الإخوان المسلمون والعمل السياسى فى عهد مبارك

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:١٢، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والعمل السياسى فى عهد مبارك

مركز الدراسات التاريخية (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

مقدمة

يُعد العمل السياسى داخل جماعة الإخوان المسلمين من الركائز الأساسية لدعوتهم المبنية على شمولية الإسلام وأن ممارسة العمل السياسى جزء لايتجزأ من الدين،لذا لم يتخل الإخوان عن السياسة منذ نشأة الجماعة عام 1928 وقد مارست الجماعة العمل السياسى بأشكاله المختلفة وفقاً للمتغيرات السياسية والأمنية المتاحة ودشنت الجماعة رؤية وممارسة جديدة للعمل السياسى تنطلق من مبادئ وأخلاق إسلامية.

فقد هدف الإخوان المسلمون إلى استغلال روح التسامح في عهد مبارك من أجل بلوغ هدفين رئيسين وهما:

مواصلة إعادة بناء التنظيم وإعادة الاندماج بالمجتمع والسياسة بشكل كامل ولكن كان من غير الوارد تحقيق الهدف الأخير (أى الاندماج السياسي) بشكل كامل إذا كانت الحركة تفتقر إلى شكل من أشكال الاعتراف الرسمي من قبل الدولة أو من قبل محاكمها أو لجنة الأحزاب لعليا التي شكلتها الحكومة .

ففي البداية أحيا تأكيد مبارك حكم القانون آمال الإخوان بإمكانية اعتراف الدولة بهم كحركة جماهيرية وبخاصة عندما وافق مبارك على عودة الشخصيات الإخوانية البارزة التي كانت في الخارج مثل المرشد السابق مصطفي مشهور؛

وعندما امتثل لقرار المحكمة بالسماح باستئناف إصدار مطبوعات مثل الاعتصام والمختار الإسلامي القريبتين من أفكار الحركة ولكن سرعان ما خاب أمل الإخوان من نظام لم يكن مستعدا للسماح بالوجود القانوني للتنظيمات الإسلامية أو اقتراح بدائل شبيهة بتلك التي سبق أن اقترحها النظام السابق (مثل الاعتراف بالجماعة كجمعية خيرية) ولا تزال المحكمة الدستورية ترجئ النظر في القضية التي رفعها الإخوان في العام 1977 حتى اليوم .

وقد شهد مستهل عقد الثمانينيات تطورين رئيسيين على صعيد التفكير السياسي لدي الإخوان المسلمين.التطور الأول كان القرار بالمشاركة في السياسة البرلمانية ولكن ككتلة منظمة في هذه المرة وليس كأفراد (كما كان عليه الحال في السبعينيات) .

والتطور الثاني كان المشاركة في الانتخابات البرلمانية بالتحالف مع حزب سياسي لو توجه سياسي مختلف عن توجه الجماعة (حزب الوفد) ولم يكن لهذين التطورين صلة برغبة الجماعة في تشكيل حزب سياسي مستقل بعد وهو تطور تبلور في ما بعد في منتصف الثمانينيات لما شعرت الحركة بنفوذها البرلماني دون الحاجة إلى الدخول في تخالف مع أحزاب أخرى.

وقد شهدت مناقشة الإخوان لممارسة العمل السياسيى فى أوائل الثمانينات معارضة كبيرة من قبل بعض الإخوان لخوض العمل السياسى وكان الإخوان المعارضون للانخراط في العمل السياسي يتخوفون من طغيانه على العمل التربوي في صفوف الجماعة؛

وبالتالي سيؤثر سلبيا على كفاءة الأجيال الناشئة التي تحتاج إلى كل خبرة في مجال التربية والتوجيه وكان البعض يرى أن العمل السياسي سوف يؤدي إلى الكشف عن أعداد كبيرة من رموز وشباب الإخوان؛

وهي فرصة ذهبية لأجهزة الأمن التي تمارس كل صنوف البطش والضغط والتعذيب من أجل كشف الهيكل التنظيمي للإخوان في الأحياء والمدن والقرى والدخول في العمل السياسي سوف يقدم هدية مجانية للأمن وسوف يؤدي ذلك بالطبع لمزيد من الاعتقالات والضغوط بشتى أنواعها وهذه نقطة نحن في غنى الآن وكان البعض يرى أيضاً أن الجيل الجديد في الجماعة يحتاج إلى وقت أوسع لمزيد من الصقل والتربية؛

حتى يكون قادراً على مواجهة أعباء النزول إلى الشارع السياسي والتعامل المؤثر بأخلاق وسلوك الإسلام مع الواقع السياسي وأضاف آخرون أن الانخراط في العمل السياسي سوف يؤدي إلى الدخول في خلافات واتهامات ومشاحنات نحن في غنى عنها وهذا قد يؤثر على نقاء الدعوة وطهارتها وشفافيتها وحب الناس لها.

لكن رؤية الأستاذ عمر التلمساني كانت ترى أن العمل السياسي بالإضافة إلى أنه جزء من صميم فهم الجماعة للإسلام بشموله وكماله وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان سوف يفتح الأبواب أمام الإخوان المسلمين للعمل والتوجيه والتأثير داخل المجتمع وتقديم الصورة الصحيحة عن الدعوة التي أثار الإعلام الكثير من الغبار حولها خصوصاً وأن التربية الإخوانية الميدانية أقوى وأفضل بكثير من التربية النظرية الخاصة.

أما هؤلاء المربون والقادة الذين سيتم الكشف عن أسمائهم أمام أجهزة الأمن وسيعرفهم رجل الشارع فلا بأس في ذلك فسوف يحل محلهم إخوانهم في الصفوف التالية وفي هذا تدريب على المسئولية وتجديد للدماء وتربية أفضل, ولا حرج من الكشف عن أسماء البعض؛

لأن الظهور العلني للدعوة سوف يقلل من استهدافها أمنياً وخروج الجماعة للعمل في وضح النهار سينفي عنها الاتهام بالعمل السري أو أنها تنظيم تحت الأرض ولن يتحدث البعض عن الإخوان بعد ذلك بوصفهم كيان سابق محظور قانونا بل باعتبارهم جماعة حاضرة وفاعلة ومؤثرة في الواقع المصري.

كان الأستاذ عمر ثاقب النظرة عميق الرؤية وتمكن من انتزاع موافقة الإخوان في اجتماع مجلس الشوري في عام 1983 على اتخاذ القرار بالمشاركة الايجابية في العمل السياسي وتفويض المرشد العام في تفعيل هذا القرار بحسب ما يرى أنه يصب في مصلحة الجماعة؛

وهذا القرار وصفه الدكتور سعد الدين إبراهيم عالم الاجتماع المعروف في إحدى مقالاته بجريدة الجمهورية بأنه "أخطر وأهم قرار اتخذه الإخوان المسلمون منذ استشهاد حسن البنا في نهاية الأربعينيات" لأنه نقلهم من عالم السرية الغامض إلى عالم العلنية الواضح والصريح بغير رجعة وبدلاً من التعامل معهم أمنيا فقط, أصبحوا ملفاً سياسياً واضحا يحتاج إلى اعتراف ومشاركة واندماج. (1)

وقبل أن نخوض بتفاصيل أكثر عن المشاركة البرلمانية والعمل السياسى للإخوان لابد أن نوضح مفهوم السياسة لدى الإخوان.

