إذا حاولت الأخرى أن تدوسنا ..

ولا يسعك إلا أن تضرب كفا على كف، فإن فقدان الثقة في النفس وعدم الاعتداد بها، لهما أشد خطرا على الأمة من فقدانها عدتها، وإن أمة هذه حال شبابها لهي أمة ليست جديرة بالحياة ..

هؤلاء المعوقون يعلمون أن الأمة الإسلامية يجب أن تظل أمد الدهر أمة حية لها كيانها، وأنها مكلفة بإعداد القوة التي تحفظ لها كرامتها، وأن في استطاعتها في أية لحظة أن تتلافى تفريطها، فتعيد بقوتها مجدها وتسترد حريتها، فأصغر دول أوروبا، والتي كانت من قبل إحدى ممتلكات هذه الأمة الإسلامية

أصبحت ذات شوكة يحسب لها حسابها، ولو أن الأمة الإسلامية نفضت غبار الدعة واستعذبت الكفاح في سبيل مجدها، لما عانت ما تعانيه اليوم من آلام، ولما لجأت إلى استجداء الأمم الطاغية، والهيئات الجائرة، وإلى التطفل على موائد الحكام التي أقيمت على أعمدة الباطل لاسترداد حقوقها وحرياتها، إنه لمن دواعي الأسف ألا يتجه تفكير الأمة الإسلامية إلى الجهاد والنضال، وما ذلك إلا لأن فيها مشقة على شعوبها التي اطمأنت إلى الحياة الدنيا –

والمستعمر الأجل لم يفته أبدا أن يساهم بنصيب الأسد في إقعاد الأمة الإسلامية عن الجهاد، فخططه التي رسمها لدولها المستضعفة تجعل الشعب في واد والحكومة في واد، ولماذا يفكر الشعب وله حكومة تزعم أنها مسئولة أمامه؟

والحكومة لا تفكر إلا بتفكير سادتها المستعمرين الأخيار، وكأن المستعمر عز عليه ألا يسخر من الحكومات والزعماء، فراح يوحي بإنشاء منظمات منها الجامعة العربية مثلا، وما يقصد بها إلا تلهي الشعوب والحكومات معا، وتضياع الأوقات وتفويت الفرص، ولست في حاجة إلى التنقيب في (دوسيه) أعمالها.

فما أغناك عن قراءة مئات التصريحات والقرارات عقب الاجتماعات، ولك أن تسأل أين الجامعة العربية اليوم؟ لنقول لك إنها في جهاد مستمر لا من أجل العروبة والإسلام، ولكن من أجل القضاء على الشيوعية استجابة للسادة المستعمرين...

والمؤلم أن جهادها الشيوعية من أجل الديمقراطية الواضعة نعالها فوق رقابنا، ينم عن منتهى الإخلاص الذي دفع ملك الحجاز إلى المطالبة بإبعاد (الدواليبي) وزير اقتصاد سوريا لأنه صرح بقوله: لأن نكون جمهورية سوفييتية خير لنا من أن نكون مستعبدين لأمريكا وإنجلترا ...

ويعلم الله أن نعال روسيا – إذا أخلصت في معونتها – لهي أفضل لدى الشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها ألف مرة من إنجلترا الفاجر، وأمريكا العاهر، وفرنسا المخنثة ...

إقصاء وإبعاد ..

إن الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك، وكلاهما مرتبط بالآخر وقائم عليه، وللهدف الأول كافح الإسلام في بادئ دعوته، حتى قوض صرح الوثنية وأقام على أنقاضها صرح التوحيد، ونقل البشر إلى أخلاق وعادات تتفق والعقيدة السليمة الجديدة، وللهدف الثاني أسس أمة حية ذات أنظمة وقوانين، رمزها المصحف والسيف، لتصون صرح العقيدة، وتحيا حوله حياة عزة وكرامة ...

هكذا ظل الإسلام يقطع المنهج الذي رسمه لنفسه منذ إشراق شمسه، حتى جاء الوقت الذي أخذ فيه على غرة، فأقصي وأبعد، واختيرت له المساجد ليبقى نزيلها يعمل بين جدرانها لا يتعدى عتباتها إلى ميدان الحياة .. وكأنه خيف أن يكون في هذا الإقصاء مصادمة للشعور فمنحت دولة كلمة ترضية:

"وهي الاعتراف بأن دينها الرسمي هو الإسلام" وهكذا كما يمنح المستعمر الدول المستعمرة لفظة الاستقلال لتتحلى صدورها بحروفها .. وفي حدود كلمة الترضية تجعل الدولة العطلة الرسمية يوم الجمعة، وتحتفل بالمولد النبوي وذكرى الهجرة وتوديع المحمل واستقباله .. وكفى، ولها بعد ذلك أن تسمح بفتح الحانات والمراقص وبيوت الدعارة وأندية الميسر، وتجيز التعامل بالربا، وتستمد قوانينها من التشريع الفرنسي أو الروماني ..

ولئن كانت الشعوب الإسلامية قد ارتضت لفظة الترضية – إن طوعا أو كرها – فإن هناك خفافيش مسلمة تنادي بحذف كلمة الترضية، ووجوب فصل الدين عن الدولة، ويظهر أن هذه الخفافيش لا تطن إلا نهارا حيث لا تبصر، وإلا فأين هي الرابطة التي تصل الإسلام بالدولة حتى تنادي بقطعها؟

وأنت إذا جاريتها في خيالها وطالبتها بالحجة قالت لك على الفور: إن أوروبا قد فصلت الدين عن الدولة، وتأخذك الحيرة لهذا المنطق الذي هو أشد اضطرابا وعقما من منطق عبدة الأوثان عندما كانوا يقولون: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون:

فهو اعتزاز منهم بتراث آبائهم – أما هذه الخفافيش فلسنا ندري سر اعتزازها بأمم لا تربطنا بها إلا روابط استعمارها لأوطاننا واستعبادها شعوبنا، واعتدائها على حرياتنا! وقد تأخذك الشفقة فتصرخ فيها:

أيتها الخفافيش الحمقاء، اقبعي في خرائبك، فإن أوروبا مسيحية، والمسيحية عقيدة فحسب، ما كان لها أن تتدخل في شئون الدولة لأنها لم تهيأ لهذا – أما الإسلام فهو عقيدة وقانون متصلان اتصالا وثيقا وكلاهما معتمد على الآخر لتنتظم بهما حياة الأمة، وقد تكابر الخفافيش فتقول لك: إن عدم الفصل بينهما يوجد مشكلات بسبب الأقليات من غير المسلمين نحن في غنى عنها، ونرمي في نظر العالم المتمدن بالتعصب.

