الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ (الجزء الثالث).... محمود عبد الحليم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ
" الجـزء الثالـث "

للأستاذ / محمود عبد الحليم


محتويات

المـقدمـة


قد يظن الكثيرون من السادة القراء – الذين يترقبون صدور الجزء الثالث من هذه المذكرات – أنهم سيقرأون في هذا الجزء تاريخ ثورة 23 يوليو 1952 ، غير أنهم قد لا يجدون مأربهم فيما سوف يقرأون .. فلتاريخ هذه الثورة مظان أخري يمكن الرجوع إليها ، وهي كثيرة وفي متناول الجميع .. وقد كتب عنها من لازم صاحبها معظم الوقت ، ومنهم من لازمه كل الوقت ، ومنهم من انفصل عنه في وقت مبكر ووقف منه موقف المراقب .. وقد ظهر أخيرًا كتاب " صفحات من التاريخ " للأخ الأستاذ (صلاح شادي) ، وهو من خير ما يقرأ في هذا الصدد ، لأن مؤلفه كان جزءًا من هذه الثورة منذ كانت حلمًا في الخواطر ، ثم كان من حصادها . وقد جاء كتابه بعد كل ما صدر من كتب عن الثورة فصار مهيمنًا عليها ، حيث ناقش بعضها ببعض ، وأضاف إليها من معلوماته وتجاربه ، واستخلص من ذلك كله صورة هي أقرب إلي الصواب .

ولكن كتابنا هذا لا يمس تاريخ هذه الثورة إلا فيما يتصل منها بالإخوان المسلمين .. لأن موضوع الكتاب هو : " الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ " .. وإذا كانت ثورة 23 يوليو حدثًا من أحداث هذا التاريخ ، فمبحثنا فيها إنما يكون عند نقط التقائها بالإخوان المسلمين سواء أكان هذا الالتقاء التقاء بنود لهم ، أو تربُّ في أحضانهم ، أو قيام في حمايتهم ، أو الانتفاع بسمعتهم ، أو تمرد عليهم ، أو نقض لعهدهم ، أو تواطؤ مع العدو عليهم .. وهذه النقاط بالذات من تاريخ هذه الثورة هي التي رأي المهيمنون علي منابع الثقافة في مصر حجبها عن التاريخ ، آملين بذلك أن يصنعوا لهذه الثورة تاريخًا معينًا . ولقد كتبت الجزأين اللذين صدرا من هذه المذكرات ، وعرضت فيهما لجهود الإخوان المسلمين ، وما أسفرت عنه هذه الجهود من أحداث متسلسلة خلال ربع قرن من الزمان ، بدءًا من عام 1928م ، وكل جهد بذلوه قد تمخض عن حدث قرب الشعب بهذه الخطوة وما تمخض عنها من أحداث جسام إلي يوليو 1952م ، فرأي الشعب نفسه وجهًا لوجه أمام الهدف المأمول .

ولا حاجة بي إلي إعادة القول بأن اختفاء هذه الجهود عن أعين الأجيال الناشئة في ضباب الأكاذيب ،وضياع صوت هذه الأحداث عن أسماعهم في ضجيج مواكب النفاق ، لن يستطيع أن يحجب هذه الحقائق إلي الأبد .. بل من سطوع الشمس ولو ساعة من نهار ، مهما تراكم عليها من ظلام السحب .. وقد تكون جهودنا هذه في إصدار هذه المذكرات إحدى المحاولات التي تبذل لاختراق هذا الجدار الشاهق المشيد ، المضروب حول هذه الحقائق لحجبها عن العيون والأسماع . وأحب أن أحيط السادة القراء علمًا بأن هذه المذكرات التي وعدتهم في مقدمة الجزء الأول منها بإصدارها في ثلاثة أجزاء ، كانت مسوداتها جميعًا معدة وكاملة حتى آخر يوم من أحداث الجزء الثالث قبل البدء في طبع الجزء الأول منها .. وإعدادي مسودات هذه الأجزاء الثلاثة معًا في أوائل السبعينات ، كان انطلاقة ذهن صودرت فيه معلومات وأفكار وأحاسيس مدة عشرين عاما ، فلا هو وجد خلالها متنفسًا يطلقها منه ، وهو حملة اليأس علي التخلص منها بإرسالها إلي منطقة النسيان .. وكان حرصه عليها اعتزازا بقيمتها ، وضنًا بها علي الضياع .. لاسيما وهي معلومات هي في حقيقتها خلاصات تجارب ، وحصيلة جهود ، وثمرة أفكار ، لم تجد طريقاً إلي النشر والذيوع .. فلما انثقب في جدران السجن ثقب في أوائل السبعينات ، انطلقت الأفكار الحبيسة من سجنها – الذي طال أمده انطلاق القنبلة الموقوتة ، فتلقت شظاياها المضيئة صفحات كانت إليها في شوق عظيم .. وسرعان ما انطبعت هذه الأفكار علي الصفحات ، حتى كأنما كانت – لشدة شوقها إلي الانطباع – تكاد تسبق القلم .. وهكذا لم يجف مداد القلم حتى أتمها واستوفاها دون كلل ولا توقف .

وقد قصدت من إحاطة القراء علمًا بذلك أن أطمئنهم إلي أن ما يقرأون من معلومات في هذه المذكرات ، وما يلحق بهذه المعلومات من تحليل أو تفسير أو تعقيب ، لم يتأثر بما جد بعد ذلك من أحداث ،وما طرأ من ظروف ، وإنما هو نفسه الذي كان مكتوبًا في المسودات يوم كتبت هذه المسودات . وصدر الجزء الأول وتلاه الجزء الثاني .. ولكنني أمام الجزء الثالث هذا وجدتني مترددًا ,, هل أصدره وفاء بما وعدت أم أستبقيه لنفسي إرضاء لعواطفي ؟ .. وطال هذا التردد حتى لاحظه بعض المحبين ، فوجهوا إلي عتابًا شديدًا ؛ متهمين إياي بالتباطؤ في أمر ليس من حقي أن أتباطأ فيه ، أو أنكل عنه ، أو أقعد عن أدائه ؛ لأنه أصبح من حق التاريخ ، وأصبح شهادة يحرم كتمانها وما دعاني إلي التردد في إصدار هذا الجزء إلا ما أعلمه من أن أحداثه حين أعرض لها سيلزمني عرضها أن أتناول مواقف لإخوة أعزاء علي نفسي ، قد يكون في تناولها قهر لعواطفي .. وهو ما أتحاشاه ويتحاشاه كل ذي قلب .. ولكن الإخوة المحبين حين نظروا إلي الموضوع لم يعيروا هذه الناحية اهتمامًا ، ورأوا أن من حق المجتمع أن يسمع الحقائق التاريخية كاملة ، مهما كلف ذلك من لديه هذه الحقائق من آلام وأحزان .. وما كان لي بعد ذلك إلا أن صدع بأمرهم ، وأنزل عند بليغ حجتهم . ويعلم الله كم عانيت في إعداد هذا الجزء من مشقة نفسية ، وآلام تلذع القلب وتدميه .. فأنا أكتب عن فترة كانت حالكة الظلام .. والأشخاص خلالها يتحركون بتخبط بعضهم في بعض .. فربما أقبل أحدهم علي آخر معانقا – وهو يظن أنه مما يعانق صديقا – ولا يتبين إلا أخيرًا أنه إنما عانق العدو .. وينفر أحدهم من آخر علي أنه عدو ، ولا يتبين له أنه نفر من صديق إلا آخر الأمر .. والحديث من ناحيتي لابد أن يتناول كل هؤلاء ، وكل تحركاتهم كما وقعت دون إخفاء ولا تستر ولا تمويه . وقد أكون أعلم أن لبعض هؤلاء في تحركه الذي تحركه في الجو المظلم وجه عذر ، غير أن ذلك لا يشفع لي أمام أمانة التاريخ أن أجامل فأخفي التحرك أو أتستر عليه أو أتجاوزه .. ولو فعلت لفضحتني الأحداث ، فقد كانت محصلة هذه التحركات أحداثًا مروعة زلزلت مصر من أقصاها إلي أقصاها ، ورجعت بها القهقرى قرنا من الزمان ، ونقلتها إلي قاع بحر الظلمات الذي لازلنا نغالب ظلماته حتى اليوم .

ولا أستثني نفسي من هؤلاء الذين تحركوا وسط هذا الجو الحالك المدلهم فأزكي تحركاتي خلاله من دون الذين تحركوا .. وإنما قد ألزمت نفسي أن أثبت تحركاتي – كما وقعت – وسط تحركات غيري ، مودعًا كل ذلك سجل التاريخ ، تاركًَا للقراء تقييم هذه التحركات بعد أن يدخلوا في تقييمها ما كان يحيط بها من ظروف وملابسات . وقد أكون حريصًا أشد الحرص – بادئ ذي بدء – علي أن ألفت انتباه السادة القراء ، إلي حقيقة قد يغفلون عنها في خضم انفعالهم بأحداث هذه الجزء .. تلك هي أن المجموعات من الإخوان – عدا رءوس الفتنة ومدبريها – الذين لعبوا أدوارًا في خلال هذه الأحداث ، علي اختلاف هذه الأدوار ،وتعارض بعضها مع بعض ، إنما كانت الدوافع إليها دوافع نبيلة .. فلا ينبغي أن يساء الظن بهم ، أو أن يهبط بمكانتهم في النفوس .. فهؤلاء الإخوة هم الرعيل الأول الذي تحمل أعباء هذه الدعوة من أول يوم ، وحسبهم أن لهم فضل توصيلها إلي الأجيال الناشئة .. ولقد التقي هؤلاء جميعا – حتى طلع النهار – علي كلمة سواء ، وعرف كل منهم خطأه وصوابه .

وإذا الحبيب أتي بذنـب واحـد

جاءت محاسنـه بألف شفيـع

وليكن رائدنا إزاء هذه المواقف ما كان من مواقف لأجلاء الصحابة في الفتنة الكبرى في عهد الخليفتين الراشدين الثالث والرابع رضي الله عنهما ، وأصحاب هذه المواقف علي اختلافها وتعارضها ، هم الذين قال فيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم : " أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم " . وما عرضنا لهذه المواقف في هذا الجزء من المذكرات إلا للتعليم والتوجيه ، وتزويد الأجيال الناشئة بثروة تاريخية تفتح أبصارهم ، وتنير بصائرهم ،وتجنبهم مواطن الزلل وتمنحهم موازين دقيقة لا تتذبذب ولا تختل ، يقيمون بها ما عسي أن يصادفهم في معترك الحياة من مواقف وأعمال وأحداث . ومع كل ما بذلت من جهد لإلقاء الأضواء من كل جانب – ما استطعت – علي أحداث هذه الفترة التي تعالج أحداثها في هذا الجزء ، فلا أدري هل بلغت في ذلك ما كنت أمل من الإبانة والتوضيح ، أم أن ظلام الجو المحيط بهذه الأحداث كان أكثف من أن تبدده هذه الأضواء المتاحة ؟ .. وعلي كلًّ .. فلتلتمس لي الأعذار إذا لم يكن الوضوح كاملاً .. فإنها لم تكن عاصفة كسابقتها ، لم تنل من البناء الإخواني إلا ما تنال ذرات التراب وحبات الحصى – مما تثيره العاصفة – من خدوش ، وإنما كانت هذه المرة دوامة جائحة اخترقوا بها قلب الإخوان المسلمين في مهجته ، فعميت من غيارها العيون ، وداخت من دورانها الرءوس ، وذهلت بمفاجأتها العقول .. وما من فتنة دبرت لهذه الدعوة كانت أشد عليها وقعًا ، ولا أفدح بها ضررًا ، ولا أسوأ فيها أثارًا من هذه الفتنة .. وكيف لا وقد نشأت من صميم لبها ، ونبتت في سويداء قلبها ، وتشعبت في سائر عروقها فكانت المصيبة فيها كمصيبة الذي قال :

قلبي إلي ما ضـرني داعـي

يكـثر أحــزاني وأوجــاعـي

كيف احتراسـي من عدو لي

وإذا عــدوي بيـن أضـلاعـي

أو علي حد قول الآخر :

كنت من كربتـي أفر إليهـم

فهمـو كربـتي فـأيـن الـفـرار

وقد يتوق بعض القراء – قبل أن يقرأوا ما كتبت عن أحداث هذه الحقبة من الزمن – أن يعرفوا هل قرأ كاتب هذه المذكرات ما كتبه غير عن أحداث هذه الحقبة ؟ وإن الذي كتب عنها لكثير ؟ .. وإلي هؤلاء السادة أقول :

إنني لم أكن حريصًا علي الاطلاع علي ما كتب غيري .. لأنني لا أضع كتابًا في موضوع معين ، فعليَّ في هذه الحالة أن أجمع له كل ما كتب غيري فيه ، حتى لا يكون موضوع الكتاب قد استوفي حقه – وإنما أنا – كما قلت من قبل – إنسان عايشت أحداثًا وشاركت فيها ، فأنا أكتب مذكراتي عن هذه الأحداث ؛ لأسجلها وأسجل بجانبها إحساساتي وتحليلاتي ومشاعري .. وفي هذه الحالة لست مطالبًا بالرجوع إلي غيري . ولهذا فقد لا يجد القراء إلا القليل من الاقتباس من نظرات غيري وآرائهم ، وقد يكون أكثر هذا الاقتباس القليل من خارج نطاق المجتمع الإخواني ، مما قد يكون وضعه بجانب نظرتي إلي أمر معين نفيًا لمعني التحيز من ناحيتي ، أو تأييدًا لتحليل ذهبت إليه لموقف من المواقف بدا في وقت حدوثه غريبًا .. وقد يبدو حرصي واضحًا – في الاقتباس القليل الذي اقتبسه من هذه المصادرة البعيدة عن نطاق المجتمع الإخواني – فيما ذبلت به أحداث هذا الجزء من المذكرات باقتباس فقرات من مذكرات " أجنبي " كان أحد الرءوس التي رسمت الخطوط العريضة والدقيقة في مؤامرة لإجهاض رع قرن من جهود الإخوان المسلمين ، وقد رأي هذا الأجنبي المسئول أن ينشر مذكراته هذه بعد أن أتم هو وزملاءه تنفيذ هذا المخطط الرهيب بأكمله لحساب دولته .

وقد جاء هذا الجزء من المذكرات كثير الأبواب والفصول .. وكان هذا التعدد بهذه الكثرة ، لما في أحداث هذه الحقبة من الزمن من تقلبات وتناقضات ، وتقاربات وتباعدات وتفاعلات ومفاجآت ، مما جعل الربط بين بعضها وبعض أمرًا صعبا .. وقد عملت – ما استطاعت علي أن تجيء إلي مخاطبة العقل ومطالبته بإصدار الحكم علي كل ما حدث منها بعد عرضه عرضًا من صميم الواقع .. ذلك أن المذكرات التاريخية لا يقصد منها تحريك الهمم نحو غرض معين ،وإنما يقصد منها إثبات أحداث وقعت ، علي نفس الصورة التي وقعت بها ، وإلقاء الأضواء علي الظروف المحيطة بها ، وتبصير القارئ بآثارها ونتائجها .. ثم ترك المجال له بعد ذلك لإمعان النظر فيها ، والخروج منها بقاعدة يمكن الإفادة منها في معترك الحياة . ومن أشق ما يعاني الذي يكتب للتاريخ من مشقات ، حين يعرض لأحداث تتصل به شخصيًا ، ولا يكون له عليها شهود يُعَضِدُ بهم نبأه عن هذه الأحداث .. وحين يعرض لأحداث قليل شهودها ، ويري هؤلاء الشهود القليلون أن تغفل هذه الأحداث ، وأن يسدل عليها ستار من النسيان ، وحجتهم في ذلك أن ذلك الإغفال لن يجد من يعترض عليه ؛ إذ هم وحدهم الشهود والوحيدون .. وقد يكون الدافع لهم في ذلك أنهم يرون في هذا الإغفال حفظاً لوقار الهيئة التي ننتسب إليها ، وإبرازًا لها في صورة مشرقة . وهذا لون من التاريخ لا أرضاه لنفسي ، ولا أعتقد أنه سيؤدي في النهاية إلي خدمة دعوة كدعوة الإخوان المسلمين ، أسست علي تقوي من الله ورضوان ، وشقت طريقها حاملة لواء الحق ، ملتزمة منهج الصدق .. ومن أراد أن يخدمها حق خدمتها فلا مندوحة له عن التزام نفس الجادة دون أن يحيد أو يغضي أو يخفي .

وقد ألزمت نفسي هذا المنهج في كل ما أوردت من أنباء أو أحداث حتى ما يمسني منها شخصيًا ، فقد نقلته إلي القراء تمامًا كما وقع .. تاركًا الحكم عليه بالصواب أو بالخطأ لهم .. وإن تنزيه أنفسنا عن الخطأ هو الخطأ بعينه ، لأننا مهما بلغنا من العلم والإيمان والإخلاص فإننا بشر .. وهدفنا الأكبر هو أن نعرض أنفسنا بصوابنا وخطتنا ؛ لتتعلم نحن من أخطائنا وتتعلم أجيال من بعدنا .. وبهذا الأسلوب الواضح ينتفع كل جيل من تجارب الجيل الذي سبقه ، لأن التجارب وضعت أمامه بحذافيرها ، ورأي أسباب ما نجح منها ، وأسباب ما لم ينته منها بنجاح . وكل ما أصاب الإخوان المسلمين من بلاء في هذه الحقبة من الزمان ، إنما كان منشؤه من نفاق مرد عليه فرد من أفرادهم ، استطاع بحكم موقعه في هذه الهيئة العتيدة أن يستغلها في إنجاح عمل كريم متفق عليه لإنقاذ الشعب .. حتى إذا تم العمل بنجاح ، واستوي هو علي العرش ، نسي ما كان يدعو إليه من قبل . ولقائل أن يقول : أنتم المسئولون .. لماذا لم تدققوا فيمن تقدموا لعضوية جماعتكم ؟ وإجابة علي هذا القائل ، نذكره يقول الله تعالي : (        ) ، ونقول له : لا تنس أن ممن كانوا حول رسول الله صلي الله عليه وسلم منافقين .

ولما قضت إرادة الله ، وسبقت كلمته أن يركز لواء التوحيد في الأرض ، وأن يظهر الهدي ودين الحق علي الدين كله ، سلح الداعية الأول بأسلحة لابد منها لتحقيق ذلك ، وكان من الأسلحة الوقائية التي سلحه بها أن أوحي إليه بأسماء المنافقين ممن يتظاهرون بصحبته . وهذه خاصية كان لابد منها للدعوة الأولي لتثبيتها .. أما وقد ثبتت الدعوة فإن هذه الخاصية لا تتكرر . ومحور هذا الجزء من المذكرات هو هذه الشخصية ، وسأقصر حديثي حولها علي ما يتصل منها بالإخوان المسلمين ، ولهذا فسأغفل جوانب لهذه الشخصية قد يراها القراء جديرة بالتناول ، مثل : قوانين التأميم ، ووحدة سوريا و مصر ، وحرب اليمن ، والمغامرات في إفريقيا .. ومع أن هذه الأحداث جديرة بالمناقشة وقد وضعها المؤرخون في جانب المثالب ، فإني أغفلها لخروجها عن موضوعنا . وفي حديثي عن هذه الشخصية فيما يتصل منها بموضوعنا فلن يكون همي منصبًا علي إبراز مساوئها وإخفاء محاسنها ، وإنما سأسوق الأحداث كما وقعت ، وأستنطق كل حدث منها دون أن ألون نطق هذه الأحداث بلون شعوري نحو هذه الشخصية من حب أو بغض .. وليس معني هذا أنني حين أذكر الحدث أغفل تسجيل إحساسي بجانبه ، وإنما المقصود هو أن أسجل الحدث كما وقع تمامًا ، دون أن أنتقص منه أو أزيد عليه أو أتناوله بتغير أو تحوير . وإذا كان في هذا الأسلوب في استنطاق الأحداث وتركها علي سجيتها ما لا يروق لبعض الناس ، وما لا يتمشي مع مشاعرهم ، وما لا يتجاوب مع عواطفهم ، فإنني أدعوهم إلي التذرع بالصبر ورحابة الصدر ، وتوطين النفس علي تقبل كل شيء في سبيل الوصول إلي الحقيقة التي هي غاية آمال كل منصف .

أما نحن – الإخوان المسلمين – فلن يحملنا بغضنا لشخص علي أن نعطه حقه إن كان له حق ، فإن ثنائي علي عمل – يستحق الثناء – أتاه عدوى ، هو إنصاف للحق قبل أن يكون إنصافًا لعدوى .. ومع ذلك فإن الرجال في ميزان التاريخ لا يقوَّمون بعمل أتوه أو عملين أو أكثر .. إنما يقومون بمجمل ما أتوه من أعمال طيلة حياتهم .. كما أن الأعمال تتفاوت قيمتها ، فرب عمل واحد عاد علي المجتمع بخير عميم يَجُبُّ ألف عمل ذميم ، ورب عمل واحد سيء أجهض ألف عمل طيب . وإن ما جري عليه أكثر الناس من التهوين من أمر العدو ، والحط من شأنه ورميه بالغباء .. ليس إلا خدعة يخدعون بها أنفسهم ، ولا تنتهي بهم – في أكثر الأحوال – إلا بمفاجآت مزلزلة .. ولو أنهم تجنبوا سوء التقدير ، والتزموا جانب الحذر لتفادوا كثيرًا من المفاجآت . وأحب أن أكرر هنا بهذه المناسبة ما سبق لي أن أثبته في مقدمة الجزء الأول من هذه المذكرات ، من أننا – نحن الإخوان المسلمين – حين يؤرخون لأحداث تمسهم شخصيًا – من أسلوب يبرزون فيه ما يظهرهم في صورة وضاءة ، ويخفون ما سوي ذلك أو تحريفه . ونحن في ذلك نسير علي ما أخذنا أنفسنا به ، وما عاهدنا عليه من أول يوم ، من أن نكون قرآنيين في كل أعمالنا وتصرفاتنا .. فالقرآن الكريم – كما قلنا في مقدمة الجزء الأول – لم يدع صغيرة ولا كبيرة من أعمال الداعية الأول وأعمال من حوله من صحابته وتصرفاتهم إلا سجلها ، سواء الصالح الرائع منها وما هو دون ذلك ، وعلق علي كل ذلك تعليقاً يدفع الأمة إلي أقوم طريق

وأعجب بعد ذلك لقوم ينتحلون صفة المؤرخين ، ويعرضون عن هذا الأسلوب القرآني في التاريخ ، وراحوا يكتبون ل الإخوان المسلمين مستملين في ذلك خيالهم وأهواءهم ونوازع نفوسهم .. ولا أدري ما الذي يدفعهم إلي ذلك وهم يرون بين أيديهم تاريخًا كتبناه بأقلامنا ، وأثبتنا فيه مفاخرنا كما أثبتنا فيه ما قد يؤخذ علينا .

صحيح أن المراجع لهذا اللون من التاريخ القرآني ل الإخوان المسلمين قليلة نادرة ، في حين أن اللون الآخر كثير ومتنوع وفي متناول الجميع .. وإزاء هذه القضية الخطيرة لا نملك إلا أن نحتكم إلي عقول القراء وأفهامهم ، ونرضاها فيصلاً بيننا وبينهم . وهذه الحقبة من التاريخ التي هي مجال هذا الجزء من المذكرات هي أحفل فترة في التاريخ الحديث بأعمال التعذيب والتفنن فيه ، والتخصص في جرائمه .. ولكنني تركت هذا الجانب – مع بالغ أهميته – إلي مظانه التي صدرت أحيرًا وصارت بين أيدي القراء في كل مكان ، وتناولتها أحكام القضاء التي دمغت العهد بالقهر والظلم والفجور والإرهاب .. وتركت ذلك واكتفيت بذكر أنموذج منه ، ولكني أفضت في ذكر أنواع من أساليب التعذيب العامة التي مست كل فرد .. مما قد يسمي بالتعذيب النفسي ، أو امتهان الكرامة الإنسانية والطبيعة الآدمية . ولكي لا أغش نفسي ، ولكي لا أضلل قرائي ، أضربت في هذه المذكرات عن التعويل علي ما أثر عن هذه الشخصية من أقوال أو مكتوبات ، أرادت هذه الشخصية أن تجعلها وحدها هي المرجع لمن أراد أن يتعرف علي أفكارها وآرائها وبرامجها مثل الدستور المؤقت ، والميثاق وقرارات مارس وغيرها من الخطب والبيانات والمقالات .

وفي الوقت الذي أضربت فيه عن التعويل علي ذلك ، أفضت في الحديث عن الأعمال ، وفصلت في ذكر الأحداث في ذكر الأحداث ، لأن محصلة حياة الرجال هي ما أتوا من أعمال وما أحدثوا من أحداث ،وما خلقوا من آثار لهذه الأعمال ، أما الكتابات والخطب والبيانات والمقالات مالم يترجمها صاحبها إلي أعمال ، فإنها لا تغني ولا تسمن من جوع عند البحث والتمحيص والتقييم . وقد شدد القرآن الكريم النكير علي هذه الظاهرة ، لخطورتها علي المجتمعات .

.. وما من طاغية مهما بلغ جوره ، وعم ظلمه ، وتجاوز طغيانه كل حد – أن يكتب بيده عن نفسه وعن أفكاره وآرائه وما يدينه . ومن هنا يأتي اختلاف الناس في تقييم الرجال ، فأولئك الذين مكنتهم ظروفهم من الاحتكاك بطاغية فعانوا من ظلمه ، واكتووا بنار جوره .. كان حكمهم عليه مستمدًا من أحداث عاشوها وأعمال حضروها .. أما أولئك الذين لم تتح لهم الظروف أن يخبروا الأعمال ، ولا أن يحضروا الأحداث ،وانحصرت خيرتهم به فيما قرأوا من كتاباته وما استمعوا من خطاباته ، وما ملأ سمعهم وأبصارهم من شعاراته ، فسيكون حكمهم مستمدًا من هذه الكتابات والشعارات . وهذا هو السر في أن الأجيال الناشئة – في تقييمها للزعماء والحكام – يأتي تقييمهم مناقضًا لتقييم سابقيهم من الأجيال .. بل تجد في الجيل الواحد نفس هذا التناقض في التقييم .. فهذه فئة أطلعتهم ظروفهم علي الأعمال ، وهذه فئة أخري لم يصل إلي سمعهم وأبصارهم إلا الكتابات والخطب والشعارات .

وهؤلاء الذين بنوا تقييمهم علي الكتابات والخطب والبيانات والشعارات ، يجب انتحال الأعذار لهم ،و يبقي الرفق بهم ؛ لأنهم إنما شهدوا بما عملوا ، وذلك مبلغهم من العلم .. وعذرهم في ذلك ظاهر ملموس ، فلقد كانت كل وسائل الإعلام مسلطة ليل نهار علي أسماعهم وعلي أبصارهم وعلي عقولهم ، وما كان في استطاعتهم أن يفلتوا من هذه الحلقة المفرغة التي ضربت حولهم ، وقد تلقفتهم هذه الحلقة منذ نبتوا أطفالاً ،ولم تدعهم حتى شبوا وصاروا رجالاً .. فأني لأمثال هؤلاء أن يعلموا غير ما علموا ؟ إلا أن تقدم لهم الحقائق الغائبة عنهم ، مقرونة بالأدلة الدامغة ، والبراهين المستمدة من الواقع الذي لا يجحد .. ثم يترك لهم بعد ذلك فرصة يعيدون فيها التقييم كيفما كان هذا التقييم . وتوضيحًا لهذا المعني أنقل من جريدة "" الأهرام " الصادرة في 29/7/1984 في نقاش بين الأستاذ صلاح منتصر المحرر بالأهرام وبين الأستاذ توفيق الحكيم ، فيما يتصل بكتابه " عودة الوعي " الذي نشره بعد وفاة عبد الناصر ، كان لهذا الكتاب ضجة وقت ظهوره ؛ لأن توفيق الحكيم كان من أقرب الناس إلي عبد الناصر وقد منحه أكبر وسام في الدولة لا يمنح إلا لرؤساء الدول .. ولكنه في هذا الكتاب هاجم عبد الناصر واتهمه بأنه سلب الشعب وعيه ، وكان من الأسئلة التي وجهها الأستاذ صلاح منتصر إلي الأستاذ الحكيم السؤال التالي :

س : عندما أشرت إلي الوعي الغائب هل كنت تقصد بذلك وعي الشعب أو وعي المفكرين أيضًا ، وقد كنت واحد منهم ، بل كنت كبيرهم ؟ .

الحكيم : عودة الوعي من مفكرين وأفراد عامين ، ولا تنبغي الدهشة من أنني كنت واحدًا من هؤلاء ... كيف كنت أعلم بكل ما يجري في الميادين المختلفة من سياسية واقتصادية واجتماعية إلا مما تنشره الصحف ووسائل الإعلام وبعض الإشاعات ، وكيف كنت أتنبأ بهزيمة مصر أمام إسرائيل ونحن في جميع الخطب والمقالات نعلن بأننا أقوي عسكريًا من أية دولة في المنطقة ، وأقرأ في الشوارع إعلانات ضخمة تقول بأننا سندخل تل أبيب بعد ساعات ؟ قل لي أنت أي واحد من أي مصدر أكيد للمعلومات كان من الممكن أن يطلعني علي سياسة الدولة واستعداداتها الحربية غير الملفات السرية التي لم تفتح .

وطالبت في " عودة الوعي " بفتحها لنعرف ونحكم ، وقد تفيدني عن مدي مسئولية عبد الناصر الذي أحبه وأثق في وطنيته ، وأعتقد أنه مسئول كحاكم في نطاق عشرين في المائة فقط ، ولكن الذين يعتقدون خطأ أو الاستنتاج أن علاقتي بعبد الناصر لابد كانت قوية وتجعلني مطلعًا علي مجريات الأمور مخطئون ، فأنا لم أجلس معه ساعة واحدة ، وكل علاقتي به أنني كنت قريبًا منه بالقلب والعاطفة ، وليس بالإطلاع علي دخائل أغراضه وسياساته إلا ما نعرفه كلنا من خطبه ومقالات صحفية .. ومن المنطقي أن نقول : إنها سحرت الشعب وأنا منه .

س : هل من السهل علي أي نظام أن يفقد الشعب وعيه ؟ .

الحكيم : من السهل جدًا علي أي نظام تسيطر فيه الدولة علي مصادرة المعلومات ، وفي يدها وحدها مفاتيح الإعلام والاتصال بالجماهير ، أن تشكل هي وعي الجماهير طبقاً للصورة التي تريدها ؛ لأن الوعي عند كل إنسان يتكون في رأسه من الصور التي تعرض له مرئيات أو سمعيات و مطلعات ، ولذلك نري الآن علي المستوي الدولي قيام الدول الصغيرة بالمطالبة بحرية المعلومات التي تسيطر عليها الدول الكبرى القوية بما لها من وسائل إعلام ضخمة هي التي تشكل الوعي السياسي الذي تريده سياسة هذه الدول الكبرى ؛ لتؤثر بها علي هذه الدول الصغرى .

وبعد أن أوردنا هذا التوضيح نرجع إلي السياق فنقول :

إن هذه الظاهرة – ظاهرة مخالفة أعمال الحاكم أقواله – تكاد تكون أخطر ظاهرة تبتلي بها المجتمعات والأمم ، لأنها أسلوب من أحقر الأساليب الغش والتضليل ، وقد لفت نظري إلي مدي خطورتها ما قرأته في سيرة بن عبد العزيز رضي الله عنه من نبأ يقول :

إنه لما توفي سليمان بن عبد الملك ، دعي عمر بن عبد العزيز لتولي الخلافة ، وكان من المتعارف عليه أن يكون أول عمل يقوم به الخليفة الجديد أن يصلي علي جثمان سلفه وأن يوازيه قبره ، فلما طلب من عمر بن عبد العزيز أن يقوم بذلك ، رفض أن يدفن سليمان حتى يصدر ثلاثة كتب .. فعجب الناس وتساءلوا فيما بينهم ، أية أهمية لهذه الكتب حتى جعلت الخليفة الجديد يقدمها علي دفن سلفه ؟! أما هذه الكتب فهي الآتي بيانها :

1 – كتاب إلي مسلمة بن عبد الملك يطلب إلي الرجوع بجيشه ، وقد كان حاصر مدينة القسطنطينية ،وطال الحصار وتفشت في الجيش الأمراض حتى هلك كثير من الجنود من شدة البرد وقلة المؤنة حتى أكلوا الدواب ، وكان سليمان قد حلف ألا يرجع هذا الجيش مادام حيًا .

2 – وكتاب بعزل أسامة بن زيد التنوخي ، وكان علي خراج مصر ، وكان ظلومًا فأمر به أن يسجن في كل جند سنة ، وأن تفك قيوده عند كل صلاة ثم يقيد ثانية .

3 – وكتاب بعزل زيد بن أبي مسلم ، وكان أميرًا علي إفريقية ، وكان غشومًا يتأله ، يسبح ويهلل وهو يأمر بقتل الناس وتعذيبهم .

كانت هذه هي الكتب الثلاثة التي وجد عمر بن عبد العزيز نفسه ملزمًا أن يقدمها علي دفن الخليفة السابق ؛ لأنه رأي في تأخيرها حتى يدفن سليمان إثمًا وتفريطًا في حق أمة أصبح هو مسئولاً عنها .. والذي يعنينا بالذات في سياق حديثنا من هذه الكتب الكتاب الثالث ، فهذا الكتاب يشير إلي المعاني التالية :

1 – أن هذا الحاكم كان ظالمًا .

2 – أنه كان يتأله أي يحرص علي أن يظهر بمظهر التقي والورع .

3 – أنه كان يأمر بقتل الناس وتعذيبهم ، في الوقت الذي يغطي علي ما يجري سرًا من القتل والتعذيب بشعارات يطلقها ويملأ بها الأسماع من التهليل والتسبيح .

وهذا طراز فاجر من الظلم يجمع إلي الظلم لونًا خبيثًا من الغش والنفاق والتضليل ، فالذي يقرأ ويسمع لا يقرأ ولا يسمع إلا شعارات تنادي بالعدل والرحمة والحرية والسلام ، أما الذي يجرب التعامل مع صاحب هذه الشعارات ، فإنه لا يري وراء هذا الستار الزائف إلا الظلم والقهر والتعذيب والاستبداد . وقد رأيت أن أسوق هذا النبأ من أنباء الخليفة الراشد الخامس ، حتى يعلم الكثيرون الذين أعفتهم ظروف معينة من التعامل مع الحاكم موضع حديثنا ، وكانت كل تجربتهم معه الاستماع إلي خطبه وبياناته وشعاراته ، أن عناصر التقييم لم تستكمل حتى قيموا ، وعليهم أن يعيدوا النظر بعد إحاطتهم بكل عناصر التقييم . وقد ظهرت في السوق في خلال فترة الانفتاح كتب عن الإخوان المسلمين ، انتهز كاتبوها خلو أذهان الناس عن أعمال الإخوان المسلمين وتاريخهم البطولي – نتيجة عشرين عامًا من الكبت والتضليل – وراح كل منهم يستملي هواه ، ويكتب تاريخ الإخوان المسلمين علي نسق ما يمليه هذا الهوى .. وكانت الضحية في هذا هو الجيل الجديد من الشعب العربي ، الذي نشأ في ظل إرهاب حكومي حجبه عن الحقائق ربع قرن من الزمان ، وملأ سمعه وبصره وعقله طيلة هذه الحقبة بسيل جارف من الأكاذيب الملبسة ثوب الحقائق .

وإذا كان هذا العهد قد استطاع أن ينفرد بعقول هذه الأجيال الحديثة ، فصاغها الصياغة التي أرادها ، فإن ابتداء عقد السبعينات جاء وقد أوهي من قبضة هذا العهد ، فأتاح فرصة لتنفس الصعداء ، انبري فيها أصحاب الأهواء من الكتاب فأخذوا دورهم في توجيه هذه العقول إلي ما يعملون لحسابه من المبادئ والأفكار ، معتمدين في ذلك علي ما يعلمون من انطواء الإخوان المسلمين علي أنفسهم ، وإغفالهم الأهمية العظمى للنشر والإعلان ، الذي صار في عصرنا هذا أداة سخرية تستطيع أن تبرر الحق باطلاً والباطل حقاً . وملأت هذه الكتب السوق المصري والسوق العربي .. ووجدت من يتلقاها ويرحب بها ويقرأها بشوق ونهم ، فالسوق خال من كتاب واحد عن الإخوان المسلمين .. وهذه كتب بلغت الجرأة بكاتبيها أخرجوا منها كتبًا تخصصت للكتابة حتى عن أسرار الإخوان المسلمين .. ومادام موضوع الكتاب هو الأسرار ، فهو إذن فرصة سانحة لاختلاق الأنباء ، وقلب الحقائق ، وتحريف الوقائع ، ودس السموم .. والهدف المقصود من ذلك كله هو تشويه صورة الإخوان المسلمين ، وإرضاء لهوى الكاتب في خدمة جهات تري الإخوان المسلمين أكبر عائق في طريقها في الشرق العربي والعالم الإسلامي .

وما كان لنا أن ننحي علي مثل هؤلاء الكُتاب بلوم ، فإنهم قد قاموا بعمل يخدمون به مبادئهم ، أما اللوم فإنه يوجه إلينا نحن الإخوان المسلمين ، لأننا تخلفنا عن أداء حق دعوتنا علينا من النشر والإعلان ، وتركنا الميدان خاليًا لغيرنا فاقتحموه في غيبتنا بهمة ونشاط . وتقدمنا أخيرًا إلي السوق – وبعد أن تسممت الأفكار – بالحائق عن دعوتنا ، ولكننا تقدمنا ، بتثاقل وكسل ، كمن يصحو علي ضوضاء من نوم عميق ، فاستيقظ يتمطى ويتثاءب .. وحسبك أن تعلم أن كتابًا ككتابنا هذا لم ينشر عنه إعلان واحد في صحيفة يومية .. كأننا بذلك لا نكتب إلا لأنفسنا . وكتابتنا .. لأنفسنا أمر مطلوب بلا شك وذو نفع عظيم ، فإن جمهور الإخوان المسلمين في العالم اليوم جمهور له قيمة ووزن – كماً وكيفًا – ترجحان كل جمهور آخر ، ومن حق هذا الجمهور أن يكون دائمًا أبصر الجماهير بحائق دعوته ، وتفسير وقائعها وتفاصيل أسرارها – ولكن ليس معني هذا أن تغفل من تعايشهم من الجماهير الأخرى – وهم الذين يكونون الرأي العام – فمن حق هؤلاء أيضًا ومن أوجب الواجبات علينا أن نضع حقائق دعوتنا بين أيديهم حتى لا ينفرد بهم المزيفون والمحرفون والمضللون . نعم ، إننا علي الحق الواضح الصريح ، ولكننا مطالبون بإشهار حقنا وإذاعته والمنافحة عنه ، وإيصال تفاصيله إلي كل عين وكل أذن وكل عقل بجميع وسائل الإعلام .. ولنا في ذلك الأسوة في رسول الله صلي الله عليه وسلم فإنه لم يدع وسيلة من وسائل الإعلام إلا سلكها واستعان بها .. وكان الشعر في عهده صلي الله عليه وسلم هو أقوي وسائل الإعلام ، فلم يتخلف دونه ، فكان له شعراء ينافحون عنه ، ويدافعون عن دعوته .. وكان يسره أن يسمع شعر حسان بن ثابت في الدفاع عن الدعوة ويقول : " اللهم أيده بروح القدس " .

وهناك أيضًا قضية جديرة أن تقابل بالتوجس والحذر ، ولا ندري إلي متى يلاحقنا النفوذ الأجنبي ، فيخرج من باب ليدخل من ألف باب .. فبعد أن حررنا أرضنا من جيوشه ، نري أنفه مندسًا في مشاريعنا ومناهجنا ، ونري إصبعه – من وراء ستار – تحرك الفتن فيما بيننا وتضلل الناشئة من أبنائنا .. ولقد نبهنا في هذا الجزء من المذكرات وفي سابقه بإشارات إلي مثل هذا الأسلوب الماكر .. وفي ختام هذا الجزء وجدنا ما صدق هذه الإشارات وأكدها .. وقد رأينا ما صدَّق هذه الإشارات وأكدها .. وقد رأينا أن ننقل إلي القراء النصوص المؤكدة ؛ حتى تكون نذيرًا للذين يحسنون الظن ، وينقادون – في سذاجة – لكل من يتزيى بزى المؤمنين الصالحين ، فيتلقون دون تفهم ولا تقليب ،و دون أن يمدوا ببصرهم ليروا ما وراء ما يتلقون من دوافع ،ولا إلي ما قد ينتهي بهم هذا التلقي من ضياع وانهيار . ولا يفوتني أن أشيد في هذا الصدد بزمرة كريمة – بعثت الأمل في نفوسنا – من الكتاب والباحثين ، تنبهوا إلي خطورة هذا التحرك المشبوه – ونحمد الله أن كنا أول من تنبه إليه ونبه إليه – نحو محاولات مدبرة للتشكيك فيما نعتز به من تاريخنا ، ولتحطيم إيماننا بأنفسنا وقادتنا .. فتصدوا لهذه المحاولات علي صفحات " الأهرام " تصديا يستحق التقدير والثناء .


وبعــد :

فهذه المذكرات يظلمها من اقتناها ليقرأها مجرد قراءة عابرة ، أو شغلاً لفراغ وقت ، فلقد أصدرتها لتدرس دراسة متأنية ، يخرج الدارس منها بخطة عمل في حياتنا التي نعيشها اليوم ، فهي – كما قلت من قبل – ليست إلا خلاصات تجارب وعصارات عقول .. كما أنها طرق مبتكرة لإنشاء مواقف ومواجهة مأزق ، وأساليب بارعة للتعامل مع النفوس ، وبرامج كاملة لتربية هذه النفوس ، وامتحانات – من واقع الحياة – للكشف عن معادن النفوس ، وخطط لإحباط مكايد ، ووسائل لتفادي عواصف ، ومثل حية في النبات علي الحق ، والاعتصام بالصبر ، والضحية بالمال والنفس .. ورواية كاملة الفصول – مثلت علي مسرح الحياة – لوقوف الحق الخالص الأعزل أمام قوي الباطل الزائف المدجج . ولقد كنت في مقتبل أيام اشتغالي بالدعوة الإسلامية أقرأ الحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إذا قرأتم القرآن فابكوا ، فإذا لم تبكوا فتباكوا " فأعجب لم يطالبنا الرسول صلي الله عليه وسلم بالبكاء حين نقرأ القرآن ؟ ما الداعي للبكاء ؟ .

فلما شببت وقرأت سيرته صلي الله عليه وسلم ووجدت هذه السيرة سلسلة من المآسي والمحن والآلام والتضحيات ، وعلمت أن هكذا سيرة كل نبي ورسول ، والقرآن يحكي لنا سيرة هؤلاء الصفوة من الدعاة وما لاقوا من أهوال .. فكان حقاً علي من يقرأ هذه السير أن يبكي إذا كان يفقه ما يقرأ . وهكذا سير من أرادوا أن يجددوا دعوة الأنبياء ، فسوف ينالهم ما نالهم ، وجدير بمن يقرأ عن أحداثهم أن يتناولها بسمعه وبصره وقلبه ، حتى يقرأها ويفقهها ويحسها .. لعل ذلك يحرك في نفسه خامد الهمم ، ويدفعه إلي اقتفاء الآثار علي بصيرة وهدي ونور .

محمود عبد الحليم

الإسكندرية في : 25 ذي القعدة 1404هـ

22 أغسطس 1984م


المـدخـل


من أشق الأمور علي النفس ، أن يتناول إنسان مثلي بالكتابة موضوعًا يتصل بالإخوان المسلمين وثورة 23 يوليو 1952 ، ذلك أن تناول هذا الموضوع يمض النفس ، ويهيج الشاعر ، ويثير الأحزان . وإذا كان الكاتب مجرد مؤرخ – مدي اتصاله بالأحداث التي يكتب عنها أنه يراقب هذه الأحداث عن كثب 0 فإن تأثره بما يؤرخ له ويسجله - إن تأثر – يكون سطحيًا ومؤقتًا ، أنما إذا كان المؤرخ أو الكاتب وثيق الصلة بالأحداث ، فإن تأثره يكون عميقاً وعنيفًا وأليمًا .. فكيف بمن يكتب عن أحداث كان هو ممتزجًا بها بل كان هو جزءًا منها ، بل كان من حصادها ؟! لو كان الرجال الذين ظهروا علي المسرح في ثورة 23يوليو 1952 رجالاً غرباء عن الإخوان المسلمين لا تربطهم بهم رابطة ، ولا تصلهم بهم صلة ، لما جرت الأمور علي النحو الذي جرت عليه ، ولما كانت الأحداث قد توالت علي الصورة الكتيبة التي حدثت بها ، والتي انتهت بالكوارث التي حاقت بالإخوان المسلمين وبالتالي بالبلاد ، فأوردتها موارد الدمار المادي والخلقي ، ثم جللت بعد ذلك هامها بالعار الذي لا ينسي علي مر الزمن ، حيث دنست أرضها الطاهرة أقدام شذاذ الآفاق ، وطريدي الإنسانية .

لم يخل التاريخ من مآس لازالت الأجيال تتناقلها جيلاً بعد جيل ، والقلوب تقطر حزنًا واشمئزازًا كمأساة البرامكة في عهد هارون الرشيد – ولكن البرامكة علي كل حال لم يكونوا أكثر طراء غرباء قدموا إلي ملك ثابت الأركان ، عريق في الملك ليكونوا في خدمته ، مستظلين بوارف فضله ، ملتمسين من واسع كرمه .. فإذا حدَّثت هؤلاء أنفسهم أن يتطاولوا علي سيدهم ، أو إذا أحس هارون بأنهم يتطلعون أن ينازعون سلطته ، فقد يتاح له وجه عذر إذا هو عصف بهم . أما مأساة الإخوان مع الثورة فكانت عكس ذلك تمامًا فلقد حمل الإخوان عبء تربية الشعب ربع قرن من الزمان ، استطاعوا خلاله أن يغيروا مفاهيمه ، وأن يوقظوا وعيه ، وأن يطهروا نفسه ، وأن يلهبوا مشاعره .. لقوا في سبيل ذلك أشد ما يلقي المجاهدون ، وضحوا بأموالهم وأنفسهم ودمائهم وبشبابهم وشيبهم حتى يئس أصحاب السلطان أن يبلغوا منهم أي مبلغ .. وسقط في أيدي الطغاة أخيرًا ، فطأطئوا الرءوس للدعوة الإسلامية في شخص الإخوان .. ودانت البلاد منذ بدأت الخمسينات لهم .. وطابت النفوس الشعب إلي الحكم الإسلامي ، وصار مفهومًا أن المسألة لم تعد أكثر من مسألة وقت .

وخطب أعداء الإخوان – وهم أصحاب السلطة – ود الإخوان ، ولكنهم وجدوا من الإخوان عزوفاً عنهم وعن مظاهر سلطتهم .. لأن الإخوان يعلمون أن اختلاط الحق بالباطل فتنة ، يضل فيها الناس فلا يميزون الحق من الباطل .. ولهذا عزف الإخوان ، وتوفروا علي إعداد العدة لحكم إسلامي خالص . ولم يكن هدف الإخوان في يوم من الأيام الاستمتاع بأبهة الحكم أو التباهي بمظاهر السلطة .. ولو كان هذا هدفهم لاختصروا الطريق ، ولأعفوا أنفسهم من كثير مما بذلوا من جهد ووقت ومال ودم .. فلقد تربع في دست الحكم في مصر من كان هو وشيعته التي تدين له أقل وأدني من شعبة واحدة من شعب الإخوان علمًا ومواهب وثروة بالرجال .. ولكن هدف الإخوان الذي أضناهم وأسهر ليلهم ، كما دوخ أعداءهم وأقض مضاجعهم ، أنهم يريدون أن تحكم الأرض بوحي السماء .. وهو مالا يرضاه حاكم مستبد ، ولا سلطان مفسد . وقد قدمت في صفحات ماضية أن الشعب المصري كانت أنظاره مشدودة إلي الإخوان ، يترقبون اللحظة القريبة التي تنتقل فيها مقاليد الأمور إلي أيديهم ، وأن المراقبين الأجانب كان مسيطرًا عليهم نفس الشعور ، حتى نشرت جريدة النيويورك تيمس في أحد تعليقاتها في ذلك الوقت قولها : " لا شك أن الإخوان المسلمين قوة لا تستهان بها " وقالت : " إنهم آثروا عدم خوض المعركة الانتخابية (سنة 1952) حتى يتم لهم تنظيم صفوفهم بالصورة التي يعتقدون أنها كفيلة بتحقيق أهدافهم " .

وهذا هو ما كان الإخوان – في حقيقة الأمر – متوفرين عليه تلك الأيام – فلقد كانوا يشعرون أن انهيار أعدائهم الذي بدأت بوادره في عام 1950 قد وصل إلي أقصاه عام 1952 ، وليس أدل علي ذلك من التخبط الذي أدي إلي توالي ثلاث وزارات علي الحكم في أقل من نصف عام . كان الإخوان مطمئنين إلي صفوفهم في الشعب ، وتكويناتهم المدنية والعسكرية ، وإلي تهيؤ الجو لاستقبال الحكم الإسلامي . ولست أدعي إلمامًا بتفاصيل ما يتصل بالتكوينات العسكرية ل الإخوان ، فقد كنت أولا في ذلك الوقت – بحكم عملي الشخصي – بعيدًا عن القاهرة في الصعيد ، ثم إنني كنت بطبيعتي – كما قدمت – عزوفًا عن التدخل فيما لم أدع إليه .. ولذا فإني أترك الحديث عن ذلك إلي الأخ الذي كان مسئولاً عن هذه الناحية وهو الأخ الكريم اللواء صلاح شادي شيئًا مما نشره عن لسان صحفي سامي جوهر – رحمه الله – في الطبعة السادسة من كتابه " الصامتون يتكلمون " وهو حديث ليس بالجديد عليّ فقد كان حدثني به وبأكثر منه الأخ الأستاذ صلاح = أكرمه الله – في الأيام الأولي للثورة .

قال الأستاذ صلاح في هذا الكتاب :

" في أواخر عام 1949 خلف حسين سري باشا إبراهيم عبد الهادي في رياسة الوزراء وأصدر قرارًا بعودة جماعة الإخوان المسلمين .. وحضر لي ضابط بوليس من القنطرة هو اليوزباشي – وقتئذ – عبد الفتاح غنيم لزيارتي .. وأبلغني برغبة المرحوم الصاغ – وقتئذ – صلاح سالم في اللقاء معي .. فرحبت .. وتم اللقاء . وحدثني صلاح سالم عن رغبته تشكيل الضباط الذي كان منضمًا ل الإخوان المسلمين قبل قرار حلها بإعادة العلاقات مع الجماعة .. فأعلنته ترحيبًا بذلك مادام الهدف واحدًا وهو خدمة الوطن ، والالتزام بشرع الله نظامًا ، وطرد المستعمر ، فوعدني أن يقابلني في موعد آخر بالمسئول عن تنظيمهم . وفعلا تحدد الموعد والتقينا في مكتب المرحوم محمد العشماوي باشا ، وحضر في هذا اللقاء جمال عبد الناصر بصفته المسئول عن تنظيم ضباط الجيش . وكنت ألقاه لأول مرة .. وإن كنت سبق أن سمعت باسمه من المرحوم محمود لبيب الذي كان وكيلاً لجماعة الإخوان علي أنه أحد أعضاء تشكيل الإخوان في الجيش هو البكباشي عبد المنعم عبد الرءوف .. وهو التشكيل الذي عرف بعد ذلك باسم تشكيل الضباط الأحرار .. وكان محمود لبيب هو الذي اختار لهم هذا الاسم ، حتى يبتعد تنظيمهم عن أعين الحكومة إذا عرف أنه تشكيل مرتبط بجماعة الإخوان . وتحدثنا طويلاً في هذا اللقاء .. وكان رأي عبد الناصر أن عبد الرحمن السندي غير مقنع للضباط ، وأنه لا يستطيع أن يجمع ضباط الجيش علي الفكرة الإسلامية ، وتحدثت معه علي أن أهدافنا جعل الإسلام هو النظام الحاكم .

وتكررت لقاءاتنا .. وبدأ التعاون بيننا في كل شيء .. حتى كان صلاح سالم يشتري لنا أسلحة من العريش للكفاح المسلح في حرب القتال ، وأذكر أنه بعد قيام الثورة أعاد لنا صلاح سالم مائتي جنيه دفعها للمرحوم عبد القادر عودة ثمن أسلحة لم يكن أتم شراءها . واتفقنا مع جمال عبد الناصر أن يقوم الضباط من تنظيمه بتدريب الشباب من الإخوان علي استخدام الأسلحة ، فاختار الصاغ – وقتئذ – مجدي حسنين ، وكان ضابطًا في مدرسة الأسلحة الخفيفة بثكنات الجيش في العباسية . وفي يوم 26 يناير 1952 .. يوم حريق القاهرة .. جاءنا عبد الناصر مذعورًا ، وطلب منا البحث عن مكان لإخفاء الأسلحة فيه ، كان يخفيها في مدرسة الأسلحة الخفيفة عند مجدي حسنين .. وأنه يخشي أن تقوم السلطات بتفتيش المدرسة فتعثر عليها . وفي الحال تم الاتفاق .. وقام الإخوان – رحمها الله – منير الدلة وحسن العشماوي ومعهما الإخوان عبد القادر حلمي المستشار حاليا بالكويت وصالح أبو رقيق المستشار بالجامعة العربية بالتوجه بسياراتهم إلي بوابة رقم (6) حيث كانت ينتظرهم مجدي حسنين ، وقاموا بنقل الأسلحة داخل سياراتهم إلي منزل عبد القادر حلمي في أول شارع الهرم .. وفي المساء حضر جمال عبد الناصر ونصح بنقل الأسلحة إلي الريف ، فوقع الاختيار علي عزبة حسن العشماوي في الشرقية .. ورسم جمال عبد الناصر بنفسه كيفية تشييد مخزن السلاح وطلب أن يكون تحت الأرض بمسافة ثلاثة أمتار ، وتغطي جدرانه بمادة الأسبتوس العازلة من الحريق والرطوبة .

وحفرنا المخزن أسفل جراج في العزبة .. ولم يكن يعرف مكانه سواي أنا والمرحوم حسن العشماوي والمرحوم منير دلة وصالح أبو رقيق وعبد القادر حلمي .. وطبعًا جمال عبد الناصر .. وبقيت الأسلحة بالمخزن .. وعندما قامت الثورة وفي إحدى جلساتنا مع جمال عبد الناصر سألناه عما إذا كان يريد الأسلحة فطلب أن تبقي في مكانها . واستمرت الاتصالات بين عبد الناصر وبيني قبل قيام الثورة .. وقبل قيام بأيام جاءني وأبلغني أنه يفكر في التعجيل بالقيام بالثورة ؛ لوجود عدد كاف من الضباط المنضمين لتنظيمه في القاهرة .. وأنه يمكنه بواسطتهم عمل حاجة .. وطلب أن تعقد جلسة للتشاور .. فحددت له لقاءّ في شقة عبد القادر حلمي أحد الأعضاء البارزين بالجماعة وعضو مكتب الإرشاد . ويقول الأخ صالح أبو رقيق تكملة للحديث : كان ذلك قبل قيام الثورة بليلتين ، حضر جمال عبد الناصر ومعه كمال الدين حسين إلي شقة عبد القادر حلمي ، وهي في الطابق الثاني بالمنزل الذي كنت أقيم فيه في أول شارع الهرم بالقرب من جامع سيدي نصر الدين . وقد شهد هذا المنزل كثيرًا من الأحداث .. إنني كنت أقيم بالطابق الأول منه وعبد القادر في الطابق الثاني .. وقد أخفينا فيه حسين توفيق عن أعين البوليس تمامًا بعد اتهامه باغتيال أمين عثمان .. وهي القضية التي اتهم فيها الرئيس أنور السادات أيضًا ، وفي هذا المنزل تكررت اجتماعات عبد الناصر ورجال الثورة والإخوان المسلمين بعد الثورة . جاءنا عبد الناصر وكمال الدين حسين واجتمعنا بنا .. صلاح شادي وأنا والمرحوم حسن العشماوي وفريد عبد الخالق وعبد القادر حلمي .. وأبلغنا اعتزامه القيام بالثورة خلال أيام ، فطلبنا منه الانتظار لحين استطلاع رأي المرشد ، فطلب استطلاع رأيه أن يتولي الإخوان الحكم بعد نجاح الثورة .. وكان المرشد في ذلك الوقت موجودًا بالإسكندرية .. ولكنه ألح لمعرفة رأيه بسرعة ، معلنًا أنه سيؤجل الحركة يومًا لهذا الغرض .

وفعلاً سافرت مع حسن العشماوي وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق إلي الإسكندرية وقابلنا المرشد فطلب منا إبلاغ جمال عبد الناصر موافقته وتأييده وحمايته للثورة ، كما طلب إبلاغه أنه ليس من المصلحة أن تظهر للثورة علاقة بالإخوان ؛ حتى لا يتدخل الانجليز لمقاومتها ، واقترحت أن يتولي الحكم علي ماهر باشا علي أساس أنه غير حزبي ، وكان رئيسًا للوزارة وقت وفاة الملك فؤاد واستطاع أن يقوم البلاد وتطمئن له جميع الجهات . وعدنا إلي القاهرة واتصل صلاح شادي بعبد الناصر ودعاه للحضور إلي شقة عبد القادر حلمي في صباح اليوم التالي .. يوم 22 يوليو .. وجاء عبد الناصر ومعهكمال الدين حسين وأبلغناه الرسالة . ويقول صلاح شادي مكملاً الواقعة وقبل أن ينصرف جمال عبد الناصر انتحيت به جانبًا ، وطلبت أن يقرأ معي الفاتحة أن تكون الحركة لله ولإقامة شرع الله .. فقراها معي .. وتعانقنا وانصرف . وقامت الثورة .. وفي الساعة الثالثة من صباح يوم 23 يوليو جاءني حسن العشماوي وأبلغني أن جمال عبد الناصر اتصل به تليفونيًا لعدم وجود تليفون في منزلي ، وطلب منه أن يحضر إليّ ليكلفني بالذهاب إلي منزله لإبلاغ أسرته أن كل شيء تم بنجاح .. وفعلا ذهبت بسيارة حسن إلي منزل عبد الناصر بكوبري القبة .. وكانت السيدة زوجته وشقيقه عز العرب علي ما أعتقد بطلان من الشرفة في قلق .. فنقلت لهما رسالة عبد الناصر وانصرفت .

ويستأنف صالح أبو رقيق حديثه عن الأيام الأولي للثورة ويقول :

ونجحت الثورة .. وقام رجال الإخوان بحراسة المرافق ليلة الثورة .. وفي الأيام التالية اتصل كمال الدين حسين بصلاح شادي وأبلغه أن قوات بريطانية ستتحرك من السويس إلي القاهرة .. فأرسلنا مجموعة من الإخوان الفدائيين إلي الكيلو 96 لعرقلة تقدم الانجليز .. وظلوا يحرسون الطريق عدة أيام . وتم أول لقاء بين عبد الناصر والمرشد حسن الهضيبي يوم 28 يوليو .. حضر عبد الناصر إلي منزلي ، حيث كان ينتظره المرشد وعبد القادر حلمي وحسن العشماوي وصلاح شادي .. وقال عبد الناصر ونحن نصمد درجات السلم :

أنا خايف علي الأولاد من نشوة النصر .. ووجدتني أقول له بسرعة : نصر إيه .. ده لسه المشوار طويل .. عايزين ننظف البلد ونطهرها من الفساد وتقوم المشروعات .. وعندما وصلنا .. ودخل عبد الناصر وصافح المرشد فوجئت به يقول للمرشد :

" قد يقال لك إن إحنا اتفقنا علي شيء .. إحنا لم نتفق علي شيء " .

وكانت مفاجأة .. فقد كان اتفاقنا أن تكون الحركة إسلامية ولإقامة شرع الله .. واستمرت المقابلة في مناقشات أنهاها المرشد بقوله لجمال عبد الناصر :

" اسمع يا جمال .. ما حصلش اتفاق .. وسنعتبرهم حركة إصلاحية .. إن أحسنتم فأنتم تحسنون للبلد .. وإن أخطأتم فسنوجه لكم النصيحة بما يرضي الله " . وانصرف جمال . وقال لنا المرشد وكأنه كان يستطلع الغيب : " الراجل ده مافهش خير ، ويجب الاحتراس منه " . وكانت الوزارة قد شكلت برياسة علي ماهر كما اقترحنا ، لكن بعد شهور جاءنا جمال عبد الناصر يشكو من علي ماهر ومماطلته في إصدار قوانين الإصلاح الزراعي ، وسأل المرشد عمن يتولي الحكم بعده .. وكان رأينا أي شخص صالح " . ويضيف صلاح شادي قائلاً :

وتم تشكيل وزارة برياسة محمد نجيب .. وطلب منا جمال عبد الناصر الاشتراك في الوزارة ، استدعاني أنا وحسن وكان يوسف صديق حاضرًا .. وفاجأنا بقوله : " أنا عايز ثلاثة من الإخوان يدخلوا الوزارة ، فرد يوسف صدَيق : " إحنا هنخليها فقهاء " .. فقال له حسن العشماوي : ما لهم الفقهاء .. ما له واحد زى الشيخ الباقوري بغض النظر عن الموضوع . وقال عبد الناصر : أنما كنت اقترحت أنك تدخل الوزارة – والكلام كان موجها لحسن العشماوي – أنت و منير الدلة ولكن الزملاء معترضين لصغر سنكم .. وإحنا عايزين ترشحوا لنا اثنين أو ثلاثة . وذهبنا إلي المرشد .. واجتمع مكتب الإرشاد واتخذوا قراراً بعدم الاشتراك في الوزارة بعد مناقشات طويلة .. فقد رأي البعض أن اشتراكنا في الوزارة سيجعلنا مبصرين بكل الخطوات التي تقوم بها الحكومة .. ولكن المرشد كان له رأي آخر وهو أنه : لو حدثت أخطاء من الحكومة فإنها ستلقي علي الإخوان فضلاً عن أن رسالة الإخوان كما كان يراها المكتب في تلك الأونة هي عدم الزج بأنفسهم في الحكم .

أبلغنا جمال عبد الناصر يقرر المكتب ، فطلب من المرشد أن يرشح له أشخاصًا آخرين من غير الإخوان ، فرشح له أحمد حسني وزكي شرف ومحمد كمال الديب إلا أن عبد الناصر اختار أحمد حسني فقط كوزير للعدل ، استطاع الاتصال بالشيخ الباقوري وكان عضوًا بمكتب الإرشاد وأقنعه بالخروج علي قرار المكتب وقبول الوزارة وزيرًا للأوقاف فقبل . واتصل بي كمال الدين حسين وطلب مني محاولة إقناع أعضاء المكتب بقبول دخول الشيخ الباقوري الوزارة حتى لا يحدث صدع بين الحكومة و الإخوان ، فذهبت إلي مقر الجمعية لإبلاغ المرشد بحديث كمال الدين حسين لي ، فوجدته في حالة ثورة علي صالح أبو رقيق ؛ لأنه أبلغه أن الباقوري خالف قرار المكتب .. وبعد ساعة أذيع تشكيل الوزارة ، وخرج المرشد إلي منزله ، وعند خروجه قابله الصحفيون وسألوه :

- هل عرضت عليكم الوزارة ؟ .

- فأجاب : لقد عرضت علينا واعتذرنا .

وأغضب هذا التصريح جمال عبد الناصر .

ثم يكمل صالح أبو رقيق روايته نقلاً عما سمعه من المرشد فقال :

جلس المرشد في صالون منزله حزينًا لخروج الباقوري علي إجماع مكتب الإرشاد ، وقرب منتصف الليل وصل الشيخ الباقوري إلي منزل المرشد وصافحه وقبل يده وقال :

أنا تصرفت .. أتحمل نتيجة تصرفي ، وأنا مستعد أن أستقيل من مكتب الإرشاد . ورد الهضيبي : لسه ؟ وقال الباقوري : ومن الهيئة التأسيسية .. ورد الهضيبي : لسه ، وقال الباقوري : ومن جماعة الإخوان المسلمين . ورد الهضيبي : هكذا يجب . وطلب الشيخ الباقوري ورقة وكتب استقالته من جماعة الإخوان المسلمين .. وانصرف .. وفي صباح اليوم التالي توجه المرشد إليه في مكتبه بوزارة الأوقاف مهنئًا له . فقال له الباقوري :

اعذرني يا مولاي .. إنها شهوة نفس .

فرد المرشد : تمتع بها كما تشاء .. اشبع بها .

وكان هذا أول صدام بين عبد الناصر و الإخوان المسلمين .. أراد عبد الناصر شيئًا .. وكان يعتقد أنه إذا أراد فيجب أن يطاع .. أراد أن يدخل الإخوان الوزارة .. وقال له مكتب الإرشاد : " لا " ، الكلمة التي تثيره دائما .. ولكن استمرت العلاقات فاترة بين عبد الناصر وبين الإخوان . ثم جاء الصدام الثاني أو كلمة " لا " الثانية التي قالها الإخوان لعبد الناصر .. يقول صلاح شادي : في أحد الأيام في أوائل عام 1953 اتصل بي جمال عبد الناصر وقال لي : يا صلاح .. أنا باعت لك إبراهيم الطحاوي وسيحدثك في موضوع هام ، وعايز رأيك ورأي جماعة الإخوان فيه . وفعلا جاءني إبراهيم الطحاوي ، وقال لي : إن الرئيس عبد الناصر يريد من جماعة الإخوان أن تنصهر داخل هيئة التحرير ويصبحا تنظيمًا واحدًا .

وقلت له : مش ممكن .. إن معني هذا القضاء علي جماعة الإخوان .. وهيئة التحرير ما هي إلا حزب سياسي ونحن جماعة دينية . وفوجئت به يقول لي : ما هو الرئيس عايزك تمسك هيئة التحرير . وأجبته : إنني لا أبحث عن مصلحة شخصية .. لكن من الخطأ أن تطلب منا ذلك .. وانصرف إبراهيم الطحاوي .. وبطبيعة الحال أبلغ الرسالة إلي عبد الناصر الذي طلب أن يعقد معنا جلسة عمل في منزل عبد القادر حلمي .. المنزل الذي شهد كثيرًا من الاجتماعات . وحضر جمال عبد الناصر ومعه عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين والمرحوم عبد الحكيم عامر وأحمد أنور الذي كان وقتئذ قائدًا للبوليس الحربي .. وكان يحضر هذا اللقاء من الإخوان أنا وصالح أبو رقيق وفريد عبد الخالق وبطبيعة الحال عبد القادر حلمي الذي دعانا لتناول الغداء .. وبعد أن انتهينا منه جلس عبد الناصر يتحدث عن هيئة التحرير وعن رغبته أن تنصهر داخلها جماعة الإخوان المسلمين لتكون تنظيمًا قويًا .

ويرد صالح أبو رقيق ويقول : شوف يا جمال .. الحكومة أيًا كانت مادامت في الحكم وأرادت تكوين حزب فمصيره الفشل .. سيولد الحزب ميتًا .. لأن الذين سيضعون إلي عضويته ويسارعون إليها هم أعداؤها قبل أنصارها وذلك خوفاً منها .. وعندك تجربة إسماعيل صدقي في سنة 1930 خير دليل علي ذلك .. فعندما تولي الحكم شكل حزب الشعب وزور الانتخابات ونجح مرشحوه .. ولما خرج من الحكم انتهي حزب الشعب وتلاشي .

وجنح جمال ، وقال بخبث : أنتم عصاه . فناداه فريد عبد الخالق ويقول : قلت له : يا جمال ، إنني أري الجو ينذر بصدام ليس من مصلحة أحد في البلد أن يقع .. وكنت بذلك أشير إلي رغبته في أن تنصهر جماعة الإخوان داخل هيئة التحرير ، وكذلك لعدة مواقف اعتبرناها عدائية ، وكانت مظاهرها حذف الرقابة جميع بيانات الجماعة وعدم نشرها في الصحف .

فأجابني : أعملكم إيه ..ما أنتم عصاه .. تعجبت لرده ، وقلت له مستنكرًا :

عصاه !! دي كلمة كبيرة يا جمال .. عصاه ليه ..هل نحن نقف موقفًا عدائيًا من الأهداف الوطنية للثورة ومصلحة البلد ؟! إننا نريد تحقيق الديمقراطية وعودة الحياة النيابية .

فأجابني بسرعة : ما أنتم كده بتحرجوني .. طالبين انتخابات حرة .. يعني عايزين النحاس باشا يرجع تاني وتعود نفس الأوضاع .. أنا بقول لكم : ادخلوا هيئة التحرير وتولوا أنتم أمرها ، وتصبح هي مسرح نشاطكم .. وأنتم بترفضوا .. عايزين أيه أمال ؟ فقلت له : اسمع يا جمال .. إحنا بنصارحك .. الديمقراطية لا بديل لها ، وأنت يجب أن تكون عندك الثقة في أن الشعب سيتمسك بك ولن يرضي عنك بديلاً .. أما أن تتشكك في ذلك فهذا أمر غريب فعلاً .. لماذا تتشكك ؟ .. أما بالنسبة لدخولنا هيئة التحرير فليس هناك تعارض من أن تقود أنت التنظيم السياسي عن طريق هيئة التحرير ونبقي نحن دعاة للتربية الإسلامية ، أما رأيك أن تندمج الجماعة مع هيئة التحرير فهذا بالضبط أشبه بمن يضع زيتًا وماءً في زجاجة ويحاول أن يمزجهما ببعض .. مش ممكن أبدًا يمتزجان .. ومن الأفضل ل الإسلام وللبلد ولك أن نبقي بعيدين عن السياسة ومؤيدين لك كحركة إسلامية .. والتزام الحكمة وضبط النفس يمكن أن يكون جسرًا لتعبر من فوقه الأزمة .. وليس من هدفنا نهائيًا أن ننافسك في الحكم فنحن لا نريد الحكم .. ولذلك لا أري أي سبب للتصادم وعدم تقبل النصيحة ، وخاصة أن المرشد قال لك عند بدء الخلاف بالحرف الواحد : " يا جمال ، عندما تشعر بضيق من الإخوان بلغني وأنا أسلمك مفتاح المركز العام ونقفلها حتى لا تقع فتنة " .

وصمت جمال للحظات .. وأحسست أنه لا يجد ما يرد به .. وفجأة تكلم ليكشف لي بما في داخل نفسه وقال : اسمع يا فريد .. أقولك اللي في نفسي وأخلص .. أنا عندي فكرة مستولية عليّ ولا أعرف إذا كانت غلط ولا صح .. أنا عايز في خلال سنتين ثلاثة أوصل إلي إني أضغط علي زر .. البلد تتحرك زى ما أنا عايز .. وأضغط علي زر .. البلد تقف . فضحكت وقلت له : إحنا بقالنا 27 سنة بنعمل لتربية نشء من المسلمين يفهم الإسلام فهمًا متكاملاً ويعمل علي هدي منه .. ولا نقول رغم ذلك : إننا بلغنا درجة إن إحنا نجمع الإخوان في لحظة ونفرقهم في لحظة .. اسمع يا جمال : أنت بتفكر وكأنك ضابط في معسكر يصدر الأمر فينفذ في الحال .. لكن تغيير مسار المجتمعات لا يمكن إلا في جو من الحرية و الديمقراطية ؛ يسمعان بازدهار المفاهيم الصحيحة والقيم السليمة . فأصر علي رأيه قائلاً : الحقيقة ده اللي سيطر علي تفكيري .

فأتممت حديثي قائلاً : إذا كان كده .. فلا فائدة من نصيحتي أو نصيحة غيري ، وهذا شيء مؤسف جدًا .. والذي سيحكم لك أو عليك هو التاريخ . وانتهي بذلك حديثنا .. وانصرف جمال مع إخوانه – وبقينا نتناقش ونضحك عن رغبته أن يضغط علي زر فتتحرك البلد كما يريد .. ويضغط علي زر فتقف البلد – كنا نعتقد أنه يحلم ولكنه استطاع فعلاً أن يحقق الحلم بعد ذلك .

• مفاوضات الإخوان والانجليز :

وفي فبراير 1953 بدأ الحديث عن إجراء مفاوضات مع الانجليز للجلاء عن مصر .. ولعب الإخوان المسلمون دورًا في هذه المفاوضات يشرحه صالح أبو رقيق .. واستغله عبد الناصر بعد ذلك في التشهير بالإخوان واتهامهم بالعمالة والتعاون مع الانجليز .. يقول صالح :

في شهر فبراير 1953 جاءني المرحوم الدكتور محمد سالم ، وأبلغني برغبة السفارة البريطانية في أن يلتقي بعض المسئولين من جماعة الإخوان المسلمين بمستر إيفانز المستشار الشرقي بالسفارة البريطانية لاستطلاع رأي جماعة الإخوان فيما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع منطقة القتال في حرب عصابات . وأبلغت المرشد أنا ومنير دلة للاتصال بإيفانز .. وفعلاً اجتمعنا به ، وعدت للهضيبي أنقل له صورة كاملة عما دار بيننا من حوار .. فطلب مني أن أكتب تقريرًا مفصلاً وتسليمه له في اليوم التالي .. وعدت إلي منزلي فكتبت التقرير وسلمته للمرشد في اليوم التالي فاتصل تليفونيا بعبد الناصر الذي سارع إلي منزل الهضيبي وقال بالحرف الواحد بعد أن قرأ التقرير : " كويس . ده أنتم استطعتم الوصول إلي حاجات لم يكن من الممكن أن نوصل لها " – وكان إيفانز ينتظر ردًا علي عرضه من المرشد بنفسه ، فأبلغ المرشد رغبة إيفانز لعبد الناصر الذي طلب منه مقابلته . وفعلاً تمت مقابلة المرشد بإيفانز يوم 9 فبراير في منزل المرشد ، وبعد أن خرج إيفانز اتصل المرشد مباشرة بعبد الناصر وأبلغه في مقابلة تمت بعد ذلك في منزل منير دلة كل تفاصيل المقابلة .. وتوثقت بعد ذلك اتصالات إيفانز بالإخوان بعد أن بدأت المباحثات الرسمية التي تعثرت أكثر من مرة .. حتى انتهت بتوقيع الاتفاق النهائي في سبتمبر 1954 . ويضحك صالح في ألم ويقول : ومن الغريب أنه عندما اشتد الخلاف بين عبد الناصر والإخوان بعد ذلك أخذ يُشَهْر بهم علي أساس أنهم كانوا يتصلون بالانجليز بدون علمه وأنهم أبدوا تنازلات مما جعل موقفه محرجًا خلال المحادثات .. وجنَّد لادعائه هذا كل الصحف وأغلب الأقلام الصحفية .. وصدقه الناس بطبيعة الحال .. ولم يعلن أبدًا أنه كان علي علم بهذه الاتصالات وأنها تمت بموافقته وتشجيعه .. تمامًا كما فعل مع الأستاذ مصطفى أمين بعد ذلك باثني عشر عامًا عندما كلفه بمعاودة الاتصال برجال السفارة الأمريكية ، ثم قدمه للمحاكمة أمام محكمة الدجوى بتهمة التجسس .. وكان يكفي لتبرئته أن يقول عبد الناصر : إن تلك الاتصالات كانت أمره كما قرر مصطفي أمين .. إلا أن عبد الناصر بعث خطابًا إلي المحكمة ينفي تكليفه مصطفى أمين بذلك .. وكشف التاريخ بعد ذلك أن مصطفى أمين كان صادقاً – باعتراف عبد الناصر نفسه إلي محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان سابقًا فائق السمرائي سفير العراق في القاهرة سابقًا .

• الصراع الثالث :

ويسترسل صالح أبو رقيق في الحديث عن الصراع الثالث بين عبد الناصر والإخوان ، فيقول :

في أواخر عام 1953 اشتد الخلاف بين الإخوان وبين عبد الناصر .. كان الإخوان يطالبون بعودة الحياة الديمقراطية للبلاد وتحديد موعد لإعلان الدستور . وحاول عبد الناصر أن يستقطب بعض أعضاء مكتب الإرشاد للوقوف ضد المرشد حسن الهضيبي ، وعندما فشل أصدر مجلس الثورة قرارًا في 12 يناير 1954 بحل جماعة الإخوان المسلمين ، وكان المرشد يري أن الثورة لم تنفذ الأحكام الإسلامية المتفق عليها ، واستدعي عبد الناصر الشيخ محمد فرغلي عضو مكتب الإرشاد ، وأراد إقناعه بأن مصير الثورة والإخوان واحد ، وأن الأهداف واحدة ، وأنه يجب أن يقف الإخوان وراء الثورة ، وأن المرشد حسن الهضيبي يريد أن يفرض رأيه علي الثورة ، وأن التعاون معه أصبح مستحيلاً .

ونقل الشيخ محمد فرغلي حديث عبد الناصر لبقية أعضاء مكتب الإرشاد ، وأحسوا جميعًا أنه يريد إحداث فرقة بينهم ، فازدادوا تماسكاً ولم يهمهم قرار الحل . وبدأ عبد الناصر عدة محاولات لتشويه سمعة الإخوان .. وكانت المحاولة الأولي إعلان اكتشاف مخزن الأسلحة في عزبة حسن العشماوي – وكانت المحاولة الثانية اتفاقه مع عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز السري – وكان الهضيبي قد عزله بعد أن أعلن أن لا سرية في الدعوة ، وعين بدلاً منه يوسف طلعت – اتفق عبد الناصر مع السندي علي أن يقوم بعض معاونيه باحتلال مبني المركز العام لإرغام المرشد علي الاستقالة .. وفشلت المحاولة وزاد الإخوان تمسكًا بمرشدهم . ثم وقعت أحداث فبراير عام 1954 بعد إعلان قبول استقالة محمد نجيب .. وخرجت المظاهرات تطالب نجيب بالبقاء ، وكان من المعروف أنها من تدبير الإخوان المسلمين .. وشهدت القاهرة أعنف المظاهرات واضطر عبد الناصر إلي إعادة نجيب .

وفي يوم 28 فبراير خرجت المظاهرات فرحة بعودة نجيب ، واتجهت إلي ميدان الجمهورية .. وحاول البوليس فض المظاهرات فأصيب عدد من المواطنين .. وحمل المتظاهرون قمصان المصابين ملوثة بدمائهم وتوجهوا إلي قصر عابدين .. وخرج إليهم محمد نجيب محاولاً دفعهم للانصراف .. ولم يتحركوا .. ولمح بينهم عبد القادر عودة فدعاه إلي الشرفة لإلقاء خطاب لفض المتظاهرين وصعد ووقف بجوار محمد نجيب الذي أعلن أنه سينشئ الجمعية التأسيسية وسيعيد الحياة النيابية .. وانصرفت المظاهرات وجاء في خطاب نجيب ما يلي :

" إننا قررنا أن تكون الجمهورية جمهورية برلمانية علي أساس هو أن نبدأ فورًا بتأليف جمعية تأسيسية تمثل كافة هيئات الشعب المختلفة ؛ لتؤدي وظيفة البرلمان مؤقتًا ، وتراجع نصوص الدستور بعد أن يتم وضعها ، وبعد ذلك تعود الحياة النيابية إلي البلاد في مدي أقصاه نهاية فترة الانتقال إلا لإعادة الدستور علي أساس سليم في نهاية فترة الانتقال " . واختتم نجيب كلمته قائلاً :

" نحمد الله سبحانه وتعالي مرة أخري علي أننا اجتزنا هذا الامتحان القاسي بنجاح – وأؤكد لكم مرة أخري أني لا أطمع في حكم أو سلطة أو جاه ، وإنما أطمع فقط في أن أؤدي واجبي وأن تزهق روحي في سبيل بلادي وتحريرها ، وفي سبيل اتحاد أبنائها ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .

