الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون بين عبد الناصر والسادات من المنشية إلى المنصة 1952- 1981
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

إهداء

إلى كل من يعيش حياته للمبدأ لا بالمبدأ
إلى كل من يحفظ للكلمة أمنها وحريتها
فحيثما يوجد الأمان يوجد الإبداع
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة

ظل كثير من المؤرخين يحجمون عن الخوض في القضايا المعاصرة إحجاما تفرضه منهجية البحث التاريخي من جهة وإظهار الالتزام الذي تفرضه الأنظمة السياسية من جهة أخرى إلى أن تهيأت العديد من العوامل التي فرضت ضرورة الخوض في هذه القضايا.

ويأتي طابع التغير والإلغاء في مقدمة هذه العوامل حيث تميزت الفترة ما بعد 1952 في تاريخ مصر بتغير الظروف والفكر والوجهة سواء على الصعيد المحلي أم على مستوى علاقات مصر الخارجية وبخاصة بين عهدي الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس أنور السادات.

فحاول كتاب الفترة الثانية إلغاء الفترة الأولى، ورد عليهم كتاب الفترة الناصرية باتجاه مماثل، وأدى ذلك في ظهور الكثير من الكتابات عن الفترتين وبخاصة من الشخصيات التي شاركت في صنع الأحداث، و تميزت كتاباتهم بالاعتماد على الوثائق التي كانت في حوزتهم ودعمت وجهة نظرهم، كما أن هذه الكتابات التي تناولت أحداثا شاركوا فيها تعتبر في حد ذاتها وثائق وإن كانت تتطلب الدقة والتمحيص.

وتبارى كثير ممن يطلق عليهم – في كل عصر – كتاب السلطة في تناول الأحداث التي امتلأت بها الفترة في محاولات لم تخل من الزيف، الأمر الذي جعل كثيرا من المؤرخين وأغلبهم قد عاصر هذه الأحداث

– يرون ضرورة تناول هذه الأحداث – مشاركين كتاب العلوم السياسية – حتى ولو لم تكن كافة الوثائق عن الفترة قد ظهرت بعد وهو أمر يفرض الكثير من الحيطة والحذر، وحتى تترك كافة الكتابات عن هذه الفترة أمام جيل قادم فيمكن إعادة تقويمها بدلا من أن تظل بزيفها فتحكم حكما متجنيا على الفترة برمتها.

ولعلى أذكر هنا سمنار كلية البنات جامعة عين شمس الذي يجمع في حلقاته نخبة من أقدم وأقدر أساتذة التاريخ الحديث والمعاصر قد خصص أولى حلقاته في العام الجامعي 1987/86 لمناقشة هذه القضية ووصل إلى هذه النتيجة مما شجعني على هذا البحث.

ولهذا فإنني أدين لهذا الحشد من الأساتذة بفضل التشجيع على هذه الدراسة التي كنت أفكر في إنجازها كي استكمل بها بحثا سابقا عن التيار الإسلامي في الفترة من 1928- 1948 حصلت به على درجة الدكتوراه سنة 1978.

وإذا كنت قد حددت حادث المنشية الذي يمثل قمة التصادم بين الرئيس عبد الناصر والتيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين بداية لهذا البحث، وحادث المنصة الذي توج علاقة التصادم بين هذا التيار وبين الرئيس السادات وأودى بحياته كنهاية لهذا البحث، فإن هناك تشابها بين الحادثين.

فقد استقر في وجدان اتباع التيار الإسلامي من اتباع الفكر الشمولي أنهم لا يستطيعون تحقيق أهدافهم إلا بالحكومة الإسلامية وهو أمر يتطلب إعداد قوة عسكرية، ودفعهم هذا إلى تكوين ما يمكن تسميته بالميليشيات الإسلامية التي بلغت مبلغا لا يستهان به من القوة قبل ثورة سنة 1952.

ولما كان شكل الحكومة الدينية التي يسعى هذا التيار لتحقيقها – وهو أمر يتفق مع شكل نظام الحكم الإسلامي وشكل التنظيم الذي أقاموه – أنها تعتمد على فكرة القائد والطاعة أو نظام الحكم الفردي، وهو يطابق نفس نظام الحكومة العسكرية التي قامت بعد ثورة سنة 1952، لذلك فإنه قد أصبح من المستحيل أن يجمع بينهما نظام سياسي واحد، وبالتالي أصبح من الضروري أن يفسح أحدهما المجال للآخر بعد أن أصبح الصدام أمرا حتميا.

من هنا فإن حادثي المنشية والمنصة ضرورة تفرضها ظروف العلاقة بين تيارين متشابهين في التنظيم والتكتيك وتحتم أن يدبر أي منهما للآخر الأحداث التي نتيح له فرصة الانفراد بالحكم، فإن لم تكن المنشية فلا بد من منشية، وأن لم تكن المنصة فلا بد من التدبير لمنصة أخرى، وهي أحداث أسهمت ومازالت تسهم – مع غيرها – في التعبير عن أزمة الشرعية السياسية.

أن كافة الفئات التي انضمت لهذه التنظيمات لتبحث من خلالها عن العدالة الاجتماعية التي تكفلها الأيديولوجية الدينية والتي عجزت الأيديولوجيات الأخرى عن تحقيقها تؤكد بأن الهدف الحقيقي لهذه الفئات ليس إقامة الحكومة الدينية في حد ذاتها وإنما ما يمكن أن تحققه هذه الحكومة لهذه الفئات المعانية من تأمين لمستوى المعيشة وتحقيق لعدل اجتماعي فشلت حكومات الصفوة أن تحققها في التجربة الديمقراطية الليبرالية قبل ثورة سنة 1952 كما فشلت – أو أفشلت – الحكومات العسكرية عن تحقيقها بعد هذه الثورة.

وبالتالي فإن استمرار هذه التنظيمات وزيادة اتجاهها إلى العنف مرهون بالمساعي الجادة والعادلة لحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وهي أمور ستساعد على التخفيف – إلى حد كبير – من حدة أزمة الشرعية.

فأزمة الشرعية السياسية غير مطروحة – في الغالب – في البلاد البترولية حيث أن الرواج الاقتصادي يشكل عاملا هاما في عدم تفجير هذه الأزمة على الرغم من أن هذه البلاد – لا تقدم نموذجا كاملا للحكومة الإسلامية.

أن مراحل الصدام بين التيار الإسلامي والنظام السياسي في الفترة موضوع الدراسة تؤكد هذه الحقيقة فقد جذبت الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي قامت بها الثورة تأييد قطااع كبير من أبناء الطبقة العامة والتي كانت من قبل تؤيد جماعة الإخوان المسلمين.

وظل الصراع ضد النظام السياسي كامنا في الفئات التي أضيرت من هذه النظام بسجن أو قتل عائلها وضيقت سبل العيش عليها فتولدت داخلها كافة الاتجاهات المعادية للنظام السياسي وتكونت منها التنظيمات التي لم تجد أمامها سوى الصدام معه.

وفي الوقت الذي استطاع فيه النظام السياسي في عصر الرئيس السادات أن يستقطب العناصر الإخوانية التي حققت من خلال وجودها في البلاد البترولية – ثراء ماديا، وسمح لها بإقامة العديد من المشروعات الاقتصادية داخل مصر ففتحت مجال الكسب لجموع من شباب هذا التيار، لكن سياسة الانفتاح الاقتصادي قد أسهمت في إحداث تباين طبقي أدى إلى خروج جموع الشباب المستفز المعاني والذي استهوته الأيديولوجية الدينية ليبحث عن تنظيمات خاصة به بعيدا عن زعامات الإخوان التي اضطرتها مصالحها أن تتحالف مع النظام السياسي.

وأخيرًا فإنني بهذا البحث لم أقصد أن أنتصر لشخص أو لتيار أو أذم، فتلك أمور تسيء إلى البحث العلمي، وحسبي أنني بذلت قصارى جهدي محاولا الالتزام بالموضوعية والحيدة.

ولا يفوتني أن أقدم الشكر للأساتذة والزملاء الذين أعانوني

على هذا البحث وأخص منهم الصديق الدكتور حمدي حسن محمود أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر. والله الهادي إلى سواء السبيل.

القاهرة في 9 إبريل سنة 1987.

د. زكريا سليمان بيومي

تمهيد

الإخوان المسلمون والضباط الأحرار

تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من اجتذاب بعض الشبان من ضباط الجيش إلى الاهتمام بالقضايا العامة من خلالها منذ بداية الحرب العالمية الثانية.

ويرجع أحد هؤلاء الضباط سبب ميل بعضهم إلى جماعة الإخوان إلى معاداة هذه الجماعة للحزبية على اختلاف اتجاهاتها وأفكارها إلى جانب ما اتسم به تنظيمها من دقة وانضباط يفوق ما كان في الأحزاب السياسية وعلى رأسها حزب الوفد .

وعلى الرغم من ذلك فإن جماعة الإخوان لم تنجح في احتواء هؤلاء الضباط لكي يعملوا في صفوفها أو لحسابها إلا قلة محدودة – وهو أمر يرجع إلى طبيعتهم العسكرية، ولهذا ظلت العلاقة بينهم – في كل مراحلها – قائمة على التعاون لا التلاحم الذي كانت ترفضه طبيعة التنظيم عند كليهما .

وتبدأ العلاقة الفعلية بينهما بتولي عزيز المصري منصب القائد العام للجيش المرابط في وزارة علي ماهر سنة 1939 والذي كانت مهمته – سواء بوحي منه بحكم ولائه للأتراك أم بوحي من الملك فاروق – هي تجميع القوى الموالية للمحور والمعادية للحلفاء من خلال عدائها للإنجليز، وكان خروجه من الجيش بناء على أوامر من الإنجليز لعثورهم في مقر القيادة الإيطالية على الخطة الدفاعية البريطانية على صحراء مصر الغربية، فرصة هيأت له إمكانية العمل – سرا – لتوحيد هذه القوى.

وكانت صلة جماعة الإخوان المسلمين بعزيز المصر أسبق من صلته بضباط الجيش حيث استقبله وفد من [[الجماعة]ي على رأسه حسن البنا في المطار عند عودته من لندن سنة 1937 ، وهو أمر دعاه – بعد أن توطدت الصلة بينهما – لمحاولة توحيدها مع جماعة مصر الفتاة أملا في تكوين جبهة معارضة للإنجليز.

وكما كانت جماعة الإخوان أسبق من الضباط في الاتصال بعزيز المصري كانت أسبق من المصري في الاتصال بالجيش أملا في توسيع نفوذها في قطاع كان محرما على الأحزاب السياسية فبدءوا بمناقشة بعض قضايا الجنود المضطهدين في الجيش.

ثم سلكوا وسيلة أخرى وهي المناسبات الدينية التي بدأها البنا بالخطابة في وحدة عسكرية التقى فيها بأنور السادات، ثم توطدت العلاقة بينهما بعد ذلك بشكل أدى إلى تعرف البنا على مجموعة من الضباط من خلال صلته بالسادات ، وانضم بعضهم للجماعة.

وقام حسن البنا بترتيب اللقاء الأول بين الضباط و عزيز المصري في عيادة أحد الأطباء المنتمين لجماعة الإخوان وهو الدكتور إبراهيم حسن سنة 1940، وتناول البحث ما تعانيه مصر من الاحتلال الإنجليزي الأمر الذي يستوجب القيام بعمل عسكري تسانده الإخوان ومصر الفتاة .

وكان البنا حذرا من مثل هذا العرض، وأوضح ذلك للمجتمعين حين عرض قلة السلاح ونوعه للإعداد لمثل هذا العمل، لكن قناعة المصري والضباط بأنه لا سبيل إلا ذلك فقام بمحاولة الهروب إلى الألمان ومعه أحد الضباط وهو عبد المنعم عبد الرؤوف لكنها فشلت .

وعلى الرغم من فشل هذه المحاولة إلا أن صلة الضباط بعزيز المصري وتأثرهم به، إلى جانب تأثرهم بالفكر الديني من خلال صلتهم بالإخوان قد ميز جهودهم – في الغالب – في الفترة التالية.

وبعد اعتقال السادات بتهمة الاتصال بالألمان استمرت اللقاءات بين البنا والضباط من خلال عبد المنعم عبد الرؤوف حتى هرب السادات من السجن في نوفمبر سنة 1944 ليعاود دوره في توطيد الاتصال بين الجانبين، لكن توترا قد انتاب العلاقة بينهما بسبب اتصال البنا بالقصر .

وعادت العلاقة بينهما – بشكل متقطع وفردي – بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن توثقت مرة أخرى خلال حرب فلسطين حيث تمكنت الجماعة من ضم مجموعة من الضباط إلى صفوفها ليتولوا تدريب المتطوعين الإخوان ، كما أبدى الضباط إعجابا شديدًا بقدرة متطوعة الإخوان وجرأته من خلال دورهم في الحرب حيث تمكنوا من فك الحصار الذي ضربه اليهود

حول وحدة من الجيش ضمت أغلب الضباط – ومنهم جمال عبد الناصر – في الفالوجا.

وأدى ذلك إلى وجود شيء من التعاطف بينهما حين قام النقراشي بحل الجماعة، وازداد هذا التعاطف بعد اغتيال البنا.

وخلال هذه الفترة كون الضباط تنظيمهم باسم الضباط الأحرار، وكان أغلب ضباطه يميلون إلى جماعة الإخوان المسلمين.

واستمر الاتصال بينهما بشكل أقل – من خلال الدور الذي شارك فيه كليهما – ودون تنسيق مع الآخر في حرب الفدائيين في منطقة القناة عامي 1950، 1951م ، وترجع قلة الاتصال إلى ارتياب بعض الضباط من الهضيبي المرشد الجديد للإخوان بسبب صلته بالقصر، إلا أن الهضيبي قد استطاع أن يبدد ذلك الارتياب من جهة والضرورة الملحة أمام الضباط من جهة أخرى قد فرضت على الضباط ضرورة الاتفاق على دور الإخوان في أحداث سنة 1952 .

وحدثت مشاورات كثيرة حول تصور الجانبين لنظام الحكم إذا نجح الانقلاب هل يكون للضباط أم للإخوان أم يضمهما معا أم لشخصية مستقلة تنال موافقتها.

ومن المؤكد أن حذر كل منهما من الآخر – وبخاصة الضباط – قد دعاهما لقبول الحل الوسط وهو الاتفاق على شخصية علي ماهر ليرأس الوزارة الأولى.

وحينما تحول الحكم إلى الضباط حاولوا أن يبرروا للإخوان إبعادهم لعلي ماهر بأنه قد عطل الدستور ولا يصلح للاستمرار ، وأنهم سيحكمون حكما إسلاميا، وأن المشارات بينهما حول ذلك لن تتوقف، وه أمور كان يرمي الضباط بها إلى استمرار دعم الإخوان وتأييدهم، أو ربما حذر من هياج الإخوان الذي كانوا يحسبون حسابه ضد حركتهم وهي ما زالت في مهدها وبخاصة لوجود العديد من الضباط من ذوي الميول الإخوانية.

ولم تكن هناك مخاوف لدى الضباط من احتمالات تدخل أجنبي بعد أن اطمأنوا – إلى حد ما – من الموقف الأمريكي .

في حين كان موضوعا في الحسبان إمكانية حدوث تدخل إنجليزي، ولهذا اتفقوا مع الإخوان على كيفية مواجهته .

على أن ما ينبغي الإشارة إليه هو أن جماعة الإخوان على الرغم من ازدياد قوتها خلال الحرب العالمية الثانية وفي أعقابها إلا أن الأحداث التي سبقت اغتيال مؤسسها حسن البنا والتي تلته قد أصابت الجماعة بتصدع كبير.

فلم يستطع المرشد الجديد حسن الهضيبي – برغم ما تحلي به من صفات وما بذله من جهد – أن يملأ فراغ سلفه مما أدى إلى استمرار التصدع، بل الضعف، الذي انتاب الجماعة وهو أمر دللت عليه كتابات الغزالي في "معالم الحق" ومقالات محمد البنا "وبعد أيها الإخوان" وغيرها.

كما دلل على هذا التصدع عدم سيطرة قيادة الجماعة سيطرة كاملة على المجموعة المسيطرة على الجهاز السري أو النظام الخاصة وبخاصة بعد وفاة الصاغ محمود لبيب سنة 1951، حيث استشعرت هذه المجموعة القوة من خلال دورها في حرب فلسطين ومعارك الفدائيين في القناة.

وأدى ذلك إلى جنوح أسلوب الجماعة – في الغالب – إلى القوة بدلا من التركيز على الدعوة والإرشاد الذي كان السمة الغالبة للجماعة في الفترة السابقة، كما أدى إلى سعي الهضيبي لإبعاد عبد الرحمن السندي الذي أصبح المرجع الأول في التنظيم السري بعد وفاة الصاغ لبيب ، وإلى محاولة جماعة الضباط استقطاب السندي أكثر من حرصها على العلاقة مع المرشد العام الأمر الذي يؤكد إدراكهم لهذا التصدع ، وأدى كذلك.

إلى حدوث انشقاق داخل الجماعة في أعقاب أحداث سنة 1952، حيث انفصلت – بعد الباقوري – مجموعة صالح عشماوي، وطلب البعض تدخل الضباط بينهم ففتحوا ثغرة في صفوفهم أحسن الضباط استغلالها .

الفصل الأول عبد الناصر والاتجاه الإسلامي(1952- 1970)

الإخوان وثورة سنة 1952 (فترة التحالف)

مع أن البعض من جماعة الضباط الأحرار كان مرتبطا بجماعة الإخوان المسلمين – كما سبق التوضيح – في مقابل مجموعة أخرى يمكن القول بميولهم اليسارية ، إلا أنهم في مجموعهم – وبعد نجاح عبد الناصر في اجتذاب الأغلبية منهم حوله – قد حاولوا السير في طريق الحذر من كافة القوى وتجنب الصدام معها وبخاصة جماعة الإخوان التي كانت تعد أكثر هذه القوى خطرا على النظام .

وعلى الرغم من إصدار الإخوان لبيان تأييد لحركة الضباط وصفها بأنها حركة مباركة إلا أن جمال عبد الناصر قد ضاق لتأخر صدور هذا البيان حيث لم يصدر إلا في أول أغسطس بعد عودة المرشد حسن الهضيبي من الإسكندرية الأمر الذي دعاه للشك بأن الإخوان – برغم تأييدهم – لم تكن لديهم الثقة الكاملة في نجاح الحركة .

كما ضاق لما طرحه الإخوان في بيانهم حول رؤيتهم للإصلاح والتي كانت تركز فيها على النواحي الدينية وحصر مهمة العسكريين، في حين كان جمال عبد الناصر ومن خلفه رفاقه يريدون – بعد نجاحهم – أن يكونوا المصدر الأول في أية رؤية إصلاحية سعيا لكسب تأييد الشعب، ويمكن الاستدلال على ذلك برد عبد الناصر على الجماعة حين طرحت عليه فكرة تكوين لجنة من الإخوان تعرض عليها كافة الخطوات قبل إعلانها حيث قال: "أن الثورة لا تقبل وصاية من أحد".

ومع ذلك فقد سارع الضباط بإعادة فتح التحقيق في قضية اغتيال مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا والقبض على المتهمين وعلى رأسهم إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء الذي اغتيل البنا في عهده، وكذلك قام الضباط بالإفراج عن المسجونين السياسيين وبخاصة أعضاء الجماعة ممن كانوا قد اتهموا في عديد من القضايا كقضية اغتيال النقراشي والخازندار وغير ذلك من قضايا الاغتيال السياسي.

وعلى الرغم من أن قادة النظام قد أعلنوا أن ذلك جاء إرساء للعدالة أكثر من كونه تقربا للجماعة إلا أن الميل إلى استقطاب – أو استرضاء -الإخوان لم يكن خافيا وبخاصة بعد اشتراك مجموعة كبيرة من ضباط النظام في تأبين البنا مما حدا بالكثيرين لأن يعتبر النظام الجديد مجرد أداة في يد الإخوان ، وتخيل البعض وجود تحالف بين الجماعتين.

الشاملة والتغير الاجتماعي ، كما كان يري بأن الدين لا يصلح لأن يكون منطلقا لأيديولوجية سياسية ومن ثم فهو لا يؤمن بأن يتحول الفكر الديني إلى حركة سياسية منظمة.

من هنا يمكن القول بأن حادث المنشية – صحيحا كان أم مدبرا – ضرورة فرضتها الظروف، كما يمكن – بناء على ذلك – تفسير تردى العلاقة بين الإخوان والنظام بسرعة مذهلة، وكذلك تفسير أبعاد الصراع بين العسكريين أنفسهم .

***

الصدام بين عبد الناصر والإخوان

في أعقاب استقالة علي ماهر في ديسمبر سنة 1952 وتشكيل وزارة جديدة برئاسة محمد نجيب طلب نجيب – بناء على رأي الضباط – من حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين ترشيح ثلاثة من أعضاء الجماعة لتمثيلها في الوزارة الجديدة، ورشحت الجماعة عضوين ثم عادت ورشحت عضوين آخرين، لكن مجلس قيادة الثورة لم يوافق إلا على أحدهم وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري، فردت الجماعة برغبتها في عدم المشاركة في الوزارة، وأعلن الباقوري مشاركته في الوزارة منفردا ففصلته الجماعة .

ومع أن ذلك كان أول مأزق بين الجماعة والنظام إلا أنه كان كفيلا بتوضيح حقيقة عدم إمكانية التقائهما فسارعت الجماعة بإعلان رغبتها في إقامة حكومة إسلامية هدفها رفع المعاناة عن الشعب، وأنه إذا كان العسكريون قد نجحوا في إبعاد الفئات المعارضة عن الحكم فإن الدور التالي أو الخطوة التالية تقع على كاهلهم في إعداد جيل جديد على التعاليم الإسلامية الخالصة يستغرق إعداده عشر سنوات يمكن أن يبقى خلالها مجلس قيادة الثورة .

ولهذا لا يستبعد أن يكون الضباط قد عزموا على ضرورة انتظار – أو تهيئة – الفرصة لإبعاد خصومهم عن الساحة السياسية، كما أن الإخوان قد سعوا من جانبهم أيضًا لمحاولة الاستئثار بالسلطة وإبعاد خصومهم مما أثار خلافا داخل جماعة الإخوان، وبدت هذه المحاولات – من قبل الإخوان – في الفترة منفبراير إلى أكتوبر سنة 1954، أي بين قرار الحل الأول في يناير سنة 1954 وبين حادث المنشية، وكان ذلك لإدراك أغلب أعضاء الجماعة اتجاه الضباط لإبعادهم .

على أن ما ينبغي توضيحه هو انه لم يكن من السهل أن يقوم الإخوان بإقناع الجماهير بالدخول في صدام مع النظام بعد أن نال شيئا من الشعبية لما قاموا به كطرد الملك وتحديد الموقف من الإنجليز والاتجاه إلى تحديد الموقف من ملاك الأراضي وأصحاب رؤوس الأموال، وهي أمور نالت تأييد أعضاء الجماعة، وبالتالي فإن الخلاف في الرأي أو الأسلوب بين النظام والجماعة لم يكن – في رأي الطبقة المثقفة على الأقل – يستوجب الصدام، ومع ذلك ساد إحساس عام بضرورة حدوث صدام بين الجانبين.

***

الأزمة الأولى ( من يناير إلى مارس 1954)

أرسلت وزارة الداخلية – قبيل صدور قرار حل الأحزاب السياسية – خطابا إلى جماعة الإخوان لتحديد هويتها عما إذا كانت حزبا سياسيا أم أنها جماعة دينية.

وقد أثار هذا الخطاب جدلا شديدًا داخل الجماعة فمنهم من رأي أن السياسة من بين أهدافها وبالتالي فهي حزب سياسي، ومنهم من رأي أنها دعوة شاملة – كما حددها مرشدها الأول – لا تقبل هذه التقسيمات – وحين ت غلب أصحاب الرأي الأول أرسلوا ردًا إلى وزارة الداخلية يؤكد بأنهم حزب سياسي وهو أمر أدى إلى استقالة المرشد العام حسن الهضيبي حيث كان من أنصار الرأي الثاني.

وحرصا من الجماعة على عدم حدوث انشقاق، واقتناعا برأي المرشد، عادوا ليسحبوا ما كتبوه لوزارة الداخلية .

