الإخوان وعبدالناصر ومحنة التأييد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان وعبد الناصر ومحنة التأييد


مقدمة

إن الاختلاف الايجابي البناء معناه أن يسعى كل واحد لترويج مسلكه وإظهار صحته وصواب نظرته دون أن يحاول هدم مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم بل يجب عليه السعي لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلا أما الاختلاف السلبي هو محاولة كل طرف تخريب مسلك الأخر وهدمه ومبعث ذلك الحقد والعداوة والضغينة.

يقول الأستاذ جمال البنا

"إذا كان القرآن الكريم قد وصف أمة المسلمين أنها واحدة فهذا يعني أنها واحدة في عقيدتها ولكنه لا ينفى عناصر التميز والاختلاف والتنوع بين شعوب وفصائل هذه الأمة داخل الإطار الفسيح للعقيدة الواحدة". (1)

وتتعدد أسباب الاختلاف بين الناس فمنها ضعف ثقافة الحوار، وتدني مستوى التعليم وانتشار الأمية، وانتهاك القانون وغياب العدالة، وانتشار ثقافة الاستهلاك على حساب الإنتاج، واختفاء مظاهر الإبداع والابتكار والاكتفاء بالتقليد.

واختلاف الرؤى وارد لدى أفراد الإخوان المسلمين لكونها جماعة بشرية ضمت بين جنباتها مختلف الأطياف من المؤهلات العلمية أو المستويات الاجتماعية أو الاختلافات المكانية ما بين الريف والحضر والتي تختلف معهم الطباع حسب البيئة التي نشئوا فيها، واختلاف التربية ومعرفة حقيقة الطريق وعواقبه، فلا حرج أن تجد اختلاف الفهم حول قضايا مختلفة.

لقد وضح الإمام البنا منذ بداية الدعوة أن طريق الإخوان هو طريق الإسلام، وأن الإخوان جماعة إسلامية شاملة تسعى إلى الإصلاح الشامل وفق الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، ووفق ما هو صالح للوطن والناس.

كما وضح أن الجماعة التحق بها كثير من مختلفي النيات والرغبات فمنهم من أمن بمنهجها وعرف حقيقة وطبيعة طريقها والعواقب التي قد تتعرض لها ورضى بذلك وقدم النصح البناء لها، ومنهم من سار معها لمنافع شخصية قد تتحقق له في وقت من الأوقات، ومنهم من يتحامل عليها دائما.

رسم الأستاذ البنا – وفق ما فهمه من القرآن والسيرة العطرة – طريق الدعوة وأوضح أن هذه الدعوة سيتعرض من يرضى بالانضمام إليها لما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن بعده السلف الصالح وكل متمسك بدينه للعنت والاضطهاد

فقال:

أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومه شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفى هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات.

ويضيف:

وستدخلون بذلك - ولا شك - فى دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان. (2) وبذلك أدرك كل من بايع وحمل الدعوة أن الطريق ليس معبد أو مفروش بالورد، ذلك لسمو النية والهدف الذي حمله كل فرد لكونها دعوة الإسلام ورسالته.
ومع ذلك فالناس متفاوتة في درجات الصبر وتحمل هذه العقبات ولكل فرد عذره أمام الله سبحانه، لأنه قدم قدر استطاعته ما لديه من طاقة وقد قال الله تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".
والسجن من أشد المحن التي يتعرض لها الإنسان لأنها تحرمه من نسيم الحرية التي وهبها الله له، وتصبح عامل ضغط عليه وعلى أسرتهم ومحيطه الذي يتأثر به، وهي عقوبة مقيدة للأفراد تلجأ إليها معظم الأنظمة الديكتاتورية مع خصومها لكسر هيبتهم، وإضعاف شوكتهم، وتحجيم قدرتهم، وشل حركتهم، وتفتيت وحدتهم.
ولقوة الضغط السلطوي على الأحزاب الإسلامية خاصة وجميع أفراد المعارضة عامة ، حيث يعدّ كل عمل إسلامي مهما كان صغيراً يشكل خطراً عظيماً على أمن النظام مما يعني سرعة حل أو حظر هذا التوجه ، ومن ثم مطاردة ومحاكمة أعضائه بتهمة أو بدون تهمة.

الإخوان ومحنة السجن

تعالت الأصوات بعد المحنة الأخيرة التي يتعرض لها الإخوان وجميع القوى الإسلامية وقوى المعارضة مطالبة إيها بالتنازل والتخلي والتراجع والاستسلام، وأنها لا تستفاد من ماضيها حيث المحن المتعاقبة عليها، وقد تناسوا أن معضلة الإخوان مع الأنظمة الحاكمة ليست معارضتها السياسية للنظام

لكن الفكرة والمنهج الذي تنادي به جماعة الإخوان وتسعي لتطبيقه على أرض الواقع وهو منهج إسلامي شامل، مما يعرضها دائما وأبدا للمحن من الأنظمة الديكتاتورية التي تسعى لإرضاء الغرب، ولن تقبل الأنظمة وجود حركات إسلامية سواء إخوان أو غيرها تعمل من أجل أن يحكم الإسلام شئون البلاد والشعوب.

