الإخوان بين الاتهام بالعمالة للألمان وخوف الألمان منهم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان بين الاتهام بالعمالة للألمان وخوف الألمان منهم


مقدمة

منذ نشأة الإخوان المسلمين عام 1928م وقد وجهت عشرات التهم بالعمالة إليها، وأنها صنيعة الدول الغربية لضرب الحركة الوطنية، أو لتشتيت الجهود المبذولة في محاربة المستعمر، وقد حاول البعض إثبات ذلك دون أن يقدم الدليل الواقعي على ذلك، فبعض هذه الاتهامات جاءت بأنهم عملاء للإنجليز، وأخرى بالعمالة للألمان وأنهم رحبوا بروميل وقت الحرب العالمية الثانية.

ومن العجيب أن يأتي بعد ما يزيد عن نصف قرن من الزمان ويعبر بعض السياسيين الألمان ومراكزهم البحثية من انتشار الفكر الإخواني في الوسط الألماني في محاولة لتغير تركيبة المجتمع الألماني ونشر الدين الإسلامي فيها.

ألمانيا النازية والشعوب العربية

لقد تطلعت ألمانيا النازية إلى تبوء مكان الصدارة حتى ولو على حساب الغير، وما كانت تهدف من ذلك إلا مصالحها الشخصية لا مصلحة الشعوب القوية أو الضعيفة، ولذا كانت الفرصة سانحة حينما وجدت أن الشعوب العربية خاصة والشعوب المحتلة الأخرى عامة ساخطة على الاحتلال والنفوس مشحونة من تصرفاته تجاه هذه الشعوب واستغلاله ثرواتهم، فبدأت ألمانيا تتقرب إلى هذه الشعوب وتعلن سخطها على دول الحلفاء

وزاد الأمر سخونة حينما وجد هتلر أن دول الحلفاء تتبنى قضية غرس الصهيونية في فلسطين على غير رغبة الشعوب العربية والإسلامية، وتساعد على الهجرة الغير شرعية لليهود، وتمدهم بالأموال والسلاح، مما دفع هذه الشعوب لأن تتوحد للتصدي لهذا الغزو الجديد، فرأينا كيف انتفض في العراق رشيد عال الكيلاني ضد السياسة البريطانية والموالين لها من العراقيين

حيث تدخل الأمير عبد الآله لإنقاذ موقف الإنجليز وضباطهم في القواعد العراقية من خلال دعم حليفه نوري السعيد، وذلك بقلب رأس المجن في خطوة غير مسبوقة بتنفيذ رغبة الضباط الإنجليز، فأعلن في يناير 1941م، بأنه يجب على رشيد عالي الكيلاني الاستقالة هو ووزارته، مما آثار ذهول الرأي العام، فرفض رشيد ذلك، واندلعت الثورة في فبراير 1941 واستمرت حتى 2 مايو 1941 حيث أحاطت قطع عسكرية القصر الملكي وأجبرت طه الهاشمي على تقديم استقالته.

و نشط الكيلاني من ألمانيا للدعوة لإحداث ثورات في العالم العربي أسوة بالثورة التي قادها في العراق والتي تعتبر أول ثورة وطنية تحررية ضد المحتل وحلفائه، حيث أصدر البيانات ذات الطابع القومي التحرري منادياً أحرار العرب من سياسيين وعسكريين إلى مقاومة المحتل كما نادى في أكثر من بيان الجيوش العربية للانتفاض ضد الحكام الذين يأتمرون بأمر المحتل

حيث خص الكيلاني الجيش المصري للانتفاض على نظام حكم الملك فاروق، كما خص أيضاً الجيش السوري، وكذلك الجيش اليمني للانتفاض، كما دعى إلى إعادة وحدة العرب وعدم الاستسلام لمخططات المحتل كاتفاقية (سايكس - بيكو)، غير أن بريطانيا استطاعت هزيمته وإعادة الوصي على العرش. (1)