ومع أن قانون حل الأحزاب السياسية الذي صدر في يناير 1953 قد استثني جماعة الإخوان باعتبار أنها جماعة خيرية دينية – من وجهة نظر الضباط-، وان ذلك قد أوحى بصلة الود والحرص على العلاقة بينهم وبين الجماعة، إلا أن صدور ذلك القانون قد أثار قلقا داخل الجماعة.

فسعى بعض أعضائها للاتصال بجمال عبد الناصر لاستجلاء حقيقة موقفهم وعرضوا الاشتراك في الوزارة أو تكوين هيئة مشتركة مع الضباط والجماعة تعرض عليها كافة القرارات قبل صدورها.

واعتبر عبد الناصر أن ذلك نوعا من محاولة فرض الوصاية ورفض هذه المقترحات. وأعقب ذلك صدور قرار في 14 فبراير سنة 1954 – لم يعارضه سوي محمد نجيب الذي كان على صلة بالجماعةبحل الجماعة باعتبارها حزبا سياسيا ويطبق عليها بالتالي قرار حل الأحزاب السياسية، واعتقل الضباط حوالي 450 من أعضاء الجماعة أودعوا السجون .

وعلى الرغم من تبرير الضباط لهذا القرار بقيام مجموعة من الإخوان بالاتصال بالإنجليز ومحاولة قلب نظام الحكم إلا أن عدد الذين اعتقلوا لم يكن يعني تصفية الجماعة، بل كانت محاولة لاستغلال الصراع فيها وتحجيم دورها، وإحلال قيادة أخرى محل الهضيبي يسهل التعامل معها، وهو أمر تؤكده البيانات التي نشرتها جريدة الجمهورية" وهي الصحيفة الرئيسية للنظام حيث ركزت هجومها على الهضيبي بأنه اتجه بالجماعة اتجاها يغاير أسلوب مؤسسها الأول الشيخ حسن البنا ، وتؤكده كذلك قيام مجموعة من الضباط في مقدمتهم جمال عبد الناصر ومعهم بعض أعضاء الإخوان بزيارة قبر الشيخ حسن البنا .

وأعقب ذلك حدوث أزمة بين مجموعة الضباط على رأسهم جمال عبد الناصر وبين محمد نجيب سواء حول تحديد الرجل الأول في مجلس قيادة الثورة أم لارتيابهم من اتصال نجيب بجماعة الإخوان، واضطر محمد نجيب أن يقدم استقالته في 23 فبراير سنة 1954.

وأثارت هذه الاستقالة خلافا بين الضباط هل تكون إقالة أو استقالة، واستقر الرأي على قبول الاستقالة.

ولكن في أعقاب إعلانها قامت مجموعة من ضباط مجلس قيادة الثورة من سلاح الفرسان بمساعدة محمد نجيب للعودة مفروضا على النظام إلى منصب الرئاسة .

وكان سبق استقالة محمد نجيب مظاهرات كبيرة وبخاصة من طلاب الجامعة ممن ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين واصطدمت هذه المظاهرات بالبوليس مما أدى إلى تحولها إلى حالة اضطرابات عامة مما أدى إلى استدعاء محمد نجيب لأحد زعماء الإخوان والرجل الأول فيها بعد سجن المرشد العام وهو عبد القادر عودة ليوقف هذه المظاهرات، ونجح عودة في ذلك فتحول فينظر النظام إلى زعامة مؤثرة يحسب حسابها بعد أن كانوا يعتقدون قربه منهم وبرغم اعتقادهم أنهم اعتقلوا الزعامة الأقوى تأثيرا، فقبضوا عليه مع مجموعة أخرى من الجماعة.

وكان على الضباط أن يعيدوا النظر – إذا ما أرادوا الانفراد بالسلطة – في موقفهم من محمد نجيب والإخوان معا، ولذلك استجابوا لطلب نجيب، ولوساطة الملك سعود الذي كان يزور مصر، وأعلنوا عودتهم عن قرار حل الأحزاب السياسية وإلغاء الرقابة على الصحف وأفرجوا عن زعماء الإخوان المسلمين .

ولم يستطع الإخوان – من جهة أخرى – استغلال ما أصاب مجلس قيادة الثورة من تصدع خلال هذه الأحداث مكتفين بما حققوه من نجاح آملين أن يتعلم النظام مدى قوتهم وتأثيرهم على الأحداث.

ويبدوا أنهم لم يتفقوا داخل الجماعة – بسبب ما أصابهم من تصدع وانشقاق – على الأسلوب الواجب اتخاذه تجاه العسكريين الأمر الذي أدى إلى تهيئة الفرصة أمام منافسيهم للإعداد لجولة أخرى، كما لم يفهموا كذلك البعد المقصود من طلب الضباط من عبد القادر عودة حل الجهاز السري، وقد أدى ذلك إلى اتهامهم من منافسيهم من أتباع الأحزاب السياسية القديمة والشيوعيين بالتراخي والعمالة ووصفهم بالفاشيستية على غرار العسكريين، كما اتهموا أيضًا – وبسبب التحالف مع النظام – بالعمل على هدم المسيرة الوطنية .

وتمكن العسكريون من إعداد مظاهرات مماثلة من اتحاد العمال والمنظمات الشبابية الحكومية بعد أن استقطبوا بعض زعامات الإخوان واتفقوا معهم على التعاون، وخرجت المظاهرات تنادى بحل الأحزاب السياسية على عكس ما كانت تنادى به جماعة الإخوان ومحمد نجيب، واتخذوا من هذه المظاهرات ذريعة لإعادة إلغاء الأحزاب السياسية عدا جماعة الإخوان وأصدروا قرار بمنع التظاهر الذي كان من الواضح أنه وسيلة لكبح جماح الإخوان .

وكان من المنتظر أن تؤدي هذه الأحداث إلى وحدة الصف والحذر الكامل داخل الجماعة لكن ما حدث كان في بدايته عكس ذلك حيث ظل الهضيبي ومن خلفه الجهاز السري الجديد الذي شكله من قيادات أكثر ولاء له بعد إبعاد عبد الرحمن السندي ؟

لوا يسيرون – دون حذر – في سياسية التعاون المتفق عليها مع العسكريين في حين ظلت مجموعة كبيرة من جماعة الإخوان يغلبهم الحذر الكامل مما يبيته العسكريون لهم وبخاصة بعد أن تراجع العسكريون عن تنفيذ ما اتفقوا عليه من الإفراج عن الضباط المنتمين للجماعة وإعادتهم إلى وظائفهم، وحدث العكس حيث قدم عبد المنعم عبد الرؤوف للمحاكمة.

واستطاع عبد المنعم عبد الرؤوف أن يفر من السجن وينضم للجهاز الخاص وبشكل أصبح ينذر بقرب الصدام، ولهذا عاد الهضيبي وصحبه لينضم إلى ركب الجناح الغير متفائل بأي أسلوب من أساليب التعاون مع الحكومة العسكرية .

وقرر الهضيبي السفر – لمدة شهرين – إلى البلاد العربية، ويبدو أنه قد أشار إلى بعض أعضاء الجماعة بمحاولة استكشاف أبعاد العلاقة مع عبد الناصر.

وفي نفس الوقت كان عبد الناصر يخشى سعي الهضيبي لإثارة سخط البلاد العربية على النظام في مصر فاجتمع به قبل السفر وحذره من ذلك.

كما حدد عبد الناصر شروطه في عودة العلاقة مع الجماعة لوكيل الجماعة خميس حميدة وتتمثل في حل الجهاز السري حتى يكون بداية لطريق من التفاهم ثم التعاون .

لكن الموقف سرعان ما خيمت عليه سحب الصدام مرة أخرى على إثر نشر الهضيبي لنقد الاتفاقية التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى بين مجلس قيادة الثورة والبريطانيين مظهرا – بطريق غير مباشر – عدم حرص العسكريين على هذه القضية الوطنية الهامة، ومشيرا إلى دكتاتوريتهم من خلال ما طالب به من ضرورة طرح هذه القضية على برلمان حر منتخب يمثل الشعب معيدا بذلك إلى ساحة الصراع بينهما قضية الحياة النيابية التي رفضها العسكريون .

وأعقب ذلك قيام الحكومة باعتقال العديد من أعضاء الجماعة، واختفى كثير منهم وواصلوا العمل من مخابئهم انتظارا لما ستسفر عنه الأحداث.

وكان الضباط قد نجحوا في توسيع هوة الصراع بين صفوف الجماعة، ذلك الصراع الذي نجمت عنه أمور خطيرة بالنسبة لهم لا تقل عن خطر العسكريين عليهم.

فقد اتهمت مجلة الدعوة المرشد العام بالدكتاتورية والبعد عن تعاليم الإسلام .

ووصفت اختفاءه بالعجز عن مواجهة الأحداث، وحملوه ما وصلت إليه الجماعة من تفكك فكان لذلك أثره على أعوان الجماعة وتأكيدا لعجز القيادة الإخوانية عن السيطرة على كل نشاط أو أجنحة الجماعة، وحقق هذا الأمر ارتياحا كاملا من منافسيهم في الحكم وبخاصة أن أحد هذه الأجنحة وهو جناح صالح عشماوي قد سار في طريق تأييد النظام العسكري الذي ظل يسمح – من أجل هذا – لمجلة الدعوة – التي يملكها جناح صالح عشماوي – بالصدور عملا على توسيع هوة الخلاف داخل الجماعة وإظهار تأييد الإخوان للثورة أمام الشعب في وقت لا يملك فيه الجناح المعارض – بزعامة الهضيبي – أية وسيلة إعلامية.

وبدا هذا الانقسام واضحا في اجتماع الهيئة التأسيسية للجماعة والذي عقد في 23 سبتمبر سنة 1954 حيث نجحت المجموعة المؤيدة للمرشد العام حسن الهضيبي أن تصدر بيانا باستمرار مبايعة الهضيبي وموافقتهم على مواقفه.

وقام الجناح المعارض بعقد اجتماع آخر خارج المركز العام للجماعة وأقر بطلان البيان الصادر وقرروا إبعاد الهضيبي بمنحه إجازة مفتوحة وكونوا لجنة تشرف على مكتب الإرشاد بدلا من انتخاب مرشد آخر.

ولما كان الهضيبيومن معه يسيطرون على الجهاز السري الجديد، ولم يكن لهم أي وسيلة إعلامية لنشر آرائهم ، فأدى هذا – كما رأي بعض الكتاب – إلى اتجاه هذا الجناح إلى العمل السري كأسلوب، والسعي إلى إحكام السيطرة على الجماعة كهدف محدود، والسعي لتأكيد دور الجماعة على الساحة السياسية أمام النظام العسكري كهدف أساسي.

كما كان على جمال عبد الناصر والعسكريين – وهم يدركون ما يدور في الجماعة من أسلوب وأهداف – أن يترقبوا الأحداث، وينتظروا – أو يهيئوا – الظروف التي تمكنهم من إحكام سيطرتهم

على السلطة في البلاد دون منافس. وبدا ذلك واضحا من أسلوب المهاجمة الذي شنه العسكريون في جريدة الجمهورية" والذي تركز على الهضيبي "وعصابته" – حسب تسمية الجريدة-، وركزوا على صلته السابقة بالملك واتصالاته بالإنجليز وتقديمه – خلال هذه الاتصالات – لعديد من التنازلات لهم لم يوافق عليها مجلس قيادة الثورة، واستخدامه للجهاز السري في محاولة لإرهابهم من أجل فرض رأيه ووصايته عليهم .

وحدثت في هذه الأثناء العديد من الاشتباكات بين البوليس وأعضاء من جماعة الإخوان وبخاصة في المساجد التي كان خطباؤها – المنتمين للجماعة – يهاجمون النظام الحاكم، وأدى هذا إلى اعتقال العديد من أعضاء الجماعة، وتحول الكثير منهم إلى العمل السري، وشاركهم في هذا الاتجاه بعض الخلايا الشيوعية .

وقد عبر النظام الحاكم على لسان أحد أعضائه وهو أنور السادات – في جريدة الجمهورية – أنه لابد من اتخاذ قرار حاسم تجاه الجماعة وأن ذلك ينبغي أن يكون وافقا لإرادة الشعب، وبات مؤكدا أن النظام يهيئ الجماهير لقبول موقف حاسم وشيك الوقوع .

***

حادث المنشية (26 أكتوبر سنة 1954م)

سبقت الإشارة إلى أن وحدة الأيديولوجية بين النظام العسكري وبين النظام الإسلامي الذي تنتهجه جماعة الإخوان المسلمين قد جعلت الصدام بينهما حتمية ضرورية حيث يعتمد كلاهما على فكرة القائد والطاعة، وبالتالي فإن سعي كليهما للوصول إلى السلطة أو السيطرة على مجريات الأمور سواء بالأسلوب العلني أم بالأسلوب السري هو الطابع المميز للعلاقة بينهما منذ قيام الثورة وحتى وقوع هذا الحادث، وأن هذا الأمر قد فرض ضرورة أن يفسح أحدهما المجال للآخر.

وإذا كان النظام العسكري قد استعان بالإخوان المسلمين عند قيام الثورة، كما تقرب منهم بعد ذلك لكي يعينوه على التخلص من الأحزاب الديمقراطية مستغلا رفض النظام الإسلامي لتعدد الأحزاب وكذلك القوى الشيوعية حتى يخلص له الحكم فإن النظام العسكري لم يكن ليقبل بعد ذلك أي شكل من أشكال التعاون مع هذه الجماعة وهو ما عبر عنه جمال عبد الناصر حين طلبت منه الجماعة التشاور في القضايا العامة ونظام الحكم بقوله: "أن الثورة لا تقبل وصاية من أحد".

وكما يقول كوبلاند في كتاب "لعبة الأمم": أن عبد الناصر كان يدرك أن جماعة الإخوان المسلمين "كان لها من القدرة على العمل ضد ناصر كقدرتها على العمل لصالحه، وأنها كانت قوية إلى حد أن أي محاولة من ناصر للتعاون معها ستنتهي به إلى وضع يجد فيه نفسه مطية لها ليس العكس أبدا" .

لذلك فإن عبد الناصر قد أعد نفسه لإبعاد هذه الجماعة، بشكل أو بآخر، بحق أو بغير حق، عن ساحة العمل السياسي في مصر.

وبدت هذه الحقيقة مؤكدة في ذهن عبد الناصر وصحبه في أعقاب الأحداث من يناير إلى مارس 1954 حيث تمكنت هذه الجماعة من فرض وجودها وإعادة محمد نجيب إلى الحكم وهو أمر أثار ضيق عبد الناصر، وأدرك أنه لكي ينفرد بالسلطة لا بد أن يطيح بالإخوان قبل محمد نجيب وليس العكس.

ووجد عبد الناصر نفسه مدفوعا إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق سريع مع الإنجليز بخصوص الجلاء سواء لأنه أراد أن يتفرغ لتصفية حساباته الداخلية أم لأنه قد علم باتصال الإنجليز بقيادات الإخوان المسلمين للتشاور حول قضايا اتفاقية الجلاء.

ولا شك أن الإنجليز قد فعلوا هذا لإدراكهم أن الإخوان قوة مؤثرة على الساحة السياسية من جهة، ولكي يدفعوا عبد الناصر لقبول كثير من وجهات النظر الإنجليزية من ناحية أخرى.

وبالفعل فقد وقع عبد الناصر في الفخ الذي نصبه له الإنجليز حول الاتفاقية، فحاول هو أن يستغل اتصال الإنجليز بالإخوان لتشويه هذه الجماعة وهو أمر جعل الإخوان يهاجمونه من خلال التنازلات التي بدت في الاتفاقية.

وإلى جانب ذلك فإنه لم تكن لعبد الناصر قبل حادث المنشية شعبية تذكر وكان هو بنفسه يدرك هذه الحقيقة فيذكر عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أن أغلبية الشعب كانت تنظر إلى عبد الناصر نظرة عدم ارتياح منذ أزمة مارس 1954 ، كما يذكر ميتشيل أن الرصاصات الثمانية في "حادث المنشية" قد وفرت لعبد الناصر إحدى الوسائل القليلة لإنقاذ الموقف من خضم الصراع والعداء الذي ميز علاقاته بالشعب الذي يحكمه .

ويذكر صلاح شادي نقلا عن جان لاكوتيه بأن عبد الناصر بدا أكثر انعزالا عن الشعب بعد اتفاقية الجلاء .

وقبل الخوض في تفصيل حادث المنشية ينبغي أن نوضح أنه على الرغم من كثرة الكتابات التي تناولت هذا الحادث إلا أن عدم توفر الوثائق قد حصر أغلب هذه المحاولات في إطار وجهات النظر الخاصة وهو أمر يفرض حذرا شديدًا في الاستعانة بها، ومع أن بعض أصحابها قد شاركوا بشكل أو بآخر في صنع أحداث الفترة، وتعتبر كتاباتهم مصدرا لها إلا أنهم يمثلون وجهة نظر النظام.

كما أن الاعتماد على الدوريات في هذه الفترة كما هو واضح عند ميتشيل – في الغالب – أو على محاضر محكمة الشعب التي اعتمدت عليها دراسة الدكتور عبد العظيم رمضان، إلا أنها في مجموعها لا تعطي تفسيرا قاطعا عن أحداث هذه الفترة وبخاصة أن كلا المصدرين يمثلان وجهة نظر جانب واحد من جانبي الصراع وهو النظام العسكري مما دعا الدكتور عبد العظيم رمضان لأن يهاجم محاضر محكمة الشعب برغم اعتماده عليها فحكم بأن المحاكمة كانت صورية وأن الإدانة وأحكام الإعدام كانت مقررة سلفا وأن الهدف كان إخراج الجماعة من الحياة السياسية ما بقيت الثورة في الحكم .

وينبغي الإشارة إلى أن أحداث الشهور السابقة لحادثة المنشية كانت تسير بالتدريج في طريق تهيئة الجماهير لتقبل فكرة الصدام بين النظام العسكري وجماعة الإخوان المسلمين.

وقد استغل جمال عبد الناصر ذكاءه في توسيع هوة التصدع داخل الجماعة وفي نفس الوقت محاولة تشويه صورتها أمام الجماهير من خلال المقالات الصحيفة بالإضافة إلى إبراز مدى حرص النظام العسكري على المظاهر الدينية ثم أعقب ذلك مرحلة تهيئة الرأي العام لقبول فكرة ضرب الجماعة.

وقد سبقت الإشارة إلى التصدع والخلاف الذي أصاب الإخوان المسلمين والذي أدى إلى عدم الاتفاق على أسلوب عمل موحد تجاه النظام حيث طرحت العديد من الأفكار في هذا الاتجاه.

فذكر حسن العشماوي فكرة قيام أفراد الجماعة باختطاف بعض رجال البوليس الحربي والمباحث العامة والاحتفاظ بهم كرهائن مقابل الإفراج عن الذين تم اعتقالهم من أعضاء الجماعة بقصد إسقاط هيبة النظام وشل حركته .

وعرض عبد المنعم عبد الرؤوف بعد هروبه من السجن واحتمائه بالجهاز السري فكرة إعداد أربع أو خمس فصائل مسلحة وشراء زي عسكري بقصد القيام باحتلال مجلس الوزراء، وقد أثبتت محاضر التحقيق في محكمة الشعب شراء الزي العسكري ولكن الفكرة لم تنفذ لأنها لم تحظ بموافقة قيادة الجماعة .

وطرحت فكرة أخرى مؤداها أن تتحرك بعض فصائل من الجيش الموالية لمحمد نجيب وفي نفس الوقت تقوم الجماعة بمظاهرات شعبية واسعة بنفس الأسلوب الذي حدث في أزمة فبراير ومارس سنة 1954.

بل وحتى اختلف أعضاء الجماعة حول هذه الفكرة هل تكون المظاهرات سليمة؟ وهل ينبغي أن تخرج في حراسة بعض العناصر الإخوانية المسلحة حتى تحميها من احتمال ضربها من أتباع النظام أم لا؟

وكان رأي عبد المنعم عبد الرؤوف أن تحرسها عناصر مسلحة ثم تلتقي مع القوات المؤيدة لمحمد نجيب ، ولم تطرح فكرة الاغتيال إلا إذا حدث اعتداء من الموالين للنظام على هذه المظاهرات، ولكن الهضيبي لم يوافق على فكرة الاغتيالات أو حتى فكرة المظاهرات المسلحة ، وإذا كانت هذه الأفكار تؤكد التمزق الذي أصاب الجماعة وجهود النظام العسكري في تزكية وتوسيع هذا التمزق، إلا أنها في نفس الوقت تؤكد رفض قيادة الجماعة بل وحتى قيادة التنظيم السري الجديد الذي يرأسه يوسف طلعت والذي كان تابعا لهذه القيادة، لفكرة استخدام العنف، وأن إمكانية استخدامها لدى الجهاز السري لم تأت إلا في حدود رد الفعل على أي عنف يستخدمه النظام من جهة، وأنها انحصرت في فكر مجموعة أفراد من هذا الجهاز غلبت عليهم طبيعتهم العسكرية أو الحماسية، وهي أمور تنفي إلى حد كبير مسئولية الجهاز السري أو قيادة الجماعة عن حادث المنشية.

ويمكن الاستدلال على رفض كافة أجنحة الجماعة لأسلوب العنف من القرار الذي أصدرته الهيئة التأسيسية في اجتماعها الذي عقد في 23 سبتمبر 1954 برئاسة نائب المرشد الدكتور محمد خميس حميدة والذي تصدره تقدير الجماعة لدور مجلس قيادة الثورة في القضاء على الملكية والإقطاع وعلى جهوده المبذولة لصالح الأمة، وأن على الإخوان ومجلس قيادة الثورة العمل سويا من أجل ما فيه خير العقيدة والأمة، وأن على الحكومة أن تقر بحق الإخوان في إبداء رأيهم في مختلف القضايا وبخاصة اتفاقية الجلاء .

وأدت هذه الأمور إلى إعلان مجموعة من أعضاء الجماعة بعد اجتماعهم في 21 أكتوبر سنة 1954 لمجموعة من القرارات في مقدمتها اعتبار المرشد العام حسن الهضيبي في إجازة مفتوحة وبطلان قرارات الهيئة التأسيسية التي صدرت في 23 سبتمبر 1954 وإقالة مكتب الإرشاد الحالي وتشكيل لجنة مؤقتة لإدارة شئون الجماعة ضمت الدكتور خميس حميدة وعبد الرحمن البنا وهم من أتباع اتجاه التعاون مع النظام العسكري الحاكم الأمر الذي يؤكد دور عبد الناصر في تزكية الصراع الداخلي في الجماعة ، وصلته بالكثير من العناصر فيها كما أنها توحي بحقيقة أهدافه تجاهها، فعزل الهضيبي من الجماعة يسهم في

إضعاف شخصيته واضطراب الجماعة لدى الرأي العام، وحرص الصحف الحكومية على الإسهاب في ذكر حوادث الصدام بين أعضاء الجماعة والتشابك بالأيدي بعد اجتماع 21 أكتوبر سنة 1954 يقلل من هيبتها لدى الجماهير ولدى أتباعها، وفوق هذا وذاك يصيب أي عمل موحد يمكن للجماعة اتخاذه كفكرة المظاهرات أو غيرها بالفشل لعدم وجود قيادة موحدة.

وركزت الصحف الحكومية على كثير من الجوانب في هذا الاتجاه حيث ذكرت قيام الجماعة بتوزيع منشورات سرية تسيء إلى الحكومة والشعب، وكانت الصحف تكتفي بنشر أجزاء عنها توافق ما تريده من أغراض وما تبيته من نية حيال الجماعة حيث ذكرت في معرض تفنيدها لبعض هذه المنشورات أن الهضيبي يعتبر الثورة انقلابا وأنه في القريب سوف يشعر أن ما حدث في مصر ثورة وليس انقلابا .

وواصلت الصحف الحكومية نشر العديد من الرسائل أسندتها إلى أعضاء من جماعة الإخوان بعثوا بها إلى الحكومة ليؤكدوا ولاءهم لها ويستنكرون أعمال الجماعة ومرشدها العام المعادي لمجلس قيادة الثورة .

وفي نفس الوقت فقد نشرت الصحف الحكومية خلال شهر أغسطس وسبتمبر أنباء عن قيام أعضاء جماعة الإخوان باشتباكات مع كثير من فئات الشعب في طنطا وميت غمر والسويس وغيرها على الرغم من أنها كانت اشتباكات يفتعلها الحرس الوطني وبعض العناصر التابعة للنظام.

واتخذت الحكومة من مثل هذه الأحداث وسيلة لاعتقال بعض العناصر الإخوانية ومحاولة تشويه صورة الجماعة .

