الأمير

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الأمير القصة السرية للأمير الأكثر إثارة للاهتمام في العالم


الأمير بندر بن سلطان


وليام سيمبسون

مع مقدمتين بقلم نيلسون مانديلا ومارغريت تاتشر

ترجمة عمر سعيد الأيوبي

مراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة

الدار العربية للعلوم ناشرون

بقلم نلسون مانديلا

غالبا ما تكون الصداقات في عالم السياسة عابرة أو دبلوماسية، وبالتالي لا تقاس إلا من خلال اللياقة أو الضرورة. والحال ليست كذلك حتما بيني وبين الأمر بندر بن سلطان: فأنا أنعم بصداقة شخصية دائمة وقوية مع الأمير بندر وهو شخصية تتحلى بدفء وذكاء وإخلاص غير عادي. فقد قدم إلى بندر دعمه الراسخ على مر السنين بعدة طرائق وكان دائما مخلصا وكريما بقدر ما أتوقع من رجل دولة بهذه المكانة العظيمة.

لقي وليام سمبسون تحديا هائلا في كتابة السيرة الذاتية للأمير بندر إذ أنه تمكن من الإحاطة بجوهر هذا الرجل اللغز. فالتعامل مع المنعطفات والتحولات في هذه الحياة المدهشة إنجاز بحد ذاته، وكذا تحديد العوامل التي أنشأت هذا الرجل البارع ذا الحضور المؤثر الذي أفخر أن أعرفه كصديق وثيق.

لقد كان للأمير بندر تأثير مدهش في أثناء العقدين الماضيين كصانع سلام دولي متجول يعمل في الخلفية بشكل رئيسي ، ولا يسعى البتة وراء التقدير العام ونادرا ما تقبل تصفيق نظرائه. لذا لا نعجب نحن الذين نعرفه عن كثب من الاحترام الملحوظ الذي يكنه للأمير بندر العديد من رؤساء الدول والحكومات ورجال الدولة وصناع الرأي في كل أنحاء العالم، لكن دوره المركزي بقي طي الكتمان إلى حد كبير حتى الآن.

الأمير بندر رجل متميز- شخصية ساحرة وفصيحة، ومع ذلك متواضعة- وغالبا ما وجه نمط الأحداث العالمية. وإنه ليسعدني أن أتمكن من المساهمة في كتاب أعرف أنه مليء بالحيوية والمرح، وتتخلله قصص بندر الخاصة- المبالغ فيها دائما- فهو قاص لا نظير له.

في الختام، تستحق إنجازات الأمير بندر اعترافا دوليا. فقد عمل من دون كلل من أجل السلام، وأنا أصفق له من دون شروط كرجل مبادئ، ودبلوماسي ذي قدرات مدهشة، وواحد من صانعي السلام العظام في زماننا.

نلسون مانديلا

تقديم

بقلم البارونة مارغريت تاتشر

كنت شاهدة على المواهب المتميزة للأمير بندر كدبلوماسي ورجل أفعال لمدة تزيد عن العشرين سنة. فهو بوصفه طيارا حربية سابقا جريء وحاسم، ورجل كما يهوى قلبي. إنه يصنع الأحداث بدلا من أن ينتظر حدوثها. وقد لعب بالطبع دورا مركزيا في العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، بالإضافة إلى المملكة المتحدة.

كما مكنته قدرته غير العادية على الفوز باحترام وثقة القدوة العالميين من خدمة حكومته في العديد من المهمات الأخرى التي لا تقل حساسية في الشرق الأوسط والصين وروسيا. وأذكر على وجه التحديد دوره الحاسم في بناء الائتلاف لمقاومة احتلال صدام حسين الكويت في سنة 1990. إن هذا الكتاب يروي قصة رجل في عصرنا يقف في قلب أحداث العالم منذ عقدين من الزمن، وأفخر بن أدعوه صديقا.

مارغريت تاتشر

ملاحظة على المصادر

على الرغم من تشديد الأمير بندر على أن تكون هذه السيرة الذاتية "غير رسمية"، فإنه منحني مع ذلك فرصة الوصول غير المقيد إلى عائلته وأصدقائه. وبذلك أتاح لي الاستفادة مباشرة من الذاكرة الجماعية لأقرب معارفه. وبندر، كما يشهد الذين يعرفونه، راوي أخبار مميز، وقد وى عدة مرات على مر السنين على هؤلاء الأصدقاء أحداثا دبلوماسية مدهشة.

وبمقابلة هؤلاء الأصدقاء، تمكنت من جمع روايات وطرائف شخصية مفصلة، مع المطالبة الصارمة بإغفال السماء في الغالب. وقد جمعت كل الاقتباسات المباشرة والحوارات والمحادثات والقصص من دائرة الأصدقاء هذه ، ما لم يذكر خلاف ذلك. ونزولا عند طلب المحافظة على السرية من بعض المصادر، لم يتم في الغالب الإشارة إلى مصادر الروايات الحوارية للاجتماعات والأحداث المنسوبة إلى الأمير بندر في هذه السيرة الذاتية، لكنها دقيقة مع ذلك.

تمهيد

في سنة 1986، كنت جالسا حول نار المخيم ذات ليلة من ليالي الصحراء العربية، فالتمعت مجرة الدرب اللبنية وسطعت في عتمة الليل. وفرقعت النار وتمورت. كان رفاقي، الذين جلسوا متربعين على الرمل معي، ضباطا ورتباء شبنا في سلاح الجو الملكي السعودي. وقد أكلنا ملء بطوننا من لحم الماعز المشوي الطازج والأرز، وها هي القهوة بالهال تقدم إلى الجميع في فناجين صغيرة.

كنا جميعا نعرف بعضنا بعضا، وفيما استرخى الجميع تحولت الجلسة لسبب ما إلى الحديث عن الأمير بندر. لم تكن لدى زملائي أي فكرة عن صلاتي الماضية بالأمير بندر، وفاجئني ما سمعته. فقد أظهروا شدة محبتهم واحترامهم الحقيقين النابعين من القلب له.

فرووا مآثره، وكثير منها مبال فيه من دون شك، وتفاخروا بإنجازاته. لم يكن ذلك للعرض فحسب- لم تكن ثمة حاجة إلى ذلك في ظل تلك الزروف. من الواضح أن الأمير بندر يحظى باحترام ومحبة كبيرين، لا كجندي وطيار فحسب، وإنما لشخصه كرجل أيضا.

لقد تمكن الأمير بندر من الوصول إلى كل هؤلاء الرجال المتحلقين حول نار المخيم في تلك الليلة والتأثير فيهم، مع أن جميعهم لم يلتقوا به قط. كانت تلك شهادة ان أنساها لهذا الرجل، ولولا المقادير لبقيت غير مدونة إلى الأبد.

مارتن شوري
السرب السادس والتسعون
سلاح الجو الملكي كرانول
(ضابط وحدة درب أفراد سلاح الجو الملكي السعودي في المملكة)

مقدمة

" وفي النهاية ، لا يعتد بالسنين في حياتك، وإنما بالحياة في تلك السنين"

أبراهام لنكولن (1861- 1865)

"أحب انعدام الأمن الذي يحيط بي. إذا جرحتني أنزف. وإذا وجهت إلي كلاما نابيا، أنزعج وأتألم. وإذا كان علي أو أواجه الخطر أو التحدي، فإننا جميعا مدربون على الخروج سالمين وفعل ما يجب علينا فعله... إنني لست آمنا، وغير آمن، لكنني لا أسمح لانعدام الأمن الذي يحيط بي بأن يمنعني من عمل ما يجب عمله".

الأمير بندر بن سلطان ابن عبد العزيز آل سعود

في مارس 1949، عقعق صقر يحلق عاليا في السماء عن ولادة أمير بدوي، أمير سيكون له تأثير عميق في العالم بعد ذلك بعدة عقود. لكن كان على هذا الصبي في طفولته أن يكافح كي يتمكن من المثول أمام والده. ومضت فترة قبل أن تعترف به العائلة المالكة السعودية في نهاية المطاف، فقد ولد الأمير بندر بن سلطان من معاشرة والده، الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود وزير الدفاع والطيران، أمة شابة تدعى خيزران.

في السنوات الثماني الأول من العمر، كان اتصال الأمير بندر بوالده قليلا. لكن جدته النافذة، الأميرة حصة بنت أحمد السديري، وهي زوجة أثيرة للملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود، الذي يعرف في الغالب باسم ابن سعود، لمحت نبوغ الصبي وسعت لإدخاله كنف العائلة المالكة. وهي التي لاحظت النضوج المبكر لهذا الولد البشوش والذكي وواسع الحيلة، وأتمت المصالحة اللاحقة مع والده.

وعلى مر السنين صار الأمير الشاب يطمح إلى أن يغدو طيارا. وبداف من حافز فطري كي يثبت ذاته - أمام أبيه على وجه الخصوص - كذب بندر بشأن سنه وتمكن من الالتحاق بكلية كرانول، الأكاديمية الأولى التابعة لسلاح الجو الملكي البرطاني. في كرانول تبلورت أحلام الأمير بأن يصبح طيارا حربيا.

وهناك تعلم النجاح باعتماد على مزاياه الخاصة، فطرح لقب الأمير جانبا، واستوعب عالما جديدا غريبا، على الرغم من استمراره بالتمسك بالتقاليد العربية وبثقافته البدوية. وفي هذه البيئة الغريبة، أتقن لغة جديدة ، ونال احترام أقرانه المطلق، وتعلم اجتياز الهوة الثقافية التي تفصل بين الشرق والغرب. وأحاط نفسه أيضا بمجموعة من زملائه الطلاب في الكلية الحربية، بمن فيهم أنا، الذي لا تزال صداقتي معه بعد مرور تسعة وثلاثين عاما، على أشدها.

عقب التخرج في كرانول، شهد العقد التالي نضوج بندر كطيار حربي في سلاح الجو الملكي السعودي، وخلال تلك الفترة شرع في مهمات تدريبية متتالية مع سلاح الجو الملكي السعودي، وخلال تلك الفترة شرع في مهمات تدريبية متتالية مع سلاح الجو الأمريكي. كان ذلك بمثابة الصدام الثقافي المطلق. أمير سعودي، ترعرع في صحاري شبه الجزيرة العربية السعودية وتعلم في ريف لينكولنشير، وها هو الآن منغمس في الأخلاق والعادات الأمريكية في تكساس.

لكن ذلك بشر بالاكتمال الثقافي لدى الأمير الشاب. فاحتضن نمط الحياة الجديد، وأصبح من المعجبين المتحمسين برعاة البقر في دالاس، ونسج صداقات جديدة، وطور فهما عميقا للمجتمع الأمريكي، ودأب في الوقت نفسه على تحسين مهاراته اللغوية، متقبلا اللغة العامية بحماسة وما يتخللها من قصص رمزية يقصها "فرسان" الطائرات النفاثة.

عين الأمير بندر قائدا لسرب من طائرات "أف – 5"، ثم قائدا لوحدة التحويل العملانية لطائرات "أف -5) ، فعمد إلى تدريب الكثير من أبناء الجيل الحالي من طياري مقاتلات سلاح الجو السعودي. غير أن أيامه في سلاح الطيران وصلت إلى ختمها فجأة في سنة 1977 عندما حاول الهبوط بطائرة "أف- 5" تعطلت عجلاتها.

خلفت له هذا احادثة مشكلات دائمة في عموده الفقري، وأدت إلى إنهاء مهنة الطيران التي كان يعول عليها ويتدرب من أجلها. لكن مهنته التالية، المهنة التي شغلت السنوات الأربع والعشرين التالية من حياته، وجعلت منه أسطورة على المسرح الدبلوماسي العالمي، كانت على وشك أن تبدأ

تدخل القدر مرة أخرى، وأمسك بزمام حياة الأمير في سنة 1977 عندما كان الأمير تركي الفيصل في واشنطن في ذلك الوقت، يمارس ضغوطا لبيع المملكة العربية السعودية ستين طائرة من طراز "اف – 15". فلما كان الأمير تركي يدرك خبرة بندر كطيار، وإتقانه اللغة الإنكليزية وتقبله الثقافة الأميركية فقد طلب المساعدة منه.

استمتع بندر بتلك المهمة، فانبرى يساعد الرئيس جيمي كارتر المثقل بالأعباء ليس فقط في تمرير بيع الطائرات إلى المملكة العربية السعودية في مجلس الشيوخ المتردد حيالها، وإنما أيضا في تأمين تمرير مشروع قانون معاهدة قناة بنما الذي تقدم به كارتر إلى الكونغرس.

نجح الأمير الشاب في هذا المضمار السياسي غير المألوف منذ البداية. فقد أقنعت حماسة بندر، ومعرفته المهنية كطيار محنك، وموهبته الدبلوماسية الفطرية التي لم تكن ظاهرة حتى ذلك الحين، كثيرا من أعضاء مجلس الشيوخ، وأسفرت عن الهزيمة المدوية للجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (ايباك) التي لا تقهر. وقد قلل لاحقا من شأن هذا الإنجاز وغيره من الأحداث المماثلة بالقول المأثور الشائع "خير لي أن أكون محظوظا من أن أكون ذكيا في أي يوم".

أدى النجاح في التغلب على المقاومة الضارية من اللوبي اليهودي المعادي والموالي لإسرائيل خلال المعركة على طائرات "أف – 15" في سنة 1977، ونجاحه لاحقا في تمرير صفقة البيع الضخمة لطائرات الإنذار المبكر والقيادة (أواكس) إلى جانب مشاركته البارعة في التوسط لتحقيق وقف لإطلاق النار في لبنان بعد ذلك بوقت قصير، غلى اكتسابه تقدير الملك فهد وامتنانه العميقين.

وسرعان ما توالت المهمات بعد نجاحه في الكونغرس الأمريكي، فعين بندر ملحقا عسكريا في واشنطن، ثم أصبح موفدا خاصا للملك، وأخيرا عين سفيرا للمملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة، ولم يكن عمره قد تجاوز الرابعة والثلاثين.

في الأعوام الثلاثة والعشرين التي تلت تعيين بندر سفيرا، يمكن القول إنه أصبح الجسر الأساسي بين الشرق الأوسط وواشنطن للرؤساء: جيمي كارتر، ورونالد ريغن، وجورج إيتش دبليو بوش، وبيل كلينتون، وجورج دبليو بوش. وقد لاحظ الرئيس كارتر أنه : "... من بين كل الأشخاص الشرقيين الذين عرفتهم، الجسر الأنسب بين ثقافتنا وثقافة الشرق الأوسط".

لقد كان الرجل الطبيعي الذي يلجأ إليه في جميع الأمور المتعلقة بالمملكة العربية السعودية، وما لبث أن أصبح ذا تأثير ى يقبل الجدل. وكعميد نافذ للسلك الدبلوماسي، كان محط اهتمام في واشنطن بوصفه "الطبقة الخامسة" الفعلية. الرؤساء يأتون ويذهبون، أما بندر فيبقى الشخصية الدبلوماسية المهيمنة والمتجذرة عميقا داخل دائرة صنع القرار في واشنطن.

مع ذلك، لم يحصر بندر علاقته بواشنطن فحسب. فقرار الملك فهد منح المملكة المتحدة مشروع "اليمامة" الضخم، وهو عقد جار بقيمة هائلة تبلغ 60 مليار دولار لحيازة وصيانة مجموعة كاملة من الطائرات، والسفن، ومعدات أخرى، ما هو إلا صفقة أسلحة قام بندر بهندستها والتفاوض بشأنها. وهي صفقة تشاء المصادفة أن يطلبها الرئيس رونالد ريغن في الأصل، ويقرها سلاح الجو الأمريكي، لكن مجلس الشيوخ رفضها في آخر الأمر.

كانت الهيكلية المبتكرة التي ابتدعها بندر لتمويل مشروع "اليمامة" بارعة، وقد وطدت علاقته الودية مع رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر. فالآلية المالية للصفقة، التي أثارت انتقادات جمة في وسائل الإعلام ، توفر مجالا مدهشا للمرونة والتضليل، ما يعود بفائدة عظيمة على المملكة العربية السعودية وبريطانيا العظمى على السواء. ومن مشروع "اليمامة" نشأت علاقة بين بندر وتاتشر تقوم على الإعجاب المتبادل وكانت ذات قيمة لا تقدر إبان حرب الخليج سنة 1990.

أجبر الكونغرس الأمريكي، برفضه بيع مقاتلات إضافية للمملكة العربية السعودية، السعوديين على طلب المعدات العسكرية من خارج الولايات المتحدة. غير أن ذلك لم يفسد علاقة المملكة بالولايات المتحدة. بل ازدادت علاقتها قوة بالرئيس ريغن على وجه الخصوص.

وشهد عقد الثمانينات تعاون السعوديين والأمريكيين مرارا وتكرارا لمؤازرة السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما البرنامج المعادي للشيوعية المعروف بمبدأ ريغن. وفي أفغانستان ، وتشاد، ونيكاراغوا، وإيطاليا، كانت الشراكة السعودية عنصرا أساسيا من عناصر النجاح الأمريكي.

وفي حين اعترفت إدارة ريغن الممتنة بالدور الذي أدته المملكة العربية السعودية، فإنه نادرا ما استرعى اهتمام الراي العام. فانسجاما مع التقليد العريق المتبع في الشرق الأوسط، عمل بندر بعيدا عن الأضواء، وكان صلة الوصل الأساسية بين المملكة والبيت الأبيض.

بيد أن مثل هذا النجاح لم يكن بمنأي عن الجدل، وأصبح بندر متورطا بشدة في قضية إيران- كونترا. وفي حين أن مقدار مشاركته في أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) السرية موضع تخمين فحسب، فإن اتساع نطاق أنشطته الدبلوماسية يثير الذهول: التفاوض على وقف إطلاق النار في لبنان، وإنهاء الحرب الإيرانية العراقية، والانسحاب السوفيتي من أفغانستان، ومتابعة إجراءات حرب الخليج، وحل مسألة الطائرة الأمريكية المتفجرة فوق لوكربي، كل ذلك يدل بوضوح على بصمات بندر.

لعل أهم ما قام به بندر - مع أن نتيجته في المناخ القائم حاليا تكتنفها كثير من الشكوك - جهوده لإحلال السلام في الشرق الأوسط، وبخاصة بين إسرائيل والفلسطينيين . فقد خلف بندر بهذه العمل أثرا لا يمحى على المسرح العالمي كمهندس للسلام والحرب وقوة هائلة للاعتدال في الشرق الأوسط.

وحينما عمل الرئيس بيل كلينتون على توطيد موقعه في التاريخ عن طريق تحقيق خرق في القضية الفلسطينين – الإسرائيلية في أواخر عهده، بذل بندر جهدا دءوبا لإقناع ياسر عرفات امتشدد بقبول صفقة لم تكن واردة حتى ذلك الحين.فالعروض التي قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد وأخيرا في طابا أعطت الزعيم الفلسطيني 98 في المائة مما كان يأمل به، ومع ذلك رفضها عرفات. وغذ وجد بندر نفسه غير قادر على الإفصاح علانية عما يجول في نفسه، اعترف لي والإحباط يعتريه : " ما حدث ليس مأساة- إنه جريمة".

لدى تناولي هذه السيرة الذاتية، كان علي أن أطرح على نفسي السؤال التالي: كيف استطيع أن أصور بدقة رجلا يشكل لغزا في جوهره؟ هل هو رجل سلام- كما سارع الرئيس مانديلا إلى القول - رجل مباديء وضمير وصواب خلقي؟ أم يتعين تصويره، كما قد يشيع بعضهم، بالنظر إلى دبلوماسيته السرية، في الكواليس

كأمير ميكيافلي - مجرد من الأخلاق السياسية، ومدفوع بخدمة مصلحته الشخصية فقط، ماكر، وداهية ولا يستند إلى المبادئ الأخلاقية في سلوكه ونشاطه- رجل يمكن القول عنه إنه عجل في وقوع حرب الخليج وسهل أيضا جهود إدارة بوش الاستباقية وغزو العراق؟ الصفحات التالية ، بما تحتويه من معلومات عميقة عن الأمير بندر الغامض، تتيح للقارئ إيجاد الإجابة عن هذه الأسئلة.

أقبلت على هذه السيرة بأسلوب غير عادي. فقبل ثلاثة أعوام ، تلقيت من بندر دعوة مشوقة للانضمام إلى بعض الرفاق العسكريين القدامى بغية لم الشمل. وكان احتمال تجديد الصداقات القديمة لا يقاوم. ورغبة مني في رؤية أصدقاء قدامى منذ أيام كرانول، عبرت المحيط الأطلسي إلى مزرعة بندر في أسبن. وهي مسكن فاخر مساحته 55 ألف قدم مربعة في جبال روكي التي يعجز عنها الوصف. أمضيت مع خمسة عشر شخصا آخر عطلة نهاية أسبوع رائعة استرجعنا فيها ذكريات الأيام الخوالي.

كنت وبندر في القيد نفسه والسرب نفسه -d96 وكنا نتشاطر حب المبارزة بالسيف، كان يمارس تلك الرياضة بالحسام، وكنت أفضل الشيش. وعندما انتهت عطلة نهاية الأسبوع، ودعنا بعضنا بعضا وعدنا أدراجا إلى ضغوط حياتنا اليومية.

بعد ذلك بعامين، وعقب متاعب صحية غير مطمئنة، استقلت من عملي كمدير تنفيذي لشركة إنترنت، ورحت أقلب أمور الحياة من جميع وجوهها. وغذ أدهشتني القصص التي سمعتها في مزرعة بندر في أسبنن، وبما أن لدي اهتماما في الكتابة، تساءلت عما إذا كانت سيرته قد كتبت من قبل، كلا لم تكتب. أثارت الاحتمالات اهتمامي، فاتصلت بروب ديكون إليوت، وهو من الزملاء في كرانول المقربين جدا من بندر. أوضحت له ما أفكر فيه، وسألته إذا كان يعتقد أنالأمير سيوافق.

لم أكن أدري، في تلك اللحظة بالذات، أن يدون إليوت مقيم في الواقع مع بندر في الرباط، في المغرب. وبالصدفة، وصلت رسالتي الإلكترونية فيما كان كلاهما يستعدان للمغادرة . وقد أوضح لي ديكون إليوت في ما بعد، بما أن بندر كان يهم بركوب طائرته باتجاه ، وكنت أذهب باتجاه آخر، لم تسنح لي الفرصة لمناقشة الأمر معه، نقلت له رسالتك الإلكترونية كما هي

وقلت: " أرسل بيل سمبسون لي هذه الرسالة. رافقتك السلامة، اقرأها عندما يتسنى لك ذلك". رأيت بندر بعد ذلك بأسابيع قليلة وسألته : " ما رأيك؟". قال بندر : " أرى أن ينضم بيل إلينا في جولتنا في أمريكا. فنحن لم نلتق كما ينبغي منذ أكثر من ثلاثين عاما. لنر كيف تمضي بنا الأمور".

وهكذا انضممت إلى بندر في جولة خطابات في الولايات المتحدة الأمريكية ناقشنا خلالها أفكاري بشأن الكتاب لمدة أربعين دقيقة لا أكثر. لكن سرعان ما عادت صداقتنا القديمة إلى وهجها.وعندما عدنا أخيرا إلى واشنطن، قدمني بندر إلى زوجته، الأميرة هيفاء بنت فيصل بن عبد العزيز آل سعود، فأثارت فكرة السيرة الذاتية حماستها. لم أكن أعرف وقتذاك أن بندر يفكر في الاستقالة من منصبه كسفير إلى الولايات المتحدة: لقد كان توقيت طرحي للفكرة مصادفة.

حينما انهمكت في أبحاثي عن قصة بندر، وأجريت مقابلات مع زعماء وسياسيين ورجال دولة بارزين في العالم، أخذتني الدهشة. " إنها قصة ساحرة، إنها قصة رائعة" قال لويس فريه، المدير السابق لمكتب التحقيقات الاتحادي (أب بي آي). تكررت تعليقات فريه مرارا على ألسنة أشخاص آخرين. مع ذلك لم أدرك سوى القليل من مقدار تأثير الأمير في المسرح الدولي. ومرة بعد أخرى، أصابتني المعلومات الجديدة بالذهول. واتضح أنه مارس نفوذا بخفة وسرية، راسما في الواقع اتجاه أحداث العالم من وراء الستار.

إلا أن مثل هذا النفوذ لا يمكن ممارسته من دون حدوث متاعب، وفي حين يثني كثير من قادة العالم على عمل بندر، يرد آخرون على النفوذ الذي مارسه بتهكم، وعندما تحدث الصحفي الكندي مات ولش عن قدرته وموهبته في تدبير المكائد، ولاحظ أن الأمير تورط في كثير من أحداث السي آي أيه القاتمة في العالم، كتب يقول : " هذه الحماسة، والتحفظ الانتقائي، والقدرة على الوصول إلى نظام حكم من القرون الوسطى، تجعل بندر تاجرا متجولا ذا جاذبية كبيرة، عندما يشعر رئيس أمريكي ما بأنه مكبل اليدين بأمور مزعجة كالقوانين، أو الصحفيين، أو الحشمة".

وتعرض بندر أيضا لانتقادات قاسية من عميل السي آي أيه السري السابق روبرت بير، الذي تذمر قائلا:

" كان بوسع بندر أن يجول في البيت الأبيض وفي الكونغرس لإجراء محادثات متى يشاء. لقد لزمني أسابيع كي أحصل على موعد مع موظف صغير في مجلس الأمن القومي، وسيكون الحظ حليفي إذا حصلت حتى على دقائق قليلة. دعك من الكلام الفارغ عن الديمقراطية وعن عاصمة العالم الحر. لقد كانت واشنطن أشبه بمدينة شركة، ولبندر مقعد في مجلس إدارتها. وإذا أردت ولوج المشارف الخارجية لفلكه،فمن الأفضل لك أن تلعب وفق قواعده".

مع ذلك كان لأسلوبه الصريح وقع حتى في نفوس أشد منتقديه. ففي حين كانت العديد من الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة عازمة على تقويض موقعه والقضية العربية عموما، فإنها كانت تصف بندر على غير رضى بأنه " يحمل كل الصفات التي يتوقع أن يتصف بها الدبلوماسي: جذاب، ولطيف، وسريع الخاطر، وغامض".

بل إنه يحظى باحترام صريح حتى داخل المجتمع اليهودي، الذي تلقى الهزيمة في مناسبتين لا واحدة، عندما رعى بندر أولا بيع مقاتلات "أف- 15" إلى المملكة العربية السعودية في عهد كارتر، ولاحقا بيع تكنولوجيا طائرات الإنذار المبكر والقيادة (أواكس) في عهد بيغن: فقد قال هنري سيغمان، المدير التنفيذي للمؤتمر اليهودي الأمريكي: إنه لا يقع في فخ مناقشة المحاجات القديمة للنزاع العربي - الإسرائيلي. إنه دبلوماسي مختلف على نحو يبعث البهجة في النفس، إنه ليس إيديولوجيا، وإنما براغماتي إلى حد بعيد.

خلال إقامة بندر في واشنطن، جمعت وسائل الإعلام قاموسا من الأوصاف والتشبيهات، معززة باستهزاء وهم الخداع الذي يحيط به. ثمة كثيرون يرون فيه حرباء سياسية، بينما يثير ثراؤه الفاحش، وكرمه اهتمام آخرين. ويرى بعضهم أن موهبته في ممارسة النفوذ في واشنطن وقدرته التي لا نظير لها على الوصول تميزانه كشخص ينظر إليه بعين الحسد والرهبة.

ويركز آخرون على حماسته للسلام. بيد أن آخرين يشيرون إلى اقترانه بالفضائح والمؤامرات. في بدايات العمل بهذا الكتاب، بهرتني قصة حياة بندر، وارتقاؤه من طفولة مشئومة منجل لأمة، إلى طيار حربي ورجل دولة. غير أن طبيعة شخصيته المحيرة وشديدة التعقيد هي التي استهوتني أيما استهواء في النهاية.

وأعتقد أن هذه التعقيدات هي التي تجعله رجل دولة قويا وناجحا. غير أن إخلاصه ودفأه وسخاءه هي الصفات التي تجعل منه رجلا مرموقا حقا. إنني أعتبر بندر صديقا، وأعتبر نفسي محظوظا لأنني أشغل حيزا في حياته، ولأنه يشغل حيزا في حياتي. إنه شخصية رائعة ذات حضور طاغ، وأنا على قناعة تامة أن حتى من لا يعرفه سيشد إلى مسار حياته المدهش والتأثير الاستثنائي الذي بلغته إنجازاته.

بيل سمبسون
يوليو 2006

الفصل الأول من هو الأمير بندر؟

"كل الناس يحلمون، لكن ليس على سوية واحدة. فمن يحلمون ليلا في تجاويف عقولهم الرمادية يستيقظون في النهار ليجدوا أن أحلامهم باطلة. لكن حالمي النهار أناس خطرون، إذ قد يؤذون أحلامهم بعيون مفتوحة كي تتحقق".

تي. إي، لورانس "أعمدة الحكمة السبعة"

قبل سبع وخمسين سنة، في خيمة تقليدية بدوية، أنجبت شابة طفلها الوحيد، وكان ذكرا. ولولا جزئية واحدة لما عنت ولادة طفل لأم شابة ذات منزلة متواضعة، شيئا سوى لنفر قليل. بيد أن تلك الجزئية كانت مهمة، لأن والد الطفل هو الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، أحد أفراد الأسرة المالكة، ونجل مؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبد العزيز آل سعود (ابن سعود).

في ذلك الوقت ، كانت المملكة العربية السعودية نفسها في مهدها، إذ أن ابن سعود لم يتمكن سوى في سنة 1932 من توحيد المناطق القبلية على اختلافها في وسط شبه الجزيرة العربية، وإعادة تسمية البلاد باسم المملكة ا لعربية السعودية، وتعيين نفسه أول ملك عليها.

لم يكن تكوين المملكة العربية السعودية يسيرا. ففي بداية القرن التاسع عشر، حكم أفراد من قبيلة آل سعود نجد، وهي منطقة وسطى معزولة جغرافيا، كانت الدرعية عاصمتها، في سنة 1811، طلب السلطان العثماني من محمد على، حاكم مصر، التي كانت آنذاك جزءا من الامبراطورية العثمانية ، خلع آل سعود.

فأرسل محمد علة اثنين من أبنائه لغزو نجد، وفي سنة 1811 استولى ابنه الثاني، إبراهيم باشا، على الدرعية. نفي حاكمها، عبد الله بن سعود، إلى القاهرة أولا ثم إلى اسطنبول ، حيث قطع رأسه. وبموته، ماتت أيضا الدولة السعودية الأولى.

نشأت دولة سعودية ثانية في سنة 1824 عندما طرد تركي بن عبد الله ابن سعود بن عبد العزيز بن محمد آل سعود ، المصريين من نجد، واتخذ الرياض عاصمة له. وعلى الرغم من أن هذه الدولة الثانية ازدهرت في أول الأمر، فإن النزاعات الداخلية أدت إلى انتقال القيادة داخل العائلة حتى آلت إلى فيصل بن تركي في سنة 1843، فاستتب النظام.

غير أن الفوضى والصراع عادا إثر وفاته في سنة 1865. وفي سنة 1891، هزمت قبيلة الرشيدي العثمانية قبيلة آل سعود، ما أجبر زعيمها، عبد الرحمن- جد الملك الحالي عبد الله وأبو جد الأمير بندر- على الفرار إلى ما أصبح الكويت الآن. وقد نفي مع عائلته، بمن فيهم ابنه عبد العزيز. وبنفي عبد الرحمن، انتهت الدولة السعودية الثانية.

أمضى عبد العزيز ما تبقى من طفولته في الكويت، حيث حضر مجالس الحكم اليومية، مجلس أمير الكويت، فتعلم منه أمور الدنيا الواسعة. وفي مسعى لإعادة الملك إلى آل سعود، انطلق عبد العزيز سنة 1901 مع نفر من المحاربين بغية استرجاع الرياض. وكان الحظ والجرأة إلى جانبه عندما تسلق أسوار الرياض مع عشرين رجلا فقط ليلة 15 يناير 1902، وكمن بانتظار الحاكم الرشيدي، عجلان.

وفي صباح اليوم التالي هجم عبد العزيز وعصبته المغيرة، فقتل عجلان وشن حملة أدت في آخر الأمر إلى نشوء الدولة السعودية الثالثة وفي الأعوام الثلاثين التالية، أحكم ابن سعود سيطرته بالتدريج على كل منطقة من المناطق القبلية. وفي سنة 1932 ولدت المملكة العربية السعودية.

على الرغم من أن بندر بن سلطان ولد في أسرة ابن سعود المالكة، فإن مستقبله لم يكن مؤكدا البتة. فقد كانت أمه خيزران، وهي فتاة داكنة البشرة من عامة الناس في السادسة عشرة من العمر، من محافظة عسير، الواقعة في الطرف الجنوبي من المملكة العربية السعودية. وهي مكان موحش يضم شهولا وسبخات مالحة شاسعة، وجبالا وعرة، وأودية سحيقة . بيد أن موانئها البحرية أتاحت قرونا من التفاعل مع اليمن والقرن الإفريقي على السواء.

مع أن أباه الأمير سلطان، هو أحد السديرية الشبعة، أبناء ابن سعود والأميرة حصة بنت أحمد السديري، وهي إحدى زوجات الملك عبد العزيز المفضلات، فقد كانت ولادة الصبي منكودة الطالع. ويتحدث بندر الآن بصراحة تامة عن مكانه في الأسرة السعودية المالكة قائلا، "إنني مولود غير شرعي لأم سرية".

على الرغم من أن أمه السمراء كانت مجرد جارية في بيت أبيه ولم يكونا متزوجين، فإن الشرع الإسلامي يحمي الأبناء غير الشرعيين إذا اعترف بهم والدهم، وقد أقر أبو بندر بالولادة. ويروي ذلك بندر قائلا: " اعترف أبي بحمل أمي قبل ولادتي... ولذلك ولدت في مضارب الملك عبد العزيز في الطائف. وقد سماني الملك عبد العزيز بنفسه إلى جانب أربعة أبناء آخرين". وبذلك أثبت الملك في الواقع نسب الفتى إلى الأسرة المالكة. مع ذلك استمر هناك شئ من التفرقة، أي إبعاد الأمير عن الأبناء الآخرين المولودين لزوجات الأمير سلطان العديدات.

لم تخل ولادة طفل لأمير عربي وسرية من شجن، مع أنها ربما تحمل شيئا من الرومانسية. فقد كانت أم بندر جارية قبل أن تصبح خليلة للأمير. سلطان البالغ من العمر عشرين عاما، وكان قد عين واليا على الرياض في سنة 1947. يتذكر بندر ذلك فيقول، " لم تكن أمي قريبة لأي زعيم قبلي يمدني بالقوة، ولا من أسرة مالكة".

ولما كانت خيزران تقيم في محافظة عسير السعودية، غير البعيدة عن إفريقيا، فقد كانت داكنة البشرة، وتلك من القسمات التي نقلتها إلى ابنها بندر، الأكثر سمرة من إخوته بشكل ملحوظ. وقد شاع في الصحافة الأمريكية اعتقاد خاطئ بأن والدة الأمير إفريقية.

وغالبا ما يشعر بمتعة غير عادية من معرفة حقيقة الموقف، فيما تنهمك وسائل الإعلام في التخمين الخاطئ، من دون أن يحاول البتة إيضاح الخلفية الجغرافية لتراث أمه. وقد اعترف بقوله: " تركت الأمور تجري مدة طويلة، لأنني كما تعلم الآن، أستمتع بمعرفة أمر يتحدث العالم بأكمله عنه بطريقة وأعلم أنه ليس صحيحا".

رغم أن الصحافة تصر على أن الأمير سلطان لم يكن يعترف بابنه، فإن بندر يؤكد خلاف ذلك بالقول: " إن عدم اعتراف والدي بي لا يعدو أن يكون عدم قدرتي على الوصول إليه". فالاعتراف بوضعه تم عندما سماه الملك.

ويوضح ذلك:

"كلما كان يولد طفل في العائلة المالكة في تلك الأيام، كان يخصص له راتب. وأحسب أنه كان آنذاك 10 دولارات أو نحو ذلك. وكان ذلك الراتب يأتي من وزارة المالية، لذا ما إن يسمى طفلا، حتى يبلغ الديوان الملكي ذلك غلى وزير الداخلية لبدء دفع راتب للولد وأمه. وكانت أمي تتلقى ذلك الراتب. لذا يشكل ذلك اعترافا رسميا بوضعي في ذلك الوقت، واعترافا من أبي في الواقع. أما أنني لم أكن أعيش مع أبي فإنه لا يعني أنه لم يعترف بي".

مع ذلك، كان الاتصال ضئيلا بين بندر وأبيه، وهذا واقع أقر أنه مشكلة استغرق التغلب عليها أعواما، لأنه لم يكن معه بالمعنى المادي. وتشرح ابنة بندر، الأميرة ريما، ذلك بالقول: " لقد حاولت وسائل الإعلام جعل الأمر يبدو إقصاء متعمدا ولم يكن كذلك. كان مجرد أمر واقع. فمن الطبيعي أن يكون أولاد المرأة المتزوجة والمقيمة في البيت أقرب إلى ا لأب، لذا ليست للنساء المقيمات خارج البيت أو المطلقات فرصة الاتصال نفسها".

أصبح والد بندر، الأمير سلطان - وزير الدفاع منذ عهد بعيد- وليا للعد في سنة 2005، أي عند وفاة أخيه الملك فهد. وسلطان أيضا أخ غير شقيق للملك عبد الله، هو بلا ريب شخصية قوية ونافذة في آل سعود. ولم يستهن بندر قط باعتراف أبيه به - وبشرعيته - قائلا بكثير من التأني: " ثمة أمر بشأن أبي لن أنساه أبدا، وهو أنه لم يدعني آتي إلى الدنيا والشكوك تحيط بمن هو والدي".

مع ذلك يخفي هذا القول الجرئ أن المسافة التي كانت تفصله عن أبيه وفرت عنصرا أساسيا في شخصه، وجانبا من جوانب شخصيته يدفعان رغبته الدائبة في الإنجاز، وإثبات نفسه أمام أبيه. ولعل من المفهوم إزاء هذه الخلفية أنه لم يكن على قدم المساواة مع إخوته الأمراء، على الرغم من أنه ولد في العائلة المالكة.

وكما أوضح بندر: " بموجب الشريعة الإسلامية"، إذا كانت لديك جارية أو سرية وضاجعتها، ولم ترزق أولادا، تبقى جارية. ومن الواضح أن أمه، كانت جارية، فالرق لم يلغ في المملكة حتى سنة 1962. مع ذلك، يتابع بندر: " حالما تصبح حاملا وتعترف أنت بحملها قبل أن تضع طفلها، تتحرر عندئذ بصورة تلقائية. لكن يتعين عليك مع ذلك التعامل مع الحقائق الثقافية: ستكزن دائما الولد ذا اللون المختلف، ولدا لم يتزوج والده قط".

وقد ترددت كلمات بندر البسيطة على لسان ديفيد أوتاواي، من صحيفة "واشنطن بوست"، الذي قال: "نشأ بندر طفلا وحيدا في بيت أمع في الرياض، لكن مع اثنين وثلاثين أخا وأختا غير أشقاء، أبناء زوجات سلطان المتعددات. وكانالولد الداكن البشرة ذا الشعر الأجعد المنعزل".

نشأ بندر في السنوات الإحدى عشرة الأولى من عمره، في كنف أمه وخالته لولو في بيت ذي مصباح واحد، ومرحاض واحد. ومع أن أم بندر لم تلتحق بمدرسة قط، فقد علمت نفسها القراءة والكتابة. وانتقلت عزيمة خيزران وقوة شخصيتها إلى ولدها. وتؤكد الأميرة هيفاء، وجدة بندر أن "أم بندر من العوامل الكبرى في حياة ولدها. إنه يشبهها في رغبته في النجاح. فهي ذكية جدا، وقد زرعت فيه كل شئ. ولولا الطريقة التي ربته بها، لما كان بندر كما نعهده اليوم، ذلك أمر مهم جدا".

في تلك السنوات، كانت صلة بندر بأبيه ضعيفة أو معدومة، واقتصرت على رؤيته في عطلات نهاية الأسبوع وتقبيل يده في اللقاءات العائلية. ومع ذلك، اشار بندر مرارا إلى أن تلك الحال ر" علمتني الصبر، وأكسبتني آلية دفاع بألا أتوقع أي شئ. كنا أعتقد في ذلك الوقت أنني إذا لم أتوقع أي شئ ولم أحصل على اي شئ فلن أصاب عندئذ بخيبة أمل".

رغم أن الصغير بندر كان بعيدا عن البلاط الملكي، فإنه كان ينظر إلى والده باهتمام شديد. ويروي قصة سماعه بمرض ألم بأبيه، وانزعاجه من ذلك: " عندما كنت في التاسعة تقريبا، كنت أعيش مع خالتي وسمعت من النساء في البيت أن أبي مريض. لم أعرف مقدار مرضه أو شدته، وكنت أربأ بنفسي أن أسأل الناس أو أظهر لهم أنني لا أعلم". كان يعرف سائقا يعمل لدى أبيه

لذا كما أوضح الأمير:

" رأيته يعرج على البيت فناديته وسألته: سيدي، كيف حال أبي؟ بدا التأثر واضحا على وجه السائق الذي نقل الحديث الذي دار بينه وبين الفتى إلى الأمير سلطان، فأرسل في طلب ابنه على الفور. قامت خالة بندر بتنظيف ابن أختها وتهيئته استعدادا لزيارة أبيه. وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها بندر أباه طريح الفراش. أومأ سلطان إليه بالاقتراب وأدناه منه. يتذكر بندر ذلك بوضوح، "كنت في قمة السعادة، في الحقيقة، شعرت كأنه أعطاني العالم كله".

بعد هذه الزيارة بوقت قصير انتهت عزلة الأمير عن العائلة. كان الملك عبد العزيز قد توفي قبل ذلك بعدة سنوات، وتقرر أن يقيم بندر وأمه في القصر مع جدته، الأميرة حصة. ويقول بندر: " كان قرارا عمليا، لكنه بدل حياتي كليا". كانت حصة توقظ حفيدها في الخمسة من صباح كل يوم لأداء الصلاة، وكانت بعد الصلاة تلقنه التاريخ والحكايات الشعبية المحيطة بآل سعود. ويصف بندر ذلك: " لم تكن متعلمة، لكنها تحفظ القرآن عن ظهر قلب". كان يجلها.

وقد بادلته المحبة بالمثل، وجعلته يشعر بأنه مميز. ويقول عنها من دون تردد:

" كانت الشخصية الأشد تأثيرا في حياتي. ومن الممتع مجالسة هذه المرأة، زوجة مؤسس المملكة ا لعربية السعودية التي عرفت كل أولئك الرجال الكبار والعظماء، مثل الملك فيصل، يوم كانوا أطفالا. كانت توقظني قبل صلاة الفجر كل صباح لأصلي معها. ويعني ذلك عادة أن أمامي نحو ساعة واحدة على الأقل من الفراغ قبل أن أبدأ الاستعداد للذهاب إلى المدرسة. لذا كنت أجلس معها فتروي لي القصص".

يقول العميد فيصل مفقي، وهو صديق حميم لبندر منذ الطفولة، إن الأمير أظهر منذ كان فتى اهتماما كبيرا بتاريخ آل سعود:

" كان يحب الجلوس في المجلس، مصغيا إلى ما يرويه الشيوخ من قصص عن جده، وكان يطرح عليهم أسئلة بطريقة تثير دهشتهم. كان مفتونا بجده، الملك عبد العزيز، إلى حدود استحواذه على فكره. وباستماعه إلى كبار السن أصبح ملما بكل ما يتعلق بجده، الذي يجله كثيرا". ويتابع مفقي قائلا: " أظهر نضجا وتعطشا للمعرفة يجاوزان سنه".

حينما أقام بندر في القصر، أصبح قيام علاقة أوثق مع والده أمرا ممكنا. ويذكر مفقي أن بندر كان منذ طفولته يجول في الصحراء على ظهر جواد مع الأمير سلطان. "فعلمه الصيد بالصقور والرماية. وكان الب حريصا على أن يتعلم بندر مهارات العيش في الصحراء كالبدو. كانا يمضيان اليوم كله معا في الصحراء، حيث ينطلقان عند بزوغ الفجر في صقعة الصباح، ويعودان في وقت متأخر من المساء، وأحيانا يبيتان ليلتهما في خيام بدوية".

يذكر بندر إحدى رحلات الصيد، وقد بدأت أولا باختيار الصقر. وكان آخر من اختار من بين إخوته، وبعد أن اختيرت كل الطيور الجذابة، لم يتبق له سوى طائر رث ذي ريش أسود وبني داكن أثار ضحك الجميع. لكنه يذكر باعتزاز أن الصقر نفسه أبدى براعة في الصيد بزت كل أقرانه من الصقور المنتفشة في ذلك اليوم. وربما رأى بندر شبها بينه وبين صقره.

التقى العميد مفقي وبندر يوم كانا تلميذين في مدرسة في معهد الرياض. ووفقا لمفقي، كان بندر واحدا من ألمع الطلبة في المعهد. " كان سجله الأكاديمي رائعا.وكان أيضا طالبا وهادئا جدا... جذابا، وأنيسا، ومن الممتع أن يكون في الجوار. كان شابا ناضجا وهادئا ومتزنا. لم يكن سريع الغضب ولم يخرج عن طوره قط، مؤثرا تجاهل المسئ إليه والانصراف عنه". ويتذكر مفقي على وجه الخصوص حب بندر للطيران، وكيف كان كلما مرت طائرة فوق المدرسة يلتفت الأمير إليه ويقول: " يوما ما سأكون طيارا".

حين كان بندر في الثالثة عشرة، عين والده وزيرا للدفاع والطيران. وبعد ثلاثة أعوام، وبدافع من عزمه على أن يكون طيارا، زور بندر سنه في طلبه، واختير للتدرب على الطيران في كلية كرانول التابعة لسلاح الجو الملكي في انكلترا. ظن كثيرون انها خطوة لإرضاء أبيه، وكانت أيضا انعكاسا لوضعه ضمن العائلة، كما أسر صديق حميم للأمير: " لم يرسل إلى إيتون ، بل إلى مدرسة عسكرية". ولعل من المصادفة - أو ربما القصد - أن بندر أرسل ثلاثة من أبنائه إلى إيتون.

تعلم بندر الاعتماد على الذات في سن مبكرة ولم يكن يتوقع أي شئ من والده. ولأنه أمضى سنوات الأولى خارج العائلة، لم يكن يشعر بالارتياح من موقعه كأمير، ولطالما أحس بشئ من الشك في الاهتمام الذي يظهره الناس له: " لم أكن أشعر أنني فعلت أي شئ لأستحقه إلا من طريق المصادفة والظروف. أصبحت أميرا لأن أبي أمير. لم أعمل يوما واحدا في حياتي لأكون أميرا. قارن ذلك بشعوري عندما نلت رتبة ملازم ثان. كنت فخورا للغاية". وهكذا في مارس 1967، التحق بندر بكلية كرانول، وهناك تعرف إلى الواثق من نفسه، و "الحكواتي" المرح، الذي عرفه آنذاك باسم "بن".

كان التحول من أمير غلى تلميذ ضابط في أكاديمية سلاح الجو الملكي العسكرية الأساسية في كرانول أمرا مدهشا. فبدلا من أصوات الوطن المألوفة والحياة السهلة والمميزة كفتى، حل الواقع القاسي لمعسكر التدريب العسكري، وهو محيط عدائي ومربك لا قيمة فيه للمكانة، بل تشكل المحافظة على النفس في هذه الآلة الغريبة ضرورة متنامية.

لقد ولت الراحة المعهودة في الثوب العربي والخف، وولى الدفء الشمس، وحلت محلهما قبة منشاة خانقة، والزي "الأزرق الزغب" المسبب للحك، وغير الملائم ، وغير المريح على الإطلاق ، الذي يتكون من سترة سلاح الجو الملكي وبنطاله القياسيين. وانتعلت قدماه "أداتي تعذيب لا تلينان" ، جزمة سلاح الجز الجلدية السوداء الثقيلة ذات النعل الذي تبلغ سماكته إنشاء واحدا تقريبا. لم يكن بندر معتادا على المناخ البريطاني، وعلى الرذاذ المتواصل وصقعة صباحات لينكولنشير، وقد عبر عن ذلك لاحقا بقوله إن البرد ستة أشهر بلا توقف.

كان اختياره للالتحاق بكلية سلاح الجو الملكي بكرانول إنجازا عظيما، بقدر ما كان يمكن لضابط في الجيش البريطاني أن ينظر غلى اختياره للالتحاق بساندهرست، أو لأمريكي أن ينظر إلى اختياره للالتحاق بوست بوينت أو أكاديمية سلاح الجو في كولورادو سبرنغز. وقد حفزته رغبته في الطيران على تزوير تاريخ ميلاده ، " كنت أتحرق شوقا للانضمام إلى سلاح الجو"، كما قال بندر بحماسة وقد اعترف الأمير بأن تاريخ ميلاده الرسمي في 2 مارس 1949 مزيف، إذ يجب أن يكون في السابعة عشرة من العمر لينضم غلى سلاح الجو. وقد أقر بأنه طبيبه بتغيير شهادة ميلاده.

لذا حين انضم بندر إلى سلاح الجو، كان عمره في الواقع ستة عشر عاما لا سبعة عش، ما يجعل تاريخ ميلاده أواخر سنة 1950. وذلك ما أكدته زوجته، الأميرة هيفاء، لاحقا. وعقب هذا الاعتراف، لاحظ بندر أن "هذا هو الجزء المضحك في الأمر، فعمي الملك، وعمي الآخر ولي العهد، وعمي الثالث النائب الثاني لرئيس الوزراء، وأبي وزير الدفاع، فلماذا يكون التاريخ مشكلة؟ لأنني لا أستطيع الالتحاق بسلاح الجو لو بينت شهادة ميلادي أنني لست في السابعة عشرة".

كانت تطلعات طلاب الكلية الحربية الشبان عالية، وبرنامج التدريب الصارم يحمل الجميع أعباء كبيرة جدا. لذا ، فإن مجرد التمكن من إتمام الدورة بالنسبة إلى امرئ تعوقه معرفته المحدودة باللغة الإنجليزية، يعتبر مشرفا في حد ذاته فما بالك بتحقيق أداء جيد. وينطبق ذلك بصورة خاصة على فتى في السادسة عشرة من العمر.

كانت حياة بندر وزملائه في السرب d ، الدفعة 96، خاضعة لسيطرة رئيسهم المباشر الرقيب كن آدامز. وفي مشهد مألوف من دون شك لدى العسكريين في كل أنحاء العالم، أيا يكن السلك، وأيا كان البلد، كان يوم بندر الأول في كرانول قاسيا.

وقف الرقيب آدمز أمام مجموعته من الشبان المرتجفين، ثم تقدم بسرعة نحو الأمير الشاب، لا يفصل وجهه عن وجه صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود سوى بضعة إنشات، وصرخ: "عندما أقول قف، يا سيد سلطان، أعني قف لحظة أشاء أنا، لا لحظة تشاء أنت. أعني اليوم، لا غدا، إنك لست في الصحراء الآن، أيها الشاب المريع. اعتدل الآن وإلا ستجري حول هذه الساحة إلى أن أقول قف. هل فهمت؟" .

"نعم سيدي" ، أجاب بندر.

" لم أسمع ما تقول"، صاح الرقيب آدامز.

"نعم سيدي" ، صرخ الأمير المبتل، والأمل يحدوه أن يركز معذبه على أي طالب عسكري آخر. لكن الرقيب آدامز لم ينصرف عنه: " لا تنادي سيدي، أنا أذكي من أن أدعى سيدي، نادني بحضرة الرقيب".

بعد الانصراف من ساحة العرض، سار بندر وزملاؤه الطلاب سريعا لا إلى مبنى الكلية (كوليدج هول) الرائع، وإنما إلى ا لأكواخ القديمة المعروفة باسم ساوث بريك لاينز التي غدت محل إقامته في الشهر الستة التالية. كانت تلك الأكواخ تضم بعض المراحيض والحمامات التي تلي مباشرة المدخل المؤدي إلى المهاجع. وكان لكل فرد ركن بجانب الفراش، وخزانة صغيرة، وسرير. وفي نهاية الكوخ غرفة جلوس شديدة التقشف".

كانت أمام الشبان الآن ساعة من أعمال التنظيف وإعداد متعلقاتهم الشخصية قبل جولة التفتيش التي سيجريها الرقيب آدامز وكي الصدرات والقمصان والملابس الرياضية وطيها في مربعات ضبعها 0 إنشات. كل ذلك من دون مساعدة من أحد. لا عجب إذا ، في أن يجد بندر المكان بيئة عدائية.

وعندما حاول تطبيق مهارته على متعلقاته، كان أقرانه قد بدئوا بتنظيف الكوخ، والتثبت من لمعان النوافذ، وتنظيف جميع السطوح من الغبار والبقع، ومسح الأرضيات لتصبح لامعة كالمرآة، وتنظيف بلاط حجرة الحمامات الأبيض، والمراحيض، وحجرة الاستحمام المشتركة حتى تتلألأ. وكان ينتظر أن ينهض كل واحد بنصيبه الكامل في العمل، من دون أي استثناء.

على غرار سلاح الجو نفسه، كان كل نشاط في كرانول يقاس في سباق مع الزمن، وذلك جزء من برنامج صارم يملأ كل ثانية من وقت التلميذ الضابط الشاب على امتداد ثلاثة أشهر كاملة. كان حضوره مطلوبا في ساحة العرض لأداء التمارين، ثم في قاعة الرياضة للتدريب البدني القاسي، أو الجري في حقول لينكولنشير المحروثة، وهو تمرين يعود فيه المشاركون منهمكين ومبللين بالعرق وملطخين بالأوحال.

وكانت الدراسة في ويتيل هول تشمل الشئون الراهنة، ودراسات استراتيجية، والمقرر بكامله في مادتي الرياضيات والعلوم، واللغة الانجليزية، وكانت الدروس الأكاديمية بمثابة فترة استراحة مستحبة من نظام التمرين البدني المرهق.

كان الغرض من التشديد الأولى على التمرين، والسير جيئة وذهابا على الساحة نفسها المغطاة بالحصى، بالإضافة إلى أعمال التفتيش الدقيق على الملابس والكوخ، غرس روح الانضباط واحترام الأوامر العسكرية بلا تردد.

وكان أيضا محاولة لدفع التلاميذ الضباط إلى بذل أقصى ما لديهم من قدرات بدنية وذهنية، وفي الوقت نفسه إشاعة شكل من أشكال التماسك بين المجموعة المتباينة من الأعضاء الجدد، والمختارة من جميع أرجاء العالم الاستعماري السابق: سنغافورة ، وروديسيا، وجنوب إفريقيا، ومالطا، وكينيا، وسيلان.، ومن كل الجزر البريطانية.

أضف إلى ذلك عددا قليلا متفرقا من الطلبة العسكريين الأجانب، فتصبح الحصيلة جلبة من الأصوات أشبه بالضوضاء في مستشفى للمجانين، بالنسبة إلى الشاب السعودي الذي بدأ منذ قليل فقط يتعلم "اللغة الانجليزية الفصحى".

عندما سئل جون وترفول، وهو تلميذ ضابط زميل، كيف تعامل بندر مع الانتقال إلى الحياة العسكرية، أجاب: " كان عليه القيام ببعض التكيف، وهو أمر فعلناه جميعا. فذلك جزء من تقاليد كرانول، جمع كل هؤلاء الأشخاص من خلفيات مختلفة والقسوة عليهم".

وعن الأيام الباكرة قال مارتن شوري، وهو زميل آخر في السرب d الدفعة 96:

" ما لم أدركه هو مقدار الصدمة الثقافية التي كابدها الأمير بندر عند وصوله إلى كرانول. وقول ذلك يتطلب أن تعرف حال المملكة العربية السعودية في سنة 1966 - كانت السيارات قليلة جدا فيها - حيث لا تزال مجتمعا بسيطا قياسا بالمملكة المتحدة. لم يكن الأمر سهلا علينا في كرانول، ولا شك في أنه كان أصعب على الأمير بندر من أي شخص آخر".

في الأسابيع الأولى من التدريب، بعد الوصول، كان الرقيب آدامز يعنف الطلاب الشبان بمجموعة من التعبير السوقية التي تتفاوت حدتها، لوضع هؤلاء الشبان غير المتمرسين تحت الضغط وضمان سيطرته على الانضباط. ومع ذلك، كان بندر يكن لمدربه مودة عارمة على الرغم من تجاوزاته المتكررة. ضحك الرقيب آدامز حين تذكر: " كما تعلم، كان بندر شقيا إلى حد ما في إحدى المراحل" .

فقد اعتاد الطلاب السعوديون في الدفعات الأعلى على دعوة بدر إلى مشاركتهم في الطعام في لينكولن، وذلك أمر ممنوع تماما على الطلاب في أسابيع التدريب الأولى. وكان بندر يختفي ببساطة ويدع رفاقه يغطون غيابه. لكن سرعان ما نمى إلى آدامز أنه على الرغم من أن الجميع يلازمون ثكنتهم في تلك الأسابيع الأولى من التدريب، فإن بندر ينسل لتناول وجبات الطعام مع أقرانه السعوديين.

وعلم آدامز لاحقا أن الشاب بندر قال بسذاجة لزملائه الطلاب: " لا شأن لي بهذا العمل المنزلي، يمكنكم أن تفعلوا ما تريدون، أما أنا فإنني هنا لأطير فقط". ويقول آدامز : " كان الشبان الآخرون يقومون بعمله فضلا عم عملهم، ولا يقولون شيئا كي يحموه".

ويتابع موحا: " بعد أن علمت بالأمر، دخلت كوخ بندر مساء أحد الأيام". وعندما سأل آدامز أين هو، ساد صمت مطبق، لا جواب. فأمر أن يمثل بندر أمامه في الصباح كي يؤدي واجبات إضافية، واجبات جعلت بندر يقوم بتنظيف المراحيض لعدة أسابيع.

يتابع آدامز: " كان يتمتع بقدر عال من روح الدعابة. ل أنسى أبدا أنني كنت أؤنبه على أي شئ وكان لا ينفك يضحك". وبعد خلاف الرقيب مع الأمير بشأن الواجبات المنزلية، استعان بزميل جدي للغاية هو الأمير مقرن.

شرح آدامز لمقرن المشكلة مع بندر والتأثير السلبي في الطلاب العسكريين السعوديين الآخرين.فأوضح ذلك الزميل السعودي للأمير الشاب كيف يجب أن يتصرف تماما. وهكذا جاء التحول، كما يقول آدامز، ملحوظا وحدث بين ليلة وضحاها تقريبا. أصبح بندر الطالب العسكري المثالي.

ويقول آدامز:

" كما تعرف، أصبح أداؤه ممتازا بعد ذلك، وكان دائما ذكيا وأنيقا جدا، وكان فوق ذلك وسيما. اعتدت أن أقول له: بمحياك ومالك، يمكنك أن تشق طريقك إلى النجاح. بل عندما بلغ بندر فصله الدراسي الأخير، اختير ضابط صف من حملة أعلام الكلية، وتلك مرتبة مرموقة بالنسبة غلى الطلاب المختارين للدفاع عن علم الملكة في كلية سلاح الجو الملكي في كرانول، مرتبة تتطلب أرقى مستويات الهندام الشخصي والتدرب على المشية العسكرية. "

قبل أن يلتحق بندر بكرانول كمرشح ضابط، أمضى بعض الوقت في تحسين لغته الإنجليزية المحكية، وابنتها سارة في منزلهما في ميدستون بمقاطعة كنت. وتابع بندر تدربه على اللغة الإنجليزية في أبورد التابعة لسلاح الجو الملكي قبل الانضمام إلى أترابه في كرانول، حيث ابتاع له أبوه سيارته الأولى "مرسيدس" بيضاء. وكانت تلك بداية حبه الطويل للسيارات. لكن بد أسابيع قليلة، هوى بها في حفرة.

في تلك الأيام، لم يكن يسمح للضباط الشبان بلقاء زميلاتهم من الضباط في قاعة الطعام. يتذكر بندر: " في أحد الأيام، استرعت شابة جميلة حقا انتباهي فرغبت في الخروج معها". لذا أخذها الأمير إلى نادي الضباط الأمريكيين في ألكونبوري التابع لسلاح الجو الملكي، وهو مكان أكثر استرخاء من قاعة طعام الضباط في أبورد. لكن، في أثناء العودة بالسيارة على طرق كامبريدجشير الضيقة، أوقف بندر المحرك عن العمل، من دون قصد ما أدى إلى إقفال مقود السيارة على الفور.

وقد صادفا منعطفا بسرعة كبيرة فاعتلت السيارة الركام الجانبي وانقلبت. استطاع بندر الخروج من السيارة بعناء، لكنه أدرك فجأة أن رفيقته لم تتحرك. نظر من الباب المفتوح - كانت السيارة لا تزال مستقرة على سقفها - فرأى الفتاة معلقة بمقعدها راسا على عقب. ودونما تفكير فك حزام مقعدها فسقطت على رأسها مباشرة. وكما لاحظ ضاحكا في ما بعد: " لم تصب بأذى إلى أن أنقذتها".

بعد تحطم "المرسيدس"، اختار بندر سيارة أخرى، كانت هذه المرة من طراز "استون مارتن". وكما يذكر الرقيب آدمز كان الأمير بندر يستخدم هذه السيارة للانتقال إلى لندن في عطلات نهاية الأسبوع، وغذا ضبطه رجل شرطة في أثناء مخالفة ما يبرز له إجازة سوق سعودية ويدعي التمتع بحصانة دبلوماسيه ويضيف آدامز: " كان لديه أيضا جارور مخصص لمحاضر المخالفات في لندن، التي لم يسددها قط، ومجموعة لوحت خاصة بالسلك الدبلوماسي اعتاد وضعها على السيارة في عطلات نهاية الأسبوع".

يروي زميله الطالب جون وترفول:

" أذكر يوم كنت وروبي (هنتر) عائدين معه من لندن في سيارته أستون مارتن. توقفنا قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل لملء السيارة بالوقود وكانت خلفنا مباشرة سيارة للشرطة".

ويتابع جون مهللا:

" لم يوقفنا رجلا الشرطة بسبب سرعة أو اي سبب آخر، كانت فقط معجبين بالسيارة".

يذكر بندر أنه سأل أحد رجلي الشرطة: " هل تود أن تقود سيارتي؟".

أجاب الشرطي "أجل، بالتأكيد".

وهكذا ركب سيارة الأمير وابتعد بها. لذا توجه بندر إلى زميل الشرطي وقال: "أنظر ، زميلك أخذ سيارتي، هل لي أن أقود سيارتك؟".

وتأكيدا لهذه القصة، روى بندر كيف انتهى به الأمر إلى ملاحقة سيارته بسيارة للشرطة، وفي المقعد الخلفي كل من روبي هنتر، وجون وترفول. وبعد عدة أميال، أدركوا سيارته والشرطي المزهو. انتهى الأمر عند هذا الحد، وتابعوا طريقهم عائدين إلى كرانول.

على الرغم من تمكنه من الهرب من كرانول في عطلات نهاية الأسبوع، فإن الإجازات كانت أكثر تعقيدا. لكن كانت هناك مجموعة من التلامذة الضباط الذين يعرفون "بالأيتام" لأن أهلهم يعيشون في الخارج. وعلى غرار بندر، لا يستطيعون مغادرة كرانول لزيارة عائلاتهم. وقد مكنت صداقة حميمة مع أحد هؤلاء الأيتام بندر من الذهاب إلى مالطا مع صديقه روب ديكون إليوت، الذي كان أبوه، الفريق الجوي، قائد وحدة جوية هناك. ويقول بندر عن ذلك: " هكذا انضممت إليهم في مالطا، حيث أقمنا في فندق هيلتون".

عندما تحدثت مع السيدة غريس ديكون إليوت عن رحلة الأمير إلى مالطا، قالت: " التقيت بن أول مرة، عندما قدم روبرت من كرانول في وقت ما سنة 1967، ووصل مع هذا الفتى الصغير بن" . وتابعت قائلة: " أخذناه بزورق زوجي البخاري- كان زوجي آنذاك قائد وحدة جوية- إلى وسط خليج آيلند مباشرة. كان الأولاد معتادين على الغوص هناك لأنهم سباحون ماهرون، فيسبحون حتى الصخور التي تبعد مسافة طويلة. لم أكن أعتقد أن بن يحسن السباحة، لكن الأولاد قفزوا جميعا وبدءوا يسبحون. فما كان من بن إلا أن قفز إلى الماء وأخذ يحرك يديه كيفما اتفق حتى وصل إليهم. حين رأيت ذلك، طلبت من الطاقم مراقبته عن كثب". وأضافت أن وجود بنات القائد ربما منع بندر من الاعتراف أنه لا يحسن السباحة.

حرص روب ديكون إليوت على تمتين العلاقة الحميمة التي نمت بين بندر ووالديه خلال وجوده في كرانول. " لم يكن بندر يحترم أبي، الفريق الجودي ديكون إليوت، فحسب، بل يكن احتراما لأمي أيضا، فقد كانت شخصا مهما في حياته، بمعنى أنهما كانا بمثابة والدين إنجليزيين له". وقد أكدت السيدة ديكون إليوت هذا الأمر، قائلة " درج على مناداتنا بأبي وأمي، وأعتقد أنه أحس بالطمأنينة معنا وانسجن مع نمط حياتنا العائلية. لقد اعتبرته دائما فتى في مقتبل مدارج الحياة. كان الأمر كما لو أننا عائلة واحدة، وقد أحببت الأمر وكذلك زوجي".

بعد مرور ثلاثين عاما، وفي التفاتة رائعة، قدم بندر من دون إعلان مسبق ليقدم العزاء إلى العائلة عقب وفاة الفريق الجوي ديكون إليوت في 5 يونيو 1997. وعن ذلك يقول روب ديكون إليوت: " قدم في رحلة خاصة من واشنطن يوم الجنازة لتقديم واجب العزاء شخصيا. ثم قفل عائدا إلى واشنطن". لم يكن الأمير الذي قطع مسافة طويلة بالطائرة ثم بالطوافة ثم بالسيارة، يريد إقحام نفس في مناسبة عائلية خاصة، لكنه عبر عن تقديره لصديق بطريقة فريدة تدل على طبيعة الرجل ووفائه لأصدقائه.

عندما أنهى بندر تدريبه العسكري السياسي في كرانول، ركزت الكلية على تدريب هذا الشاب كضابط، لتطوير شخصيته، وشخصية أترابه، بمزيج من الصحبة بين الرفاق، والانضباط ، والعلوم الأكاديمية، والحرفة الميدانية، والرياضة ، وأخيرا الطيران.

شارك جميع الطلبة العسكريين في كرانول بتمرين في ألمانيا اشتمل على التدريب الميداني، والتجذيف ، وتسلق الصخور، والهبوط على حبال ثابتة، والهرب والمراوغة، كان ذلك يعرف "بتمرين كينغ روك". وقد شارك بندر في هذا التمرين سنة 1968 وخضع لأساليب اللياقة والتحمل والتدريب الميداني التي كان جميع الطلبة العسكريين ملزمين بتلقيها.

ولم يكن يسمح للطلبة طوال التمرين المضني بحمل ما يكفي من الطعام. لذا كان الجوع الأمر اليومي. وكان التجذيف مرهقا على نحو خاص، إذ اشتمل على مهارات التجذيف في المياه السريعة المزبدة على امتداد مجرى مائي طوله 12 ميلا، واختبارات التحمل عند سدي إيدر وموهنه الشهيرين منذ تعرضهما للقصف الجوي، إلى جانب تقنيات قلب القوارب.

بلغ هذا التمرين ذروته في تمرين الهرب والمراوغة على مدى ثلاثة أيام، حيث يترك الطلبة في مجموعات صغيرة في "أرض معادية" تحاكي وضع الطيار الذي تسقط طائرته. زودت الفرق المكونة من ثلاثة أفراد بخرائط أساسية ورزم أطعمة تكفي أربعا وعشرين ساعة فقط، وأعطيت تعليمات بالتقدم غلى نقطة لقاء في وقت معين، متحاشية الوقوع في أسر وحدات من الجيش مكلفة بمهمة القبض على أفراد تلك الفرق. وقد قاد بندر فريقه.

ولما كان قد عزم على خوض اللعبة بقواعد خاصة به، أخفى ورقة مالية من فئة المائة مارك ألماني داخل قبعته. يتذكر الأمير ذلك: " كادت محاولتنا العثور على ذلك الموقع تفشل نتيجة اصطدامي بسياج كهربائي وإصابتي بصدمة كهربائية. وفيما كنت أتخبط في الحقل في الظلام، تهت وآل بي الأمر إلى تلوث وجهي بروث البقر". وفي حالة قصوى من الضيق، قال لزملائه: " لقد نلت ما يكفي، ولست على استعداد للسير أربعين كيلو مترا لأعود إلى المعسكر. إنه في نهاية الأمر تمرين للهرب والمراوغة وعلينا أن نستخدم عقولنا".

قاد بنا مجموعته إلى أقرب طريق سريع واستقلوا سيارة للعودة إلى نقطة اللقاء. ثم وجدوا مطعما ألمانيا، فالتهموا بسرعة وجبة كبيرة من الدجاج المشوي وسلطة البطاطا. وأدرك أفراد الفريق، بعد أن ملأوا بطونهم، أن من المبكر الوصول إلى نقطة اللقاء، لذا ساروا حتى مسافة ميل منها ثم استقلوا متلفعين بمعاطفهم إلى أن مضى ما يكفي من الوقت ليبدو أنهم أتموا رحلتهم مشيا. حضروا إلى المكان في الوقت المحدد وتلقوا التهنئة على إنجازهم.

ولم يغب عن ذاكرة بندر، بعد مرور أعوام، أن روب ديكون إليوت- الذي يصفه بندر أنه ضميره- لم يغفر له قط لجوءه إلى الغش. ومضى باقي التمرين من دون أي حادث وتمكن من تفادي الوقوع في السر. وجاء في تقرير قائد السرب: " ثمة دليل على الشجاعة والجلد والمهارة في القيادة".

اختار بندر كتلميذ ضابط لعبة كرة القدم هواية رياضية مفضلة لديه، بعد أن اكتسب مهارات في هذه اللعبة من أيام الدراسة في الرياض. لكن، في السنة الأولى من وجوده في كرانول، بهرته رياضة المبارزة بالسيوف، ومع مرور الوقت، شغف بها وأصبح مبارزا متمكنا بقدر معقول.

ومع تطور مهاراته، اختير عضوا في فريق كرانول للمبارزة، وسافر مع هذا الفريق إلى الأكاديمية الجوية الفرنسية في سالون إن بروفنس، المعروفة باسم "المدرسة الجوية". وكنت أنا أيضا في عداد ذلك الفريق، مبارزا بالشيش. وكان هذا الحدث السنوي مثار تنافس شديد دائما، حيث يتضمن رياضتي الركبي والمبارزة بالسيوف. وكان التنافس بين فريقي الركبي والمبارزة بالسيوف ضاريا، وتحقيق النصر مهما للغاية بالنسبة إلى شرف الكلية.

بعد رحلة طويلة من كرانول غلى سالون في طائرة عسكرية من طراز "بريتانيا"، أرشدت فرق كرانول إلى غرفها وطلب منها تبديل الملابس استعدادا لمأدبة العشاء. كانت الضيافة ممتازة، وحرص المضيفون على أن تفرط الفرق البريطانية في تناول الشراب قبل وجبة الطعام وخلالها وبعدها.

لكن سرعان ما دفع الإفراط في الشرب إلى التباري في الغناء، حيث يشرب الخاسرون كؤوسا ملأى بالشراب الأحمر. وقد فعل الشراب فعله في الطلبة العسكريين البريطانيين والفرنسيين على السواء. يتذكر بندر هذا التجمع الصاخب ويقول: " سألت أحد مضيفي إذا كان من فريق المبارزة بالسيوف أم من فريق الركبي".

أجاب الطالب الفرنسي أنه ليس من هذا الفريق ولا ذاك. عندها سأله بندر إذا كان باستطاعته أن يتلقى أيا من أفراد فريق المبارزة الفرنسيين. فدهش الأمير حين أبلغ بعدم وجود أحد من فريق المبارزة أو من فريق الركبي: كلهم في الفراش نيام. وفي صباح اليوم التالي، استيقظ معظم أفراد فريق كرانول في حالة سيئة، وكان كثير منهم لا يزالون يرتدون الملابس الكاملة التي ارتدوها في المساء الفائت.

يصف ويلسون (ويلس) ميتكاف، أحد أفراد فريق الركبي وطالب عسكري زميل في ذلك الوقت، كيف نهض الجميع باكرا، في صباح اليوم التالي للوصول إلى سالون وحفلة العشاء آنفة الذكر، بعد تلك الليلة العامرة ليشاهد رفع العلم الفرنسي وراية سلاح الجو الملكي، "كان الصداع يلف رؤوس الجميع". فاجأ فريق الركبي الجميع بالفوز في مباراته ضد فريق فرنسي أوفر نشاطا وحيوية، بعد منافسة حامية.

وفي ذلك الوقت، كان فريق المبارزة بالسيوف يحاول التعافي من تأثير الليلة السابقة قبل حلول موعد المباراة في فترة بعد الظهر. وقد استضعف طلبة كرانول بالفعل، وكان من المتوقع أن يتمكن الفريق الفرنسي المتفوق من سحق فريق سلاح الجو الملكي، بمساعدة تكتيكات التخريب غير العادلة التي اتبعت في الليلة السابقة.

لكن كم كانت دهشتنا عظيمة حين استطاع فريق كرانول الملهم أن يسجل نصرا مبينا بفضل الغضب من خديعة الليلة السابقة المنافية للمبادئ. ويذكر بندر أنه كان لا يزال غاضبا فهاجم خصومه ضاربا بسيفه ضحاياه الفرنسيين باندفاع. لم تكن البراعة الفرنسية لتجدي أمام حماسته الجنوبية، فكسب بندر المباراة.

توضح سجلات الكلية مقدار تصميم بندر على أن يصبح طيارا بارزا، وتركيزه التام على الطيران، وكانت الأنشطة الأخرى في كرانول، وبخاصة الأنشطة المتعلقة بالبيئة الأكاديمية، تصرف الانتباه عن ذلك الهدف الأساسي. مع ذلك، استطاع أن يكون طالبا مثاليا عندما انصرف بكليته لتحقيق هدفه. وهكذا كتب الرقيب آدامز في تقريره الخاص بالتدريب: " عندما يحاول، يكون أفضل العناصر في السرب. وفي بعض الأحيان يخلو أداؤه من الأخطاء. وفي وسعه أن يبلغ مراتب عالية إذا أدرك أنه ليس هنا للطيران فقط".

لكن رغبة بندر في الطيران، وقبل كل شئ، أن يصبح طيارا حربيا كانت تستحوذ عليه. فذلك هو الهدف الوحيد في حياته. وقد بشر بنوبغ من الناحية العملية. فكان بندر أول طيار في السرب يقود الطائرة بمفرده بعد تسع ساعات فقط من التدريب على الطيران، ولم يسبق له الطيران من قبل. لكن أداءه لم يكن منتظما في الأشهر الأولى. وكان مفرط الثقة بالنفس أيضا، وهي خاصية كادت تؤدي إلى كارثة في عدة مناسبات.

لذلك كان زميله الطيار جون وترفول صريحا - كما يجدر بالصديق أن يكون - عند التحدث عن كفاءة الأمير كطيار: " كان تعيسا في كرانول" وأكد روبي هنتر بداية الأمير الواهية في الجو عندما روى كيف دخل بندر ذات مرة مجال المطار الحربي في الاتجاه الخاطئ، وطار عكس حركة المرور الجوي السائدة، ملقيا الرعب في سائر زملائه الطلبة. كان ذلك أشبه بقيادة السيارة عكس السير على طريق سريع.

وكان التعليق الفعلي الذي وضعه مدربه طوني يول أقل وضوحا وأوحى بدبلوماسية أن سلطان يطير باستعداد نفسي وحماسة كانت لديه مشكلة مع مجال المطار، لكنه أحس التكيف معها تماما في نهاية المقرر التدريب.

وأسر الأمير لاحقا أن مدرب الطيران، طوني بول، كان يردد على مسامعه دائما أنه لن يصبح طيارا حربيا. واعترف بالقول: " كدت أستقيل، محدثا نفسي أنني إذا لم أتمكن من أن أصبح طيارا حربيا، فإنني لا أريد أن أكون طيارا".

لكن بد ثلاثة أعوام من رحيله عن كرانول، عثر بندر على مكان بول، وتذكر برضى جلي، أنه كن يقود طائرات صهريج من طراز vc-10 فأبلغه الأمير: " إنني أقود طائرات مقاتلة منذ أن تخرجت من كرانول. الآن عرفت لماذا قلت إنني لن أصبح طيارا حربيا، لم تكن تدري ماذا تريد".

كان مارشال الجو السير ريتشارد جونز قائد السرب 2 في كرانول سنة 1969، ومدرب الأمير على الطيران. قال لي:

" أذكر الأمير بندر بن سلطان جيدا. أولا، كان أميرا من العائلة المالكة السعودية والعربي الوحيد في دورته. كان باسم المحيا دائما، لا أذكر أنني رايته يوما في السرب لا يحوم فيه هنا وهناك والابتسامة الجميلة على محياه... لقد اندمج في كل شئ بحماسة كاملة. هذا ما أذكره حقا عنه، روح الدعابة والحماسة".

لاحظ جونز متذكرا أداء الأمير خلال فترة التدريب على الطيران:

" لا أذكر أن أي شكوك أثيرت حول قدرة بندر بن سلطان على إتمام تلك المرحلة من تدربه على الطيران، أو حول مقدرته على العموم. كان يعتبر "شخصا طيبا"، لكنه أيضا الشخص الذي انتقل إلى المملكة المتحدة بارتياح على الرغم من مصاعب اللغة التي واجهها في البداية". وأكد جونز أنه: " قبل التحديات وارتقى إلى مستوى كل منها. وكان من الواضح تماما أنه سيخرج حاملا شارة الطيار".

غير ان ثمة حادثة كادت تقضى على مهنته وحياته. وقد روى جونز ما حدث:

" كل من يمارس مهنة الطيران مدة طويلة نوعا ما مر بلحظات قال فيها: يا الله كنت قاب قوسين أو أدنى من الموت. أذكر حادثة من هذا النوع مع بندر بن سلطان. كنا عائدين إلى القاعدة وكنا نقوم بانحدارات مسيطر عليها عبر السحب، لذا لم يكن لدينا من خيار سوى الهبوط خلال السحب، وكان علينا في أثناء ذلك الانعطاف للعودة إلى المطار. كنت أحاول الطيران بأقصى أشكال الملاحة سلاسة، وبدأت الانعطاف للعودة لكنني نظرت فرايت أن بندر على ميمنتي قد أخذ ينزلق مجددا".

أوضح جونز محالا هذه المناورة:

" إنها ليست غير مألوفة، إنها صعبة، وبخاصة عندما تتعلم المحافظة على التشكيل في السحاب، لأنك تبدأ بفقدان الإحساس بالاتجاه. كان يجب على بندر في تلك الظروف أن يسوي جناحي الطائرة ويطير بعيدا، لكنه لم يفعل ذلك.
بل حاول العودة إلى التشكيل، وفي أثناء ذلك أمال طائرته باتجاهي. لست متأكدا تماما ماذا حدث بعد ذلك، لكنني أذكر أنني فكرت، تبا، هذه هي نهايتي. لا شك أنني دفعت ذراع القيادة بقوة لأبتعد عن طريقه. وأظن أن مدربه تولى القيادة عندئذ وافترقنا في السحاب".

وراح جونز ، والانزعاج باد عليه، يصف كيف عادت الطائرة إلى كرانول، حيث ناقش المدربون والطيارون ما حدث بالضبط. لم يكن بندر الجذلان يدري أنه كاد يصطدم بعدة طائرات من طراز " جت بروفوست"، بما فيها الطائرة التي كان يقودها صديقه روب ديكون إليوت، وكان بالتأكيد سيقضي على السير ريتشارد، قائد سلاح الجو الملكي لاحقا، وكذلك على زملائه في الدفعة96. لم يفصله عن الكارثة سوى إنشات معدودة. ويقول جونز إن "الأمر اللافت أن ما حدث لم يؤثر فيه، لو فعل ذلك غيره لربما توجه إلى حجرته . لكن ليس هو بالتأكيد، فقد تابع وكأن شيئا لم يكن".

على الرغم من تقلب سجل الأمير بندر في الطيران بعض الشئ في كرانول ، فإنه تعلم الطيران بالفعل ، فقد نال شارة الطيار وتخرج بنجاح. وجاء في التقرير الخاص به: " كان تدريبه مرضيا على العموم، وفي أثناء التدريب على القيادة في الميدان، كان مهيأ لتأكيد ذاته وإظهار قدر كبير من الشجاعة والجلد".

وفي تقرير تقليده رتبة ضابط في 21 يوليو 1969، وفي التدرب المهم جدا كطيار، قيل عن الأمير:

" إن سلطان طيار عازم وكفء ويمكنه تحقيق نتائج طيبة جدا عندما تدعو الحاجة. حركاته البهلوانية الجوية مفعمة بالحيوية لكنها تفتقر إلى البراعة. وهو يميل غلى ا لإفراط في الثقة بالنفس حين تكون الأمور علة ما يرام. وببذل قليل من الجهد الإضافي، سيصبح سلطان طيارا جيدا جدا ذا قدرات فوق المتوسط وقائد طائرة متمرسا".

شهد بندر حادثة كان لها وقع دائم في نفسه، وهي حادثة رواها خلال لم شمل الدفعة 96 وأثرت في موقفه في حياته اللاحقة. ففي مساء أحد الأيام في قاعدة ألكونبوري الجوية، التقى بندر صديقا أمريكيا عرفه لاحقا بطيار آخر وبزوجته، يروي الأمير: كان لا يزال يرتدي ملابس الطيران، بعد عودته للتو من طيران ليلي. قلن في نفسي لابد أنه طيار أمريكي، لكنني لاحظت خلو بذلته مما يدل على اسمه أو رتبته، الأمر الذي أثار استغرابي قليلا: وعندما اكتشف أن زوجة الضابط من كاليفورنيا، تعزز افتراضه بأن زوجها ضابط أمريكي. سارت الأمور في ذلك المساء على ما يرام واستمتع الأمير بها.

في وقت لاحق من ذلك المساء سأل بندر الطيار: " هل أنت من كاليفورنيا أيضا؟" أجاب الطيار: " لا، أنا من إسرائيل". ويبدو أن الطيار اعتقد أن الأمير إنجليزي فسأله: " من أين أنت؟" وما إن أجابه: " أنا من المملكة العربية السعودية" حتى تبدل الجو فجأة، واكتنفه برود شديد فيما أخذ كل منهما ينظر إلى الآخر بصمت مطبق. ويقول بندر: " أحسست فجأة بالكره تجاه هذا الرجل، الذ كنت معجبا جدا به من قبل".