وليس ذلك فحسب بل تطلع كثير من المصريين لهتلر كمخلص لهم من الاحتلال البريطانية فنرى الملك فاروق نفسه ملك البلاد يسعد بانتصارات ألمانيا على الحلفاء فيقول الدكتور عاصم الدسوقي: "أما القصر فكان يتزعم تعبئة الشعور العام ضد بريطانيا وتأييد المحور تأييدا معنويا". (2)

بل أن الملك فاروق قام بالاتصال بإيطاليا مؤكدا دعمه لها ولألمانيا حتى أن المارشال بالبو حاكم ليبيا زاره في قصره. (3) وليس ذلك فحسب فقد رأينا حزب مصر الفتاة المصري وسيره على نهج الفاشية والنازية في كل تصرفاته، حتى أنه رفع علم الفاشية والنازية فوق مقر الحزب وقام بزيارة لايطاليا وألمانيا. (4)

كما عمل القائد عزيز المصري على الاتصال بألمانيا أثناء الحرب، حتى أن السير مايلز زاره في بيته وسأله عن السر في إعجابه بالألمان فقال له عزيز: أن الألمان ليس لهم مطامع في مصر وأن المعاملة الطيبة تكسبنا وإننا شعب عاطفي.

ولقد حاول عزيز المصري بعد أن وجد أن بريطانيا تضيق عليه الخناق الهرب في طائرة مصرية يصحبه اثنين من الطيارين المصريين ليسافر لألمانيا ليناصرها في حربها ضد الحلفاء غير أن الطائرة سقطت في قليوب وقبض عليه ومن معه وقدم للمحاكمة بتهمة الاتصال بألمانيا. (5)

ومن زعماء الحركات الوطنية المصرية أيضا من اتصل بالألمان محمد أنور السادات الضابط في الجيش المصري آنذاك، وأيضا حسين توفيق والذي قام باغتيال أمين عثمان الوزير المصري لتعاونه الوثيق مع انجلترا. (6)

يقول كمال رفعت:

"في هذه الفترة كانت روح الكراهية للانجليز والإعجاب بالألمان تحرك نفرا إلى العمل بشكل منفرد في تكوينات مستقلة ومن هذه الجماعات جماعة كمال الدين رفعت". (7)

ولهذا رأينا أن كل دول العالم اتجهت إلى التكتلات لحماية نفسها من العزلة ومن طمع الدول الكبرى فيها ولذا لم يكن غريب أن تتجه الدول العربية إلى التحالف مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا.

منصات الاتهامات

لقد ركن بعض الباحثين إلى إلصاق اتهام العمالة للألمان استنادا لبعض الشواهد ومنها:

أولا: تهمة الإخوان الترحيب بروميل

حينما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939م واجتاحت ألمانيا أوروبا ومستعمراتها في بداية الحرب، تطلعت بعض الشعوب للتخلص من المستعمر البريطاني والفرنسي بمساعدة الألمان.

تقول مها الرشيد: "كان موقف المؤيدين للحلفاء في الحرب يستند على دعامتين:

الأولى: تجدد الأمل بأن تقدر بريطانيا لهم هذا الموقف وتفي بوعودها على الوجه المرضي.
الثانية: هي خوف العرب من الاحتلال الألماني والإيطالي الذي سمعوا عنه روايات مفزعة في ليبيا والحبشة.
أما المؤيدون للمحور فقد تركزوا في أوساط الشباب، ومن أهم الدوافع التي دفعتهم إلى تأييد المحور: ضعف آمالهم في مصداقية الحلفاء، كما أثبتت ذلك تجربة الحرب العالمية الأولى، ولكن هذا الميل لم يترجم إلى مواقف مؤيدة أو مساندة بصورة فعلية في الحرب". (8)

غير أن حسن البنا وجد أن ألمانيا كبريطانيا كغيرها من سائر الدول الاستعمارية، وإن أخذ على حكام وشعوب المسلمين تشرذمهم على الرغم أن هتلر وحد قومه ولم تعمل الشعوب الإسلامية كذلك

فقال:

" قامت النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وأخذ كل من موسولينى وهتلر بيد شعبه إلى الوحدة والنظام والنهوض والقوة والمجد، وسرعان ما خطا هذا النظام بهاتين الأمتين فى مدارج الصلاح فى الداخل، والقوة والهيبة فى الخارج، وبعث فى النفوس الآمال الخالدة، وأحيا الهمم والعزائم الراكدة، وجمع كلمة المختلفين المتفرقين على نظام وإمام، وأصبح "الفوهرر" أو "الدوتشى" إذا تكلم أحدهما أو خطب تفزعت الأفلاك والتفت الدهر.
ثم ماذا؟ ثم تكشف الأمر عن أن هذا الجهاز القوى المتماسك، الذي فنيت فيه إرادات الأفراد فى إرادات الزعماء أخطأ حين أخطأوا، فطغى بطغيانهم، وانحرف بانحرافهم، وهوى بسقوطهم، وانتهى كل شيء، وأصبح حصيدًا كأن لم يغن بالأمس بعد أن بذل العالم فى حربه الثانية الملايين من زهرة الشباب، والقناطير المقنطرة من الأموال والعتاد" (9)

ولقد حاول أحمد حسين (زعيم حزب مصر الفتاة) أن يتعاون مع حسن البنا والإخوان في عمل عسكري لنصرة ألمانيا على حساب بريطانيا غير أن حسن البنا رفض لسببين، الأول عدم صلاحية السلاح الذي سيستعمل، والثاني أن الخطة تفتقر إلى المال الكافي

وأضاف حسن البنا بقوله:

"انه عمل يحتمل النجاح أو الفشل والوقت لا يحتمل هذه المقامرة التي قد تسيء للعالم الإسلامي". (10)

مما دفع أحمد حسين باتهام الإخوان بالعمل لصالح الإنجليز، وأن حسن البنا أداة في يدي الرأسمالية والاحتلال. (11) ولقد ساق بعض الباحثين قضية اتهام بعض الإخوان بالترحيب بروميل على أنها دليل على عمالة الإخوان للألمان على الرغم من كون القضاء برء ساحتهم وأثبت زيف التهم التي جهزها المجلس البريطاني بطنطا والتي قدم على إثرها الأخوين محمد عبد السلام فهمى (مهندس في مصلحة الطرق والكباري بطنطا)، وجمال الدين فكيه (موظف ببلدية طنطا) للقضاء.

عام 1942 قام المجلس البريطاني بطنطا باتهام الأخوين بأنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة في الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء، وأن هذين الأخوين هما الوسيطان بين حسن البنا ومجموعة أفراد عرضت على الأستاذ البنا شخصيًّا أنواعًا من السلاح والعتاد الألماني، وقد رحب بالحصول على هذه الأسلحة، وجعل من هذين الأخوين الوسطاء في هذه الصفقة، وقد اعترف الأفراد المقبوض عليهم من غير الإخوان بذلك. (12)

وقبض على محمد عبد السلام فهمي وجمال الدين فكيه، وقد طالبت النيابة بإعدامهما، وسميت هذه القضية بالجناية العسكرية العليا 883 لسنة 1942م قسم الجمرك، وقدمت القضية أمام محكمة الجنايات العسكرية العليا باب الخلق، وكانت مكونة من خمسة أعضاء برئاسة المستشار فؤاد بك أنور، وعضوية المستشارين محمد توفيق إبراهيم بك، وزكى أبو الخير الأبوتجى بك، ومعهم اثنان من العسكريين

وبعد عدد من الجلسات وتضييق الخناق على المدعى وتهديده من قبل المحكمة بالمواجهة مع المدعى عليه كذب نفسه وتراجع في اعترافه، وذكر أن ذلك لم يحدث، وبعد المداولة نطق رئيس المحكمة بالأحكام ببراءة جمال الدين فكيه، ومحمد عبد السلام مما نسب إليهم من تهمة الاتصال بالألمان وشراء السلاح. (13)

ولقد ذكر حسن البنا هذه القضية في رده على مذكرة عبد الرحمن عمار بك - وكيل وزارة الداخلية - بقوله:

"الجناية العسكرية العليا رقم 883 لسنة 1942 قسم الجمرك، كان موضوع الاتهام فيها الدعاية للمحور، وشاء ذوو الأغراض أن يقحموا فيها الإخوان المسلمين، وادعى أحد المتهمين بأنه عرض على الأستاذ البنا شخصيًّا أنواعًا من السلاح والعتاد الألماني، وأن الأستاذ البنا سر بذلك
ورحب بالحصول على هذه الأسلحة، وأن الوسيط في ذلك أخوان من إخوان طنطا، وقد قبض عليهما فعلاً وقضيا في السجن ثمانية أشهر ونصف وماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟ كانت النتيجة أن كذب هذا المدعى نفسه حينما ضيق عليه المحقق الخناق، وهدده بالمواجهة وحكم ببراءة الأخوين براءة نقية واضحة كاملة". (14)

لقد اعتبر الإخوان الألمان مثلهم مثل الإنجليز محتل يخلف محتل في حين كانوا هم ينشدون الحرية الكاملة لأوطانهم. وعلى الرغم من التفاعل الشعبي مع انتصارات ألمانيا في الدول الإسلامية إلا أنهم لم يرحبوا بها كبديل للاستعمار البريطاني، لكنهم نشدوا الحرية بمعاونة الألمان.

ثانيا: علاقة أمين الحسيني بالإخوان واتصاله بالألمان

كان عجيبا أن أجد هذا الاتهام في معظم الصحف والكتب والمواقع الصهيونية والتي حاولت تنال من سمعة وشرفه، حيث حاولت أن تربط ترحيب الشيخ بالألمان في سبيل تحرير الوطن، وبين تعاونه مع الإخوان المسلمين بمصر – خاصة - من أجل القضية الفلسطينية، مما جعلت هذه المنصات ومن يتبعها يعمدوا إلى الربط بين الإخوان والألمان وأن الشيخ أمين الحسيني كان وسيطا بين الطرفين.

وُلد حسب الروايات عام 1895م أو1897م، وتلقى دراسته الأولية في مدارس القدس، ثم التحق بالأزهر الشريف، إلا أنه لم يكملْ فيه والتحق بمدرسة الضباط بإسطنبول قبيل الحرب العالمية الأولى، وعُيِّنَ ضابطًا في الجيش التركي، وشارك في الحرب العالمية الأولى.

وعندما أعلنت بريطانيا وعد بلفور الذي خوَّل لليهود الحق في استيطان فلسطين هبَّ وقاد حركةَ المقاومة ضدَّ السلطات البريطانية في فلسطين، وحَكَمَت عليه المحكمة الإنجليزية بالسجن لمدة 15 عامًا، غير أنه أفلت من يد البوليس الإنجليزي ولم يُنفَّذ الحكم الصادر ضده حتى عفى عنه، وعاد بعد ذلك لفلسطين وشغل منصب الإفتاء الذي شغر بوفاة شقيقه عام 1922م، واتصل بكل الزعماء والملوك والوزراء والجمعيات بما فيها الإخوان المسلمين لتناصره ضد المخطط الصهيوني الذي يعمل على الاستيلاء على فلسطين وجعلها وطن قومي لليهود. (15)

تلاقت وجهات النظر بين الحسيني والشيخ حسن البنا حول القضية الفلسطينية حيث كانت القضية الرئيسية للمسلمين مع العمل على تحرير الأوطان من المحتل، حيث بدأ اهتمام الشيخ البنا بفلسطين في وقت مبكر عام 1931م. كان الشيخ الحسيني يتحرك في جميع الاتجاهات من أجل قضية بلده والمسجد الأقصى والجرائم التي يرتكبها المستعمر والعصابات الصهيونية في حق الشعب الأعزل بفلسطين.

لم يتوقف عن نشاط أمين الحسيني السياسي بعد خروجه من فلسطين عام 1937م مدافعاً عن قضيته باحثاً لها عن من يساندها ويمنع اعتداءات اليهود والإنجليز عنها على حد سواء، انطلاقاً من هذه الاتجاهات وجد في دول المحول ما يمكن أن يصنع من خلاله شيئاً لقضية فلسطين.