وكانت تلك الكلمة سببًا في انصراف المتظاهرين .. وفي نفس الوقت أثارت ثائرة عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين .. فقد همس معاونوه أن الذي أوحي لنجيب بهذا الكلام هو عبد القادر عودة أحد أقطاب الإخوان ، الذي كان يقف إلي جوار نجيب في شرفة قصر عابدين . ومرت ثلاثة أيام .. وفي يوم 2 مارس قامت سلطات البوليس الحربي باعتقال 118 شخصًا بينهم 45 من الإخوان ، 20 من الاشتراكيين ، 5 من الوفديين ، 4 شيوعيين بادعاء أنهم كانوا يدبرون لإحداث فتنة في البلاد مستغلين فرحة الشعب بعودة نجيب .. وكان في مقدمة المقبوض عليهم حسن الهضيبي وعبد القادر عودة وصالح أبو رقيق وأحمد حسين زعيم الاشتراكيين . وتعرض رجال الإخوان المسلمين لأبشع عمليات التعذيب داخل السجن الحربي . وفي 8 مارس 1954 بعث عمر عمر نقيب المحامين برسالة إلي نجيب وكانت قد عادت له كل السلطات يطلب فيها التحقيق في وقائع التعذيب التي حاقت بالمحامين المعتقلين وهم أحمد حسين وعبد القادر عودة وعمر التلمساني .

وأمر نجيب بالتحقيق فورًا . ولم يبدأ التحقيق إلا بعد مرور عشرة أيام بسؤال الثلاثة . وأكدوا جميعًا أن الضابط محمد عبد الرحمن نصير كان يشرف علي أعمال التعذيب وكان يشترك في ضربهم بنفسه .. واستطاع المرشد أن يهرب رسالة من سجنه نشرت بجريدة المصري وكان فيها : " أما بعد ، فإن مجلس قيادة الثورة قد أصدر قرارًا في 12 يناير 1954 بأنه يجري علي جماعة الإخوان المسلمين قانون حل الأحزاب السياسية . ومع ما في هذا القرار من مخالفة لمنطوق القانون ومفهومه ، فقد صدر بيان نسبت إلينا فيه أفحش الوقائع وأكثرها اجتراء علي الحق ، واعتقلنا ولم نخبر بأمر الاعتقال ولا بأسبابه . وقيل يومئذ : إن التحقيق في الوقائع التي ذكرت به سيجري علنًا ، فاستبشرنا بهذا القول ؛ لأننا انتظرنا أن تتاح لنا فرصة الرد عليه لتبين أن ما اشتمل عليه وعلي الصورة التي جاءت به لا حقيقة له ، فيعرف كل إنسان قدره ويقف عند حده ، ولكن ذلك لم يحصل .

وإلي أن تتاح لنا الفرصة فإننا ندعوكم وندعو كل من اتهمنا وندعو أنفسنا إلي ما أمر الله به رسوله عليه الصلاة والسلام حين قال : (                ) وقد استمرت حركة الاعتقالات طوال شهرين كاملين حتى امتلأت المعتقلات والسجون بطائفة من أطهر رجالات البلد وشبابها بلغوا عدة آلاف ، لكثير منهم مواقف في الدفاع عن البلاد وعن حرياتها شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولم يكتفوا بالكلام كما يفعل كثير من الناس ، أما كيفية الاعتقال ومعاملة المعتقلين فلن نعرض لها هنا . وقد بدت في مصر بوادر حركة – إن صحت فقد تغير من شئونها وأنظمتها ، وإن قرار حل الإخوان وإنزال اللافتات عن دورهم لم يغير الحقيقة الواقعة وهي أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم ؛ لأن الرابطة التي تربط بينهم هي الاعتصام بحبل الله المتين ، وهي أقوي من كل قوة ، ومازالت هذه الرابطة قائمة ، ولن تزال كذلك بإذن الله . ومصر ليست ملكًا لفئة معينة ولا يحق لأحد أن يفرض وصايته عليها أو يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها والنزول علي إرادتها .. لذلك كان من أوجب الواجبات علي الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم . وكل ما يحصل من هذا القبيل أن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء .

وإن ما دعوتم إليه من الاتحاد وجمع الصفوف لا يتفق وهذه الأحوال ، فإن البلاد لا يمكن أن تتحد وتجمع صفوفها وهذه المظالم وأمثالها قائمة . نسأل الله تعالي أن يقي البلاد كل سوء ، وأن يسلك بنا سبيل الصدق في القول والعمل ، وأن يهدينا إلي الحق وإلي الصراط المستقيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .

وفي يوم 25 مارس تم الإفراج عن جميع أعضاء الإخوان المسلمين المعتقلين . وكان للإفراج عنهم قصة يرويها صالح أبو رقيق ، فيقول : جاءنا في السجن الحربي المرحوم محمد فؤاد جلال والسيدان محمد أحمد ومحيي الدين أبو العز صياح يوم 25 مارس يطلبان منا الوقوف مع الثورة والتعاون معها علي أساس أننا وطنيون . فقلت لهم وأنا أضحك : كيف يتم ذلك ونحن خلف الأسوار .. هو إحنا حبسنا نفسنا ؟! . فأجابوا ما انتم حتخرجوا علي طول . فقلت لهم : وما الموقف وقد وجدتهم إلينا أخطر اتهام يوجه إلي مواطن وهو الاتصال بالانجليز بدون علمكم ، وسنضطر للدخول معكم في جدال لتبرئة أنفسنا وأنتم أعلم بالحقيقة .. فما الحل ؟! فأجابوا : نسأل عبد الناصر .. وفعلا عادوا بعد قليل وقالوا : إن عبد الناصر اقترح أن يخرج المرشد فورًا ومعاونوه الستة الذين جاء ذكرهم في بيان الاتصالات بالانجليز ، ويذهب إليهم عبد الناصر في منزل المرشد ويهنئهم بصفته وباسم مجلس الثورة ، وينتشر ذلك في الصحف .. وفعلاً قبلنا ذلك لما فيه من دلالات ، وتم الإفراج عنا وحضر عبد الناصر ومعه صلاح سالم إلي منزل المرشد . وبدأت جماعة الإخوان المسلمين تستأنف نشاطها من يوم 26 مارس .. واعتقد الجميع أن الحياة النيابية ستعود .. وفي نفس اليوم بدأ عبد الناصر تنفيذ خطته .. وفوجئت القاهرة بتوقف جميع وسائل النقل بها في الساعة الواحدة ظهرًا ما عدا الترام ، وبعد أن استطاع أن يستميل إليه الصاوي رئيس اتحاد نقابات عمال النقل ؛ ليعلن إضرابًا شاملاً لمطالب خاصة .. ثم بدأت الإذاعة تذيع إضرار العمال بسبب قرارات عودة الحياة النيابية للبلاد ، ورغبتهم في الإبقاء علي مجلس الثورة .

وخرجت جريدتا الأهرام والأخبار تؤيدان هذا الاتجاه ،ويتطلبان ببقاء مجلس الثورة .. بينما انفردت جريدة المصري بالوقوف ضد ذلك الاتجاه .. ومحاولة الكشف عن المؤامرة التي تدبر للقضاء علي الحياة النيابية الدستورية الطبيعية للبلاد . وبدأت المظاهرات تشتد .. وهي المظاهرات التي كان يدبرها البوليس الحربي ، وكانت تطالب بعدم عودة الحياة النيابية .. واشتدت المظاهرات .. وأصدر المرشد العام بيانًا يوم 28 مارس هذا نصه :

" بسم الله الرحمن الرحيم .. لا ريب أن مصر الآن تمر بفترة بالغة الدقة والخطورة في تاريخها ، بعيدة الأثر في كيانها ومستقبلها ، وهي فترة تقتضي من كل مواطن أن يهل البلاد نفسه ، ويبذل لها وجوده ، ويؤثرها بالخالص من رأيه ومشورته حتى يأذن الله بالنجلاء هذه الغمرة ، ويبدل الوطن منها حياة أمن واستقرار ووحدة .

وقد فوجئ الإخوان المسلمون غداة خروجهم من السجن والمعتقلات بتوالي الأحداث الخطيرة التي تتعرض لها البلاد في حدة وسرعة ، لم يتيسر معها معرفة أسبابها والعوامل التي تؤثر فيها ، ثم تحديد وسائل العلاج التي تلائمها . من أجل ذلك بادر الإخوان المسلمون إلي العمل علي أداء واجبهم في التماس المخرج من هذه الأزمة ، فبدا لهم أن من العسير أن ترسم الخطط الصالحة ، ويوضع العلاج لهذه المشاكل ، وتسمع المشورة الصادقة المستقلة في جو الغضب والانفعال ، وقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يسأل الله ألا يستجيب له وهو غضبان . لهذا لم يكن بد من الإسراع بلقاء المسئولين والاتصال بطرفي الخلاف ؛ للدعوة إلي اتخاذ مهلة تتجنب فيها المضاعفات ، وتنتهي فيها حالة التوتر القائمة حتى يتيسر لأولي الرأي والإخلاص أن يتقدموا للمسئولين من الأمة بخطة كاملة مدروسة تكشف عن البلاد هذه الشدة ، وتضع الحلول الكفيلة بوقاية البلاد من أن تتعرض لمثلها في أي مناسبة . وعلي هذا الأساس قام وفد من الإخوان المسلمين برياسة المرشد العام بلقاء البكباشي جمال عبد الناصر في الليلة الماضية ، ثم بزيارة اللواء محمد نجيب لانشغاله في هذه الليلة بالاجتماع بجلالة الملك سعود ضيف مصر الكبير ، الذي آثرها مشكورًا بكريم وساطته في علاج هذا الموقف العصيب .

ومازال الإخوان المسلمون يواصلون خطواتهم في إقناع المسئولين باتخاذ مهلة ، مع قيامهم في الوقت نفسه بدراسة خطة العلاج الشاملة ، آملين أن يستجيب المسئولون إلي ندائهم فتتغلب الحكمة والوطنية علي بواعث الخلاف والفرقة ، ويلتقي الجميع بإذن الله كلمة سواء . وإذا كانت الجهود تتوالي في العمل علي جمع الكلمة وحل الأزمة ، فإننا نناشد شعب مصر الكريم أن يعتصم بالهدوء والسكينة ورباطة الجأش ، وأن ينصرف أبناؤه جميعا إلي أعمالهم في انتظام وطمأنينة ، مع التوجه إلي الله العلي الكبير أن يحفظ البلاد من كل سوء ، وأن يعين الساعين ، ويجمع المسئولين علي الحل الكامل السليم الذي يخرج بالبلاد من المأزق الحاضر ، ويحفظ وحدة الأمة ، ويصون حقوق الشعب وحرياته ، ويحقق الاستقرار المنشود ، في ظل حياة نيابية نظيفة ؛ محوطة بالضمانات التي تجنبها مساوئ الماضي ، وتوفر الجهود لتخليص الوطن من الغاصب المستعمر ، ولمتابعة حركة الإصلاحات الإيجابية التي تستكمل البلاد بها نهضتها .. والله ولي التوفيق " . وأذيع هذا البيان الذي طلبه عبد الناصر من المرشد بعد اتفاق الاثنين علي توقف المظاهرات لحين انتهاء زيارة سعود وإيجاد حل للأزمة ، ونشر البيان يوم 29 مارس نفس يوم مغادرة الملك سعود مصر .

ويقول صالح أبو رقيق : وذهب جميع أعضاء مجلس الثورة لتوديع الملك سعود في مطار ألماظة ، وذهب بعض أعضاء مكتب الإرشاد لتوديع الملك .. وعند انصراف الجميع فوجئت باثنين يمسكان بذراعي ، كانا عبد الناصر والبغدادي وسألاني : أنت فطرت ؟ فقلت لهما : لا فقالا : تعال نفطر سويًا – فحاولت الاعتذار ولكنهما أصرا . ودعيا الهضيبي ولكنه اعتذر .. وذهبت معهما إلي ميس المطار ، وأثناء جلوسنا نتناول الإفطار سألني عبد الناصر : فين حسن ؟ وكان يقصد حسن العشماوي – وكان حسن أقرب المدنيين إلي قلب عبد الناصر ، كما كان عبد الحكيم عامر أقرب العسكريين إلي قلبه . فقلت له : حسن زعلان منك ، وله حق عرب عليك .. وكنت أشير بذلك إلي حادث التشهير به بالعثور علي مخزن الأسلحة في عزبته . فضحك وقال : طيب ده لازم يشكرني .. دا إحنا عملنا له دعاية بمليون جنيه والجرايد نشرت صوره .. ثم أضاف : لا .. ده أنا لازم أشوفه وأصلحه .. ثم بدأنا نتحدث عن الأوضاع .. والمظاهرات التي تطالب بعدم إجراء انتخابات وأنها لابد أن توقف .. وعن بيان المرشد .

وبادرني قائلاً : أنتم عايزين انتخابات ليه .. عايزين زينب الوكيل تتحكم في البلد تاني .. دي سبت موضع العفة للبوليس الحربي عندما توجه إليها أحد ضباط البوليس الحربي لسؤالها .. عايزينها تتحكم في البلد تاني ؟ قلت له : حرام عليك يا شيخ بلاش تشنيع .. المهم المظاهرات تتوقف والمرشد أذاع بيان نشرته الصحف اليوم يدعو الجميع إلي الهدوء . فأجاب : خلاص مفيش مظاهرات . وانصرفنا : وعلمت أنه توجهت مظاهرة في نفس اليوم إلي مجلس الدولة ، واعتدي المتظاهرين علي المرحوم عبد الرازق السنهوري .. وقد كلفني .. المرشد بالذهاب إلي عبد الناصر لمعاتبته لإخلاله بالاتفاق وفض المظاهرات التي تحاصر جريدة المصري وعدم الاعتداء عليها ، وتنفيذ قرارات مجلس الثورة بإعادة الحياة النيابية .. وعندما قلت له ذلك قال : أنتم يهمكم إيه مادمتم أنتم أحرار ، مالكم ومال الباقي ؟ فقلت له : هل تستطيع أن تعلن ذلك في مؤتمر صحفي ؟ فضحك وقال : طبعًا لا . ومرت أزمة مارس ، وتوقفت المظاهرات ، وبقي محمد نجيب رئيسًا للجمهورية و جمال عبد الناصر رئيسًا للوزارة . واكتشفنا تلاعبه بالحريات والديمقراطيات .. ثم بدأت محادثات الجلاء .. وفي شهر يونيه وقع بالحروف الأولي علي اتفاقية الجلاء .. ووجدت الاتفاقية لا تحقق الهدف فعارضناها .. وبعثنا له بعريضة تتضمن أوجه اعتراضنا .

وبدأ شن حملة دعائية ضد الإخوان المسلمين .. وحاول إحداث انشقاق في صفوف الإخوان .. وبدأت تحدث اشتباكات بين الإخوان ورجال الشرطة .. بدأت يوم 27 أغسطس سنة 1954 في مسجد شريف بالروضة .. ووقف حسن دوح وكان زعيم الطلبة الإخوان بالجامعة وألقي خطبة تتضمن هجومًا علي اتفاقية الجلاء . وبعد الصلاة خرج المصلون في مظاهرة وحدث اشتباك بينهم وبين الشرطة . وفي نفس اليوم هاجم عبد الناصر الإخوان علانية في خطاب ألقاه بهيئة التحرير يوم 5 سبتمبر ، وجند الصحف كلها لنشر أنباء عن المرشد الهضيبي – وكان في جولة بالبلاد العربية – علي أساس أنه يعلن عداءه للثورة . وأحس بعض الإخوان بالخطر ، واقتراح عدد منهم كان علي علاقة بالحكومة عقد اجتماع للهيئة التأسيسية لبحث الوضع بين الحكومة و الإخوان . وكان عبد الناصر يتوقع أن ينجح أعوانه في هذا الاجتماع في اتخاذ قرار بعزل الهضيبي . وعقد الاجتماع في مساء يوم الخميس 24 سبتمبر 1954 واستمر 20 ساعة ، وحضره مائة عضو من جملة الأعضاء وعددهم 137 عضوًا . وظهرت صحيفة الأهرام والجمهورية تحملان نبأ كاذبًا عن انشقاق خطير في صفوف الإخوان ، تضمن نشوب معركة بالأيدي بين المجتمعين ، أما جريدة الأخبار فقد نشرت الحقيقة وكانت عن حدوث مشادة كلامية بين الأعضاء .

وانتهي الاجتماع علي خلاف ما كان يرغب عبد الناصر .. ومرت الأيام .. وفي يوم 26 أكتوبر من نفس العام حدثت محاولة اغتيال عبد الناصر .. وقد تكون محاولة حقيقية أو محاولة مدبرة .. وقد تكون فردية أو بتدبير من جماعة الإخوان المسلمين . ولكن الذي ثبت أن عبد الناصر استغلها في تحقيق ثلاثة أهداف : تكوين زعامة شعبية لنفسه – التخلص من محمد نجيب إلي الأبد – القضاء علي جماعة الإخوان المسلمين التي ساندته في بدء الثورة .


• محاولة اغتيال عبد الناصر :

سأترك لصالح أبو رقيق تناول هذا الحادث بطريقته الخاصة إذ يقول :

لن أتجني علي أحد وأقرر شيئًا عن تلك المحاولة .. وهما إذا كانت حقيقة أم محاولة مدبرة . إنما سأسردها كما جاءت في الصحف في ذلك الوقت .. وللقارئ وحده أن يقارن بين الوقائع وظروف المحاكمة ، ويقرر هل كانت محاولة حقيقية أو مدبرة ؟؟ .

الزمان : مساء 26 أكتوبر 1954 .

المكان : ساحة ميدان المنشية في مدينة الإسكندرية .

الساحة مزدحمة بالآلاف من المواطنين .. حضروا للاستماع إلي خطاب الرئيس جمال عبد الناصر الذي سيلقيه بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء مع الانجليز يوم 19 أكتوبر من نفس العام . ودخل عبد الناصر المنصة الرئيسية ومعه صلاح سالم وعبد الحكيم عامر وحسن إبراهيم والشيخ الباقوري ، والسيد الميرغني حمزة وزير الزراعة والمعارف بالسودان وأحمد بدر المحامي السكرتير المساعد لهيئة التحرير بالإسكندرية . ووقف عبد الناصر ليلقي خطابه .. ومرت دقائق .. وفجأة دوي صوت الرصاص – وساد الهرج المكان .. وأمسك عبد الناصر بالميكرفون يردد كلمات مرتجلة يقول :

" أيها الأحرار .. دمي فداء لكم .. دمي فداء لمصر . أيها الرجال .. أيها الأحرار .. أتكلم إليكم بعون الله بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا عليّ .. فدمي فداء لكم .. إن حياة جمال عبد الناصر ملك لكم . أيها الرجال .. أيها الأحرار .. هذا هوجمال عبد الناصر بينكم .. أنا لست جبانًا .. أنا قمت من أجلكم .. من أجل عزتكم وكرامتكم وحريتكم .. أنا جمال عبد الناصر منكم ولكم .. عشت بينكم وسأعيش حتى أموت عاملاً من أجلكم ومكافحًا في سبيلكم ، وأموت من أجل حريتكم وكرامتكم ومن أجل عزتكم . أيها الرجال .. أيها الأحرار .. فليقتلوني .. لقد غرست فيكم العزة وغرست فيكم الكرامة .. لقد أنبت في هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة .. فُلأَمت من أجل مصر .. من أجلكم .. من أجل أحفادكم .. كافحوا واحملوا الرسالة وأدوا الأمانة من أجل عزتكم ، ومن أجل كرامتكم .. ويكرر نفس الكلام ثم يقول :

أيها الرجال .. أيها الأحرار .. منذ 24 ساعة اعتدت يد الاستعمار علي الهاتفين بالحرية في هذا الميدان ، فقتل من قتل واستشهد من استشهد ، فإذا كان جمال لم يقتل في الماضي وجاء ليقتل اليوم بأيدي الاستعمار وأعوانه نجا .. فقد نجوت لأحقق لكم العزة ولأحقق لكم الكرامة ولأحقق لكم الحرية .. إن الخيانة تريد أن تكبلكم وتستبد بكم ، فإذا نجوت فلكي أزيدكم حرية وعزة وكرامة ، وليعلم الخونة أن جمال عبد الناصر ليس فردًا واحدًا في هذا الوطن فكلكم جمال عبد الناصر . يا إخواني .. دمي من دمكم .. وروحي من روحكم .. ومشاعري من مشاعركم .. أيها الرجال .. لقد استشهد الخلفاء الراشدون جميعًا في سبيل الله .. وإذا كان جمال يقتل ، فأنا مستعد لذلك في سبيلكم وفي سبيل الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .

وتعالت الهتافات : " الله معك يا جمال " . وأنهي عبد الناصر الكلمة التي ارتجلها أو هكذا بدت وكانت الكلمة مذاعة علي الهواء .. وسمع جميع أبناء مصر أصوات طلقات الرصاص والكلمة الرائعة التي ألقاهاجمال عبد الناصر .. واحتل قلوب الجميع وحقق الزعامة التي كان يحلم بها .. وأصبح الأسطورة في أحاديث كل الناس .. ولم تنم الأمة العربية بأسرها في تلك الليلة .. الكل ينتظر الصباح ليقرأ شيئًا عن الحادث .. ومن الجاني . وظهرت صحف الصباح – صباح 27 أكتوبر 1954 – تحمل في صدر صفحاتها الأولي نبأ القبض علي الجاني الأثيم بدون نشر صورته .. قالت جريدة الأهرام :

" لم يكد الجاني الأثيم يطلق رصاصاته الغادرة ، حتى كان الجمهور قد هجم عليه وعلي ثلاثة أشخاص يقفون علي مقربة منه ودخان الرصاص يتصاعد من حولهم ، وكاد يفتك بهم أولا أن بادر رجال البوليس والمخابرات إلي القبض عليهم وضبط السلاح في يد الجاني (هكذا نشرت جميع الصحف كما أنه لم ينشر شيء بعد ذلك عن الثلاثة الآخرين الذين قيل : إنهم ضبطوا الجاني " وقد اقتيد الأربعة إلي نقطة بوليس شريف .. ويدعي الجاني محمود عبد اللطيف ويعمل سباكًا في شارع السلام بإمبابة . وقد عثر في المكان الذي كان يقف فيه الجاني علي أربعة أطراف فارغة من عيار 36 ملليمتر وهي تختلف عن طلقات المسدس الذي ضبط مع المتهم ، إذ أن المسدس الذي عثر عليه مع المتهم من نوع المشط الذي لا يلفظ الأطراف الفارغة " . كان هذا ما نشرته جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم 27 أكتوبر 1954 ، وأثار ذلك التساؤل عن سر اختلاف الأطراف الفارغة عن طلقات المسدس المضبوط في يد الجاني .. وبدأت همسات هل هناك شخص آخر ؟! وفي نفس العدد نشرت الصحف أن الجاني ينتمي إلي جماعة الإخوان المسلمين .

وتوالت في الأيام التالية نشر اعترافات محمود عبد اللطيف وأنه من الجهاز السري ل الإخوان المسلمين .. وكان مكلفاً باغتيال عبد الناصر ؛ لتبدأ حركة اغتيالات لبقية أعضاء مجلس الثورة و 160 ضابطا من الضباط الأحرار والقيام بثورة ، وأن الجهاز السري كان سيقف أمام أي تحركات مضادة . ومع الاعترافات بدأ نشر أنباء اكتشاف مخازن أسلحة للجهاز السري والقبض علي أفراده ، ومخازن في جميع محافظات الجمهورية .. ومتهمين من مختلف الفئات والمهن .. طلاب بالجامعات ومحامين ومدرسين وعمال وفلاحين وضباط بالجيش وضباط بوليس وتجار .. أي من فئات الشعب جميعها العمال والفلاحين والمثقفين والجنود والرأسمالية الوطنية .


• محاكمات الإخوان :

وفي يوم أول نوفمبر – أي بعد الحادث بأربعة أيام فقط – أصدر مجلس الثورة برياسة عبد الناصر أمره بتأليف محكمة مخصوصة لمحاكمة المتهمين في محاولة اغتيال عبد الناصر برياسة قائد الجناح جمال سالم – وكان المرحوم جمال سالم معروفاً للجميع بالتصرفات الشاذة – وكان أمر تشكيل يتولاه البكباشي زكريا محيي الدين يقوم بإعلان المتهم بالإدعاءات المقامة ضده قبل المحاكمة بـ 24 ساعة فقط – ولا يجوز تأجيل المحاكمة أكثر من مرة واحدة ، ولمدة لا تزيد علي 24 ساعة للضرورة القصوى .. وأحكامها نهائية ولا يجوز الطعن فيها بأي طريقة من الطرق أو أمام أي جهة من الجهات .

وبدت للجميع أن نهاية جماعة الإخوان المسلمين أصبحت محققة .. فما كانت تنشره الصحف عن اعترافات الذين قبض عليهم من أفراد الجهاز السري ، وكيف أنهم كانوا يسعون إلي قيام حرب أهلية واغتيال جميع أعضاء مجلس الثورة ، وتحويل البلاد إلي مجموعة من الخرائب .. كان ما ينشر كافيًا لشحن كل الشعور والقوى ضد الإخوان المسلمين . فبدأن الناس في لهفة شديدة إلي معرفة شكل الجاني الأثيم .. ومضت خمسة أيام كاملة دون أن تنشر له صورة واحدة .. وأخيرًا نشرت صورته وآثار التعذيب واضحة تمامًا علي وجهه .. ونشر تحتها أنها صورة للجاني ويبدو فيها آثار اعتداء المواطنين عليه وقت القبض عليه . وللتاريخ .. فإن ما ينشر اليوم عن جرائم التعذيب التي ارتكبها أعوان عبد الناصر لا توازي واحدًا علي الألف مما تعرض له الإخوان المسلمون عام 1954 . وظلت أحاديث الناس تتناول في كل المجالات ما كان يعتزمه الإخوان المسلمون من خراب للبلاد .. كانت الناس تستقي معلوماتها مما تنشره الصحف .. وكان بعض المفكرين يراودهم الشك في حقيقة الحادث من ضبط الجاني والمسدس في يده والعثور علي طلقات رصاص من عيار لا يطابق رصاص المسدس ، ولا يريدون أن يصدقوا أن الحادث من تدبير الإخوان .

وفجأة وبلا أي مقدمات – في يوم 2 نوفمبر 1954 أي بعد الحادث بستة أيام – نشرت جميع الصحف الصباحية صورة الرئيس السابق جمال عبد الناصر وأمامه عامل بناء ممسكًا بمسدس .. ومع الصورة حكاية مثيرة .. تقول الحكاية : إن عامل البناء خديوي آدم .. وهذا اسمه .. كان يستقل الترام يوم الحادث عائدًا إلي منزله .. وعند ميدان المنشية شاهد جماهير من الناس مجتمعة وسأل عن سر تجمعهم ، ولما علم أن عبد الناصر سيلقي خطابًا نزل من الترام واندس وسط الجماهير . وعندما دوي صوت طلقات الرصاص وساد الهرج الآلاف المجتمعة سقط فوق الأرض وشعر بشيء يلسعه في ساقه ، وتحسسه فوجده مسدسًا وكانت مسورة المسدس لا تزال ساخنة .. وأيقن في الحال أنه المسدس الذي استخدمه الجاني في إطلاق الرصاص علي زعيم البلاد !! ووضع المسدس في جيبه واعتزم بينه وبين نفسه ألا يسلم المسدس إلا ل عبد الناصر شخصيًا .وتستطرد القصة استكمال حبكة خيوطها ، وحتى لا يتساءل القارئ عن السر في عدم تسليمه المسدس في نفس الليلة وانتظاره خمسة أيام .. فتقول القصة :

إن العامل خديوي آدم فقير جدًا يوميته 25 قرشًا .. ولم يكن يملك ثمن تذكرة قطار أو أتوبيس لحمله إلي القاهرة .. فسار علي قدميه المسافة بين الإسكندرية إلي القاهرة .. فوصلها يوم أول نوفمبر ، وتوجه في الحال إلي مجلس قيادة الثورة وطلب مقابلة جمال عبد الناصر . وأعطاه المسدس فكافأه عبد الناصر بمائة جنيه !! وهكذا ظهر سلاح جديد في الجريمة طلقاته من عيار 36 ملليمتر لتكون من نفس أظرف الطلقات التي عثر عليها .. واختفت تمامًا سيرة المسدس الذي ضبط في يد الجاني لحظة القبض عليه . هكذا أراد الحاكم ورجال التحقيق .

وفي اليوم الثاني مباشرة نشرت الصحف أن الجاني تعرف علي المسدس الذي عثر عليه خديوي آدم ، وقرر أنه نفس المسدس الذي استخدمه لاغتيال عبد الناصر ، وأنه تسلمه من رئيسه في الجهاز السري المحامي هنداوي دوير . وتعرف هنداوي هو الآخر علي المسدس ، وقرر أنه نفس المسدس الذي أعطاه للجاني ، وكان رئيسه في الجهاز السري المحامي إبراهيم الطيب أعطاه له ليسلمه للجاني . هكذا تعرف الاثنان علي سلاح الجريمة .. وهكذا اختفت تمامًا سيرة المسدس الأول الذي ضبط مع الجاني لحظة القبض عليه .. واحد فقط أنكر أن المسدس الذي عثر عليه خديوي آدم يتعلق بالجهاز السري .. هذا الشخص هو إبراهيم الطيب نفسه .. وجاء إنكاره أمام محكمة الشعب عندما عرض عليه رئيسها جمال سالم المسدس ، فقرر أنه ليس نفس المسدس الذي أعطاه لهنداوي .. إنما هو مسدس آخر . ولم يحقق جمال سالم هذه النقطة الهامة .. أغفلها تمامًا .. كما أغفل أثناء المحاكمة تكليف الادعاء بتقديم شهود الإثبات الذين ضبطوا الجاني لحظة ارتكاب الجريمة .. وكانوا .. بالمصادفة من العاملين بمديرية التحرير التي أنشأها مجدي حسنين أقرب الضباط الأحرار إلي قلب جمال عبد الناصر والذي من أجله تلاعب عبد الناصر بالديمقراطية كما سيأتي في الباب الثاني .. الشهود الثلاثة أولهم عبد الحميد محمود حبيب العامل بمديرية التحرير ، وكان أول من أمسك مسدس الجاني أو هكذا قال .. والثاني اليوزباشي جمال النادي وهو من مديرية التحرير أيضًا وقد كسر ذراعه أثناء مقاومة الجاني له أو هكذا قال .. إما الثالث فهو حامد حسنين عجمي العامل بمديرية التحرير أيضًا وقد عضه المتهم في ساقه عندما أمسك به أو هكذا قرر !! .

ولعل الادعاء خشي أن يقدمهم ويقدم خديوي آدم العامل الذي عثر علي المسدس حتى لا تتخبط أقوالهم ، ويظهر شيء محظور كانوا يسعون لإخفائه .. إن أي طالب بالسنة الأولي حقوق يعلم أن أول شهود يستمع إليهم هم شهود الإثبات الذين لهم صلة بضبط الجاني أو مشاهدة الجريمة أو اكتشاف سلاح الجريمة .


• محاكمة بدون محامين :

وتقرر تقديم محمود عبد اللطيف إلي محكمة الشعب برياسة جمال سالم .. والتاريخ فإن الأوراق التي قدمت إلي أعضاء هيئة المحكمة كانت كافية لأن تصدر أحكامها بإعدام كل الذين يقدمون إليها .. كانت أمام هيئة المحكمة أوراق تتضمن اعترافات تقول إن الهضيبي أنشأ جيشًا سويًا ضخمًا لتأمين حكم الإخوان المسلمين بعد قيامهم باغتيال جمال عبد الناصر وجميع أعضاء مجلس الثورة باستثناء محمد نجيب ، وكذلك اغتيال 160 ضابطًا منن الضباط الأحرار ، وأن هذا الجيش كان سيقف أمام جيش مصر وبوليس مصر ، ويقوم بقمع المستعمر ، بل إعلان حرب داخلية في مصر للاستيلاء علي الحكم .. وأن الخطة كانت تقسيم بلاد الجمهورية إلي مناطق .. وكل منطقة لها قائد وفصائل ، وكل فصيلة لها قائد .. وأن الذين اشرفوا علي هذا الجيش السري ثلاثة هم يوسف طلعت وكان يختص بأفراد الجيش من المدنيين ، وصلاح شادي وهو قائد تنظيم رجال البوليس ، وعبد المنعم عبد الرءوف قائد التنظيم في صفوف الجيش المصري .. وأن جميع الأسلحة والقنابل والذخائر التي ضبطت في مخازن الإخوان المسلمين كانت تكفي لتدمير ثلاثة أرباع مدينة القاهرة وتحويلها إلي خرائب .

وبدأت محكمة الشعب أو جلساتها يوم الثلاثاء 9 نوفمبر 1954 ، وكانت عمليات القبض علي بقية زعماء الإخوان المسلمين وأعضاء الجهاز السري لا تزال مستمرة . بل كان القبض علي بعضهم وفي اليوم التالي مباشرة يقاد إلي محكمة الشعب لسماع أقواله كمشاهد في القضية الأولي التي تنظرها المحكمة .. وكانت القضية الأولي أو المحاكمة الأولي للمرحوم محمود عبد اللطيف الذي أسندت إليه محاولة اغتيال عبد الناصر بمسدس في يده وقت الحادث ، ثم اعترف بارتكابه الحادث بمسدس آخر عثر عليه العامل بمديرية التحرير خديوي آدم وظهر بعد الحادث بخمسة أيام . ووجه إلي محمود عبد اللطيف ادعاءان :

الأول : اشترك مع آخرين في تنفيذ اتفاق جنائي ، الغرض منه إحداث فتنة دامية لقلب نظام الحكم ، وذلك بإنشاء نظام سري مسلح للقيام باغتيالات واسعة النطاق وارتكاب عمليات تدمير بالغة الخطورة وتخريب شامل في جميع أنحاء البلاد تمهيدًا لاستيلاء الجماعة التي ينتمي إليها علي مقاليد الحكم بالقوة .

والثاني : شرع في قتل البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر رئيس الحكومة تنفيذا للاتفاق الجنائي المشار إليه في أولاً .

وتلا رئيس المحكمة الادعاءين علي المتهم وسأله السؤال التقليدي : مذنب أو غير مذنب ؟ وعادة .. بل دائمًا يقرر المتهم في مثل هذه الحالات أنه غير مذنب .. وهو في ذلك يتعلق بآخر خيط من الأمل لينقذ رقبته من المشنقة . أما في حالة محمود عبد اللطيف وأغلب زملائه الذين وقفوا أمام تلك المحكمة فإنهم كانوا يقررون أنهم مذنبون .. كان يقررها البعض عن جهالة ؛ مصدقاً ما قالوه له قبل المثول أمام المحكمة من أن زعيم البلاد سيخفف عنه الحكم بل ويلغيه ، وأن المقصود فقط هو محاكمة زعمائه في جهاز الإخوان . والبعض كان يقررها لفقده الثقة في أي بصيص من نور العدالة بعدما تعرض له من أبشع ألوان التعذيب . وكان محمود عبد اللطيف و هنداوي دوير من النوع الأول .. ويؤكد ذلك أنه يوم تنفيذ حكم الإعدام فيهما أخذ هنداوي دوير يردد في هستيرية وهم يقتادونه إلي حبل المشنقة : (ضحكوا عليّ .. خدعوني .. ضحكوا عليّ .. مش ده اتفاقنا .. ماكانش ده الاتفاق .. مش ده اتفاقنا) .

المهم .. إنني هنا لا أحاول أن أتجني علي شخص ما .. ولكني أذكر الحقيقة والحقيقة التي أسجلها للتاريخ .. والتي جمعتها مما نشر في ذلك الوقت عن تلك المحاكمات ، وهي صورة غريبة وغريبة جداً للعدالة في تلك الأيام .. وبعد أن قرر المتهم أنه مذنب وقف المدعي العسكري وقال – وأنا هنا أنقل بالحرف الواحد : " حين أعلن المتهم بالادعاءات المقامة عليه في سجنه سألناه إذا كان قد وكل أحد المحامين للدفاع عنه ، فقال إنه لم يوكل أحدًا . والأمر بتشكيل المحكمة لا يحتم وجود محام مع المتهم أثناء المحاكمة فضلاً عن أن القضية معدة والشهود موجودون " . أي والله هذا ما قاله المدعي العسكري .. إنه يقدم متهما بادعاءات عقوبتها الإعدام ويطالب محاكمته بدون محام يدافع عنه ، لأن أمر تشكيل المحكمة لا يحتم وجود محام .. هكذا كان الأمر مخالفاً لأبسط مبادئ العدالة وكل الدساتير في العالم التي تكفل للمتهم حق الدفاع عن نفسه .. ولكن دستور عبد الناصر كان خلاف كل الدساتير كما كانت أفعاله خلاف كل الأفعال . ويلتقط رئيس المحكمة خيط الكلام من المدعي ويتوجه بالأسئلة إلي المتهم الواقف أمامه بلا حول ولا قوة ويسأله : عايز حد يدافع عنك ؟ .

ويتعلق محمود عبد اللطيف بصيص من نور الأمل ويهمس :

أيوه .. عايز يا أفندم .

ويدور أغرب حوار بين رئيس محكمة ومتهم يسأله رئيس المحكمة :

مين ؟ ويرد المتهم : محمود سليمان غنام .

ويفاجئه رئيس المحكمة وكأنما يقرأ الغيب ويسأله : وإذا مقبلش ؟

فيرد محمود : يبقي فتحي سلامة . ويكرر رئيس المحكمة : وإذا مقبلش ، فيرد محمود يبقي مكرم عبيد – ويسد رئيس المحكمة أمامه كل الأبواب – ويسأله : وإذا مقبلش ؟ وكان رئيس المحكمة يتوقع من المتهم أن يجيب : يبقي أمري لله وأترافع عن نفسي ، ولكنه خيب أمله وقال : يبقي أي واحد تاني . ويلتفت جمال سالم إلي ناحية المدعي ويصدر قراره ، ونصه :

" علي مكتب الادعاء أن يتصل بالمحامين الذين ذكرهم المتهم بالترتيب ، فإذا حضر أي واحد منهم كان بها .. وإلا انتدب أي محام آخر . وتؤجل الجلسة 48 ساعة ، وتعقد في الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس 11 نوفمبر . ونفذ مكتب الادعاء قرار المحكمة أو هكذا نشر في الصحف صباح اليوم التالي : اتصل المدعي أولاً بالأستاذ محمود سليمان غنام وصرح المدعي العسكري ؛ أنه اعتذر لأنه أصلا يستنكر الجريمة ولا يمكنه أن يترافع عن المتهم من الناحية القومية ؛ لأنه يستنكر استخدام أساليب العنف في الجدل السياسي – هكذا !! واتصل المدعي بعد ذلك بالأستاذ فتحي سلامة أنه هو الآخر اعتذر لسببين : أولهما : الشعور الوطني والآخر : احتقاره للمجرم الأثيم .. هكذا !! واتصل المدعي بآخر المحامين الثلاثة وهو مكرم عبيد .. وقال المدعي إنه قال حين فوتح برغبة المتهم : غريب أن يطلب مني الدفاع عن المتهم ، فأنا لا أستطيع أن أدافع عمن يعتدي علي الرئيس جمال عبد الناصر فهذا إجرام خطير .. هكذا !! . وقالت الصحف استكمالاً للخبر السابق – والذي أملاه عليها مكتب الادعاء – إن مكتب الادعاء خاطب نقابة المحامين فاجتمع مجلس النقابة في الحال برياسة عمر عمر نقيب المحامين واتصل ببعض المحامين .. ولكنهم رفضوا جميعًا .. هكذا !! . ولن أعلق علي هذا الجزء من المسرحية .

وانعقدت الجلسة الثانية للمحاكمة يوم الخميس 11 نوفمبر 1954 .. والكل يعتقد أن المحاكمة ستتم بدون محام يعكر صفوها .. ويفاجأ الجميع أن محاميًا كبيرًا هو المرحوم حمادة الناحل يقف معلنًا تطوعه للدفاع عن المتهم بعد أن قرأ اعتذارات زملائه .. لأن شرف المهنة يقتضيه أن يقف مدافعًا عن المتهم . وكانت جرأة حمادة الناحل وتمسكه بمبادئ المهنة وشرفها سببا لأن يتعرض بعد ذلك لأبشع أنواع التعذيب ، ودخل السجن ولفقت له القضايا هو وغيره من المحامين الذين كانوا يتطوعون للدفاع عن المتهم أمام محاكم عبد الناصر الاستثنائية . ويتحفز رئيس المحكمة للمحامي الجريء .. ويرفض كل طلب يتقدم به لمعاونته في مهمته للدفاع عن المتهم .. كان يرفض الطلب قبل أن يكمل المحامي كلامه .. واتخذ رئيس المحكمة منذ اللحظة الأولي موقف المهاجم دائمًا لكل شاهد .. وكان كل الشهود من المتهمين أيضًا .. يحاول أن ينكر أقواله التي سبق أن أبداها في التحقيقات تحت الظروف المعينة التي يعرفها الجميع .


• صور ومهازل من المحاكمة :

وإليك بعض المهازل أو الصور المبكية لمصرع العدالة .. وأنا أنقلها كما نشرتها الصحف في ذلك الوقت وهي تنشر كل تفاصيل محاكمة الإخوان .

في خلال سماع أقوال علي نويتو أحد أعضاء الجهاز السري وأثناء مناقشته عن هدف الجهاز قال الشاهد : إن الغرض من الجهاز هو تدريب شباب الإخوان المسلمين لتكوين جيش إسلامي لمعاونة حركات التحرير في الدول الإسلامية كالجزائر وتونس ، كما يتدرب الإخوان ليساهموا في معارك فلسطين ومعارك القناة ضد قوات الاحتلال . - سنواجه الشاهد بأقواله في التحقيق إذ قرر ما يأتي : وكانت تلك هي الحقيقة التي من أجلها انخرط آلاف الشبان في جماعة الإخوان المسلمين – ووقف المدعي العام يقول :

" الجيش الإسلامي كان سيقاوم الحكومة التي لا تحكم بالقرآن ، وأحضروا لنا الأسلحة للتدريب العسكري . أما عن الخطة فكانوا بيقولوا لازم الشعب كله يقوم بثورة !! .

وقال علي : مش دي أقوالي !!

وصرخ فيه رئيس المحكمة : مش مضيت علي أقوالك ؟

ويرد الشاهد : أنا ما قرأتش الأقوال دي – ويضحك رئيس المحكمة ويقول للمدعي :

ياريت كنتم خليتوه يوقع علي شيك بـ 500 جنيه – ويرد المدعي ضاحكًا : ياريت يا أفندم .

ولم يحقق رئيس المحكمة أقوال الشاهد .. ولا كيفية توقيعه علي أقوال لم يقلها .

ويقول صالح : إن كل متهم من أعضاء الإخوان المسلمين كانوا يرغمونه علي التوقيع علي أقوال .. دون سماعها .. كانوا يواجهون الأسئلة علي الورق .. ويضعون لها الإجابة .. ثم يكلفون المتهم بالتوقيع .. ومن كان يحاول أن يقرأ أو يعترض يتعرض لكل أصناف التعذيب . وكانت تلك صورة تتكرر مع كل شاهد .. ومع كل متهم .. كان رئيس المحكمة جمال سالم يعتقد أنها مؤامرة حقيقية ، ولم يخطر بباله أن الأوراق التي أمامه كلها مزيفة – تمامًا كما اعتقد زملاءه أن ثورة الشعب والمظاهرات في أزمة مارس كانت ثورة تلقائية سببها تعلق الشعب بهم .. ثم اكتشفوا بعد ذلك أنها كانت ثورة مدبرة دفع أجر لقيامها أربعة آلاف جنيه إلي الصاوي أحمد الصاوي رئيس نقابة عمال النقل ، وأن الذين حركوا المظاهرات هم مجموعة من الضباط الذين جمعهم عبد الناصر من غرز الحشيش والمواخير كما وصفهم كمال الدين حسين ..

ولعل الدليل الأكيد علي أن الرئيس السابق عبد الناصر كان لا ينقل إلي زملائه الحقيقة أبدًا .. إنما كان يعطيهم دائمًا لاتصالاته الصورة التي يرسمها بنفسه .. هو ما حدث خلال جلسات تلك المحاكمات عندما كان المرحوم منير الدلة أحد زعماء الإخوان المسلمين وواحدًا ممن كانوا علي صلة بعبد الناصر حتى إنه رشحه للوزارة عام 1953 .. يدلي بشهادته أمام المحكمة ودار بينه وبين رئيس المحكمة الحوار التالي :

سأله : رئيس المحكمة : هل تذكر يوم ما رحت مع صلاح شادي إلي جمال عبد الناصر في سنة 1953 ، وطلبتم منه أن تعرض عليكم مشروعات القوانين قبل صدورها ؟

وأجاب منير دلة : إحنا قابلنا جمال عبد الناصر ؛ لنبدي له أن الإخوان المسلمين يؤيدون الثورة ، وتطرق الحديث بين الرئيس وبين صلاح شادي إلي موضوع القوانين ، وقال له صلاح : حبذا لو عرض الحاكم مشروعات القوانين علي الشعب قبل إصدارها ، ودا كان رأي شخصي ولم يكن رأي جماعة .

وقاطعهجمال سالم صارخًا : أنتم قلتم : لازم الحكومة تعرض القوانين علي الجماعة ، فقال لكم : الحكومة لا تقبل الإخوان ، والحكومة تمثل الشعب أكثر من الإخوان .

ورد الشاهد : أنا أقسمت علي كلامي – ولم يتركه جمال سالم يكمل بل قاطعه قائلا :

إحنا كمان أقسمنا بيننا وبين ربنا .

فقال الشاهد : أنا أروي الواقعة كما حدثت .

فصرخ جمال سالم : كلامك ده فيه نوع من الاتهام لجمال عبد الناصر ، إنه مش عارف ينقل الكلام صح .

ولفريد عبد الخالق في تدبير هذه المحاولة رأي يقول فيه :

لا شك أنها كانت محاولة وهمية لاغتيال عبد الناصر .. فلم يكن أحد ابتداء من المرشد إلي أعضاء مكتب الإرشاد يفكر في اغتيال عبد الناصر .. بل إن المرشد هو الذي استجاب لنداء عبد الناصر بحل الجهاز السري عندما طلب منه ذلك وأعلن أن لا سرية في الدعوة .. وعندما رفض عبد الرحمن السندي حل الجهاز عزله وعين يوسف طلعت بدلاً منه تمهيدًا لتصفيته . وقال فريد : إن المعلومات التي وصلته هي أن الحكومة هي التي دبرت المحاولة للتخلص من الإخوان ، وأن محمد الجزار الذي كان ضابطًا في القلم السياسي قبل الثورة ، واتهم في الاشتراك في حادث اغتيال الإمام حسن البنا كان يتردد علي مركز الإخوان المسلمين محاولاً تبرئة نفسه أمام قادة الإخوان .

وفي إحدى مرات تردده وكانت العلاقة بين الحكومة و الإخوان متوترة سمع المرحوم هنداوي دوير – وكان من الشبان المتهورين – يردد : " لازم نقتل جمال " .. والتقط الخيط وذهب إلي المباحث العامة في محاولة للتقرب من السلطات وأبلغهم أن هنداوي دوير يدبر خطة لاغتيال جمال عبد الناصر . ووجدها المسئولون فرصة .. تعقبوا هنداوي وعلموا أنه يرأس خلية في إمبابة أعضاؤها طلبة بالجامعة ، والسمكري محمود عبد اللطيف .. وقع اختيارهم علي تدبير المحاولة وإسنادها إلي محمود عبد اللطيف ليكون بداية خيط للتخلص من الإخوان . واختاروا الزمان والمكان .. ونفذت الخطة .. اختطفوا محمود وأخذوه إلي الإسكندرية ومعه مسدس عثروا عليه في منزله . واقتاده ثلاثة منهم إلي ميدان المنشية .. وأجلسوه في الصفوف الأمامية وأحاطوا به ... وفي لحظة الصفر أطلق أحدهم .. ولابد أنه من أمهر الرماة ثماني رصاصات لم تصب واحدة منها أحد من الذين فوق المنصة رغم كثرة عددهم باستثناء إصابة سطحية للمحامي أحمد بدر بينما أصابت الرصاصات اللمبات الكهربائية .

ويؤكد ذلك أن الجماهير قبضت علي ثلاثة كانوا مع محمود عبد اللطيف ، ثم لم يأت ذكرهم بعد ذلك .. كما أن المسدس الذي كان مع محمود تبين أن طلقاته ليست من نفس نوع الطلقات التي أطلقت .. وبعد الإعلان أنه تم ضبطه وفي يده المسدس عادت الصحف ونشرت أن عامل بناء عثر علي المسدس الذي استخدم في الحادث .. واختفت سيرة المسدس الأول تمامًا – كما أن المحكمة لم تستمع إلي أقوال الذين قيل : إنهم قبضوا علي الجاني ، ولا إلي أقوال عامل البناء رغم أهمية شهادتهم – ولعل ذلك يرجع إلي خوف المسئول عن تدبير الحادث أن يخطئوا في أقوالهم فيكشفوا أن الحادث كان مدبرًا .

وهناك رواية أخري تتلخص في : أن المحاولة تمت بتدبير بين عبد الناصر و هنداوي دوير الذي استطاع أن يقنع محمود عبد اللطيف بضرورة اغتيال عبد الناصر وأعطاه المسدس ورسم له الخطة .. بينما نفذا إطلاق الرصاص أحد أعوان عبد الناصر بمسدس آخر ، ويؤكد هذه الرواية أن هنداوي قام بتسليم نفسه بعد وقوع الحادث مباشرة . ولو كان مشتركًا في الجريمة فعلاً لظل هاربًا حتى يقبض عليه . إنما سلم نفسه حتى يسرد اعترافات تطيح بكل جماعة الإخوان وبالرئيس محمد نجيب علي أمل أن يكون له مكان مرموق بعد ذلك ، ولكن عبد الناصر تخلص من الشاهد الوحيد ضده الذي يكشف الحقيقة بإعدامه . وكان ذلك سببًا في أنه كان يردد وهو في طريقه إلي المشنقة : ضحكوا علينا .. ماكنش دا اتفاقنا .


الباب الأول : نظرة الإخوان المسلمين قبيل قيام الثورة


الفصل الأول : مكانة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت أمام الرأي العام

بعد هذه العجالة التي استعرضت تطور العلاقات بين ثورة 23 يوليو وبين الإخوان المسلمين . يجدر بنا أن نوضح للقارئ مكانة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري وقت قيام هذه الثورة وقبل قيامها ، وحتى لا تترك فجوة بين حقبتين من التاريخ ، لاسيما أمام جيل الثورة ، وهو الجيل الذي نشأ بعد يوليو 1952 وتلقي معلومات معينة وقفت بالتاريخ في نظره عند يوليو 1952 باعتباره أول تاريخ بلاده الحديث . ونحن وإن كنا قد أشبعنا هذه النقطة من قبل شرحًا وتوضيحًا ، وألقينا عليها الأضواء من كل جانب ، بحيث أبرزت أحداثها مكانة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري قبل قيام الثورة .. فإن ذلك لا يمنع – تيسيرًا علي القارئ – من أن نستعير آخر صورة أوردناها في هذا الصدد ؛ ليكون القارئ علي ذكر منها فنقول :

كانت القوى المهيمنة في مصر قبل قيام الثورة ثلاث قوى : قوة حزب الوفد – وقوة الأحزاب الأخرى ، وقوة الملك ، ولعل القارئ – بمتابعة ما قرأ هذه المذكرات من احتكاك بين الإخوان وبين كل من هذه القوى الثلاث – قد استطاع أن يتصور مدي ما كان لكل واحدة من هذه القوى من نفوذ ، وأنها بمجموعها قد استحوذت علي السلطة ، وأنها تقاسمتها فيما بينها فأخذت كل واحدة بنصيب ، محاولة أن تغير علي الأخرى لانتهاب جزء من نصيبها .. لكن السلطة والنفوذ في نهاية الأمر لا تخرج عن نطاق هذا الثلاثي المحتكر المسيطر .. أما الشعب المسكين فكان هو النهب المباح والغنيمة الباردة لهذه القوى . وظهرت دعوة الإخوان المسلمين وسط هذه السيطرة ، وفي غمار هذا الاحتكار الذي يؤيده الاستعمار ، ولقيت ما لقيت من تصدي هذه القوى لها تصديا لا هوادة فيه .. وكان لكل من هذه القوى معها دور من أدوار ، تحت عين الاستعمار وبتوجيهه وتأليبه .. كان كل دور منها كفيلاً بالقضاء علي هذه الدعوة واستئصال شأفتها لولا ما تسلح به رجالها من إيمان بالله ، ولولا ما ألهم الله به قادتها من حكمة وثبات .. وقد أومأت في خلال ما مضي من هذه المذكرات إلي دور أو أكثر مما كان للدعوة مع كل من هذه القوى .

ثم كان آخر هذه الأدوار الذي استجمع الكل قواهم – بعد أن استنفد الوفد كل ما في جعبته من سهام – ووجهوا الضربة القاضية التي أشرت إليها ، والتي ما كان أحد يظن أن تقوم ل الإخوان بعدها قائمة .. وشاء الله أن يخيب ظن الجميع ، وأن ترجع الدعوة للحياة أقوى مما كانت ، أصلب عودًا وأقوى شكيمة .. مما ألقي الرعب في قلوب الجميع .. وما كان أمامهم من سبيل غير الاستسلام والخضوع . وإليك صورة من مظاهر هذا الاستسلام .. مما يلقي ضوءًا علي مكانة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري خلال تلك الحقبة من الزمن .

• الوفد : بعد الحملة الشنعاء التي حملها الوفد علي الإخوان في النصف الأخير من الأربعينيات ، والتي تفرغ لها الوفد ، وجرد لها جميع أسلحته ، والتي أنشأ جريدة يومية خصصها لهذه الحملة ,, بعد إعلان هذه الحرب وخوضه غمارها .. وبعد ما تبعها من حملة الأحزاب الأخرى مجتمعة مع الانجليز والملك ، بما فيه من حل واعتقال واغتيال وتنكيل وتعذيب .. جاءت وزارة الوفد عام 1950 فوجدت أمامها الإخوان المسلمين أقوى مما كانوا . ووجدت الشعب حولهم أكثر التفافًا ، وبمبادئهم أشد تمسكًا .. فلم تجد مفرًا من مد يد الود لهم .. ورأت – تقربًا إلي الشعب – أن تسارع بإلغاء قرار الحل الذي لم يكن إلغاؤه إلا تحصيل حاصل ؛ حيث كان الإخوان قد استردوا كل شيء لهم إلا دورهم . ثم رأت حكومة الوفد أن تزداد تقربًا إلي الشعب فأقدمت علي ما لم تكن تجرؤ علي الإقدام عليه من قبل فأعدت إلغاء معاهدة 1936 .

وكان إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 دافعًا قويًا ألجأ الوفد إلي التقرب إلي الإخوان المسلمين وخطب ودهم ؛ لأنه فوجئ بأن إلغاء المعاهدة قد أوجد فراغًا لا يملؤه إلا قوة شعبية أخذت نفسها بأسلوب التضحية و الجهاد .. ولم تكن هيئة في مصر قد أخذت نفسها بهذا الأسلوب غير الإخوان المسلمين ، وقد جربوا أنفسهم في ذلك الأسلوب في فلسطين وأبلوا بلاءً حسنًا .. ورأت حكومة الوفد شهداء الإخوان من طلبة الجامعات وغيرهم يتساقطون في ميدان الجهاد ضد المستعمر .. ورأوا المرشد العام ل الإخوان المسلمين الرجل الوحيد القادر علي إحباط مؤامرات الانجليز يخف إلي دار البطريركية ويقابل البطريرك الأكبر الأنبا يوساب ويظهر معه أمام الصحافة العالمية متعانقين . وأخرج الوفد من الحكم عقب حريق القاهرة وهو يعلم من هم أصحاب النفوذ المتغلغل في نفوس الشعب ، ومن هم القادرون علي مواجهة المستعمر وأذنابه .

• الأحزاب الأخرى : أسندت الوزارة إلي علي ماهر ، فكان من أوائل ما عمد إليه وقد أسندت إليه الوزارة في 27 يناير 1952 أن قابل المرشد العام في اليوم الرابع من فبراير ، حيث مكثا يتحدثان ساعة ، ثم قابل المرشد وزير العدل ساعة أخرى .. ثم ظهرت الصحف بعد هذه المقابلة بأيام تقول : " استجابة لطلبات المرشد العام بادر رفعة علي ماهر باشا رئيس الوزراء فاستصدر من مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 5 فبراير 1952 قرارًا بأن يعهد بأمر التدريب العسكري للشباب عن كافة نواحيه إليه بصفته وزيرًا للحربية والبحرية بدلاً من وزير الدولة . وله أن يتخذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة لذلك . وستقدم وزارة الحربية الأسلحة والأدوات اللازمة لتدريب الشباب وإقامة المعسكرات لهم " .

وتوالت اللقاءات بين رئيس الوزراء و المرشد العام ، وكانت اللقاءات تتم بينهما منفردين دائمًا بناء علي رغبة المرشد العام ، حتى تحدد ميعاد للقاء بينهما في 27 فبراير 1952 ، وذهب المرشد العام إلي رئاسة مجلس الوزراء ، فلما دخل مكتب رئيس الوزراء فوجئ بوجود جميع رؤساء الأحزاب .. كان لهذه المفاجأة معني خاص فيما نحن بصدده .. وقد يلمح القارئ هذا المعني من بين ثنايا ما نشرته جريدة " المصري " في اليوم التالي تحت عنوان : " تصريحات لفضيلة المرشد العام عن حل القضية المصرية " حيث كتبت تقول :

علم " مندوب المصري " من مصادر مطلعة أن فضيلة حسن الهضيبي بك المرشد العام ل الإخوان المسلمين كان قد أبدي رغبته لرفعة علي ماهر باشا منذ بدأ مشاوراته لتشكيل الجبهة السياسية في أن يبدي فضيلته آراءه لرفعته كلما شاء دون التقيد باجتماعات تضمه مع آخرين ، ولذلك فوجئ فضيلته أمس الأول حين دعي للاجتماع برفعة علي ماهر باشا فإذا بمكتب رفعته يضم الجمع دفعة واحدة . وعلم المندوب أن فضيلته حين دخل علي رفعة علي ماهر باشا أمس الأول في مجلس الوزراء ، كان يعتقد أن رفعته انتهي من مشاوراته مع بقية رؤساء الأحزاب وأن فضيلته سيجتمع برفعة علي ماهر باشا وحده ؛ ولذلك كان عقد الاجتماع من الجميع دفعة واحدة مفاجأة لفضيلته . فلما سئل عن رأيه أثناء الاجتماع المذكور قال فضيلته : " إنني سبق أن بينته لرفعة رئيس الوزراء " ، فقال هيكل باشا لفضيلته : هل تسمح أن تذكر لنا ما قلته لرفعته ؟ فقال فضيلته : " إن رأينا صريح في أنه لا مفاوضة ولا اتفاق مع أحد " ، وقد اكتفي فضيلة المرشد العام بذلك مفضلاً عدم الدخول في مناقشات طويلة مع هيكل باشا .

وسأل المندوب فضيلته عن السبب في اختياره للإدلاء إلي الصحفيين بنص البيان المشترك الذي نشرته الصحف أمس عن الاجتماع برفعة علي ماهر باشا ، وهل يفهم من هذا البيان أن المجتمعين فيه كونوا جبهة واحدة معًا ؟ فقال فضيلته : " إن المجتمعين اتفقوا علي أن تلقي هذه الكلمة علي الصحفيين . واقترح مكرم باشا أن ألقيها .. ومادام قد تم الاتفاق عليها فأي منا يلقيها ، وإلقاؤها لا يحمل أي معني .. ولكن ليس معني ما حدث أننا كونا جبهة واحدة ، و الإخوان المسلمون مستقلون في إبداء آرائهم ولن يكونوا جبهة مع أحد " . وكان البيان الذي ألقاه المرشد العام هو : " لقد تبادلنا الرأي في الموقف السياسي والجميع متفقون علي تحقيق أهداف البلاد " . فالقارئ بغير ما جهد أو إمعان فكر يستطيع أن يري في هذا النص الصحفي دلالات منها :

1 – أن الحكومة تري في عقد لقاءاتها مع الإخوان المسلمين ما يطمئن الشعب إلي حسن نيتها وسلامة وجهتها وجدية موقفها .

2 – أن الحكومة تتلمس ما يرضي الإخوان فتعلن اتجاهها إليه وأخذها به ووضعه موضع التنفيذ ؛ تقربًا إلي الشعب وإرضاء لمشاعره .

3 – أن الأحزاب المختلفة – علي تعددها وادعائها تمثيل الشعب – لم تر في التفافها جميعًا حول رئيس الوزراء – المؤيد من الوفد أيضًا – ما يكفي لإقناع الشعب ولا لإقناع الانجليز بأنهم الجهة الممثلة للأمة ، ولابد من وجود هيئة علي رأسهم هي متجه الأنظار وموضع تقدير الجميع .

4 – أن هذه الهيئة تري نفسها – كما يراها رؤساء الأحزاب في قرارة نفوسهم – أرفع من أن يضمها معهم اجتماع ، فلجئوا إلي تدبير ما يشبه الكمين ليحظوا بالظهور أمام الرأي العام وهذه الهيئة بينهم .

5 – تعبيرًا عن التقدير والاحترام ، وإقرارًا منهم برفعة مكانة هذه الهيئة رأوا أن يتكلم باسمهم جميعًا ممثل الإخوان المسلمين أمام الرأي العام عن طريق الصحافة .

6 – أن هذه الأحزاب كانت حريصة علي معرفة رأي الإخوان ، علمًا منهم بأنه هو الرأي الذي يجب أن ينزل الجميع عليه ؛ لأنه هو الرأي الذي تسنده القوة المنظمة المتغلغلة في جميع الأوساط .. وبدا تلهف الأحزاب علي معرفة هذا الرأي في الاستفسار الذي وجهه هيكل باشا إلي المرشد العام تو دخوله الاجتماع .

7 – أن رد المرشد العام علي هيكل باشا كان يحمل في اقتضائه معني التبرم من مجرد ضم الاجتماع له معهم .

8 – إعلان المرشد العام علي صفحات الصحف – بعد الاجتماع – أن الإخوان المسلمين مستقلون في إبداء آرائهم ، وأنهم لن يكونوا جبهة مع أحد .. أسلوب لا يجرؤ علي الجهر به وإعلانه علي الملأ إلا إنسان يشعر أن أسباب القوة قد اجتمعت كلها في يده ، وأن توجيه الأمر أضحي طوع أمره .

9 – أن الانجليز حين أحسوا بأن الوزارة والأحزاب قد التزموا برأي الإخوان وألقوا إليهم بالقيادة ، عملوا علي التخلص من رئيس الوزراء علي ماهر ، لعل غيره يأتي متحررًا من الخضوع لنفوذ الإخوان ، فبعد يوم واحد من إعلان قرار هذا الاجتماع أسقط الانجليز علي ماهر ، بمضايقته – متضامنين في ذلك مع الملك – مضايقة لم يستطع معها البقاء .

وخلف علي ماهر في الوزارة أحمد نجيب الهلالي الذي لم يختلف عن سابقه في شيء إلا في مبادأته حزب الوفد بالعداء في ظل سياسة سماها " سياسة التطهير " – أما سياسة الالتزام بإلغاء المعاهدة ومواجهة الانجليز – ولو ظاهرًا – فلم يستطع أن يعلن تخليه عن شيء منها ، وظل علي سياسة اللقاءات مع المرشد العام . وحل الهلالي مجلس النواب وأعلن عن موعد لإجراء الانتخابات ، وطلب رأي الإخوان فأعلنوه برفضهم خوض معركتها ، فلم يقنع بهذا الإعلان وطلب منهم أسباب الرفض فأوضحوا له أسباب الرفض في مذكرة .. فأجل موعد إجراء الانتخابات أكثر من مرة ، وفي كل مرة كان يحاول جر الإخوان إليها .. وقد أفضنا نمن قبل في موقف هذه الوزارة من الإخوان والانتخابات ومحاولاتها المستميتة لجرهم إلي خوضها وإصرار الإخوان علي الرفض ، وكأن هذه الوزارة إنما جئ بها لتحقيق هذا الغرض ، فلما فشلت في تحقيقه أسقطت .. ولا داعي لذكر حكومة تالية لهذه الحكومة .. وحسبك أن تعلم أنها لم تعمر أكثر من عشرين يوما .

الملك : هو القوة الثالثة في البلاد ، وكان برغم الصعوبات التي أحاطت به في تلك الحقبة ، قد استطاع لأول مرة أن يسيطر علي القوتين الأخريين معًا ، فقد استطاع أن يطوي الوفد تحت جناحه وأن يسلكه ضمن المسبحين بحمده ، المتغنين بمجده ، المتقبلين للطماته بالشكر والامتنان .. ولا تستطيع أن تقول : إن ذلك كان وليد قوة طرأت علي مركز الملك ، وإنما كان نتيجة الضعف الذي تطرق إلي أعصاب حزب الوفد ، بعد أن طالت أيام بعده عن الحكم وتحرق شوقًا إلي جلسة طويلة علي كراسيه .

هذا الملك – مع تحقيقه ما لم يكن يحلم به يوما من الأيام من السيطرة علي جميع الأحزاب في مصر – لم يشعر أنه حقق شيئًا يذكر من القوة يستطيع أن يركن إليه للاطمئنان علي عرشه وللثبات في مركزه .. لأنه – أحس لأول مرة – أن هناك مركز ثقل جديد انتقل إليه النفوذ الشعبي ، وأن عرشه قد أضحي بين إصبعين من أصابع هذه القوة الجديدة . وتذكر أن بين هذه القوة وبينه ثأرًا قديمًا .. وتذكر أنه هو الذي سلط عليها من قبل زبانيته فشردوا أعضاءها وملئوا بهم السجون والمعتقلات ، وساموهم ألوان العذاب ، واغتالوا مؤسسها ، وأوهمه زبانيته بعد أن اغتالوا مؤسسها أنه قد آن له أن ينام مطمئنًا علي عرشه ملء جفنيه – وتذكر أن هذا المؤسس طالما طلب وألمح في الطلب أن يجتمع به ، ولكنه كان في كل مرة يرفض في صلف أخذًا بنصيحة زبانيته ، الذين كانوا حريصين علي الحيلولة دون تحقيقه . جاء في شهادة الأميرلاى أحمد كامل قائد بوليس القصور الملكية أمام محكمة عند نظر قضية اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا قوله : " كان الملك متخوفاً من الإخوان المسلمين كثيرًا ؛ لدرجة أنه كلفني في ذلك الوقت أن أشدد الحراسة عليه في تنقلاته ، وعمل حواجز حديدية علي الأبواب الرئيسية لسراي القبة وعابدين " لإجبار السيارات الداخلة إليها علي الوقوف والتحقق ممن فيها ، كما طلب مني إخراج المستخدمين والموظفين الذين ينتمون إلي جماعة الإخوان المسلمين من السرايات والتفاتيش الملكية " واعتقادي أن هذا الحادث ارتكب لحساب الملك السابق والحكومة .

وهكذا دارت الأيام ، و عمل الزمن عمله ، وحقق الله تعالي سنته في خلقه واكتشف الملك أخيرًا أنه كان مضللاً حين أوهموه بأنه قد آن له أن يأمن كل الأمن وينام ملء جفنيه .. كيف وقد رأي نفسه يواجه أضخم قوة شعبية مسيطرة يتقرب إليها الجميع ، ويلتمسون رضاها – حتى زبانيته أنفسهم – ولم تكن هذه القوة إلا جماعة الإخوان المسلمين التي أوهموه أنهم قد قضوا عليها . هذا الملك الذي رفض من قبل في صلف وكبرياء طلبات تقدم بها مؤسس هذه الدعوة أكثر من مرة للالتقاء به .. وجد نفسه مضطرًا أملاً في الاحتفاظ بعرشه – أن يستجدي لقاء بينه وبين مرشد هذه الهيئة الجديد .. وبعد لأي .. تم اللقاء .. ولكنه كان علي الصورة التي وصفناها في باب سابق .. وأيقن الملك بعد هذا أن الوقت المناسب قد مضي ، وأن القطار قد فاته ، ولا أمل في استرضاء هذه الهيئة بعد أن ضيَّع – بتضليل مستشاريه – كل الفرص المواتية . وأحس الملك أن نهايته صارت قاب قوسين أو أدنى فصار يتخبط تخبط التائه في لجة بحر صاخب لا يدري أين يتجه ولا إلي أين تحمله الرياح .

وقد يظن القارئ أن الإخوان المسلمين بتبوئهم هذا المكان العليّ بين هذه القوى الثلاث قد آلت إليهم السيطرة السياسية وحدها دون السيطرة الاجتماعية ، فنقول :

إن القوى السياسية في مصر متمثلة في الأحزاب والملك إنما هي في ذاتها وجه آخر للقوى الاجتماعية في البلاد ؛ ذلك أن هذه الأحزاب لم تكن إلا واجهة سياسية للإقطاعيين المستغلين الذين كانوا يملكون الأرض ومن عليها ، كما أن الملك وحده كان الإقطاعي الأكبر الذي لم يكتف بذلك ، بل كان همه أن يملك – فيما يملك – الإقطاعيين الآخرين . ولم يصل الإخوان المسلمون إلي ما وصلوا إليه من مكانة مسيطرة في تلك الحقبة من الزمن إلا بعد أن خاضوا ضد هذا النوع من الإقطاع غمار معارك دامية – كما أشرنا إليه من قبل وليس هنا مجال تفصيلها – ولكن حسبك أن نعلم أن شُعَبَ الإخوان المسلمين في العاصمتين وفي أحشاء الريف ، كانت مثابة للضعفاء والفقراء من العمال والفلاحين وذوي المهن وأمنًا يأوون إليه في أوقات فراغهم ، فيجدون الصدور الحانية والقلوب المحبة .. وفي ظل هذا الإشراق الروحي ، والتوجيه القرآني يبدءون – لأول مرة في حياتهم – يشعرون بوجودهم ، ويحسون بقيمتهم ، ويعرفون أن لهم حقوقًا .. لا تلك التي تحددها القوانين ،وإنما تلك التي منحها الله عباده يوم أنزل القرآن فقال : (يَا أيُّهَا النَّاسَ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأَنَثي وَجَعَلْناكُمُ شُعْوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكَرَمَكُمَ عِنَدَ الله أَتَقَاكُمَ) .

ومن هنا كان الجفاء دائما بين هذا النوع من ذوي القلوب الصماء من الإقطاعيين وبين هذه الشُعَب التي اعتبروها سرطانًا أصيبت به قراهم وبلادهم .. وتفاوتت درجات الصراع بين هؤلاء الطغاة وبين الشعب ، حتى وصل الصراع في بعضها إلي سفك الدماء .. وكانوا دائمًا هم المعتدين . هذه لمحة خاطفة قصدنا من إيرادها في هذا المقام أن نلفت الذين نظروا فرأوا بخارًا دفع عجلات القطار فتحركت واندفع القطار بعد سكون ، فسألوا البخار من أين جئت ؟ فقال لهم : لقد أوجدت نفسي ولا فضل لأحد عليّ . فانبهروا بما فعل البخار وصدقوا ادعائه .. وشغلهم انبهارهم بما فعل البخار عن أن يعرضوا هذا الادعاء علي عقولهم ؛ حتى تمحصه هذه العقول ، وتخبرهم بأن ادعاء البخار ادعاء باطل .. ولابد أن أصل البخار كان ماء باردًا حتى انصهر بل إنه كان لشدة برودته ثلجًا .. ثم تولَّته يد صناع بدفتها – صابرة علي هذه البرودة وصار ماءً سائلاً ، فأحكمت قبضتها عليها ، وسلطت عليه من حرارة جسمها ونفسها حتى ارتفعت حرارته . وجاء قوم كانت مصلحتهم أن يظل هذا الماء ثلجاء جامدًا ، ولم ينتبهوا إلي هذه اليد الدافئة التي تحتضنه إلا بعد أن تفكك الثلج وصار ماءً وارتفعت حرارته .. جاءوا فطاردوا هذه اليد لتدع الماء ولكنها تشبثت به ، فهبطوا عليها بهراواتهم ، فلم تجد معها الهراوات ، فجربوا ما لديهم من أدوات الجرح والتعذيب تلقاها الجسم كأنه بصبر وإيمان واحتساب ، مدافعًا عن يده المتولية أمر الماء .. ولم يدر يخلد أصحاب المصلحة هؤلاء أن ما ينزلون به علي هذه الجسد من الضرب والطعن يولد في هذه اليد حرارة جديدة عجلت بغليان الماء حتى تحول كله إلي بخار ، تفاقم ضغطه في وجه هؤلاء القساة فحطمهم تحطيمًا .

هذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً .. الثورة هي مواجهة الشعب بشيء جديد غير الذي ألفه وكان يعيشه رغما .. فإذا لم يكن هذا الشيء الجديد واقعًا للتفاعل معه والترحيب به – إذا لم يكن ذلك كذلك فإنه سيقابل من النفوس بصدود ، ومن الشعب بالرفض والمقاومة . والأشخاص الذين يظهرون علي مسرح الثورات يكونون كالطفل الذي يولد ، فلا يطمئن أهل بلده إلي سلامة مولده إلا إذا عرفوا أباه وأمه . فإذا اطمأنوا إلي انتسابه إلي من يعرفون تلقوه بالقبول وهنأ بعضهم بعضًَا بمقدمه ، وأفسحوا له من قلوبهم وغمروه بعواطفهم .. أما إذا لم يجد أهل البلد أن أحدًا ممن يعرفون قد تقدم معترفًا بأبوته مسرورًا بانتسابه إليه ، فإنهم يعتبرون العامل لقيطًا فينفرون منه ، ويعرضون عنه ، ويعملون علي التخلص منه .

والشعوب مهما اختلفت في درجات الوعي فإنها تتفق في مدي حساسيتها لقضايا مثيرة معينة . ومنذ بدأ النصف الأخير من الأربعينات أخذ الشعب في مصر يشعر بالإحباط وخيبة الأمل إزاء السلوك الشخصي للملك .. نعم ، إن الشعب لم يتخذ موقفًا إيجابيًا من هذا السلوك ، لكنه كان يحس في قرارة نفسه بالمقت والاشمئزاز .. وشرع ينصف العاملين في حقل السياسة علي أساس من هذا الشعور . وأجريت الانتخابات العامة عام 1950 – وكانت انتخابات حرة فعلاً وقد مارستها بنفسي وكنت رئيس لجنة فيها – وكان الشعب قد صنف المتقدمين لهذه الانتخابات علي الأساس الذي أشرنا إليه .. فكان المنتسبون إلي الملك أو أحزاب الملك صنفًا .. والذين عرف عنهم أنهم يعارضون سلوك الملك صنفًا آخر .. وكان الصنف الأخير هو حزب الوفد ، ومن ورائه الإخوان المسلمون .. وأسفرت الانتخابات عن فوز حزب الوفد واندحار أحزاب الملك . ثم رأي حزب الوفد بعد أن اعتلي كراسي الحكم ، وذاق حلاوتها أن يتشبث هذه المرة بهذه الكراسي ، وخيل إليه أن هذه الأمنية لا تتحقق إلا إذا هو تغاضي عن سلوك الملك وسار في ركابه ، وبذلك يقطع الطريق علي الأحزاب الشكلية الأخرى التي يستدعيها الملك كل مرة حين يضيق ذرعًا بحكومة الوفد لوقوفها في وجه أهوائه .. وهذه السياسة التي ارتآها حزب الوفد هذه المرة هي السياسة التي يحكم بها العقل المجرد لقوم نسوا أو تناسوا أن الله تعالي هو الفعال ما يريد ، وأنه تعالي يغير ولا يتغير .

وكان من نتيجة هذه السياسة الجديدة للوفد أن ارتكبت حكومته هذه حماقات ما كان يخطر ببال أحد أن يرتكبها الوفد ، منها سنُّ تشريع حظر نشر أخبار الملك ، ومنع دخول مجلات أجنبية تصف ما يرتكبه الملك من مهازل في نوادي القمار بالخارج ، وسنُّ تشريع لتقييد حرية الصحافة . وكان لهذه السياسة ضجة لفتت الأنظار ، وهبطت بمكانة الوفد في النفوس .. وضم الشعب في تصنيفه حزب الوفد – أسفًا – إلي الصنف الأول .. ولم يبق في الساحة بعد ذلك من الصنف المعارض للملك إلا الإخوان المسلمون وفلول من تجمعات أخرى . ولا شك في أن الثورة التي كان الشعب يتمناها وينتظرها هي ثورة الحكم في مصر الذي صار الملك يمثله تمامًا ولا يشذ عن ذلك حزب . ولما كان آخر تصنيفه صنفه الشعب للعاملين في حقل السياسة لم يبق فيه في خانة المعارضين للملك من الهيئات الشعبية المتغلغلة في أحشاء البلاد إلا الإخوان المسلمون .. فقد تعلقت أنظار الشعب بهذه الهيئة ينتظرون منها عملاً .. فلما قام بهذا العمل أفراد لا يعرف الشعب عنهم شيئًا ، راقبوا اتصالاتهم فوجدوها تتم بينهم وبين الإخوان المسلمين وفي بيوت قادة الإخوان المسلمين فاطمأنت قلوب الشعب ، وعلموا أنها الثورة المأمولة فرحبوا بها وساندوها .

سقطت قصة البخار لأنها سنة طبيعية لا تخلف لها ، تقوم عليها السموات والأرض ؛ ولأنها توضح تمامًا علاقة هذه الثورة بدعوة الإخوان المسلمين .. فالثورة نبعت من هذه الدعوة ، وكانت النتيجة الحتمية لها ، والقائمون بالثورة كانوا من صفوفها .. ولم لم تقم هذه الدعوة في الوقت الذي قامت فيه ، ولولا جهادها المستميت خلال ربع قرن من الزمن في إيقاظ الشعب وتربيته وإعداده لما كان الثورة أن تقوم ، ومع ذلك فأكرر ما سبق أن قررته في هذه المذكرات من قبل ، وهو أن الوصول إلي كراسي الحكم لم يكن هدف الإخوان وإلا لكان ذلك متاحًا لهم من قبل دون القيام بثورة ، فقد توالي علي دست الحكم في مصر من كان هو وشيعته أدني من شعبة واحدة من شعب الإخوان المسلمين علما ومواهب وثروة بالرجال .. وإنما كانوا يؤثرون دائمًا أن يجدوا من أتباعهم أو من غير أتباعهم من يلتزم بالحكم بكتاب الله ، علي أن يكونوا هم من ورائه يؤيدونه إذا صدق ، وينصرونه إذا التبست عليه الأمور ، ويذكرونه إذا نسي ، ويسندونه إذا اختل توازنه ، ويحمونه من نفسه ومن بطانة السوء ، ويقفون حائلاً بينه وبين منحدر الغرور والانحراف . هذا هو الموقف الذي كان الإخوان قد اختاروه لأنفسهم ، وآثروه بما اختاره الإخوان لأنفسهم من موقف ، لتجنب كثيرًا مما وقع فيه من أخطاء ، ولوجد من ورائه من يسدده ، ويقبل عثرته ويشير عليه ، ويبصره ، ويحميه من نفسه ومن الانحدار الذي انتهي به وببلاده إلي الكوارث التي خلفها من بعده .


