الإخوان المسلمون ومبارك.. من المهادنة إلى المواجهة (الجزء الرابع)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون ومبارك.. من المهادنة إلى المواجهة (الجزء الرابع)

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

باحث بمركز نهضة ميديا للدراسات والأبحاث مؤسسة إخوان ويب

مقدمة

استكمالاً للفصل السابق الذى تناول نظرة الإخوان لمبارك ونظام حكمه نستكمل هذا المبحث الذى يتناول مبارك فى صحافة الإخوان وكيفية تناول تلك الصحافة لمبارك وفترة حكمه

المبحث الثالث: مبارك فى صحافة الإخوان

تمثل صحافة الإخوان بالرغم من قلة إصداراتها خلال عهد مبارك بمثابة نقطة لالقاء الضوء على رؤية الإخوان وموقفهم من مبارك وسياسته وسنركز فى هذا المبحث على بعض ما تناولته مجلات وصحف الإخوان فى بداية الثمانينات ورؤيتها للحكم الجديد وسنكتفى هنا ببعض تلك الإشارات البسيطة من تلك الموضوعات التى تناولت مبارك وحكمه.

فتحت عنوان " مبارك فى أوربا" تقول مجلة "الدعوة المهاجرة"(1) تشير الصحف فى هذه الأيام إلى الرحلة القادمة التى ينوى فيها الرئيس حسني مبارك التوجه إلى أوروبا، فى جولة سياسية يبدو أنها تعتمد على تحقيق آماله فى السلام المنشود، فى الوقت الذى غرست اسرائيل سهمها المسموم فى الجولان لتضع مصر بين خيارين كلاهما مر.

وتضيف فى المقال نفسه" ونقولها خالصة للرئيس مبارك أما آن لنا أن نثوب وندرك أن كل تحرك بعيد عن العودة إلى أحضان الشعب وعقيدة الشعب وقوته الذاتية التى تفجرها هذه العقيدة،لا يمكن أن يصل بنا إلى الحرية المنشودة ولا إلى الجلاء المزعوم الذى زيفته إدارة اسرائيل!

عن حق الشعب فى تضميد جراحه واعادة حريته كان يلزم أن سيبق خطوات الرئيس إلى أوروبا، وخير للرئيس أن يزور بلاد الغرب ووراءه شعب حر، من أن يزورها وابناء وطنه مكبلين بالحديد.. إن ثقل وزن الرئيس ليس كامناً فى براعته ولاحكمته فى المفاوضات، بقدر ماهو كائن فى التفاف شعبه من حوله.. (2)

كما تتناول المجلة نفسها وفى عدد آخر وتحت عنوان" النظام المصرى يضع نفسه فى موقف حرج" وتتناول المجلة الوضع قبل الانتخابات البرلمانية عام 1984 فتقول" ان انتخابات حرة ونزيهة تجرى فى بلد ما لاختيار برلمان، يكون له سلطة فى مراقبة الجهاز الحاكم، وتنفيذه للقوانين واحترامه للدستورن يعنى أن تلغى أى قوانين تقيد من حريات الناس أو تنتقص من حقوقهم فى التعبير والاختيار، أو تحول دون افراد أو فئات من الشعب والترشيح لعضوية البرلمان، الاتلزم المرشحين والناخبين بنظام معين أو شكل من أشكال الحكم والسلطة يجب أن يتحركوا فى إطاره ويختاروا فى ظلاله.

ويضيف كاتب المقال" ان المعلومات المتوفرة كلها تقول وتؤكد:

  1. ان هناك قانونا للطوارئ مازال معمولاً به فى مصر مد النظام الحاكم أجله لعام ثالث عن طريق مجلس الشعب الذى وافق عليه رغم معارضة شعبية عامه له ورغم معارضة جميع الأحزاب والهيئات الموجودة فى مصر والتى سمح لها النظام بالعمل السياسى
  2. قد لجأ النظام الحاكم إلى استصدار قانون جديد للانتخابات على طريقة القائمة النسبية قسم الجمهورية إلى 48 دائرة يقوم كل حزب بترشيح قائمته فى كل دائرة منها ويقوم الناخبون باختيار القائمة التى يفضلونها، ثم تقسم المقاعد المخصصة لكل دائرة حسب نسبة الأصوات التى حصلت عليها القوائم الحزبية، والقانون الجديد لايسمح بالترشيح للانتخابات إلا للمنضمين للأحزاب، وهذا النص فى القانون الجديد قصد منه قفل الباب أمام طائفتين أو صنفين من المرشحين:
الطائفة الأولى وهم الإخوان المسلمون والجماعات الدينية التى حظر النظام نشاطها منذ 1954 حتى الان ويتعقبها بالتضييق والاعتقال والسجن والتعذيب والتنكيل
الطائفة الثانية هم المستقلون أو العناصر النادرة التى استطاعت أن تعبر حواجز وعقبات النظام فى الانتخابات الماضية. (3)

كما تناولت المجلة فى نفس العدد تعليق على بعض وعود الرئيس مبارك فقالت تحت عنوان " تعليق على وعود الرئيس بالجوع والبطالة والارهاب"

