الإخوان والنظام ..وجها لوجه

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان والنظام .. وجها لوجه


أسباب الصدام بينهما

مقدمة

أكثر من تسعين عاما هي عمر جماعة الإخوان المسلمين، والتي نشأت عام 1928م على يد الأستاذ حسن البنا، بهدف الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث رسمت خط منهجها الاصلاح متمثلا تناول مظاهر الحياة جميعا، فلم تقتصر على جوانب معينة دون غيرها

لكنها استهدفت جميع جوانب الاصلاح في المجتمعات ، وهو ما تحقق بالفعل وظهرت ثمرته في المجتمع المصري فحسب، بل المجتمع العالمي، حتى أضحت أكبر فصيل تفاعلي مع قضايا المجتمع، وصاحبة أكبر تأثير في الحياة السياسية بمصر وغيرها.

وهذا ما دفع بالكثيرين من الباحثين والمؤرخين أن يتساءلوا .. هل السبب في هذه الصدامات والضربات التي تتعرض لها جماعة الإخوان المسلمين هي بسبب الأهداف والأفكار والمبادئ التي تعيش عليها الجماعة؟

أم أن عدم تحور الجماعة وسيرها في فلك النظام وخدمته هو الذي عرضها للاضطهادات المتتالية؟

أم أن الخطأ متبلور في طبيعة الأنظمة والحكم الفردي الذي عاشت وتعيش فيه مصر، وهو ما يجعله لا يقبل الآخر؟

أم أن ديناميكية الجماعة هي التي لم تتطور وسايرت المتغيرات التي حدثت على الساحة والمستجدات التي أحدثها الزمن؟ ولماذا الإخوان دون غيرهم؟

حرب بالوكالة

من المهم أن نتعرف على الظروف والأوضاع التي عاشتها مصر، والمخططات التي وضعها الغرب لجعل مصر دولة أسيرة لسياسته واتجاهاته الفكرية والسياسية.

فقد تعرضت مصر بسبب موقعها الفريد للغزو المتتالي من قبل الدول الخارجية، وفي كل مرة كانت تفرض الدولة الغازية سياستها ومنهجها على الدولة المحتلة، وانتهت هذه الحملات الاستعمارية بالغزو البريطاني لمصر في سبتمبر عام 1882م، والذي سعى منذ اللحظة الأولى على تشكيل سياسة البلاد بما يتراءى لمصالحه، فسخر مقوماتها لخدمته وخدمة أهدافه الاستعمارية، حتى أن بعض المصريين الذين افتتنوا بحضارته، فارتموا في أحضانه، سخروا كل جهودهم لتمكينه من السيطرة على كل مقومات البلاد واستعباد أهلها.

وفرض الإنجليز سياستهم منذ اللحظة الأولى على كل مصري، فأصبحت السياسة والقرارات السياسية تصدر من قصر الدوبارة، ومن مقر المندوب السامي البريطاني، حتى وصل الأمر بتدخلهم في عزل خديوي وتولية آخر على العرش، بل وصل الأمر إلى محاصرة قصر الملك فاروق واجباره على تنفيذ طلباتهم بتولية النحاس الوزارة أو العزل والنفي في الحادثة الشهيرة في 4 فبراير 1942م، وهو ما نزل على طلبهم في مشهد مهين.

وبلغ الأمر أن الإنجليز فرض على السياسة المصرية مبدأ مصاحبة من يصاحب الإمبراطورية البريطانية ومعاداة من يعاديها، غير أن الأخطر من ذلك عندما سيطرت بريطانيا على كل المقومات الاقتصادية للبلاد، فأصبح الجنيه المصري يسير في ركاب الجنيه الإسترليني، وأصبحت الخامات المصرية لا تصدر إلا إلى بريطانيا، وأصبحت المنتجات المصرية تساق لخدمة الجيش البريطاني، وحرم منها أبناء الوطن

فتفشت الأمراض والفقر والتسول والبطالة، وظهرت الطبقية، فعاش غالبية الشعب المصري حياة أشبه بالحياة التي تحياها المواشي، فحرم أبناؤهم من التعليم، ومن الترقي للوظائف العليا والتي أصبحت حكرًا على أبناء الأثرياء الذين يدورون في فلك المستعمر الإنجليزي ويخدمونه، وتقضي مصالحهم فعل ذلك على حساب أبناء الشعب الفقير.

كما تعرضت الحياة الاجتماعية لضربات قوية وزلازل عمت أركان الأسر بعد دخول المحتل، فسن البغاء بقانون وأصبح مشروعا في بلد دينه الأول الإسلام، كما فشت الرشوة والمحسوبية والانحلال الخلقي، واغتصبت الحرائر على يد ضباط وعساكر الجيش البريطاني، ولم يحرك ذلك حكومة ولا ملكًا، فباتت البلاد في فوضى، وساعد على ذلك شيوع ثقافة الغرب وسط أبناء الأمة، وهي الثقافة التي كان يقصد من ورائها شيوع الانحلال، والسعي وراء هذه الشهوات، وخدمتها على حساب التصدي لهذا المحتل، والتصدي لسياسته التدميرية.

وفي ذات الوقت لم يكتف الاستعمار بالسيطرة على الأمور السياسية والاقتصادية والفكرية، ونشر الفساد وسط الطبقات الاجتماعية، بل عمل على تدمير البنية التحتية لشعوبنا، وضرب الأخلاق في محرابها، فوجه سهامه إلى حصن الأمة الحصين وهم العلماء فأنقص من شأنهم، وعمل على شرائهم، فانساق وراء كلماته الزائفة نفر من العلماء

ودمر مناهج التعليم، ولقد اعترف القس زويمر في مؤتمر عالمي عام 1925م بهذا حين قال:

"إن السياسة التي انتهجها "دانلوب" في مصر نحو التعليم ما تزال مثار شكوى لاحتوائها على شوائب كثيرة ضد مقاصد الدين والوطن"، كما حصر الاحتلال التعليم في أبناء الطبقة العليا، وفرّق بين التعليم الأزهري والتعليم العام.
كل ذلك أحدث تغييرات في تربية وتنشئة أبناء الوطن ، فظهر منهم رجال تصدوا بكل طاقتهم إلى فكره المعوج الذي أراد به السيطرة على أبناء الأمة ورجالاتها، بل حملوا السلاح في وجهه وأذاقوه الويلات بين زقاقات وحواري الأحياء، حتى دفعوه إلى الخروج والتمركز في مدن القنال، فظهر مصطفى كامل وحزبه الوطني الذي أشعل جذوة الوطنية في قلوب الكثيرين
وكانت أولاد عنايت وجماعة حسين توفيق، واليد السوداء، إلا أن تأثيرهم كان ضعيفا، فكانت الأجواء مهيئة لظهور جيل جديد بمفهوم وطني جديد، مزج بين الحداثة وتعاليم الإسلام الحنيف فأحدث بظهوره زلزال في أركان السياسة البريطانية، حيث كان هذا الجيل ممن تعاهدوا مع الأستاذ حسن البنا للعمل من أجل هذا الدين ومحاربة المحتل والعمل على اصلاح المجتمع.