فتعاودك الشفقة عليها لتقول لها: إن الأقليات المسلمة، في البلاد الغربية لا تسبب مشكلات بسبب تطبيق قوانين هذه البلاد عليها إلا ما يتصل بعقيدتها، وإن المسلمين لم يبد منهم في أي بلد فتحوه تعصب يطيح بحقوق الأقليات المسلمة ولكن تعصب الغرب الأحمق هو الذي أطاح – ولا يزال – بالأقليات في بلاده، وليست ببعيدة عنا تلك المذابح التي دارت رحاها في رقاب الأقليات المسلمة في البلقان واليونان والهرسك والبوسنة في يوغسلافيا.

فضيحة لا تمحى ..

تلك فلسطين الشهيدة تتقلب في قبرها، ودماء الشهداء تموج في أرضها، وزئير العفاف الذي هتك يدوي بين أرجائها، وأرواح الأطفال الأبرياء ترفرف تحت سمائها، وأنين المنازل التي خلت يرج جدرانها، وزفير القطائع البشرية المشردة يبعث الأسى بين أضلاعها ..

مأساة سجلت على الأمة الإسلامية عارا لا يمحي، وفضيحة لن يزيلها كر الأيام والأعوام ..

لن يرحم التاريخ عندما يكتب: أن شرذمة من حثالة الخلق تقهر أمة ملء الأرض، وتنتزع كبدها من قلبها، وتوقفها موقف الذليلة المغلوبة على أمرها .. أجل! سيكتب التاريخ أن الشرذمة التافهة صدقت في عزمها، وثبتت في جهادها وعلت في تضحيتها، وعملت في صمت، وأعدت في سكون، وحصنت في هدوء، وبعدئذ تقدمت فلم تتقهقر، وأرادت فبلغت ما أرادت ...

وسيكتب التاريخ: أن الأمة العربية العريضة، وهنت في عزمها، واضطربت في جهادها، وأخجلت في تضحيتها، وقالت ولم تعمل، وثرثرت ولم تعد، وأقامت حصنا من الكلام وبعدئذ تقدمت فتقهقرت وأرادت فما بلغت ..

وسيكتب: أن الجامعة العربية عاونت على بيع فلسطين، فلم تكن جادة في إنقاذها حين أرسلت جيوشها، وأنها كانت ضحية لمؤامرة إنجليزية ترمي من ورائها إلى شغلها عن قضاياها، وتطهير أراضيها من الشيوعية عند تسليط الأحكام العرفية على شعوبها، والقضاء على الفكرة الإسلامية التي راحت توقظ الشرق من نومته وتزيل غشاوته من أعينه ...

وسيكتب: أن ثمة مؤامرة دبرها وسط المعمعة الجيشان الأردني والعراقي لإفناء الجيش السوري، ليمكن تحقيق مشروع سوريا الكبرى، وإفناء الجيش المصري استجابة لرغبة خسيسة كامنة في صدر إنجلترا ..

وسيكتب: أن الدول العربية لبت رغبة الإنجليز في القضاء على كتائب المتطوعين المسلمين حتى لا تكون خطرا على الاستعمار وعلى دولها بعد رجوعها، وأن تحمس مصر لهذه الرغبة جعلها تعيد الباقين من كتائب (الإخوان المسلمين) مصفدين في الأغلال بتهمة الإرهاب ..

وسيكتب: أن الملك (الهاشمي) ساهم بنصيب الأسد في تقسيم فريسة فلسطين وقنع بنصيب القط .. لا ليأكله القط، ولكن ليكبر بها اللقمة فيقدمها إلى سيده الأسد البريطاني فخورا ..

وسيكتب التاريخ: أن تركيا وإيران المسلمتين بادرتا بالاعتراف بدولة اليهود التي أقيمت على الظلم لتكيد للإسلام وتكدر صفو أمته ...

ولن ينسى التاريخ أن يكتب: أن ملك (الحجاز) كان في استطاعته أن ينقذ فلسطين لو أنه أبدى الرغبة في مقاطعة الأمريكان إذا لم يحولوا دون تقسيمها أو تسليمها لليهود، ولن يرحمه أن مثل هذا يعرض بلاده للمجاعة، فالدولة التي تعتمد في حياتها على كائن مهما كان لن يكتب لها البقاء ..

وسيكتب: أن همم الأمة الإسلامية الفاترة وجهودها الخائبة، وتضحياتها التافهة، وسوء نية حكوماتها، وموت الضمائر في نفوس قادتها .. كل أولئك قد ألبسها ثوب الهزيمة في فلسطين وألصق بها عارا أكسبته الحوادث بروزا، وسجل عليها فضيحة لا يزيدها مر الأيام إلا انتشارا ...

هل هناك أمل ..؟ معاقد الأمل

حكومات الدول الإسلامية

لا يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بأن هناك أملا في إنقاذ الوطن الإسلامي وأمته، وقد يكون من المغالطة إذا كان هناك أمل أن نضعه في أعناق حكومات الدول الإسلامية، فقد قلنا ولا زلنا نقول: إن هذه الحكومات كموظفة لدى حكومات الاستعمار لرعاية مصالحه والقيام بخدماته وتضليل الشعوب وتزييف إرادتها ...

