الأيام الآخيرة بين الإخوان وعبدالناصر التي سبقت حادثة المنشية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١٩:٣٥، ١١ مايو ٢٠٢٢ بواسطة Lenso90 (نقاش | مساهمات) (حمى "الأيام الآخيرة بين الإخوان وعبدالناصر التي سبقت حادثة المنشية" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الأيام الآخيرة بين الإخوان وعبدالناصر التي سبقت حادثة المنشية


إخوان ويكي

مقدمة

الاختلاف سنة كونية من سنن المولى عز وجل فهو امر مسلم به، حيث خلق خلق الله (سبحانه) البشر من أشكال مختلفة في الطباع والسلوك والتربية ، حتى أصبح الاختلاف قاعدة كونية، والجدال بالحسنى ثمة شرعية، بينما التماثل والتطابق هو استثناء للقاعدة لأن التطابق يجعل الحياة فاقدة لروح التجديد.

وجماعة الإخوان المسلمين جماعة بشرية رضت العمل لدين الله وفق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما وضح حسن البنا في الأصل الثاني من الأصول العشرين حينما قال: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات. (1)

ظلت الجماعة متصقة مع مبادئها التي ارتكزت عليها حتى بعدما تعرضت لأبشع أنواع الاضطهاد على يد النظام المصري سواء في العصر الملكي أو ما بعد قيام الجمهورية وذلك لاختلافها مع الرؤية الفردية التي كانت تسيطر على الحكومات التي تولت الحكم في مصر سواء كانت لخدمة المستعمر وأهدافه في العهد الملكي، أو لحب السيطرة وعدم التقييد بأسس الديمقراطية التي سيطرت على بعض الضباط بعد ثورة يوليو 1952م وعلى رأسهم جمال عبدالناصر.

عبدالناصر والإخوان

لم تشهد أى علاقة تاريخية بهذا الكم من الإلتباسات والأحداث كما شهدت علاقة جمال عبدالناصر بالإخوان المسلمين فمن عضو مبايع لها داخل النظام الخاص إلى أشد من هاجمها وعذب واعتقل بل وأعدم قادتها.

ومهما أنكر المنكرون علاقة عبدالناصر بالإخوان، فقد كانت حقيقة، كونه انضم إلى التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين تحت قيادة الصاغ محمود لبيب وعبدالمنعم عبدالرؤوف وذلك وفق شهادته وشهادة بقية رفاقه الضباط، وإن كان لم يبايع على العمل للجماعة أو أهدافها أو مبادئها أو أن يصبح عضوا فيها، حيث اقتصرت علاقته معهم على النظام الخاص وأهدافه.

لكن ما لبث حماس الضباط للإخوان أن فتر سنة 1946 وذلك بسبب منهج الإخوان القائم على تربية الأفراد وإعداد المجتمع تربويا لإحداث تغيير، فقرروا البعد بحركتهم عن أية صلة بالإخوان لأنهم استشعروا أن منهج الإخوان طويل ويحتاج لوقت طويل حتى يربوا المجتمع ويحدثوا تغيير. ومن ثم اقتصرت علاقتهم على الجيش وتولدت لديهم الرغبة في التحرر من ارتباطهم بالإخوان وبدأ عبد الناصر في تحويل ولاء الضباط له في رغبة في إحداث تغيير سريع حتى ولو بالقوة.

كانت جماعة الإخوان المسلمين ترتكز على قاعدة إيمانية عقدية، في حين رأى عبدالناصر ومعه مجموعة من الضباط عدم وجود حكمة من الانتظام في مجموعات لحفظ القرآن والحديث ودراسة السيرة؟ أيضا رأوا توسيع دائرة انضمام الضباط لهم فلا مانع من انضمام ضابط وطني من غير دين الإسلام؟

ومن ثم اتجه لتكوين مجموعة الضباط الأحرار، والتي أعادت التعاون بين الإخوان والضباط في الترتيب للثورة ضد فساد الملك والطبقة الحاكمة والتي تحققت في 23 يوليو 1952م حينما تحركت بعض فصائل الجيش وساندها المقاومة الشعبية المتمثلة في الإخوان المسلمين. وهو ما جعل قادة الثورة بعد ترسيخ أقدامهم يستثنون الإخوان من الحل في عام 1953م لكونهم شركاء الثورة.