الإخوان وتغير مفهوم الوطنية

عمل المستعمر على تفريغ معاني الوطنية أو تجريدها من المعاني والروح الدينية التي كانت تحميها تعاليم الدين الإسلامي، بل عمل على إبراز نجوم تستطيع أن تسيطر على الروح الوطنية لكنها في الحقيقة روح مزيفة يغلفها العمل من أجل خدمة الاستعمار.

حتى نشأت دعوة الإخوان المسلمين عام 1928م، حيث عمل حسن البنا منذ اللحظة الأولى على إيجاد جيل يعرف حق وطنه، وحدد مهمة الإخوان المسلمين في رسالة: "رسالة بين الأمس واليوم" والتي صدرت أوائل الأربعينيات فقال: "شهد الله أننا لا نريد شيئًا من هذا وما لهذا عملنا ولا إليه دعونا

ولكن اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:

  1. أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
  2. أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها. ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظالمة وتنادي بالدعوات الغاشمة، ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام".

بهذه الأهداف حدد الأستاذ البنا مهمة جماعة الإخوان المسلمين، وأخذ يعمل على تحقيق ذلك في كل المراحل التي مرت بها الدعوة من مرحلة التعريف بالدعوة لمرحلة التكوين، ثم أراد أن يختمها بمرحلة التنفيذ، واستطاعت الجماعة تحقيق المرحلتين الأوليتين: التعريف من عام 1928م حتى عام 1938م، ثم كانت مرحلة التكوين من عام 1939م حتى استشهاد حسن البنا وإن كانت كل المراحل متداخلة في بعضها البعض

وبدأت في تحقيق أهدافها وإصلاح المجتمع فحاربت التبشير والبغاء وكل ما يهدم البنية التحتية للمجتمعات، كما طالبوا بإصلاح مجال التعليم، وعملوا على إصلاح الناحية الاقتصادية، فأنشئوا الشركات والمصانع كشركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الغزل والنسيج وغيرهم.

ونتيجة لهذه الجهود التي بذلها الإخوان والشرفاء من هذه الأمة ألفت لجنة لبحث موضوع البغاء الرسمي بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 12 أبريل سنة 1932م، وقد عقدت تلك اللجنة أول اجتماع لها يوم 8 يونيو سنة 1932م برئاسة الدكتور محمد شاهين باشا وكيل الداخلية للشئون الصحية لدراسة هذا الأمر. وفي المجال السياسي لم يرغب حسن البنا في بداية الدعوة أن يصطدم بالواقع الذي تحياه البلاد من كونها واقعة تحت الاستعمار.

وحاول قدر المستطاع تجنب الدخول في مهاترات سياسية حزبية مما كانت معروفة وشائعة في تلك الفترة، وحتى لا تعد جماعته حزبًا من الأحزاب القائمة فينصرف عنها الناس، وقد كتب حسن البنا خطته في النهوض بالأمة

فقال تحت عنوان: "في سبيل النهوض":

"يجب أن تكون دعامة النهضة "التربية"؛ فتربى الأمة أولاً وتفهم حقوقها تمامًا، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، وتربى على الإيمان بها، ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة، أو بعبارة أخرى تدرس نهضتها درسًا نظريًّا وعمليًّا وروحيًّا، وذلك يستدعي وقتًا طويلاً؛ لأنه منهج دراسة يدرس لأمة، فلابد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل، وكل أمة تحاول تخطي حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان".

لكنه كان مع ذلك يربي أفراد جماعته على معنى السياسة، وأنها إصلاح، وليست حربًا بين كل حزب وآخر، أو صراعًا على الكرسي. لم تكن الجماعة بعيدة عن السياسة منذ نشأتها -كما يقول به بعض المؤرخين- لكن السياسة التي حاربها حسن البنا في البداية هي السياسة الحزبية التي لا تجني سوى الصراعات والمهاترات، وأوضح ذلك في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، والتي صدرت في مايو 1934م

حينما قال:

"يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا، والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة الصالحة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس - والحمد لله - في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.
يا قومنا: لا تحجبنكم الألفاظ عن الحقائق، ولا الأسماء عن الغايات، ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلاً، ولا نرضى سواها دينًا، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الدنيوية، والسعادة الأخروية، ولتعلمن نبأه بعد حين".

بذور الصدام الأولى

تعاقب على الحياة السياسية بعد وفاة الزعيم مصطفى كامل ثم محمد فريد زعماء أحزاب لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ورضى الإنجليز ونيل الحظوة لدى المندوب السامي البريطاني، حتى اشتد التنافس بينهم على الوصول إلى الكرسي بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، بما هو ظاهر للعيان، فلم يكن في خلدهم مصلحة البلاد أو الشعب، بل كانت مصالحهم ومصالح ذويهم هي المحرك لهم

وقد كان كل حزب يسعى للحصول على تعضيد مكانته عند الملك والانجليز، فمثلا تم إنشاء حزب الأحرار الدستوريين فى عام 1922 بعد الخلافات الشديدة بين سعد زغلول وعدلى يكن وتولى يكن رئاسة حزب الأحرار، وألف إسماعيل صدقي حزب الشعب ليكون عضضا للملك، كما أنشق عن الوفد أيضا حزب الهيئة السعدية تحت رئاسة أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي، بسبب الخلافات بينهم، كما انشق مكرم عبيد عن حزب الوفد أيضا وكون حزب الكتلة الوفدية، كل ذلك أضعف الحياة السياسية وأصبح الصراع سمة الأحزاب للوصول إلى كرسي الوزارة.