" انتهت مؤخراً جلسات مؤتمر السكان الذى استمر منعقداً طوال عامين لبحث مشكلة السكان فى مصر، وإيجاد حلول لها بخطاب ذكر فيه الرئيس مبارك بانه يتوقع حالة من الجوع الشديد والبطالة والإرهاب اذا لم يتوقف الارتفاع الكبير فى معدل المواليد فى مصر والذى يبلغ مليون فرد كل عشرة أشهر يضافون الى تعداد السكان البالغ الآن 47 مليون.
وبلغة الأرقام ذكر الرئيس أن معدل النمو السكانى فى مصر قد ارتفع من 1,5% فى مطلع القرن العشرين الى 2,7% حالياَ، وركز الرئيس على أن المشكلة لاتقتصر على الزيادة العددية فحسب بل إنها تمتد إلى الاخلال بالتوازن فى التوزيع السكانى بسبب تدفق الهجرة من الريف إلى المدن حتى أن القاهرة والجيزة وحدهما يستأثران بنحو 40 % من المهاجرين سنوياً وهذا أدى الى تزايد سكان القاهرة من 6 ملايين نسمة عام 1966 الى 11 مليوناً الآن ويمكن أن يصل إلى 18 مليون فى نهاية القرن.
وابتداءا فان النظام يعتمد فى وجهة نظره على المعادلات الاقتصادية والمحاسبية فحسب، ولكن اعتماد التاريخ أيضاً فى تقييم هذا الأمر يؤكد الشك فى صحة هذه المعادلات وصدق توجهاتها، ويظهر أن أسباب الخلل القائم حالياً لاترجع إلى عوامل اقتصادية مجردة كمايريد ان يؤكد النظام، وليس فى الأمر مبالغة أو تهويل فقد روى الجبرتى أن مصر شهدت مجاعة فى مطلع القرن التاسع عشر وكان سكانها فى هذا الوقت لايتعدون 2,5مليون نسمة، فى حين أن مساحة الأرض المنزرعة أو القابلة للزراعة هى نفس المساحة الموجودة الآن!!
كما يشهد تاريخ مصر أن رفاهية شعبها وتوفر سبل العيش له على أرض كان محكوما دائماً بالنظم السياسية وأسلوب ممارساتها، وأسس توزيع الدخل وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية على أرضها.
تقول دراسة أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى مصر أن 34 % من مجموع الأسر المصرية تحصل على 11% من مجموع الدخل القومى بينما يحصل خمسه % من مجموع هذه الأسر على 22% من الدخل القومى.
ويذكر التاريخ أن من أسباب انقلاب 1952 المعلنة هو الاعتراض على مجتمع النصف بالمائة الذى كان يستأثر بمعظم مقدرات مصر، ومع مراعاة النسبة العددية للشعب فى 1952،1984 فان السؤال الذى يطرح نفسه وبالحاح هو.. هل اختلفت الصورة الآن بعد هذه التجرية المريرة ..
والجواب لايحتاج إلى ايضاح.. ولكن الذى يحتاج إلى ايضاح الآن .. لماذا هو الاستمرار على نفس النهج والاصرار على تجاهل السلبيات وأثرها الممتد فى الحاضر والمستقبل..!!ولسنا بنابشى قبور.. ولايهمنا فى قليل أو كثير إدانة شخص أو إدانة عهد أو اثبات سقوط مرحلة الشعارات التى لم تقم على مضمون..
وأيضاً فلن نتهم بالنيات ولكن لأن الأمر يتعلق بالوطن والشعب وحريتهما واستقلال إرادتهما.. فاننا لانستطيع أن نغمض أعيننا وان نطالب الآخرين بأن يوافقوا على ذلك.. ولابد من وقفة محاسبة ومراجعة وتقييم وتصحيح.. بعيداً عن تعالى السلطة واستئثارها باتخاذ القرار.. فى ظل سلطات استثنائية تجرم بها من تشاء وتمنع بها من تشاء، وتسفه بها آراء المختصين والدارسين.. ولتفرض بها من جديد أسلوب فضل أهل الثقة على أهل الخبرة. (4)

كما تناولت مجلة الدعوة أحداث كفر الدوار (5) وموقف نظام مبارك منها وآلية التعامل معها فكتبت تقول تحت عنوان"أحداث كفر الدوار وسقوط شعارات النظام":

فجأة وقبل أن تستطيع أجهزة الأمن تطبيق نظريتها الجديدة في أجهاض الحركات المناوئة، اندلعت المظاهرات في كفر الدوار احدى القلاع القديمة للصناعة في مصر برغم وجود قانون الطوارئ وعلم السلطة المسبق (كما ادعى وزير الداخلية) بنية البعض القيام بمظاهرات احتجاجا على قانون التأمينات الجديد وإلغاء الدعم على الخبز والدقيق و40 سلعة شعبية أخرى.

وللانصاف فنحن نشك كثيرا في تصريح وزير الداخلية الذي أدعى فيه أن أحداث مدينة كفر الدوار لم تكن مفاجئة لقوات الشرطة، إذ أنه لو صح هذا الادعاء لكانت أجهزة الأمن هي المسئولة عن كل تخريب حدث وعن دم القتيل الذي صرعته رصاصا الشرطة وعن الاصابات التي حدثت بين صفوف الشرطة والجماهير والاتهام بالتقصير هنا هو أهون من أن تكون الحقيقة (إذا صح كلام وزير الداخلية) هي أن أجهزة الأمن قد تركت الأمور تسير بالصورة التي حدثت لتحقق من ورائها أغراضا الله وحده هو العليم بها.

وفي الحقيقة فقد اعادت احداث كفر الدوار إلى ذاكرة الحكومة والشعب في مصر أحداث الانتفاضة التي وصفها السادات في حينها بأنها "انتفاضة الحرامية" والتي حدثت لنفس الأسباب أثر الاعلان عن بعض الزيادات في أسعار المواد الغذائية.

والغريب أن هذه الأحداث قد أعقبت مباشرة الاعلان عن تجديد قانون الطوارئ الذي استصدرته الحكومة من مجلس الشعب وبصورة فيها مخالفة كبيرة لإجراءات المجلس إلا أن اندلاع أحداث كفر الدوار وتحسب أجهزة الأمن لاندلاعات أخرى في أكثر من مكان قد أسقط بصورة هزلية حجة الحكومة في التستر وراء قانون الطوارئ وتمسكها به ولولا عناية الله ثم التدخل الصريح والسريع للرئيس مبارك بالتراجع عن الزيادات التي أعلنتها حكومته لتجاوزت الأحداث كفر الدوار ولأخذت منحى جديدا كان كفيلا بالقضاء على البقية الباقية من رموز الاقتصاد والحياة في مصر.

كما تناول الكاتب فى نفس المقال التشكيل الوزارى الذى أجراه مبارك فيقول:

التشكيل الوزاري الأخير في مصر والذي رأسه السيد كمال حسن علي ما كان يجب أن يمر دون تحليل ودراسة، فقد رأى فيه البعض ملامح تغيير في الأساليب والسياسة والاتجاهات، واعتبره آخرون مجرد تغيير في الأشخاص مع ثبات المبادئ إن كان هناك ثم واعتبره آخرون مجرد تعديل وزاري تم فيه إخراج عدد من الأشخاص من الوزارة واحلال آخرين مكانهم أو تعديل مواقع بعض الوزراء أو الغاء بعض الوزارات أو دمجها.

وقبل أي مناقشة يجدر بنا أن نتسائل عن معنى التغيير، وبالذات ذلك التغيير الذي نادت ومازالت تنادي به جماهير الشعب المصري طوال فترة الحكم العسكري الذي بدأ سنة 1952 ومازال مهيمنا على الأوضاع والعباد حتى الآن هل هو مجرد تغيير أشخاص واحلال آخرين؟ أو مجرد تبديل الحزب الوطني بحزب آخر أو مجرد ازاحة رئيس للوزارة واحلال آخر؟

لقد نادت جماهير الشعب طوال هذه السنوات- فترة الحكم الناصري- وفترة حكم السادات ومنذ أن بدأت فترة حكم حسني مبارك بضرورة احداث تغييرات اساسية وشاملة في أساليب الحكم وأهدافه وغاياته وضرورة انضباطه بأسس وقواعد مستمدة من هوية البلد واصالته تضبط الأساليب وتحدد الأهداف والغايات وتضبط المسار وتضبط الأشخاص مرؤسين وتكفل للشعب حرياته، وأمنه وسلامته واستقراره، وتوفر له أنسب المستويات المعيشية وتضمن له أفضل الخطط والتخطيط لاستغلال موارده صالحه؛