المبحث الأول : السياسة عند الإخوان المسلمين

يقول الإمام البنا رحمه الله فى تعريفه للسياسة:

"السياسة هي: النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية ولها جانبين:الداخلي،وتعني السياسةعندئذ:(تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها، وتفصيل واجباتها وحقوقها، ومراقبة الحاكمين، والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا، وينقدوا إذا أساءوا) والجانب الخارجي وتعني السياسة حينئذ (المحافظة على استقلال الأمة وحريتها، والسير بها إلى الأهداف التي تحتل بها مكانتها بين الأم، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها) الخ؛

ويربط البنا بوضوح بين العقيدة والعمل السياسي بقوله:

(إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا:بعيد النظر في شؤون أمته،مهتما بها،فالمسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته.

ويقول:

(إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشئون أمتنا وأننا نعمل لاستكمال الحرية .. الخ)

فالسياسة عند الإخوان هي التفكير في شئون الأمة الداخلية والخارجية، والاهتمام بها والعمل على إصلاح كافة جوانبها، وهي ترتبط بالعقيدة والأخلاق، وتهدف إلى التغيير، وهذا التحديد كان يتلاءم مع الواقع المصري وخاصة في فترة الاحتلال الأجنبي ويعطي الفرد دافعا داخليا للعمل السياسي تفكيرا واهتماما وعملا مغيرا لأوضاع الأمة، ويجعل السياسة مسألة تخص كل مسلم لأن أمور أمته في مقدمة أولوياته ، ولأنه مفروض أن يعمل جاهدا لإصلاحها وعزتها وتقدمها .

والمقابلة بين تعريف ابن نبي وتعريف زكي نجيب محمود وتعريف الإخوان تظهر تقاربا بينها جميعا، فهي عند الأول العمل المغير للإطار الثقافي، وعند الثاني العمل المغير للأوضاع الاجتماعية نحو الأفضل والخير، وعند الإخوان التفكير، والاهتمام والعمل المصلح لشئون الأمة كلها داخلها وخارجها، والإصلاح تغيير بالضرورة

وعلى الرغم من أن مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا رحمه الله قد وضح ذلك كما قدمنا بأسلوب لا لبس فيه إلا أن البعض ما زال لا يريد أن يقرأ، أو لا يريد أن يفهم، أن الإسلام ما جاء بقرآنه وسنته وسيرة سلفه الصالح إلا ليصلح حياة الناس وأعمالهم ويقود الأمة ويحكمها مصداقا لقوله تعالي: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم " (المائدة : 49).

ولهذا فقد أكد الإمام البنا رحمه الله على أن مرجعية الجماعة هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح في الدعوة إلى إصلاح حال الناس والأمة بتعاليم وأحكام وهدي الإسلام دون النظر إلى الألفاظ والمسميات وهو بهذا يبين جهل أصحاب هذه الشبهات

فيقول رحمه الله:

يقول قوم: إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون ودعوتهم دعوة سياسية، ولهم من وراء ذلك مآرب أخرى، ولا ندري إلى متى تتقارض أمتنا التهم وتتبادل الظنون وتتنابذ بالألقاب، وتترك يقينا يؤيده الواقع في سبيل ظن توجيه الشكوك ؟
(أيا قومنا: إننا نناديكم والقران في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالح من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدئ الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا وان كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيا فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة ، وان شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات)
يا قومنا: ألا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق، ولا الأسماء عن الغايات، ولا الأعراض عن الجواهر، وان للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة؟ وتلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلا فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية، ولتعلمن نبأه بعد حين).
والواقع أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه، ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية؛
وان تركت للمسلمين بعد ذلك قشورا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع .. فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء أخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء غيره، وإن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدا عن السياسة .
فحدثوني بربكم أيها المسلمون إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير الاجتماع، وغير ا لاقتصاد ، وغير الثقافة، فما هو إذن؟ .. أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟ أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية:استغفار يحتاج إلى استغفار ، لهذا أيها المسلمون نزل القرآن نظاما كاملا محكما مفصلا " تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشري للمسلمين " (النحل : 89).
أيها المسلمون أعلنها بكل صراحة ووضوح وقوة، أن الإسلام شيء غير هذا المعني الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .
وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معني غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية،ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول : " لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله ".
إذن فغريب أمر هؤلاء، ينكرون على المسلمين المشاركة في شؤون وطنهم ويعطون هذا الحق للشيوعي والعلماني والبوذي وكل الملل، ويطلقون يدهم في تدبير شؤون الأمة وتصريف أمورها، في حين يمنعون على المسلمين القيام بهذا الأمر، وهذا هو نفسه ما يريده أعداء الإسلام؟.

السياسة الداخلية:

ثم يعرض الأستاذ البنا رحمه الله للتفاصيل السياسية فيقول:

دعوني في أيها الأخوة أسترسل معكم في تقرير هذا المعني، فأقول إن كان يراد بالسياسة معناها الداخلي من حيث تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساءوا..
فالإسلام قد عني بهذه الناحية، ووضع لها القواعد والأصول، وفصل حقوق الحاكم والمحكوم، وبين مواقف الظالم والمظلوم، ووضع لكل حدا لا يعدوه ولا يتجاوزه. فالدساتير والقوانين المدنية والجنائية بفروعها المختلفة عرض لها الإسلام، ووضع نفسه منها بالموضع الذي يجعله أول مصادرها وأقدس منابعها.
وهو حين فعل هذا إنما وضع الأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة وواتاهم الاجتهاد.
وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصي بأن يكون كل مسلم مشرفا تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك؛
فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه على الحق ويلزموه حدود القانون، ويعيدوه إلي نصاب العدالة، هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالي، ومن أحاديث رسوله (صلي الله علية وسلم) في لم نتقولها ولم نخترعها؛
وإلي حضراتكم قول الله تبارك وتعالي : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم و أحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (المائدة 48، 50)، إلي عشرات الآيات الكريمة التي تناولت كل ما ذكرنا بالبيان والتفصيل .