غير أن روح الانفرادية التي تملكت بعض قادة مجلس قيادة الثورة، ورغبتهم في استمرارهم في الحكم وعدم اجراء انتخابات ديمقراطية أو إقرار دستور جديد للبلاد بحجة أن الممارسات الديمقراطية ستأتي بالشخصيات القديمة أدت لكثير من الصدام حتى بين أجنحة الجيش أنفسهم.غير أنه كان واضحا أن الجناح الراغب في الاستمرار في الحكم كان له الغلبة حيث كانت رغبة كثير من ضباط الجيش لكي يجنوا ثمار التغيير ويحيوا حياة بها بعض النعيم والثراء

وهو ما استشعره عبدالناصر ففتح الباب أمامهم، حتى كانت معظم لجان مصادرة الأموال والأملاك كثير ما اختفت منها أموال ومقتنيات ثمينة، لدرجة أن محمد نجيب استشعر ذلك وكتب في كتابه كنت رئيسا لمصر (صـ185- 204): انتشرت الشللية وسط ضباط القيادة وكل واحد حرص أن يقرب المخلصين له، وظهرت مراكز القوى بعد شهور قليلة من قيام الثورة داخل المجلس وخارجه.

وعن نهم الضباط على السيطرة من أجل أن يعيشوا حياة الملوك ذكرها نجيب بقوله صـ203:

(ترك أحدهم شقته المتواضعة واستولى على قصر من قصور الأمراء في جاردن سيتي حتى يكون قريب من إحدى الأميرات، وكان يهجم على قصرها في حالة سكر فكانت تستنجد بنا وحينما نصحته كان يقول: إننا نسترد جزء مما دفعناه لسنوات طويلة، وكان أخر يجري وراء ناهد رشاد زوجة الطبيب يوسف رشاد)

ويضيف عن حال مجلس قيادة الثورة ووضع الضباط وصراعهم في صـ201 من الكتاب (أننا طردنا ملكا وجئنا بثلاثة عشرا ملكا أخر).

كانت كلمات الرئيس محمد نجيب (وغيره من الضباط الذين كتبوا مثلا يوسف صديق وخالد محي الدين ومذكرات البغدادي) توضح الروح التي سيطرت على كثير من مجلس قيادة الثورة وجمع غفير من الضباط في الجيش الحالمين بالسلطة، وهو ما تكشفت معالمه فيما بعض، وكان سببا رئيسا في خلع هؤلاء الضباط ملابسهم الكاكي واستبدلها بالبدل الأفرنجية، ويستمر هذا الوضع عشرات السنوات سواء في عهد عبدالناصر أو السادات ومبارك حتى السيسي وذلك من أجل المحافظة على المكتسبات التي حظى بها رجال الجيش ولن يتخلوا عنها بسهولة.

وهو ما يفسر سبب الصدام مع خصومهم في كل وقت وحربهم الضروس ضدهم، بل والتآمر على أول رئيس مدني منتخب وعزله من أجل المحافظة على النفوذ والثروة التي يتحصلون عليها. (2)

كان لابد من الصدام

طبيعي أن لا يقبل الفكر الاستبدادي والفردي أي حديث حول مفردات الديمقراطية، أو انتخابات حرة نزيهة، أو احترام إرادة الشعب، أو احترام القانون، أو الفصل بين السلطات، أو انتهاء حكومة بعدما تنتهي فترة ولايته، أو أن يشاركه أحد في الحكم، فكلها معاني ومفرادات ألفاظ للحاكم الفرد الذي يسعى لأن تتحرك الدولة بضغطة زر من يده أو وقفها بضغطة أخرى (كما رغب عبدالناصر)

مع وجود بطانة فاسدة تغريه وتعاونه على ذلك في سبيل الوجاهة والنفوذ والمال الذي يتمتعون به.. وهو ما ينطبق على جمال عبدالناصر وحاشيته، ومن بعده حكام العسكر الذين سطوا على الحكم في مصر أو الدول العربية والإسلامية أو حتى كثير من دول الشرق والغرب الديكاتورية الذين سيطر عليها عسكرها.

كان عبدالناصر يرى أن له فضل على التحول الذي حدث والانقلاب (أو الثورة) التي قام به الجيش، وأنه من حقه (وهو الذي خطط لتحرك الجيش) أن يتولى مقاليد الحكم لأنه سيكون هو أقدر الناس على تنفيذ رؤيته في إصلاح فساد الدولة.