ولا تخدعنك هذه المناورات التي تحدث كثيرا بين الحكومات والاستعمار فليست إلا ضربا من التهويش .. كما يقول (أولاد البلد) حتى مناورة النقراشي باشا في مجلس الأمن بشأن القضية المصرية ..

وكأن هناك اتفاقية بين المستعمر والحكومة تتعهد الأخرى للأولى بالتزامات، أهمها العمل على تحقيق مطالبها سواء رضي الشعب أم سخط، ولقد كان المستعمر يخشى دائما يقظة الشعب، مما يدفعه إلى التدخل بالحديد والنار، ليحمل الشعب على الإغفاء مرة أخرى، ولكنه اليوم أصبح مطمئنا إلى الحكومات التي تتولى باسم الشعب لتنوب عنه في مهمته.

ولذلك، فليس عجيبا أن نرى أن الشعب الذي يحاول النهوض لا تصفع وجوهه إلا بسياط حكومته، ولا تسعه إلا سجون وطنه – إذن فلا بد أن يظل الشعب والحكومة عدوين مهما ادعى بعض الأحزاب أنه وكيل الأمة أو حزب الشعب–

ما دام المستعمر هو الذي يعين الحكومة وما دامت الحكومة تقر سيادة المستعمر، ومن هنا تؤمن بألا إرادة مستقلة لمثل هذه الحكومات، وأنها تستمد تفكيرها من وحي سفارات المستعمر، وتستطيع أن تدرك: لماذا تقهقرت الجامعة العربية بعد أن أرغت وأزبدت وهددت بفصل الأردن إذا حاول ضم فلسطين، ولماذا تحداها "الشريف المحظي" ونفذ رغبته رغم أنفها ..؟

وتؤمن أيضا بأن هناك قوتين متحالفتين على الشعب المنكوب: هما الحكومة والمستعمر، فإذا حاول التخلص من الأولى خشي بطش الأخرى وإذا حاول التخلص من الأخرى خشي سجون الأولى ومعتقلاتها وسيوفها وسياطها ..

ومن العسير على الحكومة أن تغضب المستعمر أو تتوانى في إرضائه أو تسكين روعه ..

مات محمد بك فريد رئيس الحزب الوطني عام 1919 غريبا في ألمانيا مجاهدا من أجل قضية مصر، ولكن الحكومة لم تجرؤ يومها على نقل رفاته حتى لا تثير ريب المستعمر الذي كان لا يكره على الأرض إنسانا كراهيته لفريد، وادعت أن ميزانية الدولة لا تسمح، وأن أموال الأمة يجب أن تنفق في تكريم السفراء – لا على نقل رفات الوطنيين الأغيار الذين باعوا في سبيل وطنهم آلاف الأفدنة، ولم يبق غير راحتهم وصحتهم بذلاها حتى آخر رمق..

وهب رشيد علي الكيلاني لتخليص العراق من استعباد الإنجليز فطالبت حكومته برأسه لأنه من مجرمي الحرب ...

وقام الإخوان المسلمون يوقظون الوعي في الشرق الإسلامي، فاستجاب النقراشي رئيس الحكومة لقلق بريطانيا وأمريكا وحذف الجماعة بجرة قلم، وجاء خلفه إبراهيم عبد الهادي يبرهن على تمام ولائه فقدمت في عهده رأس قائد الجماعة (الشهيد الأعزل حسن البنا) قربانا للندن ونيويورك ...

زعماء البلاد الإسلامية

من العبث أن نضع زعماء البلاد الإسلامية في الميزان، فلن ترجح كفتهم، ولو لم يوضع في الكفة المقابلة غير مثقال – فضلا عن أن نعقد الأمل فيهم.

ولعن الله تلك الثورات الطائشة التي تمخضت عن شرذمة من الشباب العابث الذي لم يجد هواية غير التهريج وسط الثورات ليلفت نظر المستعمر وليجعل منهم زعماء يتحكمون اليوم في الأمة بسياطهم .. إن قواد الثورات الطائشة بالأمس هم أدعياء الزعامة اليوم، وأولئك الذين قدمت رءوسهم إلى مقاصل المستعمر هم الذين يقدمون رءوس الوطنيين الأغيار قربانا للمستعمرين ..

هؤلاء الزعماء ولدوا وهم ينظرون إلى الأرض حيث تصف كراسي الحكم – لا إلى السماء حيث يتألق المجد، ونشأوا في أحضان المستعمر الذي يملك كراسي الحكم لا في أحضان الوطن الذي يملك المجد، وشبوا على خدمة المستعمر والولاء له، والتنكر للوطن والوطنية المنكوبين ..

استماتت فرنسا في تنصير البربر بالمغرب وكان (الوزير المقري) أشد تعصبا لقضية رفع الشريعة الإسلامية من بين البربر من الفرنسيين أنفسهم و (البغدادي باشا فاس) طرح نحو مائة شاب من شباب فاس وجلدهم بالسياط لأنهم اجتمعوا في جامع القرويين وأخذوا يرددون داء (يا لطيف .... يا لطيف)

وشن الزعيم الصادق مصطفى كامل باشا حريا لا هوادة فيها على إنجلترا المتوحشة من أجل مأساة دنشواي المصرية، حتى اضطرت إنجلترا إلى سحب طاغيتها وسفيرها (كرومر) من مصر – وإذا بزعماء مصر يعدون حفلات التكريم له – وفي مقدمتهم سعد باشا زغلول الذي أشاد ومجد في (المكرم) وكان أتفه بواعث الشهامة يحتم عليهم أن يودعوه باللعنات ...