وفي نفس الفترة اتجهت الصحف الحكومية إلى التركيز على إظهار مدى رص والتزام أعضاء مجلس قيادة الثورة على الاتجاه الإسلامي فتابعت قيام جمال عبد الناصر بالحج إلى بيت الله الحرام في أغسطس سنة 1954 والدور الذي لعبه أثناء تأديته لفريضة الحج في انعقاد المؤتمر الإسلامي ولقائه بقادة العالم الإسلامي واختيار أنور السادات سكرتيرا عاما للمؤتمر، وكتب أنور السادات العديد من المقالات الإسلامية.

واستصدر النظام في نفس الفترة العديد من بيانات الإدانة من الأزهر ضد جماعة الإخوان وغيرها من البيانات المؤيدة للحكومة ، وحاولوا توسيع نطاقها بتوزيعها على خطباء الأزهر في مساجد الأقاليم.

ولم تكن نية النظام العسكري الحاكم بعد ذلك بخافية على أي متتبع للأحداث وان ما تبينته للأجهاز على الجماعة قد أصبح وشيك الحدوث وهو أمر لم تخفه صحف النظام حين كتب أنور السادات مقالا ذكر فيه أن آلاف من الخطابات والبرقيات أرسلها الكثير من فئات الشعب المختلفة يطالبون فيها بالقضاء على الإخوان المسلمين، ورد على ذلك بأن مشاعر الشعب متقلبة وخاصة تجاه هذه الجماعة حيث أن كافة الحوادث التي تعرضت فيها هذه الجماعة للاضطهاد قد أكدت ازدياد التعاطف معها، وإذا كان الشعب يريد أن يفعل شيئا في هذا الاتجاه فإنه وحده هو الذي يفعل ما يشاء حتى يظل دائما يريد ما يفعله .

وكان على عبد الناصر أن يسارع بالإجهاز على الجماعة تحاشيا لما يمكن أن تفعله من مظاهرات شعبية للاعتراض على ما تخلل اتفاقية الجلاء التي عقدها مع الإنجليز فتزيد من إضعاف شعبيته، كما أنه لم يكن يدري حجم هذه المظاهرات ومداها وكذلك إمكانية مساندة الموالين لمحمد نجيب من العسكريين لها، أو ربما نجاح بعض العناصر في فكرة الاغتيال أو القيام بعمليات عنف لا يمكن السيطرة عليها فتسقط هيبة النظام ويظهر ضعفه.

وقد وجد أن انقسام الجماعة وتصدعها وصلته ببعض أجنحتها وعناصرها وانقسام القيادة والرأي الموحد فيها فرصة قد لا تتكرر بالنسبة له وبخاصة بعد أن هيأ الرأي العام لقبول فكرة الانقضاض على الجماعة.

لذلك فإن هذه الأسباب مجتمعة، إلى جانب طبيعة عبد الناصر العسكرية وما تفرضه عليه من رغبة للانفراد بالسلطة، تدعو إلى قبول تفسير البعض لحادث المنشية بأنه مسرحية خطط لها عبد الناصر قبل حدوثها.

بل إن هذه الحقيقة يمكن الاستدلال عليها من محاضر محكمة الشعب التي كانت في قبضته – وبرغم ما تخللها من أمور تستوجب التحفظ – ووسائل إعلامه التي كان ينفرد بالسيطرة عليها، وهذا ما ستوضحه مسيرة الأحداث والمحاكمة.

أما عن الحادث: ففي 26 أكتوبر سنة 1954 وأثناء إلقاء جمال عبد الناصر (الذي كان رئيسا للوزراء) لخطاب في المنشية بالإسكندرية، ووسط عشرة آلاف اصطفوا في السرادق لسماع خطابه أطلق عليه أحد أعضاء الجهاز السري التابع لجماعة الإخوان المسلمين وهو محمود عبد اللطيف عدة طلقات من الرصاص في محاولة لاغتياله، لكن أي من الطلقات لم تصبه ونجا من الحادث وقبض على الجاني.

وهناك تضارب في رواية هذا الحادث فيذكر محمد نجيب أن محمود عبد اللطيف قد أطلق تسع رصاصات ، في حين ذكرت مراجع أخرى أنها ثمان طلقات ، أما عبد اللطيف البغدادي فذكر أنها ست رصاصات .

كما أن هناك تضاربا حول المسافة التي أطلقت منها الرصاصات بين هذه المراجع حيث يذكر بعضهم أن المسافة كانت خمسة عشر مترا في حين يذكر البعض الآخر أنها عشرون مترا.

وفي الوقت الذي اتفق فيه الجميع على أن أي من الطلقات لم تصب عبد الناصر إلا أنهم اختلفوا في آثار تلك الطلقات فيذكر محمد نجيب أن الجدار الخلفي المواجه لإطلاق الرصاص لم يكن به آثار للرصاص وهو أمر دعاه لأن يستنتج بأن المسدس الذي استخدم في الحادث كان محشوا بطلقات "فشنك"، وفي نفس الوقت ذكر أن أحمد بدر المحامي وميرغني حمزة الوزير السوداني قد أصيبا في الحادث واستنتج أن يكون رجلا آخر قد أطلق عليهما الرصاص غير محمود عبد اللطيف .

ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان أن أربعة طلقات أصابت "الأفريز الرخامي" المقام حول شرفة مبني هيئة التحرير وطلقتين

استقر في جدار المبني وطلقتين أصابتا الأستاذ أحمد بدر المحامي الذي كان يع مل سكرتيرا لهيئة التحرير دون أن يذكر شيئا عن إصابة الوزير السوداني ميرغني حمزة ، ولم يذكر البغدادي أو غيره شيئا عن هذا الجانب.

ويثير هذا التضارب بعض التساؤلات فإذا كان مسدس محمود عبد اللطيف محشوا بطلقات "فشنك" فمن الذي أطلق الرصاص غيره؟ وإذا كان هو الذي أطلق الرصاص ولم يصب سوى أحمد بدر المحامي فمن الذي أصاب الوزير السوداني؟ ولماذا لم تتضمن محاضر التحقيق تقريرا مفصلا من طبيب شرعي عن المصابين ومن أي جهة كان إطلاق الرصاص ع ليهم؟

وإذا كان محمود عبد اللطيف هو الذي أطلق الرصاص على عبد الناصر فلماذا تركه الحرس ليكمل كل الطلقات؟ ولماذا لم يطلق عليه الحرس النار أثناء إطلاق الرصاص أو بعده؟ ولماذا لم يحرص الحرس على المسدس الذي أطلق منه الرصاص بعد القبض عليه؟

ويرفض الدكتور عبد العظيم رمضان ما ذكرته الصحف من أن محمود عبد اللطيف قد ألقى المسدس على الأرض بعد فشله في ارتكاب الحادث والتقطه من على الأرض عامل بناء من الأقصر اسمه "ديو آدم"، وأن هذا الرجل قد مشى على قدميه من الإسكندرية إلى القاهرة وعلى مدى ثلاثة أيام، وأصر على أن يسلم المسدس لعبد العناصر بنفسه، ووصف هذا التفسير بأن تلفيق أريد به أن يكسب عبد الناصر شعبية كبيرة.

ويوحي هذا التلفيق الحكومي والذي صورته صحف النظام ببعض التساؤلات فهل من المعقول أن مسدس استخدم في جريمة كبيرة كهذه يترك على الأرض حتى يلتقطه عامل بناء؟

ولو قدر أن هذا العامل من أتباع جماعة الإخوان فهل يترك حتى يقدم على محاولة أخرى؟ وهل كان من السهل على عامل بناء – وهو سؤال أورده الدكتور عبد العظيم رمضان – أن يلتقي بعبد الناصر؟

ولقد ذكر محمد نجيب أن محمود عبد اللطيف كان معروفا بمهارته في إصابة الهدف بالمسدس، كما أنه كان من الفدائيين المحترفين الذين أرقوا الإنجليز في منطقة القناة سنة 1951، وأن المسافة بينه وبين عبد الناصر كانت قليلة وتسمح له بإصابة الهدف بسهولة وخاصة أن الهدف كان جسما عملاقا فهل من المعقول ألا يصيبه ولو إصابة سطحية ولا سيما وأن عبد الناصر قد رفض التحرك من مكانه حين نصحه حرسه الخاص بذلك واستمر واقفا كما هو؟

ومما يدعونا إلى قبول هذه الرواية أن محمود عبد اللطيف لو لم يكن يتمتع بهذه المهارات لما كان من الممكن له أن يصبح عضوا في تنظيم سري ينحصر هدفه في هذا الاتجاه.

ويمكن استنتاج الإجابة على كثير من التساؤلات من خلال تحديد أهدف جمال عبد الناصر، تلك الأهداف التي تؤكد مسيرة الأحداث من يناير إلى مارس 1954 والأحداث التالية لها وبخاصة من خلال علاقته بجماعة الإخوان المسلمين وهي تنحصر في:

1- السعي لكسب عطف الشعب.

2- القضاء على جماعة الإخوان المسلمين آخر القوى السياسية وقبل أن تتاح لها فرصة القيام بعمل ضده أو يساند نجيب أو إظهار الجوانب السيئة في اتفاقية الجلاء.

3- إبعاد محمد نجيب عن السلطة حتى ينفرد هو بها.

فإذا كان حادث المنشية يمكن أن يحقق له هذه الأهداف مجتمعة فإنه كان من الميسور له صنع مثل هذا الحادث.

فقد سبقت الإشارة إلى أن عبد الناصر لم يكن يحظى بأي شعبية بين الجماهير وأن هذا الحادث قد هيأ له هذا الهدف وتعاطفت الجماهير معه.

فيوحي استمراره في إلقاء خطابه بعد إطلاق الرصاص عليه وبأسلوب انفعالي رومانسي أنه كان يهدف إلى إثارة مشاعر شعب معروف بعاطفيته، وألهب عواطف الشعب بعباراته الحماسية التي ذكر فيها أن الثورة مستمرة حتى لو لقي هو حتفه، وأن كل فرد هو جمال عبد الناصر، وأنه يعيش من أجل الشعب ويموت من أجل الشعب، وأنه فداء مصر... إلى غير ذلك .

وسبقت الإشارة كذلك إلى تولي الصحف إثارة مشاعر الجماهير حوله كقصة "خديو آدم" عامل البناء الأقصري الذي سلمه مسدس الجريمة، ونقل استقبال الجماهير له في القاهرة – وهم في أغلبهم من عمال النقل الموالين للنظام -، وكذلك استقبال الناس له على محطات القطار في صورة تأييد شعبي حافل ينم عن مدى حب وتأييد الجماهير له، وغير ذلك وبشكل يدعو لقبول تفسير محمد نجيب بأن "هذه المسرحية المدبرة كانت محاولة لتحويل عبد الناصر إلى بطل شعبي" .

أما عن الهدف الثاني وهو القضاء على جماعة الإخوان بقصد محاكمة صورية لاستئصال جذورها، فيوحي عدم قيام الحرس بقتل محمود عبد اللطيف بأن الهدف هو محاكمة الجماعة من خلاله وأن موته سيفقد النظام الكثير من التفاصيل والأسانيد التي تعينه على تحقيق هذا الهدف وأن تحقيقه بدون ذلك قد يفقده عطف الشعب الذي كان أحد أهدافه.

وإذا كان من الأمور الثابتة أن محمود عبد اللطيف عضو بالجهاز السري التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وأنه هو الذي أطلق الرصاص على عبد الناصر فهل كان في هذا ينفذ أوامر الجماعة وبالتالي فإن إدانته تعد إدانة لها، أو أنه كان مدفوعا بدافع شخصي؟ أم أنه قد اتفق مع النظام الحاكم في تدبير هذه المسرحية؟

وبداية يمكن القول بأن الجهاز السري للإخوان المسلمين لو كان قد اتخذ قرارًا باغتيال عبد الناصر لأرسل مجموعة تساند محمود عبد اللطيف، أو أنه يسرع بتدبير هذا الاغتيال على محطات القطارات التي مر بها عبد الناصر، أو بين صفوف الجماهير التي صحبته في القاهرة وحطمت مقر الجماعة وشعبها في القاهرة.

وتؤكد أقوال محمود عبد اللطيف أمام محكمة الشعب أنه هو الذي حدد السفر إلى الإسكندرية وأنه أبدى حماسا لارتكاب الحادث، كما تؤكد أقوال هنداوي دوير أن محمود عبد اللطيف كان بوسعه أن يعترض على هذه المهمة، وحتى إذا كان ثمن ذلك الاعتراض هو فصله من الجهاز السري كما ذكر، فإن ذلك الأمر يمكن قبوله بدلا من تعرضه والجماعة لمخاطر الصدام مع النظام إذا ما فشل في مهمته .

من هنا فإنه من الواضح أن محمود عبد اللطيف كان يتصرف بشكل فردي، وأن التنظيم السري للإخوان قد فوجئ بحادث الاغتيال ومكانه.

ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان "أن الأمر قد خرج من أيدي الجميع وأصبح في يد واحدة هي يدمحمود عبد اللطيف يقرر الشكل الذي يغتال به عبد الناصر والوقت المناسب لذلك والمكان المناسب أيضًا" .

ومن الأمور الثابتة كذلك أن هنداوي دوير رئيس المجموعة التي ينتمي إليها محمود عبد اللطيف في الجهاز السري – وكانت في إمبابة – هو الذي أعطى المسدس لمحمود عبد اللطيف وكان على علم بسفره إلى الإسكندرية، فهل هذا يعني أن الجهاز السري على علم بذلك وبالتالي يصبح مدانا في الحادث؟

أم أن هنداوي كان شريكا لمحمود عبد اللطيف في الاتفاق مع النظام الحاكم في هذه التمثيلية؟!، أم أنه الذي اتفق مع النظام واستغل حماس محمود عبد اللطيف وأن محمود عبد اللطيف وقع ضحية لذلك؟

لقد ذكر هنداوي دوير أنه سلم المسدس والأمر بالاغتيال من إبراهيم الطيب وأنه سلمه لمحمود عبد اللطيف و عرض عليه أمر الاغتيال وترك له الحرية بالموافقة أو الاعتراض، وكذلك حرية اختيار المكان.

لكن أقوال إبراهيم الطيب وكذلك أقوال يوسف طلعت رئيس الجهاز السري مع إقرارها لخطة الاغتيالات إلا أنها أكدت أنها خطة عامة تنفذ حين يعتدي النظام العسكري الحاكم على المظاهرات العامة التي تخطط الجماعة لقيامها، واعترف يوسف طلعت بأنه صنع حزاما ناسفا أعطاه لإبراهيم الطيب الذي قام بتسليمه لهنداوي دوير بقصد تسليمه لأحد الأعضاء – ويسمى نصيري – لاستخدامه في عملية اغتيال، ولكن وفق خطة عامة في المظاهرات المسلحة.

وأكد يوسف طلعت وإبراهيم الطيب الذي سلم لهنداوي دوير الحزام الناسف بعد سفر محمود عبد اللطيف إلى الإسكندرية أنهما لا يعلمان بسفر محمود عبد اللطيف أو حتى بالمهمة المكلف بها ومكانها وزمانها وإلا فلماذا سلموا الحزام بعد سفره؟

كما أكدت أقوال عبد القادر عودة والمرشد العام حسن الهضيبي وغيرهما من أعضاء القيادة السياسية للجماعة أنهم قد فوجئوا بالحادث وأنهم لم يكونوا على علم بدور محمود عبد اللطيف وهنداوي دوير، وقد أسرع عبد القادر عودة بإرسال خطاب إلى جمال عبد الناصر طلب فيه المصالحة الكاملة بين الجماعة والنظام وأعلن موافقة الجماعة على شروط كان قد وضعها عبد الناصر من قبل وتتضمن حل الجهاز السري وتحول الجماعة عن العمل السياسي والتفرغ للدعوة الدينية، وأوضح عودة في رسالته لعبد الناصر بأنه لو ثبت لعبد الناصر أنه يعلم بدور هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف فيحل دمه لعبد الناصر.

وكان الهضيبي قبل الحادث قد أرسل رسالة لعبد الناصر أكد فيها أنه بوسعه أن يمشي في الشارع – أي جمال عبد الناصر – دون أية حراسة ولن يعتدي عليه أحد من الإخوان المسلمين .

لكن جمال عبد الناصر لم ينصت لهذه الرسائل لأن في قبولها هدم لأهم أهدافه وهو القضاء على الجماعة وبخاصة بعد أن أصبح مسيطرا على الموقف وأصبحت كل الأوراق في يده .

لذلك يمكن القول بأن حادث المنشية ينحصر في دور هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف دون أن تكون على الجماعة أو الجهاز السري التابع لها مسئولية عنه.

ومن الأمور التي تؤكد ذلك أنه قد سافر – أي هنداوي دوير – فور سماعه بالحادث بزوجته إلى بلدته بالمنيا ثم عاد في اليوم التالي وسلم نفسه إلى شرطة إمبابة فهذا تصرف يستحق التأمل ولا يقابل دوره أو حماسه، كما أن أقواله تثير تأملا أكثر حيث ذكر "من حمد الله أن الرئيس ما اعتديش عليه ونجا بحمد الله، بعد كد،

أنا قدرت أنه سيقبض على فأخذت الست بتاعتي إلى البلد في المنيا ثم عدت وسلمت نفسي، وبينما أنا جاي في القطار قدرت عدة مسائل منها أن زعماء الإخوان المسلمين منقسمين على أنفسهم وأن الدعوة في هذه الفترة يسيطر عليها أناس غير مسئولين وغير معروفين للإخوان، وأن الاتجاه الإرهابي صورته الطبيعة الواضحة البسيطة أنه غير إسلامي وأن القتل على هذه الصورة قتل غير إسلامي"، ثم ذكر أن دافعه لتسليم نفسه هو حرصه على العدالة .

وتوضح هذه الأقوال أن هنداوي دوير الذي ادعى تنفيذه لأوامر الجماعة بالأمس عاد وانتقدها في اليوم التالي واتهمها بالبعد عن الإسلام، وكان متحمسا في دفع محمود عبد اللطيف ثم عاد في اليوم التالي مباشرة ليحمد الله على أن الرئيس قد نجا من الاغتيال!!

وإذا ما أضيف ذلك إلى أقوال بإبراهيم الطيب ويوسف طلعت رئيس الجهاز السري من عدم علمهما بتكليف محمود عبد اللطيف فإن كل ذلك يؤكد أن هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف وحدهما هما اللذان دبرا للحادث دون مسئولية الجهاز أو الجماعة.

وإذا ما أضيف ذلك أيضًا إلى مسئولية محمود عبد اللطيف عن اختيار المهمة وتحديد مكانها، وكذلك إلى عدم تمكنه من إصابة عبد الناصر من تسع طلقات أو ثمانية، وهو المعروف بمهارته في استخدام السلاح ومن مسافة بسيطة، وكذلك ما يثيره موقف هنداوي دوير واعترافاته فإن هذه الأمور تشير إلى احتمال اتفاقهما مع النظام العسكري الحاكم في هذه المسرحية وخاصة وأن عبد الناصر كان قد نجح في اختراق صفوف الجماعة وجهازها السري والتعرف على كثير من العناصر فيها وتقريب بعض هذه العناصر إليه .

أما عن دور محمد نجيب في هذه الأحداث فقد قام قبل حادث المنشية بالاتصال بالإخوان المسلمين للإعداد لعمل مشترك على غرار ما تم في مارس 1954، وحدث الاتصال عن طريق مندوبه محمد رياض، وقد رفض الإخوان خلال هذه الاتصالات عرضا بعودة الحياة النيابية وإلغاء الرقابة على الصحف ووافقوا على بقاء النظام العسكري في الحكم برئاسة محمد نجيب مع إقصاء جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة وتشكيل حكومة مدنية تؤلف بمعرفتهم وموافقتهم وتعيين رشاد مهنا قائدًا عاما للقوات المسلحة، لكن نجيب – كما ورد في مذكراته – قد رفض هذه المقترحات، وهو أمر نستبعده.

وقد صدر قرار أثناء محاكمات الإخوان بالقبض على محمد رياض حيث وجهت إليه تهمة التآمر مع الإخوان بقلب نظام الحكم لكنه تمكن من الفرار إلى السعودية .

ولكن في نفس الوقت لم تكن لمحمد نجيب صلة بحادث المنشية، ورغم ذلك قام عبد الناصر بإبعاده عن السلطة محققا أحد أهدافه في الانفراد بالسلطة، ويشير محمد نجيب إلى أنه قد أرسل برقية إلى عبد الناصر مستفسرا عن صحته في أعقاب الحادث لكن عبد الناصر لم يرد عليه أو ينشر ذلك في الصحف .

من هنا يمكن القول بأن عبد الناصر قد نجح في تدبير هذا الحادث كي يسبق به أي عمل تشرع الجماعة في القيام به منفردة أو بالاتفاق مع محمد نجيب والموالين له في الجيش فتعوقه عن تحقيق أهدافه، وفي نفس الوقت سارت الأمور في حدود تحقيق تلك الأهداف حيث استطاع من خلال وسائل الإعلام التي يسيطر عليها أن يكسب عطف الجماهير وأن يعد العدة للقضاء على الجماعة من خلال المحاكمة وكذلك أبعاد محمد نجيب عن الحكم.

وننتقل إلى نقطة أخرى وهي المحاكمة التي أقامها النظام العسكري للإخوان: لماذا لم يحاكمهم أمام محاكم مدنية؟ ولماذا كان اختيار جمال سالم ليرأس المحاكمة؟ وهل كانت المحاكمة حقيقية أم صورية؟

وإذا كان الدكتور عبد العظيم رمضان قد أجاب على ذلك بأن عبد الناصر أراد أن تجري المحاكمة في شيء من الرهبة مذكرا بمحاكم التفتيش ، فإننا نضيف إلى ذلك بأن المحاكمة لو كانت مدنية لحصرت إدانة مرتكبي الجريمة وربما اكتشفت دورهم الحقيقي في التمثيلية ولكن عبد الناصر كان يريد محاكمة الإخوان جميعهم المدان وغير المدان وأن المحاكمة ما هي إلا وسيلة لتحقيق هدف أكبر.

وإمعانا في السير لتحقيق هذا الهدف كان اختيار جمال سالم العصبي الحاد المزاج الذي ينتمي إلى الجناح المتشدد من مجلس قيادة الثورة الذي ينادي بالحكم الديكتاتوري، وكان به من الصفات التي دعت إلى وصفه بأنه أبعد الناس صلاحية لأن يكون قاضيا يمسك بيده سيف العدل .

فمنذ بداية المحاكمة كان واضحا أن جمال سالم يركز على تشويه الإخوان، واستخدم في سبيل ذلك العديد من الأساليب والعبارات السوقية ، وكثيرا ما تدخل لمقاطعة أقوال الشهود الشهود إذا لم تسر في الخط الذي يريده أو تحز على رضاه كما استخدم أسلوبا عنيفا في إكراههم على الإدلاء بالإجابات المطلوبة.

ومن أهم الأساليب التي استخدمها انه كان يصيغ الأسئلة بالشكل الذي يحول دون أي إجابة تختلف عن الإجابة التي يطلبها ويرفض الخروج عنها أو الإدلاء بتفاصيل حتى ولو كانت حقيقية مصرا على الاستمرار في أمور بعيدة عن القضية، وكان كثيرا ما يقوم بتلفيق شهادات الشهود بشكل واضح ويصر على تلفيقه .

ومن الأمور التي اتبعها النظام العسكري والتي ساعدت جمال سالم على أداء مهمته في المحاكمة أساليب التعذيب الوحشي التي تعرض لها أعضاء جماعة الإخوان والتي لم يستطع أن يخفيها أو لا يستنكرها الكثير من الكتاب الموالين لعبد الناصر، وكان من نتيجة ذلك أن حدث تضارب في الأقوال وسرعة غير متصورة في مزيد من الاعترافات .

وحين طلب محمود عبد اللطيف أحد المحامين للدفاع عنه- محمود سليمان غنام أو مكرم عبيد أو فتحي سلامة – رفض المحامون جميعا القيام بهذه المهمة مؤثرين السلامة ومهادنة النظام على حساب مبادئ المهنة وهو أمر إدانة الدكتورعبد العظيم رمضان .

وقد عينت الحكومة بعد ذلك محاميا من قبلها للقيام بهذه المهمة وهو حمادة الناحل الذي تولى مهمة الدفاع عن الذين اغتالوا حسن البنا من قبل .