ولم يكن لهذه الأحزاب برامج محددة تسير على نهجها، كما لم يكن في أجندتها ما يدل على محاولتها تحرير البلاد أو الاتحاد من أجل ذلك، ومما يدل على ذلك عدم اتفاق هذه الأحزاب على حكومة ائتلافية إلا نادر، وكان كل حزب في غير ذلك يسعي إزاحة خصومة وتولي الحكم، هذا نهيك عن الولاء الذي كان يكنه كل حزب للاستعمار فكان قصر الدوبارة ملاذ الأحزاب لنيل الحظوة والوصول للحكم، والتاريخ يذكر الاتهامات المتبادلة بالفساد مثل الكتاب الأسود الذي أخرجه مكرم عبيد.

كان هذا حال الحياة السياسية والحزبية التي كانت تحكم مصر، والسبب يوضحه وصف عبد اللطيف البغدادي في مذكراته صـ (31) عندما قال:

"لقد كانت الأحزاب تتطاحن من أجل الثراء وكان أغلب السياسيين يسعون حثيثًا إلى التقرب من المسئولين في دار المندوب السامي ليكونوا لهم سندًا وطريقا سهلا للوصول للكرسي ولم يكن يهم الكثير منهم أمر العمال أو الفلاحين".

ويتضح أن السياسة كانت تسير وفقًا لرغبة المحتل الإنجليزي، وعدم رغبته في وجود جماعة أو مؤسسة أو هيئة تعرف كل معاني الجهاد وطرق طرد المحتل، وتعمل على زلزلة أركانه، بل كان يريد إيجاد مثل هذه الأحزاب التي كان لا يهمها سوى الثراء ومصلحة أفرادها الخاصة، ومن ثم حدث الصدام مع جماعة الإخوان المسلمين عندما أدرك أهدافها خاصة بعدما اتضح له مدى تربية أفراد هذه الجماعة، ومدى فهمهم الواسع والشامل، ومدى إدراكهم لمرامي خططه التي تهدف إلى السيطرة التامة على الدولة، وعدم رغبته في إعطاء الشعب حقه في الاستقلال.

ويقول الإمام البنا في رسالة (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي):

" لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهى أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب فى أي بلد من بلاد الدنيا، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة، اقتضت الظروف والحوادث فى يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية
كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج، ولا خلاف بينها فى شيء أبدا إلا فى الشخصيات، وآية ذلك واضحة فيما تعلن من بيانات خارج الحكم وفيما تطلع به من خطب العرش داخل الحكم، وبما أن الأحزاب هي التى تقدم الشيوخ والنواب، وهى التى تسيّر دفة الحكم فى الحياة النيابية، فإن من البديهي ألا يستقيم أمر الحكم وهذا حال من يسيّرون دفته".

ومن ثم عمل الاحتلال منذ تبين له الأمر على عرقلة مسيرة الإخوان المسلمين بالاستعانة بهذه الوزارات الضعيفة بطرق عدة منها:

أولاً: قام بالإيعاز إلى رئيس الوزراء حسين سري باشا بأن يأمر بنقل حسن البنا إلى قنا، وتم ذلك الأمر فأصدر محمد حسين هيكل وزير التعليم قرارًا بنقل حسن البنا إلى قنا ، كما تم نقل وكيل الجماعة الأستاذ أحمد السكري إلى دمياط

وفي ذلك يقول محمد حسين هيكل في مذكراته (في السياسة المصرية الجزء الثاني، ص177):

"كان الإنجليز يومئذ شديدي الحساسية، وبخاصة إزاء ما يبديه بعض ذوي الرأي من المصريين من ميولهم المحورية، وإزاء بعض العناصر ذات النشاط بين سواد الشعب، وكانت جماعة الإخوان المسلمين تدعو للتخلق بالأخلاق الإسلامية، وللأخذ بقواعد التشريع الإسلامي في النظام المصري، وكان الشيخ حسن البنا مرشدها العام، وكان معلمًا للغة العربية في مدرسة المحمدية الابتدائية الأميرية.
وقد أبلغت السلطات البريطانية رئيس الوزراء حسين سري أن هذا الرجل يعمل في أوساط جماعته لحساب إيطاليا، ورغبت إليه العمل على الحد من نشاطه، ورأى حسين سري أن نقل الرجل من القاهرة إلى بلد ناءٍ بالصعيد يكفل هذا الغرض، فحدثني في الأمر وطلب إليَّ نقله لقنا، ولم أجد بأسًا بإجابة طلبه، فنقل مدرس في مدرسة ابتدائية ليس أمرًا ذا بال؛ إذ يقع مثله خلال العام الدراسي في كل سنة ولا يترتب عليه أي أثر"
وصدر قرار النقل في 19 مايو 1941م، غير أن النائب محمد عبد الرحمن نصير تقدم في جلسة مجلس النواب المسائية بسؤال عن هذا القرار، وقد جاء ذلك في مضبطة الجلسة الحادية والأربعين لمجلس النواب، والمنعقدة في أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء 22، 23، 24 من ربيع الآخر 1360هـ الموافق 19، 20، 21 مايو 1941م يستفسر فيه عن سبب نقل الأستاذ حسن البنا
وطالب بعودته، وتحت الضغط الشعبي وبعض نواب حزب الأحرار الدستوريين صدر قرار بعودة الأستاذ حسن البنا في يوليو 1941م، وأوضح هيكل باشا ذلك في مذكراته بقوله في صفحة (178): "ترى أأحسن سري باشا في تراجعه هذا أم أساء؟ لعله خشي أن يزداد ضغط النواب جسامة حين رأى سؤالاً يقدم للبرلمان في هذا الشأن، فأراد اتقاء ما قد يجر إليه ذلك من نتائج الأمر".
ثانيا: لم تتوقف مؤامرات المحتل الإنجليزي، فقام "المجلس العسكري البريطاني" بطنطا عن طريق أحد عملائه بتلفيق قضية خطيرة ضد الإخوان المسلمين باتهام أخوين من خيرة أفراد الإخوان هما محمد عبد السلام فهمي وكان مهندسًا في مصلحة الطرق والكباري بطنطا
وجمال الدين فكيه وكان موظفًا ببلدية طنطا بأنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة في الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء، فتم القبض عليهما وقدما للمحاكمة العسكرية، وكانت أول محاكمة عسكرية للإخوان، وسميت هذه القضية بالجناية العسكرية العليا (883) لسنة 1942م قسم الجمرك، غير أن القضاء برأهما من هذه التهمة.
ثالثًا: عمد إلى اعتقال الأستاذ البنا ووكيل الجماعة الأستاذ أحمد السكري وسكرتير الجماعة في أكتوبر 1941م، وأمام الضغط على الحكومة من الطلبة والشعب، وخوف الحكومة من انتقال الأمر مرة ثانية إلى البرلمان مما سيساعد على زيادة السخط العام ضدها تم إرسال حامد بك جودة "سكرتير حزب السعديين، ووزير التموين في وزارة حسين سري" إلى الإمام البنا في المعتقل بعد مضي حوالي عشرين يومًا على اعتقاله؛ وذلك للتفاوض معه على خروجه، وتم الإفراج عنه في 13 نوفمبر 1941م.
عندما أدرك الإمام البنا مرامي وأهداف الإنجليز ومماطلتهم في الانسحاب من البلاد قام بتكوين جهاز النظام الخاص الذي أنشأه عام 1941م
وكان يهدف من نشأته إلى:
  1. محاربة المحتل الإنجليزي داخل القطر المصري.
  2. التصدي للمخطط الصهيوني اليهودي لاحتلال فلسطين.