وقد بدأت أول هذه الاتصالات في 15 تموز (يوليو) 1937م بعد صدور قرارات لجنة بيل، وكان سبب اختيار أمين الحسيني لدول المحور (ألمانيا وايطاليا)

كما يقول:

"إن مصلحة أمتي هي التي تملي اختياري، إن مصير فرد يعتبر لا قيمة له عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأمة"، انه كان يرى أن انتصار الإنجليز يعني ضياع فلسطين، وبما أن ألمانيا كانت عدوة لليهود تعامل معها انطلاقاً من القول الشائع "عدو عدوي صديقي" بهذه الصفة قابل الحاج أمين هتلر. (16)

بدأت الاتصالات السرية مع سفير ألمانيا في أنقرة فون بابن عام 1940م، ثم أرسل الحاج أمين عثمان كمال حداد إلى برلين، حيث أجرى مفاوضات مع وزارة الخارجية الألمانية، وقدم إليها المطالب العربية التالية: اعتراف دولتي المحور باستقلال البلاد العربية، وإعلان ألمانيا والنمسا أن ليست لهما أي مطامع استعمارية في مصر والسودان والاعتراف باستقلالهما

وتعهد دولتي المحور بعدن فرض انتداب أو الحماية أو أي صيغة أخرى تمس استقلال البلاد العربية، واعتراف دولتي المحور بحق البلاد العربية في إقامة وحدتها القومية حسب رغبتها وعدم وضع العراقيل في سبيل قيام هذه الوحدة، واعتراف دولتي المحور بان الوطن القومي اليهودي كيان غير مشروع، وبحق العرب في حل هذه المسألة وفقاً للمصالح القومية العربية، درس المسئولون الألمان هذه المطالب، وابلغوا عثمان بتعذر تلبيتها بسبب تعقيدات الوضع الدولي. (17)

لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، حيث بدأت ألمانيا تخسر الحرب تدريجياً، فحاول الحاج أمين الهرب إلى سويسرا، فحاول العبور إلى فرنسا، ولكن الفرنسيين القوا القبض عليه، وفرضوا عليه الإقامة الجبرية ولكنهم لم يسلموه للإنجليز كمجرم حرب، ورفضت فرنسا أن تسلِّمه بسبب خلافها مع المصالح البريطانية والأمريكية

وحرصًا على عدم استثارة المشاعر الإسلامية، وتدخل ملك المغرب ورئيس تونس أثناء وجودهما في باريس، اللذين طالَبَا باصطحاب المفتي معهما، وتدخلت الجامعة العربية، ورئيس باكستان محمد علي جناح، من أجل سلامة المفتي، ورفضت فرنسا الإفراج عنه، وبدأت المقايضة الأمريكية مع مشروعات إعادة إعمار فرنسا بتمويل أمريكي

وقبل أن تقرر فرنسا تسليمه لأمريكا استطاع أن يهرب المفتي من فرنسا عن طريق استخدام جواز سفر لأحد أنصاره في أوروبا، وهو الدكتور معروف الدواليبي بعد استبدال الصورة، ونجح المفتي في الوصول إلى القاهرة عام 1947م، وبقي هناك حتى نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين واندلاع حرب فلسطين. (18)

واضح أن الشيخ أمين الحسيني كان يسعى خلف قضية بلاده ضد المستعمر البريطاني والعصابات الصهيونية، حيث كان هذا القاسم المشترك بين الطرفين، ولم يكن أمين الحسيني في يوما ما في تنظيم الإخوان المسلمين

يقول أمين الحسيني عن البنا:

"وإني لأذكر أنه رحمه الله بعث إلي برسالة في عام 1347هـ يعلمني فيها بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين فأجبته مبديًا ابتهاجي وداعيًا لهذه الغرسة الجديدة بالنمو والنجاح، ولم أكن حينئذ أنتظر كل هذا التوفيق الذي لاقته هذه الجماعة، لأني كنت كسائر ما عهدنا من الجمعيات التي لا تكاد تبتدئ حتى تنتهي، ولا تكاد تسلم حتى تودع". (19)