ورثة الأنبياء

إنه لمن الخبل أن نعقد الأمل في علماء الدين الأدعياء لإنقاذ الأمة الإسلامية وهم أصل نكبتها .. فإذا حير الحكومات شيء في تخدير الشعوب لجأوا إلى علماء الدين فهم يملكون مخدرا أشد تأثيرا وأبعد ما يكون عن الطعن والريبة، ولم يعدم المستعمر أبدا في أي بلاد إسلامية فتوى علمائها بما يثبت أقدامه، فقد أفتى (مفتي فاس) بأن رفع الشريعة من بين البربر بالمغرب ليس بإخراج لهم من الإسلام

وقد أمضى (علماء سوريا) في أوائل عهد الاحتلال برقية إلى جمعية الأمم يستنكرون فيها المؤتمر السوري الفلسطيني الذي يطالب باستقلال سوريا وفلسطين، إن سفساف الأمور يشغل دائما قرائح مصابيح الهدى، فالسنة والبدعة، والتوسل والكرامات مواد دسمة لا زالت تشغلهم، والحركات المصطنعة تجعل منهم أتونا لا يخمد لهيبه، يدعى مخبول النبوة، وتزعم مخبولة أنها ستلد المهدي، وتهب المرأة تطالب بحقوقها الدستورية، فيملأون الدنيا صياحا وثرثرة.

والحركات التي تمس صميم الإسلام وأمته تخلق منهم أشباحا لا أرواح فيها ولا ألسنة لها، فالإسلام يطرد من فلسطين، ويخنق في بلاد المغرب ويذبح في أندونيسيا، ويضطهد في جنوب أفريقيا، ويهان في مصر – وورثة الأنبياء يشغلون المسلمين بالمسيخ الدجال والمهدي المنتظر .. وصدق ذلك الطاغية الاستعماري حين قال:

"نحن بخير ما دام علماء الدين يتكلمون".

إن للمسلمين المثقفين عذرا عندما ينفرون من علماء الدين ويرون أنهم سر نكبتهم، فهم لا يرون منهم موقفا يثبت لهم كرامتهم ورجولتهم، ففي بلاد المغرب يقر العلماء هناك الرقابة المضروبة على الآيات القرآنية التي تقرأ في الصلاة الجهرية ليحال دون قراءة الآيات التي تثير النفوس ضد الاستعمار، وفي مصر والشام والعراق والمملكة العربية توزع وزارات الأوقاف الخطب المنبرية على علماء المساجد، لتجعل منهم أبواقا تبلغ المصلين الأضاليل.

يرون منهم اللجوء إلى أبواب الأمراء ليظهروا الولاء في ثياب تشف عن النفاق، ويباركوا أعمالهم ولو كان فيها هدم للإسلام وضياع لأمته – ولا يرون منهم شجاعة تقول لهم: هذا حق وذاك باطل، وهذا حسن وذلك شر.

ويسمعون منهم المواعظ المملة ولا يسمعون منهم صيحة واحدة في وجه أي حكومة جائرة مستبدة بحقوق الشعوب وحرياتها ...

أين علماء الدين من هذه الأوضاع المقلوبة؟ هل يجيز [[الإسلام] السكوت عن الفقر المنتشر في الحجاز حيث يحمل الجوع الشعب هناك على التقاط قشور الموز – والذهب المستخرج من أرضه يوزعه الأمراء على راقصات القاهرة وباريس؟

وعن انزواء اليمن في ركن يحيط به الفقر والجهل والمرض، والأحمر والأصفر مكدسان في بيت الإمام؟ وعن الفقر الفاغر فاه في مصر ليلتهم أولئك الذين يكدحون طول يومهم لإخراج الذهب والفضة ويبعثرهما ذوو الأملاك في صالات الرقص وأندية الميسر وحانات الخمور ..

فلماذا لا نسمع لرجال الدين صوتا في مصر أو في الحجاز؟ وهل يجيز الإسلام السكوت عن هذه الحرية التي تآمر على سلبها الاستعمار والحكومات؟ وعن هذا الكبت الذي لا يجرؤ مسلم واحد على قول الحق لأن سوط الحكومة فوق رأسه، وسجنها تحت قدميه ..

نريد أن يسبقنا ورثة الأنبياء إلى أفضل الجهاد، فطالما أسمعونا قول الرسول المجاهد الصادق: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" فهل هم فاعلون ...؟

الجماعات الإسلامية

ما كان بودي أن أتعرض لهذه الجماعات، لولا أنها تشغل حيزا كبيرا من الفراغ، فسقوط هممها وانحطاط جهودها يثيران في النفوس آلاما كبارا – ولو أن الأمة المسلمة بخير، آمنة مطمئنة لغضضنا الطرف عنها كضرب من ضروب التسلية، ولكن والحالة واضحة فما الذي يشغل هذه الجماعات عن إيقاظ الوعي، والجهاد من أجل إنقاذ الأمة المسلمة المعذبة ..؟

جماعات ضخمة تحصر همتها في محاربة الصوفية والأولياء .. وأخرى في محاربة السفور والاختلاط وتحدي النساء .. وثالثة في الدفاع عن اللحية والذؤابة .. ورابعة في الاستعداد طول العام لحفلتها السنوية، وخامسة في إثبات التوسل والكرامات ...

ولك أن تضحك إذا علمت أن للجماعات الإسلامية اتحادا في مصر بلغ إنتاجه في مدى أربع سنوات، نحو خمسة خطابات مفتوحة أرسلت لملوك العرب وأمرائها، للفت أنظارهم إلى نكبة السفور والاختلاط، وسبعة احتجاجات على بعض رجالات الحكومة لحضورهم حفلات اشتركت فيها النساء ..