ووضع برنامجًا للدراسة داخل النظام، مثل:

  1. دراسة عميقة ومستفيضة للجهاد في الإسلام من خلال القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي.
  2. التدريب على الأعمال العسكرية.
  3. السمع والطاعة في المنشط والمكره.
ولم يكن النظام الخاص هو النظام العسكري السري الوحيد في مصر فقد كانت هذه هي سمة العصر فتشكلت تنظيمات علنية وسرية عسكرية عديدة، فقد كان لكل حزب مثل الوفد ومصر الفتاة عناصر عسكرية متمثلة في القمصان الزرقاء والخضراء، كما كانت جماعة اليد السوداء والتي كان يرأسها أحمد ماهر
وكان نائبه النقراشي هي الجمعية السرية لحزب الوفد، وقامت بعمليات اغتيال كثيرة مثل السير لى ستاك، وحسن عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك عضوي حزب الأحرار، كما اشترك إبراهيم عبد الهادي (رئيس الوزراء فيما بعد)، وعبد الرحمن بك فهمي بجرائم اغتيال سياسية.
بل كانت من أهم الأحداث والاغتيالات السياسية حادثة مقتل أمين عثمان، والذي قام بها حسين توفيق ومحمد أنور السادات والذي كان يعتبره السادات عملًا بطولياًّ وكان يفتخر به. لقد قام النظام بعدة عمليات ضد الإنجليز، كما قام بدور كبير نحو فلسطين من جمع السلاح والمال وإرساله للمجاهدين في فلسطين أثناء الحرب العالمية الثانية.
فتحت قصص المقاومة التي قام بها الإخوان ضد المستعمر الانجليزي والصهاينة النار عليهم، وكان ذلك واضحا وجليا من الأفعال والتحريض التي يقوم بها الانجليز والصهاينة لتشويه الإخوان، فقد كتبت فتاة صهيونية تدعى "روث كاريف" مقالا ونشرته لها جريدة "الصنداى ميرور" في مطلع عام 1948م ونقلته جريدة "المصري" حاولت فيه إقناع حكومات أوروبا بخطورة حركة الإخوان

حيث قالت :

إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة، وأن الإسلام هو خير الأديان جميعًا، وأفضل قانون تحيا عليه الأرض كلها ثم استطردت تصف خطورة حركة الإخوان إلى أن قالت: والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط، وأصبحوا يطلبون من كل مسلم ألا يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة، فقد حان الوقت للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه، وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب اسم "الإخوان المسلمين".
وقالت - وهذا هو بيت القصيد:
إن اليهود في فلسطين الآن هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين، ولذلك كان اليهود الهدف الأساسي لعدوان الإخوان، وقد قام أتباعهم بهدم أملاك اليهود ونهب أموالهم في كثير من مدن الشرق الأوسط، ويعدون الآن العدة للاعتداء الدموي على اليهود في عدن والبحرين، وقد هاجموا دور المفوضيات والقنصليات الأمريكية، وطالبوا علنًا بانسحاب الدول العربية من هيئة الأمم المتحدة.
وبعد هجوم عنيف على سماحة المفتى الأكبر وعلى فضيلة الإمام الشهيد حسن البنا ختمت مقالها قائلة:
"وإذا كان المدافعون عن فلسطين –أي: اليهود- يطالبون الآن مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، فإنهم لا يطالبون بذلك؛ لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها، ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية إلى فلسطين لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجهًا لوجه
وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة، وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب فإن أوروبا ستشهد ما شهدته في العقد الماضي من القرن الحالي إذ واجهتها حركة فاشية نازية وقد تواجهها في العقد الحالي إمبراطورية إسلامية فاشية تمتد من شمالي إفريقيا إلى الباكستان، ومن تركيا إلى المحيط الهندي".

النقراشي والصدام الأكبر

اجتمع سفراء الإنجليز وأمريكا وفرنسا في مدينة فايد في 11نوفمبر 1948م وطلبوا من النقراشي باشا إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين، فكما جاء في الوثيقة الممهورة بإمضاء الماجور (أوبريان ماجور) السكرتير السياسي للقائد العام للقوات البرية البريطانية في الشرق الأوسط

والتي جاء فيها أنها مرسلة إلى رئيس إدارة المخابرات رقم (13) تحت رقم قيد: (1843 /أى/ 48) يعلمه فيها باجتماع السفراء واتخاذ قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين عن طريق السفارة البريطانية، فرفع الكولونيل (أ. م. ماك درموث) رئيس المخابرات البريطانية هذا الأمر تحت رقم قيد (1670/ أ ن ت/ 48) إلى إدارة: ج . س . 3 بتاريخ 20/ 11/ 1948م ليعلم حكومة الملكة بذلك، وفعلًا كلف السفير البريطاني النقراشي باشا باتخاذ الإجراءات اللازمة للحل.