• واقعة طريفة :

وإذا كان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت هم مناط الأمل ومتجه الأنظار ، صار المركز العام كعبة تأتي إليها الوفود من كل مكان .. وأذكر في الأيام الأخيرة قبل الثورة بقليل أن جاء إلي المركز العام شابان أجنبيان يحمل كل منهما حقيبة صغيرة وكاميرا ، فتقدمت إليهما مستغربًا فأخبراني بأنهما صحفيان من السويد قدما ؛ ليأخذا حديثًا من المرشد العام ، وكان المرشد العام منشغلاً مع آخرين ، فلما أخبرته بأمرهما طلب مني أن أجلس معهما حتى يفرغ من القوم الذين معه . فجلست إليهما وتحدثت معهما فكان حديثهما معي مفاجأة لي ما كنت أتوقعها .. نعم ، إن مجيئهما من السويد إلي مصر للقاء المرشد العام مما لا يحتاج إلي توضيح أن الإخوان المسلمين كما تألقوا في سماء مصر وتعلقت بهم الأنظار ، فكذلك شعر المحللون السياسيون في أنحاء العالم أن الدور صار دور الإخوان المسلمين وأن عصر الإخوان المسلمين مقبل لا محالة بعد المعارك الضارية التي استسلم في نهايتها عهد الاستعمار وأذنابه ، فجاء هذان الصحفيان من السويد كما جاء أمثالهم من كثير من دول أوربا وأمريكا ؛ لاستطلاع آراء الإخوان المسلمين فيما ينتوون من سياسة الحكم الإسلامي في مختلف الشئون .

وهذا ما توقعت أن أسمعه من هذين الصحفيين . وفعلا كان أول سؤال وجهناه إليّ هو : نحن نعرف أن الإخوان المسلمين يريدون أن يحكموا بالنظام الإسلامي . ولما أحسسنا أن هذا النوع من الحكم أوشك أن يقوم في مصر ، فقد رأينا أن نستفسر عن الطريقة التي تنفذون بها الحكم الإسلامي في هذا العصر الذي نعيشه ..؟ ولما طلبت منهما أن يحددا لي نواحي الحياة ؛ لأشرح لهما تعامل الحكم الإسلامي معها قال أحدهما : سنأخذ ناحية واحدة من نواحي الحياة مثلاً لذلك ، وهي ناحية المواصلات .. كيف تتعاملون معها بالنظام الإسلامي ؟ لقد أصبحت وسائل المواصلات بالترام والقطارات والسيارات بل والطائرات ضرورة لازمة ، فكيف تتعاملون إسلاميًا مع هذه الوسائل .. والنظام الإسلامي وسيلة مواصلاته هي الجمال ؟! فكان ما سمعته منهما مفاجأة لي اضطررت معها أن أشرح لهما النظام الإسلامي شرحًا مستفيضًا ، أخبراني بعده أنهما لأول مرة يعرفان هذه الصورة الرائعة عن الإسلام .

الفصل الثاني : نظرة إلي الإخوان المسلمين من الـداخـل

حتى تكتمل صورة الإخوان المسلمين في هذه الحقبة من الزمن – وقد ألقينا عليها الأضواء من خارجها – ينبغي أن ننفذ بأبصارنا إلي داخل هذه الصورة ؛ لنري ما كان يعتمل في أعماقها من انفعالات وتفاعلات ، وما انطوت عليه أحشاؤها من أوجاع وآلام .. وبهذا التصوير الواقعي الشامل للصورة من خارجها ومن داخلها يكون الحديث عن تطور الأحداث بعد ذلك حديثًا موصولاً واضحًا مقنعًا .. يحمل مل حدث في نفسه مبررات حدوثه .. وليس أبغض إلي نفس قارئ التاريخ من أن يجد نفسه أمام أحداث مبتورة ، بترت عن مقدماتها ، وأخفيت عنه ظروفها ومبرراتها .

وإخفاء الظروف والمبررات ، يكون سوء النية عادة من ورائه .. ولكن كثيرًا ما يحدث يحسن نية ويقصد التسامح والمجاملة .. غير أنه في كلا الحالين يكون غمطًا للحق وتشويهًا للتاريخ ، وتضليلاً للذين يدرسون التاريخ يريدون أن ينتفعوا من دراسته . ومركز الدعوة قبيل قيام الثورة وعند قيامها أمام الرأي العام المصري والخارجي ، وإن كنا قد حاولنا إبقاءه حقه من التوضيح والبيان ، فإن هذا الجانب من صورة الإخوان المسلمين جانب ظاهر ومعروف ومشهور للكافة الذين عاصروه ، ومسجل في الصحف والكتب ليطلع عليه من لم يعاصروه .. أما الجانب الآخر للصورة من داخلها فهو الجانب الغامض المعقد المغلق ، الذي يقف أكثر المؤرخين عاجزين عن الغوص وراء أسراره ، وقد يلجأ بعضهم إلي التأويل والتفسير ، وقد يلجأ آخرون إلي انتهاز هذا الغموض فرصة للخلط والتحريف والاختلاق .. ونمن هنا كان حقًا علينا أن نجلي هذه الناحية بالقدر الذي مكنتنا في هذه الدعوة من رؤيته . ونظرتنا هذه من الداخل تتناول موقفين : موقف أولي القوة ، وموقف أولي القربى .

موقف أولي القوة :

سبق لنا القول بأن النظام الخاص (أولي القوة) في أواخر أيام الأستاذ الإمام – رحمه الله – قد خرج علي الخط المرسوم له ، وأتي أفعالاً لا تتواءم مع وسائل الدعوة ولا مع أهدافها ، دون الرجوع في شأنها إلي الأستاذ الإمام ؛ مما جعل الدعوة والأستاذ الإمام في أحرج المواقف ، وأشرنا إلي عزم الأستاذ الإمام علي إعادة النظر في هذا النظام ، لولا أن تفاقمت الظروف وعاجلته المنية ولقي – رحمه الله – ربه والإخوان في السجون والمعتقلات . وذكرنا في موضع آخر من الجزء الثاني من هذه المذكرات ، عند الحديث عن الظروف التي أحاطت بالبحث عن مرشد عام جديد أنه كان هناك تياران أطلا برأسيهما في ذلك الوقت ، هما (تيار أولي القربى وتيار أولي القوة) وذكرنا أن تيار أولي القربى قد انسحب من الميدان بعد قليل ، ولكن تيار أولي القوة كان له موقف آخر ، ووعدنا ببسط هذا الموقف فيما بعد . وقد آن لنا أن ننجز هذا الوعد حيث جاء موضعه فنقول :

خرج الإخوان من السجون والمعتقلات ، وعاد كل منهم إلي بلده وإلي أهله وإلي عمله ، خرجوا موحدي الشعور ، ينبضون بنبض واحد ، وينطلقون بلسان واحد ، ويتجهون وجهة واحدة ، يتجهون إلي القاهرة ، حيث قيادتهم ، ينتظرون منها التوجيهات ، ويتلقون منها التعليمات . خرج الصف الإخواني سليمًا معافى كأنما لم تمر به محنة ، ولم تنزل به كارثة – صحيح أنهم لم يكونوا قد استردوا دورهم ولا أموالهم ولا مستوصفاتهم ولا مدارسهم ولا مصانعهم بعد ، ولكن الرابطة الأخوية – التي كان مقصودًا من كل ما نزل بهم من عذاب وتنكيل تفتيتها – خرجت من المحنة أقوى مما كانت .. وهذه الرابطة هي العروة الوثقى .

ولكن الشيطان الذي أعجزه أن يفتن الإخوان عن دينهم بالسجن والحديد والنار استدار حولهم ؛ لعله يجد له منفذًا منه إلي صفوفهم المتراصة كالبنيان المرصوص ، فلم يجد إلا منفذًا واحدًا أن ينفخ فيه ، وينفث سمومه منه ، وكان هذا المنفذ هو تيار أولي القوة . وقبل الشروع في الحديث عن هذا الموقف يجدر بي أن أضع بين يدي القارئ حقيقة ينبغي تجليتها ، تلك هي أن النظام الخاص أو الجهاز السري – كما يحلو للبعض أن يسموه – الذي تناولنا الحديث عنه في الجزء الأول من هذه المذكرات نشأة ووظيفة ودورًا في الدعوة – قد أدي دوره في مختلف أطوارها خير أداء ، وكان مثلاً رائعًا مشرفًا في كل ميدان انتدب للنهوض بأعباء فيه ، ففي داخل مصر حمل العبء الأكبر من مطاردة الاحتلال البريطاني حتى طرده من القاهرة ، ثم لاحقه في القنال حتى أطار من عيون جنوده النوم .. وفي خارج مصر حمل العبء الأكبر في حرب فلسطين ، حيث سجل بطولات وألوانًا من الشجاعة والتضحية والفداء بهرت العالم كله . وظل هذا الأسلوب ديدن هذا النظام ، فكان دائمًا الجندي اليقظ ، والحارس الأمين لدعوته ولبلاده ولمثله التي بايع عليها ، وأعطي العهد علي الوفاء بها .

لكن فئة قليلة ضمت بعض المتصدرين في هذا النظام لعب الشيطان برءوسهم ، فاشرأبت نفوسهم إلي متاع الحياة الدنيا ، وأرادت الانحراف بهذا النظام عن طبيعته الصافية المستقيمة .. وما كان ينبغي أن يكون فئة قليلة وسط هذه الجموع الزاخرة من المجاهدين الصادقين وزن يثير الاهتمام ويبعث علي القلق – لولا أن رئيس هذا النظام كان علي رأس هذه الفئة القليلة . ومجتمعاتنا – نحن الشرقيين – لا تأتي معاناتها في أكثر الأحيان إلا من رؤساء لما تمكنوا واستقرت لهم الأمور ، نسوا تاريخهم ، وقلبوا لمجتمعاتهم ظهر المحن . وصار هدفهم الأوحد الخلود في مناصبهم مهما كان في تحقيق هذا الهدف دمار هذه المجتمعات .

وانحرف هذا الرئيس وإعجابه برأيه لم يكن وليد هذه الظروف التي سوف تشرع في الكلام عنها ، وإنما بدأ قبل محنة 1948 بفترة قصيرة .. وكانت قيادة الدعوة في ذلك الوقت عازمة علي حسم هذا الموقف ، ولكن حال دون ذلك خطوب ملحَّة جسام ، كان علي الدعوة أن تواجهها قبل كل شيء .. وقد بسطنا الحديث عن هذه الخطوب في الجزأين السابقين .. وقد انتهت مواجهة هذه الخطوب بالمحنة المدبرة . وانجلت المعركة غير المتكافئة ، وخرجت الدعوة الربانية من البلاء خروج السيف من الجلاء .. وظننا أن التجربة القاسية قد أصلحت ما تطرق إلي بعض النفوس من فساد ، وردت المنحرف إلي جادة الصواب .. ولكن تبين بعد ذلك أن شهوة السلطة ولذة المنصب كانت أقوي من أن تطفئ نارها التجربة القاسية .

كنت في تلك الأثناء بعيدًا عن القاهرة ، مقيمًا في الصعيد في بني مزار ، ولم أكن أجهل أخبار القاهرة ، ولكنني لم أكن أعلم بتفاصيلها . وكنت مطمئنًا إلي سهر الإخوة الكرام أعضاء مكتب الإرشاد علي الدعوة بحكمة وإحاطة وتبصر ، لاسيما وأن أكثرهم قد ضربوا أروع المثل في نكران الذات والتفاني في الدعوة ، فقد أعلنوا جميعًا خلع أنفسهم من التصدي لمنصب المرشد العام عدا اثنين يمثل أحدهما ذوي القربى ويمثل الآخر أولي القوة . كما أنني لم أكن قد نسيت مأساة اغتيال الخازندار ، فإنها لم تكن في عرف قيادة الدعوة ، وانطلاق في جموح .. ولازال يطن في أذني صوت الأستاذ الإمام يجأر بالشكوى إلي الله من تصرف رئيس هذا النظام .. ولولا ما عاجل الدعوة من ظروف قاسية تواترت عليها في تلك الفترة لكان له معه موقف حاسم . لم أكن أجهل شيئًا من ذلك ، ولكنني كنت أعتقد أن ما مر بنا من محن كان كفيلاً أن يقوَّم ما طرأ علينا من اعوجاج ، وأن يعود بالذين ضل بهم الطريق إلي الطريق السوي .. ولكنني فوجئت بأنني مطلوب في القاهرة .. وعندما وصلت إليها أبلغت بأن هناك شغبًا قد يودي بالدعوة من داخلها

كان الإخوان في ذلك الوقت قد اتخذوا لهم مقرًا مؤقتًا غير رسمي في منزل قديم بالعباسية ، يلحق به فناء كان حديقة في يوم من الأيام ، فاتجهت إليه حيث التقيت بالأخ عبد العزيز كامل .. فقص عليّ الأخ عبد العزيز تفاصيل الموقف ، التي تتلخص في أن إخوان النظام الخاص لا يوافقون علي أن يتولي منصب المرشد العام إلا من يرشحونه هم ، بحجة أنهم هم الذين تحملوا أشد المواقف ، وبذلوا أعظم التضحيات – وأخبرني الأخ عبد العزيز بأنهم قرروا ترشيح الأخ صالح عشماوي . سألت عن الأخ صالح فقيل لي : إنك تجده في المسجد القريب مقيمًا به لا يكاد يفارقه – فدخلت المسجد – ولم يكن وقت صلاة ، فوجدت صالحًا قد أعفي لحيته – ولم يكن قد أعفاها من قبل – واتخذ له المسجد مكانًا أشبه بالخلوة .. فسلمت عليه وجلست معه ، وتحدثت معه في موضوع المرشد العام .. فقال لي : يا أخي محمود .. أنا ما أردتها ولكن إخوان النظام رشحوني ، وما كان لي أن أخالفهم – وقد أحسست من حديثه ومن حالته التي رأيته عليها أنه جاد في الأمر ، وأنه يعد نفسه إعدادًا روحيًا حتى يكون جديرًا بالمنصب .

أما من ناحيتي لن أجد في نفسي غضاضة أن أبايع صالحًا وأن أسمع له وأطيع – وقد صارحته بذلك .. ولكن الموضوع لم يكن بمثل هذه البساطة .. إذ هناك أمران خطيران يستتران وراء ترشيح صالح : أولهما أن الإخوة الكرام أعضاء مكتب الإرشاد الذين خلعوا أنفسهم رجاء اجتياز الدعوة الظروف التي تحدثت عنها – وإذا رأوا صالحًا يتقدم للمنصب فإنهم سيعدلون عن خلع أنفسهم ويتقدمون للمنصب الذي قد يري كل منهم أنه أحق به من صالح .. وهنا تتفرق الجماعة ويذهب ريحها . وأما الأمر الخطير الآخر – وقد يكون هو الأشد خطورة – فهو الوسيلة التي رشح صالح عن طريقها .. إن مبدأ تسلط طائفة من طوائف الجماعة وإلزامها برأيهم تحت تأثير القوة هو مبدأ خطير ومدمر ، وقد يؤدي إلي إلغاء شخصية الجماعة ويحولها إلي مجموعة من المغامرين وقطاع الطرق .

وقد أحسست بعد لقائي بصالح وإصراره علي موقفه بأن عليّ واجبًا لابد أن أقوم به – وقد أكون لظروف معينة أقدر علي القيام به من غيري – ولم يكن هذا الواجب إلا عملاً إيجابيًا واحدًا .. هو مواجهة هذه الطائفة .. وأنا وإن كنت بعدت عن النظام الخاص للظروف التي ذكرت طرفًا منها ، فإنني أحتفظ بعلاقات طيبة مع أكثر قياداته وكثير من أفراده .. وكانت قيادات هذا النظام وعلي رأسهم عبد الرحمن السندي ينظرون إليّ باعتباري أخا أكبر ؛ يرجعون إليه فيما يختلفون فيه . سألت عن عبد الرحمن لأتحدث إليه فأخبرت بأنه غير موجود – ولعله قد بلغه نبأ استدعائي فآثر ألا يلقاني اتقاء الحرج – ولم أجد إلا نائبه الأخ أحمد زكي ومعه مجموعة من أفراد النظام .. وأخبرني الأخ عبد العزيز بأن قيادة النظام قد احتلت هذه الدار واتخذتها مقرًا لها . وأنها تطارد كل من يفكر تفكيرًا يخالف تفكيرهم في اختيار المرشد ، حتى إنه لم يعد أحد غير أفرادهم يجرؤ أن تطأ قدمه هذه الدار ، وأخبرني أنه يئس من حملهن علي العدول عن فكرتهم أو حتى علي التخفيف من هذه القيود .

ورأيتهم فعلاً قد فرضوا نظامًا صارمًا ينفر منه من ألف الجو الإخواني المفتوح المشبع بروح الإخاء والمحبة والود .. حتى إنني حين طلبت مقابلة الأخ أحمد زكي أرادوا إخضاعي لهذا النظام المنفر ، لاسيما والأفراد المكلفون بتنفيذه من صغار الأفراد الذين لا يعرفون كثيرًا من الإخوان ، وقد زادني ما قوبلت به من صلف حنقًا علي تصرفهم .. وكان الحديث عن هذا الصلف والجفاء هو أول حديثي مع الأخ أحمد زكي وقلت له : إذا كان الذين سيقودون الإخوان علي مثل هذا الجفاء والصلف فإنهم سيوردون الإخوان موارد الهلاك ، وسيكونون أنكي علي الدعوة من أل أعدائها . وتحدثت إليه حديثًا طويلاً بينت له فيه خطأ الاتجاه الذي عزموا علي السير فيه ، وخطورة نتائجه ، وختمت حديثي معه بقولي : إنني يا أحمد – كما تعلم – أحد الذين أسسوا هذا النظام .. ولكنني سأكون أول من يعمل علي تعويضه إذا كان يريد أن يفرض نفسه علي الدعوة .. وإذا كان أفراد من هذا النظام يطالبون بأن ينالوا مناصب في الدعوة لقاء ما قدموا وما تحملوا من تضحيات ومتاعب ، فإن النظام يكون قد حل نفسه بنفسه ؛ لأنهم يكونون قد نكثوا العهد الذي أخذه كل فرد منهم علي نفسه يوم أعطي البيعة أن يقدم روحه وماله لله ، ومعني ذلك في أبسط معانيه أنه لا ينتظر علي ذلك أجرًا ولا منصبًا ولا حتى الثناء يسمعه من الناس .

وكان الأخ ينصت إليّ باهتمام لما يعرف عن مدي ما أحظي به من تقدير الكثرة الغالبة من قادة النظام ، ومقدار ما أتمتع به من حبهم وثقتهم ، كما يعلم أنني لا أسعي إلي كسب شخصي ولا أقصد فيما أقول وأفعل إلا وجه الله .. وقد طلبت إليه إبلاغ الأخ عبد الرحمن بكل كلمة قلتها ، وأن يبلغه أنني سأكون في انتظاره في هذا المكان في نفس الموعد من الغد إن شاء الله . وحضرت في الموعد فوجدت الأخ أحمد الذي أبلغني بأن عبد الرحمن قد اقتنع وقال : ما كان لنا أن نخالف أخانا الكبير .. كما أخبرني أحمد بأن عبد الرحمن يعتذر عن الحضور ؛ لأنه سيكون خارج القاهرة لموعد سابق .. فعلمت أنه يتفادى مواجهتي في مثل هذا الموقف . ولم يكن لقاؤه يعنيني ،وإنما الذي كان يعنيني هو أن أري ما يدل علي عدولهم عن موقفهم .. فرأيت الأخ أحمد قد أصدر أمرًا إلي الأفراد الذين كانوا يتناوبون الحراسة بالانصراف ، كما أعلن أمامهم العدول عن خطتهم ، وترك الأمر لجمهور الإخوان لاختيار من يشاءون مرشدًا ، وأنه سيكونون في ركب من يقع عليه اختيار الإخوان . وكان الإخوان قد وقع اختيارهم علي الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي مرشدًا عامًا – وقد سبق في الجزء الثاني من هذا الكتاب ذكر ذلك بإفاضة – فلما علم الإخوان بجلاء إخوان النظام الخاص عن المكان وعدولهم عن خطتهم ، دعوا الأستاذ الهضيبي لزيارة هذا المركز العام المؤقت ، فجاء في اليوم التالي في مجموعة من كبار الإخوان ، وكنت في استقباله .. وكانت هذه المرة هي المرة الثانية التي ألقاه فيها .

وسعدت مع من سعد من الإخوان بهذه النتيجة ، معتقدًا أن إخواننا هؤلاء من قادة النظام الخاص قد سلموا بخطتهم عن اقتناع ، وأن المشكلة بذلك قد وصلت إلي نهايتها المأمولة .. وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين .. لقد اختفت هذه النزعة ، وبدت أمور الدعوة مستقرة ، واستأنفت السفينة سيرها في بحر هادئ ، وأخذت الدعوة تحقق كل يوم تقدمًا ونصرًا ، حتى احتلت مكان الصدارة في المجتمع المصري والعربي والإسلامي . وتألقت الدعوة في سماء مصر ، وشدت جميع الأنظار إليها .. تتطلع إليها في شوق وتلهف أنه قد حانت ساعة الخلاص ، وتحقق للناس ما طال انتظارهم له فقد قامت الثورة ، ولم يكن أحد يشك في أنها ثمرة جهود ربع قرن ، ثم فيه إيقاظ الشعب وتربيته وتثقيفه وتنظيمه .. وكان الأمر فعلاً كما اعتقد الناس ، ولكن لم يكن أحد يعلم أن هؤلاء الذين ظهروا علي المسرح من الإخوان ، كانوا يكنون في قرارة نفوسهم غدرًا بالدعوة التي تربوا في أحضانها وقامت حركتهم في كنفها وحمايتها .. وسرعان ما وضع الخلاف بين هؤلاء وبين قيادة دعوتهم .. ولما كان لهذا الخلاف آثار بعيدة المدى علي ما نحن بصدده في هذا الفصل مما يتصل بأولي القوة فقد نقف في الحديث عند هذا الحد لنستأنفه إن شاء الله في مواضع قادمة ، فقد يطول ويطول .

موقف أولي القربى :

تحدثنا في الجزء الثاني من هذه المذكرات عن موقف أولي القربى عند البحث عن خليفة للأستاذ الإمام ، وقلنا إن أحد هؤلاء وهو الأستاذ عبد الحكيم عابدين خلع نفسه من التصدي لهذا المنصب ، ولكن الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الإمام أعلن أنه يري نفسه أحق بأن يخلف شقيقه في منصبه بالدعوة .. فلما رأي أن جميع من حوله من المسئولين لا يقرون هذا الاتجاه انسحب من الميدان .. ولكن يبدو أن انسحابه هذا لم يكن عن اقتناع ، أو بمعني أدق : انسحب وفي النفس شيء أو أشياء . أما الأستاذ عبد الرحمن نفسه فلم يحاول أن يتصدي للمرشد الجديد بعداء ، ولم يتصرف تصرفًا يؤخذ عليه ، ولكنه انكمش انكماشًا أحس معه جمهور الإخوان بأنه غير راض عن هذا الوضع الجديد ، وبأنه يسير في ركاب الدعوة سير صاحب الحق المغلوب علي أمره . علي أن هذا الموقف من الأستاذ عبد الرحمن لم يكن ليضير الإخوان في شيء ، فالعاملون في الدعوة كثيرون ، وإن كان المطلوب ألا يكون في نفس الأخ وهو يسير في ركاب الدعوة حرج.

ولكن الذي حدث هو أن رأي الإخوان بعض أشقاء الأستاذ الإمام الآخرين قد وقفوا موقفًا ، واتخذوا لهم أسلوبًا غير كريم ، حتى إن أحدهم نشر في الصحف كلامًا مثيرًا ما كان لرجل منتسب إلي حسن البنا أن يفوه به . وقد شكل هذا الموقف ثغرة في البناء ، كان يسترها لبنات لا يراها الرائي مستقرة بل يراها قلقة في موضعها غير مستقرة ولا مشدودة بأخواتها ولا ملتحمة (معهن) وكأنها بوضعها هذا تقول لدعاة التخريب : هأنذا ، ومن هنا فابدأوا .

وسيري القارئ إن شاء الله – مع الأسف – أن هذه الثغرة كانت فعلاً نقطة ضعف في البناء الإخواني ، وكانت هذه المجموعة من أصحاب هذا التيار موضع استقطاب من كل من حاول تخريب هذا البناء .. نعم ، إنها كانت فئة قليلة العدد ، ولكنها كانت عظيمة الخطر ؛ لأنها اتُخذت شعارًا ، واستعارها المخربون رمزًا ، واصطنعوا منها ستارًا يسترون وراءه خبث نياتهم وسوء سريرتهم . وبالرغم من الإساءات التي صدرت من بعض إخوة الأستاذ الإمام ، فإن الإخوان لم يتخذوا أي إجراء ينتقصون به من قدر الأستاذ عبد الرحمن ، فقد كانوا حريصين علي أن يرعوا له ماضيه في الدعوة ، ويكرموا في شخصه شقيقه الإمام ، فاحتفظوا له بمكانه في الهيئة التأسيسية وفي مكتب الإرشاد ، وكان موضع حبهم واحترامهم . ولكن هذا التطاول علي صفحات الصحف من بعض إخوته قد أغضب الكثيرين من الإخوان في كل مكان ، فأساءوا الظن بكل من يمت إلي هؤلاء بصلة قرابة ، فأساءوا بذلك إلي إخوان كرام بغير جريرة هذه القرابة ، في حين كانوا من أخلص الناس لدعوتهم لا يعدلون بها شيئًا من قرابة أو نسب .. وأعرف من هؤلاء الإخوان أخًا كريمًا وداعية كبيرًا بمكتب إداري البحيرة هو الأستاذ معروف بدر ، وكان كل ذنبه أنه من قرية في مركز فوة ملاصقة لشمشيرة القرية التي نشأ بها الأستاذ الإمام ، وتربط أسرته بأسرة الإمام آصرة قرابة .. أُخِذَ بهذه الجريرة ، فطورد ونظر إليه شزرًا ، وأبعد عن الوسط الإخواني في ذلك الوقت ، مع أني أعرف أنه برئ كل البراءة من هذه التهمة ..ولكن الفترة كانت حالكة ، والحساسيات كانت مسيطرة علي الأعصاب ، والجو كان مشحونًا بالتوتر.

الباب الثاني : معالم الخلاف


الفصل الأول :الحكم بكتاب الله

هذه قضية فات أوان أن يرفضها حاكم رفضًا صريحًا .. نعم ، جاء علي بلادنا وقت كان الناس يعتبرون مجرد إثارتها نوعًا من الهذيان والرجعية ، ولكن مع جهود أكثر من عشرين عامًا بذلها الإخوان في الالتحام بمختلف طبقات الشعب ، وتبصيره وتثقيفه أخذت هذه الفكرة الدخيلة المسئولية علي النفوس والعقول تنقشع شيئًا فشيئًا حتى زالت هذه الفكرة الدخيلة تمامًا ، وحل محلها الاقتناع بأن الحكم بكتاب الله هو الحكم الأمثل ، وأن الشريعة الإسلامية هي السماء التي لا تطاولها سماء في عالم التشريع أيا كان مصدر هذا التشريع . استقر هذا الشعور في نفوس الحاكم والمحكوم علي السواء .. أما المحكوم فإنه يطالب بالحكم بالشريعة الإسلامية ؛ لأنه سيعود بالخير عليه وعلي المجتمع .. وأما الحاكم وإن كان مقتنعًا بها ، فإن بريق السلطة المطلقة التي لا يحدها قيد ، يتلألأ بين عينيه فيبهره ويزيغ بصره ، وتتراءى له هذه الشريعة عائقًا يحد من سلطته .

وقد تبين للقارئ مما سبق أن الفئة من الإخوان الذين اشتركوا مع جمال في التحضير للقيام بالثورة كانت فئة محدودة العدد ، وهذا هو التكتيك السليم في مثل هذه الأمور الخطيرة التي يكون عنصر السرية فيها أهم عناصر نجاحها .. وهكذا فوجئ الإخوان في كل مكان بقيام الثورة ، ثم اطمأنوا عقب ذلك في الحال إلي أنها ثورتهم .. وأخذ الإخوان في جميع أنحاء العالم يستبشرون ويهنئ بعضهم بعضًا لا بأن الحكم قد آل إليهم وإنما بأن الحكم بكتاب الله قد آن له أن يتحقق . وهو الأمل المنشود ، والهدف الذي من أجل الوصول إليه اقتحم الإخوان الأهوال ، واستعذبوا مرارة الموت . كان الإخوان في شعور غامر من السعادة وخف كثير منهم إلي أعضاء مجلس الثورة يتبادلون العناق والقبلات ، ولكن المرشد العام عرف كيف يستغل جمال عبد الناصر طبيعة تكتيك الثورات من ضآلة عدد المشتركين في الإعداد لها ، كما استغل ما اتفق عليه من نفس المرشد علاقة الثورة بالإخوان حرصًا عليها ، وبناء علي ذلك استطاع أن يتملص من العهود والمواثيق .. وإزاء ذلك رأي المرشد العام نفسه أمام حكومة غير ملتزمة ، وأن عليه أن يتعامل معها برفق ، وأن يتقدم إليها – علي أساس أنها مجرد حركة إصلاحية – داعيا إلي الحكم بالقرآن ؛ شارحًا لها مزايا ذلك الحكم ، وموضحًا لها أن هذا الحكم لا يتعارض مع وجود أجناس وأديان أخري في البلاد ، داعمًا شرحه بالحجج والأسانيد ، ومزيلاً ما عسي أن يثار من شبه حول عدالة الحكم الإسلامي حيث يتمشي مع العقل وطبيعة الحياة .

ولقد انتهز المرشد فرصة حلول ذكرى المولد النبوي وفي عام 1952 فأقام حفلاً بهذه المناسبة بالمركز العام دعا إليه رجال الثورة فحضر محمد نجيب وجمال عبد الناصر وعدد آخر ، كما حضره الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر وقد ألقي المرشد العام كلمة جامعة ضافية ، جاء فيها :

" ولسنا نطالب الأخذ بكتاب الله لنشتفي بالعقوبات الصارمة التي سنها الله تعالي ، بل نطلب الأخذ به كُلا لا يقبل التجزئة ؛ لأنه ما من حكم فيه إلا وهو مترتب علي أحكامه الأخرى ، ولا تجد عقوبة إلا وقد سدت الذريعة إليها وأسقط عذر الجاني في جنايتها . وأول ذلك : التعليم وهو واجب علي كل مسلم ومسلمة ، وحق لهما لا يجوز أن يحرما منه . وعلي ولي الأمر أن يهيئ لهما أسباب تعلم الإسلام وأحكامه وبلوغ دعوته إلي الناس . وهذا فرض عين علي كل أحد ، ويجب أن تكون مهمة التعليم الأولي وهي تعلم إقامة الوازع النفسي في الناس حتى يكون إقبالهم علي طاعة الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة مبنيًا علي هذا الوازع ، فإذا غاب الوازع عن بعض الناس جاء دور العقوبة .

وقد ذكر الله تعالي العقوبات في آيات معدودات ولم يذكرها إلا مرة واحدة ، ولكن القرآن ملئ بمناجاة النفوس وحضها علي الخير والبر والأخلاق الفاضلة ، وعلي ولي الأمر كذلك أن يهيئ لهما أسباب العلوم الأخرى التي تحتاج إليها الأمة في شئون حياتها ؛ من زراعة وتجارة وطب وهندسة وطيران وفنون حرب إلي غير ذلك . وهذا فرض علي الكفاية يلزم المسلمين جميعًا ، ولا يسقط عنهم إثم تركه إلا حين يتعلم منهم من يسد حاجة الأمة في كل فن . والواجب الثاني علي وليّ الأمر هو أن يسهر علي توفير الأرزاق للناس ، فإن شريعة الله تقتضي بأن يكون لكل إنسان في الدولة مسلمًا كان أو غير مسلم الحق في منزل يرد عنه حر الصيف وبرد الشتاء ، ويمنع عنه الأعداء والمتطفلين ، والغذاء الذي لابد منه لحفظ كيانه وصحته ، والكساء الذي لابد منه للشتاء والصيف ، والعلاج الذي يلزمه إذا مرض .

هذه حقوق لازمة في عنق الدولة ، وليست صدقات يأتيها الناس أو لا يأتونها – والسبيل إلي توفيرها لهم العمل ، فكل إنسان عليه واجب الحصول علي عيشه من طريق العمل خلال بحسب ما تؤهله له مواهبه ، وتهيئه له ظروف حياته ، ويجبر علي العمل إذا هو قعد عنه ، فالإسلام لا يحب القاعدين فإذا كان عمل العامل لا يكفيه أو لم يجد عملاً أو كان غير قادر علي العمل أصلاً فهو في كفالة المسلمين عامة – في كفالة الدولة – تمده بما يحتاج إليه أو نقص من حاجاته الضرورية .

• الزكاة : وسبيل ذلك الزكاة التي يجب علي كل مسلم أن يؤديها ، ويجب علي الحكومة أن تحصلها ، وللفقراء حق معلوم فيها لا يجوز بحال من الأحوال أن يحرموا منه ، ولا أن ينتقص شيء منه قبل أن يستوفوا حقوقهم التي ذكرناها . فإذا لم تكف الزكاة فقد أصبح علي كل من عنده فضل من المسلمين أن يعود به علي إخوانه في الإنسانية بما يوفر لهم حاجاتهم . والحاكم مسئول أن يوفر له ذلك ، والزكاة تصرف في المكان الذي جمعت فيه ، ولا تنقل إلي جهة أخري إلا إذا استغني أهل الجهة التي جمعت فيها – وهو أحدث ما أخذ به في معالجة الفقر في الأزمنة الحديثة . أما تنظيم ذلك كله فهو من الأمور التي تخضع لظروف الزمان والمكان .

وهكذا أيها الإخوان ، رفع الإسلام الحياة الاجتماعية للناس بالعلم وبلوغ الدعوة وإعطاء الفقير حقه ، ويعالج الأمور من أساسها بطريقة عادلة ميسورة – ثم هو يطلق القوى والمواهب لتحصيل العيش كما يريد الإنسان – للمسلم أن يجمع من الثروة ما شاء بشرط أن يكون من حلال ، وكل واحد من المسلمين له حق في أن يجمع من الثورة ما شاء ، بشرط أن يكسب ماله من حلال وينفقه في الحلال ، فلا يباح لأحد أن يصرف في غير الأوجه التي أحلها الله تعالي ، فلا خمر ولا ميسر ولا شيء مما تعارف الناس علي عدّه من المباحات ، فإذا فعل ذلك وادي حق الله فيه ، فإن الإسلام يحمي ماله ويقطع اليد التي تمتد إليه .

• عقوبة السارق : إن عقوبة السرقة التي يرتجف منها الناس عقوبة فيها غاية الرحمة بالناس ، لأنه لا يصح إنزالها بالسارق إلا إذا استوفي حقوقه التي ذكرناها كلها ووفر له المجتمع تعليمه ولباسه وطعامه ومسكنه وعلاجه ، بل وسد عنه دينه ، وهي بعد عقوبة رادعة تمنع البغاة الذين نالوا حقوقهم من الجماعة من أن يفكروا في السرقة ، ومن فعل منهم فعليه الجزاء .

• ست مرات : وتاريخ المسلمين أن يهيئوا للناس تلك الحياة الاجتماعية النظيفة الراقية ، وجدوا أن عقوبة القطع لا تتفق مع أحوال المسلمين فمنعوها ، وهم علي حق في منعها ، ولكنهم كانوا بغاة ظالمين في حرمانهم الناس من حقوقهم في التعليم وضروريات الحياة ، وكانوا بذلك مسئولين عن تعطيل حدود الله .

• الربا : إن بعض علماء الانجليز والألمان تقدوا نظام الفائدة ، وردوا إليه الاضطرابات في أحوال العالم الاقتصادية واقترحوا إلغاءه بالتدرج – وهم في ذلك يعودون إلي أصول الأديان من عدم التعامل بالربا . وإن كانوا يبنون آراءهم علي فكرة تنمية الأعمال الاقتصادية في العالم . وما من شك في أن مقدور العقل الإنساني أن يحل من المعاملات الناجحة في الاقتصاد ما يغني عن الربا .

• حركة الجيش : أيها الإخوان . إن حركة الجيش قد تمت بنجاح ، ويجب أن تستمر بنجاح ، ويجب أن يجد الناس في الإخوان المسلمين قومًا يعملون ولا يتكلمون ، ويحقون الحق ويبطلون الباطل ولو كره الناس أجمعون .

هذا ما اقتطعناه من كلمة المرشد العام أمام رجال الثورة . ولعل القارئ يلاحظ فيها ما أشرنا إليه من قبل أنها كلمة جمعت بين الحث علي الأخذ بكتاب الله وبين الإقناع العقلي ، الذي لو وجه إلي حاكم غير مسلم لتاقت نفسه أن يسعد شعبه بمزايا هذا النظام العادل الحكيم . ويذكرنا هذا بقول الحكيم الذي لما عرض عليه الإسلام سأل عن عدة أمور معينة ، فلما أجيب عليها بما جاء به الإسلام قال : " لو لم يكن هذا دينًا لكان في أخلاق الرجال حسنًا " .


الفصل الثاني : علاقة الحكم بالجيش

من الطبيعي حين يقوم جيش بانقلاب أو ثورة أن يقوم بتصدر جهاز الحكم فيه أول الأمر فئة من أفراده ، حتى إذا استقرت الأمور ، وشعر الجيش بتأييد شامل من الشعب ، كان علي الجيش أن يرجع إلي ثكناته ويسلم قيادة الأمور إلي الشعب ممثلاً في أفراد منه يري فيهم الشعب الكفاءة والأمانة يصعدهم إلي مناصب الحكم بمحض إرادته المتحررة من كل خوف وبالطرق الديمقراطية السليمة . كان هذا هو ما دار في خلد كل مصري حين قامت الثورة . وما كان غير هذا يمكن أن يدور في خلد أحد ؛ لأن الثورات إنما تقوم لترد للشعوب حريتها المسلوبة ، ولترسي دعائم الحكم الصالح النابع من إرادة هذه الشعوب . ولكن الذي حدث – وكان مفاجأة ل الإخوان كما جاء في الفصل الأول – أن الإخوان وجدوا أن جمال عبد الناصر متشبث بأهداب الحكم ، مُصِر علي إبقائه في حوزته ، وأن فكرة التخلي عن الحكم قد استبعدت تمامًا ، فماذا كان موقف الإخوان حيال هذا التحول المفاجئ ؟ .


• نظرية المرشد العام :

كان ل المرشد العام في هذا الصدد نظرية مقنعة ملخصها : أن الشعوب إذا ابتليت بحاكم ظالم تبذل جهدها في مقاومة ظلمه بجميع وسائل المقاومة ، حتى إذا فشلت كل جهودها لم يبق أمامها من ملجأ تلجأ إليه وملاذ أخير تستغيث به إلا الجيش .. فالجيش هو الملجأ الأخير لإنقاذ الشعب .. فإذا كان الجيش هو الحاكم واستبد وظلم فإلي من يلجأ الشعب لإنقاذه ؟ . كان هذا هو منطق المرشد العام الذي خاطب به أعضاء مجلس الثورة .. خاطب به جمال عبد الناصر ثم خاطب به كل عضو علي حدة .. ولما كانت هذه قضية منطقية مسلمًا بصحتها يتصوروا – ماداموا هم الحاكمين – أن يصدر منهم ظلم أو أن يجد الحيف أو الاستبداد إليهم سبيلاً ؛ لأنهم ما قاموا بالثورة إلا للقضاء علي الظلم والاستبداد ، فكيف يقارفون ما قاموا هم للقضاء عليه ؟ .

ولكي لا تقع تصوراتهم هذه علي القارئ موقع الاستغراب ، ينبغي أن يستحضر القارئ في خاطره صورة مجموعة من الشباب لم يجاوز أكثرهم العقد الثالث من العمر ، لا خبرة لهم بالحياة ، وليسوا علي نصيب يذكر من الدراسة العميقة أو الثقافة المستوعبة ، وفي أحناء صدورهم قلوب نابضة بحب بلادهم .. ومع ذلك لا تبرئهم من نفثة شيطان نفخها في نفوسهم غرور السلطة المفاجئة ، التي وجدوا مقاليدها قد ألقيت إليهم مطلقة دون قيد أو شرط ودون محاسب ودون معقب . وبهذا الصدد ننقل للقارئ الكريم ما جاء علي لسان أحد هذه المجموعة في خطبة ألقاها في هيئة التحرير ب كفر الشيخ 18/4/1953 فيقول حسين الشافعي عن نفسه وعن زملائه : " إن الذين بايعوا الله وباعوا أرواحهم يوم 23 يوليو لن يتغيروا حتى يصلوا بالبلاد إلي ما اعقدوا العزم عليه . بل إنهم سيعودون إلي أماكنهم بمجرد إتمام رسالتهم ، وعندما يتأكدون من أن الشعب أصبح قادرًا بحق علي تولي زمام نفسه علي أساس من الديمقراطية الحقة " . هكذا كان اعتقادحسين الشافعي واعتقاد زملائه أنهم لن يتغيروا .. ولا أدري هل كان جمال عبد الناصر يعتقد أيضًا هذا الاعتقاد ؟ .

أخذت هذه القضية فترة غير قصيرة من الزمن ، كان خلالها مناقشات ومراجعات بين أعضاء المجلس بعضهم وبعض ، وبينهم وبين رئيسهم جمال . واعتبر جمال إثارة هذه القضية عقبة كبرى ، عله أن يجتازها قبل كل شيء ، فمخططه الذي رسمه في خاطره متوقف علي تفاديها .. وقد راح ضحية تفادي هذه العقبة اثنان من أعضاء المجلس كان لابد من إبعادهما حتى يكون المجلس منسجمًا مع تصور جمال وأفكاره . ولا عجب في إبعاد هذين العضوين ، فقد كانا أكبر الأعضاء سنًا ورتبةً ، وبالتالي كانا أكثرهم خبرة ، وأنضجهم تفكيرًا ، وأبعدهم نظرًا .. وكانا هما العضوين اللذين اقتنعا بما عرضه المرشد من قضية ، ولم يستبعدوا علي هذا المجلس العسكري الذي يدير شئون البلاد باعتبارهم بشرًا كسائر البشر أن تطغي عليهم موجة الغرور بالسلطة المطلقة ، فتنسيهم الغرض السامي الذي دفعهم إلي القيام بالثورة ، ويصير همهم الحرص علي استبقاء هذه السلطة مهما اقتضي ذلك اللجوء إلي وسائل من الظلم لن يعدموا من تبريرها لهم .. وكان هذان العضوان هما القائمقام أحمد شوقي والقائمقام يوسف صديق .

وفاتني أن أذكر أن المرشد العام حين عرض هذه القضية جعل لهم أحد خيارين : أحدهما أن يتخلوا عن كراسي الحكم لمن يختارهم الشعب ويرجعوا هم إلي صفوف الجيش مشكورين .. أما إذا اختاروا الاستمرار في كراسي الحكم : فعليهم في هذه الحالة أن يستقيلوا من الجيش ، ويقطعوا صلتهم به ويصيروا مدنيين .. وفي هذه الحالة أيضًا يرجع الجيش إلي وظيفته حارسًا لحدود البلاد ، لا حارسًا لهم في مناصب الحكم . غير أن هذا كله لم يجد نفعًا فقد رفضوا الخيارين معًا ، وقرروا أن يظلوا حاكمين وأن يظلوا في الجيش ، واقتضي ذلك أن يجعلوا من الجيش آلة طيعة لهم فأخذوا من كل ذي رأي أو شخصية ، وجعلوا مناصبه القيادية في أيديهم . وكان هذا هو الغلاف الجوهري الأول الذي تخطي جمال عبد الناصر بقوة شخصيته أمام زملائه بمجلس الثورة وطغيان نفوذه الروحي عليهم .


الفصل الثالث : المدى الذي يصل إليه الإصلاح الزراعي

مشروع الإصلاح الزراعي من المشاريع التي دار الحديث عنها قبيل الثورة ، وتناولها أعضاء المجلس النيابي في ذلك الوقت بالمناقشة وإن كانوا لم يتخذوا فيها قرارًا . ولما قامت الثورة وجهت جل اهتمامها لوضع هذا المشروع موضع التنفيذ ، كما أن هذا المشروع كان من المشاريع التي تمت دراستها في اللجان المختصة بالمركز العام ل الإخوان المسلمين . ولما طلب رأي الإخوان في المشروع وأبدوا رأيهم فيه ، تبين أن هناك نقطة معينة يختلف الإخوان مع الحكومة حولها ، وهي مقدار الحد الأعلى للملكية ، فالحكومة تراه مائتي فدان و الإخوان يرونه خمسمائة فدان ، ورأي الإخوان في ذلك كان يقوم علي الأسس التالية :

1 – تجنب ما تحدثه الطفرة من آثار ، فالانتقال من الملكيات الضخمة إلي خمسمائة فدان أخف وقعًا علي النفوس من انتقالها إلي مائتين .

2 – أن وضع ملكيات من خمسمائة فدان في أيدي أشخاص قادرين علي الصرف عليها يعود بالخير علي البلاد . أما تفتيت الملكيات ووضعها في أيدي معدمين فسيحرم البلاد من إنتاج هذه الملكيات ويحرم من آلت إليهم كذلك .

3 – أن نظام الميراث الإسلامي سوف يتكفل بتفتيت هذه الملكيات ذوات الخمسمائة فدان ولكن بطريقة غير متعجلة وتدريجية وليس فيها مصادمة للنفوس ، وسيرفع عن كاهل الدولة عبء المساعدات المالية التي يجب أن تقدمها للمعدمين حتى يستطيعوا زراعة ما آل إليهم .

ولعل كثيرين من ذوي الخبرة في الشئون الزراعية والاقتصادية يرون في نظرية الإخوان هذه بما يقنعهم ويقنع كل من يتناول الأمور بالعقل والبصيرة .. ولكن إخواننا هؤلاء من رجال الثورة رفضوا هذا الرأي ولم يروا فيما يسنده من حجيج إلا نكوصًا وتخلفاً وميلاً إلي الإقطاعيين . ولسائل أن يسأل فيقول : إذا سلمنا بأن أعضاء مجلس الثورة في ذلك كانوا حديثي السن ولا خبرة لهم بهذه الشئون ، أفلم يكن لديهم مستشارون متخصصون ذوو خبرة ودراية ؟ ولهذا السائل نقول : كان لديهم الخبراء ، ولكن هؤلاء الخبراء لم يكونوا يجرءون علي إبداء رأي يخالف رأي سادتهم ؛ لما كان لهؤلاء السادة من سلطات تجعل من يخالف لهم رأيا عرضة لأن يلقي به في أعماق السجون أو علي الأقل في الشارع . ولهذا كان هؤلاء الخبراء يفهمون أن مهمتهم تقتصر علي تلتقي آراء هؤلاء السادة وتبنيها وتنفينها وإيجاد مبررات لها .. كما أن هؤلاء السادة كانوا عادة يتخيرون مستشاريهم من هذا الطراز من الناس ذوى الميل الطبيعي لمجاراة الحاكم في آرائه مهما كانت هذه الآراء .

ولا ندري حتى اليوم لماذا أسند جمال عبد الناصر تنفيذ هذا المشروع إلي عضو منهم كلهم يعرفون عنه أنه أشد تطرفًا ، وأخفهم حلمًا ، وتصرفاته أقرب إلي الترف والهوس منها إلي العقل والحكمة مع خطورة هذا المشروع وجسامة ما ينتظر أن يكون له من آثار .. لقد أسند هذا المشروع إلي جمال سالم .

أنموذج من آراء الخبراء العظام :

علي أن البلاد في ذلك الوقت لم نكن قد خلت من علماء أحرار ، رأوا في هذا المشروع بالصورة التي عرض بها عيوبًا خطيرة لا ينبغي السكوت عليها ، كما أن الصحافة كانت لا تزال حرة ، صفحاتها متاحة لذوى الخبرة في مختلف الميادين .. فأدلي بعض هؤلاء إلي الصحف ببحوث ضافية تتناول مناقشة هذه العيوب وأساليب علاجها .. ومن هؤلاء العلماء الدكتور عبد العزيز أحمد الذي كان يعد في ذلك الوقت أعظم الخبراء المختصين ، وكانت له مكانة عالمية .. كتب في هذا الصدد بحثًا قيمًا في هذا المشروع في جريدة " أخبار اليوم " في عددها الصادر في 23/8/1952 بعنوان :

الخطوة الأولي .. والخطوة الثانية

يجب أن يقترن تحديد الملكية بالتوسع الزراعي

نقتطف منه الفقرات التالية :

" وأخيرًا قد خطت الحكومة خطوتها الكبرى في سبيل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بتقريرها مبدأ تحديد الملكية لإزالة الفوارق بين الطبقات " .

• العدالة الاجتماعية :

يعرف كل إنسان أن العدالة الاجتماعية تتحقق بأمرين ؛ الأول : تحديد الملكية الذي ينظم توزيع الثروة الحالية علي السكان توزيعًا عادلاً ، وهذا من شأنه أن يرفع مستوي المعيشة بين الطبقات الفقيرة علي حساب الطبقات الموسرة . والثاني : التوسع الزراعي لزيادة الثروة القومية لرفع مستوي المعيشة بين جميع الطبقات علي السواء .

• الحد الأقصى لتحديد الملكية :

وتحديد الملكية أسرع في التنفيذ لأنه لا يحتاج إلا إلي إصدار القوانين اللازمة ، غير أن اختيار الحد الأقصى للملكية أمر من الصعوبة بمكان ؛ لما قد يترتب عليه في الأوضاع القائمة ، وما قد يترتب علي ذلك من تغير في النظام الاقتصادي ، ليس من الميسور التنبؤ به نظرًا لتعدد العوامل المختلفة المتداخلة فيه ، من ذلك ما قد يحدثه من الأثر في مجموع الإنتاج الزراعي بالزيادة أو النقصان وهو من المسائل الجدلية ، وكذلك ما يتصل به من مسائل الديون والرهونات القائمة ، وغير ذلك مما لا شك أنه لم يغب عن القائمين بوضع ذلك القانون الآن . غير أني أريد أن أتناول موضوع تحديد الملكية من ناحية التنفيذ ، وأبادر إلي القول بأن الحرص والحذر يقتضيان التدرج في تجديد الملكية علي الأقل في اللائحة التنفيذية إن لم يكن في صلب التشريع ، وذلك يجعل الحد الأقصى مرتفعًا بحيث لا يقل عن 500 فدان ؛ حتى تستبين الحكومة أثره الفعلي في اقتصاديات البلاد بصفة عامة ، لاسيما أن تخفيضه فيما بعد ممكن دائمًا بخلاف ما إذا بدئ بالحد المنخفض وأصاب البلاد منه ضرر فإن معالجته تصبح متعذرة .

ويتبين من الإحصاءات أنه إذا حددت الملكية بألف فدان ، فإن مساحة الأرض التي تكون تحت تصرف الحكومة تبلغ (250 ألف فدان) ، وإذا خفض الحد إلي 500 فدان ارتفعت هذه المساحة إلي (410 ألف فدان) ، وإذا خفض الحد إلي 20 فدان كانت المساحة التي تتول إلي الحكومة (740 ألف فدان) . والسؤال المهم هو : كيف تتصرف الحكومة في هذه الأراضي متى أصبح من حقها أن تستولي عليها بمقتضي القانون ؟ وما هي الالتزامات التي تقع عليها من جراء ذلك وكيف يمكن مواجهتها ؟ . • التزامات الحكومة إزاء التحديد :

أولاً : سيكون علي الحكومة أن تدفع أرباح السندات التي تعطي للملاك الأصليين ، علي اعتبار أن للملكية حرمة مقررة في جميع الأديان ، ومكفولة في كل دساتير العالم ، ومنها الدستور المصري الذي نص في المادة التاسعة علي أن : الملكية حرمة فلا ينزع من أحد ملكه إلا بسبب المنفعة العامة وبشرط تعويضه عنه تعويضًا عادلاً .

ثانيًا : سيكون علي الحكومة أن توزع الأراضي علي صغار المزارعين .

ثالثاً : سيكون عليها أن تعاونهم بالسلفيات التي تساعدهم علي الوقوف علي أقدامهم في ملكياتهم الجديدة .

والأمر الأول والثالث ماليان ويتوقفان علي مقدرة الدولة علي الاستجابة لتلك المطالب . أما الأمر الثاني – الخاص بتوزيع الأراضي – فهو أشدهم تعقيدًا ويحتاج إلي مزيد من العناية والدراسة الدقيقة ؛ إذ أن السواد الأعظم من صغار المزارعين لا يتعدي تفكيرهم تدبير شئونهم الخاصة في الدائرة الضيقة التي يعيشون فيها ، ولابد من مرور وقت طويل قبل أن يعتادوا علي إدارة الملكيات التي سوف تصبح في حيازتهم نتيجة لتحديد الملكية ، بل إن كثيرًا من المستأجرين الحاليين يعتمدون علي الملاك ، سواء في جلب البذور أو السماد أو غير ذلك من مطالب الزراعة ، وقد يصاب الإنتاج فينقص فيعجز المزارع عن الوفاء بسداد أقساط الأرض والسلفيات ، كما أن بعض الأراضي غير كاملة الإصلاح ويتولي الملاك الأصليون إصلاحها الآن .

• الصعوبات في توزيع الأراضي :

علي أن الصعوبة الكبرى التي تواجه الحكومة عند التوزيع هي اختيار المزارع الصالح لتمليكه تلك الأراضي ؛ بسبب تفشي الرشوة والمحسوبية في الإدارة الحكومية ، ومن تعتمد عليهم الحكومة في ذلك من العمد والمشايخ وغيرهم مما تعانيه الحكومة الآن في جباية الضرائب وتوزيع أموال الضمان الاجتماعي ، وما حصل فيه من اختيار أشخاص لا حق لهم فيه . وتكون النتيجة إيثار الأقارب والأنصار وربما بعض الأشقياء الذين يخشي العمد والمشايخ بأسهم . والواقع أن مسألة إحكام توزيع تلك الأراضي أمر يتعلق بالأخلاق العامة ، وهي لم تبلغ بعد المستوي اللائق وتدعو إلي المزيد من المراقبة والإشراف الدقيق ، وأمامنا لجان التحقيق في توزيع أراضي مصلحة الأملاك في ضواحي مصر و الإسكندرية ، وقد قضت المصلحة شهورًا طويلة في اختيار الملاك لتوزيع بضعة آلاف من الأفدنة علي صغار الفلاحين في كفر سعد وغيره . وهذا في مساحات محدودة ، فكيف بمئات الآلاف من الأفدنة مما لا تستطيع الحكومة تنفيذ الآن إلا بالاستعانة بموظفين جدد ترهق بها ميزانية الدولة فوق إرهاقها .

• التدرج في تحديد الملكية :

نخلص مما تقدم أن الحرص علي أموال الدولة ، وتحقيق العدالة في توزيع الأراضي ، والمحافظة علي مستوي الإنتاج الزراعي حتى لا يصاب بالنقص – كل ذلك يقضي بالتدرج في تحديد الملكية عند تنفيذ إن لم يكن في صلب التشريع كما سبق القول – فإذا جعل الحد الأعلى 500 فدان في بادئ الأمر فإن الحكومة تحصل علي (410 ألف فدان) ، يمكن توزيعها علي 140 ألف أسرة – وناهيك بما يتطلبه اختيار هذا العدد من وقت وعناية ، وما يستلزمه في تحديد الملكيات الصغيرة وتحرير عقودها وجمع أقساطها ، وما تتحمله الدولة من أرباح للملاك الأصليين ، ومن سلفيات للزارع وتتجدد في مواعيد زراعة المحصولات المختلفة – حتى إذا ما أسفرت هذه التجربة عن نتائج مرضية أمكننا بعد ذلك أن نخطو الخطوة التالية بتخفيض الحد الأقصى إلي 200 فدان تحصل الحكومة منها علي (330 ألف فدان) أخرى ، وتسير في توزيعها بنفس الطريقة علي ضوء الخبرة والتجارب التي قد تكون اكتسبتها من التوزيع الأول ، ولعله من الخير أن يتضمن التشريع ذاته هذا التدرج في تحديد الملكية بحيث يصل في النهاية إلي 200 فدان . أما إذا رأت الحكومة أن يكون الحد الأقصى للملكية نمن الآن 200 فدان مخافة أن يتصرف الملاك فيما زاد عن هذا الحد أو أنها بدأت بـ 500 فدان ، فيمكن أن يتضمن التشريع نصًا يحظر علي الملاك التصرف في الأراضي التي تزيد علي 200 فدان ، علي أن يكون لهم الحق في استغلالها إلي أن تحدد الحكومة في الوقت المناسب التاريخ الذي يتعين عليهم فيه تسليمها إليها بعد أن تكون قد انتهت من التوزيع الأول وأصبحت مستعدة لمباشرة عملية التوزيع الثاني ، وإذا توفى المالك في تلك الفترة جار أن يطبق علي ورثته حد المائتي فدان .

• تخفيض الإيجارات ورفع أجور العمال :

وفضلا عما تقدم يمكن أيضًا إصدار تشريعات بتخفيض الإيجارات أو ربطها بالمحصول بحيث يتقسم المستأجر مع المالك الإيراد بطريقة مناسبة ، وكذلك يمكن رفع أجور عمال الزراعة وهذه كلها وسائل تهدف إلي رفع مستوي الطبقات العامة بالإضافة إلي تحديد الملكية .

• مشروعات التوسع الزراعي :

بعد بيان ما تقدم نتناول بإيجاز الوسائل التي تؤدي إلي التوسع الزراعي ، إذا نظرنا إلي خريطة مجسمة للمملكة المصرية نري أن جميع الأراضي المزروعة تقع في مناطق منخفضة تحيط بها أراضي صحراوية مرتفعة ، وكانت سياسة الري تقوم علي الري بالراحة بحيث لا تزرع الأراضي المرتفعة إلا نادرًا ؛ نظرًا لما يتطلبه ري الأراضي المرتفعة من نفقات لرفع المياه إليها ، وهي نفقات باهظة بسبب ارتفاع أثمان الوقود اللازم لتوليد القوة المحركة . وقد تبين لي أن ري الصحاري لا يمكن أن يتم علي مقياس واسع إلا إذا توافرت القوة الكهربائية بمقادير كبيرة وبأسعار رخيصة . وهذه الشروط لا تتحقق إلا بتوليد الكهرباء من مساقط المياه الكبرى ، ولهذا وضعت مشروع كهربة خزان أسوان في سنة 1932 علي أساس توليد الكهرباء في أنحاء المملكة المصرية بحيث يمكن ري الأراضي الصحراوية في جميع المساحات الممكنة . ولما قررت الحكومة تنفيذ هذا المشروع عرضته علي اللجنة الدولية في سنة 1947 فوافقت علي نقل الكهرباء إلي الوجه البحري علي يبدأ توزيعها في مديريتي أسوان وقنا حتى نجع حمادي .

• تعميم ري الصحاري :

وقد وضعت بعد ذلك مشروعًا بتعميم ري الصحاري في مصر وسياسة محددة وضمنته رسالة ألقيتها في المؤتمر الدولي الذي عقد في مصر في مارس 1949 تحت عنوان " التوسع الزراعي والصناعي المستقبل في وادي النيل " علي اعتبار أن مصر والسودان يكونان وحدة اقتصادية متكاملة وذلك علي أساس الري المستديم . وقد ثبت من التجارب التي أجرتها الجمعية الزراعية أخيرًا في بهتيم أن المقررات الحالية من مياه الري تزيد علي الحاجة ، وأن تقليلها عن المعدل الحالي قد أنتج فعلاً زيادة في المحصول ، فقد ارتفع محصول الذرة من ستة أرادب إلي أحد عشر إرديًا بتقليل مياه الري بمقدار 30% عن المعدل الحالي ، وحصل مثل هذه الزيادة في محصول القطن . وقد وصلت إلي مثل هذه النتيجة في التجارب التي أجريتها في ليبيا عندما انتدبتني هيئة الأمم المتحدة لوضع مشروعات الري وتعميم استخدام القوة الكهربائية فيها . ولهذا فقد يؤدي إعادة النظر في توزيع المياه إلي زيادة عاجلة في مساحة الزراعة الصيفية ، ريثما يتم إقامة مشروعات أعالي النيل وغيرها .

• الري بالآبار الارتوازية :

وقد دلتني خبرتي في ليبيا علي أنه من المحتمل تعميم الزراعة في المناطق الممتدة من الإسكندرية إلي مرسي مطروح فالسلوم علي الآبار الارتوازية ، بواسطة التيار الكهربائي الذي يولد من محطة رئيسية تنشأ في مرسي مطروح فإن جميع بلاد المغرب الأقصى تقوم بالزراعة فيها علي الآبار الارتوازية ، وبعضها مناطق تجري تحتها الأنهار فعلا متجهة إلي البحر الأبيض المتوسط ، وتتراوح أعماق الآبار فيها من 20 إلي 400 متر ، وبعضها تتدفق منه المياه بقوة وغزارة علي طول السنة .

وأنهي الدكتور عبد العزيز أحمد بحثه بقوله :

ذه بعض وسائل التوسع الزراعي ذكرناها إجمالاً ، ولا يتسع المقام للحديث عن التوسع الصناعي ، وهي تهدف جميعًا إلي زيادة الثروة ورفع مستوي المعيشة فيها متى صحت النية علي تحقيقها " . هذا أنموذج للبحوث والدراسات التي قدمت بين يدي المسئولين عن هذا المشروع الخطير . وقد قدمه رجل يد سياق حديثه علي أنه لم يكن خبرة مصرية ولا عالمًا مصريًا فحسب ، بل كان خبيرًا عالميًا تلجأ إليه هيئة الأمم المتحدة في مثل هذه الدراسات في أي مكان في العالم ، ومع ذلك فقد طرح بحثه جانبًا .

• من واقع الحياة :

وقد يكون واقع الحياة وحده في هذا الموضوع حكمًا بعد أن وضع هذا التشريع موضع التنفيذ بالأسلوب والصيغة التي وضعتها هذه الحكومة – وقد لا يكون للذين يعيشون خارج الريف ولا للذين يزالون أعمالاً لا تتصل بطبيعتها بمحاصيل البلاد أن يدلوا بآرائهم في هذا الأمر ، ولذا فعلنيا أن نسأل الذين عاشوا تطبيق هذا التشريع ولمسوا بأيديهم نتائجه ومارسوا خيره وشره . وقد يكون كاتب هذه السطور أحد هؤلاء الذين لمسوا بطبيعة عملهم هذه النتائج والآثار ، فباعتبار أن عملي كان الخبرة في القطن ، وكنت أحد أفراد هيئة تعد أعلي مستويات الخبرة في الدولة ، حيث يمر تحت عينيها كل محصول البلاد ، ثم كان عليّ أن أزور أراضي الإصلاح الزراعي في الوجهين البحري والقبلي لمعاينة إنتاجها كماً ونوعًا .. أستطيع أن أصدر حكمًا نتيجة هذه التجربة .. ولكني مع ذلك لا أسمح لنفسي – مهما كان اعتدادي بنفسي في مهنتي – أن يكون حكمي الحكم القاطع في هذا الشأن . ولذا فإني أحيل الباحثين في هذا الشأن إلي التقارير السنوية ، التي كانت تصدرها هيئة خبراء الاستئناف التي كنت أحد أعضائها عن حالة محصول القطن .. فسيقرأون في هذه التقارير مدى تدهور هذا الحصول الرئيسي في رتبه تدهورًا كبد البلاد خسائر جسيمة – وقد يكون معلومًا أن قيمة القطن المصري الاقتصادية ليست في كميته وإنما في نوعيته ورتبته ، فمحصول القطن المصري كمًا لا يعدو 6% من المحصول العالمي .

أما أسباب التدهور فليس هنا مجال تفصيلها ، ولكنني أستطيع أن أضع بين يدي القارئ تجربة معينة قد يفهم منها بعض هذه الأسباب :

عهد إليّ في أواخر الخمسينات القيام ببحث عن أسباب وجود بقع سوداء في القطن المصري تظهر آثارها في النسيج ، فاقتضي ذلك أن أمكث شهرًا في منطقة زراعية معينة في زمام مركز أبو حمص من مناطق الإصلاح الزراعي . وكان من دأبي إذا باشرت عملاً من الأعمال أن أمتزج بالعاملين فيه علي اختلاف مستوياتهم حتى يكون الشعور السائد بيني وبينهم الحب والاطمئنان . وكان يعمل في هذه الأرض " باشخولي " رجل ذكي كبير السن ذو خبرة وحنكة يعاونني في بحثي . وهو بطبيعة الحال موظف في الإصلاح الزراعي ، وقد كنت أتمني أن تجمعني الظروف برجل منصف مجرب عاش طول حياته في الزراعات وباشرها بنفسه قبل الإصلاح الزراعي وبعده لألقي عليه السؤال الذي يتلجلج في خاطري عن أثر قانون الإصلاح الزراعي في الإنتاج الزراعي – علي أن يجيبني إجابة صريحة دون خوف ولا وجل – وقلّ في تلك الأيام التي نتحدث عنها من كان يجرؤ علي المصارحة بحقيقة ما يعلمه عن ذلك إن كان فيما يعلم ما يمس هذا القانون من قريب أو من بعيد .

انتهزت الفرصة وألقيت هذا السؤال علي هذا الرجل الخبير المحنك الذي أحبني واطمأن إليّ كل الاطمئنان :

فكانت إجابته الآتي :

" المزارع الثري الذي أخذ أرضًا من الإصلاح الزراعي استطاع أن يصرف عليها من جيبه فأعطاها حقها من الخدمة والتقاوي والسماد ، فأنتجت إنتاجًا طيبًا . أما المزارع الفقير المعدم الذي أخذ أرضًا من الإصلاح الزراعي والذي يعتمد علي ما تمده به هيئة الإصلاح الزراعي من لوازم الزراعة فإنه ازداد فقرًا لأن هيئة الإصلاح الزراعي لا تمده إلا بجزء ضئيل من لوازم الزراعة ، ولما كانت الأرض في حاجة إلي استكمال حقها من هذه اللوازم وليس عنده ما يشتري به فإن أرضه لا تكاد تنتج ما يكفيه شخصيًا لطعامه ولا يستطيع أن يسدد شيئًا مما عليه لهيئة الإصلاح ، فتتراكم عليه الديون . ولما كانت الكثرة الغالبة من المنتفعين بالإصلاح الزراعي من الصنف الأخير فإن الإنتاج الزراعي في مجموعه قد تدهور كماً وصنفًا " .

وقد سُقت هذه الواقعة لألفت النظر إلي أن الإخوان المسلمين حين حددوا الخمسمائة فدان حدًا أعلى للملكية الزراعية لم يكونوا رافضين للإصلاح الزراعي ولا أعداء للحكومة ولا معوقين لمشاريعها ، وإنما كانوا يريدون أن يجنبوا البلاد ما كان لابد أن يحيق بها من خسائر مادية واجتماعية نتيجة الأخذ بمشروع الحكومة دون تعديل . ولكن رجال الثورة بالرغم من ضآلة إلمامهم بالعلوم الزراعية والاجتماعية وعدم خبرتهم في هذه الشئون أصروا علي أن يؤخذ بمشروعهم دون تعديل ، كأنما أنزل من لدن حكيم حميد .. وقد كان هذا الإصرار السبب في إقصاء علي ماهر عن رياسة الوزارة ؛ لأنه لم يكن يري أن يؤخذ بهذا المشروع دون تعديل . ولما كان هذا الإصرار من أمثال هؤلاء الرجال غير المختصين مثارًا للاستغراب ، ومدعاة للدهشة ، فقد رأيت استقصاء هذا الأمر بحثًا عن الدوافع القوية التي لابد أنها كانت وراء هذا الإصرار حتى سلبت هؤلاء الرجال القدرة علي الاستماع لآراء المختصين أو التفاهم مع أصحاب الرأي الآخر .. و لا أكتم القارئ إذا قلت له : إن بحثي عن هذه الدوافع هو الذي جعلني أخص هذا المعلم بالذات من معالم الخلاف باهتمام كبير وأن أوسع له من الصفحات .. ذلك أن الدافع الذي عثرت عليه لا يلقي بظلال من الريبة والشك علي المشروع فحسب ، بل إن هذه الظلال قد تمتد وتمتد إلي ما هو أبعد من ذلك .

وقد انتهي بي الاستقصاء إلي أن هذا المشروع مستوحي من جهة أجنبية ، ولم تكن هذه الجهة الأجنبية إلا وزارة الخارجية الأمريكية .

المشروع الأمريكي للإصلاح الزراعي بمصر

جاء في " أخبار اليوم " يوم 6/9/1952 تحت العنوان الآتي :

وزارة الخارجية الأمريكية تضع تقريرًا عن الملكية الزراعية في مصر

إذا وزعت الملكية توزيعًا عادلاً تغير تكوين البرلمان والأحزاب المصرية

رجال الأحزاب ينسون خلافاتهم ويتحدون ضد إصلاح أحوال الفلاح


نيويورك – من عبد الحميد الكاتب :

وضعت وزارة الخارجية الأمريكية بحثًا مفصلاً عن مشكلة إصلاح الملكية الزراعية في مصر تناول سوء توزيع هذه الملكية وأثره في حياة مصر السياسية . والتقرير من وضع " مكتب الأبحاث السرية بوزارة الخارجية " وقد أحيط بالسرية التامة فطبع منه علي الرونيو بضع نسخ لم تصل إلا إلي أيدي المختصين بشئون مصر من المسئولين في الوزارة ، وقد استطاع مراسل " أخبار اليوم " أن يحصل علي نسخة من التقرير يلخصها في المقال التالي :

يبدأ تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بذكر الحقيقة التي يعرفها العالم كله عن مصر وهي : " برغم أن الزراعة تسيطر علي الاقتصاد المصري إلا أن الغالبية الكبرى من السكان الزراعيين يعيشون في مستوي من الحياة غير ملائم ، وبالتالي ليس لهم نفوذ سياسي في أمر بلادهم . بينما أستأثر عدد قليل نسبيًا من كبار الملاك ، بفضل ما لهم من ثروة ومن قوة اقتصادية بزمام القوة السياسية التي يستغلونها لحماية مصالحهم الذاتية . ويضرب التقرير مثلا علي هذه الحقيقة تكوين مجلس النواب الأخير ومقدار ما يملك أعضاؤه من الثروة الزراعية التي ظفروا عن طريقها بمقاعد النيابة عن الشعب الذي يعيش علي الزراعة ، ومع ذلك لا يملك زهاء أربعة عشر مليونًا منه سهمًا واحدًا من الأرض . فمن أعضاء هذا المجلس خمسة يملك كل منهم أكثر من ألف فدان ، وأربعون يملك الواحد منهم أكثر من خمسمائة فدان ، وستون تزيد ملكية الواحد منهم علي مائة فدان ، وثلاثة وسبعون يديرون تفاتيش زراعية واسعة .

نعم ، كان في هذا المجلس حوالي مائة عضو لا يعدون من الملاك الزراعيين ، ولكن منهم عدد من كبار الصناعيين وكبار الرأسماليين ، كما أن منهم عددًا من أصحاب المهن الحرة ذات الأرباح الجزيلة كالمحاماة والطب والصحافة . وعلي هذا النسق يتألف مجلس الشيوخ ، مع فارق واحد هو أن أعضاءه أوسع أملاكًا وأكثر ثراء . ومعني هذا أن البرلمان الذي يمثل بلدًا غالب سكانه من العاملين بأيديهم في الزراعة , لا يضم أحدًا من هؤلاء الفلاحين ، وإنما تتألف غالبية مجلسه ممن يستغلون هؤلاء الفلاحين . ولو كانت الأراضي الزراعية موزعة علي العاملين فيها توزيعًا يقارب أوضاع العدالة الاجتماعية ولو إلي حد ما ، لتغير تكوين البرلمان المصري وتكوين الأحزاب السياسية المصرية ، بل لتغير الوضع السياسي الداخلي في مصر تغيرًا تامًا .. ذلك أن هؤلاء الفلاحين ، ملاكًا صغارًا ومستأجرين وأجراء يكونون الغالبية الكبرى من الشعب المصري ، فبعض الإحصاءات تقدرهم بنسبة 69% من مجموع السكان ، وبعضها تقدرهم بأكثر من 75% من هذا المجموع ، وهم ليسوا بالجزء الأكبر من السكان فحسب ، بل هم أيضًا مصدر أكبر جزء من الدخل الأهلي ؛ فإليهم وحدهم يعود 45% من الدخل الأهلي في مصر كلها .

• التقدم والفقر :

ومما يزيد الأمر خطورة أن شئون الفلاحين لا تنصلح ولا تتحسن بتقدم الحياة في مصر بوجه عام ، بل هي علي النقيض من ذلك تزداد علي الأيام سوءًا وتأخرًا ونظرية المفكر الاجتماعي هنري جورج عن " التقدم والفقر " تنطبق انطباقًا حرفيًا علي مصر ، فكلما تقدمت فيها الحياة العامة ازدادت الغالبية الكبرى من أهلها فقرًا وتأخرًا . والأرقام تبرز هذه الحقيقة : ففي خلال السنين الخمسين الأخيرة زاد عدد سكان مصر بنسبة 97% ، وثلاثة أرباع هؤلاء الزائدين من الفلاحين ، أما الأرض التي يزرعونها فلم تزد بنسبة 12% ، فبينما كان نصيب الفرد من الأراضي الزراعية في سنة 1897 أكثر من نصف فدان صار نصيبه في سنة 1947 أقل من سبعة قراريط .. وفضلاً عن ذلك فإن الجزء الأكبر من الأرض التي أصلحت خلال نصف القرن الأخير أضيفت إلي أراضي كبار الملاك الذين استطاعوا بفضل ما لديهم من نفوذ سياسي أن يشتروا بأزهد الأثمان ما أصلحته الحكومة من الأراضي البور .. ومعني هذا بعبارة مختصرة أن تقدم الحياة في مصر وزيادة أراضيها المزروعة يزيد الغني غني والفقير فقرًا .

ومثل هذا يقال أيضًا عما طرأ خلال فترة الحرب وما أعقبها من ارتفاع في أسعار المحصولات الزراعية ، فإن أكثر الغنم من هذه الزيادة عاد علي المالك لا علي المستأجر أو الأجير . فمثلاً في سنة 38/1939 كان متوسط إيجار الفدان ثمانية جنيهات ، وفي سنة 42/1943 زاد إلي 15جنيهًا ، وفي 44/1945 زاد إلي 19 جنيهًا ، وفي 50/1951 زاد دفعة واحدة إلي كثر من ثلاثين جنيهًا . حدثت هذه الزيادة المطردة السريعة الضخمة في إيجارات الأراضي فاستغرقت أكثر ما طرأ من زيادة علي أسعار القطن وغيره من المحصولات الزراعية ، وبذلك بقي المستأجر علي حاله بينما ازداد دخل أصحاب الأراضي زيادة هائلة . وفي كثير من الحالات لا يحدد المالك إيجار أرضه ، بل يفرض له حدًا أدني علي المستأجر أن يدفعه مهما كانت غلة الأرض ومهما كان سعر المحصول . أما إن جاءت الغلة سخية وكان السعر مرتفعًا قاسم المستأجر ما زاد علي الحد الأدنى .

ولو كانت هناك قوانين تعطي المستأجر نصيبًا معتدلاً مما يطرأ علي أسعار محصولاته من زيادة ، وتحميه عندما يصاب المحصول في كميته أو في ثمنه ، لتحسن حال هذه الطبقة الكبيرة بفضل ما طرأ علي أسعار المحصولات الزراعية من زيادة خلال الحرب وبعدها ، ولكن انعدام هذه القوانين أدي إلي بقاء طبقة المستأجرين – وهم علي أي حال أقل سوءًا من طبقة الأجراء – تعيش مثلما كانت تعيش قبل الحرب ، في حين أن خزائن كبار الزراعيين تكدست بالأموال التي يشترون بها أملاكًا جديدة يضيفونها إلي أملاكهم الحالية ، أو يستغلونها في مشروعات صناعية تعود عليهم بدخل جديد .. وهذا وذاك يؤديان إلي تركيز الملكيات الكبيرة في أيد قليلة ، وكذلك سيطرة الملاك الزراعيين تدريجيًا علي الحياة الصناعية .

• الأحزاب السياسية ونظرتها إلي الفلاح :

ويعرض تقرير الحكومة الأمريكية لموقف الأحزاب السياسية المصرية من مشكلة الفلاح المصري ، وكيف أن هذه الحالة المؤسفة لم تثر اهتمام هذه الأحزاب اهتمامًا حقيقيًا عمليًا بما تعانيه الغالبية الكبرى من الشعب المصري . فالفلاح المصري لا يكاد يسمع من رجال هذه الأحزاب كلمة عطف واهتمام إلا في أيام المعارك الانتخابية ، ولكنه أردك بالتجربة المتكررة خلال السنين الأخيرة أن ما يبذل له من وعود أثناء الانتخابات لا تغنيه من فقره وبؤسه شيئًا ، وأن صلته بنائب دائرته وبالتالي بالحزب السياسي الذي انتخب مرشحه تنقطع ساعة يغادر مقر لجنة الانتخاب .

ونظرة سريعة إلي برامج الأحزاب السياسية المهمة في مصر ، من حيث إصلاح الريف وتحسن حال الفلاح ، ترينا أنها عبارات غامضة جوفاء لا يمكن أن تكون برنامجًا أو أساسًا لعمل أو حتى مجرد دليل علي أن حال الفلاحين المصريين شغل من أذهان واضعي هذه البرامج والمشرفين عليها جانبًا حقيقيًا من الاهتمام . فحزب الوفد مثلاً يقول برفع مستوي الحياة ..! وحزب الأحرار الدستوريين يقول بتخليص الشعب من شبح الفقر والجهل والمرض ..! وحزب الكتلة يقول بالضمانات اللازمة للتحرر من العوز .. ! .

وهكذا وهكذا .. ولا توجد أحزاب سياسية في بلد يسير علي نظام برلماني صحيح بلغت برامجها في الشئون الداخلية من الغموض والسطحية مبلغ برامج هذه الأحزاب المصرية . ولكن للمسألة جانب آخر هو أن هذه الأحزاب لم تجعل برامجها وسطحية هكذا من باب الجهل بما يجب عمله للفلاح والريف . وإنما لأن من مصلحة القائمين علي أمرها والموجهين لسياستها أن يبقي الفلاح علي ما هو عليه فقرًا ومرضًا وجهلاً .. ومظهر ذلك أن هذه الأحزاب تحتدم بينها الخصومة والعداوة ما تحتدم ، وينال بعضها من بعض بالتهم والسباب ما ينال ، حتى إذا عرضت لأمر خاص بتحسين حال الفلاح تحسينًا جوهريًا ملموسًا ، نسيت ما بينها من خلاف ووقفت جميعًا صفاً واحدًا في البرلمان . كان هذا هو شأنها عندما عرض علي مجلس الشيوخ منذ سنين بألا يسمح لمن يملك مائة فدان فأكثر أن يستزيد من الأرض الزراعية (مشروع محمد خطاب) ، وكذلك المشروعات التي كان يتقدم بها أحمد حسين عندما كان وزيرًا للشئون الاجتماعية أو موظفًا بوزارتها لإدخال بعض الإصلاحات في الريف المصري عن طريق المراكز الاجتماعية الريفية ، فإنها كانت تقابل بكثير من المعارضة ، يشترك فيها متضامنين متآزرين كبار الملاك من أعضاء هذه الأحزاب السياسية المتخاصمة المتنافرة .

• التصنيع وحده لا يحل المشكلة :

ويعرض تقرير الحكومة الأمريكية إلي ما تدور به أقلام الكتاب ، وما يقال أحيانًا علي منصة البرلمان ، من مقترحات لتحسين حال الفلاح المصري ، وأهمها أمران :

زيادة الأراضي الصالحة للزراعة ، والشروع في تصنيع البلاد .