كانت القضية الفلسطينية هى محور اهتمام الشيخ البنا والشيخ الحسيني حيث ظل الإخوان يهتمون بهذه القضية حتى حرب 1948م حينما تعاون حسن البنا مع أمين الحسيني عن طريق الجامعة العربية، وتحت رعاية الأمين العام للجامعة عبدالرحمن عزام في إرسال الإخوان المسلمين للتصدي لليهود ومساعدة الجيوش العربية التي دخلت الحرب لإجلاء اليهود عن فلسطين. (20)

حقيقة واقعية

لم يكن للشيخ البنا أو الإخوان أي اتصال بالألمان إلا من حيث سعيهم لمساعدة مصر في التخلص من الاحتلال البريطاني، ولم تكن مجال للعمالة إلا طلب التعاون – مثل كل الشعوب الإسلامية – من الألمان وقت انتصارهم في بداية الحرب العالمية الثانية.

يقول الدكتور عبد العظيم رمضان:

ومع أنه لا توجد إشارات إلى وقوع اتصالات بين الإخوان والمحور فيما نشر من الوثائق العربية أو الوثائق الألمانية والايطالية. (21)

وعلقت صحيفة النذير (الناطقة باسم الإخوان في هذه الفترة) على اتهام صحيفة يهودية للنشاط المعادي لليهود في مصر بالعمل لصالح الألمان

بقولها:

"نشرت جريدة (جويش كرونكل) الأسبوعية بلندن خبرًا سخيفًا يدل على جهل وقحة؛ ذلك أنها تريد أن تلوث حركتنا المباركة فادعت أن لجنة (وودهد) البريطانية في فلسطين أعطت الفرصة لجماعة من الألمان يقومون بالدعاية ضد اليهود بأن يفتعلوا حركة مصرية ضد اليهود بالقاهرة. هذه طريقة استعمارية خبيثة يريدون بها الحط من قدر نهضتنا الوطنية، ويضعفون بها من الرابطة الإسلامية التي تزداد وتنهض كل يوم". (22)

وفي حديث صحفي بين حسن البنا وصحيفة المصري (لم ينشر إلا بعد سقوط حكومة إبراهيم عبدالهادي عام 1949م - يقول حسن البنا:

"اتهم الإخوان بأنهم على صلة بالنازية من قبل، وأن شبابهم ينظم على نسق شباب هتلر، وأن بعض تشكيلاتهم تشبه هذه التشكيلات... إلخ، ولكنى أؤكد كل التأكيد أن الإخوان لم يتصلوا بأحد، ولم تساعدهم أية دولة أجنبية بشيء مادي أو أدبي، وأنهم يسيرون على نمط إسلامي عربي مبين، ويعتمدون على إيمانهم ومواردهم الخاصة، وهذا هو في الحقيقة هو سر نجاحهم وثبات دعوتهم وجماعتهم للعواصف والأعاصير. (23)

ويضيف:

"لكنك تأتى في هذا العصر بعد العلم والنور والعرفان فتجد كل رذيلة وكل نقص، فما دمت خصمي فإنك تسلبني كل فضيلة، ولابد تحاربني بكل سلاح، وتفكر في كل ما يشينني، وتتلمس ما هو غير موجود. يقولون عنا وقت الحرب: إنهم يأخذون أموالاً من إيطاليا وألمانيا ليكونوا عونًا لهم، والآن لما أعيتهم الحيل ادعوا أننا نأخذ من أغاخان، اختلاط عجيب، ودعاوي باطلة" (24)

ولقد حاول أحمد حسين (زعيم حزب مصر الفتاة) أن يتعاون مع حسن البنا والإخوان في عمل عسكري لنصرة ألمانيا على حساب بريطانيا غير أن حسن البنا رفض لسببين، الأول عدم صلاحية السلاح الذي سيستعمل، والثاني أن الخطة تفتقر إلى المال الكافي

وأضاف حسن البنا بقوله:

"انه عمل يحتمل النجاح أو الفشل والوقت لا يحتمل هذه المقامرة التي قد تسيء للعالم الإسلامي" (25)

مما دفع أحمد حسين باتهام الإخوان بالعمل لصالح الإنجليز، وأن حسن البنا أداة في يدي الرأسمالية والاحتلال. (26)

مخاوف ألمانية حديثة

كانت محنة 1954م في مصر والصدام بين الإخوان وعبد الناصر دافعا لهروب عدد من قيادات الإخوان والوصول للعديد من الدول الأوربية، وتكوين مراكز إسلامية بها تعمل على نشر الإسلام وتصحيح الفكر لدى الشعوب الأوربية مثل سعيد رمضان وغيرهم.