أما عندما قذفت حكومة النقراشي بأكبر جماعة إسلامية ناهضة في البحر، فليس لك أن تسأل أين كان الاتحاد وهي عضو فيه .. ولا يدفعنا إلى هذا النقد سوى أننا ننتظر من الجماعات واتحادها ما نؤمله فيهما ...

إن المستعمر يستفيد كثيرا من الثرثرة والمهاترة، ولا يهمه أن يشيد مائة مسجد في اليوم، أو يقام مائة مولد في الأسبوع، ولا أن تؤسس مائة جمعية في الشهر ما دام الوعي الإسلامي نائما راكدا.

وما أشقى هذه الأمة المسلمة المعذبة حين ترى أن معاقد أملها هي عوائق نهوضها، ومناط رجائها هو أصفاد حريتها ...

المؤامرة الكبرى على الفكرة الإسلامية

إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر – ولله عاقبة الأمور.

في الظلام لغط في السفارتين

ما هذا اللغط الذي ينبعث من بين جدران السفارتين: الإنجليزية والأمريكية بالقاهرة، فيدوي صداه بين أرجاء لندن ونيويورك؟

الإخوان المسلمون .. الإخوان المسلمون ..

لقد أصبح السكوت عن أمرها ضرب من التهاون يخفى وراءه الخطر الأكبر ...3

كنا ننتظرها ملهاة دينية تتلهى بها الشعوب الإسلامية، فإذا هي مشعل يوقظ الوعي، ويتهدد حياتنا، ويتوعد مصالحنا وينذر أقدامنا في الشرق كله، وبل وفي كل بقعة إسلامية.

إنها اليوم ملتقى الشباب الثائر الملتهب، وكعبة الأقليات المعذبة، والشعوب الصغيرة المستعبدة – كنا نحسب أن شبابها يقنع بالهتاف يفرغ فيه ثورة نفسه، ولكن حرب فلسطين أثبتت أنه لا يقنع إلا بالدماء – وما كتائبه المتدفقة إلى الميدان في نشوة الراجع إلى الديار بعد طول غياب، أو الظافر بعد طول جهاد – إلا دليل وبرهان.

إنها إذن لنذير .. وأي نذير ..

بين لندن ونيويورك

القلق يساور لندن ونيويورك – فإن التقريرات الواردة من سفاراتهما في الشرق عن حركة الإخوان واستفحال أمرها تبعث على الوجل – إذن فالاستعماران السياسي والاقتصادي معرضان للخطر ..

ولم لا؟ وهذه الجماعة في كل بلد شرقي قوة لا يستخف بها، وتستطيع في كل وقت أن تعوق – والدولتان مقدمتان على أمرين لا بد منهما، فنيويورك تتهيأ لإلقاء الشاة العربية في جوف الثعلب الصهيوني – ولندن تريد أن تعقد صفقة الوادي مع مصر في جو من الهدوء.

الثعالب الناصحة

سفراء الدول الاستعمارية يتقدمهم سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا في وزارة الخارجية المصرية، والجميع ممسكون بنصائح وردت من دولهم لتبليغها .. فإن دولهم يهمها استقرار الشرق – لا سيما – وأن العالم في مهب العاصفة – وهي لا تستطيع أن تصبر أمام حركة الإخوان، التي تثيرها في الشرق عاصفة لا تهدأ، وإذا اشتعلت لا تذر، وهي إذ تنصح فإنما تؤدي واجبا تمليه عليها ضمائرها.

تشاور

في ندوة الجامعة العربية، أو وزارة الخارجية يجتمع سفراء الدول العربية، وإذا الجميع متفقون على إراحة الشرق من ثرثرة الإخوان وضجيجهم، فقد بلغت نصائح الثعالب دولهم، وقبلتها شاكرة، وعلى مصر أن تصوب السهم الأول ليستجيب لها الجميع ...

في ندوة الحزب السعدي

النقراشي مقتنع ومصمم .. وليكن ما يكون، ولأن يمثل به خير من أن يقال جبن أو تقهقر، والواقع أنه لا داعي إلى الاقتناع أو التصميم، فهذا أمر مفروض من أمريكا وإنجلترا على مصر وشقيقاتها، والحكومات التي ارتضت أن تدفع في كراسي الحكم أوطانها، ليس بغريب عليها أن تضحي في مقابل البقاء عليها بهيئة طائشة متطرفة .. قد تستريح فيما بعد من ثرثرتها وجلبتها ..

إرهاصات

كان لا بد أن تسبق المؤامرة إرهاصات يصوغها وكيل الداخلية في قالب تهم للجماعة، لتكون مبررا للقضاء عليها، وسترا للدوافع الخفية التي حيكت في الظلام، فحوادث الإرهاب والتخريب والانفجارات وخطابات التهديد وما إلى ذلك، مما اقتضته ظروف فلسطين، وتحمس الشباب المسلم الغيور، لم يتهم بها غير هيئة الإخوان، وكان مقتل الخازندار القاضي، وسليم زكي حكمدار العاصمة، فرصة نادرة لتدعيم هذه الإرهاصات ...

والمؤلم انسياق الرأي العام انسياقا أعمى دون روية أو تدبر، بينما لم تثبت حادثة من هذه على أحد بخصوصه، وعلى فرض ثبوتها على أحد من صميم الإخوان، فلم يثبت أن الهيئة أمرته بهذا أو شجعته عليه، أو أذنت له فيه ...

على أن حكومة النقراشي لم تكن في حاجة إلى الافتراء على الإخوان، فهي مع ما لها من السلطة والقوة تستند على اتهامين خطيرين:

أهونهما كفيل بتبرير ما هي مقدمة عليه من إجراء طائش، أما الأول فهو أن الإخوان يعملون على قلب نظام الحكم، ويعلم الله أن مثل هذا الاتهام ضرب من الهذيان، وقد تكون حكومة النقراشي قد نطقت به من قبيل الإيحاء، وهي لا تفقه معنى لما تقول.