لكنه في سبيل ذلك وقع في أخطاء كثيرة مثل عدم خبرته في إدارة شئون الحكم، فأقصى شيء تولاه كتيبة عسكرية من المشاة والدولة ليست ككتيبة، هذا غير إحاطته بكثير من العسكر قليلي الخبرة بل الفاسدين، والذين لم تكن قلوبهم يوما ما على الصالح العام أو الدولة، لكنهم ظلوا فترة حكم عبدالناصر في صراع أجنحة.

حتى عبدالناصر هو أيضا كان يخاف من كل شيء أن يقع عليه انقلاب، حتى وصل الشك به في أقرب أصدقاء عامر وقتله. كانت هذه النفسية التي تحدث عنها الجميع وكتبوا عنها ما كانت لتقبل أن خصم قوي أو ضعيف يتواجد معها، مثل محمد نجيب مثلا (وهو واحد) لكن كان عبدالناصر ونظامه يخافون أن يتعاطف معه أحد من الجيش أو الشعب فعزلوه واضطهدوه في فيلا زينب الوكيل. هذا غير زملاءه في سلاح المدفعية الذين طالبوا بالديمقراطية فاعتقلهم عبدالناصر وأقام لهم محاكمة عسكرية (كما وضح نجيب من قبل).

كانت هذه النفسية لم تقبل بوجود خصم قوي مثل جماعة الإخوان المسلمين، ولذا سعى عبدالناصر إلى محاولات تفتيت الجماعة من الداخل واستقطاب من يمكن استقطابه، حيث وقع بعض الإخوان في شراكه معتقدين أنه يدين بالولاء للجماعة وأنه واحد منهم.

وحينما فشلت كل خططه كان لابد من توجيه ضربات بقوة السلطة إلى حجر العثرة الذين تدور حولهم مركزية الجماعة وكان على رأسهم المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للجماعة، الذي خالف كثير من أراء الجماعة في عبدالناصر من أنه لن يكون نافعا لا لدولته ولا لجيشه

ورفض التعاون معه، أو ضم جماعة الإخوان لهيئة التحرير التي شكلها عبدالناصر لتكون حزبه الأوحد بعدما حل جميع الأحزاب عام 1953م، ولذا فقد حاول عزل الهضيبي والسيطرة على المركز العام للإخوان وتنصيب أحد الموالين له، لكن كل ذلك فشل، فكان لابد من الصدام المباشر بحل الجماعة واعتقال خصومة من الجماعة وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة المستشار الهضيبي.

كما لم يطق عبدالناصر ورفقاءه بمحمد نجيب ذرعا حتى أن جمال سالم كان يسبه، ووصل الحال أن قال أنه على استعداد لقتله بل وضرب ضباط المدفعية المناصريين له بالطيران، حتى يئس نجيب من التعاون معهم فاستقال، وهو ما أظهر حجم المشكلة فتحركت جموع الشعب لإعادته في مارس 1954م.

منذ ذلك الحدث وقد سعى عبدالناصر بالتعاون مع بعض الجهات الخارجية على تغيير خطط التغيير للوصول للسلطة بصورة سلسلة والتخلص من خصومة أيضا بطريقة سلسلة يرضى عنها الشعب حتى ولو في بداية ثم يكمل بقوة الساعد والسلاح. كانت لأحداث نوفمبر 1953م تداعيات كبيرة على الجماعة

سواء من محاولة بعض النظام الخاص إجبار المرشد على الاستقالة، واحتلالهم المركز العام ومنع دخول أحد من معارضيهم للمركز، واستغلال عبدالناصر لذلك، بل واستقطابه لعناصر من مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية في صفه بعد هذا الحادث، وهو ما وضح بعد أحداث مارس 1954م وتسارعها الذي كان يؤكد أن الصدام قادم قادم لا محالة بين الإخوان وعبدالناصر ونظامه. (3)

يقول ريتشارد ميتشل:

فالأحداث التي وقعت كشفت النقاب عن السياسة التي بدأت الحكومة تصوغ خطوطها الأساسية في الخريف لتبدأ تنفيذها عمليًا منذ ذلك الوقت، وتتمثل في إخضاع التنظيم لسيطرتها من داخله بإضعاف مركز الهضيبي أولا ثم عزله من منصبه، ومن هنا كان انتصار الهضيبي على المنشقين ضربة للحكومة أيضا، وقد حفز هذا الانتصار الحكومة على إصدار قرارها بحل الجماعة بعد ذلك بوقت قصير وكانت الفرصة، بالمعني الحرفي للكلمة سانحة تماما. (4)