عندما فكر بندر في الموقف، أخذ يدرك وقع تلك اللحظة، حيث حدث تبدل في الظروف أو التصورات، عند معرفة أن أحدهما إسرائيلي والآخر عربي. ويقول الأمير:" منحني ذلك، على مر الزمن، الأمل أننا سنكسر الصورة النمطية إذا ما عرف أحدنا الآخر بشكل أفضل". ويتابع الأمير أنه نتيجة معرفة كل منهما هوية الآخر: " وافق الضابط الإسرائيلي على أن نتصافح وننسى أننا التقينا يوما"

وفي تلك الأمسية عرف بندر من دون قصد بعملية عسكرية سرية تجري في قاعدة جوية أمريكية في انجلترا. ففي ذلك الوقت لم تكن إسرائيل قادرة على شراء معدات عسكرية من الولايات المتحدة، لأن الحكومة الأمريكية فرت حظرا على جميع المبيعات العسكرية المتوجهة إلى الشرق الأوسط بعد حرب الأيام الستة في سنة 1967. بيد أن الإدارة الأمريكية وافقت سرا على بيع إسرائيل طائرات "فانتوم 4- f"، وقرر الرئيس جونسون إبقاء الأمر طي الكتمان.

وهكذا اتفق على ألا يجري التدريب في الولايات المتحدة وإنما في قاعدة ألكونبوري الجوية الملكية، وهي قاعدة لسلاح الجو الأمريكي في المملكة المتحدة. ومن المفارقة أن يكشف بندر، مرشح الضابط الشاب الغر، بمحض المصادفة في ذلك المساء، سرا مكنونا وخطيرا. عند اقتراب نهاية الأشهر الثلاثين من التدريب في كرانول، ومنهم بندر، كانت هناك أيضا شارة الطيار الموعودة التي تحظى بتقدير عظيم.

لكن بالنسبة إلى التلامذة الضباط، ثمة عقبة أخيرة هي العرض العسكري في حفلة التخرج. وفي هذا الصدد يذكر الرقيب آدامز تمرن الطلاب على تأدية حركات بهلوانية مختلفة خلال تجربة الأداء النهائية لذلك العرض في صباح يوم سبت. وقد جرى التقليد على أن يأتي الطلاب بأعمال متنوعة غير مدرجة على الجدول خلال تجربة الأداء، وقد وصل أفراد الدفعة 96 في حافلة ركاب ذات طبقتين، قبل انتظامهم في مواقعهم في ساحة العرض. وكما يروي الرقيب آدامز، كان الجو حافلا "بالمرح والحيوية، ولم يحدث أي أذي

ويذكر بندر نبذة أخرى من المرح البرئ الذي استمتع به فريق حملة الأعلام أو ، كما يسميه، الفريق الملون الذي كان ضابط الصف فيه. وكان صديقه الحميم، ديك كالدر، حامل العلم. ففي منتصف الليلة السابقة، أحضروا بعض ألألواح الخشب ووضعوها على درج مبنى الكلية، ثم دفعوا بسيارة رياضية مكشوفة قديمة من طراز أم جي mg صعودا على الدرج ومن ثم إلى داخل مبنى الكلية، ثم أزالوا الألواح.

في صبيحة اليوم التالي، استدعيت الكلية كلها إلى العرض العسكري. وفجأة، أعيدت ألواح الخشب إلى موضعها على درج مبنى الكلية. وعلى صيحة قائد العرض "ليتقدم الفريق الملون"، خرج الفريق - الذي طلي أفراده الإنجليز وجوههم باللون الأسود (طلي بندر وجهه باللون الأبيض) .

وكم كانت الدهشة كبيرة عندما خرج فريق الأعلام من مبنى الكلية راكبين سيارة أم جي، بدلا من الخروج من جانب ساحة العرض الأيسر كما جرت العادة، حتى وصلوا إلى موقعهم المعتاد، حيث ترجلوا من السيارة ، التي أبعدت على الفور.

بعد ذلك بأسبوع، اي في 2 أغسطس 1969، تخرج بندر من كلية كرانول التابعة لسلاح الجو الملكي وشهدت المرحلة التالية من حياة الأمير مزيدا من اندماج الشاب، الذي أصبح أكثر نضجا الآن، في الثقافات الغربية. وكطيار في سلاح الجو السعودي، التحق بدورات تدريبية شاملة، لتحويل مهاراته في الطيران، وكانت لا تزال في بداياتها، إلى مهارات طيار حربي محنك.

الفصل الثاني :الأمير طيار حربي

" لا تفرطوا في التحكم ، كطيارين مبتدئين. وابتعدوا عن قيود الاتجاه السائد بالقدر الكافي الذي يمكنكم من رصده وتعديله وتحسينه".

دونالد رامسفيلد

وزير الدفاع الأمريكيي.

قال السير ريتشارد جونز، مدرب بندر على الطيران في كرانول، عن طيران بندر:

" من الواضح تماما أنه تلقى في كرانول التدريب ليصبح طيارا حربيا، ولن يكون سوى طيار حربي إذا ما شاء الانضمام إلى سلاح الجو السعودي، وهذا ما فعله بالضبط. أصبح طيارا لطائرة لايتننغ... وكانت تلك المجموعة من الطيارين نخبة سلاح الجو آنذاك. كانوا مجموعة متميزة جدا من الأشخاص وتمكنوا جميعا من تحقيق منجزات استثنائية".

بعدما تخرج بندر في كرانول سنة 1969، عاد إلى المملكة العربية السعودية كضابط برتبة ملازم ثان، والتحق بقاعدة الظهران الجوية التابعى لسلاح الجو الملكي السعودي. وهناك قاد طائرة تدريب "t-33 ، تي بيرد"، لتطوير قدرته على الطيران. لكنه كضابط شاب غض كان يتوقع منه أيضا أن ينمي مهاراته كضابط وقائد للرجال، لذا عين قائدا السرية من خمسين تلميذا في معهد التدريب الفني التابع لسلاح الجو الملكي السعودي.

وقد لاحظ مدرب طيران من سلاح الجو الأمريكي المقدم كيث فيلبس، وكان حينئذ يدرب الطيارين السعوديين كجزء من برنامج "صقر السلاط" التدريبي السعودي - الأمريكي: " كان يتمتع بجاذبية وروح قيادية بارزتين فوق العادة وكان الفتية في رفه متقدمين أشواطا على غيرهم، بل لم تكن هناك منافسة أصلا". لم يكن بندر، خلافا لأبناء جيله، يصر على مناداته بلقب أمير عندما كن يعمل في سلاح الجو الملكي السعودي.

ويقول أحد الطيارين الذين كان يدربهم: " كان يدعى الكابتن بندر فقط. ولم يحمل لقبه إلى أن أصبح سفيرا. كنا ندعوه الكابتن بندر أو الرائد بندر، مندون زيادة أو نقصان".

في أوائل سنة 1970، بعد أن استقر بندر في سلاح الجو الملكي السعودي، أرسل إلى قاعدة لاكلاند الجوية في تكساس، حيث تلقى تدريبا عاليا على اللغة الإنجليزية، وكان ذلك شرطا مسبقا للتدرب المتقدم على الطيران. وبعد لاكلاند، أرسل بندر إلى قاعدة ميرتل بيتش الجوية في كارولينا الجنوبية، حيث كان يقود طائرة 33- at كمدخل إلى التدرب على الطائرات المقاتلة، قبل الانتقال إلى قاعدة بيرن الجوية في تكساس لإتمام التدريب على الدفاع الجوي بطائرة 102-f .

ثم انتقل إلى قاعدة وليامز الجوية في أريزونا لبدء التدرب على المقاتلات التكتيكية بطائرة b/a5- f التي بدأ إدخالها إلى سلاح الجو الملكي السعودي ذي ذلك الوقت. وكان هذا التدريب جزءا من برنامج تحديث "صقر السلام" peace hawk ، وهو برنامج تدعمه أمريكا وبريطانيا، ومعد لتعزيز القدرات العسكرية السعودية، بغية تمكين المملكة من مواجهة التهديد المتزايد من دول على حدودها مدعومة من السوفييت.

وقد لاحظ العقيد في سلاح الجو الأمريكي بوب ليلاك، رئيس برنامج اختبار 5-f في "صقر السلام" ومدرب على قيادة طائرة5- f أن "برنامج 5- f هو الذي زرع البذرة التي أتت أكلها في العلاقة بين الجيشين السعودي والأمريكي". وقد أثبتت تلك الرابطة بالذات أنها ميزة حيوية في الأعوام التالية عندما انفجر الصراع في الخليج. يعترف بندر أنه تعلم درسه الأول في التواضع يوم وصوله إلى لاكلاند لبدء التدريب.

يقول متذكرا: " كنت طيارا حربيا مزهوا بنفسه... برتبة ملازم ثان. وكان يومي الأول في أمريكا في سان أنطونيو، تكساس، وقررت الاتصال بالديار هاتفيا. في تلك الأيام لم يكن الاتصال المباشر متيسرا، فاتصلت بعاملة الهاتف. قلت : أود إجراء مكالمة معا لمملكة العربية السعودية".

أحالت عاملة الهاتف بندر إلى عاملة الهاتف الدولي، فقال مرة أخرى : " أود إجراء مكالمة مع المملكة العربية السعودية".

سألته عاملة الهاتف:" أين تقع؟" .

أجبت : " في الشرق الأوسط".

" أين ؟ وسط الشرق؟".

"لا " قال بندر:" الشرق الأوسط" .

"ماذا؟". "اسمعي يا سيدة"، قال بندر ثم سألها:" هل تعرفين أين إسرائيل؟".

أجابت ،"نعم". "حسنا، إلى الجنوب قليلا من هناك".

في قاعدة لاكلاند الجوية التقى العقيد جو رامسي ببندر أول مرة وأصبح رامسي، الذي كان آنذاك قائد تدريب، شخصية مهمة في حياة بندر وصديقا دائما له. وقد أوضح قائلا:

" عندما وصل الأمير بندر غلى لاكلاند، انضم إلى طلاب أجانب آخرين سيتم تقييم مقدار إتقانهم للغة الإنجليزية... وكان جميع الطلاب الأجانب تقريبا يلتحقون بمدرسة اللغة، حتى لو كانوا ناطقين باللغة الإنجليزية، وذلك كي يألفوا المصطلحات الأمريكية".

يذكر العقيد رامسي أن بندر كان بحاجة إلى مصرف، فقدمه إلى مدير المصرف الذي يتعامل معه هو، وكان على مقربة من القاعدة ، فقام الأمير على الفور بإيداع 5000 دولار عدا ونقدا. ويقول العقيد: "أحدث ذلك انطباعا حسنا عند رئيس المصرف فعرض عليه خدماته. لكن بعد يومين فقط، تلقين مكالمة من مدير المصرف يقول فيها إن حسابه مكشوف. أبلغني، كانت هناك وديعة بقيمة 5000 دولار، لكنني تلقين شيكات تصل قيمتها إلى 6000 دولار".

لذا، اتصلت ببندر مستفسرا فقال لي لا عليك". وتابع العقيد:

" في اليوم التالي أتيى رجل من السفارة وتوجه بندر إلى المصرف وأودع 10,000 دولار. لذا اتصل بي مدير المصرف وقال إن الأمر كله عبارة عن سوء تفاهم. وبعد يومين اتصل بي مجددا ليقول لي إن حسابي انكشف أيضا، لا يمكننا التعامل مع هؤلاء الناس". اتصل العقيد ببندر مرة أخر، وقال الأمير: " لا تقلق". وختم العقيد: " في اليوم التالي أى رجل من السفارة في واشنطن ومعه حقيبة مليئة بالمال، ففتحها وقال لمدير المصرف، كم تحتاج لإبعاده عن المتاعب؟".

خالف بندر القانون في أثناء وجوده في تكساس عندما كان عائدا من دالاس إلى قاعدة بيرن الجوية يروي الأمير القصة:

" تأخرت في العودة ولم يكن ثمة أحد على الطريق السريع، وقلت لنفسي: من سينتبه للأمر؟ فتوقفت جانبا. تقدم الشرطي المسن اللطيف وطلب مني الخروج من السيارة. أخبرني أنني كنت مسرعا فاعتذرت إليه، لكنني أبلغته أنني لا أتقن التحدث بالانجليزية فأنا أجنبي. لم يكن يعلم أنني أمضيت أربعة أعوام في كلية في انجلترا وقد وجدت صعوبة في تصنع اللكنة، ولم يكن علي أن أبذل مجهودا من أجل ذلك، فلهجتي، البريطانية، كانت مصطنعة على اي حال". غير أن الشرطي طلب منه إجازة القيادة فناوله بندر الإجازة كما ينبغي.

قلد الأمير بطريقة فكاهية كيف قام الشرطي بتقليب الإجازة مرة بعد أخرى وتفحصها وعلى وجهه علامات التساؤل قبل ان يقول: " أريد إجازة القيادة يا بني". أجاب بندر: " هذه إجازة القيادة يا سيدي". وكرر الشرطي القول بهدوء: " قلت أعطني إجازة القيادة". قال بندر: " فكرت في أن أوضح له حقيقة الأوراق، فقلت، هذه هي إجازة القيادة الخاصة بي، وهي تسمى إجازة قيادة دولية".

وأضاف: تابعت الشرح وقلت، كما تعلم، هناك ذلك النادي الدولي وبإمكان رعايا البلد العضو في النادي قيادة سياراتهم في بلد آخر عضو في النادي نفسه. والولايات المتحدة عضو في هذا النادي. وتذكر بندر مبتسما: " أصغى إلي باهتمام وصبر شديدين، ثم نظر إلي وقال يا بني، دعني أقول لك شيئا، قد تكون الولايات المتحدة الأمريكية عضوا في النادي، لكن تكساس ليست عضوا فيه".

بعد أن أنهى بندر تدربه على الطيران في بيرن، انتقل على الفور إلى قاعدة وليامز الجوية لمتابعة دورة على قيادة طائرة f-5 ، التي ستكون العمود الفقري لسلاح الجو المكلي السعودي بموجب برنامج "صقر السلام" السعودي - الأمريكي. بدأ التدريب الإضافي يظهر في طيرانه، فقد تلقى جائزة توب غن top gun في سنة 1971 فائزا بالجوائز الثلاث التي تمنح في دورة التدريب على قيادة طائرة5- f الجائزة الأولى أكاديميا، والأولى جو- جو، والأولى أرض – أرض.

عندما عاد بندر من الولايات المتحدة إلى الظهران الجوية في المملكة العربية السعودية في أواخر سنة 1971، اكتشف والطيارون الآخرون المدربون على طائرة5- f أن سلاح الجو السعودي لن يتسلم طائرات " نورثروب أف- 5 لإي تايغر 2" أمريكية الصنع قبل ستة أشهر، وأن عليهم في هذه الأثناء قيادة الطائرات الاعتراضية النفاثة الأسرع من الصوت "لايتننغ" بريطانية الصنع.

أوضح بندر:

" بريطانيا جزيرة صغيرة جدا... لذا صممت هذه الطائرة لتطير على ارتفاع شاهق وبسرعة كبيرة، لكن لا يمكها التحليق مسافة طويلة من دون إعادة تزويدها بالوقود. لكن المملكة العربية السعودية تعتبر قارة مقارنة ببريطانيا، لذا كانت العمليات مخيبة للآمال، عليك أن تطير وتطلق الصواريخ وتتم العملية ثم تعود فورا للتزود بالوقود مجددا".

بينما كان بندر في الظهران، انتقل من طائرات "لايتننغ" ليصبح مسئول العمليات في وحدة التحويل العملاني لطائرات5 f- إلى جانب العقيد جو رامسي، الذي انتقل إلى المملكة العربية السعودية أيضا. وأكد رامسي ذلك بقوله: " كنت هناك عندما أدخلت طائرة5- f الخدمة، وتبين أن بندر هو الطيار الأول الذي يعمل معنا في مشروع5- fصقر السلام".

وأوضح المقدم في سلاح الجو الأمريكي كيث فيلبس، الذي خدم في المملكة كمستشار في طائرات 5- f:

" عندما أحضرنا طائرات5- fظهر بندر في محطة الوصول بعد أن تسلمنا الطائرات الست الأولى من طرازb5-f. وكان جعل هذه الطائرة مألوفة لدى سائر سلاح الجو السعودي جزءا من برنامجنا، ولذلك انتقلنا بها إلى جميع القواعد".

أوضح فيلبس ملاحظاته بالتفصيل قائلا:

" جمعنا فريقا مخففا جدا للحركات البهلوانية الجوية. كان لدينا رف من أربع طائرات وطائرة منفردة، كان كل ذلك أساسيا جدا. ولدينا طيارون مدربون في المقاعد الخلفية وكنت أقود الرف المكون من الطائرات الأربع".

يذكر فيلبس أنه كان يطير مع بندر لأول مرة: " قلت له، هذا ما يجب أن تعتاد عليه. كنا نطير على ارتفاع مائة قدم تقريبا، فقلبت الطائرة رأسا على عقب، وهذه حركة مربكة قليلا لمن لا يؤدها من قبل". يقول فيلبس: " إنه سريع التعلم، وقد أدى الحركة بصورة جيدة جدا، لكن كانت لديه رغبة في تجاوز سرعة الجاذبية الأرضية. يكفي القول إننا منعناه من ذلك".

بعد أن زود الطيارون الآخرون بالمعلومات، قدمت الطائرات الخمس عروضا جوية في أجواء عدة مطارات سعودية. وقال فيلبس: " في تبوك، قدمنا عرضا للملك فيصل في ذكرى القوات المسلحة، وكان الملك قد دعا الملك الأردني الحسين. وفيه طير بندر غترتيهما عن رأسيهما".

وقال موضحا:

" ضم عرض القوات المسلحة دبابات ومظليين وطارات، وجرى في ساحة مناورات صحراوية واسعة جنوبي تبوك. كانت هذه الساحة تستخدم لعرض المعدات العسكرية السعودية، لذا أقيمت منشأة ضخمة شبيهة بمدرج مسرحي، وذات مظلة كبيرة ربما بلغ طولها خمسين إلى سبعين قدما".

وتابع المقدم:

" تمرنا عدة أيام ودمجنا طائرات 5- f مع طائرات لايتننغ في تشكيلات مختلفة. وفي العرض الختامي، نظمنا الطائرات لتحلق في تشكيل على شكل حرف f، الحرف الأول من اسم الملك فيصل. كان العقيد بحيري يقود ذلك الشتكيل وكان يفترض أن يكون على ارتفاع ألف قدم محلقا من الجنوب إلى الشمال.
وكان على بندر أن يأتي من الشمال، في الاتجاه المعاكس، ويطير تحت الطائرات الأخرى. وكان العقيد بد الله يقود الرف الثاني من طائرات 5- f التي تبعها رف من طائرات لايتننغ".

ويذكر فيلبس:

" كان على كل رف الطيران في تشكيل ماسي الشكل. وقد نفذنا أربع جولات تقريبا، بينما كان بندر يحلق منفردا، وكانت مناوراته الأخيرة الطيران تحت التشكيلات المجمعة".

يتابع فيلبس:

" حلق التشكيل الأخير على ارتفاع ألف قدم بحيث يكون أمام بندر مجال كاف. لكن فيما كان التشكيل مقبلا أخذ ينخفض شيئا فشيئا، اتصلت ببحيري وقلت أيها القائد، انتبه لارتفاعك. كنت في المقعد الخلفي مع فهد بن عبد الله في الرف الثاني، وقلت في نفسي يا إلهي، إنه ينخفض كثيرا.
كان على بندر أن يطير تحته، لكنه تأخر قليلا وشغل الحراقين الخلفيين. وكان في وسعه رؤية التشكيل أمامه، لكن التشكيل استمر في الانخفاض، فاضطر بندر إلى الانخفاض بدوره ليتمكن من الطيران تحت التشكيل كما هو مقرر".

أعاد فيلبس رواية ما حدث قائلا:

" تمكن بندر من المرور تحت التشكيل، لكنه كان منخفضا جدا لدى مروره فوق المنصة. وقد أحدثت الدوامات الناجمة عن طائرته فوضى عارمة: تطاير السجاد الفخم، والأزهار، والكراسي، والملابس في أرجاء المكان، وطارت غترتا الملكين عن رأسيهما. وأنا أعنى ما أقول، لقد طارت غترتاهما في الحال لم أكن أعرف أن هذا ما حدث لكنني سمعت المراقب يقول، يا إلهي- كان هذا رائعا.
ثم سمعت بالإنجليزية، هنا الجنرال زهير، قائد سلاح الجو، أوقفوا العرض هنا الجنرال زهير، أوقفوا العرض. سألت نفسي ماذا حدث؟ لم يكن باستطاعتنا أن نعرف لأننا كنا في الجو وانتهى العرض على أي حال. وهكذا هبطنا جميعا واصطفت الطائرات وأفراد أطقمها. ثم أقبل الملك في سيارة جيب مكشوفة ومعه الملك حسين للاستعراض وأدى أفراد الأطقم كلهم التحية لهما عند مرورهما بهم".

تابع فيلبس:

" عندما وصلا غلى طائرة بندر، توقفا وترجل الملك حسين وتوجه إلى بندر وصافحه، فخفف بذلك عنه شيئا من الضغط. كان الأمير سلطان بين الجمع وقال لبندر، ستحاكم عسكريا وستمنع من الطيران".

وأضاف فيلبس:

" عقب حركة الطيران التي أداها بندر، أدرك أنه في ورطة عصيبة، وعندما تحدثت إليه لاحقا عن الحادثة قال مازحا، ارتقيت بشكل عمودي وارتفعت إلى أقصى ما استطعت. قلت في نفسي، سأقفز من طائرتي وإذا أكرمني الله ستدفعني الريح إلى إسرائيل".

وختم فيلبس وهو يضحك : " كان يعلم أنه أفسد الأمر". لكن، على الرغم من وقوع الأمير في حرج شديد، فإنه اختير بكياسة لدورة أخرى في الولايات المتحدة وطوى النسيان الحادثة في غيابه.

في أثناء الخدمة في الظهران، كان بيت بندر الأول مبنى صغيرا من طبقة واحدة، وقد بناه بأحجار خرسانية. لكنه استخدم تقنية بناء غير عادية: كدست الأحجار بعضها فوق بعض بشكل عمودي، ودقت فيها قضبان الفولاذ لتثبيتها، وأخيرا، صبت الخرسانة في ثقوب في الحجارة، ثم كسيت. وقد لاحظ جو رامسي أن " بوسع البيت تحمل هجوم نووي".

وعلى نحو مغاير لمساكنه الرحيبة والفخمة في الأعوام اللاحقة، كان هذا البيت الأول صغيرا ومتواضعا، لكنه يفي بنمط حياته في ذلك الوقت، حياة طيار شاب، متزوج حديثا وعازم على إثبات نفسه كعضو في فريق منسجم من الطيارين الزملاء.

في ديسمبر 1972، تزوج بندر بصاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء بنت فيصل بن عبد العزيز آل سعود، إحدى بنات العاهل السعودي الملك فيصل. وعند عودتهما من شهر العسل وكانت الأميرة حاملا بابنتهما الأولى . مارست الأميرة هيفاء الدور التقليدي للزوجة السعودية، فنهضت بأعباء الواجبات المنزلية وتربية الأطفال.

في سنة 1973، رقي بندر إلى رتبة نقيب. فقد صقل مهاراته في الطيران بعد تدربه على الطيران في كرانول، والتدريب كطيار حربي متقدم في الولايات المتحدة ، وإعادة التدريب على طائرة 5- f وأصبح – بالتعبير السعودي - طيارا متمرسا نسبيا وعلى أتم الجهوزية لتأدية مهمات.

أدخلت حرب أكتوبر 1973 الشرق الأوسط في صراع واسع النطاق، حيث هددت القوات المصرية والسورية باكتساح إسرائيل في هجوم مفاجئ ومع بداية الأعمال العدائية، من دون علم البلدان الغربية.

بما فيها الولايات المتحدة، وافق سلاح الجو الملكي السعودي على مؤازرة الهجوم المصري والسوري على إسرائيل ، وأعطى تفويضا بمهمة لعشر طائرات 5- f "هجومية ضاربة" بقيادة بندر. في هذا الوقت، كانت القوات الإسرائيلية تتراجع إلى حدود ما قبل 1967 وبذلت الإدارة الأمريكية المستنفرة، بقيادة وزير الخارجية هنري كيسنجر، جهودا محمومة في محاولة للتفاوض على وقف إطلاق نار لحماية إسرائيل ضمن حدود 1967.

كانت المهمة الخاصة التي تدرب عليها بندر وفريقه تضم خمسة أطقم متمرسة، كلفت بشن هجمات على علو منخفض بالنابالم على منشآت النفط والتكرير الإسرائيلية، تليها خمسة أطقم أقل خبرة تتابع القصف بقنابل حارقة. وخلصت التحليلات المستندة إلى محاكاة المهمة إلى أن طيارا واحدا فقط سيعود، على الرغم من أن المهمة ستنجز. توجه بندر وزملاؤه والطيارون إلى المدرج وهم مقتنعون تقريبا باحتمال ألا ينجو في هذه المهمة سوى شخص واحد.

وصف بندر العملية، قائلا:

" كنا - نحن العشرة المؤهلين - نقلع ونتمرن على مهمتنا. كانت هناك خمس طلعات بقنابل شديدة الانفجار، وخمس طلعات بقنابل حارقة تتم بالتحليق خلف البحرين ثم الالتفاف، والوصول إلى الشاطئ على علو 30 قدما فوق سطح البحر - وهي مناورة صعبة - ثم إسقاط قنابل نابللم على هدف في المملكة العربية السعودية محاك لإيلات".

ولاحظ بندر:

" كنا نتوقع أن يكون احتمال الإصابة 9 إلى 1 . وبالتالي سيتعرض تسعة من الطيارين العشرة للقتل مع احتمال عودة طيار واحد حيا. وهكذا كانت خطتنا تقضي إذا تعرضت أي طائرة للإصابة أن ينعطف طيارها إلى اليمين بحدة ويعد حتى العشرة، ثم يقفز من الطائرة، لأنه سيكون عندئذ في أجواء الأردن. كانت المسافة قريبة جدا. لماذا إيلات؟ لأن في إيلات مخزن وقود إسرائيلي ضخما - وحرمانهم منه يؤدي إلى تعطيل آلتهم الحربية".

وأوضح بندر أنهم تدربوا على المهمة كل ليلة، لكن لم يكونوا في السرب، على علم بموعد تنفيذ المهمة الحية الحقيقية. قال: " لذا كانت تلك الليلة، وكل ليلة، تمرينا حيا".

يقول بندر، قبل الانطلاق كنت أشعر بخوف شديد، ومع ذلك عازما على إنجاز المهمة. تقدمت رفي إلى نهاية المدرج وانتظرت الإذن بالانطلاق. بدت اللحظة دهرا. أذكر كيف كان العرق يتصبب على وجهي، وكانت ركبتاي ترتجفان رغما عني. غير أن الأمر بالانطلاق لم يصدر قط. ولم يعرف بندر السبب إلا بعد ثلاثين عاما.

ففي أثناء جولة لإلقاء الخطب في الولايات المتحدة في سبتمبر 2003، كان بندر يقرأ كتاب هنري كيسنجر، " الأزمة: تحليل أزمتين كبيرتين في السياسة الخارجية"، حول جهوده لتحقيق وقف إطلاق النار خلال حرب 1973. وتذكر بندر كيف أن إدارة نيكسون قالت للمصريين: " إذا وصلتم الحرب، فسنساعد الإسرائيليين، لن نسمح البتة أن تهزم إسرائيل. سننشئ جسرا جويا إلى أن يربحوا". ثم لاحظ استعدادا للانطلاق. كنا نوشك على تنفيذ الهجوم الحقيقي حين تلقينا أمر الإلغاء في اللحظة الأخيرة.

وعلق بندر، الواقعي بالقول:

" لذا عدنا أدراجنا، ولابد أن أقول لك إننا تفاجئنا جميعا، إذ في مثل هذه الظروف كنا كلنا ننفخ ونلهث ونتصبب عرقا. ما من شجاعة في الحرب، صدقني، إلا بعد خوض غمارها، وبخاصة إذا لم يذق المر طعمها ويحسب أنه ذاهب إلى حتفه. وكل الهراء الذي تشاهده في الأفلام السينمائية غير صحيح . حينما عدنا إلى السرب ، قيل لنا إن المهمة ألغيت. وأصارحك القول إنه ما من أحد في الغرفة كان غير سعيد".

عندما أجريت مقابلة معه هنري كيسنجر، طرحت عليه السؤال التالي هل عرفت أنك في يوم أنقذت حياة الأمير بندر ذات يوم؟ ثم كشفت له أن بندر كان على وشك قيادة هجوم جوي شبه انتحاري على منشأة نفط إسرائيلية مع انعدام احتمال عودته حيا من تلك المهمة. وأن المهمة لم تلغ إلا بسبب جهود كيسنجر للتفاوض على وقف إطلاق النار.

حتى ذلك الحين، كان كيسنجر جالسا باسترخاء على كرسيه، وكان يغلق عينيه المبطنتين وهو يصغي باهتمام مجيبا عن أسئلتي بصوته العميق فجأة ، اعتدل في جلسته، مجيبا عن أسئلتي بصوته العميق. فجأة، اعتدل في جلسته والتمعت عيناه،وبدت عليه علامات الصدمة بفعل ما بحت به. قال متعجبا : " لم أكن أعلم البتة أن السعوديين يوشكون على دخول الحرب". ولم تكن أمريكا تعلم أيضا.

غادر جو رامسي المملكة العربية السعودية في أغسطس 1973، قبل اندلاع حرب 1973. لكن قبل رحيله، طلب منه بندر القيام بالترتيبات اللازمة كي يعود إلى الولايات المتحدة لتلقي مزيد من التدريب ، وبالتحديد لقيادة طائرة f-5e الجديدة التي كانت آنذاك تدخل الخدمة في سلاح الجو الملكي السعودي. يذكر رامسي:" قال عليك أن تضع لي برنامجا متكاملا. وضعت له سلسلة مقترحة من التدريبات.

على أي حال عاد بندر وهيفاء إلى سان أنطونيو وبالتالي، انتقل بندر مجددا إلى الولايات المتحدة في سنة 1974، حيث التحق بمدرسة ضباط الأسراب في قاعدة ماكسويل الجوية في ألاباما، وتابع دورة تدريب للطيارين pit في قاعدة راندولف الجوية في تكساس.

والتحق أخيرا، بدورة تدريب على قيادة e5-f في قاعدة وليامز الجوية قرب فينكس، اريزونا. وهناك التقى للمرة الأولى بالعقيد بوب ليلاك، صديقه الحميم اليوم، الذي كان رئيس برنامج اختبار طائرةe5-f في قاعدة وليامز الجوية قرب فينكس، أريزونا.

وهناك التقى للمرة الأولى بالعقيد بوب ليلاك، صدقه الحميم اليوم، الذي كان رئيس برنامج اختبار طائرة e5- fفي قاعدة وليامز الجوية قرب فينكس، اريزونا. وهناك التقى للمرة الأولى بالعقيد بوب ليلاك، صديقه الحميم اليوم، الذي كان رئيس برنامج اختبار طائرة 5e-f في قاعدة وليامز الجوية.

عندما انتهت الدورات التدريبية، عاد الأمير إلى الظهران في سنة 1975 كقائد سرب في وحدة التحويل العملاني لطائرة 5- f ومسئول عن تدريب طيارين سعوديين على قيادة طائرة5- f وعين أيضا مسئولا عن مشروع "صقر السلام" لتنشيط طائرات 5- f في قاعدة خميس الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي السعودي

ونجح في التنسيق مع العاملين الأمريكيين في "صقر السلام" لإدخال الطائرة الجديدة إلى سلاح الجو الملكي السعودي وتدريب طياريه. وأدى دورا مماثلا في قاعدة مشيط الجوية من 1976 إلى 1977 فطور مهاراته في الطيران فيما كان يعمل على ضمان وصول سلاح الجو الملكي السعودي إلى أرقى المستويات العملانية.

في ذلك الوقت، أصبح مشاركا في عملية شراء غير عادية للمعدات بعد لقاء عرضي مع اللورد مونتباتن في صالة الشخصيات المهمة في مطار هيثرو. يذكر بندر كيف أن رجلا انضم إليه في الصالة وراح يستجوبه. "من أنت؟ أنا مونتباتن".

أجاب بندر: " أعرفك يا حضرة اللورد. لقد ألقيت محاضرة في كرانول يوم كنت طالبا فيها". وعندما اكتشف مونتابتن أن بندر من المملكة العربية السعودية، سأله: ما هي العلاقة التي تربطك بالعائلة المالكة؟. وبلكنة بريطانية راقية، قال مونتباتن: " جيد، جيد. لقد جبت كل أنحاء العالم، ما عدا المملكة العربية السعودية". أجاب بندر بسذاجة: " إنني واثق أنك ستكون على الرحب والسعة حين تزور المملكة العربية السعودية".

رد مونتباتن:

" تعم، سيكون ذلك جيدا جدا... هل لديكم طوافات (هرفركرافت) ينبغي أن تكون لديكم طوافات هل تعلم أن الطوافات بريطانية، وأن إحداها سميت مونتباتن؟ إذا جئت إلى المملكة العربية السعودية، سأتحدث مع جماعتك عن شراء طوافات".

غاب أمر اللقاء عن بال بندر إلى أن استدعى بعد نحو شهرين إلى وزارة الدفاع في الرياض على الفور. وظنا منه أنه في ورطة ما، عاد كما يجب إلى عمه، الأمير تركي، نائب وزير الدفاع آنذاك، فاتهمه بدعوة مونتباتن لزيارة المملكة العربية السعودية.

قال الأمير: " لم أدع اللورد مونتباتن"، فقيل له: " لقد بعثت السفارة البريطانية رسالة إلى الديوان الملكي مفادها أن اللورد مونتباتن يود إبلاغ جلالته والديوان الملكي أنه يقبل الدعوة التي وجهها جلالته إليه من خلال الأمير بندر، الضابط في سلاح الجو السعودي".

وعلى الرغم من إنكار الأمير ذلك مرارا، فإن الأمير تركي أبلغه: "لقد وقع الضرر. سيصل في الأسبوع التالي كضيف على جلالته في الرياض، عليك أن ترافقه طوال رحلته". رد بندر: " حسنا، لكن صدقني، لم أفعل شيئا".

في الحديث عن تلك الزيارة قال بندر:

" حين وصل مونتباتن، أمضيت وقتا ممتعا، كان أشبه بكتاب تاريخ يمشي على قدمين. فإذا ذكرت اسم أيزنهاور، يبادرك بالقول أبلغني آيك كذا وكذا... وإذا ذكرت اسم باتون،يقول لك، آه، أبلغني جورج كيت وكيت... والأمر نفسه بالنسبة إلى مونتغمري وتشرشل، وما إلى هنالك. لقد علمني في التاريخ، في يوم نصف اليوم، أكثر مما تعلمته طوال حياتي". من نتائج زيارة مونتباتن أن المملكة العربية السعودية وافقت على شراء الطوافات.

بين 1977 و 1977، أصبح بندر قائدا للسرب رقم 3 الذي يضم طائرات 5- f في قاعدة الطائف الجوية، وفي تلك الفترة كافأه سلاح الجو الملكي بميدالية الصقر تقديرا لمهارته في الطيران والقيادة. وعين بعد ذلك قائدا للسرب رقم 15 الذي يضم طائرات 5- f أيضا في قاعدة خميس مشيط الجوية، مع احتفاظه بمسئوليته في مشروع "صقر السلام".

غير أن بندر تعرض في سنة 1977 لحادثة طيران سببت له مشكلات دائمة في ظهره. كان عمله الأخير قائدا لوحدة التحويل العملانية ومدربا رئيسيا، وكانت لديه معايير صارمة، ويصر على التقيد الحرفي بإجراءات السلامة. وكان لا ينثني يردد في تعليماته الوجيزة لطياريه في صبح كل يوم: " أنتم أكثر قيمة من كل هذه المعدات. لذا، عندما يعتريكم الشك، اقذفوا بأنفسكم خارج طائراتكم".

في نقاش عام على مأدبة عشاء مع أصدقاء في مكلين، في فرجينيا ، توقف بندر عند حادثة خالف فيها قواعده بشكل واضح جدا. فذكر أن السرب كان يؤدي دوريات روتينية فور انتهاء شهر رمضان. وقد أعطيت الأوامر إلى اثنين من طياريه بالتحليق فوق معرض جوي في أبها وتأدية بعض الحركات البهلوانية . وأوضح ان الأمر كان ببساطة عرضا عاما يقتصر على التحليق على علو منخفض فوق المطار ثم الهبوط. إلا أن أحد الطيارين أصيب بوعكة صحية وكان لابد من بديل، فقرر الأمير المشاركة في المهمة "كرقم 2".

كانت جولة خالية من الحوادث المهمة، وبعد عودته، قال بندر:

" تهيأت لاستخدام الكوابح واخترت إنزال العجلات، لكن لم يحدث شئ لذا طلبت القيام بمناورة هبوط بحيث أقترب من أرض المدرج وأسرع في الابتعاد عنها. ثم طلبت من الرقم 1 أن يتفحص الطائرة فيما حاولت إعادة تشغيل عجلات الهبوط. لم يحدث شئ أيضا، وقيل لي إن أبواب العجلات مفتوحة جزئيا".

وتابع بندر روايته والجدية بادية على وجهه :

" في هذه المرحلة يجدر التأكيد على أن إيروديناميات الطائرة 5- f لا ترحم، وهي تتطلب الهبوط بزاوية حادة في مواجهة الريح. وكانت قواعد سلامة الطيران بسيطة: إذا لم تستطع إنزال العجلات، فلا خيار أمامك سوى القفز من الطائرة".

وأوضح الأمير:

" عند مواجهة الريح بزاوية عالية، تفقد الطائرة سرعتها، ولهذا السبب كانت تعليماتي لكل طيار، في الأعوام السبعة الماضية، لا تحط بالطائرة البتة إذا لم تنزل العجلات ".

ووفقا لاعتراف بندر:

" وقف الأنا بالمرصاد. وحدثت نفسي ، أنني مدرب متمرس في هذا النوع من الطائرات وأنا أيضا الطيار الانفرادي البهلواني في سلاح الجو السعودي. ومع أنني أعرف أن علي القفز من الطائرة، قلت في نفسي، الهبوط متعذر لكن إذا تمكنت من ذلك، أكون إذ ذاك الرجل الرجل".

أوعز بندر إلى برج المراقبة أن يفرض المدرج بالرغوة. لكن ما إن بدأوا بتلك المهمة، حتى عادت طائرة لايتننغ وطلبت توجيهات الهبوط النهائية. ولما كانت هذه الطائرة في وضع حرج بسبب نفاد وقودها، قرر بندر بصورة اعتباطية أن ذلك الطيار بحاجة إلى الهبوط أولا وأوعز بوقف فرش الرغوة، وهبطت طائرة لايتننغ بسلام.

غير أن بندر أوضح:

" نفد الوقود لدي أيضا لكنني بقيت عازما على الهبوط. اقتربت من المدرج بسرعة أعلى من المعتاد، ما سمح لي بخفض زاوية الهبوط. لكن عندما لامست الأرض أوقفت عمل المخنق. فحطت الطائرة بكل ثقلها وسط سحب من الدخان والغبار، زاحفة على طول المدرج".

كان الارتطام شديدا وحاول بندر الخروج من الطائرة لحظة توقفها، غير أنه تذكر بشئ من الأسى: " أدركت أنني لا أستطيع تحريك ساقي اليمنى وأنني فقدت الإحساس بها. وكان أول الواصلين إلى رئيس طاقمي فسحبني من قمرة القيادة وساعدني على دخول سيارة الإسعاف". وعلى الرغم من أنه أمر السائق أن يأخذه إلى المستشفى، فإنه أصر على عدم إطلاع الأركان على الهبوط العسير.

واعترف بالقول:

" كنت أخشى من أن أخسر تصنيفي في الطيران فأصررت على أن يجروا فحوصات على أسفل الظهر، وكنت لا أزال فاقد الإحساس بساقي اليمنى. خرجت من المستشفى في وقت لاحق، على الرغم من أن ساقي لا تزال خدرة. وكان شغلي الشاغل وقتذاك الخوف من أن توقفني الإصابة عن الطيران".

كانت مخاوف بندر في محلها: فقد أدى ذلك الهبوط العسير في سنة 1977 إلى وضع حد لمهنته كطيار في آخر الأمر، وإن ليس على نحو فوري أو مباشر. لكن ما حدث بعد ذلك ستكون له نتائج بعيدة الأثر، أبعد من أي شئ كان يمكن أن يفعله كطيار حربي.

في سنة 1977، عاد بندر إلى قاعدة الظهران الجوية ورقي إلى رتبة رائد، وأصبح قائدا للسرب رقم 7 الذي يضم طائرات 5 -f ، ولم يكد يستقر في هذه المهمة حتى انغمس على نحو متوقع في مساعدة فريق سعودي في واشنطن، دي سي، وعمل على توفير العون والمعلومات إلى إدارة كارتر لتأمين موافقة الكونغرس على بيع 60 طائرة 15- f أكثر المقاتلات تطورا في العالم في ذلك الوقت.

عندما دخل بندر كوانول أول مرة، كان كل ما يريده، وفق اعترافه هو، أن يصبح طيارا حربيا بيد أن هناك بعض الأشخاص الذي يرون سبيلهم في الحياة من منظار ضيق: هؤلاء هم العمال . لديهم دور، سواء أكان في الصناعة، أم التجارة، أم المجتمع، أو القوات المسلحة. ويترقون من مرتبة إلى أخرى، همهم الوصول إلى أفضل منصب ممكن. لكن هناك أشخاصا آخرين يستطيعون الرؤية خارج هذا الإطار وفي وسعهم تخيل الصورة بأكملها.

إنهم يدركون أن التقدم لا يتحقق إلا بتجميع قطع للقيادة سواء لأصحاب الرؤية الضيقة: هؤلاء هم القادة. وهم يستغلون قدراتهم للقيادة سواء أكانوا مديري شركات، أم رجال دولة. لكن ثمة حفنة فقط من الأشخاص الأفذاذ الذين يتجاوزون هؤلاء ويستطيعون التأثير في الأحداث على النطاق العالمي.

وقد حرص بندر، منذ انضمامه إلى سلاح الجو الملكي السعودي، على كسب أكبر قدر ممكن من الخبرة، فقاد عددا من أنواع الطائرات والتحق بدورات مختلفة في الولايات المتحدة. ولم يكن يزيد معارفه فحسب، بل يطور أيضا حلقة واسعة من الأصدقاء في بلد قوي جدا. حين قدم بندر لترؤس الفريق السعودي في واشنطن، والسعي للحصول على طائرات 15- f كانت تلك خطوته التجريبية الأولى في السياسة. وعندما ابتعد عن قيادة الطائراتـ، لم يعد في وسعه العودة.

كان تاريخ مبيعات الأسلحة الأمريكية للمملكة العربية السعودية مضطربا. وكما أوضح بندر:

" في عهد كنيدي، أردنا شراء طائرات 104- f ستارفايتر لأن المصريين والروس كانوا في اليمن آنذاك ونشروا طائرات ميغ 21 هناك. كانت لدينا طائرات 86f فقط ونريد طائرة تفوق سرعتها سرعة الصوت لمواجهتهم. غير أن كنيدي لم يستطع إقرار الصفقة في الكونغرس. وأشير علينا أننا إذا عقدنا صفقة مع البريطانيين ، فإن أمريكا لن تعترض عليها، ومن ثم جرى التفاوض بشأن صفقة لايتننغ وهنتر".

وتابع الحديث:

" قال الأميركيون للمملكة المتحدة، سنبيعكم طائرات 111- f و 130- c مقابل بيعكم طائرة لايتننغ لسلاح الجو الملكي السعودي. وهكذا حصلت المملكة المتحدة على الطائرات 111- f و 130- cوحصلت المملكة العربية السعودية على طائرات لايتننغ - تدعى بساط الريح - في صفقة كاملة".

في ذلك الوقت، كانت أمريكا تحاول بيع الطائرات الضاربة 111-f وطائرات الشحن 130- cللمملكة المتحدة، إلا أن ميزان مدفوعات المملكة المتحدة غير المواتي أعاق المضي في إتمام الصفقة. غير أن قيام المملكة العربية السعودية بشراء طائرات لايتننغ وهنتر وفر للمملكة المتحدة السيولة النقدية اللازمة لعملية البيع. وقد استنبط الحل لمعرفة الأمريكيين أنه إذا لم يستطع السعوديون الحصول على ما يريدون فإنهم سيشترون طائرات ميراج 3 الفرنسية.

وقال بندر:

" لم يرد البريطانيون والأمريكيون حدوث ذلك لذا انتهى الأمر بحصول كل طرف على ما يحتاج إليه. حصلنا نحن على طائرات لايتننغ التي تبلغ سرعتها 2 ماك (ضعفا سرعة الصوت)، وحققنا أيضا هدفنا الاستراتيجي في مواجهة الروس. وحصل البريطانيون على طائرات 111-fو 130- cوحصل الأمريكيون على صفقتهم":وأضاف بندر مبتسما ابتسامة عريضة: " ولم يحصل الفرنسيون على أي شئ".

وأعاد بندر رواية تسلسل الأحداث الذي أوقع كارتر في مأزق محاولة التوفيق بين مصالح إسرائيل ومصالح الأمن القومي فقال:

" زار الرئيس نيكسون المملكة العربية السعودية ومصر سنة 1974 ووافق على بيع المملكة طائرات 15- f . لكنه استقال بعد ذلك وبسبب استقالته، تعطلت الصفقة. وتلاه فورد في الحكم، ففاتحناه في الأمر. ووافق فورد، لكنه طلب التأجيل إلى ما بعد الانتخابات لقد قطع على نفسه عهدا لا يتحقق إلا إذا أعيد انتخابه. وعندما خسر فورد في الانتخابات توجهنا إلى كارتر، وقلنا،لقد وعدنا فورد، هل يمكنك التنفيذ؟ فقال، أمهلوني بعض الوقت".

ومن دون علم السعوديين، ازداد موقف الرئيس تعقيدا عندما تقدمت إسرائيل بطلب سري في يوليو 1977 للحصول على 150 طائرة 16- f و25 طائرة 15- f.إن مفتاح فهم العوائق، والاعتراضات، والرفض المتكرر الذي محاولة بيع أسلحة متطورة للمملكة العربية السعودية هو العلاقة الخاصة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

فالفهم الدقيق لطريقة عمل النظام السياسي الأمريكي، ووجود مجموعة ضغط فائقة الفاعلية والتنظيم تتخذ شكل لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك aipac)، يمدان إسرائيل بنفوذ واسع في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وهيأت هذه العلاقة لإسرائيل فرصة لا نظير لها للحصول على أحدث أنظمة الأسلحة والتكنولوجيا الأمريكية. وتمد الولايات المتحدة تاريخيا إسرائيل بأنظمة أسلحتها المتطورة بما يضمن لها تفوقا عسكريا بالغا في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن موقف إسرائيل غير منيع على نحو فريد، فإن مزيج القدرة العسكرية الفائقة والاعتراف الأمريكي بشرعيتها السياسية وفر الحماية للحق اليهودي في إعادة الاستقرار في الوطن التوراني.

من الأمثلة الواضحة على حق إسرائيل في الحصول على أفضل معدات عسكرية التطوير والتوزيع المبتكرين للطائرة 15- f إيغل. فهذه الطائرة، المصممة لتكون أكثر النفاثات الهجومية تطورا في العالم، وأولي الطائرات المخصصة للقتال الجوي منذ طائرة الحرب الكورية 86-f سابر، لم تسجل أرقاما قياسية في السرعة والارتفاع فحسب، وإنما أيضا عبرت المحيط الأطلسي من دون توقف ومن دون إعادة التزود بالوقود.

وهي من صنع شركة "ماكدونل دوغلاس" ويتحكم بها نظام معلومات طورته شركة ibm وأول طائرة حربية على الإطلاق ذات نظام تحكم رقمي بالكامل، وقد بلغ سعر الطائرة الواحدة منها 30 مليون دولار بالتمام والكمال. وعندما خرجت طائرات 15- f الأولى من خط الانتاج سنة 1976، ذهبت إلى سلاح الجو الأمريكي بالطبع، وذهبت الدفعة الثانية من 25 طائرة إلى إسرائيل مباشرة.

غير أن إسرائيل لم تكن البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتمتع بعلاقات ودية خاصة مع الولايات المتحدة. فثمة علاقة مستترة قائمة بين أمريكا والدول العربية الحديثة المنتجة للنفط. وكان كل من الرئيسين نيكسون وفورد يدركان تماما هذا الانسجام، الذي ترجع أسسه إلى "النفط مقابل الأمن"، وهي معادلة تشكل المبدأ المركزي للعلاقة الأمريكية السعودية التي وفرت مكاسب ملموسة لجميع الأطراف المعنيين.

وعلى الرغم من الاختلافات الدينية، فإن المصالح الاستهلاكية صاغت رابطة المعنيين. وعلى الرغم من الاختلافات الدينية، فإن المصالح الاستهلاكية صاغت رابطة تعود بالمنفعة المتبادلة على الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.

لكن عندما قرر الرئيس فورد التوصية ببيع صواريخ جو- أرض متطورة من طراز " مافريك" للمملكة العربية السعودية في سنة 1976، بغية تأمين تأييد المملكة لخفض أسعار النفط داخل منظمة الأوبك (منظمة البلدان المصدرة للبترول)، واجه معارضة شديدة من أيباك. ومر اقتراحه بصعوبة بالغة. وعلى الرغم من موافقة فورد على مساندة الطلب السعودي لطائرات 15- f إذا أعيد انتخابه، فإنه اختار إرجاء عرض الصفقة على الكونغرس إلى ما بعد نتائج تلك الانتخابات.

إن ما جعل اقتراح بيع طائرات 15- f المثير للخلاف إلى المملكة العربية السعودية يحدث ضجة كبيرة هو أنها المرة الأولي في التاريخ الأمريكي التي لا يضطر فيها الرئيس فيها إلى الإقرار صراحة بهذه الصداقة واحترمها فحسب، وإنما العمل أيضا تبعا لمصالحها المباشرة، على الرغم من مصالح إسرائيل. هنا بالضبط، يكمن المغزى الحقيقي لمبيع 15- f وللضغط الشديد الذي مورس في واشنطن قبل التصويت على تلك الصفقة في الكونغرس.

وقد عبر سيث تي. ثيلمان عن ذلك بصراحة:

" تجاوزت المسألة شكليات التوازن العسكري، وبلغت حد الإحاطة بالجوانب السياسية والنفسية للعلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وبين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة". وقد عجل الطلب السعودي شراء طائرات 15-f بحدوث نقاش يخضع العزم الأمريكي في الشرق الأوسط لامتحان غير عادي. ومع ذلك لم يكن الطلب خطوة غير محسوبة تقدم عليها المملكة، فقد قدمت الإدارات المتعاقبة كل الإشارات على أن الصفقة ستحظى بالموافقة.

فخلال زيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية سنة 1976، تعهد وليام بي. كليمنتس جونيور، نائب وزير الدفاع في عهد الرئيس فورد، أن تساعد الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية في أن تستبدل بطائراتها القديمة أي طائرات مقتلة أمريكية يطلبها السعوديون. لذا لم يكن من المفاجئ أن تطلب المملكة الأفضل، وهي البلد الثري والغني بالنفط والمنغمس في بوتقة صراعات الشرق الأوسط.

ومن المثير للاهتمام، ما قيل عن أن أمريكا لم تحبذ فقط بل أوصت بشدة أن تكون 15-f المتطورة الخيار الأول لسلاح الجو الملكي السعودي. وقد ضغط سلاح الجو الأمريكي بقوة لبيع الطائرات 15-f بغية خفض تكاليف الإنتاج وتسريع الحصول عليها. لذا، ليس من المفاجئ أن يكون أول ما توقعته المملكة من إدارة كارتر حديثة العهد، إلى جانب العزم الأمريكي على تشجيع السلام في الشرق الأوسط، السماح بشراء الطائرات 15-f.

على الرغم من أن الرغبة في السلام قد تبدو متعارضة مع الرغبة في التسلح، فإن الرغبة في السلامة- الأمن القومي- تتغلب على الأمرين معا. غير أن مؤيدي إسرائيل رأوا أن الحاجة السعودية إلى التسلح تفتقر إلى الشرعية، وأن أي أسلحة يملكها السعوديون تشكل تهديدا خطيرا لإسرائيل.

كانت هناك أدلة كثيرة تؤيد كثيرة تؤيد الحجة الإسرائيلية. فقبل الجدل بشأن 15-f بعامين، نقلت صحيفة نيويورك تايمز فول ولي عهد المملكة الأمير فهد: " إن كل القوات المسلحة لبلداننا هي قوة للدفاع عن الشعوب العربية والقضية العربية". وعلى نحو ذلك، تعهد الأمير سلطان، وزير الدفاع السعودي، للشعب السعودي أن تكون " جميع أسلحتنا تحت تصرف البلدان العربية، وأن تستخدم في القتال ضد العدو المشترك".

وما زاد في قلق إسرائيل همسات في الكونغرس عن طلب لاحق سعودي لنظام "أواكس" (نظام الإنذار والسيطرة المحمول جوا). وهو نظام متطور جدا ومكلف بحيث لم تتمكن حتى إسرائيل من إضافة هذا النظام المتطور إلى ترسانتها. ومع ذلك كان الموضوع المطروح هو بيع الطائرات 15-f ، ومن منظور السياسة الأمريكية، وعلى الرغم من الحجج الإسرائيلية الحادة، فإن حق المملكة العربية في التسلح والأسباب التي تدفعها إلى ذلك لا يمكن إغفالها.

فعلى حدودها الشرقية توجد دولة إيران المتقلبة بشكل متزايد، والتي يبلغ عدد سكانها خمسين مليون نسمة في مقابل سبعة ملايين نسمة في المملكة العربية السعودية. كما أن التهديدات من إسرائيل، مقرونة بتهديدات من أنظمة ماركسية مدعومة من السوفيت في اليمن الجنوبي وإثيوبيا، كانت أسبابا صالحة جدا لكي يطلب السعوديون التسلح بأحدث التكنولوجيا.

ومن الطبيعي أن تشعر المملكة، التي يوجد في أرضها أضخم احتياطي نفطي في العالم، بالقلق على أمنها القومي. وقد عبرت عن ذلك مجلة "الإيكونومست" اللندنية: " لدى السعوديين مبرر جيد للشعور بالتوتر، فهم يعيشون في جوار صعب ويملكون أضخم احتياطي نفط في العالم".

دفع حجم التهديد الموجه إلى المملكة العربية السعودية إلى نشر تقرير في الولايات المتحدة برعاية سعودية، يخلص إلى أنه في الأعوام العديدة الماضية، اضطرت المملكة العربية السعودية إلى مواجهة ضغط شيوعي متزايد في شمالها وجنوبها وجنوب غربها. وبسبب سياسات المملكة المؤيدة للغرب وثروتها العظيمة، فإنها الآن وستبقى، الهدف الرئيسي للتوسع السوفيتي، والتطرف السياسي في الشرق الأوسط.

وقدمت خريطة للمنطقة إيضاحا بيانيا يظهر الأنظمة المدعومة من الشيوعيين التي تهدد المملكة العربية السعودية. وذكر هنري كيسنجر المعاصر لتلك الفترة: إن غرض السوفيت في أثيوبيا هو الالتفاف حول الشرق الأوسط، وإظهار أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية أصدقائها، وإشاعة شكوك في المملكة العربية السعودية ومصر والسودان وإيران.

حظيت الحجج السعودية بتأييد حاسم من الرئيس كارتر، الذي رأى أن في تطور العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة فائدة واضحة لإسرائيل. ففي خطاب ألقاه في مايو 1977، كرر الرئيس التعبير عن حرصه على أن تواصل الولايات المتحدة "المحافظة على شعور المملكة العربية السعودية أننا أصدقاؤها " وأن " بإمكانها الوثوق بنا عندما نقدم التزاما".

وأضاف:

" أعتقد أن من الأفضل لإسرائيل أن تكون لدينا هذه العلاقة الجيدة والثابتة والمتينة والمبينة على ا لثقة المتبادلة والودية مع الزعماء العرب المعتدلين".

كانت الأسباب الأمنية المبررة لتسليح المملكة العربية السعودية مقرونة بأدلة بناءة على أن النوايا السعودية دفاعية بطبيعتها، لا هجومية. وفي رسالة كتبها وزير الدفاع هارولد براون إلى رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب، قدمت ضمانات أكيدة أن المملكة ستستخدم طائرات 15-f "للدفاع المشروع عن النفس" وأنها لن تزود بها إلا إذا وافقت على "عدم نقل الطائرات إلى دولة ثالثة، أو السماح لمواطنين من بلد آخر بالتدرب عليها، أو قيادتها، أو الوصول إليها من دون الحصول على موافقة الولايات المتحدة".

وقد تعززت تلك الضمانات كثيرا بالعلاقة المديدة بين المملكة الصحراوية والولايات المتحدة، علاقة قائمة بصراحة شديدة على النفط والأمن. ففي مقابل المساعدة العسكرية الأمريكية دفاعا عن المملكة، يبقى النفط السعودي متاحا للولايات المتحدة. كما أن المبادئ المحافظة التي تتمسك بها المملكة تحامي بشكل مميز النهج الأمريكي تجاه المشكلات في الشرق الأوسط.

كان الرئيس كارتر يدرك ضخامة وتعقيدات القضايا المتنازع عليها في بيع طائرات 15-f للمملكة العربية السعودية، لذا قال إنه ليس لديه "ما يعتذر عنه البتة في تقديمه هذا الاقتراح". غير أن كارتر كن في أثناء حملة الانتخابات الرئاسية شديد الانتقاد لسياسة الرئيس فورد الخارجية المؤيدة للعرب، وأعرب مرارا عن مساندته القوية للقضية اليهودية. كما أدلى بتصريحات قوية ضد اقتراح فورد بيع أسلحة لمصر والمملكة العربية السعودية وذكر في خطاب في 6 يونيو 1975 أن "بقاء إسرائيل ليس مجرد مسألة سياسية، إنه واجب أخلاقي".

كرر كارتر في بداية عهده أن "التزامنا الأول في الشرق الأوسط هو حماية حق إسرائيل في الوجود، الوجود الدائم وبسلام" . لكن على الرغم من هذه الآراء المعارضة لمبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط في أثناء الحملة الرئاسية فإن الرئيس المنتخب حديثا، بعد توقف قصير في الرياض بين زيارتين إلى طهران وأسوان في يناير 1977، عاد وهو مصمم على عدم النكوث بالالتزام الأمريكي الذي قطعه الرئيس فورد للسعوديين.

في المقابلة التي أجريتها مع الرئيس كارتر، دافع بقوة عن قراره في هذه المسألة، موضحا أن القرار كان هدفا شخصيا وأخلاقيا بالنسبة إليه: " من الأشياء التي أردت القيام بها، من منطلق الإنصاف والأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، المساعدة في تجهيز المملكة العربية السعودية للدفاع عن نفسها."

وأضاف:

" كان بيع الطائرات المقاتلة المتطورة 15-f ، ثم طائرات الإنذار المبكر "أواكس"، إلى المملكة العربية السعودية مسالة مهمة جدا عندي. وقد واجه ذلك معارضة شديدة من اللوبي الإسرائيلي الذي كان في ذلك الوقت، ولا يزال، الأوقى في واشنطن، ولم ينجح قط إقرار أي اقتراح كهذا في الكونغرس وهو كما تعلم يتأثر كثيرا بأيباك"

قيل إن دعم كارتر بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، ثم ريغن بعد بضعة أعوام (رغم أنهما يدعوان إلى إستراتيجيات متعارضة تماما)، يرجع إلى أن تلك المبيعات كانت مهمة جدا بالنسبة إلى الأمن القومي. ويعكس موقفهما وضع المملكة كحليف والسياسة الواقعية للعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والدول العربية المنتجة للنفط.

باختصار، تدل مبيعات 15-f وأواكس إلى المملكة العربية السعودية على نهج براغماتي تجاه المعادلة المعقدة التي تشمل السياسة الخارجية والاقتصاد الأمريكيين، والانطباع الهش بالثقة والصداقة القائمين بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

في أواخر السبعينات، وأوائل الثمانينات، ازداد المثلث السعودي الأمريكي الإسرائيلي تعقيدا، حيث كانت السياسة الخارجية السعودية تهدف إلى "الحث على دور أمريكي فعال في التشجيع على تسوية سلمية شاملة في الشرق الأوسط" . وعلى الرغم من الاطمئنان السعودي الأولي إلى اهتمام الرئيس كارتر النشيط لإيجاد حل سلمي بين العرب وإسرائيل، فقد أدى استمرار التذبذب الأمريكي في المنطقة إلى تململ سعودي من السياسة الخارجية الأمريكية.

فبعد أن وعدت إدارة فورد ببيع المملكة طائرات 15-f كانت القيادة السعودية تأمل بإعادة انتخاب فورد. لكن مع تسلم كارتر الرئاسة، التزمت المملكة العربية السعودية دبلوماسيا بوعدها بتأخير أي طلب رسمي لشراء أسلحة من أمريكا خلال عام الانتخابات وانتظرت حتى مايو من العام التالي قبل تقديم طلب شراء 60 طائرة 15-f.

زادت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس في تشرين الثاني - نوفمبر 1977، وهي الزيارة التي أفضت إلى اتفاق كامب ديفيد في نهاية المطاف، من المخاوف السعودية من احتمال فقدان فرصة تحديث سلاح الجو السعودي المتقادم بصورة متزايدة. غير أن توقف كارتر في الرياض، في يناير 1977، رد على كل تلك المخاوف وفي 14 فبراير 1977، أعلنت إدارة كارتر عن نيتها بيع 60 طائرة 15-f للمملكة، و50 طائرة e5-f لمصر، و15 طائرة 15- f مع 75 طائرة مقاتلة من طراز 16-f لإسرائيل.

لعل أفضل خطوة قام بها كارتر بخصوص صفقة طائرات 15- f، وأكثرها إثارة للخلاف، تعمده ربط بيع أسلحة لإسرائيل ببيع أسلحة لدول عربية. وهو قرار جاء نتيجة سلسلة مواقف مشئومة ومتناقضة فرضت على إدارته. لقد كانت رزمة وفقت بين التزامه الأخلاقي والعاطفي بحق الشعب اليهودي في إعادة الاستقرار " في وطنه التوراني" والتزام أخلاقي بدعم حقوق الفلسطينيين كجزء من واجب شامل تجاه حقوق الإنسان.

وذلك مبدأ مركزي من مبادئ سياسته الخارجية. كان كارتر يدرك تماما أن تعهد الرئيس فورد أخذ يتحول بسرعة إلى دين شرف للسعوديين، وكان عليه أيضا التصارع مع حساسية مجلس الشيوخ الحادة تجاه مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط، ومع الطلب السري الذي قدمته إسرائيل في يوليو 1977 بخصوص 150 طائرة 16-f و 20 طائرة 15-f ومن حسن حظ الإدارة أن موقف البنتاغون أن إسرائيل ليست بحاجة عسكرية ماسة إلى هذه الأسلحة وفر لها مبررا بتأخير اتخاذ قرار بشأن طلب إسرائيل.

وبوجود الطلب الإسرائيلي على الطاولة، استطاع كارتر دمجه في منظومة استغلال معقدة مصممة بشكل واضح لإقرار صفقة الأسلحة العربية المقترحة في مجلس الشيوخ. وأطلق الرئيس بذكاء الاقتراح بتعمد ربط طلبات الأسلحة الثلاثة المقدمة من إسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية في مشروع قانون واحد. ثم قدم مشروع القانون إلى الكونغرس في 28 أبريل 1977، وحذر صراحة أنه سيعمد إلى سحب الاقتراح بكامله في حال رفض أي جزء من رزمة المبيعات.

كان وقع اقتراح مبيعات الأسلحة على الأوساط السياسية في واشنطن هائلا. فقد أشار إلى نقطة تحول في تكتيكات ممارسة الضغط، لا تكتيكات "أيباك" فحسب، وإنما تكتيكات اللوبي المؤيد للعرب أيضا، الذي هدد لأول مرة طول باع "أيباك" في الكونغرس الأمريكي.

تأسست "أيباك" سنة 1959 لخدمة الحركة الصهيونية الأمريكية، وممارسة نفوذ على العلاقات مع السلطات الحكومية بغية تحسين أواصر الصداقة وحسن النوايا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي مجموعة ضغط حسنة التكوين وقوية ومسجلة لدى الكونغرس ومعنية حصرا بتحسين العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وحمايتها.

بيد أن تورط "أيباك" في معركة طائرات 15-f كان بالغا. " لقد كان نشاط المنظمة وقدرتها على الوصول إلى كبار صناع القرار كبيرين نسبيا. لكن اعتبرت أهداف سياستها معادية ومستفيضة وغير بناءة، وهدفها الرئيسي إلغاء الجزء السعودي من صفقة الأسلحة المقترحة".

مع ذلك وجهت "أيباك" لأول مرة، بلوبي عربي منظم. وأخذت على حين غرة بالتحول الشكلي للوبي المؤيد للعرب بالنظر إلى سجله السابق في واشنطن. ويعكس هذا الواقع المتغير اقتباسا على لسان أحد المساعدين في واشنطن واردا في كتاب هوغ ليفين " النفوذ العربي" arab reach "ظهر العرب فجأة في واشنطن سنة 1977. حدث ذلك بسرعة فائقة. لم يكن لهم أي أثر بالأمس، وها هم اليوم. إن التقدم الذي حققوه لا يصدق".

توافق هذا التغيير مع وصول بندر إلى واشنطن. ففي سياق مساعدته الأمير تركي بن فيصل، ترك بندر بسرعة بصمته في الدائرة السياسية في واشنطن. ويقول الرئيس كارتر متذكرا: " لم نكن نحرز تقدما كبيرا في شأنها فقد بيع 15- f ثم تعرفت فجأة غلى بندر من خلال كبير موظفي البيت الأبيض، هاملتون جوردان، متجاوزا السفير السعودي تماما. قال إن أباه، الأمير سلطان، انتدبه لمساعدتنا في هذا المشروع".

وتابع الرئيس

" لم أكن أعرف كيف يمكن أن يكون لرائد شاب في سلاح الجو أي تأثير ، لكي تبين لي بعدما تحدثت إليه أنه دمث، وملم جدا بالغرب، وفصيح ، وأن لديه بطبيعة الحال روابط مباشرة على أعلى المستويات في العائلة المالكة.لم أكن ألتقي ببندر كل يوم، لكن كان لدي شعور أنه مقيم في البيت الأبيض بشكل أساسي. كان يعمل مع موظفي بألفة ومثابرة واستمرار تقريبا".

في أثناء الضغط للحصول على طائرات 15-f غالبا ما كان بندر يواجه بجمهور معاد. وفي رواية لأحدى المواجهات الكلامية، قال بندر:

" أتذكر دائما السيناتور الراحل نشيرتش. كنا نناقش صفقة طائرات 15-f وتناولنا الغداء مع لجنة العلاقات الخارجية. جلس أمام زملائه وتوجه إلي مناشدة عاطفية أن ثمة قاعدة جوية سعودية في شمال المملكة العربية السعودية اسمها تبوك تبعد خمس دقائق فقط عن مركز سكاني إسرائيلي. وقال: ألا تستطيع أن تشعر، سيدي الأمير؟ ألا تستطيع أن تشعر بما يشعرون ؟ إنهم قلقون ويمكن مهاجمتهم من قاعدتهم في غضون خمس دقائق، إلى ما هنالك".
"شعرت بالدهشة من شدة انفعاله: ظننت أن مينوسوتا ستتعرض لهجوم. لكنني فوجئت بقلة المعلومات لديه، وسبب عاطفيته، وغياب عامل المنطق لديه، أن الرواية أحادية دائما. يرويها أحدهم ويتلقفها الآخرون كما هي ويصدقونها ويمضون . إن ما نحاول القيام به هو إعادة التوازن إلى تلك الرواية".
" نظرت إلى السيناتور أمام زوملائه وقلت، أوافقك الرأي أيها السيناتور، لو كنت أبعد خمس دقائق عن عدو محتمل لأحسست بقلق شديد، لكن هل لي أن أذكرك أن إسرائيل كانت قبل ذلك بخمس سنوات تبعد عشر دقائق".

وبعد توقف قصير، قال بندر:

" وقبل خمس عشرة سنة كانت تبعد خمس عشرة دقيقة. أنا لم أنقل قاعدتي إلى الشمال، هم الذين اقتربوا مني. وختم بالقول: " إذا أبعدتهم خمس عشرة دقيقة إلى حيث كانوا سنكون كلنا سعداء".

على الرغم من الطبيعة فائقة الحساسية والمتقلبة لصفقة طائرات 15-f المقترحة في واشنطن، فإن كارتر رفض تأخير التصويت، الذي تقرر إجراؤه في 16 مايو 1977. غير أنه كان متشددا في عدم المضي قدما إلا بد إتمام عمله بشأن معاهدة قناة بنما.

وقال كارتر، متحدثا عن معاهدة بنما :

" كنا بحاجة إلى صوت واحد أو صوتين، وكان هناك سيناتور يدعى جيمس أبو رزق، وهو لبناني الأصل ولديه روابط معروفة جيدا مع المملكة العربية السعودية والعالم العربي، كان مترددا جدا. كان أبو رزق أول أمريكي - عربي ينتخب عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، ويدين صراحة نفوذ "ايباك" الواسع في الكونغرس باعتباره خطيرا. "لذا، اتصلت بصديقي الجديد بندر وقلت له إننا بحاجة إلى صوت أبو رزق". وتابع معترفا أن السيناتور سيكون منفتحا إلى بندر " الساحر والجذاب الذكي والفعال جدا"، بحسب كلماته.

وقد كان مصيبا. فبعد أيام قليلة من طلب المساعدة من الأمير للحصول على صوت السيناتور، تلقى كارتر من جيمس ابو رزق فيه ما مفاده أنه سيصوت للمعاهدة.

وأضاف الرئيس

"نجحنا في إقرار الاتفاقية بهامش صوت واحد. ولذلك شعرت دائما بالتقدير للمساعدة التي قدمها بندر، لأنها كانت نقطة تحول في العلاقات في نصف الكرة الغربي. فقد كانت الولايات المتحدة تتعرض لإدانة شبه جماعية من بلدان أمريكا اللاتينية لأن الرؤساء جونسون، ونيكسون، وفورد كلهم ديمقراطيين وجمهوريين وعدوا بتعديل اتفاقية قناة بنما الجائرة جدا والتي أنجزت، على الرغم من معارضة البنميين. لقد كان أمرا لابد من إتمامه. وهكذا أفلحنا أخيرا".

بتأمين هذا الصوت المهم للرئيس، لم يكتسب بندر احترام الرئيس كارت فحسب، بل متن أيضا صداقة شخصية ما زالت قائمة حتى اليوم. ويقول كارتر

" كان التحدي السياسي الأكبر الذي واجهته في حياتي، بل إنه تجاوز تحديات حملتي الرئاسية، إقراري معاهدتي قناة بنما، وتلك خطوة ضرورية ومهمة جدا. لكنها لم تكن تحظى بشعبية لدى الرأي العام، لأن رونالد ريغن وآخرين من خارج الحكم ما انفكوا يلومونني بشدة على التخلي عن قناتنا وبيعها لديكتاتور وضيع في بنما".

ويقول كارتر موضحا الربط بين التصويت على 15-f والتصويت على قناة بنما : " كانا اثنين من أكبر أعمال التصويت التي جرت في أثناء تولي سدة الرئاسة، لكن الأهم كثيرا بالنسبة إلي هو معاهدة قناة بنما".

كان الإقرار الناجح لتلك المعاهدة شرطا مسبقا وضروريا أيضا لبيع طائرات 15-f للمملكة العربية السعودية. فالإخفاق في الأولى سيحول بالتأكيد دون تقديم بيع 15-f إلى الكونغرس. لذا تضاءل دور بندر في تأمين إقرار صفقة 15-f أمام أهمية تمكنه من تغيير موقف السيناتور أبو رزق، الذي لولا صوته لمنيت إدارة كارتر بهزيمة قاسية بشأن معاهدة قناة بنما.

وبدلا من ذلك، عنى التصديق على معاهدة قناة بنما أن اللوبي اليهودي الإسرائيلي يواجه، في معارضته صفقة 15-f احتمال الوقوف أمام إدارة حازمة، تمكنت مؤخرا من تحقيق انتصار كبير في السياسة الخارجية، وتعرف تماما أن الكونغرس لم يسبق له قط أن رفض التصديق على صفقة أسلحة مقترحة.

سرعان ما تبددت تحفظات كارتر الأولية على قدرة بندر على التأثير في الكونغرس، ما حدا بالرئيس إلى القول: " إذا كان ذلك التزاما كبيرا من جانبي وصرنا نعتمد على بندر الذي تبين أنه متحدث فعال جدا، ويجدر بي أن أستخدم كلمة صاحب تأثير في الكونغرس". وبشعور واضح بالاعتزاز ، قال: " كانت تلك أول مرة على الإطلاق تتم فيها مواجهة لوبي قوي بنجاح".

لم يقتصر استغلال الرئيس كارتر الموهبة الدبلوماسية المتنامية على ما جرى مع السيناتور أبو رزق. فثمة عامل يزيد صعوبة معركة طائرات 15-f في الكونغرس، وهو التحدي الذي لاح من المرشح الجمهوري رونالد ريغن في الحملة الانتخابية. ففي مسعى لتأمين تصويت إيجابي على بيع طائرات 15-f إلى المملكة العربية السعودية، وتسهيل إقرار الصفقة

وجدت إدارة كارتر أن تأمين تأييد ريغن ضروري لاستمالة الأصوات في مجلس الشيوخ بشأن 15-f إذ كان لريغن تأثير قوي في المحافظين في مجلس الشيوخ . وفي المقابل، كان ريغن يحرص بوضوح على ألا يظهر في صف المؤيدين للرئيس الديمقراطي. غير أن كارتر كان يدرك ذلك تماما فأرسل بندر لإقناع ريغن بإعلان تأييده للصفقة.

اتصل بندر هاتفيا بطوم "تي.في" جونز، وهو في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لشركة "نورثروب" (الشركة المصنعة لطائرة 5-f التي سبق للمملكة العربية السعودية أن اشترتها)، وكان أحد مستشاري ريغن أيضا. فما كان من جونز إلا أن رتب موعدا بين بندر وريغن.

عند تقدير بندر إلى الرئيس القادم للمرة الأولى، طرح على الأمير سؤالان مباشران: " هل أنت شيوعي؟" " وهل تؤيد المملكة العربية السعودية الولايات المتحدة؟" طمأن بندر الحاكم ريغن إلى أن للولايات المتحدة حليفا مخلصا وقديم العهد في المملكة السعودية المحافظة. وشدد أيضا على عدم وجود صلات بين المملكة العربية السعودية والشيوعية، بل إنها في الواقع لا تطيق الأنظمة الشيوعية إلى حد أن المسافرين الشيوعيين المعروفين كانوا إذا توقفوا في المملكة العربية السعودية يمنعون حتى من مغادرة طائراتهم.

بعدما قدم بندر الجواب المرضي عن هاتين النقطتين، سأل ريغن عما إذا كان سيؤيد اقتراح الرئيس كارتر بيع طائرات 15-f إلى المملكة العربية السعودية. وهنا يتذكر الأمير رد ريغين المقتضب: " حسنا، سأؤيده، لكن جئني بصحفي يطرح علي سؤالا في هذا الصدد".

وروى الأمير كيف أبلغ صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" أن ريغن سيؤيد كارتر في بيع طائرات 15-f إلى المملكة العربية السعودية؟ أجاب ريغن: " لا أرى أي مانع، إنهم أصدقاؤنا لذا سأؤيد هذا الأمر، لكنني أختلف مع كارتر في كل شئ آخر". وتذكر بندر إصرار ريغن على التحذير: " لكنني لا أؤيد أيا من سياسات كارتر الأخرى".

في هذا اللقاء الأول بين بندر والرئيس القادم، نشأت المصالح المتبادلة المشتركة بين الشخصيتين الواعدتين والبلدين اللذين يمثلانهما. وفي بضع سنوات قليلة، تجسدت بين المقاربة المعادية للشيوعية في السياسة الخارجية، والمواقف المحافظة الثابتة التي يتشاطرها الرئيس القادم والسفير السعودي التالي في الولايات المتحدة على شكل مبدأ ريغن بالغ الأهمية، وفي صداقة شخصية وطيدة.

تواصلت جهود بندر بشأن طائرات 15-f وفيما كان يجوب في أنحاء الولايات المتحدة محاولا كسب أصوات أعضاء مجلس الشيوخ، كان عليه كما يذكر: " أن يلتقي سيناتورا من الجنوب يدعى لونغ". وبعد سماعه كلام بندر المقنع، نظر السيناتور لونغ إلى عيني بندر وقال: " صوتي سيكلفكم 10 ملايين دولار. "

ظن بندر أن ثمة محاولة للإيقاع به فقال، "ماذا تقول؟".

كرر لونغ: " صوتي سيكلفكم 10 ملايين دولار".

أجاب بندر:

" أيها السيناتور، لست هنا لأساومك على مال... أنا هنا فقط كي أشرح موقفنا، وآمل أن أتمكن من إقناعك بالتصويت في مصلحة هذا الموقف".

أوضح السيناتور قصده بالقول:

" لم تفهمني أيها الشاب الأحمق... لا أريد المال لي، أريد أن تؤكد لي أن حكومتك ستودع 10 ملايين دولار في أحد مصارف مديني. أنتم تحتفظون بمالكم في نيويورك، لك لا تنقلون جزءا يسيرا منه إلى لوزيزيانا؟ وقبل أن نفعل ذلك، دعني أعرف مسبقا كي اقول لمدير المصرف إنه سيحصل على مال سعودي لاستثماره في مصرفه. وعندئذ سيمول إعادة انتخابي. وحالما يعاد انتخابي يمكنك استرداد المال في أي وقت".

وجد بندر أن مثل هذه الصفقات مفيدة. وفي تلك الأيام، كان لدى السعوديين الكثير من الأموال في "تشيس مانهاتن". وروى بندر أنه طلب من ديفيد روكفلر المساعدة في إقناع أعضاء معينين في مجلس الشيوخ بالتصويت لمصلحة صفقة 15-f . لكن لم يحدث شئ على الرغم من الوعود المتكررة بالمساعدة.

توصل بندر غلى قناعة أن روكفلر يخدعه بوعود كذبة، فاتصل بولي العهد الأمير فهد وشرح له المشكلة. سأله الأمير فهد: " ماذا تقترح؟".

أجاب الأمير بندر:

" يمكن أن تأمر وزير المالية بنقل 200 مليون دولار من تشيس مانهاتن إلى جي بي مورغان... وأن تمنحني سلطة إعادة المبلغ ساعة أقرر".

قال ولي العهد : " لك ذلك".

وأضاف بندر متذكرا:

" في اليوم التالي، اتصل روكلفر بي عند الثامنة صباحا، كنت لا أزال نائما. واتصل مجددا عند التاسعة، كنت مشغولا. اتصل عند العاشرة، كنت قد خرجت. وعند الرابعة عصرا، اتصل بي موظف الاستقبال في فندق ماديسون وقال، السيد روكفلر في ردهة الفندق ويريد الصعود إلى غرفتك ليقابلك. أجبته ، قل له لدي اجتماعات وسأكلمه بعد انتهائي منها".

وأشار بندر: " أبقيته في قاعة الاستقبال حتى الساعة السادسة مساء". بل إن بندر أبلغ روكفلر عندئذ أنه مشغول جدا ولا يسعه التحدث إليه، غذ إنه في طريقه إلى مبنى الكونغرس ليحاول تأمين الأصوات التي وعده بها.

أجاب روكفلر مرتبك: " سأبقى في واشنطن إلى أن أؤمن لك الأصوات التي تريدها".

وذكر الأمير أن روكفلر

"أخذ يتصل بي كل ليلة على مدى ثلاثة أيام ليقول لي، حصلت على صوت السناتور فلان أو السيناتور فلان. بعد نحو ثلاثة أيام، عندما حصل على أصوات كل أعضاء مجلس الشيوخ الذين وعد بهم، وفوقهم صوتان آخران، طلبت من وزير ماليتنا إعادة مبلغ 200 مليون دولار إلى تشيش مانهاتن".

لكن ، بينما كان بندر يوظف مهاراته في الإقناع في مناورة رفيعة المستوى لصالح الرئيس كارتر، كانت رحى المعركة الحقيقية على الأصوات تدور بين اللوبي المؤيد للعرب واللوبي المؤيد لإسرائيل. وجد اللوبي المؤيد للعرب، وهو حديث النشأة وجيد التنظيم يقوده الأمير بندر ويلهمه، أكبر تأييد له في الشركات.

فقد انضمت الشركات الضخمة التي يقوم عملها على الصناعة النفطية، بما في ذلك "فلور" و"بكتل" و"كمبيوتر ساينسيز" و" موبيل" بطبيعة الحال - وكلها صناعات عملاقة مقارها في هيوستن - إلى حملة دعم صفقة طائرات 15-f للمملكة العربية السعودية.

من دون خبرة سياسية وبقليل من الوقت للتحضير، تبنى بندر فلسفة البساطة kiss وطلب من محاميه فرد داتون، وهى مساعد خاص سابق للرئيس جون أف. كنيدي والمستشار الأكثر فعالية في الضغط لصالح صفقة 15-f السعودية، إعداد موجز بسيط من صفحتين عن اتحاد العمل الأمريكي ومجلس المنظمات الصناعية (cio-afl) وبعد تحليل تقنيات الضغط التي يستخدمها "أيباك" عادة، رأى الأمير أن اقتراح بيع طائرات 15-f يعادل إنفاق المملكة العربية السعودية 5 مليارات دولار لدى "ماكدونل دوغلاس" والشركات المتعاقدة معها من الباطن، وأن عقدا بهذه الضخامة يوفر فرص عمل في الولايات المتحدة.

واعتقد أن ذلك يمنح القضية العربية ثقلا كبيرا. كان بندر يشعر أنه فارس وحيد، بحسب قوله، لذا نقل القضية إلى نقابات العمال في "ماكدونل دوغلاس" ، التي جاءت بدورها بالمتعاقدين معها من الباطن. وكانت النتيجة تحقيق نجاح غير عادي فبدأت حملات بريدية واسعة تضاهي الحملات المؤيدة لإسرائيل.

يقول دوغلاس بلومفيلد عن أسلوب عمل بندر وهو من الأعضاء السابقين الذين كانوا يعملون لمصلحة "أيباك" وقد التقى الأمير في أثناء معركة 15-f "طرح كثير من ألأسئلة حول كونه فارسا وحيدا، أو عاملا مستقلا، يتجاوز تعليمات حكومته. فقد وقع في ورطة، واستدعي وقيل له، لقد تجاوزت حدودك". وأضاف بلومفيلد: " لكنني أظن أن بندر شخصية جريئة. ومن وجهة نظري المؤيدة لإسرائيل، قدم مساهمة كبيرة في محاولة تخفيف التوتر".

في ما يتعلق بالنزاعات العربية الإسرائيلية المريرة، وتحذير الأمير فهد له من التورط في نقاشات تثير الضغائن، كان بندر يتهرب من مثل هذه الأسئلة بالقول: " تريدون التحدث عن الفلسطينيين، تريدون التحدث عن الشرق الأوسط؟ لا شأن لي بذلك، أنا طيار حربي. وأستطيع أن أبلغكم عن السبب العملاني الذي يجعلنا نحتاج إلى 15-f انتهى".

في أثناء حملة طائرات 15-f تأثر بندر كثيرا بنصيحة من تب أونيل، رئيس مجلس النواب الأسطوري من ماساشوستس. فطالما قال أونيل:

" السياسة بأكملها سياسة محلية. لا يهم ما تأخذه منها، فبيت القصيد هو أنها سياسة محلية". وقد حذر بندر من أن رد الفعل الأمريكي سيخيب أمله في الغالب. إذا فهم أن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة مسألة سياسة خارجية.