محن متكررة

لم تكن هذه المحنة التي تعيشها جماعة الإخوان المسلمين هي المحنة الأولى التي تتعرض لها، بل سبقتها على الطريق محن كثيرة منذ مطلع الأربعينيات حينما اعتقل الأستاذ البنا - مرشد الجماعة - والأستاذ أحمد السكري - وكيل الجماعة - والأستاذ عبد الحكيم عابدين - سكرتير الجماعة - في أكتوبر من عام 1941م وظلوا في السجن فترة حتى أفرج عنهم

وهو نفس العام الذي قبض فيه على عدد من الإخوان "الدكتور محمد عبد السلام فهمى وكان مهندسًا فى مصلحة الطرق والكباري بطنطا والذي أصبح بعد ذلك وكيلاً لجامعة الأزهر، وجمال الدين فكيه ببلدية طنطا" وتم تقديمهما لأول محاكمة عسكرية في تاريخ الإخوان بتهمة الترحيب برميل غير أن القضاء برأهم. (3)

وظلت الجماعة تتعرض لعنت والاضطهاد والمحاكمات والسجن حتى كانت المحنة الكبرى عام 1948م والتي طالت حتى المجاهدين الذين كانوا يحاربون العدو الصهيوني على أرض فلسطين، دون أن يكون لهم جريمة واضحة إلا محاولة الغرب والنظام الحاكم تحجيم هذه الجماعة ورجالها الذين ظهرت بسالتهم أمام العصابات الصهيونية.

وعلى الرغم من هذه المحن التي وقعت في العهد الملكي وضراوة التعذيب على كثير من الأفراد حتى سمى عهد إبراهيم عبدالهادي باشا – رئيس الوزراء – بالعسكري الأسود، إلا أنه لم يذكر التاريخ أن أحد أيد أو طلب العفو، كما لم يسع نظام الملك لفعل ذلك، إلا أن الحال تغير تحت وطأة التعذيب الذي تبناه الحكم العسكري بعد ثورة يوليو.

الإخوان وحكومة الثورة

لم تمر الأيام والشهور إلا وقد عادت الجماعة لسيرتها وقوتها التي أجبرت النظام العسكري الجديد أن يطلب المساعدة منها لإنجاح ثورته وتدعيم أركان خكمه، وهي من الأخطاء التي لم يفطن لها الإخوان حيث كانوا بعد ذلك لقمة سائغة لحكومات العسكر.

شهدت الفترة التي تلت ثورة 23 يوليو أحداث كثيرة، حيث كشف العسكر عن وجوههم الحقيقية وأنهم لن يتخلوا عن السلطة بسهولة، سواء رضخ الإخوان والمعارضة لمطالبهم أو ظلوا معاندين لتوجهات العسكر، ولذا كان الصدام الحتمي بين الطرفين

وأجج هذا الصراع اختلاف الفهم لدى البعض من قادة الإخوان الذين رأوا أن مصلحة الجماعة في السير في ركاب قادة الثورة العسكريين وعدم الصدام معهم، والتعاون مع هيئة التحرير التي أسسها عبد الناصر على خلاف باقي قادة الإخوان الذين رأوا أن الجيش لا يحكم ويجب أن يعود إلى ثكناته وتطلق الحريات وتجرى انتخابات ديمقراطية.

لم يحسن الإخوان وقوى المعارضة وبعض الأسلحة في الجيش استغلال المظاهرات التي خرجت لتعيد محمد نجيب مرة أخرى لكرسي الرئاسة، في مارس 1954م والعمل على إزاحة العسكر المتشبثين بالحكم، حيث استطاع - وبذكاء- عبد الناصر أن يسير الأمور وفق ما يراه لصالحه ولصالح مجموعته حتى كان الترتيب الكبير الذي لم يعلم به قادة الإخوان

وهو تجهيز عبد الناصر لتوجيه ضربه قوية وقاصمة للإخوان – في ظل تهليل الشعب لما يقوم به عبد الناصر- وبالفعل كانت أحداث المنشية يوم 26 أكتوبر 1954م، والتي على إثرها نصبت المحاكم العسكرية بجميع درجاتها ووقف قادة الإخوان وأعضائهم أمام قضاة من العسكر، حتى كانت الأحكام الشديدة التي اهتزت فرائص البعض منها وقد رأينا كيف غير الدكتور عبد العزيز كامل وجهته لينجو من ويلات التعذيب والسجون.

انتهت المحاكم واختتمت جولاتها وسيق من حكم عليهم إلى السجون المختلفة في ربوع مصر، ونقل القادة وأصحاب الأحكام الكبيرة إلى سجن الواحات وسجون الصعيد البعيدة.

رحلة في بطون السجون

لم يتوقف تفكير عبد الناصر عن محاولة كسر شوكة الإخوان والعمل على رضوخهم لمطالب الحكومة، إلا أنه لم يجد إلا الثبات في معظم السجون، وهو ما دفعه لوصف ثبات الإخوان في خطابه أمام المؤتمر الطارئ في أعقاب انتفاضة الطلبة والعمال في فبراير سنة 1968 بأنهم "الجيش العقائدي للإخوان المسلمين"

كما عبر حسن طلعت - مدير المباحث العامة – عن ثبات الإخوان بالسجون ، عند اجتماعه بهم في معتقل طره السياسي عام 1969 ، بعد خمسة عشر عامًا من السجن والاعتقال لإرغامهم علي التأييد بقوله: "أمازلتم ترفضون الخروج ، وتأبون الاستجابة لمطالبنا حتى اليوم ؟ .. ما هذا الجبروت؟". (4)

انتهت المحاكمات ورحل المعتقلين إلى مختلف السجون، ونالوا ما نالوا من التعذيب وانجلت الحقيقة أمام الجميع، واختلفت درجات الصبر والتحمل لهذا التعذيب، ومع مرور الأيام وفي قلب الصحراء حيث البعد عن الأهل، بدأ الحنين يخالج البعض وعلى رأسهم الضباط المحبوسين مع الإخوان، حتى فكر البعض منهم في الهرب لكن الفكرة لم تلق ترحيب.

دور نظام عبد الناصر في إشعال الفتنة

رغم هدوء حدة التعذيب في السجون إلا أن عيون رجال المباحث كانت على الإخوان في محاولة شق الصف، فبدأوا بترويج فكرة الإفراجات القريبة، ورغبة عبد الناصر في إنهاء هذا الأمر حتى أنهم خففوا القيود على الزيارات، وعن الأهالي، مما جعل النفوس تتوق للحرية، وأصبحوا على أحر من الجمر في انتظارها.