وفي غضون تلك الفترة نفسها، انفجرت المظاهرات اليومية لطلاب الجامعات مطالبة بعودة البلاد إلى الحياة البرلمانية طبقا لما وعد به نجيب، وبأنسحاب الضباط من الحكومة إلى ثكنتهم. وقد أعلن مجلس قيادة الثورة يوم 25 مارس (بما اتضح أخيرًا أنه كان مناورة بارعة من عبد الناصر) أن الثورة قد اقتربت من إنهاء مهمتها وأن البلاد سوف تستأنف الحياة البرلمانية السوية. وفي ذات الوقت أمرت وزارة الداخلية بالإفراج عن الهضيبي والإخوان المسلمين تطبيقًا لقرار صدر بإلغاء قرار يناير 1953م.

ساعات حاسمة

لا أحد ينكر وجود أخطاء في رؤية بعض الإخوان، وافتتانهم بعبد الناصر وثقتهم فيه، وهي النقطة التي استغلها جيدا في تشتيت أراء قادة الجماعة وعدم اتفاقهم على رؤية التعامل مع الحكومة في الفترة التي تلت أحداث مارس حتى وقعت مسرحية المنشية أواخر أكتوبر. وإن كان العذر لبعضهم لعدم اكتمال المعلومات التي استندوا عليها، أو ضبابية الأحداث ومأثرتهم سلامة الجميع بما فيهم رجال السلطة.

أصبحت جماعة الإخوان موضع اهتمام خاص من جانب الحكومة التي كانت تفكر في الخفاء في استعمال الجماعة لتهدأة الجموع الثائرة،وبث الفرقة بين مكونات المعارضة لها سواء من عسكريين أو مدنيين. ولم يمر وقت طويل حتى نجحت حكومة عبدالناصر في ذلك ونقضت كل الاتفاقيات بينها وبين الإخوان.

فبداية من أبريل وجه عبدالناصر جهوده في إزاحة العسكريين المعارضيين من أجل ضمان ولاء الجيش فبدأ باعتقال بعض العناصر الفاعلة وعلى رأسهم عبدالمنعم عبدالرؤوف (العضو بجماعة الإخوان) والذي قدم للمحاكمة بتهم يؤدي للإعدام مما اضطره للهرب.

لم تكن المحاكمات إلا صورة انعكاسية لعدم وفاء العسكر بعهودهم مما دفع المستشار الهضيبي بإرسال رسالة لهم في 4 مايو 1954م عبر فيها عن شعوره بخيبة الأمل بسبب فشل مجلس قيادة الثورة في الوفاء بوعوده، وأوصى (بإعادة الحياة البرلمانية)، ذلك أن "البلدان الحديثة"، يجب أن نحكم بهذا الأسلوب على حد قوله، وفشلنا في الماضي ليس عذرًا كافيا للتخلي عن المبدأ، كما طالب بإلغاء الأحكام العرفية والإجراءات الاستثنائية، التي يري أنها تحلق جوا من الذعر وإطلاق الحريات.

كانت هذه الرسالة بمثابة شرارة لأن الهضيبي نشرها علانية فاعتبرها ناصر ورفاقه تحدي لهم، وتلميح رسمي إلى عودة الصراع من جديد، صارع كان يرتب له ناصر لينتصر فيه.

ثم جاءت زيارة الهضيبي إلى السعودية وبلاد الشام والتي خشى منها عبدالناصر أن يتحدث الهضيبي بالخارج عما يقوم به مجلس قيادة الثورة في الداخل حتى أنه أرسل صلاح سالم في زيارة رسمية للسعودية في نفس توقيت زيارة الهضيبي. بل حاول عبد الناصر مقابلة الهضيبي قبل سفره لكنه رفض وبعث له أن الأمور محتدمة والسفر فرصة ليفكر في إيجاد طريقة للتهدأة بين الإخوان والحكومة.