فالجماعة التي تهدف إلى قلب نظام الحكم تنشأ قوية سريعة في تكوينها، معتمدة على قوة تسندها عند قيامها بمهمتها، حاصرة نشاطها في بلدها التي تود قلب نظامه، وليس كذلك جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها ثلاثة في زاوية، وظلت تسير بخطى وئيدة عشرين عاما، تنتقل من دار إلى دار، ومن قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ومن مملكة إلى مملكة، تطرق القلوب وتوقظ الوعي حتى عمت، وهذه هي طبيعة الفكرة الناهضة التي تهدف إلى أسمى المعاني.

وأما الاتهام الآخر، فهو انحراف الدعوة عن الدين إلى السياسة، ولك أن تضحك سخرية أو ألما، فما هذا بمنطق يصلح لمن ارتضوا أن يكونوا ساسة، أم أن القول يلقى جزافا سليما كان أم عقيما؟

إن الإسلام دين سياسة قبل أن يكون دين عبادة وجاء ليقيم دول قبل أن ينشئ مسجدا – ورغم كل مكابر – وإن المشتغلين بالحركات الإسلامية هم الأصل في السياسة، والدخلاء عليها هم عشاق الزعامة وطلاب الكراسي.

إن الإسلام دين ودولة ومصفح وسيف، وإن هؤلاء الحمقى الذين يجاهرون بإقصاء الإسلام عن مهمته التي رسمها الله له، ويضطرونه إلى أن يكون دينا لاهوتيا، ليصوبون إلى صدره أفظع الضربات.

ما أشد سفاهة وصفاقة هذه الحكومات الهزيلة التي تتوكأ دائما على رجلين خشبيتين هما من صنع المستعمر، حين تستسيغ أن تحرم على أكبر هيئة ناهضة مثقفة التحدث في شئون وطنها، وفيها المحامي والمهندس والطبيب والعالم والمدرس – أمثال هؤلاء يحرم عليهم الاشتغال بالسياسة لتكون وقفا على طبقة الهتافين من المشردين، والمهرجين من المحتالين، الذين تضمهم الأحزاب إلى حوزتها، والحكومات إلى رحابها ليتخذ الجميع منها وقودا لحركات الشعوذة والتضليل.

أما الدوافع الحقيقية فقد استطاع الكبت وقتها أن يلجم الألسنة حتى لا تنطق بها، ولكنه لم يستطع أن يهاجم القلوب لمطاردتها – فإذا علمت أن أمريكا وبريطانيا تعتبران الجماعة قوة وطنية متطرفة، تقف عقبة كأداء أمام الامتداد لمطامعهما، وتستطيع تعطيل مشروعات التعاون الممقوت مع مصر والشرق الإسلامي.

وأن حكومات الدول العربية ترغب في إنهاء فلسطين، والانتقال إلى حياة الدعة والخنوع مع المستعمر الغاصب، وضح لك جليا أن المؤامرة الدنيئة قد اشترك فيها الاستعمار وحكومات الدول العربية، وأن هذا يعتبر بمثابة الخطوط الأولى الرئيسية للمؤامرة ...

وإذا علمت أن حكومة النقراشي فشلت فشلا ذريعا في قضية وادي النيل بضعفها، وفي قضية فلسطين بسوء تصرفها ورغبت في التمهيد لمفاوضة المستعمر على حساب الوطن المنكوب، وفي الإعداد للانتخابات التي كانت في طريقها – أدركت أن حكومة النقراشي نفذت المؤامرة لستر فشلها في قضيتي الوادي وفلسطين، ونيل رضا المستعمر بمفاوضته والتخلص من أكبر هيئة منافسة في الانتخابات – وأن هذا كله لهو بمثابة الخطوط الأمامية المباشرة.

على أنه لا ينكر نشاط الأصابع الخفية والدسائس من ذوي الغايات – فاليهودية العالمية، والشيوعية الدولية، والدول الاستعمارية – وأنصار الإلحاد والإباحية، كل هؤلاء خاصموا الدعوة من أول يوم، لأنهم يرون فيها السد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يبتغون.

في ظلال الكارثة

الساعة الآن الحادية عشرة من مساء الأربعاء (8 ديسمبر سنة 1948) ومذياع القاهرة يذيع نبأ حل الإخوان، وهذه موجة دهشة ووجوم تصيب بلاد العروبة بل العالم الإسلامي – وما أن صوبت مصر الضربة الأولى حتى تتابعت ضربات حكومات الدول العربية بعدها –

وفي ظل الأحكام العرفية الغاشمة صودرت أموال الجماعة، وتم الاستيلاء على ممتلكاتها ومؤسساتها، وزج بآلاف الأبرياء من خيرة شبابها في غياهب السجون والمعتقلات – وهكذا حكم على الدعوة السامية ألا تؤدي رسالتها في إيقاظ الأمة الإسلامية المستسلمة للدعة والذلة، وفي خدمة المجتمع المتعطش إليها ...

النتيجة المنتظرة

النقراشي نفسه كان يؤمن بنتيجة الأمر المقدم عليه، كما أثبتت الصحف، وهذا اعتراف من جانب آخر بأن الاندفاع كان مسيطرا على تفكيره – كان من الميسور أن يعالج الأمر بشيء من الحكمة، كما فعلت حكومة قبله سنة 1942 حين اضطرتها السلطات البريطانية إلى إلغاء هذه الجماعة –

والنقراشي الذي أوهم الشعب أنه شتم الإنجليز في مجلس الأمن، يتراخى أمامهم في مصر فيستجيب لإشارتهم، ويلقى في البحر بأكبر هيئة ظلت تخدم مصر والشرق عشرين عاما، وأحيت مليونا من الشباب كان بين أنياب الغواية وفي هوة الانحدار، ولو أن شيئا من الشجاعة واتت النقراشي فصاح في وجه الإنجليز الذين تدفعهم وقاحتهم إلى التدخل في كل شيء، ولمس الإخوان هذه الرجولة، ماذا تكون النتيجة؟ بلا شك أن النقراشي سيجد من الجماعة أقوى سند يربح للبلاد به خيرا كثيرا.