وتؤكد محاضر المحاكمة مدى افتراء جمال سالم على عبد القادر عودة وتلفيق الأقوال ضده وكذلك الهضيبي، وثبت أنهما كانا أبعد ما يكون عن العنف ولا دخل لهما بعمليات الاغتيال ولا علم لهما بدور هنداوي دوير ومحمود عبد اللطيف في حادث المنشية، ولكن لأن الهدف من المحاكمة هو محاكمة الجماعة لا الوقوف على العدل فقد شملهما حكم الإعدام كما شمل الشيخ فرغلي وإبراهيم الطيب.

لقد كان عبد الناصر مصرا على تحقيق أهدافه وهو أمر دعاه لأن يعلن بأنه إذا لم يستطع أن يستمر بالثورة بيضاء فسوف يجعلها حمراء ، وهو أمر دعا الدكتور عبد العظيم رمضان لأن يقرر بأن المحاكمة كانت صورية وأن الإدانة كانت مقررة من قبل وأن أحكام الإعدام كانت مقررة سلفا لتحقق له هدف إبعاد الجماعة – كآخر القوى السياسية الموجودة على الساحة – من دائرة الحياة السياسية ولينفرد وحده بالحكم .

على أننا برغم كل ذلك لا نستطيع أن نجاري أحد أتباع جماعة الإخوان فيما وصل إليه من تبعية عبد الناصر في كل هذا للأمريكيين واليهود والذي استدل عليه من إرسال عبد الناصر لمبعوث خاص للاستفسار عن صحة الحاخام اليهودي "حاييم ناحوم" في نفس اليوم الذي تم فيه حكم الإعدام على أعضاء الجماعة (19548/12/) وأن ذلك الحاخام هو الذي ساعد كمال أتاتورك في ضرب الحركة الإسلامية والتحول العلماني في تركيا، حيث لا توجد وثائق تؤكد ذلك الاتجاه، كما أن ذلك – في رأينا – يرجع إلى طبيعة عبد الناصر أكثر من أي عامر آخر .

من هنا فإن هذا الحادث قد أسهم في تخلص عبد الناصر من الإخوان المسلمين ومحمد نجيب معا بعد محاكمات صورية متعجلة كان النظام العسكري فيها الخصم والحكم، وحكم على قرابة الألف من الإخوان بالسجن، وأودع عدة آلاف بالمعتقلات، وحكم على ستة منهم بالإعدام هم محمود عبد اللطيف الذي قام بإطلاق الرصاص، ويوسف طلعت (تاجر بالإسماعيليةوهنداوي دوير (محامي بإمبابة)، وإبراهيم الطيب (محامي) وعبد القادر عودة (محامي) والشيخ محمد فرغلي (واعظ)،وخفف الحكم الذي كان قد صدر على المرشد العام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة .

ومع أن الغموض سيظل يكتنف بعض جوانب هذا الحادث حتى ظهور الوثائق الكاملة عنه إلا أن ما ينبغي توضيحه هو أن هذا الحادث إذا كان قد أدى إلى تصفية تنظيم الإخوان على الساحة المصرية إلا أنه لم يقض على الجماعة بشكل كامل، وأنه قد أدى إلى آثار بعيدة المدى على مسيرة الحركة الإسلامية والأوضاع السياسية لا في مصر فحسب بل في العالم العربي والإسلامي كذلك.

***

عبد الناصر والاتجاه الإسلامي بعد حادث المنشية

بدأت آثار ضرب جماعة الإخوان بهجرة العديد من أعضائها – مضطرين – إلى كثير من بلدان العالم العربي، فأسهمت مجموعة منهم في تكوين جماعة عباد الرحمن" في لبنان، وكونت جماعة بنفس الاسم "الإخوان المسلمون" في سوريا برئاسة الشيخ مصطفى السباعي الذي كان منتميا للجماعة في مصر خلال فترة دراسته في الأزهر، كما تكونت جماعة مماثلة في العراق .

ورحل كثير منهم إلى منطقة الجذب الديني – والمالي – حول الحرمين الشريفين ونعموا بترحيب من النظام السعودي الذي رأي في وفودهم فرصة لتدعيم النهضة التعليمية التي تعتمد اعتمادًا رئيسيا على الدين فضلا عن تدعيم الدور الإسلامي للسعودية بعد نزعة التعاطف التي أحاطت هذه الجماعة في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت استخدمهم السعوديون كورقة رابحة في علاقتهم مع النظام السياسي في مصر حيث كان توجيه جهودهم وتأمين وجودهم وجلب الكثير منهم إلى السعودية يمثل خدمة للنظام السياسي المصري ولكن في الوقت نفسه أمكن استخدامهم

– من قبل السعودية – كقفاز في وجه النظام المصري عندما ساءت العلاقات المصرية السعودية، وقد صدرت لأغلب هؤلاء – وفي إطار الالتزام – العديد من المؤلفات التي أسهمت – بعد انتشارها – في صبغ كثير من الجماعات الإسلامية بالصبغة السلفية فيما بعد وفى أجواء لم تكن مهيأة لقبولها وبخاصة في مصر.

عبد الناصر والأزهر

استمر الأزهر ولأكثر من نصف قرن يعاني من محاولات إصلاح متعثرة، ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف هذه المحاولات الإصلاحية أن أصحابها كانوا مصلحين فرديين لا يمثلون أية جماعة – أو مجموعة – منظمة حتى أنهما كانوا يعارضون بعضهم البعض، ولذا سهل على القوى التقليدية في الأزهر أن تقضي عليهم بل وتنجح في اتهامهم بالخروج على الإسلام.

وقد أدت هذه المحاولات – أو ربما عدم نجاحها – إلى ضعف دور الأزهر في الحياة الفكرية في مصر وبخاصة بعد أن واجه الأزهر فكرا ليبراليا جديدا حاول أن يحد من سلطانه.

وقد توسع الليبراليون في إنشاء مدارس حكومية وجامعات، واهتموا بخريجيها وساعدوهم – من خلال سيطرتهم على السلطة – في أن يشغلوا مناصب كان الأزهريون يشغلونها من قبل.

وحتى ين عاد الدين ليشغل دورا هاما في الفكر المصري في ا لأربعينيات وبعد أن انتاب التجربة الليبرالية شيء من التدهور كان الإخوان المسلمون هم فرسان الميدان وليس الأزهر، وظلوا هكذا حتى تواروا عن الساحة بعد صدامهم مع النظام السياسي سنة 1954 .

لذلك فإنه في أعقاب حادث المنشية حين سلك عبد الناصر سياسية دينية تقوم على احتواء الأزهر كمؤسسة دينية حكومية وكبديل لجماعة الإخوان لقي ذلك ارتياحا لدى كثير من مشايخ الأزهر الذين وجدوها فرصة يستعيدوا بها دورهم كفرسان للساحة الدينية من جديد.

كما قام عبد الناصر بتكوين مؤسسة دينية أخرى هي المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (1960) أوكل رياستها لواحد من ضباط النظام هو محمد توفيق عويضة، وضم إليه العديد من المنشقين على الإخوان – طوعا أو خوفا – وبعض رجال الأزهر وخاصة من الذين سبق لهم أن قاموا بنشر العديد من المقالات التي تهاجم أسلوب الجماعة وتصف أعضاءها بأنهم إخوان الشياطين ، وأوفد هذا المجلس مجموعات من

وعاظ الأزهر إلى كثير من بلاد العالم الإسلامي لتعليم اللغة العربية ولكي يكونوا اللسان الديني للنظام السياسي خارج مصر.

وسار الأزهر – آخذا بتعليمات عبد الناصر ورفاقه – في طريق إعداد خطبة مركزية – وفق رؤية ناصرية – من خلال المساجد في خطب الجمعة لاحتواء بقية خلايا الإخوان بطرح فلسفة إسلامية بديلة استحوذت على رضا الطبقة الوسطى التي تأثرت بأساليب الحضارة الغربية مع تعلقها بالدين، فضلا عن أن هذه الطبقة والطبقة الدنيا قد انصاعت للنظام السياسي – في الغالب – متأثرة بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية بعد إلغاء الإقطاع وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم والحد من سطوة الطبقة الرأسمالية والقرارات العمالية وغير ذلك .

ولهذا نعم الأزهر خلال هذه الفترة باهتمام مجلس قيادة الثورة وذلك لجهده في محاولة إضفاء الشرعية الدينية على النظام السياسي والقيادة السياسية فتكررت زيارة أعضاء النظام له وأداء صلاة الجمعة فيه، وأدى ذلك إلى تأخر الإعلان عن خطة مجلس الثورة لإصلاح الأزهر برغم الاقتناع الكامل – منذ البداية – بضرورتها بقصد إحكام قبضة النظام على هذه المؤسسة الدينية والتيار الديني برمته .

وما أن استشعر مجلس قيادة الثورة بتحقق هذا الهدف إلى حد كبير ووجود أعوان له داخل هذه المؤسسة، إلى جانب شعوره بالقوة، إلا وأقدم سنة 1955 على إلغاء المحاكم الشرعية – والمجالس الملية القبطية – ليحل محلها نظام للقضاء المدني تابع للحكومة استوعب هذه المحاكم إلى جانب محاكم الأقليات الدينية عملا على تأكيد سيادة الدولة على القضاء وتوحيد النظام القانوني.

ولم يبد الأزهر أي موقف تجاه هذا الأمر بل أعلن أحدكبار شيوخه وهو الشيخ عبد الرحمن تاج تأييده له ، ولهذا لم يتردد مجلس قيادة الثورة في تأميم الأوقاف الخيرية سنة 1957 والتي كانت تعتبر – إلى جانب الأوقاف الأهلية التي أممت سنة 1953 – الأساس الاقتصادي للأزهر، وهو أمر أسهم في مزيد من أحكام سيطرة النظام عليه برغم اللجوء إليه في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ، كما لم يتردد في الإعلان عن خطته لتطوير الأزهر في نفس العام الذي أعلنت فيه القرارات الإشتراكية سنة 1961.

وعلى الرغم من ذلك فقد تركت هذه الخطوات ظلالا من الشك لدى بعض مشايخ الأزهر تجاه نوايا النظام السياسي ناحية الأزهر بدأت تعبر عن نفسها إما من خلال رفض التعاون مع المسئولين الحكوميين الذين تولوا إدارة شئون الأزهر أو باستقالة بعضهم وهو ما أفاد منه النظام السياسي حيث قام بإحلال غيرهم من الحاصلين على الدكتوراه من أوروبا مثل الدكتور محمد البهي الحاصل على الدكتوراه من ألمانيا، وكان هؤلاء بطبيعة الحال يتميزون بنزعة أكثر تحررا، حلوا محل المستقيلين من المشايخ التقليدين، وقد استطاع هؤلاء أن يهيئوا الطريق أمام الإعلان عن خطة تطوير الأزهر.

وقد أسفرت خطة تطوير الأزهر عن تعديل بعض المناهج الدراسية في الكليات التقليدية التي تهتم بالدراسات الدينية، وإضافة إلى أربع كليات جديدة هي الطب والزراعة والهندسة والتجارة فضلا عن تدعيم فرع متكامل للبنات.

لكن الأهم من ذلك كان تبعية الأزهر لرئاسة الجمهورية وتعيين وزير حكومي لإدارة شئونه كان في بعض الأحيان من غير مشايخ الأزهر .

ولم يلتفت النظام إلى الصيحات المعارضة لخطة التطوير من بعض مشايخ الأزهر حيث كان قد نجح في استقطاب مجموعة كبيرة غيرهم أعلنت تأييدها على لسان شيخ الأزهر، وترك النظام السياسي المجال لمجموعة كبيرة من كتاب الصحافة لاتهام الجناح المعارض بالمرجعية ورفض التطور والعجز عن فهم المعطيات الحضارية وهو أمر يرفضه الإسلام.

ولم يقف النظام عند هذا الحد بل راح يحجم دور المعارضين أو يطوع بعضهم ويشجع الذين ساروا في ركبه ويباركون خطواته ، بل وصل الأمر بهذا الجناح إلى حد تبني رؤية النظام في الانتشار العربي والإسلامي لآرائه خارجيا ، والتوفيق بين الرؤى الإسلامية والرؤى الاشتراكية التي سعى النظام لتطبيقها داخليا.

وصدرت لهذا الغرض العديد من الكتب والمؤلفات التي تؤكد حرص الإسلام على الاشتراكية والعدالة الاجتماعية بشكل يقترب من مطروح النظام أو يطابقه، ووصف أحد أتباع هذا الجناح – وهو رئيس تحرير مجلة الأزهرعبد الناصر بأنه المهدي المنتظر الذي أرسلته العناية الإلهية ليخلص الناس من الفساد والطغيان وليقر عدالة اجتماعية تستند في أساسها على تعاليم الإسلام ، واستخدم الكثير منهم للدعوة إلى هذا الاتجاه عن طريق أجهزة الإعلام ووفق خطة إعلامية مكثفة ومدروسة .

كما استخدمهم في الهجوم على الأنظمة العربية المعادية فوصفت مجلة الأزهر الملوك والرؤساء العرب بأنهم رجعيون دنسوا الإسلام بالذهب الأمريكي من أجل أن يحافظوا على أملاكهم وأنهم بهذا اتبعوا الشيطان وتركوا الله .

ولم يعر النظام الطرق الصوفية اهتماما كبيرا حيث كان يدرك ضآلة تأثيرها واكتفى بتحويل طريقة تعيين شيخها من الانتخاب إلى التعيين بقرار جمهوري.

وعلى رغم من ذلك سارع المجلس الصوفي الأعلى بإعلان تأييده لثورة 1952، مؤكدا أن الطرق الصوفية تنعم بازدهار بسبب تشجيع الثورة وقائدها العظيم.

كما نشرت مجلتهم العديد من المقالات التي امتدحت التوجهات الاشتراكية للنظام بوصفها بأنها اشتراكية مؤمنة وليست اشتراكية ملحدة، فاضلة لا فاجرة، ووصفت قائد النظام الداعي للاشتراكية – وهو جمال عبد الناصر – بأنه بهذا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله، وذكرت أن ما يقوم به عبد الناصر يتفق مع جوهر الرسالة الإسلامية .

ودعا شيخ مشايخ الطرق الصوفية على أثر عدوان سنة 1956 إلى الجهاد وراء جمال عبد الناصر وأن الانتصار خلفه سيكون يوم عيد للإنسانية .

من هنا يمكن القول بأن النظام قد أحكم قبضته على المؤسسات الدينية التي تعبر عن التيار الإسلامي بكل روافده وهو أمر يفسره عدم وجود أي صدى لصدور الميثاق الوطني على الرغم من تهجم الميثاق على جوانب في التاريخ الإسلامي كاعتباره الوجود العثماني غزوا واحتلالا – وهو أمر يخالف اتجاه مشايخ الأزهر.

- وكذلك عدم توضيحه لدور الشريعة أو حتى لدين الدولة، وكان هذا سببا في صدور بعض المؤلفات خارج مصر تدين هذه التبعية ومحاولات التبرير للاشتراكية العربية والميثاق الوطني وربطها بالقيم الإسلامية، وانتقصت هذه المؤلفات من قدر كثير من كبار الكتاب الذين لزموا الصمت دون معارضة أو حتى محاولة ترشيد .

وظلت علاقة الأزهر – ومجموعة من رجال الإخوان تعاونت معه – وطيدة بعبد الناصر حيث كان هؤلاء يمدحون مزحه وصحبه خطبهم بآيات من القرآن الكريم، وتولوا هم إصدار الفتاوى للتوفيق بين تجربته الاشتراكية والاتجاه الإسلامي أو إسباغ الصفة الإسلامية على هذه التجربة .

كما أن عبد الناصر لم يكن يريد أن يدير ظهره للاتجاه الإسلامي برمته لما له من تأثير جماهيري من جهة وليكون أحد سبله في سياسته الرامية إلى توحيد وتضامن دول العالم الإسلامي تجاه أهداف اجتماعية وسياسية من جهة أخرى .

ومع أن أتباع الاتجاه الإسلامي الموالين للنظام قد ارتضوا منه هذا القدر إلا أن هذا الاتجاه قد أضر بالتجربة الناصرية إلى حد كبير، فقد كان الجمع بين الاتجاه القومي ببعده المصري والعربي والاتجاه الإسلامي من جهة وبينهما وبين المبادئ الماركسية من جهة أخرى كفيلا بلق تناقضات لا تضمن سلامة التجربة في طورها النظري أو في مسيرتها التطبيقية.

وقد بدأ هذا التناقض في كثير من المواقف حيث لم يستطع التوفيق بين الاتجاه الوطني وشعار الحرص على مصلحة الوطن وبين ما أصاب الوطن والمواطن المصري من خسارة نجمت عن خطوات تجاه تحقيق القومية العربية في تجربة الوحدة الفاشلة مع سوريا أو التورط العسكري في اليمن حيث كان قدر تحمل المواطن المصري من هذه الخطوات – حتى ولو كانت ضرورية – لا يوازي قدر قناعته – أو إلمامه – بالفكرة العربية ، كما لم يكن كثير من المحافظين من أتباع الاتجاه الإسلامي – في مصر والعالم العربي – مستعدين لأن يقبلوا فلسفة إسلامية في إطار قومي عربي ترفضه أسس هذه الفلسفة، واختلفوا بهذا مع عبد الناصر في نظرته للإسلام كمجرد تاريخ وتراث يمكن الاستفادة به في هذا الميدان .

وقد أدى هذا التناقض إلى إعلان مجموعة من المسلمين المحافظين – على رأسها سيد قطب – رفضها لبعض الأفكار الأساسية لنظام عبد الناصر واعتبروها فسادًا وجاهلية، وأدى هذا إلى وقوع صدام آخر بين عبد الناصر والاتجاه الإسلامي.

***

الصدام الثاني بين عبد الناصر والاتجاه الإسلامي (1965)

على الرغم من أن جمال عبد الناصر قد نجح في القضاء على تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وازداد اطمئنانا باحتجازه لزعامات هذا التنظيم داخل سجونه وكذلك بتأسيس نظام أمني قوي، إلا أنه لم يكن من السهل أن يجتث هذه الجماعات من جذورها حيث كانت قد انتشرت انتشارا كبيرا بين جموع المصريين وعلى مدى فترة زمنية ليست بالقليلة.

ولم يكن أتباع هذه الجماعة مجرد منتمين إليها باعتبارها تنظيم سياسي فقط بل آمنوا بأفكارها إيمانا له صلة وثيقة بعقيدتهم الدينية ويلتقي بطبيعتهم كشعب له عمق تاريخي في الارتباط بالدين.

وعلى غير المنتظر أسهمت أساليب عبد الناصر – وبرغم الرقابة البوليسية الشديدة – في زيادة حجم التعاطف مع أعضاء هذه الجماعة بعد أن تعرضت آلاف الأسر من أبناء المسجونين والمعتقلين لضيق سبيل العيش والتهديد والمطاردة بنفس قدر تعرض أرباب هذه الأسر لأشد ألوان التعذيب التي امتلأت بها كثير من الكتب بشكل أسهم في مزيد من إثارة الانشقاق حول هذه الجماعة برغم النجاح الذي حققه النظام في المجال الاقتصادي حيث زادت معدلات التنمية خلال عام 1965 .

وكان الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي أصبحت عليه أسر هذه الجماعة كفيلا بأن يولد أجيالا أشد حقد على النظام من آبائهم، وأصبحوا كالهشيم الذي ينتظر أي شرارة ليشعل بها حريقا يحرق بها هذا النظام حتى ولو أدى الأمر به أن يحرق نف سه فلن يكون أسوأ مما يعيش فيه تحت نير هذا النظام.

من هنا فإن أحداث 1965 لم تكن وليدة ظروف طارئة وإنما تمتد جذورها إلى ما بعد أحداث سنة 1954 حيث كان من الطبيعي أن تفكر هذه الأسر في كيفية الخلاص مما هم فيه، وساعدهم في هذا الطريق – طريق الانتقام – بعض أعضاء الجماعة الذين تم الإفراج عنهم بعد أن ذاقوا مرارة التعذيب، وكما يقول الدكتور عبد العظيم رمضان "أن المحنة بطبيعتها وظروفها قد أوجدت تكتلا طبيعيا في مجتمع الإخوان المسلمين" .

ومع أن فكرة السعي لإحياء تنظيم إخواني جديد قد طافت بذهن بعض أعضاء الجماعة ووسط سرية كاملة كزينب الغزالي وعبد الفتاح إسماعيل وقلة من الذين دفعتهم ظروفهم إلى قبولها، ودفعهم إلى ذلك بعض أعضاء الجماعة الذين كانوا يعيشون خارج مصر وبخاصة في المملكة العربية السعودية إلا أن هذا الاتجاه كان يبحث في كتب الفقه عما يبرر له الانتقام من النظام كي يقنع غيره بما هو مؤمن به، ولم تجد هذه القلة عناء في إقناع مجموعات أخرى عاشت معهم ظروف المحنة وشاركتهم الظروف الصعبة.

ومن داخل السجون – ومن حيث اطمأن النظام وظن بحلقات التعذيب أنه القادر – تمكن المنظرون من أن يحددوا لهذه الفئة "معالم في الطريق" من خلال كتاب صدر بهذا العنوان لفكر الجماعة الجديد "سيد قطب" تأثر فيه إلى حد بعيد بكتابات المفكر الإسلامي "أبو الأعلى المودودي" التي تسربت إليه وقرأها داخل السجن.

وقد كانت الظروف التي أحاطت بسيد قطب وإخوانه داخل السجن قد هيأت نفسه وفكره لقبول فكر المودودي وإعادة صياغته

– وفق هذه الظروف – حث حكم بجاهلية المجتمع والنظام معا وأن السعي إلى "إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا" ليس الهدف منه هو إجبارهم على عبادة الله ولكن بقصد "التخلية بينهم وبين هذه العقيدة" حتى يمارسها الناس بحرية كاملة .

واتهم سيد قطب مجتمعه بأن"لا يدين بالعبودية لله وحده في نظام حياته" فالناس "وأن لم تعتقد بألوهية أحد لا الله، تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله فتدين بحاكمية غير حاكمية الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها وكل مقومات حياتها تقريبا، والله سبحانه و تعالى يقول عن الحاكمين: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

واستطاع سيد قطب – وهو مازال سجينا – بهذا التوجيه أن يحول اتجاه الراغبين في الانتقام إلى كونهم طليعة تحاول نشر هذا الفكر بين كثيرين من أتباع الجماعة وبعض قطاعات الشباب.

وما أن أفرج عنه وخرج من السجن بعفو صحي سنة 1964 إلا ووجد ثمار أفكاره قد أسهمت في بلوغ التيار الإسلامي لدرجة من القوة تصوروا معها – مدفوعين بروح الانتقام – أنهم قادرون على مواجهة المجتمع الجاهلي أو على الأقل الصمود له ، حيث كانت قد تكونت بعض التنظيمات السرية واتخذت منه زعيما فكريا لها .

ومع أن سيد قطب قد دعا في كتابه إلى تربية جيل يسهم في تحول المجتمع الجاهلي إلى مجتمع إسلامي – وهو أمر يحتاج إلى مدة زمنية – إلا أنه قد دعا في أكثر من موضع في نفس الكتاب إلى السعي إلى تغيير هذا المجتمع بالقوة، وقد لقي هذا الأمر قبولا لدى تلك التنظيمات، بل أن هذا الاتجاه قد لقي قبولا من سيد قطب نفسه بعد أن ألقي القبض على شقيقه محمد قطب في يوليو 1965 وبشكل جعله يتصور أن ما تعرض له من تعذيب سيتعرض له شقيقه في المعتقل، فضلا عن أن تسرب أخبار عن هذه التنظيمات للحكومة قد جعله يتصور إمكانية العودة إلى سجون عبد الناصر وهو أمر كان عليه أن يقاومه برغم إدراكه لقلة الأسلحة التي تعينه على ذلك والتي كانت تأتيه بتموين من زملائه في المملكة العربية السعودية ومهربة عن طريق السودان ، كما دعت التنظيم لكي يحاول الإسراع في تنفيذ خططه الرامية إلى شل حركة البلاد بضرب بعض المنشآت العامة والشخصيات العامة أيضًا.