زادت سخونة الأحداث مع شروع الحكومة في تفاوض مع المحتل الإنجليزي لعقد معاهدة رأها الكثيرون ومنهم الإخوان أنه مجحفة لمصر وحقوقها، مما دفع المستشار الهضيبي لنشر رسالة في 31 يوليو في إحدى الصحف البيروتية يفند فيها بنود المعاهدة، وطالب في أخرها أن أي معاهدة أو اتفاقية بين مصر وأي حكومة أجنبية يجب أن تعرض على برلمان مصري منتخب قبل إقرارها (وهذا الوضع الطبيعي لكن عبدالناصر لم يضعه في الاعتبار)، وأيضا على صحافة متحررة من الرقابة وتملك حرية المناقشة.

كان صدي نقد الهضيبي الصريح للنقاط الأساسية للاتفاقية في القاهرة مروعًا وزاد الأمر سوءًا ذلك البيان المطول والأكثر تفصيلا الذي ينقد الاتفاق والذي تضمنه خطاب موجه إلى عبد الناصر بتاريخ 2 أغسطس وموقع من خميس حميدة وكيل الجماعة باسم مكتب الإرشاد. (5)

عاد الهضيبي يوم 22 أغسطس وكان واضحا أن الساعات القادمة لا تحمل الوفاق أو الخير لأن الحكومة ما إن وصل حتى شنت حملة كبيرة تفند كل انتقدات الهضيبي على المعاهدة وتثمن بنود المعاهدة، بل واستدعت (كذبا) لقاء الإخوان بالإنجليز الذي ادعت أنه تم دون علمها.

زاد من سخونة المشهد الاستقبال العظيم الذي استقبل به الهضيبي سواء في المطار أو المركز العام للإخوان حيث رد على اتهامات عبدالناصر بإجراء لقاء دون علمه مع الإنجليز، وطالب أن يعطي الفرصة للإخوان لكي يعلم الشعب ويحكم على الأفعال دون الكلمات.

اتسم اللقاء يوم 24 أغسطس بين المرشد والإخوان بالسخونة ضد الحكومة وتصرفاتها حيث كان أخر لقاء مباشر بين المرشد وأعضاء الجماعة حيث قرر مكتب الإرشاد عدم ظهور خشية اغتياله أو اعتقاله. ومنذ ذلك الوقت استخدمت الحكومة منهجًا مزدوجًا للهجوم، فمن ناحية أطلقت العنان لحملة صحيفة مكثفة ومستمرة ضد الهضيبي و(عصابته) وضد سياستهم. ومن ناحية ثانية، شددت إجراءات الأمن وفرضت رقابة أكثر صرامة، ومستفزة أحيانًا، على ذلك القدر الضئيل الذي بقي من نشاط الجماعة.

بدأت الحكومة حملتها على الإخوان عبر الصحف، وعبر تشويهها، والتضييق عليها، وعدم السماح لأحد منها بالحديث (إلا عبر المنشورات السرية التي كانت تصدرها الجماعة)، ونشر أخبار اعتداء الإخوان على رجال الشرطة أمام المساجد، في محاولة لتقليب الرأى العام عليها وتهيئته لما هو قادم من أحداث جسام، وهي الأمور التي كانت على غير الحقيقة كما يذكرها ميتشل في كتابه، حيث أكد أن الخطيب كانت كلماته طبيعية وعادية، وأن المصليين خرجوا من مسجد الروضة ومسجد طنطا بشكل طبيعي لكنهم فوجئوا بهجوم الشرطة عليهم.

بدأت الحكومة تصدر معارك وهمية يقوم بها الإخوان ضد رجال الشرطة في أكثر من مكان، كما زعمت العثور على كميات كبيرة من الأسلحة في مزرعة أحد الإخوان. وبلغت الأمور في القاهرة ذروة درامية مع إعلان مجلس قيادة الثورة في 23 سبتمبر، تجريد ستة من المصريين من جنسيتهم بدعوي تشويههم لسمعة بلادهم في الخارج وإضرارهم بعلاقاتها مع جيرانها العرب، مما دفع المستشار الهضيبي بإرسال رسالة لعبد الناصر يطالبه فيها بتهدأة الأمور.