ونصحه قائلا:

"لكن إذا اعتبرت أنك مسألة محلية وأصدرت حكما بناء على ذلك، أي أنني أحاول تسويق شئ كما يفعل المزارعون أو صناعة السيارات أو الطائرات، عندئذ فقط يمكنك الاطمئنان إلى أن في وسعك توقع ما سيكون عليه رد الفعل الأمريكي".

أخذ بندر بتلك النصيحة، شارحا الاستراتيجية السعودية في الكونغرس وهكذا فإن ما فعلناه أساسا - وذلك لا يتطلب عبقرية - أننا نظرنا إلى ما كان يفعله الإسرائيليون وعكسناه، فوضعنا المملكة العربية السعودية بدلا من إسرائيل. أخذنا الخطة نفسها ونفذناها، لكننا أحللنا أصوات العمال والنقابات محل الأصوات اليهودية، وكل من سيستفيد من الصفقة.

وعندما رأينا أن اصوات الشيوخ لا تأتي من منظور المبرر الاستراتيجي للسياسة الخارجية، وإنما من منظور محلي، لديك أيها السيناتور خمسون ألف عامل سيستفيدون من الصفقة، والأمر مرهون بك، هل تريد إعطاء صوتك أم لا؟ المسألة الآن مسألة محلية صرف، بل إنها ليست قومية، مسألة تخص كل ولاية على حدة.

وختم قائلا:

" في العادة يحصون العمالة على أساس أن إنفاق مليار دولار يوفر خمسين ألف فرصة عمل، أو يحافظ عليها. لذا فإن عقدا بقيمة 5 مليارات دولار يوفر 250 ألف فرصة عمل. وذلك أمر يحقق نجاحا بصرف النظر عن الموضوع المطروح".

استخدمت المملكة العربية السعودية أيضا العديد من المؤسسات القانونية وصناعة العلاقات العامة لوضع حملات دعائية. وتضافرت جهود المملكة العربية السعودية، والعراق، والجزائر ، وليبيا، والإمارات العربية لتجنيد خدمات خمسة وعشرين وكيلا أجنبيا مدفوعي الأجر، ليعملوا بالنيابة عنها في مقابل واحد وعشرين وكيلا لإسرائيل.

رأى السعوديون صفقة طائرات 15-f بمثابة اختبار حاسم للدعم الأمريكي. وفي البداية رفضوا فرض أي شروط أو إجراء أي تعديلات على الصفقة، وأبلغوا المسئولين الأمريكيين أن تأخير الصفقة لا يقل سوءا عن رفضها.

وكلن لديهم بفضل وضعهم الاقتصادي، سبب وجيه لاتخاذ هذا الموقف. كانت المملكة في وضع يخولها دفع ثمن الطائرات التي طلبتها، وذلك سيناريو فريد في عالم مبيعات الأسلحة المربح، في حين أنه نقطة التفاوض الحقيقية الوحيدة في أي موقف تجاري آخر. لكن كان هناك العديد من العوامل المتضاربة التي تفعل فعلها، بالنظر إلى مقتضيات الموقف المعقد في الشرق الأوسط والقواعد الفريدة المطبقة على السياسة وصفقات الأسلحة.

من تلك العوامل مزاعم "الابتزاز النفطي"، وهي تهم نفتها المملكة العربية السعودية بشدة. ومع ذلك، لم تكن المسألة بعيدة عن ذهن الرئيس، وبخاصة بعد تصريح وزير النفط السعودي في 1 مايو 1977، أن رفض الصفقة سيفتر كثيرا " الحماسة لمساعدة الغرب والتعاون مع الولايات المتحدة"، وسيدفع السعوديين للشعور أن أمريكا "غير معنية بأمننا" ولا "تقدر صداقتنا".

وشدد أيضا على أن "ربط طائرات 15-f بمبيعات النفط ليس مبررا". وقد سارعت المملكة إلى تأييد هذا التصريح، وأكدت على نحو يزيل المخاوف أن "إنتاج النفط السعودي وأسعاره بالدولار قائمان على أسس اقتصادية فقط، ولن تكون المحافظة عليهما أو تغييرهما إلا على أساس الاعتبارات الاقتصادية".

أيا تكن الحال، فإن الميزان الاقتصادي الدقيق بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، كان قائما على النفط، ووفر حجة مقنعة للمحافظة على الصداقة لمصلحة الأمن القومي. وقد أقر بذلك جون بي.ريتشاردسون، مدير الشئون العامة للجمعية الوطنية للأمريكيين العرب، عندما حث الأمريكيين على "مواجهة حقيقية أن المصالح الأمريكية تتضمن استمرار الحصول على السلعة التي تشغل كل شئ".

ومما أضاف إلى هذا الضغط، أن الإدارة تدرك تماما أن إخفاق الصفقة سيدفع المملكة العربية السعودية إلى نقل ثروتها بلا تردد إلى مكان آخر، وربما تشتري الطائرات الفرنسية " ميراج 1-f ، فضلا عن احتمال أن تمول تطوير طائرة تضاهي 15-f ".

وردت حماية حقول النفط السعودي من تهديد شيوعي محتمل في رسالة من الملك خالد إلى الرئيس كارتر، أبرز فيها الحاجة إلى إضعاف "التوسع الشيوعي في المنطقة". كان لهذه الحجة لاحقا تأثير في إدارة ريغن وقد تلقفها هارولد براون، وزير الدفاع في عهد كارتر. إلا أن وزير الخارجية السابق، هنري كيسنجر انتقد نفاق الإدارة بقوله: " لا يمكن أن يقول المرء إنها لا تؤثر عسكريا في إسرائيل، ولكن يمكن أن يكون لها تأثير عسكري في التهديدات من الجانب السوفيتي. "

تورط هنري كيسنجر بشدة في صفقة طائرات 15-f ، داعما لها، لكنه كان يفضل ما يمكن اعتباره محاولة لرشوة إسرائيل كي تهدأ "أيباك". فأوصى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ببيع 20 طائرة 15-f إضافية لإسرائيل بحيث تشكل مع الطائرات التي تم تسليمها من قبل، توازنا في عدد طائرات 15-f لدى كل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

واقترح أيضا فرض قيود على نشر الطائرات السعودية، وعلى بيع معدات تابعة. وقد سلم الرئيس كارتر بذلك في آخر المطاف، وفي 11 مايو 1977، وعد ببيع 20 طائرة 15-f إضافية لإسرائيل، وأكد للإسرائيليين أنه لن يبيع المملكة خزانات وقود إضافية، أو منصات القنابل، أو صواريخ جو-جو، ولن يسمح بمرابطة الطائرات في مواقع تشكل خطرا على إسرائيل. والأهم من ذلك أنه وعد بعدم بيع المملكة طائرات "أواكس".

خلال هذه الفترة شديدة التعقيد، سرت تخمينات أن إسرائيل فاوضت على صفقات أسلحة بقيمة 900 مليون دولار تقريبا، ووقعت مذكرة تفاهم لتسريع تسليم طائرات 16-f بالإضافة إلى تأمين التعاون مع الولايات المتحدة في مشاريع البحث والتطوير. وعلى الرغم من تلك التنازلات، استمرت جهود "أيباك" الحثيثة لإعاقة الصفقة معتبرة مثل السعوديين، أن المسألة الحقيقية ليست المعدات العسكرية المتنازع عليها، وإنما هي اختبار للتحالف.

ظهر دليل آخر على الأهمية التي يعلقها كلا الطرفين على "الاختبار الحاسم" في أثناء مناقشة مجلس الشيوخ مبيعات الأسلحة لمصر، وغسرائيل ، والمملكة ا لعربية السعودية في 15 مايو 1977. ففي جلسة مغلقة قدم السيناتور مكلور تقريرا عن محادثات خاصة أجراها في الرياض في يناير 1977 مع وزير الخارجية السعودي، الذي قال: " لقد أصبحت صفقة الطائرات للأسف ات دلالة رمزية في أذهاننا. إنها رمز لما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى صديقة للسعوديين يعتمد عليها أم لا".

على الرغم من أن النقاش بشأن طائرات 15-f كان حاميا بالفعل، فإنه سرعان ما شهد تصعيدا. ففي 11 مارس 1977، عبر مقاتلون فلسطينيون تابعون لمنظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان إلى إسرائيل عن طريق البحر، وخطفوا حافلة ركاب على الطريق الساحلي، وقتل في الحادث 37 شخصا.

وفي 14 مارس ردت إسرائيل بشن عملية الليطاني - غزو جنوب لبنان حتى نهر الليطاني بنحو عشرين ألف جندي، ما أدى إلى سقوط الآلاف من اللبنانيين بين قتيل وجريح - وفي واشنطن، تزايدت المصالح المتضاربة والتصميم الشديد لدى اللوبيين، ما أدى إلى صدام داخلي حاد بين الرئيس ومجلس الشيوخ بشأن السيطرة على السياسة الخارجية.

ووجهت حجج كارتر لصالح بيع طائرات 15-f إلى مجلس الشيوخ من دون توصية، بعد تعادل الأصوات ثمانية في مقابل ثمانية. ومن منطلق الاعتقاد أن الصراع الداخلي يفسد المصداقية في الخارج، كان كارتر يأمل بتجنب معركة مفتوحة في مجلس الشيوخ، لكن المعركة وقعت.

أرسل مؤتمر الرئيس برقية إلى كل عضو في الكونغرس في 10 مايو 1977، تعارض الصفقة بشدة باعتبارها "مضرة بالمصلحة القومية، وتهديدا لأمن إسرائيل، وعائقا أمام مفاوضات السلام". ووصف مساعد رفيع المستوى في الكونغرس الموقف في الكابيتول هيل في ذلك الوقت، أنه "لي أذرع لم يسبق له مثيل في كلا الجانبين".

ولعل موقف البيت الأبيض غير الحاذق أن نتيجة التصويت ستعكس من بالضبط يدير السياسة الخارجية- رئيس وزراء إسرائيل واللوبي الإسرائيلي أن رئيس الولايات المتحدة- يقدم مؤشرا أكبر على قوة المشاعر التي ولدها النقاش وتشعبات القرار النهائي.

في 16 مايو 1977، بعد يوم واحد على الذكرى السنوية الثلاثين لقيام دولة إسرائيل، صوت مجلس الشيوخ 54 صوتا في مقابل 44 صوتا ضد اقتراح إعاقة عملية بيع الأسلحة ثلاثية الأطراف. وتلك المرة الأولى في التاريخ الأمريكي التي تدافع فيها الولايات المتحدة صراحة عن صداقتها مع دولة عربية رغم الاعتراضات الإسرائيلية الحادة.

الفصل الثالث :رأس جبل الجليد

"سمعة المرء كالظل، تكون هائلة الحجم حين تسبقه، وصغيرة جدا حين تتبعه".

شارل - موريس دي تاليران

يسرني أن أبلغكم أن المملكة العربية السعودية قررت تعيين المقدم الجوي بندر ابن سلطان مسئولا عن الاتصال بالحكومة الفيدرالية، بعد أن تجاوزت قضية صفقة الأسلحة للمملكة العربية السعودية إطارها السياسي ودخلت إطارها التقني، وبعد التوصل إلى ا تفاق وإرسال الصفقة إلى الكونغرس.

وبالتالي فإن الجانب الأهم في هذه القضية الآن، هو التنسيق الكامل بين عمل فريق الحكومة الأمريكية، وعمل الفريق السعودي الذي يرأسه المقدم بندر بن سلطان، وذلك لإجراء الاتصالات الضرورية بطريقة تضمن تحقيق التقدم وأفضل النتائج.

قدمت هذه الرسالة، التي كتبها السفير السعودي إلى الولايات المتحدة، فيصل الحجيلان، بندرا كوسيط بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بشأن صفقة أسلحة كبيرة تضم خمس طائرات " أواكس".

وكانت حقبة أواخر السبعينات قد شهدت سلسلة حوادث مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، ما سبب خوفا كبيرا في واشنطن والرياض على حد سواء. فقد وقعت الثورة الإيرانية، وأطيح بالشاه، واحتجز الرهائن الأمريكيون في طهران بعد ذلك، وأعقب ذلك بوقت قصير الغزو السوفيتي لأفغانستان في 16 ديسمبر 1979، واندلاع الحرب الإيرانية العراقية في 2 سبتمبر 1980.

نظر السعوديون إلى توسع الاتحاد السوفيتي العدواني باعتباره تهديدا خطيرا. وكانوا مقتنعين تماما أن المخطط الكبير للكرملين يقضي بالتقدم نحو آبار النفط السعودية، بعد غزو الجيش الأحمر أفغانستان وتمركزه على بعد عدة مئات من الأميال عن المملكة. وأعلن أحد أعضاء العائلة المالكة: "إن الوجود العسكري السوفيتي في كوبا لا يشكل تهديدا خطيرا للأمن الغربي بقدر التهديد الذي يشكله الوجود الروسي في الخليج وفي القرن الإفريقي".

كان رد المملكة السعي لدعم موقفها عبر حيازة معدات وتكنولوجيا عسكرية متطورة، بما في ذلك طب شراء طائرات "أواكس" من الولايات المتحدة. وبدأ انخراط بند رفي صفقة طائرات "أواكس" بعد ستة أيام على نشوب الحرب بين إيران والعراق. وفي 28 سبتمبر 1980، قام الجنرال ديفيد جونز، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية بناء على طلب بندر.

ولدى وصوله استقبله الأمير، الذي قال له بلهجة مؤثرة وصريحة جدا: " إننا نريد طائرات أواكس على الفور. نريد طائرات أواكس لمراقبة الخليج على مدار الساعة. إننا بحاجة إليها. ولا يمكننا حماية المملكة من دونها. هل تستطيع أن تؤمنها لنا؟".

لم يكن هذا الطلب مثيرا للدهشة. ويذكر العقيد في سلاح الجو الأمريكي بوب ليلاك، الذي أصبح في ما بعد طرفا أساسيا في معركة طائرات "أواكس" والمطلع على عملية تحديث سلاح الجو الملكي السعودي وفق مشروع "صقر السلام"

قائلا:

"أجرينا (في سلاح الجو الأمريكي) دراسة كبرى تتعلق بحاجات المملكة. ومن بينها الحاجة إلى المراقبة المحمولة جوا. فالحدود الساحلية للمملكة العربية السعودية طويلة جدا، وتحتاج إلى إنذار مبكر أفضل مما يمكن الحصول عليه من راداراتها القائمة.
وفيما كنا نوشك على إنهاء الدراسة، قرر سلاح الجو الأمريكي، مع وزارتي الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومين أن علينا المساعدة في حماية المقدرات النفطية، وأوصى أن يشتري السعوديون طائرات أواكس".

وأوصى التقرير أيضا أن يتولى الأمريكيون تصميم وإنشاء القواعد الجوية الخاصة بهذه الطائرات بحيث تستطيع الطائرات الأمريكية استخدامها (وقد استخدمتها في حرب الخليج) إذا ما حدثت أزمة في الشرق الأوسط.

على الرغم من المعارضة التي أبداها مستشارو كارتر، الذين حذروا من رد فعل سلبي من المقترعين فيما كانت حملة الانتخابات الرئاسية سنة 1980 تقترب من ذروتها، فقد نجح جونز في إقناع الرئيس بالاستجابة للحاجة السعودية. وبعد مرور وقت قصير على زيارته المملكة واجتماعه مع بندر، حطت أربع طائرات "أواكس" بأطقمها الأمريكية في المملكة العربية السعودية "مهمة تدريب مؤقتة". وعملت بعد ذلك على مدار الساعة وعلى مدار السنة، وبقيت هناك نحو سبعة أعوام. وكي تعرب المملكة عن امتنانها، رفعت إنتاج النفط، فانخفضت أسعاره.

تؤمن تكنولوجيا طائرات "أواكس"، مقرونة بقدرات عسكرية أخرى، تغطية رادارية متواصلة لمنطقة الخليج، وتمنح السعوديين فترة إنذار تتراوح بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة قبل حصول هجوم جوي على حقول نفطهم. وهي بقدرتها على تعقب 240 هدفا أو طائرة معادية في وقت واحد، وتوجيه طائرات لاعتراض تلك الأهداف أو الطائرات، تشكل نظام رادار القيادة والسيطرة الأكثر تطورا في العالم والمتقدم أجيالا على أفضل ما لدى السوفييت آنذاك من تكنولوجيا.

وقد يسر دمج طائرات "أواكس" في نظام القيادة والسيطرة السعودي لمقاتلات 15-f ، إمكانية تنفيذ طلعة واحدة على الأقل ضد أي مهاجم قبل أن يتسنى لهذا الأخير ضرب هدفه. وأتاح للسعوديين أيضا توجيه بطاريات صواريخ "هوك" والاشتباك بشكل فعال مع الطائرات المهاجمة، بل وحتى تأمين بعض التنسيق الداعم لمقاتلاتهم e5-f.

أثارت هذه الطائرات الأربع المستعارة بشكل مؤقت شهية الجيش السعودي، ولم يمض وقت طويل حتى طرحت الحكومة السعودية السؤال الذي لا مفر منه: هل ستبيع إدارة كارتر المملكة العربية السعودية خمس طائرات "أواكس"، وسبع طائرات صهريج 135- kc وبالمناسبة ، هل يمكننا أيضا الحصول على بعض معدات مقاتلات 15-f وصواريخ جو- جو لقاء 8.4 مليارات دولار؟

كان ذلك الطلب قنبلة سياسية: فإسرائيل تخشى من سلاح الجو السعودي الحديث، وقد وعد الرئيس الكونغرس تحديدا سنة 1977 بألا يسمح للسعوديين بشراء طائرات "أواكس". ومع ذلك، أبلغ وزير الدفاع هارولد براون السعوديين أن كارتر يميل إلى بيع المملكة طائرات "أواكس".

وبعد مناقشات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية، أعدت صفقة لتقديمها إلى الكونغرس. وتنص الصفقة، إلى جانب بيع السعوديين خمس طائرات "أواكس" على بيع خزانات وقود متطابقة. ومناصب حقن متعددة تسمح للمقاتلات القاذفة 15-f بحمل المزيد من القنابل، وطائرات صهريج 135- kc لإعادة تزويد طائرات 15-f بالوقود في الجو، وصواريخ جو- جو متطورة "سايدويندر" l- 9 aim.

كان التوقيت مشئوما، إذ لم يبق أمام كارتر سوى أسابيع قبل أن يترك منصبه. وفي عدة لقاءات في ديسمبر 1980 بين الرئيس كارتر الخارج من الحكم والرئيس المنتخب ريغن، عرض كارتر منح المملكة العربية السعودية حق شراء الأسلحة الجديدة، متيحا بذلك للرئيس ريغن المجال لتفادي التورط في مسألة خلافية جدا في مستهل رئاسته. غير أن ريغن رفض العرض، مشيرا إلى كارتر أن إدارته ستجري تقويمها الخاص لسياسة الشرق الأوسط، بما في ذلك موضوع بيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية.

يجدر تذكر المصاعب التي واجهها ريغن لدى توليه الرئاسة سنة 1981. كان الشرق الأوسط في حالة اضطراب شديد، والولايات المتحدة تعاني من الأضرار التي لحقت بمكانتها على المسرح العالمي بسبب طريقة تعامل إدارة كارتر مع أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، والاقتصاد الأمريكي يترنح بفعل تأثير أسعار النفط التي قفزت سبعة أضعاف تقريبا، والاتحاد السوفيتي " يتقدم من قوة قارية إلى قوة عالمية".

انتخب رونالد ريغن لتعهده بإحداث انقلاب في الاضطرابين الاقتصادي والعسكري اللذين عانت منهما الولايات المتحدة في السبعينيات. ومع ذلك، كانت رؤيته مقيدة بضوابط حادة للموازنة. فقد تعرضت أمريكا لضربة قوية بارتفاع أسعار النفط في سنتي 1973 و 1979. كما أن رغبة الرأي العام في القيام بمغامرات عسكرية جديدة كانت منخفضة، بعد مرور عقد على الحرب في فيتنام.

مع ذلك، كان ريغن عازما على متابعة أجندته المناوئة للشيوعيين، وبتشجيع من مدير وكالة الاستخبارات المركزية cia بيل كيسي، سارع إلى اعتبار المملكة العربية السعودية بمثابة مساعدة محتملة من أجل حملته المزمعة ضد الاتحاد السوفيتي. بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الولايات المتحدة، إذا قدمت المساعدة إلى السعوديين، ضمان تدفق النفط على نحو مستقر وبأسعار معقولة. وبدا أن بيع طائرات 15-f للمملكة خطوة ذكية.

أحست الإدارة الجديدة بالمعركة المقبلة، فحرصت على جنس النبض في الكونغرس. وفي اختبار لرد الفعل المحتمل، قدم نائب وزير الخارجية جيمس أل. بكلي إلى لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب في 26 فبراير 1981 تقارير موجزة غير رسمية عن صفقة الأسلحة المقترحة للمملكة العربية السعودية.

وقد أقر بكلي بالمخاوف الإسرائيلية إزاء الصفقة، لكنه أشار إلى أنه سيسمح لإسرائيل بشراء 15 طائرة 15- f إضافية. كما أعلنت الإدارة أن إسرائيل ستتلقى 600 مليون دولار على شكل اعتمادات عسكرية لتمكينها من التغلب على أي خلل متصور في الميزان العسكري بينها وبين المملكة العربية السعودية. في المقابل، أبلغت حكومة إسرائيل إدارة ريغن سرا لأنها لن تنازع الصفقة ولن تحض اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، وخصوصا "أيباك"، على أعاقتها.

في 6 مارس 1981، أعلنت إدارة ريغن أنها مستعدة لبيع المملكة العربية السعودية رزمة تعزيز لطائرات 15-F وذلك لمواجهة "التهديد المتنامي" للاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط والخليج. كان الغرض من الصفقة دفاعيا بحتا ولن يتضمن مناصب للقنابل. وبذلك جرى تخفيف رد الفعل في الكونغرس.

وبعد ذلك بأربعة أسابيع، إثر اجتماع لمجلس الأمن القومي في 2 أبريل 1981، لمناقشة بيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية، تمت الموافقة على تزويد المملكة بخمس طائرات "أواكس" وطائرات صهريج 135- kc، فضلا عن رزمة تعزيز طائرات 15- f بما فيها خزانات الوقود المتطابقة ومناصب القنابل وصواريخ "سايدويندر".

كان اقترحه ريغن أكبر صفقة أسلحة أمريكية حتى ذلك التاريخ، وقد تفاوتت التقديرات بشأن الحجم الحقيقي للصفقة، لكنها كانت في حدود 7-9 مليارات دور، ليرتفع المبلغ إلى نحو 85 مليار دولار بعد إضافة نفقات مختلف ضروب الدعم اللاحق من بنى تحتية وتدريب ودعم عملاني. ومن خلال تقديم خزانات الوقود المتطابقة ، يتوفر لطائرات 15-F السعودية الاثنتين والستين التحمل والمدى للمحافظة على عمليات الخفر الجوي القتالية، ما يرفع فعاليتها.

وبسبب تزايد المدى، تستطيع تلك المقاتلات أيضا الاحتشاد في منطقة الخليج لفترات قصيرة، حتى لو فقدت المملكة العربية السعودية القاعدة الجوية في الظهران. وستعزز طائرات الصهريج 135- kc الفعالية العملانية للمقاتلات الدفاعية السعودية بإتاحة إعادة تزويد طائرات "أواكس" و 15- f و f-5e بالوقود وهي في الجو. كما أنها ستمكن المملكة من تقبل تعزيزات من حاملات طائرات أو قواعد أمريكية خارج المملكة.

أخيرا، ستمنح صواريخ "سايدويندر"، بقدرتها على ضرب الهدف م، اي جانب، مقاتلات 15-f و f5-f سلاحا للاستخدام في عمليات اعتراضية "مباشرة" للطائرات المهاجمة على علو منخفض، من دون الاضطرار إلى التضحية بالوقت، وبعيدا عن احتمال الإخفاق في تنفيذ عملية اعتراض وهي تناور في وضع "الاشتباك الجوي" - وهذه ميزة قيمة بالنظر إلى محدودية وقت الإنذار - الذي توفره طائرات "أواكس".

عند مناقشة الشئون اللوجستية المتعلقة بالصفقة، قال العقيد ليلاك بشكل جازم:

"كان القسم المتعلق بطائرات الصهريج من الصفقة مهما جدا - تلي أهميته أهمية طائرات أواكس مباشرة. لكن الكونغرس لم يكن راغبا في منح المملكة العربية السعودية طائرات صهريج، في النهاية، لم تريد المملكة الذهاب إلى أي مكان؟ كان ذلك جانبا خلافيا من الصفقة".

ولاحظ أيضا:

" تبين لاحقا أن طائرات أواكس هي القسم الأسهل من الصفقة تقريبا، لكن، نظرا لأن خزانات الوقود المتطابقة تطيل مدى طائرات 15-f وصواريخ l-9aim توفر قدرة القتال وجها لوجه، وبسبب وجود طائرات إعادة التزود بالوقود، فقد اصبحت صعبة جدا".

بما أن ريغن كان معروفا بمناصرته القوية لإسرائيل وسخريته من الدول العربية، فقد كان تأييده الشديد لصفقة طائرات "أواكس" مثيرا للدهشة. وكان قبل تنصيبه رئيسا يميل إلى التقليل من أهمية الاتصال بأي بلد عربي.

ومع ذلك، فإن تأييده للصفقة إقرار بحقيقة اقتصادية بسيطة- أي تهديد للمملكة العربية السعودية، وأي انقطاع مطول تال لصادرات النفط من الخليج سيكونان بالتأكيد ضربة مدمرة للاقتصاد العالمي- كان عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، والمخاطر الاقتصادية والإستراتيجية الهائلة التي تنطوي عليها المحافظة على حقول النفط، وإمكانية تعرض تلك الحقول لهجمات جوية، يعني أن موافقة ريغن على صفقة طائرات "أواكس" قرار حكيم في السياسة الخارجية. كما أنه وطد مكانة الولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية السائدة في الخليج.

كانت الأجندة الحقيقية وراء صفقة طائرات "أواكس" للمملكة العربية السعودية عميقة جدا، لكن المعادلة البسيطة هي دفاع الولايات المتحدة عن المملكة في مقابل حصولها على إمدادات آمنة من النفط الحيوي. ومع ذلك، ثمة عامل آخر في قرار ريغن تأييد الصفقة. فقد بدأ الرئيس بناء سياسة خارجية مستنبطة من اهتمامه الشديد لإحداث انقلاب في تنامي "إمبراطورية الشر" وانهيار الشيوعية في النهاية.

أدرك ساعد الرئيس ريغن الأيمن في الحرب على الشيوعية، أي مدير وكالة الاستخبارات المركزية cia بيل كيسي، أن القلق السعودي من النيات السوفيتية يجعل المملكة العربية السعودية حليفا طبيعيا. كما أنه كان يعي أن النفط هو المادة التي لا يستغني عنها الاقتصاد الغربي، وأن الوصول المستقر والآمن غلى احتياطيات النفط أمر حيوي إذا كان لابد من التعافي الاقتصادي.

لقد كان ريغن وكيسي يدفعان بابا مفتوحا في الواقع، فللمملكة العربية السعودية أسبابها لمساعدة أمريكا في محاربة السوفييت. أولا، كانت الولايات المتحدة ناشطة فعلا في المساعدة على حماية حقول النفط السعودية، والقيادة السعودية مصممة على وجوب بقاء العلاقات حسنة بين المملكة والأمريكيين. ثانيا، كانت المملكة تشعر بقلق متزايد من التهديد الناشئ من الهيمنة السوفيتية في المنطقة.

وفسرت الرياض مغامرات موسكو في أفغانستان على أنها جزء من اندفاعية بتوجيه سوفيتي لتطويق شبه الجزيرة العربية بأنظمة شيوعية وقلب أنظمة الحكم الملكية الغنية بالنفط، وقد عززت الأنشطة السوفيتية في اليمن وإثيوبيا ذلك التقدير. ثالثا، كانت المملكة تمتلك أموالا نفطية هائلة، وفي وسع الولايات المتحدة الاستفادة من ذلك المال بسهولة.

عند قياس احتمال قيام شراكة مع المملكة العربية السعودية، كان كيسي يعلم أن الرئيس ريغن لا يريد احتواء الاتحاد السوفيتي فقط، بل يريد أيضا " عكس اتجاه توسع السيطرة السوفيتية ووجودها العسكري في العالم".

كانت تلك الطموحات، التي أفصح عنها ما أصبح يعرف في ما بعد "مبدأ ريغن"، تسعى لتضخيم تكاليف الجهود السياسية الخارجية السوفيتية عن طريق الانتصار للديمقراطية ، وإنهاك السوفييت بالإفراط في الإنفاق على الدفاع، ودعم الثورات المناهضة اللسوفييت في العالم النامي.

لكن اتضح، ضمن الإدارة، أن دحر الشيوعية "يتطلب القدرة على تمويله ونحن ببساطة لا نستطيع القيام بذلك وحدنا". لذا رأى بيل كيسي أن الإمكانية الحقيقية للمساعدة السعودية لتحقيق أهداف ريغن هي إمكانية مالية.

كانت المملكة العربية السعودية تناهض الشيوعية بقوة، وكانت شريكة متوافقة أيديولوجيا مع الأمريكيين في المعركة ضد "الشيوعية الملحدة". غير أن النفط كان أيضا مكونا حيويا من مكونات الحملة المقبلة الموجهة ضد الاتحاد السوفيتي .

وفي وسع المملكة العربية السعودية كأكبر منتج للنفط في العالم تقرير نتيجة لعبة تعيد تنشيط الاقتصاد الأمريكي، بينما تزداد ضغوط الاتحاد السوفيتي على دخله بالعملة الصعبة وتتعدى حد الانكسار، بما في ذلك من عواقب كارثية على سياساته التوسعية.

فكلما انخفض سعر برميل النفط دولارا واحدا يعني بالنسبة إلى موسكو نقصانا في العملة الصعبة المحصلة من مبيعات نفطها قدره مليارا دولار في السنة. وكانت مسألة تسعير النفط والعلاقة الأمنية الأمريكية السعودية على سوية واحدة. وكما قال وزير الدفاع كاسبا واينبرغر، " كان ذلك عنصرا حسما في استراتيجية ريغن. كنا نريد خفض أسعار النفط، وهذا أحد أسباب قيامنا ببيعهم أسلحة".

هذه الخلفية بالذات هي التي عجلت في نشوء شراكة فريدة وغير محتملة وسرية في الغالب، شراكة دامت على مدى العقدين التاليين. لقد شهد عهد ريغن توطدا غير مسبوق في العلاقات الأمريكية السعودية. وسرعان ما أصبح الأمير بندر بن سلطان، الطيار السابق الذي تحول إلى دبلوماسي وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، صلة الوصل الأساسية بين الدولتين.

على الرغم من الحاجة الواضحة إلى التكتم، فقد تسربت أنباء عن الصفقة الضخمة التي لم يعلن عنها بعد. وفي 7 أبريل، انفجر مجلس النواب عندما توالى أعضاؤه، جمهوريون وديمقراطيون على السواء، على انتقاد قرار الإدارة. وفي حين أن معارضة رزمة تعزيز طائرات 15-f بقيت صامتة نسبيا، فإن إضافة طائرات "أواكس" إلى الصفقة غير الأجواء دفعة واحدة.

فألقى أكثر من مائة من أعضاء الكونغرس خطبا عارضوا فيها الصفقة، ووجد استطلاع أجرته "أسوشيتد برس" أن عشرين سيناتورا فقط راغبون في تأييدها. وعجلت المناقشة في الكونغرس في قيام معارضة واسعة النطاق للصفقة ، وأدت إلى تأجيل خطة الإدارة طرح موضوع رزمة الأسلحة أمام الكونغرس في 27 أبريل.

وبدلا من ممارسة ضغط لإبرام صفقة طائرات "أواكس" ومواجهة خطر رفضها، واصلت إدارة ريغن الجهود لضمان انتهاء الأمر إلى مصلحتها. فبدأ مساعد وزير الخارجية لشئون العلاقات مع الكونغرس ريتشارد فيربانكس يتملق أعضاء الكونغرس بقوله إن

"الاقتراح يؤكد التزام هذه الإدارة بمواجهة التدهور في أمن الشرق الأوسط - الخليج، ومؤازرة أصدقائنا، وحماية المصالح الحيوية الغربية، ومنع الاستغلال السوفيتي للتوترات ومواطن الضعف الإقليمية... وستساعد المملكة العربية السعودية الأكثر أمنا السعوديين على تعزيز الاستقرار في المنطقة وتوسيع تعاونهم الكبير معنا"

وشدد فيربانكس أيضا على أن القوى المحركة في الخليج تبدلت بشكل جذري في ضوء الاضطراب السياسي المتزايد في المنطقة منذ سنة 1977، وأن تهديد الأمن السعودي تصاعد حتى بلغ مستوى خطيرا يثبت حاجة السعوديين إلى طائرات "أواكس" ويفاقم خطر الاختراق والاستغلال السوفيت.

وكرر فيرباكس الإشارة إلى الغزو السوفيتي لأفغانستان، وفوضى الثورة الإيرانية، وأخطار الحرب الإيرانية العراقية، والوجود السوفيتي في اليمن الجنوبي وإثيوبيا، كما شدد فيربانكس على القول إن المملكة العربية السعودية، "كمنتج مرجح" ذات تأثير عظيم في أوبك، وأنها سعت لضمان استقرار سعر النفط في السوق بعد اختلال صادرات النفط الإيرانية. لذا فإن صفقة طائرات "أواكس" تقنع المملكة بمواصلة انتهاج تلك السياسة.

وفي حين سعى ريغن للحؤوب دون دخول معركة طائرات "أواكس" الحيز العلني أكثر مما سبق، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، الذي سبق أن وافق على عدم عرقلتها، انبرى إلى إدانتها علانية، وشجبها من دون تحفظ لأنها تشكل تهديدا شديدا لإسرائيل.

وفي اواخر يونيو، انضم السيناتور بوب باكوود، وهو جمهوري من أوريغون وسيناتور متحمس في تأييد إسرائيل، إلى طوم داين، مدير "أيباك" التنفيذي، في الإعلان في 25 يونيو عن 54 سيناتورا - أغلبية في مجلس الشيوخ - بعثوا رسالة إلى الرئيس موقعة من كلا الحزبين أعربوا فيها عن معارضتهم " اعتزام الإدارة بيع معدات معززة لطائرات 15-f وصفقة طائرات أواكس للمملكة العربية السعودية.

" إننا نعتقد اعتقادا جازما أن هذه الصفقة ليست في مصلحة الولايات المتحدة، ولذلك نوصي أن تمتنع عن إرسال هذا الاقتراح إلى الكونغرس". وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، صدر عن مجلس النواب قرار موقع من 224 عضوا يرفضون الصفقة. وفي يوليو، أعلنت "أيباك" أن هدفها "الحؤول دون تقديم الرزمة" إلى الكونغرس للتصويت - وكانت أغلبيات بسيطة في كلا المجلسين كافية لعرقلة الصفقة.

وبروح من التحدي صمم الرئيس ريغن على مواصلة الضغط. وفي اجتماع خاص وغير معلن مع بندر، وعده بتقديم صفقة طائرات "أواكس" الرسمية إلى الكونغرس خلال الخريف وتعهد ببذل قصارى جهده لتأمين إقرار الصفقة. اعتقد السعوديون من جهتهم أن في وسعهم مساعدة الإدارة، كما فعلوا في سنة 1977 وفي سنة 1979 إبان عهد كارتر، وذلك بطرح أفكار بناءة تتوخى التوصل إلى تسوية سلمية للوضع الإسرائيلي الفلسطيني.

وكما كانت الحال في معركة طائرات 15- f سنة 1977، أصبح مجلس الشيوخ الميدان الرئيسي لصفقة طائرات "أواكس"، لكن هذه المرة كان البيت الأبيض متلكئا، إذ ركز على قضايا الضرائب والميزانية في الأشهر الأولى من إدارته الجديدة.

وعندما سئل فرد داتون عن الفارق بين المواجهات مع "أيباك" والكونغرس في صفقتي 15- f و "أواكس" أجاب : " كانت صفقة طائرات أواكس في عهد ريغن معركة أقسى". وأضاف موضحا: " برزت صفقة طائرات 15-f على المسرح بسرعة وغادرته بسرعة. لكن كانت صفقة أواكس معركة دموية طويلة. وأيباك اشتمت أخبارها باكرا وحاربتها بعنف. لقد أخذت أيباك تدير دفة الأمور في الواقع".

خشي معارضو صفقة طائرات "أواكس" من أن تستخدم الحكومة السعودية الطائرات في تهديد أمن إسرائيل، وهو الأمر الذي يتوافق مع تاريخ الرياض الطويل من العداء المتشدد للدولة اليهودية. ورأوا أيضا أن الحكومة السعودية نظام " يفتقر إلى الكفاءة". ويمكن أن ينهار في أي وقت، ما يضع الطائرات في أيدي نظام ثوري إسلامي آخر على غرار النظام الذي برز في إيران.

أوضح العقيد ليلاك أن هناك عائقا آخر جوبهت به إدارة ريغن وهو الحساسية المتعلقة بالحصول على تكنولوجيا "أواكس". نحن لا نفرض قيدا رسميا قط على مكان مرابطة الطائرات، لكن كان هناك سطوح تحكم وضبط، كما أسميها أعذارا كاذبة يقدمها مجلس النواب لعرقلة الصفقة، وكان ذلك أحد الأعذار التي قدمت في محاولة لمنع إتمام الصفقة، لأن التكولوجيا كانت حساسة جدا، الإلكترونيات والبرمجيات التي تتحكم بحيازة وتعقب 240 هدفا، فضلا عن المدخلات المتعددة والاتصالات.

كان ثمة عدد كبير من الأجهزة التي تفوق الخيال داخل الصناديق السوداء. وقال كثير من الأشخاص: " إن الوصول إلى هذه الأجهزة محفوف بمخاطر عظيمة، وتصوروا وقوعها في أيد شريرة وانتقالها إلى السوفييت".

وقد أبدى السفير ريتشارد مورفي الملاحظة التالية:

" كانت حجة ريغن بأكملها أن المملكة العربية السعودية بلد عربي، لكنها ليست من دول المواجهة ولا تطمح إلى المشاركة في الهجوم على إسرائيل.وعلى أي حال، إنها بحاجة كبيرة غلى مواجهة الحكومة الإيرانية الجديدة".

وأضاف مورفي:

" كنا طوال تلك الفترة شديدي القلق من إيران - ومن الحرب نفسها - وأعتقد أنني سمعت مسئولا أمريكيا سابقا يقول إن من مصلحتنا أن يستنزف الاثنان، إيران والعراق، أحدهما الآخر. لم يكن ذلك يثير اهتمامي البتة، لأنني كنت دائم القلق من احتمال مبادرة الإيرانيين إلى ا لتحرك ضد دول الخليج الصغيرة وإشعال حريق آخر يتعين علينا إطفاؤه.

بموجب شروط قانون الرقابة على صادرات الأسلحة، عندما يتلقى الكونغرس إشعارا رسميا بصفقة أسلحة، يمهل ثلاثين يوما لوقف الصفقة بأغلبية الأصوات في كلا المجلسين. وفي حال انقسام الأصوات، يأخذ اقتراح الرئيس مجراه. وفي 14 سبتمبر 1981، وبمجهود شخصي من الرئيس ريغن لاستمالة الأصوات المترددة، دعي 27 سيناتورا إلى البيت الأبيض. وكان حظ جهوده من النجاح محدودا،ففي وقت لاحق من ذلك الشهر وقع 56 سيناتورا من كلا الحزبين التماسا معارضا لصفقة طائرات "أواكس".

في هذه المرحلة بالذات من مراحل النقاش بذلت محاولات لوضع قيود وانتزاع تنازلات من السعوديين بخصوص عمل الطائرات، كل ما هو ضروري لتأمين تصويت في مجلس الشيوخ. وكان من الطبيعي أن يقاوم السعوديون تلك القيود، بل إنهم أشاروا إلى استعدادهم للحصول على أنظمة أسلحة من انجلترا أو فرنسا إذا لزم الأمر. وإذ وجدت الإدارة نفسها بين المطرقة والسندان، أبلغت إلى الكونغرس أنها ستقدم إشعارا رسميا بالبيع في 1 أكتوبر.

وفي 1 أكتوبر 1981، وبموجب قانون الرقابة على صادرات الأسلحة، أرسلت هيئة المساعدة الأمنية الدفاعية في البنتاغون الوثيقة الحاسمة، الإحالة رقم 81- 96، إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب للموافقة عليها. نصت هذه الوثيقة الموجزة على أن سلاح الجو لم يجد سببا استراتيجيا لرفض طلب المملكة العربية السعودية شراء خمس طائرات "أواكس " بمبلغ 8,5 مليارات دولار.

وضمت الصفقة خمس طائرات "أواكس" من طراز a3- e سنتري، وثماني عشرة منشأة رادارية أرضية ذات صلة بالطائرات، وست طائرات صهريج 135- kc (مع حق شراء اثنتين أخريين)، و101 من خزانات الوقود المتطابقة لطائرات 15-f التي حصلت المملكة عليها سنة 1977، و1177 صاروخ جو- جو " سايدويندر" مع نظام توجيه وتحكم شامل الاتجاهات. لقد كانت الصفقة رزمة دفاع جوي مع بنية تحتية ضخمة بتكلفة فعلية تبلغ 85 مليار دولار أي عشرة أضعاف القيمة الإسمية لمبيع طائرات "أواكس".

في المرحلة الأولية من النزاع على طائرات "أواكس" من أبريل إلى أغسطس 1981، لزمت الحكومة السعودية الصمت، معولة على إدارة ريغن لإقرار الصفقة في الكونغرس. لكن عندما اتضح أن المعركة تزداد شراسة وأن مجلس الشيوخ لا يثق في الضمانات التي قدمتها الحكومة السعودية إلى الرئيس ومفادها أن طائرات "أواكس" ستستخدم في مهمة دفاعية فقط، شرعت في حملة مفتوحة بغية استمالة شركات صناعة الأسلحة إلى صفتها.

أمل السعوديون في أن تكون الرسالة الدبلوماسية التي يبعثونها بتعيين بندر، المخول عمليا التكلم باسم الملك، إشارة واضحة إلى الأهمية التي توليها المملكة للصفقة، وكان بندر ممثلا صاعدا للمملكة العربية السعودية في واشنطن، وابن وزير الدفاع الأمير سلطان، والمؤتمن على أسرار ولي العهد فهد.

كانت الحكومة السعودية تريد بوضوح أن تبعث بإشارة لا لبس فيها أن الرياض تنظر إلى صفقة طائرات "أواكس" كأمر مصيري بالنسبة إلى مصالح الأمن القومي السعودي. وكانت العائلة المالكة السعودية تعتبر بندر الشخص الملائم لتولي أمر تلك القضية.

ومن المستغرب مع ذلك أن وزير الخارجية ألكسندر هيغ، الذي زار المملكة في أبريل 1981، ربما عجل في انتداب بندر للمساعدة في معركة ريغن لبيع الطائرات "أواكس" للمملكة العربية السعودية. فبعد أن نقل إلى ولي العهد الأمير فهد أن الرئيس مستعد للموافقة على صفقة "أواكس" سأل : " بالمناسبة أين صديقي المير بندر؟ نحن بحاجة إليه ليكرر ما قام به في موضوع طائرات 15-f. "

وعلل فرد داتون، الشخصية الأبرز في مجموعة الضغط لمصلحة المملكة العربية السعودية، اختيار بندر مبعوثا بالقول: " رأى ولي العهد فهد وجوب أن يأتي الأمير بندر ليساعد في ضمان إقرار الصفقة، كان الأمير فهد راعي بندر" . ويتمتع داتون بخبرة في التعامل مع الكونغرس، فقد كان مساعدا خاصا للرئيس جون أف. كنيدي وعين لاحقا مساعدا لوزير الخارجية لشئون العلاقات مع الكونغرس.

كان يعرف الإجراءات المتبعة وكانت اتصالاته في المجلس كثيرة جدا، وكذلك اتصالاته مع وسائل الإعلام.

"عندما وصلت إلى واشنطن أول مرة، كان التعرف إلى الإعلاميين أسهل، وتوقع كنيدي منا كلنا، نحن الذين لنا أدوار في إدارته، أن نشكل الإعلام. وأظن أن ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت كنيدي يعيدني إلى واشنطن، لأنني كنت داعية قويا لتشكيل الإعلام، تشكيل الصحافة والتلفزيون".

وجد بندر في داتون، حليفا قويا قادرا على الاستفادة من أمير مطلع تماما ومركز الفكر كأنه سلاح للتصويت والتسديد. وبعد ذلك، كانت المسألة تتعلق باتصال الأمير بأعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ والإعلاميين والتعامل معهم. وبإيعاز من داتون، كان بندر يولم لصحافيين مختارين في منزل في كالوراما بارك، مازجا المحادثة بمعلومات إخبارية حسنة التوقيت ومهمة.

وكان داتون يختار صفوة مراسلي واشنطن وصحافييها الذين يلهثون للحصول على معلومات داخلية بشأن معركة طائرات أواكس ويطلعهم مسبقا على الأخبار. وبهذه الطريقة بدأت حملة طائرات أواكس السعودية من وراء الكواليس دعما للاعب الرئيسي ، الرئيس ريغن.

لقد كان تمرس بندر بقراءة أسرار واشنطن السياسية المعقدة والدقيقة في الغالب يتقيد له العمل بشكل حاسم عندما يتطلب الموقف ذلك. كما مكنه من استيعاب كيفية ممارسة السلطة. أقام بندر مقره في جناح من ست غرف في فندق فيرفاكس في وسط واشنطن.

هنا كان يتواصل بحرية مع الجماعات المؤيدة للعرب والداعمين لهم، فضلا عن أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم لوضع استراتيجية تقنع بعض زملائهم الأصعب مراسا بتبديل ولائهم. وعلى الرغم من كون بندر مقدما صغيرا نسبيا، فقد اكتسب الاعتراف بأهليته وقدرته على تحقيق نتائج، وكذلك علاقته الخاصة بولي العهد الأمير فهد.

عمل بندر ، بنهوضه بهذه المسئولية، كمسهل وقناة ومبعوث بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. كان في وسعه أن يترجم لا بين اللغات فحسب، وإنما بين الثقافات أيضا، وكان بمثابة الغراء بين الدولتين المتباينتين إلى حد بعيد وقد علت مكانته مع ازدياد العلاقة متانة.فيما يتعلق بالتكتيكات السعودية خلال مناقشة صفقة طائرات أواكس، أكد داتون أنهم كانوا يحاولون جعل الرئيس ريغن يبدو كأنه يتولى زمام الأمور. لكن، كان تحقيق ذلك يتطلب الكثير من العمل.

وعن دور بندر، قال داتون:

" تعلم اللعبة السياسية هنا بسرعة معقولة وكان يحاول دائما العمل في الكواليس بجهد لا يقل عن العمل علانية، وقد أتقن ذلك. وبالنسبة إلى الاستراتيجيات أو التكتيكات، فقد ألقي العبء على ريغن. وفي الأيام الأخيرة التي سبقت التصويت، لجأ ريغن إلى التودد والإقناع وحتى إلى الترهيب - كان يقوم بكل ما يراه ضروريا. لم يكن في وسعه أن يخسر هذه الجولة، كانت كبيرة جدا - وأول اختبار كبير له في السياسة الخارجية" وختم داتون: " كان تكتيكنا إبقاء ريغن منهمكا".

كانت الاستراتيجية السعودية تتألف من شقين: استغل داتون الإعلام إلى أقصى حد، بما كان لديه من معارف كثيرة. وعلى الجانب الآخر ، مل بندر لاستمالة القاعدة الصناعية الأمريكية، دافعا الشركات للهجوم لمساندة صفقة طائرات "أواكس" عن طريق إعلامها، وإن بدبلوماسية، أن المملكة العربية السعودية ستقدر عمل هذه الشركات، أو توانيها عن العمل، عند تقرير اتفاقيات الأعمال في المستقبل.

وقد ساعد ديفيد سعد، المدير التنفيذي للرابطة الوطنية للأمريكيين العرب، الأمير بندر في تنظيم دعم الصناعات الأمريكية المهتمة لشراء المملكة طائرات "أواكس". ومارست صناعة النفط ضغوطا شديدة لمصلحة الصفقة، حيث أنفقت "موبيل" أكثر من نصف مليون دولار على إعلانات في الصحف عددت على صفحات كاملة مزايا التحالف الاقتصادي بين الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية.

وكان الضغط الأشد ذلك الذي نسقته "بوينغ" الشركة الرئيسية المتعاقدة في "أواكس" و" يونايتد تكنولوجيز"، التي لديها عقد بقيمة 100 مليون دولار معرض للخطر. وهكذا بعث رئيسا "بوينغ" و" يونايتد تكنولوجيز" أكثر من 6500 برقية إلى شركات فرعية، وبائعين وموردين في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، تحضهم على تأييد الصفقة. وذكر الصحفي ستيفن إمرسون أن يناتورا من الغرب الأوسط تلقى اتصالا من كل من الرؤساء التنفيذيين في ولايته لمصلحة صفقة طائرات "أواكس".

أسفرت الحملة السعودية لصالح "أواكس" عن واحدة من أنجح عمليات التأثير في الشركات الأمريكية والسياسة الخارجية الأمريكية تقوم بها جهة أجنبية على الإطلاق. فقد طلب بندر المساعدة المطلقة وتلقاها من بعض أكثر الشركات نفوذا في أمريكا: " موبيل أويل" و "بكتل" و" بوينغ" و " وستنغهاوس" و" يونايتد تكنولوجيز" وعلى نحو ذلك، ساندت عشرات المصالح التجارية الأخرى الحملة بغية حماية عقود البترودولار القائمة أو تأمين عقود جديدة.

وجرى حث آلاف المصالح التجارية الأخرى على الانضمام إلى الحملة بضغط من الموردين أو المشترين أو حتى الشركاء المحليين. وأضافت جهات أخرى كثيرة لا علاقة تجارية لها بصفقة طائرات "أواكس"، أو حتى بالمملكة العربية السعودية، دعمها لجهود الضغط لأنها كانت مقتنعة أن عدم إزعاج السعوديين أمر جوهري.

عكست الاستراتيجية السعودية إدراكا للنفوذ الذي يمكن اكتسابه عن طريق التماس الدعم من مجموعة الشركات الأمريكية وتعبئته. فجرى الاتصال بمئات من الرؤساء التنفيذيين ورؤساء الشركات ونواب الرؤساء وحثهم بقوة على الكتابة لأعضاء مجلس الشيوخ الذين يمثلونهم أو الاتصال بهؤلاء الأعضاء. وعممت الرسالة أن الأعمال السعودية أعمال مجزية ومصدر لفرص العمل بشكل مقنع، وخصوصا في الولايات المتحدة التي لم يكن يتمتع فيها أعضاء مجلس الشيوخ بحصانة سياسية.

وخلال فترة الستة أسابيع التي سبقت التصويت، ارتفعت وتيرة الضغوط الممارسة من قبل الشركات. ودعي عشرات من ممثلي الشركات الأمريكية الرئيسية في واشنطن إلى حضور حفلات استقبال في السفارة السعودية. ولما بدا أن نتيجة التصويت تزداد تقلبا، تكثف الضغط واستخدمت العقود لإغراء الشركات التواقة إليها.

وفي 19 سبتمبر 1981، التقى بندر الرئيس السابق جيرالد فورد في بالم سيرينغ، كاليفورنيا، وتمت خلال اللقاء مناقشة العلاقات الأمريكية السعودية وصفقة طائرات "أواكس". وبعد ذلك بشهر، أجرى الرئيس فورد اتصالات هاتفية بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ وعبر عن تأييده صفقة طائرات "أواكس".

ومن خلال جهود بندر والفريق السعودي بأكمله، استطاع ريغن أن يدعو إلى "المشاركة النشيطة لمجموعة الشركات الأمريكية بأكملها". وهو مجهود وصف أنه "أوسع أهداف الضغط الذي تمارسه الشكات الأمريكية في مسألة خاصة بالسياسة الخارجية".

وقال بندر لاحقا إن منطق ربط قضيتهم بالصناعات الأمريكية والحاجة إلى استخدام أفضل المحامين (وأعضاء مجموعات الضغط وخبراء العلاقات العامة) أصبح واضحا جدا. "لطالما اعتقدت أن لدى الإسرائيليين قضية رديئة، لكن لديها محامين جيدين... وأننا نحن العرب لدينا دائما قضية محقة، ولكن لدينا محامين سيئين". وتحمس الأمير، مضيفا بابتسامه: " لماذا يجلدوننا في السياسة دائما؟ أي إلى أن بدأنا تتعلم قواعد اللعبة وبدأنا اللعب فوق القواعد نفسها."

ومع ذلك لم يتم اجتذاب الشركات فحسب. فمن كبار المسئولين الآخرين الذين ساعدوا اللوبي السعودي كلارك كليفورد، وزير الدفاع في عهد الرئيس جونسون، وريتشارد كلايندينست، المدعي العام في عهد الرئيس نيكسون، ووليام روجرز، وزير الخارجية في عهد الرئيس نيكسون.

وبذل قصارى جهده وأضاف مسئولين سابقين في إدارة كارتر إلى اللوبي السياسي المؤيد لصفقة طائرات "أوكس"، بمن فيهم وزير الدفاع السابق هارولد براون، ووزير الخارجية السابق إدوارد موسكي والسفير السابق إلى المملكة العربية السعودية جون وست، وكذلك زعيم الجمهوريين الحالي في مجلس الشيوخ هوارد بيكر، واليناتور جون تاور، رئيس لجنة القوات المسلحة.

وقد أقر الأمر بالحاجة إلى خبراء محنكين ونافذين في الحلبة السياسية في واشنطن، ثم اكتسب ثقتهم، وباختصار أحاط نفسه بأفضل من يستطيع المال أن يستقطبهم، ما سمح للفريق السعودي أن يناقش بجدارة في لعبة القوة في واشنطن في وجه المعارضة القوية جدا والتي يمدجها لاعبون فاعلون وخصوم آخرون بارزون.

كان مسعى إدارة بيغن بشأن طائرات "أواكس" بقيادة فريق عمل خاص مؤلف من البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع وموظفين في الكونغرس، وسلاح الجو الأمريكي، الذي مثله بوب ليلاك. وقد رسمت خريطة تبين تقدم الفريق على جدار في غرفة البرمجة الواقعة في الطبقة السفلى من "الجناح الغربي" من البيت الأبيض . وكانت ثمة خريطة مماثلة في المكاتب السعودية في فندق فيرفاكس. وكان التواصل بين فريق البيت الأبيض والفريق السعودي وثيقا للغاية.

وتعزز ذلك التفاعل بالانسجام الشخصي بين بندر وليلاك. ومع اشتداد حملة طائرات "أواكس" اصبح ليلاك في الغالب صلة بين فريق البيت الأبيض وبندر. كان يعرف أين يجده، يعرف الأماكن المعهودة التي تيردد عليها بانتظام. ويذكر ليلاك كيف احتاجوا في إحدى الأمسيات، بعد اجتماع طويل في غرفة المواقف الحرجة في البيت الأبيض، إلى الاتصال ببندر بصورة ملحة لتوقيع مسودة اتفاق على طائرات "أواكس".

يقول ليلاك: " ارتؤي أن ثمة قيدا وحدا يمكن ن يجتذب سيناتورا معينا إلى معسكرنا وهو منع وصول أواكس . كان لدى سلاح لجو الملكي السعودي الكثير من التقنيين الباكستانيين". وكان لابد من اتخاذ قرار على وجه السرعة، واقتضى البروتوكول الحصول على موافقة بندر. ويتابع ليلاك: " كنا بحاجة إلى الحصول على جواب، للرد على هذا السيناتور في تلك الليلة أو في صباح اليوم التالي، لذا احتجنا إلى موافقة السعوديين بسرعة".

وحين لم يجد ريك بيرت، الذي كان يعمل آنذاك لحساب وزير الخارجية ألكسندر هيغ، بندر في السفارة ، قصد مع ليلاك شقة بندر، حيث أبلغ ليلاك الحراس: "أنا بوب ليلاك، يجب أن أرى الأمير بندر". وجاءه الرد أن بندر في اجتماع خاص مع وزير الخارجية، لكن ليلاك ألح بالقول: " يجب أن تسمحوا لنا بالدخول " . سمح لليلاك وبيوت في نهاية المطاف بالانضمام إلى الأمير والوزير ألكسندر هيغ في اجتماعهما.

عند دخولهما الغرفة، التفت هيغ ورأى بيرت وليلاك، وكان الأخير لا يزال مرتيدا بذلته العسكرية ، ثم قال لبندر : " إننا في ورطة، لقد جاءنا سلاج الجو. ما الذي تفعلانه هنا؟".

أجاب ليلاك: " إنني بحاجة إلى توقيع بندر على قيد يتعلق بطائرات أواكس".

قال بندر: " حسنا دعنا نراه". وبعد النظر فيه مدة وجيزة، وقع وهو يقول: " لا أظن أننا نمانع في ذلك، بل لست بحاجة إلى مراجعة أحد في المملكة بخصوص هذا الأمر".

ضحك هيغ وهو يتجه إلى الباب وقال : " انصرفا من هنا وعودا إلى العمل". عندما زار وزير الخارجية الإسرائيلي إسحاق شامير واشنطن في فبراير 1981، تلقى إشارة مفادها أن الرئيس ريغن يميل إلى الموافقة على صفقة لطائرات السعودية. بيد أن تفاصيلها بقيت طي الكتمان، ولم تبلغه الإدارة سوى أن معدات مراقبة جوية ستباع للسعوديين من دون أن تفصح له عن طبيعة تلك المعدات.

وأخبر أن الصفقة ستتضمن فقط معدات لتعزيز طائرات 15- f نوقشت في السابق مع إدارة كارتر. ولم يبلغ شامير أن الصفقة ستضم طائرات "أواكس". من ناحية التفوق الجوي الإسرائيلي، فإن طائرات "بوينغ" المعدلة تلك، بأطباق راداراتها الكبيرة ومعداتها المتطورة الخاصة بمعالجة البيانات، ستضعف الأفضلية العسكرية افسرائيلية، إذ كانت تتقدم بأشواط على طائرة "غرومان c2-e هوك آي" التي تمتلكها إسرائيل.

وعندما زار رئيس الوزراء مناحيم بيغن واشنطن في سبتمبر 1981، تأكدت بالفعل إضافة طائرات "أواكس" إلى الصفقة السعودية. وكان رد فعل بيغن وتل أبيب عدائي جدا. ومع ذلك، اعتقدت الإدارة أنها أقنعت بيغت بالحد من ملاحظاته بخصوص طائرات "أواكس" وعدم إثارة حملة حولها في وسائل الإعلام . لكنها كانت على خطأ.

يقول ريغن:

" علمت أن بيغن توجه بعد مغادرته البيت الأبيض مباشرة إلى مبنى الكونغرس وراح يؤلب المجلس علي وعلى الإدارة وصفقة طائرات أواكس، بعد أن أبلغني أنه لن يفعل ذلك. لم أكن أحب أن يتدخل ممثلو بلد أجنبي – أي بلد أجنبي- في ما اعتبره شأنا سياسيا محليا خاصا بنا وفي تحديد سياستنا الخارجية.

طلبت من وزارة الخارجية إبلاغ بيغن أن ما فعله لا يروقني، وأنه يعرض علاقة بلدينا الحميمة للخطر ما لم يكف عن ذلك. وشعرت في قرارة نفسي أنه نكث بوعده وقد أغضبني ذلك. وبناء على ذلك مع أن الرئيس ريغن يميل إلى تأييد إسرائيل ، فقد جرت مناقشة طائرات "أواكس" على خلفية من التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

اعتبر تدخل بيغن في العلاقات الأمريكية مع المملكة العربية السعودية غير لائق. وفي السيرة الذاتية عن حياة ريغن، يشير لو كانون إلى أن تكتيكات بيغن حملت ريغن على التدخل بشكل غير عادي في مجريات السياسة. وبتشجيع من كبير موظفي البيت الأبيض جيمس بيكر، جعل ريغن صفقة طائرات أواكس اختبارا لمكانته الشخصية، وكانت آنذاك عالية جدا بين الجمهوريين . لقد أفسدت الحكومة الإسرائيلية قضيتها عن غير قصد.

وفي حين كان ينظر إلى السعوديين على أنهم يعملون مع الإدارة الأمريكية بأسلوب إيجابي - حيث كانوا يتداولون في خطة سلام في الشرق الأوسط ويضخون المزيد من النفط - بادر رئيس الوزراء الغاضب بيغن إلى الهجوم. لذا اعتبر أن بيغن يستغل سلطة ومكانة منصبه كزعيم لدولة أجنبية للتأثير في الكونغرس كي يمنع صفقة لطرف ثالث.

وفوق ذلك، كانت حصانة بيغن الدبلوماسية مضاعفة لأنه ليس مجرد زعيم أي دولة، وإنما دولة ذات روابط وثيقة استثنائية مع الفئة الثقافية الأحسن تنظيما من الناحية السياسية في الولايات المتحدة، أي الجالية اليهودية، ومصدر الصلات العاطفية العميقة الجذور بها. كرئيس وزراء، لم يكن يمثل حكومته في حملة ضغوطها ضد طائرات "أواكس" فحسب، بل يعتبر أيضا أنه يتكلم بلسان الجالية اليهودية الأمريكية.

لا شك في أن التعاطف بين إسرائيل والجالية اليهودية الأمريكية يمكن بيغن من ممارسة تأثير سياسي في الكونغرس ربما يفوق تأثير اي زعيم أجنبي في العالم. لكن الاستغلال غير المسئول لذلك التأثير، كما رآه ريغن والبيت الأبيض على السواء، يفسر لماذا سببت محاولات بيغن إقناع الكونغرس بعرقلة صفقة طائرات "أواكس" انزعاجا واستياء في البيت الأبيض

لم يكن أي من المؤيدين للمملكة العربية السعودية يتمتع بالقدر نفسه من النفوذ السياسي، بمن فيهم بندر . ومع أن بندر كان يقود حملة الضغوط السعودية، فإنه كان مجرد ضابط في سلاح الجو. وكان ينظر إلى جهوده على أنها مناصرة طبيعية، في حين بدأ ينظر إلى جهود بيغن على أنها تدخل مطلق.

في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 1 أكتوبر 1981، في الجناح الشرقي من البيت الأبيض في أثناء زيارة بيغن، أعلن ريغن بتحد أنه سيرفع صفقة طائرات "أواكس" رسميا إلى الكونغرس. وفي اتهام شائك وصريح وجهه إلى بيغن، أكد ريغن: لا شأن لدول أخرى في رسم السياسة الخارجية الأمريكية.

ومن واجبي كرئيس تحديد أهداف سياستنا القومية العامة والدفاع عنها. الكونغرس يمارس بالطبع دورا مهما في العملية ، وفي حين أن علينا دائما أخذ مصالح حلفائنا الحيوية في الحسبان، فإنه ينبغي أن تبقى المصالح الأمنية الأمريكية مسئوليتنا الداخلية.

كان التدخل غير الملائم لمناحيم بيغن ذي الطبع النتاري في مصلحة بندر. بل إن بندر أعاد كثيرا من الفضل في نجاح الضغوط السعودية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، إذ قال: " كان بيغن بالطبع أفضل حليف لنا في موضوع طائرات أواكس، لأنه كلما تكلم كسبنا المزيد من الأشخاص". وأضاف: " أنا واثق من أنه لم يقصد أن تسير الأمور على هذا النحو، لكنه كان أحسن أوراقي الرابحة، كل ما كان علي أن أفعله هو القول هل سمعتم بيغن"

ما بدأ كمسألة دفاع سعودي عقب توصيات سلاح الجو الأمريكي مقابل حقول النفط السعودية، أصبح مسألة سياسية عندما صمم بيغن و "أيباك" على الحؤول دون إتمام الصفقة. وقد رأى بندر أنه إذا خسر السعوديون صفقة طائرات "أواكس"، فإنهم سيكسبون الرئيس، وإذا فازوا بالصفقة، فسيكسبون أيضا لأن الرئيس الرئيس يريد إتمام الصفقة. وهكذا، أصبح الموقف بالنسبة إل المملكة العربية السعودية مربحا في كلتا الحالتين، عندما انغمست إسرائيل في الحرب الكلامية.

ويقول الأمير العالي الهمة:

" كنا حريصين جدا على أن يلزم الإسرائيليون أنفسهم بمحاربتنا في موضوع طائرات أواكس. فعندما يفعلون ذلك، فإنهم يحاربون الرئيس ونصبح في حل من الأمر. تركناهم وشأنهم لأن الفوز حليفنا في كلتا الحالتين. تلك هي الطريقة الوحيدة التي أنشدها". لقد كانت مكافآت هذا الصراع في الكونغرس أبعد من مجرد الحصول على معدات عسكرية. كانت إيذانا بتغير كبير في الرأي العام الأمريكي.

على المستوى التكتيكي ، مكن تدخل رئيس الوزراء بيغن في نقاش طائرات "أواكس" فرد داتون من تصوير الخيار الذي يواجه مجلس الشيوخ على أنه خيار " ريغن أو بيغن" . وقد ذكر في الواقع أن فرد داتون ربما كان أكثر الناشطين فعالية في الضغط لمصلحة طائرات "أواكس"

وأن " مساهتمه الأبرز هي تحويل الجدل بشأن طائرات أواكس من قضية موضوعية إلى قضية شخصية، أي أنه استطاع تصوير القضية أنها معركة بين رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل". وكما أبلغ داتون صحيفة "نيويورك تايمز"، يتعين على أعضاء مجلس الشيوخ الذين يعارضون الصفقة أن يوضحوا، " كيف سيديرون السياسة الخارجية بعد أن فضلوا بيغن على ريغن؟".

على الرغم من أن مجلس النواب رفض الصفقة، كما كان متوقعا، بعد تصويت 301 مقابل 111، فإن ريغن شن حملة ضغط شخصية في مجلس الشيوخ الأمريكي لا نظير لها في التاريخ الحديث. وتحول إلى أبرز الضاغطين قاطبة، وأجرى عشرات الاتصالات الهاتفية دعا فيها أعضاء مجلس الشيوخ المترددين إلى مساندة الصفقة. وحيث تدعو الضرورة، وعد بكثير من الخدمات التشريعية والخاصة بالموازنة. وتحدث الرئيس إلى 44 سيناتورا كلا على حدة، مستخدما الضغط والإقناع وأخيرا الترهيب، في محاولة إقناعهم بالحاجة المطلقة إلى الموافقة على صفقة طائرات "أواكس".

في الأيا الأخيرة التي سبقت التصويت، تلقت حملة ريغن الشخصية مساندة بالضغط الذي مارسته شركات صناعة الأسلحة والنفط الأمريكية، وذلك بتشجيع من بندر والفريق العامل معه. وأدى التأثير السعودي المستتر في وسائل الإعلام، بفضل موهبة داتون، إلى جانب جهود فريق البيت الأبيض، إلى الحصول تدريجيا على أصوات حاسمة. وبدأت الفجوة في مجلس الشيوخ تضيق.

لمجابهة التهديد الذي شكلته "أيباك"، حشد الرئيس جيشا صغيرا من المسئولين، من بينهم وزراء الخارجية والدفاع السابقون، لتقديم حجة الإدارة أمام الكونغرس في جلسات استماع رسمية وجلسات اطلاع غير رسمية. ومن العاملين في الإدارة لمصلحة الصفقة جنرال سلاح الجو ريتشارد سيكورد، الذي ساعد على التفاوض مع السعوديين بشأن شروط الصفقة.

وكان الجنرال سيكورد أعلى الضباط العسكريين رتبة الذين ساعدوا البيت الأبيض في قيادة فرق إطلاع الكونغرس. وكلف البنتاغون ثلاثة ضباط بتتبع البرمجة والقضايا، أحدهم ضابط شديد الحيوية برتبة مقدم في مشاة البحرية اسمه أوليفر نورث. ومن هذا اللقاء بين الجنرال سيكورد ونورث الذي ذاع اسمه لاحقا ، زرعت البذور التي أزهرت منها قضية إيران - كونترا.

كان قسم من البنية التحتية التي دعمت حملة ريغن بشأن طائرات "أواكس" يضم غرفة البرمجة. ويقول ليلاك، شارحا وظيفة هذه الغرفة: " شملت البرمجة تتبع من أطلع من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ومن قدم الإطلاع، كما أنها تتتبع برمجة الإطلاعات التي قدمناها للمجموعات. كانوا يأتون بهذه المجموعات أو بحفيين إلى غرفة المعاهدة الهندية في المكتب التنفيذي القديم".

ويضيف ليلاك بسرعة:

" كنا نطلع الصحفيين المعتمدين في البيت الأبيض بانتظام، كما أنني كنت أطلع كبار الموظفين مثل مايك ديفر وإدميس وسواهما. إلا أن المبرمجين واصلوا تتبع هذه الأمور كلها، كانوا يتتبعون في المقام الأول احتياجات اعضاء الكونغرس، من وما هي حاجته".

وصف ريغن، في مذكراته الجدال حول صفقة طائرات "أواكس" أنه " أحد أقسى المعارك التي شهدتها في أعوامي الثمانية في واشنطن... وباستثناء اقتراعين أو ثلاثة على الضرائب وخفض الإنفاق ، لإإنني أمضيت في اللقاءات الثنائية وفي الاتصالات الهاتفية لتحقيق الفوز في هذا التدبير وقتا أطول مما أمضيت في أي شئ آخر " .

وعلى خلفية هذه الصفقة غير المعلنة بشكل واسع من الأسلحة والبنى التحتية للمملكة العربية السعودية، وما صحبها من تأثير في سياسته الخارجية وفيا لقدرة العسكية الأمريكية في الشرق الأوسط، يمكن فهم لماذا ينبغي للرئيس إظهار مثل هذا التصميم الشخصي.

وقد قال بيكر لاحقا:

" كان الرئيس مستعدا للقيام بأي شئ تقريبا لتفادي الهزيمة في هذا الأمر. وكان الوصول إليه متحا على مدار الساعة عند الضرورة. كان يشعر أن عليه تحقيق الفوز بالمطلق. وفي إيجاز لمدى ضلوعه شخصيا في الضغط على مجلس الشيوخ، عزا الرئيس الطابع الجاف والعدائي الذي صبغ مناقشة صفقة طائرات "أواكس" إلى الصراع الشديد والحاد الذي نظمه اللوبي المؤيد لإسرائيل.
ويظهر شعور ريغن بالحاجة غلى تنظيم مثل هذا الضغط القوي على كلا الحزبين بشأن صفقة طائرات "أواكس"، قبل أسابيع من موعد التصويت في مجلس الشيوخ، حدة المعارضة التي قادتها "أيباك" وإدراكه حجم التهديد الموجه إلى إدارته السياسة الخارجية الأمريكية.

لقد تطورت "ايباك" على مر السنين من منتدى الشئون العامة الجنيني المؤيد لإسرائيل في الخمسينيات ، حيث كان يضم بضعة آلاف من الأعضاء، إلى لوبي واسع ذي نفوذ بالغ وعلى درجة من الخطورة، يلجأ إليه عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب طلبا للتوجيه والإرشاد . وقد أقر ريغن بالتهديد الذي شكله هذا اللوبي شديد التأثير، وكان يعرف أن العديد من أعضاء مجلسي الشيوخ ومجلس النواب يرون أن نفوذ " أيباك" السياسي يبعث على الرهبة.

وبالإجمال ، تمكنت "أيباك" من "استجماع البأس واكتساب القوة بالتكيف مع سياسة واشنطن الجديدة: اتساع سلطة الكونغرس، وقوة التأثير في القواعد الشعبية، والحاجة إلى أن تكون من الحزبين، وأهمية تقديم الدعم المالي لصالح الأصدقاء وضد الأعداء ثم الإعلان عن النتائج". باختصار، كانت "أيباك" على معرفة وثيقة بالقواعد الجديدة للعبة ممارسة الضغوط والتأثير ولعبت وفق تلك القواعد لتفوز.

في هذا الاختبار للقوة إزاء اللوبي الإسرائيلي، حصل الرئيس العازم على دعم الرؤساء السابقين نيكسون وفورد وكارتر، الذي أيدوا الصفقة علانية. وكان من المهم أيضا في استراتيجية رغن التأييد القاطع لصفقة طائرات "أواكس" في أوساط جماعة السياسة الخارجية والأمن القومي - لا سيما وزيرا الخارجية والدفاع - ومستشتري البيت الأبيض لشئون الأمن القومي، ورؤساء هيئة الأركان المشتركة السابقين.

وقد نجح دعم أولئك القادة السابقين في تقديم حجة ذات صدقية أقنعت مجلس الشيوخ أن صفقة طائرات "أواكس" حاسمة بالنسبة إلى مصالح الأمن القومي الأمريكي، وجعلت إعاقة الصفقة في مجلس الشيوخ أمرا مستحيلا من الناحية السياسية.

بل إن هنري كيسنجر، الذي عارض الصفقة في أول الأمر وقف أخيرا في صف قادة السياسة الخارجية ورجال الدولة الآخرين المساندين للصفقة. وقال في لقاء متلفز: " سيدي الرئيس، إنني أدرك الجدل المحتدم حول هذه المسألة وأتعاطف مع الكثير من مشاعر القلق التي جرى التعبير عنها. ولكنني مقتنع تماما أن هذه المشاعر لا يمكن تهدئتها برفض بيع طائرات أواكس".

وأعتقد أن الصفقة تصب في المصلحة القومية للولايات المتحدة، وهي متوافقة مع أمن إسرائيل وضرورية لعملية السلام في الشرق الأوسط، ومهمة لقدرة الرئيس على إدارة سياسة خارجية فعالة وذات صدقية. وإنني أحث الذين تساروهم مشاعر قلق مشروعة على تبديدها بالتباحث مع الإدارة والتصويت لصالح صفقة طائرات أواكس من دون ربطها بشروط لا تتوافق مع كرامة المملكة العربية السعودية ومع الإدارة الفعالة لسياستنا الخارجية.

لجأ ريغن إلى تخويف زملائه الجمهوريين ، بمن فيهم السيناتور بوب باكوود، الرجل الذي قدم قرار باكوود، وهو الأداة التشريعية المعارضة لصفقة طائرات "أواكس". وقد اجتمعا في 11 سبتمبر 1981، في جو عاصف في أحسن ألأحوال. فقد رأس باكوود لجنة حملة التبرعات لمرشحي مجلس الشيوخ من الحزب القديم الكبير gop الجمهوري وشدد على أن المحسنين اليهود مستائون من مشروع طائرات "أواكس".

وإذ أدرك الرئيس أن لا سبيل إلى تغيير موقف باكوود، التف حوله ببراعة بجعل البيت الأبيض يسرب روايته عن الاجتماع، مسببا حرجا لباكوود. وقد ركز التسريب على المناقشة بشأن التوصيف الذكي الذي أطلقه داتون على موضو " ريغن في مقابل بيغن"، وبالتالي لم تعد المزايا الجوهرية للأسلحة المقترحة هي القضية ، ولا الأرض التكتيكية التي اختارها الرئيس للمعركة القادمة.

كان الائتلاف المؤيد لإسرائيل في مجلس الشيوخ يمتلك أغلبية ضئيلة 54- 56 وأمام الهجوم الكاسح لحملة ريغن - السعودية بدأ الشيوخ يبدلون موقفهم واحدا تلو الآخر. ومع ذلك، عندما أرسل الرئيس ريغن إشعارا رسميا إلى المونغرس في 1 أكتوبر، حذر بيكر الرئيس من أن الاحتمالات سيئة.

وفي بيان معد تلى في الصحفي في 1 أكتوبر، أوضح الرئيس أن خصوم صفقة طائرات "أواكس" يخدمون تل أبيب، لا واشنطن. فلم يد في وسع "أيباك" الاعتماد على دفاعها الذي تردجده كثيرا: " إننا نعمل كأمريكيين وطنيين لمصلحة أمتنا" وها هو الرئيس يصفهم أنهم عملاء لإسرائيل.

في 4 أكتوبر ، اجتمع ممثلون للبيت الأبيض مع السيناتور جون وارنر والسيناتور سام نن لوضع مشروع قرار يرمي إلى طمأنة الكونغرس أن طائرات "أواكس" ستستخدم لأغراض دفاعية فقط ومع قدر من الإشراف الأمريكي. كان وارنر رئيسا للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، ونن كبير أعضاء اللجنة عن حزب الأقلية

وقد كتب البيت الأبيض أيضا رسالة رئاسية تفصل الشروط التي يتعين على السعودية تلبيتها لإقرار الصفقة وعرضت هذه الوثيقة على أعضاء مجلس الشيوخ المترددين وعدلت عدة مرات للاستجابة إلى بعض مطالبهم الفردية. وأخذ خصوم الصفقة يعلنون واحدا بعد الآخر انتقالهم إلى جانب ريغن.

في 6 أكتوبر 1981، اغتيل الرئيس المصري أنور السادات . وهكذا في سابقة مخيفة تمهد لأحداث لاحقة، هدد عمل إرهابي أهوج نفذه متطرفون معادون للحداثة بتقويض التقدم الذي حققه المعتدلون العرب بشق الأنفس مع الغرب .

وفي 7 أكتوبر عقد الرئيس ريغن اجتمعا مغلقا مع 43 سيناتورا جمهوريا، من بينهم كثير ممن وقعوا بالفعل قرارا ضد الصفقة. وفي تلك الجلسة وفي اجتماعات إفرادية مع الجمهوريين، شدد الرئيس على الولاء للحزب وعلى مصداقية الرئاسة الأمريكية في إدارة الشئون الخارجية. وقد قال بشكل شخصي في مناسبات عدة: " إذا صوتم ضدي فسوف تحطون من شأني".

كادت إحدى أكثر المناقشات السياسية حدة وطولا ومرارة منذ حرب فيتنام تنهار على صفحات صحيفة "واشنطن بوست". فقبل أيام فقط من التصويت على صفقة "أواكس"، تم في اللحظة الأخيرة تجنب توضيح استراتيجية البيت الأبيض بفضل تدخل الجنرال سيكورد في الوقت المناسب.

على الرغم من أن صفة طائرات "أواكس" لم تكن معروفة إلا لدى قلة من الأشخاص، فإنها لم تكن محصورة في خمس طائرات. فهي تنشئ أيضا شبكة من قواعد تشغيل أممية متقدمة، ومنشآت تخزين عسكرية، ومستودعات، ومرافق بحرية، ومنشآت متقنة للقيادة والسيطرة داخل المملكة، وتقيم بنية تحتية ضخمة في الشرق الأوسط تتعدى كثيرا الاحتياجات الفورية للقوات المسلحة السعودية.

وقبيل تصويت الكونغرس على الصفقة، أبلغ البنتاغون مراسل " واشنطن بوست" سكوت أرمسترونغ أن تكلفة كل طائرة "أواكس" تبلغ 110 ملايين دولار تقريبا. فأثار ذلك حيرة أرمسترونغ لأنه وجد بعد عملية حسابية ان التكلفة الإجمالية هي 550 كليون دولار، لا مبلغ 8.5 مليارات دولار الذي يجري الحديث عنه في الكونغرس بخصوص المشتريات السعودية المقترحة.

ولذلك بدأ يشك في أن صفقة "أواكس" تتعدى كثيرا كجرد خمس طائرات، وأن ما أعلن أنه صفقة أسلحة صغيرة هو في الواقع بداية شئ أكبر بكثير. وفي فيلم وثائقي بثته محطة الإرسال العامة pbs في برنامج "فرونت لاين"، قال أرمسترونغ " إن صفقة أواكس يمكن أن تكون المحور لنظام اتصالات إلكترونية متقن يعادل جوهر ما لدينا في حلف الناتو... إنها تنشئ مسرح حرب جديدا".

وبناء على إدراكه حجم العقد السعودي المقترح، أعد أرمسترونغ مقالة مثيرة في "واشنطن بوست" تزعم أن صفقة طائرات "أواكس" ما هي إلا بداية خطة سرية بقيمة 50 مليار دولار لبناء قواعد عسكرية أمريكية بالوكالة في المملكة العربية السعودية.

لكن البيت الأبيض عرف بأمر المقالة قبل نشرها. وفي يوم الجمعة، 23 أكتوبر أي قبل التصويت بخمسة أيام فقط، اتصل مسئولون في البنتاغون بالصحيفة. وكما يذكر الجنرال سيكورد، قالوا لرئيس التحرير : " تعلم أن هذا الشخص يعد لهذه الحكاية السخيفة . عليك أن تعطينا فرصة. هذا أمر جنوني".

تراجعت صحيفة " واشنطن بوست" على الرغم من أن الرواية كانت صحيحة، لكنها نشرتها بعد عملية التصويت بأربعة أيام. أخذت ضغوط البيت الأبيض الدائمة على مدار الساعة تحدث اختراقا. فقد أعلن عدة أعضاء في مجلس الشيوخ أنهم سيدعمون الرئيس بعد تلقيهم تأكيدات "سرية للغاية" في ما يتعلق بأمن إسرائيل.

وكانت "المساومة" خلف أبواب مغلقة ضرورية لحملة البيت الأبيض. وهكذا تلقى السيناتور سليد غورتون وعدا من البيت الأبيض بدعم مخصص مالي لتجديد مستشفى للصحة العامة في سياتل. ولقي السيناتور تشارلز غراسلي تسهيلا لطلبه تعيين مرشحه لمنصب المدعي العام في أيوا. واستميل سيناتور ولاية مونتانا جون ميكلر بتقديم دعم لمنشأة تحويل الفحم قرب بات butte.

كان الضغط على أعضاء مجلس الشيوخ شديدا. وفي اللحظة الأخيرة، بسبب ضغط من شركات صناعة المعدات الزراعية، والتعاونيات الزراعية، وشركات الأسلحة على ما يبدو، صوت السيناتور روجر جبسن (جمهوري - أيوا) لمصلحة الرئيس ريغن، بعد أن كان من القادة المتشددين في الائتلاف المناوئ لصفقة "أواكس".

وسبب تغيير ولائه خسارة جسيمة، لأنه كان من نواة القوة الأصلية المناهضة لصفقة "أواكس". وقد أرهقته الضغوط المتعرضة إلى حد أنه أجهش بالبكاء فعلا وهو يبلغ الجمهوريين الآخرين أن معلومات "سرية للغاية" من البيت الأبيض ورغبته في عدم الإضرار بهيبة ريغن بدلتا موقفه من التصويت. وقد حرر ذلك الآخرين.

في 28 أكتوبر، قبل ساعات معدودة من التصويت في مجلس الشيوخ، قام ريغن وفريقه بآخر خطوة بارعة: في الدقيقة الأخيرة، أعلنت على الملأ تفاصيل التدابير الاحتياطية المتشددة التي فرضتها الإدارة على أحكام استخدام طائرات "أواكس" السعودية.

صيغت رسالة متقنة إلى كل سيناتور وعرضت فيها ضمانات ريغن بألا يستخدم الطائرات سوى أمريكيين وسعوديين فقط، وألا يتم تشارك معلومات طائرات "أواكس" مع أي دولة أخرى إلا بموافقة واشنطن، وأخيرا توفير حماية لطائرات "أواكس" كيلا تقع في أيدي جهات معادية.

ويقول جيمس بيكر:

" قدمت الرسالة إلى المترددين من أعضاء مجلس الشيوخ ... مخرجا شرعيا، ومنحتهم عذرا للموافقة على الصفقة. كانت الضمانات التي فرضت على المملكة العربية السعودية قاسية بحيث لم يعد في وسع سوى عدد قليل من أعضاء مجلس الشيوخ استخدام حجة سوء الاستخدام بأي قدر من المصداقيةوبذلك دحض ريغن الحجة الوحيدة الأقوى مفعولا وتأثيرا وإقناعا التي رفعها المتحدون في وجه صفقة "أواكس": " إنها تشكل تهديدا لأمن إسرائيل."