ومن ثم مع مرور الوقت زادت أعداد الإخوان في هذه الدول مما اعتبره بعض السياسة يشكل تهديد على كيان المجتمع الأوروبي، والخوف من تغلغل الإسلام في الشعوب الأوروبية. ولذا ظهرت دراسات كثيرة تتحدث عن هذه المخاوف، ومنها ما جاء في مجلة "فوكوس" الألمانية حيث ساقت تقرير يقول: إن لجنة حماية الدستور الألمانية حذرت من انتشار جماعة الإخوان المسلمين فى المانيا، موضحة أن الحركة الإسلامية تشكل تهديدًا كبيرًا للديمقراطية.

كان هذا هو الخبر الذي ساقته الفوكوس الألمانية، لكنها لم تقدم شكل المخاطر والتهديدات التي تشكلها جماعة الإخوان على ألمانيا إلا الخوف من قدرتهم على تغير التركيبة العقائدية في ألمانيا ونشر الإسلام فيها بين أفراد المجتمع الألماني.

ثم تضيف المجلة:

خاصة في ألمانيا الشرقية ، يبدو أن فرع الإخوان المسلمين يكتسب موطئ قدَّم في الوقت الحالي، فتحت اسم "مكان اللقاء الساكسوني" ، قامت جماعة الإخوان المسلمين الإسلامية ببناء سبعة مواقع لها في ولاية ساكسونيا وحدها، واتضح هذا فى تقرير حماية الدستور السكسوني، والكلام للمجلة الألمانية.

وبحسب المجلة، تهدف جمعية الداعية المصرى "سعد الجزار"، إلى إقامة صلة بين السكان القدامى والمهاجرين على المستوى المحلي والإقليمي، والنجاح في تسهيل التكامل للمهاجرين المسلمين.

وبحسب التقرير، يعتبر الإخوان المسلمون الحركة الإسلامية السنية الأقدم والأكثر تأثيرًا، وهدفهم هو إقامة دولة إسلامية تستند إلى الشريعة الإسلامية، وفي الآونة الأخيرة ، تسببت الجماعة في ألمانيا في إثارة ضجة كبيرة بعد بنائها مسجدا على نفقة الحكومة التركية في مدينة كولونيا.

وأجرت المجلة الألمانية مقابلة مع "سوزان شروتر" ، الخبيرة بشئون الإسلام في مركز أبحاث فرانكفورت العالمية، حيث قالت بدورها، إن هدف الجمعيات هو "إنفاذ القواعد الإسلامية في ألمانيا".

ووفقًا للباحثة الإسلامية "شروتر"، تم دمج الجمعيات القريبة من جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا من خلال شبكة دولية يقودها عدد من القادة الرئيسيين، وبحسب الخبراء فإن حقيقة نجاح الشبكة الدولية في تطبيق القواعد الإسلامية في ألمانيا تتضح من تزايد الصراعات في المدارس الألمانية، حيث يتعلق الأمر بالفصل بين الجنسين ، وبحجاب الفتيات ، وبصيام الأطفال ، وبغرف الصلاة ، وبعدم إجراء أي امتحانات خلال شهر رمضان المبارك.

تحاول البلديات الألمانية منع إنشاء مراكز أخرى للصلاة ، فعلى سبيل المثال ، يقدم مكتب الدولة لحماية الدستور في ولاية سكسونيا محاضرات وورشات مصممة لمنع انتشار أيديولوجية الإخوان المسلمين، بحسب التقرير. (27)

بوركهارد فرايير، رئيس جهاز الاستخبارات في ولاية شمال الراين فيستفاليا، صر ح للمجلة الألمانية أن "الجمعية الإسلامية في ألمانيا وشبكة المنظمات الناشطة تنشد، رغم الادعاءات الرافضة هدف إقامة دولة إسلامية حتى في ألمانيا". وحذر فرايير من أنه على المدى المتوسط قد يصدر من تأثير الإخوان المسلمين خطر أكبر على الديمقراطية الألمانية.