لكن الحكومة لم تستمر في الهدوء كثيرا حيث عادت لتهيئة الرأى العام لضربة ضد الإخوان، حيث كان واضحا أن الحملة الصحيفة ركزت هجومها على الهضيبي ومؤيديه فقط بدعوة إنحرافه عن مبادئ الجماعة. بل دفع عبدالناصر أن يشرك الأزهر وشيخه عبدالرحمن تاج في الحملة ضد الإخوان حيث اتهم الإخوان بالهرطقة. (6)

الاجتماع الأخير للهيئة التأسيسية وساعات حاسمة

دعيت الهيئة التأسيسية (أعلى هيئة شورية بالإخوان) للاجتماع يوم 9 سبتمبر حيث أرسل الهضيبي بخطاب شرح فيه تطورات العلاقة بين الإخوان والحكومة، وانتهى الاجتماع على تشكيل لجنة تواصل مع الحكومة لتخفيف الصدام بين الطرفين.

ثم اجتمعت الهيئة مرة اخرى في 23 سبتمبر برئاسة محمد خميس حميدة (وكيل الجماعة) حيث صدرت للصحف قرارات ظهرت فيما يبدو أنها تحدي لعبد الناصر ونظامه خاصة انتخاب المرشد مدى الحياة (حسب ما ذكر عباس السيسي)

مثل:

  1. انتخاب مرشد عام الجماعة مدي الحياة وهو رفض صريح لمحاولة تحديد مدته بثلاث سنوات.
  2. حل الهيئة التأسيسية والإعداد لانتخابات جديدة.
  3. تعديل دستور الجماعة في نقاطه المتعلقة بانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية وسلطة ومسئولية مكتب الإرشاد.

لكن عبدالناصر لم يستسلم فحاول إثارة الفتنة داخل الجماعة واستقطاب بعض قادتها وعلى رأسهم محمد خميس حميدة، حتى أنه أعلن أن الهضيبي في أجازة مفتوحة وحل مكتب الإرشاد وإلغاء قرارات الفصل، وتشكيل لجنة مؤقتة لإدارة شئون الجماعة لحين انعقاد الهيئة التأسيسية لتعيد تنظيم العمل الإداري، وكان حميده ومجموعة من المحايدين وكذلك عبد الرحمن البنا من بين أعضاء اللجنة المؤقتة.

وجهت هذه القرارات باستهجان شديد من كثير من الإخوان مما دفع اللجنة إلى التراجع عما أصدرته، ودعت لاجتماع في 23 أكتوبر.

يقول ميتشل:

على أن الصراع لم يكن قد انتهي إلى حل بعد، رغم أن ما نشرته الصحافة كان يوحي بانتهائه، ذلك أن الصحف كانت تعكس الصورة التي تريد الحكومة إقناع الناس بها، والجهد العنيف من جانبها لكي يتم عزل الهضيبي عن الجماعة، ورغم أن هذه السياسة أثبتت نجاحًا في التحليل النهائي، إلا أن ذلك النجاح كان يرجع لأسباب أخرى منفصلة عن المناورات الحكومية فالخطة القائمة على أضعاف مركز الهضيبي كزعيم للجماعة والعمل من أجل صدور قرارا عزله من داخل التنظيم نفسه لاقت استياء كل قيادات الجماعة. (7)

بل كانت الأمور الواضحة منذ سبتمبر حيث كان نظام عبدالناصر يبحث ويراقب الكل من أجل معرفة المكان الذي اختبأ فيه مرشد الإخوان المستشار الهضيبي.

ويضيف الأستاذ حسن العشماوي أن المرشد انتقل للأسكندرية في منتصف سبتمبر واختفى وهو ما أغضب عبدالناصر، وقد أجريت اخر انتخابات للهيئة التأسيسية وأبلغت نتائجها للمرشد يوم السبت 23 أكتوبر، وحدد يوم الخميس التالي 29 أكتوبر لانعقاد الهيئة التأسيسية الجديدة التي سيحضرها الأستاذ الهضيبي شخصيًا، على أن تخرج الهيئة بعد الاجتماع - ومع أفراد الجماعة - في مظاهرة سلمية من أجل إسقاط الحكم العسكري، غير أن عبدالناصر كان على علم بما سيجري فعجل بضرب الإخوان يوم 26 أكتوبر في حادثة المنشية.

خاصة أنه استند لتقرير من مباحثه أن الإخوان لا يفت فيهم العقاب البسيط بل لابد من تشتيتهم بالقانون أو بغير القانون، وحبسهم حتى ولو بدون سند، ومطاردتهم في كل مكان. (8)

وبدأت نذر الشر وانتهت بالمنشية

على جانب أخر وفي زاية بعيدة من داخل السجن الحربي كانت الأوضاع توحي بحدث جلل قادم، وأن الأيام القادمة يعد لها إعدادا محكما لاستقبال آلاف من المعتقلين، مما يؤكد أن حادثة المنشية كانت ستار تستر به عبدالناصر لخداع الشعب وقهر الإخوان وقتلهم.