وتحقق له استقلاله الاقتصادي والسياسي وتعيد لمصر دورها القيادي عربيا واسلاميا، وتعود بها إلى دورها الجهادي من أجل وحدة العرب والمسلمين، واجلاء الدخيل الغاصب وتحرير الأرض المغتصبة دون تفريط في شبر أو مساومات شبر تغييرات تقضي على الفساد الذي استفحل، والخلل الذي استشرى وتعود بالجيش إلى ثكاناته وتقوده إلى دوره الحقيقي وتلزم العسكريين وصفهم الصحيح ومكانهم الطبيعي وتلجم أجهزة الأمن والتخابر فتلزمها حدودها، وتعرفها مهمتها الحقيقية لتكون في خدمة الشعب وأمنه، بدلا من إلهاب بالسياط ظهور أبنائه، وحشدهم في السجون والمعتقلات وتلفيق القضايا واعداد الأحكام في محاكمات استثنائية صورية.

إلا أنه يبدو أن كل ما قيل عن التغييرات طوال هذه السنوات وخاصة فيما قبل مصرع السادات وما بعده وحتى التشكيل الوزاري الأخير برئاسة كمال حسن علي لم يكن إلا مجرد أماني وآمال ربما تعدت نطاق القلوب والصدور لتسجل على أوراق بعض الصحف دون أن تأخذ طريقا إلى أذهان أو افهام السادة المسئولين ودون تحريك ادنى اهتمام لديهم،بل مضوا على نفس الاتجاه ونفس السياسة،ولم يعد الأمر أن يكون احلال اكثر من عشرة وزراء جدد مكان القدامى ونقل وزير من وزراء لتسكينه في وزارة أخرى وان كان هناك ثمة ما يستحق الملاحظة فهو ركن السيد حسن ابو باشا على رف البلديات واحلال السيد أحمد رشدي مدير المباحث مكانه.(6)

كما تناولت المجلة نفسها سياسة تغيير الوزرات دونما تغيير حقيقى فى السياسات والنهج الذى تنتهجه تلك الحكومات المتعاقبة فكان تغيير الوزارات مجرد تغيير لأشخاص مع الابقاء على نفس السياسيت والنهج سواء على الصعيدين السياسى والاقتصادى فكتبت تقول تحت عنوان" النظام الحاكم في مصر ولعبة التغيير والتبديل":

قال الرئيس المصري في خطابة لعلي لطفي يكلفه بتأليف الوزارة الجديدة إثرتنحية كمال حسن علي:

إن المطلوب من وزارة علي لطفي أن تعيد بناء الاقتصاد على أسس ثابته، وأن تعمل على زيادة الانتاج، وتطوير الخدمات وأن تعيد بناء المرافق التي مضى عليها عشرات السنين دونما تجديد أو إصلاح وأن تبني سياستها على أساس العدالية في توزيع الدخل والأعباء، وأن تسير بخطى واسعة لتحقيق التنمية الاقتصادية وأن ترفع كل القيود أمام الانتاج، وألا تزيد الأعباء على الفئات ذات الدخل المحدود، وأن تضع نظاما محكما للسيطرة على الأسعار، وتنهض بمستوى الثقافة.

وفي لقاءاته مع لجان الحزب الوطني الذي يرأسه أعلن الرئيس أن وزارة علي لطفي على أنقاض وزارة كمال حسن علي تعني مرحلة جديدة من الجهد والعمل في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما طالب بضرورة دعم الرقابة الشعبية إلى جانب رقابة الأجهزة الحكومية لمواجهة الجشع، على أن يؤدي الحزب دوره في تشجيع إنشاء جمعيات لتوزيع الخضر والفاكهة لكسر حاجز الاحتكار.

وأيضا طالب الرئيس الحكومة برئاسة علي لطفي أن تلك في اتخاذ القرارات أسلوب النزول إلى أرض الواقع، مع البعد عن قرارات الغرف المغلقة التي تشوبها غالبا السلبيات وأن يكون الانجاز هو المعيار الحقيقي للتقويم الصادق والواقعي وعلى الوزراء والمسئولين حين يتحدثون للمواطن أن يكون الحديث عن انجاز يوجد على أرض الواقع والتنفيذ وليس على أرض الأمال البعيدة، وأن تلتزم بالأولويات الواردة في الخطة مع الالتزام بالموازنة العامة دون إضافات وأن تحدث تغييرا في المؤسسات التعليمية والدور التعليمي التربوي مع الإصلاح الإداري الذي يجب أن يلمسه المواطنون.

اضافة إلى كل هذا أعلن السيد صفوت الشريف وزير الاعلام المصري عقب تأليف وزارة علي لطفي أن الرئيس حسني مبارك أكد خلال اجتماعاته الأولى مع الوزارة الجديدة أن العمل الوطني "هو تكليف بتحميل المسئولية في مرحلة مهمة وصعبة من مراحل العمل تتطلب أكبر عطاء وبذل كل جهد لمواجهة قضايا الوطن في ظروف معقدة وقضايا ملحة يعاني منها المجتمع.

كما أعلن الأهرام لسان حال الحكم الرسمي "أن تشكيل حكومة علي لطفي يستهدف دفعة لإصلاح المسار الاقتصادي ودفعه في مجال التنفيذ لحلول المشاكل الاقتصادية ومواجهة النقص في موارد النقد الأجنبي".

إن ما قاله الرئيس المصري ووزير إعلامه وصحيفته الرسمية يعني أن النظام العسكري في مصر والذي يمارس السلطة منذ انقلاب 1952 وحتى اليوم قد أعلن الإفلاس وحكم على نفسه بالعجز وأدان نفسه بتهم الإفساد والتخريب والضحك على ذقون الجماهير باطلاق التصريحات الجوفاء والتحليق بها في أجواء الخيال والأحلام والأماني الكاذبة. (7)

كما تناولت مجلة لواء الاسلام فى أحد أعدادها تعقيب على خطاب مبارك بمناسبة المولد النبوى الشريف والذى دعا فيه الى الحوار وبعض المفاهيم المتعلقة بالفكر الاسلامى والمجتمع المسلم وقد تناول الأستاذ محمد حامد أبو النصر " المرشد العام حينها" هذا الخطاب تحت عنوان "قراءة فى خطاب رئيس الجمهورية فى ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم"

خطاب رئيس الجمهورية في الاحتفال بذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام يستدعي اكثر من وقفة للدراسة وإمعان الفكر والنظر المستوى الرسمي والمستوى الشعبي، وفيما يتصل بالعديد من المجالات التي جاء تناوله لأكثر من خلال رؤية تفتح ولا شك أكثر من باب للالتقاء على معالم بارزة إذا صح العزم واستقامت الأفهام فالالتقاء على المعالم يتبعه ولا شك التقاء على السبل والغايات كما أنه من الخطر أن تغيب هذه المعالم البارزة عن الأذهان أو تنصرف عنها الأذهان.

" والاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن أولى الناس به يجسد المعالم المضيئة التي أرساها صاحب الذكرى العطره وسار على هديها أجيال السلف الصالح فحققت حضارة شامخة وأقامت دولة عظيمة"
" وأوجب الواجبات في عصرنا اذا أراد الناس الانتفاع بالذكرى أن يتبعوا هديه صلى الله عليه وسلم ويقتدوا به في مواقفه ويسيرواعلى نور نهجه ففي ذلك العلاجلكافة الأدواء وما أصابنا من اسقام"

ويعني ذلك تصحيح المفاهيم خاطئة حصرت الاحتفال بذكرى المولد أو ذكرى غزوة من الغزوات أو مناسبة من المناسبات الإسلامية في إطار الخطب الرنانة ورفع الرايات وقرع الطبول والوقوف عند القشور والمظاهر دون الغوص وراء القيم والمعالم والزام النفوس بأداء الفرائض والواجبات مع اتباع السنن والاقتداء بالسلف الصالح.

"وإذا كان من أسوأ ما يعاني منه المسلمون الآن بقايا الروح القبلية" فإنها قد أودت بنا إلى التشرذم التفرق والتحوصل حول رايات الطائفيات والقوميات ثم التصارع والتصادم بل والحرب داخل الجسد الواحد وعلى الساحة والواحدة مما يعثرإمكانات الأمة وأهدار قواها ومهد السبيل أمام قوى الشر والعدوان وفي مقدمتها بنو يهود كي تعمق الجذور في أرضنا وتمارس أقسى وأبشع الممارسات إزاء أهلينا وإخواتنا فإن العلاج ولاشك يكون في إعادة "الوحدة لهذه الأمه لتعلوا كلمتها وتسترد حقوقها وتتضاعف قوتها وتحرر أرضها" من كل دنس يهودي أو صليبي أو شيوعي ملحد ولا شك أن الوحدة القوية المتينة على أساس من الإسلام شرعه ومنهاجا لأنها الوحدة التي تحالف ويحالفها النجاح والتوفيق ويكون لها البقاء والازدهار.

فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وكافة التجارب الوحدوية إن جازت التسمية قد إنهارت على ساحتنا سواء كانت على أساسمن المستورد أو شعارات أو مذهبا.

وإذا كانت كل المؤسسات والهيئات والمنظمات مدعوة – من خلال خطاب" رئيس الجمهورية" للاتصال والحوار والدراسة وعلى الفور لتشخيص الداء ووصف الدواء كى يتحمل كل مسئوليته لأن الكل مسئولون عن الأوضاع غير المرضية التى يعانى منها المجتمع المسلم اليوم وهى دعوة انتظرناها بالأمس قبل اليوم فإن الحوار حول الداء والدواء ليكون مضمون النتائج والايجابيات يقتضى أن ترفع كل القيود من طريق العمل الإسلامى. (8)

نكتفى بهذا الجزء من تناول صحافة الإخوان لمبارك والتى ربما يكون هناك بحث مستقل خاص بها يتناولها بمزيد من التفصيل والايضاح

الفصل الخامس:استراتجيات العلاقة بين الإخوان ومبارك

كانت العلاقة بين الإخوان ونظام مبارك بمثابة لعبة " القط والفأر" فكل طرف يحاول أن يرهق الطرف الآخر بأقصى صورة حتى يحقق هو بعض المكاسب على حساب الطرف الآخر وقبل أن نخوض فى مسارات العلاقة بين الطرفين سنحاول استجلاء وإيضاح المحددات الرئيسية لاستراتيجيات كل طرف فى تعامله مع الآخر.

المبحث الأول: إستراتيجية النظام الحاكم تجاه حركة الإخوان المسلمين

اعتمد نظام مبارك على عدد من الآليات والوسائل لمواجهة وتحجيم جماعة الإخوان المسلمين وسنكتفى هنا باجتزاء جزء من أحد الأوراق الداخلية الخاصة بالجماعة والتى أوضحت فيها استراتيجية النظام الحاكم تجاه الإخوان المسلمين وتقول الورقة:

لا يمكن فهم الاستراتيجية دون فهم الفلسفة الفكرية الكامنة خلفها والمنطلقات التي تنطلق منها فنظام مبارك وهو في ذلك يمثل امتدادا لنظامي عبد الناصر والسادات يعتمد العلمانية عمليا أساسا لحكمه , وهو يسعي إلى إبعاد الدين عن مجال التأثير في واقع السلطة وحتى واقع المجتمع وفق خطة متدرجة تعتمد على أجهزة الإعلام.

بالإضافة إلى التعليم وعبر السيطرة على الأداة التشريعية .. وهو في هذا الصدد يلقي بثقله في صف " التغريب " بكافة مدارسة حتى الشاذة منها وفي سبيل تحقيق ذلك تم محاصرة " الدين وعزله تدريجيا عن توجيه مجالات الحياة في المجتمع المصري وحتى " الرموز الدينية " فإن النظام كثيرا ما يورطها في تأييد قضايا معينة تؤدي في التحليل الأخير إلى تحقيق غايات علمانية ....

ومن هنا فإن إستراتيجية النظام تجاه الجماعة والحركة هي " الحصار والتحجيم كمقدمة للتطويق والاستئصال " ... والنظام يرمي من وراء تطبيق هذه الاستراتيجية إلى تحقيق عدة أهداف أساسية:

  1. التمسك بالسلطة السياسية وبالبقاء في مقاعد الحكم لأطول فترة ممكنة دون حدوث أى تهديد جدي حقيقي لهيمنته وانفراده ..
  2. إبعاد أية حركة شعبية عن مجرد التفكير و" الأمل" في الحصول على نصيب عادل من السلطة وتحقيق أهدافها .
  3. منع الحركة الإسلامية من التجدر الشعبي ووجود جمهور حقيقي لها في كافة طبقات الشعب المصري ومحاولة حصارها اجتماعيا .
  4. وضع خطوط حمر للحركة الإسلامية لا ينبغي لها أن تقترب منها بأي شكل من الأشكال ... تمثل قيودا حقيقية على حركتها وانتشارها .
  5. إعطاء "المثل" و"النموذج" الدول أخري في المنطقة العربية في كيفية التعامل مع الحركة الإسلامية فيها وتقديم "العون" بهذا الصدد على كافة المستويات.
  6. إرضاء " الكيان الصهيوني " بصدد ما يطلق عليه مسار التسوية السياسية هذا النظام الذي يعد من أولي أولوياته " محاربة الأصولية الإسلامية " ويدعو كافة الأنظمة في المنطقة إلى التعاون معه في هذا الصدد .
  7. البرهنة للقيادة الأمريكية في البيت الأبيض أن الأمور كلها ما زالت تحت السيطرة وأن المصالح الأمريكية في مصر بل في المنطقة كلها ايضا لن تتعرض لأى خطر يذكر .. وأن التخطيط في إطار هذه الاستراتيجية يسير بدرجة نجاح كبيرة بل مذهلة أيضا ف يغالب الأحيان ... ولتحقيق ذلك كما قلنا , يلجأ إلى عدد من الأدوات والمسالك نذكر منها على سبيل المثال:

(1) الأداة التشريعية والقانونية

كما سبق أن رأينا لجأ النظام في مواجهة الجماعة إلى هذا السلاح باعتباره السهل فمن إنكار " مشروعية الجماعة " إلى " تجريم أية أنشطة" تقوم بها مهما كانت في إطار اللوائح ... إلى فرض أحكام الطوارئ وسن تشريعات مستمرة كمدخل لمواجهة الجماعة ... مما يشكل " انحرافا تشريعيا " حقيقيا .. ولا حاجة لنا إلى مزيد من التفصيل

(2) الأداة الأمنية

يلجأ النظام في مواجهة الإخوان إلى سياسة " الضربات الأمنية الإجهاضية وفق خطة معينة موضوعية على فترات زمنية محددة كما سبق أن راينا إلا أننا يجب أن نتوقف بصدد هذه الأداة أمام سؤالين يطرحان بإلحاح هما:

  1. هل يلجأ النظام المصري إلى ضربة شاملة لحركة الإخوان .... على غرار الضربتين الشاملتين السابقتين في العامين 1945 , 1965؟
  2. ما هي محصلة الهجمة الأمنية بوجه عام أو ما هو تقييمنا لدور هذه الأداة في التعامل مع الإخوان المسلمين في الفترة الأخيرة ..؟

- في الإجابة عن التساؤل الأول

حول مدي إمكانية توجيه ضربة شاملة إلى الإخوان المسلمين في مصر ؟ لا يمكن التنبؤ بذلك إلا في ضوء معرفة النقاط التالية:

(أ‌) طبيعة أو شخصية القيادة السياسية

بداية تختصر القيادة السياسية في الحالة المصرية في شخص الرئيس مبارك وبتعبيره الشخصي " كل الخطر بين يديه " وبالتالي فإن " كل الأمور واضحة أمامه " وهو بصدد اتخاذ أى قرار .

وبالتالي فإن معرفة طبيعته وشخصيته تعد المقدمة الحقيقية لمعرفة كيفية اتخاذه قرارته ... وهل إمكانياته تؤهله لاتخاذ قرارات مصيرية أو حيوية أم لا ؟

تقول إحدي الدراسات حول الموضوع إن شخصيته مترددة وغير حاسمة وتميل إلى الحلول الوسط وإلى تأجيل لما شكل وترحيلها والتجزئة في مواجهتها والبت فيها .. ويقولون إن تلك خصائص لصيقة به من النشأة والتربية العسكرية .. وإنه لا يتحرك لاتخاذ قرارات حيوية إلا حين يشعر أن وجوده هو ذاته أو مركزه قد يتعرض لتهديد حقيقي وخطير . ووفقا لهذا التحليل يستبعدون إمكانية إقدامه على اتخاذ قرار من هذا النوع ..

(ب‌) المراهنة على نجاح سياسة الإصلاح الاقتصادي

إن نظام مبارك يراهن على نجاح سياسة الإصلاح الاقتصادي في حل كثير من المشاكل التي يعانيها المجتمع المصري ويعتقد أن المشاكل الاقتصادية هي أحد أسباب ازدهار الحركة الإسلامية وأن معالجة هذه المشاكل هو ضرب للحركة في جذورها واصولها .

(ج) المراهنة على تفكيك حركة الإخوان

إن نظام مبارك يراهن على تفكيك الجماعة وإشغالها بقضايا وجودها , وتأمين ذاتها ... من خلال الضربات بين الحركة والأنظمة ... بالإضافة إلى خلق الانشقاقات داخل جسد الحركة وتشويهها ولعا مسألة الوسط الأخير من أقوي الدلائل على ذلك .

(د) السماح بوجود هامش لجماعة الإخوان المسلمين

إن النظام يسمح موضوعيا بوجود هامش لجماعة الإخوان المسلمين لا يؤثر في سير الواقع بدرجة ملموسة فالإجابة إذن عن هذا التساؤل هي أن النظام لا يمكن أن يقدم على ضربة شاملة على الأقل في ظل الظروف الحالية ..

أما في الإجابة عن التساؤل الثاني وتقييم مدي نجاح الضربات الأمنية الإجهاضية ...؟ فنلاحظ:

  1. إن أهم أوجه نجاح هذه الضربات يتمثل في الكم الهائل من المعلومات الذي حصلت عليها الأجهزة الأمنية من الإخوان بداية من قضية " سلسبيل " وحتى الآن... على حد تعبير البعض " فإن الأمن قد اكتشف معظم كوادر الإخوان والقيادات الوسطي ولديه معلومات تكفي على الأقل لمدة عشر سنوات مستقبلا ".
  2. الوجه الآخر للقضية أن جهاز الأمن متأكد الآن نتيجة ما اكتشفه من أوراق وما أجراه من تحقيقات من عدم وجود سلاح أو اختراق في المؤسسات الحساسة التي يخشي من اختراقها .. ولعل ذلك يبرز عدم استخدام العنف مع قيادات الإخوان عند اعتقالهم او التحقيق معهم في الآونة الأخيرة ..

(3) الأداة الاتصالية والدعائية

قام النظام الحاكم في الفترة الماضية باستخدام كافة أدوات ووسائل الاتصال ( إذاعة صحافة , تلفاز , سينما , مسرح) وكذلك النظام التعليمي الخاضع له أساسا عبر سياسيتين متكاملتين في مواجهة الجماعة:

(أ) سياسة التشويه والتخريب

هي عبارة عن عمليات لهدم صورة معينة ذات طابع إيجابي لدي المجتمع عن الجماعة هذا من ناحية ومن ناحية أخري إرساء مجموعة من الإجراءات المتتالية لبناء ورسم صورة مخالفة ومناقضة للواقع الموضوعي ومحاولة غرسها وتسريبها إلى الوعي الجماعي لأفراد المجتمع العاديين عن الجماعة والحركة الإسلامية .