ويري التقرير أن كلاً من الأمرين لا يحل المشكلة .. فأما الأراضي الصالحة المزارعة فإن أقصي ما يمكن زيادته منها – وفق أكثر الدراسات تفاؤلاً – هو مليون وثلث مليون فدان ، تشمل الأراضي البور في شمال الدلتا وعلي جانبيها ، كما تشمل تحويل مناطق الصعيد الأقصى من ري حياض إلي ري دائم . فإذا تم هذا علي ما يقتضيه من أموال ضخمة تنفق في شق الترع وحفر المصارف وإنشاء شبكات كهربائية وتنفيذ منخفض القطارة ، وتعلية خزان أسوان وإنشاء خزانات أخري علي النيل ، إذا تم هذا صارت الأرض الزراعية في مصر أكثر قليلاً من سبعة ملايين فدان في حين أن عدد سكانها الذين يتزايدون بنسبة 1.5% سنويًا سيبلغ في سنة 1960 اثنين وعشرين مليونًا من البشر . وبذلك سيظل مستوي الحياة علي ما هو عليه الآن برغم من هذه الزيادة في مساحة الأرض . حقيقة إن إصلاح هذه الأراضي البور ، وزيادة الأراضي الصالحة للزراعة قدر الإمكان أمر محتوم حتى لا تهبط حياة الفلاح عما هي عليه الآن من مستوي منخفض ، إلا أن هذا ليس هو الحل لتحسين حال الفلاح ورفع مستوي حياته .

وكذلك التصنيع .. فمع أن هذا أمر ميسور من حيث اليد العاملة ومن حيث القوة المحركة ؛ لأن العامل المصري أثبت خلال عمله بمصانع قوات الحلفاء أثناء الحرب أنه يستطيع أن يصبح عاملاً صناعيًا ماهرًا ، ولأن من الممكن توليد قوة كهربائية ضخمة من خزان أسوان وغيره من مساقط المياه ، فضلاً عما في مصر من منابع للبترول ، إلا أن هذا التصنيع لن يؤدي مع الوضع الاقتصادي الراهن في مصر إلا إلي خلق مشكلة جديدة .. ذلك أن أي بلد ناشئ في الصناعة لا يستطيع أن يعتمد في تصريف منتجاته الصناعية علي الأسواق العالمية التي احتكرتها البلاد المتقدمة في الصناعة ، إنما يعتمد علي السوق المحلية وحدها . فإذا ظل مستوي الغالبية الساحقة من الشعب المصري منخفضًا ، وظل دخلها ضئيلاً فإن الاستهلاك المحلي سيكون من القلة ، والسوق المحلية ستكون من الكساد ، بحيث لا تستطيع هذه الصناعات التي تنشأ في مصر أن تعيش وتزدهر ، وبالتالي تخلق مصر لنفسها مشكلة جديدة حين يصبح إنتاجها الصناعي بلا سوق تستهلكه لا في الداخل أو في الخارج .

• لابد من تحديد الملكية الزراعية :

" إن أي إصلاح ريفي في مصر يراد أن يكون له أثر حقيقي لا يمكن أن يتجنب موضوع إعادة توزيع الأراضي الزراعية توزيعًا عادلاً " .

هذه هي النتيجة التي ينتهي إليها تقرير الحكومة الأمريكية ، كما يري أن زيادة الأراضي الصالحة للزراعة ، وإنشاء المشروعات الصناعية والتوسع فيها ، يجب أن يسبقه توزيع الملكية الزراعية من جديد توزيعًا يقترب من أوضاع العدالة الاجتماعية . وليس توزيع الملكية الزراعية علي أكبر عدد من العاملين في الزراعة بشيء جديد يراد تجربته في مصر ، فقد سبقتها في ذلك عشرات من الدول في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية ، التي يفرضها النظام الإقطاعي ، إلي نور العصر الحديث الذي يتميز عن سواه من العصور بمبادئ العدل الاجتماعي والتقارب بين طبقات المجتمع .. وقد لجأت بعض هذه الدول إلي تحديد الملكية الزراعية فيها تحديدًا تقشعر له أبدان كبار الملاك في مصر لو سمعوا به .

ويتناول تقرير الحكومة الأمريكية ما يوجه من اعتراضات إلي مبدأ توزيع الملكيات الكبيرة علي صغار المزارعين في مصر ، وأهمها الاعتراض بأن تفتيت الملكيات الكبيرة سيحول دون استخدام الوسائل الفنية الحديثة التي يمكن أن تستغل في الملكيات الكبيرة وحدها ، ويرد علي هذا الاعتراض بأن واقع الأمر في مصر أن أكثر الملكيات الكبيرة لا تزرع بالوسائل الحديثة .. وإنما وفق الوسائل القديمة التي ألفها الفلاحون .. ذلك أن العزب والتفاتيش الكبيرة إنما تؤجر قطعا صغيرة للفلاحين يزرعونها بوسائلهم العتيقة ، ثم يأخذ المالك أقصي ما يستطيع من المحصول أو الإيجار ، وقليل جدًا من هذه المزارع الكبيرة ما يزرع بوسائل حديثة بالمعني الصحيح ، وهي وسائل يمكن الأخذ بها في المزارع الصغيرة إذا أنشئ لها نظام تعاوني دقيق .

وفضلاً عن ذلك فإن من المشكوك فيه أن الوسائل الفنية الحديثة أجدي في زراعة الأرض المصرية من الوسائل القديمة . والدليل علي ذلك أن محصول الفدان المصري من القطن ومن الذرة هو أعلي محصول منهما في العالم كله ، بما فيه البلاد التي تزرع بأحدث الوسائل العلمية مثل أمريكا . ويري بعض الخبراء الزراعيين أن التربة المصرية ذاتها وقرب المياه من سطح الأرض وقلة الأمطار أو انعدامها تجعل الأدوات القديمة كالمحراث أصلح من الأدوات الحديثة التي تتعمق في الأرض وتقلب تربتها بطنًا لظهر فتعرضها للجفاف الشديد .

وسواء كان من الصالح إتباع الطرق الحديثة أو الإبقاء علي الطرق القديمة ، فإن تكوين أكبر عدد ممكن من الملكيات الصغيرة التي يعود دخلها علي من يزرعونها بأنفسهم لن يخلق مشكلة في مصر .. وإنما المشكلة الحقيقية هي هذه الطبقة من كبار الملاك الذين يسيطرون علي البرلمان المصري وعلي الأحزاب المصرية ، وبذلك يفرضون علي مصر من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ما يتفق ومصالحهم الخاصة ، ويتنافي مع مبادئ العدالة الاجتماعية وأوضاع الاقتصاد الزراعي السليم .

ملاحظات حول هذا المشروع الأمريكي أو حول هذا التقرير الأمريكي :

بعد أن نقلنا إلي القارئ تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الملكية الزراعية في مصر ، ينبغي أن يكون لنا بعض الملاحظات :

1 – كان المفروض في مشروع زراعي وفي بحث زراعي أن يكون وضعه من اختصاص وزارة الزراعة الأمريكية إن كان للحكومة الأمريكية حق التصدي له – ولكن التقرير كان من وضع وزارة الخارجية ومن وضع مكتب الأبحاث السرية فيها .

2 – أن هذا التقرير باعتباره بحثًا سريًا سمح بنشره في هذا التاريخ ، يوحي ذلك بأن سريته لم يعد لها داع فقد أدت سريته دورها بتبني حكومة نصر له بحذافيره ، وكأن الذين قاموا بتبنيه كانوا علي علم سابق به وبالجهة التي وضعته .

3 – ما هي الدواعي والدوافع وراء اهتمام دولة عظمى مثل أمريكا حتى إنها أتعبت باحثيها السريين لوضع هذا التقرير عن مصر .. ولابد أنها عملت علي إيجاد من يتبناه وإلا لما أجهدت نفسها وأتعبت باحثيها في وضعه ، وإلا لكان أليق به أن يكون بحثًا أكاديميًا من وضع وزارة الزراعة الأمريكية أو إحدى الجامعات الأمريكية . أما وزارة الخارجية فإنها لا تضع التقارير والبحوث إشباعًا للناحية الأكاديمية ولا بدافع من الشغف العلمي ؟؟ .

4 – المقصود من بحث وزارة الخارجية الأمريكية هذا هو أن يؤدي إلي تغيير الوضع السياسي الداخلي في مصر تغييرًا تامًا – كما جاء ذلك صراحة في صلب التقرير – فهل كان هذا التغيير بهم حكومة الولايات المتحدة إلي هذا الحد ؟ وهل هي من الغيرة علي مصر وعلي فلاحيها بهذه الدرجة من الغيرة ؛ حتى إنك لتلمح في التقرير وعباراته ملامح التلهف والإلحاح ؟ .

5 – لما استعرض التقرير برنامج الأحزاب السياسية في مصر فيما يتعلق بإصلاح الريف وتحسين حال الفلاح ذكر أحزابًا مصرية لا يكاد يكون لها نصيب يذكر من القاعدة الشعبية ، وأغفل عن عمد القوة السياسية الكبرى وهي " الإخوان المسلمون " مع أن مركز الأبحاث السرية بوزارة الخارجية الأمريكية يعلم تمام العلم بأن لهذه القوة السياسية برنامجًا محددًا وجهودًا عملية فيما يتصل بالإصلاح الريفي وغير الريفي وتحسين أحوال الفلاحين وغير الفلاحين ، وأن هذه الهيئة تضم أكبر عدد من الفلاحين والعمال .

6 – في تلك الحقبة الدقيقة من الزمن كانت وزارة الخارجية الأمريكية ومركز أبحاثها يعلمان ، كما كان كل المراقبين السياسيين في أنحاء العالم يعلمون أن الجو في مصر صار مهينًا تمامًا لتغيير جذري في الحكم ، وأن النظام القائم بها قد استنفد أغراضه واستوفي أيامه ، وأن الجميع ينتظرون الحكم الإسلامي الخالص .

فهل رأت وزارة الخارجية الأمريكية أنها أصبحت أمام الواقع من أن التغيير واقع في مصر لا محالة ، فلنتدارك الأمر ، وليكن هذا التغيير لحساب أي شيء ، ولو لحساب الشيطان ، قبل أن يكون لحساب الحكم الإسلامي الذي هو العاتق الأكبر لأطماعها .. فكان هذا البحث أحد مقدمات لابد منها لإنجاح تكتيكاتها . وإلا فلننظر إلي شعوب الكاريبي وشعوب أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطي وكلها شعوب تعيش في ظل سياسة الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسين عامًا وتسيطر علي اقتصادها الشركات الأمريكية ، ومع ذلك فهذه الشعوب تعاني أسوأ مستوي معيشة في العالم .. أفلم تكن هذه الشعوب أولي بهذا العطف الأمريكي ؟! .

7 – إن التركيز علي الناحية السياسية في هذا التقرير مع التوصية باستبعاد كل وسيلة أخري للإصلاح يوحي بأن وزارة الخارجية الأمريكية وضعت خطة جديدة للتعامل مع شعوب الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ، فبدلاً من التحدث مع حكومات تستمد سلطتها من قواعد شعبية ذات نفوذ لا تستطيع إبرام أمر دون موافقة هذه القواعد ، فإنها إذا فتت هذه القواعد وحطمتها تستطيع أن تمهد أسباب الحكم لرجل واحد توجهه فيتوجه دون أن يكون في البلاد من يحاسبه أو يراجعه .


الفصل الرابع : الحكم الدستوري

مطالبة الحاكم بالحكم الدستوري معناه أن يتنازل هذا الحاكم عن سلطات حكم الفرد إلي حكم يقوم علي الشورى ، ينبع من الشعب بحيث لا يبت فيه بأمر إلا بموافقة ممثلين للشعب يختارهم بنفسه . وتوضيحًا لهذا نقول : إذا فرضنا أن جمال عبد الناصر وافق الإخوان وأصدر أمرًا بالحكم بالشريعة الإسلامية ، فهل كان الإخوان يكتفون بذلك دون مطالبته بالحكم الدستوري ؟ والإجابة علي ذلك هي أن الإخوان كانوا سيطالبونه أيضًا بالحكم الدستوري × لأن في الاكتفاء بذلك دون هذه المطالبة خطورة .. فالذي أصدر أمرًا بشيء ، قادر – إذا هو تغير مزاجه أو وجد في ذلك ما يتعارض مع مصالحه – أن يصدر أمرًا بإلغاء هذا الشيء أو بتعديله أو الانتقاص منه أو الزيادة عليه .

أنما مطالبة الإخوان بالحكم الدستوري فمعناها تقليم أظفار الحاكم ، والحد من سلطته ، ونقل هذه السلطة إلي الشعب ، ونقل الحاكم من دائرة شعوره بأنه القيم علي الشعب ، القاهر فوقه ، المتصرف في شئونه كما يشاء ، إلي دائرة شعوره بأنه خادم للشعب وأجير عنده ، مرهون وجوده في الحكم برضا هذا الشعب عنه . نعم ، إن الحكم بالشريعة الإسلامية يتضمن فيما يتضمن معني هذا التعبير الاصطلاحي " الحكم الدستوري " وإن كان يعبر عنه بالشورى ، غير أن الناس في عصرنا هذا حين يرون الحاكم قد أقام الحدود اعتقدوا أنه قد حكم بالشريعة الإسلامية متناسين أن إقامة الحدود ليست إلا جزءًا يسيرًا من الشريعة الإسلامية ، ويلجأ بعض حكام البلاد الإسلامية إلي استغلال هذا الفهم الناقص في شعوبهم ويقيمون الحدود ويقفون من الحكم الإسلامي عند هذا الحد ، وينطلقون فيما سوي ذلك في الحكم بأهوائهم .. وهذا هو الذي دعا الإخوان المسلمين إلي المطالبة بالحكم الدستوري باعتباره المقدمة التي لابد منها ، والضمان الذي لا غني عنه في إرساء سياج متين حول الحاكم يحول بينه وبين الانحدار مع أهوائه ، فإذا ضمنا إحاطة هذا السياج بالحاكم رجونا من وراء هذا الحاكم كل خير .

وقلما يستجيب الحاكم لهذا الطلب لما فيه من قيود عليهم ، وإن كان هو حقيقة الأمر في صالحهم ؛ لأنه يعينهم علي أنفسهم . ولكن شهوة السلطة ، وحب السيطرة ، وجموح الآمال تتغلب في أكثر الأحوال وتستبد بالحاكم حتى لا يكاد يتألق بين عينيه غيرها .. وهذا هو ما كان من أمر جمال عبد الناصر .. ولكن جمالاً كأي حاكم لا يحب أن يعرف عنه ذلك ، فيحاول عادة أن يتستر وراء شعارات يطلقها ويحيط شخصيته بهالاتها ، ووعود يعلل بها الظالمين ريثما تتاح له فرص لتأجيلها أو للتخلص منها .. وإلي القراء مثال من هذه الأساليب :

في أول اجتماع لمجلس الثورة بعد 23 يوليو سنة 52 عرض جمال عبد الناصر علي المجلس اقتراحًا للاتفاق علي نظام الحكم وهل يكون حكمًا استبداديًا بالمفهوم الدستوري أو يكون حكمًا نيابيًا ؟ وعند أخذ الأصوات وقف جميع الأعضاء إلي جانب النظام الاستبدادي ، وقف جمال عبد الناصر وحده إلي جانب الرأي الآخر . وبإعادة أخذ الأصوات مرة أخري تكرر الوضع !! وعندئذ غادر جمال المجلس معلنًا استقالته من جميع مناصبه ، وذهب إلي منزله – فذهب الجميع إليه في منزله معلنين نزولهم عند رأيه . وردت هذه الواقعة في كتاب " البحث عن الذات " ل السادات ، وقد علق عليها بأنها لم تكن إلا مناورة من جانب جمال ، كما أوردها " البغدادي " في مذكراته وعلق عليها بنفس التعليق . لما ذهب زملاؤه إليه في منزله لاسترضائه ونزلوا عند رأيه – ما الذي تم عليه الاتفاق ؟ هل تمسك بالحكم النيابي مباشرة كما كان منتظرًا من رجل فضل الاستقالة علي الحكم الاستبدادي ؟ لقد تم الاتفاق علي إجراء انتخابات نيابية بعد ستة أشهر وتعليق ذلك علي شرط أن تقوم الأحزاب بتطهير نفسها .

• وهل تم إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر ؟

لم يتم شيء من ذلك .. ولكن أعلن عن تكوين لجنة من ثلاثين عضوًا لوضع مشروع دستور جديد ، ثم أعلن بعد ذلك عن اقتراح بتكوين لجنة من مائة عضو يؤخذون من النقابات والهيئات لوضع الدستور وإقراره . وقد كان الشعب يتلقي هذه الاقتراحات والوعود علي أنها وعود صادقة . ويأخذها مأخذ الجد ويعلق عليها في الصحف ، ونقتطف تعليقًا للأستاذ محمد زكي عبد القادر في " أخبار اليوم " في 29/11/1952 تحت عنوان : " لا مائة ولا ألف " يقول فيه :

" أجل .. لا لجنة من مائة أو من ألف . بل لابد من جمعية وطنية تنتخب انتخابًا حرًا إذا أريد وضع دستور جديد ، وقد وضعت الدستور الحالي لجنة من ثلاثين عضوًا وصدر علي أنه منحة من الملك للشعب .. والمانح يستطيع أن يسترد إذا أراد . وما معني اقتراح لجنة من مائة يؤخذون من النقابات والهيئات ؟ وفضلا عن ذلك فليست النقابات في مصر هيئات رأي ، ولكنها جماعات للدفاع عن المصالح المادية لطوائفها ، ثم إن النقابات في مصر هيئات رأي ، ولكنها جماعات للدفاع عن المصالح المادية لطوائفها ، ثم إن ثلاثة أرباع الشعب ليست له نقابات تمثله " .

وهكذا ظل جمال عبد الناصر في إذاعة اقتراحات بلجان تجتمع وتنفض ، وإنجازاتها من مشاريع الدستور مجرد حبر علي ورق ، وفي إطلاق وعود ومواعيد حتى استطاع أن يمد فترة الانتقال التي كان حددها بستة أشهر إلي ثلاثة سنوات تبدأ من يناير 1953 .

• حساسية جمال لهذا المطلب :

وفي الوقت الذي كان الشعب فيه في أشد الشوق إلي حكم دستوري ثمرة لهذه الثورة ، كان جمال عبد الناصر حريصًا كل الحرص علي شغل الشعب عن إثارة هذا المطلب بكل وسيلة ممكنة . وقد استطاع خلق ظروف شغلت الشعب فعلاً فترات من الزمن بما أسماه تطهير الأحزاب ، ثم باعتقال زعماء هذه الأحزاب ثم تقديم هؤلاء الزعماء إلي محاكمات طال أمدها .. ولكن جهات ثلاثًا عجز جمال عن شغلها بشيء عن مطالبته بالحكم الدستوري ، وهذه الجهات الثلاث هم بعض زملائه من أعضاء مجلس الثورة الذين رفضوا مجاراته في أسلوب هذا الذي ل الدستور ولأهداف الثورة .. وبعد العدد الثالث سحبت المجلة من إشراف البكباشي صديق ونحي عن تحريرها اليوزباشي حمروش .

وبدأ يوسف صديق الذي كان عضوًا بمجلس القيادة (الثورة) يضيق ذراعًا بانحراف الحركة (الثورة) عن الارتباطات التي ارتبطت بها أمام الشعب يوم 23 يوليو . وبدأ يثير مناقشات ومحاولات داخل مجلس القيادة ، وينتقد تدخل العسكريين في كل صغيرة وكبيرة من شئون البلاد . أصبح يوسف صديق شوكة في حلق جمال عبد الناصر يثير له المتاعب كل يوم . فما كان من جمال عبد الناصر إلا أن وضعه تحت المراقبة الشديدة .. وعرفت هذا عندما استدعاني جمال وأخذ يشكو إليّ أمر يوسف صديق – ولم يثر في شكواه أي شيء بخصوص دفاع صديق عن الدستور ووجوب عدم تدخل الجيش في شئون الحكم – بل جعلها شكوى شخصية ، وطلب مني أن أقنع صديق بأن يبعد عن هذه المتاعب التي يثيرها كل يوم وما إن عدت إلي مكتبي حتى وجدت أحد أقارب صديق ينتظرني فطلبت منه أن يتوجه إلي منزل صديق ويخبره بما دار بيني وبين عبد الناصر من حديث .

واستأجر الرجل سيارة أجرة من تلك التي تقف إلي جوار مبني " المصري " وذهب ، وفي اليوم التالي جاءني سائق سيارة أجري من نفس الموقف وقال لي : إن رجلاً خرج في العاشرة والنصف مساء أمس من دار " المصري " واستقل سيارة أجرة . وبعد أن عاد السائق إلي الموقف جاءت قوة من رجال الجيش واعتقلته وحتى الآن لم يعد .. ورجاني أن أحاول الإفراج عنه لأن زوجته تبكي هي وأولادها . واتصلت تليفونيًا بعبد الناصر ، وأخبرته بالقصة فضحك وقال : إذن أنت الذي أرسلت من استأجر السيارة ؟ إننا نحقق مع السائق طوال الليل لنعرف شخصية من ركب معه .. وزاد صوت ضحكه ارتفاعًا ثم قال : سنفرج عنه . سنفرج عنه . وبعد بضعة أيام من سعي البكباشي صديق إلي جميع زعماء مصر علي اختلاف مذاهبهم السياسية ليتوجهوا إلي مركز القيادة ويقدموا مذكرة مشتركة ، يطالبون فيها اللواء محمد نجيب بإعادة الحياة النيابية ، وبينما هو يواصل جهوده لإقناع الزعماء بذلك ، قام جمال عبد الناصر باعتقاله وتحديد إقامته بالمنزل ، وبعد أيام أرسله إلي سويسرا بحجة العلاج من مرض يشكو منه ، وفصله من مجلس القيادة (الثورة) " .

هذا ما نقلته من كتاب " جمال عبد الناصر " للأستاذ أحمد أبو الفتح ، ليلمس في ثناياه القراء مدي حساسية جمال عبد الناصر إزاء من يتجرأ علي إثارة هذا المطلب مهما كانت شخصية هذا المثير . وقد أسوق مثالاً آخر من هذه الحساسية ، ففي خلال شهر إبريل عام 1953 كان الأستاذ أحمد أبو الفتح يكتب مقالات في " المصري " تحت عنوان : " مصرع النفاق " يطالب فيها بنفس المطلب ، وجمال عبد الناصر تمشيًا مع خطته في التستر في مثل هذه الحالات وراء آخرين دفع للرد عليه أحد وزرائه محمد فؤاد جلال فرد عليه أحمد أبو الفتح بمقال جاء في ختامه :

" ومن هنا يا حضرة المواطن (لأن الوزير رده قال : إنه لا يرد باعتباره ، وزيرًا وإنما باعتباره مجرد مواطن) إنه لا سبيل إلي القضاء علي النفاق إلا بفتح أبواب الحريات علي مصاريعها ، وإلا برفع القيود عن الصحافة حتى تنطلق الأقلام حرة تنقد ما تراه جديرًا بالنقد وتوجه حرة إلي خير وجهه . ويكون من ذلك مجال للمناقشات العلنية حول الآراء يشترك فيه الرأي العام بالمطالعة والمساهمة الفعالة والتوجيه ، ولن تكون لنا الحريات موفورة ولا مكفولة إلا بقيام النظام البرلماني حيث تتلاحم الآراء وتتصادم وتتباعد وتتقارب ليخرج منها في النهاية رأي تقره الأغلبية فتقوم بتنفيذه الأدوات التنفيذية . ولا ينبغي أن يرتفع الاعتذار بأن الحياة البرلمانية كانت يشوبها الفساد ، وبأن الأعمال الصحفية كانت تخالطها الأخطاء ، فليس ذلك عيب النظام البرلماني ولا مبدأ حرية الصحافة ، فلن يكون علاج إلا بالتربية السياسية ولن تتيسر هذه التربية إلا في وجود جو ديمقراطي متحرر من كافة القيود " .

وفي خلال شهر مايو من نفس العام واصل أحمد أبو الفتوح كتاباته في هذا المطلب نفسه فكتب سلسة مقالات تحت عنوان : " الدستور .. الدستور " فدفع جمال هذه المرة للتصدي له زميله صلاح سالم عضو مجلس الثورة ووزير الإرشاد القومي ، فكتب مقالات بعنوان : " الباكون والمتباكون " فرد عليه أحمد أبو الفتح بمقال عنوانه " نعم ، الدستور " جاء فيه :

" وأعتقد يا سيدي أن الحرية هي أغلي شيء يلوذ يذود عنه الإنسان ؛ ولذلك أري واجبًا عليّ أن ألفت نظرك إلي الأشياء الآتية :

1 – أن مصر الآن – وقد انقضي علي الحركة قرابة عشرة أشهر – لا تزال بدون دستور .

2 – أن الأحكام العرفية التي فرضت في عهد فارق لا تزال مفروضة إلي اليوم .

3 – أن المعتقلات التي كانت مفتوحة منذ 26 يناير لا تزال مفتوحة حتى الآن .

4 – أن الرقابة علي الصحف مفروضة عليها .

إني ألفت نظرك إلي كل هذا لأتهمك بأنك تئد حريات الشعب ، ولكن لأقول لك : إن هذه الحريات لم تتحقق حتى اليوم ؛ ولأقول لك أكثر من ذلك : إن الحريات هي التي تدفع الإنسان إلي مزيد من الحرية ، وإن تكبيل الحرية لا يمكن إلا أن يدفع إلي حركات خفية . وإني لأعجب يا سيدي لماذا تغضب حين أطلب للشعب دستورًا وأطلب للشعب توفير الحقوق ؟ ألم تكن هذه أهدافكم ؟ ألم تعلنوا عنها أكثر من مرة ؟ فإذا ما قمت أطالب بسرعة التحقيق ثرت واتهمتني بالتباكي ، إني أستحثكم فلا يقوم داعية استعماري مثل تشرشل ويتهمكم بالفاشية والدكتاتورية والحكم المطلق"

ومعذرة إلي السادة القراء في استقائي أكثر مقتبساتي من جريدة " المصري " ، فإن هذه الجريدة كانت في تلك الحقبة من الزمن المتنفس الوحيد للأحرار وذوي الضمائر ؛ لأن أصحابها – آل أبي الفتح – كانوا قد تذروها للدفاع عن الحق حتى أيام كانت لسان حزب الوفد فإنها لم تجاره في كل ما أرادها عليه ، كما أنني اختار دائمًا كتابات أحمد أبو الفتح ، لأنه كان من أصدق أصدقاء جمال عبد الناصر ومن القلائل الذين كانوا علي صلة بالثورة قبل قيامها . وقد يمت إلي هذا الفصل الذي نحن بصدده سبب ، سؤال وجهه مندوب " المصري " إلي الأستاذ المرشد العام في سياق حديثه أجراه معه ، وكان مجلس الثورة قد قرر إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية فسأله المندوب عن رأي الإخوان في ذلك فأجاب :

" إن الذي يعنينا أن يكون الحكم صالحًا محققًا الأهداف التي تسعي إليها البلاد والتي أعلنها رجال الثورة منذ قيامها أكثر من مرة ، قاضيًا علي الفساد الذي استشري في كل مرافق الحياة " .

• حتى من زملاء عبد الناصر :

استعرضنا في هذا الفصل حتى الآن أمثلة لمطالبة الرأي العام بهذا المطلب عن طريق جريدة " المصري " ، وهي إحدى الجهات الثلاث التي أشرنا إليها ، والتي لم يكن جمال عبد الناصر قد استطاع بعد إسكاتها .. أما الجهة الثانية : وهي الإخوان المسلمون فقد كانت مطالبتهم بهذا المطلب لا تفتر خلال اتصالات مستمرة بينهم وبين عبد الناصر . بقي بعد ذلك الجهة الثالثة وهي زملاء عبد الناصر في مجلس الثورة ومن حق التاريخ أن نثبت للرجلين العظيمين اللذين صدقا ما عاهدا عليه ، وآثرا التضحية بالجاه والسلطة المطلقة وما يحيط بهما من المتعة والأبهة ، ورضيا أن يعيشا في غمار الشعب بل وفي المعتقلات والسجون علي أن يجاريا زميلهما جمال عبد الناصر فيما جنح إليه من الديكتاتورية والاستبداد . ونبدأ باقتطاف فقرات من خطاب مفتوح من القائمقام أحمد شوقي إلي أعضاء مجلس الثورة نشره في نفس هذه الحقبة الزمنية ، جاء فيه :

" لعل زملائي وإخواني أعضاء مجلس قيادة الثورة يعلمون أنني حر الرأي ، لا يمنعني عائق من الإدلاء برأي مادمت مؤمنًا به .. ولعلهم لا ينسون أنني كنت أكبر الضباط رتبة بعد قائدي اللواء محمد نجيب عندما قمت معهم بتنفيذ الحركة ، ولعلهم لا ينسون أيضًا أنني كنت معرضًا معهم – ولا أقول قبلهم – لجميع المخاطر لو لم يقدر الله سبحانه وتعالي بنجاح الحركة . ولا أقول ذلك منا عليهم ، فأنا اعتقد أن ما فعلته ليس سوي تأدية واجبي الأكمل نحو مصر . ولذلك فإن من حقي أن أسأل زملائي وإخواني أعضاء مجلس الثورة ومن حقي عليهم أن أنال جوابًا علي أسئلتي هذه :

أولاً : هل كان من أهداف الثورة أن نحكم البلاد ؟

ثانيًا : هل كان من أهداف الثورة أن يزج بالمواطنين الجاني منهم والبريء في السجون وأن تملأ المعتقلات ؟

ثالثًا : هل كان من أهداف الثورة أن نكمم الأفواه ونقيد الحريات ؟

رابعًا : هل كان من أهداف الثورة أن يقحم الجيش نفسه في السياسة وفي كل مرفق من مرافق البلاد ؟

وأليس من أبناء مصر من يقوم بالأعمال المعهود بها الآن لبعض ضباط الجيش حتى يتفرغ هؤلاء الضباط للنهوض بجيشنا المفدى لكي يتمكن من القيام برسالته السامية من طرد المستعمر وحماية البلاد ؟ اعتقد أن إخواني وزملائي أعضاء مجلس قيادة الثورة سيجيبون علي هذه الأسئلة بأن الثورة كانت لها أهداف أسمي من هذا وأنبل " .

ويختم القائمقام أحمد شوقي خطابه بالمطلبين التاليين :

أولاً : إلغاء الأحكام العرفية قبل التفكير في أي إجراء آخر ، وما يتبع ذلك من الإفراج فورًا عن المعتقلين أيًا كانت ميولهم السياسية .

ثانيًا : أن تجري الانتخابات وزارة مدنية يرأسها محايد يطمئن إليه الكافة ويثق الجميع في نزاهته ، ولتحقيق هذين الهدفين الأساسيين ، وبالتالي لتوفير الضمان أري أن أسأل زملائي وإخواني أعضاء مجلس الثورة عن مآلهم .. هل سيعودون إلي الجيش أم يا تري هل سيدخلون المعترك السياسي كأفراد ؟ وإذا كان لي أن أقترح فإني أطالب اليوم بحق الزمالة في الجهاد ، قبل أن أطالب في الغد باسم الشعب ؛ أن يحققوا رغبته التي تتلخص في أن تبعدوا أنفسكم عن كل نشاط سياسي بأن تعودوا إلي صفوفكم في الجيش ، وتضربوا المثل في التضحية من أجل الوطن .

وختم الخطاب بهذه العبارة ألا هل بلغت اللهم فاشهد " .

أما الزميل الآخر لجمال عبد الناصر الذي كان مثال الرجولة الكاملة والوفاء النادر لمبادئه ، فهو البكباشي يوسف صديق .. وإذا كان القائمقام أحمد شوقي قد اكتفي في معارضته لخطة جمال بالاستقالة من مجلس الثورة تخلصًا من تبعة الردة عن مبادئهم ، فإن يوسف صديق كان له نشاط أشرنا إلي طرف منه فيما نقلناه عن كتاب الأستاذ أحمد أبو الفتوح .. وقد اشتعل هذا النشاط نيران الغيظ في صدر جمال عبد الناصر فاتبع معه أساليب المراقبة وتحديد الإقامة والنفي إلي الخارج ثم الاعتقال ، ثم اتبع ذلك كله بأسلوب أشد فتكًا من كل ذلك وهو أسلوب تشويه السمعة وإلصاق التهم فبث عن طريق أبواق دعايته أنه شيوعي . وقد وجه يوسف صديق إلي زملائه بمجلس الثورة خطابًا مفتوحًا يدور حول نفس المواضيع التي تضمنها خطاب زميله القائمقام أحمد شوقي ، ولذا فقد نكتفي بهذه الإشارة إلي خطابه المفتوح ، ولكننا ننقل من جريدة المصري حديثًا أجراه مندوبها مع يوسف صديق بمناسبة نشر خطابه المفتوح لما في هذا الحديث من إشارات ذات مغزى يحسن الالتفات إليها :

سأله المندوب : من أنت وما هي مبادئك ؟ هل أنت من الإخوان أم شيوعي أم وفدي أم اشتراكي ؟ وهل صحيح أنك كتبت رسالتك إلي الرئيس نجيب بمداد أحمر علي ورق أحمر ؟

فأجاب : " إن صح لي أن أتحدث عن نفسي فإني أقول لهؤلاء : إنني ضابط مصري قمت علي رأس الضباط الأحرار يوم 23 يوليو 1952 بالدور الرئيسي الذي مكن للضباط الأحرار من تنفيذ سياستهم . وأما مبادئي فهي مبادئ كل وطني حر مستقل يؤمن بربه وبوطنه ، وأن وحدة مصر هي السلاح الأول الذي تتحقق به جميع أهدافها ، وأن الطمأنينة والأوضاع الطبيعية والاستقرار السياسي والاقتصادي وشعور الناس بأنهم سينامون في بيوتهم ، وأنهم غير مهددين إذا قالوا كلمة للصالح العام بالمبيت في السجون والمعتقلات ، أو باتهامهم إذا كانوا من الإخوان بأنهم عملاء لندن ، وإذا كانوا من الأحرار الوطنين بأنهم من عملاء موسكو ، كل هذه هي مبادئي . لقد أصبحت هذه البضاعة بضاعة الاتهامات التي تلقي جزافًا باترة لا تروج عند الشعب ، فقد أصبح الشعب المصري كامل الوعي ، مرهف الحس ، يميز بين الغث والسمين .. وإذا كان الهضيبي زعيم الإخوان المسلمين في مصر حقاً من عملاء انجلترا ، فأنا لا يهمني بعد ذلك أن أتهم بأني من عملاء موسكو أو غير موسكو – ومن هم عملاء واشنطن ؟ ولماذا لا يسمع أحاديث عنهم أو تحديد لهم ؟ .

وقال : إنني لا أدين بشيء إلا بحيي لبلادي ولكني أري أن الشيوعيين الموجودين بمصر الآن قوة لا يمكن إنكارها إلا إذا الهرب من الواقع ، وأنهم كمصريين لهم الحق في مناقشة آرائهم كغيرهم من المواطنين . وانجلترا وأمريكا فيها شيوعيون وفي الأولي حزب معترف به .. ولقد صرح الهضيبي – وهو الذي يمثل أكبر معسكر إسلامي في الشرق – أن الشيوعية لا تقاوم بالقوة ولا بالقوانين ، وأنه لا مانع لديه من أن يكون لهم حزب ظاهر ، وأن الإسلام كفيل بضمان سلامة الطريق التي تسلكها البلاد . وقال : أما أني كنت عضوًا في مجلس قيادة الثورة ، فهذا أمر يعلمه كل من تتبع أحداث الثورة في أوائل الحركة . وأما أن المصريين لا يعرفون عني الكثير أو القليل ، فذلك يرجع إلي أن سياسة مجلس الثورة فسأتركه للتاريخ ، وإن كان الرئيس محمد نجيب لم يبخل علي الحق في مذكراته التي نشرها علي الناس حين قال : إنني كنت الشرارة الأولي التي اندلعت في هذا التاريخ ، وإنني أفضل أن يسأل أيضًا البكباشي جمال عبد الناصر عن هذا الدور وأنا راض بتقريره في ذلك .

وأما بشأن ميولي الحمراء ، فإن هذه الميول تلصق دائمًا بكل حر ، فقد ألصقت أخيرًا وبشكل مفاجئ بالصاغ خالد محيي الدين ، وأستطيع أن أقرر أن هذه التهمة قد وجهت في وقت من الأوقات إلي البكباشي جمال عبد الناصر نفسه كما وجهت للثورة كلها في يوم ما . ومهما واجهوا إلينا من تهم فنحن سائرون في طريقنا نضحك ملء أشداقنا من هذه الاتهامات . وأما أسباب استقالتي من مجلس الثورة فإن التاريخ الذي استقلت فيه من المجلس وهو فبراير سنة 1953 يستطيع أن يحدد أسباب هذه الاستقالة لكل من في رأسه عين تري وفي قلبه بصيرة تبصر " .

وبمناسبة حديثنا هذا عن يوسف صديق أذكر أن الأخ الأستاذ عباس السيسي أخبرني بأن ظروف الاعتقال جمعته فترة طويلة بيوسف صديق في السجن الحربي ، وقد أتاحت له هذه الفرصة التي كان فيها اللقاء مباحًا أن يكتشف في هذا الرجل بجانب شجاعته وجرأته أنه أديب وشاعر ، فقد كان يوسف ينشد من شعره قصائد رائعة تتناول الحياة السياسية في مصر ، وتتناول شخصية زميله جمال عبد الناصر الذي كان جزاؤه منه جزاء سنمار ، إذ فصله من الجيش وألقاه في غياهب السجن الحربي فلبث فيه بضع سنين . واعتقد أن الأخ الحاج عباس لا يزال يحتفظ ببعض هذه القصائد التي تسجل أحداث فترة حالكة من تاريخ مصر . وقبل أن نصل بالحديث في هذا الباب إلي نهايته يجمل بنا أن نلفت السادة القراء إلي أن المعالم الأربعة التي قام عليها هذا الباب وكانت هي نفسها مثار الخلاف بين الإخوان وبين الثورة كان المعلم الأخير منها وهو الحكم الدستوري أخطرها إغضابًا لجمال عبد الناصر وأعظمها استفزازًا له ، وذلك للأسباب الآتية :

1 – أن المطالب الثلاثة الأولي ، تستغرق طبيعة تنفيذها وقتًا غير قصير – لاحتياجها إلي إجراءات مطولة ، مما يفسح الوقت ويعطي الفرصة لمن يريد أن يتعلل بالإعداد والتجهيز ، ولكن المطلب الرابع وهو الحكم الدستوري من طبيعته أنه مطلب فوري التنفيذ ذو إجراءات محددة ولا تحتاج إلي وقت .

2 – أن المطالب الثلاثة الأولي فيها من النواحي الفنية ما يجعل المناقشة حولها تحتاج إلي طبيعة معينة من المتخصصين ، وبذلك تكون هذه المناقشة حولها محصورة في نطاق محدود ، ولكن المطلب الرابع مطلب شائع ومشهور ومفهوم لكل المستويات ، ويعرف كل فرد من الشعب تفاصيل إجراءاته ويستطيع أن يتناقش حوله ، حتى إنه تحول إلي شعار لكل من يريد من الحكام أن يخطب ود الشعب ، وقد جعلته الثورة أحد شعاراتها .. النكوص عنه يحس به كل فرد من أفراد الشعب ويعتبر فضيحة سياسية .

3 – لما كان هذا المطلب فوري التنفيذ ولا يحتاج تنفيذه إلي وقت ، وكان الأخذ به معناه أن الحاكم الذي يأخذ به حصر نفسه في دائرة سلطة محدودة ، وهو ما يتعارض مع ما أسره جمال عبد الناصر في نفسه من خطة لا يستطيع تنفيذها إلا إذا لم يكن مقيدًا بأي قيد .. لهذا اعتبر جمال أن كل من يطالبه بهذا النوع من الحكم عدو له ويجب التخلص منه حتى يخلو له الميدان .

الباب الثالث : الإخوان في موقف الناصح الأمين


مقدمة

لابد أن الجيل الجديد الذي لم يشهد الثورة في أعوامها الأولي حتى يبلغه – بوسيلة من وسائل الإبلاغ – ما فعلته الثورة بالإخوان المسلمين .. لابد أنه قائل في قرارة نفسه : لا يمكن أن يحدث هذا من الثورة إلا أن يكون رد فعل لتحد صارخ وهجوم عنيف وشغب مدمر قابل الإخوان به الثورة حتى إنها دفاعًا عن نفسها ، وإبقاء علي وجودها قد فعلت ما فعلت . وقد يكون هذا الذي يدور بخلد الجيل الجديد هو ما يجب أن يكون منطق كل من يفكر في القضية المجرد ، بل إن طبيعة الأحداث التاريخية تؤيد هذا الظن وتستبعد ما سواه .. ولكن الذي كان بين الإخوان والثورة كان غير هذا تمامًا ، فموقف الإخوان من الثورة مازالت مسجلة في الصحف ، محفوظة في الأضابير ، لا شيء فيها يدين الإخوان بمثل هذا الذي يخطر بالبال ، فلا اعتداء علي الثورة ولا تطاول ولا تحد ولا تزيد ولو بكلمة نابية .

بل إن كل ما سجله التاريخ يشهد بأن الإخوان كانوا من وراء الثورة قبل قيامها وبعد قيامها ، حتى لقد بلغ حرص المرشد علي نجاح الثورة حدًا لا يكاد يصدقه عقل ولولا أنه سجل في الصحف لما صدقناه فبالرغم من أن الثورة قد ثبت تاريخيًا وبشهادة الذين ظهروا علي المسرح من رجالها بعد أن انقشعت سحائب الغرور عن نفوسهم أنها إنما انبثقت عن الإخوان المسلمين وقامت في كنفهم وبحياطتهم ، فإن المرشد العام – خوفًا من تكالب الدول الاستعمارية للقضاء عليها إذا علموا ذلك عنها – راح ينفي علاقتها بالإخوان .

ففي 23/8/1952 ظهرت جريدة " المصري " وفيها العنوان الآتي بخط كبير :

" المرشد العام يقول : ليست هناك صلات سابقة بين الجيش والإخوان " .

وكان ذلك في سياق حديث طويل أجراه مندوب الجريدة مع المرشد العام ، يقول المندوب فيه بهذا الصدد : " وحدثني المرشد العام في الساعة التي مكثتها بصحبته عن حركة الجيش فقال : ليست هناك صلات سابقة بين الإخوان والجيش . وما يقال عن اتفاق مشترك بيننا وبين الجيش في حركته الأخيرة أمر غير صحيح " . إلي هذا الحد بلغ الإخوان الحرص علي نجاح الثورة وحياطتها – وليس معني هذا أن ننفي ما حدث بعد ذلك من خلاف بين الإخوان والثورة ، وقد عرضنا لشيء من ذلك في الصفحات السابقة ، ولكن هذا الخلاف لم يحمل الإخوان علي موقف يؤخذون به أو يلامون عليه ، بل ظل موقفهم حتى آخر لحظة هو موقف الناصح الأمين .. الذي يريد لها الخير ، يسدد خطاها ، ويقبل عثراتها ، وينير السبيل بين يديها ، حتى إذا ادلهمت الأمور وضاقت أمامها السبيل ، وعز وجود النصير ، خف الإخوان إليها يسندون ظهرها ويشيدون أزرها ويؤيدون كلمتها ويؤازرون أمام العدو موقفها .

وقد خصصا هذا الباب لتجلية هذا المعني للسادة القراء لبالغ أهميته ؛ ولأنه يأتي علي غير ما هو متوقع في أذهان الكثيرين فإثباته من الضرورة بمكان .


الفصل الأول : نصح ممزوج بتأييد

في هذا الفصل نستعرض موقف الإخوان من الثورة في أول أيامها وفي أوقات رخائها . أما في أول أيامها فبالرغم مما سمعه المرشد العام من جمال عبد الناصر في أول لقاء به بعد قيام الثورة فإن أحدًا خارج نطاق أخص الأخصاء من الإخوان لم يعلم بذلك ، وظل سرًا مصونًا ، وسار التعامل مع الثورة تعامل الأشقاء ، وليس أدل علي ذلك من بيان الإخوان بعد أسبوع واحد من قيام الثورة ونشر الصحف يوم 2/8/1952 ، وإليك هذا البيان :

" الآن وقد وفق الله جيش مصر العظيم لهذه الحركة المباركة ، وفتح بجهاده المظفر أبواب الأمل في بعث هذه الأمة وإحياء مجدها التليد ، وأزال عقبة كانت تصد عن سبيل الله والحق وتعوق المصلحين ، ويستند إليها المفسدون والمغرضون من كبراء هذه الأمة وحكامها في العهود الغابرة المختلفة . الآن ينبغي أن ننظر إلي الأمام ، وألا يأخذنا الزهو بهذه الانتصارات عما يجب من استئناف العمل في مرافق الإصلاح الشامل ؛ حتى تشعر الأمة بأنها انتقلت نقلة كلية من عهد إلي عهد . وإلا نفعل فقد ضاعت ثمرة هذه الحركة ، وأصابتنا نكسة لا تؤمن عواقبها ، وهذا يفرض علي كل ذي رأي في الأمة أن يتقدم إلي الأمة وإلي أولي الأمر فيها بمشورته ، خالصة لله ، بريئة من الهوى ، عما ينبغي إن يتجه إليه الإصلاح المنشود ببعث هذه الأمة من جديد .

وسنة الإخوان المسلمين أن يتقدموا إلي الأمة وإلي أولي الأمر فيها – في مثل هذه المراحل المتميزة من تاريخها – بالرأي يستقونه من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي سوي بين المسلمين وغير المسلمين في حقوقهم وواجباتهم العامة ، ولا يفرق بين جنس وجنس ولا بين لون ولون .

أولاً : التطهير الشامل :

إلا أن أول ما ينبغي الالتفات إليه من ضروب الإصلاح ، وما لا تظهر ثمرة العمل إلا به : أن يؤخذ كل من أعان الملك السابق علي الشر ، ويسر له سبيل الفساد والطغيان بما أخذ به الملك نفسه وما ينبغي أن يؤخذ به .. فلا يستقيم ميدان العدالة ولا في حماية أعوانه وأدواته آمنين لا تمتد إليهم يد القصاص . إن دستور البلاد الذي أقسم جميع وزراء الدولة علي احترامه تنتهي نصوصه وروحه إلي إلقاء المسئولية كلها علي كاهل الوزراء ، والوزراء حين يحملون هذه المسئولية يعتبرون مؤتمنين عليها من قبل الأمة ، فإذا فرطوا في رعاية هذه الأمانة فقد استوجبوا أشد أنواع المؤاخذة . وإن الدستور ليقرر أن أوامر الملك شفهية كانت أو كتابية لا تعفي الوزير من المسئولية في الحكومة حتى يجعل رئيسها مسئولاً عن أحاديث الملك الشخصية ، فكيف يقبل بعد هذا عذر وزير مهد للملك سبيل الإفساد ، ويسر له استغلال موال الدولة ، واغتصاب أراضيها وإضاعة مصالحها وأعانه علي إهدار الحريات وسفك دماء أبنائها الأبرار ، وسن له من التشريعات والقوانين الاستثنائية ما يحميه من رقابة الشعب ويدفعه إلي التمادي في طريق البغي ؟ .

ولكن رجال الحكم قد جاوزوا كل حد في التفريط وتضييع الأمانة ، ورأوا أن الاحتفاظ بمقعد الحكم – وهو أقصي ما يستطيع الملك حرمانهم منه – أعز عليهم من الوطن والشعب جميعًا ، فضلاً عما شاركوا فيه من الغنم الحرام والاستغلال السيئ الآثم لمقومات البلاد . لقد أصبح لزامًا أن تمتد يد التطهير إلي هؤلاء الحكام فنبادر إلي تنجيتهم عن الحياة العامة وحرمانهم من مزاولة النشاط السياسي ؛ حتى يقدموا للمحاكمة عن كل ما يوجه للملك السابق من اتهامات ، وما يعاب عليه من تصرفات ، وما تظهره الملفات الحكومية اليوم وبعد اليوم من مظاهر البغي وسوء الاستغلال ، حتى يكونوا عبرة لكل من يلي أمور هذه البلاد ، إذ يوقنون أن عقاب الشعب المتربص أحق بأن من نقمة الملك المتسلط . ولا يبلغ التطهير غايته حتى تشمل المؤاخذة كل من عبث بمصلحة الدولة ، أو أجرم في حق البلاد في عهود الحكم المختلفة .. وهذا يتقاضانا أن نبادر إلي تنفيذ قانون الكسب الحرام دون هوادة ولا محاباة ، وأن تقدم للمحاكمة بلا تردد ولا تمييز كل من أساء استخدام السلطة بمصادرة الحريات وترويع الآمنين وتعذيب أبناء الأمة الأحرار . وأن يعاد التحقيق نزيهًا صارمًا في القضايا التي غل الطغيان عنها علي يد العدالة من قبل : كقضايا الجيش واغتيال الشخصيات التي كان لبعض المسئولين فيها دور معروف .

كما ينبغي إلغاء الأحكام العرفية وسائر القوانين الرجعية المنافية للحرية .

ويستطرد بيان الإخوان فيطالب :

ثانيًا : الإصلاح الخلقي :

1 – إعداد جيل جديد عن طريق التربية الدينية والخلقية والوطنية ، وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي والمصري ، وتوفير التعليم للمواطنين جميعًا ، وتدعيم معاهد العلم والجامعات علي اختلافها ، وتزويدها بما تحتاج إليه من المكتبات والمعامل وأدوات البحث ، حتى يقوم بمصر نهضة علمية جديدة تساهم في بناء نهضتنا الاجتماعية والاقتصادية . ولا شك أن التشريع مهما أحكمت صياغته ، واستقامت أهدافه وأصوله .. لا يبلغ غايته حتى يقوم علي تنفيذ الفرد الصالح ، الذي لا يتم إعداده إلا عن طريق التربية الدينية ؛ إذ تغرس في نفسه من معاني الإنسانية السامية ما يعصمه من إتباع الهوى ، ويهديه إلي أن يحب للناس ما يحب لنفسه ، فإذا وُلَّيَ أمرًا أو تقلَّد سلطانًا كان المؤمن بربه الذي لا يزال ولا يتزلف ، المستقيم في خلقه الذي لا يتكبر ولا يتغطرس ، الرضي في أمانته ، الذي لا يختلس ولا يرتشي ، والذي لا يقصي الفضيلة عن حياته الشخصية أو حياته العامة فهو في بيته القدوة الصالحة ، وفي مكتبه المثل الطيب .

2 – ومن تمام هذا الباب أن تعمل الحكومة علي تحريم ما حرم الله ، وإلغاء مظاهر الحياة التي تخالف ذلك ، مثل : القمار والخمر ودور اللهو والمراقص والأقلام والمجلات المثيرة للغرائز الدنيا . وإن العاطفة الدينية لا تكفي وحدها لضمان التخلق بأخلاق الإسلام ، فينبغي أن يقترن غرسها وإنماؤها بمحاسبة الفرد حسابًا دقيقًا علي اتخاذ الآداب والأخلاق القرآنية منهاجًا له في حياته الخاصة والعامة .

ثالثًا : الإصلاح الدستوري :

إن الفرد الصالح لا تطيب له الحياة في ظل دستور تم وضعه في عهد الاستعمار الانجليزي أولاً ، والطغيان السياسي ثانيا . وقد نشأ عن ذلك وجود ثغرات في نصوص الدستور سمحت بإحداث اضطرابات في حياتنا العامة ، واستطاع الاحتلال أن ينفذ منها بين حين وآخر ، كما سولت للملك التدخل المستمر وتجاوز حدود المبادئ الدستورية الأساسية . ولقد كان المظهر البارز لهذه المناسبات أن يجئ الدستور منحة من الملك لا نابعًا من إرادة الأمة . ولما كان تصرف الحكام قد أهدر الدستور المصري نصا ومعني ، وكان من طبيعة الثورات الناجحة أن تسقط الدساتير التي تحكم الأوضاع السابقة عليها ، فإن الدستور المصري .. يكون قد أصبح لا وجود له من ناحية الواقع ومن ناحية الفقه ، مما يقتضي المسارعة إلي عقد جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد ، علي أساس أنه تعبير عن عقيدة الأمة وإرادتها ورغبتها ، وسياج لحماية مصالحها لا علي أنه منحة من الملك .

وسيترتب علي إعادة إصدار الدستور بطبيعة الحال اختفاء جميع نصوصه التي تصدر عن طبيعة كونه منحة ، ويستمد مبادئه من مبادئ الإسلام الرشيدة في كافة شئون الحياة . وفي ظل هذه المبادئ تختفي من الدستور أسطورة الحكام الذين فوق القانون أو فوق المسئولية الجنائية ، فالمبدأ الأساسي الذي يقره الإسلام المسئولية بمقدار السلطة ، وأن الكل سواء أمام القانون . هذا وينبغي أيضًا أن نستفيد من التجارب الدستورية السابقة ليكون اتجاهنا إلي الإصلاح مؤسسا علي قواعد واقعية ملموسة . والذي يستقرئ هذه التجارب منذ بدء الحياة النيابية إلي اليوم ، يجد أنها لم تقدم نيابة صالحة ولا تمثيلاً صحيحًا . وليس أدل علي ذلك من شيوع المفاسد وانتشار الأخطاء التي تعترف بها الأحزاب السياسية اليوم وتقول : إن الملك كان هو الآمر بها ؛ لم يفلح برلمان واحد في إسقاط حكومة ، أو مناقشة مخصصات الملك ، أو تغيير وزير ، أو توجيه اللوم إلي وزارة ولم ينته أي مجلس من مناقشة أي استجواب إلا بالانتقال إلي جدول الأعمال . وفوق ذلك ، فما من قانون جاء ضارًا بالحريات وقد أقرته ، وخضعت لمشيئة الحكومات فيه البرلمانات المتلاحقة ، تلك البرلمانات التي طالما يسرت للحكومات اعتماد الأموال الضخمة المرهقة للميزانيات في أوجه البذخ والترف وتحقيق شهوات الحكم الفردي ، بحيث عجزت الميزانية في مواجهة مطالب النهضة وضرورات الإصلاح في مرافق الحياة . وهكذا انتهت الحياة البرلمانية في كافة العهود الحزبية إلي أن أصبحت أداة تعطي شهوات الحكام ومظالم السلطان صيغة قانونية ، فلا مناص إذن من النظر في إعادة بناء الحياة النيابية والقوانين الانتخابية علي أصول سليمة حتى تؤدي رسالتها علي الوجه المنشود .

رابعًا : الإصلاح الاجتماعي :

إن الأمة تعاني تفاوتًا اجتماعيًا خطيرًا ، فهي بين قلة أطغاها الغني ، وكثرة أتلفها الفقر . وهذه حال لا يرضي عنها الإسلام ، فالإسلام يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم ، والإسلام يقضي بأن يكون لكل فرد في الدولة – مسلمًا أو كان غير مسلم – كحد أدني : مسكن يقيه حر الصيف وبرد الشتاء ، وملبس للصيف والشتاء ، ومطعم يقي جسمه ويجعله قادرًا علي العمل ، وعلاج بالمجان إن كان غير قادر ، وتعليم بالمجان ، ذلك كله له ولزوجه ومن يعول .

• وسبيل الإسلام إلي تحقيق هذه المزايا :

أولاً : العمل : فالعمل فرض علي القادر عليه ، ولا يجوز له أن يتخلي عنه ولا تجوز إعانة رجل لا يعمل وهو قادر ، بل يحمل علي العمل حملاً ، ويجب علي ولي الأمر أن يساعد علي إيجاد عمل له ، ويهيئ له وسائله ويتعهده حتى يتحقق أنه يستريح فيه . ثانيًا : التكافل الاجتماعي : فإذا لم يجد عملاً أصلاً أو كان عمله لا يكفيه أو كان لا يكفيه أو كان غير قادر عليه ، وجب علي ولي الأمر أن يتدخل ليحقق له ضرورات الحياة المذكورة آنفًا بالزكاة ، وهي فريضة مقررة مقدرة وليست صدقة يدفعها الغني متفضلاً . وهي حق للفقراء ، وتصرف حيث تجبي ولا تنقل لمكان آخر حتى يستوفي أهل كل جهة بفقرائها الذين يعرفونهم ويعرفون حاجتهم ، فيشعر الأغنياء والفقراء بأنهم متكافلون متراحمون .

فإن لم تكف الزكاة لتوفير تلك الحاجات الضرورية ، وجب علي من عنده فضل مال أن يرده علي الفقراء حتى يستوفوا حاجتهم ، فإن لم يفعلوا أجبرتهم الحكومة علي ذلك ، واتخذت من التشريعات ما يكفل إصلاح حال المجتمع بقدر ظهور الحاجات وبروز الضروريات . وقبل توفير هذه الضروريات الأساسية لكل فرد لا يوقع الإسلام حد السرقة علي السارق . وبناء علي هذه المبادئ يجب النظر في عدة إجراءات يلزم أن تتخذها الدولة لتحقيق تلك الغايات ، نلخص أهما فيما يلي :

1 – تحديد الملكيات الزراعية : فإن الملكيات الكبيرة قد أضرت أبلغ الضرر بالفلاحين والعمل ، وسدت في وجوههم فرص التملك ، وصيرتهم إلي حال أشبه بحال الأرقاء ، فلا سبيل إلي صلاح جدي في هذا الميدان إلا بتقرير حد أعلي للملكية ، وبيع الزائد عنه إلي المعدمين وصغار الملاك بأسعار معقولة تؤدي علي آجال طويلة . كما يتعين توزيع جميع الأطيان الأميرية المستصلحة والتي تستصلح علي صغار الملاك والمعدمين خاصة .

2 – تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر : فمن الواضح أن عددًا كبير من المشتغلين بالزراعة لن تتوفر له ملكية حتى بعد التحديد ، وذلك نظرًا إلي قلة الأراضي الصالحة للزراعة بالقياس إلي المشتغلين بها . ولقد جرت العادة أن يلزم المستأجر بأداء مبلغ نقدي أو قدر عيني من المحصول لقاء انتفاعه بكل فدان دون مراعاة للقصد الاعتدال ، الأمر الذي يترتب عليه أن يحرم الفلاح ثمرة عمله طوال العام ، بل يخرج في أكثر الأحيان مثقلاً بدين لا يستطيع أداءه ، ولا علاج لهذه الحال بعد تحديد الملكية ‘ى بإصدار تشريع يقصر التأجير علي المزارعة ، بمعني انقسام المحصول بنسبة يتفق عليها كالنصف مثلاً ؛ لأنها أقرب الصور إلي العدالة .

3 – استكمال التشريعات العمالية : بإعادة النظر في التشريعات العمالية الحالية لتشمل جميع فئات العمال بما فيهم العمال والزراعيون ولتكفل للعامل وأسرته التأمينات الكافية ضد البطالة والإصابات والعجز والمرض والشيخوخة والوفاة ، مع مراعاة جعل الانتساب إلي النقابات إجباريًا . وإباحة تكوين الاتحادات النقابية ، وتحديد أجور العمال وفق المبادئ الإسلامية علي أسس اقتصادية سليمة ، مع ضمان حصول العمال علي نصيبهم من غلة الإنتاج ، وإلغاء مكافآت أعضاء مجالس إدارة الشركات . علي أن يكون تقرير هذه الحقوق وحمايتها بنصوص قانونية صريحة .

4 – إصلاح نظم التوظيف : علي أساس تقريب الفوارق بين الحد الأعلى والحد الأدنى للمرتبات والأجور ، وكفالة الضمانات القانونية والمالية في الخدمة والمعاش ، وتأمين المرءوسين ضد أهواء الرؤساء واستبدادهم ، وتحديد التبعات ، وتبسيط الإجراءات ، وإلغاء المركزية .

5 – إلغاء النياشين : وذلك تكملة لما تم من إلغاء الرتب ، وتحقيقًا للمساواة الكاملة بين أبناء الوطن الواحد ، وحتى تكون الأعمال خالصة لله ، وكذلك العمل علي القضاء علي مظاهر البذخ والترف .

6 – جعل المسجد مركزًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا : وقد كانت هذه وظيفة المسجد الرئيسية منذ نشأته ، ولا يتم هذا إلا بتعيين رجال متدينين مثقفين للإشراف علي المساجد ، لا يكتفون بإقامة الصلوات ، بل يحولون المسجد وبخاصة في القرى ، إلي ندوة حافلة بضرب النشاط والإصلاح ومكافحة الأمية .

خامسًا : الإصلاح الاقتصادي :

إن موارد الثروة في مصر بوضعها الحال لا تكفي أن يعيش المواطنين معيشة طيبة ، ولابد من فتح أبواب جديدة للثروة وإصلاح الأوضاع القائمة علي أسس سليمة . وتقترح لذلك أمورًا منها :

1 – تحريم الربا ، وتنظيم المصارف تنظيمًا يؤدي إلي هذه الغاية ، وتكون الحكومة قدوة في ذلك بالتنازل عن الفوائد في مشروعاتها الخاصة .

2 – تمصير البنك الأهلي وإنشاء مطبعة للإصدار في مصر ، واستعجال إنشاء سك النقود المعدنية .

3 – إلغاء بورصة العقود التي أدت المضاربات فيها إلي زعزعة الاقتصاد القومي ، والعمل علي إصلاح السياسة القطنية بما يحقق مصالح البلاد .

4 – استكمال إصلاح الأراضي البور ، والعناية باستغلال الصحاري المصرية زراعيًا ومعدنيًا .

5 – تصنيع البلاد مع العناية بالصناعات المعتمدة علي المواد الأولية المحلية والصناعات الحربية . سادسًا : التربية العسكرية :

إن رجال الجيش البواسل هم أولي الناس بإصلاحه ، ويجب علي الدولة ألا تبخل عليه بالمال الذي يهيئه لتأدية واجباته ، وأن تعتبر ذلك فريضة لا يؤخرها غيرها من الفرائض ، ولو اقتضي الأمر الجور علي أبواب الميزانية الأخرى . ونود أن نشير إلي أمور في التربية العسكرية نجملها فيما يلي :

1 – أن تراعي الآداب والشعائر الدينية في الجيش ، وأن تقوم العلاقة بين أفراده علي أساس الأخوة .

2 – أن يوسع نطاق التجنيد بحيث لا يبقي في الأمة بعد فترة محدودة من يستطيع حمل السلاح دون أن يحمله ؛ حتى يصبح الشعب كله جيشًا كامل الأهبة والعتاد .

3 – أن تضاعف العناية بالتدريب العسكري في المدارس والجامعات ، وأن تتسم بالجد والإنتاج ، فيقرر إجباريًا في مناهج التعليم ويشمل فنون الحرب وأساليب القتال الصحيح .

4 – إنشاء جيش إقليمي يتكون من كل من فاته الانتظام في الجيش العامل .

5 – أن تبادر الحكومة إلي إنشاء مصانع الأسلحة والذخيرة لإمداد الجيش بحاجته منها ؛ حتى يستطيع الجيش أن يحقق غاياته في العدد والعدة ومستوي التدريب .

سابعًا : البوليس :

إن رجال البوليس هم حفظة الأمن الداخلي ، و هم جزء من الأمة يجب أن تكون علاقاتهم معًا علاقة أخوية وقائمة علي أساس من الخلق الفاضل الكريم . لذلك ينبغي أن يطهر البوليس من العناصر الفاسدة التي عاونت الطغاة علي إذلال الأمة ، ومهدت السبيل لزج أبنائها الأبرياء في ظلمات السجون والمعتقلات ، وأشاعت في البلاد جوًا من الفزع والإرهاب مازالت آثاره حية بيننا ، وأن ينزه البوليس عن أن يكون أداة في يد الأحزاب تسخره في مآربها السياسية ، مستغلة سيطرتها عليه حين تكون في الحكم . ويجب إلغاء نظام البوليس السياسي الذي أساء إلي سمعة البوليس ، ومد نفوذه بغير حق إلي كثير من مرافق الحياة ، وهو في حقيقته أثر من آثار الاستعمار البغيضة . ويجب أن يرفع مستوي رجال البوليس وأن يآمنوا في حياتهم ، وتوثيق روابط الود بينهم وبين رؤسائهم من ناحية وأفراد الأمة من الناحية الأخرى .

خـاتـمـة :

هذه الخطوط رئيسية في الإصلاح يحتاج كل منها إلي بيان ، وإن المشكلة التي تقابلنا الآن ذات ثلاثة أطراف : مظلومون وظالمون ، وأوضاع مكنت الظالم من أن يظلم ، ولابد لكي يستقيم أمر هذه الأمة مما يأتي :

1 – أن ترد المظالم إلي أهلها وأن يعاد إلي كل ذي حق حقه ، فترد إلي المسجونين السياسيين حريتهم . ولقد كانت هذه الصفوة من الشباب الطليعة الأولي التي ثارت في وجه الظلم والطغيان ، ولازالت ترسف في أغلالها بينما يتمتع المترفون والجلادون بأهوائهم . كما ترد الأموال والأرض المغصوبة إلي أهلها ، وأن تتوفر للمواطنين حياة يتحررون فيها من أغلال الإلحاد والفقر وطغيان الحاكمة وتجار السياسة .

2 – أن يقتص من الظالمين ، وأن يبعد من الميدان السياسي هؤلاء الذين استباحوا الحرمات ، واعتدوا علي الحريات وداسوا علي مقدسات الأمة ، وجعلوا البلاد مزرعة لشهواتهم ، واتخذوا العبث بمصالحها مادة للكسب الحرام لأنفسهم وأهلهم وأنصارهم .

3 – أن تغير الأوضاع التي مكنت الظالم من أن يظلم ، وأن يكون التغيير شاملاً لكل مرافق الحياة التي استطاع الطغاة أن ينفذوا منها إلي مآربهم .

أما قضية الاستقلال فليس لها إلا حل واحد ، وهو أن يخرج الانجليز من مصر والسودان ، وأن يخرج كل مستعمر من بلاد الإسلام ، وإن الإخوان المسلمين حين يتقدمون بهذه الخطوط الرئيسية إنما يستوحونها من كتاب الله الذي يأمر بالعدل والإحسان ، ويحض علي الإخاء ورعاية أهل الذمة ، ويدعون الله جلت قدرته أن يجمع القلوب علي الهدي ، وأن يحقق للأمة أهدافها ، وأن يهدينا سواء السبيل . والله أكبر و لله الحمد .

نقلنا إلي القراء هذا البيان ليلمسوا فيه المعاني التي توخينا إبرازها في العلاقة بين طرفين ونترك للقراء الكرام تقدير هذه العلاقة .

الفصل الثاني : تأييد ودعم في أحرج المواقف

قدمنا في الفصل السابق ما ينطق بروح التعاون والإخاء من ناحية الإخوان المسلمين إزاء الثورة ؛ حيث قدموا لها برنامجًا كاملاً شاملاً صريحًا واضحًا ، ولا يتقدم مثل هذا البيان إلا قوم يرون في القائمين بالحكم إخوة لهم يعقدون عليهم الآمال . وينتظرون من ورائهم الخير والإصلاح .. ولا يقرأ هذا البيان مراقب سياسي إلا قرر أن أصحابه إخوة وأصدقاء وحلفاء لهذه الحكومة .. وهو ما كان فعلا شعور واضعي البيان وهم الطبقة المسئولة في الدعوة والممثلة ل الإخوان المسلمين أعضاء الهيئة التأسيسية .

ولكن المراقبين السياسيين – لاسيما الأجانب منهم – لا يكتفون بمثل هذا البيان دليلاً علي روح التعاون والتكاتف بين هيئة وحكومة ، فإبداء هذه الروح في وقت الرخاء قد يكون وراءه ما وراءه من الدوافع والآمال .. وينتظر هؤلاء المراقبون حتى تقع هذه الحكومة في أزمة خانقة تكون فيها أحوج ما تكون إلي من يمد لها العون ، ويرقبون هذا الحليف الذي تقدم للتأييد في وقت الرخاء هل يجدون له أثرًا وقت الأزمة الذي يكون التأييد فيه مكلفًا وذا ثمن فادح ؟ . وهذا ما نستقرئ عنه الأحداث لعلها تنبئنا بشيء فيه يقنعنا هؤلاء المراقبين :

استمرت المفاوضات بين حكومة الثورة وبين الحكومة البريطانية منذ قامت الثورة في يوليو 1952 حتى آخر مايو 1953 في محاولات لإقناع إنجلترا بسحب جيوشها من منطقة قناة السويس .. وفي نهاية مايو 1953 يئست الحكومة ووجدت نفسها أمام طريق مسدود من تعنت الحكومة البريطانية فأعلنت قطع المفاوضات . ومعني إعلان الحكومة المصرية قطع المفاوضات هو أنها قد استنفدت كل وسائل التفاهم والإقناع ولم يبق أمامها بعد ذلك إلا طريق المقاومة .

فما كان موقف الإخوان المسلمين إزاء هذا الموقف الجديد ؟

في 29/5/1953 أي عقب إعلان الحكومة هذا الموقف مباشرة ، أقام الإخوان حفلاً بشعبة العباسية بالقاهرة بمناسبة ذكرى غزوة بدر ألقيت فيه كلمة المرشد العام التي نشرت في الصحف في اليوم التالي جاء فيها :

" والإخوان المسلمون يضعون كل إمكاناتهم رهن وصول مصر إلي حقها الكامل ، لا يضنون في سبيل ذلك بدمائهم ولا بأموالهم ولا بمجهودهم . وإن لهم من إيمانهم وصدق وطنيتهم وقوة تربيتهم ما يجعلهم قادرين علي تحمل الأعباء الجسيمة في معركة مصر المقبلة ، وإذا كان غيرهم يعتبر القيام بهذا الواجب مما تفرضه عليه الوطنية ، فإن الإخوان المسلمين يرون قيامهم بنصيبهم في تلك المعركة عبادة يتقربون بها إلي الله ، ويشترون بها الجنة . وإننا مع هذا نتابع جهودنا في ميدان الإصلاح الداخلي ، متعاونين مع كل من يريد الإصلاح والخير لهذا الوطن ، مؤيدين رجال العهد الحاضر في ذلك تأييد الكريم للكريم ، لا يألون عونًا إن أصاب ولا نصحًا خالصًا إن أخطأ .. معرضين عن كل ما يحاوله أعداء الإصلاح في عهده الجديد من إيغار الصدور ، وتفريق الصفوف .. وموقفنا هذا مما يفرضه حق الأمة والوطن علي جماعة تدعو إلي الإصلاح ، لا تبتغي من الناس جزاء ولا شكورًا " .

ومع أن كلمة المرشد العام هذه لم يقلها بنفسه حيث كان في ذلك الوقت خارج القاهرة ، وقد ألقاها نيابة عنه الأخ الأستاذ محمود عبد اللطيف .. فقد كان لما جاء بها صدي بعيد المدى في الأوساط البريطانية والغربية .. حتى إن وكالة أسوشيتدبرس كلفت مراسلها في القاهرة مستر إدوارد بولاك بمقابلة المرشد العام وإجراء حديث معه .

• حديث المرشد العام مع وكالة الأسوشيتدبرس :

وقد تمت المقابلة في 4/6/1953 ونشرت في الصحف في اليوم التالي .. ونورد نص هذه الأسئلة والأجوبة عليها كما نشرت :

س : ما هو رأي الإخوان المسلمين في المرحلة الحالية للنزاع المصري الانجليزي بشأن الجلاء عن منطقة قناة السويس ؟ .

جـ : لقد كان الإخوان يرغبون ألا تصل العلاقات السياسية بين مصر وبريطانيا إلي المرحلة الحرجة الحالية ، وكنا نأمل أن تقبل بريطانيا الحل الوحيد العادل والمعقول ، وهو الجلاء عن منطقة قناة السويس ، وإذا كانوا قد فعلوا ذلك لكسبوا صداقة المصريين ، ولكن أملنا لم يتحقق ، فلقد سيطرت العقلية الاستعمارية علي وجهة النظر البريطانية ، وجعلتهم يذهبون إلي حد وضع شروط غير معقولة لإتمام الجلاء الذي تريده مصر – وإن هذا سيجعل المصريين جميعًا أعداءً لبريطانيا حتى تسترد مصر حقوقها .

س : هل الإخوان المسلمون علي استعداد للتعاون مع الحكومة في أي إجراء تقرره لتحقيق الجلاء عن القناة مهما يكن هذا الإجراء ؟ .

جـ : إن أحدًا لا يشك في ذلك ، ولو لم تكن موقنين بأن صبر الحكومة الحالي وانتظارها في مصلحة مصر لسبقناها ، وخطونا الخطوات الضرورية التي يجب علي مصر اتخاذها بشأن هذا النضال بجميع الوسائل الممكنة ضد القنوات البريطانية . وعندما تقرر الحكومة أن الوقت قد آن للتحرك فستجد الإخوان المسلمين علي استعداد للتجاوب بكل الإجراءات والعمليات الضرورية لتحقيق آمال مصر وحقوقها .

س : من المعلوم أن الإخوان المسلمين لديهم عدد من الأعضاء المدربين للقيام بشن حرب العصابات أو أي عمليات أخري ضد القوات البريطانية في منطقة القناة . وتقول الأنباء : إن هذه التشكيلات ستتحرك إذا قررت الحكومة ذلك وفي الوقت الذي تقرره الحكومة ، فهل تؤكد هذه الأنباء ؟ وإذا كان هذا صحيحًا فهل تستطيع أن ترسم الهيكل الخارجي لتفاصيل هذه التشكيلات واستعداداتها ؟ .

جـ : إن كل ما أستطيع الإفضاء به إليك هو أن الإخوان المسلمين مستعدون لأداء واجبهم وإني أفضل عدم الكشف عن تفصيلات أعتبر أن الموقف الحالي غير مناسب للكشف عنها .

س : هل تستطيع أن تفضي إليّ ببعض المعلومات عن حالة الإخوان المسلمين الحاضرة مثل عدد الأعضاء المنتمين إليهم ، وعدد الشعب في مصر وفي البلاد العربية الأخرى ؟ وهل ستشترك تشكيلات الدول العربية الأخرى من أجل تحرير مصر إذا ما تقرر نشوب القتال ؟ .

جـ : لم يعد اسم الإخوان المسلمين يعني أنها منظمة وطنية أو قومية ، فإنها الآن تقوم كرمز للمسلمين في جميع أنحاء العالم ؛ تدعوهم أن يفيقوا ويتقدموا في طريق نهضة قوامها التعاليم الإسلامية . وهذه التعاليم تهدف إلي حياة كريمة ، بما في ذلك نشر التعاليم والأخلاق الحسنة والمعيشة اللائقة في مجتمع التعاليم باستغلال منابع الثروة القومية ، والمحافظة علي الاستقلال الوطني قبل كل شيء – ونحن نهتم بعدد الأعضاء المقيدين في السجلات اهتمامنا برؤية مبادئنا تفهم علي الوجه الصحيح ، ويتبعها أكبر عدد من الشعب في مصر وفي الخارج .

أما عن الإخوان في مصر فإني أحب أن أؤكد أنهم منبثون في جميع أنحاء القطر ، وقد أنشئت المراكز في جميع البلاد والقرى . ويعتبر الإخوان المسلمون الآن قادة الرأي العام المستنير لشعب يدرك حقوقه وواجباته . وإن هدفنا الأساسي هو أن نرفع من مستوي أتباعنا وندفع بهم في طريق الحق ، وبذلك نعينهم علي تحمل مسئولياتهم في الوقت الحاضر . وأما عن الإخوان المسلمين في البلاد الأخرى فإني لا أود أن أقول أي شيء عنهم بسبب الظروف المختلفة القائمة في كل من هذه البلاد ، وكذلك فإني أفضل ألا أقيد نفسي بما إذا كانوا سيشاركوننا في معركة القتال أم لا .. إلا أني في مركز يسمح لي أن أؤكد أنهم سيؤيدوننا بجماع قلوبهم ، هذا إذا لم يستطيعوا أن يشتركوا في المعركة نفسها .

وإني أود أن ألفت الأنظار إلي محاولات خبيثة تقوم بها بعض العناصر الغربية لإعطاء صورة كاذبة عن الإخوان المسلمين .. وهذه المحاولات تهدف إلي خلق شعور عدائي بين الإخوان والغرب . وإني اعتقد أن العالم الإسلامي سيجني أعظم الفوائد بمحاولته فهم مبادئنا فهمًا جيدًا ، وبدارستها في ضوء من العدل وعدم التحيز ، وإني لمتأكد أن العالم الغربي عند ذلك سيقتنع تمام الاقتناع بعظم الفائدة التي سيجنيها وسيقلع عن تصورالإخوان المسلمين في صورة " شبح مخيف " تلك الصورة التي حاول البعض رسمها عن الإخوان . وإني لمتأكد أن الغرب سيجد في الإخوان المسلمين أكثر العوامل كفاءة للعمل في سبيل تقدم الإنسانية وتحقيق الرفاهية للشعوب ، واستقرار السلام بين الأمم المختلفة " .

وغير خاف عن القارئ – بعد أن اقرأ هذا الاستجواب الدقيق – مدي اهتمام الحكومة البريطانية في هذا الظرف الحرج باستطلاع رأي الإخوان المسلمين في الموقف ، وفي القدر الذي قرروا بذله من التأييد للحكومة المصرية . وحسب القارئ أن يعلم أن المفاوضات قد قطعت في نهاية مايو ، وأن هذا الاستطلاع ثم في الرابع من يونيو ، وأن لندن أعلنت تراجعها عن التعنت وتقدمت بخطوة إيجابية في المحادثات في 15 يونيو .

الباب الرابع : تأثير قيام الثورة في التفاعلات الداخلية في الدعوة


مقدمة

كان المفروض والمعتقد بل والذي يخطر ببال كل إنسان ، وخطر فعلاً ، أن قيام الثورة ما هو إلا دعم الإخوان المسلمين وتقوية وإمداد جديد . وإذا كان من طبيعة الأشياء ألا يخلو شيء من نقاط ضعف أو مواطن خلل ، فكان المنظر أن يكون قيام الثورة علاجًا شافيًا لهذه النقاط وتلك المواطن في المجتمع الإخواني .. فهل تحقق هذا الذي كان مفروضًا ؟ . أوردنا في فصل سابق بيانًا موجزًا عن التفاعلات الرئيسية التي كانت تنتاب الدعوة عندما تولي الأستاذ حسن الهضيبي منصبه فيها .. وقد أوجزناها في تفاعيل اثنين هما : تمرد أولي القربى ، وتمرد أولي القوة . وألمحنا إلي أنهما كادا يعوقان الدعوة عن السير .. ولكن جهود الإخوان تمكنت بعون الله أن توقف هذين التيارين عند حد .. بل إنهما أمام الإجماع الإخواني الدفّاق في تأييد المرشد الجديد ، لم يكن في استطاعتهما إلا أن يحنيا رأسيهما خضوعًا وإذعانًا . وسارت الدعوة تشق طريقها ، وتألقت في سماء مصر ، وشدت جميع الأنظار إليها ، تتطلع إليها في شوق وتلهف ، أنه قد حانت ساعة الخلاص ، وتحقق للناس ما طال انتظارهم له ، فقد قامت الثورة .. ولم يكن أحد يشك في أن هذه الثورة هي ثمرة جهود ربع قرن ؛ واصلت فيه هذه الدعوة الليل بالنهار في إيقاظ الشعب وتربيته وتثقيفه وتنظيمه .. وكان الأمر فعلاً كما اعتقد الناس .. ولكن .

ولكن – ما أشق هذا الاستدراك علي النفس – لم يكن أحد يعلم أن هؤلاء الذين ظهروا علي المسرح كانوا يكنون في قرارة نفوسهم غدرًا بالدعوة التي تربوا في أحضانها ، وقامت حركتهم في كتفها وحمايتها .. وسرعان ما وضح الخلاف أو افتعل الخلاف بين هؤلاء وبين قيادة دعوتهم . أما نقاط الخلاف فقد أفردنا لها بابًا تم فيه تمحيصها .. ولكن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ، وبهذا المعني وعلي هذا الأساس سار الإخوان مع وجود هذا الخلاف علي أسلوب النصح والتسديد والدعم والتأييد ، سواء في أوقات الرخاء أو في ساعات العسرة والحرج كما بينا ذلك في الباب السابق .. آملين أن يتكفل الزمن بالتقريب بين الآراء ورجوع المخطئ إلي الرشد والصواب .. ولكن هل وقف الأمر عند هذا الحد ؟ .