ثم يفرق الإمام البنا بين السياسة والحزبية فيقول:

(الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة قد يجتمعان وقد يفترقان ، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما في الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه ، وقد يكون حزبيا ولا يدري من أمر السياسة شيئا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا على حد سواء) .
وقد يقول قائل:هل نحن حزبيون متعصبون؟ أقول لهذا القائل في صراحة ووضوح:أما أننا سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكونه، ولم لا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل.
وأما إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشؤون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معني لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف .
ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائما إلي الكفاح والجهاد: "والذين جاهدوا فينا لنهد ينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" (العنكبوت : 69). (2)

المبحث الثانى: تطور الخطـاب السياسي للإخوان المسلمين

الراصد لخطاب جماعة الإخوان المسلمين، يجد تطورًا إيجابيًا ملحوظًا في الخطاب على مستوى النوعية والتناول، فهناك تطور كبير في المعجم الثقافي والسياسي والديني، فقد ابتعد الإخوان عن الخطاب الديني المباشر مثلما كنا نلاحظ في قيادات الجماعة في السبعينيات من القرن العشرين إلى خطاب أكثر تركيزًا على القضايا الإسلامية بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛

وصرنا نسمع كثيرًا من هؤلاء القيادات يتحدثون عن أزمات التنمية البشرية، وملفات الفساد، ومشكلات العنوسة والطلاق والبطالة، ناهيك عن المشكلات السياسية الإسلامية بكل ما تحمله من أعباء وتراكمات؛

وهذا عائد لجملة من العوامل:

أولها: ظهور جيل جديد من القيادات الحركية ذات التعليم السياسي والقانوني وليس التعليم الديني التقليدي في المؤسسات الرسمية، فمنهم الأطباء والمهندسون والمحامون والاقتصاديون والسياسيون وغيرهم، وهم في مجملهم قد حرصوا على التعلّم الذاتي في الثقافة السياسية والقانونية، إما بالاطلاع والقراءة الحرة وإما بالدراسة المباشرة في الكليات القانونية والسياسية، ولعل الدكتور عصام العريان وابو الفتوح والشاطر وغيرهم مثال على ذلك .
ثانيها: بات هناك تباين بين القيادات الحركية والسياسية للحركة الإسلامية، وبين الدعاة من الحركة، وهذا لا يمنع من تداخل في الخطاب بين النوعين، فالقيادات السياسية يطعّمون كلامهم بالمفردات الإسلامية، وينطلقون في معالجة القضايا من الرؤية الإسلامية، والدعاة يشيرون في دعوتهم إلى مشكلات المجتمع المتعددة، وأن الكثير من هذه المشكلات يعود لغياب منظومة القيم الإسلامية وأحكام الشريعة السمحاء .
ثالثها: ويتعلق بمستوى الخطاب ذاته، حيث تجنح القيادات الحركية والدعاة إلى تبني خطاب بسيط في مفرداته ، دون تعقيد لغوي، فهم لا يستخدمون لغة علمية رصينة، ولا مفردات جافة، ويبتعدون قدر المستطاع عن المصطلحات الفقهية واختلافات المذاهب والفقهاء، ذلك لأن خطابهم قائم على اجتذاب أكبر عدد من الجمهور ، وبالتالي لا يحفلون بالقضايا الخلافية الشائكة.
رابعها: التحديات والمستجدات على الساحة، وموقف الحركات الإسلامية منها، حيث سعت الحركات الإسلامية منذ أواخر السبعينيات في القرن العشرين إلى التفاعل مع قضايا المسلمين الخارجية، ومشكلات المجتمع المحلية، من خلال المؤسسات التعليمية والصحية، ومراكز الدراسات التي ساهم الإسلاميون في نشأتها وفي إدارتها، وتطور الأمر في الثمانينيات بدخولهم المعترك السياسي من خلال القنوات الشرعية:الانتخابات، النقابات، الاتحادات الطلابية، الأحزاب السياسية

كما أن منظري الحركة أعلنوا قبولهم بالشكل الغربي للدولة، وآليات التجربة الديمقراطية، كطريقة سلمية للتغيير الاجتماعي . وقد أدى دخول الإخوان إلى الحياة السياسية من بابها القانوني إلى تجدد أفكارهم السياسية بشكل لافت.

فمن يقارن بين ما أنتجته قريحة الإخوان من رؤى حول الحكم قبل أن يتحالفوا مع حزب الوفد الليبرالي في انتخابات مجلس الشعب عام 1984 وبعد هذا التاريخ إلي قيام الثورة يكتشف حجم التغير الإيجابي المستمر في الخطاب السياسي الإخواني، الذي خطى خطوات واسعة نسبيا منذ أن طرح مأمون الهضيبي برنامجه في الانتخابات البرلمانية عام 1995 وحتى برنامج "حزب الحرية والعدالة" الذي يعد أرقى وثيقة سياسية قدمتها الجماعة في تاريخها.

فالسياسة التي تقوم على "لغة المصالح" وتعرف المساومات والمواءمات والحلول الوسط وفنون التفاوض، لا شك أنها تهشم باستمرار الخطاب المتجمد أو المتحجر، الذي يظن أصحابه أنه "مطلق" وغير قابل للدحض، قبل أن يدخلوا إلى غمار السياسة، ويفرض عليهم الواقع بمشكلاته المتراكمة شروطا قاسية لا فكاك منها. فما هو موجود على الأرض نسبي، وتنسحب نسبيته، من دون شك، على أقوال وأفعال كل من يتفاعل معه سلبيا أو إيجابيا. (3)

وتعتبر مجموعة الأزمات الدولية مركز دراسات سياسية متخصصة ونافذة أن إعلان جماعة الإخوان المسلمين في بدايات 2007 عن نواياها إنشاء حزب سياسي ونشر برنامجها السياسي في أواخره من أهم العلامات الهامة في تاريخ الجماعة.

حيث أنه خلال العقدين الماضيين، كانت هناك إشارات لهذا التحول من قبل الإخوان من جيل الوسط الذين إشتركوا في السياسة نقابية والبرلمانية.

فبالنسبة لديهم، تعتبر فكرة ساحة المنافسة الديموقراطية والتعددية السياسية من صميم الخبرات التي حصّلوها (وإن كانت ضعيفة) في هذه العمليات إلي جانب تسليمهم بأن المقترب السابق للسياسة لم يكن معترف به دولياً أو صالح من الناحية العملية.

لكن إعلان منتصف يناير الرسمي قد اعتبر إنطلاقة مزدوجة: من الغموض السابق حيال هذه القضايا، ومن الفكر السياسي لمؤسس الجماعة حسن البنا الذين رأي أن الأحزاب السياسية والفاعلية البرلمانية (كما كانت علي عهد الملكية) من واردات الإستعمار.

من الواضح أن الإخوان المسلمين يتطورون عبر الزمن. فبعد أن قاد محمد مهدي عاكف زمام الأمور في مكتب الإرشاد في 2004، أصدرت الجماعة "المبادئ العامة للإصلاح" والتي تبنت فيها الجماعة مبادئ مثل تداول السلطة وحكم القانون والحكم الديموقراطي الرشيد؛ وقد دافع نواب الإخوان في مجلس الشعب المصري عن هذه المبادئ.

إلا أن التحدي الذي يواجه الجماعة الآن هو توضيح مواقفها وحل الخلافات الداخلية إزاء حاكمية الشريعة في الحياة العامة والديموقراطية التنظيمية. (4)

وربما كانت وثيقة المرأة والشورى والتعددية التى أصدرتها الجماعة عام 1994 من أهم ملامح هذا التطور فى الخطاب الإخوانى والذى أحدث تطوراً فكرياً فى نظرة الإخوان للأحزاب السياسية فبعد ان كان الإمام البنا رفضها رفضاً مطلقاً فى بداية تاسيس الجماعة اعترفت الجماعة بها

بل ودشنت تحالفات سياسية معها وكذلك كان لها محاولات عدة لانشاء حزب سياسى يعبر عن توجهاتها السياسية ولكنها بالطبع قوبلت بالفشل تماماً حتى تم انشاء حزب الحرية والعدالة بعد الثورة وكذلك تمثل محطة اطلاق مبادرة الاصلاح عام 2003 واطلاق برنامج الحزب عام 2007 من أهم المحطات السياسية فى تاريخ الجماعة خلال عهد مبارك.