ومن دون ذلك، حرم خصوم ريغن في مجلس الشيوخ من ادعائهم المركزي، والعنصر المحوري للحجة التي استخدموها ضد الاتفاقية منذ بداية المناقشة. وبالإعلان عن تفاصيل تلك الضمانات قبل التصويت بساعات قليلة - وهو ما حرم معارضي الصفقة من الوقت لدحضها - أحرز ريغن الأصوات الأخيرة التي كان بحاجة إليها لضمان رفض أغلبية مجلس الشيوخ قرار باكوود.

وحتى 23 أكتوبر أحصت صحيفة "نيويورك تايمز" خمسين سيناتورا معارضين للصفقة وأربعين مؤيدين لها، أما الباقون فكانوا مترددين. لكن في الساعات الثماني والأربعين التي سبقت التصويت، كان التحرك كله باتجاه موقف البيت الأبيض. وقبل يوم واحد من التصويت في مجلس الشيوخ، وعلى إثر التبدل الدراماتيكي في موقف روجر جبس، أعلن ثمانية من أعضاء مجلس الشيوخ أنهم سيؤيدون الصفقة.

وعند الساعة 03: 5 بعد ظهر 28 أكتوبر 1981، بدأ مجلس الشيوخ التصويت على صفقة طائرات "أواكس" بالمناداة بالاسم ، وانتهى الأمر بعد بضع دقائق. وبعد أن رشح إلى البيت الأبيض خبر التصويت الإيجابي في مجلس الشيوخ، أفيد عن أن رد فعل ريغن الفوري لدى سماعه الأنباء، كان "شكرا لله"

وفي مزاح لاحق تعبيرا عن الارتياح بشأن معركة طائرات "أواكس" الأليمة، قال الرئيس ريغن إن المعركة كانت "مثل التغوط في ثمرة أناناس" وفي النتيجة التي لم يكن يمكن تصورها قبل أسابيع قليلة، رفض مجلس الشيوخ قرار باكوود المناهض لصفقة "أواكس" بـ 52 صوتا في مقابل 48.

لقد فاز الرئيس

في 1 نوفمبر نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالة أرمسترونغ التي تجمل التفاصيل غير الموضحة في لغة مشروع القانون، والتي لم يجر التطرق إليها قط في مناقشات الكونغرس: وهي أنه في مقابل صفقة متكاملة من التكنولوجيا العسكرية بالغة التطور، تبني المملكة العربية السعودية شبكة ضخمة من المرافق البحرية ومنشآت الدفاع الجوي لمساندة القوات الأمريكية إذا استدعت الحاجة في أي وقت من الأوقات حماية المنطقة من معتد ما. لقد مارس البيت الأبيض خدعة كبيرة على الكونغرس.

لم يخضع المدى الحقيقي لما سمحت الوثيقة 81- 96 للسعوديين بشرائه لتدقيق عام معمق. وربما أشير إلى أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب بالتركيز على الفقرة الثالثة من الملحق المكون من صفحة واحدة، إذ بالإضافة إلى الطائرات الخمس، يحصل السعوديون أيضا على موافقة بشأن تصميم وبناء وتوريد منشآت ومعدات قيادة وسيطرة واتصالات

إذ بالإضافة إلى الطائرات الخمس، يحصل السعوديون أيضا على موافقة بشأن تصميم وبناء وتوريد منشآت ومعدات قيادة وسيطرة واتصالات 3 c أرضية ذات صلة بطائرات أواكس، بما في ذلك عدد ملائم من أنظمة الرادار الأرضية. وتصل قيمة تلك الصفقة- التي لم يظهر منها سوى ما يقل كثيرا عن 10 مليارات دولار- إلى 85 مليار دولار تقريبا. ذلك هو مشروع قانون "أواكس" الحقيقي.

قال باكوود في ما بعد، إن التصويت كان بمثابة "البارجة ضد المدمرات، وقد تفوقوا علينا. لكن التصويت لم يكن متكافئا قط بالقدر الذي بدا عليه. فقد كشف تعليق مفاجئ للسفير ريتشارد مورفي مدى النفوذ الذي مارسته "أيباك" على الكونغرس حتى الإدلاء بالأصوات الأخيرة. قال مورفي: " كان فارق الأصوات متقاربا جدا في مجلس الشيوخ، لم يكن ثمة داع لأن يكون متقاربا على ذلك النحو".

وبدا أن عددا من أعضاء مجلس الشيوخ وافقوا على التصويت ضد قرار باكوود، وإلى جانب الرئيس ريغن، إذا كانت أصواتهم ضرورية جدا. والحقيقة، كما أكد نائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج، هي أن عددا من أعضاء مجلس الشيوخ وافقوا على تغيير ولائهم لمصلحة الرئيس في التصويت النهائي إذا كانت أصواتهم ضرورية بصورة مطلقة. لكن إذا لم تكن ضرورية ، فإنهم سيدعمون قرار باكوود المؤيد لإسرائيل.

ووافق العقيد ليلاك على هذا الرأي بالقول: " هذا هو ما فهمته أيضا. أعتقد أنه كان هناك سيناتوران على الأقل، لكنني لا أعرف اسميهما" . وأكد فرد داتون هذا الموقف أيضا، قائلا: " أجل ، هذا صحيح تماما، كان لدينا نحو أربعة أصوات إضافية سرية، كانوا بمثابة بوليصة تأمين". وختم أن أولئك الشيوخ كانوا يخشون نفوذ اللوبي اليهودي في ولاياتهم، ولما كانوا متأكدين تماما من أن الرئيس ضمن الصفقة، فقد صوتوا ضد ضميرهم ولمصلحة القرار.

وصف مدير "ايباك"، توم داين، الجدال بشأن صفقة "أواكس" بماراتون امتد عشرة أشهر، من ديسمبر 1980 إلى 28 أكتوبر 1981. لقد نجحت استراتيجية "أيباك" المستندة إلى أحكام قانون الرقابة على صادرات الأسلحة، الذي من خلاله يوافق الكونغرس على جميع عمليات نقل الأسلحة المقترحة أو يرفضها، في إعاقة صفقة "أواكس" في كل مرحلة من مراحل العملية التشريعية ما عدا المرحلة الأخيرة: التصويت النهائي في مجلس الشيوخ.

سارعت "أيباك" مستفيدة من دروس الهزائم في صفقتي طائرات 15-F وأواكس إلى المملكة العربية السعودية، إلى إعادة استجماع قواها والتأكيد على تفوقها. يقول فرد داتون في مقابلة عن تأثير "ايباك": تسببت هزيمتا أيباك، أولا في صفقة 15-F ثم في صفقة أواكس، وفي ضوء عدم تعرضها لهزيمة من قبل، في إعادة تنظيم جوهرية جعلت أيباك أقوى بكثير. وقد بدأت إعادة بناء من الأساس، وهي تتمتع الآن بفعالية عملية أكبر بكثير.

مما لا شك فيه أن "أيباك" نهضت كطائر الفينيق في أعقاب صفقة "أواكس" والقول إن "أيباك" خاضت معركة طائرات "أواكس" بمرارة قول فيه كثير التحفظ. فقد أوحت خسارتها للكثيرين بانقلاب الميزان السياسي في القضايا العربية الإسرائيلية. لكن كما أكد فرد داتون، كان ذلك بعيدا عن نهاية القصة.

ففي الأعوام الأربعة التالية، أجرت "أيباك" تحولا داخليا عززت بموجبه قوتها كثيرا. ودفعتها صدمة التصويت على صفقة "أواكس" غلى وضع استراتيجية سياسية جديدة حولتها، في آخر الأمر، إلى لوبي فائق القوة. وفي تسعة أعوام فقط، قفزت موازنتها ثمانية أضعاف وارتفع عدد أعضائها من 9000 عضو سنة 1977 إلى 55,000 عضو سنة 1987.

وفي أوائل سنة 1988 أصبحت "أيباك" مرة أخرى معقلا للقوة في واشنطن. وكتبت كاثلين كريستيسون وهي محللة سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية cia أن أعوام ريغن شهدت تغيرا متميزا في تأثير اللوبي في صنع السياسة، وقالت ببراعة: " إذا ، كان يعتقد في الإدارات الماضية أن أيباك ذات تأثير حدى كبير في صوغ السياسات" ، وأضافت : "في عهد ريغن، أصبحت أيباك شريكة في صنع السياسة. ورفعت إدارة ريغن أيباك إلى مستوى لاعب فاعل في هذه اللعبة".

عكست صحيفة "نيويورك تايمز" قوة " أيباك" الجديدة بتقديم تفاصيل عن حجم الهبة الأمريكية إلى إسرائيل، حين ذكرت أنه على الرغم من أن إسرائيل توقعت تلقي أكثر من 2’6 مليار دولار كمساعدة اقتصادية وعسكرية في السنة المالية التي تبدأ في 1 أكتوبر 1983، فإن لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ صوتت، تحت ضغط من اللوبي الإسرائيلي، لصالح تخصيص أكثر بكثير مما طلبته الإدارة لإسرائيل فقد طلبت الإدارة 1,7 مليار دولار كاعتمادات عكسرية

منها 500 مليون دولار لا ترد، و800 مليون دولار كهبات اقتصادية (اي منح غير قابلة للسداد) غير أن اللجنة صوتت بدلا من ذلك على زيادة الاعتمادات التي لا ترد إلى 850 مليون دولار وأضافت 125 مليون دولار إلى 800 مليون كمساعدة اقتصادية. وأكدت المقالة أن إسرائيل كانت أكبر متلقية للمساعدات الأمريكية بفئتيها العسكرية والاقتصادية، حيث حصلت على ما يزيد على 20 بالمائة من مجموع المساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة إلى الدول الخارجية.

تواصل تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل. ففي سنة 1992، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أنه منذ إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في سنة 1979، تلقت إسرائيل ما مجموعه 40,1 مليار دولار، أي ما يساوي 21,5 بالمائة من مجمل المساعدة الأمريكية وفي سنة 1995 ارتفع الرقم إلى 60 مليار دولار.

إن إسرائيل حليف مكلف بالمقاييس كافة، حيث إن تلك الأرقام الهائلة لا تشمل العديد من الترتيبات الخاصة التي تمنح إلى إسرائيل بشكل روتيني، ومنها التحويلات الضخمة لفائض المعدات العسكرية، والإعانات المقدمة لبرنامج المساعدة الخارجية لإسرائيل، ومبالغ المساعدة الإجمالية المبكرة، وإعادة تمويل دينها.

وعلى الرغم من أن مجلس الشيوخ وافق على بيع طائرات "أواكس"، فقد بقيت هناك حاجة إلى توقيع العقد. وكانت الإدارة تريد إتمام الأمر بأسرع ما يمكن لتفادي أي عوائق أخرى قد تبرز أمام الصفقة. لكن أثيرت الكثير من الضغائن في مجلس النواب، وكان عدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ يشعرون بحساسية تجاه الضغط المستمر الذي مورس شخصيا من قبل ريغن ومن قبل "ايباك" وفي ظل تخمينات صحفية أنه لن يكون هناك اتفاق حتى يوقع السعوديون، أراد البيت الأبيض إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن.

كانت وثيقة البيع الأساسية هي رسالة العرض والقبول، وتولي العقيد ليلاك مهمة إقرار الوثيقة. وهي تفصل القيود الحاسمة المتفق عليها في الأشهر السابقة. وكانت تلك القيود حيوية في ترجيح التصويت النهائي في مجلس الشيوخ. لكن، كل ما بقي هو " أن يوافق السعوديون على الاتفاق بتوقيع الأمير سلطان".

فجأة أصبح ليلاك صاحب الدور الرئيسي. وكما قال بسخرية: " كان ذلك في 14 نوفمبر تقريبا. استقللت طائرة وذهبت إلى الرياض". وكان من المحتم تقريبا أن يواجه مقاومة للقيود. وإزاء الضغط السعودي الشديد، كان عليه ألا يتزحزح. وحين ألح عليه الأمير فهد بن عبد الله (مدير العمليات في سلاح الجو الملكي السعودي)، رد قائلا: " لا يمكنك تغييره يا فهد، لا يمكنك أن تغير حرفن أو تشطب حرف، أو تضع فاصلة أخرى، قضي الأمر". كانت الصفقة بكاملها مبنية على القيود، وتذكر ليلاك كيف فكر في سره، "كم سيبدو الأمر رائعا، لقد أقام ريغن سياسته الخارجية على هذا العقد والسعوديون لن يوقعوه".

وجهت إلى ليلاك تعليمات مفادها أن يحصل على توقيع وزير الدفاع الأمير سلطان وأن يكون العقد على مكتب كاسبار واينبرغر عند الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة، بحيث يستطيع أن يعلن للصحافة أن الصفقة تمت، فوقع ليلاك في ورطة. لم يكن الأمير سلطان في الرياض، وإنما في الظهران مع بندر الذي كان في المستشفى بعد أن عاودته المشكلات في ظهره.

قال ليلاك:

" انتقلنا يوم الخميس إلى الظهران، لكن لدى وصولنا إلى المستشفى، كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء. وعلي أن أكون في المطار عند منتصف الليل، موعد إقلاع الطائرة التي ستقلني إلى نيويورك ، ثم غلى واشنطن. وهكذا أنا مرتبط بتلك الرحلة الوشيكة وأجلس في المستشفى أتصبب عرقا لأنني لم أحصل بعد على توقيع الأمير سلطان".

في المستشفى كان بندر مستلقيا على ظهره بلا حراك، لكن ابتسامة علت وجهه لدى دخول ليلاك والأمير فهد بن علد الله. وكان الأمير سلطان جالسا في زاوية الغرفة. فقال بندر له: " هذا هو الرجل الذي جعل الأمر كله (صفقة طائرات أواكس) ممكنا".

ومع ذلك لم يأت في الحديث الذي تلا كلام بندر أي ذكر للعقد. وبدأ اليأس يتسلل إلى ليلاك: " الساعة الآن الثانية عشرة إلا ربعا، وحدثتني نفسي، قضي الأمر، لقد فشلت طائرتي ستقلع بعد دقائق قليلة. انتهى أمري" وشرح مأزقه إلى بندر والأمير سلطان، الذي غادر الغرفة بعد ذلك. وبعد منتصف الليل بخمس دقائق، عاد سلطان، وأخذ العقد من ليلاك ووقعه بتؤدة، وقال: "أرجو لك رحلة ميمونة".

وهكذا أنجزت المهمة. ومع ذلك، خسي ليلاك من أن يكون قد فشل.

"عظيم" قال للأمير فهد: " لكنني أخفقت في مهمتي . سوف يقضي واينبرغر علي".

أجاب فهد، " ماذا تعني أنه سيقضي عليك ؟ هيا".

عند وصول ليلاك إلى المطار، وجد أن طائرة "بانام 747" لا تزال تنتظر، وتذكرته المخصصة لسلاح الجو الأمريكي على أحد المقاعد الخلفية ممزقة.

قال ليلاك ضاحكا:

" ها أنا جالس على مقعد في الدرجة الأولى، فيما ركاب الطائرة يتمتمون استياء لأنها أقلعت متأخرة 45 دقيقة عن موعدها. وصلت إلى نيويورك، وانتقلت إلى طائرة أخرى متوجهة إلى واشنطن وكنت في مكتب واينبرغر عند التاسعة صباحا لأسلمه رسالة العرض والقبول الموقعة".

تمت الصفقة

انغمس بندر في صراع قاس بين اللوبي الإسرائيلي واللوبي العربي، بعيدا عن المملكة العربية السعودية وبعيدا عن أجواء الحيوية والانضباط أيام كان طيارا حربيا ولشد ما كانت دهشته لأدائه المتميز. وقد اعتز بسجل نجاحه أمام " ايباك"، وهو النجاح الذي كان فاتحة مسيرة مهنية جديدة لهذا الطيار الشاب الكفء في سلاح الجو.

بين تذكارات الأمير بندر الشخصية في الطبقة السفلى من منزله في مكلين، ظل العنوان المأخوذ من الصفحة الأولى من " نيويورك ديلي نيوز" (1/ 10/ 1981) معروضا بشكل بارز سنوات عديدة. يقول العنوان:

رون لإسرائيل : إليك عني

تمزق اللوبي اليهودي المناهض للأواكس

كوفئ نجاح بندر في تلك المناوشة المطولة بتعيينه ملحقا عسكريا في واشنطن دي سي سنة 1982 .

وعن ذلك يقول : " نقلت فجأة إلى عالم مختلف".

عمل بندر في منصبه الجديد على العديد من البرامج العسكرية الأمريكية السعودية التي اختبرها في منبعها كطيار حربي. وكملحق عسكري كان يعي تماما أنه عندما اشترى السعوديون طائرات 15-f حدت القيود المفروضة في "رسالة العرض والقبول" الأصلية من القدرات العملانية لتلك الطائرات. وفي النهاية كان عليه الحصول على موافقة الرياض. غير أن بندر والسعوديين تبنوا موقفا براغماتيا يقول: " نعرف أنهم يغشوننا، لكن لتتم الصفقة على أي حال لأننا سنخطو الخطوة الأولى لتحقيق غايتنا".

لابد أن إدراك الأمير انتهاء حياته المهنية كطيار بسبب الإصابة، سهل عليه قراره ولوج الحلبة السياسية. وقد سمع وهو يعلق بأسلوب فلسفي: " كان الانفصال سهلا علي". وتابع معبرا عن عشقه للطيران: " تركته وأنا في أشد التوق إليه، وكان ابتعادي عنه في أوانه".

استطاع بندر الخروج وهو لا يزال في القمة، ومكنه ذلك من الحصول على رضى عظيم من الأيام التي قضاها كطيار حربي. وفي كلامه عن فترة التغيير المثيرة في حياته، قال: " فجأة وجدتني في مستوى آخر من التنافس ، ونظرت في المرآة وفكرت: أنا لم أتغير . إنني لا أزال الشخص نفسه، لكن بيئتي هي التي تغيرت. وأصبح السؤال ، هل أستطيع البقاء في هذه البيئة الجديدة أم لا؟".

وكما تبين، كان أكثر من قادر على النهوض لتحدي العمل الجديد. إن بندر موهوب ليس فقط لبقائه طافيا في مياه واشنطن المضطربة، وإنما لتكيفه أيضا مع مشهد سياسي جديد ومتغير. كان توقيت وصول بندر إلى واشنطن مواتيا. إنه محظوظ، لم يتوافق هذا الوصول مع الانتشار الأوسع للنفوذ في العاصمة فحسب، بل كان أيضا بعد تنصيب الرئيس ريغن، حيث سرعان ما تغير النهج الرئاسي.

وقد أحاط هيدريك سميث بهذه التغير عندما كتب:

" إن دافع الرؤساء المعاصرين هو الخوض في الدبلوماسية الشخصية - لقاءات قمة، وزيارات شخصية، ودفق من المراسلات الخاصة مع ملوك ورؤساء ووزراء في كل مكان. كان هذا الأسلوب الشخصي الجديد من الرئاسة مناسبا جدا لبندر، واسع الاطلاع على النهج السعودية للحكم، وهو نهج عائلي تمتزج فيه التسلية والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية بالقرارات المتعلقة بالسياسات. ومع تقدم مسيرته المهنية في واشنطن وعلى المسرح العالمي، عملت الصورة الزائفة له كرجل مجتمع عابث على إخفاء ذاته الحقيقية الثانية- أمير ماكيافيلي النزعة. "

بدأ ظهور بندر في وسائل الإعلام بعد وقت قصير من بروزه في العاصمة الأمريكية في مطلع الثمانينيات . طيار حربي شاب شديد الثقة بالنفس ومغرور، وعضو في العائلة المالكة السعودية في الثلاثين من العمر. غير أن هذه الصورة كانت محاذية للأمير الحقيقي، المتردد وغير الآمن في الغالب، الأمير الذي سمع وهو يعترف بهذه الفترة من حياته: كنت كلما نجحت في مهمة أكلف بها، أسأل نفسي، إلى متى سيدوم هذا الحظ؟ وعلى الرغم من انعدام الأمن المبيت في نفسه، فقد كانت لديه فلسفته الخاصة به، وساعده ذلك في إعداد نفسه للمسئولية التالية.

أسر قائلا:

" كل ما أردته طوال حياتي تحقيق الأفضل في ما أفعله وعدم الشعور بالقلق بشأن المستقبل. المستقبل سيأتي. ولا معنى في الحصول على فرصة فقط كي يجد الناس أنك لم تحسن استغلالها . لقد أردت كملازم، أن أكون الملازم الأفضل في سلاح الجو. وعندما دعت الحاجة إلى عمل لا يقوم به إلا نقيب وأرادوا اختيار أفضل ملازم ليصبح نقيبا، كنت على أتم الاستعداد".

تابع بندر برزانة:

" تهيئ نفسك لتتوقع غير المتوقع أو تكون رشيقا بحيث تستطيع المناورة بسرعة، أو أن تنطلق بوحدات تسارع كثيرة، وتوقف المحرك، وتنطلق بسرعة بعيدا من الخطر، وتنعطف، وتذهب في الاتجاه الآخر. يجب أن تكون الرشاقة فطرية لديك، ثم عليك أن تبحث عن الوغد الأفضل منك. لقد قال لي مدربي، وهو مدرب طيران حربي، عليك أن تؤمن أنك الطيار الحربي الأفضل في العالم. وعندما تؤمن بذلك، تمضي بقية حياتك في البحث عن الوغد الأفضل منك، الذي يوشك على قتلك، كي تبقى على قيد الحياة".

كان تقبل مجتمع واشنطن لبندر بعد تعيينه ملحقا عسكريا أمرا لا لبس فيه وقد لاحظت صحيفة " فايننشل تايمز" أن " الأمير السعودي، كعميد للسلك الدبلوماسي في واشنطن، انصهر في المؤسسة السياسية للعاصمة بسهولة عظيمة وجمع حوله أصدقاء نافذين ومشاهير مستطرفين". وأوضح الوزير بيكر ببلاغة أسس نجاح الأمير في واشنطن حين كتب: " كابن أخ للملك فهد، كان بندر يتمتع بنفوذ غير عادي لدى عمه. فقد تعلم في الولايات المتحدة، وتمكن تماما من اللغة الإنجليزية بتعابيرها الاصطلاحية، وأحسن فهم الروح الأمريكية . وأظهر بندر هالة من المكر الساحر، لكنه كان يمتلك مقدرة عقلية ممتزة وكان الأكثر تطورا من بين أقرب المستشارين إلى الملك".

ولا عجب في أن الأمريكيين أقاموا علاقة مع هذا الدبلوماسي الفصي والمرح والذي اعتاد أن يدخن السيجار. كان بندر يتكلم لغتهم، وبالإضافة إلى ذلك، وبعكس غيره من الدبلوماسيين الأجانب كان يستطيع نسج " الحكم على الأشياء بعد وقوعها" في الحديث بسهولة فطرية؟ وقد عبر ديفيد بلوتز عن هذه الناحية بإيجاز بليغ: " كسب محبة الأمريكيين بحيويته الجامحة. فهو يدخن السيجار. ويهتف تشجيعا لفريق دالاس كاوبويز ويتحدث الإنجليزية كالأمريكيين".

يقلل بندر من نجاحه بالقول:

" ككل شئ في حياتي، أفضل من أكون محظوظا على أن أكون ذكيا. إنني لا أسعى وراء الأشياء، بل أجد نفسي وسطها وأنطلق من هناك. وبسبب ذلك، أعد نفسي دوما لأي شئ لا يلوح في الأفق، سواء أكان معرفة أم معلومات أم معارف. وما إن يجتمع قدري مع حظي، حتى أنطلق، بدلا من البدء من الصفر كل مرة". وهذا الإقرار أنه يتعمد الاستعداد لأي شئ يمكن أن ينتظره في المستقبل هو بالذات ما يجعل ملاحظة كون باول الحكيمة أمرا مسلما به. يميل الحظ إلى الإقبال على الأشخاص المهيئين جيدا".

الفصل الرابع:سنوات المكيدة

"النجاح ليس نهائيا ، والفشل ليس مميتا: ما يعتد به امتلاك الشجاعة للاستمرار".

ونستون تشرشل (1974-1965).

في مطلع السبعينيات ، أدى وصول ياسر عرفات وآلاف من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية المسلحين إلى لبنان إلى تفاقم العلاقات المتزايدة التوتر بين المسيحيين والمسلمين في لبنان. فخشي المسيحيون الموارنة الحاكمون من أن تثير هجمات منظمة التحرير عبر الحدود الإسرائيلية ردودا عسكرية. ولم تكن تلك المخاوف بلا مسوغات.

في 13 أبريل 1975، قتل مسلحون أربعة أفراد من حزب الكتائب الماروني، خلال محاولة لاغتيال بيار الجميل زعيم الحزب. اعتقد الكتائبيون أن المهاجمين فلسطينيون ، فردوا بمهاجمة حافلة كانت تقل ركابا فلسطينيين، فقتلوا 26 منهم. وعلى الفور، اندلع قتال عنيف بين المسيحيين من جانب، وتحالف من الميليشيات الإسلامية بقيادة منظمة التحرير من الجانب الآخر.

وفي يونيو 1976، أرسل الرئيس السوري حافظ الأسد 40 ألف جندي إلى لبنان لاحتواء القتال، بطلب من الحكم المسيحي الماروني، وبموافقة إسرائيلية وأمريكية. وبعد أربعة أشهر، في أكتوبر 1976 عقدت جامعة الدول العربية مؤتمر قمة في الرياض لحل الأزمة اللبنانية. وقضى الاتفاق متعدد الأطراف الذي أسفر عنه المؤتمر بوقف إطلاق النار وتشكيل قوة الردع العربية لفرض وقف إطلاق النار والإشراف عليه.

كان من المفترض نظريا أن تكون قوة الردع- الممولة من جامعة الدول العربية- قوة حفظ سلام عربية بقيادة الرئيس اللبناني. لكن في الواقع، لم ينضم إلى القوات السورية الموجودة في لبنان سوى 5000 جندي عربي فقط من المملكة العربية السعودية ودول الخليج وليبيا والسودان. وبذلك أضفى الاتفاق الشرعية على الوصاية السورية للبنان ووفر له الدعم المالي.

أوضح بندر، في حديثه عن هذه الفترة والتناقض السياسي الظاهري الذي أحدثته، أن قوة الردع حققت هدف حماية المسيحيين، لكنها بهذا العمل أنتجت حربا أهلية بين اللبنانيين المسيحيين والمسلمين. وعندما عجزت القوات العربية عن التوصل إلى حل، انسحبت في نهاية الأمر. ومع أن السوريين قمعوا الفلسطينيين عسكريا، فقد واصلت منظمة التحرير الفلسطينية هجماتها على إسرائيل انطلاقا من الأراضي اللبناية . وسرعان ما أثارت تلك الهجمات ردا عسكريا إسرائيليا.

في 6 يونيو 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان بغية القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت. وقاد وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون قوة ضخمة قوامها 11 فرقة دبابات و11 لواء مشاة مدعومة بنحو 600 طائرة في عملية أطلق عليها اسم "سلامة الجليل".

وسرعان ما تقدم الإسرائيليون إلى بيروت، حيث طوقوا ما بين 12,000 و 14,000 مقاتل تابعين لمنظمة التحري والسكان المدنيين اللبنانيين، وضربوا حصارا على المدينة. بررت إسرائيل خرق وقف إطلاق نار هش قائم منذ 24 يوليو 1981، بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، ومواصلة الهجمات التي تشنها منظمة التحرير عبر الحدود على مستوطنات الجليل، وتزايد أسلحة منظمة التحرير وقواتها في جنوب لبنان.

في 15 يونيو، تحصنت القوات الإسرائيلية في مواقع ثابتة خارج بيروت. وأدرك ياسر عرفات أن الغزو الإسرائيلي للبنان محاولة للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية ، فأخذ، بدعم من المملكة العربية السعودية ، يحاول فك الاشتباك ويعد لانسحاب مقاتليه.

في ذلك الوقت، كان بندر لا يزال في أول عهده بدوره الجديد كملحق عسكري في واشنطن دي سي، ولم يكن يدري أنه سيغوص في هذا الصراع كوسيط. وقبل ذلك بأيام، ارتقى ولي عهد الأمير فهد إلى العرش في 13 يونيو 1982 ، عقب وفاة الملك خالد. وفي أحد القرارات الأولى كملك، طلب فهد من بندر الاجتماع بوزير الخارجية ألكسندر هيغ للتوصل إلى حل يسمح لمنظمة التحرير بالانسحاب من لبنان.

كان بندر يعرف هيغ جيدا، فقد عمل معه بشأن صفقة طائرات "أواكس". وكانت بينه وبين هيغ زيارات اجتماعية متبادلة، بل إن كلا منهما كان ينادي الآخر باسمه الأول. وهكذا، حين ذهب بندر ليجتمع بهيغ لمناقشة مسألة لبنان، توقع استقبالا وديا. وعندما وصل، مصحوبا بمساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط نك فليوتس، رافقه أحد موظفي الوزارة إلى مكتب الوزير هيغ.

وعلى غير عادة وزراء الخارجية، كان هيغ جالسا خلف مكتب في نهاية غرفة انتظار فخمة أمام مكتب صغير حيث كان وزير الخارجية يعمل عادة. ويقول بندر: " كان قرار الوزير هيغ أن يكون مكتبه في نهاية غرفة الانتظار من موروثات غروره كجنرال بأربع نجوم عندما كان القائد الأ‘لى لقوات الحلفاء في أوروبا".

بدلا من الترحيب الحار الذي كان بندر يتوقعه، راح هيغ

" يلوح بإصبعه في وجهي قائلا، أمير بندر، عليك أن تخرج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية فورا قبل أن يلتهمهم شارون أحياء. والسبب الوحيد الذي حال دون تدمير المنظمة كليا، هو أننا نمنع شارون من القيام بذلك. لكنني لم أعد أستطيع كبحه. وكان عندئذ يصيح في وجهي".

عندما وصل بندر إلى مكتب هيغ، رفع يده وقال: " جنرال هيغ، في بلدي نقول مرحبا أولا". اعتذر هيغ على الفور، وتحرك من خلف مكتبه لمصافحة بندر. وجلس الثلاثة، بندر و هيغ ونك فليوتس الذي كان يدون الملاحظات في أثناء الاجتماع . وتابع هيغ تشدقه بالكلام عن كيف سيدمر شارون منظمة التحرير بعدما طوقها، بحسب قوله، ولم يعد لديها أي ملاذ.

قال بندر ملخصا الموقف السعودي الملك فهد يريد حل هذه المشكلة، لكن لابد من تنفيذ أربعة شروط: أن تغادر منظمة التحرير الفلسطينية حاملة ما تستطيع نقله من الأسلحة، وبخاصة الأسلحة الفردية والأسلحة الخفيفة، وأن تترك أسلحتها الثقيلة لحلفائها في لبنان، وأن ترافق قطع بحرية السفن التي ستنقلها حتى وصولها إلى مقصدها مصر واليمن وتونس، وأخيرا، من أن تبقى لديهم مكاتب سياسية مفتوحة في بيروت".

كان شارون يصر على رحيل منظمة التحرير من لبنان من دون أي شئ ، بما في ذلك جميع أسلحتها إلى بلد ثالث، وإغلاق مكاتبها كافة في العاصمة اللبنانية. ثار هيغ على الفور قائلا: " هذا غير مقبول إطلاقا لن يقبل شارون وبيغن بذلك البتة. إنني أقول لك، سيقومان بتدميرها". أوضح بندر أن هذه هي التعليمات التي تلقاها، وأنها الطريقة الوحيدة التي ستقدم المملكة العربية مساعدتها بناء عليها، وطلب من هيغ نقل هذه الرسالة إلى الإسرائيليين ليعرف متا هو رد فعلهم.

قاطعه هيغ قائلا:

" أعرف ماذا سيكون عليه رد فعلهم. أستطيع أن أؤكد لك أن شارون سيدمر منظمة التحرير في الغد إذا كانت تلك خلاصة القول".

أجاب بندر:

" أنت لست شارون. مرر الرسالة إلى الإسرائيليين ودعنا نرى رد فعلهم. لو استطاع شارون اكتساح منظمة التحرير الفلسطينية وتدميرها في بيروت لما انتظر إذنا منك أو من سواك. وسبب عدم قيامه بذلك هو أنه لا يستطيع. المدينة شرك قائل، إنها تضم مليون شخص كثير منهم مسلحون. ستقع مذبحة وسيكون الثمن باهظا على الإسرائيليين. لذا أرجو منك ألا توقف شارون، قل له، أن يتابع الهجوم. إذا لم يقبل شروطنا للتدخل وحل المشكلة، عندئذ دعه يدخل المدينة".

أجاب الوزير هيغ: " هل هذا رأيك أم رأي رئيسك؟".

رد بندر غاضبا: " من الذي تعتقد أنني أتحدث باسمه؟ لست هنا أزاول عملا حرا وأتحدث باسمي".

طلب هيغ من بندر العودة إلى المملكة العربية السعودية لمناقشة هذا الاجتماع مع الملك فهد. رفض بندر، موضحا أنه عرض الموقف السعودي بالفعل. وختم غاضبا: " إذا كنت تشك في ما أقول، لديك سفير الرياض، اطلب منه الاجتماع برئيسي". في هذه الأثناء احتدم النقاش، فنهض نك فليوتس ببطء وهم بالخروج. قال بندر له: " اجلس يا نك. أريد شاهدا".

ران صمت طويل فيما انتظر كل منهما الآخر أن يبادر بالخطوة التالية. أخيرا، سأل هيغ : " هل ذلك خلاصة القول؟".

أجاب هيغ: " حسنا، أمهلني بضع دقائق".

انسحب هيغ إلى مكتبه، وأجرى مكالمة هاتفية. وحين عاد قال ببساطة، "اتفقنا".

يجل التاريخ أنه منعا لسقوط ضحايا مدنيين، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار لتمكين دبلوماسي أمريكي، وهو السفير فيليب حبيب، من التوسط بشأن انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. ويكاد دور بندر لا يذكر في حاشية. في 24 أغسطس 1982 نزلت عناصر من مشاة البحرية الأمريكية على شواطئ بيروت كجزء من قوة مؤقتة متعددة الجنسيات مع وحدات فرنسية وإيطالية.

وبعد ذلك منح مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية ممرا آمنا إلى تونس مع أسلحتهم الفردية، وهي الصيغة الحافظة لماء الوجه التي أوحت بها المملكة العربية السعودية. وتم إجلاء منظمة التحرير من دون حادث يذكر، وانسحب مشاة البحرية إلى سفنهم في 10 سبتمبر.

بعد أن استقر عرفات وأتباعه بأمان في شمال إفريقيا، وعلى الرغم من اعتراضات وزير الدفاع كاسبار واينبرغر الشديدة، أمر مشاة البحرية بالعودة إلى لبنان واستئناف جهودهم كقوة حفظ سلام. كان ذلك القرار نذيرا بالتفجير المروع لثكنة مشاة البحرية الأمريكية في بيروت في 23 أكتوبر 1983

وهو التفجير الذي أودى بحياة 241 عسكريا أمريكيا وعجل بانسحاب القوات الأمريكية من لبنان، فكان ذلك بمثابة قع ناقوس الموت لحكم الرئيس اللبناني أمين الجمل وللسيادة اللبنانية نفسها في آخر المطاف. لكن بالنسبة إلى بندر، كان النجاح خاتمة معركته الدبلوماسية الأولى.

على الرغم من موقع بندر الاعتباري كملحق عسكري. قيض له العمل مع وكالة الاستخبارات المركزية (السي أي أيه) لصالح المملكة العربية السعودية لتقويض التهديد المتنامي للشيوعية في إيطاليا في مطلع الثمانينيات. فقد تدخلت السي آي أيه لأول مرة، على ما يزعم، في الانتخابات الإيطالية سنة 1948، فاشترت أصواتا للحؤول دون فوز الشيوعيين.

وبعد 35 عاما، ومن منطلق الخشية من احتمال تجدد بروز الحزب الشيوعي الإيطالي، دخلت السي آي أيه في شراكة مع الحكومة السعودية لإحباط توقعات فوز الشيوعيين في الانتخابات مجددا. كان الحزب الشيوعي الإيطالي من أقوى الأحزاب الشيوعية في أوربا الغربية وأصبح قوة كبيرة في الشئون السياسية الإيطالية. وفي ذروة شعبيته سنة 1976، حاز على أكثر من ثلث الأصوات في الانتخابات الوطنية.

خلال الإعداد للانتخابات الإيطالية سنة 1983، بدا أن الديمقراطيين المسيحيين سيخسرون أمام الحزب الشيوعي، الذي أظهرت استطلاعات الرأي قوته الكبيرة. حدث ذلك في أثناء المواجهة المباشرة بين ريغن والسوفييت.

وربما كانت وقعت الكارثة لو أن بلدا أوربيا غربيا، تحول إلى الشيوعية إبان تلك المواجهة. ووفقا لبندر، كانت رئيسة الوزراء تاتشر والرئيس ريغن والملك فهد عازمين على عدم السماح بحدوث ذلك، واتفقوا على التأثير في نتيجة الانتخابات في دولة ديمقراطية ذات سيادة.

كان بوب وودوارد أول منكشف دور بندر في تلك المسألة، عندما ذكر أن الأمير ساهم بمليوني دولار للمساعدة في عملية سرية لإعاقة الصعود الديمقراطي للحزب الشيوعي الإيطالي: أصاب وودوارد جزءا من الحقيقة فقط.

فقد أوضح بندر، بعد تأكيده أن السعوديين قدموا 10 ملايين دولار، لا مليونين كما زعم وودوارد، " وضع الأمريكيون الخطة أساسا وقدمت المملكة العربية السعودية المال، الذي أودعناه في بنك الفاتيكان في إيطاليا. ولم نعرف بعد ذلك ما حدث له، لكن الديمقراطيين المسيحيين فازوا في نهاية المطاف".

عقب اتفاق تاتشر وريغن وفهد على الخطة، انتقل بندر إلى روما مباشرة حاملا معه حقيبة مليئة بالمال. توجه بالسيارة إلى الفاتيكان، حيث يوجد بنك الفاتيكان، فخرج فسيس لملاقاته وأخذ الحقيبة التي كانت تحتوي على 10 ملايين دولار. وكان في مهمته تلك على اتصال بمدير السي آي أيه بيل كيسي وموفد ريغن الشخصي إلى الكرسي الرسولي وليام أيه. ويلسون، الذي أصبح في 7 مارس 1984 أول سفير أمريكي إلى الفاتيكان . أمضى الأمير تلك الليلة في روما وعاد إلى واشنطن في اليوم التالي.

يقول بندر معلقا على المال الذي أودع في بنك الفاتيكان:

" تم الأمر مع إمكانية التنصل منه، لأنك لن ترى عليه بصمات أمريكية أو بريطانية. لم يأت المال من الأمريكيين والبريطانيين . ولم يقر في الكونغرس أو البرلمان البريطاني. كان في وسع كل منهما أن يقول ، لا شأن لي بذلك، ومع ذلك تمت الأمور على ها النحو".

وختم بندر:

" كان ذلك مثالا تقليديا على التعاون الاستراتيجي بين ريغن وفهد وتاتشر الذي تم بطرائق عديدة جدا".

أكد بندر لاحقا أن اختيار بنك الفاتيكان لإيداع المال كان مقصودا. فعندما اقتنع جوليو أندريوتي، ووزير الخارجية بين سنتي 1983و 1989، باحتمال فشل الديمقراطيين المسيحيين في الانتخابات، نقل مخاوفه إلى البابا يوحنا بولس الثاني، الذي وافق على ضرورة اتصال أندريوتي بمدير السي آي أيه بيل كيسس. وعندما عرف كيسي بمخاوف الفاتيكان، أخبر رونالد ريغن بذلك على الفور.

كان الحل الذي استنبطه ريغن وكيسي، وأيده الباب وأندريوتي، بحسب قول بندر:" تكرارا للخمسينيات حين كان ديغول على وشك خسارة الانتخابات أمام الشيوعيين وقرر الرئيس أيزنهاور التدخل. فقد توجهت السي آي أيه إلى هناك وتدخلت في الانتخابات."

وهكذا فاز ديغول:

" أوحى بندر أن تورط الكرسي الرسولي في تلك العملية لم يكن مدفوعا فقط بخشيته من القيود الدينية في إيطاليا شيوعية ملحدة، وهي مركز العالم الكاثوليكي، بل أيضا بإيمانه أن هزيمة الاتحاد السوفيتي ستتيح الفرصة لانبعاث الكاثوليكية في أوربا الشرقية".

كان من المتعذر بالطبع على الأمريكيين أن يمولوا الخطة، إذ لابد من الحصول على موافقة الكونغرس. لذا اقترح كيسي الخيار السعودي وفاتح بندر بالأمر. فأطلع بندر الملك فهد على ذلك وسرعان ما حصل على موافقته على تقديم العشرة ملايين دولار اللازمة. وتم إيداع المال في بنك الفاتيكان بسبب مشاركته الفاتيكان في هذه العملية. وهكذا تحول بندر إلى وسيط ينقل المال لحساب البابا.

سرعان ما اكتسب بندر الخبرة من عمله كملحق عسكري. فقد كان يتمتع بموهبة فطرية في الدبلوماسية والتفاوض، وفهم معمق للأنشطة السرية لوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) . وبعد أن ترك بصماته على شئون الشرق الأوسط بتسهيل انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، اجتذبه المسرح السياسي اللبناني المتقلب إليه مجددا.

خبت الحرب الأهلية في لبنان، لكن النار بقيت تحت الرماد بانتظار انفجار موجة عنف أخرى. فالاتفاق الموقع في 17 مايو 1983 بين إسرائيل ولبنان، لم يكن معاهدة سلام كاملة. وفي نهاية أغسطس 1983، تجدد القتال الضاري بين ميليشيا أمل الشيعية والميليشيا المسيحية في بيروت.

وتدخل الجيش اللبناني وتمكن بعد أربعة أيام من السيطرة على قلب بيروت الغربية. ومع ذلك اشتد التوتر في 4 سبتمبر 1984، عندما انسحب الإسرائيليون من مواقفهم في جبل الشوف خارج بيروت. وبزوال الوجود الإسرائيلي كحاجز فاصل، نشب القتال بسرعة بين الميليشيات المسلمة والمسيحية.

قرر الملك فهد، في خطوة مفاجئة، ترقية بندر إلى منصب سفير المملكة في واشنطن. فاستدعي إلى الرياض ليتلقى تعليمات من الملك ويحمل أوراق اعتماده، وطلب منه فهد التوجه إلى دمشق لنقل رسالة إلى الرئيس السد. يقول بندر عن ذلك: " لم أكن أعرف مضمون الرسالة، لكنها كانت حساسة جدا إذ طلب الملك تسليمها إلى الأسد مباشرة، لم يكن يريد أن يطلع عليها أحد".

وأضاف : " ظننت أن مروري بدمشق سيكون عابرا بحيث أسلم الرسالة وأنتقل إلى أمريكيا عبر لندن". كان اهتمام بندر منصبا على العودة إلى واشنطن، فانتقل غلى دمشق وسلم رسالة فهد إلى الأسد. ويذكر بندر بارتباك، فهو لم يكن مطلعا على مضمون الرسالة، لذا أكد للرئيس أن مهمته تسليم الرسالة فحسب.

فقال الأسد:

" أود أن نمضي الليلة هنا لأنني أري الرد على الرسالة وأريدك أن تنقلها إلى الرياض".

حاول بندر التملص، فاقترح أن يتولى أحد المسئولين السوريين إيصال الرسالة، لكن الأسد ألح في الطلب. وفي اليوم التالي، عاد بندر إلى المملكة حاملا رد الأسد إلى الملك فهد، الذي بادر إلى تكليفه بالعمل مع رفيق الحريري، لمساعدة اللبنانيين والسوريين على وضع حد للحرب. يقول بندر: " مكثت 25 يوما في دمشق، حيث التقيت بزعماء مختلف الميليشيات معهم".

لما كانت المملكة العربية السعودية البلد الوحيد الذي لديه علاقات طيبة مع جميع الفئات، فقد تمكنت من أن تلعب دورا حاسما من وراء الكواليس بالتعاون مع سورية ومصر. وفي أثناء الأزمة، تردد بندر والحريري كثيرا على قبرص المحايدة للالتقاء مباشرة بقادة الأحزاب اللبنانية.

وكان بندر يعمل من دمشق كنقطة انطلاق، لكن بعض الأحزاب المتصارعة لم تكن تثق بالسوريين، فاستخدمت قبرص في الغالب كمكان بديل للقاء. وكان بندر ينتقل من دمشق إلى قبرص جوا فيما يتوجه إليها زعماء المسيحيين اللبنانيين والكتائب من طريق الجو أو البحر. كانت المفاوضات تجري في طائرة بندر الخاصة: " غلفستريم 3"، وبعد إتمام المفاوضات يعود بندر بطائرته إلى دمشق. وكثيرا ما كان يتندر في ذلك الوقت أنه تحول إلى أغلى ساعي بريد في العالم.

عمل روبرت "بد" ماكفرلين، الموفد الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط في ذلك الوقت، بالتنسيق مع بندر، فتطورت بينهما صداقة يقول العديدون إنها أدت إلى تعيين ماكفرلين في ما بعد مستشارا للأمن القومي في عهد ريغن. وأفيد عن أن بندر كان كثير النشاط في أثناء عمله في لبنان بحيث " كان يمطر ماكفرلين بوابل من البرقيات ما جعل الفريق يسميها بندر غرامز".

في تلك الآونة، وصف ماكفرلين الوضع في لبنان أنه "قريب جدا من المستحيل" بل إن بندر اعترف للملك فهد أن "الحل معدوم". فأجاب الملك ببساطة: " يجب أن يكون هناك حل". وشكا بندر لاحقا من عدم إطلاعه بالتفصيل على الوضع خلال عمله الباكر في هذا الحقل الدبلوماسي الملغوم، وقال موضحا: " كان ذلك التوجيه الوحيد الذي حصلت عليه "

وعن جهوده في لبنان، قال بندر:

" سرعان ما حصلت على اتفاق بين جميع الأطراف على وجوب وقف أعمال القتل وبدء المحادثات في ما بينهم. والمأساة أن ثلاثة أسابيع أخرى مضت لحملهم على ترجمة ذلك إلى صيغة مقبولة". ثم انهار كل شئ.

في تحليل لمواقف كل من الأطراف الرئيسية آنذاك، قال بندر:

" أراد السوريون أن يظهروا كأنهم حياديون، وأن المملكة العربية السعودية وسورية كانتا تفاوضان كطرفين محايدين. ولم يكن السوريون محايدين بالطبع، وإنما يرغبون في ممارسة تلك اللعبة. كان يفترض بهم أن يتحدوثوا باسم حلفائهم، وكان الأمريكيون ضالعين عن طريق رحلات بد ماكفرلين المكوكية. ويفترض بهم أن يعبروا عن رأي المسيحيين الإسرائيليين على الطاولة".

في دمشق التقى بندر بقادة تربطهم بسورية علاقات ودية. لكنه كان بين الحين والآخر يضطر إلى الالتقاء بمن يرفض الانتقال إلى سورية أو إلى قبرص. ولأن فهد والأسد لم يسمحا لبندر بدخول لبنان، كان الحريري ينتقل إلى بيروت بحماية من السوريين. وبعد مفاوضات دامت 15 يوما، ظن بندر أنهم توصلوا أخيرا إلى حل.

سأوضح بندر:

" كان اتفاق 17 مايو من النقاط المهمة هنا، وهو محاولة مدعومة من الولايات المتحدة للتوصل إلى سلام بين لبنان وإسرائيل اتفق عليه في وقت سابق من تلك السنة. وقد قوبل بمعارضة قوية من المسلمين اللبنانيين والعالم العربي، حيث اعتبر اتفاقا غير قانوني جرى فرضه فيما يرزح البلد تحت احتلال عسكري، اي أنه في جوهره استسلام مفروض.

وأكد بندر على أن الأمريكيين أرادوا فرض اتفاق 17 مايو، لكنهم لم ينجحوا في ذلك. وعلى الرغم من توقيع الاتفاق، فإنه لم يتم التصديق عليه بسبب المعارضة السورية الشديدة. واقترح بندر والحريري في مقابل عمل المملكة العربية السعودية على إلغاء اتفاق 17 مايو، أن يوعز السوريون أولا إلى حلفائهم اللبنانيين بالموافقة والتوقيع على اتفاق يحمي المسيحيين والرئاسة.

فنظرا إلى أن المملكة تحتضن الأماكن الإسلامية المقدسة، لم يشأ الملك فهد أن يصور الأمر وكأن المملكة تدعم المسلمين ضد امسيحيين. وشدد بندر على أن غاية الدور السعودي هي دعم جميع اللبنانيين وحضهم على السلام والمصالحة.

واعترف بوجود تأثير ضمني يقوم على الصداقة المتينة بين القادة السياسيين اللبنانيين المسيحيين، وقادة المملكة منذ نشأة لبنان كدولة مستقلة سنة 1943. ومع ذلك، أكد بندر على أن السياسة السعودية كانت حيادية حقا وفي مصلحة اللبنانيين كافة. وذكر بوضوح لا لبس فيه: " أردنا السلام للجميع، وأردنا المحافظة على كرامتهم وحقوقهم".

وكي يحرز بندر تقدما في ترتيب اتفاق سلام، أدرك أنه لابد من إزعاج خلفائه الأمريكيين بما يوحي بوجود تناقض ظاهري. وأوضح قائلا: " قدمت إلى رئيسي توصية أن علينا أن نغضب أمريكا بإفشال اتفاق توسطت التوصل إليه". كن بندر يعتقد أن اتفاق 17 مايو الأمريكي معيب في جوهره بسبب المشاركة الإسرائيلية. وكان مقتنعا أن الحل الذي يقترحه سيوفر سلاما أفضل يحمي المسيحيين والرئاسة، ولا يقوض في الوقت المناسب نفسه النظام اللبناني بكامله.

ووصف كيف أدهش السوريون عندما علموا بالموقف السعودي المعارض للاتفاق الذي تدعمه أمريكا. فزاد ذلك الموقف مصداقية بندر التي تعززت بتصريحه: " نحن أصدقاء أمريكا، ولسنا دمى أمريكا. لدينا مصالحنا ولديهم مصالحهم، لكن فذ هذه الحالة، نعتقد أن على الأمريكيين أن يكونوا سعداء لأننا نحمي الفريق الذي يدعمونه".

وذكر بندر انه بعد أن أقنع جميع الأطراف بالموافقة على اقتراحه، تلقى رسالة مفادها أن الرئيس اللبناني غير راض. فقد شعر الرئيس الجميل المستاء بالإحراج لأن بندر التقى بجميع الأطراف ما عداه. ومع نه وافق على الحل الذي اقترحه بندر، فإنه يعاني من الحرج الشديد.

غالبا ما شدد بندر على حاجة جميع الأطراف في أي موقف سياسي صعب، وبخاصة في المسائل المتصلة بدبلوماسية الشرق الأوسط، إلى الحفاظ على سمعتهم. ولعل لهذا العامل أهمية أكبر في الثقافة العربية مما هي عليه الحال في الغرب، لكنه مهم بالنسبة إلى اي مفاوضات دبلوماسية إذا كان المراد سلاما منصفا ودائما.

طلب الحريري أن يلتقي الأمير بالجميل في بيروت أمام سائر الميليشيات المسيحية بحيث يبدو الجميل "لاعبا مهما" . لكن سفر بندر غلى بيروت كان محفوفا بالمخاطر. وأوضح بندر أنه التقى بالحريري وتوصلا إلى أنهما إذا طلبا من الملك فهد إذنا لتوجه بندر غلى بيروت، فإنه سيرفض. كما أن الأسد لن يوافق على ذلك، لأن القتال في لبنان لا يزال محتدما.

لذا اتفق بندر مع الأمريكيين، الذين وافقوا على تقديم طائرتي هليكوبتر. وتوجه بندر والحريري معا إلى قبرص، حيث التقيا بماكفرلين. وفي تلك الليلة، استقل الثلاثة طائرة الهليكوبتر الأمريكية وطاروا إلى القصر الرئاسي في بيروت. وأوضح بندر: " عندما دنونا من الساحل اللبناني، بدت سماؤه شبيهة بسماء احتفالات الرابع من يوليو وكان من المفجع أن نرى القذائف تنفجر في كل مكان".

وكتدبير احترازي، ترك بندر رسالة طلب تمريرها إلى السوريين بعد مغادرته، يبلغهم فيها أنه متوجه إلى بيروت ويدعوهم إلى أن يطلبوا من حلفائهم الحرص على عدم إسقاط طائرته. لكن ثارت البلبلة والذعر عندما عرف الملك فهد بالأمر، فاتصل بالرئيس الأسد هاتفيا وتابع الاتصال كل نصف ساعة سائلا: " هل عادا ؟ هل عادا؟ .في هذه الأثناء هبطت طائرتا الهليكوبتر في حديقة وزارة الدفاع في بيروت حيث كانت ناقلتا جنود مدرعتان تنتظرانهما. "

ولدى ترجلهما قال بندر للحريري: " علينا أن نحافظ على وقارنا حتى ندخل ناقلة الجنود، ما علينا إلا أن نسير بهدوء"، غير أنه اعترف: " ما إن حطت الهليكوبتر وخرجنا منها، حتى تراكض الناس من حولنا عندما انفجرت القذائف في كل أنحاء المكان. تبادلت والحريري النظرات كأننا نقول ، ليذهب الوقار إلى الجحيم، لذا أمسك كل منا بعباءته وركض".

عند وصول الثلاثة - بندر والحريري وماكفرلين - إلى القصر الرئاسي، كان القصف المدفعي شديدا جدا بحيث لم يكن أحدهم يستطيع سماع ما يقوله الآخر. وفي غرفة محصنة تحت الأرض، التقوا بالرئيس الجميل والزعيم السني، رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام، وهو من حلفاء المملكة العربية السعودية. وقد بين وجود صائب سلام لبندر أن المسيحيين ليسوا معزولين ، وأنهم يتمتعون بدعم سني.

ويقول الأمير معترفا:

" وافقني الرئيس أمين الجميل على أنه لإنقاذ لبنان وإنقاذ الرئاسة، يجب الحصول على تعهد من سوريا أن يقبل حلفاؤها وقفا لإطلاق النار وتتوقف المجازر، وأن تحترم مؤسسة الرئاسة وتراعى، وعندئذ فإنه سيكون على استعداد للتخلي عن اتفاق 17 مايو. وذلك التزام سبق أن قدمه إلي، لكن لأسباب سياسية وأخرى تتعلق بالبروتوكول ومقام الرئاسة، كان عليه أن يظهر كأننا حصلنا عليه منه مباشرة. وهكذا نلنا الموافقة على مقترحاتي".

عاد بندر مبتهجا إلى دمشق عبر قبرص، معتقدا أن الجميل أظهر شجاعة، إذ كان ثمة معارضون لهذا الاتفاق في صفوف مؤيديه. وفي أعقاب اتصال هاتفي سمع خلاله توبيخا شديدا من الملك فهد لأنه ذهب إلى بيروت من دون إذنه، أبلغ الملك بثقة أنه يتوقع موافقة دمشق على الاتفاق وعلى تنفيذ وقف إطلاق النار.

غير أنه لاحظ لاحقا: " حصلنا على الاتفاق في ذلك الوقت، فقد وافق الجميع على الوثيقة، ثم فجأة انهار كل شئ. تراجع الزعماء الدروز في اللحظة الأخيرة، وتبعهم الشيعة". واستنتج أن السوريين لم يلتزموا . ففي الظاهر أيد الأسد المواقف السعودية مع مختلف الأطراف ، لكن عندما غادر بندر، نقض كل ما تم الاتفاق عليه.

تأكدت الازدواجية السورية في اجتماع عقد بعد ذلك بوقت قصير بين بندر والحريري وزعيم لبناني كبير سأله بندر: " ماذا دهاكم؟ هل تستمتعون بموت هذا العدد الكبير من شعبكم؟ لقد توصلنا إلى اتفاق منصف للجميع". عندئذ صاح ذلك الزعيم في وجهه مطلقا سيلا من الانتقادات غير المتوقعة: "هذا اتفاق غير مقبول، إنه يبيعنا . للإسرائيليين والإمبرياليين". ثم وضع الزعيم إصبعه على شفتيه.

مرر الحريري إلى بندر ملاحظة مفادها، " إنه لا يستطيع الكلام مخافة أن يسمعه السوريون". لذا انتقل بندر إلى شرفته وأشار إلي السياسي اللبناني أن ينضم إليه، وسأله: " ما المشكلة؟" .

أجاب الزعيم:

" ليست لدي أي مشكلة مع الاتفاق، لكن السوريين لن يسمحوا لي بتوقيع الاتفاق".

في اليوم التالي ، طلب بندر من معاونيه تحضير الطائرة للمغادرة الوشيكة، بعد أن اطلع على حقيقة الموقف السوري. لكنه كضيف على السوريين، زود بسيارة بروتوكول رئاسية، مع مرافقة أمنية تامة. وبما أنه لم يكن يريد أن يعرف السوريون أنه يتأهب للسفر، قرر استخدام سيارة السفير السعودي. مع ذلك، سرعان ما أدرك السوريون ما يجري فأرسلوا إليه أن وزير الخارجية، السيد خدام، يريد التحدث إليه.

اعترض بندر، موضحا أنه مضطر إلى العودة إلى بلاده. وفي المطار استوقف مجددا فقدم الجواب نفسه موحيا بغضب أنه سيغادر ما لم يكن في نيتهم اعتقاله. وبعد ذلك ركب طائرته وعاد إلى جدة.

عندما اتصل بندر بالملك فهد ليعلمه أنه في جدة، فوجئ الملك ووبخه لأنه غادر دمشق من دون أن يستشيره. فشرح له الأمير أنه توصل إلى أن السوريين لا يريدون إتمام الاتفاق. فقد أبدوا كل تعاون ظاهري، إذ أيدوا الطروحات التي قدمها والحريري إلى مختلف الأطراف، لكن ما أن انتهت الاجتماعات حتى "عدنا غلى المربع الأول بتراجع أحد الأطراف عن الاتفاق".

وعندما عاد بندر إلى منزله. شاهد على شاشة التلفزيون السعودي أن مجلس الوزراء منعقد في جلسة طارئة. واعتراه على الفور قلق من أن شيئا خطيرا قد حدث، لكنه لم يعتقد البتة أن للأمر أي صلة بمهمته إلى دمشق. وسرعان ما تلقى اتصالا من الديوان الملكي يستدعيه إلى اجتماع مجلس الوزراء. كانت الحكومة مجتمعة بكل أعضائها، وطلب الملك من بندر أن يكرر على المجتمعين ما سبق أن قاله له.

في نهاية الاجتماع، تشاور الملك مع ولي العهد ووزراء آخرين، وتقرر ألا يستأنف بندر مهمته. وأصدر الملك بيانا جاء فيه أن المملكة العربية السعودية حاولت التوسط في هذه المسألة، لكنها لا تعتقد أن الأطراف كافة، بما في ذلك سورية، مستعدة للاتفاق.

وبعد نصف ساعة على صدور البيان، بعث السد برسالة إلى فهد طالبا فيها أن يعود بندر إلى دمشق في تلك الليلة وإلا توجه شخصيا غلى جدة. وفي صباح اليوم التالي، عاد بندر إلى دمشق. ولدى وصوله، نقل من المطار مباشرة للقاء الأسد، الذي أقلقته مغادرة بندر المفاجئة، هل تعرض لإهانة، أو هل أساء أحد التصرف أو أهانه؟

أوضح بندر أنه توصل إلى استنتاج أن الحكومة السورية قررت عدم إتمام الاتفاق، وأنه لن يتمكن من تأمين الاتفاق حتى لو بقي عشرين يوما آخر. وقال بندر للأسد: " لذلك قررت قطع مهمتي وتحمل اللوم، بدلا من الانتظار إلى حين اتضاح أنكم لستم راغبين في إبرام اتفاق. وعندئذ سيحدث خلاف بينك وبين الملك فهد ولا يمكنني السماح بذلك"

قال الأسد: " تلك مناورة".

أجاب بندر:

" لا ، كنت فقط أحاول حماية العلاقة بينك وبين الملك فهد. كان يمكن أن أعفى من المهمة، وفي وسعهم أن يقولوا أنني فشلت، وأنني لم أحسن التصرف، ويحل شخص آخر محلي، أو يمكن أن تغير رايك. لكن إذا خلص الملك فهد إلى أنكم لم تكونوا صريحين معه، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة بين بلدينا ، ولا يمكنني أن اسمح بذلك".

ابتسم الأسد وقال: " حسنا، اذهب وتحدث غلى وزير الخارجية، لقد حصلت على اتفاق".

أجاب بندر: " لن أتحدث إلى أحد" . وبدلا من ذلك، أصر على أن يتصل الأسد بوزير خارجيته، عبد الحليم خدام، لا ليقول له إن بندر قادم إليه فقط، وإنما أنه جالس مع الرئيس ويستمع لما يقوله له.

نجح الموقف الفظ الذي اتخذه بندر. فقد ضحك الأسد والتقط الهاتف واتصل بوزير خارجيته. وفي نهاية الحديث، قال الأسد لبندر: " الآن يمكنك الاجتماع به".

ذكر بندر هذه الحادثة وأوضح أنه دخل منزل وزير الخارجية وقال بعد الاعتذار عن عدم تلبية دعوته إلى تناول الطعام : " أريد إعداد الوثيقة التوقيع "

أجابه خدام: " اعتبر الأمر منتهيا".

وعندما سأل بندر خدام لماذا أبلغه في زيارته السابقة أنهم لم يستطيعوا حمل الأطراف اللبنانيين على الاتفاق، ابتسم وزير الخارجية ابتسامة ذات مغزى وقال: "أجل ، لكن ذلك كان قبل أن يتصل بي الرئيس".

أثمرت مثابرة بندر ودبلوماسيته غير التقليدية، فلم يستغرق توقيع كل الأطراف على الاتفاق سوى ثلاثة أيام. واستطاع الأمير ، بالعمل بصورة وثيقة مع الحريري وماكفرلين ، أن يعلن عن وقف إطلاق النار في لبنان في مؤتمر صحفي في دمشق في 25 سبتمبر 1983، وكان إلى جانبه وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام.

وبعد ذلك بدأت لجنة عربية مكونة من الجزائر والمملكة العربية السعودية والكويت التحضير لاتفاق الطائف، الذي أسس عند توقيعه في المملكة في سبتمبر 1989 الدستور السياسي اللبناني الذي أنهى الحرب في لبنان، وأقام علاقات مميزة بين لبنان وسورية، ووضع إطار عمل لبداية الانسحاب السوري من لبنان.

يقول بندر متذكرا دوره كمبعوث سلاح شخصي للملك فهد:

" أعتقد أنهم كانوا مقتنعين. بأنني لن أغادر في المرة الثانية من دون اتفاق. لم يستطيعوا التخلص مني ، لذا توصلوا إلى اتفاق . وعلى الرغم من تواضع الأمير، نسب المسئولون الأمريكيون إلى الأمير فضلا كبيرا في وقف إطلاق النار. فهو لم يؤمن فقط للموفد الخاص الأمريكي روبرت ماكفرلين منفذا إلى السوريين، بل ساعد أيضا على صياغته" .

كما أن بندر أثار إعجاب زملائه الأمريكيين بموقفه الإيجابي، وأنه خفف من خلال الدبلوماسية العربية الضغط على الوضع اللبناني أكثر مما استطاعت السياسات الخارجية الغربية تنفيذه بأشكال متنوعة. وقد شارك بندر وماكفرلين في دبلوماسية مكوكية مركزة، فقاما معا بست زيارات إلى دمشق . وقال عنه صائب سلام، رئيس الوزراء اللبناني السبق الذي شارك عن قرب في مفاوضات وقف إطلاق النار: " كان لبنان بالنسبة إليه أرضا وعرة، لكنه تدبر الوضع فيه بحكمة كبيرة".

سرى مفعول وقف إطلاق النار رسميا عند الساعة السادسة من صباح يوم 26 سبتمبر 1983. وبعد ذلك بيوم واحد، أي في 27 سبتمبر ، عين بندر بشكل رسمي سفيرا إلى الولايات المتحدة.

على الرغم من أن ألأمير كان وافدا جديدا نسبيا على واشنطن وعالم الدبلوماسية، فإنه سرعان متا أثبت نفسه كشخصية دبلوماسية عربية بارزة. فقد أفيد بعيد وصوله كسفير عن أن "قلة من السفراء الموجودين هنا يعيشون في قلب الأحداث بهذا لقدر أو يتمتعون بهذا القدر من النفوذ". وفي ظل وهج حقبة ريغن الجديدة وإثارتها، وخلف نشاط السفير السعودي الجديد وحيويته، تهيأت لواشنطن والرياض أهداف متبادلة تتركز بشكل أساسي على مقاربة ريغن للسياسة الخارجية الأمريكية.

أعلن ريغن عن موقفه السياسي الجرئ بشكل رسمي في خطاب حالة الاتحاد سنة 1985 ، وهو ما أصبح يعرف بمبدأ ريغن. فقد قال الرئيس:

" لا يمكننا أن نظهر الاستكانة حين تتعرض الحرية للحصار. علينا ألا نفقد الإيمان بكل الذين يجازفون بحياتهم - في كل قارة، من أفغانستان إلى نيكارغوا - لتحدي العدوان المدعوم من السوفييت وتأمين الحقوق التي حصلنا عليها منذ الولادة... إن دعم المقاتلين في سبيل الحرية هو دفاع عن النفس".

كان ريغن يجد الدعم في تلك التطلعات من مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) وليام كيسي. لم يكن مديرا عاديا. فقد كان برتبة وزير، ويشغل مقعدا في كل هيئة رفيعة المستوى ذات صلة بصنع قرارات السياسة الخارجية، وكان لديه مكتب في البيت الأبيض إلى جانب مكتبه الرسمي في لانغلي.

وقد تندر بندر على موقع كيسي الفريد في إدارة ريغن ومكتبه في البيت الأبيض بالقول:

" كان يمكن أن يستخدمه للتأثير في الزوار الأجانب، لأنه إذا قال، تعالوا واجتمعوا بي في البيتالأبيض ، فإنهم سيحدثون أنفسهم بالقول، لله در هذا الرجل، إنه قريب حقا من الرئيس ولديه مكتب هناك. كان ذلك جزءا من مهارة كيسي في الاستعراض".

أصبح السعوديون، الذين يجمعون في آن معا بين الثروة والسرية ومعاداة الشيوعية، مكونا حاسما من مكونات هجوم ريغن الاستراتيجي على الكتلة السوفيتية، تعززه رؤية كيسي وعزيمته. وقد قال ألان هيرز، مدير عمليات السي آي أيه في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت: " كانت المملكة العربية السعودية بالنسبة إلينا في الثمانينيات إحدى أهم الدول الحليفة لأمريكا... كانت بمثابة محور الدولاب في نظرنا وعنصرا حاسما في كثير من الأهداف المهمة".

كان كيسي مقتنعا أن على الولايات المتحدة مواجهة التوسع السوفيتي أينما حدث في العالم، لذا قال: " إن ساحة القتال الأساسية... ليست في مجال اختبار الصواريخ أو طاولة التفاوض على الحد من الأسلحة، وإنما في ريف العالم الثالث".

وكان السوفييت يتبعون استراتيجية "ألإمبريالية الزاحفة" يحدوهم هدفان، " البرزخ بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية" وحقول النفط في الشرق الأوسط، وهي شريان الحياة للتحالف الغربي. وكان كيسي يعتقد، على غرار السعوديين، أن غزو السوفييت لأفغانستان جزء من استراتيجية تهدد حقول النفط.

كان ريغن، طوال عهده، يذكر بانتظام لائحة بالبلاد المثيرة للقلق: أفغانستان ، وأنغو، وكمبوديا، وإثيوبيا ونيكاراغوا. وما لم يدركه سوى قليل من الناس هو أن المملكة العربية السعودية كانت مشتركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أربع من تلك الحملات الخمس، باستثناء كمبوديا.

وقد وضعت إدارة ريغن استراتيجية تتعامل مع شواغل المملكة العربية السعودية في العالم وتوجه الفائض النقدي السعودي نحو السياسة الخارجية الأمريكية. فلزعزعة استقرار حكومة منغيستو مريام الإثيوبية الموالية للسوفييت، أرسلت المملكة العربية السعودية أموالا إلى جارتها، السودان.

ودعما للسياسة الأمريكية، ساعدت المملكة أيضا زعيم المتمردين في أنغولا، جوناس سافيمبي ، وذلك عن طريق تزويد المغرب بالمال لإنشاء معسكر تدريب لحركة "يونيتا" (الاتحاد الوطني لاستقلال أنغولا الكامل)، وفي حادثة كان يمكن أن تهدد الرئيس في آخر الأمر بتهمة الإخلال بالوظيفة، حولت المملكة 32 مليون دولار إلى حساب الكونترا في نيكاراغوا.

وصبت واشنطن والرياض معا 3 مليارات دولار لتقويض الاحتلال السوفيتي لأفغانستان ، وكانت المملكة تساهم بمقدار المساهمة الأمريكية. وقد أسر بندر، عند تحدثه عن الشراكة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بالقول: ر" لو علمتم ما كنا نفعله حقا لأجل أمريكا، لما أعطيتمونا أواكس فقط، بل لأعطيتمونا أسلحة نووية".

لم تقتصر الجهود السعودية لمحاربة الشيوعيين على المساهمات بالنفط والبترودولار لمصلحة عمليات السي آي أيه السرية. ويؤكد بندر: " لم نستخدم مقولات الشرق - الغرب أو العداء الأمريكي للشيوعية، بل استخدمنا الدين". قلنا، الشيوعيون ملحدون، إنهم غير مؤمنين ونحن نحاربهم لأسباب دينية. وجيشنا العالم الإسلامي وراءنا، وهو ما تلاءم تماما مع استراتيجية ريغن لقتال الاتحاد السفيتي في منطقة لا يستطيعون التأثير فيها كما نؤثر نحن: " كرر الأمر ذكر المنطق السعودي عند التحدث مع البلاد الإسلامية"" لتذهب أمريكا إلى الجحيم، إننا نقاتل الشيوعيين لأنهم كفار".

وردد السفير الأمريكي إلى الرياض هذا التوكيد عندما قال :

" كانت الولايات المتحدة شريكا منشودا للمملكة العربية السعودية... وثمة مصلحة مشتركة في مواجهة الشيوعية الكافرة. وكان السعوديون يرون فيها الخطر الرئيسي على المملكة والإسلام والمنطقة".

عزز بندر الخطاب السعودي المقنع للعالم الإسلامي، فأوضح أنه في بعض المقابلات في ذلك الوقت كان يسأل عما إذا كانت المملكة العربية السعودية تقوم بذلك بطلب من أمريكا، وكان يجيب: " لا. توجد في أمريكا سفارة سوفيتية وفي الاتحاد السوفيتي سفارة أمريكية. وليست للمملكة العربية السعودية علاقة مع الاتحاد السوفيتي،لا بسبب أمريكا، وإنما لأن السوفييت ملحدون". وأشار الأمير إلى أن المملكة هي البلد الوحيد في العالم آنذك الذي لا يسمح للمواطنين الشيوعيين حتى بالخروج من الطائرة عند هبوطها في المملكة، بل عليهم البقاء في الطائرة إلى أن تقلع.

ومع أنه لا مجال للشك في قوة الرابطة بين بوش والسعوديين في الأعوام التالية، فإن الشراكة المستترة والمنسقة بين إدارة ريغن ووكالة الاستخبارات المركزية والمملكة العربية السعودية هي التي هيأت المسرح للعلاقات اللاحقة. ولم يؤد هذا الارتباط إلى زوال الاتحاد السوفيتي فحسب، وإنما أيضا إلى تثبيت الولايات المتحدة بمثابة القوة العسكرية المتفوقة في العالم.

من الإفراط في التبسيط الإيحاء أن الصراع العالمي المعقد على السلطة بين روسيا والولايات المتحدة في الثمانينيات وحصيلة الحرب الباردة أملتها الثروة في نهاية المطاف. ومع ذلك، كان التحالف السعودي الأمريكي حيويا في الانتصار الأمريكي في الحرب الباردة.

فالحرب الباردة لم تكن في أحيان متكررة اختبارا للقوة العسكرية بقدر ما كانت منافسة بين الدولار والروبل، وتمويل العديد من قوى التمرد في بلاد مثل أفغانستان ونيكاراغوا وأنغولا يصب في صميم استراتيجية الحرب الباردة.

وما المهارة في إدارة أسعار النفط العالمية إلا إحدى الطرائق التي دعمت فيها المملكة العربية السعودية ريغن والولايات المتحدة خلال الثمانينيات. فبخفض سعر النفط، لم يعزز السعوديون الصناعة الأمريكية بشكل ملحوظ فحسب، بل إنهم شلوا الاقتصاد الروسي في الواقع، إذ كان ذلك الاقتصاد معتمدا على إيراداته النفطية بالعملات. لقد كان مبدأ ريغن يقوم على جعل المحافظة على التدخل السوفيتي في بلاد العالم الثالث مكلفا جدا. وفي غضون ذلك العقد، حققت تلك الاستراتيجية النجاح.

يتوقف أحد أركان الفكر الماكيافيلي على الاضطلاع بما يجب القيام به، حتى عندما تتطلب مثل هذه المساعي درجة معينة من السرية والابتعاد عن قواعد السلوك السوية أو القواعد الأخلاقية. ومن الصعب أن نجد حالة أكثر التصاقا بهذه النظرية من التعاملات الأمريكية السعودية خلال قضية إيران- كونترا.

ففي سنة 1984، وبمبادرة من الحزب الديمقراطي تعرف باسم "تعديل بولاند"، أوقف الكونغرس بشكل مفاجئ الدعم المالي لمتمردي الكونترا الذين كانوا يقاتلون النظام الساندينستي في نيكاراغوا وعجل ذلك القرار بحدوث ما أصبح يعرف بقضية إيران - كونترا، وهي فضيحة شوهت الأعوام الأخيرة من رئاسة رونالد ريغن.

شملت قضية إيران - كونترا فعلا عدة عمليات منفصلة. أولا، باعت الولايات المتحدة سرا أسلحة لإيران، إحدى الدول الإرهابية، وهي صفقة يحظرها القانون الأمريكي. بل إن تلك الصفقة انتهكت " عملية الاتفاق المحكم " operation staunch التي أطلقها ريغن وسط ترويج إعلامي كبير، وهي حملة دولية لمنع جميع الدول من بيع أسلحة لإيران. ثانيا، انتهكت الحكومة الأمريكية "تعديل بولاند" عن طريق تقديم مساعدة سرية إلى متمردي الكونترا في حربهم على الحكومة الساندينستية اليسارية في نيكاراغوا.

وقد تشابكت هاتان المغامرتان السريتان بسبب إدارتهما من قبل أعضاء في هيئة موظفي مجلس الأمن القومي ، وخصوصا أوليفر نورث، وهو ضابط برتبة مقدم في مشاة البحرية الأمريكية. وفي الوقت المناسب، قام نورث بتحويل أرباح صفقة الأسلحة الإيرانية لتمويل الكونترا النيكاراغوانية.

على الرغم من أن "تعديل بولاند" لم يصبح نافذا حتى فبراير 1985، فإن البيت الأبيض بدأ في أوائل سنة 1984، يفكر في خيارات أخرى بعد أن خشي من عدم التمكن من تأمين مزيد من الدعم من الكونغرس لتمويل الكونترا. وقال مستشار الأمن القومي بد ماكفرلين في شهادته أمام لجان مشتركة تابعة للكونغرس ومعنية بالتدقيق في قضية إيران - كونترا أنه كان يفكر في احتمال تلزيم عملية الكونترا بكاملها لبلد آخر.

ومن دون علم وزير الخارجية جورج شولتز، اجتمع ماكفرلين ببيل كيسي لمناقشة أفكاره بشأن تأمين المساعدة للكونترا. وقد أعجب كيسي بأفكاره وأرسل إلى ماكفرلين مذكرة قال فيها: " إنني موافق تماما على وجوب أن تقوم باستكشاف بدائل للتمويل وربما سواها".كانت إسرائيل الخيار الطبيعي الأول، إذ أيضا تمتلك الخبرة العسكرية اللازمة لتحويل مجندي الكونترا الأغرار إلى قوة قتالية فعالة.

ومما يبعث على الخيبة أن الإسرائيليين صدوا محاولة ماكفرلين الحصول على أموال منهم، وعندما علم شولتز بالأمر عن طريق السفير الأمريكي في تل أبيب، وبخ ماكفرلين وحذره من القيام بمثل تلك الاستجداءات. لكن في مايو 1984، نفدت أموال الكونترا، ورفض الكونغرس طلب الإدارة تخصيص 21 مليون دولار إضافي لمساعدة الكونترا.

في هذه الأثناء، تلقى ماكفرلين من الرئيس توجيها أن " يبقى الكونترا على قيد الحياة"، و هو طلب لم يكن في استطاعته أن ينفذه بالكامل من غير تنازل قانوني خطير. نقل ماكفرلين تعليمات ريغن إلى أوليفر نورث، أحد الموظفين في مجلس الأمن القومي والمسئول الرئيسي عن اتصال الإدارة بقوات الكونترا".

ولما كان الوزير شولتز قد أوضح آراءه بشأن طلب ماكفرلين المساعدة من إسرائيل، فقد استبعد عن الجهود الجديدة الهادئة التي تبذل لتأمين دعم مالي خارجي للكونترا. وكما أفاد نورث: " لم يكن شولتز يعلم بما جرى في ذلك الوقت، وكذلك أنا ، لكن الرئيس فوض ماكفرلين بالفعل للاجتماع بالأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي إلى واشنطن، وطلب مساهمة من حكومته".

أثارت قانونية تمويل طرف ثالث للكونترا قضية كبيرة في البيت الأبيض . فقد أشار كبير موظفي البيت الأبيض جيمس بيكر إلى شولتز أن مثل هذه الاستجداءات تشكل "جرما يعرض للمساءلة". وأصر نائب الرئيس بوش على ان المشكلة الوحيدة في السعي طلبا لدعم من بلد ثالث هي إذا كان على الولايات المتحدة أن تعد بتقديم شئ في المقابل لهذه الأطراف الثالثة. وعندئذ يمكن أن يفسر الاتفاق على أنه "تبادل". لكن، يبدو أن راي جيمس بيكر أنه ليس في وسع الحكومة أن تفعل بصورة غير مباشرة ما لا تستطيع أن تفعله مباشرة لم يؤخذ في الحسبان.

حفزت الحساسية الشديدة تجاه التمويل من طرف ثالث ماكفرلين على الحرص على عدم خروج المناقشات إلى العلن، إذ قال: " اقترح ألا يفوض أحد السعي للحصول على دعم من طرف ثالث لمناوئي الساندينستيين (الكونترا) حتى نحصل على المعلومات التي نحتاج إليها، وآمل بالتأكيد عدم خروج شئ من هذه المناقشة إلى العلن بأي شكل من الأشكال". غير أن مجموعة التخطيط في مجلس الأمن القومي وافقت على التماس رأي قانوني من وزارة العدل.

وبعد مرور يوم على اجتماع مجموعة التخطيط، اجتمع بيل كيس بالمعدي العام وليام فرينتش سميث، الذي قرر أن تمويل الكونترا من بلد ثالث مسموح به قانونا طالما لم تستخدم أموال أمريكية لهذا الغرض ولم يكن البلد الثالث يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بتسديد قيمة المساعدة. شدد ريغن على إحاطة الأمر بسرية بالغة، وحذر من التسريبات قائلا: " إذا فشا أمر هذه الحكاية ، فسنتعرض لحرج شديد".

لكن ماكفرلين قابل بندر، حتى قبل اجتماع مجموعة التخطيط. وأخبر الأمير أن من المحتم تقريبا أن تفشل الإدارة في نيل موافقة الكونغرس على تقديم مساعدة إضافية إلى الكونترا. وذكر ماكفرلين أيضا ان الخطر الوحيد على فوز ريغن في الخريف سيكون وقوع اضطرابات في أمريكا الوسطى. وكان ذلك بمثابة القول الفصل بالنسبة إلى بندر، فالمملكة العربيةالسعودية تريد استمرار ريغن في الإدارة لولاية ثانية.

تبعا لماكفرلين في شهادته اللاحقة:

" في مايو أو يونيو 1984، عرض مسئول أجنبي، حدد لاحقا أنه بندر، التبرع بمليون دولار شهريا كمبالغ خاصة للكونترا في الظاهر. وفي أوائل سنة 1985، زيدت المساهمة إلى مليوني دولار شهريا. وذكر أن الأمير قدم هذه المساهمة كبادرة إنسانية، قائلا إن التبرع يظهر امتنان الملك فهد للدعم السابق الذي قدمته إدارة ريغن إلى حكومة السعودية.

أما في الواقع، فإن تأكيد الأمير أن المملكة العربية السعودية ستقدم الأموال التي تحتاج إليها الكونترا أثارت تساؤلات لم تدم طويلا بشأن كيفية التعامل معها. فالصفقة غير مسبوقة بحيث لم يعرض ماكفرلين ولا بندر كيف يمضيان بها قدما.

وقد أفيد عن أن ماكفرلين عاد إلى مكتبه، وأطلع نائبه، جون بويندكستر، على الموقف ثم طلب من أوليفر نورث الاستعلام من قادة الكونترا عن الحساب المصرفي الذي ستوضع فيه الأموال. أشار نورث إلى قائد القوة الديمقراطية النيكاراغوانية أدولفو كاليرو أن يفتح حسابا في مصرف خارجي يودع فيه السعوديون الأموال.

وبدأ مبلغ المليون دولار السري الشهري يصل إلى حساب خارجي في جزر كايمان في يونيو 1984. بما يضمن بقاء الكونترا قوة عسكرية في نيكاراغوا بصرف النظر عن أي إجراء متخذ من جانب الكونغرس.

بعد يوم أو يومين من موافقة بندر على تقديم الأموال، أبلغ ماكفرلين الرئيس ريغن ونائب الرئيس بوش. وبعد ذلك بعدة أيام، أبلغ شولتز وواينبرغر لكنه لم يطلعهما على مصدر الاموال ، ولم يلحا في السؤال عن التفاصيل .

وفي فترة لاحقة ، خلال تحقيقات إيران - كونترا ، قال ماكفرلين في شهادته إنه أعلم الرئيس بالمساهمة السعودية الاولى في يونيو 1984 ، وذلك بتدوين المعلومات على بطاقة دسها في سجل التقارير اليومية الموجزة للرئيس لكي لا يطلع أي مسئول اخر على الترتيبات . ورد ريغن عليه بالكتابة ، "أخبار طيبة!" وقال ماكفرلين أيضا إنه أخبر الرئيس ، إما خطيا أو شفويا ، أن " لا أحد يعرف شيئا عن هذا الامر " ، ورد ريغن عليه بالقول: "جيد ،لنحرص على إبقاء الأمر على هذا النحو".

وأصر ماكفرلين ، طوال الوقت ، على القول إنه لم يتجسد المال ؛ وإنه فعل كل شئ ما عدا طلب المال . إلا أن تأويل الطريقة التي صاغ ماكفرلين بها مقلاربته هو الذي اثار الجدال في ذروة تحقيقات إيران ـ كونترا . فقد صاغ ماكفرلين أجوبته خلال تلك التحقيقات بعبارات معدة لحماية الإدارة ، مؤكدا أن بندر تبرع بالمال طوعا وأنه لم يقم بأي التماس . بيد أن بندر يؤكد بثبات على أن ماكفرلين وجه إليه طلبا مباشرا بشأن الدعم المالي .