يبدو أن النفوس البشرية ذات تلافيف وسراديب وذات أعماق بعيدة ، بحيث لا يعلم حقيقة ما في أعماقها إلا الله وحده .. لقد سار الجمع مع الركب الإخواني الهادر يحرز كل يوم نصرًا ، ويجني كل يوم ثمرًا ، ويدكدك بأقدامه كل يومًا صرحًا من صروح الظلم والاستبداد .. حتى أتي عليها جميعًا .. وتأهب سكانها للقرار مخلين للركب الهادر الميدان ، تاركين بين يديه الزمام .. وتقدم – في حماية الركب الهادر – ثلة من رجال فتسلموا الزمام .. فلما تسلموا الزمام ماذا فعلوا ؟ إنهم تنكروا أولاً للركب الهادر الذي رباهم وحمي ظهرهم .. فلم يتقيدوا بما كانوا قد عاهدوا الله عليه .. ثم إنهم بعد ذلك أرادوا أن يتخذوا منه مطية لأطماعهم . إن الإنسان لا يملك لإنسان ارتبط معه برباط شيئًا إذا تحلل هذا الإنسان من ارتباطه حتى ولو كان قد وثق هذا الارتباط بيمين .. ولذا فإن المرشد العام لم يقابل تحلل جمال عبد الناصر من بيعته وعهده بشيء سوي التفويض لله ولم يعتبرها المرشد العام كارثة الكوارث .. لأن الوصول إلي الحكم لم يكن هدفه .. فإذا كان نفر من أفراد هذه الدعوة قد خرجوا عن الجادة وجعلوا الوصول إلي الحكم هو هدفهم .. فليهنئوا بهذا الحكم ، ولتسر الدعوة في طريقها المرسوم ، مؤيدة كل صواب ، محذرة من الجنوح إلي الأخطاء .. ولعل هؤلاء في يوم من الأيام يفيئون إلي رشدهم ويرجعون إلي صوابهم .

لقد خرج علي هذه الدعوة من قبل آخرون .. وتنكروا لها ، وحملوا عليها ، وافتروا عليها .. فلم يضرها ذلك في كثير ولا قليل .. واستطاعت أن تواصل مسيرتها .. كان هذا هو شعور المرشد العام حين صارحه كبيرهم بالتحلل من العهد والبيعة . ولكن كبيرهم هذا لم يكتف بالتحلل من العهد والبيعة ، بل أسر في نفسه وطوي أحنائه علي أطماع بالغة الخطورة لم تخطر علي بال طائفة من التي خرجت علي هذه الدعوة من قبل إنه جعل خطوته التالية أن يسخر الدعوة لأطماعه . إنه كان يفهم – عن ثقافته التي تلقاها في المحيط الإخواني ، ومن احتكاكه بمختلف الهيئات – أن لابد للحاكم لكي يكون ثابتًا في حكمه ، من قاعدة شعبية يستند إليها ، ويعتمد علي تأييدها ، ويستمد سلطته من نفوذها الشعبي .. ويعلم كذلك أن الإخوان المسلمين هي الهيئة الشعبية ذات الجذور في أعماق الشعب ، إنها الهيئة الشعبية المنظمة الغنية بشبابها ورجالها ونسائها ، وأنها الهيئة الوحيدة نظيفة الصفحة التي لم تثر حولها شبهة من غش أو فساد أو استغلال . أية هيئة هذه التي لا يحلم أي حاكم واسع الآمال إلا بها سندًا له ، وردءًا يحميه ، وطودًا يتسنم ذروته ، فلا تتطاول إليه الأيام ولا ترقي إليه الأحداث ؟!! .

إن جمال عبد الناصر دار بخلده كل هذا ، وطاردته نفس هذه الأحلام .. وما كان لإنسان في مثل موقف عبد الناصر إلا ويدور بخلده كل هذا وتطارده هذه الأحلام . وكل ما دار بخلد جمال ، وكل ما حلم به كان ممكنًا تحقيقه في عالم الواقع وبدون أدني جهد ، لو أنه حفظ عهده وتمسك ببيعته .. لأن الإخوان ازهد الناس في مظاهر الحكم .. ولو أرادوا – كما قدمنا – لسعي إليهم قبل ذلك بسنوات . ولقد سعي الهضيبي للقاء جمال عبد الناصر يوم 28 يوليو 1952 في منزل صالح أبو رقيق ليقول له هذه الكلمات ، ويطمئنه علي أن الإخوان المسلمين جميعًا من ورائه .

ولكن جمال عبد الناصر كانت له آمال أخري وأحلام أخري – وارتباطات أخري – كان حريصًا علي إخفائها .. وكان ولاءه لهذه الارتباطات الأخرى يقتضيه أن يفوه للمرشد العام بهذه الكلمات .. وهذا الكلام ربما جاء بيانه فيما بعد إن شاء الله .. والمهمة التي كان جمال يريد الإخوان لها قد تمت ، ونجحت الثورة ولم يعد له بهم حاجة ، وعليهم أن يخلوا له الميدان وحده لأنه لا يستطيع أن يجمع بين الضدين .. واعتمادًا علي ما يعلم من صدق وفاء الإخوان لمبدئهم ولوطنهم فإنه كان موقنًا أنه إذا ما وقع في مأزق فإنه سيجدهم – رغم كل ذلك – من ورائه . لقد كان معه طوال الوقت وعلي مدي الأيام السابقة صلاح شادي وحسن عشماوي وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق وصالح أبو رقيق .. ولكنه لم يفه بهذه الكلمة لهم .. لأن التوقيت المرسوم كان أن يفوه بها ل المرشد العام نفسه في الوقت الذي فاته بها له ، ولو أنه استطاع أن يفوه بها له دون أن يسمعها هؤلاء لكان أفضل له ، ولكن الظروف لم تكن تسمح بذلك .


الفصل الأول : حاجة ملحة للعمل علي " تميز الدعوة " من جديد

هدمت هذه الكلمات القصار في هذا اللقاء صروح الآمال التي كان المرشد العام بناها علي هذه الثورة ، والتي كانت جميعها تدور حول حكم خالص في ظلال الوحي الرباني الهادي المبين ، كما لمح الرجل ما وراء هذه الكلمات التي سمعها من أطماع حول تطويع هذه الدعوة وتذليل عنقها لتكون في خدمة هذه الأطماع .. وما كان ل المرشد العام – والوضع أضحي كما رأي – لا أن يكرس كل جهوده علي ألا يختلط الحق بالباطل ، وعلي أن يظل للدعوة " تميزها " الذي اكتسبته وعاشت به حتى تسلم هو قيادتها .. وأحب هنا أن ألفت نظر السادة القراء إلي أن المحافظة علي تميز الدعوة ليس بالأمر السهل القريب المنال ، وإنما هو أمر خطير ، ومهمة بالغة الصعوبة .. ولقد سبق لنا أن أفردنا بابًا من قبل في الجزء الأول من هذه المذكرات لمحاولة حسن البنا إبراز الإخوان المسلمين باعتبارهم فئة متميزة من الفئات الأساسية في المجتمع المصري ، وأشرنا فيه إلي طرف من الجهود الجبارة التي بذلها في سبيل ذلك ، وما اعترض طريقه في ذلك من مشقات .. ومع ذلك فقد كان يريد أن يميز دعوته من دعوات وهيئات وجماعات كانت كلها موجودة معه علي الصعيد الشعبي ، كما كان متاحًا لهذه الجماعات من وسائل .. ومع ذلك لاقي ما لاقاه من مشقات ، وخاض في سبيل ذلك الغمرات ، وخرج عليه من خرج .

ودارت الأيام وبعد أن بذلت الدعوة في خلال عشرين عامًا أغلي ما نملك حتى تم تميزها .. واجه مرشدها الجديد موقفًا خطيرًا يكاد يقوض البناء من أساسه .. إنه يراد للدعوة أن تميع وأن تطمس قسمات وجهها المشرق وأن تلعب أصابع " المكياج " في هذه القسمات حتى تبدو في الشكل الذي يريده الحاكم . والدعوة الإسلامية – علي مدي العصور – لم تُنَل إلا بهذا الأسلوب ، أسلوب التمييع والتحرير والتزييف .. لأن الدعوة الإسلامية هي فكرة قبل أن تكون دعوة ، وهذه الفكرة محددة المعالم .. فإذا أريد تطويع الدعوة فلابد من العبث أولا بالفكرة ، ومحاولة إفراغها من مضمونها أو تحريف هذا المضمون بالإضافة إليه أو الحذف منه أو التأويل السقيم لمعانيه .. ولا نقصد بالدعوة الإسلامية في هذا الصدد المحمدية فحسب ، وإنما هي الدعوة من لدن إبراهيم عليه السلام حتى عيسي عليهما السلام .. هذا كان دأب الذين أرادوا الكسب الحرام لأنفسهم سواء كان هذا الكسب مادة أو جاهًا أو سلطة .

أحس حسن الهضيبي كل هذه المعاني لحظة فاجأه جمال عبد الناصر يوم 28 يوليو 1952 بهذه الكلمات القصار التي أعلن فيها تحلله من بيعته .. أحس بأن جهده كله يجب أن ينصب منذ تلك اللحظة علي تحصين دعوته ، والإبقاء عليها متميزة واضحة المعالم ، ذات جدار عال شاهق يعيا كل جبار دون اجتيازه .. ولهذا أجاب جمالاً بهذه الكلمات التي تؤدي نفس المعني تمامًا : " اسمع يا جمال .. ما حصلش اتفاق .. وسنعتبركم حركة إصلاحية .. إن أحسنتم فأنتم تحسنون للبلد .. وإن أخطأتم فسنوجه لكم النصيحة بما يرضي الله " وفهم جمال نفس هذا المعني الذي يقصده المرشد العام . وقال المرشد العام عقب ذلك للذين حضروا هذه المقابلة من الإخوان هذه الكلمات : " الراجل ده مافهش خير ويجب الاحتراس منه " ولم يكن هذا التعقيب منه إلا صدى لقوله تعالي : (                        ) .

والناظر في هذه الآية والست التي سبقتها قد يري فيها روعة وعجبًا .. فقد بدأت بقوله تعالي : (          ) ثم يذكر عشر صفات لأولئك الذين علموا أنما أنزل من الله هو الحق ، جعل في مقدمتها : (       ) ثم اتبع ذلك بقية الصفات – ولكنه في الآية السابعة التي نحن بصددها وهي التي تعرض لصفات النقيض لا تذكر إلا صفات ثلاثًا ليس غير ، وهي : نقض العهد والميثاق ، وقطع ما أمر الله به أن يوصل ، ثم الإفساد في الأرض – وقد تومئ الآية بذلك إلي أن نقض العهد – عادة – إنما ينبعث من حصول الناقض علي متاع من متاع الدنيا كمال أو سلطة كان يرنو إليهما ، فلما قد تعاهد معهم وهم أصحاب الفضل عليه ، وكانوا أولي الناس بأن يعترف بفضلهم ويصل حبله بحبلهم – ولما كان الحق لا يتعدد ، وليس بعد الحق إلا الضلال ، ومن تنكب طريق الحق لم يجد أمامه إلا طريق الفساد .. ولما كان هذا الناقض ذا قوة اكتسبها كما قدمنا ، فسلوكه طريق الفساد لا يعود عليه وحده بالضرر بل يعود الضرر عليه وعلي غيره ممن تابعوه أو ممن ابتلوا به .

ومعني أن حسن الهضيبي واجه في ذلك الوقت موقفًا ألزمه أن يتوجه كل جهوده للحفاظ علي " تميز " الدعوة هو أن الدعوة رجعت إلي سابق عهدها في عهد حسن البنا فاتخذت موقف الدفاع عن النفس ، والذود عن كيانها . ولكن الموقف في هذه الموقف أصعب من ذي قبل للأسباب الآتية :

1 – أنحسن البنا كان يدافع عن كيان دعوته ، ويعمل علي تميزها ، ويحدد معالمها – وهو قائدها غير منازع ، وصاحب الكلمة المطاع ، لا يخرج عن طاعته أحد من أتباعه .

2 – أن حسن البنا كان يعمل علي تميز دعوته – كما قدمنا – عن هيئات وجماعات كانت كلها معه في المستوي الشعبي وأنه كان متاحًا له ما كان متاحًا لهم من وسائل .

3 – أن الحكومات التي كانت تختلف معه أو تعاديه كان بينها وبين دعوته خط فاصل واضح المعالم يراه القريب والبعيد ، فصحف هذه الحكومات ترمي بصريح العبارة دعاة الحكم الإسلامي بالتأخر والرجعية .

4 – أن وجود جيوش المستعمر علي أرض الوطن مع وجود حكومات من المصريين تتعاون معه ، كان عاملاً من عوامل إبراز هذا الخط الفاصل الذي يراه الشعب بين الإخوان المسلمين وبين هذه الحكومات .

ولكن حسن الهضيبي هذه المرة واجه هذا الموقف وهو في وضع نجمله في الآتي :

1 – أنه دخل هذا الميدان وهو لا يزال قريب عهد بحرب شعواء شنها عليه عنصران من عناصر هذه الدعوة أولي القربى وعنصر أولي القوة .. وإذا كانت الظروف التي واجهت هذين العنصرين لم تكن مواتية لهما فخفت صوتهما ، وتواريا عن الأنظار .. فمن يدري كيف يكون لهما من موقف إذا تغيرت الظروف ؟ .

2 – أنه يريد المحافظة علي " تميز " دعوته لا عن هيئات وجماعات شعبية وحسب ، وإنما يريد أن يحفظ لها تميزها أيضًا عن حكومة لا يملك هو من الوسائل مثلما تملك .

3 – أنه ليس هناك خط فاصل واضح بين هذه الحكومة وبين الدعوة بحيث يراه الشعب ، ويكون هذا أول ما يلفت النظر إلي التميز ، بل إن الشعب مستقر في خاطره أن هذه الحكومة هي وليدة دعوة الإخوان المسلمين . بل الأدهى من ذلك أنالإخوان المسلمين أنفسهم مستقر في خاطرهم هذا المعني نفسه .

4 – أن هذه الحكومة لم تعلن علي الشعب ما يشم منه ما يناقض الدعوة الإسلامية ، بل إنها تصرفت في أول عهدها تصرفات توحي كأن أصحابها يمثلون هذه الدعوة ، مثل رفضهم ركوب السيارات المخصصة للوزراء والاكتفاء بركوب سياراتهم الخاصة ، حتى إن بعضهم كان يركب الترام ، ومثل اكتفائهم في الاجتماعات التي تطول لمجلس الوزراء أو لمجلس الثورة يتناول السندوتشات .. وما إلي ذلك من تصرفات طبعت في أذهان الناس صورة عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد والرعيل الأول ، ثم اجتماعات لهم تتم في بيوت الإخوان المسلمين .

كان هذا تصويرًا لموقف الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين في الأيام الأولي لقيام الثورة ، ومع أنه موقف لا يحسد عليه ، فإن مرور الأيام لم تزده إلا حرجًا ، ولم تخلع عليه إلا التفاقم والتعقيد .


الفصل الثاني : مواقف محرجة الأستاذ عبد القادر عودة

قدمنا أن الثورة حين قامت ، أحس كل أخ من الإخوان المسلمين أن هذه الثورة ثورته ؛ لأنها أولاً : كانت الخطوة المتوقعة التي لابد من حدوثها بعد أن وصل الإخوان بالشعب إلي هذه الدرجة العالية من الوعي والنضج والقوة ، وبعد أن أحاط الشعب بأعدائه الداخليين والخارجيين من كل جانب .. وكانت أشبه بالحمل الذي استوفى أشهره التسعة ، والكل في انتظار لحظة المخاض ليسعدوا بالمولود الذي طال انتظاره ، وثانيًا : لأن زملاء الأشخاص الذين ظهروا علي المسرح من النظام الخاص أسرعوا في مختلف أوساط الإخوان هذه الحقيقة ليطمئنوا إخوانهم في كل مكان إلي أنهم حققوا لهم ما كانوا يأملون من حكم إسلامي كريم .. وقدمنا أن ذلك أشاع السرور والابتهاج في نفوس الإخوان ، فأقبل بعضهم علي بعض يتعانقون كما أقبل الكثيرون من إخوان القاهرة علي " إخوانهم " من أعضاء مجلس الثورة يقبلونهم ويعانقونهم .

كان هذا شعور عامة الإخوان من أقصي البلاد إلي أقصاها .. ولم يكن أحد قد عرف بعد بانتكاس جمال عبد الناصر إلا المرشد العام وهذا العدد القليل من الإخوان الذين كانوا معه حين حضر المرشد العام من الإسكندرية يوم 28 يوليو 1952 والتقي جمال عبد الناصر في منزل صالح أبو رقيق . كان موقف المرشد العام بعد هذه المفاجأة في غاية الحرج .. كيف يواجه هذا الشعور الإخواني الغامر وكل منهم يزف إلي الآخر التهاني .. والناس عمومًا تشرئب أعناقهم إلي المركز العام للإخوان المسلمين يترقبون خطوته التالية من إعلان الحكم الإسلامي المرتقب ؟! . كان علي المرشد العام أن يرجع في هذا أول ما يرجع إلي الهيئة التأسيسية للإخوان .. واجتمعت الهيئة في جلسة غير عادية .. وبدأ المرشد العام بنقل إلي المجتمعين – مترفقًا – صورة الانتكاسة التي فاجأته .. فماذا كان وقع حديثه ؟ .

كان لحديثه وقع مختلف ، طائفة كانت تربطهم بجمال وزملائه صداقة شخصية من قبل قيام الثورة .. وهؤلاء رأوا أن صداقتهم الشخصية تلزمهم أن يكونوا في صف جمال وأن يدافعوا عنه دفاعًا منبعثًا من هذه الصداقة ، وطائفة استبعدوا حدوث مثل هذا ، وحملوا الحديث علي محمل المبالغة ، وطلبوا أن يمنحوا فرصة للتحقق من ذلك ، وطائفة صدمتهم هذه الصورة ، ولكنهم تذكروا أن قلب العبد بين إصبعين الرحمن ، وأن للسلطة فتنتها بغريب أن يقع ما حدث . ونحمد الله أن كانت الأغلبية الساحقة من الأعضاء من الطائفة الأخيرة .. ولكن الذي جعل للطائفتين الأخريين – علي قلة عددهما – وزنًا أن كان علي رأس الطائفة الثانية أخ من أكرم الإخوان ومن أقربهم إلي نفوسنا جميعًا ، وكان منصبه في الدعوة يعطي للخلاف وزنًا آخر ، ذلك هو الأخ الكريم الأستاذ عبد القادر عودة وكيل الإخوان المسلمين .

راح الأستاذ عبد القادر يتصل بجمال ويسأله عن هذه القضية الخطيرة .. وجمال ينكر ما قاتل ل المرشد العام ويقول : كيف أقول هذا وأنا رجل من الإخوان المسلمين ؟! إنني قلت : إننا سنحكم بالقرآن ولكن الظروف الآن لا تسمح بذلك من تذليل العقبات وتهيئة الجو للحكم بالقرآن ولابد من فترة تستطيع أن تحقق ذلك . وتعقد جلسات غير عادية متقاربة للهيئة التأسيسية لمعالجة هذا الخلاف الخطير – وفي كل اجتماع يقف الأستاذ عبد القادر ناقلاً لنا ما سمعه من جمال عبد الناصر ومدافعًا عنه ومطالبًا بتأييده تأييدًا مطلقاً ، وكيف لا نؤيده تأييدًا مطلقاً وهو أخ لنا – ويحاول المرشد العام أن يوضح للأستاذ عبد القادر حقيقة المواقف ، ويحذره من مغبة التأييد المطلق ، ومن الإسراف في حسن الظن ، ومن الانخداع بالألفاظ .. ويجد الأستاذ عبد القادر أصوات التأييد لكلامه من الطائفة الأولي .. ويحاول غير قليل من الطائفة الثالثة معه أن يخففوا من اندفاعه بين طائفتين اثنتين : الطائفة الأولي وعلي رأسها الأستاذ عبد القادر والطائفة الثالثة وعلي رأسها المرشد العام ، وقد تلاشت الطائفة الثانية حيث اقتنعت وانضمت إلي الطائفة الثالثة – وصرنا نخرج من هذه الجلسات وقد عصر الغم قلوبنا ولا ندري كيف الخروج من هذا المأزق الخطير الذي يهدد بتدمير الدعوة من داخلها .

كنا نعلم من أول الأمر أن بيننا عددًا قليلاً من أعضاء الهيئة يرتبطون بجمال ارتباطًا شخصيًا ، ومع ذلك لم نكن نعتبر ذلك انشقاقًا حيث لا خطر لهم . ولكن الأستاذ عبد القادر وكيل الإخوان يكون علي رأس هؤلاء ، ويتحدي المرشد العام علي رءوس الأشهاد .. إنها الداهية الدهياء والفتنة العمياء والطامة الكبرى !! لقد كان الأستاذ عبد القادر بموقفه هذا خسارة فادحة للدعوة ، وكسبًَا عظيمًا للطرف المناوئ للخط الذي عرضه المرشد واعتمدته الهيئة التأسيسية في تعاملها مع الثورة ، ولم يكن المرشد العام يطلب من الهيئة معاداة الثورة ولا مناوأتها وإنما يطالب بتأييدها فيما تحسن وبتوجيه النصح لها في غير ذلك .. وهو كلام ليس بالجديد فهو نص ما قال المرشد العام لجمال عبد الناصر .

• استحداث منصب جديد :

كان أعضاء الهيئة التأسيسية حريصين كل الحرص علي أن يكون هذا الخلاف محصورًا بين جدران أربعة هي التي تضم جلسات الهيئة ، وألا تخرج عن حدود هذه الجدران فيكون مثارًا للخلاف في جماهير الإخوان فيحدث تفرقاً وتحزبًا وتمزقًا .. وقد استطاع أعضاء الهيئة – إلي حد كبير – تحقيق ذلك .. ولكن جمال عبد الناصر كان ينقل إليه كل ما دار في هذه الجلسات عن طريق أصدقائه الشخصيين من أعضاء الهيئة .. ولم يكونوا يرون في ذلك خروجًا علي توصية الهيئة ؛ بحجة أنهم يرون أن جمال عبد الناصر أخ من كبار الإخوان ومن حقه أن يعلم بمثل ما يعلم به عضو الهيئة . ولما كان الأستاذ عبد القادر – وهو من لا يُشَك في حسن نيته – أثيرًا لدي أعضاء الهيئة وغيرهم من سائر الإخوان . و كان علي الأخص أثيرًا لدي المرشد العام ، فقد كان هو الذي رشحه وكيلاً للإخوان المسلمين ، وكان انحيازه إلي هذا الموقف بل تزعمه له عائقا يحول بينه وبين تأدية وظيفته في النيابة عن المرشد العام في تمثيل الدعوة أمام مختلف الجهات لاسيما أمام الحكومة .. وقد عز علي المرشد وعلي أعضاء الهيئة أن ينزعوا عنه هذا المنصب ، فقد رؤى إبقاؤه في منصبه وإنشاء منصب جديد " نائب المرشد " ، واختارت الهيئة لهذا المنصب الأخ الدكتور خميس حميدة علي أن يتفرغ لهذا المنصب . وواضح تمام الوضوح أن إنشاء هذا المنصب وإسناده إلي الأخ الدكتور خميس متفرغًا له ، قد حجب الأستاذ عبد القادر عودة عن أن يكون ممثلاً للدعوة نيابة عن المرشد العام في الوقت الذي لم يبد أمام جمهور الإخوان ما يشعرهم بانتقاص من مكانة الأستاذ عبد القادر أو المساس بكرامته .

• قضيـة :

أحس وأنا أسطر هذه السطور – متوخيًا الأمانة التاريخية – أني أصادم عاطفة متأججة في صدور الكثرة الغالبة من قراء هذه السطور .. فلا شك في أن الأستاذ عبد القادر عودة يحتل في قلوبهم سويداءها حبًا واحترامًا وتقديرًا ، ولعلي أكون أكثرهم حبًا واحترامًا وتقديرًا ، فقد كان لي الأخ الحبيب ، والصديق الصدوق .. وهو من أقرب الإخوان إلي قلبي ، وأحظاهم بإعجابي وحبي .. ولكن هذا لا يمنعني وأنا أسطر مذكرات للتاريخ أن أثبت ما له وما عليه ، ولن ينقص ذلك من قدره عندي .. وبهذه النظرة المتجردة من كل هوى أرجو أن يتقبل القارئ ما أسطر في هذه المذكرات التي لا أرجو من ورائها إلا رضا الله ونفع الناس : ( •    ) .

لقد كان الأستاذ عبد القادر من أحب الإخوان إلي الأستاذ الإمام . وكثيرًا ما كان يذكر لنا بالفخر والاعتزاز . وظل – رحمه الله – طيلة أيام الإمام يشغل منصبه في القضاء .. فلما تولي الأستاذ الهضيبي منصب المرشد العام كان الأستاذ عبد القادر أقرب الإخوان إلي قلبه ، ولعله هو الذي أوحي إليه أن يترك منصبه في القضاء ليكون بجانبه .. وهنا بدأ الاختبار . والاختبار هنا ليس اختبار الإيمان ، ولا اختبار الإخلاص ، ولا اختبار الفهم والعلم والإحاطة ، ولا اختبار المقدرة الكتابية والخطابية ولا اختبار التفاني في الدعوة .. فكل ذلك كان قد اجتازه من قبل وبد فيه وتفوق .. ولكن الاختبار هنا كان اختبار المقدرة الإدارية ومدي فهم المواقف وقراءة ما بين السطور وما وراء الألفاظ ، والتعامل مع الأحداث المرتقبة كأنما حدثت ، والقدرة علي الاحتفاظ بخط رجعة يرجع إليه إذا ما أخلفت الظنون ، ورحم الله الذي وصف مثل هذا الرجل فقال :

الألمعي الذي يظن بك الظـ

ـن كأن قد رأي وقد سمعـا

ولا أكتم القارئ سرًا في هذا المقام فأذكره بالحديث الذي كان قد دار بين المرشد العام حسن الهضيبي وبيني قبل الثورة في دمنهور والذي أثبته في الجزء الثاني من هذه المذكرات ، وجاء فيه علي لسان المرشد العام في سياق تقييمه لمن حوله من الرجال فذكر شخصية أغفلت ذكر اسمها آنذاك واكتفيت بنعتي لها بأنها شخصية هامة في الدعوة فوصفها بالإيمان والإخلاص والعلم ، ولكنه لم ير فيها الدقة التي كان يأملها في التعامل مع المواقف وأشار بكلمة فرنسية تعبر عن هذا المعني – لا أكتم القارئ سرًا إذا قلت الآن : إن هذه الشخصية كانت الأستاذ عبد القادر عودة . لم يطعن الأستاذ الهضيبي في إيمان الرجل ولا في إخلاصه ولا في علمه ولا في تفانيه ، وإنما قيمه في هذه الناحية التي نتحدث عنها والتي جربه فيها . ولسائل أن يسأل : لما كان تقييم المرشد العام للأستاذ عبد القادر هو هذا التقييم فلم لم يعمل علي تغييره ؟ ونجيب علي هذا السؤال فنقول : إن الأحداث في ذلك الوقت لم تكن من التشابك والتعقيد بحيث يلحق من تعوزه هذه الصفات ضررًا بالدعوة ، كما أن المرشد العام كان هو الذي يقوم بالاتصالات بنفسه ، ولم تكن الظروف تحتاج لأكثر من ذلك ، بل إنها لم تكن تسمح بغير ذلك .. يضاف إلي هذا أن قلقلة هذا الوضع بغير دليل ملموس قد يثير الخواطر ، ويبعث علي الشكوك ، ويزعزع الثقة .

ونصل بذلك إلي لب القضية وتتلخص في سؤال يقول : هل اجتماع العلم والفضل والإخلاص والتفاني والورع في رجل كاف وحده لإسناد منصب الإدارة والقيادة إليه أم لابد من صفات أخري يشترط توفرها فيه حتى يكون لائقًا لهذا المنصب منتجًا فيه ؟ ولعل كلمة عمر رضي الله عنه المأثورة تومئ إلي شيء مما نحن بصدده حين قال : " أشكو إلي الله ضعف الأمين وخيانة القوي " – وتحت كلمتي الأمين والقوي تندرج كل المؤهلات المطلوب توافرها فيمن يرشح لمنصب قيادي – كما قد يومئ إلي شيء من ذلك أيضًا ترشيح عمر رضي الله عنه ستة من كبار الصحابة ليختار أهل الرأي أحدهم خليفة له ، ولم يكن من بينهم ولده عبد الله ، بل جعله مجرد شاهد عليهم من علو كعب عبد الله في العلم والصحبة والفضل والورع .

وقد يكون من ألزم لوازم من يتولي منصبًا قياديًا ألا يكون سريع التأثر سريع الاندفاع ، وأن يكون قادرًا علي إلزام نفسه بحدود لا يتعداها في الحب والبغض .. وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف من قول رسول الله صلي الله عليه وسلم : " أحبب حبيبك هونًا ما ، عسي أن يكون بغيضك يومًا ما ، وأبغض بغيضك هونًا ما ، عسي أن يكون حبيبك يومًا ما " . علي أن التجربة هي أساس الحكم علي إنسان من حيث جدارته لما أسند من منصب ، ولقد كان من كبار الصحابة رضي الله عنهم من كانوا من أقرب الناس إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ومع ذلك لم يستعملهم في مناصب القيادة أو مناصب الحكم والإمارة ، واستعمل من هم دونهم مكانة لديه قدرًا .. ولم يكن هذا مطعنًا في هؤلاء الصحابة الكبار بل ظلوا مع ذلك موضع حب رسول الله صلي الله عليه وسلم وتقديره وتقدير إخوانهم وتقدير الأجيال إلي يومنا هذا وإلي ما شاء الله . ونرجع إلي السياق فنقول إن موقف الأخ الأستاذ عبد القادر كان مفاجأة غير سارة ، وكان عائقًا جديدًا أضيف إلي عوائق أخري لم يكن حدوثها مفاجأة ؛ لأنها كانت ذيولاً لمواقف سابقة .. وقد تلقي المرشد العام مفاجأة الأستاذ عبد القادر بصبر وأناة وجلد ، وترك للزمن بما يتمخض عنه من أحداث أن يكشف له ما عجز عن كشفه من حقائق في ذلك الوقت .

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأنباء من لم تزود

ونستطيع الآن أن نقول : إن الأيام قد أبدت للأستاذ عبد القادر ما كان يجهله ، ولكن بعد فوات الوقت المناسب ، وندع بيان ذلك إلي مواضع أخري من هذه المذكرات إن شاء الله .


الفصل الثالث : مواقف محرجة : الشيخ الباقوري

كانت المفاجأة الثانية التي تلقاها الرجل الصابر المحتسب المرشد العام ، وكانت بتعبير آخر : اللطمة الثانية .. وهي مفاجأة ولطمة ؛ لأنها أصابته في أقرب الإخوان إليه .. فالأولي كانت في الأخ الذي اختاره ليكون وكيله ، والثانية كانت في الأخ الذي تحدثت عنه في الجزء الثاني من هذه المذكرات حين التقيت به في دمنهور ، ووجدته في صحبة المرشد العام الجديد ، وعلمت بعد ذلك أنه رفيقه في رحلته في الوجهين البحري والقبلي ، ورأيت كل من أراد أن يستفسر من المرشد العام عن شيء من تفاصيل الرحلة يحيله إلي هذا الأخ الذي تفرغ لمرافقته . وإذا أراد قارئ أن يعرف مدي مصيبة المرشد العام في هذا الأخ فليقرأ ما كتبت عنه في الجزء الثاني من هذه المذكرات وما رأيته وما دار بيني وبينه من حديث .

ولكنني أنا شخصيًا – حين علمت بما كان من أمر الشيخ الباقوري ، ومما كان مفاجأة للكثير من الإخوان – لم يقع مني ذلك موقع المفاجأة ، ذلك أنني سبق أن حللت شخصيته بعد طول صحبة وصداقة ومعاشرة ، فرأيت في أعماقه شخصية الشاعر الذي تحكمه العواطف وتسيره حيث شاءت ، وإن كانت علي كل حال لا تجنح به إلي الحرام ، ولا تقوده إلي منكر – ولهذا فإنني بالرغم من كل ما وقع منه لا أفقد حبي له مع علمي بأن هذا يغضب الكثيرين ، ولكني لا أبالي مادمت أقرر حقيقة أحسها – واعتقد أيضًا أن الأستاذ الهضيبي المرشد العام – مع كل ما حدث من الشيخ الباقوري – فإنه لم يفقد حبه له ، لأن الرجل – حسن الهضيبي – كان مرهف الحس ، عميق النظرة ، سرعان ما تسعفه بصيرته بحكم صادق دقيق علي من يتعاملون معه ، ويحتكون به ، فهو قد عرف عن الباقوري ما عرفت ، فأصدر في شأنه حكمين في وقت واحد : حكم أعلنه علي الملأ حفظًا لكيان الدعوة وإبقاؤه علي تميزها ، وتنفيذًا لقانونها الأساسي ، وحكمًا آخر لم يعلنه ، واحتفظ به لنفسه .

أما الحكم الذي أعلنه فيقضي بتبرئة الدعوة من تصرف تصرفه دون الرجوع إلي الهيئة التي ينتسب إليها ، فقد استجاب لطلب الحكومة في تقلد منصب الوزارة في الوقت الذي هو يعلم أن استجابته الشخصية هذه تجرده من أن يكون في منصبه هذا ممثلاً للدعوة ، فكان الإجراء الطبيعي أن يعلن المرشد العام فصله من الإخوان المسلمين ، ولكن المرشد العام – ترفقًا به لما يعلم من طبيعته – طلب منه أن يستقيل فامتثل وأعلن ذلك في الصحف ، فقد جاء في " أخبار اليوم " في 13/9/1952 ما نصه : " اتصل الأستاذ حسن الهضيبي رئيس جماعة الإخوان المسلمين بجميع الصحف ليلة تأليف وزارة محمد نجيب ، وطلب إليها أن تنشر علي لسانه أن الأستاذ حسن الباقوري قد استقال من الإخوان قبل قبوله المنصب الوزاري " .

وأما الحكم الذي لم يعلنه المرشد العام فتستطيع أن تراه في ثنايا ما حدث ، مما انتهي إلي هذه النهاية ثم ما حدث بعد ذلك ، فقد جاء في كتاب " الصامتون يتكلمون " من رواية الأستاذ صالح أبو رقيق نقلاً عما سمعه من المرشد العام ، إذ يقول : جلس المرشد في صالون منزله – حزينًا لخروج الباقوري علي إجماع مكتب الإرشاد – وقرب منتصف الليل وصل الشيخ الباقوري إلي منزل المرشد وصافحه وقبل يده . وقال : أنا تصرفت .. وأتحمل نتيجة تصرفي .. وأنا مستعد أن أستقيل من مكتب الإرشاد .

ورد الهضيبي : لسه ؟! وقال الباقوري : ومن الهيئة التأسيسية .

ورد الهضيبي : لسه ؟! وقال الباقوري : ومن جماعة الإخوان المسلمين .

ورد الهضيبي : هكذا يجب .

وطلب الشيخ الباقوري ورقة وكتب استقالته من جماعة الإخوان المسلمين .. وانصرف . وفي صباح اليوم التالي توجه المرشد إليه في مكتبه بوزارة الأوقاف مهنئًا له . فقال له الباقوري : اعذرني يا مولاي .. إنها شهوة نفس . فرد المرشد تمتع بها كما تشاء .. اشبع بها .

وهنا أقول : لا أعتقد أن هناك ما يدعو إلي تعليق علي هذا الذي حدث لزيادة بيان أو إلقاء أضواء علي ما تنم عنه كل حركة وكل كلمة من حب دفين لم يستطع المرشد العام أن يتخلص من ربقته – ومن حب وتقدير لم يستطع الباقوري أن يخفيهما .

• آمال الباقوري في الإصلاح عن طريق منصبه :

علي أنني اعتقد أن الباقوري قد أقدم علي هذه الخطوة وفي ظنه أنه يتقلده هذا قد يستطيع أن يفعل شيئًا في سبيل الدعوة أو يقدم خدمات للمجتمع . وأذكر بهذه المناسبة واقعة قد تؤيد ذلك فأقول :

كان من الطبيعي بعد الاستقالة ألا يحضر الباقوري إلي المركز العام ، غير أنه كان من عادته ومن عادتي أن نتردد علي صيدلية الصليبة في حي الخليفة ، وهي صيدلية كان يملكها الأخ الدكتور جمال عامر عضو الهيئة التأسيسية والذي كانت تربطني وتربط الباقوري به صداقة قديمة .. وقد ظننت أن تقلد الباقوري منصب الوزارة – وكان لمنصب الوزارة حتى ذلك الوقت جلال ومهابة – سيحول بينه وبين تلك الجلسة التي كنا نجلسها مع الدكتور جمال عامر في صيدليته التي تقع في شارع عتيق ، والصيدلية نفسها كانت من الطراز العتيق . وحبستني ظروف العمل الشخصي والعمل في الدعوة في تلك الفترة عن زيارة الصيدلية مدة طويلة . ثم حملني الشوق علي زيارتها . فلما التقيت بالأخ الدكتور جمال قال لي : إن الشيخ الباقوري يريد أن يقابلك ، فقلت له : وكيف اتصل بك ؟ قال إنه يحضر هنا كالمعتاد وإن كانت ظروف عمله قللت من حضوره . فسألته : لماذا يريدني ؟ فقال : لا أدري – ومع أنني كنت فعلاً أتحاشي لقائي معه لما قد يكون في ذلك حرج ، فقد حدد الدكتور جمال موعدًا والتقينا فيه عنده بالصيدلية ، ودار الحديث بيننا علي الوجه الآتي : بدأ الباقوري حديثه بأنه يعلم أنه بتصرفه الذي تصرفه لم يعد له من حق في إلزام الإخوان بشيء ، ولا مطالبتهم بشيء ، ولكن ذلك لا يحرمه الاستمتاع بحقوق الصداقة بينه وبين من تربي معهم من الإخوان – وقد بادلته هذا الشعور . ثم قال : وبحق ما بيننا من صداقة سأعرض عليك عرضًا . إنني توليت وزارة الأوقاف وأحب أن أبذل جهدي في إصلاح شئون هذه الوزارة وأنقيها من الفساد حتى يعم نفعها المجتمع الإسلامي .. وقد وجدت مرفقًا عظيم الأهمية في هذه الوزارة لا خبرة لي به ، ولكنني علمت أنه لا يدر علي الوزارة ما كان ينتظر منه من ريع .. وفي اللحظات التي كنت أستعرض فيها شئون هذا المرفق خطرت في بالي ، فأنت رجل زراعي ، وخير من يؤتمن علي إدارة الشئون الزراعية في وزارة الأوقاف . فما رأيك ؟ فقلت له : يا أخي والله إن عرضك هذا عليّ يقع من نفسي أجمل موقع لأنه نابع من حب وتقدير وثقة وأمل في الإصلاح – وهو ما نشأنا عليه وتربينا عليه وأشربناه . ولكن الظروف المحيطة بالموضوع ظروف غير مواتية لأستجيب لعرضك أسفًا ، فليس كل الناس يعلمون نبل دوافعك في العرض ، ولا شرف مقاصدي في الاستجابة ، وسيتقولون ، ولهم أن يتقولوا ، ومن سلك مسالك التهم أتهم ولا أجر له . فاعذرني يا أخي إذا أنا تخلفت عنك فيما طلبت ، وشكر الله لك ، وأسأل الله أن يعينك فيما تبغي من إصلاح .

واقتنع الباقوري وفي عينيه معاني التأثر وقال : يا أخي .. إنك قد تحتاج إليّ في أمر من الأمور ، فخذ هذا الرقم وهو رقم سري لتليفوني الخاص بالوزارة .. فلما أبديت شيئًا من الممانعة في ذلك ، فهم ما أقصد ، فقال : ما خطر ببالي أن مثلك يطلبني في أمر يعود عليه بمنفعة شخصية ، ولكني أقصد أن هناك مظالم قد لا أعلمها وتعلمها أنت فيكون لك فضل توصيلها إليّ .. وهنا أخذت الرقم .. ومع أنني في تلك الفترة كنت مقيمًا بالقاهرة فأذكر أنني لم أتصل به عن طريق هذا الرقم إلا مرتين ، ولما كان الموضوعان اللذان اتصلت به من أجلهما موضوعين خطيرين ، ولكل منهما دلالة علي عمق الفساد في مجتمعنا كما أن لهما دلالة أيضًا علي عقم وسائل الإصلاح التي لجأ هذا العهد إلي سلوكها في مكافحة الفساد ، لهذا رأيت – معتذرًا إلي السادة القراء – أن استطرد فأعرضهما فيما أعرض :

• المظلمة الأولي :

تلقيت خطابًا من والدي برشيد يطلب إليّ الحضور فورًا ، وما كان لي أن أتخلف . فلما وصلت إلي منزلنا وجدت عند والدتي جيران لنا منزلهم أمام منزلنا يبكون . وهم جيران طيبون وصالحون وأميون يعملون بالزراعة ، وقد أقاموا منزلهم هذا منذ أكثر من عشرين سنة . فسألت عن سبب البكاء فقالوا : إنهم بنوا منزلهم هذا علي أرض حكر تابع للأوقاف – ورشيد مليئة بالاحكار – وقد حددت الأوقاف لهم إيجارًا سنويًا يحضر إليهم ساع من مكتب الأوقاف برشيد كل سنة بالإيصال ويدفعون له الإيجار . ولكن ساعي الأوقاف تخلف عن الحضور سنة .. ولما كانت قيمة الإيجار زهيدة فقد عزموا علي أن يدفعوا له إيجار السنتين معًا .. وفي منتصف السنة التالية فوجئوا بمحضر المحكمة يعلنهم بصدور حكم غيابي عليهم بهدم المنزل ؛ لتخلفهم عن الإيجار بالرغم من إنذارهم كتابيًا مرتين وبالرغم من إخطارهم بموعد جلسة المحكمة وإعلامهم به مرتين ولم يحضروا .. وأخبرهم المحضر بأن هذا القرار قرار نهائي .

إنها مصيبة حقاً تستحق أن أدعي لها من القاهرة لعلي أستطيع أن أفعل شيئًا أغيث به هؤلاء الجيران الطيبين ، حتى ولو بإعطائهم فرصة للبحث عن سكن لهم وهم عائلتان كبيرتان .. وقد علمت منهم أن شيئًا من هذه الإنذارات ومن هذه الإعلانات لم يصلهم ، ولو كان وصلهم لما تخلفوا عن تسديد هذه القروش ، ولو علموا أن هناك جلسة في المحكمة لما تخلفوا عن حضورها .. ولكن لابد أن هناك خطة مبيتة دبرت بإحكام . وبالتقصي وراء هذه الواقعة علمت بأن الاحكار المقامة عليها مساكن في رشيد كثيرة ، وأن هناك شبه عصابة متواطئة مع موظفي مكتب الأوقاف ومع الساعي بالذات علي أن يختاروا الحكر الذي يسكنه ناس أميون طيبون ، ويمتنع الساعي عن تذكيرهم بدفع الإيجار ، وفي السنة التالية يرسل مكتب الأوقاف إنذارًا مرة أو مرتين وفي كل مرة يعمل علي ألا يصلهم هذا الإنذار مع التوقيع علي صورته بتوقيع مزور – وبمرور المدة المقررة ترفع دعوى من الأوقاف في المحكمة تطلب الحكم بالهدم لامتناع المستأجر عن دفع إيجار الحكر , وتحدد المحكمة جلسة ويقوم المحضر المكلف بإعلانهم بالجلسة ويصنع المحضر ما صنع بالإنذار .. وتعقد الجلسة وتؤجل لجلسة أخري ولا يحضرون ، فيحكم حكما غيابيًا بالهدم ، ويكون الحكم في هذه الحالة حكمًا نهائيًا ؛ ويهدم المنزل فعلاً وتسلم الأرض لمكتب الأوقاف الذي يقوم بإجراءات بيعها وترسو علي هذه العصابة بثمن بخس .

فلما ألممت بالموضوع من جميع أطرافه ، وعلمت أنها ليست مصيبة هؤلاء الجيران وحدهم ، بل هي مؤامرة عامة أصابت غيرهم قبلهم وستصيب آخرين بعدهم ، وأن هذه المؤامرة لن تقتصر علي رشيد بل تتكرر في كل بلد فيه احكار .. لما علمت ذلك رجعت في أقرب وقت إلي القاهرة . ومع أني معي رقم التليفون السري للباقوري ، فقد حاولت أن أجد لهذه المعضلة حلاً عند غيره ، فذهبت إلي الوزارة ، وكان بها عدد من كبار موظفيها من الإخوان ، فاتصلت بهم وعرضت عليهم ، فأقنعوني بأن حكم المحكمة في هذه الحالة لا يستطيع أن يوقفه إلا الوزير شخصيًا ، وحثوني علي المسارعة بمقابلة الوزير قبل أن تنتهي المهلة التي أوشكت علي الانتهاء لإجراء الهدم .. وهنا لم أر مناصًا من استعمال الرقم السري وحددت المقابلة في الحال .. وشرحت الموضوع للوزير فماذا فعل ؟ أول شيء أنه كال لي الشكر علي أن أتحت له فرصة إنقاذ أسرة مظلومة من الضياع . ثم طلب مدير الاحكار بالوزارة أمامي ، فلما حضر عرض عليه المظلمة التي كنت قد قدمتها إليه ، وسأله عن الإجراء الذي يتخذ لمنع الهدم فقال له : إن الإجراء الوحيد أن تأمر فضيلتك شخصيًا وكتابيًا بوقف تنفيذ قرار المحكمة . فكتب فعلاً ما أملاه عليه المدير . فلما هم المدير بالانصراف استبقاه وقال له :

هذه المظلمة وجدت من يوصلها إليّ ، فما ذنب أصحاب المظالم الذين لا يجدون من يوصلها إليّ ؟ هل يشرد الناس من مساكنهم ولا يجدون من يدافع عنهم ونحن المسئولون عن ذلك بين يدي الله ؟! خذ هذا القرار : وكتب بيده القرار الوزاري التالي : " ممنوع منعًا باتًا هدم أي مسكن مقام علي أرض حكر للوزارة " ، ووقع بإمضائه علي القرار ، وسلمه للمدير وصار بذلك قرارًا رسميًا أنقذ كثيرًا من ضعفاء الناس .

• المظلمة الثانية :

لم تكن المظلمة الثانية أقل شأنًا ولا أدني خطرًا من المظلمة السابقة . وهي تتصل بموضوع التطهير . وقد سبق أن أشرنا في الجزء الثاني من هذه المذكرات إلي مشروع للتطهير لجأت إليه وزارة الهلالي في أواخر العهد الملكي ، وعلقنا عليه بما ملخصه أن التطهير بهذا الأسلوب غير مجد ولا يحقق الغرض منه ، ولكن الحكومات تلجأ إليه باعتباره أسهل الأساليب ؛ لأنه لا يكلفها أكثر من سن قانون تصدره دون مشقة – وإذا كان هذا الأسلوب يصلح في مجتمعات الأصل فيها هو النقاء ، والفساد طارئ عليها ، فإنها لا تجدي في مجتمعات صار الفساد فيها هو الأصل وصار النقاء هو الطارئ ، وأصبح الصالح فيها كالشعرة البيضاء في الثور الأسود .

وقد لجأت حكومة الثورة في سبيل تطهير الأداة الحكومية من الفساد إلي إصدار قانون بإنشاء لجان في كل وزارة للتطهير وإنشاء محاكم للتطهير تكون أحكامها نهائية .. وكم جَنَتْ هذه اللجان ومن بعدها هذه المحاكم علي بقية من العناصر الطاهرة كانت لا تزال مبنية في كثير من المصالح الحكومية ، وإذا كانت هذه اللجان وهذه المحاكم قد أخرجت من الجهاز الحكومي عشرة فاسدين فقد قضت بجانبهم علي مائة من الصالحين .. فهذه اللجان التي تكون في الوزارات والمصالح الحكومية ممن تتكون ؟ أليست تتكون من العناصر ذات المناصب الرئيسية بها ؟ وهل أساس الفساد إلا هؤلاء ؟ فما الذي تنتظر من لجان هؤلاء أعضاؤها إلا انتهاز هذه الفرصة للتخلص من كل من يعوق طريقهم إلي العيش الحرام ؟ . بينما كانت بمقر عملي في القناطر الخيرية دخل علي الأخ " أ.ع.ر " الذي غاب عني عدة سنوات . والأخ " أ " مهندس زراعي من دفعتي وهو من الإخوان الخلص الذين تربوا في أحضان الدعوة ، وكان مسكنه في الجيزة ونحن طلبة في الجامعة يعد شعبة الإخوان بالجيزة – ولما تخرجنا كان حظه أن يعمل في وزارة الأوقاف في تفتيشها الزراعية .. وتدرج في وظائفها حتى صار مفتش أوقافها بدمياط .. ولما كانت وظيفته تمكنه من اتخاذ قرارات ، فقد بدأ يعيد النظر في الأوضاع التي ورثها عن سابقيه ، فلاحظ فيها أن الذين يئول إليهم استئجار أراضي الأوقاف كل عام هم أشخاص معينون لا يتغيرون ، ولاحظ أن الإيجار يكاد يكون ثابتًا منذ عشرات السنين ، مع أن هذا يتم – كما هو مفروض قانونًا – عن طريق مزاد أو ممارسة ، فأخذ في تنفيذ القانون .. وحاول معه هؤلاء المستأجرون الدائمون بمختلف الأساليب ترغيبًا وترهيبًا واستعانة برؤسائه في الوزارة ، ولكن شيئًا من ذلك لم يفلح في ثنيه عن عزمه ، وآلت الأراضي لمستأجرين جدد وتضاعف الإيجار .

وأنشأت حكومة الثورة لجان التطهير ، ففوجئ صاحبنا بأنه مطلوب للمثول أمام لجنة من رؤسائه الذين ضارهم ما تم علي يديه في أراضي الأوقاف .. وًوُجِه باتهامات غاية في الغرابة ، اتهم بالسكر والعربدة ، واتهم بأنه طلب رشوة من المستأجرين القدماء في مقابل إرساء المزاد عليهم . ولما كانت هذه التهم مفتراه فقد اعتقد أنه سيفندها أمام المحكمة ، ولكنه أمام محكمة التطهير فوجئ بشهود زور شهدوا علي كل واقعة افتريت عليه ، وبتقارير من رؤسائه تؤيد هذا الافتراء ، فذكر للمحكمة الحقائق كما وقعت ولكنه لم يجد من يشهد معه .. وإذا بقرار المحكمة يصدر بفصله من العمل . وقد هالني ما سمعت منه ، فقمت لتوي وطلبت الباقوري في التليفون ، ووضعت أمامه المظلمة . وكنت أظن أنه يعرف هذا الأخ فتبين لي أنه لا يعرفه ولكنه سألني : هل تعرفه أنت ؟ فقلت : نعم . قال : هل تثق في خلقه ودينه ؟ قلت : إنني أثق فيه أكثر من ثقتي في نفسي .. فقال : هذا يكفيني كما لو كنت أعرفه تمامًا .. واستمهلني لحظة حتى أحضروا له ملفه .. فلما جاءوا بالملف أخذ يقرأ لي التهم الموجهة إليه مما تشمئز منه الأسماع كما قرأ عليّ قرار المحكمة . ثم أعاد عليّ السؤال عن مدي ثقتي في هذا المحكوم عليه فأكدت له ما زاده اطمئنانًا وقال لي : إذن أسمع ما أكتبه ، وأخذ كلما كتب عبارة قرأها عليّ حتى ختمها ووقعها وشكرته .

وبهذا رفع الظلم عن هذا الأخ الكريم ، ولو أنه تأخر عن إبلاغي يومًا واحدًا لما كان ممكنًا تدارك الأمر .. ويستطيع القارئ الكريم أن يتصور كم من المظلومين راحوا ضحية هذا " التطهير " ممن لم يكونوا يملكون من الوسائل ما أتيح لهذا الأخ الحبيب .

• استطراد داخل الاستطراد :

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر ، وإن كان هذا الشيء لا يتصل بالأستاذ الباقوري فإنه يتصل بموضوع التطهير وما جني هذا التطهير في عهد الثورة في أوائل أيامها علي الشرفاء الأتقياء الأنقياء ، وما أتاح من فرص لرءوس الضلال والقذارة بالأطهار الذين كان وجودهم معهم في العمل شوكة في حلوقهم ، وعقبة في طريق مطامعهم وكسبهم الحرام . كان لي زميل وصديق من الإخوان المسلمين . دخلنا كلية الزراعة معًا وتخرجنا فيها معًا هو الأخ " م.ع.ب " ، وقد عمل أول ما عمل في مصلحة الفلاح وكان مقر عمله في الصعيد . ولما كانت القاهرة هي مقر أهله وبها منزل أسرته فقد كان يتمني أن يجد فرصة للعمل بالقاهرة .. وجاءت الفرصة حين أراد مدير مصلحة الفلاح أن ينقل قريبًا له من مصلحة التنظيم بالقاهرة إلي مصلحة الفلاح ، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا عن طريق التبادل .. وتم التبادل وتسلم الأخ " م.ع.ب " عمله بمصلحة التنظيم مساعد مدير لحدائق مصر الجديدة – وكانت مصلحة التنظيم تقوم في ذلك الوقت بعمل مجلس بلدي القاهرة حيث لم يكن قد أنشئ هذا المجلس بعد – وكان لهذه المصلحة سمعة سيئة لما كان معروفاً عنها من انتشار الرشوة فيها .

وبعد انقضاء فترة قصيرة علي التحاقه بهذا العمل الجديد ، حان ميعاد تُكسي فيه أرض هذه الحدائق بطبقة من الطمي لتجديد حيويتها – ولم يكن السد العالي قد بدئ فيه بعد – وأعلنت المصلحة – كالمعتاد – في الصحف عن مناقصة لتوريد عينات للطمي .. وقدمت العينات .. وكلها كانت من طمي جيد ، واختارت اللجنة – وكان هو عضوا فيها – أنسبها من ناحية المواصفات والثمن ، وسلمت اللجنة العينة المختارة إلي صاحبنا محرزة مختومة بخاتم المصلحة .. وكان عليه باعتباره المسئول عن هذه المنطقة أن يتسلم التوريد بنفسه ؛ أي كمية الطمي المطلوبة . فلما جاء التوريد فعلا وفحصه أخونا وقاس مواصفاته بمواصفات العينة لم يجد فيه شيئًا مطابقًا من مواصفات العينة ، فالعينة طمي صاف والتوريد تراب من تراب الشوارع ومن ناتج هدم البيوت القديمة ، وليس فيه طمي .. فما كان من صاحبنا بحسن نية إلا أن رفض التوريد . وجاء صاحب التوريد وحاول معه بكل الأساليب المعروفة فلم تجد معه ، فاتصل به رئيسه تليفونيًا فلم يقبل ، فاتصل به المدير العام للمصلحة فلم يقبل . وبحسن نية قال للمدير العام : كيف ترجوني أن أقبل توريدًا ليس به أي صفة من صفات العينة المقدمة ؟ فقال المدير : سأبعث إليك بلجنة تعاين التوريد . وجاءت اللجنة التي كانت مهمتها أن تقرر أن التوريد مطابق للعينة وقد أدت مهمتها شر أداء .

وتفاقم الوضع .. حيث صار علي أخينا بعد قرار اللجنة أن يدافع عن نفسه وأن يثبت خطأ رأي اللجنة وإلا دمغ هو بأن رأيه خاطئ واستحق بذلك أن يجاري علي هذا الخطأ .. وبلغ من تفاقم الوضع أن وصل إلي وزير الشئون البلدية والقروية في ذلك الوقت الأستاذ عبد العزيز علي ، وكان من كبار رجال الحزب الوطني القديم وله سجل حافل في مقاومة الاستعمار ، فقام الرجل بنفسه وعاين التوريد وضاهاه بالعينة وكتب بنفسه : إن الأمر لم يكن يحتاج إلي عينة لأن التوريد فعلاً ما هو إلا تراب من تراب الشوارع ومن هدم البيوت القديمة ليس فيه طمي .. فطعنت المصلحة في رأي الوزير بحجة أن الوزير ليس فنيًا . واستمر الصراع فترة طويلة .. غير أن المصلحة لم تستطع أن تنال من أخينا إلا بمحاولات من رؤسائه ومرءوسيه لمضايقته .. حتى أتيحت للمصلحة العامة فرصة الانتقام بإصدار حكومة الثورة تشريعًا بإنشاء لجان التطهير ومحاكم التطهير . فقدمته المصلحة إلي لجنة التطهير بقائمة من اتهامات مفتراه أقرتها اللجنة في الحال ثم أحالته إلي محكمة التطهير .

وكان الإخوان في المركز العام متابعين هذا الموضوع بكل خطواته ، فلما وصل إلي هذه الخطوة قام الأخ الأستاذ منير الدلة المستشار في ذلك الوقت بمجلس الدولة بلقاء زميله المستشار الذي يرأس محكمة التطهير وشرح له الموضوع بحذافيره – فلما مثل أخونا أمام المحكمة وقدمت إليه الاتهامات مشفوعة بتقارير من الرؤساء مدعومة بشهود زور من عمال وموظفي المصلحة ومن المتعاملين معه .. ولما انتهي عرض القضية قرر رئيس المحكمة النطق بالحكم بعد المداولة ، وفي أثناء المداولة طلب رئيس المحكمة أخانا المتهم وجلس معه في حجرة وحدهما وقال له : يا أستاذ " م " لعلك خدعت بالشعارات التي يطلقها هذا العهد فظننت أن الأمر جد لا هزل ، فرحت تتعامل مع هذا العهد علي هذا الأساس فكان أن رأيت نفسك هذا الموقف .. ولولا أني عرفت هذا الموضوع من صديقي الأستاذ منير لما كان بوسعي إلا أن أصدر حكمي بإدانتك وفصلك من العمل ؛ لأن الأدلة المقدمة إلي المحكمة مستوفية الشروط القانونية ومؤيدة بالشهود .. ولكنني سأعتمد في حكمي في هذه القضية علي ضميري لإنقاذك ، علي ألا تسرف بعد ذلك في حسن الظن .

أكرر معذرتي إلي القارئ الكريم في هذا الاستطراد الذي كاد ينسينا الموضوع الأصلي الذي كنا نعالجه وهو ما يتصل بالمفاجأة الثانية التي نشأت من تأثير قيام الثورة في التفاعلات الداخلية في الدعوة ، وكانت هذه المرة خروج الأخ الباقوري علي قرار مكتب الإرشاد ، واشتراكه وزيرًا للأوقاف في وزارة الرئيس محمد نجيب . وقد هيأ لنا الاستطراد ما كنا بصدده من إيراد الأدلة علي أن هذه المفاجأة المؤلمة والتي انتهت بفقد الدعوة لأحد أبنائها الكبار لم تفقد المرشد العام – من ناحية – حبه الشخصي لهذا الأخ ، كما أنها – من الناحية الأخرى – لم تفقد هذا الأخ الكبير حبه وتقديره ل المرشد العام .. ثم قررت بدوري أنها لم تفقدني حبه .. وأوردت أمثلة لتصرفات تومئ إلي أن هذا الأخ وإن فقد موقعه في الدعوة ، فإن حاول أن يعمل للمبادئ التي تعلمها في الدعوة ، والمثل التي أشربها في موقعه الجديد . وقد أضيف إلي هذه الأدلة دليلاً آخر أضعه بين يدي القارئ الكريم . ففي جريدة المصري الصادرة في 11/9/1952 ما يأتي :

سأل مندوب " المصري " الشيخ الباقوري وزير الأوقاف عن أسباب استقالته من الإخوان فقال : " هي أسباب أحب أن أوثر بها نفسي . وليس من بينها سبب واحد يمس احترامي لإخواني واعتزازي بهم ، فكل واحد منهم صغيرًا كان أو كبيرًا في أعمق مكان في قلبي " . • عقوبة معجلة :

علي أنني مع هذا لا أعفي الباقوري من خطأ استشراف نفسه إلي المناصب . وقلما تجد من لا يستشرف إليها ، ولكن استشراف نفس رجل تربي في أحضان دعوة تبلغ في تربية أبنائها درجة يقربون فيها من صفوف الملائكة .. مثل هذه النفس هي أعز علي الله من أن يدعها ترتع في غيها فتضل وتشقي ، ولكنه لا يلبث حتى يقدعها قدعًا يرد إليها رشدها ، فلا تجد لها ملجأ من الله إلا إليه . لقد دفع الباقوري ثمن مات جاري نفسه فيه نمن الاستشراف إلي المنصب ، فلقد رفعوه إلي حيث كان يتمني ويحلم .. ثم رفعوه أعلي من ذلك .. حتى كان عندهم في يوم من الأيام عماد البيت وقطب الوحي .. ثم .. وبغير مقدمات .. ألقوا به من شاهق فلم ينزل علي الأرض بل نزل إلي هاوية فتحطم .. وحسبك أن تعلم أن أعظم مصيبة تصيب إنسانًا هي الفقد بعد العطاء .. ولم أقل نزل إلي الأرض ، وقلت : نزل إلي الهاوية ؛ لأن مصيبته تجاوزت مصيبة الفقد بعد العطاء إلي ما هو أشد منها وأفدح ؛ إذ لم يكتفوا بذلك بل تقولوا عليه الأقاويل ، وافتروا عليه الفري ، وأغروا كلاب الناس به تلوك سيرته وتنهش عرضه .

واعتقد أن ما أصاب الباقوري في خلال تلك الفترة كان أشد إيلامًا مما أصاب الإخوان في معتقلاتهم وسجونهم من ظلم وتعذيب ؛ لأن تعذيب هؤلاء لم ينل إلا البدن ولم يمس جوهر النفس التي كان رضاها عن نفسها ، واقتناعها بأنها علي الحق كان يهون عليها ما تلقي من آلام البدن .. أما من كان عذابه من داخل نفسه فإنه أشد العذاب . ويوم استجاب الباقوري لدعوة هؤلاء الناس كان غائبًا عنه – كما كان غائبًا عن كثيرين غيره – حقيقة لم يسمعها في تلك الأيام الباكرة من أيام الثورة ، إلا من الرجل الصامت الرزين الثاقب الفكر البعيد النظر حسن الهضيبي ، فقد كان يقول لي لمن يأنس فيهم كتمان السر : " إن هؤلاء لا يؤمن جانبهم .. فلنعاملهم بحذر " .. ولكن الباقوري نسي هذا التحذير أو تناساه أو اعتقد أنه بحصافته – وهو حصيف – يستطيع أن يرقب بوادر الخطر فيتفاداه .. ولكن حصافته وشدة حذره لم تعصمه من انقلاب مفاجئ دون مقدمات ولا بوادر . ولم تكن هذه العواصف الفجائية من نصيب الباقوري وحده ، وإنما أصابت غيره كما أصابته ممن ذاقوا في يوم من الأيام حلاوة الأيمان . وهو ما نعرض له في العنوان التالي .

• من سياسة احتضان الخارجين :

هذه سياسة توخاها جمال عبد الناصر في تنفيذ مخططه ضد الإخوان المسلمين ، فكان يقرب إليه من يري فيه استعدادًا لمناوأة الدعوة أو التمرد علي قيادتها .. ولكننا في هذا المقام لا نعرض لذلك بمزيد بيان ، ونكتفي سيرًا مع السياق باحتضانه الخارجين علي الدعوة ونورد المثال التالي فنقول :

سبق لي أن ذكرت أن صيدلية الأخ المرحوم الدكتور جمال عامر كانت مثابة لكثير من قدامي الإخوان ؛ حيث كان الدكتور جمال عامر من أقدم الإخوان صلة بالدعوة ، فكان يأوي إليه هؤلاء الإخوان حتى الذين خرجوا منهم علي الدعوة في ظروف مختلفة – وكانت صيدلية الدكتور جمال وبيته ملاذي ومأواي ومبيتي بعد أن بعدت عن القاهرة مما يأتي تفصيله فيما بعد إن شاء الله . ولعل القارئ الكريم يذكر ما جاء بالجزء الأول من هذه المذكرات من خروج الأخ " ع.س.أ " في الفتنة الثانية ، وكان إذ ذاك لا يزال طالبا بكلية الحقوق وصار الدكتور " ع.س.أ " الأستاذ المساعد بكلية الآداب . غبت عن الأخ الدكتور جمال عامر سنتين في المعتقل ، فلما خرجت كان الدكتور جمال من أوائل من كنت حريصًا علي لقائهم .. وأخذ الدكتور يقص عليّ – في ليلة بتها عنده – ما كان من أحداث وقعت في غيابي .. وكان مما حدثني به قصة هذا الأخ الدكتور " ع.س.أ " .

قال : مر عليّ بالصيدلية هذا الأخ منذ أيام ، وكان قد انقطع عني بضعة أشهر . فلما سألته عن سبب انقطاعه قال : طبعًا أنت تعرف أن جمال عبد الناصر كان قد عينني مستشاره السياسي الخاص . قلت : نعم ، وقد أخبرتني بذلك من قبل . قال : والذي لم أقله لك هو أنه كان لا يقطع في أمر دوني ، وكان حريصًا علي ألا أفارقه لحظة ؛ لدرجة أنني كنت أذهب إلي منزلي في فترة الغداء ، فإذا غبت قليلاً طلبني في التليفون يستعجلني .. وظل هذا دأبه معي أكثر من عام .. وفي يوم كذا (ذكر لي الدكتور جمال التاريخ الذي ذكره محدثه ولكني نسيته) ظللنا نعمل سويًا حتى حان ميعاد الغداء ، فاستأذنت وأذن لي راجيًا ألا أتأخر لإتمام ما بقي من العمل . فلما ذهبت إلي منزلي ، وما كدت أرفع يدي من الطعام حتى سمعت جرس الباب يدق ، ففتحت فإذا بعدد من ضباط البوليس الحربي .. فتعجبت وسألتهم عن سبب حضورهم في هذا الوقت وماذا يريدون ؟ فأجابني رئيسهم إجابة أذهلتنني وخلعت لبي ، وكدت أكذب سمعي إذ كانت إجابته هذه الكلمات : مطلوب منك الآن أن تغادر البلاد .

فقلت : ومن الذي أمر بهذا وما السبب ؟ قالوا : هذا أمر الرئيس . وليس من حقك أن تسأل عن السبب .

فقلت : اسمحوا لي إذن أن اتصل به في التليفون .

قالوا : أمره يتضمن عدم السماح لك بالاتصال به .

قلت : وإلي أين أذهب ؟

قالوا : لك أن تختار البلد التي تغادر إليها ، علي أن يكون ذلك الآن ، ونحن معك وسنقوم بتسفيرك اليوم .

قال الدكتور " ع " للدكتور جمال : ولما كانت لبنان هي أقرب البلاد إلي مصر فقد اخترت لبنان ، فأخذوني بحقيبة ملابسي من المنزل إلي الطائرة ، التي نقلتني إلي بيروت وأنا ذاهل عن نفسي لهذه المفاجأة التي وقعت عليّ وقوع الصاعقة من السماء ، لا أعرف لها سببًا ، ولا أستطيع لها دفعًا .. وكثت ببيروت سبعة أشهر رهين الفندق الذي نزلت فيه ، لا أستطيع الكلام مع أحد ولا حتى الالتفات يمينًا ولا شمالاً .. حتى تمنيت لو كنت مت قبل هذا ، أو لو أنني كنت اعتقلت مع المعتقلين ، أو أودعت سجنًا مع المسجونين .

وأخيرًا جاءني من يحمل إذناً من الحكومة المصرية بدخولي مصر .. وأحاول الآن الرجوع إلي عملي بالجامعة . يقول الدكتور جمال : وقد سألته .. وبعد أن أنهيت فترة النفي ورجعت إلي مصر هل أمكنك أن تعرف سبب ذلك ؟ قال : لا .

أوردنا موضوع هذا الأخ – رحمه الله مع ما نحن بصدده من موضوع الباقوري .. ليري القارئ ما فعل الله بهما .. لقد عجل لهما العقوبة ، وأذاقهما مغبة استشراف نفسيهما إلي القارئ ما فعل الله بهما .. لقد عجل لهما العقوبة ، وأذاقهما مغبة استشراف نفسيهما إلي المناصب وركونهما إلي الظالم .. ولعله – جلت قدرته وهو المطلع علي السرائر – هكذا فعل بهما لما يعلم مما هو واقر في قرارة نفسيهما من بقية غطي علي بشاشتها ما اتبعاه من هوي .. وتعجيل المؤاخذة في الدنيا دليل علي سلامة جوهر النفس وصفاته ، وقد جاءت المؤاخذة لتذهب عن هذا الجوهر ما غشيه من ضباب حجب صفاءه .

بعد هذه الفصول الثلاثة في هذا الباب باب تأثير قيام الثورة في التفاعلات الداخلية في الدعوة يأتي فصل رابع يتصل اتصالاً وثيقاً بهذا التأثير ، ولكن نظرًا لخطورة هذا التأثير الرابع وفداحة نتائجه سنفرد له بابًا مستقلاً إن شاء الله ، ذلك هو " العمل علي احتواء قيادات النظام الخاص " .


الباب الخامس : مساجد ضرار (خطط للدوران حول الدعوة لتخريبها من الخلف)


مقدمة

إذا كانت نتائج الأمور تؤخذ من مقدماتها ، فقد كان المتوقع إزاء موقف الإخوان المسلمين المسالم والمبالغ في المسألة ، حتى وصل إلي حد الثناء علي الطرف الآخر وإطرائه ووضعه موضع الآمال في تحقيق الخير للأمة .. كان المتوقع أن يقابل ذلك بمثله من التجارب ، وإبداء روح التعاون والتواثق ، حتى ولو كان ذلك علي سبيل المجاملة . ولكن الذي حدث كان غير ذلك تمامًا ، فقد سلك الطرف الآخر مسلكًا مناقضًا لما كان متوقعًا .. وإذا قلنا : الطرف الآخر فإنما نقصد جمال عبد الناصر ، لأن جمالاً قد استطاع – بتأثير نفوذه الشخصي – أن يَحُول بين زملائه في مجلس الثورة وبين الاتصال بالإخوان – وقصر ذلك علي نفسه وحده ، فكانت المقابلات تتم بين الإخوان وبينه ، وكان هو يقوم بنقل ما يتم في هذه المقابلات إليهم بالأسلوب الذي يراه .. ينقل إليهم ما يري نقله ، ويحجب عنهم ما يشاء ، ويحور ما يري تحويره .. كل ذلك ؛ ليلقي في روعهم أن الإخوان يريدون أن يكونوا أوصياء عليهم .. ما أعظم الفرق بين الناصح الخبير الأمين الذي يتمني الخير لمن ينصحه ، وبين من يريد أن يفرض وصايته علي إنسان فيحجر علي تصرفاته ويتولي هو تصريف شئونه .

علي العموم .. استطاع جمال بهذه الأساليب أن يشحن إخوانه بشعور عدائي نحو الإخوان . ولم يكن الإخوان – بطبيعة الحال – يعرفون الطريقة التي كان جمال ينقل بها إلي زملائه المحادثات التي تتم في مقابلاته ، ولكنهم استطاعوا أن يلمسوا ذلك فيما كان يأتي علي ألسنة زملائه في كلمات كانوا يلقونها في لقاءات جماهيرية لهم في مختلف البلاد .. كما استطاعوا أن يلمسوا ذلك من مواقف نضرب لها مثلا ، فنقول :

في أوائل أيام الثورة أهابت بالمواطنين في أنحاء القطر أن يتقدموا لتلقي قسط من التدريب العسكري الجاد ، وأنشأت لذلك مراكز للتدريب في مختلف الحواضر ، وزودتها بضباط من الجيش – ولما كان اختيار الأماكن المناسبة لهذا التدريب ليس ميسورًا لضباط غرباء عن هذه الحواضر ، فقد هب الإخوان في كل حاضرة من هذه الحواضر للتعاون مع الضباط الموفدين واختاروا الأماكن المناسبة وأعدوها للغرض المطلوب – ثم كانوا هم أول من تطوع لتلقي التدريب ، وكان هؤلاء الضباط من أسعد الناس بهذا التعاون . وقام الإخوان في كل حاضرة فيها مركز تدريب بنشر الدعوة بين جماهير الناس يحثونهم علي التقدم لتلقي التدريب ، ولما كان موضوع التدريب هذا أمرًا جديدًا علي الناس ولا عهد لهم به ، فإنهم لم يسارعوا المسارعة الكافية بحيث تتكون منهم دفع كاملة ، فكان الإخوان يأخذون العدد الذي استجاب ويكملون الدفعة من شباب الإخوان .

وتوالت الدفع تلو الدفع ، والضباط المدربون فخورون بهذه الروح العالية ، وكادت هذه الروح تأخذ طريقها إلي نفوس الأهالي في مختلف البلاد ؛ حيث يحتاج الناس لكي يتعودوا علي أمر جديد عليهم إلي من يتقدمهم ليثير فيهم العزم ، ويبعث فيهم الرغبة . وبينما الأمور تسير في طريقها هذا الطيب المستقيم ، إذ بالإخوان يفاجأون بهؤلاء الضباط يتهربون منهم ، وإذا التقوا بهم قابلوهم بجفاء .. ووقع هذا التعبير في المعاملة أول الأمر من الإخوان موقع الدهشة والاستغراب ، وظن الإخوان في كل بلد من هذه البلاد أن هذا الأسلوب الجديد هو سوء تفاهم خاص ببلدهم دون غيرها من البلاد .. ولكن وصول شكاوى إلي المركز العام للإخوان المسلمين في القاهرة من جميع البلاد في وقت واحد ، جعل الجميع يشعرون أن هناك تعليمات صدرت من مركز القيادة في القاهرة بهذا المعني .. ثم تأكد المركز العام بعد ذلك أن هذه تعليمات صدرت فعلاً .

وماذا كان للإخوان من موقف إزاء هذا الأسلوب المجافي للأخوة والود – لقد فهم الإخوان أن قيادة الثورة لا تريد أن تري الإخوان بالذات يتدربون ، فصدر أمر من المرشد العام بتنفيذ هذه الرغبة وترك المجال لغيرهم .. وصدع الإخوان بالأمر وتركوا هذه المراكز لتتعامل مع الشعب مباشرة ، وأفسح الإخوان الطريق .. فماذا كان من أمر هذه المراكز ؟ . إنها صارت مراكز شكلية .. صارت تتضاءل وينفق عليها ولا عمل لها حتى تلاشت . كان هذا أول تصرف لفت نزر الإخوان المسلمين إلي أن رجال الثورة بدأوا يغارون من الإخوان ويحقدون عليهم هذا التكتل الشعبي المنظم وإلا لما رفضوا من الإخوان هذا التعاون في مشروع من مشاريعهم دون مقابل . ولقد كان الإخوان علي حق حين قيموا الموقف علي هذه الصورة فلقد تلا هذا التصرف تصرفات أخري تؤكد هذا التقييم وتبرزه بأوضح صورة .. وهو ما نتناوله في هذا الباب إن شاء الله .


الفصل الأول : جمعية الفلاح إصبع أمريكية من وراء ستار

في جريدة أخبار اليوم الصادرة في 13/9/1952 ورد بمناسبة استقالة الباقوري ما يشبه أن يكون تحقيقًا صحفيًا فيما حول هذه الاستقالة من ظروف وملابسات ، فقالت :

بدأ الخلاف عندما قام الدكتور أحمد حسين بإنشاء جمعية الفلاح .. ويقول الدكتور أحمد حسين : عندما بدأت في تكوينجمعية الفلاح نما إلي علمي أن الإخوان المسلمين يتوجسون خيفة من جمعية الفلاح ، وسيعملون علي إفشالها ، مع أن فكرة جمعية الفلاح تتعارض مع فكرة الإخوان .. فالأولي : تدعو إلي تكوين المواطن الصالح في المجتمع الصالح ، والثانية : تدعو إلي تربية المواطن الصالح تربية دينية تنعي فيه روح المواطن الصالح .. فأردت أن تتعاون الجمعيتان – كل بوسيلتها – نحو الهدف المتفق عليه لصالح المجموعة . فاتصلت بالشيخ الباقوري علي غير تعارف سابق ، ودعوته إلي منزلي ، وشرحت له فكرة الجمعية وأهدافها ، وبعد إجماع استمر أكثر من خمس ساعات أبدي الباقوري استعداده للتعاون معي قائلاً : إنني كمواطن مصري أؤيد جمعية الفلاح ، وأدعو لها بالتوفيق ، وعلي استعداد كامل أن أقوم بأي عمل لها يوكل إليّ في سبيل الخدمة العامة .. ولا أري تعارضًا مطلقاً بين فكرة الإخوان وفكرة جمعية الفلاح .. ولا أظن أن فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي يري غير ذلك ، فالكل يجب أن يتعاون في سبيل صالح المجموع .

تقول الجريدة : وافترق الرجلان علي أن يرتب الأستاذ الباقوري اجتماعًا عائليًا يلتقي فيه الدكتور أحمد حسين بالأستاذ حسن الهضيبي ، وتم هذا الاجتماع العائلي علي مائدة الإفطار في الأيام الأولي من شهر رمضان في منزل الأستاذ الباقوري بحلوان ، وحضره الأستاذ حسين أبو زيد وزير المواصلات آنذاك والأستاذ جلال الدين الحمامصي رئيس تحرير " أخبار اليوم " . وبعد الإفطار .. بدأت مناقشة طويلة بين الدكتور أحمد حسين والأستاذ الهضيبي . بدأت هادئة ، وتوسطتها حدة وعنف ، وانتهت كما بدأت إلي غير اتفاق ، وكان الأستاذ الهضيبي واضحًا في أنه بوجود جماعة الإخوان المسلمين لا داعي لتكوين جمعية الفلاح . وقد حاول الأستاذ الباقوري أن يتدخل في المناقشة أكثر من مرة ؛ لتلطيف حدتها ، وإعطاء فرصة للأستاذ الهضيبي لتقريب وجهات النظر ، ولكن مرشد الإخوان لم يتزحزح عن موقفه . ولكن يكون القارئ قريبًا من الصورة التي كان عليها النقاش نورد فقرة منه :

الدكتور أحمد حسين : إن التشريعات الاجتماعية الحديثة في أرقي الدول تتفق وروح الدين الإسلامي ، وإن كانت تقوم علي أسس علمية وفقًا لتطورات البشرية .. فمشروعات الضمان الاجتماعي والتأمين الاجتماعي هي في أساسها فكرة إسلامية ، وقد عرف الإسلام مشروع " من أين لك هذا ؟ " قبل أن تصدره فرنسا بمئات السنين . والدين ينمي الصلات الروحية بين الناس ولن ينجح عمل إذا لم يعتمد علي قوة الروح . وهذا هو الفرق بين النظم الاجتماعية الحديثة وبين الشيوعية التي تعتمد علي المادية فقط .

المرشد العام : إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تطبق أحكام الإسلام بحذافيرها ؟ .

أحمد حسين : إننا نطبق أحكام الإسلام في أصولها ، ولكن يجب أن تتطور التفصيلات طبقاً لتطورات العصر . ففكرة الضمان الاجتماعي هي فكرة الزكاة ، ولكن طريقة التوزيع والتنفيذ تختلف باختلاف نظم الدولة الحديثة .