فقد تم القبض على عدد من العسكريين الإخوان في أكتوبر ومورس ضدهم اضطهاد ونعذيب فاق الحد، حتى أن وكيل السجن الحربي قال لعباس السيسي (كان أحد العسكريين المحبوسين) يا سيسي لا داعي لهذا الأسلوب فإن الأمور قد تغيرت وبلاش تبهدل نفسك.

ويضيف:

وبعد يوم أو يومين ثم القبض على الأخ أول طيار محمد الشناوي وهو مهندس بسلاح الطيران – متهما بأنه كان يعد فصيلة من الإخوان بسلاح الطيران لنسف طائرة جمال عبد الناصر . ولم تمض أيام حتى امتلأ سجن 3 بمجموعة من الإخوان العسكريين من كل الأسلحة كما قبض على مجموعة فوق العشرة أفراد من سلاح الحدود قسم الإشارة جاءوا بهم من كل المناطق حتى منطقة العريش وغزة ومرسي مطروح واستمر التحقيق والتعذيب بلا توقف. (9)

بدأت السحب تتكاثف في سماء العلاقات بين الحكومة والقوى الشعبية المعارضة، منذرة بأوخم العواقب، فراحت تفصل الموظفين والطلبة من الإخوان بالجملة وتزج بهم في السجون تحت ستار الاعتقال، وتفتيش البيوت –أي بيوت- بغير حساب، متبعة في التفتيش إجراءات إرهابية لم نشهد لها مثيلاً من قبل، وبدأت تثير الحملات الصحفية على الإخوان كهيئة وكأفراد، ثم بدأ داخل السجن تعذيب المقبوض عليهم بغير مبرر.

بل حددت إقامة الشهيد عبدالقادر عودة القائم بأعمال المرشد بيته مع وضع حراسه على منزله، كما جرت الاعتقالات بين الأفراد حتى كانت الساعة الموعودة لتطبيق أخر صفحة في الخطة بإعلان عبدالناصر أن الإخوان حاولوا اغتياله في المنشية، وبدأت رحلة طويلة للقضاء نهائيا على الإخوان وكل من يتعاطف معهم ثم القضاء على شتى صور معارضة عبدالناصر .. وعاد عبدالناصر من الإسكندرية للقاهرة في القطار بعد أن أوعز لرجاله بإخراج عمال مصانع الدولة للخروج لمحطات القطارات لاستقباله لاظهار الدعم الشعبي له في حربه المحتملة مع الإخوان والمعارضين التي بدأت بحرق المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين. (10)

استطاع عبدالناصر أن يسخر كل إمكانيات الدولة ومؤسساتها في مواجهة الإخوان الذين لم يملكوا إلا شعبيتهم والتي استطاع عبدالناصر خداع الشعب والانقضاض على هذه الشعبية بل دفع بعض العناصر للمطالبة بالموت للإخوان.. وهكذا كسب عبدالناصر بما معه من إمكانات دولة كاملة الجولة ضد الإخوان، غير أنها لم تستمر كثيرا حتى فارق الدنيا وترك خلفه إرثا مشئوما سعى خليفته للتخلص منه، بل وإعادة الإخوان للواجهة مرة أخرى.

المراجع

  1. رسائل الإمام البنا، رسالة التعاليم، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2009م.
  2. جمال عبد الناصر وعلاقته بالإخوان المسلمين .. البدايات والتحول: موقع إخوان ويكي، 25 أكتوبر 2011
  3. القول الفصل: قسم نشر الدعوة 1954، صـ1- 39، وأنظر الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الثاني.
  4. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون ترجمة: عبد السلام رضوان، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1977.
  5. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون ، مرجع سابق
  6. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون ، مرجع سابق
  7. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون ، مرجع سابق
  8. حسن العشماوي: حصاد الأيام أو مذكرات هارب، طـ1، دار التوزيع والنشر الاسلامية، القاهرة، 1991م
  9. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، جـ2، دار الطباعة والنشر والصوتيات، مصر، 1986
  10. حسن العشماوي: حصاد الأيام أو مذكرات هارب، مرجع سابق.