وسرعان ما وقع كثير من أتباع هذه التنظيمات في يد الحكومة وقبض عيد سيد قطب نفسه في 9 أغسطس 1965، ووجه إليهم عبد الناصر – من موسكو – تهمة التآمر والتخطيط لاغتياله وقلب نظام الحكم، وصدر الحكم بإعدام ثلاثة من بينهم سيد قطب ، ومات بعضهم نتيجة للتعذيب الذي استخدمت فيه أساليب مختلفة وغير إنسانية، وبلغ عدد الذين أدخلوا السجون -كما تذكر بعض المراجع – 26 ألفا ،

وأشار واحد من أتباع النظام وهو أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" أن التهم التي وجهت للإخوان المسلمين في هذه الفترة قد لفقها عبد الحكيم عامر الرجل الثاني في نظام عبد الناصر ، ومع أن ذلك الأمر ليس مستبعدا إلا أن القصد منه – في نظر السادات – هو محاولة الإساءة إلى الفترة ككل.

على أن إعلان عبد الناصر لهذه الاتهامات في قضية محلية من عاصمة معروفة بعدائها للاتجاهات الدينية – وهو أمر لم يقدم عليه حاكم سياسي من قبل – وقبل إعلان أجهزة الأمن الداخلية في مصر بما يشير إلى دور هذا الاتجاه، مما أثار دهشة العديد من الأوساط ليس فقط المتعاطفة مع الاتجاه الإسلامي، بل والمسايرة للنظام أيضًا واعتبرها البعض دليلا على تجني النظام على الاتجاه الإسلامي برمته لا في مصر فحسب بل وعلى النظام السعودي الذي ذكرت محاضر المحاكمة إمداده للتنظيمات الإسلامية في مصر بالسلاح وهو أمر لم يقم عليه أي دليل غير هذه المحاضر.

الإسلامي – أن الجماعة لم يكن لها وجود على الساحة المصرية ومما يؤكد هذا الاتجاه – في نظر كثير من أتباع الاتجاه في ذلك الوقت وبرغم هذا اتخذت هذه الأمور هذه الأمور كوسيلة للتنكيل بمن بقي خارج السجون وكان الهدف من هذه الإجراءات هو محاولة اجتثاث جذور الاتجاه برمته.

وقد واصل الأزهر مساندته للنظام السياسي فأصدر الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي رئيس لجنة الفتوى بالأزهر تقريرا يرد فيه على سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" وفقا لطلب الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، وركز الشيخ السبكي في تقريره على انه استفزازي يؤثر على مشاعر الشباب، وانتقد سيد قطب في تجهيله للمجتمع ولعلماء الدين، وذكر أن سيد قطب في تجهيله للمجتمع ولعلماء الدين، وذكر أن سيد قطب قد دعا في كتابه بشكل صريح إلى قيام تنظيم ديني.

وخلص الشيخ السبكي إلى القول بأن سيد قطب قد استباح باسم الدين أن يستفز البسطاء إلى ما يأباه الدين من مطاردة الحكام مهما يكن في ذلك من إراقة الدماء والفتك بالأبرياء وتخريب العمران وترويع المجتمع وتصدع الأمن والهاب الفتن في صورة سيئة لا يعلم مداها إلا الله، ثم أنهى تقريره بالمديح في إنجازات النظام الحاكم وتوجيه الاتهامات إلى التيار الإسلامي ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين، واتهم كل زعماء الجماعة بأنهم دعاة الفتنة الكبرى ، واتهم

نفس التقرير سيد قطب بأنه م تهوس وشبهه بإبليس وأنه يقود ا لناس وراءه إلى المهالك ليظفر بأوهامه التي يحلم بها، وحذر التقرير الناس من اتباعه لأنه داعية فتنة وامتثل بقول الله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" .

***

أثر موقف عبد الناصر من الاتجاه الإسلامي على سياسته الداخلية والعربية

في الوقت الذي كانت فيه سياسة عبد الناصر العربية وسعيه لخلق مد قومي عربي قد حققت نجاحا كبيرا إلا أن كثير من العوامل ومن أهمها موقفه تجاه التيار الإسلامي قد أحدثت دويا هائلا أصاب ذلك البنيان الذي أخذ الكثير من جهد عبد الناصر وإمكانيات شعبه يتصدع تصدعا كبيرا حيث أسهم في زيادة نزعة السخط لدى كثير من الحكومات العربية إلى جانب تيار شعبي لم يتقبل عودته لسياسته الدموية وبخاصة ضد التيار الإسلامي .

وكان ذلك البنيان قد بدأ يتصدع بفعل انفصال أول تجربة للوحدة قام بها عبد الناصر مع سوريا سنة 1961، وازداد تصدعا بتورط نظام عبد الناصر في اليمن في محاولة لمساندة حفنة قليلة حاولت أن تسير على الخط الثوري لكنها لم تفلح في إيجاد فئة تساند هذا الخط بشكل جعلها – أي هذه الفئة – في أفكارها واتجاهاتها غريبة عن الساحة اليمنية

وجعل القوات المصرية – دون مساندة محلية –تتولى محاربة اليمن التي كان وقوفها ضد التدخل المصري يفوق رغبتها في مساندة حكومة الإمام وبالتالي فإن عبد الناصر لم يجن من هذه التجربة سوى تغيير نظام الحكم في اليمن في حين أنه دفع ثمنا باهظا على المستوى المصري فيما تحمله الشعب من النفقات الباهظة لهذه الحرب كانت كفيلة بإصلاح المسار الاقتصادي في مصر وتحسين مستوى معيشة شعبها ، أما على المستوى العربي فقد أسهمت هذه الأحداث في انحسار كبير لسياسة عبد الناصر العربية.

وقد أدى إدراك عبد الناصر لهذه الآثار على المستوي المحلي والعربي أن عاد للتركيز على دور الاتحاد الاشتراكي العربي أملا في ضمان توحيد قوى الشعب المصري من خلاله ولتظل تساند سلطته، كما زاد من توجهه للقضية الفلسطينية حتى يمكن من خلالها استعادة شعبيته على المستوى العربي ودعمه لفكرة القومية العربية.

وكانت هزيمة سنة 1967 في رأي الكثيرين هزيمة فعلية للنظام الناصري بأغلب أوضاعه وفلسفاته حيث كان اضطراره – بسبب هذه الهزيمة – لسحب قواته من اليمن يعد دلالة على فشل سياسته للقومية العربية، كما كان قبوله –مضطرا – لحضور مؤتمر إسلامي برؤية سعودية سبق له أن رفضها وهاجمها واتهمها بالرجعية والعمالة يعد تأكيد على فشل المطروح الناصري للاشتراكية الإسلامية والعربية أو انحساره، فضلا عن حدوث اهتزاز كبير قد أصاب مكانته وشعبيته في مصر، ولهذا تواءم موته السياسي مع موته الفعلي سنة 1970 .

وقد أسهمت هذه الهزيمة في إلقاء ظلال من الشك على عدم قدرة الأنظمة العربية وفي مقدمتها نظام عبد الناصر في مواجهة المشاكل السياسية والأمنية، كما فجرت الهزيمة نقاشا واسعا حول القيم الأساسية للمجتمع، وبدا من الضروري أن البديل التقليدي لهذه الأيديولوجية المهزومة هل الحل الإسلامي وهو اتجاه أخذ في طريقه مسئولين حكوميين وهو ما نلمحه في تعبيرات حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية آنذاك حيث قال: "أن الإسلام سيظل أقوى مفهوم اجتماعي عرفة الإنسان فحينما يهاجم المسلمون يصبح الجهاد الركن السادس في الإسلام فكما أمر المسلمون بالصوم فإنهم كذلك أمروا بالجهاد ذلك لأن الإيمان يحتاج إلى القوة لتحميه والقوة تحتاج إلى الإيمان ليدفعها".

وطرح الإخوان تف سيرا لقي رواجا في ظل غيبة التفسير الحكومي وهو أن الهزيمة كانت بمثابة إدانة لخصائص النظام العلماني الذي تجاهل أو انتهك مبادئ الشريعة الإسلامية وأنهم يرون الهزيمة على أنها علامة انتقام إلهي وعقاب إلهي لتحالف النظام السياسي مع قوى الإلحاد الديني .

وعلى الرغم من وجاهة كثير من الأسانيد التي ساقها أتباع التيار الإسلامي في هجومهم على نظام عبد الناصر وتجربته إلا أنه مما لا شك فيه أن نظرتهم لم تخل من تحامل على بعض جوانب هذه التجربة، ويرجع ذلك إلى تأثرهم بمراحل الصدام الذي ساد علاقتهم به.

وقد ساندهم في ذلك مجموعة من الذين ينتمون إلى الفئات التي أضيرت من هذه التجربةوكذلك مجموعة من الكتاب الليبراليين الذين لم ينعموا بقسط من الحرية والمكانة الاجتماعية كما كانوا في العهد السابق لعام 1952، إلى جانب بعض الكتاب الذين أفرزتهم الفترة الساداتية والذين اتخذوا من هجومهم على عبد الناصر وسيلة للتقرب من نظام السادات مع قليل من الكتاب الأكاديميين الذين حاولوا – برغم قلة الوثائق عن الفترة – الالتزام بالموضوعية ولكن وفق منظورهم الفكري الخاص.

ومع أن هناك أمورا ينبغي التسليم بها فيما تخلل التجربة الناصرية – الغير منقولة – من تجاوزات وتناقضات سواء في النظرية أم في التطبيق، وأن جمال عبد الناصر – بحكم تكوينه العسكري ومؤثرات التاريخ المصري وظروف دول العالم الثالث في هذه الفترة – قد وقع في شرك الزعامة الفردية التي حاول أن يقضي عليها بما أحدثه من تغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وأدى ذلك إلى أن الكثير من الكتاب وصفوه ديكتاتورا .

وكذلك فإنه على الرغم مما أحدثه تغييرات وأنه قد أسهم في خلق فئات اجتماعية أكثر اتساعا من الفئات التي أضيرت إلا انه لم ينجح في أعداد جيل – من هذه الفئات – يستوعب أبعاد هذه التجربة ويدافع عنها مما أدى إلى ارتباطها بشخصه وخلال وجوده في الحكم.

ومع ذلك فلا يمكن إغفال دور هذه التجربة في ت غيير الخريطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمصر خلال أقل من عشرين عاما برغم كافة الضغوط الخارجية والداخلية عبر عن نفسه في خروج أبناء هذه الفئات معلنة التمسك به ودماء الهزيمة العسكرية سنة 1967م، لم تجف بعد، كما خرجت تودعه في موكب مهيب يوم وفاته سنة 1970 وبشكل يفوق قدرة التطويع الإعلامي.

وبدلا من أن يستفيد عبد الناصر من التأييد الشعبي الواسع بعد هزيمة سنة 1967 فيحاول أن يدعمه ويحاول أن يربط بين مصالح الشعب وبين منجزات تجربته بشكل يجعلها أكثر دواما، لكنه زاد من غلوه في الاتجاه الفردي واستغل الأحداث في تخلصه من خصومه في النظام وعلى رأسهم أكثر ضباط الثورة قربا منه وهو عبد الحكيم عامر، كما زاد من عدائه للمعسكر الغربي وهو أمر لم يستفز الجماهير بقدر ما أصاب عواطفهم الدينية من ازدياد ارتباطه بالمعسكر الشيوعي فأسهم ذلك في توسيع دائرة التعاطف مع التيار الإسلامي .

الفصل الثاني:السادات والاتجاه الإسلامي

السادات والتيار الإسلامي (التحالف)

أسهمت حلقات الصدام بين عبد الناصر والإخوان المسلمين في إغراق هذه الجماعة في العمل السري، وقد أضافت هزيمة سنة 1967 لهذا الاتجاه بعدًا جديدا حيث تمكن أعضاء الجماعة من استقطاب مجموعات من الشباب الذين صدمهم هول الهزيمة، وساعد في هذا التيار بعض الفئات العسكرية الساخطة على النظام الذي أحالها إلى التقاعد وحملها – بشكل أو بآخر – مسئولية الهزيمة.

وقد عبر هؤلاء عن سخطهم بمهاجمة النظام والتجربة الإشتراكية وإبراز التناقض والثغرات التي أدت إلى الهزيمة، ومن جهة أخرى مهاجمة الاتجاه للمعسكر الشيوعي، وأن البحث عن أيديولوجية إسلامية هو الحل الأفضل في مواجهة دولة تتمسك بدينها وهي إسرائيل، وأن مجرد التعبير أو التلميح – بهذا هو الذي أدى إلى إبعادهم عن مناصبهم – وكنتيجة طبيعية لهذا الاتجاه ازدادت الجماعات الدينية اتساعا وميلا إلى العنف مع احتفاظها بالسرية.

وقد أكد هذا الاتجاه – وساعد على نموه – حدوث تغير في أسلوب عبد الناصر – رغم اضطراره للارتماء في أحضان المعسكر الشيوعي – حيث زادت نسبة حديثه عن الدين والقضاء والقدر وأمر الله في تفسيره للنكسة وأبعادها، ودعوته الجنود بأن عليهم أن يصبروا لأن عليهم رسالة نحو ربهم ونحو وطنهم، وأنه لا سبيل إلى الانتصار إلا بالإيمان بالله والثقة بالنفس .

وحين تمكن الرئيس السادات من التخلص من الناصريين واليساريين الذين حاولوا تحجيم دوره أو إبعاده في مايو سنة 1971، كان يدرك وجود قطاع مؤيد لهم، فرأى ضرورة السعي لتكوين جبهة مضادة تناصره وتحافظ على الموازنة السياسية أمام اليسار والناصريين داخليا، وتؤيد اتجاهه إلى الغرب، وبخاصة انه لم تكن له هوية سياسية قبل توليه الحكم أو شعبية تناصره .

وأحس – من خلال أحداث مايو سنة 1971 – حاجته إلى حلفاء، وأدرك أن استغلال الذكريات المريرة عند جماعة الإخوان المسلمين وأتباع التيار الإسلامي ضد عبد الناصر وأعوانه سيجعل منهم ركيزة هامة له في بحثه عن مؤسسات في الأوساط الاجتماعية والجامعات وغيرها .

وبادر السادات على الفور بالإفراج عن المسجونين السياسيين من جماعة الإخوان المسلمين، وسمح لهم – بالتدريج

– بمزاولة نشاطهم، وبدأ يتخذ سياسة التقرب من هذا التيار – طالما أنه لا يهدد سلطته أو يتحدى سياسته

– فأطلق على نفسه اسم الرئيس المؤمن. ومزج خطبه بكثير من آيات القرآن، وأعلن عن عزمه على تكوين دولة العلم والإيمان، وقرب إليه البعض من ذوى الميول الدينية.

ولم يكن هذا الاتجاه كفيلا بإحياء التيار الديني فحسب بل خلق تعاطفا من الدول العربية التي تعتمد على الدين في سياستها وفي مقدمتها السعودية فبادرت هذه الدول بإمداده بالأموال لمساعدته في الخروج من الضائقة الاقتصادية، وفي نفس الوقت ضمن ألا تسير السعودية في دفع جماعة الإخوان أو أي من الجماعات الدينية للصدام مع حكومته حيث كان يدرك مدى ارتباط أغلب هذه الجماعات بالسعودية .

أما من جانب الإخوان فإنهم حاولوا تحقيق استفادة سياسية وإعادة تنظيم صفوفهم مع المحافظة على العلاقة مع النظام، وأسهموا في توجيه الشباب إلى المد الديني من خلال طرح العديد من القضايا كتبرير النكسة بالبعد عن مبادئ الشريعة الإسلامية وأن التحالف مع دولة ملحدة هي الاتحاد السوفيتي أدى إلى انتقام الله الذي وقع على النظام الذي ظلمهم.

وصدرت لجموع الإخوان العديد من المؤلفات التي تنجح في أغلبها في طرح أيديولوجية عصرية متكاملة بقدر نجاحها في إثارة نزعة الإشفاق والتعاطف مع التيار الديني، فقد ركزت أغلب هذه المؤلفات على التعذيب في السجون والإجبار على عدم أداء العبادات فيها وتلفيق التهم وسرية المحاكمات وغير ذلك إلى جانب العديد من قصائد الشعر الطويلة، وكلها قد صيغت صياغة رومانسية مؤثرة إلى حد كبير .

واقتصر ما طرحه كتاب الإخوان غير هذا الاتجاه – وكنتيجة لعلاقتهم والساداتبالسعودية على إمكانية التنسيق مع السعودية لإقامة نظام إسلامي، أو السعي لتطبيق الشريعة الإسلامية لتحقيق أمن اجتماعي تقل معه الجريمة كما هو مطبق في السعودية.

وبرغم كثافة المطروح الإخواني في هذه الفترة إلا أنه لم يكن يكفي في مجمله للإجابة على تساؤلات الشباب الذي تحول إلى المد الإسلامي.

كما أن المرشد الديني الحكومي الذي ينتمي إلى الأزهر لم يستطع أن يسد هذه الثغرة فهو بحكم دراسته لم يطرح رؤية جديدة وانغمس في محاولة التصدي لبعض الظواهر الاجتماعية التي علل وجودها بالبعد عن الدين، وأن العودة إليه تكفي للقضاء عليها دون طرح تصور كامل لنظرية اجتماعية، وركز في هذا الميدان على كثير من آيات العقاب مبتعدا عن جوانب المغفرة والثواب مما دعا لإثارة الرهبة والخوف في نفوس الشباب.

واكتفى رجال الطرق الصوفية بمواصلة أسلوبهم الداعي إلى التواكل والسلبية من خلال الدعوة للزهد والتقشف وترك الدنيا والاتجاه إلى الآخرة.

ولما كانت نزعة الإشفاق التي أثارها الإخوان والترهيب التي أثارها خطيب الأزهر الحكومي، والسلبية التي أثارها دعاة الصوفية غير كافية في مجموعها أن تطرح رؤية متكاملة تجيب على تساؤلات الشباب، فإن هذا قد مهد لتطور ونضوج التيار السلفي.

ولا يعني ذلك أن التحول للتيار السلفي ظاهرة طارئة على المجتمع المصري، بل هي ظاهرة شبه عامة في كثير من دول العالم الإسلامي وبخاصة في السبعينيات حيث وجدت نزعة عامة لاستلهام نموذج تاريخي إسلامي من تلك المثل التي شهدها التاريخ الإسلامي فترة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، وليس أمام المسلمين إلا التكرار والتقليد من خلال تفسير وتسخير المعطيات المعاصرة لمفاهيم ذلك التيار، وحاول دعاة ذلك التيار أن يطرحوا تصوراتهم لمجتمع أفضل مبني على هذا النموذج التاريخي من خلال النموذج السعودي وبتأثيره، وأن يكون أساسهم لرفض التبعية للغرب الاستعماري والشرق الملحد وبخاصة بعد أن فشلت بعض التجارب العلمانية والاشتراكية وهي نماذج كانت تعتبر في رأي المودودي وسيد قطب وغيرهما من دعاة السلفية – وبكل معطياتها الحضارية – جاهلية معاصرة .

وإلى جانب كون التيار السلفي ظاهرة عامة في كثير من بلدان العالم الإسلامي في السبعينيات فإن السادات قد رحب بنضوج هذا التيار، وسمح بدخول العديد من المؤلفات السلفية التي كانت محظورة من قبل – والتي ألف أغلبها في إطار التزام – وذلك لإدراكه أن ذلك سيعين على تقوية التيار الديني ويدعم ويؤكد إعلانه للدخول في تجربة ديمقراطية جديدة.

كما أنه كان يدرك أن المطروح السلفي قد تضمن منظورا يؤكد رفضه لظاهرة الصدام بين التيار الديني والنظام السياسي وقبوله لفكرة الطاعة لهذا النظام كما هو في الشكل السعودي، وأن الجانب الاعتراضى فيه يقتصر على الجهاد ضد الأيديولوجيات الوافدة وضد الصهيونية، والسعي للإصلاح الاجتماعي من خلال القنوات الشرعية.

كما أن ذلك التيار سيدعم علاقته بالبلاد العربية وخاصة السعودية ، وتهيئة الرأي العام لاعتبار تحوله عن المعسكر الشيوعي – باعتباره ملحدا – عملا بطوليا، ودون

اعتراض على مد جسور العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية تحت ستار السعي لحل القضايا العربية ومشكلة الصراع العربي الإسرائيلي إلى جانب إسهامها في تدعيم الاقتصادي المصري المتهاوي.

وقد اتضح منذ البداية إصرار كثير من أتباع التيار الإسلامي على التواجد السياسي حيث حاولوا إلزام الدولة – من خلال الدستور – بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع وأن ينص على أن دين الدولة هو الإسلام واللغة العربية هي اللغة الرسمية.

ومع أن الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في سبتمبر سنة 1971 جاء مخيبا للآمال لأهم مطالبهم حيث نص الدستور على أن مبادئ الشريعة – وليست الشريعة ذاتها – هي مصدر رئيسي – وليست المصدر الرئيسي – للتشريع.

وعلى الرغم من ذلك فقد ارتضى أتباع هذا التيار الأوضاع التي أصبحوا عليها وما حققوه إذا ما قيست بما لا قوة في الفترة الناصرية وبما كان عليه الاتجاه الإسلامي في الميثاق الوطني، وباتوا مؤملين في تحقيق تقدم تدريجي لأهدافهم.

وجاءت انتصارات حرب أكتوبر سنة 1973 وما سبقها من إعداد وما تضمنته من تأثير ديني اتخذ في إعادة البناء النفسي للقوات المسلحة أو في أثناء الحرب لتروج للتيار الإسلامي، فدعا أحد الوزراء – وهو عضو سابق بجماعة الإخوان المسلمين إلى الدولة الدينية ، كما هاجم نائب رئيس الجمهورية السيد حسين الشافعي الفكرة الفرعونية ودعاتها وأنه لا بديل عن الأمة الإسلامية .

وارتبطت المعركة بمجموعة من الرموز الدينية كتسميتها بمعركة العاشر من رمضان وتسميتها أيضًا بمعركة بدر وصيحات الجنود خلال المعركة "الله أكبر" وغير ذلك.

وقد بدا صدى ذلك التيار واضحا حيث نجح في دفع المنابر الثلاثة التي خرجت من باطن الاتحاد الاشتراكي إلى أن تضع على قائمة مطالبها في انتخابات سنة 1976 الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية .

كما تقدم الإخوان الذين استطاعوا الوصول إلى عضوية مجلس الشعب بمشروعات قوانين بإقامة الحدود الشرعية وفرض زي موحد للمرأة ومنع الرجال من العمل في صالونات الحلاقة للسيدات ومنع المشروبات الكحولية ، لكنهم فشلوا في استصدار أي قانون بهذا الشأن مما أدى إلى فقدانهم للثقة في تحقيق أهدافهم من خلال هذه القناة الشرعية، فانتقلوا إلى اتخاذ أساليب إعلامية للتأثير على الرأي العام المصري، وسعوا في نفس العام لإصدار مجلتهم "الدعوة" ونجحوا في ذلك، إلى جانب بعض الوسائل الأخرى كمجلة "الاعتصام" أو بعض المؤلفات الصغيرة.

ولما كان تأثيرهم حتى هذه الفترة لا يشكل خطرا على النظام، كما أن اليساريين كانوا ما زالوا يناهضون سياسة السادات، فإن السادات استمر في خطب ودهم وهو أمر أدى إلى تأييدهم له في أحداث 18، 19 يناير سنة 1977 حيث اشتركوا معه في توجيه أصابع الاتهام إلى اليسار بتدبير هذه الأحداث، بل وشاركوا – بالصمت في الغالب – على توصيف السادات لها بانتفاضة الحرامية .

***

بوادر الصدام بين السادات والتيار الإسلامي

على الرغم من أن السادات قد استفاد من تحالفه مع التيار الإسلامي في كبح جماح العناصر الشيوعية والناصرية

إلا أنه أدرك ما أصبحوا عليه من قوة تزيد كثيرا عن فترة بداية تحالفه معهم في مطلع السبعينيات، كما أدرك أنهم استخدموا النظام في إيجاد شرعية الوجود السياسي لهم على الساحة المصرية.

كما وجد أن المطروح السلفي الذي ينطوي تحت النظام السياسي – والذي سمح بنموه بهدف طمس الهوية السياسية للتيار الإسلامي وإضعاف تركيبته التنظيمية – لم يثن أتباع التيار الإخواني عن سيرهم في طريق التواجد السياسي الذي قد يجرهم إلى الصدام مع نظامه إذا لم يحققوا أهدافهم، حيث وجد تيار خليط دمج بين المطروح السلفي والمطروح الداعي إلى الاشتراك في المعترك السياسي ، وقد انتقلت عدوى هذا التيار الخليط إلى السعودية نفسها حيث عبر عن نفسه في أحداث الحرم سنة 1979 .