من جهتها تنفي "الجمعية الإسلامية" في ألمانيا ومنظمات أخرى مرتبطة بها أي ارتباط بالإخوان المسلمين بشكل قاطع. (28)

المراجع

  1. يوميات ثورة رشيد عالي الكيلاني من دفاتر الشرطة، الجزء الثالث، د.محمد حسين الزبيدي.
  2. عاصم الدسوقي: مصر في الحرب العالمية الثانية، القاهرة، 1976م، صـ 38
  3. صحيفة الأهرام المصرية: السبت 16 ربيع الأول 1358 هـ الموافق 6 مايو 1939م.
  4. صحيفة مصر الفتاة جمادى الأول 1357 هـ الموافق يوليو 1938م وما بعدها.
  5. محمد عبدالعزيز برج: عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1980م.
  6. مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر: اغتيال أمين عثمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992م.
  7. المرجع السابق: صـ 71.
  8. مها محمد بن سعود الرشيد: الحركة الوطنية الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية، دار الأوائل للنشر والتوزيع، 2004م، صـ33.
  9. مجلة الشهاب، العدد (2)، السنة الأولى، 1 صفر 1367ه - 14 ديسمبر 1947م.
  10. آمال السبكي: التيارات السياسية في مصر (1919- 1952م)، ط1، دار المعارف، القاهرة، 1982، صـ 104.
  11. صحيفة مصر الفتاة الأربعاء 17 شعبان 1365 هـ الموافق 17 يوليو 1946م.
  12. جريدة المباحث القضائية: السنة السابعة، العدد 54 ،2 ربيع الأول 1370هـ - 12 ديسمبر 1950م، صـ8.
  13. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، دار الدعوة، القاهرة، 1998م، صـ219.
  14. فهمى أبو غدير ضمن رسالة (قضيتنا)، الطبعة الأولى، عام 1978م، وعباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، دار الدعوة للطبع والنشر، الطبعة الثالثة، 1993م، ص (296-309).
  15. صالح مسعود أبو بصير: جهاد شعب فلسطين في نصف قرن، دار البيان للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1988م.
  16. عوني جدوع : صفحات من حياة الحاج أمين الحسيني ، ط1، مكتبة المنار، الزرقاء – الأردن ، 1985م ، صـ134.
  17. عبد الجبار رجا محمود العوده: الحاج محمد أمين الحسيني والقضية الفلسطينية 1920-1948م، طولكرم – فلسطين 1425هـ - 2004م، صـ (44).
  18. عبد الجبار رجا محمود العوده: مرجع سابق، صـ46
  19. مجلة الدعوة : العدد 104، 25 جماد أول 1372هـ - 10 فبراير 1953م.
  20. صالح مسعود بويصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، ط2، وزارة الثقافة الفلسطينية، فلسطين، 2001م.
  21. عبد العظيم رمضان: تطور الحركة الوطنية في مصر (1937 - 1948) الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م، صـ 311.
  22. جريدة النذير، العدد (5)، السنة الأولى، 28 ربيع الثاني 1357ه - 27 يونيو 1938م، صـ(19).
  23. جريدة المصري، العدد (4270)، السنة الثالثة عشرة، 10 ذو الحجة 1368ه- 2 أكتوبر 1949، صـ(1).
  24. مجلة الإعتصام، العدد (2)، السنة الثالثة، 22 رجب 1365 - 22 يونيو 1946، ص 7.
  25. آمال السبكي: التيارات السياسية في مصر (1919- 1952م)، ط1، دار المعارف، القاهرة، 1982، صـ 104.
  26. صحيفة مصر الفتاة الأربعاء 17 شعبان 1365 هـ الموافق 17 يوليو 1946م.
  27. التقرير على صفحات مجلة الفوكوس الألمانية
  28. موقع دويتشه