ثم دار نقاش طويل بين الرجلين علي نص في قانون جمعية الفلاح جاء فيه : تشترط الجمعية لعضويتها أن يكون العضو مواطنًا صالحًا ولا تتدخل في الخلافات الدينية أو الحزبية . وبعد انتهاء الاجتماع قال المرشد العام للشيخ الباقوري : " إني سمعت أن الدكتور أحمد حسين له صلات بالأمريكان ، ولم يستطع الباقوري تكذيب ذلك " .

نقف إلي هنا مما جاء بصحيفة أخبار اليوم . ومن سياق هذه القصة ومن بين ثناياها نستطيع أن نخرج بملاحظات منها :

أولاً : أن الدكتور أحمد حسين في الوقت الذي يعترف فيه بأن الإسلام كل ما في النظم الحديثة بل إنه سبقها ، نري فهمه لأصول الإسلام فهمًا خاطئًا ، فهو يري أن مصر في ذلك الوقت محكومة بالأحكام الإسلامية ، ويري الزكاة مجرد مساعدات مسقطًا بذلك كل أحكامها وحدودها ، معتبرًا هذه الأحكام والحدود إنما شرعت لعهد معين وقد انتهي العهد ، ولسنا الآن مقيدين بشيء من هذه الحدود والأحكام .

ثانيًا : بعد أن اعترف بأن في الإسلام كل ما في النظم الحديثة بل إنه سبقها ، نراه يناقض نفسه ويريد أن يقصر مهمة الإسلام في جمعيته علي الناحية الروحية . أما التشريعات الجنائية والمدنية فإنه يستمدها من النظم الأوروبية والأمريكية .. وهي نفس النظرة التي ينظرها الغربيون – ولهم عذرهم في ذلك – إلي المسيحية .

ثالثًا : أن المتتبع لهذا النقاش حين يحلل ما قاله الدكتور أحمد حسين ، ويراجع ما وصل إليه التحليل من نتائج يكاد يجد نفسه أمام صورة جديدة من صورة جمعيات الماسونية وأخواتها مثل : الروتاري واللوينز والتسلح الخلقي وإخوان الحرية وما يستجد من أسماء تلك الجمعيات ذات المبادئ البراقة في مظهرها ، الهدامة في حقيقتها ، التي أنشأها اليهود ليصرفوا بها المسلمين عن دينهم ، ويحطموا عقيدتهم في نفوسهم ، ويحلوا محلها عقيدة العالمية والإنسانية – كأن الإسلام قد خلا من هذين المعنيين الساميين ، مع أنه يقررهما ويدعو بالسماء ، ترتب علي اعتناقهما الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة .. وبين أن يعتنقهما فرد مدفوعًا إليهما بمجرد آمال تكتنفها المطامع ، وتنبعث منها رائحة التمويه والتزوير ..

وهذا هو السبب الذي من أجله رفض المرشد العام الموافقة علي قيام مثل هذه الجمعية ، ولا أشك في أن الشيخ الباقوري فهم ما فهم المرشد العام . ولكن الاستشراف إلي منصب متوقع من وراء جمعية يرأسها ويدعو إليها رجل معروف عنه أنه يعمل لحساب أمريكا ، ويشترك في عضويتها الوزراء أمر متوقع ، ويبدو أن فشل الدكتور أحمد حسين في التمويه علي المرشد العام جعل الباقوري يحجم عن أن يكون عضوًا من أعضائها ، فقد جاء في نهاية ما أوردته الجريدة " أخبار اليوم " عن هذه القصة أن جمعية الفلاح تكونت وضمن عددًا من الوزراء واختير الباقوري مستشارًا لها .

• أمريكا تحتضن ابنها المدلل :

هذا كل ما جاء بصحيفة " أخبار اليوم " عن هذه القصة .. وإكمالاً للقصة نقول :

إن ملاحظة المرشد العام التي أسر بها إلي الباقوري في شبه استفهام عما يشاع من صلات للدكتور أحمد حسين بالأمريكان ولم يستطيع الباقوري نفيها ، هذه الملاحظة تحتاج إلي تجلية وبيان :

لما كان للولايات المتحدة الأمريكية وزن كبير في السياسة العالمية ، لاسيما ما يتصل منها بالعالم العربي والإسلامي ، فقد كانت حكومات مصر علي اختلافها تتخير لتمثيلها الدبلوماسي فيها أحسن العناصر وأقدرها وأقواها شخصية .. وفي أواخر الأربعينات وقع الاختيار علي الأستاذ كامل عبد الرحيم ليكون سفيرًا لمصر في واشنطن ، بعد أن تمرس بالعمل في وزارة الخارجية المصرية حتى صار وكيلاً لها ، وهو الذي نصح في عام 1948م بألا تتدخل الحكومة المصرية بجيشها في فلسطين ، وكتب مذكرة بين فيها خطورة هذا التصرف وأضراره البالغة بمصر وبالقضية الفلسطينية . ولما تحقق ما حذر منه من هزائم لمصر وغيرها من الدول العربية ، لجأوا إليه ليكون سفيرًا في الولايات المتحدة ، لعله يستطيع أن يتلافى بعض ما حاق بمصر وبالدول العربية وبالقضية الفلسطينية من أضرار ، فقام هناك بأعمال جليلة ننقل إشارة إليها مما ذكرته جريدة " المصري " حيث نقول عنه :

" إنه كان شديد الإيمان بضرورة تضامن العرب في المشاكل الدولية العامة ، وكان لمجهوده أعظم الأثر في ظهورهم كتلة واحدة في كل معركة كبيرة داخل الأمم المتحدة وخارجها من أجل الشرق الأوسط . وقد استطاع أن يحول السفارة المصرية في واشنطن إلي بيت للعرب جميعًا ، ولاسيما أنه كان يكثر من المؤتمرات الصحفية والمحاضرات التي يشرح فيها وجهة نظره هو والعرب في المسائل التي تتولي الكتلة العربية الأسيوية الدفاع عنها . وكان الأستاذ كامل عبد الرحيم يلقي بيانًا أو حديثًا أو خطابًا مرة علي الأقل كل أسبوع ، وكان أكثر هذه الأحاديث والرسائل أمام جامعات أو غرف تجارية أو هيئات عليا مؤلفة من رجال الأعمال ، وكان أول من نظم قسم الصحافة في السفارة المصرية في واشنطن أعظم تنظيم ، وفي كل أسبوع كانت السفارة تصدر نشرة توزع علي خمسة آلاف من السياسيين ورجال الفكر والتجارة والأعمال العامة ، حاوية أهم وأدق الأخبار التي كانت الصحف الأمريكية المماثلة لبريطانيا أو إسرائيل تتعمد إغفالها وتتجنب نشرها .

ومنذ عام 1950 كان الأستاذ كامل عبد الرحيم يقيم مأدبة غداء في يوم الاثنين من كل أسبوع ، ويدعو إليها رجال الصافة وكتاب المقالات في أمريكا ، وكان يشرح لهم في أثناء المأدبة المسائل المتعلقة بمصر – وقد ساعد علي فهم حقيقة الموقف عندما حدثت الثورة العسكرية الحالية – وكثيرًا ما كان يتحدث قبل الانقلاب عن مساؤى فاروق والضرر الذي يعود علي سمعة مصر ومصالحها في الخارج من وراء ذلك . وكان الأستاذ كامل عبد الرحيم منتظمًا في صلواته اليومية الخمس ، لا يترك منها ركعة واحدة ، ولا يغفل عن أداء فريضة " . هذا شيء مما ذكرت " المصري " من صفات هذا الرجل وأعماله .. فإذا علم القارئ بعد ذلك أن رجلاً يمثل هذه الخبرة النادرة ، والقدرات الفائقة ، والأعمال الإيجابية المؤثرة ، والتاريخ الناصح الفريد ، و مصر في عهد جديد يحتاج أول ما يحتاج إلي الرجال الأكفاء ، الأقوياء ، الأمناء .. ثم يفاجأ هذا من العهد الجديد بالتغاضي عن كل ما قدم وما يستطيع أن يقدم ، يفاجأ بالنقل إلي منصب هو أدني من منصبه سفيرًا في بون .

وليت هذا النقل كان لأن العهد الجديد قد وجد من هو أكفأ منه ، ومن هو أكثر منه خبرة ، ومن هو أقوى منه شخصية ، وأنصع منه تاريخًا ، إذن لكان لمصر في ذلك عزاء .. ولكن الذي كان وراء هذا الغمط ومن خلف هذا الظلم أن العهد الجديد أراد أن يكون سفيره إلي الولايات المتحدة أحمد حسين . ولكي لا نغمط نحن الآخرين الدكتور أحمد حسين حقه فينبغي أن نسلم جدلاً بأن هذا الرجل قد يكون كفاءة في الناحية التي تخصص فيها واشتغل بها وصار خبيرًا فيها ، غير أن ذلك لا يؤهله أن يقدم علي من قضي حياته كلها في الخبرة السياسية الخارجية وعمل فيها وأنتج أعظم إنتاج في حين أن الدكتور أحمد حسين لم يعمل في هذه الناحية يومًا واحدًا . إذن ما الدافع إلي اتخاذ هذه الخطوة الغربية ، وما الداعي إلي الإقدام علي هذا التصرف الذي كان موضع نقد من جميع المحللين السياسيين في ذلك الوقت ؟ غير أن أحدًا لم يجرؤ علي الجهر بهذا النقد سوي جريدة " المصري " التي أبرزت نقدها في صورة ذكر طرف من صفات الرجل وأعماله . ثم نشرت بعد ذلك نص استقالته .. وكان هذا الأسلوب من جريدة " المصري " في التصدي لهذا التصرف الخاطئ الذي نقد يمكن أن يوجه إلي الحكومة ..ولهذا نري أن نضع نص هذه الاستقالة بين يدي القراء:

" حضرة وزير الخارجية :

منذ واحد وثلاثين عامًا ، وأنا مكرس حياتي لخدمة الوطن العزيز عن طريق العمل الحكومي . وأشهد الله أنني كنت ومازلت خلال هذه السنين الطوال غير مدخر جهدًا أو مالاً في سبيل خدمة الوطن بالقدر الذي أنار الله به بصيرتي ويسّر . وقد سلخت في خدمة وزارة الخارجية من هذه السنين الطوال زهاء عشرين عامًا ، أغلبها في وظائف رئيسة بالخارج وبديوان الوزارة – عملت خلالها جاهدًا لأحتفظ بالأمانة وأؤدي الواجب ما وسعني الأداء . حتى توليت وكالة الخارجية فبذلت الجهد في خدمة الوطن عن طريق هذه الوزارة – إلي أن هبت علي مصر كارثة فلسطين ، ورأيت أن مصر ستتردي في حرب ستجني منها الويل والخسار ، فبادرت قبل نشوب هذه الحرب بأسبوعين إلي توجيه نظر أولي الأمر إلي خطر الدخول في هذه الحرب ، منذرًا بأسوأ النتائج ، ودونت رأيي في مذكرة رسمية مازالت في محفوظات الحكومة .. ولما لم يؤبه برأيي ، وتجسم الخطر أمام عيني داهمًا ، طلبت ترك خدمة وزارة الخارجية وقتئذ ، فاقترح عليّ تولي سفارة واشنطن فقبلتها .

ويعلم الله ما لاقيت في هذه السفارة من صعاب وأزمات ، صمدت لها قوي الجنان ثابت الإيمان ، فمن أخبار انهزام الجيوش المصرية في فلسطين تملأ أعمدة الصحف الأمريكية ، إلي غير ذلك من أحداث وتصرفات معيبة ، تضافرت الدعايتان الصهيونية والبريطانية علي استغلالها استغلالاً واسع النطاق للحط من مصر وكرامتها ، والنيل منها ومن مصالحها .. حتى مرت بنا ونحن في هذه البلاد أيام من أحلك الأيام ، ضاقت فيها الدنيا أمامنا ، لولا رحمة من الله وفضل . لكننا صمدنا وتذرعنا بالعمل الدائب والإخلاص للوطن والدعاية الصالحة له ، واكتساب الأصدقاء في الحكومة الأمريكية وخارجها وفي الكونجرس وفي دائرة الصحافة ، وأرسينا بذلك أساسًا متينًا ، بدأنا نقيم عليه بنيانًا وطيدًا .. وهو مجهود ليس بالهين ، يستلزم عادة من كل سفير جديد في هذه البلاد المتشعبة النواحي المترامية الأطراف سنين طوالاً .. وعندما أشرقت علي مصر شمس عهد جديد من الحرية والكرامة ؛ إذ بهذا الأساس يزداد قوة ومتانة ، وإذا بأصدقاء مصر يعتزون بصداقتها ، ويتسابقون في خدمتها وشد أزرها ، وأصبح الطريق اليوم ممهدًا لمستقبل باسم مجيد ، وبناء شامخ وطيد . والآن .. ولما يتكامل البناء ، وأوشك الغرس أن يؤتي ثمره ، رؤى أن أتولي منصبًا آخر . غير أنني بعد تفكير طويل رأيت أن أختم حياتي في الخدمة العامة عن طريق العمل الحكومي بعد هذه الفترة الطويلة من الخدمة الخالصة لوجه مصر ، راضي الضمير بما أديت للوطن من جهد المقل ، ولكنه جهد المخلص المتفاني في خدمته .

وقد تفضلت الوزارة فعرضت عليّ سفارة بون . غير أنه نظرًا للأسباب المتقدمة ، ورغبة في العناية بعض الوقت بصحتي التي أضرها العمل المتواصل .. أستمحيكم العذر في عدم قبول هذا المنصب ؛ خصوصًا وإنني أري الخير كل الخير أن يسند إلي غيري ممن هم أقدر مني علي الخدمة . راجيًا قبول استقالتي ، شاكرًا للحكومة ثقتها الغالية ولزملائي بوزارة الخارجية كريم تعاونهم معي طوال مدة خدمتي . وإني إذ أعتزل الآن العمل الحكومي ، فلست بحال معتزلاً أداء الواجب للوطن في ميدان أفسح وأوسع مجالاً ، ألا وهو ميدان الخدمة العامة ، مستأنفاً الجهاد فيه كما كنت في الماضي غير مبتغ جزاءً ولا شكورًا .. عسي ربي أن يهديني سواء السبيل ، متضرعًا إلي الله تعالي أن يحفظ الوطن ، ويسدد خطي أولي الأمر فيه ويهيئ لنا من أمرنا رشدا . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .

لا أدري لم أجهدت نفسي هذا الجهد وأجهدت معي القارئ في هذه النقطة بالذات وفي هذا الفصل بالذات ؟ وهل استطعت مع هذا كله أن يلمح القارئ من وراء كل هذا السرد والتحليل الإصبع الأمريكية ؟ لقد تربي أحمد حسين في أحضان الرعاية الأمريكية – وهو من أسرة ذات ثراء وتمت إلي عبود باشا بصلة نسب حتى إذا أشرب حب أمريكا وصبوا في رأسه أفكارًا جعلته أمريكي العقل والقلب مصري الشكل والهيئة ، أوفد إلي مصر ليؤدي رسالة محددة .. فقام الرجل بمهمته خير قيام . ولكن هل كانت مهمته حقاً انتشال الفلاح من وهدة الفقر والجهل والمرض كما ادعي ؟! ومتى كان إنقاذ الفلاحين من مهمة الأثرياء المترفين ؟ ومتى كانت أمريكا التي تقيم كل شيء بالدولار حتى الرجال تقيمهم بالدولار وحتى لو طلب منها إسداء معروف لم تتطوع بإسدائه إلا بعد أن تقيمه بالدولار فإذا لم تجد من حصيلته دولارات تكسبها لم تتطوع بإسدائه .

إن دور الدكتور أحمد حسين الذي انتدبته له أمريكا في مصر كان أشبه بدور الهلالي حين أسند إليه الملك فاروق الوزارة .. كان دورهما تخريب الإخوان المسلمين من الخلف ، هذا يجرهم إلي الانتخابات ضد الوفد ليفني كل منهما الآخر – وذاك كان بتنويمهم وسحب شبابهم إلي هاوية جمعية الفلاح وما يلقونه فيها من إغداق أمريكي ومنع تنسيهم مبادئهم وتحطم نفوسهم .. ولكن الفرق بين الاثنين أن الهلالي حين فشل في جر الإخوان أسقطوه . ولكن الثاني حين فشل نقلوه إلي دور آخر . ولكن مصر خسرت في سبيل إنقاذ الإرادة الأمريكية في النقل رجلاً نادر الوجود لا يعوض . وأعتقد أن الإرادة الأمريكية لم تكن إرادة أمريكية بقدر ما هي في حقيقتها إرادة صهيونية لبست الثوب الأمريكي . ثم إذن دور الدكتور أحمد حسين في مصر لم يكن إلا تكملة لمشروع الإصلاح الزراعي في مصر الذي أعدته لجنة البحوث السرية بوزارة الخارجية الأمريكية .. والدور والتكملة كلاهما يمثلان علامة استفهام كبيرة في تقييم الثورة المصرية ومدى برئتها .


الفصل الثاني : المؤتمر الإسلامي وهيئة التحرير

جاء في سياق حديثنا عن جهود الإخوان في نشر الفكرة الإسلامية أن استجاب لهذه الجهود شعوب الأمة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، وكان من ثمارها عقد مؤتمر إسلامي عالمي في كراتشي بالباكستان . وقد نوهنا عنه في الجزء الثاني من هذه المذكرات . ثم انتهي الرأي إلي إنشاء مؤسسة إسلامية دائمة في القاهرة يطلق عليها " المؤتمر الإسلامي " ، واختير الأخ الأستاذ سعيد رمضان أمينًا عامًا لها . وتكون مهمتها العمل علي توثيق الصلات بين البلاد الإسلامية ، وعلي حل ما ينشأ من خلافات فيما بينها ، وتنظيم مؤتمرات سنوية تعقد في عواصم البلاد الإسلامية لمناقشة القضايا التي تمس كيان العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية في كل مكان . وقام هذا المؤتمر الإسلامي بما عهد إليه من مهام ، فلما قامت الثورة رأينا جمال عبد الناصر ينشئ مؤسسة أخري في القاهرة تحمل نفس الاسم وعهد بشئونها إلي أنور السادات . ومع ما في هذا الإجراء من تحد ، فإن الإخوان لم يثيروا هذا الموضوع ، ولم يعيروه اهتمامًا بل تجاهلوه تمامًا أملاً في تضييق دائرة الخلاف .

هيئة التحرير :

في ديسمبر من عام 1952 تمخضت أفكار جمال عبد الناصر عن إنشاء هيئة تسمي هيئة التحرير ، وصيغت مبادئها بحيث تتصل بالإيمان بالله من بعيد .. وأسند رياستها إلي اللواء محمد نجيب باعتباره الشخصية المحببة إلي الشعب في ذلك الوقت ، ثم أخذ يحاول جر الإخوان إليها بأساليب مختلفة ، فعرض أمانتها العامة علي الأخ الأستاذ صلاح شادي فلما رفض تولي هو أمانتها ، وجعل مساعده فيها الصاغ إبراهيم الطحاوي . ولم يئس أن يجر إليها الإخوان باعتبارهم هيئة تندمج في هيئة التحرير ، حاول أن يجرهم فرادي .. وبدأ بالإخوان الدعاة ، وأحس الإخوان بأن هذه الهيئة ليست إلا المسجد الضرار ، أنشأه جمال ليخدع الناس به ، وليوقع البلبلة في صفوف الإخوان وليفض الناس به عنهم .. وأيقن كثيرون من الإخوان – ممن لم يكونوا موقنين من قبل – بأن جمالاً إنما يبيت لدعوة الإخوان شرًا .. وإلا فلم ينشئ هيئة لا تخرج مبادئها وأهدافها – كما يدعي – عن مبادئ الإخوان وأهدافهم ؟ .

وظل جمال عبد الناصر يدعو الإخوان إلي هذه الهيئة ، ولم يصدر من قيادة الإخوان ما يحجز علي الإخوان أن يتحركوا كما يشاءون ، فقام عدد من دعاة الإخوان بزيارة مقر قيادة الهيئة ، والالتقاء بطبقة الموجهين فيها ، والفلاسفة الذين صاغوا مبادئها ، وحددوا أهدافها ، وهم من أساتذة الجامعة وكبار الكتاب .. فلما التقوا بهم واستطلعوا منهم ما صاغوه من مبادئ وأهداف ، سمعوا منهم كلامًا خطيرًا ، سمعوا منهم أن الهيئة أوسع أفقاً من الإخوان المسلمين ، فمثلها العليا لا تقتصر علي محمد وعمر وخالد بل تتسع لتشمل لينين وماركس وفرويد – رجع إلينا هؤلاء الإخوة الدعاة رافضين آسفين .. وكان منهم الأخ الأستاذ البهي الخولي الذي قص عليّ ما رأي وما سمع ، وأخبرني فيما أخبرني بأن فلاسفة التحرير أخبروه أن خزائن الدولة مفتوحة للدعاة علي مصارعيها وكذلك مناصبها . وقد كان هناك تركيز من جمال عبد الناصر علي جر شخصيتين إخوانيتين بالذات إلي الهيئة . وهما الإخوان البهي الخولي و سيد قطب حتى نشرت بعض الصحف في تنبؤاتها مثل " أخبار اليوم " أن الأستاذ سيد قطب مرشح لمنصب هام وشاع في الأوساط الإخوانية أنه مرشح وزيرًا للمعارف ، وأن الأستاذ البهي مرشح لمنصب كبير في وزارة الأوقاف.

ويبدو في تلك الأيام أن الأستاذ سيد قطب قد سارع بإعلان قطع صلته بهذه الهيئة ، ولكن الأستاذ البهي قد تريث طويلاً علي الهيئة ، وساء هذا التريث كثيرين من الإخوان حتى تحدثوا إليه في ذلك ، ووصلت القضية إلي مسامع المرشد العام فأوجدت جفوة بينه وبين الأستاذ البهي . ولما طالت الجفوة جاءني الأستاذ البهي – لصلة الأخوة الخاصة التي كان قد أنشأها بيني وبين الأستاذ الإمام وأشرت إليها من قبل – وشكا إليّ ما يلقي من جفوة المرشد العام .. وشرح لي في تلك الليلة زياراته لهيئة التحرير وما رأي فيها وما سمع وأن ذلك كله لم يكن إلا للاستطلاع ، وطلب إليّ أن أعالج ما نشأ بينه وبين المرشد العام من جفوة ، فتحدثت في ذلك إلي الأستاذ المرشد حتى طابت نفسه ثم جمعت بينهما في جلسة كانت من أمتع الجلسات كشفت لي عن صفاء نفس هذا الرجل وسموها وقدرتها علي التجاوز واكتساب الأصدقاء ، وكان من ثمرات هذه الجلسة أن كلف المرشد العام الأستاذ البهي بوضع كتاب عن " المرأة في الإسلام " . وقد بلغ من إبهام فلاسفة هيئة التحرير لجمال عبد الناصر أنهم أوهموه بأن المبادئ التي وضعها لها مستقاة من مصادر عالمية شرقية وغربية قد أصبحت أوسع الهيئات في مصر أفقاً وأشملها أهدافاً حتى إن جمال عبد الناصر يخاطب الإخوان باعتبارهم إنما يمثلون جزءًا من مبادئها . وقد تصور أنها – وهي مدعومة بسلطة الحكومة وخزائنها ، مؤازرة بفلاسفة البلاد وكتابها ، مهرولاً إليها من البارزين من تجار البلاد وأعيانها – يجب أن تضم الإخوان المسلمين تحت جناحها .. وتحدث في ذلك – كما جاء في حديثه مع مجموعة الإخوة الأستاذ صلاح شادي وزملائه في أول هذا الجزء من الكتاب .. وقد اعتبر رفضهم عصيانًا .

ثم استدار إلي شعب الإخوان في أنحاء البلاد بجس نبضها ، ويتحسس ناحية ضعف ينفذ منها إليها يجد في هذه الشعب استجابة لما لم يجد له استجابة في القاهرة ، غير أنه لم يفز بطائل . إنه أراد أن يجعل من هيئة التحرير حزبًا يستمد منه تفويضًا شعبيًا يكسبه صفة الزعامة الحقة غير المدعاة ، فكرس جهوده لإنشاء هذه الهيئة وتثبيت أركانها ، وسخر من أوهمهم أنهم زملاؤه في مجلس قيادة الثورة ليجوبوا معه البلاد شرقاً وغربًا يجمعون الناس لها ، ويشرحون لهم مبادئها وأغراضها ، ويوضحون لهم أهدافها ، مقتفين في ذلك أثر الإخوان : فللهيئة مركز عام في القاهرة وفروع وشعب في الأقاليم .. وإذا كان الإخوان قد أنشئوا مركزهم العام وشعبهم في عشرين عامًا ، فقد أنشئوا هم مركز الهيئة وشعبها في كل قطر في أقل من ستة أشهر ، وأصبح أعضاؤها أكثر من أعضاء الإخوان عددًا .. ومن الطوائف أن هذه الهيئة أنشئت في 23/1/1953 وبعد أن أنشئوا لها فروعاً في جميع بلاد مصر .. تحولوا إلي خارج مصر فأنشئوا لها مركزًا عامًا في دمشق افتتحوه في 14/2/1953 برياسة سفير مصر في سوريا وسكرتارية الصاغ جمال حماد .

وننظر الآن لنري شيئًا من هذا في داخل مصر أو خارجها فلا نجد .. أين ذهب كل هذا وأين ذهبت هذه الدور ومنشئوها وعمارها ؟ .

كأن لم يكن بين الحجون إلي الصفا

أنيس ولـم يسمر بمكة سـامـر

والعجيب والمؤلم معًا أن الحاكم حين يري إقبال الناس عليه في العاصمتين والأقاليم يخدع نفسه ، ويعتقد أن أسماعهم مرهقة لما يشرح لهم من مبادئ وشعارات وأن أعينهم متجهة إلي ما يفوه به من عبارات ، وينسي أن هذه الأسماع والعيون إنما هي متجهة ومرهفة لما هو وراء شخصه من مغانم وما حوله من مكاسب ،وما يأملون من تحقيق لأنفسهم في ظل سلطانه من مآرب .. ينسي هذا أو يتناساه ولا يراه إلا في حال من حالين : إما حين يفقد سلطته فيجد هؤلاء قد أدبروا عنه بأسرع مما أقبلوا عليه ، وإما حين تفوح رائحة الفضائح فيبدأ أن يري نفسه فوق تلال من العفن والقاذورات . نصح الإخوان جمال عبد الناصر بهذه المعاني التي هي من طبيعة البشر ، وأخلصوا له النص ، ولكنه أبي أن يتقبل النصح ، وظن أنه قادر علي تغيير طبيعة البشر ، وأنشأ هيئة التحرير ، وعقد سكرتيرها العام المساعد الصاغ إبراهيم الطحاوي مؤتمرًا صحفيًا يوم 9/2/1953 يشرح فيه نشاط الهيئة ، ويقول : إن الشعب أجمع علي زعامة نجيب وتوليه رياسة التحرير ، وإن نظام هيئة التحرير هو أعدل نظام ديمقراطي في العالم .


الفصل الثالث : وزارة إخوانية

لما فشلت حيلة جمال عبد الناصر في ضم الإخوان إلي هيئة التحرير أو جر عدد من دعاتهم إليها ، ولم يعد عنده أمل في إثارة هذا الموضوع مرة أخري ، فكر في حيلة جديدة . وحاولها هذه المرة مع الأخ الأستاذ عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان . أملاً في أن يجد فيه مغمزًا بعد أن يئس من المرشد العام . فقد أخبرني الأستاذ عبد الحكيم – رحمه الله – في يوم من الأيام هذه الفترة أن الصاغ صلاح سالم اتصل به تليفونيًا وسأله عما إذا كان ممكنًا أن يجتمع معه الليلة في بيته فرحب به – وقابلني الأستاذ عبد الحكيم صبيحة تلك الليلة وحدثني بما دار في اجتماعهما فقال :

إن صلاح سالم أخبره أنه موفد من قبل جمال ، ومفوض تفويضًا كاملاً فيما سيعرضه من أمور ، وأنه يرجو أن يري من عبد الحكيم تجاوبًا وروحًا متعاونة ، حتى ترجع روح الوئام بين الإخوان والثورة . فرد عليه الأستاذ عبد الحكيم مطمئنًا من هذه الناحية ، وأكد له أن الإخوان يتمنون ذلك . فقال صلاح : إن جمالاً – تدليلاً علي حسن نيته وأنه لا يكن للإخوان إلا كل خير – فإنه يعرض عليهم أن يؤلفوا حكومة كاملة من الإخوان ، رئيسها من الإخوان وجميع وزرائها من الإخوان . قال لي عبد الحكيم : فتبسمت تبسمًا آثار دهشة صلاح الذي سألني لم قابلت كلامه بهذا الابتسام الذي يوحي بالسخرية ؟ .

فقال له : يا صلاح .. هذا عرض ماكر نحن نرفضه كل الرفض .

فأثار هذا الرد صلاحًا – كأنه رحمه الله – لم يكن يعرف الهدف الحقيقي لجمال من هذا العرض ، فقد كان طيب القلب ، ومن القلائل في مجلس الثورة الذين كانوا يتمنون أن يسود الوئام والتعاون علاقة الثورة بالإخوان .. وقال : إذن ماذا تريدون من تنازلات لكم من جمال أكثر من هذا ؟ ستكون الحكومة إخوانية صرفة .

فقال له : هوّن عليك يا أخي صلاح . أنت رجل لا نشك في حسن نيتك ، ولكن العرض الذي حملته إلينا عرض خطير ، يخفي في طياته الدمار والهلاك للإخوان المسلمين مادام هناك مجلس قيادة الثورة . إن قيام مجلس وزراء بجانب مجلس الثورة لن يكون إلا شماعة تعلق عليها الثورة أخطاءها ، وتحمله أوزارها ؛ لأن حقوق السيادة ستكون لمجلس الثورة دون مجلس الوزراء . ستكون مهمة مجلس الوزراء مواجهة الشعب بما يتخذ من قرارات تمس مصالحه ، ولابد أن تدور هذه القرارات في فلك السياسة التي يضعها مجلس الثورة . فإذا كانت هذه السياسة خاطئة ، لم يلمس الشعب هذا الخطأ إلا في القرارات التنفيذية التي تتخذها الوزارة فيما يتصل بقوت الشعب وملبسه لا علي مجلس الثورة بل علي الوزارة التي تواجهه .

إن جمالاً رأي حل الإخوان لم يقض علي دعوتهم لأنه لا يمس جوهرها ، بل إنه زادها قوة ، وزاد الشعب فيها حبًا ، فأراد أن يحلها بطريقة أخري تقضي عليها فعلاً قضاءً مبرمًا ، وتستأصلها من جذورها بإحلال الكراهية والمقت لها في قلوب الشعب محل الحب والثقة والإعجاب . إن الحل مهما طال أمده ، فإن دعوة الإخوان سترجع في يوم من الأيام وستجد قلوب الشعب في انتظارها ، مفتوحة لاستقبالها – أما العرض الذي تعرضونه فإنه سيصرف الناس من الدعوة وسيشيعونها باللعنات فلا تقوم لها بعد ذلك قائمة .

يا أخي صلاح ..

هذا عرض نرفضه شكلاً وموضوعًا .. ولا نقبله إلا بشرط واحد .. هو أن يحل أولاً مجلس الثورة ويكون حق السيادة لمجلس الوزراء ، فنستوحي قراراتنا من كتاب الله وسنة رسوله لا من وحي مجلس الثورة .

هذا ملخص ما حدثني به الأخ عبد الحكيم – رحمه الله – في صبيحة ليلة الاجتماع . وكان الحديث أطول من هذا بكثير وتطرق إلي نواح مختلفة ، ولكن لم يبق في خاطري منه بعد هذه المدة الطويلة إلا ما ذكرت . وحسبك أن تعلم أن هذا الاجتماع استغرق الليل كله حتى صلي الاثنان الفجر معًا – ويقول عبد الحكيم :

وكأن صلاحًا قد اقتنع أو يئس من قبولنا هذا العرض فسألني : إذن من ترشحونه من غير الإخوان لرياسة الوزارة ؟ فقلت له ( وذكر لي عبد الحكيم أسماء اقترحها ، ولكنني نسيتها الآن تمامًا ) .


الفصل الرابع : زيارتان لقبر الإمام

في 12/2/1953 أبدي أعضاء مجلس الثورة عزمهم علي زيارة قبر الإمام حسن البنا في ذكري استشهاده ، فرحب الإخوان . وكان في استقبالهم عند القبر جم غفير من الإخوان علي رأسهم المرشد العام .. وألقي الرئيس محمد نجيب الكلمة التالية :

" بسم الله الرحمن الرحيم "

أيها المواطنون :

من الناس من يعيش لنفسه ، لا يفكر إلا فيها ، ولا يعمل إلا لها ، فإذا مات لم يشعر به أحد ، ولم يحس بحرارة فقده مواطن .. ومن الناس من يعيش لامته واهبًا حياته ، حاصرًا فيها آماله ، مضحيًا في سبيلها بكل غال عزيز .. وهؤلاء إذا ماتوا خلت منهم العيون ، وامتلأت بذكراهم القلوب . والإمام الشهيد حسن البنا أحد الذين لا يدرك البلى ذكراهم ، ولا يرقى النسيان إلي منازلهم ؛ لأنه – رحمه الله – لم يعش لنفسه ، بل عاش للناس ، ولم يعمل لشخصه ، عاش للصالح العام .. لقد كان حسن البنا صاحب عقيدة أخذت بزمام نفسه ، وملكت عليه منافذ حسه .. فعاش من أجلها أشق عيشة وأقساها ، ومات في سبيلها أشرف ميتة وأسماها .. وكان يؤمن بأن الدين هو الكفيل بإيجاد الأخلاق القويمة في نفوس الوطن العزيز ، وهو الوسيلة إلي حمل النفوس علي الفداء والبذل من أجل الكرامة .

ولست أنسي ما حييت هذا الشباب المؤمن القوي في معارك فلسطين ، يقتحم علي العدو أقوي الحصون ، ويسلك إلي قتاله أعصي السبل ، ويتربص بقواته وجحافله كل طريق . ولقد كان حسن البنا – علي قوة دينه وشدة إيمانه – يتحدث عن الإسلام في أفق واسع وفهم سمح كريم .. حتى انتفع به العالم والجاهل ، وكسب لدين الله أنصارًا كانوا أبعد ما يكونون عن الدين .. وكان الجميع يحبونه أخلص الحب ، ويحترمونه أشد الاحترام – ولذلك لم تكن الفجيعة فيه فاجعة جماعة ، ولا فجيعة طائفة – ولكنها كانت فجيعة أمة بل أمم غزا قلوبها ، وجمع علي الأخوة أرواحها . وكان – رحمه الله – حربًا عوانًا علي الفساد والانحلال ، علي قدر ما كان حربًا علي الغصب والاحتلال ، وكان سلاحه الذي اعتمد عليه سلاحًا ذا ثلاث شعب : الأولي : مكانة في نفوس الناس لا يبلغها غيره ، والثانية : بيان رائع قوي يحرك ويوجه ويثير ، والثالثة : قدرة علي التجميع والتنظيم لم يصل إليها إلا الأقلون ممن تصدوا لقيادة الأمم .

وقد أدرك أعداؤه وأعداء الوطن أن هذا السلاح في يده لا يفل حديده ولا يبلي جديده ، ثم هو سلاح لا يقاوم .. ولذلك أجمع المجرمون أمرهم علي قتله وحيدًا لا حارس له ، وأعزل لا سلاح معه ، وكانت القوة التي دبرت قتله ونفذته وأشرفت عليه .. هي القوة التي يلوذ بها الخائف فنمنحه الطمأنينة والأمن ، ويحتمي بها المطارد فتسبغ عليه ظلال السكينة والسلام " .

وقد حضر مع الرئيس محمد نجيب في هذه الزيارة الوزراء سليمان حافظ جلال والباقوري و فتحي رضوان كما حضرها الصاغ عبد الحكيم عامر والصاغ صلاح سالم . وأشهد لقد كان لهذه الزيارة معني كنا نحسه جميعًا ونشعر بحرارته .. وكان الذين قاموا بها والذين حضروها بل وكان الناس جميعًا يشعرون أنها رمز كان لابد منه أداءّ لحق الوفاء لرجل عاش حياته ليهيئ أسباب النجاح لثورة تقضي علي الظلم ، وتعيد للشعب حقوقه وكرامته . ويقال : إن جمال عبد الناصر كان هو صاحب فكرة زيارة قبر الإمام ، وأنه هيأ نفسه للقيام بها ولكنه فوجئ بأن اللواء محمد نجيب قد سبقه إليها .

علي أي حال فإن الزيارة كانت تجاوبًا لما يدور في خواطر أكثر الناس ، وقد رفعت من أسهم رجال الثورة عند الجمهور وزادتهم ثقة بهم وحبًا لهم ؛ ولهذا كان التسابق بين جمال ونجيب . ومرت سنة بعد هذه الزيارة وقعت خلالها أحداث خطيرة ، وظهر فيها من دفائن النفوس ما أزكم الأنوف . وتحطمت القيم ، ونقضت العهود ، واستبيح الكذب ، وديست الكرامات . وبعد كل هذا جاء جمال عبد الناصر في 12/2/1954 لزيارة قبر الإمام حسن البنا .. جاء لزيارة قبر حسن البنا بعد أن اقترف نحو الإخوان المسلمين ما يلي :

1 – أصدر – هذا الذي جاء يزور قبر حسن البنا – قرارًا بحل الإخوان المسلمين .

2 – أصدر – هذا الذي جاء يزور قبر حسن البنا – أمرًا باعتقال المرشد العام وقيادات الإخوان وإبداعهم السجن الحربي .

3 – أصدر بيانًا باتهام الإخوان المسلمين بالخيانة .

ليت شعري بأي وجه جاء هذا الرجل بعد كل الذي فعله ليزور قبر حسن البنا ؟! ومتى كان حسن البنا يري نفسه شيئًا غير دعوته ؟ صحيح أنه وجد في استقباله هناك والد الإمام وإخوته وولده ومعهم الأستاذ عبد القادر عودة والأساتذة صالح عشماوي وعبد الرحمن السندي وسيد سابق وعبدة قاسم والشيخ الغزالي و حلمي المنياوي .. ولكن هل هؤلاء يمثلون الإخوان المسلمين وهم يستقبلون من حل هيئتهم واعتقل مرشدهم ومئات من إخوانهم ، واتهمهم علنًا وعلي صفحات الصحف بالخيانة ؟ . مستحيل أن تكون هذه الزيارة قضاءٌ لحق الوفاء أو حتى مجرد عمل يمت إلي الخلق والإنسانية بسبب لابد أنها كانت أسلوبًا ماكرًا لشق هذه الدعوة وتفريق صفوتها ، واحتواء طائفة منها بإثارة نعرة أولي القربى في هذه الطائفة .. ولهذا كانت الكلمة التي ألقاها كلمة لا طعم لها ؛ لأنها مقطوعة الصلة بواقع الحياة فلقد كنا جميعًا غائبين وراء الأسوار ، ويقسم فيها علي أشياء يعلم هو أنه كاذب في ادعائها وقد ثبت كذبه فعلاً فيها .. وإليك نص هذه الكلمة كما قرأناها بعد ذلك في الصحف حيث تقول :

ألقي كلمة حبا فيها إخوانه المحتفلين بذكرى الشهيد حسن البنا في هذا اليوم الذي يذكرنا بالماضي القريب لا الماضي البعيد . ثم قال : إنني أذكر هذه السنين والآمال التي كنا نعمل من أجل تحقيقها . وأذكرها وأري منكم من يستطيع أن يذكر معي هذا التاريخ وهذه الأيام ، ويذكر في نفس الوقت الآمال العظام التي كنا نتوخاها ، ونعتبرها أحلامًا بعيدة . ثم أذكر هذا الوقت وفي هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية ، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا .. ثم قال في نهاية كلمته : وأشهد الله أني أعمل – إن كنت أعمل – لتنفيذ هذه المبادئ وأفني فيها وأجاهد في سبيلها ثم ألقي صلاح سالم كلمة ثم ألقي كل من الأستاذ عبد القادر عودة والأستاذ عبد الرحمن البنا كلمة .

ولكن هل نجحت هذه الزيارة ، وهل حققت المقصود منها ؟ ونقول : نعم ، نجحت وحققت المقصود منها ولكن ساعة من نهار .. حتى كشفت الأيام للجميع حقيقة النيات .. ولكن تتكرر هذه الزيارة بعد ذلك علي مر السنين ، وقام هذا الزائر الوفي الكريم بمهاجمة حسن البنا بنفس الأسلوب الذي هاجمه به عهد الملكية بل أشد .


الفصل الخامس : أسلوب مخادعة بارع يصرف أصدقاء الإخوان عنهم

كان هناك فريق من رجالات الأمة الإسلامية وزعمائها ممن جمع بينهم وبين الإخوان في الماضي ميادين العمل الجاد و الجهاد الصابر المتصل .. عاشوا العهدين في مصر ، ولما قامت الثورة – ولم يكونوا بعيدين عن مقدماتها وأحداثها – طاب لهم المقام في مصر في كنف هذه الثورة التي ساهموا في التمهيد لها ؛ لينعموا بالمعيشة ما بقي لهم من حياة في ظل الدولة الإسلامية التي كانوا يحلمون بها . وهذا الفريق من رجالات الأمة الإسلامية كانوا أعرف الناس بالثورة وعلاقة الإخوان المسلمين بها فهم يعلمون أنها ثورة الإخوان المسلمين وأن جمال عبد الناصر وزملاؤه ليسوا إلا الفرقة التي عهد إليها بالظهور علي المسرح .

فلما أحس هؤلاء بنشوب خلاف بين الإخوان وبين جمال عبد الناصر ، خفوا للاتصال بالطرفين لمعرفة كنه هذا الخلاف وأسبابه ودواعيه .. فكانوا يتصلون بجمال فيسمعون منه كلامًا ويتصلون بالمرشد العام فيسمعون منه كلامًا .. ولكن حصيلة ما يسمعون كان بين يدين الإخوان ويجعلهم الطرف المعتدي . وهكذا عاش هؤلاء الرجال في حيرة من أمرهم .. أوجد هذه الحيرة أن جمال عبد الناصر كان حريصًا في أسلوبه معهم ، وفي تصوير المواقف لهم علي إبراز أمور معينة ، وإخفاء أمور أخري ، وبتر الأحاديث ، والانتهاء من ذلك كله بحيث يبدو أن الإخوان هم المعتدون وأنه هو الجانب المعتدي عليه .. حتى ظن هؤلاء الرجال بالإخوان الظنون ، وجاءوا إلي المرشد العام في ذلك يعتبون عليه . وهذا الأسلوب كان من البراعة والتفنن بحيث لم يؤثر في هؤلاء الرجال فحسب بل خدع الكثير من كبار الإخوان وعلي رأسهم الأستاذ عبد القادر عودة مع أنه كان يعيش كل وقته في الوسط الإخواني ، فما بالك برجال يعيشون في جوهم الخاص ولا يحتكون بالإخوان إلا بمجرد مقابلات واتصالات . ومن الذين استطاع جمال عبد الناصر أن يخدعهم بهذا الأسلوب في ذلك الوقت السيد أمين الحسيني – رحمه الله – مفتي فلسطين .. وكان مقيمًا بالقاهرة .. وكان الرجل يعتقد في إقامته في مصر في ذلك الوقت أنه يقيم لأول مرة في ظل حكومة إسلامية هي حكومة الإخوان المسلمين .

لما بدأ الخلاف يتطور حاول السيد أمين الوصول إلي الأسباب الحقيقية لهذا التفاهم السيئ .. ولما وجد أن طريقة تبادل الاتصال مرة بهذا الطرف وأخرى بالطرف الآخر لم تجد ولم تصل به إلي نتيجة وصارح المرشد العام الآخر بالأمر بأن اتصالاته التنقلية بين الطرفين لم تسفر في نظره وفي نظر كثيرين من الساعين بين الطرفين إلا بأن الإخوان هم المتعنتون .. وعرض الرجل علي المرشد العام اقتراحًا بأن تعقد جلسة يحضرها الطرفان جمال و المرشد العام ، ويكون هم (السيد أمين) وبعض الساعين في الصلح من كبار رجالات مصر والعالم الإسلامي حكمًا بينهما .. وقد رحب المرشد العام بهذا الاقتراح .

وكان الأخ الأستاذ عمر الأميري عضو الهيئة التأسيسية ومن كبار رجال الإخوان في سوريا وسفيرها السابق في باكستان منفيًا في ذلك الوقت ومقيمًا بالقاهرة – واتخذ له مسكنًا في مصر الجديدة – وقد اختار هو الآخر القاهرة مقامًا له ؛ اعتقادًا منه بأنه سيقيم في ظل حكم إسلامي . وكان الأستاذ عمر هو الآخر ممن يحسنون الظن بجمال ، ومن المقربين إليه ، وممن يختصهم جمال برعاية واهتمام ، وكان الأستاذ عمر يتمني لو أحسن الإخوان الظن بجمال – وقد كانت لي مع الأستاذ عمر جلسات طويلة في سكنه هذا طالما دارت فيها المناقشة حول هذا الموضوع – فلما علم الأستاذ عمر بهذا الاجتماع المزمع عقده ، طلب أن يكون في بيته . وكان الاجتماع في مسكن الأستاذ عمر – وقد أنسيت أسماء الشخصيات التي اشتركت فيه ولم يعد في خاطري منهم إلا السيد / أمين الحسيني صاحب الاقتراح والأستاذ عمر الأميري صاحب البيت – وطالت الجلسة واحتدمت المناقشة – وكان الإخوان والسادة الساعون في الصلح يأملون من ورائها خيرًا كثيرًا .. وبسط المرشد العام كل ما عند الإخوان من وجهات نظر .. وحاول جمال أن يتفادى كعادته نقاطًا معينة ، ولكن المرشد أصر علي سماع إجابته عنها محتكمًا إلي الحاضرين .. فلما أجاب عليها – مضطرًا – اتضح للوسطاء أن لا عيب في مسلك الإخوان وأن سوء النية ملموس في تصرفات الجانب الآخر . فلما انتهي الاجتماع إلي هذه النتيجة التي لم تسعد جمالاً ، أسر في نفسه نية سوء للسيد أمين الحسيني وللأستاذ عمر الأميري – تكشف فيما بعد قليل بطرد الأستاذ عمر من مصر ، وبإعلان حرب شعواء علي السيد أمين بتشويه سمعته ثم طرده هو الآخر من مصر .

هذه بعض أمثلة من أساليب الدوران حول الدعوة لتخريبها من الخلف ، وإن كانت قد أحبطت جميعًا لا يفعل الإخوان ولا بتهجمهم ، وإنما بفضل الله وثبات الإخوان واعتصامهم بإيمانهم .. غير أنها شتتت شمل الأمة ردحًا من الزمن كان الأولي أن يستغل في مصلحتها . والكاتب حيت يتقدم للكتابة في مثل هذا الباب ، يتقدم متوجسًا خائفًا ؛ لأنه حين يغريه بالتقدم ما يتراءى أمامه عن طريق سوي لا عقبة فيه .. لا يلبث أن يفاجأ أنه علي شفا جرف هار يكاد ينهار به فيظن أنه النهاية ولكنه يفاجأ باستواء جديد هكذا .. طريق لا أمان فيه ولا اطمئنان .. طرفان يتعاملان معًا ، أحدهما : كل تصرفاته محكومة بحدود مستمدة من عقيدة ثابتة .. والآخر : حدوده هوي نفس لا تعرف لها مستقرًا .

الباب السادس : التشكيلات الإخوانية


التشكيلات الموروثة :

ورث المرشد العام الجديد يوم تولي هذا المنصب التشكيلات الإخوانية التي تركها له سلفه الإمام الشهيد ، سواء منها ما يتصل بالشئون الإدارية كمكتب الإرشاد العام ولجنة تحقيق العضوية والهيئة التأسيسية والمركز العام لجمعيات البر والخدمة الاجتماعية .. سواء منها ما يتصل بذلك وما يتصل منها بالنظام الخاص . وقد رأي المرشد العام الجديد أن يبقي كل شيء علي ما هو عليه ، بالرغم مما اتخذته قيادات بعضها مما كان يستوجب التغيير . وإذا كان في حديثنا في فصول سابقة ما يوحي بأن تشكيلين اثنين علي الأقل من هذه التشكيلات كان يجب أن يتناولهما التغيير ، فإن هذا التغيير لو أجري في هذين التشكيلين لاقتضي ذلك تغييرًا في جميع التشكيلات الأخرى ، فهناك من أعضاء هذين التشكيلين من هم في نفس الوقت أعضاء في التشكيلات الأخرى ، كما أن من بين أعضاء التشكيلات الأخرى أعضاء متعاطفين مع أعضاء هذين التشكيلين .

ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسية التي جعلت المرشد العام الجديد يبقي علي كل شيء علي ما كان عليه ، لاسيما وقد أنس من قيادة هذين التشكيلين أخيرًا تسليمًا بالأمر الواقع ، ومسايرة للركب الإخواني .. فآثر الأستاذ جمع الشمل ، خصوصًا والإخوان خارجون لتوهم من محنة قاسية . وقد أثبتت الأيام براعة هذه السياسة ، فقد استطاع الإخوان في ظلها أن يلموا شملهم ، وأن يستردوا مكانتهم .. ثم أن يحظوا من استجابة الشعب لدعوتهم ما جعلها تتبوأ أعلي مكان في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية في البلاد .

• بعد قيام الثورة :

فلما قامت الثورة ، وبدأت بوارق السلطة تلمع في سماء الإخوان .. أخذت هذه البوارق بألباب قيادات كانت قد استسلمت من قبل تحت تأثير الأمر الواقع الذي لم يكن آنذاك بديل منه .. ولكنها الآن وجدت أمامها طريقاً مفتوحًا وعلي رأسه داع يلوح لها بأعلام السلطة ويفتح لها ذراعيه .. فمن هذه القيادات من هرولت إليه ، وألقت بنفسها بين ذراعيه .. ومنها من بادلته ابتسامة علي حياء .. وهذه كان أمرها مع الدعوة غير عسير – أما الأخرى فكان أمرها عسيرًا ، وكانت هي رأس الفتنة التي تمخضت عن أعظم كارثة نزلت بالإخوان المسلمين ، وانتهت بتدمير مصر والبلاد العربية تدميرًا لازال أصحاب العقول حتى اليوم في حيرة كيف يخلصون البلاد من لعنته ، وكيف يتلاقون آثاره . أما الذين ابتسموا وكان خطرهم قليلاً ، فهم أصحاب نظرة أولي القربى ، والذين يعتقدون أنه قد سلبوا حقهم في خلافة الأستاذ الإمام في منصبه بالدعوة . وما الآخرون الذين باءوا بإثمها وتولوا كبرها ، ولعبوا بالنار وهم يضحكون ويمرحون .. وكانوا كالأطفال يحطمون أثمن ما يملكه آباؤهم ، ويشعلون النار فيها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .. فإنهم قيادات النظام الخاص . رأت هذه القيادة في تلويح جمال لها فرصة سانحة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه من قبل ، ألا وهو إخضاع قيادة الدعوة لأعوانهم ، وأن تكون هذه القيادة ألعوبة في أيديهم .. وبذلك يفرضون سلطانهم علي الدعوة ، ويوجهونها حيث يشاءون .

تشكيلات جديدة :

في خلال تلك الفترة حل الموعد الدوري لتجديد انتخاب الهيئة الإدارية العليا للإخوان .. ورأي المرشد العام أن الدعوة مقبلة علي أيام حافلة بالمتاعب .. وأحسَّ أعضاء الهيئة التأسيسية بالأحداث التي تجري في القاهرة ، فرأي أكثرهم أن يستطيعوا رأي المرشد العام في هذا الشأن .. فأبدي رأيه فيما عرضوه عليه . وكان اتجاه المرشد العام في هذا الشأن أن يعمل علي تكوين جديد علي ضوء ما مر بالدعوة من أحداث .. وطلب إليّ أن أكون عضوًا بمكتب الإرشاد فاعتذرت شاكرًا ومؤثرًا أن أظل عضوًا في لجنة تحقيق العضوية التي كنت عضوًا بها منذ أنشئت . وأجري الانتخاب وأسفر عن التشكيلين الآتيين :

1 – مكتب الإرشاد العام :

الإخوة الأساتذة محمد خميس و البهي الخولي و الشيخ محمد فرغلي و محمد حامد أبو النصر والشيخ أحمد شريت والدكتور حسين كمال الدين والدكتوركمال خليفة و عبد الرحمن البنا و عمر التلمساني و عبد القادر عودة و عبد الحكيم عابدين و عبد المعز عبد الستار .

2 – لجنة تحقيق العضوية :

الإخوة الأساتذة عبد العزيز كامل و حسني عبد الباقي و عبد الله عامر و حامد شريت و سعد الدين الوليلي و محمد الغزالي و محمود عبد الحليم .

وأحب هنا أن أقف وقفة قصيرة عند اعتذاري عن عضوية مكتب الإرشاد العام ، فقد يذهب الظن ببعض القراء أن هذا كان تهربًا مني من المسئولية ، وينبغي أن يعرف السادة القراء أن عضوية مكتب الإرشاد في تلك الحقبة من الزمن كان لها من المكانة الأدبية علي مستوي مصر والبلاد العربية والإسلامية ما تهون أمامه أضخم المسئوليات .. ومع ذلك فقد شاء القدر أن أزهد في هذه المكانة الأدبية – بعدًا عما يلازمها حتما من الأضواء وتمشيا مع طبيعتي وطبيعة مسئولياتي في الدعوة – فيأبي القدر إلا أن تلاحقني هذه الأضواء في ثنايا الزاوية التي اخترتها لنفسي في لجنة العضوية .. فلقد تطورت الأحداث تطورًا حملني – رغم أنفي – أخطر مسئولية ، ونقلني مكرهًا إلي دائرة الضوء بل إلي مركز بؤرتها مما يأتي إن شاء الله تفصيله في صفحات قادمة ، ومما كان له آثار بعيدة المدى في تطور الأحداث .

• قضيـة :

وقبل أن أنتقل إلي نقاط أخري ، ينبغي أن أوضح للقارئ أن إبداء المرشد العام رأيه للهيئة التأسيسية في أمر من الأمور أو في أشخاص يراد اختيارهم لعمل من الأعمال .. هذا الإبداء ليس فيه ما يعد اعتداءً علي حق الهيئة في اختيار ما تريد أو من تريد .. ذلك أن من حق المرشد العام – وهو الذي يباشر كل المسئوليات بنفسه وبمن حوله من القيادات – أن يقدم للهيئة تقريرًَا عن كل فرد من هذه القيادات ، وعن مدي بلائه في الدعوة تقصيره في حقها أو تعويقه لمسيرتها . كما أن من حقه كذلك أن يستعين بمن شاء من سائر الإخوان خارج نطاق هذه القيادات الرسمية :

• مجموعة الروضة :

وهذه قضية كانت مثار جدل أثاره بعض أعضاء مكتب الإرشاد الموروث ، والذي اقتضت ظروف الدعوة في ذلك الوقت الإبقاء عليه دون تغيير ولا تبديل ، فرأي المرشد العام أن يستعين بجانب هذا المكتب بمجموعة من الإخوان يطمئن إليها ويثق فيها ، فكان يكل إليها بعض المهام ، وهذه المجموعة هم الإخوة الذين ذكرهم فيما تلقاه من كتاب " الصامتون يتكلمون " ، وكان بعض هؤلاء المعترضين يطلقون عليهم " مجموعة الروضة " لأن أكثرهم كان يسكن في حي الروضة حيث يسكن المرشد العام .. يريدون أن يقولوا : إن المرشد العام قد اختار هؤلاء الإخوان باعتبارهم جيرانه في السكن .. وهو مالم يخطر علي بال الرجل ، فقد كنت أسكن في القناطر الخيرية خارج القاهرة ومع ذلك كان كثيرًا ما يستشيرني ويكل إليّ من مهام الأمور ، كما أنه في التشكيل الجديد لمكتب الإرشاد اختار الأخ الأستاذ عمر التلمساني وهو يسكن شبين القناطر وأسند إليه منصب السكرتير العام المساعد ، كما استقدم الأخ الدكتور محمد خميس حميدة من المنصورة وأسند إليه منصب نائب المرشد العام .

إذن لم تكن المسألة مسألة جيرة ، ولا مسألة صداقة شخصية ، ولا مسألة استلطاف ، ولا مسألة قرب ولا بعد ، وإنما كان الرجل يريد أن يتعاون مع إخوة لا يضعون في طريقه العراقيل ، ولا يتعاملون معه وفي نفوسهم أشياء ، ولا يوزعون ولاءهم له ولغيره باعتبار الولاء للقيادة هو الولاء للدعوة . ولقد أثبتت الأحداث أن المرشد العام كان في تصرفه هذا بعيد النظر ، ثاقب الفكر ، نافذ البصيرة ؛ إذ كشفت هذه الأحداث عن حقائق مذهلة كان يتوقعها ، وكان بتصرفه هذا يحاول تفاديها ، أو علي الأقل التخفيف من أخطارها ، فخطأ الجندي وهو فرد من أفراد الجيش أهون وأقل ضررًا من خطئه وهو في هيئة القيادة . وليس معني ما أسوق من حديث في هذا الشأن أن أبرئ هذه المجموعة من العيوب أو أن أنزهها عن الخطأ .. والخطأ والصواب أمران من طبيعة البشر .. لكنني عرضت بالحديث لقضية طالما اتخذها في ذلك الوقت بعض الموتورين مثارًا للتشنيع علي المرشد العام ، وجعلوها محورًا يدورون حوله في شغبهم عليه .

• طريقة الانتخاب :

وعلي العموم فقد اجتمعت الهيئة التأسيسية لتباشر حقها في اختيار أعضاء مكتب الإرشاد العام وأعضاء لجنة تحقيق العضوية .. وقد أشرت من قبل إلي أن هذا الاختيار يجري علي أساس فريد ، فهو انتخاب سري كتابي علي أن يختار كل عضو من الهيئة العدد المطلوب لمكتب الإرشاد والعدد المطلوب للجنة تحقيق العضوية دون أن يرشح أحد نفسه . ولعل في هذا الأسلوب مغالاة في الحرية من ناحية ، ومن ناحية أخري إبعادًا عن تزكية النفس في مجتمع هو أقرب المجتمعات إلي المثالية .. وأذكر بهذه المناسبة حادثة توضح هذا المعني ، وإن كانت تمسني شخصيًا ، إلا أن في إيرادها ما يكشف عن مقومات المجتمع الإخواني ، وبين إلي أي مدي وصل هذا المجتمع في الأخذ بالأسلوب الإسلامي في التربية الروحية والصقل النفسي .

في أثناء إجراء عمليات الانتخاب – وكانت تجري علي سطح المركز العام – كان يجلس بجانبي أخ كريم من إخوان الأقاليم هو الأخ الشيخ عبد الغفار الديب – رحمه الله – وكان من العلماء وعمدة قرية صفط العنب بمحافظة البحيرة ، وكنت – بحكم وجودي في لجنة تحقيق العضوية منذ أنشئت الهيئة التأسيسية – أعرفه كما أعرف جميع أعضاء الهيئة إلا أنه وإن كان يعرفني شكلاً فإنه لا يعرف اسمي .. وكان أعضاء الهيئة يعرفون أن عملية الانتخابات التي دعوا هذه المرة لأدائها عملية خطيرة لها ما بعدها ، فرأيت هذا الأخ الكريم يميل عليّ ويسألني : هل تعرف الأخ محمود عبد الحليم ؟

فقلت : نعم أعرفه . قال : وما رأيك فيه ؟

قلت : إنه ليس بذاك .

قال : إن رأيك هذا عجيب . فأنا لا أعرفه ولكن جميع الإخوان الذين أعرفهم يزكونه .

قلت : لا بأس .. لكل إنسان رأيه – وقد سألتني وهذا هو رأيي فيه .. وأنا لن أنتخبه .

وتمت عملية الانتخاب .. وفرزت الأصوات .. وأعلنت النتيجة .. وأحمد الله أن فزت بما يشبه الإجماع .. وهي نتيجة طمأنتني علي أعز ما أحرص عليه ، وهو ما تكنه قلوب إخواني لي من حب .. وعرف الأخ الشيخ عبد الغفار من الذي كان يبدي له الرأي في محمود عبد الحليم ، فأقبل عليّ معانقاً هو وإخوانه الذين قص عليهم ما كان بيني وبينه . وكانت نتيجة الانتخاب بمثابة تجديد إجماعي للثقة بقيادة المرشد العام ؛ لأنها جاءت مطابقة تمامًا لما كان يأمله ، فقد أقصي عن مكتب الإرشاد أعضاء منهم الأخ الأستاذ صالح عشماوي وأدخل فيه إخوان آخرون .

ومن أروع ما لفت نظري في الإخوة الذين دخلوا المكتب هذه المرة أن يكون منهم الأخ الأستاذ عمر التلمساني . وللأخ الأستاذ عمر قصة .. فهو المحامي الوحيد الذي دخلت الدعوة في عام 1936 فوجدته من الأعضاء السابقين .. وكان من أحب الإخوان إلي الأستاذ الإمام ، وكان يربطه به رباط روحي صوفي أشبه بالعشق الروحي .. وكان الأستاذ عمر من سكان شبين القناطر ، ولا يكاد يشترك معنا إلا في المناسبات وزيارات خاصة للأستاذ الإمام ، وبمقالات يكتبها في مجلة الإخوان ، وكنا نعتبره إذ ذاك الأخ المحب المدلل .. ثم كانت المفاجأة أن يترك هذا الأخ منتجعه ، ويأتي إلي المركز العام يضع نفسه ووقته وجهده تحت أمر الدعوة في أحرج وقت مر بها ، حيث الفتن علي أشدها والحكومة مكشرة عن أنيابها ، و المرشد العام في أمس الحاجة إلي من يقف بجانبه .

• الانتخابات الداخلية :

وقبل أن نختم عن الحديث عن التشكيلات ، يحسن بي أن أذكر نتيجة الانتخاب الداخلي في هذين التشكيلين حيث تم الآتي :

1 – في مكتب الإرشاد العام :

أسفر الانتخاب الداخلي عن انتخاب : الدكتور محمد خميس حميدة نائبًا ل المرشد العام والأستاذ عبد القادر عودة وكيلاً عامًا والأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتيرًا عامًا والأستاذ عمر التلمساني سكرتيرًا عامًا مساعدًا .

2 – في لجنة تحقيق العضوية :

عند إجراء الانتخاب الداخلي رأيت اتجاها من أعضائها إلي انتخابي رئيسًا للجنة باعتباري حائزًا أكثر الأصوات في الهيئة التأسيسية ، ولكنني أشرت عليهم بانتخاب الأخ عبد العزيز كامل ، وكان هدفي من ذلك أن أضعه أمام المسئوليات الجسام المقبلة ، وقد تم ما أشرت به ، كما انتخب الأخ الأستاذ سعد الدين الوليلي سكرتيرًا للجنة .

الباب السابع : التقاء إرادتين علي التخريب


الفصل الأول : لقاءات مشبوهة

وقفنا في باب سابق في موضوع النظام الخاص عند إذعان قيادته لما أجمع عليه الإخوان من اختيار المرشد العام الجديد الأستاذ حسن الهضيبي ، وقد وقع هذا الإذعان أحسن موقع من الجميع . واعتبر ذلك نصرًا كبيرًا للدعوة ، وعقبة كأداء انزاحت من طريقها .. وقلنا إن الدعوة بتحررها من هذا العائق انطلقت انطلاقاً فاق ما كان منتظرًا ، وراح الجميع يخطبون ودها ، وينثرون الورود في طريقها ؛ تقربًا إليها ، وتمسحًا بها .. حتى الملك أراد أن يلوذ بحماها .. ولكنها ركلته برجلها .. وتطلعت الأنظار إليها مترقبة التغيير المأمول . ووقع التغيير المنتظر ، الذي كان أشبه بالتغيير الذي أنهي دولة لني أمية .. كان الأمويون يلعنون العلويين علي المنابر طيلة مائة عام تولوا الحكم فيها .. وكان العداء مستحكمًا بين طائفتين طائفة الأمويين وطائفة العلويين .. وظل العلويون هم الأعداء المطاردين طيلة مائة عام .. فلما وقع التغيير باسم العلويين .. وكانت الأنظار معلقة بهم .. فإذا الذين ظهروا علي المسرح أبناء عمومتهم من بني العباس ، فلم يخطر ببال أحد أن الدولة شيء غير دولة العلويين .. ولكن الأحداث المؤسفة أخلفت الظنون ، ورأوا بني العباس قد استقلوا بالحكم وناصبوا أبناء عمومتهم الذين وصلوا إلي الحكم عن طريقهم أشد العداء

كان جمال عبد الناصر علي علم بما كان من موقف لقيادة النظام الخاص . كما أن الفترة التي قضاها في كنف هذه القيادة قد كشفت له كثيرًا من نواحي الضعف في نفوسها .. ولما كان دائب البحث عن وسائل تمكنه من احتواء هذه الدعوة المترامية الأطراف ، بحيث يوجهها حيث يشاء ، فيكون بذلك قد تربع علي عرش أعظم قاعدة شعبية .. وقد لمس أن الرجل الذي اعتلي صهوة هذه القاعدة هو من الصلابة والقوة بحيث لا يقتحم من أمامه .. ولابد لمن يريد اقتحامه أن يبحث عن وسيلة يقتحم بها من خلفه .. وقد هداه تفكيره ، وأرشدته خبرته إلي هذا النظام الخاص الذي سبق له أن تمرد ، ولم تذعن قيادته إلا مغلوبة علي أمرها .

ومع أنه هو شخصيًا لا يثق في هذه القيادة ، فقد سبق أن طعن في كفاءتها ، فإنه لا يعنيه الآن شيء من ذلك ، وكل الذي يعنيه هو أن يحتضن هذه القيادة ، ويوليها اهتمامًا خاصًا ، ويوسع لها من مجلسه – مجلس رئيس الحكومة – ويشعرها بأنها شريكة في الحكم .. وأنه وإياها " الإخوان القدماء " ، ولابد من العمل معًا علي التخلص من هذا الرجل " الدخيل " الذي جاءوا به من خارج الدعوة ووضعوه علي رأسها متجاهلين في ذلك أصحاب الدعوة الأصليين من الإخوان القدامى الذين بنوا صرح هذه الدعوة بعرقهم ودمائهم . وحسب القارئ أن يتصور موظفاً صغيرًا بوزارة الزراعة ، مؤهله الثانوية العامة يجد رئيس الحكومة يطلبه فيستقبله في مكتبه استقبال الند للند أمام رجال الحكم ، ثم يجلسه إلي جانبه ، ويمضي ساعات في الحديث إليه منفردين ، لا يسمح لأحد مهما علا شأنه بالدخول عليهما وقد تنتهي الجلسة الطويلة بأن يصحبه إلي منزله فيتغذيان معًا .. وأصبح بينهما تليفونيًا وشخصيًا مقدمًا لدي رئيس الحكومة علي كل اتصال .. أي شعور يتصوره القارئ من الزهو والغرور والاستعلاء يستولي علي لب هذا الموظف الصغير بحيث قد ينسيه حقيقة نفسه .

ولم يكن هذا الأسلوب جمال في التعامل مع رئيس النظام الخاص وحده ، بل إنه كان يستعمل نفس الأسلوب مع كثيرين من أفراد هذا النظام حتى الطلبة منهم .. فلقد كان من إخوان النظام في ذلك الوقت أخ سمعه حسن عبد الغني ، وكان إذ ذاك طالبًا بكلية الحقوق وكان علي درجة عالية من الإخلاص ، وكنت أحبه لهذا ، فكان يقابلني بالمركز العام في المساء ويحدثني عن جلسات له مع جمال وعما تم بها من حديث . أما من ناحية رئيس النظام الخاص في ذلك , فأنه لم يكن بحاجة إلي كل هذه المظاهر من الاحتفاء والتقريب ليسلك المسلك الذي يريده جمال . بل إنه كان يتمني أن يجد أي سند يسند إليه ليظهر ما كان يتكتمه مما كان يعتمل بالتأييد لفعل كل الذي فعل مما كان يريده جمال أن يفعل .. فلقد كان رئيس هذا النظام يعتقد أن المرشد العام قد سلبه سلطة بلا حدود لها ولا أن يفعل ، كان يستمتع بها ، ويظن أنها صارت تفويضًا إلهيًا له . ومن هذا المنطلق كان سلوكه الشائن المخرب الذي تمت جولاته بتدبير أثيم في كنف جمال عبد الناصر وتحت مظلة من تأييده وتوجيهه ومباركته .

كان الإخوان – لاسيما في القاهرة – يشعرون بهذا التحرك المشبوه الذي يتم بين جمال عبد الناصر وبين عناصر كثيرة من إخوان النظام الخاص .. وبدأ الإخوان – سواء منهم من كان من النظام الخاص أو من غيره الذين يتأثرون بتوجيهات جمال عبد الناصر يتكتلون ، وأخذوا يبحثون عن مكان يلتقون فيه معًا ، فوجدوا ذراعين مفتوحتين ترحبان بهم ، وكان هذان الذراعان ذراعي الأخ الحاج حلمي المنياوي ، وهذا الأخ إذ ذاك كان تاجرًا كبيرًا من تجار الورق بالقاهرة ، له محل تجاري فسيح بشارع الجيش ، ويتصل بهذا المحل مكتب كبير مؤثث وبه تليفون ويصلح لعقد الاجتماعات .. ومنذ ذلك الوقت صار هذا المكان ملاذ كل من تحدثه نفسه بالشغب علي دعوة الإخوان المسلمين أو المساهمة في الكيد لها .. ولست أدري حتى الساعة ما الذي دفع الحاج حلمي إلي اتخاذ هذا الموقف الذي كان أشبه بمسجد الضرار .. هل هي مجاملة منه لهؤلاء الإخوان المتمردين ؟ أم كانت وسيلة منه للتقرب إلي جمال عبد الناصر وسلطة الحكم أملاً في الانتفاع من وراء ذلك لتجارته ؟ والذي أعرفه في هذه الناحية أن جمالا فيما بعد حطمه فيما حطم ؟!!! . والعجيب في شأن هذا الأخ أنك سوف تقرأ في كثير مما سوف تقرأ عن التمرد والمتمردين وما كان منهم وما اتخذ بشأنهم ، وستقرأ اسم محل هذا الأخ قرين كل ما حدث وكل خطوة وكل مؤامرة .. ولكنك لن تجد اسمه هو نفسه في شيء من ذلك .

وبالرغم من أن جمال عبد الناصر كان حريصًا علي أن تكون اجتماعاته بإخوان النظام الخاص في نطاق السرية ، فإن كثرة تعدد هذه الاجتماعات ، وتدخل أكثر من فرد من رجال جمال فيها – أملاً في سرعة إنجاز المقصود منها وهو تأليب هذا الجهاز علي المرشد العام – كل ذلك نقل هذا الأسلوب إلي ما يشبه العلانية ، وصار معروفًا أن هناك جبهة يُسهَر علي إعدادها لإجراء بين يدي هذا التخريب ، وأن كل خيوطها في يد رئيس هذا النظام ، وأن خيوط هذه المؤامرة تحاك فيما بين يدي جمال وهذا الرئيس .

الفصل الثاني : عبد الرحمن السندي مرة أخري

دعاني المرشد العام ذات يوم ، وأخذ يقص عليّ من أنباء عبد الرحمن السندي ومن اتصالاته بجمال عبد الناصر ، ومن اجتماعاته بأفراد النظام الخاص ، وما يبثه فيهم من روح العداء لقيادة الدعوة ، وسمي لي أفرادًا أبلغوه كل ما قاله عبد الرحمن .. وأخبرني بأن عبد الرحمن يجد آذانًا صاغية من بعض كبار الإخوان .. وقال لي : إنني لم أدعك إلا بعد أن بذل كثير من الإخوان جهودًا مشكورة ولكنها لم تثمر ، ومع ذلك لم أكف بهذه الجهود بل استدعيته وتحدثت إليه وحاولت إقناعه بأن تصرفاته تسئ إلي الدعوة وتعود عليها بضرر بالغ ولكنه أصر علي موقفه . ثم قال لي : إنني لا أمانع في الاستقالة إذا رأي الإخوان أن ذلك في صالح الدعوة .. وقد استدعيتك باعتبارك الورقة الأخيرة ؛ لأنك أنت الذي عالجت هذه الفتنة من قبل وأنت أقرب الإخوان إلي نفوس أعضاء هذا النظام .

وبدأت بالاتصال بالأخ أحمد زكي باعتباره التالي لعبد الرحمن في القيادة ؛ ولأن له محلاً تجاريًا يتيسر اللقاء به فيه ، وأثرت معه الموضوع ، فلم ينكر ما يبذلونه من جهود في سبيل تغيير قيادة الدعوة ، ولم يخف ثقتهم في تحقيق أمنيتهم هذه المرة ، وحجتهم في ذلك أن الأستاذ الهضيبي رجل دخيل علي الدعوة وهو عقبة في سبيل التفاهم مع الثورة ، وأن التفاهم مع الثورة أمر ضروري لتحقيق مبادئ الدعوة ، وأن الثورة مستعدة للتفاهم مع الإخوان ولكن الهضيبي هو الذي يرفض .. وحاولت التفاهم مع الأخ أحمد ولبكنه اعتذر إليّ وطلب مني هذه المرة أن أتفاهم مع عبد الرحمن . وترقبت حضور عبد الرحمن إلي المركز العام .. ولم أشأ أن أقابله في أول مرة محاولاً أن أراقب تحركاته ، فرأيته يحضر في الليالي التي يكثر فيها حضور الإخوان ، ويندس بينهم ، ويتخير منهم أشخاصًا يتحدث إلي كل منهم علي حدة ، وينتقل من مكان إلي مكان ليلتقي بأفراد آخرين .. وبعثت في طلب بعض هؤلاء الأشخاص من الذين تحدث إليهم عبد الرحمن وسألتهم عما دار بين عبد الرحمن من حديث ، فوجدت أنه يمهد للقيام بانقلاب في المركز العام . وشعرت بأن ترك الفرصة له ينفث سمومه بين إخوان برءاء هو تفريط في حق الدعوة وغفلة ، وإذا كان قد استطاع في غفلة منا أن يستحوذ علي أفكار عدد من كبار الإخوان الذين بهر عيونهم بريق السلطة ويطمعون في غنائمها ، فما ذنب غيرهم من خلاة الأذهان ، سليمي الطوية الذين لا مطمع لهم إلا نصرة الإسلام .. كيف تتركهم فريسة لأفكار هي تخريب لدعائم الدعوة ، وتقدم لهم علي أنها الوسيلة الوحيدة لتثبيت دعائمها ؟! .

قررت في نفسي أن لابد من وضع حد لهذا الأسلوب السري الخطير ، ولا يكون ذلك إلا بنقله من السرية إلي العلن . التقيت بعبد الرحمن – الذي كان يستحي أن يرفع نظره إليّ – فرأيته يتكلم معي بأسلوب جديد فيه جرأة وفيه ما يشبه التوقح وفيه إصرار وفيه عناد .. وعبثًا حاولت صابرًا علي أسلوبه هذا أن أقنعه بخطورة محاولاته وإضرارها بالدعوة بل تعريضها للزوال .. فلما يئست تركته منذرًا .

انتقلت إلي مرحلة أخري مؤداها أن أشعره بتيار مضاد تقوم به مجموعات من إخوان النظام الخاص .. وبذلك لا يجد الطريق أمامه مفتوحًا كما كان يجده من قبل .. والتقيت بمجموعات كبيرة من هؤلاء الإخوة في القاهرة والأقاليم – وكان الذي يربطني بهم الحب والثقة التي مردها الإيثار وإنكار الذات – وأفضيت إليهم بما في نفسي – وتبادلنا الرأي ، وأجمعوا علي الوقوف صفًا واحدًا في وجه عبد الرحمن .. ونظموا أنفسهم بحيث يحضر عدد منهم كل ليلة إلي المركز العام وتكون مهمتهم تحذير الإخوان خلاة الذهن من عبد الرحمن وأفكاره المسمومة . ونجحت الفكرة .. وكان يجئ عبد الرحمن فيجد الطريق أمامه مسدودًا .. وحاول أن يستخدم سلطته علي أعضاء النظام فوجد منهم خروجًا علي طاعته وعصيانًا لأول مرة . وتكرر حضوره إلي المركز العام لعله يجد ثلمة بين هؤلاء الإخوان ينفذ منها ، فلم يظفر بطائل .. فانقطع عن المركز العام .

• دار الندوة :

صحيح أن هذه الخطة حرمت عبد الرحمن فرصة اصطياد أفراد جدد يضمهم إلي صفه .. وصحيح أن هذا الأسلوب حرمه منتدى يلتقي فيه بأفواج بعد أفواج .. ولم يعد يجد في هذا المنتدى وجهًا واحدًا يبتسم له أو يرحب به – ولكن ذلك لم يمنعه أن يجد منتدى آخر نذره صاحبه لاستقبال المتمردين والترحيب بالمتآمرين – وأكرر هنا أيضًا ما قلته من قبل : إنني لا أدري حتى الساعة أية مصلحة كان ينتظرها صاحب هذا المنتدى من وراء ذلك .. فإنك كنت إذا جلست إليه شخصيًا لم تشعر في حديثه بأدنى ما يشعر بالتمرد . عكف عبد الرحمن علي الالتقاء في " دار الندوة " هذه بأقطاب التمرد ، وبالحفنة من إخوان النظام الخاص التي كان قد استقطبها واستحوذ عليها من قبل .. والتي كان يرتب لها لقاءات مع جمال عبد الناصر ، ثم عرف كيف يحشو عقولها بأخبار كاذبة ،وأفكار سوداء ، ويصور لها المواقف علي غير حقيقتها ، ثم عرف كيف يعزلها عن المجتمع الإخواني خشية أن تلتقي بمن يصحح لها الأفكار ، ويشرح لها حقيقة الأمور .. وإذا كنا قد طاردنا عبد الرحمن في المركز العام فليس من حقنا أن نطارده في أماكن لا سلطان لنا عليها .

• عزل رئيس النظام :

لم يكن هناك بد من اتخاذ إجراء يحرم أولاً هذا الرئيس المتواطئ من الصفة التي تخوله حق توجيه أعضاء هذا النظام الوجهة التي يريدها ، وتحرر ثانيًا أعضاء هذا النظام من الالتزام بطاعة هذا الرئيس . وهذا الإجراء لا يتطلب عرض الأمر علي مكتب الإرشاد ولا علي ما سواه من مؤسسات الدعوة ، بل هو من حق المرشد العام وحده ؛ لأن هذا الإجراء ليس معناه فصل هذا الرئيس من جماعة الإخوان المسلمين وإنما هو مجرد نقل عضو في الجماعة من عمل عهد به إليه فوجد أنه لم ينتج فيه الإنتاج المطلوب إلي عمل في مجالات أخري في الدعوة ، قد يكون في واحد منها أحسن إنتاجًا . ولهذا كان الذي أصدر هذا الأمر هو المرشد العام ، كما أن هذا الأمر بطبيعة اتصاله بالنظام الخاص فإنه لم يصدر مكتوبًا ولا منشورًا ، بل كانت وسيلته التبليغ الشفوي عن طريق تسلسل القيادة .