استجاب النقراشي باشا لهذا الأمر وقرر حل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948م ومصادرة أموالها واعتقال أفرادها (كما ورد في صحيفة الأهرام العدد 22750 الموافق 9/12/ 1948م صـ(1)، حتى إن عبد الرحمن الرافعي باشا كتب في كتابه (في أعقاب الثورة المصرية، الجزء الثالث، دار المعارف، الطبعة الأولى، 1989م) قوله: "لعمري إن النقراشي لم يكن موفقًا في إصدار هذا الأمر؛ فإنه ليس من العدل أن تأخذ الجمعيات والأحزاب بتصرفات أو جرائم وقعت من بعض أعضائها، بل يقتصر الجزاء على من ارتكبوا هذه الجرائم".

والسؤال: لماذا وافق النقراشي باشا على الاستجابة للإنجليز وحل الجماعة مع إدراكه أن سري عام 1940م والنحاس عام 1942م رفضا هذا الطلب من قبل؟

الأمر يتضح في حياة النقراشي، فقد انضم للوفد منذ نشأته، غير أن الإنجليز رفضوا توليه منصب وزير من عام 1924م حتى 1929م بسبب اتهامه في قضايا الاغتيالات، لكنها وافقت أوائل عام 1930م فتولى وزارة المواصلات ثم الداخلية في وزارة محمد محمود باشا

وكانت أهم الملاحظات عليه (كما ذكر الدكتور سيد عبد الرازق يوسف عبد الله في رسالة الدكتوراه تحت عنوان محمود فهمي النقراشي ودوره في السياسة المصرية 1888 – 1948م، مدبولي، 1995م):

أن النقراشي اشترك في الاعتداء على الدستور والحرية الشخصية للأفراد، كما تخلى عن العمل الوطني منذ أن اشترك في الوزارات، فأصبح يتطلع لنصرة الإنجليز، كما أنه أصدر قانون رقم 597 في 4/ 7/ 1945م بصفته وزيرًا للداخلية بمنع الاجتماعات المقررة لحزب الوفد ببورسعيد

كما أصدر قرارًا بمنع الاحتفال بعيد الجهاد فى نفس العام، كما أصدر قرارًا بمنع ارتياد المرضى لمستوصف الإخوان الخيري، وذلك كما ورد في محفظة رقم 561 الإخوان المسلمين محفظة عابدين دار الوثائق ص (364)، كما كان الصدام دائمًا بينه وبين الوفد ومصر الفتاة واليسار المصري.

وجاء في عدد الأهرام 21577 ص (2) بتاريخ 27/ 2/ 1945م

أن الإنجليز استقبلوا وزارة النقراشي بالترحاب وأن اللورد كيلرن أرسل رسالة تهنئة وترحيب للنقراشي لتوليه الوزارة، فرد عليه النقراشي كما ورد في مجلة الدستور العدد 235 ص(2) بتاريخ 28/ 2/ 1945م يشكره على هذه المعاني، وأنه سيظل يعمل على التعاون مع صاحبة التاج البريطاني
وكان أول عمل قام به إعلانه دخول الحرب بجوار إنجلترا في 26/ 2/ 1945م، ونوه في خطاب العرش الذي ألقاه في 12/ 11/ 1945م بالصداقة مع بريطانيا، ولا يخفى على أحد ما قام به في 9/2/1946م من مذبحة كوبري عباس ضد الطلبة، بالإضافة لعرضه القضية المصرية عرضًا هزيلًا ضيع البلاد كما أضاع السودان.
وعندما اندلعت حرب فلسطين رفض أمام مؤتمر في أكتوبر 1947م دخول الجيوش النظامية، وإمداد المتطوعين بالمساعدة، غير أنه رضخ لأوامر الملك عندما أمر بدخول الجيش المصري رغم ما فيه من ضعف، فطالب النقراشي البرلمان بالانعقاد وعرض عليهم الأمر عاريًا من الصحة، وكذب عليهم في أمر الجيش، وأنه قوي وسيهزم اليهود مما دفع النواب للموافقة
وتبين لهم بعد ذلك كذب ما قال، وذلك كما ورد في مجلة آخر ساعة العدد 969 ص(13) بتاريخ 20/ 5/ 1953م، غير أن الأسباب الحقيقية التي دفعت النقراشي للزج بالجيش المصري هي خشيته من الإخوان ومحاولة منافستهم وتنفيذ أوامر الملك، والغريب أنه قبل الهدنة في 4 ديسمبر 1948م استجابة لنداء اليهود
ومن خلفهم الإنجليز والأمريكان بالرغم من وصول المجاهدين وقوات الجيش لمناطق هامة، حتى إنهم كانوا على مقربة من تل أبيب، ومع ذلك لم يقم أثناء الهدنة بإمداد القوات بالسلاح، بل ومنع السلاح في الوقت التي كانت العصابات اليهودية تحصل على السلاح وتقوم بخرق الهدنة بين الحين والآخر.
وأصدر أمرًا بمنع باقي المجاهدين من السفر، بل وطالب بعودة المجاهدين الموجودين في أرض المعركة، بل أصدر أمرًا للواء فؤاد صادق باعتقال كل المجاهدين الموجودين في فلسطين، غير أن الرجل رفض اعتقالهم حتى يتموا مهمتهم.
وعندما وقع الجيش المصري تحت الحصار في الفالوجا لم يمده بالإمدادات ولم تصل له أية إمدادات إلا عن طريق المتطوعين تحت قيادة الضابط معروف الحضري، وظل الجيش تحت الحصار حتى عقدت معاهدة رودس في مارس 1949م، مما زاد من حنق وغضب الجيش على الملك والوزارة.
واستكمل مراحل الاضطهاد والصدام خلفه إبراهيم باشا عبدالهادي – الذي سمى عهده بالعسكري الأسود لشدة التعذيب – حتى أقاله الملك وجاءت حكومات أقلية.

استمرار الصدام

بعدما خرج الإخوان من السجون في بداية الخمسينات عملوا على عودة شرعيتهم وهذا ما أقرته المحكمة بعدما ألغت قرار الحل الذي أصدره النقراشي باشا لكونه قرارا غير دستوري، وأمرت بإعادة أملاك الإخوان لهم غير أن حكومة الوفد رفضت ذلك كما رفضت الاعتراف بجماعة الإخوان كهيئة إسلامية جامعة، وحاولت سن قانون لحصرها في كونها جمعية خيرية كغيرها من الجمعيات.