ويُرجع أحد الباحثين تطور الخطاب السياسى للحركة الإسلامية عامة لعدة مؤثرات داخلية وخارجية فيقول:

تميز العقد الأخير من القرن الماضي بما يمكن أن نصطلح عليه تكثيف العمل السياسي من قبل الحركات الإسلامية، بحيث شاركت عدة حركات إسلامية في الانتخابات البرلمانية أو المحلية؛
وإن كان ذلك بعض الأحيان يتم باسم مستقلين، وعقد بعض الإسلاميين تحالفات سياسية مع قوى أخرى، ومنهم من حصل على تمثيلية لافتة للنظر في بعض مؤسسات المجتمع المدني والهيئات النقابية، وظهرت عشرات المنابر الإعلامية المعبرة عن الصوت الإسلامي، وكان للإسلاميين حضور قوي ببعض الجامعات، كما كان لهم نزول حاشد إلى الشوارع بمناسبات مختلفة أبرزها مناسبة حرب الخليج الأولى سنة 1991.
وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التكثيف للعمل السياسي من قبل الإسلاميين نذكر منها:
  1. تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية والإسلامية؛
  2. انهيار المعسكر الشرقي وما نتج عن ذلك من تراجع للإيديولوجية الإشتراكية التي كانت تعد أو ل منافس للإيديولوجية الإسلامية؛
  3. ثورة الإمام الخميني في إيران التي ألهبت حماس الإسلاميين ومنحتهم الشعور بإمكانية الوصول إلى السلطة في أقرب وقت.

وإذا كان العنوان البارز لعقد التسعينات من القرن الماضي هو تكثيف العمل السياسي من قبل الإسلاميين، فإن العنوان الأبرز للعقد الأول من الألفية الثالثة هو ما يمكن أن نصطلح عليه محاولة ترشيد العمل السياسي، وقد تمثل ذلك في بعض المراجعات وصدور بعض الأوراق السياسية والبرامج الانتخابية عن مجموعة من الحركات الإسلامية.

نذكر في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، البرنامج الانتخابي للإخوان المسلمين بمصر سنة 2005، وأيضا البرنامج الانتخابي لحركة [[[حماس]] في انتخابات 2006..

لاشك أن هذه الوثائق وغيرها لا تخلو من ملاحظات، لكن إصدارها في حد ذاته يشكل تطورا سياسيا، خاصة وقد تم التأكيد في جلها على بعض المبادئ الهامة من مثل احترام إرادة الشعوب، والدفاع عن المصلحة الوطنية، والتمييز بين العمل الدعوي والعمل السياسي، والحرص على مشاركة الجميع في التغيير..

وقد كانت محاولة الترشيد هذه إفرازا طبيعيا لمرحلة التكثيف. فتراكم تجارب العمل السياسي لدى الإسلاميين كشفت عن بعض الاختلالات، التي تطلبت اجتهادا لتجاوزها. يضاف إلى ذلك أن التحولات العالمية فرضت على الإسلاميين، كما على غيرهم، نوعا من التجديد، خاصة بعد أحدث 11 سبتمبر 2001.. إلا أن عملية ترشيد العمل السياسي تمت في الغالب من داخل نفس الخيارات، بحيث لم تخضع هذه الخيارات نفسها للنقد والتمحيص.

يبرز في صفوف الإسلاميين خياران أساسيان للعمل السياسي هما:

أولا: العمل السياسي من خلال تغليب المشاركة في المؤسسات الرسمية؛ كالبرلمان و الحكومة و المجالس المحلية، وغير ذلك من مؤسسات الدولة؛
ثانيا: الفعل السياسي من خارج المؤسسات الرسمية، وذلك من خلال المشاركة في بعض المنظمات والهيئات المستقلة عن الدولة، والتأطير الشعبي إما عن طريق بعض وسائل الإعلام المتاحة أو بشكل مباشر، وتبقى أهم الوسائل هي التظاهر في الساحات العامة من أجل التأثير في القرار السياسي والضغط في اتجاه معين.

ومن الملاحظ أن الخيار الأول، أي خيار المشاركة في المؤسسات الرسمية، هو الأكثر بروزا، بحيث تتبناه الكثير من الحركات الإسلامية، نذكر من ذلك الإخوان المسلمين في مجموعة من البلدان (مصر ، سوريا، الأردن، اليمن، السودان،..)، الجماعة الإسلامية في باكستان، حزب السلامة في تركيا، جماعة السلفيين في الكويت، حزب العدالة والتنمية في المغرب...

وتعود غلبة هذا الخيار وسعة انتشاره مقارنة مع الخيار الثاني إلى التأثر بالفكر السياسي للإخوان المسلمين. فقد رأينا أن مؤسس الإخوان رشح نفسه مرتين للانتخابات في أربعينيات القرن الماضي، كما أن الأدبيات السياسية للإخوان لا تبدي أي اعتراض على المشاركة في المؤسسات الرسمية، بل على العكس من ذلك ترى فيها وسيلة لتحقيق الأهداف الإسلامية.

هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن رجحان ذلك الخيار في الممارسة السياسية للإسلاميين يعود بصفة عامة إلى التأثر بفقه سياسي غالب في الوسط السني يجعل عصيان الحاكم والخروج عليه أمرا مرجوحا. كما أن شدة بطش الأنظمة السياسية بالإسلاميين ساهمت في تكريس هذا الاختيار.

وإذا كان يوجد من أصحاب خيار الفعل السياسي من خارج المؤسسات من يرفض المشاركة من حيث المبدأ، ومن يقبلها من حيث المبدأ ويرفضها من حيث شروط التنزيل، فإن أصحاب خيار الفعل السياسي من داخل المؤسسات يقبلون ذلك من حيث المبدأ ودون اعتبار في الغالب لشروط التنزيل وظروفه؛

قد يعترض معترض ويقول إن الإسلاميين من داخل هذا الخيار يرفضون أحيانا المشاركة في المؤسسات، مما يعني أنهم يقبلونها أحيانا ويرفضونها أحيانا حسب الظروف، كما هو الحال بالنسبة للعدالة والتنمية في المغرب، الذي رفض المشاركة في الانتخابات الجماعية لسنة 1997، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن التي رفضت المشاركة في تشريعيات 2010، وكذا الإخوان المسلمون الذين رفضوا المشاركة في جولة الإعادة لانتخابات مجلس الشعب التي أجريت 2010، بسبب ما ساد في الجولة الأولى من تزوير وفساد.

وهذا صحيح إلى حد ما، إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه هو أننا نكون دائما، بالنسبة لهذه الحالات، في إطار رفض من داخل خيار المشاركة، فغالبا ما ترتبط أسباب الرفض بشروط ذاتية، أو ببعض الملاحظات المرتبطة بالإطار القانوني والتنظيمي، أو بصيرورة العملية الانتخابية، ولا ترتبط الأسباب أبدا بدراسة تمحيصية للشروط العامة، السياسية والدستورية، لخيار المشاركة المؤسساتية.