وغني عن الذكر أن نقول : إن هذا الأمر لم يصدره المرشد العام فجأة ، ولا من تلقاه نفسه – مع أن هذا من حقه – وإنما صدر بعد اتصال المرشد العام بالكثيرين من العاملين بهذا النظام والمتصلين به .. بل إنه لم يصدر إلا بعد إلحاح من هؤلاء العاملين بعد أن تقدموا إليه بوقائع ثابتة لها خطورتها وتنذر بشر مستطير .. ونعرض علي القارئ واحدة منها حتى يكون معنا في تقدير ما كان يكتنف الموقف من خطر داهم :

جاء أحد إخوان النظام الخاص وأخبر المرشد العام بالتالي : في أثناء اجتماعنا العادي أخبرنا الأخ صلاح عبد المعطي أنه بتكليف من رئيس النظام الخاص دعا بعض شباب النظام إلي حضور اجتماع في منزل أحد أعضاء النظام الخاص اسمه الأخ جمال النهري ، وحضر هذا الاجتماع الإخوة عز الدين مالك وعلي صديق وحسن عبد الغني وغيرهم .. ثم حضر إليهم حازم النهري شقيق الأخ الذي يجتمعون عنده ، وهو من تشكيلات الضباط الأحرار ومخابراتهم ، وأخذهم إلي منزل عبد الحكيم عامر الذي اجتمع معهم وحضر الاجتماع جمال عبد الناصر وصلاح سالم ، وأخذوا يسيئون إلي المرشد العام وجماعة منير دلة ، ويصورون لهم الخلاف بين الثورة وبين المرشد العام علي أنه خلاف شخصي وليس خلافاً علي مبادئ أو سياسة .


الفصل الثالث : جريمة غدر مجنونة

من هذا يتضح أن إجراء المرشد العام بتنحية رئيس النظام عن رياسة النظام ليست إلا إجراءً عاديًا ، كان يجب أن يقابل من أخ بايع علي السمع والطاعة بالتسليم والرضا ، وتوجيه جهوده لميدان آخر من ميادين الدعوة الفسيحة .. ولكن الذي حدث كان عكس هذا تمامًا .. اعتبر هذا الأخ هذا الإجراء اعتداء عليه ، وسلبًا لسلطان يري أنه حق أبدي له .. وإذا كان قد ناوأ المرشد العام من قبل في خفاء ، فإنه أصبح الآن في حل من إعلان الحرب عليه ، مستحلاً في سبيل ذلك كل وسيلة تتاح له .. أتدري أيها القارئ ماذا فعل ؟ .

كان يعلم أن المهندس فايز – وهو من كبار المسئولين في النظام الخاص – من أشد الناقمين علي تصرفاته ، وأنه وضع نفسه تحت إمرة المرشد العام لتحرير هذا النظام في القاهرة علي الأقل من سلطته ، وأنه قطع في ذلك شوطاً باتصاله بأعضاء النظام بالقاهرة وإقناعهم بذلك .. وإذن فالخطوة الأولي في إعلان الحرب .. وكذلك سولت له نفسه .. أن يتخلص من سيد فايز .. فكيف تخلص منه ؟ .

إنه تخلص منه بأسلوب فقد فيه دينه وإنسانيته ورجولته وعقله .. وانتهز فرصة حلول ذكري المولد النبوي الشريف ، وأرسل إليه في منزله هدية علبة مغلفة عن طريق أحد عملائه ، ولم يكن الأخ سيد في ذلك الوقت موجودًا بالمنزل ، فلما حضر وفتح العلبة انفجرت فيه وقتلته وقتلت معه شقيقا له ، وجرحت بقيت الأسرة وهدمت جانبًا من جدار الحجرة . وقد ثبت ثبوتًا قاطعًا أن هذه الجريمة الأثيمة الغادرة ، كانت بتدبير هذا الرئيس .. وقد قامت مجموعة من كبار المسئولين في هذا النظام بتقصي الأمور في شأن هذه الجريمة وأخذوا في تضييق الخناق حول هذا الرئيس حتى صدر منه اعتراف ضمني . ولكن الذي يلفت النظر أن الحكومة حين باشرت التحقيق في هذه الجريمة البشعة باشرته بتثاقل مريب . وبدا كأنما باشرته لمجرد " سد خانة " حتى لا يقول الناس : لماذا لم تقم الحكومة بالتحقيق ؟! وقد أقفل المحضر دون توجيه اتهام لأحد .


الفصل الرابع : فصل أربعة من الإخوان المسلمين

أمام هذا الغدر والاعتداء الآثم ، الذي وصل إلي حد استحلال الدم ، لم يكن بد من اتخاذ إجراء عاجل ، في حدود ما يخول قانون الإخوان المسلمين الجهة المسئولة في الهيئة ، وكان أقصي ما يمكن اتخاذه من إجراء هو فصل هذا الرئيس والضالعين معه من هيئة الإخوان . اجتمع مكتب الإرشاد في 22 نوفمبر 1953 وتداول في هذا الموضوع الخطير ، وبحثه من جميع جوانبه ، وانتهي إلي قرار إجماعي بفصل رئيس هذا النظام الخاص وثلاثة من معاونيه ، هم : أحمد عادل كمال ومحمود الصباغ وأحمد زكي .. وأعلن هذا القرار .

وبديهي أن هذا القرار وقد تم إعلانه – كان لابد من احتفاظ مكتب الإرشاد العام لنفسه بالأسباب التفصيلية التي دعت إليه .. لأن في إعلان هذه الأسباب ما قد يزيد علاقة الإخوان بالحكومة سوءًا ؛ إذ فيها ما يمس جمال عبد الناصر شخصيًا .. وكان – حتى ذلك الوقت – ما يزال مأمولاً تفادي المواجهة لعل جمالاً يفئ إلي الرشد . وكان موقف الإخوان حيال هذا الوضع الخطير كمثل الذي رأي نفسه في مثل هذا الموقف فقال .

البغل في الإبريق لكن أين لي

بفم يقول البغل في الإبريق

• رفع قميص عثمان :

كان مفروضًا بصدور قرار إجماعي من مكتب الإرشاد العام أن يقابل بالرضا والتسليم من كل فرد من أفراد الإخوان المسلمين مهما خلا هذا القرار من ذكر الأسباب التفصيلية التي بني عليها ذلك للأسباب الآتية :

1 – أن هذا القرار قد صدر من الجهة المختصة ، وصدر بالإجماع لا بالأغلبية .

2 – أن علاقة الإخوان المسلمين في كل مكان بمرشدهم العام وبما يعاونه من هيئات منتخبة علاقة تقوم علي الثقة التي لا يداخلها شك .

3 – أن هذا القرار – وإن كان قد صدر دون إعلان أسبابه – فإن هذه الأسباب كانت معروفة لجمهور الإخوان بل لكثيرين من غير الإخوان .

ومع ذلك فقد بدأ هذا الرئيس المفصول في تنفيذ تمثيلية جديدة ، وضعت وأخرجت " في مكان ما " ولم تكن مهمته إلا أداء أدوارها علي المسرح .. وكانت الفصول التالية للمسرحية قائمة هذه المرة علي " رفع قميص عثمان " . كان هؤلاء المفصولون يعرفون أسباب فصلهم ، وكان الذين يمدونهم في الغي يعرفون هذه الأسباب ، وكان الإخوان جميعًا يعرفون هذه الأسباب ، لاسيما أولئك الذين كانوا يجتمعون معهم كل ليلة في " دار الندوة " . ولكن هؤلاء المفصولين ومن يلوذ بهم ويباركون جرائمهم يعلمون أن مكتب الإرشاد لا يستطيع أن يعلن هذه الأسباب للظروف فيه بإعلان أسباب الفصل .. وقد اتخذت هذه الحملة صورًا منها :

1 – تقدم بعضهم إلي المكتب بتظلمات كتابية ، ووعد المكتب بالنزر فيها ، وتبين فيما بعد أن هذا من جانب المتظلمين كان أسلوبًا من أساليب التنويم .

2 – بدت الأمور بعد ذلك كأنما استقرت . وتفرغ الإخوان لأعمالهم الخاصة ، كما تفرغ كل ذي مسئولية في الدعوة للعمل في موقعه ، ولم يدر بخلد أحد أن هذا الهدوء والاستقرار لم يكن إلا ستارًا لمؤامرة تحاك من خلفه ، علي أن تكون هي المؤامرة القاضية ولا قبل لأحد بمواجهتها ، فقد حيكت بإحكام وبراعة دقيقين ، بتكتيك ماهر توفرت عليه عقول متخصصة ، ووضعت في خدمته كل الوسائل ، فكانت بذلك أخطر مؤامرة واجهها الإخوان المسلمون .

الباب الثامن : المؤامرة الخسيسة أو الضربة المسددة إلي القلب من الخلف


حول هذه المؤامرة

كل المؤامرات التي حيكت لدعوة الإخوان من داخلها ، وقد عرضنا لها في هذه المذكرات ، كانت – علي اختلاف دوافعها – من نوع واحد .. ولكن المؤامرة التي تزعمها عبد الرحمن هذه المرة كانت وحدها نوعًا آخر .. إنها اختلفت عن سوابقها في أمرين :

الأول : أن سوابقها لم تكن من الخسة بحيث تستحل حرمة البيوت ولا حرمة النساء ، فلم تفكر واحدة منها في اقتحام بيت ، مهما بلغت درجة الخصومة لبن القائمين بها وبين زميل ، وكانوا يرون في ذلك خسة ونذالة يَرْبأوُنَ بأنفسهم عنها .. ولكن مؤامرة عبد الرحمن استحلت حرمة البيوت فاقتحمت علي المرشد العام بيته ، واستحلت دم أخ مخالف لهم في الرأي .

الثاني : أن هذه المؤامرة استعانت بسلطة الحكومة ضد الهيئة التي نشئوا فيها ، وتربوا في أحضانها ، ,قد يكون التعبير الأدق أن تقول : إنها تواطأت مع السلطة وتحالفت وأسندت ظهرها إلي ما تملك أداة منفذة لخطط وضعتها هذه السلطة .

• مجمل تخطيطي للمؤامرة :

خطط لهذه المؤامرة بحيث يكون هجومها ذا شعبتين ، فقد قسموا أنفسهم قسمين أو فريقين :

فريق كله من الشباب وُكِلَ إليه أن يقتحم علي المرشد بيته لإرغامه علي كتابة استقالة ، ويقوم هذا الفريق بمهمته في الوقت الذي يكون فيه الفريق الآخر قد اقتحم دار المركز العام واحتله .. وكان هذا الفريق أيضًا من الشباب ولكن كان علي رأسه ثلاثة من كبار الإخوان هم الأساتذة صالح عشماوي ، ومحمد غزالي ، وأحمد عبد العزيز جلال من أعضاء الهيئة التأسيسية .

وقد أدي الفريق الأول مهمته في اقتحام منزل المرشد العام – وهو أمر ميسور لكل من أراده – وصحيح أنهم تطاولوا علي الرجل وأساءوا إليه ، لكنهم لم يستطيعوا أن يستكتبوه الاستقالة . وكان المفروض في التخطيط أن يكون الفريق الآخر قد أتم احتلال المركز العام ، علي أن يوافيه الفريق الأول باستقالة المرشد العام المكتوبة ، ليعلنها الثلاثة الكبار في الصحف ، ويختاروا بعد ذلك مرشدًا عامًا لابد أنهم كانوا أعدوه فيما بينهما .. ولكن الفريق الآخر – وقد قام بمهمته – فاحتل المركز العام – وكان احتلاله ميسورًا لأي أحد فاليوم يوم جمعة والمركز خال من الرواد . وقام الثلاثة الكبار باحتلال مكتب المرشد العام ، وقام الشباب بحراسة بوابة المركز حتى لا يدخله إلا المشايعون ولكن الجزء الهام من الخطة لم يتحقق إذ لن يتم الحصول علي الاستقالة .. وإن كان المسئولون عن المؤامرة قد أبلغوها للصحف ثقة منهم في أن إحكام المؤامرة جعل هذه الاستقالة .. في قبضة أيديهم .

هذا من الناحية القائمين علي تنفيذ مخطط المؤامرة ، أما إدارة المؤامرة فكان يديرها عبد الرحمن وأركان حزبه من منزل قريب من جريدة الأهرام .

• مواقف ذات دلالات هامة في المؤامرة :

ولما كان دوري في نقل صورة هذه المؤامرة إلي السادة القراء دور الناقل عن غيره ممن شهدوها ، فأري – كما قدمت – أن أجمل القول فيها ، محيلاً إياها إلي كتاب " صفحات من التاريخ " للأستاذ صلاح شادي مجتزئًا هنا بملاحظات استمحيه عذرًا إذا أنا نقلتها عنه لشدة أهميتها ، ولبالغ دلالاتها ، حرصًا مني علي أن تكون بين يدي قراء قد لا يتاح لهم – في وقت قريب – الاطلاع علي كتاب الأخ صلاح .

وإليك هذه الملاحظات :

الأولي : كان أكثر هذا الشباب الذي ضلع في هذه الفتنة مضللين ومخدوعين ، حتى إنه لم تمض هذه الليلة حتى تقدم اثنان كانا من قادتها معتذرين وآسفين وهما الأخوان علي صديق وفتحي البوز .

الثانية : أن اثنين كانا من أكبر المسئولين في النظام الخاص في القاهرة ، أحدهما الأخ صلاح العطار وكان مسئولاً عن النظام الخاص في شبرا ، وكان يعد أقرب شخصية إلي السندي ، وقد جعله السندي أركان حربه في إدارة المؤامرة .. والآخر الأخ سيد عيد وكان مسئولاً عن النظام الخاص في شبرا الخيمة . كان هذان الأخوان – بإخلاص كانا من العوامل التي أعدتها القدرة الإلهية لتقويض البناء الذي سهر علي بنائه واضعو الخطة ومنفذوها .

الثالثة : كان معروفاً لدي منفذي الخطة أن الأخ صلاح العطار هو الناطق باسم السندي وممثله وناقل تعليماته ، حتى إنه لما توجه هو والأخ سيد عيد إلي المركز العام بعد منتصف الليل وجدا أن السندي قد اتصل بالمعتصمين تليفونيا وقال لهم : اسمعوا وأطيعوا لصلاح العطار .. وبذلك استطاع صلاح أن يرسل إلي السندي من ألقي في نفسه اليأس ، حتى إنه اضطر أن يتصل بالمعتصمين بإنهاء الاعتصام .

الرابعة : لما علم الأستاذ صالح عشماوي بتعليمات السندي بإنهاء الاعتصام ، غضب وهم بالاتصال به تليفونيا ، ولكن صلاح العطار منعه .

الخامسة : لما قابل الأخ سيد عيد الأخ صلاح العطار في يوم المؤامرة في مكان عينه له الأخ صلاح قرب جريدة الأهرام ، وجد الأخ صلاح الأخ سيد منخرطًا في البكاء لخطورة الحالة .. هدأه الأخ صلاح وقال له : هناك ما هو أخطر من هذا : إن سيد سابق قام الآن من عند عبد الناصر ليبلغ السندي بموافقته علي الانقلاب داخل الإخوان وأنه لن يتدخل إلي أن يتم الأمر ؛ لأن تدخله سوف يقلب الأمور ، وأن التعاون مع عبد الناصر سيتم بعد نجاح الانقلاب .

السادسة : في يوم المؤامرة أرسل المرشد العام الأخ سعيد رمضان إلي صلاح سالم وزير الإرشاد يرجوه عدم نشر هذه الأنباء في الصحف . ووافق صلاح سالم إلا أن عبد الناصر قال له : إن الصحف حرة فيما تكتب ولا نتدخل في شئونها للتأثير عليها .

ويبدو أن عبد الناصر خوفاً من أن يكون قد وصل إلي بعض الصحف من صلاح سالم ما يمنعها من النشر سارع بدعوة الأستاذ أحمد أبو الفتح صاحب جريدة المصري أوسع الصحف انتشارًا في ذلك الوقت ليلقي إليه بنفسه هذه الأخبار بطريقته الخاصة لينشرها أحمد أبو الفتح . وقد جاء في صفحة 197 من كتاب " جمال عبد الناصر " لأحمد أبو الفتح يقول : إن عبد الناصر دعاه إلي منزله في تلك الليلة حوالي الساعة التاسعة مساءً فوجد أنور السادات ، عنده وآثار عبد الناصر فجأة الكلام عن الإخوان المسلمين .. ثم دق جرس التليفون فلاحظ أحمد أبو الفتح أن المحادثة نقلت إليه أخبارًا سارة أشاعت البهجة والفرح في نفسه . وأنهي عبد الناصر المحادثة قائلاً : " إن الفريق المعارض ل لهضيبي قد احتل المركز العام للإخوان وطرد من الدار أنصار الهضيبي وأعلنوا أنهم وحدهم الذين يمثلون الإخوان المسلمين ، وأعلنوا أنهم أجبروا الهضيبي علي الاستقالة من منصبه كمرشد عام .. وسمح عبد الناصر لأحمد أبو الفتح بنشر هذه التفاصيل .

السابعة : يقول الأخ سيد عيد : في أثناء انتظارنا في ذلك المساء قرب منزل المرشد العام التقينا بالأخ الأستاذ سيد قطب ، وكان غاضبًا ويردد : يا فرحة الصهيونية والصليبية العالمية . يقول الأخ سيد عيد : وعندما أتيحت لي فرصة الالتقاء بالأستاذ سيد قطب في السجن سألته : ما دخل الصهيونية والصليبية العالمية بخلاف داخلي بين الإخوان ؟ فقال لي : لقد اتصل بي الأستاذ علي أمين في الساعة الثانية ظهرًا يوم الحادث وقال لي : أين حاسة الصحفي عندك ؟ .. الإخوان قايمين علي بعض بالسلاح وأنت قاعد في البيت ؟! .

فقمت في الحال وأخذت سيارة تاكسي وذهبت إلي بيت المرشد فلم أجد شيئًا غير عادي .. وذهبت إلي المركز العام فلم أجد شيئًا ملفتاً للنظر كذلك .. ثم تحدث بعدها كل الأمور التي حدثت .. هذا ما جعلني أقطع بأن الأمر مدبر من أكثر من جهة .

وبعد أن أوردت هذه الملاحظات ذات الدلالة ، ووضعتها بين يدي القراء ليستنتجوا منها ما يشاءون – يجدر بي أن أذكر أن هذه الخطة ظلت مسيطرة أمسية ذلك اليوم ، وهزيعًا من الليل .. حتى أفاق بعض المخدوعين ، ويتدخل من بعض الإخوان منهم الأخ عبد العزيز كامل الذي لازم المعتصمين معظم الوقت .. ويحسن تصرف الآخرين الكريمين الأستاذين صلاح العطار وسيد عيد اللذين ذكرني دورهما في هذه المؤامرة بدور الصحابي الجليل نعيم بن مسعود الذي كان أثيرًا لدي اليهود .. وقد وكل إليه الرسول صلي الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب أمر التخذيل عن المسلمين ، فكان عاملاً من أهم العوامل التي فككت الحلف بين اليهود والمشركين وأدت إلي فشل خطة الحصار المحكم حول المسلمين وغيرت بذلك وجه المعركة فصار في صالح المسلمين .

أقول : بهذه الجهود المخلصة أمكن إفشال وفض الاعتصام .. وكان الخير وقد انتصف الليل قد وصل إلي أسماع بعض إخوان القاهرة ، فخف في الحال الأخ الأستاذ صلاح شادي رئيس قسم الوحدات في ذلك الوقت ومعه مجموعة من إخوان الوحدات إلي دار المركز العام ، ولم ينتظروا حتى يفتح لهم الباب ، وتسلقوا السور ودخلوا المبني ، ولم يكن قد بقي أحد من المعتصمين سوي الثلاثة الكبار ومعهم الأخ صلاح العطار ، وقد رفضوا الخروج لا تمنعًا ولا تعنتًا كما رفضوا من قبل ، وإنما رفضوا خوفاً علي حياتهم .. فلما أُمَّنُوا من هذه الناحية خرجوا .


الفصل الأول : في أعقاب فشل المؤامرة الخسيسة

بعد عرض المؤامرة في مجملها ، يأتي ابتداءً من هذا الفصل دور بسطها بسطا يتناسب مع خطورتها وفداحة آثارها ، ولما كان الرأي العام شاهدًا عليها إذ نقلها المتآمرون إلي صفحات الجرائد فقد وجب أن نبدأ باستقراء صداها في صحافة تلك الأيام فنري من خلال ذلك تطور أحداثها .. ونبدأ من اليوم التالي للمؤامرة فنقول :

(1) وقعت هذه المؤامرة في يوم الجمعة 27/11/1953 – ونشرت الصحف – المصري – في صبيحة السبت 28/11 تحت عنوان : " انقسام خطير في صفوف الإخوان المسلمين – بعض الأعضاء يحتلون المركز العام ويغلقونه " .

" اتصل الأربعة المفصولون بأنصارهم ، وفي الساعة الخامسة مساء أمس ذهبوا ومعهم نحو خمسين عضوًا إلي منزل الأستاذ الهضيبي طالبين استقالته فرفض . فذهبوا إلي دار المركز العام – وكان اليوم يوم الجمعة ، والمركز هادئ تمامًا – ففتحوه بالقوة واحتلوه ، ونادوا بالسيد سابق مرشدًا وصالح عشماوي وكيلاً ، حيث كانا معهم في المظاهرة ، وأعلنوا مبايعتهما . ووصلت الأنباء إلي الأستاذ عبد الحكيم عابدين فذهب إلي المركز العام وبصحبته الشيخ محمد فرغلي وعمر الأميري ، وحاولوا تهدئة الموجودين الذين أصروا أن يطلعوا علي أسباب فصل الأربعة ، فرفض هؤلاء الإدلاء بشيء واتصلوا بالأساتذة عبد القادر عودة وعبد الرحمن البنا وعبده قاسم الذين حضروا وحاولوا محاولة أخري مع المتظاهرين " .

(2) وفي نفس اليوم نشرت المصري بيانًا من صالح عشماوي وأحمد عبد العزيز جلال ومحمد الغزالي ومحمد سليمان هذا نصه :

" فوجئ الإخوان والرأي العام بقرار مكتب الإرشاد العام حرص علي نشره في جميع الصحف صباح الاثنين الماضي يقضي بفصل أربعة من أعضاء الجماعة دون أن يجري معهم أي تحقيق أو توجه إليهم أية تهمة ، ودون إبداء الأسباب التي أدت إلي اتخاذ هذا القرار الخطير .. وقد نتج عن ذلك بلبلة في نفوس الإخوان ، واضطراب في صفوفهم وانتظروا إلي يوم الثلاثاء الماضي ، وسأل بعضهم المرشد العام عن أسباب الفصل فرفض أن يدلي بالأسباب ، وأكد أن المكتب يصدر قراراته ، وليس لأحد أن يسأله عما يفعل .

ثم تطورت الأمور تطورًا سريعًا مساء الجمعة (أمس) إذ تجمع عدد كبير من الإخوان وطالبوا المرشد بإعادة النظر في قرار المكتب الذي يجمع بين طابع الاستبداد والتحدي ، ولكن فضيلته أعلن استقالته علي الملأ . ثم تجمع الإخوان في المركز العام من مختلف الشعب وتدارسوا الأمر حتى ساعة متأخرة من الليل ، واستقر رأيهم علي :

أولاً : اعتبار الإخوان عبد الرحمن السندي وأحمد زكي ومحمود الصباغ وأحمد عادل كمال موقوفين إلي أن تحدد موقفهم لجنة خاصة تعرض تقريرها علي الهيئة التأسيسية .

ثانيًا : اعتبار مكتب الإرشاد موقوفاً حتى تبت الهيئة في مصيره .

ثالثاً : تأليف هيئة لتصريف شئون الدعوة وإدارة المركز العام لحين اجتماع الهيئة التأسيسية – تتكون من الدكتور محمد سليمان والأستاذ محمد الغزالي والأستاذ أحمد عبد العزيز جلال والأستاذ صلاح عشماوي . (3) وفي نفس اليوم نشرت الصحف ما يأتي :

في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل جاءنا البيان التالي من مكتب الإرشاد العام المجتمع في منزل المرشد :

" علم مكتب الإرشاد العام الليلة أن نفرًا من الشباب اجتمعوا في دار المركز العام في عطلته الأسبوعية وبحثوا في جو من الشغب بعض قرارات المكتب . وإن مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين يستنكر هذا العبث الذي تأباه طبيعة الدعوة ونظام الإخوان وآداب الإسلام . وهو إذ ينصح هؤلاء الشباب بأن يؤوبوا إلي الحق ، ويأخذوا أنفسهم بنظام دعوتهم ، يدعو الإخوان كافة أن يتلقوا هذه المحاولة العابثة وكل ما يذاع عنها ، بما ألفوا أن يواجهوا به كل تقول علي الدعوة ، ومحاولة للتفرقة ؛ من الثقة بتأييد الله ووحدة الصف ، مطمئنين إلي أن للإخوان من نظمهم وسلامة أوضاعهم ما يضمن وحدتهم . والله أكبر ولله الحمد " . ثم قال الأستاذ عبد الحكيم عابدين : " إن مكتب الإرشاد في سبيله لتصفية الموقف ، ونفي استقالة المرشد العام " .

(4) تخلل هذه الأحداث مأدبة عشاء أقامها المرشد العام في منزله لأعضاء مجلس الثورة ، حضرها جمال عبد الناصر وزكريا محيي الدين وعبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين ، ونشرت الصحف هذا النبأ وقالت : إن الضيوف تناولوا طعام العشاء ، وظلوا يتحدثون مع المرشد العام ومع أعضاء مكتب الإرشاد حتى منتصف الليل .. ونشرت الصحف صورة لجمال عبد الناصر والمرشد العام يتصافحان .

(5) في 29/11/53 أي في اليوم التالي وهو يوم الأحد نشرت الصحف – المصري – ما يلي :

" حضرت وفود ضخمة من مختلف شعب القطر إلي المركز العام ، وكان المتظاهرون قد انفضوا قبل الساعة السابعة من صباح السبت ، ولم يبق إلا صالح عشماوي وأحمد عبد العزيز جلال اللذان غادرا المركز العام حين حضرت الوفود . وبلغ المصري أن عبد العزيز كامل كان ممن حاولوا التوفيق بين الفريقين .

وكان مكتب الإرشاد قد قرر الاجتماع بالمركز العام الساعة الثانية بعد الظهر ، وقبل الاجتماع كان قد حضر الطرفان ، فخطب عبد الحكيم عابدين مؤيدًا المرشد ، ثم تلاه الأساتذة سيد قطب رئيس قسم نشر الدعوة ، وحسن دوح عن الطلبة ، وعز الدين إبراهيم عن مكتب إداري القاهرة وسعيد رمضان والدكتور خميس ثم تكلم المرشد فقال :

" إنني لا أملك في هذا المجال التعبير عما يجول في نفسي ولا عما يجول في نفوسكم ، ولعل هذا الاجتماع خير دليل تقدمه علي أن الإخوان لا يزالون قوة متحدة ... ثم قال : وإذا كان الذين فصلوا يطلبون منا دليلاً علي إدانتهم ، فإن الدليل الذي قدموه أمس كان كافيًا . وإذا كنا قد سكتنا عنهم وأبينا أن نتكلم في أخطائهم فإن ذلك كان ترفقاً بهم .. وختم كلامه قائلاً : " إن الإخوان الذين زاروني أمس دون إذن مني أعلن أني قد سامحتهم . أما الذين أخطئوا في حق الدعوة فليس لها أن تتسامح في أخطاء تمسها " .

ثم بدأ مكتب الإرشاد اجتماعه بالتحقيق في حادث الأمس ، والاستماع إلي من كانوا بالمركز العام ومنهم صالح عشماوي وعبد العزيز جلال ومن أرسلهم المكتب للتفاهم وهم : عبد القادر عودة وعبد الحفيظ الصيفي وعبد العزيز كامل ، ثم أذاع المرشد العام البيان التالي إلي رؤساء المكاتب الإدارية الذين كانوا بالمركز العام واجتمع بهم :

" أرجو أن تبلغوا جميع الإخوان في محيط المكتب الإداري أن مكتب الإرشاد العام قرر بجلسته العادية المنعقدة في مساء يوم الأحد 15 ربيع الأول 1373هـ الموافق 22 نوفمبر 1953م فصل السادة أحمد زكي حسن وأحمد عادل كمال وعبد الرحمن السندي ومحمود الصباغ . ولقد صدر هذا القرار بعد الاستماع إلي البيانات المتعددة التي عرضت علي المكتب عن أخطائهم المتلاحقة في حق الدعوة والجماعة خلال العامين الماضيين ، والتي ثبت منها أنهم سلكوا مسلكاً لا يتفق وأغراض الجماعة وأنهم نقضوا البيعة وخرجوا علي الدعوة . ولما كان مكتب الإرشاد هو الجهة المهيمنة علي دعوة الإخوان المسلمين ، ويحمل أمانتها ، فليس للإخوان أن يسترسلوا في السؤال عن تفاصيل أسباب هذا القرار . كما يأمل المكتب الذي اتخذ هذا القرار – لصالح الدعوة المحض – أن يكتفي الإخوان بالعلم به ، وتنفيذ مقتضاه بكل دقة ، وألا يجعل هذا القرار موضع بحث أو مناقشة بينهم بأية حال من الأحوال ، وليعكفوا علي دعوتهم وينشطوا في أداء تبعاتهم في مراقبة الله والإقبال علي طاعته حرصًا علي الآخرة " .

وقد سأل مندوب " المصري " الأستاذ عبد الحكيم عابدين والشيخ محمد فرغلي عما إذا كان المكتب قد اتخذ قرارات فقررا أنه لم يتخذ ولا تزال الجلسة مستمرة في يوم تال .. كما علم مندوب " المصري " أن محمد مالك لم يكن ضمن المجموعة التي تظاهرت في منزل المرشد مع أنه تربطه رابطة مصاهرة مع أحد المفصولين وهو أحمد زكي .. وجاء " للمصري " بيان تأييد للأستاذ المرشد من طلبة جامعة الإسكندرية .

(6) في نفس اليوم نشرت الصحف – المصري – بيانًا جاءها من صالح عشماوي وزملائه :

" بسم الله الرحمن الرحيم . إن حرصنا علي سلامة الدعوة ووحدة الجماعة هو ما حدا بنا إلي التدخل بين الإخوان لتقريب وجهات النظر وحسم النزاع ، ودفع الأمور لتأخذ مجراها الصحيح .. أما وقد اتفقت الآراء علي تأليف لجنة يحتكم إليها الإخوان المتظلمون ، فإننا نرجو أن تجتاز الدعوة هذه المرحلة بسلام . ومازلنا عند موقفنا في تحري الحق وإقرار العدل والعمل علي إصلاح ذات البين .. ونحن نهيب بالإخوان أن يقدروا الموقف ، وأن يرعوا مسئولياتهم ومصلحة الدعوة قبل كل شيء ، والله المستعان " .

(7) في اليوم التالي وهو 30/11/1953 نشرت الصحف البيان التالي :

" استأنف مكتب الإرشاد اجتماعه مساء أمس حتى الواحدة صباح اليوم .. وأذاع الأستاذ عبد الحكيم عابدين علي الصحفيين هذه القرارات ، وهي :

أولاً : وقف كل من الأستاذين صالح عشماوي ومحمد الغزالي عضوي الهيئة التأسيسية وإحالتهما إلي لجنة تحقيق العضوية للفصل في أمرهما .

ثانيًا : وقف الشيخ سيد سابق وإحالته إلي اللجنة التي أمر المكتب بتشكيلها فيما نسب إليه .

ثالثًا : إحالة الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال في لجنة تحقيق العضوية للفصل فيما نسب إليه .

رابعًا : اعتبار موقف الدكتور محمد سليمان منتهيًا بالبيان الذي كتبه وقرر ثقته بالمرشد العام واستنكاره لموقف الخارجين علي الجماعة " .

وقد سأل مندوب " المصري " الأستاذ عبد الحكيم عابدين عن الحكمة في التفريق بين الذين تقرر وقفهم في قرار المكتب ؟ فقال : لأن الأولين عضوان في الهيئة التأسيسية أما السيد سابق فليس عضوا فيها .

(8) في نفس اليوم نشرت الصحف – المصري – البيان التالي من صالح عشماوي وزملائه :

" بسم الله الرحمن الرحيم "

نعتقد أن من حق الإخوان المسلمين جميعًا معرفة الحقيقة المجردة عن الأحداث المؤسفة .. لقد أبرأنا ذمتنا ، وقمنا بالحق المفروض علينا ، عندما تدخلنا مسرعين لتهدئة النفوس وإنقاذ الدعوة من الخطر بعد تطور الأمور هذا التطور الخطير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الدعوة ، نتيجة لتصرفات مكتب الإرشاد التي ثبت من الأحداث أنها لم تبن علي أساس من التحري الدقيق وتبين الأمور . ولكن المسعى الذي بذلناه لم يلق التقدير الذي يستحق من بعض أعضاء المكتب الذين ظلوا بعيدين عن مواجهة الموقف ، حتى بعد أن استدعيناهم لحسم الأمور ، بحجة أن قراراتهم لا تناقش وأن حكمهم لا معقب عليه ، وعلم الله أنه لولا أن مواجهتنا للإخوان الذين لجئوا للمركز العام بعد أن تخلي عن هذه المواجهة أعضاء المكتب – وهي مسئوليتهم الأولي – ولولا ما بذلناه من جهود لتهدئة الحالة لحدثت مآس تضيق بها ضمائر المؤمنين .

وكان ممن عاون علي تهدئة الحالة ، واشترك في مواجهة الموقف الأخ الأستاذ عبد العزيز كامل الذي وعد الإخوان بحل المشكلة كما يأمل وكما يأملون هم , من توحيد صفوف الجماعة ، وتصحيح أي وضع خاطئ ، متعهدًا بالقيام بهذا العمل ثم انصرف الإخوان بعد أن تركوا الأمانة في أعناق إخوانهم أعضاء الهيئة التأسيسية ، الذين واجهوا الموقف وتحملوا تبعاته ، وفي الوقت الذي كان يعالج فيه الموقف في المركز العام توجه الإخوان محمد سليمان وطاهر الخشاب وعبد القادر عودة ومحمد الغزالي وعبد العزيز جلال لمنزل المرشد لإطلاعه علي الحقائق وبحث الموقف ، ولكنه لم يكن للأسف موجودًا في ذلك الوقت ، وفي اليوم التالي – السبت – تطورت الأمور كالتالي :

1 – دعاني البكباشي جمال عبد الناصر إلي منزله فتوجه عن اللجنة الأستاذ صالح عشماوي ومعه سيد سابق حيث وجدا البكباشي زكريا محيي الدين وزير الداخلية ، والصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد والشيخ محمد فرغلي مندوبًا عن مكتب الإرشاد . ثم بحث الموقف برمته في هذا الاجتماع . واتفق علي تكوين لجنة للتحقيق مع الإخوان المفصولين وتحديد موقفهم ، وعلي تهدئة الخواطر في الاجتماع الذي يعقد بعد العصر في المركز العام .

2 – وفي الوقت نفسه اتصل بنا الأستاذ عبد العزيز كامل وأبلغنا أنه أفلح في إقناع أعضاء المكتب للموافقة علي تكوين لجنة للتحقيق .

3 – وعلي هذا حضرنا الحفل المذكور للمساعدة في تهدئة النفوس ، في الوقت الذي كان فيه بعض خطباء الحفل يحاولون زيادة الفتنة اشتعالاً .

4 – وقد اجتمع منا الإخوان محمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال مع أعضاء المكتب ، وشرحا له خطورة التعاون في معالجة الموقف وضرورة سرعة البت في الأمور .

5 – وفي ساعة متأخرة من الليل اتصل خمسة من أعضاء المكتب هم : الدكتور خميس حميدة والأساتذة : عمر التلمساني ، وعبد الرحمن البنا ، وعبد القادر عودة ، والسيد محمد حامد أبو النصر وأبلغونا أنهم وافقوا علي تأليف لجنة للتحقيق .

6 – علي هذا الأساس نشر بيان الأمس وفيه ذكرنا تكوين لجنة التحقيق ، ولكننا فوجئنا في الصباح بقرار بوقف 21 عضوًا وتأليف لجنة للتحقيق لا مع الإخوان المفصولين حسب الاتفاق ولكن مع الإخوان الذين احتجوا علي قرار الفصل .. وأعجب من ذلك أن ينشر تصريح للأستاذ عبد الحكيم عابدين بأن التحقيق لا يزال جاريًا معنا بواسطة مكتب الإرشاد ، مع أن هذا لم يحدث إطلاقاً ، ولا يجوز بنص قانون الجماعة الذي يجعل المكتب مسئولاً أمام الهيئة التأسيسية لا العكس . ونحن ماضون في خدمة الدعوة وفق تعاليم الإسلام وآدابه لا تصرفنا عن هذه الوجهة الكريمة أي تصرفات ، والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " .

يقول صاحب المذكرات :

علي السادة القراء أن يلاحظوا أن الإخوان بلجوئهم إلي جمال عبد الناصر هذه المرة إنما حاولوا معالجة الأحداث من منبعها .

(9) وفي 1/12/1953 وهو اليوم التالي نشرت الصحف نداءً من المرشد العام إلي جميع الإخوان هذا نصه :

" بسم الله الرحمن الرحيم "

أيها الإخوان .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد :

فيسرني أن أبلغكم صادق تقديري وخالص إعجابي بما أبديته من الغيرة علي دعوتكم ، والوفاء لبيعتكم ، والصدق والمحافظة علي وحدة صفوفكم ، سواء في الحشد الجامع الذي زخرت به دار المركز العام يوم السبت أو في الوفود التي تلاحقت من كافة الشعب والأقاليم إلي الدار تزيدني ثقة بإخلاصكم ، واطمئنانًا إلي قوة إيمانكم . كما أهنئكم بما وفقتم إليه من ضبط ومتانة الخلق حتى مرت هذه الكبوة بسلام ، والحمد لله . وإنه لمن فضل الله علي الدعوة ،وأصالة الخير في نفوس أبنائها ، أن كثيرًا من الشباب الذين ألموا بهذه الزلة ، أظهروا الندم والتوبة ، حتى لقد فرض بعضهم علي نفسه عقوبات يتطهر بها من أثر ما اقترفوا ، وأقبلوا يعبرون عن بالغ أسفهم لما فرط منهم ؛ مستغفرين الله تعالي ، معتذرين إلي الإخوان ومجددين العهد .

ولقد أعلنت من قبل أني سامحتهم ، وأحب أن يكون لذلك صداه في نفوس الإخوان كافة فلا يغلظوا للمخطئين القول ، ولا يعاملوهم بجفوة ، وإنما يحسنون النظر إليهم ، ويسعونهم بسماحة الأخوة ، حتى يستأنس الإخوان بإخوانهم ، وتمهد العواطف الكريمة السبيل إلي حسن التفاهم ، وإحلال الأخوة النبيلة محل الإعراض والتنافر .. وهذا ما لا يليق بأصحاب الدعوة التي تقوم علي تربية الفضائل في النفوس ، وتدعيم المثل العليا في الناس " .

يقول صاحب المذكرات : ينبغي أن يلاحظ القارئ أن كلمة المرشد هذه مقصود بها الإخوان الذين غرر بهم رءوس الفتنة ، والذين قرر المكتب فصل واحد وعشرين منهم .. وقد تنبه هؤلاء أخيرًا إلي أن الحقائق قد زيفت عليهم فتابوا وندموا . أما رءوس الفتنة فإنهم ظلوا سادرين في غيهم ؛ ولذا فإنهم غير مقصودين بهذه الكلمة .


الفصل الثاني : التحقيق مع الثلاثة الكبار الموقوفين

(10) أحال مكتب الإرشاد العام إلي لجنة تحقيق العضوية السادة صالح عشماوي وأحمد عبد العزيز جلال ومحمد الغزالي أعضاء الهيئة التأسيسية للتحقيق معهم ، بكتاب تضمن الاتهامات الموجهة إليهم .

(11) اجتمعت لجنة تحقيق العضوية لمناقشة كتاب مكتب الإرشاد ودراسته وتحديد الخطوات التي تتبع لإجراء التحقيق ، فكان أول شيء واجه اللجنة أن الأخعبد العزيز كامل رئيس اللجنة قال : إنه يتنحي عن الاشتراك في هذا التحقيق ؛ بدعوى أنه ممن حاولوا الإصلاح بين الطرفين وهذا يحجبه عن أن يكون محققاً فيما هو منسوب لأحد الطرفين . وقد حاولت أن أقنعه بأن ذلك لا يطعن في تحقيقه ، إلا أنه أصر علي رأيه ، ثم حاولت أن أقنعه بأن يشترك في التحقيق علي أنه مجرد عضو باللجنة فرفض هذا أيضًا . وقد ذهب بعض الإخوان في تعليل هذا الموقف في ذلك الوقت بعض المذاهب . كما أن اللجنة استبعدت أحد أعضائها وهو الشيخ محمد الغزالي حتى يتم التحقيق معه وأجرت انتخاب رئيس آخر ، وقد وقع اختيارهم عليّ .

(12) قامت اللجنة بالتحقيق في الموضوع ، وأصدرت قرارها الذي نشر بالصحف في أبرز مكان وهذا هو نص ما نشر يوم 10/12/1953 :

1- إزالة صفة العضوية من الإخوان المسلمين عن صالح عشماوي والغزالي وأحمد عبد العزيز .

2- تطبيق 3 مواد – جواز استئناف القرار – رد صالح عشماوي .

عقدت لجنة العضوية لجمعية الإخوان المسلمين اجتماعًا مساء أمس قررت في نهايته بالإجماع إزالة صفة العضوية عن الأساتذة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال . وكان مكتب الإرشاد مجتمعًا عند صدور هذا القرار وقد عرض عليه فاعتمده .

حيثيات القرار : وقد قالت لجنة العضوية في حيثيات قرارها ما يلي :

عمدتنا من القانون في هذا التطبيق المواد الثلاث الآتية :

المادة 4 : عضو الهيئة هو كل مسلم عرف مقاصد الدعوة ووسائلها ، وتعهد بأن يناصرها ويحترم نظامها ، وينهض بواجبات عضويتها ، ويعمل علي تحقيق أغراضها ، ثم وافقت إدارة الشعبة التي ينتمي إليه علي قبوله ، وبايع علي ذلك ، وأقسم عليه ، ونص البيعة : " أعاهد الله العلي العظيم علي التمسك بدعوة الإخوان المسلمين والجهاد في سبيلها والقيام بشرائط عضويتها ، والثقة التامة بقيادتها ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأقسم بالله العظيم علي ذلك وأبايع عليه ، والله علي ما أقول وكيل " .

المادة 36 : لهذه الهيئة " التأسيسية " أن تقرر في أي اجتماع منح بعض الإخوان حق العضوية للهيئة التأسيسية بشرط أن تتوفر فيمن يراد منحه إياها هذه الشروط :

أ – أن يكون من الأعضاء المثبتين .

ب – ألا تقل سنه عن 25 سنة هلالية .

ج - أن يكون قد مضي علي اتصاله بالدعوة خمس سنوات علي الأقل .

د – أن يكون متصفًا بالصفات الخلقية والثقافية والعملية التي تؤهله لذلك .

المادة 39 : تزول صفة العضوية عن عضو الهيئة التأسيسية بالاستعفاء ، وبفقدانه أحد الشروط التي تؤهله للعضوية ، أو بقرار من اللجنة المنصوص عليها في المادة 37 بالشروط الواردة فيها ، أو بقرار من الهيئة نفسها .. وفي كل الأحوال يجوز للمرشد العام أن يأمر بوقف العضة علي أن يعرض أمره فورًا علي الهيئة المختصة بالنظر في أمره . واللجنة بعد أن ناقشت قرار الاتهام علي ضوء ما اقتنعت به من أدلة مادية وقرائن مضيئة ، تستخلص أن المدعي عليهم قد ارتكبوا الأخطاء الآتية :

أولاً : أنهم اعتصموا في دار المركز العام ، وظاهروا الشباب المعتصمين وجرءوهم علي ذلك ، وبذلك حرضوا علي الخروج علي القانون .

ثانيًا : أنهم ادعوا كذبًا أن المرشد العام أعلن استقالته علي الملأ .

ثالثاً : أنهم أصدروا قرارات لا يخولهم إياها قانون الإخوان المسلمين ؛ حيث وقفوا مكتب الإرشاد ، وألغوا قرار المكتب بفصل الأربعة وبذلك يكونون قد خرجوا علي القانون ونقضوا العهد ونكثوا البيعة .

رابعًا : أنهم افتأتوا علي هيئة الإخوان المسلمين بتنصيبهم أنفسهم أوصياء عليها دون الرجوع إليها أو أخذ تفويض منها بذلك .

خامسًا : أنهم متصلون في شئون الدعوة بأحد الأربعة الذين فصلوا خصوصًا ليلة الاعتصام وفي الأيام التالية ، وفي هذا خروج علي قرار الفصل الذي أصدرته هيئة شرعية . سادسًا : أنهم أساءوا سمعة الدعوة ، وحطوا من كرامتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي باتخاذهم الصحف السيارة لنشر هذه القرارات .

وبناءً علي ذلاك قررت اللجنة بالإجماع إزالة صفة العضوية العامة في الدعوة عن السادة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال .

3 من شهر ربيع الآخر 1373هـ ... 9/12/1953م

رئيس اللجنة ... محمود عبد الحليم

السكرتير ... سعد الدين الوليلي

(13) وقد أرسلت لجنة العضوية بقرارها إلي المرشد العام . وكان من المفروض أن يعتمده مباشرة إذا وافق عليه .. إلا أنه إمعانًا في تلمس أسباب العدالة تنازل عن حقه هذا وعرضه علي مكتب الإرشاد الذي كان مجتمعًا بكامل أعشائه فوافق عليه بالإجماع ، وحينئذ وقعه المرشد العام . وقد أرسل القرار إلي الثلاثة مبينًا فيه أن لهم الحق في استئناف هذا القرار إلي الهيئة التأسيسية بطلب كتابي منهم يرسل إلي المرشد العام ، الذي عليه أن يعرضه علي مكتب الإرشاد أولاً . ولكن المكتب فوض الأستاذ المرشد في تلقي الطلب الكتابي وعرضه علي الهيئة التأسيسية في اجتماعها علي وجه السرعة ؛ تمكينًَا لهم من تيسير إجراءات التقاضي والانتفاع بكل الفرص التي أعطاها إياها قانون الإخوان .

(14) قدم الثلاثة طلباتهم ، وبالرغم من أنهم لم يذكروا كلمة الاستئناف في طلبهم وإصرار بعض أعضاء الهيئة التأسيسية علي رفض الاستئناف شكلاً حيث قدموه علي وجه خاطئ يتضمن المضي في الخروج علي أوضاع الجماعة ، فقد رأي المرشد العام أن تعتبر الهيئة هذا الطلب الكتابي استئنافاً قانونيًا وتنظر فيه .

(15) انعقدت جلسة الهيئة التأسيسية في مساء يوم الخميس 10 ديسمبر 1953 وأذن للثلاثة بالحضور . وقرأ رئيس لجنة العضوية قرار اللجنة وتقريرها التفصيلي – الذي سنثبت نصه إن شاء الله بعد قليل – ومكنت الهيئة بعد ذلك الثلاثة من أن يسردوا قصتهم ، ويشرحوا موقفهم ثلاث ساعات كاملة لم تعترضهم في خلالها أدنى مقاطعة .

(16) بعد استيضاحات ومناقشات هادئة ظهر من روح الهيئة التأسيسية الإجماع علي إدانتهم وإن بدت رغبات محدودة في تمييز بعضهم عن بعض ، وفي الرأفة ببعضهم مع وجوب العقوبة .. وأخيرًا أصدرت الهيئة قرارها بتأييد قرار لجنة العضوية بأغلبية 92 صوتًا ضد 23 كانت مخالفتهم منصبة علي نوع العقوبة .

(17) في أثناء شرح هؤلاء الإخوة لمواقفهم في أثناء الجلسة ، تناولني بعض بألسنة حداد ، لاسيما الأخ الشيخ محمد الغزالي ، وقد طلب إليّ بعض إخوان الهيئة أن أرد عليهم في هذا الجانب الشخصي ، ولكنني رفضت أن أرد قائلاً : إنهم في موقف لا يحسدون عليه ، وأنا عاذرهم ومسامح ومقدر ما هم فيه من حرج .. وآمل أن يفيئوا إلي الصواب في يوم من الأيام .

ولعل تسامحي هذا في حقي الشخصي قد أثر في نفس بعضهم ، فبعد نحو ثلاثة أيام من هذه الجلسة كنت سائرًا في ميدان العتبة ظهرًا ، فإذا بي أفاجأ بمن يقبل نحوي ويلقي إليّ بالتحية ويعانقني معتذرًا عما بدر منه في أثناء الجلسة .. وكان هذا هو الأخ الشيخ محمد الغزالي الذي بادلته ودًا بود وحباً بحب ، وكررت عليه ما قلته في أثناء الجلسة من أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية .

ملاحظة هامة :

ترجع أهمية هذه الملاحظة إلي أن أحداثاً بالغة الأهمية وقعت فيما بعد ، وكانت هذه الملاحظة أصلاً للمحور الذي دارت عليه هذه الأحداث .

كان نشر هذا القرار مذيلاً باسمي في الصحف مفاجأة لي .. لا لأنه كان معروفاً في ذلك الوقت أن هذا القرار ، الإدانة فيه ليست موجهة للثلاثة المذكورة أسماؤهم وإنما هي موجهة إلي الشخصية صاحبة السلطة التي وراءهم ، وإنما كان مفاجأة لي وصدمة لأني بطبيعتي التي نشأت عليها أوثر دائماً أن أعمل شخصيًا مستخفيًا خشية الافتتان وانتقاص الأجر والمثوبة ، التي هي هدف كل مؤمن من العمل .

ولقد تحاشيت من قبل أسباب الظهور حين اعتذرت عن عضوية مكتب الإرشاد يوم عرضها عليّ المرشد العام الأستاذ الهضيبي .. ولكن شاءت إرادة الله أن يتخلي الأخ عبد العزيز كامل عن رياسة لجنة العضوية في أحرج موقف واعصب ظروف .. فتكون النتيجة أن ينشر اسمي في الصحف تحت أخطر قرار في حينه ، مع أنني أرسلت بالقرار بهذه الصورة الرسمية إلي المرشد العام ، وكان اعتقادي أن المرشد لن يرسله إلي الصحف بنصه كما وصله بل بملخص له يمليه علي مندوبي الصحف بنفسه .

وأرجع فأكرر ما أشرت إليه أن هذه الملاحظة التي تبدو وكأنها مقحمة إقحامًا الآن حيث لا يدعو المقام إلي إثارة مثل هذا الشعور ، وهذه الأحاسيس إنما لفت النظر إليها تمهيدًا في ذهن القارئ لأحداث خطيرة قادمة .

الفصل الثالث : أضواء علي أحداث المؤامرة في التقرير الكامل للجنة العضوية

عقب جلسة الهيئة التأسيسية قام المركز العام – قسم نشر الدعوة – بطبع رسالة بعنوان : " حتى يعلم الإخوان – القول الفصل " في نحو أربعين صفحة من القطع الصغير ، تضم قرار الاتهام الذي قدّم به مكتب الإرشاد الثلاثة المطلوب التحقيق معهم ، والتقرير التفصيلي للجنة تحقيق العضوية في هذه القضية . وكان الهدف من طبع هذه الرسالة وتوزيعها فيما يبدو إحاطة الإخوان في مختلف البلاد علمًا بالحقائق لهذه الفتنة .. ونظرًا لندرة وجود هذه الرسالة في أيامنا هذه ، ولما تشتمل عليه من حقائق وأحداث تاريخية ذات دلالات علي ما تلاها من أحداث .. رأيت أن أثبت في هذا الفصل نص هذه الرسالة التي استعرتها من الأخ الكريم الأستاذ عباس السيسي .

إلي الإخوان المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وعلي آله وصحبه ومن والاه

أيها الإخوان الفضلاء :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ولعلكم في خير وعافية في دينكم ودنياكم ، قائمين بالحق لا يضركم من خالفكم حتى يأتي وعد الله .

وبعد :

فقد حملت إليكم الصحف بين الحين والحين أنباء متفرقة عن تفاصيل الأحداث الأخيرة التي مرت بها الجماعة ، وحرصًا منا علي إيضاح الحقائق وطمأنينة القلوب ، فنحن نضع تحت أنظار الإخوان تطورات هذه الأحداث ، ونلحقها بقرار لجنة العضوية مصحوبًا بالأسباب ، حتى يزداد المؤمنون إيمانًا مع إيمانهم ولا يرتاب أحد من الإخوان .

أولاً : موقف مكتب الإرشاد :

فوجئ الإخوان بما حدث من شغب في المركز العام ، وما صدر من بيان خلال هذا الشغب يحمل توقيعات الأساتذة صالح عشماوي وأحمد عبد العزيز جلال ومحمد الغزالي والدكتور محمد سليمان . زاعمين أنهم غضبوا لأربعة من الإخوان فصلهم المكتب دون تحقيق مخالفًا بذلك – كما أرجفوا – قانون الجماعة ومبادئ الإسلام . وهم يعلمون كما يعلم المفصولون أن المكتب اتخذ قراره هذا في حدود ما خوله القانون من اختصاص صريح في مادته السابعة . كما يعلمون أن المكتب لم يلجأ إلي ذلك إلا بعد معاناة الدعوة لثلاث سنوات لأخطائهم التي كانت أداة تفرقة ومثار خلل في الصفوف ، وبعد أن فشلت جميع المحاولات التي اتخذها لإلزامهم نظم الجماعة وأوضاعها . ومع كل ذلك فقد تحري المكتب صحة الأدلة دون أقل إخلال بواجب التبيين والتحقيق ، بل زاد أمر هؤلاء الأربعة رعاية واهتمامًا فتلقي بالقبول أول ظلامة وردت من أحدهم في اليوم التالي لقرار المكتب ووضعها موضع النظر ، وكذلك الظلامة الثانية . ولم يكن ليأبي مثل هذه الرعاية سائر المفصولين لو تقدموا إليه متظلمين ، ولا تزال اللجنة المشكلة من الأساتذة : محمد فرغلي وعمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر توالي بحث هذه الظلامات بجانب عملها في تحقيق الأحداث الأخيرة وما أعقب من مسئوليات .

ورغم وضوح الخطأ وثبوت التبعة ، فقد رأي مكتب الإرشاد أن يطيل الحبل ويفسح الصدر ، فأوضح استعداده لأن يقبل هذه العثرة ، مكتفيًا بأن يصدر الموقعون علي البيان بيانًا آخر يدفعون فيه عن أنفسهم إثم الخروج علي آداب الإسلام ونظام الجماعة – وما كاد الأخ الدكتور محمد سليمان يصدر بيانه في هذا الصدد حتى قبل عذره ، ولم يقدم للجنة العضوية اكتفاءً بهذا البيان . كذلك لم يشأ مكتب الإرشاد أن يعامل الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال كما عامل زميليه ، لأنه وعد بإصدار بيان يوضح فيه موقفه . وهكذا لم يستعمل المرشد العام حقه في إيقاف الخارجين علي أنظمة الجماعة إلا في أضيق نطاق ، وهو الحق المخول له بمقتضي المادة 39 من القانون الأساسي ، ولم يستعمله إلا بعد الاستئناس برأي مكتب الإرشاد العام . ولم يكن مناص من تحويل المخطئين ، من أوقف منهم لإصراره ، ومن لم يوقف اعتمادًا علي إبداء رغبته في تصحيح موقفه وحملاً لأمره علي أحسن الوجوه – إحالة هؤلاء جميعًا للجنة العضوية لتتولي تحقيق القضية .

ثانيًا : لجنة العضوية :

ولجنة العضوية كما تعلمون المشكلة بمقتضي المادة 37 من القانون الأساسي ، والمختارة من بين أعضاء الهيئة التأسيسية وتنتخبها الهيئة كما تنتخب مكتب الإرشاد ، فهي لجنة مستقلة لا ولاية للمكتب عليها ، وهي المختصة بمحاكمة أعضاء الهيئة التأسيسية بمقتضي المادة 37 نفسها .

وقد أحال المكتب إليها الأمر مبينًا وجهة نظره ، ومستعدًا لتقبل قضائها في هذا الأمر . ولكن الموقعين علي البيان رفضوا أن يتحاكموا إلي اللجنة ؛ زاعمين في بيان نشروه بالصحف أن مكتب الإرشاد الذي أحالهم إليها يعتبر طرف خصومة ، مدعين في مكابرة عجيبة أنه لا يملك الفصل في القضية علي هذا الوجه إلا الهيئة التأسيسية ، ولو أخذ إليها من المكتب ، وبذلك لا يملك المكتب أن يؤدي أمانته في إحالة ما يراه للتحقيق ، ولا تملك اللجنة أن تباشر اختصاصها في التحقيق علي نحو ما أشارت إليه في تقريرها الفياض وبعد أن استمعت إلي شهادة الشهود ومنهم الأستاذ عبد العزيز كامل والأستاذ الشيخ محمد فرغلي . ولذلك مضت اللجنة في عملها فرأت أن التهمة بالنسبة لهؤلاء ثابتة ، والأدلة قائمة . وقد أصدرت حكمها بعد أن يسرت لهم كل أسباب الدفاع عن أنفسهم فأبوا إلا الرفض والإعراض ، وهو مرفق بهذا مع أسبابه وحيثياته .. وقد شاء فضيلة المرشد العام ألا يستعمل حقه المقرر في القانون باعتماد هذا القرار إلا بعد الاستئناس برأي مكتب الإرشاد . وقد انعقد المكتب وحضر الجلسة جميع أعضائه ماعدا الأستاذ الشيخ عبد المعز عبد الستار لغيابه في الحجاز . أما الحاضرون وعددهم اثنا عشر عضوًا فهم الإخوان الأساتذة : محمد خميس والبهي الخولي ومحمد فرغلي ومحمد حامد أبو النصر وأحمد شريت وحسين كمال الدين وكمال خليفة وعبد الرحمن البنا وعمر التلمساني وعبد القادر عودة وعبد العزيز عطيه وعبد الحكيم عابدين .

وقد قرئ عليه تقرير لجنة العضوية بإزالة صفة العضوية في الدعوة عن ثلاثتهم ، وطلب فضيلة المرشد رأيهم اعتماده فوافقوا بالإجماع عليه ، وعندئذ وقع فضيلته باعتماد القرار . وقد بالغ المكتب في إعطائهم كل فرصة للدفاع عن أنفسهم فعرض فضيلة المرشد العام أن يعرض أي استئناف يقدم منهم علي الهيئة التأسيسية في اجتماعها القادم دون رجوع إلي المكتب ، وأبلغهم السكرتير العام ذلك مع قرار اللجنة المعتمد في مساء الأربعاء السابق لجلسة الهيئة التأسيسية ليوجه نظرهم إلي حقهم في الاستئناف أمامها .

ثالثًا : الاستئناف للهيئة التأسيسية :

ثم كان أن عقد اجتماع الهيئة التأسيسية الذي كان مقررًا عقده منذ الجلسة الماضية لاستكمال بعض ما ورد في جدول أعمالها مما لم يتسع له الوقت . ورأي هؤلاء الثلاثة أن يتقدموا للهيئة التأسيسية يطلبون عرض الأمر عليها ، وهنا نسجل للإخوان الحقائق الآتية :

1 – أن مكتب الإرشاد قرر تفويض المرشد العام في تلقي الطلب الكتابي من هؤلاء المفصولين وعرضه علي الهيئة في اجتماعها علي وجه السرعة ، دون الحاجة إلي نظر هذا الطلب أمام المكتب مجتمعًا في جلسة قانونية طبقاً للمادة 37 من القانون ، تمكينًا لهؤلاء من تيسير إجراءات التقاضي ، والانتفاع بكل الفرص التي أعطاهم إياها قانون الإخوان .

2 – ورغم أنهم لم يذكروا كلمة الاستئناف في طلبهم وإصرار بعض أعضاء الهيئة التأسيسية علي رفض الاستئناف شكلاً لتقديمه علي وجه خاطئ يتضمن المضي في الخروج علي أوضاع الجماعة ، فقد رأي المرشد العام أن تعتبر الهيئة هذا الطلب الكتابي استئنافاً قانونيًا وتنظر فيه .

3 – وهكذا أذن لهم بالحضور ، ومكنتهم الهيئة أن يسردوا موقفهم ثلاث ساعات كاملة لم يجدوا خلالها أدني معارضة أو مقاطعة .

4 - بعد استيضاحات ومناقشات هادئة ظهر من روح الهيئة التأسيسية الإجماع علي إدانتهم وإن بدت رغبات محدودة في تمييز بعضهم عن بعض ، وفي الرأفة ببعضهم مع وجوب العقوبة .. وأخيرًا أصدرت الهيئة قرارها بتأييد قرار لجنة العضوية بأغلبية 92 صوتًا ضد 23 كانت مخالفتهم منصبة علي نوع العقوبة .

أيها الأخوة الفضلاء :

هذه هي صحائف تلك الأحداث جلية واضحة ؛ لتتبينوا مدى الدقة والأمانة اللتين تحراهما فضيلة المرشد العام ومكتب الإرشاد في تطبيق قانوننا الأساسي ، بل ما فوق الدقة من سماحة في بعض الأحيان ، رغم ما أبداه هؤلاء من جنوح عن النظام أولاً وأخيرًا . ونحن نختم هذا البيان بما صرح به فضيلة المرشد العام غداة نشر القرار وتعقيبًا علي رد هؤلاء عليه ، حيث قال :

" إن الإخوان المسلمين كانوا ولازالوا صفاً واحدًا ، ولا يستطيعون أن يعملوا إلا وهذا شأنهم .. وينبغي أن يأخذ كل أخ مسلم نفسه بهذا المعني ، ويروضها علي احترام أنظمة الجماعة ومقرراتها ، فإذا خرج أي إنسان علي ذلك علمنا أنه لا يستطيع أن يلائم بين نفسه وبين هذه الأنظمة ، واضطررنا إلي إقصائه عنا ، داعين له بحسن التوفيق في خدمة الإسلام والمسلمين . وهذا هو شأن إخواننا الذين أزيلت عنهم عضوية الجماعة ، وفيما عدا هذا المعني الذي أسلفنا فليس لنا بهم شأن ، لا تطعن علي إيمانهم ولا علي سلوكهم ، والله يتولانا جميعًا بالمعونة والسداد " .

وإننا نرجو أن تحيطوا علمًا بهذه التفاصيل ، وأن تذيعوها مع قرار لجنة تحقيق العضوية بأسبابه علي كافة الإخوان ؛ تمكينًا لهم من فهم الحقائق ، ووقاية من الاستماع إلي أقوال أو بيانات تخالف الحق وتند عن الصدق والأمانة . كما نرجو أن يكتفي الإخوان من الموقف بالعلم بهذه الحقائق ، وألا يجعلوها فيما بينهم محل جدل أو نقاش .. وأن يجعلوا موقفهم وحديثهم عمن أعفتهم الهيئة من عضوية في حدود الأدب الكامل والسماحة الإسلامية التي تمثلت في تصريح المرشد العام . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ... والسلام عليكم رحمة الله وبركاته " .

السكرتير العام

عبد الحكيم عابدين


من مكتب الإرشاد إلي لجنة العضوية

بسم الله الرحمن الرحيم

" حضرة الأخ الكريم رئيس لجنة تحقيق العضوية .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد :

تنفيذًا لقرار مكتب الإرشاد العام بتاريخ 22 ربيع الأول سنة 1373هـ والموافق 29 ديسمبر سنة 1953م ، نحيل إليكم الأساتذة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال ، للفصل في أمرهم ، مع العلم بأن المكتب وقف الأول والثاني . أما التهم التي من أجلها أحيلوا للجنة – من وقف منهم ومن لم يوقف – فهي :

أولاً : أنهم ظاهروا فكرة التمرد علي النظم والأوضاع بوقوفهم إلي جانب الشبان المتمردين علي المرشد العام ومكتب الإرشاد واعتصامهم معهم في دار المركز العام مساء يوم الجمعة بتاريخ 20 من ربيع الأول 1373هـ الموافق 27 ديسمبر 1953م .

ثانيًا : أنهم أكدوا وقوفهم أنصارًا لهذا التمرد بل زادوه اندفاعًا وأغروهم بالاسترسال إلي أسوأ الحدود ؛ ببيانهم الذي نشرته الصحف صباح السبت وما فيه من الإرجاف بالدعوة والافتراء علي قيادتها ، بما زعموا من أن المرشد العام أعلن استقالته علي الملأ ، وبما اصطنعوا لأنفسهم من حقوق ليست لهم في :

أ – إلغاء قرار مكتب الإرشاد السابق صدوره بفصل أربعة من أعضاء الجماعة .

ب – ادعاء وقف مكتب الإرشاد العام ، مع أن هذا الحق لا تملكه أية سلطة في الدعوة ، فضلاً عن أفراد من أعضاء الهيئة التأسيسية ليست لهم أية صفة في وقف عضو واحد في أية شعبة من شعب الإخوان .

ثالثًا : أنهم أسفروا عما في نفوسهم من أهواء ومآرب شخصية بما اجترأوا عليه من إعلان أنفسهم أوصياء علي الجماعة وقوَّما علي شئون الدعوة ، حيث لا أثارة من صفة تخولهم ما يدعون .

رابعًا : أنهم عمدوا إلي إذاعة السوء وإشاعة أنباء التفرقة بين الصفوف بما أقدموا عليه من نشر قراراتهم الواهمة في الصحف ، بل إن إصدار بيان بتوقيعهم هو الذي خلق كيانًا لهذه الهفوة التي وقع فيها شبان أبرياء ، إذ لولا نفر من كبار الإخوان بجانبهم لما تشجع المتمردون ، ولا عنيت الصحف بإصدار بيان لنفر أكثرهم من النشء المخدوعين .

خامسًا : أنهم أعطوا الفرصة لتبيين ما في نفوسهم لتوضيح موقفهم باستجواب بعضهم أمام مكتب الإرشاد ، فظهر إصرارهم علي ما صنعوا رغم إبراز المكتب لهم ما في تصرفاتهم من خطأ جسيم وخروج عن الدعوة .

سادسًا : أن الأستاذ صالح عشماوي لم يمثل أمام المكتب رغم تبليغه رغبة المكتب في سماع أقواله مساء يوم السبت ، وتبليغ كل مظان وجوده يوم الأحد لضرورة حضوره ، وأنه قد استبان موقفه من المعلومات التي أدلي بها الأستاذ محمد فرغلي عضو المكتب والأستاذ عبد العزيز كامل عضو الهيئة التأسيسية ، ويمكن سؤالهما عن تفاصيل ما يعلمان .

سابعًا : أن الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال أبدي أمام المكتب استعداده للعودة إلي الحق ، ووعد بإصدار بيان يقرر فيه التزامه بأوضاع الجماعة وثقته في المرشد والمكتب . ثم فوجئنا في صباح الأحد ببيان جديد اشترك في توقيعه يدل علي تمسكه وزملائه بموقفهم السابق إزاء الجماعة .

ثامنًا : أنهم مجتمعين قد اشتركوا في إصدار بيان نشر صباح الأحد بالصحف ادعوا فيه تكوين لجنة تحكيم بين الإخوان بفريقيهم كما يزعمون ، وأنهم في هذا البيان نفسه أكدوا تمسكهم بمضمون البيان الأول بقولهم : ومازلنا عند موقفنا في تحري الحق وإقرار العدل وإصلاح ذات البين . فضلاً عما في ذلك من إشعار الرأي العام بوجود خصومة ضخمة في موقف لا يعدو أن يكون قيامًا من الجماعة بواجبها في مؤاخذة بعض المخطئين من أعضائها .

تاسعًا : أنهم أصدورا بيانًا نشرته الصحف صباح الاثنين 23 ربيع الأول 1373هـ الموافق 30 ديسمبر 1953م ضمنوه كثيرًا من الانحراف عن الحق والمغالطات التي تزيد في توضيح اعتدائهم علي مكتب الإرشاد ، وهو السلطة الشرعية في الدعوة ، من مثل قولهم : " ويعلم الله لولا مواجهتنا الإخوان الذين لجئوا للمركز العام بعد أن تخلي عن هذه المواجهة أعضاء مكتب الإرشاد في حين أنهم يعلمون أن الأمر دبر خلسة من مكتب الإرشاد وفي ليلة عطلة الدار ، وأنهم وحدهم هم الذين علموا من قبل أو من بعد بأمر هذا التجمع ، وكانوا وحجهم موضع الرضا من هؤلاء الشبان ، كما يعلمون أنه ما من عضو من أعضاء المكتب وصله النبأ إلا وحضر علي الفور وحاول علاج الموقف ولكنه لم يستطع لأسباب يعلمها الشبان المجتمعون وهؤلاء المتظاهرون أو المدبرون ، بل بلغ الأمر بهؤلاء الشبان أن منعوا السكرتير العام من البقاء معهم ، ورفضوا الاستماع إلي الأستاذ عبد القادر عودة رغم الجهد الذي بذله لإبلاغهم كلمة الحق . بينما كانت كلمات أصحاب هذا البيان تقابل بالارتياح كأنهم لها في انتظار أو كأنهم معهم علي اتفاق .

عاشرًا : أنهم بهذا البيان الأخير أكدوا بكل مظاهر التأكيد إصرارهم علي موقف الخروج الذي اختاروه لأنفسهم رغم بذل النصح لهم ، وضرب المثل الذي ضربه لهم زميلهم الدكتور محمد سليمان برجوعه إلي الحق وعدوله عن موقفه .

حادي عشر : أن الموقعين علي البيان كانوا المستشارين الحقيقيين للشباب المعتصمين ، وأن الأستاذين صالح عشماوي وسيد سابق كانا في خلوة معهم طوال الوقت ، وكانوا يستمدونهما الرأي في كل خطوة كما يشهد بذلك الأخ محمد هارون المجددي . فإذا أضيف إلي ذلك أن الشبان رفضوا إدخال العقلاء من الإخوان إلي الدار بعد وقت قضاه الحراس في الاستئذان من الداخل ، أمكن القول بأن رفض دخول العقلاء كالأستاذ سيد قطب كان ثمرة الاستشارة التي يتلقاها الشبان من الأستاذ صالح وزملائه .

ثاني عشر : أن الأستاذ صالح عشماوي كان عقبة في سبيل المسعى الرشيد الذي قام به الأخ عبد العزيز كامل لإخلاء الدار من هؤلاء الشبان ، وذلك لإصرار الحاج صالح شخصيًا علي ضرورة البقاء في الدار والمبيت فيها حتى رغم خروج الثائرين أنفسهم . وإن تمسكه علنًا بالبقاء وطول مجادلته في ذلك للأستاذ عبد العزيز كامل أمام بعض الشبان كان دليلاً قاطعًا علي أن فكرة الاعتصام بالدار وليدة رسمه أو علي الأقل موضع ارتياحه وتأييده .

ويكفي أن تعلموا أن الأستاذ صالح عشماوي بقي بالدار بعد خلوها من الجميع متشبثًا ألا يغادرها ، وأن أقصي ما أمكن الوصول إليه مع صالح هو أن يغادرها بعد الأخ عبد العزيز كامل بنحو ساعة ريثما تعود سيارته من توصيل الأخ عبد العزيز كامل لمنزل المرشد العام . ومن البداهة بمكان أو مبيت الأستاذ صالح عشماوي بالدار لا يثير شيئًا من الاهتمام ولكن له دلالته علي مظاهرته لفكرة الاعتصام بالدار .

ثالث عشر : أن الأستاذ عبد القادر عودة طلب من الأستاذ صالح عشماوي الحضور إلي منزل المرشد العام فأبي الاستجابة له ، وكذلك رغب إليه الأستاذ عمر التلمساني في هذا لم يسمع لرجائه .

رابع عشر : أن الأستاذ صالح عشماوي وزملاءه لا يزالون مع المفصولين علي صلة خاصة لا يمكن تفسيرها مع هذه الملابسات إلا بأنها مشاركة لهم في التآمر الذي ظهرت ثمرته مساء الجمعة ، وقد ثبتت هذه الصلة من رؤية الأستاذ عبد العزيز كامل للأستاذين صالح عشماوي وسيد سابق في خلوة مع الأستاذ عبد الرحمن السندي بدار الكتاب العربي يوم السبت ومن اعتراف الأستاذ أحمد جلال أمام المكتب .

خامس عشر : أن مجلة الأستاذ صالح عشماوي المسماة " مجلة الدعوة " نشرت بجوار مقالة رئيس التحرير خبرًا مكذوبًا زعم فيه استقالة الأخوين عبد العزيز كامل ومحمد سليمان بقصد بلبلة الخواطر ، والإبهام بأن الإخوان لازالوا علي خلاف مع القيادة ومكتب الإرشاد . سادس عشر : أن مقاله الافتتاحي في نفس المجلة وتصوير المجلة للحادث ينطوي علي أكذب المغالطات والمهاجمة لقيادة الإخوان ومكتب الإرشاد ، ويعتبر إصرارًا علي التمادي في موقف النكث والخروج .

يا حضرات أعضاء اللجنة :

أ – ومن جملة الاتهامات يري مكتب الإرشاد العام أن أصحاب البيان الثلاثة ، قد عرضوا أنفسهم لزوال صفة عضوية الهيئة التأسيسية عنهم وفقاً للمادة 39 من قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين ؛ لفقدانهم أحد الشروط التي تؤهلهم للعضوية والمنصوص عليها في البند " د " من المادة 36 من هذا القانون ؛ إذ أن ما صنعوه لا يتفق بحال من الأحوال مع الصفات الخلقية والعملية التي تؤهل الرجل لعضوية الهيئة التأسيسية .

ب – أنهم فقدوا بهذه التصرفات أهلية العضوية العادية في جماعة الإخوان المسلمين والمنصوص عليها في المادة " 4 " من القانون وفيها اشتراط أن يتعهد العضو باحترام نظام الدعوة . ولا ريب أن ما اجترحوه ليس من احترام الدعوة ولا النهوض بواجبات عضويتها وتحقيق أغراضها في قليل أو كثير .

ج – أنهم حنثوا باليمين التي يعطيها العضو العادي في أي شعبة والموضحة بالفقرة الثانية من المادة " 4 " من هذا القانون ، وفيها القيام بشرط عضويتها والثقة التامة بقيادتها ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره . ومن البداهة بمكان أن ما اقترف الموقعون علي البيان من تصرفات بمنأى عن رعاية هذا القسم الغليظ .

يا حضرات أعضاء اللجنة :

هذه هي الوقائع التي تدين أصحاب البيانات الطائشة والتي تستوجب بأدلتها المعروضة تطبيق المادة " 39 " بزوال صفة عضوية الهيئة التأسيسية والمادة " 4 " بزوال صفة العضوية العادية كما حددتها النصوص القانونية أما الأضرار البليغة التي ترتبت علي تصرفات هؤلاء الإخوان ، والبلبلة التي شاركوا في إيجادها في الصفوف ، والفجيعة التي كانوا من أكبر عوامل سوقها إلي نفوس المسلمين في أنحاء العالم .. بما أهموا من انشقاق الجماعة ، فذلك أمر من الخطورة وجسامة الخطأ والتبعة بحيث يلمسها كل أخ مسلم أكثر مما تحدده النصوص القانونية . والمكتب يرجو أن تسرع اللجنة في اتخاذ إجراءات المحاكمة في أقرب وقت ممكن ، حسمًا للموقف وإنقاذًا للدعوة من كثرة التخرصات والأقاويل .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السكرتير العام .. المرشد العام

تحريرًا في 24/3/1373هـ

31/12/1953م


التقرير التفصيلي للجنة تحقيق العضوية في قضية الأساتذة صالح عشماوي والشيخ محمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . اللهم ألهمنا الصواب ، وجنبنا مزالق القول ونوازع الهوى .

• 16 اتهامًا :

في يوم الأربعاء 25 من شهر ربيع الأول 1373هـ الموافق 2 من ديسمبر 1953م أحال إلينا مكتب الإرشاد العام تقرير اتهام موجه إلي الإخوان الأساتذة صالح عشماوي ومحمد غزالي وأحمد عبد العزيز جلال للفصل في أمرهم ، باعتبارهم موضع اختصاص اللجنة لأنهم أعضاء في الهيئة التأسيسية . وفي أول جلسة عقدتها اللجنة في مساء اليوم المذكور ، تقدم الأخ الأستاذ عبد العزيز كامل رئيس اللجنة برغبته إلينا في التنحي عنها خلال فترة نظر هذه القضية لأنه شاهد فيها ، فأقرت اللجنة رغبته وانتخبت الأخ الأستاذ محمود عبد العليم رئيسًا لها خلال هذه الفترة . وبعد أن قرأت قائمة الاتهام وهي تتضمن ستة عشر اتهامًا ، رأت استدعاء بعض من وردت أسماؤهم في التقرير مكتوب بشهادته ثم الأستاذ محمد فرغلي فالأستاذ هارون المجددى اللذين أدليا بشهادتيهما . ثم استدعت اللجنة الأخ الأستاذ نجيب جويفل واستمعت إلي شهادته في واقعة معينة ورد ذكر اسمه فيها في شهادة الأستاذ محمد فرغلي .

• 8 جلسات :

وقد استغرقت شهادة هؤلاء ومناقشتهم ثماني جلسات عقدتها اللجنة بحجرة نائبة في دار المكتب الإداري للقاهرة ، وأخذت من الزمن أربعًا وثلاثين ساعة . وبعد أن رأت اللجنة الاكتفاء بهذه الشهادات قرر دعوة الإخوان الموجه إليهم الاتهام لنستمع إلي ما لديهم من دفاع ، فكتب إلي كل منهم خطابًا تدعوه فيه إلي المثول أمامها للاستماع إلي ما عنده ، وحددت اليوم والساعة .. وحرصًا من اللجنة علي الاطمئنان إلي وصول الدعوة إليهم كلف الأخ محمد هاشم الموظف بالمركز العام بتوصيلها بنفسه إلي مظان وجودهم .. وفي اليوم المحدد لم يحضر منهم إلا الأخ الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال الذي طلب أولاً الاستماع إلي نص قرار الاتهام فقرئ عليه فكان رده هو هذه الكلمات بنصها : " أولاً هذا البيان مليان أكاذيب " ثم أخرج من حقيبته خطابًا موقعًا منه ومن زميليه الأستاذين محمد الغزالي وصالح عشماوي هذا نصه :

حضرة الأخ الكريم الأستاذ سعد الدين الوليلي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فقد وصلنا خطابكم للحضور أمام لجنة تحقيق العضوية مساء اليوم (الأحد) للتحقيق في شأن ما ورد خاصًا بكم في تقرير مكتب الإرشاد العام ... إلخ .

ونحب أن نؤكد لكم أن لجنة العضوية لا تملك الصلاحية للتحقيق معنا فيما ورد في تقرير مكتب الإرشاد العام ، لأن موضوع التحقيق هو خلاف بيننا وبين أعضاء مكتب الإرشاد العام . ولجنة العضوية ليس من حقها ولا زلا من سلطتها التحقيق مع أعضاء المكتب – وهم أحد طرفي الخلاف – ولذلك يجب أن يرد الأمر كله إلي الهيئة التأسيسية نفسها ، وستنعقد في يوم الخميس القادم ، فهي اللجنة المختصة لمحاسبة المكتب ومحاسبتنا أيضًا . ويمكن عرض الخلاف عليها لتفصل فيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

توقيعـات

- أحمد عبد العزيز جلال

- محمد الغزالي

- صالح عشماوي


• حرص اللجنة علي مصلحة المدعي عليهم :

فشرعت اللجنة في مناقشته في هذا المبدأ الخطير علي نحو يلمس المطلع علي محضر تسجيله مقدار حرص اللجنة علي مصلحة هؤلاء الإخوان المدعي عليهم . غير أن ساعتين كاملتين لم تزحزحاه قرره خطابهم من سابقة خطيرة .