وكانت الجماعة الدينية في تحالفها مع السادات من الحذر بحيث لم تؤيده في موقف يسئ إلى مسيرتها أو أهدافها، كما لم تكن مستعدة لأن تتراجع عما كسبته في ظل هذا النظام.

وبدأت هذه الجماعات تستخدم كل وسائلها في النفاذ إلى الرأي العام المصري وتحقق تقدما بين طلاب الجامعات وبخاصة عندما ضيق الخناق على العناصر اليسارية والناصرية في أعقاب أحداث يناير سنة 1977، فقد حققت هذه الجماعات نجاحا كبيرا في الانتخابات الطلابية التي جرت في نفس الشهر حتى على مرشحي "حزب مصر" الذين كانوا يمثلون النظام السياسي .

كما لم يمنعهم تحالفهم مع السادات من مهاجمة سياسة الانفتاح الاقتصادي حيث رأيت أن هذا الانفتاح سيفيد الأجانب والطبقات العليا على حساب الطبقات الفقيرة، كما أنها ستؤدي إلى انهيار القيم الأخلاقية من خلال زيادة النوادي الليلية وأماكن اللهو والمجون.

ومع أن نظام السادات كان يدري دور شباب هذه الجماعات في تدمير هذه الأماكن أثناء أحداث 18، 19 يناير سنة 1977 إلا أنه قد ألقى بالتهمة كاملة على اليسار حتى لا يصطدم بالتيارين في وقت واحد.

كما أكدت هذه الأحداث أن قيادات جماعة الإخوان التي حققت ثراء كبيرا وأصبح لها العديد من المصالح التي استنفدت الكثير من جهودها وجعلتها حريصة على التحالف مع النظام قد لا تصبح قادرة على تحقيق السيطرة على قطاعات الشباب الفقير التي انضمت إليها ثم اتجهت إلى تكوين تنظيمات خاصة بها ، واقتصر تأثيرها على قطاع محدود من هذا الشباب من خلال إتاحة فرصة العمل له في هذه المؤسسات ولكن جعلته يميل إلى المهادنة، فضلا عن نجاحها في استقطاب قطاع آخر من الشعب من خلال استثمار ما لديه من أموال في مشروعاتها.

ومما ساعد على رواج هذا الاتجاه أن النمو الحضري الذي شهدته مصر في السبعينيات لم يكن يوازيه نمو اقتصادي مما أدى إلى أن يصبح قطاع كبير من السكان غير مؤمن بعدالة مشاركته في الثروة القومية .

لذلك فإنه على الرغم من أن سياسة الجماعات الإسلامية قد سايرت السادات في الاتجاه إلى السياسة الداخلية وتحديد السياسة العربية القومية التي كانت سائدة في الفترة الناصرية، إلا أنهم – والشباب منهم بالذات – انتقدوا سياسته الداعية إلى "مصر أولا" باعتبار أن ذلك اتجاه فرعوني وثني، كما هاجموا ما رفعه السادات من شعارات ليبرالية مبررين ذلك بأنه لم يسمح لهم بإقامة حزب سياسي، ولوحوا له من خلال ذلك بأن البديل أمام الشباب التابعين لهم قد يدفعهم إلى تكوين حزب سري ، وكان ذلك منبها لحكومة السادات في ضرورة مواصلة تعقب هؤلاء وبخاصة مجموعات الشباب الذين أقدموا على أعمال عنف وتخريب واغتيال وحاكمهم بالسجن وأعدم بعض قادتهم.

وفرض رقابة شديدة على الجماعات التي ساد الشك في تلقيها لمعونات خارجية كمنظمة التحرير الإسلامي التي أعلن أنها تتلقى دعما من النظام الحاكم في ليبيا والتي قامت بأحداث الكلية الفنية العسكرية سنة 1974 والتي كانت تنوي تدمير مبنى الاتحاد الاشتراكي العربي أثناء إلقاء الرئيس السادات لخطابه، لكن محاولتهم باءت بالفشل .

كما اصطدمت الحكومة بجماعة أخرى أكثر خطورة هي جماعة التكفير والهجرة والتي قدر عدد أعضائها المنتشرون في مصر بين ثلاثة وخمسة آلاف وذلك في أعقاب ما أسند إليهم من اختطاف الشيخ الذهبي واغتياله في يوليو سنة 1977.

وكان أغلب أعضاء الجماعة من طلاب الجماعة الذين كانوا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين ثم ضاقوا من تحالف أغلب أعضائها مع النظام الحاكم إلى جانب اتجاههم المتحرر فأنشئوا منظمتهم التي سمحت باستخدام العنف إذا رأوا فيه ضرورة لفرض وجهة نظرهم .

وامتلأت الصحف الحكومية في أواخر سنة 1977 بأنباء القبض على أتباع جماعات أخرى كجماعة جند الله" وجماعة الجهاد".

وقد أكدت هذه الأحداث أن التحالف الذي ظل قائما بين السادات وأتباع التيار الإسلامي على مدى ما يقرب من سبع سنوات قد تحول إلى صدام حتمي بين الجانبين، وتطايرت كثير من الشائعات التي تؤكد اقتراب حدوث انقلاب سياسي .

وقد عبر الاتجاه العام لهذه الجماعات عن رفضها لسياسة الاتجاه للغرب حيث رأوا أنها حولت المجتمع المصري إلى مجتمع استهلاكي، وأسندت كل ما هو مضيء في ثقافته إلى الحضارة الغربية مما أدى إلى اهتزاز الانتماء الوطني وبالتالي إلى فساد اجتماعي وأخلاقي فرضته طبقة طفيلية حققت مكاسب مادية هائلة دون أن يقابلها جهد مبذول، وانتهكت في سبيل تحصيلها كثيرا من القواعد والأعراف والقيم الإنسانية، وأسهمت في انتشار الرشوة والمحسوبية وغير ذلك، فضلا عن أن البعض يري أن هذه الطبقة قد أسهمت في إثارة الصراع الطائفي كوسيلة لتمييع الصراع الاجتماعي الذي يسهم في دفع حركة التقدم القومي .

واستطاعت الجماعات الدينية أمام ذلك أن تستجلب جموعا ترفض – بسبب التفسخ الاجتماعي – سياسة التقرب من الغرب وترفض اتجاه النظام لإبعاد الدين عن المشاركة في محاولة تحسين الأوضاع مستندة في هذا إلى تأثير الدين على البناء الثقافي للعقلية المصرية، وإلى الإحساس بالضياع لدى كثير من الشباب، وفي ظل غياب أيديولوجية واضحة للنظام السياسي.

ومن الأمور التي أدت إلى التوسع في نشر هذه الأفكار الزيادة المضطردة في بناء المساجد الأهلية وكذلك ارتباط الجماعات الإسلامية بالجمعيات الأهلية التي لا تخضع لسيطرة الدولة وبخاصة الجمعية الشرعية التي كانت أقرب الجمعيات إلى اتجاههم السلفي، وكذلك جماعة أنصار السنة المحمدية.

وازداد إقبال الشباب على هذه المساجد بسبب موقف بعض الجماعات من المساجد الحكومية كجماعة التكفير والهجرة إلى جانب استخدام المساجد في بعض مشروعات الخدمة العامة كالعيادات الطبية وأعمال البر والإحسان إلى جانب بيع الكتب الإسلامية والروائح وغيرها التي أقدم عليها شباب هذه الجماعات والذين كانوا لا يرتضون الانخراط في التجارة العامة أو في وظائف الدولة لتعارض ذلك مع أفكارهم .

***

يقظة التيار السياسي للكنيسة القبطية

على الرغم من أن البعض يري أن يقظة التيار المسيحي في شكله الديني والسياسي في السبعينيات ليس إلا رد فعل طبيعي لصحوة التيار الإسلامي إلا أن هذه اليقظة ترجع إلى عوامل تحيط بالأقلية المسيحية نفسها سواء أكانت عوامل تاريخية أم في إحساس هذه الأقلية تجاه رؤية الأغلبية المسلمة في خلو العقيدة المسيحية من الدعوة لقيام كيانات سياسية .

وكان قيام ثورة سنة 1952م تطورا مفاجئا للأقلية المسيحية وذلك لأن بعضهم قد لحقه ضير من قرارات الثورة الإصلاحية – العامة – سواء من قرارات الإصلاح الزراعي أم من تأميم أصحاب رؤوس الأموال ، كما تقلص دورهم السياسي إلى

حد كبير فخلا ميدان العمل السياسي من عناصر قبطية، ولم يجدوا سبيلا لإثبات تواجدهم أو لعرض ما يكون لهم من مطالب أمام تنظيم – هو الضباط الأحرار – خلا في كل صفوفه من أي عضو مسيحي.

لذلك أسرعت مجموعة من شباب الأقباط بتكوين جمعية "الأمة القبطية" في 11 سبتمبر سنة 1952 ولم يكن قد مضى سوى أقل من شهرين على قيام الثورة .

وركزت هذه الجمعية على دعوة الأقباط لدراسة اللغة القبطية وإحلالها محل اللغة العربية والدعوة للتعامل بالتاريخ القبطي والمطالبة بإنشاء محطة إذاعة لهم وكذلك إنشاء جريدة خاصة بهم.

ولم يرق هذا الاتجاه للمحافظين من رجال الكنيسة الأقباط الذين كانوا يرون ضرورة التزام الحذر من النظام الجديد المتحالف مع التيار الإسلامي، مما أدى إلى قيام خمسة من شباب الأقباط على رأسهم إبراهيم هلال المحامي باختطاف البطريرك الأنبا يوساب الثاني وإجباره بالقوة على التنازل في 24 يوليو سنة 1954 في محاولة منهم لإحلال زعامة شابة من بين الشباب المثقف الذين انخرطوا في السلك الكنسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية ولكي يؤكد دورهم السياسي من خلال الكنيسة .

ولا شك أن ذلك كان يعبر عن خشيتهم من سيادة – أو دور- التيار الإسلامي على الحركة السياسية، ومما يؤكد ذلك أن شعارهم الذي أعلنوه يقابل نفس شعار جماعة الإخوان المسلمين وهو "الإنجيل دستورنا والقبطية لغتنا والموت في سبيل المسيح أسمى أمانينا".

ومع أن الأقلية المسيحية قد هدأت – نسبيا – بعد قيام النظام السياسي بحل جماعة الإخوان المسلمين وإبعادها عن الساحة السياسية حيث كان ذلك يعني عندهم أن النظام لم يقدم على نظرية أو تجربة إسلامية وهو أمر يثير هواجسهم، ولكن لم يرق لهم استخدام النظام لتيار إسلامي حكومي في منظوره القومي أو منظوره للقومية العربية أو في حرصه على مد جسور العلاقة مع دول العالم الإسلامي .

وظل هذا التيار ينمو بالتدريج من خلال الكنيسة خلال الفترة الناصرية وبخاصة بعد أن تولى "نظير جيد" الذي عرف باسم الأنبا شنودة مسئولية التربية الكنسية وقيامه بعقد

لقاء أسبوعي "الجمعة" شبيه بدروس الثلاثاء الإخوانية بقصد تجميع الشباب القبطي حول الكنيسة .

كما ظهر الأنبا صموئيل الذي عين أسقفا للعلاقات الخارجية ثم مسئولا – بعد ذلك – عن الشئون المالية للكنيسة.

وظهر كذلك الصيدلي "يوسف أسكندر" الذي عرف بعد انخراطه في سلك الرهبنة باسم "متى المسكين" والذي حول "دير أبو مقار " قرب الإسكندرية إلى منشأة إنتاجية

– كما ظهر في هذه الفترة "وهيب عطا الله" الذي عرف باسم "الأنبا جريجوريوس" الحاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة اللغات والذي شغل منصب أسقف البحث العلمي.

وقد خشي البابا كيرلس أن يؤدي هذا الاتجاه السياسي إلى الزج بالكنيسة في طريق الصدام مع الدولة وأبعد الأنبا شنودة إلى دير وادي النطرون، لكن ضغوط الكثيرين من شباب الأقباط قد نجحت في إعادته وهو أمر له دلالته في تأكيد حرص الأقلية المسيحية على أن يكون لهم دور سياسي من خلال الكنيسة .

وتزامن تولي الرئيس السادات للحكم مع تولي الأنبا شنودة كرسي البابوية ، وكان تولي البابا شنودة يعني وصول الجناح المؤيد لأن يكون هناك دور سياسي/ ديني – للكنيسة.

وصادف هذا الدور هوى – إلى حد ما – لدى الرئيس السادات الذي كان يريد صحوة يمينية عامة تعينه على تحجيم دور الناصريين واليساريين، فسمح لهم بمزاولة نشاطهم.

وقد سادت زعماء الكنيسة نزعة ارتياح لاتجاه الرئيس السادات إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعزمه على الأخذ بالنظام الديمقراطي الليبرالي الذي يعني عندهم إبعاد الدين (الإسلام) عن السياسة ومشاركتهم بدور واضح فيه كما كان قبل عام 1952 .

لكنهم رغم ذلك ظلوا يتوجسون خيفة من النشاط المتزايد للتيار الإسلامي وبخاصة في إصراره على تطبيق الشريعة الإسلامية.

لذلك قاموا بإنشاء العديد من المجلات التي ركزت على المطالبة بتمثيل الأقباط في البرلمان والوزارات والمؤسسات العامة.

إلا أن الأقليات المسيحية قد أدركت نصيبا من القلق حين تقدم أتباع التيار الإسلامي سنة 1977 بمشروع قانون عن "الردة" أو التحول من دين لآخر، فأسرعوا في عقد مؤتمر في الإسكندرية وصدر احتجاج شديد اللهجة، وتظاهر – بشأن هذا القانون – الأقباط المهاجرون في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وبخاصة أن تقديم هذا المشروع قد تزامن مع حوادث اعتداء الجماعات الإسلامية على بعض الكنائس في أسيوط والفيوم، وأعلن البطريرك صيامه احتجاجا على القانون والأحداث، وكانوا يأملون من كل ذلك في عدم موافقة الدولة على قيام أي شكل من أشكال الأحزاب للتيار الإسلامي .

ولم تقف الأقلية المسيحية عند ذلك الحد بل تعدته إلى طبع المنشورات التي تدعوا إلى أن مصر (Egypt) قبطية وأنها وطنهم الأصلي وأن المسلمين دخلاء ومستعمرين وأن عليهم مقاومة هؤلاء الدخلاء وإجلائهم لتخليص وطنهم. وقد كان هذا الاتجاه كفيلا باستفزاز أتباع التيار الإسلامي الذي حاول أتباعه في كافة نشاطاتهم التأكيد في حقوق الأقليات الدينية .

وثمة عوامل أخرى أسهمت في زيادة الدور السياسي للكنيسة تتمثل في استخدامها للجاليات القبطية في المهجر، تلك الجاليات التي هاجرت إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا في أعقاب صدور قرارات التأميم والقرارات الاشتراكية سنة 1961وتمثل دور هذه الجاليات في القيام بإمداد الكنيسة بالأموال واستجلاب المعونات لها من الدول الغربية وكان ذلك يشكل سندا قويا للكنيسة ، إلى جانب إثارة الرأي العام في هذه الدول وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية على النظام السياسي في مصر بل والمطالبة –أحيانا – بالتدخل لحماية الأقباط في مصر وهو أمر أدى إلى قلق الرئيس السادات الذي كان حريصا على استغلال الرأي العام الأمريكي للحد من الضغط اليهودي على الإدارة الأمريكية.

وقد أدت هذه الأمور جميعها – الداخلية والخارجية – إلى حدوث صدام بين المسلمين والأقباط في الزاوية الحمراء وهو ما أطلق عليه أحداث الفتنة الطائفية، كما أدت إلى حدوث صدام بين التيار السياسي الكنسي والدولة فقام الرئيس السادات بإبعاد البابا شنودة عن الكنيسة .

على أن هذه الأمور جميعها لا ينبغي أن تلقى تبعتها على التيار الإسلامي وحده وكونها رد فعل له وأنها في مجموعها تؤدي إلى تميع الصراع الاجتماعي وإضاعة الجهود في قضايا لا تسهم في التنمية الحقيقية وبخاصة إذا أدركنا عوامل أخرى تتمثل في إبعاد الدور الأمريكي الذي أراد استخدام العامل الديني في مقاومة النفوذ السوفيتي في دول العالم الثالث، كما انه أراد اشغال التيار الإسلامي في مصر – بعد الثورة الإيرانية الدينية – بقضايا محلية منهكة حيث كان نجاحه في تحقيق تجربة مماثلة كإيران يدفع بدول أخرى في نفس الطريق وهي أمور تعادي المصالح الأمريكية على الأقل في المنطقة .

***

التيار الإسلامي ومفاوضات السلام مع إسرائيل

اجتمعت عديد من العوامل الداخلية والخارجية لتدفع بالرئيس السادات إلى زيارة القدس والسير في طريق عقد معاهدة سلام مع إسرائيل.

على أن ذلك لم يكن يعني تحولا مفاجئا في سياسة السادات بل سبقته عدة محاولات لتحريك القضية كان آخرها عن طريق المغرب ورومانيا أسهمت في التهيئة لهذا الطريق.

فقد أدت أحداث 18، 19 يناير سنة 1977 في مصر إلى إدراك الرئيس أن العناصر اليسارية – يساندها السوفييت- قد أصبحت تمثل تحديا شعبيا لسلطته، كما أصيب تحــ مع اليمين الديني باهتزاز شديد، وأسهمت الصحف الأوروبية والأمريكية في تغذية هذا الاعتقاد لديه مما دفعه للتفكير في الانتقال إلى المعسكر الأمريكي حفاظا على سلطته .

ولا شك أن محاولات الاتصال السري بين شخصيات مصرية هامة وأخرى إسرائيلية قد عبرت عن قبول الجانب الإسرائيلي لاتجاه السلام، فإذا كان ملك المغرب الحسن الثاني، قد قام بمحاولة إقناع الجانب المصري بهذا الاتجاه فإن ذلك كان نتيجة لأثر ضغوط الجالية اليهودية القريبة من القصر في المغرب والتي لم تمارس هذا الضغط دون تنسيق مع المسئولين الإسرائيليين.

ومما يؤكد هذا الرأي أن إسرائيل قد أبلغت ملك المغرب بضرورة تبليغ النظام المصري عن اكتشاف مخابراتها لمؤامرة يدبرها الرئيس الليبي معمر القذافي لاغتيال الرئيس السادات.

فبغض النظر عن أن كلا الجانبين المغربي والإسرائيلي كانت لهما أهدافا أخرى من وراء هذه الاتصالات حث تحركت الحشود العسكرية المصرية من الجهة الشرقية المواجهة لإسرائيل إلى الحدود مع ليبيا فأراحت الجبهة الإسرائيلية، وتبعه تحرك للقوات الليبية على الحدود المصرية أراح المغرب من مساندة القوات الليبية لجبهة البوليساريو إلا أن ذلك كان يعني قبول إسرائيل لاتجاهات السلام .

وقد أسهمت بعض الأوساط الأوروبية في إقناع الرئيس السادات بحقيقة اتجاه الساسة في إسرائيل نحو السلام، وأن تولي الجبهة المتشددة "الليكود" في إسرائيل برئاسة مناحم بيجين لا يمثل عقبة في هذا الطريق بل بالعكس حيث لن تلقي هذه الجبهة معارضة قوية مثلما كان سيلقي حزب العمل إذا ما أقدم على السير في هذا الطريق.

وأسفرت هذه الاتصالات التي انتهت بزيارة بيجين رئيس وزراء إسرائيل إلى رومانيا في أغسطس سنة 1977 وأعقابها بأقل من ثلاثة أشهر زيارة للرئيس السادات (29- 31 أكتوبر سنة 1977) عاد بعدها مرورا بطهران حيث شجعه حاكمها الشاه على هذه الزيارة – ليعلن عن عزمه على زيارة القدس .

ولا شك ن هذه الزيارة وما سبقها ولحقها من خطوات في طريق السلام مع إسرائيل كان يمثل بعدا آخر من أبعاد الخلافة بين السادات والتيار الإسلامي في مصر.

فالتيار الإسلامي وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين يعتبرون أن الحرب مع إسرائيل حربا دينية مقدسة، واشتركت عناصر إخوانية كثيرة في الحرب ضد العصابات اليهودية قبل حرب سنة 1948م، كما لعب متطوعة الإخوان دورا بارزا في حرب سنة 1948، وأصبح لشهدائهم فيها ذكرى سنوية "يوم الشهيد" يحتفلون فيه بذكرى الذين سقطوا في تلك المعارك المقدسة.

وينبع ذلك من رؤية الإخوان للصراع العربي الإسرائيلي من أنه صراع بين الإسلام واليهودية، وبالتالي فإنهم ظلوا ينظرون إلى استمرار وجود اليهود في أرض إسلامية على أنه خطيئة كبرى كما قررت الشريعة الإسلامية .

وأدى ذلك الموقف – أو استوجب – إلى ضرورة إعلانهم لموقف التحدي المباشر للرئيس السادات حين أعلنوا أن التاريخ الإسلامي سوف يحكم على الذين باعوا أرضهم وكرامتهم مقابل بعض الفوائد المادية .

أما بقية الجماعات الإسلامية فكانت قد حددت منذ البداية أن أعداءها هم الشيوعيون والإمبرياليون والصهيونية وبالتالي فإنها قد بادرت بإعلان رفضها لاتجاهات الصلح مع إسرائيل وأن ذلك عمل خارج على الإسلام بل مضاد له ومن ثم كانت معارضته فرضا إسلاميا بل وعقابه إذا كان ذلك أمرا ممكنا.

وأعلنت هذه الجماعات هجومها على الأزهر الذي أيد الصلح مع إسرائيل وأصدرت فيها فتوى شرعية استغلتها القوى العربية المعارضة لهذا الاتجاه.

واستمرت موجة المعارضة من قبل التيار الإسلامي طوال عام 1978 حيث وجدت العديد من المظاهرات بين طلاب الجامعات على وجه الخصوص، وكذلك المقالات المتعددة في مجلة الدعوة وغيرها من الوسائل المملوكة لعناصر من هذا التيار، وكذلك المنشورات.

وبلغ الأمر ذروته في مطلع عام 1979، حين نشرت مجلة الدعوة مقالا تضمن هجوما مباشرا على السادات حيث اتهمته شخصيا بالتخطيط مع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية لضرب الاتجاه الإسلامي أو محاولة شراء زعماء منهم بتقديم مبالغ مالية كبيرة ثم القضاء على الذين لا يمكن تطويعهم .

وأدت هذه المواجهة إلى إقدام النظام السياسي على إصدار قرار سريع بإغلاق مجلة الدعوة وقيام الصحف الحكومية بنشر المقالات التي تكذب هذه المقولات حيث أدلى حسن التهامي بحديث يؤكد فيه أنها أكاذيب ملفقة ، كما أعلن الرئيس السادات في خطاب ألقاه في جامعة طنطا بأن الاتحاد السوفيتي ومعمر القذافي وراء إعداد هذا التقرير وتسريبه إلى مصر .

ولم توقف هذه الإجراءات أو مقالات التبرير هجوم التيار الإسلامي على الرئيس السادات، وراحت أقلام أتباعه تستخدم بعض المجلات الخارجية والمساجد الأهلية في توجيه الاتهامات له ولأسرته وتنتقد سلوكياتهم وشاركهم في ذلك بعض مشايخ الأزهر الذين برروا مواقف الأزهر في تحالفه مع الدولة بالنظام الذي يدار به الأزهر، وبدأ بعضهم يطالب بضرورة عودة نظام الأزهر لما كان عليه قبل قرارات التطوير، وضرورة انتخاب شيخ الأزهر والمفتى وغيرهم.

وقد أدى ذلك إلى سعي الرئيس السادات لترميم التصدع الذي تخلل تلك المؤسسة الرسمية وهي الأزهر أملا في إعادة –استخدامه – بشكل كامل – في محاولة العودة للتحالف مع التيار الإسلامي، فاقترح إنشاء المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة شيخ الأزهر ومعه خمسين عضوا من مشايخ الأزهر ومشايخ الطرق الصوفية وزعماء الجماعات الدينية إلى جانب أعضاء حكوميين – من ذوي الميول الدينية – تختارهم الدولة، على أن يتولى هذا المجلس نشر تعاليم الإسلام الصحيحة في كل أنحاء مصر بالخطابة وطبع الكتب والإرشادات وزيارة المدارس والجامعات، وبالقطع فإن الغرض منه كان محاولة تطور زعماء التيار الإسلامي والحد من المعارضة الجارفة التي يثيرونها ضد الدولة ، لكن عوامل كثيرة أدت إلى عدم تحقيق هذا الاقتراح.