(ب‌) سياسة تجفيف المنابع

تتجه هذه السياسة إلى الفريق المتدين في المجتمع الذي يمثل رصيد الجماعة والجماعة مستقبلها فتحرمها منه وتضربها به وهي تأخذ في مصر مسمي " إصلاح وتطوير النظام التعليمي " وتحديثه " وفي هذا الإطار تتم إعادة صياغة المناهج ومحاصرة كافة رموز الوجود الإسلامي في التعليم بالطبع ينقصنا كجماعة وحركة إسلامية أمران على درجة عالية من الأهمية:

  1. دراسة واقعية عملية تقيس مقدار ما أحدثه التشويه الإعلامي والسياسي على صورة وواقع لحركة الإسلامية في المجتمع .
  2. اعتماد خطة عملية وعلمية في آن معا وذلك لمواجهة " سياسات تجفيف المنابع خاصة في المجال التعليمي لما له من آثار خطيرة في المستقبل بالنسبة إلى الحركة والجماعة. (9)

المبحث الثانى :استراتيجيات العمل الإخوانى فى عهد مبارك

دشنت جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة مبارك عدد من الوسائل والآليات التى تبدو أنها جديدة ولكنها فى حقيقة الأمر استمرار لنفس الأفكار والوسائل التى طرحها الإمام البنا لمواجهة حالات التضييق والتجميد التى مارسها النظام ضد الإخوان على فترات متقاربة وبوسائل مغايره.

فقد رسمت جماعة الإخوان ملامح وآليات جديدة لتحقيق أهدافها بما يتناسب مع حجم الضغوط التى يمارسها النظام ضد الجماعة بما لا يخل بمنظومة الجماعة وتحقيق أهدافها ومخططاتها والتى كانت تتغير وفقاً للمستجدات الأمنية والمجتمعية، فتملك الجماعة قدرة كبيرة على تغيير وتطوير خططها وفقاً للفضاءات المتاحة، فقد انتهجت جماعة الإخوان عدد من الآليات والاستراتيجيات لتحقيق الانتشار المجتمعى.

ويمكن استنتاج الاستراتيجية العامة للجماعة خلال تلك الفترة من خلال مقولة الأستاذ مصطفى مشهور فيقول مشهور:

"أصبحت نشاطاتنا معروفة بسبب زيادة نشاطنا العام ولأننا أصبحنا منفتحين على قطاعات المجتمع من خلال الجبهات المؤثرة مثل النقابات والاتحادات والجمعيات الشعبية والمجالس المحلية وأصبح المجتمع على دراية بهذا النشاط وبنوايانا المخلصة في السعي إلى إرضاء الله عبر إفادة الناس، وقد مكنتنا هذه النشاطات من تحقيق توسع كبير وأدت إلى ظهور رموز وشخصيات "عامة" يمكن للناس التعرف علينا من خلالها،كما أثمرت هذه النشاطات عن امتلاكنا لشرعية سياسية لايمكن أن يشكك فيها أحد، ويتعين المحافظة على هذه الشرعية وتعميقها بالشرعية الاجتماعية ويمكن تحقيق ذلك من خلال مزيد من الاندماج مع القطاعات الحيوية فى المجتمع". (10)

والتزمت الجماعة فى نهجها واستراتيجيتها بمحددين رئيسيين من محددات سياستها إزاء العمل على وهما:

المحدد الأول: الدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، التى تعتمد الحوار مرتكزاً على الحجة والبينة مستمدين من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وقد تمكنت الجماعة من خلال هذا الأسلوب الدعوى الملتزم أن تصل إلى الساحات العديدة، والمواقع الكثيرة والتجمعات المختلفة وأن تكسب ثقة والتفاف العديد من القوى والنخب حولها.
المحدد الثانى: تجنب الصدام مادام الأمر فى حدود الفروع، ولايصل إلى مستوى المبدئيات وقد نجحت الجماعة فى تفويت الفرصة على النظام الذى يتسم بالحمق والجهل وقصر النظر حيث سعى فى أكثر من موقف لجر الإخوان إلى صدام، أو دفع الإخوان للخروج عن نهجهم الدعوى بل ووصل إلى مستوى محاولة تلفيق الاتهامات لهم بإحراز الأسلحة ودعم الارهاب والتخطيط لقلب نظام الحكم، ولعل أسلوب النظام فى قيام أجهزته باعتقال مجموعة من الإخوان على فترات يفضح نياته وسياساته وموقفه من الإخوان. (11)

وإجمالاً نستطيع رصد بعض الآليات والأسس التى انتهجتها جماعة الإخوان خلال فترة مبارك فى النقاط الآتية:

الآلية الأولى: التركيز على القضايا الصغرى والمحدودة فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، نجد ان الجماعة منذ بدايتها سعت للتصدى لإصلاح أحوال الفلاحين والعمال والطلبة والموظفين والدفاع عن حقوقهم وتبنى مشكلاتهم والعمل على حلها، فعلى صعيد القضايا العامة نشطت الجماعة فى سبيل حماية حقوق العمال فى مواجهة الاستغلال والقهر الرأسمالى والأجنبى ، الأمر الذى دفع بعض الباحثين للقول بأن العمال قد لعبوا دوراً بارزاً فى توسيع وتنامى قاعدة العضوية والتأييد للجماعة.
الآلية الثانية: التركيز على مدخل الخدمات، فخلال فترة الثمانينات والتسعينيات احتلت آلية التركيز على حل المشكلات الصغرى والمحدودة المرتبطة بالواقع الإقتصادى والاجتماعى للمواطنين،فقد احتل "مدخل الخدمات" الاقتصادية والاجتماعية واحداً من أهم المداخل التى عن طريقها دخل الإخوان من بوابة النقابات المهنية بوصفها من أهم مؤسسات المجتمع المدنى فى مصر على الاطلاق،
فمع اختلاف التركيبة العمرية للأعضاء نتيجة لتزايد حجم العضوية التى شكلت وفقاً لبعض الدراسات نحو(40%) من الأعضاء ومع تزايد الضغوط على قدرات النقابات، وظهور موجات الغلاء وارتفاع الأسعار واتباع السياسات الانكماشية، وتراجع الدور الاجتماعى للدولة، أدرك الإخوان أهمية هذه الظروف فاحتلت المطالب الاجتماعية والاقتصادية ركناً أساسياً فى استراتجيتهم للعمل داخل النقابات وراحوا يخاطبون المشكلات الإقتصادية والاجتماعية للأعضاء.
الآلية الثالثة: التدرج والتنوع فى مستويات الحركة والنشاط، فقد سعت جماعة الإخوان الى تطبيق آلية التدرج والتنوع فى مستويات الحركة والنشاط بدءاً من الإرشاد الدينى والنصح والوعظ داخل المساجد والزوايا أو التزامن بين الأنماط المحتلفة.
ففى الثمانينات والتسعينيات قد دأبت الجماعة على الأخذ بهذه الآلية وسعت بكافة السبل للحفاظ على مبدأ تدريجية العمل ومرحلية النشاط وعدم السعى فوق الواقع المستهدف تغييره أو قدرات النشطاء القائمين بعملية التغيير فلم تسع الجماعة لإستعداء الدولة أو التحرش بها، وعندما مارست الجماعة معارضة النظام لم تتخذ هذه المعارضة الشكل العنيف إلا فى محطات بسيطة والمقصود بالمعارضة العنيفة هنا هى معارضة سياسية بالأساس وليس ممارسة العنف.
كما حرصت الجماعة على توضيح موقفها من الاتهامات الرسمية لها بالتورط فى أحداث العنف الذى تمارسه الجماعات الإسلامية الجهادية،فأصدرت بدورها عدة بيانات أكدت أن الإسلام لايقر العنف الذى فيه توغل فى الاستهتار بأرواح البشر.
الآلية الرابعة: السعى إلى الانتشار فى مؤسسات الدولة ونشر أفكار الجماعة بها، وذلك للحصول على الدعم والتأييد لأفكارها والوقوف بجانب أعضائها فى أوقات الشدة والمحن، فكان نهج الإخوان ما أطلق عليه "الرجل الدعوة" فعضو الإخوان يتحرك بدعوته فى عمله ووسائل المواصلات وأى مكان يحل به، لذا سعت الجماعة خلال الثمانينات والتسعينيات إلى اختراق أو دخول مجالات جديدة وقطاعات مهمة فى الدولة.
وكان قطاع الاقتصاد ومنه القطاع المصرفى، أهم الأمثلة الواضحة على ذلك ، وضربت شركات توظيف الأموال مثالاً حياً على ذلك فقد كانت هذه الشركات حريصة كل الحرص على اختراق المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ونجحت بالفعل فى هذه المهمة ليس فقط من خلال التغلغل فى بنية الاقتصاد الوطنى بل أشت تشابكاتها داخل المجتمع المصرى،كما نجحت هذه الشركات فى خلق قاعدة اجتماعية عريضة من متوسطى وصغار المدخرين المتضررين من التضخم والذين يبحثون عن عائد مجز لمدخراتهم بأقل جهد ممكن.
الآلية الخامسة: تواصل الأجيال بين الشيوخ والشباب، فقد نجحت الجماعة فى تضييق الفجوات بين الشباب والشيوخ بشأن إختلاف الرؤية والمنهج بين أجيالها، وتقديم دعوة الإخوان بصورة لاتقبل الخلاف وبصورة تتسم بالمرونة، وقد ساعد ذلك إلى حد كبير على استمرار التماسك التنظيمى للجماعة خاصة إذا كان الخطاب الإخوانى يتطرق إلى تكثيف المسائل الفقهية والأمور السياسية التى تجد قبولاً لدى فئة الشباب الإخوان، فكانت آلية تواصل الأجيال داخل الجماعة بين الشيوخ القدامى وشبابها.
ففى الجامعات على سبيل المثال تمكن الإخوان من تربية قواعد طلابية شابة مؤيدة ظهرت بصفة خاصة عندما التقى شباب الجماعة بشيوخها من خلال المحاضرات والندوات والمؤتمرات وسعى الشيوخ (التلمساني ومشهور وغيرهم من الرعيل الأول) إلى "توريث الدعوة للشباب" وتهيئتهم لتحمل مسيرة الدعوة فى الجامعة وبعد ذلك تحولت هذه القيادات الشبابية بعد تخرجها من الجامعات إلى النقابات المهنية، وهم الذين أضحوا بعد ذلك مهيمنين على مجالس إدارات هذه النقابات.
الآلية السادسة: تعددية مصادر التمويل،فقد سعت جماعة الإخوان منذ نشأتها إلى ضمان مصادر متعددة للتمويل تحقيقاً للاستقلال وعدم الخضوع الفكرى أو التنظيمى لأية جهة أو جماعة أو نظام ، ومن ثم كانت جملة المشروعات والشركات التى أنشأتها إضافة إلى القيام بحملات للتبرعات الداخلية والخارجية وخاصة من أثرياء المسلمين الذين كانوا ينظرون بعين الاعتبار لأنشطة الجماعة.
وكذلك اشتراكات الأعضاء، وخلال فترة الثمانينات والتسعينيات وبعدة خبرة التصفية فى فترتى الخمسينيات والستينيات ، سعت الجماعة إلى خلق قاعدة اقتصادية متنامية، تتوازى معها شبكة من المؤسسات الخدمية والإعلامية المساندة، هذه المؤسسات تشكل فى مجملها مصادر لخدمات متنوعة ولفرص عمل متزايدة لا للإخوان فحسب ولكن للشرائح الاجتماعية العريضة من الطبقات الوسطى والدنيا.
وهذه المؤسسات تشكل كذلك إحدى الضمانات الأولية للتمويل التى تعتمد عليها الجماعة فى طرح وتشغيل برامجها الاقتصادية وتصوراتها السياسية والاجتماعية، ويضاف إلى ذلك تحويلات إخوان الخليج والإخوان المصريين العاملين بالخارج وشركات توظيف الأموال ومضاربات الإخوان فى الأسواق المالية والبورصات المحلية والعالمية.
كلها شكلت بدورها مصادر تمويل وتشغيل لأنشطة الجماعة والتى هى فى النهاية تضمن لها استمرارية وجودها وعدم الاندثار أو التصفية من قبل سلطات الأمن وبالتالى تضمن استمرايتها ى بناء النفوذ والانتشار.
الآلية السابعة:كانت آلية القدرة الفائقة على الانتقال السريع من الإطار الخاص إلى العام ومن السياق النوعى الفئوى إلى المجتمعى الجماهيرى، أى القدرة على طرح أفكار وتصورات الجماعة ومواقفها بوصفها اكار ومبادئ وتصورات عامة والقدرة كذلك على جعل همومها ومشكلاتها الخاصة بها بمثابة هموماً ومشكلات جماهيرية مجتمعية عامة، نابعة من صميم اهتمام وتفكير المجتمع وبوصفها مشكلات يعانى منها كل أفراد المجتمع وتهدد الكيان الاجتماعى العام. (12)

الآلية الثامنة: تطوير الوسائل والمناهج بما يتناسب مع كل مرحلة، فقد غيرت الجماعة خططها ومناهجها التربوية أكثر من مرة خلال عهد مبارك للتوافق مع المستجدات والطوارئ، فكانت الخطة التى أثارت الكثير من الجدل حولها يما عرف باسم " وثيقة التمكين" والتى تزامنت مع قضية "سلسبيل"، ثم اعتمدت الجماعة منهج الخطة الخمسية فى بداية الألفية الجديدة وهى ما أطلق عليها "خطة المجتمع" وكانت تهدف بصورة رئيسية الانتشار فى المجتمع وتحقيق بدائل جديدة لمواجهة حالات التضييق والتجميد التى مارسها النظام ضد الإخوان.