حتى أنها أصدرت القرار بقانون رقم (50) لسنة 1950م والذي مدَّ العمل بالأحكام العرفية لمدة عام، أو للمدة التي تنتهي فيها الحكومة من إصدار قانون الجمعيات؛ لأن إلغاء الأحكام العرفية كان يعني سقوط القرار بحلِّ الإخوان، الصادر من الحاكم العسكري مستندًا فيه لتطبيق الأحكام العرفية

كما حاول "فؤاد سراج الدين" بيع المركز العام في المزاد العلني، وحوَّله إلى قسم شرطة الدرب الأحمر، كما أصدرت حكومة الوفد بعد ذلك قانون الجمعيات في 26أبريل من عام 1951م، وهو القانون (66) لعام 1951م بشأن الجمعيات ذات الأغراض الاجتماعية والدينية والأدبية، وكان الغرض من هذا القانون تحويل الإخوان إلى جماعة دينية بعيدة عن السياسة، إلا أن قرار محكمة القضاء الإداري الصادر في 17 سبتمبر 1951م لم يمكِّن حكومة الوفد من تنفيذ مخططها؛

إذ قرر أن جمعية الإخوان المسلمين تكوَّنت في ظلِّ الحقِّ الأصيل في تكوين الجمعيات الذي أعلنه دستور 1923م، وقرر قيامه، فاكتسبت صفتها القانونية، كما تمتعت بشخصيتها المعنوية من تكوينها وفق المبادئ المقررة من إسناد هذه الشخصية إلى كلِّ هيئة استوفت عناصرها، وتوافرت لها مقوماتها من إرادة خاصة ونظام تبرز به هذه الإرادة وتظهر.

وجاء الحكم في الموضوع في القضية (190) لسنة 3 قضاء إداري ليؤكِّد الحكم السابق، ويؤكِّد أن الإخوان هيئة إسلامية جامعة، وأن الإخوان وفقوا أوضاعهم وفقًا للقوانين المعمول بها.

فكانت أسباب الصدام في هذه المرحلة الملكية كثيرة ومتعددة، كان مرجعها إلى وجود الاستعمار وفرض سياسته وواقعه على أنظمة وأداة الحكم في مصر آنذاك

كما كان من هذه الأسباب:

  1. الفكر الذي احتضن به الانجليز بعض المصريين وصنعوا منهم زعمات يخدمون بها سياستهم في مواجهة المصريين.
  2. تقديم بعض من في السلطة المصالح الفردية والحزبية على المصالح العامة للوطن والشعب وخدمة القضايا الوطنية مما جعلهم يصطدمون مع كل من يعمل ضد مصالحهم ورغبات المحتل.
  3. التغييرات التي أحدثتها جماعة الإخوان في صفوف الشعوب والعمل على نشر الوعي الوطني والمطالبة المستمرة باستقلال البلاد والتحرر من قبضة المحتل وأعونه من الحكام.
  4. تكالب الدول الغربية والصهاينة على حركات المقاومة ضدهم وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين والتي برز أفردها في العمليات النوعية ضد أهداف المحتل، والمقاومة العنيفة التي ظهرت منهم في حرب فلسطين عام 1948م وحرب القنال عام 1951م.

الثورة وعسكرة الوطن

كان لمعظم الأسباب التي كانت سببا في صدام الأنظمة الحاكمة في عهد الملكية مع الإخوان والحركات الإسلامية دافعا لتلاحم أفراد الشعب مع بعض أفراد الجيش لتغيير الوضع القائم، حيث هيئت الظروف لهذا التغيير – لكن كان يتم ذلك بإيعاز من دول الغرب دون معرفة الإخوان

وبالفعل حدث زلزال الثورة وتغيرت الملكية إلى جمهورية وانتظر الإخوان أن يعيشوا في أجواء من الديمقراطية والحرية التي كانوا ينشدونها وتعاونوا مع الجميع على تحقيقها لكن يبدو أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حتى برزت روح الانفرادية والسيطرة على السلطة من قبل بعض العسكر الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها في سدة الحكم.

ما كانت الثورة لتنجح – بشهادة الجميع – دون وجود ظهير شعبي قوي ساعد صغار الضباط الذين تحركوا لعزل الملك، فكان هذا الظهير متمثلا في جماعة الإخوان المسلمين، الذين كانوا يمتلكون القدرة العددية والتنظيمية

حتى أن عبد اللطيف البغدادي كتب في مذكراته الجزء الأول، طبعة المكتب المصري الحديث، صـ (24):