ومع ماكفرلين حاول خلال تحقيقات إيران ـ كونترا صوغ إجاباته بطريقة تدل على عدم وجود أي محاولة استجداء ، فإنه أدان الإدارة عندما ألمح إلى وعد بشئ ما في المقابل . وقال ماكفرلين في شهادته : اتضح تماما للسفير (السعودي) أن بلده سيحصل على استحسان كبير ، واعتقد السعوديون صراحة ، أن ما يقومون به هو الصواب ؛ فهم يقدمون الدعم عندما يحجم الكونغرس .

بدا واضحا من اعتراف ماكفرلين أن السعوديين توقعوا الحصول عل فوائد جمة . لكن هل يبلى ذلك تعريف "التبادل" كما أشار إليه جورج بوش ؟ لا شك في أن الفاصل بين هذا وذاك خط رفيع جدا . كان موقف بندر العلني في هذه الفترة مراوغا .

فقد سئل في مقابلة على تلفزيون سي بي أس :

"هناك روايات تتعلق بحكومتك وبك وبعلاقاتك بإدارة ريغن والمال الذي يأتي من حساب شخصي للملك . لقد فهمت المملكة العربية السعودية في وقت باكر جدا أنها إذا قامت بأشياء لمصلحة الامريكيين كما يفعل الاسرائيليون ، فإنها ستكسب من وراء ذلك دعم الحكومة الامريكية حين تحتاج إلى هذا الدعم . هل ذلك تقويم منصف لمبدأ عام ؟ ".وكان جوابه مدروسا : " أعتقد أن مبدأ انعكاس تعامل الناس في ما بينهم على علاقة بعضهم بعضا مبدأ عام في العالم ".

تبين رواية نورث لتباحثه مع ناكفرلين السرية التي أحيطت بها اتفاقات إيران ـ كونترا عمدا ، وتشير إلى إدراك البيت الابيض الطبيعة غير القانونية لما كانوا ينسقونه . ويتذكر نورث قول ماكفرلين : "إذا كان عليك أن تدون كل شئ ، فلا شأن لك في هذا العمل . يجب أن يذهب المال مباشرة من حساب أجنبي إلى حساب كاليرو الخارجي . يجب ألا يدخل هذا البلد البتة . افعل المطلوب عن طريق حوالة برقية ".

وسأل نورث : "لم يجب أن يكون الحساب خارجيا ؟".

أجاب ماكفرلين:

"لسببين . الاول، تجميد كل الحسابات المصرفية النيكاراغوية في الولايات المتحدة . والثاني ، وزارة الخزانة تراقب التحويلات المالية الكبيرة الداخلة إلى المصارف الامريكية والخارجة منها . ويمكن أن يلاحظ أحد هذه التحويلات ويبدأ طرح الاسئلة .بظهور روايتين متباينتين جدا حول طريقة التمويل السعودي للكونترا ، فترت الصداقة بين بندر وماكفرلين" .

يقول بندر:

"كان ماكفرلين صديقا حميما .لقد عملنا معا بشكل جيد في لبنان. وفي يوم من الايام فاتحني بشأن تمويل الكونترا في نيكاراغوا ".وفي أثناء تقديم عرض مجمل عن مشاركة المملكة العربية السعودية في تمويل الكونترا النيكاراغوية ، كرر الامير التحدث عن الحاجة إليهم لتقديم الدعم لأن تعديل بولاند حال دون تقديم الحكومة الامريكية تمويلا إضافيا إلى الكونترا .

وأضاف أن السوفيت والكوبيين ردوا على وقف التمويل وما تلاه من منع وصول أسلحة حيوية إلى الكونترا بإرسال كميات كبيرة من الاسلحة إلى نيكاراغوا ، ما منح الساندينستيين تفوقا واضحا في معركة كبيرة تالية .

كان الغرض من الاموال السعودية تمكين الكونترا من الحصول على أسلحة ضرورية للغاية إلى أن يحين الوقت الذي تستطيع فيه وكالة الاستخبارات المركزية تأمين أموال جديدة. وكان السعوديون يعتبرون أن دعم الكونترا يصب في المصلحة القومية لاميركا والمملكة على حد سواء.

يقول بندر:

" لم تكن لدينا مشكلة في ذلك . كانت عملية ذات سيادة خارج الولايات المتحدة ولذا لم نكن نخرق أيا من القوانين .كنا نمول عددا من العمليات المناهضة للشيوعية في أنحاء مختلفة من العالم ، ولم يكن ذلك عملا مختلفا " .

وأبلغ بندر ماكفرلين أن الحكومة السعودية مستعدة فعلا لإعلان دعمها للكونترا بحيث لا يشعر أحد بحرج في حال حدوث أي تسريب . لكن ماكفرلين أشار إلى أن الموقف الامريكي ما زال حريصا على إبقاء الاموال والدعم السعودي طي الكتمان، مؤكدا على عدم حدوث أي تسريبات .

في فبراير 1985 ، مع نفاذ تعديل بولاند ، اجتمع ماكفرلين بندر أن الولايات المتحدة لا تزال تواجه مشكلة تمويل ، على الرغم من المساهمات السعودية . وعندما وصل الملك فهد ، اجتمع مع الرئيس ريغن في المكتب البيضوي ، كما هو معتاد. بيد أن لقاء اخر أقل اعتيادا تم في الجناح الرئاسي في البيت الابيض .

وقد أسفر ذلك اللقاء بين فهد وريغن عن موافقة سعودية سرية على رفع مستوى التمويل للكونترا . وكتب نورث إلى كاليرو ، " يا صديقي ، سيتم في الاسبوع المقبل إيداع مبلغ يزيد عن 20 مليون دولار في الحساب المعتاد...وينبغي أن يسد الفجوة بين الآن وموعد إجراء التصويت واستئناف الإمداد بالمال مجددا ". وقال نورث إنه يجب استخدام المال في إعادة نشر قوات الكونترا أمام هجوم سانديستي متوقع ، وتجهيز " القوات والمتطوعين " وتدريبها ، ووضع خطة للإمداد الجوي المنتظم . وأضاف : "سيوفر هذا لمال الجديد مرونة عالية لم نتمتع بها من قبل ".

وأكد نورث لاحقا أن ما يجري صفقة لم يكن يفترض قط كشفها ولا كشف أن المملكة العربية السعودية هي الممولة الرئيسية . وعلى الرغم من أن المسئولين الامريكيين أكدوا لبندر أن الوسيلة قانونية ، فإن بندر عرف أنها كانت تنطوي على مخاطر سياسية ط . وشهد نورث لاحقا أ، بندر " حرص على إبقاء دوره في إرسال الملايين من خلال حساب في مصرف سويسري طي الكتمان " . وأضاف : "وعدناه بالحفاظ على سرية الأمر ، وقد حاولنا ذلك ".

بيد أن سر تمويل الكونترا لم يصمد ، ورفض بندر، الذي كان يتمتع بحصانة دبلوماسية ، التعاون مع المحققين . ومع أن ماكفرلين وصف تمويل الكونترا أنه تمويل الكونترا أنه تحويل " أموال شخصية" لمسئول أجنبي ، فقد أنكر بندر الرواية ورفض طلبات من المدعي الخاص لشرح دوره . كان الامر بالنسبة إلى السعوديين وبندر واحدا من المشروعات المشتركة المناهضة للشيوعية التي وضعت سرا مع مساعدين كبار لريغن ، وهو جزء من المصالح المترابطة التي ميزت فترة عمله كسفير . وفي وقت لاحق ، أكد بندر أن فرد داتون نصحه أن يرفض طلب المدعي الخاص .

خلال صيف 1986 ، بدأت التقارير تظهر في الصحف زاعمة أن السعوديين ساهموا بتقديم أموال للكونترا كجزء من اتفاق غير رسمي متصل ببيع طائرات " أواكس" للمملكة العربية السعودية . ففي 27 يوليو 1986 ، نشرت صحيفة " سان فرانسيسكو إكزامينر " مقالة نقلت عن مصادر مخابراتية أن المساهمة السعودية " ما هي إلا المثال الاخير على ممارسة قديمة لتمويل عمليات أمريكية سرية بأموال مقتطعة من مبيعات عسكرية خارجية ".

وظهر كاسبار واينبرغر على الملأ نافيا وجود أي مساهمات سعودية . وأصدرت السفارة السعودية بيانا صحافيا في 21 أكتوبر ، ذكر فيه بندر أن "المملكة العربية السعودية لم تتورط في الماضي او الحاضر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أي دعم عسكري أو سواه من أنواع الدعم لأي دعم عسكري أو سواه من أنواع الدعم لأي مجموعة أو مجموعات معينة بينكاراغوا."

في ذلك الوقت ، كان اهتمام واينبرغر الرئيسي منصبا على المحافظة على علاقات طيبة مع المملكة العربية السعودية ، التي يعتبرها حليفة محورية في الشرق الاوسط . وكانت علاقة واينبرغر بالأمير متينة ، ولم يوفر إنكاره المتكرر أي تورط سعودي مع الكونترا الحماية للرئيس فحسب ، وإنما لبندر أيضا .

كان بندر واثقا من أنه يتمتع بتأييد تام في البيت الابيض ، لكنه صدم وغضب عندما شاهد ماكفرلين على شاشة التلفاز وهو يشهد خلال جلسات الاستماع أن بندر قدم الأموال طواعية . كان ماكفرلين يحاول حماية الرئيس ، فوجه الاهتمام إلى بندر ، بعدما أنكر الاخير في الصحف بشكل قاطع أي تمويل سعودي للكونترا.

شدد بندر في حديثه عن هذه الواقعة على خيبة أمله من ماكفرلين ، وقال غاضبا :

" لقد باح بما لديه وخذلني . وكانت المرة الوحيدة التي كذبت فيها على وسائل الاعلام عندما قلت، لا شأن لنا بالأمر وأمريكا لم تفاتحني به قط، لأن هذا ما توافقنا على قوله. قلت له، اسمع، لا أبالي بالحقيقة، إذا كنت ستروي قصة ما، فدعنا نرويها معا. وإذا كانت كذبة، فلنكذب معا. وإذا كانت الحقيقة، فلنرو القصة نفسها. لكنك ستلحق الضرر بنفسك وبي إذا قدمنا روايتين مختلفتين".

قال بندر صراحة معترفا بضلوعه في الأمر: " الصحافة صدقتني لأنني أقول الحقيقة دائما. ولطالما كنت صريحا معها. كنت أقول لهم سأروي الحقيقة أو سأكتفي بقول لا يمكنني التعليق".

تابع بندر القصة من دون أن يتمكن من إخفاء غضبه واستيائه:

" لكنه (ماكفرلين) جلس أمام العالم كله في الكونغرس وقال، أعترف أن الأمير السعودي بندر اتصل بي ذات يوم وقال، تعال- نريد مساعدتكم ومساعدة الكونترا- هل يمكننا أن نقدم لكن 25 مليون دولار؟".

وأضاف بندر بغضب:

" لم يكتف بالكذب، لأنني لا أعير أي اهتمام للكونترا- بل إنني لم أكن أعرف أين تقع نيكاراغوا- وإنما زارني في منتصف الليل وقال، إننا بحاجة إلى مساعدة... إلخ، إلخ، فقلت، حسنا، لكن هل أجاز الرئيس ذلك؟ فأجاب ماكفرلين، نعم ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك، لكن لا يمكنك التحدث إلى أي شخص آخر.سأصحبك إليه لتراه وسيقول شكرا لكم. قلت ، حسنا، هذا كل ما أريده". وصدق بندر ما قاله ماكفرلين.

وتابع بندر:

" لذا لم يكذب في جلسة الاستماع فحسب، بل جعلني أكذب أيضا وأقول لا علاقة لنا بالأمر ثم قال إننا ضالعون فيه. ثم قال إننا كنا البادئين بالاتصال، وهذا غير صحيح وقد آلمني ذلك جدا لأنه قال لي، أمير بندر، أنا من مشاة البحرية وأفضل الموت على أن أخذل أصدقائي ورئيسي. لذا قلت، وأنا كذلك أيضا. لست من مشاة البحرية، لكني مستعد للموت لحماية الملك وأصدقائي".

وأوضح بندر لمستشار الأمن القومي أن المملكة العربية السعودية ستقدم الدعم أيا تكن وجهة النظر التي يرغب الأمريكيون في تبنيها ما دامت لكلا لبلدين الأجندة نفسها وما داما ملتزمين بها. وكرر ماكفرلين طمأنة الأمير أن السرية هي الخيار الوحيد بل أكد له أن خبر التمويل لن يخرج إلى العلن إلا إذا فشل بندر في التمسك بما يخصه من الاتفاق.

سخر بندر من محاولة ماكفرلين الانتحار في الليلة التي سبقت موعد الإدلاء بشهادته. فقد ابتلع ماكفرلين جرعة مفرطة من عقار ما، ثم أجي له غسيل معدة. وقال بندر متعجبا: " كان الرجل من مشاة البحرية... ولو أراد فعلا قتل نفسه، لاستخدم طريقة أكثر فعالية وحسما". وفي النهاية أرجئت شهادة ماكفرلين . وأكد بندر أنه لم يكلم ماكفرلين نذ ذلك الحين قائلا: " لم يعد صديقا".

وكحاشية على هذا الموضوع، اكتشفت أنه على الرغم من أن وسائل الإعلام في تغطيتها قضية إيران - كونترا تصور أن أوليفر نورث الشخصية الرئيسية، فإن مما يثير الاستغراب أن بندر والعقيد أوليفر نورث لم يلتقيا قط. وكانت المرة الوحيدة التي يفترض أن يتحدث فيها بندر إلى نورث قبل انكشاف الحكاية بقليل.

فقد اتصل ماكفرلين بالأمير، موضحا أنه سيغادر إلى روسيا وإذا احتاج الأمير إلى أي شئ أو إلى التكلم مع أحد، ففي وسعه الاتصال بالعقيد نورث، الذي يمكنه أن ينقل رسالة إليه حيثما يكون. وفوجئ ماكفرلين حين علم أن الأمير لم يلتق بالعقيد قط واقترح أن يزوره نورث ويجتمع به. غير أن بندر استدعي إلى المملكة العربية السعودية وتم إلغاء اللقاء المقرر.

نظرا إلى التغير الكبير الذي طرأ على مواقف ماكفرلين ونورث في أثناء التحقيق، أصبحت علاقة بندر بوسائل الإعلام متوترة بطبيعة الحال. فبين نهج السرية ، والإنكار الرسمي الذي خطه ماكفرلين في الأصل، والاكتشافات، والمزاعم التي لا نهاية لها في الصحفة الأمريكية، اعتمد الأمير ما يمكن اعتباره سياسة انحراف، قائلا: " أعتقد أنه لا يليق بدبلوماسي أن يدلي بتعليقات على الشئون الداخلية للبلد المضيف بعبارة أخرى، ترك للأمريكيين أن يرتبوا أمورهم بأنفسهم. "

لزم بندر موقفه طوال هذه الفترة من التوقعات الإعلامية الحادة: " إن الذين يقولون إننا نرقص على إيقاع أمريكا مخطئون، لأننا كلانا نعل بناء على مصالحنا القومية المتبادلة، وهي تلتقي أحيانا، وتفترق أحيانا أخرى، ولا أرى جديدا في ذلك".

لم يكن للمتعة شبه المازوشية التي أبدتها الصحافة الأمريكية خلال جلسات الاستماع بشأن إيران- كونترا تأثير كبير في مكانة المملكة العربية السعودية على المسرح السياسي. ولأن واشنطن ترى الأمور على حقيقتها، فقد أقرت أنه عندما طلب الرئيس الأمريكي المساعدة، كانت المملكة العربية السعودية هي لبت النداء وساعدت على القتال ضد الشيوعية.

وفي وقت لاحق، خلال الهجمات الإعلامية الواسعة على المملكة عقب أحداث 11/9، بادر أحد الكتاب إلى القول:

" في حين أن كل تلك العمليات، وكثيرا غيرها، بقيت طي الكتمان بحكم الضرورة في ذلك الوقت، فإنه عندما كشف أمرها في قضية إيران - كونترا، حظي السعوديون بالمديح ممن يريدون الآن طردهم، ابتداء من صحيفة "وول ستريت جورنال".

سرعان ما أصبح بندر هدفا لتمحيص وسائل الإعلام، عندما بدأ ينظر إليه كشخصية خارجة على النمط المعهود للدبلوماسية السعودية. ومن أغرب المزاعم التي سيقت ضده تورطه المفترض في محاولة اغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله في سنة 1985.

كان فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله، وهو حزب لبناني يحظى بتمويل إيراني، اتهم بالقيام بعمليات إرهابية استهدفت مصالح أمريكية في بيروت. وبعد الهجوم سنة 1983 بشاحنة مفخخة على ثكنة مشاة البحرية الأمريكية قرب مطار بيروت، وهو الهجوم الذي أودى بحياة 241 عسكريا ، اتهم المسئولون الأمريكيون فضل الله أنه أمر بتنفيذ ذلك الهجوم.

جرت محاولة اغتيال الشيخ بسيارة مفخخة انفجرت أمام منزل فضل الله، فقتل 80 شخصا وجرح 200 شخص آخرين، ولم يصب الشيخ بأذى. وسرعان ما وجهت إصبع الاتهام إلى وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) والسعوديين.

سرت شائعات في الولايات المتحدة أن المملكة العربية السعودية قدمت 3 ملايين دولار لتمويل عملية الاغتيال، وتوجت تلك الشائعات بما ورد في كتاب بوب ووداوارد "الحجاب" veil ، حيث أورد تفاصيل صريحة عن لقاء مزعوم بين بندر وكيسي، بما في ذلك روايات وصفية عن محادثات سرية، وتقاسم معلومات وإتلافها، وحتى عن عسكري انجليزي سابق غامض زعم أن السعوديين استخدموه لتنسيق العملية.

وقد نفى بندر نفيا قاطعا حدوث اللقاء المشار إليه، وتكررت مزاعم ووداوارد على ألسنة هاورد بلوم، وهولي سكلار، ووليام بلوم، وهلا جابر. بيد أن توماس باروز لاحظ، في مراجعته كتاب ووداوارد أن "وودوارد يوحي بقوة، أن هذا المال السعودي استخدم في محالة اغتيال الشيخ محمد حسين فضل الله، لكنه لا يقول ذلك بالفعل".

كان وودوارد أقل حذرا حين قال في مقابلة في برنامج فرونت لاين fronline التلفزيوني مع بيل مويرز:

" وضع كيسي مع السعوديين في سنة 1985 خطة مفصلة لاستخدام سيارة مفخخة لقتل الشيخ فضل الله، الذين قرروا أنه ليس ممن كانوا وراء تفجير ثكنة مشاة البحرية فقط، وإنما متورط في احتجاز الرهائن الأمريكيين في بيروت أيضا. وقد تناول كيسي طعام غداء مع الأمير بندر... وهو من أقوى الشخصيات، حتى اليوم في واشنطن".

وتابع وودوارد:

" مشى الاثنان في الحديقة وقالا، نحن مضطران إلى الخروج عن الأصول. واتفقا على أن يقدم السعوديون المال لاستخدام بعض المحترفين لقتل الشيخ فضل الله بسيارة مفخخة. وكان ذلك خروجا عن الأصول. ليس هناك دليل على أن ريغن أو واينبرغر أو شولتز عرفوا بذلك. لقد تصرف كيسي بمفرده، قائلا، سأحل امشكلة الكبيرة وأكون أشد قسوة من الإرهابيين أو بمثل قسوتهم، وأستخدم سلاحهم، السيارة المفخخة".

على مر السنين ، لم يحاول بندر قط تكذيب ما كشف عنه وودوارد ، أو تقارير وسائل الإعلام، والكتب التي تناولت هذه القصة. لكنه أصر بثبات على أن المزاعم عن التورط السعودي في محاولة اغتيال فضل الله لا أساس لها من الصحة، مؤكدا بصراحة على عدم وجود أي علاقة له بمحاولة الاغتيال. وبعد محاولة الاغتيال مباشرة، فاتح بندر الشيخ فضل الله باسم الملك فهد، الذي كان حريصا على ألا يصدق الزعيم الديني المزاعم عن تورط السعوديين في عملية التفجير.

وطمأن الشيخ فضل الله الأمير بندر أنه يحمل الولايات المتحدة، لا المملكة العربية السعودية، المسئولية وتصافح الرجلان مصافحة الأصدقاء. وفي وقت لاحق، عرض بندر على فضل الله تقديم مليوني دولار كمواد غذائية ومنح جامعية ومساعدات أخرى في مقابل الموافقة على عدم مهاجمة أهداف أمريكية في لبنان.

ربما أساء وودوارد تفسير هذه الإيماءة كاعتراف بالذنب، إذ كتب في وقت لاحق عن حوار زعم أن بندر قال لكيسي: " من الأسهل أن ترشيه من أن تقتله". ويعتبر بندر هذا التقرير من نسيج الخيال، وينفيه جملة وتفصيلا. وخلافا للعادة الغربية المتبعة، أكد بندر دائما أن كل ما تكتبه الصحافة لا يعنيه كثيرا، ما دام يعرف الحقيقة المتعلقة بوضع ما، ويستطيع تبرير موقفه والموقف السعودية.

وفي وقت لاحق، زعم أن السي آي أيه لم تنفذ تلك العملية البتة، وإنما كانت منتنفيذ منظمة سرية للغاية أنشأتها إدارة ريغن في سنة 1982، باسم "مجموعة الأوضاع الخاصة". وزعمت صحيفة "نيو ستيتمسان" أن إحدى خطط المجموعة كانت تقضي بتشكيل قوة استباقية لمكافحة الإرهاب، وبعد بداية فاشلة، تحولت إلى مجموعة نظمها عسكري سابق في القوة الجوية الخاصة sas البريطانية، وأخفقت في محاولتها اغتيال فضل الله بسيارة مفخخة في أوائل سنة 1985.

لعل هناك بعض الحقيقة في هذا الزعم. فقد علم بندر في ما بعد من مصادر استخبارية سعودية أن محاولة اغتيال فضل الله نفذها عميل سابق للسي آي أيه - القوة الجوية لخاصة. غير أن المملكة العربية السعودية لم تول تلك العملية قط.ربما ليس هناك توضيح للتعاون السري بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في السياسة الخارجية أفضل من هزيمة القوات المسلحة الليبية في أعقاب الاجتياح الليبي للإقليم الشمالي التشادي.

في سنة 1980، بعد التقدم بمطالبات حدودية متكررة، حرك العقيد القذافي 20 ألف جندي إلى التشاد، البلد الناشئ حديثا بعد أن كان مستعمرة فرنسية. عجزت التشاد، بقيادتها المتخلفة، عن صد الجيش الليبي الغازي. وظهر القذافي على شاشات التلفاز وفي الصحف مبتهجا ومتباهيا بنجاحه. غير أن الليبيين انسحبوا في نوفمبر 1981 تحت ضغط البلدان الإفريقية الأخرى والأحزاب السياسية في التشاد.

وقع غزو ليبي ثان بين يونيو وأغسطس 1983، عندما تدخل القذافي بالقوة، وطرد الجيش التشادي من قطاع أوزو البالغ عرضه 100 كلم. أدى تدخل 3000 جندي فرنسي لاحقا غلى إنهاء النجاحات الليبية وحدوث تقسيم فعلي للبلد، حيث احتفظت ليبيا بالسيطرة على كل المنطقة الواقعة شمال خط العرض 16. ومع أن ليبيا وفرنسا اتفقتا لاحقا على الانسحاب المتبادل من التشاد، فإن الليبيين انتشروا سرا، واحتفظوا بسيطرتهم على المنطقة الشمالية.

مع أن القذافي لم يكن متحالفا مع السوفييت بشكل مباشر، فقد سرهم موقفه المناوئ للغرب، غذ استفادوا من أرباح مبيعات الأسلحة الضخمة لليبيا التي قدرتها الاستخبارات الأمريكية في حدود مليار دولار سنويا.

ولم يكن البيت الأبيض راضيا عن العلاقات بين ليبيا والاتحاد السوفيتي، فضلا عن "روح المغامرة" الجديدة لدى القذافي. ومما زد في المخاوف الأمريكية والغربية التهديد الإرهابي الهائل بتنظيم ليبي لعواصم مثل لندن وباريس وروما وأثينا وبيروت وتونس ومدريد.

توجست المملكة العربية السعودية خيفة أيضا من نظام القذافي، غذ تم الربط بينه وبين اكتشاف معدات عسكرية ومتفجرات عثر عليها في حقائب ركاب ليبيين متوجهين لأداء مناسك الحج. كما أن ليبيا وقعت على معاهدة تعاون مع إثيوبيا واليمن الجنوبي، وهما م، اشد البلدان تقلبا وعداء للمملكة العربية السعودية.

إن اتخاذ أي إجراء صريح ضد ليبيا يمكن أن يطلق ارتدادات غير محمودة في الشرق الأوسط، ترفع العقيد الليبي إلى مصاف الشهداء. ولذلك، عندما فاتحت وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) بندر بشأن تمويل عملية سرية ضد القذافي، وافق السعوديون بلا تردد على مساعدة الاستراتيجية التي وضعها كيسي وهيغ. وكان هدفهم الاستنزاف المتأني والتخريبي لأضعف نقاط القذافي، حملاته العسكرية وغزوه للتشاد. ووفقا لبوب وودوارد ، اعتقد كيسي " أن المغامرة في التشاد هي بمثابة نقطة ضعف القذافي".

وبتمويل من المملكة العربية السعودية والسي آي أيه، عززت القوات التشادية قليلة الخبرة جيشها بمرتزقة محترفين مجهزين جيدا تم تجنيدهم ونقلهم جوا إلى التشاد لمساندة الهجوم على القوات النظامية الليبية. وقد أخبرني فرد داتون أن بندر روى له وقع المفاجأة على الجيش الليبي عندما واجه على غير المتوقع مقاومة ضارية من جيش تشادي يفترض أن يكون متواضعا.

"قدمت المملكة العربية السعودية ، بالتعاون مع السي آي أيه 10 ملايين دولار لدعم إعادة تسليح الجيش التشادي وتجنيد جيش من المرتزقة لمساندة القوات التشادية على الأرض. لم يشارك السعوديون بشكل مباشر، بل اكتفوا بالتمويل فقط. وتولى الأمريكيون الجزء المعلاني، وكانت النتيجة هزيمة القذافي وانسحاب القوات الليبية من التشاد. وخلال عملية ليبيا - تشاد، تلقت القوات البرية مساندو جوية أمريكية أعدت لإضعاف الجيش الليبي ، وتدمير المعدات الثقيلة والدبابات، وغيرها، وقطع خطوط تراجع القوات الليبية".

ووصف داتون كيف كانت القوات الليبية تضرب من البر والجو، وفي غمرة الفوضى التي تلي، لم يكن الليبيون متيقنين من أن الطائرات ستتزود بالوقود والسلاح وتعود لتنفيذ مزيد من العمليات. ووسط الذعر السائد، كانت القوات التشادية تتقدم، يدعمها المرتزقة. وبين ديسمبر 1986 والأشهر الأولى من سنة 1987، اندحرت قوات القذافي وأجبرت على الانسحاب إلى ليبيا.

وفي تعبير عن الرضى التام عن حصيلة تلك العملية السرية، قال بندر: " لم يقم القذافي قط بإرسال قواته إلى خارج ليبيا بعد تلك الضربة التي تلقاها". ومن المثير للاهتمام أن سياق عبارة الأمير يردد مباشرة الغرض الذي أعلن عنه هيغ في تشاد، وهو " توجيه ضربة إلى القذافي" و" إنزال أفدح الخسائر به". غير أن التحالف الأمريكي – السعودي والنجاح في التشاد كان أكبر بكثير مما ذكر في وسائل الإعلام.

وفقا لداتون، كان الأسطول السادس الأمريكي الذي يعمل في خليج سرت مصدر الدعم الجوي الواسع للجيش التشادي. وكانت الطائرات تحلق في الليل وتمر فوق المجال الجوي الليبي في طريقها إلى أهدافها في التشاد. ومما يدعو للدهشة أن حاملة الطائرات الأمريكية كانت مزودة بقنابل وأعتدة سوفيتية وفرها المجاهدون الأفغان. لحجب طبيعة العملية وإخفاء أي تورط أمريكي محتمل.

عند التشكيك في صحة هذا الكشف، قال داتون متعجبا:

لن تجد أحدا مستعدا للاقتراب من هذه الحكاية، لكنها صحيحة. سيناقشها كثير من الأشخاص ويصدقها بعضهم وينكرها بعضهم الآخر وضحك، بعد التفكير في التأثير الذي ستحدثه هذه الرواية في واشنطن ولانغلي عند انكشافها. وايد السفير أحمد قطان، نائب رئيس موظفي السفارة السعودية في واشنطن في ذلك الوقت، والسفير السعودي الحالي إلى جامعة الدول العربية في القاهرة، رواية داتون في حديث خاص معه لاحقا.

وفي حادثة مماثلة، قبل ذلك بعام واحد تقريبا، اي في 15 أبريل 1986، في ما يمكن اعتباره تكرارا لعملية تشاد وردا على تفجير ليبي لناد ليلي في هامبورغ ، شنت طائرات 6-a تابعة للبحرية الأمريكية، وطائرات 111-f تبعة لسلاح الجو الأمريكي، هجوما ليليا دقيقا وضخما على أهداف ليبية. وقد انطلقت طائرات 6-a من حاملتي الطائرات "أمريكا" و" كورال سي" في الأسطول السادس، بينما انطلقت طائرات 111-f من قواعد سلاح الجو الملكي البريطاني في ميلدنهول وأبرهايفورد في المملكة المتحدة.

وفي الحديث عما تردد كثيرا بشأن استهداف الأمريكيين منزل القذافي، لاحظ بندر بمرارة أن

"فرنسا رفضت السماح بعبور الطائرات الأمريكية المنطلقة من المملكة المتحدة في الأجواء الفرنسية. وفي المقابل، لم توافق مارغريت تاتشر على السماح بعبور الطائرات في الأجواء البريطانية فحسب، بل سمحت أيضا بانطلاق العمليات من قواعد في المملكة المتحدة".

ظهر التورط السعودي في الصراع الليبي التشادي في وقت لاحق خلال مفاوضات الأمير الحساسة لتأمين الاتفاق بشأن محاكمة المشبوهين بتفجير طائرة لوكربي سنة 1999. وخلال فترة هدوء في تلك المحادثات، أثار القذافي موضوع الحملة الليبية على التشاد، وذكر " المآثر البطولية" التي قام بها " جيشه الشجاع".

أدرك الأمير ، فيما كان جالسا بجانب القذافي وهو يصغي غلى هذا التبجح، أن العقيد كان غافلا تماما عن الدعم السعودي لتشاد. فلم يستطع أن يمنع نفسه عن الكلام، فقال بندر للقذافي: " بما أننا الآن نتحدث بصراحة معا، فإننا كنا نرعى تشاد. كنا فيها وألحقنا بك هزيمة منكرة في ذلك الوقت".

من المزايا الأساسية التي ساهمت في نفوذ بندر المتزايد في عهد ريغن قدرته على نسج الصداقات مع أصحاب النفوذ بسرعة. ويمكن القول إن أعظم الصداقات في تلك السنوات الأولى صداقته مع نانسي ريغن. فمن المسلم به منذ مدة طويلة أن " ثاني أقوى الأشخاص في البيت الأبيض "طوال عهد ريغن" هي السيدة التي أحبها الرئيس كثيرا. فقد مارست نانسي ريغن، كسيدة أولى تأثيرا في أعمال السلطة التنفيذية وسياساتها أكبر بكثير مما مارسته أي زوجة رئيس في التاريخ الحديث.

وكما اعترفت في مذكراتها:

" هل قدمت النصح إلى روني يوما ما؟ بالتأكيد فعلت. أنا التي أعرفه حق المعرفة، وكنت الشخص الوحيد في البيت الأبيض الذي لم تكن له أجندة خاصة به، سوى مساعدته". وقالت:" قدمت لروني أفضل النصح، وكنت على مدى ثمانية أعوام زوجة الرئيس ورفيقة فراشه، وإذا كان ذلك لا يتيح لي فرصة الوصول إليه، فلا أعرف ما الذي يتيحها".

لم يقلل بندر من قدر نانسي ريغن طوال وجود ريغن في الحكم، بل كان يولي السيدة الأولى تقديرا كبيرا، ونسج معها صداقة مميزة عادت عليه بالفوائد السياسية. وكما أقرت السيدة ريغن: " لا أعرف الكثير عن علم الاقتصاد والشئون العسكرية، لكن عندي فراسة قوية في الناس، وأحسن الحكم على شخصياتهم". ومع بندر، صدقت حاسة نانسي ريغن السادسة، إخلاصه لها، لزوجها، وتمسكه بمبدأ ريغن. ولم يكن لتلك العلاقة تأثير عميق في أحداث العالم فحسب، وإنما أيضا- وبشكل مثير للجدل- داخل البيت الأبيض نفسه.

ينسب إلى نانسي ريغن فضل الابتعاد داخل حكومة ريغن عن المحافظين المتشددين، والاقتراب من ذوي التوجهات الأكثر اعتدالا في السياسة الخارجية. ومع أن السيدة الأولى تركت السياسة لرجال ريغن، فإنها كانت ضالعة إلى حد كبير في اختيار أولئك الرجال.

ومن التغييرات المهمة المنسوبة إلى نانسي إحلال جورج شولتز محل وزير الخارجية ألكسندر هيغ في منتصف ولاية ريغن الأولى، وإحلال روبرت كاكفرلين محل مستشار الأمن القومي وليام كلارك. ويمكن إيجاد بصمات بندر في هذين التعيينين.

الدائرة السياسية والاجتماعية في واشنطن دوامة يسودها التقلب وانعدام الأمان وكثرة التغير. إنها مكان عدائي لا يقين فيه إلا غدر السلطة وتمسك وسائل الإعلام بآرائها. ولعل أوضح مثال على ذلك " استقالة" وزير الخارجية ألكسندر هيغ، الرجل الذي طلب دعم بندر معركة إدارة ريغن في التصويت الحاسم على صفقة طائرات "أواكس".

ففي عصر يوم 25 يونيو 1982، استدعى الصحفيون إلى غرفة الصحافة في البيت الأبيض لإطلاعهم على أخبار غير متوقعة. وعند الساعة الثالثة والدقيقة الرابعة اعتلى الرئيس ريغن المنبر وقال: " لقد اضطررت بأسف كبير إلى قبول استقالة وزير الخارجية آل هيغ". وتابع قائلا: " وقد رشحت جورج شولتز لخلافته، وقد قبل هذا الترشيح". بثت ملاحظات ريغن مباشرة من محطات الإذاعة والتلفاز في كل أنحاء الولايات المتحدة.

كان الانطباع الذي أعطي هو أن هيغ استقال طوعا. بيد أنه سرعان ما طفت على السطح شائعات عن انقلاب في البيت الأبيض.وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، كان على هيغ الإدلاء بتصريح في وزارة الخارجية أمام جمهور من نحو ألف صحفي وموظف في الوزارة. حدد الموعد عند الساعة الرابعة عصرا، غير أن وزير الخارجية المغادر تأخر نصف ساعة تقريبا. لم يعلم بأمر استقالته إلا قبل ساعات قليلة في الواقع، أي قرابة الظهيرة.

ووفقا لهيغ، كان عليه مرغما كتابة رسالة استقالة والتظاهر، لأغراض الاستهلاك العلني، أنه قدم استقالته بالفعل إلى ريغن. وسبب تأخره في الوصول إلى المؤتمر الصحفي في وزارة الخارجية في الواقع أنه كان لا يزال يضع لمساته الأخيرة على تصريحه العلني. فقد أمر هيغ بألا يتجاوز تصريحه بأكمله خمس دقائق ونبه إلى عدم قبول الأسئلة. وخلال كلمته، تحدث هيغ ببطء، وكان موقفه يدل على تقديم الاستقالة، لكم مظهره كان يدل على هزيمة. وكادت الكلمات تستعصي الخروج من فمه.

بعيد تصريح هيغ، قال سام دونالدسون من قسم أخبار أيه بي سي

" قد يبدو الأمر مستغربا بالنسبة إلى من يعرفون خلفية الجنرال هيغ، لكن الفوز هنا كان حليف المتشددين، من وجهة نظر العلاقات السوفيتية الأمريكية ، والمتشددين عندما يتعلق الأمر بمحاولة كبح ما يراه كثير من الناس عنفا مفرطا من جانب إسرائيل في لبنان".

وتشاء المصادفة أن يستضيف بندر حفل عشاء في منزله في ذلك المساء. وقد أوضح أنه كان من المنتظر أن يحضر حفل العشاء عشرون مدعوا، لكن خلال الأسبوع الذي سبق الحفلة، تعرض هيغ لضغوط كي يستقيل. ولأن خبر استقالة هيغ ذاع يوم موعد الحفلة، اتصل بندر بوزير الخارجية وسأل إن كان عليه إلغاء الحفلة.

فقد قال لهيغ: " لا أريد أن تظهر حفلة العشاء كأنها جاءت نتيجة للاستقالة". ورأى هيغ أن إقامة حفلة العشاء بحضور هذا العدد الكبير من شخصيات واشنطن قد يساء فهمها داخل الدائرة السياسية والاجتماعية في واشنطن، واقترح بدلا من ذلك مأدبة عشاء على نطاق أضيق تضمهما مع زوجتيهما.

وصل الوزير هيغ وزوجته إلى منزل بندر في مكلين، فرجينيا. وارتأى بندر أن تأخذ الأميرة هيفاء السيدة هيغ إلى الغرفة ليتاح له التحدث مع هيغ على انفراد في مكتبه بخصوص الاستقالة. غير أن السيدة هيغ لحقت بزوجها إلى المكتب. ولدى جلوس الجميع، ران صمت طويل . ويقول بندر: " لم يكن أحد يعرف ماذت يقول".

وفي آخر الأمر ، كسر حاجز الصمت، قائلا: " لقد كان هذا اليوم مفاجئا". وتابع بندر: " لم يكن ما حدث بعد ذلك عاديا". فقد تملكته الدهشة حين رأى الوزير هيغ، القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في أوربا والجنرال بأربع نجوم، وهو ينفجر بالبكاء. كان جالسا في مكتب بندر، واضعا رأسه بين يديه، وأخذ يبكي بمرارة. وأوضح بندر أنه لم يدر ماذا يفعل. وخيم على الجميع صمت تخلله بكاء هيغ. وفي آخر الأمر، كف هيغ عن البكاء، ومسح عينيه بمنديله، ثم سأل: " هل لي بكوب ماء؟".

وبعد قليل، توجه الجميع إلى غرفة الطعام. وتبين على طاولة العشاء أن هيغ أزيح من منصبه، وأنه لم يكن يعتزم الاستقالة. وكان نادما لأنه أتاح الفرصة للأوغاد كي يخرجوه عنوة. وحين أعلن الرئيس ريغن استقالة هيغ إلى وسائل الإعلام، قائلا إنه تلقى كتاب استقالته وقبلها على مضض، لم يكن هيغ قد خط كتاب الاستقالة بعد. وكان موظفو البيت الأبيض القلقون يقومون بالاتصال بمكتب هيغ للحصول على كتاب الاستقالة. وقال هيغ لبندر بغضب " اخرت ردي أكثر من ثلاث ساعات". وأوضح بكلمات حاقدة: " كانت تلك فرصتي للنيل منهم".

على الرغم من أن بندر لم يكن له دور في رحيل وزير الخارجية هيغ، فإنه كان ذا تأثير في تعيينات أخرى أجرتها إدارة ريغن، وقد نسبت الصحافة الأمريكية إلى نانسي ريغن اختيار روبرت ماكفرلين مستشارا للأمن القومي سنة 1983 بدلا من جين كير كباتريك. لكن بندر يقول إنه هو الذي عرقل تعيين كير كباتيك، وإنه فعل ذلك لاعتقاده أن كير كبارتريك ليست المرشحة المناسبة للمملكة العربية السعودية، وفي المقابل، كان متحمسا لتزكية ماكفرلين، الذي عمل معه سابقا في وضع اتفاق وقف إطلاق النار لإنهاء القتال في لبنان.

وشعر بندر أن ماكفرلين، لا كير كباتريك، سيكون الأكثر توافقا مع المصالح السعودية. واعترف: " ظللت أقول لها (للسيدة الأولى) إن هذا الرجل مخلص حقا لزوجك، وهو خير سند".

وختم بندر:

" وبالنتيجة أصبح ماكفرلين عندما طلب من بندر التعليق على تخمينات وسائل الإعلام بشأن علاقته بالسيدة الأولى والشائعات التي تفيد أن له تأثيرا في اختيار موظفين كبار في الإدارة عن طريق السيدة ريغن، أومأ برأسه مؤكدا ما قيل، ثم أوضح ان السيدة ريغن طلبت منه أن يزودها بمعلومات ارتجاعية عن المعينين في الإدارة خرج مطبخ ريغن الحكومي، وبالتالي لم يكونوا معروفين. "

وقال:" أوضحت السيدة ريغن أنها لا تريد داخل الإدارة إلا مؤيدين مخلصين للرئيس".وقد أتاحت مشورة بندر لنانسي وضع " لائحة تصفية" خاصة بها كي تؤثر بها في زوجها، لائحة وضعها بندر بعناية بحيث تتوافق مع أفضل مصالح المملكة.

وطلبت نانسي ريغن من بندر معلومات عن ولاء أو عدم ولاء حكومة زوجها. ويذكر بندر كيف أبلغته نانسي ريغن عند طلب هذه المعلومات أن لديها إحساسا فطريا تجاه أعضاء الإدارة غير الأوفياء. وقد حركت سبابتيها قرب جبينها، وقال " عندي قرنا استشعار"، ثم نظرت حولها بمكر وخلسة كأنها تشتم بحثا عن المسيئين.

وعندما قيل لبندر إن نانسي ريغن كانت بتقبلها مشورته تتوسل في الواقع الدعم من دبلوماسي أجنبي. رد على الفور:

" لكنها في قرارة نفسها، لم تكن تعتبرني، مشئولا أجنبيا، كانت تعتبرني صديقا لزوجها. كانت تعرف أنني معجب به. ومن الواضح أنها كانت تعرف عن وجود تعون وثيق بين رونالد ريغن وماغي تاتشر والملك فهد. وكانت تحدث نفسها، زوجي يحب هذا الرجل ويثق به.
ورئيسه وزوجي متقاربان وعلى علاقة طيبة مع ماغي تاتشر، لذا يمكنني أن أثق به في محاولة معرفة ما يقوله الآخرون عن زوجي وعن قادة آخرين ومسئولين آخرين، ومن هم المسئولون الأمريكيون الذين يقدمونه إلى الأجانب من زاوية طيبة. أو هل يضحكون عليه أو هل يطلقون النكات عنه؟ بالنسبة إليها، العالم يبدأ وينتهي مع زوجها. لم تكن معنية بالسياسة إلا من منطلق حماية زوجها، ويجب ألا يتمكن أحد من إلحاق الأذى به ما دمت أستطيع أن أساعده".

عندما طلب من بندر التعليق على تخمينات وسائل الإعلام المتكررة بشأن مقدار تأثير نانسي ريغن في زوجها، جاء رده صريحا وواضحا. أكد أنها كسيدة ذات قدرة قوية على الإقناع، استطاعت بلا شك التأثير في روني بين الحين والآخر، وكرر أنها كانت تطلب مشورته.

ولتوضيح هذه النقطة ، قال بندر:

" هناك مقابلة تلفزيونية شهيرة معهما في مزرعتهما. وطرح على ريغن سؤال فقال، حسنا، وخلال التوقف المؤقت، نظرت نانسي إليه وقالت بسرعة، علينا أن نفكر في الأمر. وما لبث الرئيس ريغن أن ردد كلماتها علينا أن نفكر في الأمر". وأضاف بندر ضاحكا : " كان مصورا لذا عرف الناس أن لها تأثيرا فيه".

انغمس بندر في السياسة الأمريكية مجددا، قبل أن يكتشف إدوين ميس عن تفاصيل فضيحة إيران - كونترا في أواخر نوفمبر 1986، في ما بدا محاولة لتسريع رحيل وزير الخارجية جورج شولتز عن منصبه. وقيل إن بندر تصرف بالنيابة عن نانسي ريغن.

أسر بندر أن زوجة الرئيس كشفت له أنه عندما انفجرت الفضيحة (إيران - كونترا)، "سنتخلص منه أي من شولتن". اجتمع بندر متسلحا بهذه المعلومة إلى كاسبار واينبرغر في مكتبه، وأبلغه أن نانسي ريغن ترى وجوب رحيل شولتز، فالسيدة الأولى مستاءة جدا من شولتز.

ووفقا لبندر، قالت السيدة ريغن إن وزير الخارجية "ضعيف" و"غير وفي" لزوجها. في اليوم التالي، اتصل واينبرغر هاتفيا بصديقه وليام كلارك في كاليفورنيا ونقل إليه تعليقات بندر. وقد صدم الرجلان من مناورة السفير السعودي لاختيار وزير الخارجية.

حظي بندر بمدخل استثنائي إلى البيت الأبيض، وذلك بفضل صداقته الشخصية مع رونالد ونانسي ريغن، وبخاصة السيدة الأولى، إلى جانب الدعم السعودي لمبدأ ريغن المناوئ للشيوعية، والاستغلال الدقيق لسلاح النفط، والبترودولار، واتصاله المباشر بالملك فهد.

والمعروف أن واشنطن تعمل على مستويات كثيرة معقدة ومتعارضة في الغالب، واستطاع على امتداد ولايتي ريغن أن يبني شبكة من الصداقات مع الشخصيات الرئيسية في الإدارة، ما مكنه من ممارسة تأثير سياسي منقطع النظير داخل البيت الأبيض.

كان نفوذ بندر في واشنطن مصدر مقدار كبير من تخمينات وسائل الإعلام. وقد حاولت مجلة "تايم" تحديد مقادر نفوذه عندما أفادت: " أحرز الأمير بندر بنسبه الملكي وتشربه الطرائق الأمريكية مدخلا إلى واشنطن لا يضاهيه فيه أي موفد آخر، بمن فيهم السفير السوفيتي المخضرم أناتولي دوبرينين الذي أمضى في واشنطن إحدى وعشرين سنة". لكن مجلة "تايم" لم تتخيل أنه كان في وسع بندر، الدبلوماسي الأجنبي من خلال صداقته المتينة مع نانسي ريغن، أن يحدد من وراء الستار شكل إدارتي ريغن.

الفصل الخامس: بندر تاجر السلاح

" إذا كنا أقوياء، فستعبر قونا عن نفسها. وإذا كنا ضعفاء، فلن تسعفنا الكلمات".

جون فيتزجيرالد كنيدي (1961 - 1963)

"أصدقائي دعوني أقول لكم، نحن لسنا مازوشيين، نحن لا نحب أن ننفق مليارات الدولارات ونتعرض للإهانة في سياق ذلك". بهذه العبارة الموجهة إلى مجموعة من مديري " ماكدونل دوغلاس" التنفيذيين، كان بندر يشير إلى رفض طلب المملكة العربية السعودية في سنة 1985 الحصول على طائرات 15-f إضافية وصواريخ "لانس". لكنه ربما كان يشير إلى أي من المفاوضات العديدة العسيرة والمحبطة بشأن الأسلحة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.

بعد إنجاز الاتفاق على شراء 100 طائرة 15- f من الولايات المتحدة ونجاح الصفقة في الكونغرس سنة 1977، طلبت المملكة العربية السعودية أن تتسلم على الفور الطائرات الستين الأولى. وكان المتفق عليه أن يتم تسلم الطائرات الأربعين الباقية في موعد متأخر، متأخر جدا، كما تبين. وبعد عملية التسليم الأولية، أمضت الحكومة السعودية السنوات الخمس التالية في محاولة الحصول على الطائرات الأربعين الباقية.

وبالنظر إلى الوقت المستثمر بالفعل في المشروع والصداقة الوطيدة القائمة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - ولا ننسى القدرة السعودية على دفع ثمن الأسلحة المطلوبة، وهذا أمر جديد بعض الشئ على صناعة الأسلحة الأمريكية - فقد اعتبر رفض الكونغرس الطلب السعودي الجديد بخصوص 42 طائرة 15-f إضافية ومروحيات وصواريخ مضادة للسفن صفعة مهينة للعلاقات الأمريكية - السعودية.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تحبط فيها مصالح السعودية في الولايات المتحدة في الساعة الأخيرة. ففي سنة 1976، أجاز الكونغرس للمملكة العربية السعودية شراء 4000 صاروخ جو – جو " مافريك بي" مع ذلك أغلق خط إنتاج الطراز " بي" قبل التسليم بسبب طول المدة التي استغرقتها إجازة الصفقة.

وأوصت الشركة الصانعة بتحويل طلبية الشراء إلى الطراز "دي" من صواريخ "مافريك"، وكان قيد الإنتاج في ذلك الوقت وإيجاد قطع له أسهل من إيجاد قطع للطراز الأقدم. وعندما أعيدت الصفقة إلى الكونغرس لتعديلها لتشمل الطراز "دي"، رفضت برمتها.

كان إحباط المملكة العربية السعودية من إجراءات الكونغرس التي تبدو غير منطقية في مفهومها . فجاء رد الفعل السعودي واضحا في السوق الاستهلاكية التنافسية، حيث وجهوا اهتمامهم إلى مكان آخر. ومع ذلك على الرغم من انحياز الكونغرس الظاهر ضد طلبات المملكة العربية السعودية من الأسلحة، فقد أكد بندر دوما، وبخاصة للأمريكيين الذين كان يلتقيهم لدى تكلمه في مكاتب الشركات الصناعية والمصانع العسكرية الأمريكية، أن الأسلحة الأمريكية هي دائما خير المملكة العربية السعودية الأول عند التفاوض على عقود أسلحة.

وكرر الأمير أن صفقات الأسلحة المربحة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة فشلت بسبب الكونغرس، لا بسبب الجانب السعودي أو الصناعة الدفاعية الأمريكية. ولاحظ، إن منتجات الأسلحة الدفاعية الأمريكية كانت تأتي دائما على رأس أولوياتنا لسببين: " الأول، أن التكنولوجيا الأمريكية هي الأفضل، والثاني، أن لخمسين سنة من الصداقة قواها الذاتية التي تجعلهم الأولوية الأولى لدينا ومحط اختيارنا".

لطالما كان الدفاع أمرا حاسما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية. فالمخاطر التي تتهددها هائلة نظرا إلى أنها تشترك في حدود مع سبعة بلدان متقلبة ذات نزعة عسكرية، ولأنها نقطة ارتكاز زعامة العلم الإسلامي، وتقبع فوق نحو ثلثي احتياطي العالم من النفط. وكان عهد ريغن في فترة يسودها عدم اليقين والاضطراب في الشرق الأوسط.

فقد دعا قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني إلى إطاحة الحكم الملكي السعودي، وندد بالغرب الرأسمالي بقسوة، ودخل في حرب مكلفة مع العراق دامت نحو ثماني سنوات. في المقابل ، شن العراق التواق إلى القتال هجوما ضخما على إيران، وأطلق صواريخ "سكود" و"فروغ" على المراكز الآهلة في الغرب الإيراني واستهدف خطوط الجبهة بسلسلة من الهجمات الشديدة بالأسلحة الكيميائية.

ونظرا إلى وجود تلك الأسلحة ذات التكنولوجيا المتقدمة لدى اثنين من جيران المملكة العربية السعودية، فقد تطلع السعوديون إلى تعزيز ترسانتهم الدفاعية. وفي أواخر سنة 1984، طلبوا موافقة أمريكا على شراء 42 طائرة 15- f إضافية، وصواريخ مضادة للطائرات، وصورايخ "هاربون" المضادة للسفن، ومروحيات من طراز " بلاك هوك" لنقل الجنود.

أثبت الكونغرس عناده مرة أخرى ورفض الطلب على الفور. وفي فبراير 1985، أخذ الرئيس ريغن البراغماتي على عاتقه عبء المهمة التي لا يحسد عليها بإبلاغ الملك فهد والأمير بندر أنه لن يستطيع تأمين موافقة من الكونغرس على صفقة الأسلحة.

قال ريغن للملك فهد:

" إنني أؤيدها، وأوافق عليها، لكن الكونغرس لن يجاريني. لذا الأمر يعود إليك، إذا كنت تريد أن أمضي بها، فسأمضي، لكننا سنخسر".

"لا ، لا، لا" أجاب الملك فهد فورا. "لا أريد أي إذلال أو إحراج لك لأنك إذا أحرجت، فسأحرج أيضا. إنني أقدر موقفك، وأنت تعلم أنني أدعمك. أنت تؤمن بالسلام من خلال القوة، وأنا مثلك، فكلما ازددت قوة قل احتمال الحرب".

وسأل فهد ريغن: " ماذا تفعل لو كنت مكاني؟".

أجاب الرئيس بسرعة: " لو كنت مكانك لقصدت مكانا آخر واشتريت السلاح". وبذلك ضمن فهد تأييد ريغن قيام السعوديين بالسعي لشراء أسلحة ن خارج الولايات المتحدة.

وحالما اتضح أن الولايات المتحدة لن تبيع طائرات 15-F أخذت المملكة العربية السعودية تبحث في مكان آخر: فرنسا وطائرتها "ميراج 4000"، التي كانت لا تزال في طور التصميم، وبريطانيا وطائرتها الهجومية - الضاربة "تورنيدو"، التي دخلت الخدمة في سلاح الجو الملكي البريطاني في ذلك الوقت.

ومن الناحية المعاكسة، سعت كل من فرنسا وبريطانيا لملء الفجوة عندما علمتا أن المملكة العربية السعودية تعتزم شراء أسلحة من السوق، فتزاحمتا للفوز بصفقات أسلحة مجزية مع المملكة العربية السعودية، وكانت الحكومة البريطانية عازمة على الفوز بالصفقة، فأطلقت حملة مبيعات قوية ترأستها مارغريت تاتشر شخصيا.

وقيل إن تاتشر قالت بحماسة:" أريد ذلك العقد أريده أن يكون بريطانيا. أريد أن تدور عجلات مصانعي وشركاتي الصناعية".

سألت تاتشر بندر إذا كان واثقا من أن الأمريكيين لن يبيعوا طائرات 15-f للسعوديين.

قال بندر: " أنا واثق".

وأجاب تاتشر: " هذه حماقة".

فسأل رئيسة الوزراء: " هل تساعدوننا.".

قالت تاتشر :

" طبعا سنساعدكم . لكن أرجو أن تخبر جلالته بوجوب ألا يعرف أحد بتحادثنا. سأتصل بروني. سيقول لي إنه لا يستطيع إبرام الصفقة لأن الكونغرس لن يسمح بذلك. ثم سأتوجه إلى الكونغرس وأضغط على رئيس اللجنة لبيع طائرات 15-f وسيقولون لي إنهم لا يستطيعون. سأقول لهم، حسنا، لكن قد يتوجه السعوديون إلى الروس. يجب أن نتصرف لمنعهم من ذلك. سأبيعهم طائرات تورنيدو كيلا يذهبوا إلى الشيوعيين. سأنقذكم من هذا الحرج، وسأبيعهم طائرات تورنيدو، كيلا يتوجهوا إلى روسيا أوالصين".

يقول بندر:

" البراعة السياسية في ما فعلته هي أنها جنت المنفعة الاقتصادية وباعتها للأمريكيين كما لوأنها تسدي إليهم معروفا. وكان الأمريكيون شاركين لها وعندما ذهبت إليهم، قال لها أعضاء الكونغرس إنهم يوافقونها الرأي، لكن ليس في وسعهم القيام بذلك لأسباب سياسية، اللوبي اليهودي... وغيرها".

ضحك بندر:

" لم يكن الكونغرس يعلم أنها أعدت معي هذه الحيلة البارعة بأكملها".

كان بندر يعرف منذ أمد بعيد حنكة تاتشر السياسية ويقدرها. وقد قال لي:

" في أثناء حرب فوكلاند، أمرت تاتشر الأميرال المسئول عن القوة الخاصة بجزر فوكلاند (الأميرال ساندي وودوارد) ألا يبلغ خبر الانتصار لأحد سواها، وأن عليه القيام بذلك مباشرة من دون الرجوع إلى تسلسل القيادة. وعندما أبلغها الأميرال بذلك لاحقا، قالت، انتظر نصف ساعة، وبعد ذلك يمكنك أن تعلن عن الانتصار". وتابع بندر: " ثم غادرت تن دواننغ ستريت على عجل، وقصدت البرلمان مباشرة، حيث وقفت وأعلنت النبأ".

عادت بعد ذلك إلى دواننغ ستريت والتقت بزوجها دنيس. وأوضح بندر أنك عندما تدخل دواننغ ستريت تجد ممرا فيه صورة كبيرة لونستون تشرشل علقتها مارغريت تاتشر عند توليها رئاسة الوزراء.

وعندما وصلت إلى الصورة وقفت ونظرت إلى تشرشل. وقالت: " شكرا لك". ثم تقدمت نحو باب ينفتح على سلم يفضي إلى مسكنها الخاص. قال لها زوجها : " ماغي، ما الذي كنت تقولينه، من الذي شكرته؟". قالت "تشرشل، كنت أشكر تشرشل"."قلت شكا لتشرشل". أجابت تاتشر بسرعة : " ألم تسمعه ؟ لقد قال أحسنت صنيعا لذا قلت، شكرا لك".

كان اللورد (السير في ذلك الوقت) تشارلز باول سكرتير مارغريت تاتشر الخاص في سنة 1985 . وقد علق على تعرفه إلى بندر بالملاحظة التالية: " حل بيننا في تن (دواننغ ستريت) كموفد مؤتمن للملك همه توفير حاجات المملكة العربية السعودية في مجال الدفاع الجوي بعدما أشار الرئيس ريغن إلى أنه لن يتمكن، على الأرجح من أن يضمن موافقة الكونغرس على صفقة طائرات 15- f المقترحة".

وعند مجئ بندر إلى بريطانيا، قال لباول إنه يعتزم التحدث إلى عدد من الشركات البريطانية، ووزارة الدفاع، وهيئة مبيعات الصادرات الدفاعية التابعة لها، للتباحث في صفقة محتملة للأسلحة. ولاحظ باول: " أعتقد أنه جاء إلى تن (دواننغ ستريت) ومعه رسالة سياسية أبلغ بكثير. كان يريد أن يعرف هل ستحظى المملكة العربية السعودية بدعم مارغريت تاتشر على أعلى مستويات للتزود بطائرات من المملكة المتحدة. وجاء الجواب نعم بقوة".

وتابع باول:

" أعيد تأكيد ذلك عندما عرجت (تاتشر على المملكة العربية السعودية) في مارس 1985 وهي في طريق العودة من زيارة إلى آسيا. أمضت يوما أو نحو ذلك في الرياض، وأجرت محادثات مطولة مع الملك، بحضور الأمير بندر".

وأوضح باول أن

"البيع نفسه لم يبحث إلا لماما في تن (دواننغ ستريت)، بل الدعم السياسي للصفقة، وإطارها السياسي. هل نحن أصدقاء أوفياء للمملكة العربية السعودية ويمكن الركون إليهم في ضمان عدم بروز عوائق سياسية في وجه الصفقة إذا ما عقدت؟ وهل سنكون حاضرين على المدى الطويل لنقدم المساندة لا لبيع طائرات فحسب، وإنما ببيع كل شئ ذي صلى بها من ناحية خدمات الدعم وسواها؟".

شدد باول: " كان ذلك متوقعا بسهولة كبيرة". وعندما سئل عما إذا كان ثمة إدراك في تلك المرحلة لأن الصفقة المحتملة أكبر بكثير من مجرد التزويد بالطائرات، أجاب باول: " كان من الواضح تماما لي أن هذه الصفقة طويلة الأجل تبدأ بقليل من الطائرات. وتتعداها إلى أشياء كثيرة جدا غير الطائرات مثل التدريب والدعم والصيانة والإنشاءات".

وقد وفر القلق الضاغط بشأن المنافسة الفرنسية والحاجة إلى مرونة غير عادية بيئة جذابة لا تقاوم. ويقول باول: " كنا في قرارة أنفسنا نعلم أن الفرنسيين ناشطون جدا في السوق أيضا، ويدعون دائما أن الصفقة مضمونة لهم". وأضاف: " كانت السيدة تاتشر، المناصرة الكبيرة للشركات البريطانية والصادرات البريطانية، حريصة جدا على أن تكون الصفقة من نصيب شركة بريطانية، شركة "بريتيش إيروسبيس".

كانت الطريقة التي عمل بندر بها في المملكة المتحدة تشبه إلى حد بعيد الأسلوب المتحرر من القيود الذي استخدمه بفعالية كبيرة داخل الدائرة السياسية والاجتماعية في واشنطن، حيث عمل من أعلى المراتب إلى أدناها، متجاوزا وزارة الخارجية في إعطاء الأولوية إلى البيت الأبيض. وفي لندن، كان بندر يدخل تن داوننغ ستريت دخول الواثق المتبختر.

وقد تمتع بقدرة غير عادية على الوصول سواء إلى مارغريت تاتشر أو جون ميجور أو طوني بلير. ويقول طوني إدواردر ، الرئيس السابق لهيئة مبيعات الصادرات الدفاعية: " إن قدرته على القيام بذلك تسرتعي الانتباه. وتشكل النظرة إليه من مختلف الأطراف في هذا البلد جزءا من اللغز المحيط به، وهي نظرة لا تخلو من التناقض". وكان إدواردر يلمح إلى تباين الآراء بشأن بندر في دواننغ ستريت ووزارة الخارجية.

هو يعتقد أن اعتياد بندر إقامة الصلات من أعلى إلى أسفل أحدثت استياء في وزارة الخارجية، التي تفضل مراعاة الإجراءات البروتوكولية التقليدية. " على سبيل المثال، كان علينا ذات مرة أن نطلب من روبن كوك كتابة برقية إلى السفير البريطاني في المملكة العربية السعودية يذكره فيها أن السياسة الخارجية البريطانية توضع في لندن لا الرياض، فثمة سجل كامل هناك يشمل بندر في حواشيه".

عندما أشير إلى أن بندر يثير انزعاج وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن أيضا بعلمه مه البيت الأبيض مباشرة، رد إدواردز :

" لكن على الرغم من أن في استطاعة بندر فعل ذلك، ف،ه مستعد في الوقت نفسه لاستطلاع الأجواء إذا كان ذلك مهما، وحضور اجتماعات أدنى مستوى. وكان يتجشم العناء للتوصل إلى شئ ما إذا شعر أنه مهم، ولمصلحة بلده ومصلحة البلدين اللذين يقول إن على المملكة العربية السعودية أن تبقى قريبة منهما وهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة".

وشدد إدواردز على أن

"بندر لن يدخر أي شئ لضمان عدم افتراق هذه البلدان الثلاثة. لقد رأيته يقوم بأشياء، مثل القدوم إلى هنا - في حالة واحدة بناء على طلبي، لأنني ظننت أن الأمر كان مهما آنذاك- إذا تبين له أن ذلك بالغ الأهمية".

لعب السير ريتشارد إيفانز، الرئيس السابق لشركة " بريتيش إيروسبيس" دورا مهما في تأمين صفقة السلاح التي عرفت في ما بعد باسم عقد "اليمامة". وهو يعتقد أنه على الرغم من أن المشكلات والتأخيرات الناجمة عن معارضة الكونغرس الأمريكي وفرت حافزا لقرار المملكة العربية السعودية الالتفات إلى المملكة المتحدة للحصول على الدعم العسكري، فإن قرار استخدام معدات بريطانية نابع من قيام بريطانيا سابقا بتقديم معدات عسكرية مثل طائرات "لايتننغ".

ويفترض إيفانز

" أن مشروع اليمامة يرجع إلى الأيام الباكرة جدا لصفقة طائرات لايتننغ الأصلية، التي عقدت في سنة 1965، أي قبل بندر في كلية كرانول التابعة لسلاح الجو الملكي. فقد كانت مواقف الحكومتين السعودية والبريطانية تشكل جسرا سياسيا بين البلدين إلى حد بعيد. ومن المفترض أن الملك فهد كان يدرك قيمة المحافظة عليه".

كان الجسر السياسي الذي أشار إليه إيفانز هو صفقة بقيمة 280 مليون دولار عقدها السعوديون مع المملكة المتحدة سنة 1865 للحصول على 40 طائرة "لايتننغ"، و25 طائرة تدريب "جت بروفوست" (سترايكماستر)، و8 طائرات تدريب "سيسنا 172 (41- ct)، مع تزويد الولايات المتحدة السعوديون بصواريخ "رايثيون هوك". وقد استخدم سلاح الجو الملكي السعودي طائرات "لايتننغ" فترة طويلة . وأعدت تلك الأزمة تمثل عائقا خطرا أمام قدرتها على شراء الطائرات الضاربة 111-F وطائرات النقل 130-c من الولايات المتحدة.

وفي مسعى جدي لإنجاز صفقة 111-F اتفق وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنارا ووزير الطيران البريطانيي روي جنكنز على أن تسهل أمريكا حصول المملكة العربية السعودية على حزمة دفاع جوي عسكرية أمريكية – بريطانية مشتركة بقيمة 400 مليون دولار- تضم طائرات "لايتننغ" اعتراضية وطائرات "سترايكماستر" وطائرات "سيسنا" تدريبية- متخلية عن عرض أمريكي سابق يقضي بتزويد المملكة بمقاتلات 5-F أو 104-F.

وبهذه الطريقة تتوفر لبريطانيا الأموال لتسديد ثمن الطائرات التي تريدها من الولايات المتحدة. وقد اعترف جون ستونهاوس، مساعد وزير الطيران لشئون البرلمان، عند إعلانه الصفقة أمام البرلمان في ديسمبر 1965، أن الصفقة ما كانت لتتم من دون "التعاون الأمريكي". ومع ذلك، كان ما جرى ترتيبا حصلت بموجبه بريطانيا على ما تريده وحصلت المملكة العربية السعودية على ما يلي الأفضل (المفضول).

بعد مرور عشرين سنة، كان لصفقات "اليمامة" وقع سياسي مماثل ولم تكن لتعقد من دون الموافقة الأمريكية. وقد أكد السير ريتشارد إيفانز أن بندر كان عاملا أساسيا في ضمان عدم عرقلة الولايات المتحدة صفقة "اليمامة" بقوله لم يكن يمكن إنجازها إلا على مستوى ريغن وبندر.

وقد اقتضت تفاهما واضحا بين الإدارتين البريطانية والأمريكية في ما يتعلق بالاحتياجات . ومن الواضح أن قرارات التسليح العربية تتأثر بالمقارنة العربية للأعمال، وهي مقاربة تتوافق كثيرا مع الصداقات القديمة والثقة والولاء والسياسات الخارجية للبلدان التي يتعاملون معها.

في 9 سبتمبر 1985، أعلنت لحكومة البريطانية بابتهاج أن مذكرتي تفاهم وقعتا بين وزير الدفاع البريطاني مايكل هزلتاين ووزير الدفاع السعودي الأمير سلطان ابن عبد العزيز . وقبل الإعلان، أي في يوليو 1985، جرت المفاوضات الختامية في مكان إقامة القنصل البريطاني في سالزبورغ، حيث كانت السيدة تاتشر تمضي إجازتها. وقد منحت مذكرتا التفاهم المملكة العربية السعودية الفرصة لتحويل كل مذكرة إلى عقد مستقل كما يقتضي الأمر وعند الاقتضاء، وهاتان المذكرتان بالذات هما اللتان سميتا اتفاقيات "اليمامة".

وجاء الإعلان مفاجئا لشركات الصناعة العسكرية الفرنسية، التي كانت تعمل بدأب لتأمين بيع طائرتها "داسو ميراج" للمملكة العربية السعودية ، وتوقعت الفوز بالعقد فطائرة "ميراج" يمكن أن تكون بديلا من 15-F وهي تتميز بأن تكلفتها تقل 25- 3- بالمائة عن تكلفة طائرة "تورنيدو".

يعتقد طوني إدواردز أن الحكومة الفرنسية شعرت أن عرضها أوفر حظا. فقد قال له نظيره الفرنسي: " الأمر كله مرتب ومنظم، وأن الصفقة تمت، وستكون من نصيب الفرنسيين. وفي ما بعد قال ناطق فرنسي عن صفقة المملكة المتحدة إنها "لم تكن متوقعة وغير مفهومة وكارثية، وإن هذا التحول القاسي ذو الطبيعة سياسية".

روى بندر إلى أصدقاء له أن

" ما أثر في الصفقة بأكملها هو أن الفرنسيين كانوا سيبيعون السعوديين طائرات ميراج 2000 وميراج 4000. فبنية سلاح الجو الملكي السعودي تتطلب دائما مزيج من الطيران المرتفع والمنخفض، حيث لديك طائرة مثل هوك أو 5-f التي تقوم بمهمة الطيران المنخفض وطائرات c15-f وd15-f التي توفر الغطاء المرتفع" .

وكان في نية السعوديين، قبل أن ترفض الولايات المتحدة تقديم طائرات e15-f، الحصول على الطائرات الفرنسية لمهمة الطيران المنخفض، وطائرات e15-f هو الحصول على طائرات ضاربة". ولم تكن "ميراج" خيارا واقعيا. وعلى هذا الأساس، كان منطقيا بالنسبة إلى السعوديين شراء طائرات "تورنيدو" بطرازيها الضاربة والمقاتلة.

وكان عدم فرض قواعد صارمة على استخدام طائرات "تورنيدو" ونشرها بندا بارزا في صفقة البيع أيضا. وأضاف بندر، موضحا استراتيجية الاقتناء السعودية:

" لذا كنا نعرف أنه غذا التزمنا بطائرة تورنيدو (القاذفة الضاربة) - في المجالات المحظورة من جانب الأمريكيين كجزء من صفقة طائرات 5-f السابقة - فإننا سنفقد على الفور الحماية التي توفرها طائراتنا c15- f كطائرات اعتراضية، وسنضطر إلى إرسال قاذفاتنا من دون حماية". وكان ذلك وضعا غير مقبول وبالتالي كان من المنطقي بالنسبة إلى السعوديين أن يشتروا 24 طائرة "تورنيدو" إضافية لفشل عطاء طائرات "ميراج" الفرنسية.

ففي أثناء المداولات السعودية بشأن حزمة الأسلحة، قررت الحكومة الفرنسية خفض 50 بالمائة من وارداتها النفطية من المملكة العربية السعودية. وقد أزعج هذا القرار، الذي أبلغ إلى "أرامكو" في برقية موجزة، الملك فهد. ومما زاد من غضبه توقيت القرار الذي أبلغ إلى "أرامكو" في برقية موجزة، الملك فهد.

ومما زاد من غضبه توقيت القرار إبان الأزمة التي كانت الدول المصدرة للنفط تعاني منها. فأسعار النفط في هبوط، وفرنسا قررت شراء نفط إيراني بدلا من النفط السعودي. اتخذ الملك موقفا براغماتيا في العلن، قائلا: " هذا حق خاص بالدولة ذات السيادة ، ولا يمكننا أن نملي عليها ما يجب أن تفعله".

لكن الملك فهد لم ينس الإهانة في السر. وعندما استشعر الفرنسيون أن إعلان العقد مع البريطانيين أصبح قريبا، أوفد الرئيس ميتران أخاه في مهمة عاجلة لمقابلة الملك. وافق فهد على استقباله يوم خمسي، متوقعا أن الموفد سيتحدث عن صفقة طائرات "ميراج". وقبل موعد اللقاء المحدد باثنتي عشرة ساعة، أعلن الملك فهد عن الصفقة بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة.

عند دخول شقيق ميتران قصر الملك، كانت الصفقة قد تمت. ومع ذلك سايره الملك فهد قائلا: " مرحبا بك. فرنسا صديقة طيبة، ورئيس فرنسا صديق طيب".

أجاب الجنرال ميتران: " أعتقد أنني تأخرت بالفعل على الموضوع الذي أردت مقابلتك من أجله".

"نعم؟".

"لو تسنت لي الفرصة لكنت طلبت منك تأخير قرارك لتتاح الفرصة للنظر في الصفقة مجددا".

أجاب الملك فهد:

" أعلم أنك تقول ذلك بنية حسنة. لكن كما ترى يا صديقي، اتخذنا قرارا سياديا، ونحن لا نأخذ نصيحة أحد في قراراتنا السيادية. على أي حال أنا واثق أيها الجنرال من أن الرئيس ميتران سيتفهم موقفي. قبل أشهر قليلة، قررتم خفض وارداتكم النفطية من المملكة العربية السعودية بنسبة 50 بالمائة. ولا أذكر أن الرئيس أرسلك لتطلعني على هذا الأمر، أو لتعطينا إشعارا مقدما أو تخبرنا عن سبب قيامكم بذلك. ولم نعلم بالأمر إلا عندما وردت برقية إلى شركتنا النفطية، والحق يقال لقد استأت من ذلك لأنه ألحق الضرر بلقمة عيشنا".

وختم الملك فهد بالقول:

" لكن نفسي حدثتني أن الرئيس ميتران فعل مت فيه مصلحة قومية لفرنسا. ولا يحق أن أشك في قراره الخاص بأمور سيادية، ولذا آمل ألا تشكك في قراري الآن".

أجاب الجنرال ميتران بتردد، وقد اعتراه ارتباط: " لا، لا، لايا صاحب الجلالة. لا علم لي بهذه الحكاية. لو كنت أعلم لما أتيت إليكم".

يقف خلف الأساس الذي قامت عليه عقود اليمامة " اليمامة"، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، رفض الكونغرس الأمريكي طلب السعوديين شراء 42 مقاتلة 15-F. وهناك إقرار على نطاق واسع أن قيام الكونغرس بعرقلة الصفقة سنة 1985 جاء نتيجة الضغط المستمر الذي مارسته "ايباك" عليه. وعقب صفقة "اليمامة"، نقل عن مسئول في الطيران البريطاني قوله: "لقد أسدى اللوبي اليهودي الأمريكي إلينا معروفا".

من المفارقات أن أربعا وعشرين طائرة فقط من طائرات "تورنيدو" الاثنتين والسبعين التي اشترتها المملكة في صفقة "اليمامة"، هي من المقاتلات الاعتراضية، وأن الطائرات الثماني والأربعين الباقية هي من المقاتلات الضاربة المتقدمة. وعندما فاتح السعوديون الأمريكيين بشأن طائرات 15- f قاموا بذلك وهم يعلمون، بناء على مفاوضات سابقة، بالمحظورات والقيود المفروضة على إمكانية تزويد تلك الطائرات بخزانات سابقة، ونقاط تعليق إضافية للأسلحة، إلى جانب القيود المفروضة على نشر الطائرات في مواقع قريبة من إسرائيل.

لذا كانت طائرات 15-f المعتزم شراؤها ذا طابع دفاعي. وعندما حيل دون حصول السعوديين على طائرات 15-f إضافية، تمكنوا بدلا منذ لك من شراء طائرات "تورنيدو" ضاربة - هجومية، من دون قيود على نشرها ومع مواصفات عملانية كاملة. وعلى نحو مماثل، كان يمكن استخدام طائرات "هوك" الثلاثين التي طلبت كجزء من حزمة الأسلحة في مهمات هجومية.

غالبا ما شكك بندر علانية في المنطق المعقد لقرار الكونغرس، المنطق الذي يعتقد بندر بوضوح أنه كان محاولة مضللة لدعم إسرائيل و "أيباك". يقول بندر: " طلبت من أصدقائنا في واشنطن مرة أخرى أن يشرحوا لي، لعلي بليد الذهن، كيف تكون إسرائيل في مأمن حين نتوجه إلى بريطانيا ونشتري 120 طائرة مقتلة وقاذفة من الطراز الأول بدلا من شراء 40 طائرة منكم؟ فلم أحصل على جواب".

على الرغم من أن البريطانيين فرضوا قيودا بالفعل في ما يتعلق بإعادة السعوديين بيع طائرات "تورنيدو"، فإنه لم تكن هناك قيود تتعلق باستخدام الطائرات أو نشرها كالقيود المفروضة من الولايات المتحدة على صفقة طائرات 15-F سنة 1977. وذلك ليس أمرا عظيم الأهمية، كما لاحظت الصحافة البريطانية، "كان الشاغل الأمني الرئيسي بشأن اليمامة سمعة المملكة العربية السعودية كمستخدم للأسلحة البريطانية لا يمكن الركون إليه".

من المفارقات أنالزيادة المثيرة في ترسانة المملكة العربية السعودية من خلال شراء الأسلحة البريطانية ربما كانت ذات مفعول يخل بالميزان العسكري في الشرق الأوسط، أكثر مما يخل به الاقتراح الذي قدمه ريغن إلى الكونغرس لصالح المملكة. وعند النظر إلى رفض أمريكا الطلب السعودي من منظور سياسي، نجد أنه كان أكثر من قضية أسلحة بسيطة.

كان إشارة إلى الشرق الأوسط مفادها أنه على الرغم من العلاقات الشخصية القوية بين ريغن وبندر، فإن الالتزام الأمريكي تجاه المملكة العربية السعودية كحليف كان مزعزعا. ولم يخلف هذا الرفض من حليف بهذا القدر من النفوذ لدى المملكة العربية السعودية الشعور بالمهانة فحسب، بل الشعور أنها، وهذا هو الأهم،غير حصينة.

أشارت شركات الصناعة العسكرية الأمريكية مرارا، وبغضب، غلى العوائد الهائلة التي تردد أن الحكومة البريطانية جنتها من صفقات "اليمامة". ففي أي سوق تجارية تنافسية، سيكون هناك دوما من هو مستعد لتلبية الطلب.

والحجة نفسها ساقها وزير الدفاع السابق مايكل هزلتاين، في مارس 1989، في إشارته إلى صفقة "اليمامة"، حيث نقل عنه قوله: " من المهم جدا أن تكون للسعوديين علاقة مستمرة مع هذا البلد. فهم يريدون السلاح وسيحصلون عليه من مكان ما، لذا لم نبيعه نحن؟" .

يقول بندر عن صفقة "اليمامة": " عندما اتفقنا في أول الأمر، لم يكن بيننا عقد. كان مجرد مصافحة بيني وبين السيدة تاتشر في تن دواننغ ستريت". وحاول بندر في ما بعد الاتصال برئيسة الوزراء عندما أعدت العقود. اقترح عليه التحدث مع السيد وايتلو، نائب رئيسة الوزراء لأن تاتشر كانت خارج البلد.

اعتذر الأمير قائلا: " لا أريد أن أقابله، ليس عندي شئ أبحته معه. لكنني سأعود حين تعود رئيسة الوزراء. تلقي بندر لاحقا اتصالا سئل فيه:" هل يمكننا الذهاب إلى النمسا؟". وهكذا ذهب إلى النمسا والتقى بالسيدة تاتشر وزوجها. وذكر أنه نقل إليهما أرقاما محددة، وتصافحا، وتمت الصفقة.

لكن، كان ثمة إجراء واحد نهائي منتظر. بعد مرور عدة أسابيع على إتمام الصفقة، أقامت السيدة تاتشر مأدبة عشاء على شرف الأمير سلطان في تن دواننغ ستريت. وفي اليوم التالي، كان من المقرر أن يزور سلطان، مع نورمان تيبت وزير الدولة للتجارة والصناعة، مصنع "بريتيش إيروسبيس" في وارتون. وفيما كان بندر يغادر دواننغ ستريت بعد مأدبة العشاء، قال للسيدة تاتشر: "ألن يكون الأمر مسليا إذا فاجأت أبي بقيادة عرض طائرة تورنيدو في حضوره؟" .

أجابت تاتشر "سيكون ذلك رائعا، لم لا؟".

فأوضح لها بندر أن الأمير سلطان لن يوافق، كما لن يوافق "بريتيش إيروسبيس" أو سلاح الجو الملكي ما لم يؤذن بذلك.

فقالت مارغريت تاتشر على الفور: " ستأذن بذلك".

"إذا كنت مستعدة لفعل ذلك من أجلي، هلا تتكرمين بخدمة أخرى".

أجابت : " بالطبع ، ما هي؟"

قال بندر: " يجب ألا يخبر أحد أبي بأي شئ".

أجابت تاتشر بصورة جازمة: " لك ذلك".

يقول بندر: " تركت مع مرافقي والدي رسالة مفادها أنني اشعر بوعكة وأنني لن أشارك في زيارة المصنع". وفي صباح اليوم التالي، ذهب إلى وارتون، حيث استعد للطيران، وأقلع بالطائرة مع طيار الاختبار قبيل وصول أبيه.

وأوضح بندر:

" بهد أن أنهى أبى جولته في وارتون، أخذ إلى المنصة لإطلاعه على ما تستطيع طائرة تورنيدو أن تفعله. أتمت الطائرة عرضها كما يجب- وكان مثيرا للإعجاب – وهبطنا بعد ذلك وسارت الطائرة حتى وصلت أمام المنصة بالضبط ثم توقفت".

قال السير ريتشارد إيفانز لمير سلطان: " سمو الأمير، يود طاقم الطائرة تأدية واجب الاحترام لكم".

ترجل الطياران من الطائرة وهما لا يزالان يعتمران خوذتيهما واتجها إلى المنصة. ولدى اقترابهما منه، خلع بندر خوذته.التفت الأمير سلطان إلى الجنرال بحيري، الضابط في سلاح الجو الملك السعودي، وقال: " غير معقول. من أذن بذلك؟".

أجاب الجنرال فورا : " لا أعلم شيئا عن هذا الأمر".

هنا، تدخل السيد تبيت وقال: " رئيسة الوزراء أذنت بذلك".

ضحك الأمير سلطان. وبعد أن قبل بندر يد والده، ربت الأمير على خد ابنه وثال: " إياك أن تفعل ذلك مجددا".

أحيطت عقود "اليمامة" دائما بدرجة فائقة من السرية. ولم تترك السيدة تاتشر خلال نهجها العازم للحصول على الصفقة أي شئ للصدفة، وقد نقل تصميمها بوضوح إلى من كلفوا في حكومتها بمهمة إقرار الصفقة.

وفي سنة 1988 أوردت مجلة "إيكونوميست" أن المملكة العربية السعودية، بعد أن تعرضت للانتقاد في جلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي، ومن الصحفيين الفضوليين، وقانون حرية الإعلام في الولايات المتحدة، رحبت بأجواء السرية البريطانية عامة، وبقانون الأسرار الرسمية خاصة.

شكلت فعالية الحكومة البريطانية في فرض مثل هذه السرية، على الرغم من إلحاح وسائل الإعلام المتكرر، شهادة على إصرار تاتشر على حساسية الصفقة وقيمتها البالغتين. وقد تعززت السرية المحيطة بصفقة "اليمامة" بتعمد إبقاء تقرير المكتب الوطني لتدقيق الحسابات المالية عن الصفقة طي الكتمان على أساس ان الأمر مصلحة قومية. ولا يزال تقرير ذلك المكتب التقرير الوحيد الذي لم ينشر على ا لملأ ولم يوزع على أعضاء البرلمان.

وبسبب توقعات الصحافة المستمرة دفع عملات ضخمة، تولى السير جون بورن التدقيق في الحسابات المالية. بيد أن لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم أوقفت التدقيق في مارس 1992. واتخذ قرار كتمان التقرير رئيس اللجنة العمالي آنذاك، روبرت شيلدون الذي قال: " إنه لا يوجد دليل على فساد أو إساءة لاستخدام المال العام". وقد أيد معظم أعضاء اللجنة قرار شيلدون حتى من دون أن يسمح لهم بقراءة التقرير، وهذا موقف مثير للدهشة. لقد اكتفى أعضاء اللجنة بتأكيدات رئيسهم.