غالبا ما يرتبط سبب عدم المشاركة بغياب بعض شروط النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية ولا يرتبط بمدى توفر المصداقية والفاعلية فيما تفرزه تلك العملية من مؤسسات، وبالتالي فإن عدم المشاركة في جولة من الجولات الانتخابية لا يكون نتيجة لإعادة النظر في خيار المشاركة بالنظر إلى الظروف العامة والقواعد الدستورية والسياسية المؤسسة لها، وإنما هو شكل من أشكال الضغط من داخل ذلك الخيار نفسه، أي خيار المشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، وباستحضار الخطاب الشرعي الذي تنطلق منه الحركات الإسلامية، فإن رفض المشاركة في تلك الحالات هو رفض في إطار ما هو مباح وليس رفضا لما هو مكروه أو حرام. (5)

المبحث الثالث: الإخوان والتطور الحزبى

انطلق الإخوان بعد خروجهم من معتقلات عبد الناصر من قاعدة ثابتة لديهم وهي أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، فلم يفرقوا بين مجال من مجالات الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والثقافية وغيرها، وعملوا من خلال الشرعية والدستور سواء العمل من خلال البرلمان أو النقابات أو الاتحادات الطلابية وغيرها من المؤسسات الشرعية، حتى أنهم تعاونوا مع بعض الأحزاب في ائتلاف شري للعمل من أجل الوطن.

وبعدما زاد التضييق عليهم من قبل النظام البائد نظام حسني مبارك، عمل الإخوان على تحقيق الشرعية السياسية وذلك عبر محاولة تأسيس حزب سياسى وبالفعل قاموا بوضع برنامج حزب سياسى،لكن تلك المحاولات لم تكتب لها النجاح بسبب تعنت النظام السابق فى منح أى شرعية قانونية للإخوان.

عقب تجربة التعاون مع حزب الوفد الجديد في انتخابات مجلس الشعب المصري (أبريل نيسان 1984) وتجاوب الإخوان إلى حد كبير مع هذا الانفتاح السياسي أعلن الأستاذ عمر عن نية الإخوان لدراسة تشكيل حزبهم السياسي؛

وهو ما أكده بقوله:

"إنني آمل أنه إذا لم يكن من قيام الحزب بد فمن العجز الفكري أن نقف حائرين بل نسلك كل طريق مشروع يمكننا من نشر دعوتنا في كل الأوساط أما إذا كان قدر الله أن نعود كما كنا "جماعة الإخوان المسلمين" الهيئة المسلمة العامة الشاملة فذلك عندنا خير وأفضل.."

ويوضح الأستاذ التلمساني رؤيته لدخول الإخوان البرلمان بقوله:

" وليعلم الناس جميعاً أن دخول البرلمان ليس هدفاً من أهداف جماعة الإخوان المسلمين إنما هو وسيلة من وسائلنا لنشر دعوتنا ويوم أن يتحقق هذا الأمل الذي يحتل مكانه الأسني في عقولنا وجهودنا نستطيع أن نقول: لقد بلغنا مانهدف إليه ووصلنا إلى الغاية التي ما بعدها غاية وحينذاك لايهمنا من يحكم ولايهمنا أن تبقى الجماعة أو لا تبقى فالأمر عندنا لاعلاقة له بالشخصيات على الإطلاق ولكنه أمر عقيدة إن عمل بعض المسلمين لها فقد نجوا جميعاً, وإن تركها الجميع فقد أثموا جميعاً.."

كانت فكرة إنشاء حزب سياسي للإخوان المسلمين تهدف إلى توفير وضع قانوني للعمل الإخواني المطارد أمنيا, والذي يتعرض أيضا لهجوم إعلامي متواصل والإعلان عنها كان يهدف أيضاً إلى توصيل رسالة إلى الجهات الرسمية والأمنية؛

تقول بأن الإخوان يرغبون في العمل العلني وإعطاء الإطار الشرعي لمؤسساتهم الشورية والتنفيذية التي كانت أمراً واقعاً تعرفه السلطة لكنها لا تعترف به وهذه الإشكالية عدم وجود غطاء قانوني عانت منها الجماعة منذ ما قيل إنه صدر قرار بحلها في أكتوبر عام 1954 من مجلس قيادة الثورة (لم تقدم السلطة أية قرارات بهذا الخصوص أمام القضاء حتى الآن) واستمر ذلك في الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات.

ومع الظهور السياسي الكبير والعلني في عام 1984م بات الغطاء القانوني أكثر أهمية وإلحاحاً خصوصاً بعد المشاركة الانتخابية مع حزب الوفد وحصوله على نصيب الأسد في ترتيب القوائم وفرض الشروط واستفادته الكبيرة من الحضور الإخواني وسط الجماهير حتى إنه في عام 1987 تحالف الإخوان مع حزبي العمل والأحرار؛

ونجح لهم 36 نائباً بينما كاد الوفد أن يخرج من السباق بعد حصوله بصعوبة بالغة على نسبة 8% التي سمحت له بالبقاء تحت قبة مجلس الشعب لكنه فقد زعامة المعارضة التي انتقلت إلى حزب العمل؛

وإذا أضفنا إلى ذلك أن أجهزة الأمن نشطت في القبض على أفراد وكوادر الإخوان بحجة حظر الاجتماعات التنظيمية وبالتالي أصبحت الضرورة أكثر إلحاحا لوجود غطاء سياسي لمثل تلك الاجتماعات واللقاءات التربوية.

كان الأستاذ عمر يأمل في أن تتجاوب السلطة مع فكرة إعادة الصفة القانونية للجماعة باعتبارها كياناً سياسياً شاملاً أكبر من الحزب السياسي وأكبر من الجمعية الخيرية وهنا أذيع سراً وهو أن الأستاذ عمر كان قد حصل على وعد من مسئول سياسي كبير بعودة الجماعة بشكل قانوني وفي أحد الاجتماعات وكنت حاضراً

قال:أبشروا بخبر مهم سوف تسعدون به كثيرا خلال الأيام القليلة القادمة وعندما سألت أحد القريبين منه قال: سوف نعلق لافتة عليها: "المركز العام للإخوان المسلمين" على هذا المقر لكن الأمر توقف بعد ذلك ولا أدري بالضبط ماذا حدث. (6)

ويقول الأستاذ التلمساني فى حوار لجريدة الحوادث اللبنانية:

إننا نجرى اتصالاتنا بأعضاء المعارضة داخل مجلس الشعب وعددهم 67 عضواً للفوز بتزكية 20 عضواً منهم فقط لإمكان قيام الحزب حسبما ينص قانون الأحزاب. (7)

يقول د.هشام العوضي:

فتح نجاح الإخوان في البرلمان شهيتهم على خيار تشكيل حزب سياسي مستقل وينبغي النظر إلى هذا التحول في سياق كون الجماعة محجوبة عن الشرعية ويكون الحزب سيوفر لها قناة قانونية للحركة للعمل والنشاط وقد نص قانون الأحزاب على أنه لا يحق لمجموعة سياسية التقدم بطلب الحصول على رخصة تشكيل حزب إلى أن تتمكن من الحصول على 20 مقعدا في مجلس الشعب على الأقل
واستنادا إلى أبو الفتوح الذي كان يتعاون بشكل وثيق مع التلمساني في تلك المرحلة، كان ذلك هو السبب الذي دعا التلمساني إلى التفكير بجدية في تشكيل حزب سياسي وبخاصة أن عدد أعضاء الإخوان في البرلمان يمكن أن يزيد كثيرا في الدورات البرلمانية المقبلة ومع ذلك فلم يكن ذلك التفكير في إنشاء حزب سياسي خيارا سهلا بالنسبة إلى الإخوان الذين كانوا ينظرون سلبيا إلى الثقافة السياسية القائمة على الحزبية حتى إن حسن البنا عبر عما يمكن اعتباره وجهة نظر غامضة في أحسن الأحوال حيال الحزبية .
وشكل التلمساني في العام 1984 أى في العام نفسه الذي فاز فيه الإخوان بـ 8 مقاعد في مجلس الشعب لجنة داخلية خاصة برئاسة صلاح شادي وهو شخصية بارزة في التنظيم كلفت بإعداد مسودات لبرنامج حزبي للجماعة وقال لى الكلام ل. د. هشام العوضي محمد فودة؛
وكان أحد الذين عملوا عن قرب مع هذه اللجنة إن الإخوان وظفوا في تلك الفترة واردهم المحلية واستفادوا من ارتباطاتهم الدولية في التشاور بشأن تشكيل حزب سياسي وذلك عبر الاتصال بالإسلاميين في الأردن (جبهة العمل الإسلامي) وتركيا (حزب الرفاء) واليمن (حزب الإصلاح) ممن لديهم بعض الخبرة العملية في تجربة الحزبية
كما عرض علي فودة مسودتين منفصلين لبرنامجين حزبيين أعدهما الإخوان في الثمانينيات المسودة الأولي كانت برنامجا لحزب أطلق عليه حزب "الإصلاح المصري" والمسودة الأخرى كانت لحزب أطلق عليه " الشوري" لكن أيا من المسودتين لم يتم تقديمها بشكل رسمي إلى لجنة الأحزاب أبدا مخافة أن ترفض كما لم يعلن عنها للنخبة المصرية كما حدث في برنامج الحزب السياسي للإخوان في العام 2007 .
ومن المشوق إجراء مقارنة وإبراز الفروق بين مسودتي برنامج " الإصلاح" و" الشورى " لأنهما تظهران كيف كان الإسلاميون يصيغون خطاباتهم تكيفا وتجاوبا مع الحقائق المستجدة مثل الدولة المستقلة ومع الثقافة الحزبية التي احتكرت العمل السياسي في منتصف الثمانينيات وبالرجوع إلى مسودة برنامج حزب "الشورى"

نجد أن هدف الحزب هو:

"إقامة دولة مصرية إسلامية تهدف إلى الجمع بين دولة إرشاد تدار دفتها على ضوء الإسلام وتلتزم بأحكامه وبين دولة رعاية اجتماعية توفر الخدمات لمواطنيها وتعمل على ضمان الحرية والأمن وتوفر لمواطنيها كافة الحاجات الضرورية"

ومن ناحية أخري هدف حزب "الإصلاح" الذي بدا أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية إلى:

" إصلاح شؤون الدولة المصرية بحيث تصبح قادرة على توفير الخدمات لمواطنيها وعلى العمل على ضمان الحرية والأمن وتوفر لمواطنيها كافة الحاجات الضرورية ففي الوقت الذي هدف حزب "الشورى" إلى إقامة دولة إسلامية فإن حزب "الإصلاح" اكتفي بالمطالبة بإصلاح شؤون الدولة المصرية .

وتجدر الإشارة إلى أن النص الذي أعد لحزب "الإصلاح" أصبح المسودة الأكثر شعبية داخل الدوائر الضيقة في الإخوان وبخاصة بين أوساط الأجيال الأصغر سنا التي بدأت تشق طريقها في الحياة الاجتماعية في مصر منذ منتصف الثمانينيات (ولا سيما النقابات) وقد أدي إعجاب الجيل الجديد بمسودة "الإصلاح" إلى إدخال تعديلات طفيفة عليها وتقديمها على أنها برنامج حزب "الوسط" المثير للجدل الذي قدم إلى لجنة الأحزاب ورفضته اللجنة فورا في العام 1996. (8)

بدأ برنامج «حزب الإصلاح»، الذي لم يقدم إلى لجنة الأحزاب بصورة رسمية ، بتمهيد تقليدي عن أهمية بناء الإنسان روحا وضميرا «قبل أن نتعامل معه بالإداريات والتشريعات والقواعد التنظيمية» فحسب، ثم استفاض في فصله التالي حول «الحقوق والحريات»، فذكر في بنوده: حرية المواطنين، وكفالة العدالة، ومنع جميع صور الظلم، والمساواة بين المواطنين (مسلمين ومسيحيين).

وفي تعبير ذي دلالة زاوج الحزب في فصله عن الحريات بين الديمقراطية والشورى باعتبارهما مترادفتين،فقال: «إن تطبيق الديمقراطية وترسيخها، وتعميق الشورى في كل مؤسسات المجتمع هو الضمان للمشاركة الشعبية الفعالة..».

وطالب بأن تكون الشورى «ملزمة» للقيادة،وفي ما يتعلق برئيس الجمهورية، يرى الحزب «ضرورة تعديل نص المادة (76) بحيث يصبح اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب الفردي المباشر»؛

ويرى «ضرورة العودة إلى نص الأصل للمادة (77) من الدستور قبل تعديلها في عام 1980 بحيث يصبح من الجائز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدة واحدة فقط بعد المدة الأصلية»، ويرى أيضا أن ست سنوات لمدة الرئاسة مدة أطول مما يجب «ويكفي أن تكون مدتها أربع سنوات تجدد لمدة واحدة فقط».

وجري تكرار أغلب ما ذكر في برنامج حزب الإصلاح في الخطابات والبرامج الانتخابية لمرشحي الإخوان بمن فيهم المرشد السابق مأمون الهضيبي في أثناء حملته الانتخابية في منطقة الدقي بالجيزة سنة 1995.

لم يلق «حزب الأمل» الذي تقدم به مؤسسه النقابي محمد السمان إلى لجنة الأحزاب في 1994، اهتماما إعلاميا مثلما لقي «الوسط»، بالرغم مما في فكرته وتوجهاته من جوانب ملفتة.

أولا: كانت وراء فكرة «حزب الأمل» نفس المجموعة الشبابية التي دفعت باتجاه تأسيس «حزب الوسط». وكان التدثر بالسمان على أنها «مبادرة فردية»، مجرد مناورة ذكية.
ثانيا: أن توقيت إنشاء الحزب جاء نتيجة التضييق الحكومي الذي طال النقابات المهنية، سيما نقابة المهندسين.
ثالثا: أن الـ50% من فئة العمال التي يتكون منها الحزب التزاما بقانون الأحزاب، كانت من الحرفيين (مثل السباكين والنجارين..الخ) الذين استقطبهم السمان مع عمله كمقاول هندسي، ولم تكن من عمال المصانع أو فلاحي الأرض، وبالتالي كان «الامل» أول حزب إسلامي ينحاز لهذه الفئة من طبقة العمال إلى جانب انحيازه للمهنيين من الطبقة الوسطى.
رابعا: أن الحزب لم يعنى كثيرا بالقضايا «السياسية الكبرى» التي تناولها «حزب الإصلاح»، وإنما انشغل بقضية عامة هي التنمية.