والذين يتهمون الجماعة بمقتل النقراشي يجانبون الإنصاف فقد زالت عن [[|الإخوان المسلمين|الجماعة]] صبغة الجماعة، كبارها معتقلون، ومن تبقوا كانت أنفاسهم – فضلا عن خطواتهم – معدودة عليهم.

والكل متفقون على أن قاتل النقراشي باشا قد ارتكب محظورا، وإن لم يلتمسوا له عذرا، فقد كان التفكير المسيطر على شاب يفيض قلبه إيمانا – أن النقراشي حين استجاب لأوامر المستعمرين الكفار حارب الإسلام باعتدائه على دعوته الحية الناهضة، وحارب الوطن باعتدائه على أكبر هيئة من صميم أبنائه، وليس معنى هذا أننا نقر الجريمة والإجرام، أو نشجع عليهما.

جاءت الطامة

قتل النقراشي فكان مقتله سبب كارثة حلت بمصر – فقد مرت بمصر فترة عقب مقتله من أحلك الفترات، سجلت لها بين صفحات التاريخ صفحة من أسود الصفحات: فترة رحمت فترة محاكم التفتيش في أسبانيا من سخط التاريخ، ووصمت مصر بوصمة من الهمجية في أحط عصورها: كبت صادر الأنفاس في الصدور، وإرهاب زلزل كيان الجماد، واستهانة بالأرواح طار لها كل صواب ...

قتل النقراشي فجاءت الطامة الكبرى: الشباب المخنث في جنازة النقراشي يردد: رأس النقراشي برأس البنا، ورئيس الوزارة (خلفه) يبيت في الوزارة يشرف بنفسه على مهاجمة منازل الإخوان وإطلاق أيدي التخريب فيها، والاعتقال بالعشرات والمئات، ورجال البوليس يعيثون في الأرض فسادا، يزيلون كلمات الإخوان من فوق الجدران، ويخطفون المصلين من المساجد، وينتزعون كل من يسمعونه يكبر الله أو يحمده، أو يذكر الإسلام بخير ...

الاغتيال الدنيء

في مساء السبت 12 فبراير 1949 غمرت شارع الملكة نازلي موجة من السكون على غير عادة، ولو قدر للشارع أن ينطق لاحتج على ما أصابه، ولتساءل: أي حدث جلل سيحدث؟ ولو قدر للظلام المخيم عليه أن يجيب لأجاب: إن هناك مؤامرة دنيئة تدبر في الخفاء لاغتيال أكرم شخصية على الله والإسلام والإنسانية ...

وفجأة كما أشيع توقفت حركة المرور، وأطفئت الأنوار، وأحاط رجال البوليس بدار الشبان المسلمين يشاهدون المباراة بين جناة آثمين وبطل أعزل، يهم بركوب السيارة، فيصوب الآثمون الرصاص إلى ظهره، فتسيل دماؤه على الأرض تسطر للفجرة الغدرة صفحات من الخزي، وفي منتصف الليل فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها تشكو إليه بغي القوم وعدوانهم، أولئك الذين بطعن الشهيد الأعزل طعنوا الإسلام في صدره، ونكسوا بأيديهم رايته...

أما الإمام الشهيد فقد ذهب إلى ربه – وأما الجناة الآثمون فلا زالوا يمرحون في الأرض طلقاء .. لقد فاتهم أن العدل إذا اختفى في الأرض فلن يختفي في السماء، وأن ميزان الحق إذا اختل في الدنيا فلن يختل في الآخرة، يوم يضع الله الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا .. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أحط ضروب النذالة

إن القلم ليرتعش حين يسطر شيئا عن نذالة القوم، وقد طعنت الكرامة الإنسانية في صدرها – هذا شعور الجماد، فما بال شعور هؤلاء أصابها الخبل، فانحطوا إلى أسفل الدركات، لقد خلت نفوسهم من قيم الرجولة والكرامة والمروءة ..

ولو أن نذالتهم وقفت عند حد الاغتيال الدنيء المسلح بأسلحة الغدر الوضيع لهان الأمر – ولكن عندما تتعداه إلى النيل من الفريسة بعد أن فاضت روحها، وحيث أصبح الشهيد الأعزل المبغي عليه بين يدي ربه، فقد حق للإنسانية أن تصعق، وللكرامة أن تنتحر، وللشهامة أن تودع دنيا الإنسان لتعيش مكرمة في دنيا الوحوش الضارية ..

اغتلتم الرجل اغتيالا دنيئا لم يدع للرجولة طرفا تفتحه، ولا رأسا ترفعه، وتسلحتم بقوى البغي، واستترتم بظلمات الاستبداد، فما بالكم تكيدون له بعد موته – مات الأفغاني الذي أيقظ صوته الشرق وهز الغرب، فلم يسمح سلطان تركيا وقتها لأكثر من أربعة يشيعونه هم حملة نعشه، ولكن الأيام عبثت من حمقه فظلت بطولة الأفغاني خالدة –

واغتيل "حسن البنا" الذي كان ملء الأرض، نورا للشرق النائم ليفيق، ونارا على الغرب الغاصب ليقف عند حده، فلم يشيعه غير حملة نعشه: شيخ حطمه الأسى، وثلاث نسوة أذبلهن هول الفجيعة .. ولكن الأيام سوف تسخر من نذالتكم فتظل (بطولة [[البنا]ي) خالدة تضيء الطريق للأجيال المتعاقبة .. وتؤرق الزعامة الزائفة.