وعلى الرغم من هذه "الشهادة الصحية" الظاهرة التي تثبت "سلامة" صفقة "اليمامة" واصلت الصحافة البريطانية توجيه تهم الرشوة والفساد إلى العقود السعودية. بيد أن الملمين بالعادات السعودية أخذوا يعللون مثل تلك الاتهامات. فقد أوضح محلل تجارة الأسلحة أنطوني سامبسون في مقالته لصحيفة "التايمز" "أن العمولات أمر ضروري في تقليد التفاوض المناسب في المملكة العربية السعودية. لذا يرفع الثمن الإجمالي لأي منتج إفساحا في المجال للعمولات".

وعلى نحو مماثل أيدت كريسي هيرست منهج حجة سامبسون في تقرير "للحملة ضد تجارة الأسلحة" إذ قالت:" من المعروف أنه لا يمكن الفوز بالعقود الكبيرة من المملكة العربية السعودية من غير مدفوعات يمكن أن توصف بالعمولات". وأوضحت أن ثمة قوانين موجودة في العديد من البلدان العربية تحكم الإجراء التجاري المتبع لدفع عمولات إلى وكلاء أو وسطاء، وخلصت إلى أن "من المستبعد جدا ألا تكون اليمامة قد أعدت وفقا لهذه العادة المتبعة والمقبولة".

على الرغم من كون العمولات عادة سعودية مقبولة، فإنه غير قانونية. فالقانون السعودي " لا يسمح بعمولات أو رسوم سمسرة على عقود الأسلحة المستوردة أو سواها من عقود القطاع العام". والتعامل بالعمولات في العقود بين الحكومات ليس غير قانوني في المملكة العربية السعودية فحسب، بل "أصبح دفع الأموال لمسئولين أجانب غير قانوني بموجب قوانين المملكة المتحدة ابتداء من 14 فبراير 2002".

وقد اتهمت صحيفة "الغارديان" شركة " بريتيش إيروسيبس" المستفيدة الكبرى من "اليمامة" باستغلال شركة بريطانية في الجزر العذراء وحسابات مصرف سويسري خارجي للنأي بنفسها عن الصفقات التجارية ذات الصلة بالعمولات، مزيلة بذلك بصماتها عن الصفقة. وزعم أيضا أن "بريتيش إيروسبيس" استخدمت مصرفا سويسريا لإبقاء النسخة الوحيدة للاتفاق خارج الولاية القانونية البريطانية. وفي دفاعها عن نفسها صرحت "بريتيش إيروسبيس" أنها "تنفي نفيا قاطعا أي مزاعم بالإساءة".

لكن صفقة المقايضة الفريدة التي وضعت من أجل عقد "اليمامة" - الحكومة السعودية تدفع ثمن الأسلحة نفطا لا مبالغ نقدية - ترتيب أضاف مزيدا من التخمينات أنه أعد لحجب العمولات والرشاوي، وقد وجهت إليه انتقادات قاسية. غير أن بنية التمويل لم تؤمن للمملكة العربية السعودية الأسلحة التي طلبتها وسوقا مضمونة لنفطها فحسب، بل وفرت أيضا آلية مفيدة تجاوزت بعض توجيهات "أوبك" التي تقيد حصص الصادرات النفطية.

ومع ذلك، فإنها عرضت العقد أيضا لتقلبات سوق النفط، وأحدث تراجع أسعار النفط مزيدا من الضغط على موازنة " بريتيش إيروسبيس" العامة لبعض الوقت. وأسر طوني إدواردز أن " بريتيش إيروسبيس" تعرضت في إحدى المراحل لعجز قدره 3 مليارات دولار في أحد العقود. ومع ذلك فإن الضمانة المفترضة القائمة على ربع احتياطي العالم من النفط مواتية جدا، ناهيك عن أنه يمكن الاعتماد عليها.

مبدئيا، تعهدت المملكة العربية السعودية بتقديم 6000,000 برميل من النفط كل يوم. وانخفض هذا المستوى في سنوات لاحقة 400,000 برميل في اليوم. واعترف إدواردز أن استخدام النفط بالنسبة إلى السعوديين يعني أن العقد كان في الواقع صفقة خارج الموازنة. أي لم يمر عبر الخزانة السعودية. وأكد إدواردز أيضا أن المرونة البريطانية كانت إحدى النقاط الجاذبة للسعوديين في هذا الترتيب الفريد.

فقال :

" كان البريطانيون أكثر مرونة من الأمريكيين.فالأمريكيون يتبعون نظام المبيعات العسكرية الخارجية، الذي يقف خلفه قانون من الكونغرس. فإذا أساء الزبائن التصرف وتخلفوا عن دفع المال، لا تكتمل الصفقة. في هذا البلد، تجري الأمور بمرونة كبيرة. في بعض الأحيان كان تدفق النفط والأموال المحصلة من بيعه يتقدمان عن المطلوب، وفي أحيان أخرى يتخلفان عنه".

كانت المبالغ المالية الكبيرة المتأتية عن بيع النفط تمر عبر هيئة مبيعات الصادرات الدفاعية، قبل أن تدفع إلى "بريتيش إيروسبيس" أقر إدواردز أن الحكومة فرضت بالفعل عمولة ضئيلة لقاء إدارتها العقد، وهو المال الذي لفت انتباه الخزانة عندما راكم فائضا ليس بالقليل . وقد كان لذلك الفائض أهمية بالغة عندما وقعت بريطانيا معاهدة أوتارا الخاصة بالأسلحة الانشطارية، وهي المعاهدة التي أثرت في 233pj ، وهو سلاح يمنع استخدام المطارات جرى حظره بموجب الاتفاقية.

وكان سلاح 233pj قد بيع بصورة شرعية لسلاح الجو الملكي السعودي لكن المملكة العربية السعودية لم توقع الاتفاقية. وقد أحدث ذلك مشكلة، إذ لو دعم المهندسون البريطانيون سلاح 233 pj السعودي، كما ينص عقد "اليمامة" فمن المحتمل أن يعاقبوا بالسجن لدعمهم بلدا ينتهك الاتفاقية التي وقعتها بريطانيا.

وخمن إدواردز أن بندر ساعد على ترتيب الصفقة بحيث اشترت بريطانيا 233pj من المملكة العربية السعودية واستردته، وتم تدمير هذه الأسلحة واستبدلت بها قنابل "بيفواي" paveway وقد وفرت هيئة مبيعات الصادرات الدفاعية تكاليف تلك العملية باستخدامها فائض العمولات المحصلة على مر السنين.

جعلت صفقة "اليمامة" التي فاوضت السيدة تاتشر بشأنها " بريتيش إيروسبيس" المتعهدة الرئيسية لتأمين أي معدات عسكرية أخرى تشتريها المملكة العربية السعودية. ويقول إدواردز : " كانت صفقة اليمامة جزءا لا يتجزأ من دعم سلاح الجو السعودي بأكمله لأنه لا يدعم الطائرات البريطانية فحسب وإنما الطائرات الأمريكية أيضا".

ويشدد على أن ذلك جعل هيئة مبيعات الصادرات الدفاعية و"بريتيش إيروسبيس" تقدمان الدعم إلى جميع الطائرات السعودية، برنامج " درع السلام" peace shield وكل ذلك يمول من خلال "اليمامة" وختم إدواردز بالقول: " بعبارة أخرى، على مر السنين انحرفت قيمة هذا السيل من الدخل وما تستخدم من أجله قليلا إلى أمور مختلفة عما كان مقدرا لها في الأصل".

كان يمكن أن يصبح عقد "اليمامة" طريقة غير مباشرة لشراء أسلحة أمريكية للمملكة على نحو مستتر، أي عمليات شراء معدات عسكرية غير ظاهرة للكونغرس. وقد أعد تحديدا لتتوفر درجة فريدة من المرونة بحيث يستطيع السعوديون شراء معدات عسكرية بموجب ترخيص هيئة مبيعات الصادرات الدفاعية و" بريتيش إيروسبيس".

إن تنوع "اليمامة" البارع، إلى جانب تكتم الحكومة البريطانية ومقاربتها الليبرالية لصفقة مالية فريدة، قاما إلى حد كبير على ضمان الاحتياطات النفطية السعودية الهائلة، يمكن أن يفسر الثقوب السوداء المالية التي افترضت وسائل الإعلام المشككة أنها دليل على وجود عمولات.

وتستند كثير من مزاعم الصحافة إلى تناقضات كبيرة في ثمن المعدات العسكرية. على سبيل المثال، قد يكون ثمن 10 مروحيات كذا، لكن عند التدقيق في الميزانيات العمومية يتضح أن مبلغا أكبر بكثير قد أنفق في تلك السنة المالية.

وذلك يثير السؤال التالي: " إلى أين يذهب المال؟" لذا افترضت اصحافة التي تركت تنسج استنتاجاتها، وجود صندوق عربي ضخم للمصاريف السرية. وهناك تفسير آخر مفاده أنه على الرغم من أن البريطانيين باعو السعوديين 10 مروحيات بمبلغ محدد، فإنهم اشتروا أيضا، بالنيابة عن المملكة العربية السعودية، معدات تكنولوجية وعسكرية من بلدان أخرى.

ومع أن صفقة "اليمامة" تشكل طريقة غير تقليدية للغاية لأداء الأعمال، فإن نتائجها الفرعية المربحة هي المنتجات الثانوية لهدف سياسي تماما: الهدف السياسي السعودي والهدف السياسي البريطاني. فعقد "اليمامة" أولا وقبل كل شئ، عقد سياسي. وقد جرى التفاوض بشأنه في أوج الحرب الباردة، ومكنت بنيته الفريدة السعوديين من شراء أسلحة من مختلف أنحاء العالم، لتمويل القتال ضد الشيوعية.

ويمكن إيجاد أموال اليمامة في مشتريات سرية لأسلحة روسية استخدمت في طرد قوات القذافي من التشاد.ويمكن أيضا تتبعها إلى أسلحة اشتريت من مصر وبلدان أخرى وأرسلت إلى المجاهدين في أفغانستان لمقاتلة قوات الاحتلال السوفيتية.

كانت المنافع الاستراتيجية لصفقات "اليمامة" من خارج الميزانية العمومية حاسمة بالنسبة إلى الدفاع عن المملكة العربية السعودية وحمايتها. ويمكن القول إن مرونتها التامة ضرورية بسبب المعارضة المحتمة في الكونغرس لمشتريات المملكة من الأسلحة. وقد أوضحت مصادر قريبة من بندر أنه " إذا أراد السعوديون كدولة، مثلا شراء 10 مروحيات سوبر بوما، وموازنة وزارة الدفاع كذا، سيصدر عن وزارة المالية أن هذه هي مخصصاتك لهذه السنة. وهذا يعني أن على وزارة الدفاع تأجيل الشراء إلى السنة التالية".

وفي العادة، يسبب التأجيل بعض المصاعب، لكن عندما يدخل الكونغرس المعادلة كعنصر مؤثر، يصبح الوقت فجأة ذا أهمية قصوى. وتظهر تجارب ماضية أن أي تأخير يمنح أيباك الوقت اتنظيم حملة ضد الصفقة. تحايل اتفاق المقايضة بالنفط على مثل تلك الإجراءات البيروقراطية.

" فما يفعله عقد اليمامة، لأنه نفط مقابل خدمات، هو القول: حاضر. اليمامة تدفع المطلوب، المملكة العربية السعودية توقع مع الفرنسيين أو مع أي طرف آخر، وبريطانيا تدفع إليهم بالنيابة عنها. وهكذا أصبح فجأة لدى السعوديين نظام أسلحة عملاني يقدم دعما لا يظهر في اليمامة كمشروع لذلك إذا أراد السعوديون بعض الخدمات من الأمريكيين، أو بعض أنظمة الأسلحة التي يتعين عليهم شراؤها الآن، وإلا اعترض عليها الكونغرس لاحقا، ولا يمكنهم الحصول عليها من موازنتهم الدفاعية الحالية، عندئذ يطلبون من اليمامة تحويل ذلك المال".

جرى الكشف عن أن الطائرات الأولى التي أعطيت إلى السعوديين أتت مباشرة من مخزون سلاح الجو الملكي البريطاني، ما يدل بعمق على رغبة الحكومة البريطانية في تأمين صفقة "اليمامة"، حتى على حساب قدرتها العملانية. ومن الواضح أن رئاسة الوزراء كانت ترى أن الصفقة السعودية مهمة جدا بحيث يمكن القبول بإضعاف قوة سلاح الجو الملكي البريطاني الأساسية.

" لقد دربوا الطيارين السعوديين وكادرا صغيرا من الفنيين، وبعد أشهر قليلة بدأت طائرات تورنيدو الأولى طلعاتها العملانية في سماء المملكة. وتم توقيع العقد بعد ذلك ببضعة أشهر، بعد انتهاء التفاوض حول التفاصيل". وقد لعب الموقف البريطاني من الصفقة دورا مهما في القرار السعودي. " كان ذلك سببا آخر لتوجه الحكومة السعودية إلى البريطانيين، لأنهم كانوا مستعدين للتنفيذ، والتحرك بسرعة ولأن يكونوا حاضرين".

كانت "اليمامة" اتفاقا طولاويا، كسب كل من شارك فيه، لكن المملكة العربية السعودية كانت الرابح الأكبر. فقد أصبح الآن في الإمكان تلبية الحاجات العسكرية من دون موافقة الخزانة السعودية، وأصبح في الإمكان شراء أسلحة أمريكية بمعرفة الكونغرس.

من المؤسف أن تضطر المملكة ا لعربية السعودية إلى اللجوء إلى هذه الذريعة للتحايل على الكونغرس. وقد شدد بندر على قيمة العلاقات التجارية بين الأمم، فقال:

" إذا تفحصت التاريخ، تجد أن العلاقات التي قامت بين الأمم وخلت من أي عنصر تجاري لم تدم أكثر من عشر إلى خمس عشرة سنة في المتوسط ثم انهارت. وأن العلاقات بين الأمم التي توجد فيها جوانب تجارية قوية دامت قرونا.
فالمصالح التجارية، وبخاصة إذا كانت في الاتجاهين، تدفع كل طرف إلى حماية تلك لعلاقة بغية تحسينها، وتنميتها وغير ذلك. وإذا لم يكن لديك شئ تحميه، فسينهار كل شئ مع أول ريح تهب. لذا ، فإننا نتطلع إلى اللحظة التي تجتمع فيها الحاجات العسكرية والسياسية والتجارية في نقطة واحدة".

من الواضح أن هذه الرسالة القوية من بندر تدعم العلاقة بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، التي شهدت نشوء أول روابط تجارية سليمة في الستينات. بالمقابل في حين فضلت المملكة العربية السعودية الولايات المتحدة دائما كمتعهدة رئيسية للمشتريات العسكرية، ولم تدخر جهدا في تطوير العلاقة الثنائية معها، فقد أحدثت معارضة العقود في الكونغرس هزات زعزعت أسس العلاقة من حين إلى آخر.

ثمة نقطة ختامية تتعلق بعقد "اليمامة" ويوضحها بندر بجلاء شديد. فهو يعتقد اعتقادا راسخا أن المملكة العربية السعودية عندما شاركت في حرب 1991 ضد العراق، إلى جانب الولايات لمتحدة وحلفاء آخرين، كانت القدرات الضاربة لسلاح الجو الملكي السعودي ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى المساهمة السعودية ونتيجة الحرب. فقد كانت طائرات "تورنيدو" في قلب الهجوم. والأمير مقتنع أن طرد صدام حسين من حقول نفط الكويت، وإزالة الوجود العراقي الخطر عن حدود المملكة يدحضان كل مزاعم الفساد التي نتجت عن "اليمامة".

في النهاية، عقدت المملكة العربية السعودية صفقة الأسلحة مع المملكة المتحدة لتأمين الدفاع عن نفسها. وعندما جد الجد، وتعرضت المملكة للتهديد، قامت طائرات "تورنيدو" بما هو مطلوب منها في سلاح الجو الملكي السعودي.

شهدت سنة 1985 تطورات بالغة الأهمية في الشرق الأوسط. ففي الحرب الإيرانية العراقية، أخذ الجانبان يتبادلان القصف بالصواريخ بصورة عشوائية في ما عرف بحرب المدن. وفي وصف لتلك الفترة، أوضح بندر أن الإيرانيين كانوا يهاجمون بغداد، والعراقيين يهاجمون طهران. وفي الوقت نفسه تقريبا، أعطى الروس اليمن الجنوبي صواريخ "سكود"، ودخل الروس والكوبيون الصومال وإثيوبيا وعدن، فأصبحت المملكة العربية السعودية محشورة من كل جانب.

يمكن أن تنبع الرغبة في اقتناء صواريخ بالستية من حاجة سياسية أو حاجة عسكرية، وهي تمنح البلدان التي تمتلكها مكانة استراتيجية حتى لو لم تطلق البتة. وفي منتصف سنة 1985، كان هناك على الأقل تسعة بلدان أخرى في الشرق الأوسط تمتلك قوى صاروخية بل إن دولا صغيرة مثل اليمن الجنوبي والكويت كانت لديها صواريخ. أما المملكة العربيةالسعودية فلم يكن لديها أي منها.

بعد رسالة ريغن إلى الملك فهد أنه لم يستطع تأمين طلب المملكة طائرات 15-F وصواريخ "لانس" سنة 1985، وجه فهد تعليمات مختصرة إلى بندر "أجلبها من مكان آخر". لكن من أين؟ البلد الوحيد اذي كان بندر يعرف أنه يبيع مثل هذه الأسلحة، فضلا عن روسيا هو الصين.

منذ اندلاع النزاع الإيراني العراقي، كانت الصين تزود العراق بالأسلحة. وبحلول سنة 1983 اقتربت قيمة صفقات الأسلحة الصينية العراقية من 3.6 مليارات دولار. ودعما للعراق الذي كان حليفا لها في ذلك الوقت، منحت المملكة العربية السعودية الصين حق دخول أراضيها كطريق غير مباشر لتسليم أسلحة صينية إلى العراق. غير أن الصين كانت تبيع أسلحة لإيران أيضا بحلول سنة 1985.

ربما يفهم السعوديون أكثر من غيرهم أن المصالح القومية هي التي تملي أفعال أي بلد، لذا سرعان ما أدركوا أن ما من قوة أو حجة تستطيع ردع الصين عن بيع أسلحة لإيران. فالأمر كله يتعلق بالاقتصاد والسياسة. وهكذا وجد بندر فرصته. وقد أوضح ذلك بقوله: " قصد وزير الخارجية جورج شولتز وسألته، هل من مانع إذا توجهنا إلى الصين وقدمنا إليها عرضا لا يمكنها أن ترفضه؟ وهو أننا سنشتري جميع الأسلحة التي تنوي بيعها لإيران ونعطيها إلى العراق".

استحسن شولتز الفكرة ووفر، من دون أن يدري، الغطاء الذي كان بندر بحاجة إليه ليذهب إلى الصين ويتعامل معها. لقد نجح الأمير في الواقع في توظيف "عملية المشعل" - وهي عملية أمريكية سعودية معدة لوقف تدفق الأسلحة على إيران- كذريعة لحجب تقربه من الصينيين كي يحصل على ترسانة من الصواريخ البالستية الصينية a3- df دونغفيننغ أو "الريح الشرقية" المعروفة في الغرب باسم 2- css ولم يخل الموقف من شئ من المفارقة

كما حرص بندر على القول:

" جئت وطلبت من أصدقائنا الأمريكيين صواريخ ، صاروخ أرض – أرض مداه 80 ميلا واسمه لانس. لكن طلبنا رفض لأنه يشكل خطرا على جهة ما (إسرائيل) لذا ذهبنا وحصلنا على صاروخ مداه 1600 ميل. فهل يشكل ذلك خطرا أم لا؟".

قرر بندر مفاتحة السفير الصيني في واشنطن، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والصين واعتراف المملكة بتايوان بشكل صريح. اعترف بندر ان " السفير أصيب بالدهشة قليلا". وبعد شهر بدأ الحوار بين الصينيين والسعوديين.

اقترحت أسماء العديد من الأماكن لعقد اللقاء، منها بيجنغ والرياض. وفي النهاية اقترح اسعوديون باكستان، وقبل الاقتراح. واتفق بندر والسفير الصيني على أن يكون غطاء لقائهما صفقة بيع مواد بتروكيميائية ، واصطحب الأمير وفدا كبيرا ضم اختصاصيين في البتروكيميائيات من الشركة السعودية الأكبر "سابك". وخلف هذا الستار، التقى السعوديون بالصينيين مرتين.

عندما قال بندر لنظيره الصيني إن هدفه شراء صواريخ أرض - أرض للمملكة والأسلحة التي كان الصينيون يبيعونها لإيران، أوضح الممثل الصيني، وزير الشئون الخارجية، أن عليه التشاور مع قيادته. وأصبحت المشكلة بعد ذلك كيفية نقل الجواب إلى بندر. كان الوقت في غاية الأهمية والاتصالات الآمنة صعبة.

أبلغهم بندر: " لا يمكنني الانتقال إلى باكستان كلما أردتم إجراء محادثات". أخيرا، تم الاتفاق على أنه إذا أبلغ السفير الصيني في واشنطن بندر: " أنتم مدعوون إلى بيجنغ " فذلك يعني أنهم مهتمون. لكن إذا أبلغ بندر " أن الوقت غير مناسب للمجئ إلى بكين" . فذلك يعني أن الصفقة لن تتم.

وما لبث أن تلقى دعوة إلى زيارة بيجنغ. عند وصول الأمير إلى بيجنغ، مارا بهونغ كونغ أولا، نقل مباشرة إلى بيوت الضيوف الرسميين. وطلب من أعضاء وفده ألا يفتحوا الستائر كيلا يشع أحد بوجودهم. لكن في صباح اليوم التالي، فتح بندر الستائر لينظر إلى الحديقة. وكم كانت دهشته كبيرة حين رأى سيارتين تتوقفان أمام الفيلا المجاورة. كان وفدا إيرانيا يعتمر أعضاؤه العمائم.

كان بندر يعلم بطبيعة الحال أن افيرانيين يحصلون على أسلحة من الصينيين، لكن رؤيته العمائم في في الجوار هي الأمر المثير للمخاوف. تضمنت مفاوضات بندر الأولية استجوابا مركزا. فقد سئل مارا: " كيف تجرؤ على أن تطلب منا بيعكم أسلحة وأنتم لا تزالون تقيمون علاقة مع تايوان ولا تقيمون علاقة معنا؟".

كانت السياسة في أواخر القرن العشرين تعني أن التعامل مع الصينيين يستتبع استبعاد أي علاقة مع تايوان، إذ لا يمكن إقامة علاقات مع كلا البلدين. مع ذلك على الرغم من عناد الجمهورية الشعبية، فإن بندر رد بصراحة بالإجابة الوحيدة الصائبة. توجد لدى المملكة العربية السعودية حاجة لم تستطع تلبيتها في مكان آخر. والخياران الوحيدان هما الاتحاد السوفيتي أوالصين. والمملكة العربية السعودية تثق بالصين أكثر من ثقتها بالاتحاد السوفيتي.

قال بندر للصينيين:

" الحاجة تعني فرصة وهي تتوقف على اتساع الرؤية لديكم. إذا كنتم تنظرون إلى الأمر من زاوية أنه عين بعين ، فإنني أعتقد عندئذ أنكم لا تريدون الاتفاق، وسأضطر إلى الرحيل. ينبغي أن تنظروا إلى الأمر على أنه فرصة، والصديق وقت الضيق". وألمح بندر إلى أن الاستجابة لهذه الحاجة ومساعدة المملكة العربية السعودية قد تمهدان لحدوث تطورات أخرى. لكنه أصر على القول إنه لا يملك صلاحية بحث أي أمر ما عدا موضوع الأسلحة.

وبعد ذلك لجأ بندر إلى التكتيك إزاء المشكلة العويصة ظاهريا، أي مشكلة العلاقات السعودية مع تايوان، وهو تكتيك لطالما استخدمه على المستويين الرسمي والشخصي طوال عمله الدبلوماسي. فقد سأل الأمير بندر مضيفه الصيني: " إذا بعنا أصدقاءنا بثمن بخس، فلماذا تريديون أن تكووا أصدقاءنا؟".

أشار بندر الآن إلى الصفقة المنفصلة بقيمة عدة مليارات دولار التي تزيد المملكة عقدها مع الصين لتغيير وجهة السلاح من إيران إلى العراق، وقال : " بالمناسبة أود شراء ما قيمته مليارا دولار من الأسلحة التي تنوون إرسالها إلى إيران".

وأوضح لمضيفيه أنه إذا وافق الصينيون على هذا العرض فإنهم سيساعدون بذلك المملكة العربية السعودية والعالم العربي بأسره. وشدد أيضا على أن الأمريكيين والبريطانيين سيكونون سعداء بالاتفاق. وختم: " يضاف إلى ذلك أنكم ستجنون منه عملة صعبة ونتائج سياسية طيبة، لذا يربح الجميع".

بعد أن صمت مديد دام عشر ساعات ، طلب من الامير مقابلة رئيس الوزراء الصيني ، جاو زيانغ .في ذلك الوقت كان تشاو بنغ شديد الحرص على سياسة عدم التحالف الصينية ومبادئ التشايع السلمي الخمسة ، ما جعل الامير يبذل مجهودا كبيرا لتأكيد موافقة المملكة العربية السعودية على تلك المبادئ . وأثبت بندر حجته بتوضيح موقف المملكة غير العدواني ، وشرح الدور الردعي الذي ستلعبه الصواريخ.

ومع ذلك بقيت قضية تايوان ماثلة ، وكان لابد من مواجهتها . فاتخذ بندر موقف الهجوم ، مشددا على أن الصفقة ، إذا تمت ، فستعزز إمكانية تحسين العلاقات الصينية السعودية . غير أن رئيس الوزراء بقي على عدم اقتناعه ، وكرر أن الصين رفضت تطبيع علاقتها مع أمريكا ما لم تقطع الولايات المتحدة علاقتها مع تايوان .

وافق بندر على أن الصين أصابت بما فعلته لأن الولايات المتحدة والصين قوتان عظيمتان ، وأوضح أن المملكة العربية السعودية بلد صغير ، وليست قوة عظمى ولا دولة معادية .وعلل موقفه بوجوب عدم قياس المملكة بالمايير نفسها ، وختم بالقول : " في النهاية اعتقد أنكم فعلتم عين الصواب مع أمريكا ، لكن التعامل معنا نختلف ".

من الواضح أن هذا القول أثار إعجاب الصينيين .فقد أبلغ بندر أن الرئيس تشاو بنغ وافق على الصفقة شخصيا .وقيل له إن الصين تحترم المملكة العربية السعودية وتريد التعامل معها تجاريا ما دامت تأخذ المملكة في الحسبان أن الصينيين يأملون في تطبيع العلاقات وأن ذلك سيؤثرفي علاقة المملكة في الحسبان أن الصينيين يأملون في تطبيع العلاقات وأن ذلك سيؤثر في علاقة المملكة مع تايوان في الوقت المناسب .

انتابت بندر حالة من الذهول والوجوم . وقفل عائدا إلى المملكة العربية السعودية على عجل لإطلاع الملك فهد على ما جرى . وكان الملك فهد قد طلب من بندر ، عندما أمره في أول الامر بالحصول على الصواريخ للملكة ، ألا يخبر الامريكيين ، وألا يكذب عليهم أيضا وبموافقة الملك فهد ، أطلع بندر وزير الخارجية شولتز على الاتفاق الذي ستشتري المملكة بموجبه أسلحة صينية كانت متجهة إلى إيران .

و يصر بندر على القول إنه لم يكذب على أصدقائه الامريكيين ؛ لقد قال لهم ما كان ينوي أن يفعله (شراء أسلحة وجهتها إلى إيران) وهذا ما فعله . لكنه أغفل أي تذمر لشراء صواريخ أخرى لحساب المملكة العربية السعودية .

وفي حين أن بندر لم يكن بحاجة إلى مساعدة من خبراء عسكريين لضمان شراء الاسلحة المعدة لإيران من دون صعوبة تذكر ، فقد كان بحاجة إلى مساعدتهم على أعمال التقويم والتفاوض بشأن الصواريخ الخاصة بالمملكة العربية السعودية .ومخافة أن يثير حضور خبراء عسكريين سعوديين انتباه الولايات المتحدة إلى الخطط السعودية ، استبق بندر الامر وأبلغ الامريكيين أنه بحاجة إلى خبير بالدفاع الجوي وخبير اخر بالمدفعية ليساعده على شراء صواريخ معدة للذهاب إلى إيران . فوافق الامريكيون على طلبه بسرعة .

وفقا لبندر ، كانت زيارته الثانية إلى الصين شبه علنية ، بمعنى أنه ذهب مع وفد البتروكيميائيات وأمضى ثلاثة أيام في زيارة مصنع منشات بتروكيميائية ، وتلقى شروح موجزة . وفي نهاية المطاف ، أخذ مع الضابطين الاختصاصيين لمشاهدة " تماثيل المحاربين الفخارية " وهناك فقط استطاعوا بحث موضوع الصواريخ .

مضت ساعات من المفاوضات مع عسكريين صينيين تبين خلالها لبندر أن الصين لا يملكون صواريخ قصيرة المدى أو صواريخ معادلة لصاروخ " سكود ". كانت لديهم صواريخ متوسطة المدى . وقد أذهلته أحجامها الكبيرة . لكن الحجم كان أقل ما فيها. لقد وجد الامر غامضا ومخيفا ، ويكاد يكون سرياليا ، "كنت وسط ضباط وجنرالات شيوعيين ، وأنا الذي أمضيت حياتي أحارب الشيوعية ".

اتضح لبندر وفريقه خلال تلك الاجتماعات أن الصينيين صمموا هذا النوع من الصواريخ لحمل رؤوس حربية نووية . ويؤكد بندر أنهم دفعوا إلى الصينين أموالا كي يعدلوا الصاروخ ليحمل رأسا حربيا تقليديا . وهكذا، حول الصينيون صاروخا نوويا إلى صاروخ تقليدي.

عندما انتهت المفاوضات ، كان على بندر معالجة مشكلة إيصال الصواريخ إلى المملكة العربية السعودية .فقد كان يجب نقلها وتخزينها من دون علم الامريكيين ، ومع ذلك على الامير في الوقت نفسه تلبية طلب الملك فهد الصريح بألا يكذب على الامريكيين . فالسعوديون يدركون أن رد الفعل الامريكي على خبر قيام السعوديين بعقد صفقة مع الصينيين سيكون عنيفا .

اتخذ القرار بعدم الاعلان عن الصفقة إلا بعد اتمام تركيب الصواريخ في الصحراء على نحو امن . وعندئذ هيئت مناسبة إعلامية يعلن فيها الامير سلطان أن الملك قام بزيارة القوة الصاروخية الاستراتيجية التي تم تم الحصول عليها . كان التوقيت هم الأهم .

وتقتضي الحكمة ألا يذاع خبر شراء الصواريخ مصممة لتشكيل قوة ردع رئيسية ، تساهم في السلام في المنطقة ؛ فلن يجرؤ أحد على مهاجمة المملكة إذا علم أن صواريخها تستطيع الوصول إلى أي مكان ردا على ذلك . وكان بندر واضحا في هذا الصدد، " هذه قيمة السلاح الحقيقية ، فإذا لم يكن أحد يعرف شيئا عن وجوده فإنه لن يشكل رادعا ، ونحن بالتأكيد لا نريد استخدامه لتوجيه ضربة أولى ".

بعد شراء الصواريخ ، بقيت مسألة جوهرية: كيف يمكن بناء الصوامع الضخمة اللازمة لتخزين الصواريخ في وسط الصحراء من دون إثارة شكوك الامريكيين؟ توصل بندر إلى حيلة بارعة : ذكر الامريكيين أن أضخم مستودعات الاسلحة السعودية قريبة من الرياض .

ثم أوضح أن الملك فهد يخشى خطر وقوع مستودع الاسلحة في أيد شريرة في حال حدوث انقلاب عسكري ما . لذا ، تقرر نقل المستودع إلى أبعد مكان ممكن عن الرياض . ورأي الامريكيون أن القرار حكيم جدا ويسعدهم أن يؤيدوه .

ولما كان من المتوقع أن يتطلب تركيب الصواريخ مجئ عدد كبير من الصينيين إلى المملكة ، فقد كان على بندر أيضا اختلاق ذريعة لوجودهم . ففاتح الامريكيين مجددا أنه للتثبت من عدم تراجع الصينيين عن وعودهم بألا يبيعوا أسلحة لإيران ، رأت المملكة أن تعرض عليهم عقد بناء مستودع الأسلحة الجديد.

وعلل ذلك أن العملة الصعبة الإضافية والاستثمار الذي سيحصلون عليه ببناء هذه المنشأة سيساعدان على توطيد دعمهم. ومرة أخرى، لم يكن لدى الأمريكيين أي اعتراض، وأكد بدر أنه عند بناء المجمع، فإنه سيحتوي بالتأكيد على مستودعات للذخائر، وهكذا لبى المعايير الصارمة للملك فهد بقول الحقيقة، لكن ليس كل الحقيقة.

كانت الأقمار الاصطناعية تشكل أكبر تهديد بانكشاف الأمر. عندما تم تكليف بندر بتحديد المقياس الزمني لمدار أي قمر اصطناعي، أقر أن المهمة تنطوي على خطر انكشاف ما كان السعوديون يفعلونه، ولم يكن في وسعه تعريض حكومته لتهمة التواطؤ في عملية تجسس. فتوجه إلى مصادر معلوماته في وكالة الأمن القومي الأمريكية، وجعلها تصدق أن العراق مرر إلى المملكة العربية السعودية معلومات حول تعزيزات إيرانية في جنوب العراق، بين الكويت والبصرة.

وبحجة الحاجة الملحة إلى تأكيد صحة هذه المعلومات بما يمكن من اتخاذ قرار بتقوية القوات السعودية في تلك المنطقة، قال للعملاء أن الرياض في غاية القلق وتطلب المساعدة الأمريكية على نحو عاجل.

أبلغت وكالة الأمن القومي بندر أنه سيحصل على المعلومات في اليوم التالي. لكن بندر أصر على ضرورة تلقي المعلومات على الفور. وعندما أجيب طلبه بالرفض، تظاهر بالخشية من أن تظن الرياض أن عدم حصوله على معلومات استخبارية من الأقمار الاصطناعية يعني أن الوكالة تخفي شيئا عنها. فإيران في النهاية عدو مشترك.

نجحت الخدعة. وسرعان ما أوضح أحد عملاء الاستخبارات أن "سبب وجوب الانتظار إلى يوم غد لا علاقة له البتة بقوة تصميمنا على مساعدتك، لكن وصول أقمارنا إلى فضاء ذلك المكان يستغرق 12 ساعة، وها هي قد وصلت، لذا نحتاج إلى 12 ساعة أخرى، يضاف إليها تنزيل البيانات". وبعد أن شكره بندر على صدقه، سارع إلى إرسال المعلومات إلى الرياض.

وبفضل هذه المعلومات المتعلقة بالأقمار الاصطناعية الأمريكية، استطاعت المملكة إبقاء موضعي حيازة الصواريخ الصينية وتسلمها طي الكتمان مدة سنتين تقريبا، وهو إنجاز لا يستهان به لأي بلد، وبخاصة البلد الذي للولايات المتحدة فيه مثل هذه الامتيازات.

غير أن السر ذاع 4 مارس 1988، حين نشرت صحيفة "واشنطن بوست" أن المملكة العربية السعودية اشترت صواريخ بالستية صينية 2- css يزيد مداها على 1500 ميل، وأن الصواريخ قادرة على حمل رؤوس حربية نووية . وهكذا أصبح بندر مهندس تلك الصفقة في وضع صعب.

انكشف أمر الصواريخ بعد أن تعطلت إحدى شاحنات النقل السعودية، إذ أدى العطل إلى حالة من الارتباك أرسلت خلالها قوة أمنية لحماية الشاحنة. ولفتت حركة تلك القوة انتباه محللين يدرسون صور الأقمار الاصطناعية. وعند مطابقة تلك الصور مع قاعدة بيانات أمريكية، اتضح سريعا أن ما رأوه كان صاروخا صينيا من طراز 3- df.

كانت نصف الصواريخ التي طلبت من الصينيين قد وصلت فعلا إلى البلد قبل هذا الاكتشاف. وبما أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم أن صواريخ 3- df لا تحمل رؤوسا نووية، فقد أثار ذلك حالة ترقب كبرى لديها. فالصفقة بين المملكة العربية السعودية والصينيين عقدت فيما كانت روسيا والولايات المتحدة تتفاوضان حول اتفاقات نهائية للتخلص من الأسلحة النووية متوسطة المدى.

وسرت في الكونغرس الأمريكي حالة من الحرج والاستياء والغضب من الخديعة السعودية. فكتب وليام سافرير بأسلوب نقدي: " لقد صعقت صفقة الصواريخ الصينية السعودية واشنطن، التي ظنت خطأ أن لا بيجنغ ولا الرياض ستقدمان على إحداث تغيير في ميزان القوى في الشرق الأوسط من دون مراجعة الولايات المتحدة".

ومما أثار إحراجا أكبر للأمريكيين تورط بندر المتعاون كليا حتى ذلك الوقت والقريب جدا من مدير وكالة الاستخبارات المركزية بيل كيسي. قدور الأمير وهو السفير السعودي إلى واشنطن، في رعاية العلاقات الصينية السعودية والشروع في الصفقة من دون إعلام الولايات المتحدة كان غير عادي بقدر ما كان غير مريح داخل دائرة السياسة والاجتماع في واشنطن.

وبموجب القانون الأمريكي ينبغي إبلاغ الكونغرس باكتشاف حيازة بلد ما القدرة النووية في غضون 48 ساعة. وقد أحدث مبيع الصواريخ الصينية ذات القدرة النووية رعبا في أوساط الإدارة. وكان الوزير شولتز آنذاك خارج البلد في زيارة مهمة إلى موسكو وأوربا والشرق الأوسط، وكان موعد عودته نهاية الأسبوع.

فقرر البيت الأبيض بدء العد العكسي للساعات الثماني والأربعين من يوم الجمعة، حاذفا يومي السبت والأحد باعتبارهما عطلة نهاية الأسبوع. وهكذا أصبح يوم الاثنين فترة الساعات الأربع والعشرين الأخيرة السابقة لموعد إبلاغ الكونغرس.

ولعل من قبيل المصادفة أن وزير الخارجية الصيني كان على موعد للقاء شولتز يوم الاثنين. وبعد أن أنهى بندر المفاوضات ونقل مسئولية الصواريخ إلى أخيه، الأمير خالد لم يعد له شأن بالصفقة لكن توخيا للحيطة إزاء ذيوع نبأ صفقة الصواريخ قبل إتمام تركيبها، اتفق الأمير مع السفير الصيني على التمسك بالعبارة نفسها: " أتفهم قلقكم ، لكن هذا شأن عسكري ولست سوى دبلوماسي. سأراجع حكومتي وآتيكم بالجواب".

يوم الأحد، في 6 مارس 1988 تلقى بندر اتصالا من ريتشارد مورفي، مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط. قال مورفي بإيجاز: " لدي أمر أريد مناقشته معك. هل يمكنني أن أزورك لدقائق قليلة؟".

عندما وصل مورفي ومعه زوجته وأولاده، قال بندر إنه لاحظ أن: " السفير موفي بدا متوعكا ومنزعجا".

سأل موفي : " هل يمكننا التحدث على انفراد قليلا؟".

انتقلا إلى غرفة ثانية فإذا بمورفي ينفجر غاضبا: " أسلحة نووية...؟"

وبغضب، ناول الأمير مظروفا أصفر اللون. يقول بندر: " أحسست بألم مفاجئ في معدتي".

كان ضغط اللحظة شديدا. ويذكر بندر أنه حدث نفسه، فكر، فكر، فكر وفي محاولة لكسب الوقت وتذكر ما اتفق عليه هو والسفير الصيني تمتم بندر: " أي أسلحة نووية؟".

قال مورفي: " نحن صديقان منذ فترة طويلة يا بندر... فلا داعي للمداورة والخداع".

أجاب بندر بهدوء: " طبعا لن أخدعك، عم تتحدث؟"

"اسمع، نعرف أن لديكم في المملكة العربية السعودية صواريخ 3- df ذات رؤوس نووية".

"مهلا . قال بندر:" أتفهم ما تقوله وسأنقله إلى حكومتي، وأطلب توضيحا لأنني لست عسكريا، أنا دبلوماسي. لكن أستطيع أن أؤكد لك شيئا واحدا: أيا يكن ما تتحدث عنه، فإن المملكة لم يكن لديها في الماضي أسلحة نووية وليس لديها في الوقت الحاضر ولا تخطط للحصول عليها. هذا أمر يمكنني أن أؤكده لك بصورة قطعية".

عند هذه النقطة أطلع السفير الأمير على صور للصواريخ التقطتها الأقمار الاصطناعية. ومع ذلك ظل بندر متمسكا بالعبارة التي اتفق مع السفير الصيني عليها، قائلا " يجب أن أتشاور مع حكومتي أولا، وسأعود إليك".

رد مورفي:

" حسنا، دعني أقول لك شيئا. فيما نتحدث نحن الآن، يتناول وزير الخارجية الصيني طعام العشاء مع الوزير شولتز الذي سيطرح عليه السؤال نفسه، لذا أمامك حتى صباح يوم الاثنين. نحن بحاجة غلى جواب قبل صباح الاثنين، وبخلاف ذلم فإن الوقت سيمضي وسنضطر إلى إبلاغ الكونغرس. آمل أن تدرك مدى خطورة هذه المسألة".

لاحظ بندر لاحقا أمام أصدقائه أن

" السبب الذي دفعهم لتغيير موعد وزير الخارجية الصيني هو الحؤول دون أن نتحدث معا. لقد تعمدوا الاجتماع بالوزير الصيني في منزل شولتز لحظة مجئ ريتشارد مورفي إلي، لكن وزير الخارجية الصيني قال العبارة نفسها بالضبط:" أنا وزير خارجية، علي أن أراجع بيجنغ، وسأعود إليكم بالأجوبة".

فور مغادرة مورفي، أجرى بندر اتصالا هاتفيا معدا مسبقا بالملك فهد، وكان الاتصال غنيا بالمعلومات ومصمما في الوقت نفسه كي يصل إلى مسامع وكالة الاستخبارات المركزية. بعد المقدمات المعتادة قال بندر للملك بطريقة تدل على عدم اكتراث: " لدى أصدقائنا في أمريكا تقارير أننا نمتلك أنظمة نووية في المملكة . وقد أكدت لهم أننا لا نملك مثل هذه الأنظمة وهم ينتظرون جوابا من جلالتكم ومن الحكومة".

ساد صمت مؤقت فيما الملك يستجمع أفكاره لمعرفة حاجة ابن أخيه قبل الرد، "اسلحة نووية يا ليت لكن أبلغهم إذا كانوا راغبين في بيع أي اسلحة نووية من أجل دفاعاتنا، فسيكون ذلك موضع تقدير كبير من جانبنا وسيسعدنا التفاوض في هذا الشأن فورا". ثم انتقل فهد إلى موضوع آخر مختلف تماما، مضيفا: " بالمناسبة، هناك أمر يتعلق بمصر والفلسطينيين لابد أن ابحثه معك. لم لا تأتي وتبحثه معي؟".

ما إن أعد الأمير طائرته للسفر فورا حتى أبلغه مسئولون أمريكيون، بعد تحليلهم مضمون الاتصال الهاتفي، أن الرئيس يود رؤيته في صباح اليوم التالي، عند الساعة التاسعة إلا ربعا، أي قبل ربع ساعة من حلول موعد لقاء ريغن مع وزير الخارجية الصيني. ولم يكن في وسع بندر أن يرفض طلب الرئيس، فاتصل بفريقه وأخر موعد سفره.

لكن تسنى لبندر في تلك الليلة الاجتماع بالسفير الصيني. قال بندر وهو يشير إلى صورة فوتوغرافية التقطت صبيحة زيارته إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس ريغن: " قال لي الرئيس ريغن، علمنا أنكم حصلتم على صواريخ نووية. هذا أمر غير مقبول لدينا، وعلي أن أبلغ الكونغرس بمقتضى القانون. أود الحصول على جواب رسمي في هذا الخصوص، وآمل في أن تتمكنوا من التوصل إلى طريقة لنزع فتيل هذه الأزمة".

وأشار يندر إلى الصورة مجددا وقال:

" إذا نظرت إلى الصورة سترى أنه كان يحمل في يده بطاقات. وكنت أنظر إلى بطاقاته، ولما كانت الأحرف كبيرة، فقد استطعت قراءتها. لذا استوقفته قبل وصوله إلى النقطة الأخيرة التي وضعها موظفوه له. وكانت كناية عن كلمة واحدة هي وإلا . وقد حل ذلك الأزمة بأكملها".

أوضح بندر:

" لقد أوجزوا النقاط التي كان على الرئيس الإدلاء بها، وكانت النقطة الأخيرة: لديكم أسلحة نووية ونريدكم أن تفككوها أو تعيدوها أو تدمروها. كان طلبا واضحا، لذا رأيت بسرعة أنني إذا استطعت أن أوقفه قبل وصوله إلى تلك النقطة الأخيرة، فسأحول عندئذ دون الاضطرار إلى نقل إنذار قوي غلى الملك فهد وأحصل على فرصة أيضا لتلقي تعليمات من حكومتي, لذا، حين رايته يقترب من هذه النقطة الأخيرة، قلت ، سيدي الرئيس هل لي أن أقاطعك لحظة؟ فكان لطيفا للغاية بحيث توقف وقال أجل".

أوضح بندر أن الملك فهد حصل على الصواريخ الصينية بغية الردع فقط وقال: " يمكنني أن أطمئنك بصورة جازمة إلى أن المملكة لا تمتلك صواريخ نووية". ثم سأل الأمير الرئيس إذا كان في وسعه العودة إلى المملكة العربية السعودية بحيث يأتي برسالة من الملك فهد تؤكد أن المملكة لا تمتلك أسلحة نووية.

لم يكمل الرئيس القراءة، بل أبدى ملاحظته التالية " حسنا، لا أظن أننا نريد أكثر من ذلك من أصدقائنا". وفيما كان بندر والرئيس يتصافحان، تدخل الوزير بيكر قائلا: " سيدي الرئيس، علي التشديد على شئ واحد. نحن أصدقاء منذ أمد بعيد أيها الأمير بندر، وهذا أمر خطير جدا جدا".

"افهم ذلك" . أجاب بندر : " ولهذا السبب سأغادر على الفور إلى المملكة العربية السعودية". عند خروج الأمير من الاجتماع، حاول مسئولون في وزارة الخارجية تعزيز الرسالة التي أوردتها الوزارة في ملاحظات الرئيس، لكن بندر صدهم قائلا: " التقيت بالرئيس وقد حملني رسالة إلى جلالته. وأنا لن أناقش الأمر مع أحد غيره، سأعود إلى بلادي ، وأسلم الرسالة إلى الملك وأعود بإجابة إلى الرئيس نقطة على السطر".

في الطريق إلى المطار تلقى بندر اتصالات من مسئولين في البنتاغون ووزارة الخارجية طالبين اللقاء به على عجل، فاعتذر فورا عن تلبية طلبهم. وغادر إلى ا لمملكة ثم عاد إلى واشنطن ومعه رسالة فيها نفي قاطع لما تردد عن شراء اسلحة نووية . وقد أكدت الرسالة شراء صواريخ أرض - أرض من الصين بسبب قرار الكونغرس عدم بيع المملكة صواريخ "لانس" أمريكية، لكنها قدمت ضمانات مفادها أن الصواريخ لن تستخدم أبدا لأغراض هجومية. وأوضحت في الوقت نفسه أن المملكة ستدافع عن نفسها إذا ما تعرضت لهجوم

كان رد الفعل الأمريكي قاسيا وسريعا. فقد طلبت الولايات المتحدة من المملكة العربية السعودية تفكيك الصواريخ وإعادتها إلى مصدرها أو السماح للأمريكيين بالوصول إليها لتفقدها، وهو أمر غير مقبول عند السعوديين. وهاج ريتشارد أرميتاج، مساعد وزير الدفاع لشئون الأمن الدولي، في وجه بندر وقال له وهو يتميز غيظا: "أريد ان أهنئك. هذا هو قانون العواقب غير المقصودة. لقد وضعت المملكة العربية السعودية في لائحة الاستهدافات الإسرائيلية. أنتم الآن الأغنية الشعبية رقم واحد في برنامج أفضل الأغنيات الإسرائيلي. وإذا ما انفجرت الحرب في أي مكان في الشرق الأوسط، فستوجه الضربة ألولى إليكم".

وأصدرت الإدارة بيانا جاء فيه: " إن حيازة نظام كهذا ليست في مصلحة السلام والاستقرار في المنطقة". وكان رد فعل الكونغرس أكثر حدة، إذ وقع 50 عضوا في مجلس الشيوخ و 187 عضوا في مجلس النواب رسالة احتجاج ورد في نصها: " على حكومتنا أن تبدي معارضة مطلقة لا لبس فيها لوجود الصواريخ الصينية التي تمثل تهديدا جديدا ومقلقا لسلام المنطقة". ومع ذلك، قدم البيان والرسالة مع اعتراف بالأمر الواقع من حيث الجوهر.

ربما كان أفضل تصوير للشعور بالصدمة في واشنطن في ذلك الوقت، ما جاء في قصة رواها وزير الخارجية كوان باور قبل عشرة أيام من إعلانه عن استقالته في نوفمبر 2004 فعندما طلب منه سرد أي مشاهد أو حكايات قصيرة عن بندر، قال مستذكرا: " لدي طرفة عن اليوم الذي ضبطناه فيه متلبسا بشراء صواريخ من الصين".

وتذكر باول كيف انه عند شيوع الأنباء - وكان في ذلك الوقت مساعدا للرئيس لشئون الأمن القومي (وتشيع تسميته مستشار الأمن القومي) - ذهب مباشرة غلى منزل بندر وصاح: " ماذا الذي تفعله؟ لم تفعل ذلك؟"ر وأخبر بندر أن لديهم خرائط وصورا له تظهره واقفا أمام مصنع عسكري صيني وقال: " لقد ارتكبتم حماقة حقا ويحسن بكم أن تتمنوا ألا يقصفها الإسرائيليون". لكنه أضاف : " لا أظن أنهم سيقدمون على ذلك لأن ما اشتريتموه ليس نظاما جيدا جدا، ومع ذلك اشتريتموه. هذا عمل أحمق حقا، ولكنكم تستحقون . نتمنى أن تسعدوا بصواريخكم".

عندما ذاع خبر الصواريخ الصينية، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي شامير في الولايات المتحدة ، فصرح أن إسرائيل لن تنتظر حتى تهاجم، وإذا هددت، فإنها ستتخذ إجراءات استباقية.وقد استرعى ذلك القول انتباه السعوديين بسرعة.

طلبت المملكة العربية السعودية من الولايات المتحدة أن ترسل إلى إسرائيل رسالة عاقلة مفادها أن صواريخ 20 css لن توجه ضد إسرائيل. وفي حديث منفصل مع باول، أوضح بندر الموقف السعودي بجلاء قائلا: " إنني أبلغك، إذا كان في وسعك تمرير الرسالة إلى الإسرائيليين، أننا لا ننوي استخدامها لتوجيه ضربة أولى".

لم تجد هذه الرسالة حول النيات السعودية، أو عدمها، اهتماما يذكر. وبعد أسابيع فقط، تلقى بندر اتصالا من الأمير سلطان يوضح فيه ن رادارات قاعدة تبوك الجوية رصدت طائرات إسرائيلية تحلق قرب العقبة. واعتقد أن الطائرات ربما تتجمع لشن هجوم على المملكة، وكان على بندر أن يطلب من الأمريكيين المسارعة إلى التدخل كيلا تفلت الأمور.

سأل بندر الأمير سلطان عن الموقف السعودي إذا هاجموا، فكان جواب سلطان صارما.فقد أصدر الملك أمرا بتعبئة سلاح الجو السعودي بأكمله وتوجيه طائراته شمالا وهي بكامل اسلحتها وذخائرها. وشدد على أن المملكة لا تريد أن تفتعل مواجهة، لكن إذا هوجمت فلن يكون أمامها سوى الاشتباك، وسيشمل ذلك استخدام الصواريخ الصينية.

شدد بندر على عدم إخفاء إجراءات تحضير الطائرات في القواعد الجوية السعودية عن الطيارين والمستشارين الأمريكيين، لأن ذلك سينقل رسالة مقنعة أكثر من ي شئ آخر قد يبلغه إلى البيت الأبيض. فأكد سلطان أن هذا الأمر قيد التنفيذ بالفعل.

اتصل بندر بالجنرال باول على الفور ثم ذهب إلى منزله مباشرة. ولدى وصول بندر، كان باول قد أبلغ من الاستخبارات الأمريكية عن التحركات الإسرائيلية والتعبئة السعودية. حيا الجنرال باول الأمير بندر، قائلا: " ألم أقل لكم. لقد ظننتم أنكم أكثر أمنا، انظروا الآن إلى ما فعلتم بأنفسكم".

أجاب بندر:

" إننا أصدقاء منذ زمن طويل ايها جنرال.إليك رسالة بسيطة جدا من المملكة العربية السعودية . نحن لا ننوي مهاجمة أحد بهذه الصواريخ. ونحن نعرف قدرات إسرائيل وسيكون الأمر بمثابة انتحار إذا هاجمناها وألحقنا بها بعض الأضرار، لأنها عندئذ ستدمر كل شئ لدينا. لماذا تدفعوننا من موقف عدم رغبتنا في أي اشتباك إلى موقف لا خيار لنا فيه سوى الاشتباك؟" .

وختم بالقول:

" يمكنني أن أؤكد لك أنه إذا هاجمنا الإسرائيلون، فلن يكون أمام المملكة العربية السعودية خيار سوى الرد، وليحدث ما يحدث. حكومتي لا تحتمل أي هجوم من إسرائيل من دون أن ترد. لذا أبلغ الإسرائليين بذلك".

أومأ باول لبندر أن ينتظر، ثم توارى في مكتبه. وقال حين عاد: " الإسرائيليون يقولون، لم كل هذا التوتر لدى السعوديين؟ إننا نقوم بتمارين ليلية ليس إلا".

قاطعه بندر ليقول: " حسنا، نحن أيضا نقوم بتمارين ليلية لا أكثر"."حسنا، لنكف عن هذه المداورة. الرئيس يريد أن تنتهي إسرائيل والمملكة العربية السعودية حالة التوتر، ولا يريد أن يهاجم أحد الآخر".

أجاب بندر:

" ليست لديك شكوك في ما يتعلق بي، لكنني أريد ما يؤكد أن الجانب الآخر لن يهاجم. يمكنني أن أطمئنك أننا لن نقدم على شئ إلا إذا هوجمنا".

كان بندر مقتنعا أن هذه المواجهة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية وضعت المملكة على حافة الحرب، لذا سعى ليؤكد لحلفائه الأمريكيين أن الصواريخ الصينية بعيدة المدى ليست نووية. وكرر القول غن حيازتها تمت لأغراض دفاعية فقط، وفي رد على التهديد من إيران، وعلى أثر رفض طلبها الحصول على صواريخ "لانس" قصيرة المدى.

قبلت إسرائيل على مضض تطمينات المملكة، ولا شك أن قبولها معزز بتقديرات استخبارية لمحدودية فعالية الصواريخ من الناحية العسكرية ولافتقارها إلى الدقة. عجلت صفقة الصواريخ السرية في حدوث توتر في العلاقة الأمريكية السعودية، وكان الوقع السياسي لدخول الصواريخ إلى المنطقة شديدا. " لقد شكل القرار السعودي شراء صواريخ صينية ابتعادا كبيرا عن استراتيجيات مشتريات الأسلحة السابقة، وغير بضربة واحدة المعادلة الاستراتيجية في المنطقة".

وربما كان التغيير الأكبر في المعادلة الاستراتيجية مدى صاروخ 2- css الذي قدر بنحو 2000 ميل. بل ترسانات الدول النووية الرئيسية، ما يجعل بلدانا مثل إسرائيل وإيران، والاتحاد السوفيتي في متناول القدرات السعودية، بافضافة إلى الصومال ، وإثيوبيا، والسودان،وتركيا، وأفغانستان، وباكستان، وغربي الهند.

قللت صفقة الصواريخ الصينية في الحال اعتماد المملكة على مظلة الأسلحة الغربية، ودفعت نحو إحداث تكافؤ في الفرص بين الأسلحة العربية والأسلحة الإسرائيلية، وزادت في فرص نفاذ الصين إلى الخليج. والأهم أنها دلت على تغير فريد للطريقة التي درج السعوديون على العمل بها في الغرب. على أي حال، أصبح لدى السعوديين صاروخ قوي ومتطور نسبيا، وربما يكمن تقديره في قيمته النفسية وهيبته. ويعترف بندر مهندس صفقة 2-css بالقول: " كان الجانب النفسي لاقتنائه أهم من قدرته".

ربما كانت الخطوة السرية لشراء صواريخ يزيد مداها ثلاث مرات عن مدى أحدث الصواريخ العاملة في المنطقة في ذلك الوقت، ومن دون الالتفات نحو أمريكا لكسب موافقتها، أجرأ خطوة تقوم بها المملكة العربية السعودية منذ نشأة الصداقة الأمريكية السعودية وأكثرها إقداما.

وقد لاحظت الصحافة أن " السعوديين يفخرون بتنظيم انقلاب، بدلا من أن يعتذروا بهدوء عن خداع واشنطن ثم يتواضعوا" وعلى نحو أدق قال باول: " عبر بندر من جانبه في مجالس خاصة عن انشراحه إزاء انزعاج واشنطن، مشيرا إلى أن تلك التطورات جاءت نتيجة تدخل الكونغرس في مبيعات الأسلحة".

وفي مقابلة مع تشارلي روز في برنامج "نايت ووتش" على محطة " سي بي أس نيوز" دافع بندر ببساطة وإصرار عن حيازة المملكة العربية السعودية صواريخ قائلا: " لم أذهب إلى الصين لإثارة مشاعر الأمريكيين أو إزعاجهم . فلو أننا حصلنا منكم على صواريخ أمريكية، لما قصدنا أي مكان آخر للحصول عليها".

وغير بندر رسالته السياسية بعد ذلك ووجه ضربة مباشرة إلى الكونغرس وولاءاته: " أعتقد أن الدرس المتبادل لكل منا هو وجوب أن نكون أقل انفعالا عند بحث هذه القضايا، كونوا منطقيين وانظروا في ما يخدم مصالحنا القومية".

أدى الرفض السعودي إعادة الصواريخ، إلى جانب رفض السماح بأي تفتيش أمريكي للأسلحة، إلى قيام الوزير شولتز بقطع علاقته ببندر. وصدرت تعليمات بألا يتصل أي مسئول أمريكي ببندر أو يتحدث إليه أو يتعامل معه. وهكذا جمدت العلاقات الدبلوماسية الأمريكية، واستثني من ذلك مسئول مكتب الشئون السعودية. وكان رد بندر بسيطا: " يؤسفني ذلك، لكنكم منحتموني إجازة". وتوجه إلى أسبن.

بعد أسبوعين ، تصاعد الاضطراب في لبنان، وطلب من بندر العودة إلى واشنطن لإجراء محادثات. واصل شولتز مجافاة بندر، الذي أقر أنه يتفهم سبب انزعاج شولتز. لكن بندر شعر من ناحيته أنه لم يكذب عليه. وقال: " أبلغته كل ما كان علي أن أطلعه عليه، ولم أبلغه ما لم يكن علي أن أطلعه عليه". كان الأمير يدرك أنه كان يسير على خيط رفيع، فاعترف أنه دفع الأمور إلى حدودها القصوى في بعض الأحيان.

ما زال الغموض يلف صفقة الصواريخ الصينية إلى يومنا هذا، ويبدو ذلك على وجه الخصوص في التفاوت المبالغ فيه بين حسابات الصفقة، والأهم، في التفاوت في أعداد الصواريخ . فوفقا لروايات مختلفة، يتراوح عدد الصواريخ المشتراه بين 25 صاروخا و 100 صاروخ. وعلى نحو ذلك قدر عدد قاذفات الصواريخ بين 9 و 15 قاذفة. وقدر ثمن كل صاروخ بنحو 100 مليون دولار.

ولا يعرف سوى القليل عن الكمية والتكلفة والدقة، أو – وربما هذا هو الأهم - عن مواقع الصواريخ. فالاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن الصواريخ منشورة في السليل (500 كلم جنوبي الرياض) والجفر (100 كلم جنوبي الرياض). لكن لا تزال مواقعها الحقيقية غير مؤكدة، وكذلك فعاليتها.

فصواريخ "الريح الشرقية" التي تعمل بدفع الوقود السائل، وهو ما يطيل فترة إعدادها، تتطلب صوامع ثابتة معززة ويعتقد أن نظام توجيهها غير فعال نسبيا، غذ يبلغ قطر دائرة الخطأ المحتمل أو الدقة نحو 2 كيلو متر.

عندما سئل بندر عن عدد الصواريخ المشتراه، أشار إلى أن هذه المعلومات لا تزال حساسة، لكنه أكد أنه ليس كبيرا. وربما يدعم ذلك ما كشف بندر عنه من أن تكلفة الصفقة، بما فيها بناء الصوامع ومخزن الأسلحة، كانت في حدود 3 مليارات دولار، ما يدل على أن المملكة العربية السعودية اشترت 25- 30 صاروخا فقط، إلا إذا كانت المملكة قد حصلت على الصواريخ بسعر يقل عن 100 مليون دولار للصاروخ الواحد. وأكد بندر أيضا تحسين دقة الصواريخ بإجراء تعديلات محلية عليها.

على الرغم من الصدمة التي ترددت موجتها في أنحاء واشنطن في ذلك الوقت، فإنه لم يكن في الإمكان دحض مبرر القيادة السعودية. فبحسب تعبير الملك فهد نفسه: " ليس من المستغرب على المملكة أن تشتري أسلحة دفاعية لتدافع عن معتقداتها وأرضها". وذلك أمر في محله تماما في ضوء الأحداث المضطربة التي عصفت بالمنطقة.

فقد شهدت سنة 1986 هبوط طائرة إيرانية محملة بالمتفجرات على أرض سعودية،وهي حادثة "اسفت" القيادة الإيرانية على وقوعها، وشهدت سنة 1987 اقتحام السفارة السعودية في طهران، وتلته بعد أسبوع وفاة 402 من الحجاج، من بينهم 85 مواطنا سعوديا سقطوا ضحية عنف أحدثه إيرانيون حاولوا التظاهر في المسجد الحرام في مكة خلال موسم الحج.

وفي مقابلة أجرتها محطة تلفزة أمريكية مع بندر في ذلك الوقت، ذكر الأمير بوضوح شديد: " هناك أمران لا نسمح بتعرضهما للخطر: ديننا وأمتنا". ولاحظ الملك فهد بعبارة لاذعة. " نحن نشتري أسلحة لا مبادئ".

على الرغم من الموقف القوي المستقل الذي اتخذه السعوديون خلال صفقة الصواريخ الصينية، فإنه لا يوجد سبب للاشتباه في أن الصواريخ كانت لأغراض غير دفاعية. صحيح أن صاروخ 2- css ذو مدى بعيد،لكنه معروف بمحدودية دقته بسبب حجمه . ومع أن الصينيين صمموا 2-css لغرض محدد هو حمل رؤوس نووية، فقد أكد بندر مرارا أن الصواريخ التي اشترتها المملكة العربية السعودية عدلت لحمل رؤوس حربية تقليدية.

وفي تكرار لهذا التأكيد، كتب الملك فهد إلى الرئيس ريغن، مقدما ضمانته الشخصية أن الصواريخ لن تزود برؤوس حربية غير تقليدية، ولن تستخدم لتوجيه ضربة أولى. وجزم أيضا أن المملكة العربية السعودية لن تحصل على رؤوس حربية نووية أو كيميائية تستخدمها.

ومن الأدلة الأخرى على الدور الدفاعي الخالص المنوط بالصواريخ أنها لم تستخدم خلال حرب الخليج على الرغم من أنها كانت بحلول سنة 1990 تعتبر قيد الخدمة الفعلية، وربما يعود السبب إلى عدم دقتها. وفي إشارة غلى وضعها، قال بندر: " استبعد الملك فهد ذلك الخيار (أي إطلاق صواريخ على العراق) لعدم القدرة على التحكم به بدقة. وحربنا لم تكن مع الشعب العراقي، بل مع صدام حسين وأعوانه".

على الرغم من اهتمام المملكة لإنشاء جيش حديث، فإنها لم تلجأ قط إلى اعتداء خارجي. وربما خففت الصداقة العريقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة المخاوف من النيات السعودية في ما يتعلق بإسرائيل. ومن المعروف أن المملكة اتخذت منذ مدة طويلة موقفا يعبر عن رغبتها في خلو الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.

ودفاعا عن إعلاناتها المتكررة عن عدم وجود تطلعات نووية لديها، انضمت المملكة العربية السعودية إلى جملة البلدان التي تؤيد جعل الشرق الأوسط خاليا من الأسلحة نووية، ووقعت في سنة 1988 معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وفي مايو، أكد المندوب السعودي الدائم في الأمم المتحدة اهتمام المملكة لإزالة أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط. لكن يبقى هذا الهدف غير قابل للتحقق بصورة ناجزة، ما دامت إسرائيل تحتفظ بمخزونها النووي المشتبه به.

الفصل السادس:نظام عالمي جديد

"أعتقد أنه عندما يكشف النقاب عن المساهمة لحقيقة التي قدمها بندر إلى السياسة الشرق أوسطية والغربية عموما، سيفاجأ كثير من الناس جدا بمقدار النفوذ الذي كان يتمتع به وعلى مددى فترة طويلة".

السير ريتشارد إيفانز

رئيس "بريتيش إيوسبيس"

عمل وليام كيسي وبندر معا عن قرب لتطبيق مبدأ ريغن المعادي للشيوعية. وكان أحد أنجح أشكال التعاون بينهما في أفغانستان. فقد كان الدعم المالي السعودي للمجاهدين، بحسب قول الأمير: " يتم بعلم كلا الطرفين، وكان الكونغرس. على علم به، لذا لم تكن تشوبه شائبة، باستثناء أنه سري".

يقول بندر، متذكرا تلك الفترة من التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية: " أذكر يوم دخلت الكونغرس كيف راحوا يرتبون عل كتفي وهم يقولون، شكرا لك على مساعدتك لنا في أفغانستان. إننا نتفهم الأمر وسنلتزم الصمت". لقد كانت للكونغرس أسباب كثيرة تدعوه إلى شكر حلفائه السعوديين، وبخاصة انهم كانوا في ذلك الوقت يشاركون الولايات المتحدة بالتساوي في تمويل تسليح المجاهدين الأفغان.

وكان لذلك المال دور كبير في كسب الحرب في أفغانستان. في فبراير 1988، كلف بندر الروس بالانسحاب من أفغانستان، فطار إلى روسيا للاجتماع بغورباتشيف وهناك قدم إلى الزعيم الروسي رسالة أمريكية سعودية بالغة الوضوح : أخرجوا من أفغانستان.

أوضح بندر متذكرا دوره في تأمين الانسحاب السوفيتي من أفغانستان ، أن الملك فهد والرئيس ريغن قطعا على نفسيهما عهد أن يتابعا هذه الحرب وصولا إلى خاتمة ناجحة، وبعدم التسوية عليها. وبعد مرور تسع سنوات على الاحتلال السوفيتي تلقت الاستخبارات معلومات عن احتمال عدم وجود إجماع في الكرملين. كان ثمة انشقاق إزاء السياسة السوفيتية في أفغانستان داخل المكتب السياسي، لكن الخارجين على الإجماع كانوا أقلية.

وكان السؤال: هل غورباتشيف واحد منهم أم لا؟ وكان هناك انقسام في أوساط الاستخبارات الغربية بشأن موقف غورباتشيف. فتقرر أن الطريقة الفضلى لاختبار هذه الفرضية هي تقديم اقتراح بانسحاب سوفيتي مشرف، على أمل التمكن من قراءة شئ من الرد السوفيتي على الاقتراح.

كانت العلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والكرملين آنذاك تحول فعلا دون أي مقاربة أمريكية. وكما أوضح بندر:

" كان الأمريكيون والسوفييت في ذلك الوقت يخوضون مباراة في عض الأصابع . من الذي سيقول آخ أولا في ما يتعلق بنشر الصواريخ ببرشينغ في أوربا؟ كان الروس يقولون، إذا نشرتموها، فسنصعد الوقف عندئذ وننسحب من جميع المفاوضات المتعلقة بالأسلحة. وكان الأمريكيون يقولون، سنستمر وسننشرها.
وفي هذه الأثناء، كان معظم الأوربيين يقولون، انتظروا من فضلكم، نحن لا نريد تصعيد الموقف. أخيرا، كانت السيدة تاتشر تقول، سننشرها وليكن ما يكون. إزاء هذه الخلفية لم يكن الوقت مناسبا للأمريكيين كي يعرضوا على السوفييت طريقا للخروج من أفغانستان. عندئذ استقر الرأي على أن تقوم المملكة العربية السعودية بالخطوة".

أسر الأمير لاحقا أن الملك فهد كان دائما ينظر في كل الخيارات لمعرفة كيف تعود بالمنفعة على المملكة. وتذكر أن استراتيجية الملك فهد كانت تقوم على التوجه إلى جميع العرب المتحالفين مع الاتحاد السوفيتي

وإيضاح أن المملكة العربية السعودية تحاول مساعدة السوفييت بالعمل على إقناع الأمريكية بإتاحة طريق لخروج السوفييت من الصراع. وكلف الملك فهد الأمير بندر بالاجتماع إلى الرئيس السوفيتي،وتلك خطوة غير عادية لأن المملكة العربية السعودية لم تكن تقيم علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.

قبل أن يجتمع بندر بغورباتشيف، اتصل بأن اتولي دوبرينين، الذي كشف له أن بعض القادة السوفييت شككوا بالفعل في قدرة الاتحاد السوفيتي على كسب الحرب في أفغانستان . إلا أن دوبرينين لم يفصح عما إذا كان غورباتشيف واحدا منهم أم لا. ومع ذلك، شعر بندر في نهاية لقائهما باحتمال إقناع غورباتشيف بعقد صفقة ما.

وعلى الأثر سافر بندر إلى موسكو. لكن، لم يتسن له لقاء غورباتشيف بمفرده، إذ كان مع الرئيس السوفيتي عدد من أعضاء المكتب السياسي المتشددين.وكان استقبالهم له فاترا جدا. فقد وبخه غورباتشيف على الفور ، متهما المملكة بالتدخل في شئون أفغانستان الداخلية.

حدث بندر نفسه قائلا:

" يا وقاحته، إنه يحتل بلدا بجيشه ويظن أننا نحن من يتدخل" وتابع غورباتشيف كلامه العنيف، موضحا أن الأمريكيين سيخذلون السعوديين، وأخذ يتحدث عن الوضع في اليمن الجنوبي وإثيوبيا، قائلا إن الرياض تتبع سياسة غير حكيمة تجاه هذين البلدين.

لم يفسح الرئيس السوفيتي للأمير مجالا ليقول كلمة واحدة. ومما زاد الأمر تعقيدا أن المترجم كان يتكلم العربية الجزائرية فقط، وبالكاد كان الأمير يفهم ما يقول. وعندما عرف بندر أن ليس لدى السوفييت مترجمون يتحدثون باللهجة السعودية، قاطع غورباتشيف وطلب مترجما إلى الإنجليزية. وبعد تغيير المترجمين تابع غورباتشيف هجومه الكلامي.

وفي محاولة لأخذ بعض الاستراحة من الحملة المفاجئة، طلب بندر بتهذيب أن يشرب. لكن الغضب أخذ يستبد به فيما واصل غورباتشيف هجومه. قال بندر: " إنه ذو شخصية عظيمة، مفعم بالحياة، ديناميكي ، انفعالي، يشير بيديه كثيرا، وبعد برهة حان دوري".

طلب بندر قهوة لأن إعدادها يتطلب وقتا أطول. وأتاحت له هذه الوسيلة فسحة كي يوضح لغورباتشيف أنهم لا يرون أن في مصلحتهم رؤية الاتحاد السوفيتي يحتل بلدا مسلما. وشبه الأمر بما جرى للأمريكيين في فيتنام، مشددا على أن الاتحاد السوفيتي لا يستطيع أن يربح هذه الحرب لأنها حرب استنزاف وخسائرها فادحة.

بعد أن ابدى بندر وجهة نظره، أثنى دبلوماسيا على الاتحاد السوفيتي وقال إن على الاتحاد السوفيتي، كدولة عظمى، أن يحض على السلام في العالم، لا أن يشن حروبا. وأضاف أنه لو كان الرئيس مهتما، لشعر أن ثمة إمكانية للتوصل إلى ترتيب يستطيع الاتحاد السوفيتي بمقتضاه أن ينسحب من أفغانستان من خلال حل مشرف.

بيد أن غوباتشيف شدد هجومه قائلا: " لا مصلحة لكم في أفغانستان وأنا أعر كل ما تفعلونه هناك. إنكم تنفقون سنويا 200 مليون دولار في أفغانستان".

تدخل بندر فقال: " مهلا، من الخطير أن تكون لدى زعيم قوة عظمى معلومات خاطئة". فأجاب غورباتشيف فورا: "لا . يمكنني أن أثبت ذلك: لدينا الدليل".

فرد بندر: " اسمعني أرجوك، سيدي الرئيس، نحن لا ننفق 200 مليون دولار سنويا إننا ننفق 500 مليون دولار. ثم أضاف ك" ونحن مستعدون لإنفاق المزيد".

كانت تلك ورقة السعوديين الرابحة . فالقوات السوفيتية وقوات الحكومة الأفغانية لم تكن تتكبد في أفغانستان خسائر جسيمة فحسب، بل إن الجيش السوفيتي فقد فعلا السيطرة على الريف أمام المجاهدين. كان الاتحاد السوفيتي يخسر الحرب، وكان احتمال أن تواجه قواته مقاومة أكثر قوة وأحسن تسليحا بل وأوفر تمويلا احتمالا بغيضا.

قال بندر: " أنتم تفقدون أرواحا، ونحن نخسر أموالا، لكن في إمكاننا دائما طبع المزيد، وفي إمكاننا دائما بيع المزيد من النفط". وأكد أن السعوديين والأمريكيين لا يخسرون سوى الأموال، بينما يخسر الاتحاد السوفيتي العتاد والأرواح والهيبة.

عندئذ قال غورباتشيف بهدوء: " أريد أن أكلمك على انفراد". دخل بندر وغورباتشيف إلى مكتب الرئيس السوفيتي، حيث قال غورباتشيف بإذعان: " إذا لم نتعرض لضغط أو إذلال أو استغلال، فسنغادر. يمكنك أن تبلغ الملك فهد أننا سنغادر أفغانستان بحلول مارس المقبل".

ذهل بندر. وعند التفكير في الأشياء بعد حدوثها، رأى أن النقد العنيف السابق كان للاستهلاك المحلي، ولإرضاء أعضاء المكتب السياسي، ومسئولي الحزب الحاضرين. ففي اجتماعهما المنفرد في مكتب غورباتشيف كان هناك ثلاثة أشخاص فقط، بندر وغورباتشيف ودوبرينين. وكان المتشددون في الكرملين يعتقدون أنه إذا صمد السوفييت فترة أطول، فسيتراجع السعوديون بفعل التهديد الذي تشكله البلدان المحيطة بهم والدائرة في الفلك السوفيتي.

وكانوا يعتقدون أيضا أن الأمريكيين لا يستطيعون دعم الحرب في بلد مسلم من دون السعوديين والباكستانيين، وأن باكستان لن تواصل دورها في القتال إذا انسحب السعوديون. لكن غورباتشيف تراجع عندما أدرك رسالة بندر الصريحة أن السوفييت لا يمكنهم الانتصار. وانتهى الاجتماع بتوجيه غورباتشيف الشكر إلى الأمير على صراحته قائلا: " لقد حصلت على اتفاق، فلنضع تفاصيله" . ولم يبق إلا ترتيب الاتفاق الرسمي.

وعلى هامش حكاية اجتماعه بغورباتشيف ذكر بندر: " من أطرف قصص تلك الحرب أن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) والاستخبارات السعودية أصبحتا أكبر مشتريتين للحمير في العالم".

وأوضح وهو يضحك

" قمنا بشحن عدد كبير من الحمير لماذا؟ لأنك لا تستطيع إرسال شاحنات ودبابات وطائرات إلى أفغانستان. لذا حصلنا على كل تلك الحمير بالذخائر وأرسلناها عبر الجبال إلى أفغانستان وكان في ذلك البلد الشاسع مئات الحمير التي تجوب كل مكان. وكنا نتندر بالقول إن الحمير تهزم دبابات 72-t والمروحيات السوفيتية. لقد كانت تلك طريقة فعالة لإرسال الذخائر والأسلحة وأجهزة الاتصال إلى أماكن لا يستطيع أحد الوصول إليها".

روى بندر بعد التأمل في ما تلا لقاءه بغورباتشيف، كيف أن الرئيس السوفيتي استدعى بعد أسبوعين الرئيس الأفغاني، محمد نجيب الله، إلى الاتحاد السوفيتي، وقد اجتمع الاثنان في سمرقند. وأكدت معلومات الاستخبارات الأمريكية لاحقا أن غورباتشيف قال للرئيس الأفغاني: " سأعطيك ما تحتاج إليه للقتال، أما أنا فسأرحل بحلول مارس. فإذا كنت لا تستطيع الاعتناء بنفسك بعدذ لك، فهذه مشكلتك بين الآن ومارس، سأعطيك الأسلحة وكل ما تريد لكنني سأرحل بعد ذلك؟ وقال بندر مستبشرا :" والباقي تاريخ".

بعد توسط بندر لدى غورباتشيف في أوائل سنة 1988، استدعي مجددا ليؤدي مهمة أخرى في موقع قريب من الوطن هذه المرة. ففي خريف 1980 غزا العراق إيران، مشعلا حربا امتدت ثماني سنوات دامية وأزهقت أرواح أكثر من مليون إنسان.

ساندت أمريكا العراق انطلاقا من أن النزاع يدور بين دولة علمانية حديثة، وإن قاسيى (العراق)، ودولة إسلامية أصولية ومتشددة ومتقلبة، يديرها رجال الدين (إيران) وقدم البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية لصدام حسين تقارير استخبارية وأرسلتا إلى العراق أسلحة بمليارات الدولارات.

لكن إذا ربح العراق الحرب فسيبرز صدام حسين كأقوى عيم في الخليج، وذلك وضع غير مستساغ لدى الولايات المتحدة، كما اعترف لاحقا أحد مسئولي إدارة ريغن حين قال: " أردنا تحاشي انتصار كلا الجانبين".

في سنة 1983، تراجع احتياطي العراق من العملات الأجنبية من 30 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار، وسجلت تكاليف المعيشة ارتفاعا حادا، وانخفضت قيمة الدينار وسرعان ما اصبح العراق يعتمد بشكل كامل تقريبا على القروض المقدمة من المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

أفيد أن القادة السعوديين حضوا صدام حسين في الفترة السابقة للحرب على شنها ضد نظام إيران الأصولي، ملمحين إلى أن الرئيس كارتر أعطى " ضوءا أخضر" للغزو، بعد أن أصابه إحباط نتيجة عجزه عن تأمين إطلاق سراح الأمريكيين الاثنين والخمسين الذين احتجزتهم إيران.

وأطلع كبار القادة العرب - بمن فيهم الملك فهد - وزير الخارجية ألكسندر هيغ، خلال رحلة له إلى الشرق الأوسط في أبريل 1981، على قرار الضوء الأخضر من كارتر، وزعم أن هيغ دون ملاحظة بهذا الشأن في تقرير نقاط المحادثات الذي أعده ليرفعه إلى الرئيس ريغن بعد اختتام رحلته . غير أن الملك فهد لم يشجع صدام حسين على توجيه ضربة إلى النظام الأصولي الجديد، بل حذره من شن أي هجوم.

وقد أوضح بندر أنه قبل اندلاع الحرب

"تشاور الملك فهد مع صدام حسين مباشرة فأبلغه صدام أنه يعتزم تلقين الإيرانيين درسا. فقال له فهد إذا كنت تريد نصيحتي ، ابتعد عن القتال،فإيران في حالة فوضى بعد الثورة، دعها وشأنها. الإيرانيون منهمكون في مقاتلة بعضهم بعضا.
ولنر كيف سيستقر الأمر في النهاية، وعندئذ نتعامل مع من يخرج منتصرا. سينشغلون بمشكلاتهم إلى حد ما، وسيكثرون من الخطابات لكنهم لن يزعجونا. غير أن صدام حسين أصر على القول إنه سيمضي حتى يصل إلى طهران، ويجذب الخميني من لحيته"

صاح بندر غاضبا:

" تحدث عن الغطرسة وأوهام العظمة. لذا قال الملك فهد لصدام، غذا لم أستطع إقناعك، فبالله عليك أن تترك الأمور عند المناوشات الحدودية، ولا تدخل الأراضي الإيرانية تحت أي ظرف من الظروف. إنهم الآن في حالة فوضى، جيشهم في فوضى، وسياستهم في فوضى. لكن إذا دخلت أرضهم، فإنك ستوحد الإيرانيين، وستقاتل بلدا لديه ستون مليون نسمة، ومقدرات وفيرة وقدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة، وذلك ليس في مصلحتك ولا في مصلحتنا".

تابع بندر إيجاز ما دار إجمالا بين فهد وصدام حسين

" لا حاجة إلى القول إن صدام أبلغ الملك فهد بعد مرور ثلاث سنوات، ليتني سمعت نصيحتك، لأنني أريد فض الاشتباك. وكان الملك قد أبلغه في اللقاء الأول، يا صدام الذهاب إلى الحرب قرار يعود إليك، لكن فض ليس قرارك : لابد أن يوافق الطرف الآخر. لذا، أجل يمكنك المضي وفقا لقرارك، لكن حين ترى أنك اكتفيت وتريد التوقف، لا يمكنك أن تضمن موافقة الطرف الآخر. ربما يقرر ذلك الطرف مواصلة القتال، وبذلك ستصبح رهينة قراره بالتوقف أو عدم التوقف".

ولاحظ بندر

" وهكذا انتهى الأمر بهم إلى حرب استمرت ثماني سنوات تقريبا. وخلال السنتين الأخيرتين، كانت الكفة تميل إلى صالح الإيرانيين، ومع أن العراقيين كانوا يحتلون مساحات واسعة من إيران، فقد أخرجوا منها وأخذت الخسائر تتصاعد. دمرت البنية التحتية وأهدرت المقدرات الوطنية، وارتفعت الخسائر البشرية على نحو غير عادي بين قتلى وجرحى. لقد انهارت أمام انظارنا كل البنى التحتية التي أقامتها إيران والعراق خلال السنوات العشرين أو الثلاثين الماضية"

وشدد بندر:

" إذا لم نفهم هذا الأمر فلن نفهم لماذا طلب الملك فهد في سنة 1990 العون من العالم لتفادي حرب تدمر كل ما بنيناه في بلدنا، البنية التحتية والمدارس والمستشفيات والموانئ والمطارات. من أجل ماذا؟ لتمضية ثماني سنوات من الحرب وينتهي الأمر إلى تعادل".

قال بندر إن فهم موقف المملكة العربية السعودية خلال الحرب الإيرانية العراقية وأسبابه الجذرية شرط أساسي لأي تقدير لسياسة المملكة الخارجية العراقية وأسبابه الجذرية شرط اساسي لأي تقدير لسياسة المملكة الخارجية وطموحاتها الاستراتيجية.