وضم برنامج التنمية للحزب توجهين أساسيين هما: توجه حل أبرز مشكلات المجتمع المصري، وهي «الإرهاب» و«المخدرات»، وتوجه الارتقاء بمصر لمصاف الدول المتقدمة من خلال «الإصلاح الاقتصادي» و«السياحة».

ومن صياغة برنامج الحزب بدت واضحة لهجة السعي إلى تطمين الحكومة من توجساتها تجاه الإخوان، إذ تم التأكيد على الرغبة في المشاركة «من خلال القنوات الشرعية في خدمة الوطن». (9)

وفي ما يتعلق بتجربة حزب الوسط فقد التقيت بمؤسسة أبي العلا ماضي الذي أعطاني أيضا نسخة من برنامج الحزب وقد تأسس حزب الوسط في عام 1996 على يد مجموعة من المهندسين بقيادة أبو العلا ماضي وصلاح عبد الكريم .

ورفضته كل من لجنة الأحزاب والمحكمة للسبب نفسه صلته بالإخوان وقد انتمي جيل ماضي وعبد الكريم إلى الجيل نفسه الذي انتمي إليه السمان وكانوا يتمتعون بشعبية قوية في النقابات التي سيطروا عليها وهو ماسنتعرض له بشئ من التفصيل لأن قصة حزب الوسط اثارت أزمة داخلية أثمرت عن استقالة عدد من قيادات ومؤسسى الحزب من الجماعة.

وبالإضافة إلى دراسة فكرة تشكيل حزب سياسي خاص بالإخوان المسلمين كان هناك اتجاه إلى تعزيز فكرة الانخراط في الأحزاب القائمة وقد زعم أن الإخوان أو قسما منهم على الأقل انضم فعلا إلى الحزب الوطني الديمقراطي أو إلى أحزاب سياسية أخري على أمل امتلاك القدرة على التأثير من الداخل. (10)

ويقول د. محمد حبيب فى مذكراته:

لما كان العمل الحزبى فى مصر يمثل أحد الركائز الأساسية فى العمل السياسى، فقد رأى الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله قبيل وفاته بفترة قصيرة ضرورة إنشاء حزب سياسى للإخوان يستطيعون من خلاله تحقيق أهداف الجماعة وخروجاً بها من الاتهام الذى يلاحقها من قبل السلطة،وهو عدم الشرعية القانونية.
غير أن الفكرة لم تأخذ حظها من الدراسة إلا بعد وفاته، وقد دُعى لفيف من ذوى السبق وأهل القانون من الإخوان فى نهاية 1986 إلى تدارس هذا الأمر وكان هناك اختلاف حول طبيعة تكوين الحزب، وهل يشمل الجماعة كلها بحيث يصير وعاء لها ومتضمناً لكل أعمالها وأنشطتها أم يقتصر فقط على جزء منها أو يكون قسماً من أقسامها؟
وقد تشكلت لجنة لوضع برنامج الحزب، وبالفعل تم الانتهاء منه ومراجعته أكثر من مرة، وكانت هناك رؤية للبعض من أعضاء مكتب الإرشاد آنذاك بأن الظروف مواتية للتقدم بطلب إنشاء حزب، لكن الرأى الغالب ارتأى غير ذلك.
وفى نهاية عام 1989 تمخضت مناقشات مجلس الشوري العام للإخوان عن قراره بالموافقه على تكوين حزب، وفوًض مكتب الإرشاد فى اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة نحو ذلك من حيث تحديد التوقيت الملائم للتقدم بطلب إلى لجنة الأحزاب والصورة التى سوف يكون عليها الحزب.
وقد جرت مناقشات كثيرة ومفصلة فى مكتب الإرشاد حول هذا الموضوع لسنوات طويلة، إلا أن المناقشات كانت تنهتى فى كل مرة إلى أن الوقت ليس مناسباً والظروف السياسية غير ملائمة، إذ لم يكن من المنطقى أن يصرح رئيس الدولة بأنه لن يسمح بتكوين حزب سياسى على أساس دينى ثم تتقدم الجماعة بطلب إنشاء حزب وكأنها بذلك تتحدى رئيس الدولة، هذا فضلاً عن الإشارات التى صرح بها أو ألمح إليها بعض الوزراء بأن الدولة سوف تتخذ إجراءات عنيفة وقاسية إن فعل الإخوان ذلك. (11)

ويفسر د. هشام العوضي الأسباب المستمرة لسعى الإخوان لإنشاء حزب سياسيى فيقول:

إزاء محاولة النظام إقصاء الإخوان من اللعبة السياسية ومحاولة الجماعة كسر الحصار الذي فرضته لتعديلات الدستورية أعلن مرشد الجماعة مهدي عاكف عن نية الحركة تأسيس حزب سياسي؛
طرحت "القراءة الأولي" منه إعلاميا في أب أغسطس 2007 من دون أن تسلم رسميا إلى لجنة الأحزاب وبالطبع فإن نية الإخوان في تأسيس حزب سياسي ليست جديدة وإنما تعود إلى الثمانينيات بإلهام من المرشد الراحل عمر التلمساني.
وبعد أن حسمت الجماعة موقفها التاريخي السلبي من الحزبية ومشاركتها السياسية الناجحة في انتخابات العامين 1984 1987 كما لم يكن حديث الإخوان في العام 2007 عن وجود برنامج شامل لحزبهم المنشود سابقة فقد سبقته على الأقل خمسة مشاريع حزبية للجماعة "الشورى" في العام 1987 والإصلاح في العام 1991 "الأمل " في العام 1994 و" الوسط" في العام 1996 ولا يمكن فهم أبعاد الحزب السياسي المطروح للإخوان بمعزل عن السياق والظروف التي أحاطت بمشاريعهم الحزبية الماضية فباستثناء قصة مشروع حزب "الشورى"
فإن الأحزاب الأخرى جاءت في عقد التسعينيات وهي بداية صدام الجماعة مع نظام حسني مبارك ومحاولة الإخوان البحث عن فضاءات لتقنين وجودهم فحزب "الأمل" مثلا "بسبب تضييق النظام على النقابات المهنية التي سيطر عليها الإخوان " و" الوسط " بعد المحاكمات العسكرية في العام 1995 وإعلان عاكف عن الحزب في نيسان أبريل 2007 جاء في أعقاب حادثة طلبة الأزهر في كانون الأول ديسمبر ن العام 2006 رغبة في تخفيف الضغط الأمني على الإخوان والخروج من المأزق السياسي مع الدولة .
وواضح أن طرح برنامج الحزب يأتي في سياق مسعي الجماعة إلى فك الحصار الأمني عنها الحصول على اعتراف قانوني ولكن ليس بالضرورة من خلال حصولها على ترخيص فوري من لجنة الأحزاب فمن جانب هناك قناعة داخل الإخوان بأن نظام مبارك لن يقبل الاعتراف بالجماعة سواء تقدمت بحزب أم لا؛
ومن جانب آخر هناك قناعة بأن طرح الحزب يمكن أن يؤدي مهام أخري غير الحصول على ترخيص لجنة الأحزاب يمكنها أن تخلق رأيا عاما يمهد لقبول الإخوان سياسيا بعد رحيل نظام مبارك وهذه القناعة الثانية تفسر لماذا قررت الجماعة أن تعلن عن حزبها السياسي في العام 2007 ولا تعلن عن مشاريع أحزابها الماضية .