ثم بدأوا المرحلة الثانية حيث أخذوا يبثون روح الوهن في نفوس المعتقلين، بل دخلوا للبعض من باب الوطنية وأشعلوا جذوة الوطنية في نفوسهم خاصة أثناء القضايا الوطنية مثل تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وهو ما تحقق وجعل البعض في التفكير بتأييد عبد الناصر

"كان الكثير منهم من الضباط الذين اعتقلوا مع الإخوان المعارضين لعبد الناصر" من باب الوطنية – كما صور لهم رجال المباحث - يقول حسين حمودة: استمعنا لخطاب جمال عبد الناصر يوم 26/ 7/ 1956 والذي أذاعته محطة القاهرة على الهواء مباشرة وفوجئنا بإعلان جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.

وكان تأميم قناة السويس حلما يراود شعب مصر وعملا جريئا قام به عبد الناصر وهو عمل وطني مائة في المائة. وعلى أثر هذا القرار التاريخي قررت إرسال برقية لعبد الناصر أعلن تأييدي له في هذه الخطوة الوطنية المباركة.

فتشاورت مع فؤاد جاسر وجمال ربيع فوافقا معي على إرسال البرقية وطلبا قبل إرسالها أخذ رأي كبار الإخوان من أعضاء مكتب الإرشاد الموجودين معنا في السجن وحبذا إصدار بيان من الإخوان بتأييد جمال عبد الناصر في هذا الموقف الوطني الجريء.

فتناقشنا مع أعضاء مكتب الإرشاد في موضوع تأميم القناة وحبذنا إصدار بيان من الإخوان لتأييد الحكومة في موقفها فكان رد أعضاء مكتب الإرشاد أن تأميم القناة عمل وطني وجرئ لاشك فيه ولكن إرسال برقية تأييد ونحن مسجونون قد يفسرها عبد الناصر على أنها نفاق أو ضعف لاستجداء الإفراج عنا ولكن الوضع يختلف لو كنا أحرارا خارج السجون.

غير أن البعض رأى أن يرسل برقيات تأييد لعبد الناصر في موقفه، وكتب المؤيدون للحكومة في موقفها الوطني تأييدا للحكومة سلمته للصاغ بهجت يوم 14/ 9/ 1956 هذا نصه.

السيد - رئيس الجمهورية

بدافع من إيماننا بالحق وإخلاصنا للوطن وتفانينا في الدفاع عن حقوقه ومصالحه نعلن بقلوب مخلصة وقوفنا إلى جانب الخطوة التاريخية التي خطاها السيد الرئيس بتأميم قناة السويس المصرية ولنا على أرضها شهدا ودماء عزيزة خالدة.

كما نعلن تأييدنا لسياسة الحياد الإيجابي والوقوف أمام إسرائيل وتدعين الكتلة العربية من الخليج إلى المحيط. وإننا بالرغم من وجودنا خلف الأسوار نعتبر أنفسنا مجندين لمعركة الدفاع عن حقوق البلاد ورهن إشارة قيادتها.ونعلن انجلترا والدول الغربية الاستعمارية أن أبناء النيل لم تفرق بينهم الأحداث وهم كتلة واحدة قوية متراصة تستطيع بإيمانها أن تفتت أساليبهم الاستعمارية العتيقة.

وأننا أمام تهديداتهم التي تقطع بانهيار أعصابهم نعلن استعدادنا للدفاع عن حياض الوطن حتى آخر قطرة من دمائنا والله ولي التوفيق. (5)

لقد استطاع رجال المباحث الولوج إلى ثغرات القلوب التي اعترت البعض – ولا أحد يلوم أحد على موقفه الشخصي للخروج من المحنة – وكان أشدهم الضابط عبدالعال سلومة الذي سعى لنشر نار التأييد بين المعتقلين ، حتى أن هذه الفتنة لفح لهيبها بعض الإخوان الذين لم يتحملوا مرارة السجن، فشاركوا المؤيدين وجهة نظرهم والمواقفة على ما يقومون به.

يصور المشهد الدكتور عبد الحليم خفاجي بقوله:

بدأت الأيام تعمل عملها في تضميد الجراح بعد فشل اجتماع لجنة التوفيق .. وأسرع في برء النفوس ما شاع في المعسكر من قرب الإفراج عنا . وتوالت الأنباء في خطابات الأهل تارة ، وعلي ألسنة الرسميين من إدارة السجن تارة أخري .. حتى إن إدارة السجن طلبت منا التخفيف من بعض الأمتعة ، بإرسالها مع الأهل في الزيارات ..
وقويت الإرهاصات بحضور أفواج الزوار بتصاريح مجانية لأول مرة ، وبأعداد كبيرة ، اضطرتنا إلي استقبالهم جماعيًا في الميس العام ليومين متتاليين للدفعة الواحدة ، يتناول فيها الزوار طعام الإفطار والغداء مع أبنائهم المسجونين في جلسات عائلية سعيدة .. وتناثرت الأطفال بين الخيام كالزهور ، وترخصت إدارة السجن في مبيتهم مع أبنائهم لليوم التالي من الزيارة ، وكنا نقيم للأطفال حفلات ومباريات خاصة ، تحول المعسكر إلي روضة غناء ، تصدح فيها البلابل وتشقشق العصافير .
كذلك سمحت الإدارة لنا لأول مرة بالإذاعة . كما حضر في هذه الأثناء عدد من ضباط الجيش لزيارة المعسكر ، اجتمعوا بالمسؤولين من الإخوان "خاصة الإخوان العسكريين" .. وتكلم فيهم الأخ المقدم فؤاد جاسر قائلا : كان خلافنا مع الثورة لمصلحة الوطن . وقال الأستاذ عمر التلمساني لهم : نحن نؤيد كل عمل وطني بلا حدود .
وهكذا قويت الآمال في طي صفحة السجون .. وعكس هذا الجو أثره علي النفوس ، فاصطلح المتدابرون ، واقترب المتباعدون بغير لجان ولا قرارات .. وقد تواترت الأخبار الرسمية بأن خبر الإفراج عن المسجونين السياسيين سيعلن في خطاب 26 يوليو بميدان المنشية بالإسكندرية . وتصادف أن تعطل المذياع في هذا اليوم ، فحرص الأخ الرائد أركان حرب حسين حمودة علي سماع الخطاب من مذياع الكتيبة
وعاد إلينا بهذه المفاجأة الكبيرة التي أنستنا الكلام عن الإفراج .. مفاجأة قرار تأميم قناة السويس .. عرتنا الدهشة .. وأدركنا ما ستقدم عليه البلد من تطورات، فاندفع بعض من شارك في حرب فلسطين في محاولة ارسال برقية تأييد وطلب الخروج للمشاركة في الحرب والدفاع عن الوطن ضد العدوان الثلاثي، وعاد الحديث عن التأييد مرة أخرى. (6)