الآلية التاسعة: تطوير الهيكل الإدارى للجماعة واعتماد سياسة الانتخابات للتصعيد للمستويات الإدارية والقيادية على جميع مستوياتها، وكذلك تطوير لوائح الجماعة بما يتناسب مع المستجدات الجديدة فقد تم اصدار لوائح للجماعة خلال عهد مبارك فى أعوام (1982، 1994 ،2009)، وكذلك تطوير الأقسام واللجان الفنية الداعمة ، بل وانشاء أقسام جديدة مثل قسم التنمية.
الآلية العاشرة: البحث عن الشرعية القانونية للجماعة سواء من خلال الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الحكومة تنفى صدور قرار بحل الجماعة، أو محاولة تأسيس حزب سياسى( وكان هناك عدد من المحاولات لتأسيس حزب)، وكذلك إنشاء عدد من الجمعيات الأهلية والتى بالرغم من التضييقات الحكومية الشديدة تجاهها إلا أنه اكتسبت شرعية مجتمعية من خلال الخدمات التى كانت تقدمها تلك الجمعيات.
الآلية الحادية عشر: اعتماد اللامركزية في الإدارة والانتخابات في ما خص القادة على مختلف المستويات. فالإدارة المركزية في القاهرة "مجلس الشورى العام، ومكتب الإرشاد "هي المسئولة عن السياسة العامة للحركة، في حين أن القيادات المحلية في كافة المحافظات هي المسئولة عن القرارات المتعلقة بالسياسات المحلية في كل محافظة، والالتزام بانتخاب المسئول في أي موقع حتى المرشد العام.
على رغم هذه التطورات المهمة لم تحصل الحركة على الاعتراف الرسمي بها، برغم انها حازت على شرعية الانجاز والتغلغل في نسيج المجتمع المصري.
الآلية الثانية عشر: ينبغي ألا تتخلي (الحركة) عن مراكز تأثيرها ما لم تكن متأكدة من أن الخسائر التي ستنجم عن الاحتفاظ بهذه المراكز تفوق المكاسب " و ينبغي أن تهدف الحركة إلى استعادة المواقع التي خسرتها ولكن بروح وأساليب جديدة وبطرق عمل تختلف عن الطرق السابقة.
وكما أن النظام المصري مر بتحولات فإن الإخوان المسلمين أيضا مروا بتحولات في السنوات الماضية فلم تعد الحركة جماعة منعزلة على هامش الطيف السياسي والاجتماعي بحيث يستطيع النظام أن يقصيها بسهولة وهدوء فالحركة منذ قيادة عمر التلمساني أعادت بناء تنظيمها بناء محكما ليس فقط على مستوي استقطاب الأعضاء وزيادة أعدادهم وإنما نوعيا من خلال استحداث مكاتب وتخصصات جديدة داخل الجماعة تخدم على شرائح المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي انخرط بسهولة في العمل الاجتماعي الخدمي سواء على مستوي النقابات أو نوادي أعضاء هيئات لتدريس واتحاد الطلبة في الجامعة , أو الجمعيات الأهلية في الأحياء والمدن.

وظلت عقلية ضرورة والاندماج مع المجتمع راسخة, إلى درجة أن تعبير سياسة النظام تجاه الحركة وتحويل قياداتها الوسيطة على محاكمات عسكرية في التسعينيات لم يهز قناعة أعضائها في منهجية الجماعة السلمية , أو يدفعهم باتجاه التشدد والعزلة وإنما دفعهم إلى توسيع شبكة الاندماج كإستراتيجية لمقاومة تعسف النظام وكانت ضربات التسعينيات نقطة تحول في سلوك الجماعة باتجاه مزيد من التفاعل مع بقية مؤسسات الدولة والمجتمع إلى حد يعوض الجماعة عن فقدان مشروعيتها القانونية ويحولها واقعيا إلى رقم مهم في معادلة أية جبهة وطنية معارضة .

وفيما كانت الجماعة تتبع سياسة الحذر والحيطة تحت قيادة المرشد السابق مأمون الهضيبي فإن مرحلة وجود المرشد مهدي عاكف ومن بعده د. محمد بديع المرشد الحالى, ودائرة جيل السبعينيات حوله وتزامنا مع أجواء الانفتاح التي أشرنا إليها والحراك السياسي في الشارع المصري جميعها عوامل عززت من استراتيجية الجماعية لتحقيق مزيد من التمدد التي بالضرورة انعكست ليس على مستوي زيادة عدد أعضائها فقط وإنما على مستوي توسيع شبكة علاقاتها بأطياف المجتمع الفاعلة واتضحت معالم إستراتجية الإخوان في مبادرة الإصلاح العام 2004 ونزول الإخوان إلى الشارع , بالتعاون مع حركة " كفاية " وطرح برنامج الحزب السياسي ليس على لجنة الأحزاب وإنما على نخبة المجتمع للنقاش والمراجعة.

المراجع

  1. هى مجلة استمرار لمجلة الدعوة التى تم ايقافها فى نهاية عهد السادات وكانت تصدر من أوروبا ويصدرها المكز الثقافى الاسلامى بالنمسا
  2. مجلة الدعوة المهاجره، العدد68 ، السنة 32، يناير 1982،ص13
  3. مجلة الدعوة العدد94، السنة 34، أبريل 1984 ص19
  4. مجلة الدعوة العدد94، السنة 34، أبريل 1984 ص39
  5. مظاهرات واعتصامات قام بها عمال شركة الغزل والنسيج بكفر الدوار احتجاجاً على أوضاعهم السيئة وللمزيد طالع الرابط التالى، انتفاضة عمال كفر الدوار
  6. الدعوة العدد : السابع والتسعون السنة الرابعة،أكتوبر 1984
  7. مجلة الدعوة العدد 108 السنة الخامسة والثلاثون أكتوبر 1985
  8. لواء الاسلام : العدد الثامن 11 نوفمبر 1988 ص4
  9. علاقة النظام المصرى بالإخوان المسلمين (المظاهر- الأسباب- النتائج)، ورقة داخلية غير منشوره ومرفقه كاملة فى الملحقات
  10. مصطفى مشهور، "وضوح الرؤية" ص2 ، وثيقة داخلية غير منشوره
  11. تقرير سياسى داخلى بعنوان، الإخوان المسلمون والنظام المصرى الحاكم على مدى التسعينات، غير منشور
  12. أحمد حسين حسن، الجماعات السياسية الإسلامية والمجتمع المدنى .. دراسة فى استراتيجية بناء النفوذ السياسى والاجتماعى والتغلغل الفكرى، الدار الثقافية للنشر، ص210، 222

للمزيد عن الإخوان ومبارك