"قمنا بتدريب الإخوان المسلمين عسكريا وأمددناهم بالأسلحة والذخيرة التي كان قد أمكن لنا تهريبها من مخازن الجيش وعملنا على تشكيل كتائب فدائية منهم تحت قيادة ضباط بغرض القيام بغارات فدائية قبل ذهابهم لفلسطين عام 1947م خاصة بعد قرار التقسيم في نوفمبر 1947م".
وبعد أن استقر الوضع للضباط الأحرار شكلوا مجلس قيادة الثورة لتحكم مصر من خلاله حتى تجرى الانتخابات، وتحكم مصر من خلال نظام ديمقراطي نيابي، غير أن الخلافات والمشاحنات شقت صفوف الضباط، وحدثت تكتلات بينهم وانعدمت الثقة فيما بينهم، فبرزت هذه المشاكل على السطح، وأصبح الوضع ينذر بخطر
خاصة أن بعض رجال مجلس قيادة الثورة كان لا يرضى عن محمد نجيب بسبب زيادة شعبيته، وخوفهم من أن يقصيهم عن الحياة السياسية، وهو المطلب الذي كان ينادي به محمد نجيب بعودة رجال الجيش إلى أماكنهم بين صفوف العسكريين، فكان هذا لا يرضي هؤلاء الضباط، فعملوا على تهميش نجيب
واحتدم الشقاق بين نجيب وعبد الناصر، فيذكر عبد اللطيف البغدادي في مذكراته ص(93) أن عبد الناصر اتصل بياور محمد نجيب الضابط إسماعيل فريد، وطلب منه أن يبلغ نجيب بعدم الذهاب إلى حفل ذكرى وفاة حسن البنا، وأنه يحذره من الذهاب، وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة عليه، ثم سب عبد الناصر ولعن محمد نجيب".
لم يكن لدى رجال الثورة رؤية واضحة في كيفية إدارة البلاد ومن ثم كانت الانشقاقات والمشاحنات بين صفوف الضباط كثيرة، وأصبحت مصر تعيش محنة العسكريين، فتارة يتحرك سلاح الفرسان، وأخرى يحرك جمال سالم سلاح الطيران ويهدد نجيب، كما يعلن عبد الحكيم عامر أنه سيدك سلاح الفرسان بالطيران، وأخذ كل فريق يسابق الفريق الآخر في السيطرة على مقاليد الأمور، وحاول كل فريق استرضاء القوى الأخرى لتكون فى صفه كالإخوان وغيرهم.
كما أن جمال أخذ يشيع الرهبة والرعب في قلوب الشعب عن طريق المظاهرات التي كان يحركها الضابط أحمد طعيمة وإبراهيم الطحاوي والانفجارات التي أحدثها عبد الناصر حتى يطلب الشعب أن يظل العسكريون في السلطة يحمون البلاد، وما كانت هذه التفجيرات إلا بمعرفة وإدارة عبد الناصر كما ذكر بغدادي صـ(146)
عندما قال:
"لقد اعترف عبد الناصر لي ولكمال الدين حسين وحسن إبراهيم يوم الأحد 21/ 3/ 1954م بأن التفجيرات التي حدثت في مبنى محطة السكك الحديدية وحرم الجامعة ومحل جروبي هو التي قام بها بهدف إثارة البلبلة في نفوس الناس حتى يجعلها تشعر بعدم الأمن والطمأنينة".
لقد قيد الحكم العسكري البلاد منذ سيطرته على مقاليد الحكم، ففي 10/ 12/ 1952م أصدر مجلس قيادة الثورة (على ما به من خلافات) قرارًا بإلغاء دستور عام 1923م وإعلان الدستور المؤقت في 10/ 2/ 1953م. بدأ العسكر في سياسية الاستعمار السابقة "فرق تسد" بين جميع القوى الشعبية والأحزاب حتى أصدر قرارا في عام 1953م بحل جميع الأحزاب السياسية ثم بعدها بفترة وجيزة قرارا أخر بحل جماعة الإخوان المسلمين.

وقفة هامة

كانت هذه الفترة تتميز بالصدام بين كل الأطراف كل يحاول أن يكون الطرف الفائز في هذا الصراع. فوجدنا صراع العسكر بين بعضهم البعض حتى تغلب فريق على الأخر. ورأينا الصراع بين العسكر والأحزاب السياسية، في محاولة لتفريغ الساحة من الأحزاب المؤثرة. بل إن عبد الناصر قام باعتقال الشيوعيين وقادة الأحزاب في سعيه للحكم الفردي السلطوي.

ورأينا الصراع بين العسكر ودعاة الديمقراطية وعودة العسكر إلى ثكناتهم مثل السنهوري والذي كان جزاءه الضرب من العسكر. ورأينا الصراع بين الإخوان والعسكر في محاولة لضرب الحركات الإسلامية القوية. مما دل على ان أزمات الصراع والصدام في اصلها نابعة من السلطة الحاكمة، وليس من الإخوان كما يدعون لأنها لو كانت الجماعة هي سبب الصدام فلماذا اشتبك النظام العسكري مع كل القوى الموجودة – بما فيهم أنفسهم – في محاولة لسيطرة فئة قليلة على الحكم والاستئثار به؟

الغريب في ذلك أن عبد الناصر بعدما حل الإخوان واعتقل قادتهم، قام بالانقلاب على محمد نجيب والضغط عليه حتى قدم استقالته من جميع المناصب، ولولا المظاهرات الشعبية الكبيرة التي تحركت مع رضخ عبد الناصر للمطالب التي تدعو بعودة نجيب والافراج عن الإخوان، حتى أنه أعاد الجماعة مرة أخرى وقام بزيارة المرشد العام المستشار حسن الهضيبي.

لم يكن صدام عبد الناصر مع الإخوان في محنة 1954م صدام من قبل الإخوان كما يروج بعض الكتاب بقدر ما هو عملية ديناميكية كرد فعل على محاولة الإخوان التأثير في الشعب وزيادة شعبيتهم ، فاصطنع عبد الناصر حادث المنشية – كما ذكر حسن التهامي في جريدة الأحرار- ليرفع من شعبيته ويقضي على الإخوان وتم ذلك في حادث المنشية الذي تم في 26/10/1954م

والتي لم يكن عبد الناصر قد انتهى من خطابه حتى زج بآلاف الشباب داخل المعتقلات وكانت كل القرائن تدل على أن هذا الحادث مصطنع وليس حقيقيا (وكل ذلك واضح في تتابع الأحداث والتي ذكرتها صحف الأهرام والجمهورية والأخبار لأيام 27 أكتوبر حتى 4 نوفمبر 1954م والتي يظهر من بين سطورها كذب وافتراء هذا الحادث).

تقول الدكتور هالة مصطفي في كتابها "الدولة والحركات الإسلامية المعارضة بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك "ص (111: 119):

"انتهت أغلب الدراسات في مجال النظم السياسية المقارنة إلى إدراج النظام المصري في عهد جمال عبد الناصر ضمن النظم السلطوية – Authoitarian Regime- وأنه نظام يتسم بعدد من الخصائص أهمها
  1. إنه نظام لا ينهض على وجود أيديولوجية سياسية قوية متماسكة
  2. وجود حزب سياسي واحد يحتكر القوة السياسي
  3. لا يوجد تعبئة سياسية في النظام السياسي السلطوي إلا في بداية قيامه، أما بعد استقراره فإن النظام لا يعتمد إلى الاعتماد على التعبئة الجماهيرية
  4. يهتم النظام بالسيطرة على الجيش ويحتل القادة العسكريون وضعا متميزا في النظام السياسي حيث يتحولون إلى سياسيين.كما تميز هذا النظام بضعف الأيديولوجية الرسمية، والضعف المؤسسي".

وهذا ما قام عليه نظام عبد الناصر والسادات ومبارك ومن بعدهم السيسي حيث الانفراد بالسلطة وعدم إشراك الهيئات أو المؤسسات في إدارة دفة الحكم ومن ثم وجد الصدام مع كل طوائف الشعب غير أنه زاد مع الإخوان بسبب محاولتهم إصلاح هذا النظام وإرساء الحياة النيابية فتؤدي بطبيعة الحال إلى الصدام.