***

صدى الثورة الإيرانية على العلاقة بين السادات والتيار الإسلامي

من المفارقات الغربية أن يقتصر عنصر المفاجأة الذي صاحب قيام الثورة الدينية في إيران على بعض الشعوب والحكومات المجاورة لها في المنطقة العربية في حين أنها لم تكن كذلك لدى كثير من الدول الكبرى وبخاصة أصحاب المصالح في منطقة الشرق الأوسط.

فقد كان نمو التيار الشيوعي في إيران إبان حكم الشاه أمرا مثيرا للقلق لدى الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص، حيث كان اقترابه من منطقة الشرق الأوسط كفيلا بتهديد الاستراتيجية الأمريكية فضلا عن تهديد مصالحها وحلفائها في المنطقة، لذلك فإن تشجيع التيار الديني على مقاومة هذا المد مسألة كانت تحظى بتأييد الدولة صاحبة المصالح وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت ترى في نجاح التيار الديني إلى جانب ذلك إمكانية إحداث قلاقل في الولايات الإسلامية السوفيتية المتاخمة للحدود الإيرانية .

ومن الدلائل التي تؤكد صحة هذا الرأي أن آية الله الخميني الذي تزعم الثورة الإيرانية الدينية قد حظي بعناية أمنية إلى جانب تسهيله لمزاولته لنشاطه في العاصمة الفرنسية قبيل قيام الثورة، كما أن هذه الدول والولايات المتحدة بالذات قد رفضت إقامة الشاه فيها بعد طرده على الرغم من أنه كان يعد من أخلص حلفائها في المنطقة.

وإذا كانت الأحداث بعد ذلك قد أدت إلى وقوع صدام على السطح السياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والزعيم الإيراني فيما يعرف بقضية الرهائن الأمريكيين فإن ما صاحب ذلك من ضجة إعلامية قد أكد دور الخميني كزعيم لهذه الثورة وإلى عدم تأثر شعبيته ومكانته بما صاحب الثورة من إعدامها لمجموعات كبيرة من أبناء الشعب الإيراني والذين كان أغلبهم من اليساريين.

ويؤكد هذا الاتجاه أيضًا إدراك السوفييت لهذه الأبعاد مما اضطرهم للتدخل العسكري في أفغانستان، وكذلك قيام الولايات المتحدة بإمداد الثورة الدينية الإيرانية – سرا – ومنذ البداية عن طريق إسرائيل وغيرها بالأسلحة من أجل أن يظل موقفها قويا أمام القوى الشيوعية الخارجية أو المعارضة المحلية المتصاعدة.

وحين يكشف النقاب عن الصفقة الأخيرة من الأسلحة التي قدمتها الحكومة الأمريكية للثورة الإيرانية تبرر الولايات المتحدة موقفها بحرصها على بعض الرهائن الأمريكيين المحتجزين لدى إيران وهو أمر كان يمكن التوصل إلى حله دبلوماسيا كما حدث – عن طريق الجزائر – في المرة الأولى، ولا يتناسب هذا التبرير مع كم هذه الصفقة.

ولا شك أن هذه الثورة قد أثارت قلقا شديدا لدى الرئيس السادات سواء لكونها قد أثبتت موقف أمريكا المتخاذل مع واحد من أهم حلفائها في الشرق الأوسط، وصديقه الشخصي – وهو الشاه، أم لأن هذه الثورة ستسهم في مزيد من إثارة التيار الإسلامي المعارض له دخل مصر.

لذلك سارع الرئيس السادات بإعلان هجومه على هذه الثورة، وأوحى إلى وسائل الإعلام بإبراز قيام الثورة بإعداد الآلاف من أبناء الشعب الإيراني، ومحاولة تجريدها من طابعها الإسلامي وأن الإسلام لا يدعو لهذه المجازر.

كما أعلن عن استقبال بلاده للشاه المطرود مذكرا ببعض المواقف الطيبة في علاقته مع مصر، وأعلن أن الذي يتنكر لهذه المواقف إنما يتنكر لمبادئ الأخلاق، كما أظهر عناية شديدة – ربما بوحي أمريكي – بمعالجة الشاه من مرضه قبل وفاته، وأحاط جنازته بموقف رسمي – في الغالب – وشعبي – نسبيا – وهي أمور كانت تحدد بوضوح موقفه من الثورة الدينية في إيران.

أما موقف أتباع التيار الإسلامي فقد أيدت أغلب الجماعات الإسلامية الثورة الدينية في إيران، فبغض النظر عن الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة كانت هذه الثورة بالنسبة لهم تعني إمكانية وصولهم إلى الحكم وإبعاد النظام القائم حتى ولو كان ينعم بتأييد الجيش.

وأدى ذلك إلى زيادة اتجاههم إلى الرأي العام المصري بعد أن فقدوا إمكانية تحقيق أهدافهم عن طريق القنوات الشرعية المتاحة.

وتبع ذلك إقدام أتباع التيار الإسلامي على التوسع في بناء العديد من المساجد – الذي صاحبه توسع في بناء الكنائس –وعدم قصرها على مهمة الوعظ والإرشاد والخطابة بل أصبحت مكانا تتجمع فيه العديد من الأنشطة الاجتماعية مما أدى إلى استقطابها لمجموعات هائلة من الشباب أصبحت مصالحهم – من واقع اعتقادهم – ترتبط بدور المسجد .

وبادر أتباع التيار الإسلامي بالقيام بالعديد من المظاهرات في عديد من المدن احتجاجا على زيارة شاه إيران لمصر، وأعلنت أغلب هذه الجماعات عن تأييدها للثورة الدينية الإيرانية ورفع المتظاهرون صورا لآية الله الخميني زعيم الثورة .

ونشرت جماعة الإخوان المسلمين منشورا أيدت فيه الثورة واعتبرتها انتصارا للمد الإسلامي، وأتبعوا ذلك بإرسال وفد إلى طهران لتقديم التهنئة للزعيم الإسلامي الخميني، ودعت مجلة الدعوة إلى ضرورة تعاطف جماهير العالم الإسلامي مع هذه الثورة .

كما أعلنت جماعة الجهاد منذ البداية تعاطفا – حذرا – مع الثورة الإيرانية.

أما أتباع الاتجاه السلفي وجماعة التكفير والهجرة فقد أعلنوا رفضهم لهذه الثورة وأوضحوا أن ذلك نابع من موقف عقيدي أكثر منه موقفا سياسيا أو مذهبيا .

لكن تعاطف الجماعات الإسلامية في مصر مع الثورة الدينية في إيران قد أخذ يقل تدريجيا بفعل أجهزة الإعلام الحكومية وتأثير مجموعات كبيرة من الكتب التي تهاجم المذهب الشيعي والتي صدرت خلال فترة وجيزة وكذلك بسبب الحرب العراقية الإيرانية سواء لتعاطف الجماهير مع العراق أم لشكوك الرأي العام في علاقة الثورة الدينية مع إسرائيل بسبب صفقات السلاح.

كما تأثر موقف جماعة الإخوان المسلمين بالذات بموقف الثورة الإيرانية من تأييد لحكومة سوريا في موقفها المعادي للاتجاه الإسلامي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين فيها، كما تأثرت كذلك بموقف المملكة العربية السعودية الذي لا يؤيد هذه الثورة، إلى جانب خشية جماعة الإخوان من اتهامها بالعمالة لإيران في أعقاب قيام جماعة الجهاد – المؤيدة للثورة – ببعض أعمال العنف داخل مصر .

وكان من الطبيعي أن يثير هذا الاتجاه حساسية التيار السياسي للكنيسة وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان نجاح ثورة إسلامية أخرى في الشرق الأوسط وبخاصة في مصر سيشجع – كما سبق التوضيح – هذا التيار في المنطقة بشكل يهدد المصالح الأمريكية، لذلك ساندت الولايات المتحدة التيار المسيحي الذي انتهزها فرصة للحصول على مزيد من المساعدات،

كما أوحت إلى النظام السياسي في مصر بضرورة ممارسة شيء من الضغط على التيار الإسلامي ولكي يظل الأمر محصورا في حدود القضية المحلية.

وقد أدت هذه الأمور إلى أن يشير الرئيس السادات لعزم الحكومة على وضع قانون العيب وإنشاء ما يسمى بمحكمة القيم التي كان يهدف منها إلى تحقيق توازن اجتماعي بين المسلمين والأقباط حيث نص على معاقبة كل من ينشر أو يذيع ما من شأنه المساس بالعقائد السماوية أو إيذاء الشعور العام.

كما أراد أن يستغل هذا الستار لتحجيم المعارضة السياسية والدينية. وتبع ذلك بتعديل الدستور بشكل سمح له بحرية مطلقة في التصرف في الشئون الداخلية وكذلك الاستمرار في الحكم.

وأعقب ذلك وتخلله حملة من الإعتقالات الواسعة وزيادة في تعداد قوات الأمن المركزي ومعداته بشكل جعله يوازي حجم الجيش، وكثيرا ما كانت هذه القوات تستعرض قوتها بشكل آثار موجة من الاستياء العام لدى الجماهير .

***

الصدام الأخير بين السادات والاتجاه الإسلامي

في الوقت الذي كان من المنتظر فيه من الرئيس السادات أن يداوم السير في طريق احتواء التيار الإسلامي إذ به يسير في خط معاكس تماما حيث أمعن في الإعلان عن الاستمرار في تأكيد حسن النوايا تجاه الدول الغربية من خلال ما أسماه بسياسته الليبرالية.

ففي صيف عام 1979 أعلن عن مجموعة قوانين تتعلق بأمور المرأة وفي مقدمتها قانون الأحوال الشخصية ذلك القانون الذي أثار موجة عامة من السخط بين جموع المسلمين بوضعه قيودا على الطلاق ويجعل من تعدد الزوجات أمرًا عسيرا.

كما خصص الرئيس السادات ثلاثين مقعدا للمرأة في مجلس الشعب، وبدت هذه القوانين وكأنها محاولة منه للبحث عن حلفاء داخل المجلس وربما خارجه.

وكانت هذه القوانين بمثابة جبهة جديدة بين الرئيس السادات والجماعات الدينية حيث أعلنت عليه هجوما شديدًا.

وعلى الرغم من تأييد شيخ الأزهر والمفتى لهذه القوانين ، إلا أن بعض مشايخ الأزهر قد أعلنوا معارضتهم لها ومن بينهم عميد كلية أصول الدين موسى شاهين لاشين وهو أمر أكسبه شعبية كبيرة بين زملائه في جامعة الأزهر الأمر الذي يؤكد انحصار التأييد في الوظائف الرسمية الكبرى في الأزهر فقط، وأدى هذا أيضًا إلى دفع مجموعات من شباب الأزهر في صفوف الجماعات الدينية.

ومن الأمور التي أسهمت في زيادة موجة السخط العام على سياسة الرئيس السادات التدهور الواضح في الأوضاع الاقتصادية للطبقة الدنيا في مقابل اتساع الطبقة البورجوازية الصغيرة بفعل قوانين الانفتاح والسفر إلى البلاد البترولية.

فقد ارتفع حجم التضخم بشكل ملحوظ في هذا العام (1979) بمعدل يزيد على ثلاثين في المائة.

وقد صدر قرار بمنع ذبح اللحوم في وقت يقل فيه معدل استهلاك اللحوم وبخاصة لدى الطبقة الدنيا عن الحاجة الضرورية للإنسان.

وفي عام 1981 ألغى دعم معظم السلع الغذائية وهو أمر كان له تأثير كبير على جموع الفقراء، بينما مارس صندوق النقد الدولي ضغوط على الحكومة لإلغاء بقية الدعم أملا في تحسين الاقتصاد المصري دون مراعاة أثر ذلك على هذه الجموع حيث كان الدعم يمثل مساندة من الحكومة لهذه الطبقات خشية العودة لأحداث تشابه ما حدث في يناير سنة 1977، لذلك كان من الصعب الاستجابة لنصيحة البنك الدولي وهو أمر أدى بهيئة المعونة الأمريكية أن تعترف بفشل جهودها في دعم قضية الغذاء في مصر أو إمكانية إصلاح مسار اقتصادها.

وكان على الرئيس السادات أن يسعى لتدبير ما يقرب من عشرين مليارا من الدولارات كي يوفر الغذاء للشعب الذي تعلو فيه موجة السخط خلال السنوات الخمس المقبلة وهو أمر كان يفوق قدرة الاقتصاد المصري.

ومما زاد الأمر سوءا أن مفاوضات السلام مع إسرائيل فيما يخص القدس والحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة كما نصت اتفاقية السلام لم تسفر عن شيء إيجابي وبشكل دعا الكثيرين للشك في إمكانية جلاء إسرائيل عن بقية سيناء.

وحاول الرئيس السادات أن يسعى لإحياء هذه المفاوضات أملا في تحقيق كسب سياسي فقدم عرضا لإسرائيل بإمدادها بمليون متر مكعب من مياه النيل مقابل الحكم الذاتي وتسوية مسألة القدس، وردت إسرائيل على ذلك العرض بالإعلان عن ضم القدس الشرقية إلى سيادتها إلى جانب استمرارها في سياسة بناء المستوطنات في قطاع غزة والصفة الغربية.

وسافر الرئيس السادات في رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة لحثها للضغط على إسرائيل بهذا الخصوص لكن إسرائيل لم تستجب لهذه العروض الأمر الذي أدى إلى إعلان حزب العمل في مصر لسحب تأييده السابق لاتفاقية كامب ديفيد مما أسهم في زيادة موجة المعارضة الداخلية في مصر.

ولم يأت منتصف عام 1981 إلا وكان الرئيس السادات قد فقد كل قواعد التأييد في مصر من اليمين الديني إلى اليسار السياسي وكذا قادة الكنيسة القبطية ومجموعة من الصحفيين وأساتذة الجامعات وكثير من قادة الفكر وأصحاب الرأي، فأقدم في سبتمبر سنة 1981 على القبض على نحو 1500 شخص ينتمون إلى كل التيارات الفكرية والسياسية في البلاد، وأدى ذلك إلى قيام بعض شباب الجماعات الدينية – وبخاصة جماعة الجهاد – إلى اغتياله أثناء الاحتفال بعيد السادس من أكتوبر سنة 1981 فيما يعرف بحادث المنصة .

ولم يثر هذا الحادث أي صدى لدى الجماهير ا لتي تابعت الأحداث بصمت وربما حزن يتصل بطبيعة شعب عاطفي لا يميل إلى العنف وسفك الدماء، لكنه كان في حالة من السوء تنتظر ما سيسفر عنه التغيير، ودعته هذه الحالة لأن يتجاهل كثيرا من الأحداث الإيجابية الهامة التي تخللت عهد الرئيس السادات.

وخلال هذه الفترة كان النظام بكل أجهزته والمؤسسات التي تتعاون معه قد فقدوا القدرة على السيطرة على الجماعات وعلى رأسها جماعة الجهاد قد حاولت أن تعد نفسها للوصول إلى السلطة بكل الوسائل المباحة و غير المباحة.

من أجل حصولهم على السلاح الذي يعينهم على تحقيق أهدافهم سلكوا سبل مهاجمة محلات الذهب المملوكة للأقباط وارتبكوا العديد من حوادث القتل .

وكان هذا يؤكد ضرورة الصدام بين النظام الذي بدت طبيعته العسكرية وبخاصة بعد التراجع عن كافة خطوات التطبيق الديمقراطي وتغيير الدستور بشكل يسمح بهذا وبين التنظيمات الدينية التي تعتمد على نفس الأيديولوجية، وأصبح من الضروري أن يفسح أحدهما المجال للآخر وبالتالي أصبح حادث المنصة ضرورة حتمية.

وإذا كان النظام السياسي قد استطاع إبعاد خصومه من أتباع الجماعات الدينية في أعقاب هذا الحادث إلا أن ذلك لم يكن يعني قوة النظام بقدر ما كان ي عني خلو فكر التنظيمات الإسلامية من أيديولوجية متكاملة وواضحة ومقنعة لإخراج الجماهير من أزمتها الحقيقية التي لا ترتكز على شخص السادات بل كانت حركتهم تعبيرا عن هذه الأمة، وبالتالي لم تنل هذه التنظيمات – برغم سيادة الشعور بالضيق من النظام السياسي – أي تأييد جماهيري أو حتى ديني.

***

حادث المنصة (6 أكتوبر سنة 1981)

يتلخص حادث المنصة في قيام الملازم أول خالد شوقي الإسلامبولي الضابط العامل باللواء 333 مدفعية ومعه ثلاثة آخرين جندهم له زعيم تنظيم الجهاد محمد عبد السلام فرج وأمدهم بالذخيرة وهم عبد الحميد عبد العال، وعطا طايل حميدة رحيل، وحسين عباس محمد حيث تمكن خالد من إشراكهم بخطابات مزورة في العرض العسكري وقاموا جميعا بإلقاء القنابل اليدوية كما استخدموا الرشاشات والبنادق الآلية على الرئيس السادات أثناء جلوسه على المنصة للاحتفال بالذكر الثامنة لانتصار الجيش المصري على إسرائيل، وتمكنوا من اغتيال الرئيسي السادات وبعض المحيطين به وهم اللواء عبد العظيم علام كبير الياروان، ومحمد يوسف رشوان المصور الخاص للرئيس، وسمير حلمي إبراهيم، وخلفان ناصر محمد من سلطنة عمان، وشانج لوي وهو دبلوماسي في السفارة الصينية، وسعيد عبد الرؤوف بكر، والأنبا صموئيل أحد رجال الكنيسة القبطية في مصر، وجرح ثمان وعشرون شخصا آخرين .

ومن الواضح أن هناك تشابها بين حادثي المنشية والمنصة في كونهما تصادما بين النظام السياسي والاتجاه الإسلامي بعد فترة من التحالف بين الجانبين سبقت هذا الصدام، كما أن التيار الديني كان يعاني من تصدع وخلاف قبيل الحادثين، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند تناول حادث المنشية، أما في حادث المنصة فإن الجماعات الدينية السرية التي سلكت سبيل استخدام القوة والتي تعد بديلا عن الجهاز السري عند الإخوان المسلمين لم تكن على وئام كامل مع جماعة الإخوان سواء لتأثر هذه الجماعات ببعض الأفكار الوافدة ومن أهمها التيار السلفي، أم لأن كثيرا من أقطاب جماعة الإخوان قد مالوا إلى مهادنة النظام السياسي بل وسار بعضهم في سبيل تدعيم استقراره بعد أن أصبح لأغلبهم العديد من المؤسسات الاقتصادية التي تعمل تحت الشعارات الإسلامية وبالتالي فإن جماعة الإخوان ممثلة في هؤلاء لم تصبح معبرة عن مطالب كثير من الشباب المعاني الذي سعى للبحث عن العدالة الاجتماعية من خلال الدين واضطروا لأن يعبروا عن أنفسهم من خلال تنظيمات مستقلة تحمل وجهة نظرهم .

كما أن كلا من الحادثين – المنشية والمنصة – قد عرضا على محكمة عسكرية مشكلة من النظام الحاكم وأن كانت الظروف العامة والمناخ الديمقراطي قد جعل ظروف المحاكمة في المرة الثانية تختلف عن المرة الأولى كالسماح لمحامين تختارهم نقابتهم بالدفاع عن المتهمين وكذلك قيامهم بنشر آرائهم المخالفة لرأي النظام في صحف الحكومة والمعارضة على السواء... وغير ذلك.

وتتسم أغلب – بل كل – الكتابات التي تناولت حادث المنصة بأن كتابها من الصحفيين الذين لا يلتزمون عادة بالأسلوب الأكاديمي العلمي برغم اعتماد بعضهم على محاضر المحاكمة ولقائهم بالمتهمين، باستثناء محاولة شوقي خالد المحامي الذي تولى مهمة الدفاع عن المتهم الثاني في الحادث بتكليف من الحكومة وإن كان قد شاركهم في الأسلوب الصحفي.

وهؤلاء جميعهم من المعاديين للرئيس السادات سواء لشخصه أم لأسلوبه في الحكم حيث أنهم من الذين فرزتهم وأبرزتهم الفترة الناصرية

ولهذا فقد حوت كتاباتهم الكثير من المحاولات لطمس وتشويه الجوانب الإيجابية التي امتلأ بها عصر السادات والتي كان من أبرزها تحقيق أول انتصار مصري على إسرائيل ومحاولة البدء في تطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي بغض النظر عن أبعاد هذه المحاولة وبناء المدن العمرانية وغير ذلك.

وركز هؤلاء الكتاب على الجوانب السلبية – من وجهة نظرهم – وبشيء من التضخيم والتشويه وبالتالي فإنها خلت من الموضوعية في كثير من جوانبها ومن ثم لا تعد مصدرا يؤخذ به في الكتابة الأكاديمية التي تلتزم بمنهج البحث العلمي، وسنناقش – مضطرين – ما ورد بها من قضايا.

وتثير هذه الكتابات العديد من القضايا حول حادث المنصة لعل من أهمها مناقشة احتمال وجود أصابع خارجية وراء الحادث تتمثل في دور للرئيس الليبي معمر القذافي أو الفريق سعد الدين الشاذلي الذي كان رئيسا لأركان حرب الجيش المصري إبان حرب السادس من أكتوبر سنة 1973 والذي انشق على الرئيس السادات وكون جبهة معارضة خارجية مقرها الجزائر ثم ليبيا فقد ادعى كلاهما أن له دورا في الحادث فأعلن الرئيس معمر القذافي فور سماعه بالحادث أن خطته قد نجحت، كما أسند الفريق سعد الدين الشاذلي عملية الاغتيال إلى جبهته .

لكن المتتبع لظروف الحادث وملابساته يدرك أن هذه الأمور لا تخرج عن كونها ادعاءات أراد بها أصحابها وضع هالة كبيرة على دورهما السياسي عموما وفي مصر على وجه الخصوص حيث لا يوجد لهذا الدور صدى داخل مصر.

كما سرت بعض التكهنات التي تشير إلى اتجاه في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل نحو تصفية القضية الفلسطينية من خلال إشراك بقية الأطراف العربية في اتجاه كامب ديفيد أو الاتفاقات المنفردة مع إسرائيل مستخدمة في ذلك مصر، وأن شخصية الرئيس السادات لم تعد قادرة على القيام بهذا الدور لما أصبح بينه وبين الزعامات العربية من خصومة نتجت عن كامب ديفيد، وأن الساحة أصبحت في حاجة إلى شخصية ليس لها رصيد من عداء مع هذه الزعامات وبالتالي لا يستبعد أن يكون لهما – أو لأحدهما – دور بشكل أو بآخر في عملية الاغتيال.

لكن ظروف الحادث لا تشير إلى أي دليل على هذا الاتجاه وتدعو إلى عدم الأخذ بمثل هذه التكهنات وتحصر الحادث في إطار التطورات الداخلية.

ومن القضايا التي يثيرها هذا الحادث أيضًا: هل نجحت الجماعات الدينية في إيجاد عناصر أو تنظيم لها داخل صفوف القوات المسلحة ضمت الذين قاموا بمحاولة الاغتيال، أم أنها كانت مجرد عناصر فردية من القوات المسلحة نجح تنظيم الجهاد في استقطابها أو ضمها إليه واستخدامها في تحقيق أهدافه؟

وبداية يؤكد المحامي شوقي خالد في كتابه "محاكمة فرعون" أن المقدم عبود الزمر كان الشخصية العسكرية الوحيدة في تنظيم الجهاد حتى حادث الاغتيال ، أما خالد الإسلامبولي المتهم الأول بالاغتيال فعلى الرغم من أنه من ضباط القوات المسلحة إلا أنه لم يكن عضوا بهذه الجماعة وأن هناك ظروف شخصية سنفصلها بعد ذلك دعته للتفكير في الاغتيال وأن لقاءه بجماعة الجهاد كان من قبيل المصادفة.

كما أن المتهم الثاني عبد الحميد عبد العال قد خرج من خدمة القوات المسلحة قبل انضمامه لتنظيم الجهاد، أما المتهم الثالث عطا طايل فكان ضابطا احتياطيا في القوات المسلحة وكان ارتباطه بتنظيم الجهاد سابقا لدخوله لخدمة الجيش، وعادة فإن ارتباط ضباط الاحتياط بتيارات الحياة المدنية أكثر من ارتباطهم بالقوات المسلحة.