إن المشاريع الحزبية الإخوانية في الثمانينيات والتسعينات يجب أن نفهم ضمن سياقين:

(أ‌) أنها ردة فعل جيل نقابي يريد أن يوائم بين تمدده في المجتمع وانتمائه إلى تنظيم يريد من المجتمع أن يعرف أن له مشروعا سياسيا سلميا .
(ب‌) أنها تعبر عن رؤية قيادة تسيطر على الملف السياسي , وتري أن فتح الملف سيعرضها إلى مزيد من التضييق من النظام .
(ت‌) لقد صيغت المشاريع الحزبية السابقة للإخوان تحت قيادة الراحل مأمون الهضيبي الذي تولى مسئولية الملف السياسي للجماعة منذ عام 1986 وكان الهضيبي يعتقد أن الظروف السياسية منذ بداية التسعينيات بتزايد أعمال العنف في مصر ستجعل الدولة لا تسمح بقيام حزب سياسي للإخوان وفيما لو تم تقديم الحزب إلى لجنة الأحزاب فإن اللجنة سترفضه وتقفل الباب أمام الحركة للحصول على شرعية سياسية
إلا أن جيل السبعينيات داخل الجماعة الذي أحتك بأطياف من شرائح المجتمع وحقق نجاحات داخل مؤسسات المجتمع المدني كانت له رؤية مغايرة بعضهم كان يعتقد أنه يمكن تمويه النظام والتقدم بحزب يبدو مستقلا وحالما يرخص له فإن الجماعة يمكنها أن تنضوي تحته وهي قصة حزب " الأمل "
أما البعض الآخر فيبدو أنه كان متفائلا بجدوى أن يجرب تقديم حزب إخواني إلى لجنة الأحزاب من دون إذن من قيادة الجماعة و أسفر عن فصله من التنظيم وهي قصة مؤسسي حزب "الوسط" وفيما كان يري جيل السبعينيات أن إعلان الجماعة عن حزب سياسي يمكن أن يكسر الطوق الأمني عن التنظيم ويقوض جدلية النظام بأن الإخوان يعملون بسرية وتحت الأرض ولا يملكون مشروعا سياسيا شاملا كان الهضيبي يري أن الوقت ليس ملائما لاتخاذ هذه الخطوة وأن الطوق الأمني سيضيق ولن يتسع .
(ث‌) وتغيرت ظروف الإخوان برحيل مأمون الهضيبي ومجئ مهدي عاكف خلفا له في العام 2004 والفوز بـ 88 مقعدا في انتخابات العام 2005 , ووجود حراك شعبي أفرزه ترشح الرئيس مبارك لولاية رابعة والتعديلات الدستورية في العام 2007.

وفرض فوز الإخوان بـ 88 مقعدا في انتخابات العام 2007 خطابا سياسيا جديدا بين أقطاب المعارضة في مصر إسلاميين وعلمانيين بحيث أصبح الحديث عن رؤية الإخوان السياسية للإصلاح جزءا مهما منه

وبالتالي لم يكن المقصود المباشر من طرح الإخوان للبرنامج السياسي هو موضوع الحصول على ترخيص لجنة الأحزاب حيث إن هناك إيمانا داخل التنظيم بأن هذا الأمر أقرب إلى المستحيل ولا سيما في ظل النظام الراهن وبعد التعديلات الدستورية وإنما استجابة للتساؤلات السياسية غير الحكومية والشعبية عن توجهات الإخوان ومواقفهم من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية العام

وحسب تعبير العريان فإن طرح البرنامج الحزبي للإخوان أصبح ملحا لعدة أسباب:

" الحزب بالنسبة إلينا لا يعني مجرد الترخيص وإنما يعني توضيح رؤيتنا ويعني علاقات حزبية قضية الحزب السياسي للإخوان أصبحت قضية مطروحة بين النخب والتيارات الحزبية وهي أنه لماذا لا يكون للإخوان حزب؟
وهناك أسئلة مطروحة على الإخوان من المجتمع الدولي : ماذا سنفعلون إزاء كذا وما هو موقفكم من كذا؟ والسبب الآخر أن طرح الحزب الآن هو الخروج من مأزق الانسداد السياسي الانفراج قد يأتي في أى وقت من الأوقات وقد يأتي انفراج ديمقراطي فلماذا لا يتكون مستعدا من البداية ولا تنتظر فتداهمك الأحداث وتفكر عندئذ ماذا تفعل؟
إن الإخوان يستهدفون من طرح برنامجهم الحزبي استهداف النخبة في المجتمع وليس السلطة أو لجنة الأحزاب غير المستقلة عن الدولة واستهداف جبهة المعارضة التي اتسعت في السنوات الأخيرة بسبب سياسات النظام والبناء السياسي على شعبية الجماعة في الشارع المصري وبأمل الإخوان في أن يراكموا رأيا عاما تعبر عنه النخبة غير الإخواني وتنضم إلى الضغط بمطالبة السلطة بالاعتراف بالحركة في حال حصول انفراج ديمقراطي بعد رحيل النظام الحالي. (12)

المراجع

  1. سطور من حياة الداعية الربانى عمر التلمساني، بدر محمد بدر
  2. الإخوان المسلمون- كبرى الحركات الإصلاحية - شبهات وردود،توفيق الواعي، مكتبة شروق،ص253
  3. الإسلاميون ومعترك الحياة السياسية بعد الثورة المصرية... الأعباء والمزايا، عمار علي حسن، ورقة مقدمة لمؤتمر صندوق الأمم المتحدة بعنوان تحديات التحول الديمقراطي في مصر خلال المرحلة الانتقالية.
  4. الإخوان المسلمون في مصر: مواجهة أم إدماج، تقرير مجموعة الأزمات الدولية،منشور على موقع إخوان ويكي
  5. محمد منار: الإسلاميون وخيار المشاركة في المؤسسات الرسمية، موقع الجماعة العربية الديمقراطية
  6. سطور من حياة الداعية الربانى عمر التلمسانى، بدر محمد بدر
  7. جريدة الحوادث اللبنانية 14/2/1986، نقلاً عن مجلة الدعوة،العدد114، السنة 36، مارس 1986
  8. صراع على الشرعية الاخوان المسلمون ومبارك 1982-2007، هشام العوضي، مركز دراسات الوحدة العربية،ص131-133
  9. «الحزب السياسي» في تجربة الإخوان المسلمين: حالة «الإصلاح» و«الأمل» و«الوسط»، جريدة الشرق الأوسط 18 ابريل 2001 العدد 8177
  10. صراع على الشرعية الاخوان المسلمون ومبارك 1982-2007، هشام العوضي، مركز دراسات الوحدة العربية،ص131-133
  11. ذكريات د. محمد حبيب عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر، دار الشروق، ص323
  12. صراع على الشرعية الاخوان المسلمون ومبارك 1982-2007، هشام العوضي، مركز دراسات الوحدة العربية،ص273-275

للمزيد عن الإخوان ومبارك