ورأى أن الحرب وقعت عندما كان الشرق الأوسط يشهد تغيرات هائلة بدءا بسقوط شاه إيران، والثورة التي تولى فيها آية الله الخميني السلطة. واعتبر بندر أن الأمر ينطوي على مفرقة، لأن الشاه لم يكن صديقا للسعوديين بل كان عدائيا.

وشرح بندر ذلك

" في تلك الآونة كان الأمريكيون يسلحون الشاه إلى أبعد حد، واعتقدوا ظنا منهم أنه سيكون عامل استقرار في منطقة غير مستقرة. لكنه أخذ يبدي طموحات إقليمية. ففي أوائل السبعينيات زعم أن البحرين إيرانية، وذلك من المحرمات بالنسبة إلينا".

نتيجة لذلك قال بندر: " كانت علاقتنا معه دائما حسب الأصول، لكن كانت بيننا شكوك متبادلة". وفي ملاحظة شبيهة بموقف العائلة المالكة السعودية اليوم، أشار إلى أن "الشاه قاد ثورة علمانية إلى حد بعيد وكان ذلك واحدا من أكبر أخطائه لأنه نسي أنه ملك على إيران المسلمة، لا ملك على فرنسا أو السويد. ومع أن التحديث وإضفاء الليبرالية ظاهرتان صحيتان وطيبتان، فإنه مضى بهما إلى أبعد الحدود، مثلما مضى الخميني بالثورة إلى طريق إسلامية متطرفة".

وقد أثارت اندفاعة الشاه نحو العلمانية قلقا شديدا لدى المملكة العربية السعودية ، كما قال بندر ملاحظا أن هناك فارقا بين منح المرأة حق اختيار تغطية وجهها أو عدم تعطيته، ومنعها بقوة القانون من تغطية وجهها.

وهكذا أثار الشاه من دون داع عداء الفلاحين والعمال والفئات الأدنى ثقافة من الشعب، ومنح رجال الدين سلاحا لمحاربته ونيل تأييد عامة الناس. لاحظ بندر أن المنطقي الافتراض من الناحية النظرية أ، حدوث ثورة إسلامية في الجوار يجب أن يقرب المملكة العربية السعودية من إيران لأن المملكة بلد إسلامي محافظ.

وقال:

" هنا صح القول المأثور عدو حكيم خير من صديق أحمق. فبدلا من أن يمد المنتصرون في الثورة الإيرانية يد الصداقة غلى جيرانهم ويكسبوا اعترافهم وتأييدهم فيما يتعاملون مع التغيرات العميقة في بلدهم، أعلن الخميني أن العراق وكل بلدان الخليج - ومنها المملكة العربية السعودية - أعداء، لأنها تنتهك المقدسات وكافرة. وظن أن رياح الثورة ستكتسح العراق وتهب جنوبا وصولا إلى الخليج".

وأوضح بندر أن نزعة الخميني القتالية أرغمت بلدان الخليج على اتخاذ موقف ضد إيران، واعتبار أنها تشكل تهديدا حقيقيا. وقال

"أعتقد لو أن الخميني لم يهدد بتصدير الثورة غلى بلدان الخليج، ولم يتخذ موقفا معاديا للمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج في عظاته وخطبه، لما دعت المملكة ودول الخليج العراق في أثناء الحرب الإيرانية العراقية".

وأضاف بندر:

" ما لم يفهم الناس هذه الحقيقة، فإنهم لن يفهموا سبب إنفاق المملكة العربية السعودية 25 مليار دولار لدعم صدام حسين والعراق. كان من مصلحتنا وقف غيران عند الحدود العراقية بدلا من محاربتها على حدودنا. ولم يكن ذلك خيارا لنا، بل أرغمونا عليه". وفي ملاحظة عن أخطار حكم الفرد، أضاف بندر: " مرة أخرى، كل ذلك خطأ في الحساب، حيث يتخذ الأفراد قرارات انفعالية بدلا من التفكير عبر مؤسسات واتباع الحكمة".

ولاحظ بندر متذكرا وجهات النظر المختلفة التي راقب منها الأحداث المتكشفة في الخليج، أنه كان في سلاح الجو لدى قيام الثورة، وأنه شارك لأكثر من عام في الدفاع عن المنطقة الشرقية من المملكة. وكطيار حربي، انتدب للعمل هناك كتدبير طارئ، تحسبا لتحول الأمور إلى الأسوأ.

وقال

" أذكر عند اندلاع لحرب بين إيران والعراق أعلنا حالة التأهب القصوى في قاعدتي في المملكة. اعتقدنا لمدة أسبوع أو نحو ذلك أن الأمر لا يعدو كونه صدامات حدودية، لكن مر خمسة وخمسون يوما من دون أن أغادر القاعدة، وبقي السرب في حالة تأهب. وكان ذلك عندما أدركنا أن الحرب ستكون طويلة".

وتابع

" أذكر أننا عملنا مع العراقيين لإعطائهم معلومات أواكس، إذ كانوا ينوون ضرب أهداف في الجزء الجنوبي من إيران. وأذكر أن طائرتهم حطت في المملكة لإعادة التزود بالوقود والعودة إلى الديار. لم تكن لديهم القدرة على إعادة التزود بالوقود، ولم تكن الطائرات بعيدة المدى".

وأضاف بندر متأملا :

" بطبيعة الحال، بعد مرور سنتين على تلك الحرب ومن موقعي المطل عسكريا في سلاح الجو، ذهبت إلى واشنطن ، لأجل صفقة طائرات أواكس أولا، ومن ثم لأصبح ملحقا عسكريا هناك. ثم أصبحت سفيرا وتعين علي التعامل مع الحرب الإيرانية العراقية التي تعرضت لها في البداية كرجل عسكري. وهكذا كان دوري من سنة 1982 حتى مطلع سنة 1988 متابعة " كيف يمكننا دعم العراق وضمان الدعم الأمريكي والغربي له ومواصلته بحيث نستطيع التغلب على إيران".

ولاحظ بندر:

" في سنة 1987 كان ثمة ما سمي حرب ناقلات النفط، حين بدأ الإيرانيون يهددون سلامة مرور النفط عبر مضيق هرمز. وتوصلنا إلى فكرة تبديل أعلام الناقلات بحيث ترفع الأعلام الأمريكية عليها، الأمر الذي أعطى أمريكا السند القانوني لحمايتها في أثناء دخولها الخليج وخروجها منه. لقد كانت فكرة أمريكية سعودية مشتركة".

تابع بندر بطريقة تهكمية:

" أعتقد أن ذلك يسلط الضوء بوضوح على أكذوبة ابن لادن أو القاعدة أو المتطرفين الذين يزعمون أنهم كانوا هناك لأن المملكة العربية السعودية أحضرت الأمريكيين والنفوذ الغربي. والحق يقال إنه لم يكن ثمة وجود عسكري أمريكي قبل ذلك. غير أن الإيرانيين بمهاجمتهم المياه الدولية وشريان النفط الدولي أجبروا الآخرين على الدفاع عن مصالحهم.
الإيرانيون هم سبب الوجود الدولي والأساطيل البحرية الدولية في الخليج. واتفق أننا استفدنا من هذا الوجود لا أكثر. فالعالم بحاجة إلى ذلك النفط، وكان عازما على الحصول عليه، وبخاصة غذا كان المصدر أي المملكة العربية السعودية، يريد بيعه".

وأكد بندر، مكررا السبب الأساسي لتعاظم الوجود العسكري البحري الغربي في الخليج:

" لا يمكنك مناقشة الأمر الآن ونسيان كيف بدأ بأكمله. المملكة العربية السعودية لم تأت بهم على الرغم من أننا حلفاؤهم. لقد جاء الأمريكيون بسبب التهديد الإيراني".

وأضاف بسرعة:

" حدث الأمر نفسه بالنسبة إلى القوات البرية حين غزا صدام حسين الكويت. فلو لم يفعل صدام حسين ذلك لما جاء نصف مليون أمريكي إلى المملكة العربية السعودية لمحاربته".

هز بندر رأسه وقال:

" هذه الدعاية ، هذه المغالطة، أن الإضطرابات التي نشهدها الآن، وأن السعوديين هم الذين أتوا بأولئك الناس، وكانت النتيجة الإرهاب وزعزعة الاستقرار، ذلك كله غير صحيح. بل إن سياسات الآخرين الفاشلة هي التي فرضت هذا الوضع".

قليلة هي النزاعات الحديثة الطويلة والدموية وعديمة الجدوى . فقد خلفت الحرب الإيرانية العراقية إرثا حافلا بالمعاناة. كان القتال مكلفا جدا - نحو 1.2 تريليون دولار - وكارثيا على إيران والعراق على حد سواء، إذ أوقف النمو الاقتصادي وأوقع الصادرات النفطية في فوضى، ويقدر أن مليون شخص قتلوا وجرح نحو 1.7 مليون شخص آخرين.

خرج العراق مثقلا بديون هائلة لمن سانده من العرب سابقا، بما فيها 14 مليار دولار أقرضتها الكويت، وهذا الدين كان سببا تذرع به صدام ليقرر غزو الكويت سنة 1990. وتضرر جزء كبير من صناعة النفط في كلا البلدين نتيجة الغارات الجوية، ومع ذلك تركت الحرب الحدود من دون تغيير.

ضربت أهوال الحرب سكان كلا البلدين. فلحقت خسائر فادحة بالمدنيين على جانبي الحدود نتيجة استخدام العراق أسلحة كيميائية، وقرار الخميني إرسال آلاف الشبان الإيرانيين إلى الموت في هجمات "الموجات البشرية"، التي زعم أنها ضمت أطفالا استخدموا لتطهير حقول الألغام، والاستخدام العشوائي للصواريخ في حرب المدن. يمكن إرجاع سبب هذا الصراع إلى نزاع حدودي في منتصف السبعينيات. ففي سنة 1974 قدمت إيران أسلحة إلى قوميين أكراد في شمال العراق، ما مكنهم من التمرد على الحكومة العراقية.

ولوقف التمرد توصل العراق في سنة 1975 إلى تسوية مع إيران بشأن الحدود عند مصب شط العرب، وهو الممر المائي الذي يشكل الحدود بين البلدين، فانتقلت ملكيته إلى إيران. وفي المقابل، أوقفت إيران تزويد الأكراد بالسلاح.

لكن العراق فقد بذلك منفذه إلى الخليج. وفي سنة 1980، غزا صدام حسين إيران، آملا في عكس تسوية الحدود، وآملا أيضا في كبح الدعاية الدينية التي توجهها الحومة الإسلامية في إيران ضد النظام العراقي العلماني.

اعتقد صدام حسين أن الثورة أضعفت قوة إيران العسكرية كثيرا، فتوقع الانتصار بسهولة. بيد أن انتصارات العراق العسكرية الأولية لم تدم طويلا، وبحلول 1982، كانت القوات العراقية قد دحرت من معظم الأراضي الإيرانية. فقد أخطأ صدام في تقدير عزيمة الإيرانيين وقدراتهم العسكرية. وبين سنتي 1982، و1987 تصاعد القتال، وبطريقة غير مباشرة جرت الهجمات على حركة الملاحة البحرية في الخليج دولا أخرى، ومنها الولايات المتحدة، إلى النزاع.

جرى إسكات محاولات الأمم المتحدة لتقصير أمد الحرب الإيرانية العراقية بصورة مثيرة للدهشة. فعندما هاجم العراق إيران في 22 سبتمبر 1980، انتظر مجلس الأمن الدولي أربعة أيام قبل أن يعقد اجتماعا. وبعد يومين، اصدر القرار 479، الذي دعا إلى وضع حد للقتال، لكن إيران رفضته بسبب تحيزه. وفي سنة 1984 قبل العراق وإيران تجميدا مؤقتا لقصف الأهداف المدنية رعته الأمم المتحدة. لكن القتال استمر.

وفي سنة 1985، أصدر مجلس الأمن "بيانا" هادئا أدان فيه استخدام الأسلحة الكيميائية، غير أن المجلس لم يشجب العراق صراحة بهذا الشأن إلا في مارس 1986، أي بعد مرور سنتين كاملتين على تأكيد فريق تابع الأمم المتحدة أن العراق استخدم أسلحة كيميائية.

وفقا لبندر، في سنة 1987 كان العراقيون يبحثون عن مخرج، لكنهم لم يتملكونا من فض الاشتباك. وعندما تجاوز الإيرانيون خسائرهم الأولى، استطاعوا رد العراقيين على أعقابهم، وبدأوا بالتوغل في الأراضي العراقية. وأوضح بندر أن السعوديين كانوا يعتقدون في ذلك الوقت أن لا مصلحة للإيرانيين بإنهاء الصراع.

ذات يوم في أواخر سنة 1987، تلقى بندر اتصالا من الملك فهد، أبلغه فيه أن صدام حسين اتصل به شخصيا. وأنه سأله إذا كان يمكن الطلب من بندر تكريس وقته لدعم وفد عراقي برئاسة وزير الخارجية العراقي طارق عزيز، الذي كان في ذلك الوقت في نيويورك يحاول عقد صفقة لوقف إطلاق النار.

وافق بندر واتصل بعزيز،الذي أوضح أنه يواجه مشقة في الحصول على دعم حقيقي من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي. وتبين أنه بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة وبريطانيا، لأن الصين وروسيا تقفان في مكان ما في الوسط، وفرنسا تدعم العراق بالفعل.

في ذلك الوقت أخذ الأمريكيون والبريطانيون يضيقون ذرعا بأفعال صدام فقد ضبط متلبسا في محالوة صنع مدفع عملاق، وقام باعتقال غربيين في العراق ، بمن فيهم ممرضة بريطانية، وأعدم مواطنا بريطانيا من اصل إيراني. واكتشفوا لاحقا أن العراق كان يحاول شراء آليات قدح نووية. واتضحت أيضا معلومات عن استخدامه الأسلحة الكيميائية في حلبة.

اعترف بندر بشعوره الشخصي بالذنب بسبب قيام صدام بقتل المدنيين الأكراد بالغازات السامة في حلبجة. وقال: " لقد أخطأنا على المستوى الخلقي". وشدد على أنه كان يشير إلى الأمريكيين والبريطانيين والعالم الغربي والعالم العربي، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وأوضح أن الإيرانيين كانو في ذلك في ذروة هجومهم فقد اقتربوا من البصرة، والاستيلاء على البصرة يعني الاقتراب من الكويت ومن الحدود السعودية. " أثار ذلك الواقع مخاوفنا بحيث اخترنا ألا نرى ما يحدث، لا لأننا لم نكن نعرف. ولا يزال ذلك الاختيار يؤلمني".

تابع بندر القول:

" لقد بررنا الأمر أن صدام رجل سئ لكن الخميني أسوأ. لذا كان علينا الاختيار بين سيئ وأسوأ. نعم، ارتكب صدام أفعالا منكرة. لكننا ننظر إلى أشخاص يتوقع أن يأتوا أفعالا أنكر. لذا كان علينا التعامل مع الإيرانيين أولا وبعد ذلك نتعامل مع صدام". لكنه أقر بالقول: " في تلك الفترة، أعتقد أننا جميعنا أثرنا الشبهات حيال مواقفنا ومعتقداتنا الأخلاقية".
"أذكر يوم قمت ومسئولون كبار في الحكومة الأمريكية باستخدام المبرر نفسه للضغط على أعضاء في الكونغرس الأمريكي كيلا يفرضوا عقوبات على العراق بسبب ذلك (الهجمات الكيميائية). ويجب أن أقول إن قلة في الكونغرس منزعجة من ذلك ومصرة على فرض العقوبات.
لكن علي أن اقول أيضا إن مقولة الأمن القومي سادت مجددا - في السراء والضراء - ووافقت الأكثرية. أجل. ما يحدث سيئ حقا، لكن ما قد يحدث أسوأ. وهكذا أرى أن الجميع مذنبون. وأنا لست فخورا بكوني جزءا من ذلك الجهد لكننا نزداد حكمة بعد وقوع الحدث".

تمكن بندر في ما بعد من التكفير عن هذه الشائبة التي شابت ضميره من خلال عمله كوسيط. يلاحظ بندر متذكرا مساعيه:

" وجد صدام حسين والعراق فجأة أنهما فقدا نفوذهما لدى أعضاء الأمم المتحدة الدائمين. وفي هذه الأثناء، كان الأمين العام للأمم المتحدة خافير بيريز دي كويار يحاول التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وفي ذلك الوقت، بدأ التعب ينال من الإيرانيين لكنهم لم يكونوا متعبين بالقدر الكافي للتوقف من تلقاء أنفسهم. لكن إذا كان هناك مخرج ينقذ ماء وجههم، فسيقبلون به".

غير أن سلوك صدام لم يكن مسعفا. فقد تابع في الدعاية العراقية التصرف كأنه المنتصر، ما عقد كثيرا مهمة الذين يحاولون التوصل إلى تسوية. ولاحظ الأمير بسخرية مريرة : " أحبط ذلك أيضا القوى الغربية التي كانت تقول، مهلا - نحن نعرف الحقائق نحن نعرف أنك تخسر، إذا لماذا تخاطبنا كأنك قوة عظمى. عند ذلك توقفت الاتصالات وجمدت المفاوضات. وعندئذ تلقيت من الملك فهد تعليمات – بطلب من صدام - كي أشارك".

سأل الأمير بندر طارق عزيز مباشرة: " ما الأهم بالنسبة إليك؟" .

أجاب عزيز : " أن اجتمع بالأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن".

" لا مشكلة في ذلك". رد بندر: " أهذا كل ما تريده ؟ غذا مهمتي يسيرة".

"أجل " قال وزير الخارجية العراقي. " لكنني دعوتهم للاجتماع بي في السفارة العراقية فرفضوا".

" لم يثير ذلك دهشتك يا طارق؟ تأتي إلى نيويورك وأنت من يحتاج إلى المساعدة وتقول لهم وافوني في سفارتي؟ من تحسب نفسك؟عندئذ، ضحك الاثنان كما قال بندر. ووجد بندر الفرصة سانحة فألح على عزيز بالقول:" دعنا نذهب ونلتقيهم في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة".

رفض عزيز مجددا بصورة تدعو إلى الاستغراب، قائلا: " لا، لابد أن يكون اللقاء هنا (في السفارة العراقية) هذا ما أريده منك".

أجاب بندر على الفور:

" إذا كان هذا هو الشئ الوحيد الذي تريده مني وهذا هو موقفك النهائي، فإنني افضل العودة إلى واشنطن لأن ما تريده لن يتحقق. اسمع، سأدعوهم إلى فندقي ويمكنك أن تأتي، وعندئذ نعقد الاجتماع. فإذا كان مرادك الاجتماع، فما هم كيف يكون وأين يكون؟ عندئذ فقط وافق طارق عزيز على مضض.

بعد افتراقه عن الوزير العراقي، اتصل بندر بالبيت الأبيض وتن داوننغ ستريت وطلب منهما المساعدة بشكل غير مبارش: " لم أطلب منهما الاجتماع بطارق عزيز، بل بي فقط".

كان للسفير السعودي إلى الأمم المتحدة جناح خاص به، في فندق والدورف أستوريا، على غرار الممثل الأمريكي الدائم في الأمم المتحدة. وقد خطط بندر لعقد الاجتماع في جناح السفير السعودي. وطلب من ممثل المملكة في الأم المتحدة دعوة الممثل الصيني والفرنسي والروسي إلى اجتماع.

وافق الجميع على الحضور. ووصل السفراء الخمسة كافة في وقت واحد، وكانوا يتناولون الشاي الإنجليزي والبسكويت عندما حضر وزير الخارجية العراقي. ابتسم الأمير وهو يعلن: " ها نحن لدينا الآن لقاء بين الأعضاء الخمسة الدائمين وطارق عزيز".

ذكر بندر ذلك الاجتماع بغضب قائلا:

" تبين أن كل ما يريده طارق عزيز هو أن يقول لصدام حسين، جعلت الأعضاء الخمسة الدائمين يلتقون بي، لأنه لم يتزحزح في الاجتماع قيد أنملة. بل أملى موقفا متشددا". قوض طارق عزيز أي فرصة للاتفاق، وبعد الاجتماع، بدأ بندر العمل متشددا بشكل مباشر مع الأمين العام للأمم المتحدة.

أوضح بندر شارحا دوره: " لم يكن لي اتصال مباشر مع الإيرانيين بطبيعة الحال . كنت أستعين بدي كويار للتحدث إلى الإيرانيين، وكنت أتحدث مع العراقيين"

وأضاف:

" عندما تصاب الأمم المتحدة بالإحباط مع العراقيين، كنت أتولى وأتحدث باسمهم للحصول على صفقة أو تسوية. ومضى أسبوعان أو ثلاثة أسابيع بين أخذ ورد ، ثم انهارت المفاوضات لأن كلا الجانبين لم يتوقفا عن المساومة ، أو ظن كل منهما أن في وسعه الانتظار حتى يتراجع الطرف الآخر".

في عرض تفصيلي كاشف عن طريقة عمل الأمم المتحدة شرح بندر:

" على المرء أن يفهم أن ثقافة الأمم المتحدة تقلص الخطوط الوطنية الفاصلة بين الوفود . فهم يعيشون ويعملون ويأكلون في مبنى واحد. وبعد فترة من الوقت يصبح هناك تآلف حتى بين ممثلي الدول المتعادية. لذا ليست هناك أسرار يمكنك الاحتفاظ بها في ما يتعلق بالتكنيكات.
وقد بدأ الإيرانيون يشتبهون أن مواقف الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين تزداد تشددا حيال صدام حسين ويتساءلون لم نلم الآن؟ ولذلك اتخذوا موقفا أصلب. وعندما انهارت المحادثات تم ذلك بصورة رمزية: قال طارق عزيز ، إنني مشغول جدا ولا يسعني البقاء في نيويورك ، لذا سأعود إلى بلادي، إذا كنتم تريدون الاجتماع، فليكن في الشرق الأوط وسنلتقي هناك.وقال الإيرانيون حسنا ليكن في طهران لذا انفض الاجتماع".

بعد محاولات متكررة للتفاوض وفي مناورة أخذ ورد مطولة، رأي دي كويار وبندر أن الطريقة الفضلى لتحقيق تقدم هي عقد محادثات في جنيف. وتم ذلك بهدوء، ومن دون أي إعلان لكي تتسنى لهم أيام قليلة بعيدا عن تطفل الإعلام. مكث بندر في منزل أبيه في جنيف، وجرت الاجتماعات بين دي كويار ، وطارق عزيز، وبندر في السفارة العراقية في جنيف. وبدأوا ببطء ينظمون معا اتفاقا لوقف إطلاق النار.

قال بندر :

" أنجزنا نحو 98 بالمائة لكن دي كويار أخذ يعبر عن إحباطه، فقد تألم من تعجرف العراقيين، واصفا تباهيهم وفظاظتهم وإلى ما هنالك". حشي بندر احتمال انسحاب دي كويار من المشاركة في المباحثات فحرص على تهدئته.

ويقول الأمير:

"إنصافا للرجل - وكان مقتدرا وحكيما جدا- قال لن أنسحب. سأتابع الأمر. ومع ذلك رددت على مسامع العراقيين قد ينسحب فعلا". واعترف بندر بقوله " رددت تلك العبارة لحمل العراقيين على المتابعة".

على الرغم من سوء سلوك العراقيين وتهديداتهم الجوفاء، فقد تمكنا أخيرا من صياغة مسودة لاتفاق وقف إطلاق نار يستطيع كلا الوفدين نقلها إلى بلديهما. وبعد اسبوع أو عشرة أيام التقوا جميعا في نيويورك . وصل عزيز حاملا موافقة صدام حسين على الانطلاق بالمسودة، كما هي.

إلا أن الإيرانيين وافقوا على المضي قدما بالمسودة بعد إجراء تغييرات، تعديلات طفيفة لا تغير معنى الاتفاق أو تفرعاته القانونية. أوضح بندر أن التغييرات الطفيفة جعلت الاتفاق "أكثر استساغة عند الإيرانيين. وأجمع أعضاء الأمم المتحدة الخمسة الدائمين على أن لا مشكلة في ذلك".

وافق خافيير بيريز دي كويار وأعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمون، لكن رفض طارق عزيز. وبالنسبة إلى بندر، كان من غير المعقول أن يضرب العراقيون كل شئ عرض الحائط ويواصلوا الحرب، بعد كل هذا المجهود المحموم والمثبط، ومع ذلك، كان وقف إطلاق النار في مأزق خطير، وعزيز يرفض إدخال أي تغيير على نص الاتفاق. لذا ذهب بندر لمقابلته .

"لا يعني لا " أجاب الوزير العراقي بحزم. " لن أقبل التغيير". استشاط بندر غضبا وتجاهله، قائلا: " حسنا، لا يمكنني أن أفعل شيئا. سأرحل. واصلوا الحرب وسووا أموركم بأنفسكم".

ثم استدار ورحل. تبعه عزيز حتى أدركه وهمس في أذنه: " هل يمكنني أن أراك وحدك في الفندق؟" رد بندر عليه بالإيجاب، لكنه أقر أن الأمر لم يعد بعينه. شعر السفير السعودي إلى الأمم المتحدة، الذي كان مع بندر في ذلك الوقت، بالإحباط أيضا وقال له: " إنها غلطتك".

قال السفير:

" لأنك أقنعت العراقيين أن السفراء الممثلين للدول الكبرى جاءوا للقاء عزيز بفضله أو بفضل بلده. إنه لا يعرف أنهم أتوا لأننا نحن الذين جعلناهم يأتون، وها هو الآن يظن أن في وسعه أن يملي عليهم ما يشاء. ولذا أنت الذي أوحيت له بذلك".

سلم بندر بالأمر قائلا: " لعلك على صواب، لكنني أعتقد أن ثمة شيئا آخر، لننتظر ونر".

عاد بندر إلى الفندق، وتبعه عزيز بعد وقت قصير. طلب عزيز من بندر رفع صوت التلفاز ثم همس له: " لم أستطع أن أقول لك شيئا في سفارتنا لأن هناك من يراقب كل شئ ويسجله. إنني أوافقك الرأاي. هذا اتفاق جيد . ولكن سبب عدم قدرتي على تغييره هو أن صدام وافق عليه، ولا يمكنني أن أغيره حتى يوافق صدام".

أجاب بندر:

" ما المشكلة يا طارق؟ اتصل به وأبلغه أن هذا ما توصي به، فأنت في النهاية نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية".

انتفض عزيز فزعا وقال:

" أأنت مجنون؟ لا يهمني حتى لو استمرت الحرب عشر سنوات. لا أريد أن أفقد حياتي، إغضاب صدام يعني الموت". "حسنا . قال بندر:" سأتصل بالملك فهد، وأطلب من جلالته الاتصال بصدام بشأن التغييرات". " بشرط واحد". أجاب عزيز:" لا تخبره أننا تحادثنا".

وافق بندر وقال: " حسنا أعطني رقم هاتف صدام".

لكن عزيز رفض مجددا، إذ خشي أن يسأل صدام كيف حصل بندر على الرقم. وهكذا اتصل بندر بالملك فهد وأطلعه على الموقف، فطلب الملك من الأمير الاتصال بصدام بنفسه.

قال بندر لعزيز:

" طلب مني الملك الاتصال برئيسك، وسأتصل به الآن. لكنني لست سوى سفير وأنت وزير خارجية. لم لا تتصل أنت به؟".

رد عزيز عليه بحدة: " لا عليك، اتصل به أرجوك".

وهكذا اتصل بندر بصدام.

يذكر بندر أنه حين تكلم إلى صدام: " أجاب بطريقته المتغطرسة الفصيحة، مرحبا يا ابا خالد. بدلا من مناداتي باسمي، ناداني باسم ابني." وتبادلا بعض عبارات المجاملة ثم قال بندر: " لقد أنهينا عملنا تقريبا، لكن لدي شكوى. لقد توقفنا عند كلمتين لابد من تغييرهما ووزير خارجيتك فير موافق".

وشرح الأمير:

" كان طارق يصغي إلي. فأشرق وجهه. كان سعيدا للغاية لأنني أخبرت صدام أنه لم يوافق".

وذكر الأمير كيف قهقه بعجرفة وقال: " أجل، طارق عزيز رجل طيب، صعب المراس أحيانا، لكنه رجل طيب".

قال بندر:

" إنني بحاجة حقا إلى دعمكم، يا فخامة الرئيس. هل لكم أن توعزوا إليه بالموافقة بحيث نستطيع إبرام الاتفاق؟".

أجاب صدام:

" يا بندر، أنت لا تمثل المملكة العربية السعودية فقط، أنت تمثل العراق والمملكة العربية السعودية، وأي شئ توافق عليه، أقبل به

رد بندر:

" هذا شئ رائع، لكن رجلك يبدو عنيدا جدا".

أجاب صدام: " سنبعث برسالة إليه".

اسر بندر بالقول:

" طبعا، لم أقل له إن طارق كان يصغي إلى المحادثة. وضعت سماعة الهاتف وقلت في نفسي ، لو لم تكن ههذ مسألة حياة أو موت لكانت عرضا هزليا".

وختم بندر:

" في اليوم التالي توصلنا إلى اتفاق وقعه المعنيون، وما تبقى تاريخ".

الفصل السابع: الخليج ينفجر

"تذكر ، يا جورج، هذا ليس وقتا للتردد".

مارغريت تاتشر

3 أغسطس 1990

في 2 أغسطس 1990، فيما كان الرئيس صدام حسين يشاهد قواته تجتاح الكويت، تساءل العالم المذهول عما إذا كانت المملكة العربية السعودية وحقول نفطها المهمة سيكونان الهدفين التاليين.

وفي 3 أغسطس استدعى البيت الأبيض الأمير بندر، بعد عودته من لندن، ليطلعه مستشار الأمن القومي الأمريكي، الجنرال برنت سكوكروفت على التهديد العراقي. وخلال ذلك اللقاء، عرض الرئيس بوش على السعوديين دعما عسكريا فوريا وقدم ضمانته الشخصية أن تتابع الولايات المتحدة الأمر حتى النهائية إذا أرسلت قوات أمريكية إلى المملكة.

خلال حشد القوات استعدادا لحرب الخليج الأولى، تميز عمل بندر بأهمية استراتيجية حيوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وعزز دوره الفريد، الذي كان باعتراف برنت سكوكروفت نفسه، أكثر من دور أي دبلوماسي بكثير.

"كان بندر وسيطا بارعا للملك فهد، برتبة تعادل مرتبة وزير في الحكومة السعودية. وكان الملك يستشيره باستمرار. ولهذه الأسباب كنا نعرف أنه قناة مميزة بين الولايات المتحدة والملك فهد". قناة مميزة جدا، في الواقع، بحيث قيل إن "إرسال القوات الأمريكية ارتبط لاحقا بالصداقة الشخصية بين جورج بوش والأمير السعودي بندر".

لم يكن توسط بندر مقتصرا على البيت الأبيض. إذ يذكر اللورد تشارلز باول، السكرتير الخاص لرئيسة الوزراء مارغريت تاتشر: " في الأشهر التالية، كان يتردد على تن دواننغ ستريت ناقلا آراء سعودية بشأن التحضيرات للحرب وكل ما يتعلق بها. كانت تلك الفترة من العلاقة بينهما حافلة بالنشاط على نحو خاص".

متذكرا تلك الأوقات العصيبة، قال باول إن رئيسة الوزراء البريطانية كانت تعرف أنه عندما يقول بندر:

" هذا ما يريده الملك أو ما يمكن أن يوافق عليه، يكون الأمر كذلك. وهذا ما يقدر عاليا في أي موفد أو وسيط: أن يستطيع التحدث بثقة باسم الشخص الآخر. ويمكنني أن أضيف أن الحال كانت كذلك، على وجه الخصوص، في أثناء الاستعدادات للحرب وفترات الأعمال العدائية".

أقر برنت سكوكروفت في المقابلة التي أجريتها معه أن دور الأمير في تلك الأيام الأولى كان أساسيا وأن اجتذابه إلى قلب الإدارة بالذات كان ضروريا. وأكد سكوكروفت أيضا على أن الأمير كان ضالعا في التخطيط العسكري في مرحلة مبكرة جدا. وقد لوحظ في أثناء حرب الخليج الأولى أن بندر أصبح " بمثابة عضو فعلي في مجلس الأمن القومي".

وكان منذ البداية يواكب بشكل منتظم خطط الإدارة وتفكيرها. ولا شك في أن ذلك المنفذ يرجع إلى صلته الوثيقة بالملك السعودي. وعن علاقة بندر بفهد، يقول سكوكرفت: " لم يكن هناك سواء تقريبا، لم يكن في وسعنا استخدام سفيرنا". وأضاف، في ما يشبه فكرة لاحقة: " في الواقع لم يكن لدى سفيرنا المنفذ الذي نحتاج إليه. كنا بحاجة غلى من يستطيع الوصول إلى الملك على الفور وكان بندر الاختيار الواضح".

فاقم الفراغ بين الدبلوماسية الشرق أوسيطة والدبلوماسية الغربية من أزمة الخليج. ففي اجتماع بين صدام وحسين والسفيرة الأمريكية إلى العراق أبريل غلاسبي، في 25 يوليو 1990، قالت غلاسبي: " كما تعلم، نحن (الولايات المتحد) لا نتخذ موقفا من النزاعات على الأراضي". وقد أساء الرئيس العراقي تماما تفسير هذا الإعلان من غلاسبي واعتبر ضمنا أن الولايات المتحدة ستتغاضى عن الاستيلاء على الكويت بالقوة.

وفي عبارة غامضة أحدثت تبعات هائلة، قالت غلاسبي لحسين: " الرئيس بوش رجل ذكي. فهو لن يعلن حربا اقتصادية على العراق... لا رأي لنا بشأن النزاعات العربية العربية كخلافكم الحدودي مع الكويت". وافترض صدام أن الكلب الأمريكي سينبح لكنه لن يعض. وبعد ثمانية أيام، وجه صدام جيشه إلى الكويت، وأطلق اجتياحا تطلب رده على أعقابه 500,000 جندي أمريكي وحصد أرواح آلاف الضحايا.

مهد بيان مماثل من مارغريت توتويلر، الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، لكلام السفيرة غلاسبي قبل يوم واحد فقط من اجتماعها بصدام حيث قال في يوليو 1990 على مراقبة أي قبل غزو العراق للكويت بتسعة أيام: " لا توجد بيننا وبين الكويت أي معاهدة دفاع، وليست لدينا التزامات دفاعية أو أمنية تجاه الكويت".

لكن على الرغم من تلك التصريحات الرسمية، عملت الاستخبارات الاستخبارات الأمريكية طوال شهر يوليو 1990 على مراقبة القوات العراقية التي كانت تحتشد على الحدود الكويتية منذرة بهجوم وشيك على الكويت. كان هناك تاريخ من العداء بين العراق والكويت، إرث يعود إلى قيام القوى الغربية الكبرى بتقسيم العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى.

وقد قيد هذا التقسيم كثيرا منفذ العراقيين على الساحل، وأشعل نزاعات حدودية بشأن تقسيم حقل نفط الرميلة الغني، وملكية مناطق مختلفة، منها جزيرة بوبيان، التي تسد بشكل استراتجي ميناء وقاعدة أم قصر البحرين العراقيين وازدادت التوترات حدة بعد انتهاء حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران.

كانت الكويت مصدر دعم كبير للعراق خلال الحرب الإيرانية العراقية، وقد أخذت بعد الحرب تطالب بالأربعة عشر مليار دولار التي كان العراق قد اقترضها منها، فيكا كان صدام حسين يشكو بمرارة من قيود أوبك، وهبوط أسعار النفط. وعزا ذلك الهبوط إلى الكويت والإمارات العربية المتحدة، متهما إياها بالإفراط في إنتاج النفط.

كان الجنرال نورمان شوارزكوف يراقب انتشار القوات العراقية بتوتر، وعندما طلب منه وزير الدفاع ديك تشيني تقييم تحركات القوات العراقية، أجاب: " أعتقد أنهم ، العراقيون، سيهاجون. لكنهم سيستولون على الرملية وبوبيان ثم يتوقفون". وعندما سئل لاحقا عما يجب أن تفعله الولايات المتحدة في حال حدوث ذلك، قال: "لا شئ على الإطلاق، العالم لن يهتم. وسيكون ذلك أمرا واقعا".

دفع تواتر الأنباء عن الاضطراب العراقي وموقف صدام حسين المتزايد تهديدا للكويت، المملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة لوضع قواتها في حالة تأهب. وأحجمت المملكة العربية السعودية والكويت عن طلب مساعدة من الغرب.

غير أن الإمارات طلبت طائرات صهريج أمريكية لتشارك في عمل عسكري مشترك، ولي طلبها. وعندما ألح على الإمارات بالسؤال، أصرت على القول إن طائرات الصهريج جزء من إجراء تدريبي روتيني، وشددت تحديدا على تصميم العرب على التقليل من أهمية أي تدخل خارجي في ما يعتبرونه نزاعا خاصا بين "أهل البيت".

انزعج بندر من "عملية العدالة العاجية" - وهو الاسم الذي عرف به قيام الولايات المتحدة بنشر طائرات الصهريج - وشعر أنه لم يكن على الإمارات أن تطلب مثل ذلك التدخل الذي ربما يشكل تهديدا للدبلوماسية الأمريكية في المنطقة ويزعج الدول العربية المحافظة، على الرغم من ارتياحه لاستجابة الأمريكيين إلى طلب المساعدة من حليفتها العربية.

على الرغم من قلق الغرب المتزايد، كرر الرئيس مبارك والملك فهد تأكيداتهما أن العراق لن يهاجم الكويت. وفي واشنطن "كان بندر يقول للجميع لا شئ يدعو للقلق. ولم يطلب الكويتيون المساعدة". وكان الاعتقاد الراسخ أن في الإمكان معالجة مظالم صدام حسين ضمن نطاق الأسرة العربية أيا يكن شكلها. وقد شكل هذا الخطأ المطلق في الحسابات خلفية للغزو الذي نزل على العالم العربي نزول الصاعقة.

خدع بندر، مثلما خدعت غلاسبي. فقد كان الوثوق بكلام صدام حسين خطأ جسيما في الحكم، خطأ أساء تفسير خطط الزعيم العراقي تماما. ولم ينف بندر وجود ما يدعو إلى القلق أمام واشنطن فقط، بل إنه طمأنت مارغريت تاتشر أيضا أن صدام يتظاهر ليس إلا ولن يحدث أي غزو.

تحدث كولن باول عن سوء قراءة بندر للموقف على الأرض، فقال: " لقد أقسم أن الاجتياح لن يقع، وكانوا كلهم يقولون لنا إنهم (العراقيون) لن يقدموا على ذلك. وظللت أقول له، يا بندر عليك مراجعة الاستخبارات، ثمة شئ غريب هنا. وظلوا مصرين على في وسعهم السيطرة على الموقف". لكنهم لم يستطيعوا.

يقول بندر في إعادة لسرد الوقائع المؤدية إلى الحرب:

" قبل الغزو بأسبوعين، بدأ العراق نزاعا شفهيا مع الكويت بخصوص أسعار النفط. ثم أخذ يحشد قواته. تحركت المملكة العربية السعودية على الفور، وبدأت محادثات مع كل من العراق والكويت". وفي محاولة لنزع فتيل المشكلة المتفاقمة، وبدأت محادثات مع كل من العراق والكويت". وفي محاولة لنزع فتيل المشكلة المتفاقمة، أرسل وزير الخارجية السعودي إلى العراق لمقابلة صدام.

قال سعود:

" إنكم تحشدون قواتكم ولديكم مائة ألف جندي على الحدود الكويتية هذا ينذر بالخطر".

أجاب صدام المغرور مستبعدا ذلك:

" ايها الأمير سعود، لسن بحاجة إلى مائة ألف لو كنت أنوي غزو الكويت، يكفي عشرون ألفا هذه مجرد تدريبات سنوية، لا تقلق بشأنها".

بعد ذلك أعد الملك فهد لقاء قمة بين الكويتيين والعراقيين في جدة، لكنهم لم يتوصلوا إلى حل . وافق الكويتيون على التوجه إلى بغداد والتحدث إلى العراقيين على انفراد. فإذا توصلوا إلى اتفاق، فسيكون ذلك عظيما، وإذا لم يتوصلوا تدعو المملكة العربية السعودية عندئذ إلى اجتماع قمة في المملكة يحضره صدام حسين، وأمير الكويت، والرئيس مبارك، والملك حسين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ويحاول السعوديون حل النزاع.

سر بندر عندما وافق العراقيون والكويتيون على الاجتماع في جدة لإجراء محادثات، لذا لم تخفه تهديدات صدام باستعمال القوة. وبدلا من ذلك توجه في 31 يوليو 1990 إلى انجلترا ليبدأ إجازة يستحقها ومعدة مسبقا في الصين، مطمئنا أن الأوضاع في الخليج قابلة للمعالجة وتحت السيطرة. ولم يكن يدور في خلده أن العراق سيشن هجوما واسع النطاق على الكويت بعد ساعات ن وصوله إلى لندن. كان مصير المملكة وبقاؤها في خطر. وفقدان حقول النفط السعودية والكويتية يعني ضياع الاقتصاد العالمي أيضا.

اعترف بندر قائلا:

" لطالما شعرت في حياتي العامة، على الرغم من كل الخلافات التي شهدتها وكان علي التعامل معها في العالم العربي، أن من الممكن إنقاذ الحد الأدنى المطلوب. وأن الشعب العربي يتناسى خلافاته عندما تدعو الحاجة القومية إلى الوقوف معا. لكن ما حدث للكويت فريد في نوعه، لقد كان شديد الوقاحة والغطرسة والعنف بحيث يدعو إلى التشكيك في الموقف العربي كله على نحو لم أعهده من قبل"

لقد خدع صدام أشقاءه العرب وكذب عليهم عمدا، ولم يعد يمكن الوقوف به. صدم بندر بهذه الخديعة. بل إن غزو الكويت وضمها لاحقا هز العالم العربي بأسره. وكان الهجوم بحد ذاته أقل على زعماء الشرق الأوسط من نفاق صدام الصارخ واستخفافه بالأخوة العربية .

شدد بندر دائما في المقابلات الكثيرة التي أجريت معه في أثناء الحشد لحرب الخليج، عل الغطرسة التي تتسم بها أعمال صدام، وكيف زادت إساءته المتعمدة لثقة الزعماء العرب الخطر الذي يشكله بالفعل.

" لقد غزا الرئيس صدام حسين دولة عربية شقيقة مستقلة، وعضوا في جامعة الدول العربية. أخبرنا قبل ذلك أنه لن يقدم على الغزو، وأبلغ الرئيس بوش والرئيس غورباتشيف أنه لن يقدم على الغزو. ثم غزا. وأبلغنا بعد ذلك أنه سينسحب ولم يفعل. ثم قال إنه لن يحرك قواته جنوبا، لكنه حركه. ثم قال إن لا مطامع إقليمية لديه ضد الكويت ثم ضمها".

لخص بندر فحوى تصرف صدام، فقال بندر لجون ماكلولن:

" إن ما فعله الرجل يناقض كل منطق أو كل سلوك عربي وإسلامي، لا أستبعد شيئا من هذا الرجل" وأسهب في هذا التعليق في مقابلة في برنامج لاري كنغ لايف على محطة سي أن أن قائلا: " لو أنك سألتني قبل ساعة واحدة من غزو صدام حسين للكويت، وقدمت إلي السيناريو الذي انكشف، لضحكت منك وقلت إنه سيناريو غير معقول. ومع ذلك، حدث".

وأوضح بندر: " كنت معه قبل أربعة أشهر فقط، وأمضيت معه أربع ساعات". كان بندر يشير إلى اجتماع في 5 أبريل 1990 حين قام بمهمة دبلوماسية إلى بغداد للقاء الرئيس صدام حسين بطلب شخصي من الملك فهد، وذلك على أثر تصريحات نارية طنانة أطلقها الزعيم العراقي ضد إسرائيل . ففي محاولة للتعتيم على الأمر وكسب الوقت- لكن قد يكون السبب جزئيا اعتقاده أنه أفرط في النهديد- طلب صدام حسين من الملك فهد إرسال موفد خاص إلى بغداد.

خلال محاولة بندر التوسط، طمأنه صدام إلى أن ما قاله: " والله سنحرق نصف إسرائيل إذا حاولت القيام بأي شئ ضد العراق". لم يكن يشير إلى أي هجوم عراقي نووي محتمل على إسرائيل. وفي علامة على بداية إساءة تفسير الخطاب لدى الجانبين، أقر صدام لبندر أنه يتمنى لو ن خطابه صيغ بشكل مغاير، لكنه أصر على أن الولايات المتحدة تبالغ في رد فعلها ونفى بشدة وجود أي نية عدوانية وراء كلماته.

تحدث صدام عن احتمال تعرضه للهجوم وقال للأمير: " إذا هوجمت الآن (من قبل إسرائيل) فلن أصمد ست ساعات". وحمل السفير رسالة شخصية، "اريد أن أؤكد للرئيس بوش وجلالة الملك فهد أنني لن أهاجم إسرائيل". وكان حسين حريصا أيضا على أن يؤمن الأمير موافقة مماثلة من الجانب الإسرائيلي بعدم مهاجمة العراق.

وبطلب من الملك فهد، شرع بندر في إقناع الرئيس بوش بصدق صدام. وبعد مقابلة ثانية مع الرئيس، أمن بندر ضمانات إسرائيلية، عبر الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أن إسرائيل لن توجه إلى العراق ضربة استباقة. وعلى الرغم من جهود بندر، بقي بوش حذرا من خطاب الزعيم العراقي، قائلا: " إذا كان هذا الرجل لا يعني ما يقول ، فلم لا ينفك يردد هذه الأشياء؟".

من دون إدراك للعذر المنتحل الكامن وراء ضمانات صدام المفعمة بالحماسة، كانت أعمال بندر نظريا مثالا مألوفا على المفاوضات الدبلوماسية الشرق أوسطية - الغربية. غير أن إنجازه أضاف الملح إلى الجروح عندما نكث صدام وعده لاحقا واجتاح الكويت من دون أن يستنفره أحد.

عندما نقل بندر من دون أن يقصد أكذوبة صدام المقصودة، لم يستغفل فيضلل الرئيس بوش ورئيسة الوزراء تتشر فحسب، وإنما ضلل راعيه وعمه الملك فهد أيضا. وفي نظرة إلى الأمور بعد وقوعها، استخلص بندر بمرارة أن صدام استغله، واستغل موقعه الفريد، ليؤمن سلامة العراق من جهة إسرائيل، ما يفسح له المجال لتنفيذ عمليات في الشرق، على الحدود الكويتية. وقد اكتشف لاحقا أنه لم يكن للعراق لحظة الغزو أي جندي عامل على مجنبته الغربي.

عند التفكير في مهماته الدبلوماسية في أثناء التمهيد لحرب الخليج، يقول بندر متذكرا الاجتماع الذي طلب فيه صدام منه إقناع تاتشر وبوش أن لا نية لديه لقتال إسرائيل: " وهكذا أبلغنا الأمريكيين والبريطانيين أن ما نقل عن هذا الرجل خارج عن سياقه". وأضاف بندر أنه في نهاية لقائه به، أدلى صدام بملاحظة مرتجلة: " على فكرة ابلغ الملك فهد أن يتفضل بطمأنة بلدان الخليج إلى أنني لا أنوي غزوها".

سألت على الفور : "ماذا؟".

أجاب صدام: " لا تصدقوا الدعاية الإمبريالية الصهيونية".

قال بندر: " مهلا، هل اتهمناك بذلك؟".

"لا".

"هل لديك أي نية؟".

"لا".

قال بندر: " لم أفهم لم تقول لي هذا".

"لأن وسائل الإعلام الاستعمارية الصهيونية تحاول تسميم عقول بلدان الخليج الصغيرة".

أجاب بندر: " لا تشغل بالك بذلك. أرجو فقط ألا تكون لديك أي نوايا".

عند هذه النقطة في الحوار، هز بندر رأسه وقال:

" سبب لي ذلك ضيقا، وقد دونت ملاحظة بشأنه، جملة واحدة فقط في مذكرة من 18 صفحة كتبتها للملك فهد في مذكرتي أحطت تلك الجملة بنجوم وخربشات لأنني أمضيت رحلة ا لعودة إلى المملكة العربية السعودية وأنا أرقأ الجملة مرة تلو أخرى".

عندما قابل بندر الملك ليطلعه على خلاصة مهمته، طلب فهد من الأمير قراءة المذكرة كلها، قائلا: " لا تعطني انطباعاتك، اقرأ فقط ما كتبته". يذكر بندر لقاءه مع الملك قبل توجهه إلى بغداد، فيوضح أن الملك قال له: " لدي شك في سبب طلبه رؤيتك. لذا حين تذهب إليه، احرص على تدوين الملاحظات بدقة".

ويتابع بندر:

" وهكذا دونت الملاحظات، ودون سفيرنا في بغداد الملاحظات أيضا. وكان كبير الموظفين لدي يدون الملاحظات أيضا. جمعت الملاحظات كفة في مذكرة من 18 صفحة وقرأت الصفحات كلها على جلالته ولم يدل بأي تعليق حتى بلغت هذه الجملة".

قاطعه الملك: " توقف. أعد قراءتها".

كرر بندر الجملة ثلاث مرات، فمد فهد يده طالبا المذكرة وقال: " هاتها".

وبعد أن درسها بإمعان سأل: " لم خربشت حولها؟" .

أجاب الأمير: " لأنها أزعجتني، يا سيدي".

فأبدى الملك ملاحظاته التوقعية، "آمل في ألا يوسوس الشيطان في عقله. هذه الجملة تقلقني".

رغم أن السعوديين ظنوا أنهم يسيطرون على الأمور، فقد كانوا يشعرون الارتياب. فأرسل الملك فهد الأمير سعود الفيصل مجددا لمقابلة صدام. غير ان صدام استقبله بشكل عدائي، قائلا: " أيها الأمير سعود، لو لم تكن من المملكة العربية السعودية لما استقبلتك، كيف تشكك في كلامي؟ لقد قطعت للملك فهد ود شرف ألا أقوم بتحرك عكسري لإخافة الكويتي. لذا لا تفكروا في ذلك البتة".

كان ذلك التأييد مقنعا. وبعد ذلك اللقاء، سافر بندر لمقابلة السيدة تاتشر والرئيس بوش وإعادة طمأنتها إلى نوايا صدام حسين. ويذكر بندر ردي فعلهما.

قالت السيدة تاشر: " لا أثق به. يجب أن نكبح جماحه ونهاجمه".

بيد أن بوش قال: " لا أريد أن يهاجم أحد أحدا".

وبعد شهرين،سال بندر الملك فهد، وهو يظن أن الوضع بات تحت السيطرة : " يا جلالة الملك بما أن فتيل الأزمة قد نزع ، هل يمكنني أن آخذ إجازني؟ " كان الأمير يعتزم الذهاب إلى الصين في إجازة، والأميرة هيفاء وأولاده ينتظرونه في باريس. وكانت الخطة تقضي بتمضية أسبوعين مع الأصدقاء والعائلة في الصين، وأسبوعين آخرين في هونغ كونغ وسنغافورة وتايلند. وذكر بندر الملك أنه وافق سابقا على أن يأخذ إجازة طوال شهر أغسطس.

قال الملك:

" حسنا. لك ذلك، لكن توجه الملك إلى لندن وأطلع السيدة تاتشر على الاتفاق الذي توصلنا إليه مع الكويت والعراق، ثم اذهب إلى حيث تشاء".

بعد ذلك بقليل، اتصل الجنرال كولن باول ببندر وقال: " أخبرني البيت الأبيض أنكم توصلتم إلى اتفاق . هل أنت متأكد؟"

أجاب: " أنا متأكد بمقدار ما اطلعت عليه".

أجاب باول: " لقد خططت لأخذ إجازة لمدة أسبوعين. هل تعتقد أن في وسعي القيام بذلك؟

ضحك بندر وقال: " إنني أعتزم أخذ إجازة لمدة أربع أسابيع في الصين".

فأجاب باول: " حسنا، اذهب أنت إلى الصين، وأنا سأذهب إلى كارولينا الجنوبية".

وصل بندر إلى لندن في 1 أغسطس 1990، وتوجه على الفور إلى مقابلة السيدة تاتشر القلقة والمشككة كثيرا في نوايا صدام. ووفقا لمقربين من الأمير، أصغت تاتشر إليه، وعندما فرغ سألت: " ألديك شئ آخر؟"

قال بندر: " لا".

سألت تاتشر: " ما رأي جورج؟".

أجاب بندر : " يأمل جورج في أن نكون مصيبين".

أجابت: " هذا لا يكفي. أعتقد أن علينا مهاجمته اليوم قبل أن يهجم. أعتقد أنه ينوي الهجوم. إنه رجل شرير".

أجاب الأمير: " إننا لا نريد الحرب".

تراجعت السيدة تاتشر وقالت:

" كنت فقط أتحدث عما أفكر فيه. لكن إذا كان جورج والملك فهد يريان أن علينا أن ننتظر ونرى، فأنا مستعدة لمجاراتهما في هذا الرأي. أريد فقط أن يعلم جلالته أن هذا ما أشعر به، وسأتصل بجورج وأقول له رأيي".

ولما لم يعد هناك شئ آخر يفعله في لندن، قرر بندر أن ينام باكرا في المساء. وطلب من مرافقيه عدم إزعاجه إلا إذا كان هناك اتصال من البيت الأبيض أو من الملك فهد. وعلى عادته، استعرض ما تبثه السي أن أن ثم أوى إلى فراشه. كانت الساعة في لندن تشير إلى الحادية عشرة والنصف مساء. وفي الساعة الثانية عشرة إلا ربعا رن جرس الهاتف. وأخبره موظف الأمن أن الجنرال سكوكروفت يريد التحدث إليه من البيت الأبيض.

تناول بندر بقلق سماعة الهاتف وقال: " مرحبا، كيف حالك يا برنت؟".

أجاب سكوكروفت بجفاء:

" أنا بخير لكن الرئيس طلب مني أن أعلمك أننا نعتقد أن العراقيين عبروا الحدود منذ قليل إلى الكويت".

قال بندر مذهولا: " مهلا، مهلا، أعد ما قلته".

كرر سكوكروفت رسالته، فقال بندر، بعد لحظة:

" يا برنت، لا أظن أن ما يجري اجتياح. أنا أعرف صدام حسين جيدا، لقد عبر الحدود ليستولي على بعض المراكز الحدودية، وقد يتقدم كيلومترين ثم يتوقف، على أمل أن يقوم الملك فهد صباح غد بالسفر إلى بغداد ثم إلى الكويت لتسوية الأمر بينهما".

أجاب سكوكروفتك

" هذا تحليلك أنت. إني أبلغك فقط ما أراد الرئيس أن أنقله إليه. علي الإسراع الآن لحضور اجتماع لمجلس الأمن القومي".

طلب بندر من سكوكروفت إطلاعه على ما يستجد ثم أغلق الهاتف. لقد أصبح يقظا تماما، ومتأهبا ويشعر بالاضطراب. تفحص قناة سي أن أن مجددا، ثم انتقل فلى قنوات إخبارية أخرى: لم ترد تقارير عن أي غزو. تساءل هل ينبغي له الاتصال بالملك فهد وإطلاعه على المعلومات التي تلقاها من البيت الأبيض.

وفي شرح لقراره عدم استعجال الأمور - قال:

" أظن أنني كنت في قرارة نفسي أميل إلى النفي، لم أرد أن أصدق حصول ذلك. ثانيا، كانت نفسي تحدثني قائلة أريد الذهاب مع عائلتي إلى الصين. ثالثا،كانت الخطوة انتحارية، بحيث لا يمكن أن تحدث، كانت غبية جدا".

وبعد تأمل قصير، أوضح ذلك التعليق الأخير، قائلا:

" تعريف المفاجأة الاستراتيجية هو أنك فعلت شيئا بمنتهى الغباء، وكان من الواضح أنه معاكس لمصالحك، ففي وسعك أن تحقق مفاجأة استراتيجية. لم يكن أي شئ فعله صدام قبل الغزو غير معلوم لدينا –رأينا كل شئ- الاختلاف كن في الاستنتاج فحسب. نعم، لقد فعل هذه الأشياء كلها، لكن الاستنتاج كان أنه لن يقدم على الغزو، لأن ذلك مخالف للمنطق".

حين هم بندر بالاتصال بالملك فهد لإطلاعه على مكالمة البيت الأبيض، رن جرس الهاتف مجددا: كان الاتصال من ساندرا تشارلز، وهي موظفة في مجلس الأمن القومي مولجة بشئون الشرق الأوسط وتعمل لدى سكوكروفت.

قالت:

" طلب مني سكوكرفت أن أبلغك أن العراقيين في منتصف الطريق إلى مدينة الكويت".

أجاب بندر بذهول: "ماذا؟". كررت تشارلز الرسالة.

أنهى بندر المحادثة، ثم رفع سماعة الهاتف وطلب من أحد موظفيه الأمنيين الاتصال بالملك. فجاءه الرد بما ينذر بالسوء: " جلالة الملك على الخط الآخر في الواقع . وهو يبحث عنك".

أخذ بندر المكالمة على الفور وحيا الملك.

سأل الملك بصوت مرتفع:

" ماذا يجري . تلقيت اتصالا من صدق يقول لي إن بعض اصدقائه أخبروه أن العراقيين غزوا الكويت. هل هذا صحيح؟ هل يمكنك الاتصال بالبيت الأبيض؟".

روى بندر له محادثاته مع البيت الأبيض، فرد الملك فهد: " لا أستطيع التصديق".

قال بندر: " يبدو يا سيدي أن الأمر صحيح".

قال فهد لبندر: " اذهب لمقابلة الرئيس بوش في الحال وقف على ما ينوي أن يفعله وأخبرني".

أجاب بندر: " حسنا، يا سيدي،سأقابله إذا".

فرد الملك فهد، ناسيا أن بندر ليس في واشنطن، "قلت لك حالا".

أوضح بندر: " لكنني في لندن الآن".

سأل فهد: " ما الذي تفعله في لندن في مثل هذا الوقت؟".

قال بندر: " سيدي، لقد أذنت لي بتمضية إجازة".

"إجازة يا بندر؟ في هذا الوقت؟".

ذكر بندر الملك بطريقة دبلوماسية أنه طلب منه مقابلة السيدة تاتشر .

قال فهد: " حسنا، قابلها مرة أخرى، وأطلعها على آخر التطورات".

لكن ذلك لم يتم، ليس في تلك الليلة على الأقل. قال بندر موضحا: " حين تركت السيدة تاتشر هذا المساء كانت تتأهب للذهاب إلى أسبن، وكان بوش متوجها إلى أسبن أيضا". في آخر الأمر قال الملك فهد، وهو غير متأكد من المكان الذي يريد إرسال بندر إليه: " حسنا، غادر لندن وعد إلى واشنطن". أمر بندر طاقمه بسرعة بتجهيز طائرته. ثم اتصل بزوجته في باريس وطلب منها العودة إلى واشنطن، الإجازة ألغيت.

لم يكن بندر أولا ولا آخر من يخدعهم صدام حسين. ولكن نتيجة التعرض للخداع، رفض بندر أن يخدع مجددا. ومع تصاعد الخطاب المرتفع وانهيار المفاوضات بين العراق والدول العربية المعتدلة والغرب، كان بندر الرجل الوحيد، ذا المهارات اللازمة لردم الفجوة وفك رموز الإشارات التي أسيت قراءتها، وكان ميالا إلى اللامبالاة القاسية.

كان للواقع المتغير صلة كبيرة بقبول المملكة العربية السعودية بنشر قوات أمريكية على الأراضي السعودية. بل من العبارات المفضلة لدى بندر خلال المقابلات المتعلقة بحرب خليج: " أن تخدعني مرة عار عليك، لكن إن تخدعني مرتين فعار علي، وأنا هنا لأبلغكم أن صدام حسين لن يخدعنا مجددا".

وقد برز هذا القول مجددا في التمهيد لعملية عاصفة الصحراء، ففي أسفل صورة شخصية لجيمس بيكر يمكلها بندر كتبت الكلمات التالية:ط إلى بندر ، زميلي وصديقي. تذكر، لا تدعهم يخدعونك، لأن ذلك ممكن.

اتضح مع ازدياي الموقف سوءا أن جيمس بيكر التقى وزير الخارجية المصري. وكان في صحبة الوزير صديق حميم لبندر، الدكتور أسامة الباز. وبعد اجتماعهم، اتصل أسامة ببندر ليقول له إن الوفد المصري في طريقه إلى مقر الأمير.

عند وصولهم، قال له بندر:

" كان لقاؤنا مع جيمي بيكر ممتازا، المشكلة هي أننا عنما بلغنا جوهر الموضوع في الاجتماع قال بيكر شيئا لم نفهمه وكنا محرجين جدا فلم نسأله، لذا قررنا أن نأتي إليك لأنك الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يوضحه لنا".

سأل بندر: " ماذا قال".

أجاب الدكتور الباز:

" قال لنا إن جوهر الموضوع بالنسبة إلي وغلى الولايات المتحدة هو you diddle me once shame on you you diddle me twice shame on me وقلنا له، حسنا فهمنا المراد. شكرا وغادرنا ماذا يعني ذلك؟

ضحك بندر:

" حسنا، هذه هي طريقة جيمي في الكلام. بلغة أهل تكساس يعني ذلك أن تخدعني مرة، عار عليك، لكن أن تخدعني مرتين، فعار علي". ثم ذكر بندر لهم ما القول المقابل باللغة العربية: " المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين".

قالوا: " آه الآن أصبحت الأمور في ناصبها". عندما سمع بيكر عليك أن تدعهم يذهبون إلى ديارهم ويحالون فهمها هناك".

كثيرا ما قال بندر عن جيمس بيكر إنه: " الحيوان السياسي الأمثل: إنه صديق عظيم وحكيم جدا". ومن المثير للاهتمام أن بندر قال في كثير من الأحيان إن بيكر وكولن باول على شاكلة واحدة- إذا عرف أحدهما عرف الآخر - وكان كل منهم يعرف الآخر جيدا.

قال بندر عن بيكر:

" حين التقيته أول مرة، كان كبيرا لموظفي البيت الأبيض في إدارة الرئيس ريغن. وفي ذلك الإطار، كان بطبيعة الحال ملما بكثير من الأمور التي أقوم بها مع البيت الأبيض أو حاضرا في أثناء ذلك".

في إحدى تلك المرات، دعي بندر إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس ريغن. وحين وصل، كان هناك أيضا الأميرال بويندكستر وبد ماكفرلين، وكذلم جيمس بيكر. طلب الرئيس من بندر أن يأخذ ماكفرلين سرا إلى سورية للقاء الرئيس السد في ذروة حرب لبنان.

أوضح بندر:

" كان علي أن أعيده من دون أن يتسرب شئ عن اللقاء إلى العلن. لذا أخذت ماكفرلين بطائرتي وتوجهنا إلى المملكة العربية السعودية سرا وبدلنا الطائرة هناك. كنا حذرين جدا بحيث أنزلناه في فيلا للضيوف في قصر الملك.
بعد ذلك قابل الملك فهد وأطلعه على معلومات، واستمع إلى بعض نصائحه بشأن كيفية تقديم الرسالة إلى الرئيس السد، وذهب إلى سورية، والتقى الأسد، وعاد إلى المملكة، وأطلع الملك فهد على نتائج اللقاء، ثم عدت به إلى البيت الأبيض. وجرى ذلك كله بين يومي الجمعة والأحد، بحيث لم يفتقده أحد خلال الأسبوع".

في أثناء الاجتماع في البيت الأبيض، سأل بندر: " هل يعلم الوزير شولتز؟".

قيل له: " نحن سنخبر الوزير شولتز، لا تخبر أحدا بخصوص هذه الرحلة".

تابع بندر قائلا:

" عندما أصبح جيمس بيكر وزيرا للخارجية، طلب مني الاجتماع به في يومه الأول في الوزارة. قلت في نفسي، جيمي صديق صدوق حقا، يريد أن يميزني كأول سفير أجنبي يلتقيه كوزير للخارجية".

بعد التحادث في العموميات، قال بيكر لبندر: " أود أن ألتقيك على انفراد".وعندما غادر جميع الحاضرين الغرفة، نظر بيكر غلى بندر بشكل مباشر وقال: " يا بندر، أريدك أن تعرف أنني كنت في ما مضى رئيسا للموظفين في البيت الأبيض".

أدرك بندر فورا ما كان يرمي إليه. فكان رده : " سيدي الوزير، ينبغي ألا تنسى أنك كنت ذات يوم رئيسا للموظفين في البيت الأبيض". وأوضح بندر، "كان فهمي لتلك الملاحظة ما يلي، لا تحاول الالتفاف حولي يا بندر بصفتي وزيرا للخارجية لأنني كنت هناك وأعرف كل شئ . وكان جوابي له، تذكر يا جيمي، لم ألتف حول وزير الخارجية أنت قلت لي ألا أخبره".

بعيد الغزو العراقي، استقبلت المملكة العربية السعودية 400 ألف لاجئ كويتي، بمن فيهم الأمير وعائلته. وكانت الشهادة على الدعم العالمي لسيادة الكويت فشل محاولة عراقية لتركيب نظام تابع لهم: عجز العراقيون عن إيجاد ثمانية كويتيين مستعدين للتعاون.

وعلى الرغم من ذلك، أطلق صدام مبادرة سلام في استراتيجية ترمي غلى إحداث شرخ في التعاون الإسلامي والمسيحي المتعاظم ضده، مشبها احتلاله للكويت بالاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية. كانت حيلة وقحة محوكة لصرف الانتباه عن أعماله واستغلال مواقف المسلمين العدائية تجاه إسرائيل والغرب، وسرعان ما كشف العالم العربي زيف تلك المبادرة بسرعة.

في حديث خاص، قدم بندر شرحا في غاية الوضوح لراي الملك فهد في المسألة

"خلال الاحتلال، قال صدام حسين إنه مستعد للانسحاب من الكويت إذا كان الإسرائيليون مستعدين للانسحاب من الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان. وقد اتخذ الملك فهد موقفا قويا جدا من ذلك. قال، هذا غير مقبول عندنا لأن ما فعله في سبيل القضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط. وهذا أمر لا شأن لكم (العراق) به، يجب أن ترحلوا عن الكويت من دون شروط".

وأوضح بندر لاحقا أن غزو صدام حسين للكويت، غزو بلد عربي لبلد عربي آخر، أضعف القضية الفلسطينية وعقد عملية السلام الهشة بالفعل.

" من المآسي التي سببها صدام حسين لنا أن العالم توحد بأكمله، وأقول مجددا إن مبدأ احتلال أراض بالقوة مبدأ غير صحيح، وذلك ينطبق لى ما فعله الإسرائيليون في الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان. لكن ما فعله (صدام) أنه قال لا بأس في أن يحتل عربي أرض عربي آخر. ذلك يضعف موقفنا ووضعنا".

أما وقوف ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب صدام، فكان قمة المفارقات وسبب سخطا سعوديا كبيرا. وقد لوحظ بطريقة تهكمية ساخرة أن الإعلاميين السعوديين احتفوا بعرفات على مر عقود، لكن شعورهم الحقيقي برز بعد الغزو العراقي للكويت. ووصف بندر عرفات "بالمهرج".

لم يكن رد فعل الغرب على العدوان العراقي غير متوقع، مع أن صدام نفسه اساء تقديره تماما. وكما صرح الرئيس كارتر: " هاج العالم فورا واتخذ إجراء مؤثرا وغير مسبوق ضد هذا الغزو للكويت، ربما لم نكن لنفعل شيئا، أو الشئ نفسه، لو أن النيبال أو مالاوي أو سريلانكا هي التي تعرضت للغزو".

وأتبع السيناتور جيمس ماكلور ذلك بتركيز مماثل على تأثير النفط قائلا:

" بالتأكيد، ما كان العالم كله ليرد بهذا القدر من التضمامن مثلما فعل هنا... الطاقة ضرورية بشكل مطلق للمجتمعات الصناعية الحديثة ولاقتصادنا ونحن كلنا نعلم ذلك".

وقال بوش:

" كان صدام حسين دكتاتورا فظا غليظا، بل مصابا بذهان ارتيابي (جنون العظمة)، وكان انفتاحه على الغرب قليلا وشكه فيه عميقا".

وربما يسلط تقييمه إدراك صدام للعالم الخارجي ضوءا على كيفية إساءة الدكتاتور العراقي تقدير إصرار الغرب على حماية مصالحه في الشرق الأوسط الغني بالنفط. فقد عبرت مارغريت تاتشر بصراحة عن المصالح البريطانية في الخليج حين أبلغت الرئيس الأمريكي: " إن خسارة النفط السعودي ضربة لا يمكننا أن نتحملها".

وكان التهديد الموجه إلى المملكة العربية السعودية سببا أكثر إقناعا من غزو الكويت كي تقوم الولايات المتحدة بدور أساسي في النزاع. ومع استمرار أزمة الخليج، ناشد بوش الملك فهد من خلال بندر أن يعوض عن تقف الإنتاج العراقي والكويتي، فكانالرد السعودي رفع الإنتاج من 5.2 ملايين برميل في اليوم إلى أكثر من 8 ملايين برميل.

وعلى الرغم من أن الرئيس بوش كان يدرك تماما مصلحة الولايات المتحدة الجوهرية في نفط المنطقة، وهو المادة التي تعتمد عليها اقتصادات العالم إلى حد كبير (ولا تزال)، فقد حرصت المكنة الإعلامية على توجيه انتقاد شديد غلى مثل هذا الدافع للقيام بعمل عسكري من الناحية الأخلاقية.

فكتب صحفي في الواشنطن بوست، " لا أحد يريد أن يقول إن البترول هو السبب الذي سيجعل مئات الأمريكيين يمضون الميلاد بعيدا عن عائلاتهم" وأبدى لورنس كورب ، المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي، ملاحظة أكثر تهكما، فقال: " لو كان الكويتيون يزرعون الجزر، لما اهتممنا البتة".

أحدثت بلايا صدام في الشرق الأوسط تأثيرا فوريا في العالم. فخلال أربع وعشرين ساعة، ارتفعت أسعار البنزين بمقدار 14 سنتا للغالون الواحد، وارتفع سعر وقود الطيرات وبالتالي تكلفة السفر جوا. واضطرت بلغاريا إلى تقنين استهلاك الطاقة الكهربائية.

وفي تايوان هبطت السهم بنسبة 65 بالمائة. وأطلق البرازيليون مبادرة لدعم الآليات العاملة بالإيثانول، وأصيبت الأسواق المالية اليابانية والبرتغالية بالفوضى . وفي الشرق الأوسط، فكرت الحكومة الإسرائيلية جديا في توزيع أقنعة واقية من الغازات على السكان، بينما ألغت الولايات المتحدة ديون مصر العسكرية البالغة 7 مليارات دولار، وتدفق من الكويت آلاف العمال الأجانب الذين عادوا إلى ديارهم في مصر وباكستان وبنغلادش.

وعندما سأل لاري كينغ الأمير بندر عما يدعو إلى إراقة دماء الأمريكيين في سبيل النفط، اعتمد بندر في إجابته مقاربة صريحة وبراغماتية ، قائلا: " لا أعتقد أن عليكم أن تكونوا اعتذاريين عن حماية مصالحكم القومية، فالنفط يؤثر في اقتصادات العالم". وكانت أمريكا قلقة حقا من تعرض سلامة حقول النفط السعودية للخطر من دون وجود أعداد كبيرة من القوات الأجنبية على الأرض.

على الرغم من حشد صدام قوات عراقية على امتداد الحدود الكويتية المتاخمة للمملكة العربية السعودية، فإن نواياه الإقليمية تجاه المملكة لم تتضح بصورة قاطعة. لم يكن القلق من أن النفط سيتوقف عن التدفق في حال نجاح العراق في السيطرة على حقول النفط السعودية الواسعة، إذ سيكون من مصلحة صدام أن يسارع إلى إعادة الاستقرار إلى أسواق النفط.

لكن هذا السيناريو يمنح صدام قدرة فعلية على الاحتكار، وبالتالي امتلاك تأثير استراتيجي كبير في أهم مصدر منمصادر العالم الصناعي. فهو يشكل خطرا على المصالح الغربية والعربية على حد سواء. وقد عبر عن ذلك الجنرال السعودي الأمير خالد بن سلطان بقوله: " إنه يهدد المصالح الحيوية لكل لاعب كبير في المنطقة... ولا يستطيع أحد أن يتحمل محاولته تحقيق الهيمنة الإقليمية، لأن عداوته يعادل ذلك".

أخذ إحساس صدام حسين بالعزلة يزداد حدة. ففي 2 أغسطس 1990 يوم الغزو العراقي، صوت مجلس الأمن الدولي 14- 0 لصالح القرار 660 الذي أدان العمل العراقي، وطالب بانسحاب القوات العراقية من الكويت، وشدد على التوصل إلى نتيجة تقوم على التفاوض. وكانت موافقة الاتحاد السوفيتي على هذا القرار شديد الأهمية.

فالعالم منذ بداية الحرب الباردة لم يتوحد قط خلف قضية واحدة عن اقتناع بالشكل الذي بينه تصويت الأمم المتحدة، حيث صوت 28 بلدا، ومنها الاتحاد السوفيتي والصين، بالإجماع ضد غزو الكويت ولتأييد فرض عقوبات على العراق: لقد كان عالما متغيرا حقا، وربما حتى في بدايات "نظام عالمي جديد".

وهي عبارة وضعها برنت سكوكروفت الذي قال:

" عنينا بها، وقد شوه المعنى لاحقا بعدد من الطرائق، أن الحرب بين الدول هي من أكبر مصائب البشرية على مدى القرون. جربنا عصبة الأمم فلم تنجح، أنشأنا الأمم المتحدة وسرعان ما أصيبت بالجمود بسبب المشكلة الأمريكية السوفيتية، وعندما حلت حرب الخليج، وحدث التعاون الأمريكي السوفيتي أتاح احتمال أن نتمكن من التعامل مع هذه المصيبة بطريقة تفضي حقا إلى نظام عالمي جديد، هذا ما عنيناه لا أكثر. ولكن في وسع مجلس الأمن الدولي أن يقوم فعلا بالدور الذي رسمه مؤسسوه، أي معالجة النزاعات بين الدول".

عبرت دعوة بندر إلى البيت الأبيض في اليوم التالي على الغزو، 3 أغسطس 1990 - كان قد وصل لتوه من لندن - عن عزم الولايات المتحدة على نشر قوات أمريكية في الخليج وعن الأهمية الاستراتيجية للتعاون السعودي في هذا الهدف.

وفي اجتماع في مكتب سكوكروفت بعيد الساعة الحادية عشرة صاحا، في 3 أغسطس 1990 قدم إلى بندر عرض مجمل عن الموقف كما رآه الأمريكيون وقيل له مباشرة إن الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عن المملكة، وراغبة في إرسال قوات لهذه الغاية. فوجئ بندر وكان رده صريحا: " ولم نريد أن تدافعوا عنا؟".

قدم بندر لاحقا تفسيرا لأسباب صمت الملك فهد وتردده الظاهر في قبول عرض بوش المساعدة . ومن تلك الأسباب لفتة الرئيس كارتر الجوفاء سنة 1979، بعد سقوط شاه إيران، عندما أرسلت الولايات المتحدة سربا من طائرات 15-f لإظهار الدعم للمملكة العربية السعودية لتعلن بعد ذلك، فيما الطائرات لا تزال تواصل تحليقها، أنها غير مسلحة.

وكذلك الأمر كان التدخل الأمريكي في لبنان سنة 1983 عندما أمر ريغن بهدوء بإعادة القوات الأمريكية مع سفنها إلى الوطن، بعد تعرض ثكنتها لهجوم إرهابي شرس أدى إلى مقتل 241 أمريكيا.

أظهرت هاتان الحادثتان، بالنسبة إلى السعوديين، افتقار الولايات المتحدة إلى العزم. ولم تكن المسألة الحققية التي بحثها الملك فهد ومستشاره استقدام دعم عسكري أمريكي أم عدم استقدامه، بل هل يمكن الركون إلى الأمريكيين. هل سياتون بقوة وعزيمة كافيتين لإتمام المهمة؟ فقد اعتبرت الأمثلة الماضية على التردد الأمريكي أو على الافتقار إلى ا لعزم اختبارا للالتزام الأمريكي.

وفي شرح بسيط، قال بندر:

" لم يكن في وسع المملكة العربية السعودية أن تحتمل مضاعفة خطر تعرضها للهجوم عما هو عليه بالفعل، إذا قرت أمريكا وضع حد لتدخلها والهرب". لم يكن يريد أن تمد أمريكا يد العون مؤقتا ضد صدام ثم تسحبها، تاركة صدام على الحدود السعودية" وقد ازداد جنونا على جنون".

كان رد سكوكروفت على مراوغة بندر بسيطا بالقدر نفسه: " أؤكد لك أننا لن نفعل ذلك، إذا أتينا فسنبقى".

كان الاجتماع بين بندر والرئيس في 3 أغسطس 1990 بالغ الأهمية. فقد أقنع بندر أن هذا الرئيس يتمتع بالعزيمة والشجاعة لمواجهة التحدي الذي لوح صدام به في وجه العالم.

قال بندر، متذكرا:

" عندما دخل جورج بوش الغرفة، قال مرحبا بندر وأضاف ضاما ذراعيه إلى جسمه، تعلم يا بندر مقدار الألم الذي تشعر به حين لا يثق أصدقاؤك بك".

قال بندر له:

" سيادة الرئيس ، نحن نثق بكم. الأمرليس شخصيا. ربما يتوقف بقاء بلدي على ذلك. المسألة بسيطة جدا. إذا قلتم لي ما يمكنكم أن تفعلوه، أستطيع عندئذ أن أطلعكم على موقفنا. نحن بحاجة إلى معرفة المدى الذي يمكنكم الذهاب إليه".

عندئذ بسط بوش ذراعيه وقال: " إذا طلبتم عونا من الولايات المتحدة ، فإننا سنمضي معكم إلى النهاية".

ويقول بندر :

" في تلك اللحظة، أحسست بقشعريرة، لقد شعرت حقا بأهمية اللحظة. ففي النهاية رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو الذي يقطع هذا العهد على نفسه".

كان التعهد بتقديم الحماية إلى المملكة العربية السعودية بقدر ما تقتضيه الضرورة ذا تأثير حاسم على تقييم الأمير، حيث اقتنع باهتمام أمريكا الصادق لبلده وعزمها على حمايته. وفي تلك المصافحة حدث التزام بين صديق سيكون له أبلغ الأثر في الشرق الأوسط.

في اليوم التالي، في 4 أغسطس تحدث بوش إلى الملك فهد شخصيا على الهاتف، وتعهد له أن تدعم أمريكا المملكة العربية السعودية مهما استغرق ذلك من وقت. لولا التزام سفير الملك فهد بالانتشار المقترح للقوات البرية الأمريكية داخل حدود المملكة العربية السعودية، واعتقاده الراسخ بضرورة تنفيذ ذلك بسرعة، لكان من المشكوك فيه أن يوافق الملك على وجود تلك القوات في الإطار الزمني الذي وافق عليه. فعندما اقتنع بندر بالتصميم والالتزام الأمريكيين، كان عليه أن يعرف ما هو المعروض بالضبط.

رتب سكوكروفت موعدا لبندر في البنتاغون حيث أطلعه وزير الدفاع ديك تشيني، وبول ولفوويتز، وريتشارد هاس، ورئيس هيئة الأركان المشتركة كولن باول على مجريات الأمور. وكتب باول في ما بعد: " لعب بندر دوره المعتاد كطيار حربي واثق بنفسه، وهو يحتسي القهوة من كوب بلاستيكي ويحركها بقلم مذهب".

وعلى امتداد العرض الذي قدمه هؤلاء، لزم بندر الصمت وهو يعض على سيجاره بين أسنانه. وقد عرضت عليه صور استطلاعية فضئية أظهرت قوات عراقية وهي تعبر الكويت وتقترب من الحدود السعودية.

وكشف ديك تشيني للأمير بندر، بإذن من البين الأبيض، الخطة الدفاعية التي أعدتها للقيادة الأمريكية الوسطى، وهي معلومات خاصة بالحكومة الأمريكية فقط، والمفارقة أنها كانت ممهورة بعبارة norforn أي ليست للعرض أمام أجانب.

وقد أعجب بندر بحجم خطة العمليات 90- 1002. وبعد سماعه أن القوات التي يتوقع نشرها تتراوح بين مائة ألف ومائتي ألف جندي، قال لباول: " أعرف الآن أنكم لا تخدوعونني، وتعرفون الآن لماذا لا نريد سربا من المقاتلات التكتيكية".

وفي الحديث عن أفضل الطرائق للحصول على قرار إيجابي من الملك فهد، قال سكوكروفت: " في الواقع، كانت الفكرة الأولى أن يأتي فريق سعودي إلى هنا" . لكن سكوكروفت اعترض على هذه الفكرة بقوة، "لا، لا، نحن سنرسل شخصا إلى هناك".

في هذه اللحظة الحرجة، سأل بندر: " من سترسلون؟"

أجاب سكوكروفت: " لا أدري".

فقال بندر: " ما رأيك أن نقوم بالأمر معا؟".

في النهاية وافق سكوكروفت على سفر فريق أمريكي مشترك لمقابلة الملك فهد. وفي ملاحظاته اللاحقة، أوصى بندر أن يرى الملك فهد الصور الاستطلاعية بنفسه. وكبديل عن إرسال فريق فني منخفض المستوى إلى واشنطن، قال إن الملك يقل بفريق أمريكي رفيع المستوى ينتقل إلى المملكة لشرح العناصر الأساسية للخطط الأمريكية مباشرة.

لم يعد ثمة مجال للشك في أن الخطر حقيقي. فقد أوحت المعلومات الأمريكية الاستخبارية عن تحركات الفرق العراقية من البصرة إلى الكويت ومن هناك باتجاه الحدود السعودية، فضلا عن تجهيز تلك الفرق بصواريخ أرض - أرض من طراز فروغ إلى جانب معدات هجومية أخرى، أن غزو المملكة أصبح وشيكا.

وكما اعترف الوزير تشيني في ديسمبر 1990، اعتبارا من 2 أغسطس ، كان الشئ الوحيد الذي يحول بين صدام حسين وتلك الحقول النفطية (في شرق المملكة العربية السعودية) كتيبة من الحرس الوطني السعودي. لم يكن ثمة عائق عسكري يذكر أمام تقدمه جنوبا".

بل قيل إنه ربما يكون في وسع العراقيين الوصول إلى الرياض خلال ثلاثة أيام. لذا فإن السعوديين، الذين تضم قواتهم المسلحة 70 ألف رجل فقط، بحاجة إلى مساعدة، حتى إذا أدى ذلك إلى نشر قوات على أراضيهم. لكن مثل هذا الخيار يثير خلافا كبيرا. غير أن الملك فهد وافق على تلقي المعلومات الأمريكية، وكان حريصا على أن يتم ذلك بسرعة.

في يوم الأحد 4 أغسطس 1990، أسرع بندر في العودة إلى المملكة العربية السعودية لكي يطلع القيادة السعودية على المعلومات الأساسية قبل وصول ديك تشيني. وفي يومي 4 و5 أغسطس، قام الجنود العراقيون بثلاثة انتهاكات صغيرة للمنطقة المحايدة بين المملكة والكويت.

ودفعت تلك الانتهاكات لتشغيل الخط الساخن الذي أقيم قبل ست سنوات بين الجيشين السعودي والعراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية. في البداية، اعتذر العراقيون عن خطئهم، واعدين بالبقاء داخل حدود الكويت.

وبد الانتهاك الثاني لم يعد اللواء العراقي الذي تحدث إلى السعوديين أول الأمر موجودا، ونفى ضابط صغير أي علم له بالتعدي. وبعد الانتهاك الثالث الذي وقع بعد 24 ساعة من الأول، لم يرد أي جواب من الجانب العراقي. ولم يتجشموا عناء الرد على الخط الساخن.