واستسمح القلم مرة أخرى ليسطر نوعا جديدا من النذالة لم يسبق له مثيل حتى في أحلك عصور الهمجية الأولى – هؤلاء الشباب اتهموا وزجوا في غياهب السجون أبرياء – ولكن لا يكفي هذا، بل لا بد أن يقروا ظلما، السياط تلفح وجوههم صباح مساء، والأظفار تخلع من أصابعهم، والنار تكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ..

ومع هذا فهم مصرون على الثبات أمام صولة الباطل .. إذن فلتحضر أمهاتهم وأخواتهم – وليهجم رجال البوليس على أعراضهن أمام أعينهم، وعلى مرأى ومسمع من رئيس الحكومة وكبار رجال الأمن .. الإنسانية تستغيث فلا يسمع لصيحاتها صدى ...

الإنسانية تستغيث بالرأي العام .. وماذا يفعل والكبت قد أخرس ألسنته، والمعتقل قد أنساه وجوده.

الإنسانية تستغيث بالعلماء .. والعلماء قد أجهدهم الفتوى التي أصدروها عقب مقتل النقراشي فهم في حالة استجمام لا تسمح لهم بالكلام .. الإنسانية تستغيث بالصحافة .. والصحافة مغلولة الحرية إلا الساقط الرقيع منها ...


فكرة لن تموت

لن تكون هذه الجماعة تحت رحمة – أحد كائنا من كان – حتى هؤلاء الذين اتخذوا من أصداء كارثتها مادة استعانوا بها في الوصول إلى كراسي الحكم .. ولم يتربعوا عليها إلا بعد أن ارتدوا ثياب النكران لها – إنها فكرة كتب الله لها الحياة الأبدية فلن يجرؤ الموت على تحديها، ولو قدر لأنصارها أن يفنوا عن آخرهم في ساعة من نهار، لوجدت معانيها بعد عشرات السنين منقوشة فوق صدور أبنائهم وأحفادهم.

لقد اعتنقها شباب مؤمن لم يؤثر فيه التعذيب ولا التنكيل، ولم يثنه السوط ولا السيف، ولم يزلزل عقائده السجن ولا المعتقل – سيبذل في سبيلها أمواله ودماءه، وسيذود عنها بنفوسه وأرواحه.

شباب آمن بأن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف وعبادة ونظام وآمن بأن الوطنية صدق وإخلاص وتضحية وجهاد شباب مليء قلبه بالإيمان وصدره باليقين، فلن يفت الحديد عزمه ولن يفل همته، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تصمد أمام إيمانه، أو تواجه صبره وجلده.

شباب أخذ على عاتقه أن ينتصر للإسلام ولدعوته ومعانيه ومبادئه، وأن يقف بجانبه كلما حاول متمرد أن ينال من قدره، وأن يركب الخطر في سبيل تصحيح أوضاعه وأفكاره، لتكون كلمته العليا، وصوته المسموع، وأمره النافذ المطاع.

شباب راسخ العقيدة، عميق الإيمان، لو كشفت عن قلبه لوجدت نبضاته في هتاف دائم.

الله غايتنا

والرسول زعيمنا

والقرآن دستورنا

والجهاد سبيلنا

والموت في سبيل الله أسمى أمانينا

والله أكبر ولله الحمد

خاتمة المطاف

حيرة الإسلام أكبر من أن يستوعبها كتيب كهذا، ولو تركنا للقلم حريته لما توقف أو تعثر، ولما مل أو ضجر، والذي أخذ على نفسه أن يتقصى حيرة الإسلام لا بد أنه سيحار، فلا يدري من أي نواحي حيرته يبدأ، وعند أيها ينتهي ..

فإذا علمت أن لدينك أوضاعا لم تسد، ولقرآنك مطالب لم تحقق، ولوطنك الإسلامي قضية لم يسلم بها – وأن الإسلام أضحى رمزا روحيا، لا أمة ولا دولة ولا شعوب له ... قد تكون هناك أمة ودولة وشعوب، ولكنها أمة لا كيان لها فهي في غيابة الضياع، ودولة لا سلطان لها فهي في مهب الرياح، وشعوب لا حياة لها فهي في زوايا الإهمال ..

وإذا علمت أن الإسلام أضحى مضغة في أفواه المستخفين يجب أن يهمل، ومبدأ هداما في نظر صنائع المستعمر الغاصب يجب أن يكافح، ودجلا وشعوذة في نظر الجهلة من أبنائه يجب أن يظل كذلك، وخنوعا واستسلاما في نظر المرتزقة من علمائه يجب أن يكون إلى الأبد.

وإذا علمت أن شعوبه المستضعفة لم تعرف ما لها، فلم تعرف حكوماتها المستبدة ما عليها، وأن بغي الاستعمار يعتمد على نفاق زعمائه، وأن استبداد حكوماته يعتمد على نفاق شعوبه – وأن الدعوة التي تحاول تصحيح أوضاعه المشوهة وإيقاظ الوعي الراكد في شعوبه المستعبدة – مآلها التنكيل والاغتيال ..

إذا علمت هذا كله – وهو قليل من كثير – أدركت أن الإسلام في حيرة يذوب لها أسى، وتتمزق من أجلها كبد شبابه الغيور، وتستجيب لها خفقات قلبه ...

وأخيرا – فلعل هذا القلم العاجز استطاع أن يسجل ما أعتقد – بريئا من كل جبن ونفاق، ومن كل تجن وافتراء – فيكون قد أرضى الله وأرضى دينه الخلص من أبنائه – ولن يضيره بعد هذا أن ينطح الصخر أحمق، أو يتخبط في الأرض سفيه.

فإن حسبه الله، الذي يحق الحق ويبطل الباطل – ولو كره المجرمون ..

والله غالب على أمره

السمان