ويضيف:

هبطت علي المعسكر سحابة داكنة من الحزن بعد إرسال هذه المجموعة لبرقية التأييد إلي الحكومة ، لا لأن هذه البرقية قد عمقت الانشقاق في الصف فحسب ، بل ولما تلوثت به من دخول أصابع المخابرات فيها ، ولجرأة ضباط الإدارة علي استباحة حرمات مساكننا ، بعد أن كانوا لا يستطيعون التعامل معنا إلا من خلال الأخ المسؤول الإداري الممثل للجميع ، أو من خلال أعضاء مكتب الإرشاد .
الآن سهل عليهم كثرة التردد علي خيام المؤيدين ، وسهل كذلك تردد المؤيدين عليهم بالمكاتب ، مما قضي علي الكثير من هيبتنا داخل السجن، حتى أن إدارة السجن فصلت المؤيدين في خيام خاصة بهم، ووضعت المعارضين في قسم خاص بهم والشيوعيين في قسم ثالث بعيد عن الإخوان. (7)

لم يكتف رجال المباحث بذلك بل سعوا للضغط على الأهالي من أجل إرغام ذويهم على التوقيع على التأييد، حتى أنهم أجبروا بعض الزوجات على طلب الطلاق من زوجها، وهكذا عاش السجين وأسرته محنة شديدة لا يعرف كيف يخرج منها.

يقول الأستاذ مهدي عاكف:

وهكذا عاشت الأسر في رعب وخوف، وأفهمها ضباط المباحث أنه لا إنقاذ لكم من هذه الحالة إلا بالرجوع إلى أبنائكم في السجون وإلزامهم بضرورة تأييد الرئيس. وكان أهالي الإخوان يقولون لهم عند زيارتهم في حسرة وبكاء: البيوت خربت.. والأبناء تشردت.. والأعراض هددت، فارحمونا يرحمكم الله.. وكانت تتكرر هذه الضغوط من ضباط المباحث مرة تلو الأخرى على أسر الإخوان، وبالتهديد المخيف، واستعمال أساليب البطش والتنكيل بهم..
حتى أجبروا زوجات بعض من الإخوان على طلب الطلاق من أزواجهن. وازداد هذا البلاء، وعظمت المصيبة على الإخوان، فاضطر بعضهم إلى مجاراة ضباط المباحث، وكتبوا تأييدا رغما عنهم، وأما معظم الإخوان، فقد صبروا وتحملوا صنوف الضغط والإرهاب في السجون ورفضوا التوقيع على هذا التأييد. (8)

وحينما وجدت الحكومة صمودا من بعض الإخوان لجأت إلى المشايخ والوعاظ، حيث يتحدث شاهد عيان عما قاموا به بقوله: توافد الوعَّاظ علي السجن ؛ للدعوة السافرة إلي تأييد الحكومة .. والتلويح الخفي بالتكدير والسجن الطويل لمن يتنكب هذا الطريق . بدأت الحملة بالشيخ يونس ؛

حيث اجتمع بالإخوان في المسجد وخطب فيهم قائلا :

إنني أتحدث إليكم بصفتين ، صفة رسمية وأخري متعاطفة معكم .. ومن خلال صفتي الرسمية أقول لكم : إن كل من لا يؤيد الحكومة آثم ؛ لأن الفتيات يحملن السلاح للدفاع عن الوطن ، وقد لمست هذه الكلمة وتراً حساسًا لدي من كانوا فرسان العمل الفدائي في فلسطين وعلي أرض القنال ، فقاطعه كثير من الإخوان ملقين المسؤولية علي الحكومة وعلي أسلوبها الديكتاتوري في الحكم ، الذي جعلها تخوض المعركة بأمة غير موحدة الصف ، وكان بإمكانها أن تطلب منا الذهاب مباشرة إلي الميدان. (9)
وعندما فشل سلاح الوعاظ .. سلوا سيف التغريب علي من اعتبروهم مراكز قوة بين الإخوان ؛ ليكون في تغريبهم عبرة لمن علي شاكلتهم ، ولتضعف مقاومة من بعدهم .. وليشتد التوتر بين الإخوان جميعًا.
كما عمدت الحكومة إلى إخراج البعض حتى تشجع الأخريين على فعل ما تريده الحكومة في سبيل الخروج، واستمرت فتنة التأييد سنين طويلة – كما يقول الأستاذ محمد الصروي - ولم يكن الأمر سهلا ... فالفتنة تبدأ بكتابة تلغراف تهنئة للرئيس في أي مناسبة حتى لو كانت المناسبة افتتاح محطة مياه أو غيرها ثم بعد ذلك تبدأ إجراءات عزله عن الإخوان .وعدم الأكل معهم في السجن .
ثم نقله إلى عنبر أو زنزانة كلها (مؤيدون) ... ثم طلب كتابة تقارير عن إخوانه .. ثم ... ثم ... وأصعب من ذلك وأشق على النفس في السجن أن تتعلق بالإفراج على يد جلاديك .. حينئذ لا ينام المسجون ولا يهنأ بلحظة من حياته .. ويصاب بالضغط وغيره من أمراض القلق. (10)