وإمعانًا من اللجنة في الحرص علي مصلحة المدعي عليهم ، قررت أن تتيح لهم فرصة أخري بتوجيه الدعوة إليهم للحضور ثانية في اليوم التالي ، وأشارت في كتاب الدعوة إلي ملخص المناقشة التي جرت بين اللجنة وبين الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال ، وأكدت فيه أن اللجنة هي وحدها موضع الاختصاص ، وأنها مستقلة تمامًا عن مكتب الإرشاد ، وأن المكتب لا سلطان له عليها ، وأن لا مرجع لها إلا ضمائرها .. ثم حددت لهم الموعد باليوم والساعة كما حددت المكان . وكلفت الأخ محمد هاشم بتوصيل هذه الخطابات فسلمها إليهم بنفسه . وانعقدت اللجنة قبل الموعد المحدد بنصف ساعة وظلت منعقدة حتى الساعة العاشرة دون أن يحضر منهم أحد ودون أن يصل منهم اعتذار .

• هذا هو القانون الأساسي للإخوان :

وقبل أن نبدأ في النظر في وقائع القضية نري أن نناقش أولاً المبدأ الذي بني عليه المدعي عليهم اعتراضهم علي صلاحية اللجنة للتحقيق معهم فيما ورد في تقرير مكتب الإرشاد . ومرجعنا بطبيعة الحال هو قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين فنثبت منه هنا المواد الآتية :

مادة 36 : لهذه الهيئة – الهيئة التأسيسية – أن تقرر في أي اجتماع ، أو بناءٌ علي ترشيحات اللجنة المنصوص عليها في المادة التالية منح بعض الإخوان حق العضوية للهيئة التأسيسية بشرط أن تتوفر فيمن يراد منحه إياها هذه الشروط ( وذكرت الشروط ) .

مادة 37 : تنتخب الهيئة التأسيسية من أعضائها (ومن غير الأعضاء المنتخبين لمكتب الإرشاد) لجنة من سبعة أعضاء ، ويفضل غير القاهريين وذوو الإلمام والصلات بالفقه الإسلامي والإجراءات القانونية . (مهمتها تحقيق ما يحال عليها من المرشد العام أو مكتب الإرشاد أو الهيئة نفسها خاصًا بما يمس الأعضاء في سلوكهم أو الثقة بهم أو أمر آخر . ولهذه اللجنة أن توقع ما تشاء من الجزاءات حتى الإعفاء من العضوية علي أن تعتمد ذلك من المرشد العام) .

وعند اختيار هؤلاء الأعضاء يقسمون أمام الهيئة " بالله علي أن يؤدوا ما عليهم بالذمة والصدق والأمانة " . وتختار اللجنة رئيسها وسكرتيرها بين أعضائها عقب اختيارها مباشرة ، وتدون قراراتها ومحاضرها في سجل هاص بها – ويكون اجتماعها صحيحًا بحضور خمسة من أعضائها متى كان فيهم الرئيس – وتكون قراراتها صحيحة إذا صدرت عن الأغلبية المطلقة للمجتمعين – ويتجدد اختيارها مع اختيار المكتب . ولا مانع من اختيارها كلها أو بعضها لأكثر من مرة . وتجتمع بدعوة من رئيسها – وللعضو الذي يتقرر فصله أن يستأنف هذا القرار بطلب كتابي يرفع إلي مكتب الإرشاد العام ليعرض علي الهيئة التأسيسية في أول اجتماع لها ، ورأيها فيه حاسم .

مادة 38 : إذا قصر واحد من أعضاء الهيئة التأسيسية في الواجبات الملقاة عليه نصحه المرشد العام . فإذا تكرر التقصير أحاله علي اللجنة المنوه عنها في المادة السابقة ، إلا إذا كان عضوًا بالمكتب فيتخذ في شأنه ما نص عليه في المادة 25 .

وهذه المواد تتضمن القواعد الآتية :

أولاً : أن الهيئة التأسيسية وهي السلطة العليا في الجماعة فوضت هذه اللجنة في مباشرة حق التحقيق مع أعضائها فيما ينسب إليهم ، وناطق بها الاضطلاع بأعباء هذه الناحية من سلطتها ، ومنحتها الصلاحية له ولإصدار قرار بالعقوبة حتى الفصل من العضوية .

ثانيًا : حصرت الهيئة الشروط التي متى توفرت مجتمعة قبل عضو من أعضائها كان للجنة الصلاحية في مباشرة حق التحقيق معه وتوقيع الجزاءات عليه في شرطين لا ثالث لهما وهما :

1 – أن يكون الأخ المنسوب إليه الاتهام عضوًا في الهيئة التأسيسية .

2 – أن يحال هذا الاتهام إلي اللجنة من المرشد العام أو مكتب الإرشاد أو من الهيئة نفسها .

ثالثًا : لم تستثن المادة (38) أحدًا من أعضاء الهيئة التأسيسية الذين توفر قبلهم الشرطان السابقان من وجوب المثول أمام اللجنة لمباشرة حقها معه إلا أعضاء مكتب الإرشاد ماداموا متمتعين بهذه الصفة ، أما إذا زالت عنهم هذه الصفة سواء أكان ذلك بعد تجديد انتخابهم أو بقرار من المكتب نفسه علي الصورة التي وضحتها المادة (25) – فمردهم كذلك إلي اللجنة .

رابعًا : أن الهيئة التأسيسية حين جعلت للجنة مهتمين أولاهما تختص بإدخال أعضاء في الهيئة (المادة 36) والأخرى تختص بالتحقيق مع أعضائها وتقرير العقوبات عليهم (المادة 37) قيدت اختصاص اللجنة في الإدخال بقصره علي مجرد الترشيح ، في حين أنها في المهمة الأخرى وهي التحقيق والعقوبة حتى الفصل من العقوبة أطلقت للجنة الحق في ذلك وجعلت قرارها نهائيًا بعد اعتماده من المرشد العام ، ولم تجعل لنفسها الحق في إعادة النظر في القرار بعد صدوره وإعلان العضو به إلا في حالة واحدة هي أن يكون القرار فصلاً من العضوية وتقدم العضو المفصول بطلب كتابي فيه إلي مكتب الإرشاد عرض طلبه باستئناف القرار علي الهيئة التأسيسية في أول اجتماع لها ورأيها فيه حاسم .

خامسًا : تقديرًا من الهيئة لخطورة السلطة المخولة لهذه اللجنة أحاطتها بشروط وضمانات بينتها المادة (37) في الصفات الواجب توافرها في عضوها وفي تحديد أغلبية خاصة لجلساتها وفي القسم الذي يؤديه أعضاؤها أمام الهيئة عند اختيارهم وفي اعتماد قراراتها من المرشد العام .

سادسًا : ليس لمكتب الإرشاد العام سلطة من قريب ولا من بعيد علي هذه اللجنة فقد اشترطت المادة (37) أن يكون أعضاؤها من غير المنتخبين للمكتب . كما أن المادة نفسها جعلت انتخابها من حق الهيئة التأسيسية نفسها التي تنتخب المكتب – وبذلك قسمت الهيئة سلطتها بين لجنتين ، فعهدت بسلطتها التنفيذية إلي المكتب وعهدت بسلطاتها القضائية إلي لجنة العضوية .

ويتضح ذلك جليًا فيما يقرره القانون من أي قرار يمس كيان الجماعة يصدر من أية إدارة من إدارات الدعوة لا يكتسب صفته إلا إذا اعتمده مكتب الإرشاد ، ماعدا قرارات هذه اللجنة فإنها تكتسب صفتها الشرعية دون عرضها علي المكتب أو اعتمادها منه .

• من الناحية الشكلية :

وعلي ضوء هذه القواعد المستقاة من قانون الجماعة نحب أن نناقش موقف هؤلاء الأعضاء الثلاثة من اللجنة من ناحية الشكل علي الوجه الآتي :

أ – صفاتهم :

أولاً : أعضاء في الهيئة التأسيسية .

ثانيًا : ليسوا أعضاء مكتب الإرشاد العام .

ب – شكل اللجنة :

أولاً : أخطرت اللجنة أحد أعضائها وهو الشيخ محمد الغزالي أحد المدعي عليهم بخطاب مسجل بأن قرار وقفه قد نحاه عن عضوية اللجنة حتى يفصل في أمره .

ثانيًا : التقي قرارها برغبة رئيسها الأستاذ عبد العزيز كامل في تنحيته عن رياسة اللجنة وعضويتها خلال نظرها هذه القضية لاعتباره شاهدًا فيها .

ثالثاً : انتخبت الأستاذ محمود عبد الحليم رئيسًا لها خلال نظر هذه القضية .

رابعًا : أخطرت بذلك فضيلة المرشد العام .

خامسًا: حافظت طوال جلساتها علي العدد القانوني لأعضائها فكانوا خمسة دائمًا منهم الرئيس .

جـ - الإجراءات :

أولاً : أحال مكتب الإرشاد العام إلي اللجنة تقرير اتهام ضد هؤلاء الأعضاء الثلاثة .

ثانيًا : سمعت اللجنة شهادة من وردت أسماؤهم في قرار الاتهام وبعض من ورد ذكرهم في شهادة هؤلاء الشهود واستجوبتهم وناقشتهم .

ثالثاً : حددت اللجنة الموعد والمكان لحضور هؤلاء الأعضاء المدعي عليهم أمامها وأخطرتهم بذلك . ولما تخلفوا أتاحت لهم فرصة أخري بالكتابة إليهم كذلك .

رابعًا : لم يرد المدعي عليهم أعضاء اللجنة كلهم أو بعضهم لمأخذ عليهم .

ومن ذلك يري الناظر بعين القانون المجرد عن الهوى أن جميع الشروط والضمانات والإجراءات التي تضمنها قانون النظام الأساسي للجماعة لإلزام هؤلاء الأعضاء الثلاثة بالمثول أمام اللجنة لإجراء التحقيق معهم قد توفرت كاملة . وكان يجب علي هؤلاء الأعضاء الدين لم يعتذروا عن الحضور بعذر شرعي أن يحضروا في الموعد والمكان المحددين لهم لدفع التهم الموجهة إليهم بما عسي أن يكون لديهم من أدلة . • أوضحنا لهم كل الحقائق :

وبالاطلاع علي محضر تحقيق مع الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال ، وعلي كتاب الدعوة الذي وجهته إلي الأعضاء الثلاثة المدعي عليهم للحضور في المرة الأخيرة ، يتبين أن اللجنة لم تدخر وسعًا في تجلية حقائق القانون لهم ، وفي مجاراتهم إلي أبعد الحدود في سبيل إدخال الطمأنينة إلي نفوسهم حتى يفيئوا إلي الحق ويستجيبوا لصوت القانون . والإنسان بطبيعته إذا وجه إليه اتهام ، وعلق سمعته شيء تواق – إذا كان لديه دليل براءته – أن يتلقف أول من يقابله ، ويتلمس من يسأله ليفضي إليه بأدلة براءته ، ليدحض هذا الاتهام ، ويخلص سمعته مما علق بها ، لاسيما إذا علم أن إفضاؤه بذلك لأول سائل لن يمنعه من الإفضاء لغيره .

• القانون يبطل الادعاء :

والواقع أن الاحتجاج بوجود خلاف بين عضو الهيئة المدعي عليه وبين أعضاء المكتب يعد باطلاً . لأن من السهل علي كل عضو محال إلي اللجنة يدعي هذا الخلاف ليفلت من المثول أمام اللجنة . خصوصًا إذا علم أن أكثر الحالات تحول إلي اللجنة عن هذا الطريق وهو المكتب – وبذلك يكون مثار الخلاف ممكنًا وجوده بطبيعة الإجراءات – ويمكن إثارة هذا الاحتجاج نفسه بنفس الصورة إذا ما كان التحويل إلي اللجنة عن طريق المرشد العام .. وبذلك يبطل عمل اللجنة ، ويبطل بالتالي ما قصد إليه القانون من إيراده إحدى مواده وهي المادة (37) . والتحايل علي إبطال إحدى مواد قانون مقرر يعتبر باطلاً . وإذا فرضنا جدلاً أن الذي يمنعهم من الوقوف أمام اللجنة أن بينهم وبين أعضاء المكتب خلافاً كما ادعوا في كتابهم ، فهل هذا يمنعهم – لو كانوا جادين – أن يبرئوا أنفسهم أولاً أمام اللجنة مما هو منسوب إليهم ثم يرفعوا شكواهم بعد ذلك ضد أعضاء المكتب إلي الجهة التي يرونها موضع اختصاص ؟ كما أننا لو أخذنا بنظرية المدعي عليهم وقام خلاف بين عضوين أحدهما عضو في الهيئة التأسيسية والآخر ليس عضوًا فيها

إذن لما وجد المختلفان لجنة تحقيق يحتكمان إليها .. وبذلك تضيع الحقوق وتتبدد دون مراجع . وبعد أن يئست اللجنة من حضورهم أو إذعانهم إلي القانون بعد أن أعذرت إلي الله وإليهم ، ورأت أن من حقها أن تسير في القضية ، وأن تحاكمهم غيابيًا مكتفية بما تضمه محاضر تحقيقاتها .

وهنا ننتقل إلي الموضوع فنري ما يأتي :

أولاً : كانوا مع المعتصمين ولم يستنكروا عملهم :

في أول بيان أصدروه بتوقيعاتهم ونشروه في الصحف الصادرة يوم 28 نوفمبر 1953 ثبت أن المدعي عليهم الثلاثة كانوا مع المعتصمين بدار المركز العام يوم الجمعة الموافق 20 من شهر ربيع الأول 1373 الموافق 27 نوفمبر 1953 ، وأنهم لم يواجهوا تصرفات هؤلاء المعتصمين بالاستنكار ، مع أنهم كانوا منهم موضع الرضا والقيادة ، وكان ينبغي لمثلهم ممن يحسن النية والتصرف – وقد حازوا هذا المكانة في نفوس هؤلاء الشبان – أن يطمئنوهم إلي أنهم سيقومون عنهم بالتفاهم مع فضيلة المرشد أو مع مكتب الإرشاد ، ويطلبوا إليهم الانصراف ، فإذا أبوا كان عليهم هم أن ينصرفوا – وما كان يضيرهم شيئًا في الدعوة ولا في أنفسهم أن يفعلوا ذلك لو كانوا حسنى النية والتصرف .. أما في الدعوة فما كان في طوق هؤلاء الشبان المعتصمين أن يفعلوا أسوأ مما فعلوا ، وأما في أنفسهم فقد وقف كثير من أعضاء المكتب والهيئة التأسيسية من هذا الشباب الموقف الذي أشرنا إليه وما ضارهم في أنفسهم شيء أمثال الإخوان الأساتذة عمر التلمساني وعبد القادر عودة وعبد الحكيم عابدين وعمر الأميري والشيخ محمد فرغلي وعبد العزيز كامل . والأخير لم يكتف بالموقف السلبي بل ظل معهم طيلة الليل يحاول إخراجهم من المركز العام .

وفي هذا تفنيد لادعاء الشيخ محمد الغزالي والأستاذ أحمد عبد العزيز جلال حين ادعيا للأستاذ عبد العزيز كامل بعد أن وقعا بيانهم الذي نشر بالصحف يوم 28 نوفمبر أنهما إنما فعلا ذلك تهدئة للثائرين وتخليصًا للدعوة من هذا المأزق .

ثانيًا : هذه بياناتهم تحكم عليهم :

أصدر المدعي عليهم بيانًا موقعًا منهم نشروه بالصحف الصادرة يوم 28 نوفمبر 1953 ضمنوه النقاط الآتية :

1 – ادعاءهم أن الأستاذ المرشد العام أعلن استقالته علي الملأ .

2 – إلغاءهم قرار مكتب الإرشاد العام بفصل الأربعة المفصولين ، واعتبارهم إياهم موقوفين فقط حتى تحدد موقفهم لجنة خاصة تعرض تقريرها علي الهيئة التأسيسية .

3 – إصدار قرارًَا من ثلاثتهم مع الرابع بوقف مكتب الإرشاد العام حتى تبت الهيئة في مصيره .

4 – اعتبارهم أنفسهم هيئة تقوم بتصريف شئون الدعوة وإدارة المركز العام لحين اجتماع الهيئة التأسيسية .

وبتحقيق النقطة الأولي ثبت أن الأستاذ المرشد لم يستقل ، فالمكتب وهو الجهة المختصة نفي ذلك ، والمدعي عليهم لم يقدموا دليلاً مادياً ولا معنويًا علي ادعائهم – وتبين بذلك أنهم ارتكبوا خطأين : الأول الكذب والافتراء والآخر إشاعة الذعر والارتباك في صفوف الإخوان بنشر هذا الكذب في الصحف .

وبتحقيق النقطة الثانية تبين أن مكتب الإرشاد لم يلغ قرار الفصل الذي أصدره ضد الأربعة المفصولين ، وأن مكتب الإرشاد لا يجعله القانون الأساسي مسئولاً أمام أية سلطة في الجماعة إلا أمام الهيئة التأسيسية – وبذلك يكون المدعي عليهم قد انتخبوا لأنفسهم شخصية الهيئة التأسيسية مجتمعة ، وبذلك يكونون قد خرجوا علي القانون الذي بايعوا عليه وعلي الهيئة التي هم مجرد أفراد منها .

وبتحقيق النقطة الثالثة تبين أن موقف مكتب الإرشاد ليس من حق آية سلطة في الجماعة إلا هذه الهيئة التأسيسية كما ذكرنا ، وبذلك يكون المدعي عليهم قد خرجوا مرة أخري علي القانون الذي أقسموا علي احترامه والخضوع لأحكامه .

وبتحقيق النقطة الرابعة تبين أن في تنصيبهم أنفسهم أوصياء علي الجماعة لا خروجًا علي القانون فحسب بل ابتداعًا لسابقة خطيرة تركت آثارها في كيان الدعوة الداخلي ومركزها الخارجي ، ومكنت أعداء الدعوة من الإرجاف بالسوء ، وتهوين أمر الجماعة وبالتالي أمر العاملين للإسلام .. ذلك أنهم نصبوا أنفسهم أوصياء ومنحوا أنفسهم جميع السلطات فوق الجماعة دون أن يرجعوا إليها ، أو يأخذوا بذلك تفويضًا منها .

وأما هذا الافتيات علي الحقوق تقصر قوانين الهيئات الشعبية عن أخذ حقها من هؤلاء المفتاتين لأنها لا تملك عقوبة أشد من الإعفاء من العضوية . هذه الأخطاء اشترك ثلاثتهم فيها ، ولا سبيل إلي إنكارها أو التملص منها ، لأنهم نشروها في الصحف ممهورة بتوقيعاتهم ، ولم يلحقوها بعد أن ظهرت علي صفحات الصحف بتكذيب بل إنهم استمروا في إصدار البيانات المماثلة في الصحف أيضًا . وقد لاحظت اللجنة أن المدعي عليهم كثيرًا ما يذكرون في بياناتهم أنه سيلجئون إلي الهيئة التأسيسية متظلمين من قرار الفصل الذي أصدره المكتب ضد الأربعة الأعضاء – فمن أي نص في قانون الإخوان المسلمين الذي أقسموا علي الخضوع له فهموا أن وسيلة عرض تظلم علي الهيئة من قرار للمكتب هي أن يعتصموا بدار المركز العام وأن يتخذوا قرارات بوقف المكتب وإحلال أنفسهم محله ، والمسارعة بنشر هذه القرارات الضارة بسمعة الجماعة في الصحف ، واستباحة الكذب العلني بنشر خير كاذب باستقالة المرشد العام .

ثم هم لا يعلنون لجوءهم إلي الهيئة التأسيسية إلا بعد اتخاذ هذه الخطوات غير المسبوقة في تاريخ الجماعة ، مع العلم بأن الفرصة كانت متاحة لهم منذ صدور قرار الفصل لدعوة الهيئة بالطريق القانوني دون الوقوع في هذا الخطأ الجسيم ، أو الانتظار حتى تجتمع الهيئة في ميعادها المحدد وما كان بالبعيد . وقبل أن تنتهي اللجنة من تحليل نقاط هذا البيان وتحقيقها ، نحب أن نلفت النظر إلي أن قرارها في هذه القضية – والمنسوب إلي المدعي عليهم كثير سواء في قائمة الادعاء أو في شهادة الشهود – سيعتمد أعظم الاعتماد علي ما جاء في هذا البيان ، لأن مجموعة من الوقائع المادية سجلوها بتوقيعاتهم علي أنفسهم ،وبذلك لا يكون هناك مجال للتظلم من القرار بدعوي أنهم لم يحضر أمام اللجنة.

ثالثاً : النشر بالصحف :

ومما أكد للجنة سوء نية المدعي عليهم وسوء تصرفهم أنهم اتخذوا الصحف وسيلة لنشر كل ما يصدر عنهم ، حتى كتابهم الذي أرسلوه إلي اللجنة يذكرون فيه أنهم لم يمثلوا أمامها .. وهذه وسيلة للتشهير تتنافي مع الخلق الإسلامي ومع تقاليد الدعوة ، ولا يقدم عليها ذو نية حسنة ، والضرر الذي سببه هذا النشر لا يخفي علي أحد .

رابعًا :

" نشر المدعي عليهم بالصحف الصادرة يوم 29/11/1953 بيانًا ادعوا فيه أن الأخ الشيخ محمد فرغلي في الاجتماع الذي عقد في منزل نائب رئيس الوزراء اتفق معهم علي تكوين لجنة للتحقيق مع الإخوان المفصولين وبسؤال الشيخ محمد فرغلي قرر أنه طلب منه الأستاذ صالح تكوين لجنة للتحقيق مع المفصولين سأله قائلاً : أية لجنة تقوم بهذا التحقيق الذي تريد ؟ فقال الأستاذ صالح : لجنتنا – يقصد تلك التي تتكون منه ومن زملائه الثلاثة – فقال له الأستاذ فرغلي : إن مكتب الإرشاد هو الهيئة الإدارية العليا للجماعة ، وهو صاحب الحق المطلق في قبول الأعضاء وفصلهم ، وهو مؤتمن علي أمور الجماعة ، وليس لأحد أن ينازعه في هذا الاختصاص ، ومع ذلك فإن مكتب الإرشاد حينما أصدر قرار فصل هؤلاء الشبان الأربعة أعطاهم حق التظلم ، فمن أراد أن يتظلم فمن الطبيعي أن ينتدب مكتب الإرشاد لجنة التحقيق معه " .

" ونشر المدعي عليهم في نفس البيان أن الأستاذ عبد العزيز كامل أبلغهم أنه أفلح في إقناع أعضاء المكتب للموافقة علي تكوين لجنة للتحقيق – ثم قالوا : وفي ساعة متأخرة من الليل اتصل خمسة من أعضاء مكتب الإرشاد هم : الدكتور خميس حميدة والأساتذة عمر التلمساني وعبد القادر عودة وعبد الرحمن البنا والسيد محمد حامد أبو النصر وأبلغونا أنهم وافقوا علي تأليف لجنة للتحقيق . ثم قالوا : وعلي هذا الأساس نشر بيان الأمس وفيه ذكرنا تكوين لجنة للتحقيق ولكننا فوجئنا في الصباح بقرار بوقف 21 عضوًا وتأليف لجنة للتحقيق لا مع الإخوان المفصولين حسب الاتفاق ، ولكن مع الإخوان الذين احتجوا علي قرار الفصل " .

• ماذا قال الشهود ؟

وبسؤال الأخ الأستاذ عبد العزيز كامل في هذا الصدد قرر أن كل ما وعدهم به هو أن يتوسط في الأمر دون أن يقيد نفسه بحل معين . وبسؤال الأخ الأستاذ عمر التلمساني قرر : أن الذي دار بيننا في حضور الإخوة الأربعة من أعضاء المكتب ، أن المكتب قرر تكوين لجنة من الشيخ محمد فرغلي والسيد محمد حامد أبو النصر وعمر التلمساني لتحقيق ما حدث مساء الجمعة من الشبان الذين اعتصموا بعد أن ذهبوا إلي منزل فضيلة المرشد ، ونظر كل تظلم يقدم من الأربعة المفصولين ؛ إذ كان قد قدم إلينا تظلم من أحمد عادل كمال . كما أن المكتب أحال إلي هذه اللجنة التحقيق مع الشيخ سيد سابق الذي صدر قرار بإيقافه . " ولم نقل أبدًا إن هذه اللجنة للتحقيق مع المفصولين " .

ويقرر كذلك فيقول : وأحب أن أقول إن الأستاذ صالح عشماوي قرر لنا ونحن في دار الكتاب العربي – ليلاً – أنه علم تليفونيًا بأن المكتب الإداري أوقف واحدًا وعشرين من الإخوان ، فهو إذن لم يفاجأ في صباح اليوم التالي بشيء لأن ما يقرر أنه فوجئ به في الصباح كان يعلمه قبل أن تصدر جرائد الصباح . وبسؤال الأخوين الأستاذين محمد حامد أبو النصر وعبد القادر عودة ، قررا نفس الذي قرره الأستاذ عمر التلمساني . وذكر الأستاذ عبد القادر عودة أنهم قالوا ذلك في دار الكتاب العربي للمدعي عليهم وكان معهم آخرون ذكر منهم عبد الرحمن السندي والشيخ سيد سابق . وتري اللجنة أن الفرق بين ما نشره المدعي عليهم بالصحف يوم 30/11 عن لجنة التحقيق وبين ما قرره الشهود الذين أوردنا ملخص ما قرروه فرق شاسع . فالمنشور بالصحف لا يشعر بأن المكتب متمسك بقراره ولا بأن اللجنة المنوه عنها إن هي إلا لجنة للتحقيق مع الذين أحدثوا الشغب يوم الجمعة وللتحقيق في تظلم من يتظلم من المفصولين . ولجنة العضوية وإن كانت تؤثر أن تمسك عن القطع برأي في هذه النقطة ، إلا أنها تضع بجانب هذا أن الأستاذ صالح عشماوي اجترأ علي نشر خبر بمجلة الدعوة باستقالة الأخوين الأستاذ عبد العزيز كامل من لجنة العضوية والدكتور محمد سليمان من الهيئة التأسيسية – وثابت أن إيراد ما يتصل بالأستاذ عبد العزيز كامل فيه تحريف ظاهر ، وأن الدكتور محمد سليمان لم يستقل من الهيئة التأسيسية . فإذا وضعنا هذه الوقائع من الأستاذ صالح عشماوي بجانب ما نشره عن لجنة التحقيق استطعنا أن نحكم علي روايته ونحن مطمئنون .

خامسًا :

قرر الأستاذ عبد العزيز كامل في شهادته أنه حاول ليلة الحادث أن يحمل الأستاذ صالح عشماوي علي مغادرة المركز العام بعد أن غادره كل المعتصمين تقريبًا فلم يفلح ، وظل في محاولاته هذه معه حتى قرب الفجر . ولما سأله الأستاذ عبد العزيز كامل : ما الذي أقحمك في هذا الأمر وقد خرج المعتصمون أنفسهم ؟ قال الأستاذ صالح : " اعتبرني طرفاً في هذا الأمر " . كما قرر الأستاذ عبد العزيز كامل أنه في ساعة متأخرة من الليل دخل علي الأستاذ صالح عشماوي في الحجرة المعتصم بها ليرجوه الخروج من المركز العام فوجده يتكلم بالتليفون مع آخر في الخارج ثم التفت إليه والسماعة في يده سائلاً الأستاذ عبد العزيز كامل : ما هي شروط جلائه عن المركز العام ؟ كأن المتكلم معه في التليفون ينتظر من الأستاذ صالح عشماوي جوابًا علي هذا السؤال – فغضب الأستاذ عبد العزيز وأبي أن يجيبه إلا إذا أخبره باسم الشخص الذي يتصل به بالتليفون ويريد أن ينقل إليه هذه الشروط ، فرفض الأستاذ صالح أن يذكر اسم الشخص .

من الذي يوجه المؤامرة ؟!

بعد ذلك يقرر الأستاذ عبد العزيز كامل أنه ذهب في اليوم التالي إلي دار الكتاب العربي ، فوجد بإحدى الحجرات اجتماعًا يضم الأساتذة صالح عشماوي وعبد الرحمن السندي والشيخ سيد سابق . وأخذوا يتحدثون معه في شأن وساطته بأسلوب عرف منه الأستاذ عبد العزيز من هو الشخص الذي كان يكلم الأستاذ صالح أمس في التليفون ورفض ذكر اسمه . ويقرر الأستاذ عبد القادر عودة في شهادته أنه لما ذهب إلي دار الكتاب العربي لمقابلة المدعي عليهم مع بعض أعضاء المكتب في شأن التفاهم ، وجد مع المدعي عليهم أشخاصًا آخرين منهم عبد الرحمن السندي والشيخ سيد سابق .

كما أن الأخ محمد هاشم الموظف بالمركز العام قرر في شهادته التي قدمها إلي اللجنة مكتوبة – وكان موجودًا بالمركز العام ساعة اقتحامه – أنه كان جالسًا بجوار مكتب المراقب وأمامه التليفون دق جرسه ، فإذا المتكلم الأستاذ عبد الرحمن السندي .. يقول الشاهد : " فتكلمت معه فطلب الأخ علي صديق فجاء وكان رده كالآتي : " الحمد لله . كويس الحمد لله . كل حاجة كويسة " .. وبعد قليل دق التليفون مرة أخري فأمسكت بالسماعة فإذا به عبد الرحمن السندي وطلب علي صديق أيضًا .. وجاء علي صديق .. وفي أثناء هذه المكالمة أحسست بوجود سيارات علي باب المركز العام فوقفت لانتظار من بها بجوار علي صديق فدخل الحاج حلمي المنياوي وكان علي يقول في التليفون " جه الحاج حلمي والحاج صالح والشيخ الغزالي والشيخ سيد سابق والحاج جوده والحاج عبده قاسم ومحمد شريف .. إن شاء الله وعليكم السلام ورحمة الله .. ووضع السماعة ودخل حضرات المدعوين " . من مجموع هذه الشهادات يتضح أن هذه الحركة وعلي رأسها المدعي عليهم كانت علي اتصال بأحد المفصولين اتصالاً منتظمًا طول الليل .. وقرر مكتب الإرشاد بفصل هؤلاء الأربعة يقتضي أن يقطع الإخوان صلتهم في شئون الدعوة بهؤلاء المفصولين . فالاتصال بهم بل التلقي منهم فيه خروج علي القرار وتحد له ويشم منه رائحة التآمر .

سادسًا :

تبينت اللجنة من مراجعة البيان الأول الذي أذاعه المدعي عليهم بالصحف أن الحرص علي تصديره بإعلانهم استقالة المرشد العام يرتبط بسابقة للأستاذ صالح عشماوي تقرر من أجلها وقفه شهرًا في العام الماضي . هذه السابقة هي مخاطرته بإذاعة أمر قرار المكتب اعتباره سرًا . وكان هذا السر الذي حرص الأستاذ صالح علي نقله بعد منتصف الليل إلي جريدة " المصري " هو إعلان استقالة المرشد العام أيضًا .. كأن في نفس الأستاذ صالح عقدة إزاء هذا الرجل الذي يشغل هذا المنصب ويقود هذه الجماعة .. مع أنه بايعه أمام الهيئة التأسيسية من قبل . واللجنة تري في تصرفات الأستاذ صالح هذه إزاء الأستاذ المرشد ، وتكرر هذه التصرفات نفسها بالرغم من وقفه شهرًا من قبل بسببها ، نقضًا للبيعة ونكثًا للعهد ، وتري في زميليه اللذين وقعا معه علي البيان الذي تضمن ذلك نفس الرأي الذي تراه فيه .

وقبل أن تختم اللجنة هذه الحيثيات لابد لها أن تشير إلي أن هناك أسماء جاءت علي ألسنة الشهود في مواقف غامضة ، ستطلب اللجنة فيما بعد إحالتها لاستجلاء هذه المواقف وتحديدها .

إمـضاءات

حسني عبد الباقي – عبد الله عامر – حامد شريت – سعد الدين الوليلي – محمود عبد الحليم


الفصل الرابع : تعـقـيب

معذرة إلي القارئ في إيراد هذا الفصل الدامي ، الذي ما كتبت حرفاً فيه إلا وهو يعتصر قلبي ، ويدمي فؤادي .. وإنه لينبغي عليّ أن لا أكتم القارئ حقيقة دفينة في داخل نفسي ، هي أن هذا الفصل – مع أنني عانيت جانبًا كبيرًا من أحداثه ، وأنني الذي كتبت بنفسي مقدمته ونهايته ، وسجلت بقلمي كل أطواره – إلا أنني حين بدأت أكتب عنه في هذه المذكرات وجدتني قد أنسيته إنساءً يكاد يكون تامًا حتى أكثر أسماء أشخاصه .. مع أنني أذكر أحداثاً سابقة عليه وأخري تالية له .. وما كان ذلك فيما أعتقد إلا أنني كنت أري هذا الحدث إبان وقوعه أعظم كارثة أصابت الدعوة ، لأنها كانت انفجارًا داخليا . وهو أخطر ما يصيب الدعوات ، بل هو الخطر الداهم الذي ينسف الدعوات فلا تري فيها عوجاً ولا أمنًا ، فيمحوها من الوجود محوًا ، بحيث لا يبقي لها في الوجود ولا في التاريخ أثرًا ولا ذكرًا ..

ومثل هذا الخطر الداهم الذي تنفطر له النفوس ، لاسيما نفوس من واجهوه وكافحوه وناضلوا ضده ، وابتلعوا مرارته – إذا واتتهم الظروف فاستطاعوا دفعه ، وتمكنوا من وقف تياره واحتوائه ، تحاول ذاكرتهم – بدافع كراهية اجترار المرارة – أن تلقي به في غياهب النسيان .. ولولا ما أمدني به الأخ الأستاذ عباس السيسي من صورة من المذكرة التي كنت سطرتها بيدي في ذلك الأوان لما استطعت أن أكتب في هذا الفصل إلا إشارات عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع . وإيراد هذا الفصل علي ما في إيراده من إيلام للنفس ولذغ للقلب ، أمر ضروري لا مندوحة عنه ولا مفر منه . لأنه حلقة في سلسلة الأحداث التي صنعها جمال عبد الناصر بيده ، وأحكم وصل بعضها ببعض . فلولا الارتباط الوشيك بين هذا الفصل وبين الأحداث السابقة عليه والأحداث اللاحقة له لأغفلت ذكره ، ولتقاضيت عنه إعفاءً لنفسي من ألم ممض لازمها طيلة تسجيل أحداثه .. ولكن تسلسل الأحداث ، وأمانة التسجيل ، والوفاء بحق التاريخ وحق الأجيال الجديدة – ألزمني بإيراد ما كنت أوثر أن لا أورده . ولا أعتقد أن شعور الصد عن تذكر هذا الفصل ليس مستوليًا علي نفسي وحدي ، وإنما هو بغير شك مسئول علي نفوس كل الإخوة الذين عاصروا هذه الأحداث ، ومن هذه النفوس نفوس الإخوة الذين كانوا وقود هذه الأحداث ، والذين زجت بهم في أتونها اليد الأثيمة التي كانوا إذ ذاك يحسنون بها ظنًا .

ولم يكن الإخوان غافلين عن حقيقة أحداث هذا الفصل ، ولا عن صانعها ومحركها ، ولكنهم كانوا يتغاضون عن هذه الحقيقة ، لأنهم لا يملكون لمحركها شيئًا وهو مستخف عن الأنظار ، ويريدون أن يحسموا الظاهرة التي بدت بين صفوفهم حسمًا داخليًا ، وهو حدود ما يستطيعون ، وأهم ما يأملون من حفظ الكيان الروحي لدعوتهم سليمًا معافى عير مريض ولا مقطع ولا معلول ؛ إذ هو الأساس الذي يهون كل شيء دونه . ولقد كانوا يعملون علي ذلك . ويبذلون الجهد في تحقيقه ، وهم يعلمون أن كل نجاح يحرزونه في هذا السبيل هو بمثابة طعنة في قلب صانع هذه الأحداث ومحركها . ويعلمون أن هذه الطعنة لن توقظ ضمير هذا الصانع ، بل إنها تزيد آثار حقده اشتعالاً ، وتدفعه إلي حياكة مؤامرة أخري . ويبدو أنه كان يعتقد أن المؤامرة الأخيرة التي نحن بصددها ، والتي حاكها أحكم حياكة ، واستطاع أن يجمع جميع خيوطها في يده .. أنها مضمونة النجاح ، وأن لا قبل للإخوان بمواجهتها .. ولقد كان تقديره صحيحًا فإنسان كان في داخل الدعوة وفي صميمها ، يعلم من أسرارها ما لا يعلمه إلا القليل ، ثم هيأت له الظروف أن تلقي إليه مقاليد الحكم في مصر يتصرف في مقدراتها كما يشاء لا معقب لحكمه ثم يتلقف رئيس النظام الخاص للإخوان ، الذي لم يتعود مرءوسوه وأتباعه أن يعصوا له أمرًا ، ومن حول هذا الرئيس شفاء صدره وتحقيق أمله ، لاسيما وقد صار هذا الرئيس يجمع إلي سلطته الروحية تأييد سلطة الحكم بما لبديها من مغانم ، وما يحوطها من هيبة . إنسان جميع في قبضته كل ذلك مما قد لا يجتمع لإنسان .. وكل ذلك إزاء دعوة لا يملك أصحابها إلا إيمانهم بها وثقتهم في قيادتها ، واعتزازهم بأخوة كل أطرافها من عامة الناس بل من ضعفاء الناس وفقرائهم ..

كان صانع المؤامرة ومحركها علي حق في تصوره أن المؤامرة مضمونة النجاح لا يقع في سبيل سهمها إلي الهدف عائق ، ولا يعترض طريقه مانع .. كل أسباب النجاح قد توفرت فلابد من النجاح . وكان أمل جمال عبد الناصر الذي طالما تمناه هو أن يجد هذه الهيئة العتيدة طوع أمره ورهن إشارته وفي قبضة يده ، حتى يستطيع أن يحكم مصر ، ويبسط حكمه علي البلاد العربية والإسلامية ، ويستطيع بحق أن يكون إمبراطورًا ، حيث يكون مؤيدًا بقاعدة شعبية تمتد في طول البلاد المصرية وعرضها وفروعها تغمر الشرق العربي كله ، وتتجاوب معها تكوينات شعبية في البلاد الإسلامية في أنحاء العالم .. وهو أمل واسع عريض ، وحلم باذخ لذيذ .. ولكنه اصطدم بشخصية الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين الذي أظهر استعداده أن يسلم جمال عبد الناصر مفتاح المركز العام ، ولكنه لن يسلمه الإخوان المسلمين ، فالإخوان المسلمون بغير مركز عام وبغير دور للشعب هم الإخوان المسلمون لا ينقصهم شيء .. ورفض جمال عبد الناصر هذا العرض وأبي إلا أن يتسلم زمام الإخوان المسلمين . وإذن فلابد لذلك من خلع هذا المرشد العنيد . وتحت يد جمال عبد الناصر أكثر من واحد يطمع في هذا المنصب ويسيل لعابه لمجرد الحلم به . وإذن فلتوضع خطة ، ولتدبر مؤامرة ، وكل عناصر نجاحها في رأس الهيئة صنيعة من صنائعه لتكون الهيئة بمرشدها الجديد في ركابه .. مهمتها أن تطلق البخور بين يديه ، وتسبح صباح مساء بحمده بل وتغسل علي قدميه .

إن الخطة كانت سليمة ، والمؤامرة كانت محكمة ، والظروف كانت مواتية ، والنجاح كان مضمونًا ، لولا إرادة الله التي شاءت أن تبقي في هذا البلد هيئة واحدة تعمل لوجهه ومرضاة لأمره بين عشرات الهيئات التي مردت علي الغش والختل والخداع ، إرادة الله تدخلت ، وخيبت ظن الحاسبين الذي جمعوا عناصر الجانب الأيمن في المعادلة فأسفر حاصل الجمع عن شيء واحد لا شيء غيره وهذا الشيء هو النجاح التام الكامل فاطمأنوا وساروا في خطواتهم بأقدام ثابتة لثقتهم في النجاح .. ولكنهم نسوا حين كانوا يحسبون إدخال عنصر هام في حسابهم هو عنصر " الله " وهو الفعال لما يريد ، فانقلب نجاحهم فشلاً .

استند إخواننا هؤلاء إلي السلطة الكبرى في البلاد ، وظنوا في القائم عليها أحسن الظن ، وقالوا لأنفسهم : إذا أسندت الدعوة قيادتها إلي أخ قديم بها آلت إليه السلطة فإن ذلك أجدى علي الدعوة وأنفع من إبقاء قيادتها في يد رجل من عامة الناس ليس له من الأمر شيء ، ولا يسند ظهره إلي سلطة ما . ونسي إخواننا هؤلاء أو تناسوا ما أظهره هذا الأخ صاحب السلطة من مواقف وما أقدم عليه من تصرفات بتنكره لهذه الدعوة وتنصله من تبعاتها ، وما يكن لها من عداء وتربصه بها الشر ، فقد تنكر للحكم بما أنزل الله وأنشأ مسجدًا ضرارًا سماه هيئة التحرير وأراد أن يمحو شخصية الدعوة بإلزامها بالاندماج والذوبان في هذه الهيئة ، فلما عجز عن حمل الإخوان علي ما أراد لجأ إلي محاولة أخري سمح إخواننا هؤلاء لأنفسهم أن يكونوا عدته فيها . أما نحن فاستندنا إلي الله وحده ، وواجهنا إخواننا هؤلاء ونحن نعلم أننا في الحقيقة لا نواجههم وإنما نواجه هذا الحاكم وهذه السلطة التي تربع علي قمتها ، وما كانت مواجهتنا اعتداء عليه ، ولا تنديدًا به ، بل كانت مجرد دفاع عن دعوتنا وعن كياننا ، حتى إنك لتلمس هذا المعني في كل كلمة كتبناها فيما أجرينا من تحقيق وما أصدرناه من بيانات ، لم نمس السلطة بحرف واحد ، ولم نشر إليها بكلمة واحدة .. بل إننا حاولنا إشعارها بأملنا فيها – تقريبًا لقلبها وفتئًا لما انطوت عليه جوانحها من حقد – فلجأنا إليها طالبين إليها أن تكون واسطة خير بيننا وبين إخواننا ، وليس أدل علي مسالمتنا وحسن نياتنا من ذلك . فماذا كان رد الفعل لهذه المسألة وقد فشلت المؤامرة وانتهت إلي عكس ما كانوا يتوقعون إذ انتهت بنبذ المتآمرين وبضم الصفوف ضمًا صارت الدعوة به أقوي مما كانت ؟ .

ماذا كان رد الفعل ؟ .

الباب التاسع : فشلت الأقنعة كلها في إخفاء وجع مدبر المؤامرة


مقـدمة

يبدو أن هذه المؤامرة كانت آخر ما كان في جعبة جمال عبد الناصر ، وأن القناع الذي كان يخفي به وجهه في أثنائها كان آخر قناع في حوزته . وكان في كل مرة يجد بين يديه من يزج بهم علي المسرح ويجد في حوزته قناعًا يخفي به عن المشاهدين وجهه ، فلما كانت هذه التمثيلية الدرامية المفزعة الأخيرة .. وانتهت بالفشل غير المتوقع .. بحث عن قناع آخر – استعدادًا لتمثيلية جديدة بعدها – فوجدها قد نفدت . ولم يكن بد حينئذ من أن يخرج من وراء الكواليس .. وبدلاً من أن يقتصر دوره – كما كان في كل مرة – علي التلقين أصبح عليه أن يغادر المكان الخفي للملقن وأن يظهر علي المسرح وحده – بعد أن فقد الممثلون جميعًا شخصياتهم ولم يعودوا يصلحون لأي دور من الأدوار – كان عليه أن يظهر علي المسرح سافرًا ليؤدي بنفسه دورًا جديدًا .. ولكن الدور هذه المرة كان دورًا طائشًا عنيفاً . وقد كان هو في كل مرة المؤلف والملقن والمخرج وبين يديه الممثلون يختار منهم من يشاء لما يشاء ، فكان وجود الممثلين بين يديه يتيح له فرصة من الوقت ليؤلف التمثيلية من واقع الحياة .. ولكن غياب الممثلين عن المسرح هذه المرة فجأة لم يتح له فرصة التأليف من واقع الحياة فلجأ إلي الخيال واستمد منه تمثيلية هذه المرة .

ثم إن بروزه علي المسرح هذه المرة وحده كان ملفتًا للنظر ، فلم يتعود المشاهدون أن يروه بشخصه مثلاً – فلما رأوه في هذا الموقف ذهبت بهم الظنون كل مذهب ، وشرعوا يراجعون الأدوار التي شاهدوها في المسرحيات السابقة علي ضوء هذا المشهد الجديد .. وقرروا في أنفسهم أنه لابد أن يكون هو صاحب الوجه المقنع الذي كان يطل من ورائه ولا يرون إلا قناعه . وواضعو خطط المؤامرات حين تفشل مؤامراتهم أكثر من مرة يفضلون دائمًا أن يتخلوا عن التآمر ليعيشوا بقية حياتهم عيشة طاهرة ، متعظين بما أصابهم من فشل لكن شهوة جمال عبد الناصر إلي ارتقاء متن الزعامة الشعبية – التي يراها وهو محق أعظم من رياسة الدولة – حالت بينه وبين الاتعاظ ، وأثر أن يخاطر بنفسه هذه المخاطرة .

صدر القرار بفصل الثلاثة الكبار يوم 9 ديسمبر 1953 وصودق عليه من الهيئة التأسيسية مستأنفاً في اليوم التالي .. وطبعت الرسالة التي تضمنت قرار الاتهام والتقرير المفصل للجنة العضوية يوم 15 ديسمبر واستغرق توزيعها علي شعب الإخوان بقية الشهر ونمت دراستها .. وبدأت تمثيلية جمال عبد الناصر الجديدة في أوائل العام الجديد 1954 . ولا شك في أن مسارعة قسم نشر الدعوة بالمركز العام إلي طبع هذه الرسالة وتوزيعها كان إجراءً حاسمًا ، فلقد كان هناك من وراء الكواليس سباق لاهث .. فقيادة الإخوان تريد أن يصل إلي مسمع الإخوان في كل مكان تفاصيل الحقائق في هذه المؤامرة التي يغشاها الغموض .. وجمال عبد الناصر يريد أن يباغت الإخوان بإجراء جديد من طبيعته أنه يحول بين القيادة وبين توصيل هذه الحقائق إلي الإخوان حتى تكون أذهانهم خالية فتقبل أنباء يختلقها في خطة إجرائه الجديد – وقد لا يكون سرًا أن أذكر في هذا المقام أنه لما تم طبع هذه الرسالة وقدّم لي قسم نشر الدعوة نسخة منها ، ذهلت وسألتهم : كيف استطعتم أن تطبعوها بهذه السرعة ؟ فقالوا لي : بل إنها أرسلت أيضًا إلي المكاتب الإدارية – كان وصول هذه الرسالة إلي الإخوان في جميع أنحاء مصر وخارج مصر بهذه السرعة من أعظم مكاسب الإخوان المسلمين . وقد يأتي بيان ذلك إن شاء الله .

ومع ذلك فإن جمال عبد الناصر – وقد كان يعلم مدي أهمية السرعة في إنجاز إجرائه الذي قرر اتخاذه – لم يقصر ولم يضيع دقيقة واحدة .. ولكن إنجاز الإخوان – والحمد لله – كان أسرع .


الفصل الأول : جمال عبد الناصر يسفر عن وجهه لأول مرة

فيصدر قرارًا بحل الإخوان المسلمين :

كان آخر ما أنهينا به الباب الماضي سؤال يقول :

ماذا كان رد فعل جمال عبد الناصر علي موقف الإخوان منه موقف الناصح الأمين ؟

وقد خصصنا هذا الفصل لنص رد فعل جمال عبد الناصر الذي ظهر في صدر الصحف يوم 15 يناير 1954 تحت العنوان التالي :

بيان خطير من مجلس قيادة الثورة عن الإخوان المسلمين لاتصالهم بالانجليز ، وإقامة منظمات سرية في الجيش والبوليس ومحاولة قلب نظام الحكم القائم تحت ستار من الدين اعتقال 450 والإفراج عن 20

أصدر مجلس قيادة الثورة في الساعة الواحدة إلا ربعًا من صباح اليوم قرارًا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حزبًا سياسيًا يطبق عليها أمر المجلس الخاص بحل الأحزاب السياسية وفيما يلي نص البيان :

( ملاحظة – المؤسسات الاجتماعية تمارس نشاطها – صرح البكباشي أنور السادات بأن المؤسسات الاجتماعية لجماعة الإخوان المسلمين المنحلة كالمدارس والمستوصفات والمستشفيات وغيرها ستظل تمارس نشاطها تحت اسم جديد يحدده وزير الداخلية – ولا ينطبق علي هذه المؤسسات قرار المصادرة الذي يقضي به أمر حل الأحزاب ومصادرة أموالها وممتلكاتها ) .

إن كانت الثورة قد قامت في 23 يوليو ، فقد ظل تنظيم الضباط الأحرار ينتظر من يتقدم الصفوف مخلصًا ليغير المنكر الذي كنا نعيش فيه ، ويثبت بعمله جدية صدقه وإخلاصه لدينه ووطنه .. وكنا علي استعداد أن نتبعه في صف واحد كالبنيان المرصوص ، حتى نحقق لوطننا العزيز عزته وكرامته وتحررًا من الاستعباد والعبودية . ولما طال انتظارنا عقدنا العزم علي القيام بالثورة ، وكنا جادين ولا هدف لنا إلا حرية الأمة وكرامتها وإن الله تعالي لن يكتفي بإيمان الناس إذا لم يتبعوا هذا الإيمان بالعمل الصالح . ومن يوم قيام الثورة ونحن في معركة لم تنته بعد ، معركة ضد الاستعمار لا ضد المواطنين ، وهذه المعركة لا تحتمل المطامع والأهواء التي نفذ الاستعمار من خلالها ليحطم وحدة الأمة وتماسكها فلا تقوي علي تحقيق أهدافها . وقد بدأت الثورة فعلا بتوحيد الصفوف إلي أن حلت الأحزاب ، ولم تحل الإخوان إبقاءٌ عليهم وأملاً فيهم وانتظارًا لجهودهم وجهادهم في معركة التحرير ، ولأنهم لم يتلوثوا بمطامع الحكم كما تلوثت الأحزاب السياسية الأخرى ، ولأن لهم رسالة دينية تعين علي إصلاح الخلق وتهذيب النفوس .

ولكن نقرأ من الصفوف الأولي في هيئة الإخوان أرادوا أن يسخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية وأطماع ذاتية مستغلين سلطان الدين علي النفوس ، وبراءة وحماسة الشبان المسلمين ، ولم يكونوا في هذا مخلصين لوطن أو لدين . ولقد أثبت تسلسل الحوادث أن هذا المفر من الطامعين استغلوا هيئة الإخوان والنظم التي تقوم عليها هيئة لإحداث انقلاب في نظام الحكم القائم تحت ستار الدين . وقد سارت الحوادث بين الثورة وهيئة الإخوان بالتسلسل الآتي :

1 – في صباح يوم الثورة استدعي الأستاذ حسن عشماوي لسان حال المرشد العام إلي مقر القيادة العامة بكوبري القبة ، وأبلغ إليه أن يطلب من المرشد العام إصدار بيان لتأييد الثورة ، ولكن المرشد بقي في مصيفه بالإسكندرية لائذا بالصمت فلم يحضر إلي القاهرة إلا بعد عزل الملك ثم أصدر بيانًا مقتضيًا طلب بعده أن يقابل أحد رجال الثورة فقابل البكباشي جمال عبد الناصر في منزل الأستاذ صالح أبو رقيق الموظف بالجامعة العربية . وقد بدأ المرشد حديثه مطالبًا بتطبيق أحكام القرآن في الحال ، فرد عليه البكباشي جمال عبد الناصر أن هذه الثورة قامت حربًا علي الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والاستعمار البريطاني وهي بذلك ليست إلا تطبيقاً لتعاليم القرآن الكريم . فانتقل المرشد إلي تحديد الملكية وقال : إن رأيه أن يكون الحد الأقصى 500 فدان ، فرد عليه البكباشي جمال عبد الناصر إن الثورة رأت التحديد بمائتي فدان فقط وهي مصممة علي ذلك . فانتقل المرشد بالحديث قائلاً إنه لكي تؤيد هيئة الإخوان الثورة أن يعرض عليه أي تصرف للثورة قبل إقراره . فرد عليه البكباشي جمال عبد الناصر قائلاً إن هذه الثورة قامت بدون وصاية أحد عليها وهي لن تقبل بحال أن توضع تحت وصاية أحد ، وإن كان هذا لا يمنع القائمين علي الثورة من التشاور في السياسة العامة مع كل المخلصين من أهل الرأي دون التقيد بهيئة من الهيئات . ولم يلق هذا الحديث قبولاً من المرشد .

2 – سارعت الثورة بعد نجاحها في إعادة الحق إلي نصابه . وكان من أول أعمالها أن أعادت التحقيق في مقتل الشهيد حسن البنا ، فقبضت علي المتهمين في الوقت الذي كان المرشد لا يزال في مصيفه بالإسكندرية .

3 – طالبت الثورة الرئيس السابق علي ماهر بمجرد توليه الوزارة أن يصدر عفوًا شاملاً عن المعتقلين والمسجونين السياسيين وفي مقدمتهم الإخوان . وقد نفذ هذا فعلاً بمجرد تولي الرئيس نجيب رياسة الوزراء .

4 – حينما تقرر إسناد الوزارة إلي الرئيس نجيب تقرر أن يشترك فيها الإخوان بثلاثة أعضاء علي أن يكون أحدهم الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري – وقد تم الاتصال تليفوني بين اللواء عبد الحكيم عامر والمرشد ظهر يوم 7 سبتمبر 1952 فوافق علي هذا الرأي قائلاً إنه سيبلغ القيادة بالاسمين الآخرين . ثم حضر الأستاذ حسن عشماوي إلي القيادة في كوبري القبة وأبلغ البكباشي جمال عبد الناصر أن المرشد يرشح للوزارة الأستاذ منير دلة موظف بمجلس الدولة والأستاذ حسن العشماوي المحامي .

وقد عرض هذا الترشيح علي مجلس الثورة فلم يوافق عليهما ، وطلب البكباشي جمال عبد الناصر من الأستاذ حسن العشماوي أن يبلغ ذلك للمرشد ليرشح غيرهما – وفي الوقت نفسه اتصل البكباشي جمال بالمرشد فقال الأخير إنه سيجمع مكتب الإرشاد في الساعة السادسة ويرد عليه بعد الاجتماع . وقد أعاد البكباشي جمال الاتصال مرة أخري بالمرشد فرد عليه أن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك في الوزارة ، فلما قال له : لقد أخطرنا الشيخ الباقوري بموافقتك وطلبنا منه أن يتقابل مع الوزراء في الساعة السابعة لحلف اليمين أجابه بأنه يرشح بعض أصدقاء الإخوان للاشتراك في الوزارة ولا يوافق علي ترشيح أحد من الإخوان . وفي اليوم التالي صدر قرار من مكتب الإرشاد بفصل الشيخ الباقوري من هيئة الإخوان فاستدعي البكباشي جمال عبد الناصر الأستاذ حسن العشماوي وعاتبه علي هذا التصرف الذي يظهر الإخوان بمظهر الممتنع عن تأييد وزارة الرئيس نجيب وهدد بنشر جميع التفاصيل التي لازمت تشكيل الوزارة ، فكان رد العشماوي أن هذا النشر يحدث فرقة في صفوف الإخوان وليس لموقف المرشد العام ورجا عدم النشر .

5 – عندما طلب من الأحزاب أن تقدم إخطارات عن تكوينها قدم الإخوان إخطارًا باعتبارهم حزبًا سياسيًا . وقد نصحت الثورة رجال الإخوان بأن لا يترددوا في الحزبية ، ويكفي أن يمارسوا دعوتهم الإسلامية بعيدًا عن غبار المعارك السياسية والشهوات الحزبية . وقد ترددوا بادئ الأمر ثم استجابوا قبل انتهاء موعد تقديم الإخطارات وطلبوا اعتبارهم هيئة . وطلبوا من البكباشي جمال عبد الناصر أن يساعدهم في تصحيح الإخطار . فذهب إلي وزارة الداخلية حيث تقابل مع المرشد في مكتب الأستاذ سليمان حافظ وزير الداخلية وقتئذ وتم الاتفاق علي أن تطلب وزارة الداخلية من الإخوان تفسيرًا عما إذا كانت أهدافهم سيعمل علي تحقيقها عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات وأن يكون رد الإخوان بالنفي فلا ينطبق عليهم القانون .

6 – وفي صبيحة يوم صدور قرار الأحزاب في يناير 1953 حضر إلي مكتب البكباشي جمال عبد الناصر الصاغ صلاح شادي والأستاذ منير دلة وقالا له : الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا هيئة الإخوان ، ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا في وضع يمكنهم من أن يردوا علي كل أسباب التساؤل . فلما سألهم ما هو هذا الوضع المطلوب أجابا بأنهم يريدون الاشتراك في الوزارة . فقال لهما : إننا لسنا في محنة ، وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب وفرض الشروط فأنتم مخطئون . فقالوا له : إذا لم توافق علي هذا فإننا نطالب بتكوين لجنة من هيئة الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافقة عليها ، وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إذا أردتم التأييد فقال لهم البكباشي جمال عبد الناصر : لقد قلت للمرشد سابقًا إننا لن نقبل الوصاية ، وإنني أكررها اليوم مرة أخري في عزم وإصرار .

وكانت هذه الحادثة هي نقطة التحول في موقف الإخوان من الثورة وحكومة الثورة ، إذ دأب المرشد بعد هذا علي إعطاء تصريحات صحفية مهاجمًا فيها الثورة وحكومتها في الصحافة الخارجية والداخلية ، كما كانت تصدر الأوامر شفويًا إلي هيئات الإخوان بأن يظهروا دائمًا في المناسبات التي يعقدها رجال الثورة بمظهر الخصم المتحدي .

7 – لما علم المرشد بتكوين هيئة التحرير تقابل مع البكباشي جمال عبد الناصر في مبني القيادة بكوبري القبة وقال له : إنه لا لزوم لإنشاء هيئة التحرير مادام الإخوان قائمين . فرد عليه البكباشي جمال : إن في البلاد من لا يرغب في الانضمام إلي الإخوان ، وإن مجال الإصلاح متسع أمام الهيئتين . فقال المرشد : لن أؤيد هذه الهيئة . وبدأ منذ ذلك اليوم في محاربة هيئة التحرير وإصدار أوامره بإثارة الشغب واختلاق المناسبات لإيجاد جو من الخصومة بين أبناء البلد الواحد .

8 – وفي شهر مايو 1953 ثبت لرجال الثورة أن هناك اتصالاً بين بعض الإخوان المحيطين بالمرشد وبين الانجليز عن طريق الدكتور محمد سالم الموظف في شركة النقل والهندسة – وقد عرف البكباشي جمال من حديثه مع الأستاذ حسن العشماوي في هذا الخصوص أنه حدث اتصال فعلاً بين الأستاذ منير الدلة والأستاذ صالح أبو رقيق ممثلين عن الإخوان وبين مستر إيفانز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية وأن هذا الحدث سيعرض حينما يتقابل البكباشي جمال مع المرشد . وعندما التقي البكباشي جمال مع المرشد أظهر له استياءه من اتصال الإخوان مع الانجليز والتحدث معهم في القضية الوطنية ، الأمر الذي يدعو إلي التضارب في القول وإظهار البلاد بمظهر الانقسام .

ولما استجوب الدكتور محمد سالم عن موضوع اتصال الانجليز بالمرشد ومن حوله قال : إن القضية تبتدئ وقت أن كان وفد المباحثات المصري جالسًا يتباحث رسميًا مع الوفد البريطاني . وفي إبريل سنة 1953 اتصل به القاضي جراهام بالسفارة البريطانية وطلب منه أن يمهد مقابلة بين مستر إيفانز المستشار الشرقي بالسفارة وبعض قادة الإخوان ، وأنه أي محمد سالم أمكنه ترتيب هذه المقابلة في منزله بالمعادي بين منير دلة وصالح أبو رقيق عن الإخوان ومستر إيفانز وتناول الحديث موقف الإخوان من الحكومة ، وتباحثوا في تفاصيل القضية المصرية ورأي الإخوان وموقفهم من هذه القضية – ثم قال الدكتور سالم إنه جاء في رأي قادة الإخوان أن عودة الانجليز إلي القاعدة تكون بناء علي رأي لجنة مشكلة من المصريين والانجليز وأن الذي يقرر خطر الحرب هي هيئة الأمم المتحدة . ولعل هذا هو السبب في تمسك الانجليز بهذا الرأي الذي لم يوافق عليه الجانب المصري للمفاوضات حتى اليوم . ثم قال الدكتور سالم في اجتماع آخر مماثل في منزله أيضًا حيث طلب مستر إيفانز مقابلة المرشد فوعد منير دلة بترتيب هذا الاجتماع . وفعلاً تم في منزل المرشد . ودار في هذا الاجتماع الحديث عن القضية المصرية وموقف الإخوان منها . وذكر الدكتور محمد سالم أن مستر إيفانز دعا منير دلة وصالح أبو رقيق لتناول الشاي في منزله وقد أجابا دعوته مرتين .

9 – وفي أوائل شهر يونيه 1953 ثبت لإدارة المخابرات أن خطة الإخوان قد تحولت لبث نشاطها داخل قوات الجيش والبوليس . وكانت خطتهم في الجيش تنقسم إلي قسمين : القسم الأول : يهدف إلي عمل تنظيم سري تابع للإخوان بين صفوف الجيش . ودعوا فيما دعوا عدداً من الضباط وهم لا يعلمون أنهم من الضباط الأحرار فسايروهم في خططهم ، وكانوا يجتمعون بهم اجتماعات أسبوعية ، وكانوا يتحدثون في هذه الاجتماعات عن الإعداد لحكم الإخوان المسلمين والدعوة إلي ضم أكبر عدد من الضباط ليعملوا إمرة الإخوان وكانوا يأخذون عليهم عهدًا وميثاقًا وقسمًا أن يطيعوا ما يصدر إليهم من أوامر المرشد .

أما القسم الثاني : فكان ينحصر نشاطه في عمل تشكيلات من ضباط البوليس . وكان الغرض منها هو إخضاع نسبة كبيرة من ضباط البوليس لأوامر المرشد أيضًا . وكانوا يجتمعون في اجتماعات دورية أسبوعية ، وينحصر حديثهم في بث الحقد والكراهية بين ضباط البوليس بأنهم أحق من رجال الجيش بالحكم نظرًا لاتصالهم بالشعب . وكانوا يمنونهم بالترقيات والمناصب بعد أن يتم لهم هدفهم . وكان يتزعمهم الصاغ صلاح شادي الذي طالما ردد في اجتماعاتهم أنه وزير الداخلية المقبل .

وقسم ثالث : أطلق عليه قسم الوحدات ، وكان الغرض منه هو جمع أكبر عدد ممكن من ضباط الصف في الجيش تحت إمرة المرشد أيضًا . وكانوا يجتمعون بهم في اجتماعات سرية أسبوعية . وكان الحديث يشتمل علي بث الكراهية للضباط في نفوس ضباط الصف وإشعارهم بأنهم هم القوة الحقيقية في وحدات الجيش ، وأنهم إذا ما نجح الإخوان في الوصول إلي الحكم فسيعاملون معاملة كريمة – كما كان هذا القسم يقوم ببث الدعوة لجمع أكبر عدد من صف ضباط وجنود ليكون تحت إمرة المرشد .

ولما تجمعت هذه المعلومات لإدارة المخابرات اتصل البكباشي جمال عبد الناصر بالأستاذ حسن العشماوي باعتباره ممثلاً للمرشد وصارحه بموقف الإخوان العام ثم بموقف الإخوان في داخل الجيش وما يدبرونه في الخفاء بين قوات الجيش والبوليس وقال له : لقد أمنا لكم ولكن هذه الحوادث تظهر أنكم تدبرون أمرًا سيجني علي مصير البلاد ، ولن يستفيد منه إلا المستعمر ، وإنني أنذر أننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه التصرفات التي يجب أن توقف إيقافاً كاملاً ، ويجب أن يعلم الإخوان أن الثورة إنما أبقت عليهم بعد أن حلت جميعه الأحزاب لاعتقادها أن في بقائهم مصلحة وطنية ، فإذا ما ظهر أن في بقائهم ما يعرض البلاد للخطر فإننا لن نتردد في اتخاذ ما تمليه مصلحة البلاد مهما كانت النتائج . فوعد أن يتصل بالمرشد في هذا الأمر ولم يعد حتى الآن .

وفي اليوم التالي استدعي البكباشي جمال عبد الناصر الأستاذ خميس حميدة نائب المرشد والأستاذ سيد سابق وأبلغهما ما قاله لحسن العشماوي في اليوم السابق فأظهرا الاستياء الشديد وقالا : إنهما لا يعلمان شيئًا عن هذا وأنهما سيبحثان الأمر ويعملان علي إيقاف هذا النشاط الضار . ورغم هذا التحذير وهذا الإنذار استمر العمل حثيثًا في صفوف الجيش والبوليس ، وأصبح الكلام في الاجتماعات الدورية يأخذ طابع الصراحة وطابع الحقد ، فكانوا يقبلون الخطط في هذه الاجتماعات بحثاً عن أسلم الطرق لقلب نظام الحكم . وكان الأحرار المنبثون في هذه التشكيلات يبلغون أولاً بأول عما يدور في كل اجتماع .

10- بعد أن تعين الأستاذ الهضيبي مرشدًا للإخوان لم يأمن إلي أفراد الجهاز السري الذي كان موجودًا في وقت الشهيد حسن البنا برياسة السيد / عبد الرحمن السندي فعمل علي إبعاده معلنًا بأنه لا يوافق علي التنظيمات السرية لأنه لا سرية في الدين . ولكنه في الوقت نفسه بدأ في تكوين تنظيمات سرية جديدة تدين له بالولاء والطاعة ، بل عمد إلي التفرقة بين أفراد النظام السري القديم ليأخذ منه إلي صفه الأكبر عدد ليضمهم إلي جهازه السري الجديد – وفي هذه الظروف المريبة قتل المرحوم المهندس السيد فايز عبد المطلب بواسطة صندوق من الديناميت وصل إلي منزله علي أنه هدية من الحلوى بمناسبة عيد المولد النبوي ، وقد قتل معه بسبب الحادث شقيقه الصغير البالغ من العمر تسع سنوات وطفلة صغيرة كانت تسير تحت الشرفة التي انهارت نتيجة الانفجار . وكانت المعلومات ترد إلي المخابرات أن المقربين من المرشد يسيرون سيرًا سريعًا في سبيل تكوين جهاز سري قوي ، ويسعون في نفس الوقت إلي التخلص من المناوئين لهم من أفراد الجهاز السري القديم .

11- وكانت نتيجة ذلك أن حدث الانقسام الأخير بين الإخوان ، واحتل فريق منهم دار المركز العام . وقد حضر إلي منزل البكباشي جمال عبد الناصر بعد منتصف ليل ذلك اليوم الشيخ محمد فرغلي والأستاذ سعيد رمضان مطالبين بالتدخل ضد الفريق الآخر ومنع نشر الحادث . فقال لهم البكباشي جمال : إنه لا يستطيع منع النشر حتى لا يؤول الحادث تأويلاً ضارًا بمصلحة البلاد – أمام من جهة التدخل فهو لا يستطيع التدخل بالقوة حتى لا تتضاعف النتائج ، وحتى لا يشعر الإخوان أن الثورة تنصر فريقًا علي فريق ، وأنه يري أن يتصالح الفريقان وأن يعملا علي تصفية ما بينهما – فطلب منه الشيخ فرغلي أن يكون واسطة بين الفريقين وأن يجمعه مع الأستاذ صالح عشماوي – فطلب منه البكباشي جمال أن يعود في اليوم التالي في الساعة العاشرة صباحًا وأنه سيعمل علي أن يكون الأستاذ صالح موجودًا – وفي الموعد المحدد حضر الشيخ فرغلي ولم يمكن الاتصال بالأستاذ صالح عشماوي ، وكان الشيخ فرغلي متلهفاً علي وجود الأستاذ صالح عشماوي مما دعا البكباشي جمال أن يطلب من البوليس الحربي البحث عن الأستاذ صالح وإحضاره إلي المنزل . وتمكن البوليس الحربي في الساعة الثانية عشر من العثور علي الأستاذ صالح فحضر هو والشيخ سيد سابق إلي منزل البكباشي جمال وبدأ الطرفان يتعاتبان .. وأخيرًا اتفقا علي تشكيل لجنة يوافق علي أعضائها الأستاذ صالح للبحث فيما نسب إلي الإخوان الأربعة المفصولين علي أن لا يعتبروا مفصولين وإنما يعتبرون تحت التحقيق ، والعمل علي أن يسود السلام المؤتمر الذي كان مزمعًا عقده في دار المركز العام في عصر ذلك اليوم . ولكن لم ينفذ هذا الاتفاق .

12- وفي يوم الأحد 10 يناير 1954 ذهب الأستاذ حسن العشماوي العضو العامل بجماعة الإخوان وأخو حرم منير دلة إلي منزل مستر كروزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية ببولاق الدكرور الساعة السابعة صباحًا ثم عاد لزيارته أيضًا في نفس اليوم في مقابلة دامت من الساعة الرابعة بعد الظهر إلي الساعة الحادية عشر من مساء اليوم . وهذه الحلقة من الاتصالات بالانجليز تكمل الحلقة الأولي التي روي تفاصيلها الدكتور محمد سالم .

13- وكان آخر مظهر من مظاهر النشاط المعادي الذي قامت به جماعة الإخوان هو الاتفاق علي إقامة احتفال بذكرى المنيسي وشاهين يوم 12 الجاري في جامعتي القاهرة والإسكندرية في وقت واحد ، وأن يعملوا جهدهم لكي يظهروا بكل قوتهم في هذا اليوم ، وأن يستغلوا هذه المناسبة استغلالاً سياسيًا في صالحهم ، ويثبتوا للمسئولين أنهم قوة وأن زمام الجماعة في أيديهم وحدهم – وفعلاً تم اجتماع لهذا الغرض برياسة عبد الحكيم عابدين حضره الأستاذ حسن دوح المحامي ومحمود أبو شلوع ومصطفي البساطي من الطلبة ، واتفقوا علي أن يطالبوا من الطلبة الإخوان الاستعداد لمواجهة أي احتمال يطرأ علي الموقف خلال المؤتمر حتى يظهروا من الطلبة الإخوان الاستعداد لمواجهة أي احتمال يطرأ علي الموقف خلال المؤتمر حتى يظهروا بمظهر القوة ، وحتى لا يظهر في الجامعة أي صوت آخر غير صوتهم . وفي سبيل تحقيق هذا الغرض اتصلوا بالطلبة الشيوعيين رغم قتلتهم وتباين وجهات النظر وعقدوا معهم اتفاقًا وديًا به خلال المؤتمر .

وفي صباح 12 الجاري عقد المؤتمر وتكتل الإخوان في حرم الجامعة وسيطروا علي الميكرفون ، ووصل إلي الجامعة أفراد منظمات الشباب من طلبة المدارس الثانوية معهم ميكروفون مثبت في عربة للاحتفال بذكري الشهداء . فتحرش بعض الطلبة الإخوان وطلبوا إخراج ميكروفون منظمات الشباب . وانتظم الحفل وألقيت كلمات من مدير الجامعة والطلبة . وفجأة إذا ببعض الطلبة من الإخوان يحضرون إلي الاجتماع ومعهم نواب صفوي زعيم فدائيان إسلام في إيران حامليه علي الأكتاف ، وصعد إلي المنصة وألقي كلمة ، وإذا بطلبة الإخوان يقابلونه بهتافهم التقليدي " الله أكبر ولله الحمد " وهنا هتف طلبة منظمة الشباب " الله أكبر والعزة لمصر " فساء طلبة الإخوان أن يظهر صوت في الجامعة مع صوتهم فهاجموا الهاتفين بالكرابيج والعصي وقلبوا عربة الميكرفون وأحرقوها وأصيب البعض إصابات مختلفة ثم تفرق الجميع إلي منازلهم .

حدث كل هذا في الظلام . وظن المرشد وأعوانه أن المسئولين غافلون عن أمرهم – لذلك فنحن نعلن باسم الثورة التي تحمل أمانة أهداف هذا الشعب أن مرشد الإخوان ومن حوله قد وجهوا نشاط هذه الهيئة توجيهًا يضر بكيان الوطن ويعتدي علي حرمة الدين . ولن تسمح الثورة أن تتكرر في مصر مأساة رجعية باسم الدين . ولن تسمح لأحد أن يتلاعب بمصائر هذا البلد بشهوات خاصة مهما كانت دعواها ، ولا أن يستغل الدين في خدمة الأغراض والشهوات وستكون إجراءات الثورة حاسمة وفي ضوء النهار وأمام المصريين جميعًا والله ولي التوفيق .


الفصل الثاني : الاعتقال الأول

سأرجئ التعليق علي بيان مجلس الثورة الذي أوردته في الفصل السابق لأتحدث عن عملية الاعتقال التي لابست هذا البيان فحدثت قبيله بأيام أو معه أو بعده بأيام .

أما من ناحيتي فقد حضر إليّ في نحو الساعة العاشرة صباحًا يوم 15 يناير 1954 في مقر عملي بمحلج القناطر الخيرية ضابط بالملابس المدنية ، وأخبرني أنه مكلف باعتقالي وأنه تابع لمحافظة القليوبية التي تتبعها القناطر الخيرية . فسألته عما إذا كان من حقي أن أذهب إلي منزلي – وكان منزلي مجاورًا للمحلج – فأبدي الرجل استعدادًا كريمًا ، وصعد معي إلي حيث أسكن ، وأحضرت حقيبتي وبها بعض الملابس وأخذت معي كتابًا كنت أحبه هو شرح لحكم ابن عطاء الله السكندري ، ونزلت معه فركبنا سيارة المحافظة إلي القاهرة حيث سلمني إلي مقر قيادة البوليس الحربي الذي قام بنقلي إلي السجن الحربي . وكنا هذه المرة في مبني صغير من مباني السجن الحربي حيث وجدت مجموعة قليلة العدد من الإخوان . وكانت الأوامر تقضي بحبسنا حبسًا انفراديًا . وكان جاري في الزنزانة التي تلي زنزانتي الأخ الشيخ فرغلي ، وكان من أحب الإخوان إلي نفسي ، لأنه كان من أحب الإخوان إلي الأستاذ الإمام ، وأعتقد أنه كان من أقرب الإخوان إلي نفوس جميع الإخوان .. لأنه كان من تفانيه في دعوته لا يتكلف ولا يتصنع ولا يتشدق .. وأذكر بهذه المناسبة أنه – وهو واعظ صناعته الكلام – كان إذا دعاه الأستاذ الإمام في اجتماع من الاجتماعات إلي الكلام للتعليق علي رأي أبداه الأستاذ في اجتماع الهيئة التأسيسية ، فإنه كان يقف ولا يتكلم كأنما ارتج عليه ، حياءً من أن يعقب علي كلام أستاذه .. فيبتسم الأستاذ ابتسامة الإعجاب بحياء العلماء وأدب الفضلاء .

كنا محبوسين حبسًا انفراديًا ، ولكن كل زنزانة مزودة بسرير عليه مرتبة نظيفة ومخدة وبطانية وبمنضدة وبكرسي ، وكان الطعام الذي يقدم إلينا طعامًا نظيفاً ومتقن الطهي ، وفي أوان من الصيني ، ومع الطعام ملعقة ، وشوكة أيضًا في بعض الأحيان .. ولكن الحبس الانفرادي علي كل حال ثقيل علي النفس ومحطم للأعصاب .. وكانت الزنازين تفتح لنا أبوابها مرة أو مرتين في اليوم حيث نجدد وضوءنا .. وكانت هذه هي فرصة تلاقينا معًا . ومع أن تبادل الحديث فيما بيننا ممنوعًا إلا أننا كنت نتمكن من ذلك . وفي أول مرة فتحت الزنازين التقيت بالأخ الشيخ فرغلي فشكا إليّ ضيقه بهذا الحبس الانفرادي دون أن يكون معه شيء يتسلي فيه – ويبدو أن الضابط الذي اعتقله لم يسمح له باصطحاب شيء معه – وسألني : هل أحضرت معك كتابًا ؟ فقلت له : أحضرت معي كتاب شرح حكم ابن عطاء الله السكندري ومعي المصحف فقال : إنك طبعاً لا تستغني عن المصحف فأعطني كتاب ابن عطاء فأعطيته إياه .

وفي يوم آخر تقابلنا كالمعتاد في دورة المياه فأخبرنا الأخ الأستاذ حسن العشماوي أنه نودي عليه في الصباح . فإذا به يجد في مكتب السجن الحربي في انتظاره وكيل نيابة كان زميلاً له ، وتبين له أنه جاء لإجراء تحقيق معه ، فرحب حسن ، وفتح محضر التحقيق .. ويقول حسن : كانت أكبر مفاجأة لي أن يقول لي وكيل النيابة رسميًا :

التهمة الموجهة إليك أنك تحرز أسلحة وذخيرة قدرها كذا – وحددها – في مخبأ في عزبتكم بجهة كذا في المكان الفلاني – بالتحديد – علي عمق كذا – ووصف المكان وصفاً دقيقًا .. وبعد أن أتم وكيل النيابة توجيه التهمة قال موجهًَا الكلام للأخ حسن : فما أقوالك ؟ قال حسن : أنا ممتنع عن الإدلاء بأية أقوال وعن الإجابة علي أي سؤال حتى يحضر هنا في التحقيق جمال عبد الناصر لأنه هو الذي يعرف كل شيء عن هذه الأسلحة ويعلم قصة وجودها في هذا المكان لأنها أسلحته .

يقول صاحب هذه المذكرات إنه قد تبين لنا فيما بعد أن الصحف نشرت في يوم 18 يناير 1954 نشرت صفحاتها الأولي بخط كبير .

- ضبط 100 كيلو جلجانيت ، 15 ألف طلقة

- مستودع ملئ بالأسلحة والمواد الناسفة – العثور عليه في أملاك حسن العشماوي بالشرقية

فتشت عزبة حسن العشماوي تبع ناحية العطيف مركز ههيا شرقية فاتضح أن بها جراجًا أرضيته من التراب ، وتحت التراب ضفيرة طوب تحتها أسمنت مسلح ، وبها فتحة توصل إلي باب سرداب كانت مغطاة بالمشمع ، ووجد بداخلها أسلحة وذخائر قدرها 20 ألف جنيه .

• دلالة بعيدة لهذه الواقعة :

أنا لم أكن ممن يحسنون الظن بجمال عبد الناصر ، وكنت أعلم أنه يحاول احتواء الدعوة ، وأنه في سبيل ذبك يحيك المؤامرات ضدها وضد قيادتها – ولكن الذي لم يكن يخطر لي ببال أو حتى يلوح لي في الخيال أن يبلغ في استباحته الكذب حدًا تترفع الدناءة عن أن تكون وصفًا له .

لقد قص علينا حسن العشماوي ونحن في دورة المياه قصة هذه الأسلحة وكيف أنها هي أسلحة يملكها جمال عبد الناصر . ولما وقع حريق القاهرة خشي أن تصل إليها أيدي السلطات إذا فتشت مدرسة الأسلحة الخفيفة المخبأة بها ، وطلب من حسن العشماوي إخفاؤها عنده في عزبتهم وقام جمال عبد الناصر بنفسه برسم كيفية تشييد المخزن تحت الأرض بعمق ثلاثة أمتار ، وأشرف بنفسه علي تشييد المخزن ووضع الأسلحة فيه – مما سبق تفصيله فيما نقلناه من كتاب " الصامتون يتكلمون " علي لسان الأخ صلاح شادي . إن هذه القصة دلتني – لأول مرة – علي أن هناك رذائل تخرج عن حدود ما عهد الناس من رذائل ، فهي رذيلة تطوي بين جوانحها كل الرذائل . كما دلتني علي أن هذا الرجل جمال عبد الناصر لا يقيم وزنًا لخلق ولا لدين ولا لشرف ولا لعرف ولا ل