أما المتهم الرابع حسين عباس محمد فكان رقيبا متطوعا بقوات الدفاع الشعبي التي نقل إليها من القوات المسلحة لإصابته بمرض في القلب وغالبا فإن هذا القطاع مدني أكثر منه عسكري.

ويرتبط اشتراك هؤلاء في العرض العسكري بتدبير خالد الإسلامبولي، أما اشتراك خالد في هذا العرض فكان مصادفة حيث اضطر قائد كتيبته الرائد مكرم عبد العال أن يوقف التصريح له بإجازة بعد أن تعرض زميل له هو الضابط عبد الرحمن سلميان لظرف عائلي قهري لدخول زوجته المستشفي، ولم يجد خالد من بد أمام تصميم قائده على ذلك – بعد مناقشة أوضحت رغبة خالد في الحصول على الإجازة وعدم الاشتراك في العرض – إلا أن يوافق على الاشتراك .

وعلى الرغم من أن بعض التقارير التي أعدتها المخابرات الحربية قد أشارت إلى ميول خالد الدينية وهو أمر كان يعلمه قائده الذي كلفه بالاشتراك في العرض العسكري إلا أن ذلك لا يدعو للتصور بأن ذلك ربما ينم عن مخطط بعيد عن خالد أو أكبر منه حيث أن ذلك القائد قد سبق له أن وافق على إجازة لخالد قبل ذلك بيوم واحد، كما أن علم خالد بهذه التقارير كان وراء إصراره على عدم اشتراكه في العرض العسكري حيث اعتبر ذلك إهانة له، وأن إصرار القائد على إشراكه في العرض كان نوعا من إعادة تأكيد الثقة وتصحيح ذلك، وإلى جانب ذلك فإن التقارير الأخيرة التي وردت من المخابرات الحربية في خالد قد أكدت انضباطه وعدم انتمائه للجماعات الدينية ، كما أن محمد عبد السلام فرج – رئيس تنظيم الجهاد – حين أراد أن يقنع بعض زملائه في التنظيم بفكرة اغتيال الرئيس السادات أوضح لهم أن مثل هذا الاغتيال سيدعو قوات الأمن للاعتقاد بأن هناك تنظيما داخل الجيش مما يبعدهم عن متابعة تنظيم الجهاد ، من هنا يمكن القول بأن الجماعات الدينية لم يكن لها أي من التنظيمات داخل القوات المسلحة.

أما عن اتصال خالد الإسلامبولي بتنظيم الجهاد فيرجعه الكتاب إلى روايتين: الأولى أثناء بحثه عن شقة في حي بولاق الدكرور والتقائه بمسجد الإخوان فيها بزعيم التنظيم محمد عبد السلام فرج، والثانية أن شقيقه محمد الذي كان عضوا بتنظيم الجهاد قد أرسل له رسالة ليتصل بمحمد عبد السلام ليعينه على البحث عن شقة حيث كان شقيقه يؤيد رغبة أهله في دفعه للزواج، وقد تدعمت العلاقة بين خالد و عبد السلام منذ بداية اتصالهما .

وعلى الرغم من أن ذلك الالتقاء لم يسفر عن انضمام خالد لتنظيم الجهاد إلا أنه قد أسهم في تشبعه بفكر أتباع التنظيم الذي كان على دراية به من قبل من خلال شقيقه الذي أطلعه على كتاب محمد عبد السلام "الفريضة الغائبة" وكذلك كتاب "الرسائل السبع" لجهيمان العتيبي السعودي الذي تزعم عملية الحرم المكي سنة 1979 ، ومع ذلك فإن خالد لم يشترك في أي من الإجراءات التنظيمية أو حتى يتعرف عليها داخل تنظيم الجهاد.

ومن ناحية أخرى فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأفكار قد أسهمت إسهاما كبيرا في تهيئة خالد لقبول فكرة الاغتيال وإن كان الدافع الرئيسي لهذه الفكرة لم يتبادر إلى ذهنه إلا في أعقاب اعتقال شقيه في 2 سبتمبر 1981، حيث طافت بذهنه، ثم تأكدت إثر إصرار قائده على إشراكه في العرض العسكري.

ومع أن تنظيم الجهاد قد قام ببعض ا لمحاولات لاغتيال الرئيس السادات كمحاولة عبود الزمر لاغتياله في المنصورة أو في غيرها ومحاولة البحث عن طائرة للقيام بعملية انتحارية تحقق هذا الهدف إلا أنه عاد وأرجأ السير في هذا الاتجاه أملا في تكوين مزيد من الأنصار والسعي لتسليحهم لإقامة الدولة الإسلامية.

ومما يؤكد هذا الأمر أن عبود الزمر قد رفض قبول فكرة قيام خالد الإسلامبولي بالاغتيال في بداية عرضها عليه خشية أن تزج بالتنظيم في صدام مع النظام السياسي، ولم يستطع محمد عبد السلام أن يقنعه إلا بعد أن أكد له بأن الذين سيقومون بالعملية مجموعة من خارج التنظيم .

وأنها ستوحي للنظام بوجود تنظيم داخل الجيش فيشغل به بعيدا عن تنظيم الجهاد، كما أنهم في الغالب سيموتون برصاص الحرس ولن يكشف أمر الواقفين وراءهم.

وتنحصر الدوافع الرئيسية والمباشرة التي دفعت خالد للاغتيال في إطار المؤثرات الشخصية فلأنه تربي تربية دينية كان مهيأ لقبول أفكار جماعة الجهاد، ولأن أخيه قد قبض عليه فضاق بالنظام، ولولا الظروف التي أدت إلى اشتراكه في العرض العسكري لما فكر في الاغتيال، لهذا فإنه لا ينبغي أن نجاري الصحفيين فيما ذهبوا إليه ومن منظور فكري خاص من رفضه لسياسة الانفتاح الاقتصادي تفسيرا لما ساقه هو – أي خالد – عن العدالة الاجتماعية، أو رفضه لكامب ديفيد حين ذكر أن من بين أسباب اغتياله للرئيس السادات المصالحة مع اليهود، وكذلك لعدائه – أي الرئيس السادات – للتيار الإسلامي .

ومما يؤكد اتجاهنا أن خالد قد سبق له الاشتراك في عروض عسكرية بعد كامب ديفيد وفي ظل الانفتاح الاقتصادي وكان واقعا تحت التأثير الديني في تربيته وفي اشتراك أخيه في تنظيم الجهاد فلماذا لم يفكر من قبل في ا لاغتيال؟

كما أن فكرة الانتقام لأخيه الذي اعتقل لا تدفعه إلا لحاكم النظام وهي تطور لفكرة الثأر التي ما زالت قائمة في صعيد مصر الذي ينتمي إليه.

وحتى لو كان ما رمى إليه الكتاب منسوب إليه لوجب أن ندرك أنه أراد أن يكسب موقفه هالة بطولية كبيرة لما أحاطه من ضجة إعلامية ولإدراكه لمصيره بعد المحاكمة.

ومن الأمور التي تؤكد أن دوافع وأهداف الاغتيال شخصية وليست عامة ولا ترتبط حتى بأهداف تنظيم الجهاد الذي ساعده هو أنه ومجموعته التي شاركته في الاغتيال لم تقصد سوى الرئيس السادات وتحاشوا جميعا إصابة نائبه حسني مبارك ووزير دفاعه محمد عبد الحليم أبو غزالة وغيرهما من الشخصيات الهامة في النظام ، وهذا يوضح أنهم يريدون شخص السادات وليس النظام الذي التزم في الغالب بسياسة السادات الاقتصادية والسياسية.

وحتى إذا كان تنظيم الجهاد قد طرح فكرة احتلال الإذاعة وإشاعة الشغب وإعلان الحكومة الإسلامية كما أشارت بعض الكتابات فإن ذلك الأمر لم يكن واردًا في ذهن خالد أو الذين اشتركوا معه في عملية الاغتيال .

***

خاتمة

استطاع الإسلام عقيدة وثقافة أن يؤثر تأثيرا بالغ العمق على كل مقومات الثقافة في مصر بكل جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولم يبق من أثر في الثقافة المصرية للعصور السابقة الفرعونية أو اليونانية أو الرومانية، وغدا تاريخ مصر قبل الإسلام قاصرا على ما تحدثنا به المتاحف والمعابد.

وغدت آلاف المآذن التي تحيط بوادي النيل لا تعبر عن مظهر ديني قاصر على أداء الشعائر فقط وإنما تعبر عن عمق تأثيرها على الحياة الثقافية والاجتماعية عبر مراحل زمنية طويلة في تاريخ مصر.

وبنفس القدر الذي استطاع به الإسلام أن يحتوي الثقافة المصرية فإن هذه الثقافة بكل روافدها القديمة والتغيرات التي طرأت على مصر خلال الفترة التاريخية التي وجد فيها الإسلام استطاعت أن تجعل من إسلامها نمطا مميزا عن بقية الشعوب الإسلامية استطاع أن يؤثر على جيرانه المسلمين حتى الذين سبقوه في اعتناق الإسلام.

وفي الوقت الذي تصور فيه البعض أن المد العلماني الليبرالي قد بدأ يتصاعد في مصر منذ مطلع هذا القرن وأن مفكرين مسلمين قد حاولوا الربط بين الإسلام والمعطيات الحضارية المعاصرة مثل الشيخ محمد عبده، وكان هذا يعني بعد التجربة الدستورية الديمقراطية أن المد الإسلامي في طريقه لأن يتوارى، يعود المد الإسلامي من جديد ليسهم في التأثير على الأحداث تأثيرا فعالا لا في مصر وحدها بل في كثير من البلاد الإسلامية فيما يسمى بحركة البعث الإسلامي، بل وحتى يشمل الأقليات الإسلامية في البلاد التي بها أغلبية غير إسلامية كالهند والفليبين والاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا.

وحتى في فترة التجربة الاشتراكية الناصرية فعلى الرغم من أنها قد نجحت في إبعاد التنظيمات الإسلامية من الساحة السياسية إلا أن أصحابها لم يصيغوا تجربتهم بعيدا عن الإسلام حيث أن خلو تنظيمهم من غير المسلمين لم يكن من قبيل المصادفة، وكذلك كان اعتمادهم على الإسلام بشكل أو بآخر في صياغة القرارات الإصلاحية والسياسية الداخلية وفي سياستهم العربية والخارجية كان أمرًا واضحا، وكان من بين العوامل التي دعت لأن يعود الإسلام هو القوة الأيديولوجية المسيطرة ويوحي بقدرته على أحداث تغيير للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعاصرة.

ومع ذلك فهناك أمور ينبغي رصدها عن التيار الإسلامي في فترة البحث وهي

1 - في الوقت الذي لوحت فيه جماعة الإخوان المسلمين بمسايرتها للتجربة الديمقراطية قبل عام 1952، وأعلنت أن أقرب أنظمة الحكم إلى شكل النظام الإسلامي هو النظام الديمقراطي، إلا أنها لم تشارك في مسيرة تدعيم التجربة وانحازت – تكتيكيا – القصر للمحافظة على وجودها العلني، ثم اتجهت إلى صفة العداء للملك وتحالفت مع الضباط الأحرار قبيل عام 1952، وأيدن موقف جمال عبد الناصر في القضاء على هذه التجربة وإلغاء الأحزاب وذكرت أن الأحزاب فكرة غربية وأن رسالة الإسلام هي جمع الكلمة التي تعني عدم وجود أحزاب.

وحين أدركت أنه من الصعب أن تقوم بأي دور في ظل نظام عسكري عادت لتؤيد العودة للديمقراطية في عصر السادات من باب الحرص على تواجدها والتعبير عن فكرها، وكان خلافها في هذا الجانب مع السادات لا على الديمقراطية وإنما على عدم تطبيق الديمقراطية والسماح لهم بإنشاء حزب سياسي.

2 - كانت جماعة الإخوان منذ بداية تأسيسها لا ترى غضاضة في الأخذ من الحضارة الغربية، وظلت هكذا حتى بعد عام 1952، وأعلنت رفضها للاتجاه للمعسكر الشيوعي وكان هذا الاتجاه يعد من الركائز الأساسية في خلافها مع عبد الناصر، وحين تحول السادات إلى المعسكر الغربي أعلن الإخوان رفضهم للتعامل مع الغرب وجعلوا من ذلك نقطة خلاف مع نظام السادات.

3 - أسهم الرواج الاقتصادي لكثير من أتباع التيار الإسلامي في انتشار أفكارهم بين الطبقة العليا واتساعه بين الطبقة الوسطى إلى جانب الطبقة العامة بعد أن كان قاصرا في الفترة السابقة على الطبقة العامة وقلة من الطبقة الوسطى.

وقد أدى سعي أبناء الطبقة العليا للتحالف مع النظام حرصا على مصالحهم إلى خروج مجموعات الشباب من الطبقة الدنيا عليهم وتكوين جماعات كثيرة بعيدا عن سيطرة هذه الطبقة التي شكل رجال الإخوان المسلمين أغلب المنتمين إليها ولم تعد بعد ذلك قادرة على أن تتصدر العمل الديني أو تعبر عنه إلا من خلال مجموعات من الشباب ربطت مصالحه بها من خلال فرص العمل التي شغلوها في هذه المؤسسات أو أسهمت في توظيف مدخراته في هذه المؤسسات.

4 - على الرغم من انتشار فكرة البعث الإسلامي بين كافة الشعوب الإسلامية إلا أن ذلك لا يعني وحدة الأيديولوجية بينها إلا في وحدة استلهما الجذور الأولى للإسلام وهي فكرة راجت بسبب الفراغ الأيديولوجي، لكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في كل إقليم أعطتها ظاهرة الإقليمية.

من هنا فإنه إذا اتفقت كافة الحركات الإسلامية في الناحية الروحية لكنها لا تتحد، ولا يمكن أن تتحد، في الناحية التنظيمية، بل تختلف كل منها في مرحلة عن الأخرى داخل إقليم واحد، كما هو في جماعة الإخوان، نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

5 - هناك أوجه تشابه لعلاقة النظام السياسي بالتيار الإسلامي خلال فترتي حكم جمال عبد الناصر وأنور السادات حيث بدأت العلاقة بتحالف كليهما مع التيار الإسلامي أملا في التأييد ثم تحولت إلى صدام حين يصبح النظام قادرا، وأن كان هذا الأمر يؤكد استمرار قدرة التيار الإسلامي في تحريك الجماهير.

ويمكن القول بأن فشل الصفوة الفكرية والسياسية في محاولات إحلال أيديولوجيات علمانية في بيئة إسلامية كتجربة أتاتورك أو عبد الناصر أو بورقيبة أو حزب البعث لا يمكن تبرير فشلها بالأمية السياسية

– مع تفاوت نسبتها بينهم – التي هم أول المسئولون عنها، لكنها ترجع في حقيقتها إلى عدم كفاءة حكومات الصفوة في وضع أيديولوجية للتنمية الاقتصادية تؤدي إلى إقرار عدالة اجتماعية وتسهم في تثبيت أركان الشرعية السياسية.

ولهذا فإن أغلب الشعوب الإسلامية التي تعيش أزمة اقتصادية طاحنة لا تجد إلا العودة لأيديولوجية تؤكد هذه الشرعية في نفوسهم وهي الأيديولوجية الإسلامية.

ومن جهة أخرى فإن الدور الذي لعبه التيار الإسلامي خلال فترة البحث ورصيد الصدام بينه وبين النظام السياسي

يؤكد أن الصدام – مهما اشتد – يسهم في زيادة انتشار هذا التيار واتحاد جبهاته، وهذا الأمر يوحي بضرورة التعامل معه بأسلوب آخر لا بقصد التقليل من انتشاره ولكن بقصد الاستفادة من طاقته وجهود أتباعه، ويكون ذلك من خلال حوار حر بين اتجاهاته بعضها البعض وبينها وبين التيارات الأخرى، وسيسهم هذا في تحطيم تدريجي لعلاقة الجفوة بينه وبين النظام السياسي من جانب، والإسهام – مع غيره من التيارات – في حركة تنوير عامة تبدد الأمية السياسية وتزيد من مساحة الفكر العقلاني على مساحة الفكر الغيبي – وهو أمر يحض عليه الدين – وتؤدي مع غيرها من العوامل في إنهاء أزمة الشرعية السياسية.

المصادر والمراجع

أولا: المراجع العربية

- د. إبراهيم دسوقي أباظة

الخطايا العشر من عبد الناصر إلى السادات – ط2 – القاهرة سنة 1985.

- د. إبراهيم الدسوقي شتا

الثورة الإيرانية – بيروت – سنة 1979.

- أحمد حسن الباقوري

مذكرات الباقوريمجلة آخر ساعة يوليو سنة 1983.

- أحمد حمروش

قصة ثورة 23 يوليو – المؤسسة العربية للطباعة والنشر سنة 1977.

- إبراهيم زهمول

الإخوان المسلمون أوراق خفية – ترجمة عربية لدراسة في القانون – قدمت للجامعات الفرنسية. (بدون تاريخ).

- أحمد عادل كمال

الإخوان المسلمون والنظام الخاصالقاهرة سنة 1987.

- أنور السادات

أسرار الثورة المصرية بواعثها الخفية وأسبابها السيكولوجية – كتاب الهلال – يوليو سنة 1957.

- أنور السادات

البحث عن الذات – المكتب المصري الحديث – القاهرة – سنة 1978.

- جمال حماد:

الحكومة الخفية في عهد عبد الناصرالقاهرة سنة 1986.

- حسن الهضيبي:

الإسلام والداعية – دار الأنصار – القاهرة سنة 1977.

- حمدي حسن محمود:

الاتجاهات الدينية في برامج الإذاعة – دراسة تحليلية لعينة من البرامج الدينية (19611981).

رسالة دكتوراه في الإعلام كلية اللغة العربية جامعة الأزهر سنة 1985.

- رفعت سيد أحمد:

الدين والدولة والثورة – دار الهلال – سنة 1985.

- ريتشاد ميتشيل

الإخوان المسلمون – ترجمة: عبد السلام رضوان – مكتبة مدبولي – القاهرة سنة 1977.

- د. زكريا سليمان بيومي:

الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية (1948/28) مكتبة وهبة – القاهرة – سنة 1979.

- زهير مارديني:

اللدودان: الوفد والإخوان – بيروت سنة 1985 .

- سامي جوهر:

الصامتون يتكلمون – ط4 – المكتب المصري الحديث – القاهرة سنة 1975.

- د. سميرة بحر:

الأقباط في الحياة السياسية المصريةالقاهرة سنة 1979

- سيد قطب: معالم في الطريق – دار الشروق – 1980.

- شوقي خالد: محاكمة فرعون – سينا للنشر – القاهرة سنة 1986.

- صالح الورداني: الحركة الإسلامية في مصرالقاهرة سنة 1986.

- د. صلاح العقاد:

مأساة يونيو 1967 - القاهرة سنة 1975.

- د. صلاح العقاد:

السادات وكامب ديفيدالقاهرة سنة 1985.

- صلاح شادي:

حصاد العمرالكويت – سنة 1981.

- عادل حمودة:

اغتيال رئيس – سينا للنشر – ط4 – القاهرة سنة 1986.

- عادل حمودة:

قنابل ومصاحف – سينا للنشر – القاهرة سنة 1986.

- د. عبد السلام عبد العزيز فهمي:

تاريخ إيران في القرن العشرينالقاهرة سنة 1973.

- عبد العظيم رمضان:

الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر من (1952- 1954) القاهرة سنة 1975.

- د. عبد العظيم رمضان:

الإخوان المسلمون والجهاز السريالقاهرة سنة 1977.

- عبد اللطيف البغدادي (مذكرات):

المكتب المصري الحديث – سنة 1977.

- عبد الله إمام:

عبد الناصر والإخوان المسلمون – دار الموقف العربي – القاهرة سنة 1981.

- عبد المتعال الجبري:

لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا – دار الاعتصام – القاهرة سنة 1977.

- عمر التلمساني:

قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر – دار الأنصار – القاهرة سنة 1980.

- كامل الشريف:

المقاومة السرية في قناة السويس (1951- 1954) – بيروت سنة 1957.

- د. كمال المنوفي:

الثقافة السياسية المتغيرة في القرية المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام – القاهرة سنة 1979.

- مايلز كوبلاند:

لعبة الأمم – ترجمة: مروان خير – بيروت سنة 1970.

- محمد حسنين هيكل:

إيران فوق بركان – (بدون تاريخ).

- عبد المتعال الجبري:

لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا – دار الاعتصام – القاهرة سنة 1977.

- عمر التلمساني:

قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر – دار الأنصار – القاهرة سنة 1980.

- كامل الشريف:

المقاومة السرية في قناة السويس (1951- 1954) – بيروت سنة 1957.

- د. كمال المنوفي:

الثقافة السياسية المتغيرة في القرية المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام – القاهرة سنة 1979.

- مايلز كوبلاند:

لعبة الأمم – ترجمة: مروان خير – بيروت سنة 1970.

- محمد حسنين هيكل:

إيران فوق بركان – (بدون تاريخ).

- عبد المتعال الجبري:

لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا – دار الاعتصام – القاهرة سنة 1977.

- عمر التلمساني:

قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر – دار الأنصار – القاهرة سنة 1980.

- كامل الشريف:

المقاومة السرية في قناة السويس (1951- 1954) – بيروت سنة 1957.

- د. كمال المنوفي:

الثقافة السياسية المتغيرة في القرية المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام – [[القاهرة]ي سنة 1979.

- مايلز كوبلاند:

لعبة الأمم – ترجمة: مروان خير – بيروت سنة 1970.

- محمد حسنين هيكل:

إيران فوق بركان – (بدون تاريخ).

- محمد حسنين هيكل:

خريف الغضب – ط13- شركة المطبوعات والنشر – بيروت 1986.

- محمد نجيب:

كنت رئيسا لمصر – المكتب المصري الحديث – ط4 – القاهرة سنة 1984.

- موسى صبري:

وثائق حرب أكتوبر – ط5 – القاهرة سنة 1977م

- د. نبيل أحمد بلاسي:

الخليج في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) القاهرة سنة 1985.

- نبيل عبد الفتاح:

المصحف والسيف صراع الدين والدولةالقاهرة سنة 1983.

***

ثانيا – المراجع الأجنبية

- Abdel Moneim Said Ali, and Manfred. W. Wanner: Modern Islamic reform movements, The Muslim Brotherhood in Contemporary Egypt, The middle East journal, Summer 1982. V. 36.

- Anour Abdel malik : Egypt military Society (N.Y. Vintage Books 1968).

- D. Crecelluis : The course of seculirization in modern E,gyp, in Religious and Political modernization, ed. Donald Smith new haven conn, yale University press 1974.

- D. Crecelluis : AL AZHAR in Revolution, «The middle East journal. 33. 1979.:.

- Felipe Fernadez, Armesto : Sadat and his Craftsmen, Kensal press 1982. London.

- G.H. Gardner and S.A. Hanna: Islamic Socialism, The Muslim World 56-1966.

- Gabriel, R. Warburg : Islam and PolitiCs in Egypt, Middle East studies. V." 18. No.2 April. 1982.

- I.M. AL Husayni : Muslem Brothern, Khayat's College Book Co-operative - Beirut 1956.

- Israel Altman : Islamic movements in Egypt, the Jeruslem quarterly 101-1979.

- J.D. Pennigton : The Copts in modern Egypt. Middle Eastern studies, V. 18, No. 2. April 1982.

- K. Berger : Islam in Egypt today, Cambridge 1970.

- K.W. Wenner: Modern yemen 1918 - 1966 Ballimore 1967.

- Nadav Safran : The Abolition of the sharia courts in Egypt, Moslim World. V. 48. 1958.

-saad Eddin Ibrahem : Anatomy of Egypt's militant Islamic Gl"9Up8, Journal of middle East studies : 12 - 19S0, ,


***

ثالثا: الدوريات

- الأهرام 1952- 1955- 1965- 1979.

- الجمهورية 1954.

- الدعوة 1954- 1976- 1977- 19781979- 1982.

- مجلة الأزهر 1963- 1970.

- الإسلام والتصوف 1960- 1961.

- أخبار اليوم 1975.

- الهلال 1973.

- الإذاعة والتليفزيون 1973.

- مجلة العرب 1979.

- مجلة الإعتصام 1979.

- آخر ساعة 1983.

- مجلة 1982.