وحينما لم تأت هذه الأمور بنتائج كان قرار التغريب إلى سجن المحاريق، حيث أرسل النظام ضباطه وعلى رأسهم صلاح الدسوقي الششتاوي، حيث بدأ فصل جديد من التضييق والتعذيب والضغط من أجل التأييد، حتى قام البعض بالفعل بالتأييد ولما أحس أعضاء مكتب الإرشاد وأعضاء المجلس الإداري برغبة هذه المجموعة في أن تسلك نفس الطريق الذي سلكه المؤيدون من قبل

أفهموهم بصراحة أنهم لا يقفون في طريق أحد يرتضي لنفسه سلوكًا آخر فيه بعض الترخيص ، وأن طريق العزيمة مفتوح لمن يعينهم الله عليه .. ولكن إذا اقترن الترخيص بالسلوك القويم والاعتدال فإن ذلك لن يبعد صاحبه عن قلوبنا ولا عن صفوفنا إذا ما رغب في التزام أسلوب حياتنا.

يقول عبد الحليم خفاجي: ولما طال انتظارها ومرت الشهور دون ثمرة ، هداهم تفكيرهم إلي أن يجربوا معنا نوعًا جديدًا من الضغط النفسي علينا ، بتسريب الأخبار السيئة عن الأهل ؛ ليكون ذلك أثره في إضعاف المقاومة . وبدأوا في السماح لنا باستلام الخطابات بعد أن تمر علي المصافي ذهابًا وإيابًا ، بحيث لا يصل إلينا إلا كل ما هو محزن ومسيء.

وحينما لم تجدي هذه الوسائل جاءت وسيلة أخرى على لسان إدارة سجن المحاريق الجديد المأمور فريد شنيشن عندما اقتحم الزنازين بجنوده ونشروا الفزع والرعب وسط الإخوان وأخرجوهم إلى الفناء مقرفصين، حيث قال: "لقد قررت الدولة أن تستفيد من عضلاتكم ، لأنها يئست من عقولكم الصلبة ، وستقومون بشق الترع والمصارف إلي ما شاء الله ، حتى تستجيبوا لما نطلبه منكم " . عندما يفقد الإيمان.

حيث وزعت فؤوس وكوريكات ومقاطف، وخرج طابور طويل من البوابة الشمالية للسجن في اتجاه الصحراء الغربية ، يتكون من مائتين أو يزيد للعمل في شق الترع في الصحراء تحت لهيب الشمس المحرقة، غير أنه موقف المعارضين ظل ثابتا.

كانت فتنة التأييد تجوب سجون مصر ففي سجن بني سويف عمد الضابط عرابي نائب "الزعيري" مأمور السجن، الذي جرد الإخوان من كل شيء ، وتفنن في إيذائهم ، حتى دفعهم إلي الإضراب عن الطعام أيامًا متوالية ، أغلقت عليهم أبواب الزنازين بلا أي اكتراث، ولم يفكر قائد السجن في محاولة تثبيتهم عن الإضراب، وتطوع بإلقاء نصيبهم من الطعام كل يوم في القمامة ، دون عرضه عليهم كما تقضي التعليمات ..

أخذ الضابط عرابي يذرع ممر العنبر جيئة وذهابًا ، ويؤكد للإخوان أن الإدارة جادة في إحكام غلق الزنازين وعدم فتحها عليهم ، إلا إذا استجابوا لمطالبها .. وخاطب الإخوان قائلاً : أنتم تعرفون أني أتَّقي الله في عملي .. ولا محل لما يحيك في صدوركم عن مسؤوليتي عما ينالكم من تكدير .. فأنا مجرد جندي مطيع أوامر رؤسائي ، وطاعة أولي الأمر واجبة ، والمسؤولية عليهم وحدهم ، سواء كان الحق لكم أم عليكم .. فسلطتي للتنفيذ فقط. (11)

ومن الثابت في الكتب التاريخية أن قليل ممن أيد هو من خرج وظل الباقون حتى خرجوا مع جموع الإخوان بعد انقضاء المدة أواخر عام 1964م.

رد فعل الإخوان

سعى الإخوان في السجون يدفعهم الحب لإخوانهم إلى محاولة عقد لقاءات يتحاور فيها الجميع حول موقف التأييد وإيضاح الرؤية وما يسعى إليه رجال المباحث، وأنهم لا يعترضون على تأييد أي عمل وطني لصالح البلاد، وكان اعتراضهم تأييد شخص لا تأييد وطن وقضاياه، حيث كان طلب التأييد الذي طلبه رجال المباحث مكتوبا هو تأييد عبد الناصر والمواقفة على ما يقوم به والتبرأ من جماعة الإخوان المسلمين، وليس تأييد الوطن – حكومة وشعبا- في اتخاذ ما يكون مناسبا حيال القضايا المصيرية.