حيث اعترض الإخوان على وضع الحريات في ظل الحكم العسكري الانفرادي الذي شكله عبد الناصر حتى أنه عمد إلى إزاحة أقرانه – بل وحبسهم – مثل البغدادي وعامر وكمال الدين حسين وصلاح وجمال سالم، بل إن رفض الإخوان لاتفاقية الجلاء التي وقعها عبد الناصر على هذا النحو المفرط في حق مصر، كانت سببا في زيادة الصدام.

السادات ومرحلة جديدة من الصدام

تولى السادات بعد وفاة عبد الناصر الحكم وكانت فترة ولايته الاولى تشوبها الاضطرابات حيث مراكز القوى بالإضافة للشيوعيين والسوفيت في مصر، مما دفعه لإفساح المجال للحركات الإسلامية لضرب هذه القوى ومعاونته قبل أن ينقلب عليها وعلى جميع القوى السياسية في مصر بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل.

حيث اصدر النظام عدة قرارات لتقييد المشاركة السياسية مثل قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977م والمعدل بقانون 36 لسنة 1979م، وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي رقم 33 لسنة 1978م وهى القوانين التي تضمنت حرمان بعض القوى السياسية من ممارسة العمل الحزبي

كما صدر قانون رقم 105 لسنة 1980 بشأن إنشاء محاكم امن الدولة والقانون رقم 148 لسنة 1980 بشأن حرية الصحافة بالإضافة إلى الإبقاء على بعض القوانين المقيدة للحريات السياسية والتي ورثها النظام من الحقبة الناصرية (حيث استمر ذلك في عهد حسني مبارك) كما ذكر الدكتور على الدين هلال في كتاب "المشكلة السياسية في مصر ص (15)".

ولم تأخذ معارضة الإخوان للسادات الشكل العنيف، غير أنه انقلب عليهم حينما رفضوا ونددوا بمعاهدة السلام وزيارته لإسرائيل

تقول الدكتور هالة مصطفي صـ(203):

"إن معارضة الإخوان لنظام السادات لم تأخذ شكلا عنيفا من قبل الإخوان أو التحدي السافر للسلطة بل كانت أقرب إلى ممارسة الضغط السياسي على النظام بهدف دفعة إلى تقديم تنازلات سياسية، ومن ثم حرص الإخوان على تميز أنفسهم عن الجماعات الإسلامية التي ظهرت في نفس الحقبة ولجأت إلى العنف كوسيلة للتغيير السريع".

غير أن الصدام بين الإخوان والسادات كانت بسبب مطالبة الإخوان بالشريعة الإسلامية وتطبيقها وهذا ما كان يصطدم مع شعار السادات "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"، وأيضا موقف الإخوان الواضح من قانون الأحوال الشخصية والرافض له مما جعلهم في صدام مع النظام.

لم يكن صدام السادات بالإخوان فحسب بكل كان مع كل الطوائف حتى بلغت ذروة الصدام بين النظام والقوي السياسية والدينية في سبتمبر 1981م حينما قام السادات باعتقال رموز وبعض أعضاء هذه الهيئات الدينية السياسية بما فيهم الأستاذ التلمساني والبابا شنودة والشيخ أحمد المحلاوي وفتحي رضوان والكثيرين من القوى السياسية وغيرهم.

ولذا:

  1. فقد اصطدم النظام بالهيئات الإسلامية السلمية كالإخوان لسياستها المعارضة لسياسته.
  2. أصطدم النظام بجماعات العنف لسياستها العنيفة نحو النظام وتعامل النظام معها بنفس الطريقة.
  3. اصطدم النظام مع المؤسسات الرسمية كالأزهر بسبب مواقفه نحو بعض القوانين التي أقرها النظام بالرغم من مخالفتها الدستور والشريعة.

اصطدم النظام مع الأقباط بسبب حركة الاحتجاج المسيحي والتي تزعمتها الكنيسة القبطية بسبب المادة الثانية من الدستور.

مبارك وسياسة الاقصاء

وحينما جاء مبارك استمر على نهج الاقصاء تنفيذا لسياسة الغرب وبعض الدول العربية المالكة التي تكره المنهج الاسلامي والذي يدعو لتداول السلطة مثل السعودية والإمارات. لقد شهد الرئيس مبارك ببعد الإخوان عن العنف وأنهم جماعة يعملون من خلال مؤسسات الدولة وذلك في تصريحه الذي نشرته صحيفة الأهرام العدد 39046 السنة 118 ليوم 16 جماد الأولي 1414 هـ الموافق 1/11/1993م صـ(1)

حيث قال:

"إن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسي على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح فيها في انتخابات بعض النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين المحامين"، كما صرح الوزير حسن الألفي تصريحا في هذا الموضوع في جريدة الجمهورية ص(4) ليوم 14/4/1994م، مما يدل على انتهاج الإخوان للقنوات الشرعية في العمل.

غير أن النظام لم يرض عن ذلك فبدأ الصدام مع الإخوان عن طريق الاعتقالات المستمرة بعد القضية الشهيرة بسلسبيل ثم تقديم رموز الجماعة للمحاكمات العسكرية المتتالية بدون تهمة كعسكرية 1995م و2001م وأخيرا عسكرية 2007م والتي يحاكم فيها 40 من قيادات الجماعة، أضف لذلك ما يقوم به النظام ضدهم داخل النقابات والانتخابات التشريعية وتزويرها المستمر وشطب الطلبة من انتخابات الاتحادات، وضرب شركاتهم الاقتصادية

أضف لذلك وقوفهم ضد مسألة توريث الحكم والذي منذ بدأت فكرة التوريث وأصبح النظام أكثر شراسة عليهم فحدث ما حدث من انتهاكات في انتخابات 1995م ثم انتخابات 2000م ثم انتخابات 2005م والتي شهدت نزاهة نسبية في المرحلة الأولى فقط، كما تم تزوير انتخابات مجلس الشورى وما حدث في المحليات لا يدل على أن الإخوان سببا في الصدام يوما ما فهم يعملون من خلال الأدوات القانونية والدستورية ويحوزون على ثقة الشعب.

واستمر الصدام حتى اندلعت ثورة 25 يناير والتي لم تدم كثيرة حتى عاد النظام القديم تكوينه وأجهض على الثورة ورجالها، ولم تقتصر مصادماته مع الإخوان فحسب بل بلغت ذروتها مع جموع الشعب كله.