يقول المهندس محمد الصروي:

أثناء العدوان الثلاثي قال الإخوان للحكومة آنذاك نحن على استعداد للجهاد ضد العدو حتى يخرج من بلادنا ... فهذا فرض علينا .. فرضه ديننا الحنيف ثم نعود إلى السجن بعد ذلك لقضاء باقي مدة العقوبة .. فرفضت الحكومة، مما ظهر هدف الحكومة من توقيعات التأييد. (12)

لا شك أن السجن إكراه .. وترك الزوجة والأولاد بلا عائل إكراه .. وتركهم بدون قوت إكراه ... والحصار المادي والمعنوي حول الأهل والأولاد إكراه والأمثلة على ذلك اكثر من أن تحصى، وكل انسان يود الخروج حتى الإخوان أو من يؤمنون بسمو قضيتهم، لكن الخروج يكون دون التنازل عن مبادئك.

ومع ذلك لم يغير الإخوان معاملتهم مع المؤيدين، وظلوا حريصين على التواصل بينهم، لكنهم أعلنوا موقفهم في كلمات قالها المستشار حسن الهضيبي – مرشد الإخوان - إذا تخلي الجميع ولم يبق سوي أخ واحد فسأكون معه. (13)

كان لبعض الأمهات ردة فعل قوية على ما يجرى حيث رفضن الضغوط التي تمارسها المباحث عليهن، ورفضن أن يكتب أولادهن أى تأييد لمن قتلهم وحبسهم وأعدمهم، خاصة أنهم مدركين أنه لن يتركهم يعيشون في استقرار، فحينما نُقل الإخوان المعارضين لفكرة التأييد إلى سجن المحاريق،

وهو سجن من طابقٍ واحدٍ وسط الصحراء – كان منهم بعض إخوان كفر الشيخ وهم المهندس عبد المنعم مكاوي والأستاذ جلال عبد العزيز، وعند الزيارة أمسكت أم جلال به قائلةً له: "إن عبد المنعم قُبض عليه وعُذِّب عذابًا شديدًا فلم يهن فلو نطقت بشيء أو أيدت سأقطع لسانك". (14)

وهذه تحية أحمد بشير – زوجة الأستاذ طه محمد أبو الليل أحد الرعيل الأول – حينما ضغط عليها لتطلب الطلاق رفضت واتجهت لزوجها تحثه أن لا يوقع مثل هذا الطلب، وأنهم سيكونون في معية الله، ولا يستطيع أحد أن يفعل لهم إلا ما كتبه الله. (15)

وهذه نعناعة السيسي – زوجة الأستاذ عباس السيسي والتي اعتقلت عام 1965م مع من اعتقلن من النساء – حينما ضغطت عليها المباحث لتطلب الطلاق من زوجها جاء ردها: كيف تطلب من زوجة عاهدت زوجها على الوفاء إلى آخر العمر أن تطلب منه الطلاق لمجرد تهمة، إن زوجي رجل صالح وأب أولادي وهذا يكفي. (16)

وهذه السيدة أمينة محسب – زوجة الأستاذ سعد الجزار أحد الرعل الأول - كان لها بعض الأقارب في المباحث فأخذ يستدعيها ويخبرها أنه لا رجاء في خروج سعد خاصة أن عبد الناصر أصدر قرارا باعتقال كل من تنتهي مدة حبسه، ولم يكن ذلك الألم فحسب بل اجتمع عليها أقاربها يخبرونها: بأنك ما زلت صغيرة والحياة أمامك فاطلبي الطلاق من سعد ولا حرج عليك

فكان ردها صاعقة عليهم حينما قالت لهم:

"لئن مت وأنا على ذلك في عصمة رجل صالح أوذي في سبيل الله خير لي من الدنيا وما فيها"، حتى أنها كانت ضمن من اعتقل من النساء عام 1965م في الوقت التي توفيت فيه أم زوجها وولدت ابنتها الصغير أسماء والتي اصطحبتها معها في السجن. (17)

ومن المواقف التي يذكرها الشيخ حمدي أحمد إبراهيم - مسئول المكتب الإداري للإخوان المسلمين في شمال القاهرة سابقا:

"كنت محل ثقة الحاج يوسف قتة وأهله، فعندما توفيت ابنته هدى جاءت السيدة زوجته ولم تخبره بما حدث لابنته خوفًا عليه، خاصة في وقت كانت محنة التأييد تضرب جنبات السجون، فشق عليها أن تخبره فيزيد من ألمه أو تنال من عزيمته، وكانت أمي تقول دائمًا أمامي: وهل يوجد أحد مثل زوجة يوسف قتة؟". (18)

وهذه الحاجة فايقة إسماعيل – أم الأستاذ محمد عبد المنعم أحد قادة الإخوان بالإسكندرية – ذهبت إليه في الزيارة لا لتقول له: إن قلبي ملهوف عليك، لكن لتشد على يديه وتدعو له بالثبات، وتوصيه بألا يهن أو يضعف، وكانت تفتخر به أمام جيرانها بأنه يعمل ذلك من أجل الله، ولا تنتهي الزيارة إلا مع قولها له: "إني لأدعو الله - سبحانه وتعالى - أن تكون يا بني آخر إخوانك خروجًا من السجن حين يأذن الله لكم بالخروج، فإنك عندي لست بأفضل منهم".

ولم يقتصر شدها لأزر ولدها فحسب، بل كانت تشد من أزر إخوانه الذين كانوا معه، والذين كانوا يحرصون على رؤيتها وقت الزيارة، كما كانت تشد من أزرهم خلال الرسائل التي كانت ترسلها لولدها، والتي كانت بمثابة رسائل إلى كل الإخوان؛ إذ كانت تبدؤها بقولها: "أبنائي".

ولم تكتف بذلك، بل كانت تحدث جيرانها وصديقاتها عن دعوة الإخوان وجهادهم وصبرهم وثباتهم، كما كانت تذهب إلى من تعرف من أمهات وزوجات المعتقلين لتصبرهن وتبشرهن بالأجر العظيم. (19)

وموقف أخر يصوره الحاج أحمد البس عن دور الزوجات في الحفاظ على البيوت رغم المحنة ورفضن أن يطلبن من أزواجهن أن يوقعوا على وثيقة التأييد مهما كلفهم الأمر

فيقول البس:

لما دخلت السجن عام 1954 أيام عبد الناصر وحكم على بالسجن عشرون عاما. فصلت من عملي كمدرس ولم يبق لأسرتي مصدر للدخل من راتبي الذي قطع عنهم وبعد مدة طويلة من السجن سمح لأهالينا بزيارتنا في السجن وجاءت زوجتي ومعها أبنائي وبناتي مظهرهم طيب وملابسهم قيمة

فبعد أن سلمت على زوجتي (رحمها الله) وقبلت يدي سألتها عن مصدر الأموال التي تعيشون بها قالت وبغير تردد: فضلت خيرك يا حاج نبيع الأرض ونصرف على البيت فشجعتها على ذلك وقلت لها بيعي كما تريدي المهم أن تعيشي أنت والأولاد مبسوطين (وكنت أظن ساعتها أنها تبيع من الأرض التي ورثتها أنا عن أبى)

وظللت كل زيارة أسالها عن الفلوس هل تكفيكم وهى في كل مرة تقول: الحمد لله فضلت خيرك يا حاج، ثم يستطرد قائلا في أوائل السبعينيات: وخرجت من السجن دون أن تعلم أسرتي بساعة خروجي، وسافرت من القاهرة إلى طنطا حيث توجهت إلي منزلي.

فوجئت بي زوجتي فطارت فرحا وقبلت يدي كما تعودت، وبعد سلامي على أولادي. طلبت مني أن أدخل إلي حجرة النوم لأستريح بعض الوقت الذي ستقوم خلاله هي بإعداد طعام لي وعندما دخلت حجرة نومي وجدت حصيرًا وغطاء على أرض الغرفة، سألتها وأنا في غاية الدهشة أين سريرك النحاس يا حجة؟ أين السراحة؟ أين الكمودينو؟

فنظرت إلي بابتسامة وكأنها تواسيني وتقول: كله يرجع في عزك يا حاج، وإذا بي أراها تضع طبلية خشب على الأرض عليها أطباق بلاستيك كل طبق من لون مختلف سألتها أين حجرة السفرة وأطباق الصيني بتاعتك يا حاجة؟ قالت: كله سيرجع في عزك يا حاج، وعندما ألححت عليها أن تقص لي ما حدث حدثتني أن أهلي لم يوافقوا على بيع أرضي للإنفاق على أسرتي (لأنه في الريف من العيب أن يبيع الرجل أرضه فيعيره أهل البلد بذلك)

فقامت هي ببيع أرضها التي ورثتها عن والدها وقامت بإنفاقها على البيت والأولاد، وبعد أن باعت أرضها كلها بدأت ببيع أثاث البيت حتى وصل الحال إلى ما رأيت، ووالله ما عانيت يوما ولا امتنت على يوما بما فعلت وذلك أثناء غيابي في السجن، وقمت بحمد الله بعد خروجي بشراء أثاث للبيت وشراء الذهب الذي كانت تقتنيه وباعته من أجل بيتي وأولادي. (20)

وعندما توسط الملك سعود بن عبد العزيز لدى عبد الناصر لتخفيف حكم الإعدام عن المرشد العام أرسلت السيدة أم أسامة نعيمة خطاب زوجة المستشار الهضيبي - خطابًا للملك موقع باسمها وأسماء بناتها

قالت فيه:

"يا جلالة الملك، إننا إذ نشكر كريم عاطفتك نؤكد على أننا على عهد الدعوة وميثاق الجهاد، وسواء استشهد الهضيبي أم طالت به حياة فلن تقف عجلة الصراع، إنه في الواقع ليس صراعًا بين الهضيبي وعبد الناصر، ولا بين الإخوان والثورة، ولكنه الصراع الأزلي الأبدي بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين الهدى والضلال، بين جند الله وحزب الشيطان، وسيظل لواء الدعوة مرفوعًا وعملها موصولاً، ولو ذهب في سبيله آلاف الشهداء، من رجال ونساء، حتى تعلو كلمة الله، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون" (21)

وحينما جاءت إحدى زوجات أحد المسئولين إلى زوجة المستشار الهضيبي لتبث في روعها ما قد يترتب على زوجها من أحكام، كان رد زوجة الهضيبي عليها بقولها:

أن "حسن الهضيبي" ما تولى قيادة الإخوان المسلمين إلا وهو يعلم أن سلفه "حسن البنا" قد اغتيل، وأهدر دمه علنًا في أكبر شوارع العاصمة، وما رضي الهضيبي بخلافته إلا وهو ينتظر هذا المصير، وقد باع نفسه لله، وسنكون سعداء إذا احتسبنا عميدنا وعائلنا عند الله، وأوفر وأعظم سعادة أن نلحق به إذا همَّ القضاء، ثم التفتت إلى بناتها خالدة وسعاد وعلية وسألتهنَّ: هذا ما عندي، فماذا عندكنَّ؟ فقلن في نفَسٍ واحد: ليس عندنا إلا ما عندك يا أماه. (22)

لم يترك النظام أى وسيلة إلا وقد استخدمها مع الإخوان المعارضين للتأييد لإجبارهم على التوقيع على تأييد عبد الناصر، حتى أنه أرسل العقيد محمود الغمراوي إليهم في السجون للضغط عليهم ومما قال لهم: لن تخرجوا بعد قضاء مدة الحكم أبطالاً معارضين للنظام ، وإننا نعد لكم من الآن أحد أمرين ك إما تحويلكم بعد انتهاء مدة الحكم إلي معتقل مفتوح إلي الأبد، وإما الإفراج عنكم لعدة أشهر تمهيدًا إعادة القبض عليكم في قضايا دعارة ومخدرات، حتى لا تحظوا بشرف لافتة الإسلام مرة أخري.

وكانت الخلاصة إجابة الإخوة: لا تتألهوا علي الله .. فأنتم لا تملكون لأنفسكم ولا لنا ضراً ولا نفعًا ، فالأرزاق والآجال بيد الله .. وبيدكم إنهاء هذه المشكلة في ساعة واحدة بالإفراج عن الجميع ، ولم نر نظامًا يجعل من إذلال المواطنين ومسخهم هدفًا من أهدافه الكبرى كمثل أنظمتكم التي تتكلم عن الحرية وسيادة القانون والتقدمية وعدم الاستغلال. (23)

خاتمة

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره"، وجميع الدعوات تعرضت للامتحان الرباني، فصبر من صبر وفرط من فرط. والإخوان وإن كانوا ليسوا جماعة المسلمين بل هم جماعة من المسلمين، إلا أنهم ارتضوا بالعمل من أجل دين الله وفق كتابه وسنة نبيه، مدركين عواقب الطريق، فكان شعارهم والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

والمحنة السجون هي من اشد المحن على الإنسان، ولا يمكن لأحد أن يزايد على أسير بداخلها، ولا أن يضغط عليه لاحتمال المزيد من الأذى بينما هو غير قادر على إخراجه من محبسه – خاصة أن كثير ممن في المعتقل ليسوا من الإخوان – ولهذا لا يطلب الإخوان من أحد في السجون أن يتحمل فوق طاقته، أو يعرضها للهلاك

لكنهم يتمثلون بقول مرشدهم الثاني:

"إن الدعوات لا تقوم على الرخص، وعلى أصحاب الدعوات أن يأخذوا بالعزائم، والرخص يأخذ بها صغار الرجال، وأنا لا أقول بالأخذ بالرخص ولكن أقول لكم : خذوا بالعزائم وتشبثوا بالعزائم".

لكن يجب أن يتضافر الجميع على العمل والسعي من أجل إيجاد سبل لخروج المعتقلين، فلا يقتصر البعض بالبكاء عليهم، لكن الوسائل لم تعدم، والقلوب قد تناثرت يجب جمعها وأن تلتحم الأيادي لتكون قوة أمام جبروت وطغيان المستبد ووقتها ستظهر كروت ضغط جديدة تكن في صالح المعتقلين وقضيتهم، لا أن نتبارى ويلقى كل فرد اللوم على الأخر بل لابد من الوحدة والعمل.

المراجع

  1. جمال البنا : "التعددية في مجتمع إسلامي" ص 11 دار الفكر الإسلامي، القاهرة، 2001م.
  2. رسالة بين الأمس واليوم: مجموعة رسائل الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.
  3. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، جـ1 ، دار الدعوة بالإسكندرية، 1999، صـ216.
  4. عبد الحليم خفاجي: عندما غابت الشمس: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م
  5. حسين محمد أحمد حمودة: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون، ط2، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987م.
  6. عبد الحليم خفاجي: مرجع سابق.
  7. المرجع السابق.
  8. محمد مهدي عاكف : صفحات من الذكريات، إخوان أون لاين، 2006م.
  9. عبد الحليم خفاجي: مرجع سابق.
  10. محمد الصروي: الإخوان المسلمون تنظيم 65 .. الصحوة والزلزال (1955 – 1975)، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م.
  11. عبد الحليم خفاجي: مرجع سابق.
  12. محمد الصروي: المرجع السابق.
  13. جابر رزق: الإمام الممتحن، دار اللواء للطباعة والنشر, 1991م.
  14. جلال عبد العزيز المربي الصامت: إخوان ويكي
  15. طه محمد أبو الليل: خطوات على الطريق، دار التوزيع والنشر الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1424هـ الموافق 2003م.
  16. سعيدة القطيط: أم معاذ في السجن، دار الطباعة والنشر والصوتيات، الطبعة الأولى، 1988م.
  17. أمينة محسب أحمد والتربية العملية، مجلة المجتمع الكويتية، 2007م.
  18. مقال عن يوسف قتة بموقع إخوان أون لاين يوم 12/6/2008م.
  19. مجلة لواء الإسلام، العدد العاشر، السنة 43، غرة جمادى الآخرة 1409هـ، 9/1/1989م.
  20. أحمد البس : الإخوان المسلمون في ريف، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1987م/ 1407هـ، صـ 105.
  21. محمد عبد الحكيم خيال، محمود محمد الجوهري: الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، الطبعة الثانية، دار الدعوة، شعبان 1413ه - يناير 1993م.
  22. محمد عبد الحكيم خيال، محمود محمد الجوهري: المرجع السابق.
  23. عبد الحليم خفاجي: مرجع سابق.

للمزيد عن العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر

كتب متعلقة بعلاقة الإخوان بجمال عبد الناصر
أقرأ-أيضًا.png

ملفات متعلقة

  • ملف: الإخوان وثورة 23 يوليو 1952م ،"لكل ما يتعلق بدور الإخوان في ثورة يوليو 1952م"
  • ملف: ملف تنظيم 1965م ،"لكل ما يتعلق بتنظيم 1965م واعتقال عبد الناصر للإخوان ومحاكمتهم"
  • ملف: ملف حادثة المنشية ،"لكل ما يتعلق بحادثة المنشية التي دبرها عبد الناصر للنيل من الإخوان"
  • ملف: ملف مذبحة طرة ،"لكل ما يتعلق بالمذبحة التي فعلها عبد الناصر للإخوان في معتقل ليمان طره عام 1957م"

مقالات متعلقة

وثائق متعلقة

أحداث في صور

.

وصلات فيديو

.