طوال حرب الخليج، برزت ببساطة تعقيدات- ذات طبيعة كارثية في بعض الأحيان- ليس بفعل الحاجز اللغوي، بل بسبب الحواجز الثقافية التي لم يستطع اختراقها سوى نفر قليل. وكما لاحظ مايكل غوردون في النيويورك تايمز، اعتاد السعوديون (والعالم العربي بصورة عامة) العمل على أساس الوعود والإيماءات، واعتاد الأمريكيون العمل على أساس العقود القانونية والاتفاقات.

وثمة عامل ذو تأثير شديد في النهج الأمريكي تجاه أزمة الشرق الأوسط، هو الرئيس بوش نفسه. فقد شعر بالعطف تجاه الشعب الكويتي وقيادته وتأثر بشكل خاص بالتقارير الواردة من الكويت عن انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال التعذيب والتنكيل في الشوراع.

وقد ارتكب صدام حسين خطئين مكلفين في العلاقاتالعامة عندما لجأ إلى استغلال مئات الرهائن ومحاصرة السفارة الأمريكية، في محاولة لردع استخدام عقوبات أولا، وحماية المواقع العراقية الرئيسية منالهجمات الجوية ثانيا. ووصف بندر في مقابلة على إحدى محطات التلفزة الأمريكية، قيام صدام بالاختباء وراء مدنيين لا حول لهم ولا قوة أنه عمل "مناف لفسلام والعروبة".

وكتب الرئيش بوش في يومياته الملاحظة التالية:

" قرأت لتوي تقريرا استخباريا مخيفا، فيه روايات عن تقطيع أوصال الكويت وتفكيكها بوحشية، وعن إطلاق النار على مواطنين وهم في سياراتهم عند نقاط تفتيش... إن هذا الأمر يشحذ من عزيمتي".

كان الرئيس ينظر إلى الموقف ببساطة مشابهة لرؤية ريغن للأمور، بصرف النظر عن مصالح الأمن القومي الأمريكي. فقد قال : " لم يكن ذلك مسألة تتعلق بدرجات من اللون الرمادي أو محاولة رؤية وجهة نظر الجانب الآخر. بل الخير في مقابل الشر والحق في مقابل الباطل".

في 5 أغسطس ، أبدى بوش التزاما قويا بالهدفين التوأمين، ردع العدوان العراقي على المملكة العربية السعودية وطرد العراقيين من الكويت، بحيث أعطى بندر وعد شرف أن الولاياتالمتحدة لن تتخلى عن المملكة العربية السعودية .

وتعهد أيضا إلى أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح أن تحرر الولايات المتحدة بلده وتعيده إلى منصبه حاكما للكويت. وبعبارات لا لبس فيها، قال للعالم إن العدوان العراقي "لن يدوم". وعند عودته من كامب ديفيد، حيث بدأ التخطيط السري لطرد صدام حسين، أذهل رؤساء الأركان الأمريكية المشتركة عندما أفصح صراحة عن نيته أن تدحر أمريكا الهجوم العراقي على الكويت.

كانت قناعة بوش الخلقية، وموقفه الصلب من غزو الكويت لا يتزعزعان وشكل تفضيله النهج الشخصي على الدبلوماسية، كما شهدت على ذلك صداقاته الشخصية، لا مع بندر فحسب، بل أيضا مع مارغريت تاتشر وفرانسوا ميتران وشخصيات أخرى حاسمة في تلك الفترة، مجرد مثال يظعر كيف ساعد ذلك على صوغ سياسة واضحة للتصدي، للتحدى الماثل أمامه.

كان قراره الشخصي الحاسم صادقا وبسيطا، وبحصوله على دعم القادة العرب، كسب تفويضا واسعا عندما بدأ يدي النزاع. استجاب العالم العربي لرد فعل جورج إيتش دبليو بوش العاطفية على معاملة الكويت ومواطنيها، إذ رآها لفتة إنسانية مطمئنة في زعيم يقتضي موقعه انتهاج موضوعية قاسية، كما تملي السياسة الغربية.

لاحظ الحنرال شوارز مكوف، قائد قوات الائتلاف في حرب الخليج أيضا أن مثل هذا الفارق الدقيق أساسي لإقامة شراكة ناجحة مع العالم العربي:

" في العالم العربي، يدخلك منصبك من البا، لكن علاقاتك الشخصية تعود عليك بالتزامات من العرب. وقد نشأت تلك الطريقة لإدارة الشئون من خيمة البدوي في الصحراء حيث كان يلي مناقشات العمل ساعات طويلة من رواية الحكايات في الليل".

بيد أن تورط الرئيس بوش الشخصي والعاطفي في الأحداث المكدرة المتكشفة في الشرق الأوسط أقام حاجزا في كثير من الأحيان، لا سيما عندما ووجه بهجمات ضارية من وسائل الإعلام الغربية، فهو لم يكن خطيبا بارعا على طريقة ريغن

وقد دفع صدقه، ومغزى ذلك خلال الحرب، برنت سكوكروفت للقول: " كان مخلصا للغاية، لكن بعض كلماته أعطت مردودا عكسيا إلى حد ما، أو أثارت الصحافة على الأقل". وفي حين لقيت خطابات بوش استحسانا لدى الأطراف في الشرق الأوسط باعتبارها شهادة على العزيمة الأمريكية، فإنها غالبا ما كانت تفسر في الغرب أنها ثأر شخص من صدام.

وفي الروايات الغربية، يسجل في كثير من الأحيان أن قرار الملك فهد الخطير الموافقة على استقبال قوات أمريكية اتخذ خلال تشاوره في 6 أغسطس مع تشيني والجنرال شوارزكوف. ففي ذلك الاجتماع عمل بندر كمترجم عندما أطلع شوارزكوف الملك على الصور الاستخبارية الجوية التي ظهرت فيها دبابات عراقية على الحدود السعودية، وداخل الحدود، في بعض الحالات. وأوضح شوارزكوف أن نوايا صدام غير واضحة، لكن الوضع ينذر بالسوء. ثم قدم المقترحات الأمريكية للدفاع عن المملكة.

وتلا ذلك الإطلاع العسكري قيام تشيني بتسليم الملك فهد رسالة شخصية من الرئيس بوش: " إننا مستعدون لنشر هذه القوات للدفاع عن المملكة العربية السعودية. إذا دعوتمونا، فسنلبي الدعوة. لن نطلب قواعد دائمة، وحين تطلبون منا الرحيل سنرحل" .

قال الملك بعد بحث وجيز مع مجلسه: " لم يستعجل الكويتيون اتخاذ القرار، وهم الآن ضويف في فنادقنا". وهنا التفت الملك فهد إلى الوزير تشيني وقال: " موافق".

كتب شوارزكوف لاحقا عن تلك المناسبة التاريخية: " لو أن أحدا التقط صورة في تلك اللحظة، لبدوت فاغر الفم. لقد اتخذ الملك فهد واحدا من أشجع القرارات التي شهدتها في حياتي . "

خلافا لتردد المملكة العربية السعودية المعتاد، كان القرار هذه المرة سريعا ولا لبس فيه. الأمريكيون موضع ترحاب على الأرض الإسلامية المقدسة، في قلب الملكة العربية السعودية.

أخطأ صدام حسين بصورة خطيرة في تقدير رد فعل العالم على غزوه الكويت لم يتوقع أن تتخذ المملكة قرارا بالسماح لقوات أمريكية بالمرابطة على الأرض السعودية. وبدا سخطه واضحا في 10 أغسطس 1990، عندما أعلن حربا مقدسة على إسرائيل والولايات المتحدة، مدعيا أن السعوديين سلموا هذين البلدين مكة والمدينة المنورة المقدستين رهينتين. وكان رد الأمير على تلك التهم صريحا وفي الصميم: " هذا كرم فارغ وهو يعرف ذلك. فمكة والمدينة تبعدان ألف ميل عن مواقع وجود كل هذه القوات".

عمل بندر جاهدا في الولايات المتحدة لمواجهة الخوف المنتشر في وسائل الإعلام وردا على تهم صدام التي وصف بها أمريكا بالإمبريالية، فعري بندر نفاق الزعيم العراقي، مشيرا إلى تحالف صدام مع الولايات المتحدة خلال حرب الثماني سنوات افيرانية العراقية. وأمعن في الإهانة بتشبيه صدام بخصمه منذ أمد بعيد آية الله الخميني.

قائلا:

" حقيقة الأمر هي أن الرئيس صدام حسين لم يجد المساعدة الأمريكية له خلال الحرب (الإيرانية العراقية) مهينة ولا إمبريالية. وقد اعتاد الاعتقاد أن أعظم ما يمكننا أن نفعله لنساعده هو دفع الأمريكيين لمساعدته والتنسيق معه إبان الحرب... ويبدو تقريبا (الآن) أنه يقلد الخميني، وهذا آخر ما ظننت أن صدام حسين سيفعله".

في الرد على أسئلة عن الجهاد الذي دعا إليه صدام، قال بندر بإحساس مفعم بالواقعية: " لكي تدعو إلى الجهاد عليك أن تكون متدينا، بمعنى أن تقوم بالعمل الصائب. كيف يمكنك أن تدعو إلى الجهاد إذا غزوت بلدا عربيا شقيقا مسلما وعثت فيه خرابا على النحو الذي فعلته؟".

كان القرار السعودي بالتعاون مع القوات الأمريكية تاريخيا، وأشار إلى نهاية الصورة السلبية عن المملكة العربية السعودية التي تشبه سلحفاة الصحراء، متأهبة دائما لإدخال رأسها في قوقعتها. وبسبب التشعبات الدينية، جلب قرار الملك فهد معه مخاطر كبيرة.

فالملك فهد كزعيم إسلامي معترف به عالميا، يعرف بلقب خادم الحرمين الشريفين، يدرك تماما الاحتجاج الشعبي الشديد على وجود الأمريكيين على أرض إسلامية، فرد فعل المواطنين السعوديين، والمسلمين في العالم، سيكون قاسيا.

وكانت المملكة تخشى من ألا ترغب القوات في المغادرة إذا سمح لها بالدخول. السياسة والدين متشابكان جدا في المملكة - الدستور السعودي مستمد من القرآن الكريم - بحيث يجب على الملك فهد أن يأخذ في الحسبان ما هو أبعد بكثير من مجرد الموقف الإقليمي. فقد كانت مسئولياته الدينية أمام شعبه في مقدمة أفكاره.

كان لدى الملك فعد اعتبار آخر بالإضافة إلى الضغط الدنيوي، وتقدم الوقت بسرعة: الوفد الأمريكي. فقد كان مقررا في أول الأمر أن يتولى الجنرال سكوكروفت رئاسته، لكن إرسال وزر الدفاع ديك تشيني بدل الموقف كثيرا.

وكما قال برنت سكوكروفت نفسه:

" إذا تقرر أن أذهب، فيمكنني أن أذهب وحدي، وبهدوء، وإذا رفض الملك العرض، فلا حرج، ولا ضرورة لأن يعلم أحد بالأمر. وإذا تقرر أن يذهب تشيني فعيه أن يعود بشئ ما، وإلا سيكون الموقف صعبا علينا كلينا".

وقع على بندر أمر نقل هذا الخبر إلى الملك، وهو خبر يعادل الرسالة: " إذا قبلت أن يكون هذا الوفد برئاسة ديك تشيني، فيجب أن تكون مستعدا للموافقة على أمر ما". لقد كانت معلومات صريحة جدا بحيث ليس من السهل على أي شخص أن ينقلها إلى الملك، وكما قال سكوكروفت، مستعيدا ذكرى ذلك الموقف: " غص بندر لكنه أنجز المهمة... وأنا أعزو إليه فضلا كبيرا، لقد جابه الموقف الصعب بشجاعة وقال للملك فهد، هذا ما يجب عمله".

وابتسم سكوكروفت ابتسامة عريضة عندما أوضح أنهم كانوا يعرفون في ذلك الوقت أن الأمور ستكون على ما يرام. فمن حيث الجوهر، كان سكوكروفت على علم منذ 3 أغسطس أي قبل أن يغادر الوفد أمريكا، أن الأمير حصل على قرر إيجابي من الملك فهد بالموافقة على انتشار قوات أمريكية في المملكة. كان الأمر بمثابة "اتفق منجز".

كان أمن المملكة وسيادتها على المحك. ويقول سكوكروفت:

" بعد لقاء تشيني بالملك، اتصل وقال قضي الأمر. وبدأنا نحرك قوتنا، فوصل جنودنا إلى هناك (المملكة العربية السعودية) بعد 48 ساعة. أرسلنا كتيبة على وجه السرعة، وهذا كل ما استطعنا أن نرسله بسرعة. ولكن ما أردنا أن نفعله حقا كخطوة أولى هو وضع قوات في طريقه (أي صدام) على الفور بحيث يضطر غلى الاصطدام بها، وهذا ما فعلناه ثم تابعنا حشد القوات".

بما أن قيام الملك فهد باتخاذ قرار مفاجئ في قصية بهذه الأهمية أمر غير معقول فإن العديد من الأشخاص – وبخاصة برنت سكوكروفت - يعتقدون أن بندر حصل بالفعل على تفويض واضح من فهد. ويعتقد آخرون أن محادثة هاتفية أخيرة بين الرئيس بوش ورئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، يوم كانا في أسبن، كانت السبب الحقيقي لموافقة الملك. ووفقا للورد باول،كان بندر أول من اتصل برئيسة الوزراء البريطانية في أسبن، ورتب اتصالها بالملك فهد مباشرة.

عن مصادفة زيارة السيدة تاتشر إلى الولايات المتحدة قبيل اندلاع حرب الخليج شدد السير ريتشارد إيفانز، رئيس شركة بريتيش إيروسبيس سيستمز، على أن رئيسة الوزراء تاتشر تمكنت بذلك من مقابلة الرئيس بوش على عجل، ورأى أن سير الأمور في الحرب كان يمكن أن يختلف كثيرا في البداية لو أن الحوار بين بوش وتاتشر تم عبر الخط الهاتفي الساخن، بدلا من لقائهما وجها لوجه. وقد صرحت تاتشر لاحقا أن الرئيس بوش أثار إعجابها: " كان حازما ورابط الجأش يشي بالخصال الحاسمة التي يجب أن يتمتع بها القائد الأعلى لأعظم دولة في العالم".

وكتبت تاتشر " لقد أعجبت دائما بجورج بوش. والآن ازداد احترامي له كثيرا". عندما طلب من الجنرال شوارزكوف وصف دور الأمير في تسهيل الرد الأمريكي على غزو االكويت، رد مؤكدا: " يمكنني القول إنه كان أساسيا. ليست لدي فكرة عما إذا كان صدام قد خطط للهجوم باتجاه الجنوب أم لا، لكن كان يمكن أن يتأخر نشر القوات كثيرا".

وفي تخمين بشأن نوايا صدام، قال:

" كانت المؤشرات كلها تدل على أن القوات العراقية ستواصل تقدمها إلى داخل المملكة العربية السعودية فور إعادة تجمعها.فبعد سقوط الكويت - وقد استغرق الأمر كله نحو يومين - لم نكن متيقنين مما يمكن أن يحدث. كنا نراقب، لكم لم يكن في وسعنا الجزم أن القوات العراقية لن تواصل، بعد توقف قصير لإعادة تجميعها، التقدم إلى الساحل الشرقي للمملكة ومحاولة الاستيلاء على حقول النفط".

ثم أكد سكوكروفت:

" لو أنها فعلت ذلك لوقعت الكارثة، لأنها كانت ستستولي على موانئ المنطقة وكنا سنواجه مشقة كبيرة في استعادتها. أعتقد أن صدام كان يفكر في الأمر، لكنني لا أعرف إذا كان سيقدم على ذلك أم لا. كان علينا إدخال بعض القوات بسرعة بحيث يدرك صدام أنه سيضطر إلى الاصطدام بقوات أمريكية وذلك بحد ذاته سيجبره على التفكير مليا. لذا كان علينا إبلاغ السعوديين أننا نريد المساعدة وأننا مستعدون لإرسال القوات".

وقد ردد السير ريتشارد إيفانز تلك الآارء عندما قال: " بدا من المحتمل تماما أن صدام يريد التحرك بسرعة للاستيلاء على الظهران وحقول النفط السعودية". ولو سقطت المملكة العربية السعودية، لكان تأثير ذلك في اقتصاد العالم بأكمله كارثيا.

وقا إيفانز:

" كانت هناك قضية الاقتصاد الكلي الهائلة. والأمير بندر من الأشخاص الذين أدركوا ذلك في الواقع. وهكذا، كان دور الأمير بندر جوهريا في تسهيل اتخاذ القرار السعودي بسرعة، وهو أمر تمقته العقلية السعودية تقليديا".

لا ريب في أن بندر كان مصمما على إصلاح الضرر الناجم عن خداع صدام وكذبه. ويرجع التصميم الشديد الذي أطهره الأمير في بداية الغزو العراقي إلى حد ما، إلى خيبة أمله الشخصية من قيام صدام بتضليله. يذكر جيمس بيكر في كتابه the polittcs of diplomacy (سياسة الدبلوماسية) أنه اجتمع قبل مقابلة الملك فهد في جدة، لمدة ساعتين مع الأميرين سعود وبندر، فألحا عليه بالتبكير في بدء الحرب على صدام. ووفقا لبيكر، كان بندر مصرا جدا على التحرك بسرعة. وقال: " إما أن يذهب أو نذهب نحن في يناير".

في اجتماع بين جيمس بيكر والملك فهد، تم بحث ثلاث مسائل مهمة تتعلق بتنسيق الحرب. أولا، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى إذن سعودي لنشر 200 ألف جندي إضافي على الأرض فأعطى الملك موافقته. ثانيا، يجب أن تعود السيطرة الكاملة على ميدان الحرب إلى القادة العسكريين الأمريكيين، لا الضباط السعوديين وهنا أجاب فهد: " هذا أمر طبيعي". ثالثا، طلبت أمريكا مزيدا من المساعدة المالية، فكان جواب فهد: " لا يوجد شئ يتعذر البحث فيه بين الشركاء".

عن طلب مساهمة مالية قدرها 15 مليار دولار من الملك فهد لتغطية تكلفة الانتشار العسكري الأمريكي، ذكر بيكر أنه في أثناء لقاء على مائدة إفطار مع وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل وبندر، عبرا له بصراحة عن مفهومهما لتقاسم الأعباء بالقول: " لا تطلب منا 15 مليار دولار إلا بعد أن تحصل على 15 مليار دولار من الكويتين".

وأضاف بندر:

" غنهم قادرون على تقديم هذا المبلغ أيضا. لديهم الكثير من المقدرات. فما نفعها إذا لم يستعيدوا بلدهم؟ لذا طلب منهم بقدر ما تطلب منا وستحصل على طلبك". وقد طلب بيكر ذلك بالضبط وحصل عليه.

أكد ريتشارد غيفانز أن بندر تولى دورا رئيسيا في حرب الخليج، " بسبب إدراكه خطورة التهديد الذي يمثله صدام. كان يدرك جيدا أن على المملكة العربية السعودية الحصول على دعم من الولايات المتحدة ونشر قوات على الأرض بسرعة لمواجهة التهديد العراقي وبالتالي دحر غزو الكويت".

وأثنى سكوكروفت أيضا على قيمة المساعدة التي قدمها الأمير، ومكنت القوات الأمريكية من الانتشار بسرعة كافية لوقف التقدم العراقي. وقال بشئ من المرح: امتقع وجه بندر حين قلت له ما يجب أن يفعله- وأعتقد أن بندر يؤكد ذلك- لأنه أمر كبير أن يقول للملك عليك أن تتخذ قرارا... الآن.

ضحك سكوكروفت عاليا، متذكرا انزعاج الأمير من جسامة المهمة المطلوبة منه، وكرر القول: " سيتذكر ذلك الحديث، لكنه أدى المهمة، وقال للملك هذا ما يجب أن نفعله". ولاحظ سكوكروفت أن بندر بقيامه بذلك كان يخاطر بنفسه، لأنه بحسب تعبيره: " كانت فكرة الملك التأني- دعنا نتمهل- نرسل فريقا ثم يرسل الأمريكيون فريقا إلينا. على طريقة العرب في العمل". ثم مال سكوكروفت غلى الأمام وقال بكثير من الجدية: " أعتقد أنه لولا بندر لما تم الأمر، ولكان التاريخ مختلفا جدا".

لا يمكن التعبير بسهولة عن جسامة القرار السعودي بالوقوف ضد بلد مسلم شقيق بمساعدة من الولايات المتحدة . فهو يرمز عند الكثيرين إلى تحالف خطير يعرض الدين الإسلامي للخطر. فالمملكة العربية السعودية هي حامية الحرمين الشريفين في مكة والمدينة المنورة.

ولا شك في أن قرار الملك فهد أحدث صدمة شديدة لدى صدام، الذي كان يعول بالتأكيد على ميل السعوديين إلى الحذر والدراسة المتأنية. وكما قال بندر: " الصحراء تفرض ذلك النوع من البراغماتية على أهلها. ينبغي للمرء أن يميز السراب من الواقع الحقيقي في الصحراء. فحياته تتوقف على ذلك".

لكن خلافا للتصور أن الملك فهد سيجد نفسه على المحك إزاء الغزو العراقي المباغت للكويت، وعزم البيت الأبيض المفاجئ على حماية المملكة العربية السعودية وحقول نفطها، فقد كان الملك في موقف مهيأ لاتخاذ الإجراء الحاسم.

فحين تمتد مملكتك على ماسحة تقارب المليوني كيلو متر مربع وتختزن أضخم احتياطات البترول في العالم، ومع ذلك لا يزيد تعداد سكانها عن 18 مليون نسمة وعديد قواتها المسلحة على 70 ألف رجل، يصبح الدفاع على رأس الأولويات، إنه الشغل الشاغل أبدا. وهو ما كانت المملكة العربية السعودية تستعد له منذ سنوات.

لما كانت للمملكة حدود مشتركة مع سبعة بلدان منفصلة في منطقة غير مستقرة، فلا عجب في أنها تفضل دائما الموقف الحذر على الموقف الفاعل. غير أن السعوديين لم يستهينوا قط بتقلبات المنطقة. فقد عمل وزير الدفاع الأمير سلطان طوال عقود على تقوية القدرات الدفاعية السعودية، وبخاصة دفاعاتها الجوية. وتعكس جهود بندر الدائمة على المستوى العالمي، بالنيابة عن أبيه هذا المسعى بكل وضوح.

وما معركة الحصول علة طائرات 15- f وأواكس، وصفقة اليمامة مع المملكة المتحدة،وصفقة الصواريخ الصينية إلا أمثلة بالغة الأهمية على تصمم المملكة المتواصل على الدفاع عن نفسها. ومع ذلك بالنظر إلى حجم الجيش العراقي وقوته، قدرها ولتر لانغ، المختص بالشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات الدفاعية، بنحو مليون جندي ووصفها أنها مخيفة". لم تكن المملكة العربية السعودية في وضع يمكنها من سلوك سبيل المجازفة.

وقد ذكر شقيق بندر وقائد القوة المشتركة، الأمير خالد بن سلطان، بوضوح تام أن ثمة افتراضا دائما لدى النخبة السعودية " أننا لن نتردد في طلب المساعدة من أي دولة صديقة لدينا مصالح مشتركة معها، بما في ذلك الولايات المتحدة، إذا تهدد أمن أرضنا وسلامتها وتعرضت قواتنا لخطر الهزيمة".

لم تكن المسألة تتعلق إذا بالتعاون مع الولايات المتحدة أم عدمه. فالبراغماتية الواقعية السعودية تقضي بذلك عدما يكون ضروريا. بل كان الأمر المطروح للمناقشة حقيقة التهديد الذي يشكله صدام ومداه وإلى أي حد يمكن الوثوق أن الأمريكيين لن يتخلوا عن المملكة إذا جد الجد. ويبدو أن آل سعود انقسموا حول هذه القضايا.

وقد أشيع أن الأجيال الشابة والأمراء الذين درسوا في الغرب - المجموعة المحيطة ببندر - كانوا يفضلون طلب المساعدة الأمريكية، غير أن اعضاء العائلة المالكة الكبار، بمن فيهم ولي العهد الأمير عبد الله ووزير الدفاع الأمير سلطان، أبدوا تحفظات فاقمها بصورة مطردة موقف أمريكا الامتلاكي طوال السبعينيات والثمانينيات من حقول النفط السعودية.

في نظرة ثاقبة إلى الاستراتيجية السعودية خلال العقود العديدة السابقة، أوضح بندر أن

"الملك فهد رأى أن أسوأ ما في الحرب الإيرانية العراقية كان تساوي القوات لدى إيران والعراق. ولأن لديهما قوات متساوية ما الذي يمكن أن يقدمه ما تبقى من العالم إذا ساند أحد الجانبين؟ الأسلحة لم يكن أي من الجانبين بحاجة إلى جنود لأنهم متوفرون كانا بحاجة إلى أدوات القتال".

عند مقارنة ذلك بوضع المملكة العربية السعودية ، والإجابة عن سؤال طرحه العالم الغربي: " كيف تنفق المملكة العربية السعودية ملايين الدولارات على التسلح وحين تبدأ حرب الخليج سنة 1990، تضطر إلى استقدام قوات خارجية؟"

أوضح بندر الاستراتيجية الكامنة وراء تلك الفلسفة، وأشار إلى درس مستخلص من حلف الناتو في أثناء الحرب الباردة. فعلى الرغم من أن أوربا كانت تملك التكنولوجيا والمال والطاقة البشرية والاقتصادات القوية، فإنه لم يكن هناك ما يدعو غلى عدم تمكنها من الوقوف في وجه التهديد العسكري السوفيتي من دون مساعدة. إذا أخذنا أوربا كلها في مواجهة حلف وارسو. ولاحظ بندر " لكن كانت لدى أوربا حليفة -الولايات المتحدة- تملك تلك القدرة العسكرية وكانت مستعدة لتولي دور مواجهة السوفييت".

عند التوسع في شرح ذلك المنطق، استشهد بندر بإرث الحرب العالمية الثانية. فقد خرجت أوربا لتوها من حرب مدمرة، ومع أن كل دولة على حدة كانت قادرة في نهاية المطاف على الوقوف على قدميها بإمكاناتها الذاتية، فقد قررت بلدان أوروبا الغربية استغلال تلك القدرة لإعادة بناء دولها. وهكذا، أنشأ الأوربيون قوات مسلحة كبيرة بما يكفي لأن تكون فعالة، لكنها ليست كبيرة ما يكفي لمواجهة الاتحاد السوفيتي وحدها، لأن تلك الحاجة يوازنها الأمريكيون بتقديم مظلتهم النووية ووضع قواتهم على خط الجبهة.

لا يمكن تجاهل ذلك. وقد سأل بندر: " لم يكون القيام بذلك حكيما بالنسبة إلى الأوربيين وغبيا بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية ؟" . وفي مقارنة بين أوربا والمملكة العربية السعودية ، رأى بندر أنه إذا كان هناك من يمكنه المساهمة في عرض المملكة العسكري، ما يحرر مقدراتها ويوجهها إلى مشاريع كالتعليم والصحة والتنمية وسواها، فإن ذلك يبدو معقولا. واعتبر أن ذلك يوفر الاستقرار والأمن. وقال: " الحياة موضوع مقايضة، ولا يستطيع المرء الحصول على الأمرين معا".

وقدر بندر أنه لو قررت أوربا مجاراة الاتحاد السوفيتي، فلربما كنت لا تزال مجموعة من بلدان العالم الثالث في ما يتعلق باقتصادتها وتطورها الاجتماعي. "لماذا؟" سأل بندر. " لأن مليارات الدولارات التي صرفت لجعل أوربا ما أصبحت عليه بعد الحرب العالمية الثانية كانت ستستخدم لبناء قوة نووية وقوات مسلحة عاملة لمجاراة الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو".

وينقل بندر المقارنة إلى المملكة العربية السعودية فيخلص إلى أن المنطق والاستراتيجية السعوديين يقومان على تلك القاعدة المعقولة. فالمملكة، وفق هذا المنطق، هيأت قوات مسلحة كافية لردع خصم محتمل ذي حجم مماثل. ولكن في حالة العراق الذي يمتلك مليون جندي وسبعة آلاف دبابة وثمانمائة طائرة، فإن المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تجاريه سلاحا في مقابل سلاح.

وبدلا من ذلك، اختارت المملكة معادلتها بتحالفات ، واستراتيجية سياسة خارجية تمكنها، حين يجد الجد من كسب حرب في شهر واحد، بدلا من الشروع في حرب تدوم ثماني سنوات وتنتهي إلى تعادل. وهكذا في وسع المملكة العربية السعودية شراء سبعة آلاف دبابة، وثمانمائة طائرة، وإعداد مليوم رجل تحت السلاح، لكنها لو فعلت ذلك لكانت من بلدان العالم الثالث، لأنها ستهدر اقتصادها في إنشاء قوات عسكرية تماثل قوات صدام حسين أو القوات الإيرانية.

وكما أوضح بندر:

" نظرنا عبر الحدود فرأينا مليون جندي عراقي، وخمسة آلاف دبابة ، وألف طائرة، وعشرة آلاف جنود مدرعة، وهكذا فإن المسألة لا تتعلق بما إذا كانت لدينا النوعية أو الإرادة لمواجهتها، وإنما أننا لم نكن نمتلك الكمية للوقوف في وجه هذا التهديد". وقد اتخذ القرار قبل ذلك بثلاثة أيام في الواقع.

وأكد بندر أن عدم التكافؤ في القوة بين المملكة العربية السعودية والعراقيين لم يكن خطأن بل سياسة مقصودة مفادها

"سأركز معظم ثروتي وإمكاناتي على الأنشطة المدنية والتنمية. سأحفظ أمن المملكة العربية السعودية باتباع سياسة خارجية جيدة تنشئ تحالفات تعوض عن مواطن قصوري حين تبرز ضرورة القوة. وبما أنني لا أخطط لخوض حروب مرة كل أسبوعين، ف،ها مجرد بوليصة تأمين".

وخلاصة هذا العرض التفصيلي للاستراتيجية السعودية هي انه حين حلت اللحظة الحرجة، وتعين على المملكة العربية السعودية صرف بوليصة التأمين تلك في الحرب الوحيدة المهمة، خرجت المملكة من الحرب وبنيتها التحتية سليمة، وبناها الاقتصادية كلها سليمة، وبنيتها البشرية والاجتماعية سليمة. وكما لاحظ بندر: " لا أظن أنها سياسة بلهاء".

بعدما اتخذ قرار السماح بدخول قوات أمريكية إلى المملكة العربية السعودية ، كانت المشكلة الأساسية هي التدابير اللوجستية. فقد قيل في البداية إن عدد الجنود الأمريكيين المقرر نشرهم يبلغ خمسين ألفا: وهو رقم بعيد جدا عن المائتي إلى المائتين وخمسين ألفا الذين توقع الجنرال شوارزكوف نشرهم في اجتماعه مع الرئيس في كامب ديفيد في 4 أغسطس. مع ذلك فإن نشر ما يقل عن ذلك العدد يشكل تحديا لوجستيا كبيرا. كانت القوة الجوية كافية، لكن جلب أعداد فعلية من القوات البرية يستغرق بعض الوقت.

ولو قرر الجيش العراقي شن هجوم خلال تلك الفترة، لما كانت القوات البرية الأمريكية المرسلة آنذاك كافية لتأمين دفاع كاف. لذا أصبح من المهم جدا ألا يعرف صدام حسين نقطة الضعف تلك. كما كان من الضروري إبقاء القوة الفعلية التي تعتزم الولايات المتحدة إرسالها طي الكتمان الشديد. تم على الفور نشر المقاتلات الأمريكية والفرقة 82 الأمريكية المحمولة جوا.

ولكن وفقا لتقديرات الجنرال شوارزكوف يستغرق الإنجاز الكامل ما يصل إلى 17 أسبوعا. كما يلزم عشرون يوما تقريبا قبل أن تتوافر الطائرات الكافية، والمجموعات القتالية لحاملات الطائرات لردع الجيش العراقي، المحتشد فعلا في الكويت.

في اليوم التالي للمحادثات مع الملك فهد، اجتمع الأمير سلطان وبندر مع الوزير تشيني في جدة. واتفقوا جميعا على عدم إعلان أي شئ عن العملية المطروحة على بساط البحث إلا بعد يومين، حين تصبح طلائع القوات الأمريكية على الأرض بالفعل. لكن تبين أن التوقيت وحساسية القضايا المتنازع عليها أكثر صعوبة في واشنطن، حيث تتعارض قضايا الأمن مع حرية الصحافة الأمريكية.

قيل إنه "ما من رئيس أمريكي دفع بالولايات المتحدة لحرب كبيرة بهذه السرعة والضخامة". وقد جارت وسائل الإعلام سرعة تتابع الأحداث على الفور تقريبا، فكانت العناوين الرئيسية تصدر عن الصحافة ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة. ووسط اتهامات بالتقليل عمدا من حجم القوات الأمريكية التي سترسل غلى الشرق الأوسط، تعرضت إدارة بوش لهجوم عنيف من وسائل الإعلام فيما كانت الأزمة لا تزال تتكشف.

كتب في الصحف:

" الحقيقة هي أولى الضحايا لا في الحرب فقط، وإنما في الإعداد للحرب أيضا، إذ أنهما يعتمدان بشدة على السرية والمراوغة والخداع".

ومثل هذا الشعور تعتبره الصحافة الغربية مضرا بالحقوق العامة، لكن التمادي في حرية الصحافة وبخاصة في فترة الحرب يعرض أرواح العسكريين للخطر. وقد أبدى بندر تعجبه في كثير من مقابلاته من عدم الإقرار الأمريكي بههذ الحقيقة العسكرية

قائلا:

" لديكم في أمريكا ترف التعامل مع العمليات العسكرية مثل التعامل مع مخيمات الكشافة. الأمر ليس كذلك، لا يمكن أن تطالبوا ويجب ألا تطالبوا بتفاصيل عن العمليات العسكرية. حياة الناس في خطر في الخليج، ولا يمكنكم التحدث عن الأمر كما لو أنه مباراة في كرة قدم".

على الرغم من ذلك، بقيت وسائل الإعلام شوكة دائمة في خاصرة الرئيس. فقاتلت بضراوة لكي يطلق لها العنان أكثر من ذي قبل، وقد وصف الصحفي أنطوني لويس محطات التلفاز أنها: " أفظع بوق رسمي خلال الحرب"، وزعم موري ماردر أن إدارة بوش وصلت غلى مستوى من السيطرة على الصحافة المقروءة، والمسموعة والمرئية الأمريكية وعلى الرأي العام الأمريكي بحيث كان يمكن أن يقدم الرئيسان جونسون ونيكسون أي شئ في مقابل مثل هذه السيطرة خلال سنواتهم المضربة إبان حرب فيتنام.

لعل مثل هذه السلبية تغفل الحاجة إلى التضامن الوطني في وجه العدوان الخارجي ومسائل السياسة الخارجية الحساسة. وقد عبر الرئيس عن خيبته من الصحافة الأمريكية، فكتب " بالنسبة إلى من يظنون أنني شديد الارتياب بالصحافة، عليهم النظر إلى استطلاع الرأي الذي أجرته إذاعة أيه بي سي وصحيفة واشنطن بوست... يبدو لي أنهم لا يريدون طباعة الأخبار التي لا يريدون قراءتها. وذلك أمر معهود ". وكان الرئيس غاضبا من استطلاع للرأي، رعته جزئيا صحيفة واشنطن بوست وجرت مواراته في صفحة خلفية من العدد لأنه أظهر أن قسما كبيرا من الرأي العام يؤيد مبادرات الرئيس.

إلى جانب نشر القوات الأمريكية، كان من المهم بالنسبة إلى المملكة وإدارة بوش أن تقوم الدول العربية المؤيدة والقوى الدولية الأخرى بدور فعال في الدفاع عن المملكة العربية السعودية .

وفي مؤتمر طارئ لجامعة الدول العربية عقد في القاهرة في 9 أغسطس، بدعوة من الرئيس مبارك صوتت أثنتا عشرة دولة من أصل إحدى وعشرين تأييدا لقوة عربية تدافع عن المملكة العربية السعودية . وكانت تلك البلدان عازمة على إصدار قرار يسمح بإرسال قوات عربية.

ولم يكن مثل ذلك الإجراء دفاعيا فحسب، وإنما يوفر أيضا غطاء دعم دولي تستطيع القوات الأمريكية العمل في ظله. وأبرز مؤتمر القمة أيضا الانشقاق الذي وقع بين دول عربية اعتبرت مؤيدة لصدام حسين ودول عربية معارضة له.

فعارضت ليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية إنشاء قوة دفاع عربية، وأيدت تلك القوة كل من مصر والكويت ولبنان والمغرب وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والصومال وسورية والإمارات العربية المتحدة، وامتنعت الجزائر واليمن عن التصويت، وتحفظت موريتانيا والأردن والسودان، وغابت تونس عن المؤتمر. وفي 11 أغسطس بدأت القوات المصرية والمغربية بالوصول إلى المملكة العربية السعودية.

كان وجود القوات الدولية نقطة محورية آثارها بندر في تعامله مع الدائرة الإعلامية الأمريكية . ففي برنامج لاري كنغ لايف قال بندر: لستم وحدكم من أرسل قوات إلى بلدنا. البريطانيون هناك وكذلك بلدان عربية وإسلامية ، مصر والمغرب وسورية وباكستان وبنغلادش. لذا هذه قضية يلتف العالم كله حولها.

وفي مقابلة أخرى شدد على القول:

" ما أدو أن يعرفه أصدقاؤنا الأمريكيون والجمهور الأمريكي هو أنكم لستم وحدكم، العالم كله مجتمع معا. هل يمكن أن يكون العالم كله على خطأ وصدام حسين على صواب؟".

خلف الوحدة الثابتة في الظاهر، كان بندر يبذل قصارى جهده مع الملك فهد لإبقاء الدول المعادية لصدام موحدة، فضلا عن اجتذاب الدول التي تقف موقف المتفرج. وبطلب من الملك، انتقل الأمير إلى سورية كي يحاول إقناع الرئيس الأسد، الذي يعبر عن قلقه بشأن التزام أمريكا وبعد طمأنة الرئيس السوري أنه يثق شخصيا بالرئيس الأمريكي وبقوة وحجم القوات الأمريكية التي يجري نشرها، نجح في كسب تأييد الأسد، غير أن الأسد امتنع عن إعلان قراره دعم المملكة العربية السعودية أربعين يوما آخر".

شكل دعم الملك الأردني حسين لصدام حسين عائقا كبيرا أمام الموقف العربي الموحد، وسبب الألم على نحو خاص للملك فهد وبندر والعائلة المالكة السعودية كلها. فالأردن موجود جغرافيا في موضع محفوف بالمخاطر.

لكن على الرغم من أن آل سعود كانوا يعون مأزق الأردن، فإنهم لم يستطيعوا إيجاد مسوغ لملاحظات أبداها الملك حسين، وتدعو بشكل أساسي غلى إخراج القوات الأجنبية من المملكة العربية السعودية بحجة أن الحدود الكويتية العراقية أنشأها المستعمرون البريطانيون.

في 19 سبتمبر 1990، قطعت المملكة العربية السعودية جميع العلاقات مع الأردن، مذكرة بفواتير غير مسددة، كما أنها أوقفت جميع الواردات الأردنية وطردت دبلوماسي الأردن وفلسطين واليمن والعراق. ولعل ما هو أبلغ تأثيرا من ذلك أن بندر كتب رسالة شخصية- إلى الملك الأردني، وهو الرجل الذي تجمعه به صداقة شخصية حميمة.

جلالة الملك

أليس من الأشرف والأصدق أن تخاطب الشعب العراقي من دون الرجوع إلى صديقك الآخر، صدام وتخبره عن أفعاله المخزية بغزو بلد عربي شقيق ومسلم وضمه، وعن أعمال الاغتصاب والتدمير التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ. هذه حقيقة، والحقائق أشياء لا مفر منها.

تقول جلالتك إن قوات صديقة دنست الأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية وإنه يجب على هذه القوات أن تغادر على الفور. لكن هذه القوات بعيدة في الواقع مئات الأميال، وهناك عشرات الألوف من الجنود المسلمين العرب (ليس من بينهم جنودك) بين تلك القوات الصديقة والأماكن المقدسة. وهذه القوات كلها مكرسة للمساعدة على الدفاع عن المملكة العربية السعودية وهي تحترم ما تقوم المملكة به في خدمة الأماكن المقدسة. ولن تغادر هذه القوات إلى أن يغادر صديقك صدام الكويت بشكل سلمي وفوري كما نأمل.

أخبرنا، يا صاحب الجلالة، ماذا فعلت لصون المسجد الأقصى وكنيسة القيامة اللذين ضيعتهما أمام الإسرائيليين سنة 1967، اي منذ ربع قرن تقريبا؟ هل هذه هي الحماية التي تريد أن نوليها للأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية ؟

وقد زعمت يا صاحب الجلالة، أنك تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفي دولة خاصة به. وأنا أدعمك في ذلك. لكنك كنت مسئولا عن الوطن الفلسطيني في الضفة الغربية من 1948 إلى 1967. فلماذا لم تعطهم طوال تلك الفترة حقوقهم ودولتهم؟ وكيف يمكن أن يقدم احتلال الكويت لإخوتنا الفلسطينيين وطنهم؟

تتحدث عمن "يملكون" وعمن "لا يملكون". إن سجل المملكة العربية السعودية كواحدة ممن يملكون واضح في مساعدة من لا يملكون ونحن فخورون بذلك. التفت فقط إلى سجلات وزير الحج ماليتك وانظر إلى مقدار ما أعطيتك المملكة العربية السعودية وأعطت بلك، عن طيب خاطر وسرور كإخوة. إنك يا جلالة الملك رجل ذكي جدا، وتتمتع بذاكرة حادة. تقول إن الحدود الكويتية العراقية، متنازع عليها وقائمة على سجل تاريخي وضعه المستعمرون البريطانيون.

يا صاحب الجلالة، إنك آخر من يستطيع أن يقول ذلك. فليست حدودك فقط، بل بلدك كله أوجده المستعمرون البريطانيون أنفسهم. وهل تذكر يوم دعوت جنودا بريطانيين إلى دخول بلدك سنة 1958؟ لم نعترض على دوافعك وحكمتك في ذلك الشأن أو نشكك فيهما.

أخوك الملك فهد فخور بصداقته مع الرئيسين مبارك والأسد والملك حسين ورؤساء باكستان وبنغلادش والسنغال، وقادة المجاهدين والرؤساء غورباتشيف وبوش وميتران ورئيسة الوزراء تاتشر، وكثير من رؤساء الدول الأخرى وشعوبهم، الذين انضموا إلى الاجماع العالمي في الأمم المتحدة وانتظموا ضد العدوان السافر وضد ضم شقيقتنا دولة الكويت.أرجو أن تكون فخورا بأصدقائك الجدد، صدام حسين وأبو العباس وأبو نضال وحبش وحواتمة، وسائر ذلك الحشد غير المقدس.

تقول لنا يا صاحب الجلالة إن الموقف اليوم كالموقف في سنة 1914 حين كان العالم ذاهبا غلى حرب لم يكن يريدها لكنه لم يستطع وقفها، الأمر الذي أدى إلى الحرب العالمية الأولى. هذا ليس صحيحا يا صاحب الجلالة الموقف هو كالموقف في الثلاثينيات حين قرر رجل مجنون ضم جارته ولم يفعل العالم شيئا ما فى إلى الحرب العالمية الثانية.

يا صاحب الجلالة، أرجو أن تتذكر ما الذي سبب هذه الأزمة بأكملها في منطقتنا، إنه قيام صدام حسين بغزو دولة الكويت العربية والمسلمة. وبعد ذلك فقط وبسبب ذلك دعيت القوات العربية والصديقة. وهي كلها سترحل حين يدحر هذا العدوان أو حين نطلب منها أن ترحل. هذه هي الحقائق.

يا صاحب الجلالة لطالما كنت أكن لك احتراما ومودة عظيمين، ولا أزال أكن لشعبك احتراما ومودة عميقين. لكنني لم أعد أشعر أنك الرجل الذي عرفته. أرجو أن أكون مخطئا. وإذا كنت مخطئا، ارجو يا صاحب الجلالة أن تقبل اعتذاري الشديد. لكن الحقائق لا مفر منها.

هذه الرسالة المفتوحة والمثيرة للجدل من بندر إلى الملك حسين قدمها فر داتون كمقالة في باب الرأي إلى صحف واشنطن بوست ونيويورك تايمز وسان فرانسيسكو كرونيكل في وقت واحد. وقد نشرت الصحف الثلاث الرسالة، التي سببت عاصفة من الاجتياج في الصحافة الأمريكية.

وقد أبلغ بندر أصدقاء له لاحقا

"بقدر ما حظيت به تلك الرسالة من دعاية، وبقدر ما نلت من مديح من كل مناوئي صدام - من المملكة وأمريكا وأوربا والعالم العربي - فإنها كانت أشد ما كتبته لأحد إيلاما، لأنني كتبتها وأنا في صراع مع نفسي. فمن جهة أردت فعلا أن أكون لئيما ومن جهة أخرى لم أرد حقا أن أكون لئيما تجاه الشخص نفسه الذي كنت أكن له الكثير من المودة لكنه لم يترك لي مجالا للمناورة".

في نقاش لاحق في برنام جون ماكلوغلن وجها لوجه على تلفزيون بي بي أس، كرر بندر الإعراب عن خيبة أمله من موقف الملك حسين، لكنه ردد عبارات الاحترام للملك قائلا:

" إنني أكن للملك حسين احتراما عظيما. فهو في النهاية إلى جانب كونه واحدا من قادتنا العرب ، طيار حربي زميل.إن ما فعله مؤلم لأن المملكة العربية السعودية وضعت تحت قيادته في الأردن جنودا لمدة عشر سنين وعندما أرسلناهم إلى هناك، نزولا عند طلبه، لم تكن ثمة تساؤلات وأرجو ألا ينسى ذلك ".

وقد كشف لي العقيد بوب ليلاك في ما بعد الأسس الحقيقية لتلك الرسالة، موضحا:

" كان الأمير بندر والأميرة هيفاء وبعض الأصدقاء يشاهدون الملك حسين وهو يدلي بحديثه إلى تلفزيون سي أن أن. وفي أثناء ذلك كان الأمير يعلق عليه جملة جملة، كرد فعل عليه". وندما أنهى الملك حسين كلمته، نظرت الأميرة هيفاء إلى بندر وقالت:" لم لا تكتبها؟".

قال بندر وهو لا يعي ما كان يفعله : " ماذا أكتب؟".

أجابت الأميرة هيفاء : " لابد من إسماع إجاباتك الملك".

فقال بندر: " حتى لو أردت أن أكتبها، فإنني لا أذكر ما كنت أقوله. كنت أرد فقط".

فقالت هيفاء: " لندع كل الحاضرين في هذه الغرفة ينعشون ذاكرتك ما داموا سمعوا ما قلتماه كلاكما".

ولما كان الحاضرون قد سجلوا المقابلة مع الملك حسين على شريط فيديو، فقد أعادوا عرض الشريط. وبعدما عصر كل منهم ذاكرته، ابتكر بندر اللازمة: " الحقائق لا مفر منها يا صاحب الجلالة". وكانت شيئا اعتاد ريغن قوله، وتخلل فقرات رسالة بندر.

وذكر ليلاك أنه على الرغم من مرور سنوات على الرسالة، فإن ألم كتابتها لا يزال يلازم بندر الذي قال: " إنه أمر مدهش فما يبدو للناس أنه أجمل ساعات المرء، قد يكون بالنسبة إليه أسوأ ساعاته، لأنني لم أجد أي متعة في كتابتها بالفعل".

وقال الدكتور سعيد كرمي، متحدثا عن العلاقة بين بندر والملك حسين:

" كان بندر يحب الحسين ويحترمه أيما احترام كان ملكا معلما بطريقة ما صديقا طيارا زميلا رجلا عمليا وواقعيا نشيطا ذكيا وكان الصامد الأمثل . وقد حير بندر بموقفه خلال حرب الخليج وغزو الكويت .
لقد ساند الملك حسين موقف صدام حسين الأسباب أكثر تعقيدا مما فهمه الناس. وسبب موقفه ألما للقيادة السعودية وبندر شخصيا، لا لما فعله وقاله بل لأنه كان قريبا منهم بحيث لم تساورهم الشكوك في اتجاه هواه وقد مروا بأوقات عصيبة من قبل.
الفارق الكبير، الذي لا يفهمه الناس ولا يقدرونه في رد الفعل السعودي الحاد باتجاه هذا الرجل الذي أحبوه جميعا، من الملك فما دون وبصرف النظر عن المشاعر الشخصية التي ساورتهم هو أن كان يستشيرهم مسبقا في الماضي عندما يجد نفسه في مثل هذا الموقف.
وكان يخبرهم عن سبب عزمه على الإقدام على فعل شئ لا يحبذونه، كما كانت حاله مع عبد الناصر وما إلى غير ذلك، وكان السعوديون يوافقون على أن ذلك السبيل الأفضل له، بعد أن يعرفوا أنهم يتفاهمون وأنه لن يتغير".

على مر السنين، صلحت العلاقة بين المملكة العربية السعودية وقويت . وقبيل وفاة الملك حسين، اتصل مساعدوه ببندر هاتفيا في منزله في انجلترا. وقالوا: " صاحب الجلالة لا يستطيع أن يكلمك، لكن لديه رسالة لك. ابني (الذي اصبح الملك عبد الله لاحقا) هو ابنك أرجو أن ترعوا ابننا وأن تعتنوا به".

وأجاب بندر بسرعة: " قولوا للملك حسين إن ابنه ابننا وسنعتني به"

ومات الملك بعد ذلك بوقت قصير، وكان بندر بين الكثيرين من أفراد العائلة المالكة السعودية الذين حضروا الجنازة.لم يقتصر الدعم الأمريكي إلى الشرق الأوسط على نشر قوات. فمن نتائج التعاون بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية التعزيز الأمريكي للقدرات الدفاعية السعودية. وقد بذلت إدارة بوش جهودا لإرسال ما كان اعتبر معدات عسكرية ضرورية للغاية إلى المملكة العربية السعودية.

وأوضح برنت سكوكروفت :

" كان العراق يملك جيشا أكبر بكثير من الجيش السعودي ويتمتع بتفوق نوعي إذ لم يكن لدى السعوديين ذخائر تستطيع التغلب على دبابات العراق سوفيتية الصنع. كما هي الحال مع كثير جدا من عمليات نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط، فقد كانت هناك صعوبات. أولا كان يحظر الإدارة بيع ذخائر من نوع معين لبلدان خارج حلف الناتو. ثانيا، كان لابد من فترة انتظار مدتها 30 يوما فاصلة بين إشعار الكونغرس وشحن الأسلحة، ما أطال فترة تعرض السعوديين للخطر.

ومع ذلك في 26 أغسطس حصل الرئيس بوش على تنازلات رسمية موقعة تجيز إجراء نقل فوري لـ 150 دبابة و24 طائرة وكمية محدودة من الذخائر إلى المملكة العربية السعودية. بيد أن الكونغرس رفض حزمة ثانية مقترحة في سبتمبر وتشمل دبابات ومعدات حديثة تتراوح قيمتها بين 17 و20 مليار دولار ولتلبية شروط الكونغرس، قسمت الحزمة إلى قسمين. يشحن القسم الأول عند تحديد الحاجة الفورية والتوافر، على أن يليها القسم الثاني في موعد لاحق.


خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 1990، وعلى الرغم من جدول المواعيد المزدحم جدا والمقسم بين توقيتين متفاوتين، توقيت واشنطن دي سي وتوقيت المملكة العربية السعودية، استطاع بندر أيضا أن يلتفت إلى تشكيل لجنة السلام والأمن في الخليج.

وهي في جوهرها لوبي يعمل لدعم مبادرات الرئيس بوش خلال الأزمة وتضم شخصيات مرموقة م الحزب الديمقراطي مثل السيناتور ستيفن سولارز (نيويورك)، والمديرة السياسية للجنة الوطنية الديمقراطية آن لويس، فضلا عن مسئولين سابقين في إدارة ريغن ، منهم ريتشارد بيرل، المساعد السابق لوزير الدفاع، وفرانك كارلوتشي وزير الدفاع الأمريكي السابق، وجين كير كباتريك سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، وأعضاء آخرين في الكونغرس.

وقد دعت اللجنة لاستخدام القوة في الشرق الأوسط لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة شريطة مشاورة الكونغرس قبل القيام بأي عمل. وقد وصف الرئيس اللجنة أنه " تساعد كثيرا على تبيان الجانب الآخر من المسألة".

على الرغم من وجود اللجنة فقد كانت قو نافذة داخل الكونغرس مصممة على معارضة أي تحول عن موقف الولايات المتحدة الدفاعي. ومع أن القوات الأمريكية كانت تحتشد بالفعل فقد ظل موقف الولايات المتحدة دفاعيا. وقد أرسلت رسالتان معارضتان من الكونغرس إلى الرئيس بوش، تعترضان على اتخاذ أي إجراء لإخراج القوات العراقية من الكويت بالقوة. وقد ضمت الرسالة الأولى التي سلمت في 9 أكتوبر تواقيع 33 من الديمقراطيين.

وفي مؤشر واضح على تنامي الزخم ضمن الفريق المعارض للحرب، سلمت رسالة ثانية إلى الرئيس في 30 أكتوبر أي بعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على الرسالة الأولى، وكانت تضم تواقيع 81 من الديمقراطيين.

وجاء تعاظم المعارضة بسبب المخاوف من الحشد المتواصل للقوات، وعدم وجود سياسة التناوب في العملية، والشعور الجلي أن القرارات تتخذ من دون مشاركتهم. أصبح القلق في الكونغرس واضحا. ونصت الرسالة الثانية صراحة على أ " الكونغرس وحده يستطيع إعلان الحرب بموجب الدستور الأمريكي". و "نحن نشدد على معارضتنا أي عمل عسكري هجومي".

على الرغم من قوة الشعور الذي ينبض في الكونغرس، والدعوات الشديدة التي أطلقها الكونغرس مطالبا بمشاركة أوسع في عملية صنع القرار، فقد أصاب بوب دول لب المشكلة حين قال" كيف نجري مناقشة علنية من دون أن نرسل إشارة خاطئة إلى صدام؟ إذا كنا في الكونغرس نريد المشاركة، فإننا إذا مدينون لأبنائنا وللرئيس بتأييد سياسة البيت الأبيض" بعيدا ع الخطابة تبين أن وجود أجانب وغير مسلمين على الأرض السعودية أمر شائك. وفجأة أصبحت مسائل غير مطروحة في الجيش الأمريكي تتطلب دراسة ، وانتباها وعملا متأنيا.

يقول باول في حديثه عن بندر:

" مازحته مرة في أثناء حشد القوات استعدادا لحرب الخليج. كنا نمضي وقتا طويلا معا ونحن منكبون على كثير من القضايا. قال لي، يا كولن لا يمكن أن يأتي الجنود إلى المملكة وهم يضعون صلبانا ونجوم داوود على صدورهم، فأجبته يا بندر لابد أنك جننت. هل تعتقد أنني أستطيع أن أبلغ لشعب الأمريكي أننا قادمون لإنقاذهم ولا نستطيع ارتداء الصلبان والنجوم"؟ لكن ذلك كان يشغل السعوديين حقا، وتم التوصل إلى تسوية قضت بالسماح للجنود بارتداء رموزهم الدينية شريطة أن تكون تحت قمصانهم.

وأثيرت أيضا مسألة المكان الذي يستطيع الجنود اليهود أن يمارسوا فيه طقوس يوم السبت. فسأل باول الأمر بندر: " كيف ستتبرون هذا الأمر؟ وكان الجواب: ضعوهم على حاملة طائرات قبالة الساحل. وهكذا جمعنا الشبان اليهود كلهم وأرسلناهم إلى إحدى القطع البحرية الحربية". مع أنه أسر بالقول: " تجاهلنا الأمر أخيرا ما داموا يلتزمون الهدوء ولا يظهرون أي شئ".

لم تكن معالجة مثل تلك المسائل تقتضي، بالنسبة إلى الولايات المتحدة نظيرا عربيا لديه فهم معمق لكلا الثقافتين فحسب، بل وجود علاقة شخصية أيضا بين اللاعبين الرئيسيين. ويقول باول:

" كان يجب أن يكون مرجعا يفهم احتياجاتي، ويعرف أنني أفهم احتياجاته. وذلك لا تحصل عليه عبر المنصب، وإنما عبر العلاقة الطويلة مع ذلك الشخص، وقد تمكنا من معالجة كل المشاكل التي تطرأ تقريبا، وهناك عشرات منها". وقد كان بندر المرجع الأفضل بالنسبة غلى بوش وباول وهناك عشرات منها". وقد كان بندر المرجع الأفضل بالنسبة إلى بوش وباول والملك فهد.

كان الكونغرس يحث الرئيس بشكل متكرر على منح عقوبات الأمم المتحدة الفرصة في إطار الائتلاف الدولي، لكن بوش ازداد قناعة أن العمل الهجومي هو المسار الوحيد الذي ينبغي اتباعه. وكان ينتظر بقلق قرار مجلس الأم بشأن استخدام القوة لطرد صدام حسين من الكويت لكن من دون أن يعلم، وفي عملية غير مسبوقة تضعف الرئيس القائم ، بعث الرئيس السابق جيمي كارتر برسالة إلى أعضاء مجلس الأمن، يحض فيها المجتمع الدولى على عدم التصويت لصالح القرار 678، الذي يجيز استخدام القوة في الكويت. ورأى الرئيس السابق أن ثمن زعزعة استقرار المنطقة والخسائر في الأرواح سيكونان جسيمين جدا.

قيل إن الرئيس بوش استشاط غضبا لكنه أمر موظفيه بعدم التطرق إلى هذا الأمر. وكان ذلك قرارا حكيما. ففي 29 نوفمبر 1990 أجرى مجلس الأمن الدولي تصويتا حاسما ومدويا لصالح القرار 678 وبحسب تعبير الرئيس بوش: " صوت مجلس الأمن على الذهاب إلى الحرب".

كان هناك أمل على نطاق واسع في أن يقنع القرار 678 صدام حسين أن الأطراف الدولية عازمة على طرد قواته من الكويت بالقوة إذا لزم الأمر. ولما كانت بلدان مثل فرنسا وروسيا وألمانيا واليابان تعترض في بادئ الأمر على استخدام القوة العسكرية فقد كان يرجى أن يؤدي تصويتها لصالح القرار 678 إلى تصحيح افتراض صدام حسين أن العالم سيتركه محتفظا بالكويت. اعتبرت مهلة الستة أسابيع المنتهية في 15 يناير 1991 حاسمة لإقناع صدام أن العالم جاد وأن عليه الانسحاب من الأراضي الكويتية فورا.

لذا كان من المؤسف جدا بعد النجاح الذ تحقق ضمن التحالف، أن يقدم الرئيس بوش في 30 نوفمبر 1990 على خطوة تنطوي على تبعات كارثية، وهي التقدم "خطوة إضافية من أجل السلام". فقد اقترح الرئيس بوش، استجابة لمعارضة الرأي العام والكونغرس من جهة، ولراحة باله من جهة أخرى إرسال جيمس بيكر غلى بغداد وتقديم دعوة إلى وزير الخارجية العراقي طارق عزيز لزيارة واشنطن.

كان التوقيت سيئا جدا فقد أحدث تصرف الرئيس صدمة في صميم الائتلاف بدت أمريكا كأنها تتراجع بعدما أجاز العالم استخدام القوة. بعد ايام قليلة من إعلان اقتراح الرئيس في 30 نوفمبر، اتصل بجيمس بيكر الذي ذكر أن الأمير " رأى أن بغداد هي آخر مكان ينبغي أن أفكر في زيارته" وقال بندر: " من الجنون أن تذهب غلى هناك . فهذا الرجل سيأخذك رهينة". اعتقد بيكر أن بندر مقتنع أن "صدام لن يتقيد بأي قواعد إذا ما اقتنع فعلا أننا قادمون لطرده". وفي تعليق معبر عن النوايا السعودية تجاه صدام حسين.

قال بيكر أيضا ": لم يكن بندر يريد أن يذهب أصلا. فالسعوديون لا يرغبون في تسوية تبقي جيش صدام سليما". غير أن بندر أصبح من الصقور. ففي محاولة تنم عن خيبة الأمل في شرح الفارق بين الأمريكيين والعرب قال السكوكروفت: " كان عرض سلام، بعد 24 ساعة على انتصار الأمم المتحدة، بمثابة رسالة غير صحيحة إلى صدام: إنه رسالة تشي بالضعف . إرسال بيكر بالنسبة إليكم دليل على حسن النية، لكنه يوحي لصدام أنكم جبناء".

في آخر مسعى لتجنب الحرب أضعف بوش من حيث لا يدري عمل الائتلاف، وأقنع صدام المهووس فعلا أن العالم الخارجي خائر العزيمة. وقد جاءت النتيجة فورية. فمن بغداد قال فريق من البي بي سي "الشعور السائد هنا من دون شك هو أن الرئيس صدام حسين جعل الأمريكيين يولون الأدبار". وهكذا أعطى الرئيس بوش صدام السبب الذي يحتاج إليه للبقاء في الكويت حتى نهاية المهلة التي حددها الائتلاف.

أقر سكوكروفت نفسه أن التواريخ كانت غير صحيح. فقد دعي طارق عزيز إلى واشنطن خلال السبوع الذي بدأ في 10 ديسمبر، لكن دعوة بيكر إلى بغداد حددت في موعد بين 15 ديسمبر 1990 و15 يناير 1991. وأتاح ذلك الفرصة أمام صدام ليقايض بالوقت حتى انتهاء مهلة الأمم المتحدة.

غير أن سكوكروفت اعترف لبندر أن الاجتماع ما هو إلا مناورة، وأكد أن الخطط لخوض الحرب جارية على قدم وساق. فبوش ما هو إلا مناورة ، وأكد أن الخطط لخوض الحرب جارية على قدم وساق . فبوش يريد أن يظهر للعالم - ولأمريكا بشكل خاص - أنه رجل سلام وأن خيار الحرب هو خيار صدام. ومع ذلك كان صدام منتشيا واعترى حلفاء أمريكا في العالم العربي القلق من أن الولايات المتحدة أخذت تتراخى.

لقد انبرى صدام حسين فورا إلى التلاعب بحسن نية أمريكا عن طريق الإصرار على ان تتم زيارة بيكر في 12 يناير - أي قبل ثلاثة أيام فقط من انتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن. وأصر بوش على موعد قبل 3 يناير وأخيرا التقى بيكر وعزيز في جنيف في 9 يناير وخلال ذلك اللقاء دعا وزير الخارجية العراقي نفسه لزيارة الولايات المتحدة وبيكر لزيارة بغداد. فرد بيكر وقد أغضبه "التغطرس المطلق"، كما أوضح للرئيس لاحقا: " لا، أعطيناكم خمسة عشر يوما، فقلتم لا. والآن تحاولون التلاعب بالموعد النهائي".

رأى بندر لاحقا أن "بوش وبيكر منحا صدام الارتياح في أشد اللحظات ضيقا وحرجا عند الزعيم العراقي". غير أن بيكر وجه في جنيف إلى طارق عزيز إنذرا أخيرا. إذا وافق على الشروط المطروحة، فلن تكون هناك حرب. وغذا رفضها فالحرب واقعة لا محالة.

وفي 11 يناير انتقل بيكر إلى الممبكة العربية السعودية وشرح للديوان الملكي أن "العراقيين رفضوا لذا نحن ذاهبون إلى الحرب لكن لا يمكننا الذهاب إلى حرب حتى يوافق الملك فهد عليها". وقد أعطيت تلك الموافقة بسرعة.

بدأ الحلفاء استعداداتهم الأخيرة لحرب ترمي إلى طرد من الأرض الكويتية بالقوة. وقبل مغادرة بيكر غلى واشنطن لتقديم تقرير كامل إلى الرئيس بوش، سأل الملك فهد: " كيف نتصل بخصوص ساعة الصفر يوم الهجوم؟ الأمر حساس وتتوقف عليه أرواح الكثيرين. أحتاج إلى كلمة السر بيننا، يا صاحب الجلالة".

قال له الملك فهد: " حسنا، ساتدبر الأمر مع بندر، وستكون كلمة السر مع بندر. أخبروه فقط وهو سيتولى الاتصال بي". أعد بندر لمغادرة المملكة العربية السعودية بعد مغادرة بيكر مباشرة لكي يكون في موف يسمح له في واشنطن أن يطلع على الهجوم المعد له. غير ان الملك فهد كانت لديه خطط أخرى للأمير.

قال الملك لبندر: " ائتني الليلة بكلمة سر بيني وبينك لا يستطيع أحد أن يفكها". وحين حاول بندر التملص، كرر الملك فهد القول : " الليلة". لا تزال كلمة السر الحقيقية التي استخدمها بندر وفهد لتأكيد البداية المقترحة لعملية عاصفة الصحراء، موضع شئ من الجدل. فبحسب قول بوب وودوارد، استخدم بندر العبارة في حديث عام مع الملك " صديقنا القديم سليمان قادم عند الساعة الثالثة صباحا. إنه مريض وسأنقله إلى الخارج، وسيصل إلى هناك عند الساعة الثالثة صباحا".

وأيد بيكر أيضا تلك الرواية. غير أن روايات أخرى تقول إن كلمة السر هي: كيف حال عمي المفضل؟ وهاتان العباراتان غير صحيحتين وفقا لبندر. فكلمة السر التي تدل أن هجوم الحلفاء على القوات العراقية سيبدأ وتحدد في أي وقت هي، كما يقول بندر اسم سليمان الحلي.

ففيما كان بندر يقود سيارته في شوارع الرياض، محاولا التفكير في كلمة السر يتذكرها الملك بسهولة، خطر بباله قول شائع لدى سلاح الجو يدعو لانتهاج البساطة. وباسترجاعه حياته الباكرة مع جدته، تذكر الأمير رجى يدعى سليمان الحلي ويتحدر من أسرة جدته لجهة أمها.كان رجلا مرحا اعتاد رواية الطرف وإضحاك جدته وكثيرين من عائلة بندر، بمن فيهم الملك فهد. وكان سليمان الحلي الذي توفي قبل 25 سنة تقريبا شخصية لا يعرفها أي جهاز استخبارات في العالم، غذ لم يكن له مكان في التاريخ.

عاد بندر لمقابلة الملك : " وجدت كلمة السر".

سأله الملك فهد: " ما هي؟".

"سليمان الحلي".

أجاب الملك: " ماذا؟ إنه متوفى".

قال بندر : " أعرف ذلك وأراهن أن المخابرات الأمريكية والروسية والبريطانية مجتمعة لا تستطيع أن تعرف من هو سليمان الحلي".

أجاب فهد: " حسنا. هذا معقول تابع".

تابع الأمير: " عندما أعرف موعد الهجوم أتصل بكم وأقول عائلة سليمان الحلي".

قاطعه الملك فهد: " لم العائلة؟"

أوضح بندر:

" في حال عرف أحد من هو فسيقول لقد مات منذ خمس وعشرين سنة، لماذا يأتون على ذكره؟".

وكانت القصة التي لفقها بندر أن الملك فهد أرسل أحد أفراد عائلة سليمان الحلي إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج الطبي، لكن الأطباء اتصلوا ببندر وقالوا له لا أمل في شفاء المريض. فقال للملك فهد: " أوصى أن نعيده إلى الديار ليكون فيها حين يوافيه الأجل. وعندها تسألني متى سيصل إلى الوطن كي أرسل من يستقبله؟ فأحدد لكم وقتا يكون في الواقع موعد الهجوم". ووافق الملك في فكرة الأمير.

بعد مرور سبعة أيام وفي لقاء صباحي مع وزير الخارجية جيمس بيكر في 16 يناير 1991، أبلغ بندر بالقرار الأمريكي بضرب بغداد في مساء ذلك اليوم. وأبلغ الأمير الملك فهد هاتفيا بموعد الهجوم مستخدما كلمة السر، سليمان الحلي.

في 16 يناير في تمام الساعة الثامنة مساء بتوقيت واشنطن دي سي (الثالثة فجرا بتوقيت بغداد) أطلقت الولايات المتحدة عملية عاصفة الصحراء. بدأ لهجوم الجوي من دون أي عوائق. ونظرا إلى الغموض وسوء التفاهم اللذين شابا الحوار الأمريكي العراقي منذ البداية، وفيض الرسائل المشوشة المتدفقة من كلا البلدين عبر الأطلسي، فليس من المستغرب أن يجز صدام عن توقيع الإجراء الأمريكي أو استباقه.

مع اشتداد حملة الحلفاء على العراق، لعب صدام حسين ورقة أخرى، وراحت صواريخ السكود تتساقد على أهداف في إسرائيل. وذكر سكوكروفت كيف أنه بعد سقوط ثلاثة صواريخ سكود على إسرائيل (اثنان في تل أبيب، وواحد في القدس)، سلمه مدير عملياته رسالة تخبره أن "الإسرائليين يريدون توجيه ضربة معاكسة كبيرة داخل الغرب العراقي: مائة طائرة في صباح اليوم التالي، ومائة طائرة أخرى عصر ذلك اليوم، وهجمات بمروحيات أباتشي في الليل، وغارات كوماندوس على أن تدخل كلها العراق عبر المجال الجوي السعودي".

ابلغ باول شوارزكوف باقتضاب:

" لن يقبل السعوديون بذلك البتة، ولا يمكنك فعل ذلك من وراء ظهورهم. لديهم رجال في طائرات أواكس وسيعرفون " لكن فيما عبرت الإدارة عن غضبها إزاء الهجمات بصواريخ سكود، جرى بذل كل جهد لإقناع الإسرائيليين بالامتناع عن القيام بأي رد، وإذا استحال ذلك بحصر أي عمل في القواعد الجوية التي أطلقت منها صواريخ سكود في غرب العراق.

وقالت الإدارة:

" لقد دمرنا بالفعل جميع منصات صواريخ سكود المعروفة، ونحن نواصل هجومنا بطائرات وقوة نارية تفوق ما يستطيع الإسرائليون حشده، كما أن التدخل الإسرائيلي سيحدث توترا في الائتلاف الذي بذلنا ما في وسعنا لتشكيله وربما يصدعه".

على الرغم من توقع الرفض السعودي، فاتح باول وبيكر بندر بالأمر، وطلبا منه الحصول على إذن الملك بتحليق طائرات إسرائلية في الأجواء السعودية، غذ إن ذلك خيار أقل خطورة من الهجوم الإسرائيلي عبر المجال الجوي الأردني حيث قد ينظر إليه بمثابة بعد جديد يضاف إلى الصراع. قال باول: " أبلغت بندر أن الإسرائيليين يريدون أن يسمح لهم بعبور أجواء بلده لمهاجمة العراق".

وأجاب بندر على الفور: " الملك فهد رجل سخي، لكن سيكون رفع مثل هذا الطلب إليه مضيعة للوقت". ولم يبد الأمير أي مرونة بشأن الرد الإسرائيلي وأصر على عدم السماح لإسرائيل بدخول الحرب. وسرعان ما وافقت إسرائيل، كما أكد باول، مجددا على الإحجام وتم نزع فتيل الأزمة.

وفي 24 فبراير 1991 بدأ الهجوم البري ودام مائة ساعة بالضبط، أي حتى انتهاء عملية عاصفة الصحراء في منتصف ليل 27- 28 فبراير، وحققت قوات التحالف انتصارا مبينا. دحرت القوات العراقية بسهولة غلى ما بعد الحدود العراقية. وعلى الرغم من مخاوف الكونغرس القصوى، فقد بلغت الخسائر الأمريكية عند توقف إطلاق النار 97 قتيلا و 212 جريجا و 45 مفقودا.

ومع أن الخسائر مأساوية، فقد أثارت محدوديتها الإعجاب نظرا إلى كثافة الطلعات الجوية التي نفذت بالترافق مع الهجوم البري، حيث بلغ مجموعها في الحملة 110,000 طلعة . وكان عدد القتلى الأمريكيين في عملية عاصفة الصحراء أقل من العدد الذي سقط في تفجير مقر القوات الأمريكية في بيروت سنة 1983.

شعر بندر بإحباط شديد نتيجة القرار الأمريكي بتعليق الهجوم ما ترك صدام حسين في السلطة مع بقاء قسم كبير من حرسه الجمهوري سلما. فقد اتخذ بندر موقفا متشددا بعدما خدعه صدام شخصيا- متعمدا الكذب على شقيق عربي - وهذا ما أكده لي الوزير بيكر في مقابلة في منزله في هيوستن.

وزودني بملاحظاته الخاصة المدونة خلال اجتماع عقد بعد الغزو، وفي أثناء الإعداد لهجوم محتمل لاستعادة الكويت. أظهرت ملاحظات بيكر أن بندر كن يؤيد ردا عسكريا كاسحا على الغزو العراقي، قائلا: " إذا وقع اشتباك عسكري، فيجب أن يكون شاملا وكاملا. فنحن لا نستطيع تأمين الدعم لرد محسوب. إننا نشعر بقلق من الوصول إلى تعادل".

بيد أن بوش وافق على وقف إطلاق النار بعد أن تم تدمير أو إبادة جزء منه من القوات العراقية. لم يكن السعوديون سعداء بهذا القرار لأنهم يريدون أن يدمر المزيد من قوات جيش صدام، وبخاصة قوات الحرس الجمهوري النخبوية. ومما زاد الاستياء السعودي من إنهاء الهجوم، الموقف الخلقي والتصالحي الذي اعتمدته الولايات المتحدة تجاه العراق بعد وقف إطلاق النار، وهو موقف وصفه بندر أنه التطرية الأمريكية في أسوأ أشكالها".

وفي حديث مباشر عن توقيت وقف إطلاق النار، يقول بندر:

" أعتقد أننا من الوجهة العسكرية تعجلنا في الوقفن وأعتقد أننا فعلنا الشئ الصحيح من الوجهة السياسية. مع أنني الآن بعد مرور سنتين أظن أنه كان يمكن الحصول على نتائج أفضل سياسيا لو واصلنا تلك الحرب".

وضرب أخوه غير الشقيق الأمير خالد على الوتر نفسه في ذكرياته عن عاصفة الصحراء وأبرز الراي العربي بصورة خاصة حين قال:

" كان لابد من معاقبة العدوان لا مكافأته وإلا سقط النظام العربي لأن الحلفاء علقوا العمليات العسكرية من طرف واحد وطبقوا وقف إطلاق نار من دون جعله مشروطا باستسلام صدام حسين. ورأى أن الرئيس العراقي لا يزال في السلطة مع أن الحلفاء ربحوا الحرب بلا شك. نعم، تحررت الكويت لكن مقتلة الجيش العراقي في وجه قوات متحالفة ومتفوقة تقودها أمريكا أدت غلى وقف إطلاق النار لدواع إنسانية بتحريض من وسائل الإعلام، فأسفرت العملية عما هو دون انتصار مرض. بعد ذلك بسنوات واصل الرئيس تبرير قراره بوقف الأعمال العدائية عند تلك النقطة "

نفهم أن يطرح سؤال:

" هل تعجلنا في وقف الحرب؟ وجوابي كان ويظل دائما،لا. لقد حددنا المهمة: لم تكن قتل صدام حسين ولم تكن حتما احتلال بلد عربي، كانت إنهاء العدوان على الكويت". لكن على الرغم من النتجية الإيجابية لحرب الخليج، فقد بقي صدام في السلطة. أخطأ الحلفاء جدا في تقدير قدرة صدام على البقاء وانقلب الحظ كما تبين.

وقد أوضح بندر في اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت جون ميجور أن العالم العربي توقع أن يقوم الجيش العراقي بخلع صدام من السلطة، فتلك هي النتيجة المحتمة لهزيمة عسكرية دولية محرجة أخرى. لكن بدلا من ذلك أحكم صدام قبضته لى السلطة بلا هوادة ولم يحدث الانقلاب المنتظر قط.

وفي تطور إضافي آخر دعا السعوديون غلى تزويد الشيعة العراقيين بالسلاح سرا على أمل في أن يؤدي ذلك غلى سقوط صدام في النهاية. لكن على الرغم من التطمينات السعودية أن شيعة العراق أبعد ما يكونون عن شيعة إيران، الذين قاتلتهم الولايات المتحدة والعراقيون في الحرب الإيرانية فقد رفض الأمركيون الخطة من دون تردد.

كان لذلك الرفض عواقب كارثية على الشعب العراقي. فقد حض بوش الجيش والشعب اعراقيين على "تولي أمورهم بأيديهم" ودعا صدام حسين إلى "التنحي"، ثم ذهب في الاتجاه الآخر. كان موقف بندر من صدام حسين ومن الشروط التي فرضت عليه بعد وقف إطلاق النار واضحا لا لبس فيه.

ففي كلمة له أمام ندوة لرابطة سلاح الجو بعد نحو 18 شهرا عن استخدام العراقيين المروحيات، قال:

" وافق الجنرال شوارز كوف على السماح للعراقيين بالتحليق بالمروحيات بعد التفاهم على أنهم لن يسيئوا استخدامها. وعندما اساؤوا استخدامها في الجنوب، حدثتني نفسي أن علينا القول لهم أوقفوا الطيران في الغد. وكان الرد الأمريكي، قلنا لهم إن في وسعهم استخدامها وسيكون ذلك بمثابة تراجع عن كلامنا، أو تعلم أن هذا غير منصف، نقول لهم نعم... لذا قلت ذلك غير منصف بالتأكيد، يجب ألا ينسوا أننا كسبنا الحرب يمكننا أن نقول لهم لقد غيرنا رأينا، لا تحلقوا بالمروحيات غدا. "

كما هي الحال مع كثير من مساعي بندر الدولة، لعبت الصحافة الغربية وبخاصة الصحافة الأمريكية دورا أساسيا في الأحداث. فمن خلال مقابلات متلفزة ومؤتمرات صحفية كثيرة في أثناء حرب الخليج، عمل الأمير بلا كلل كي يفسر للجماهير الغربية الحقيقة وراء الصور المزعجة غالبا التي تذيعها وسائل الإعلام في الشرق الأوسط. وفي أحد الأمثلة أوضح أن "الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية يعطي الانطباع أن خمسين ألف متظاهر في الأردن العالم العربي. كل ما أود أن أقوله لكم هو هناك خمسين مليون نسمة في مصر يؤيدون الولايات المتحدة".

بالإضافة إلى المناورة نيابة عن الملك فهد خلال التمهيد لقرار الملك بقبول انتشار قوات أمريكية، لم يدخر بندر جهدا أيضا لإقناع الجمهور الأمريكي والكونغرس أن التدخل الأمريكي في الخليج خطوة إيجابية لن تجلب العواقب الوخيمة التي يخشاها كثير من الخبراء.

"كان من المسلي بالنسبة إلى مشاهدة خبراء بشئون الشرق الأوسط أو من يسمون مستعربين وهم يطلعونني على ما يحدث إذا أرسلت أمريكا قوات إلى الشرق الأوسط. كيف سيهب الشرق الأوسط إلى الثورة من الخليج إلى المحيط. وعندما لم يحدث ذلك، قالوا لكن هناك تظاهرات في نيجريا وتونس والأردن.

وكنت أستمتع بمناقشة هؤلاء الأشخاص والقول هل لكم أن تقولوا لي ماذا حدث في يوليو 1990 في نيجريا وتونس والأردن؟ تظاهرات في يناير 1991؟ تظاهرت وماذا حدث في نيجريا وتونس والأردن؟ تظاهرات . وماذا في أغسطس؟ لم يتغير شئ، كانت لديهم مشاكلهم، وأسبابهم واضيفت لافتة أخرى".

لا مجال للتشكيك في أهمية حرب الخليج الأولى في تحديد " نظام عالمي جديد". فقد تشكلت تحالفات، ونظمت ائتلافا واتخذ بلدان شرقية وغربية، إسلامية ومسيحية ضد طاغية واحد ونجحت، وإن يكن بشكل محدود.

وكما أوضح الرئيس السابق بوش:

" لم تتحقق هذه الرؤية بصورة كاملة عندما كنت رئيسا- على الرغم من أننا قطعنا شوطا بعيدا باتجاهها- لكن النظام العالمي اليوم جديد تماما في الواقع. إن النظام العالمي الجديد الذي سعينا في سبيله لا يعني وضع كل شئ تحت تصرف الأمم المتحدة أو التخلي عن ذرة من السيادة، إنه يعني العمل بالتعاون مع بلدان أخرى لإحلال مزيد من الديمقراطية، واستحداث مزيد من اقتصاديات السوق، وتحقيق مزيد من الحرية".

وبحسب تعبير بندر:

" أعتقد أن الشرق الأوسط تغير كثيرا منذ غزو الكويت وحرب الخليج، فالشرق الأوسط الذي عرفته قبل 2 أغسطس لم يعد الشرق الأوسط القائم حاليا".

يفخر الأمير كطيار قبل أن يصبح دبلوميا ، بالعرض المثير لقدرات سلاحي الجو السعودي والأمريكي. " أظن أن سلاح الجو استطاع لأول مرة في تاريخ الحرب تحقيق نصر حاسم في هذه الحرب... ولا أقول ذلك انتقاصا من شأن الجيش أو مشاة البحرية، بل لأقول فقط دعونا نستغل هذه القدرات الجديدة التي نملكها".

تعززت آراء بندر بما قاله السير ريتشارد إيفانز الذي أكد أن وسائل الإعلام تجاهلت سلاح الجو الملكي السعودي إلى حد بعيد، وبالتالي فإن مساهمته طواها النسيان.

وتابع:

" أظن أنها كانت حملة محورية بالنسبة إلى سلاح الجو الملكي السعودي. ففي سياق الغارات الأولى سنة 1991، كان السعوديون أول من نشروا عملانيا عددا من أسلحة طائرات تورنيدو، بما في ذلك 233jg وهي الذخيرة المتطورة الخاصة بتخريب مدراج المطارات الحربية. ولم ينسب لسلاحهم الجوي الفضل الذي يستحقه في سياق المساهمة التي قدمها في المرحلة العملانية من الحرب".

وأضاف إيفانز:

" في ذلك الوقت بلغ سلاح الجو السعودي سن الرشد. ويفخر سلاح الجو الملكي السعودي كثيرا بسلوكه العملاني وإنجازاته خلال الحرب".

راجع إيفانز أداء سلاح الجو الملكي السعودي خلال حرب الخليج، ولاحظ أن

" بندر لم يكن بالتأكيد متفرجا حياديا، ولم يكن كذلك بالفعل كثير من كبار أفراد العائلة المالكة الذين كانت لديهم أيضا خبرات واسعة في الطيران في الستينات والسبعينات. فقد عبروا جميعا عن اعتزازهم الكبير بإنجازات هؤلاء الطيارين الشبان الذين نفذوا طلعات عملانية داخل العراق. ولعل الأمير درب كثيرا منهم حين كان قائدا لوحدة جوية عملانية". وختم بالقول: " كانت كثير من تلك الغارات الأولى ناجحة جدا، وقد شكلت نقطة تحول دامية".

بعيد إتمامي الفقرة الأخيرة من هذا الفصل، كشفت عن تفصيل مذهل يلقي ضوءا جديدا على دور بندر كأحد الصقور في حرب الخليج. فيما كانت قوات الائتلاف تحتشد على الأراضي السعودية استباقا لعملية عاصفة الصحراء، قابل السعوديون قرار الرئيس بوش إرسال جيمس بيكر للاجتماع بطارق عزيز بعدم تصديق، وبخاصة بندر.

فقد أكدت مصادرهم الاستخبارية أن رد فعل صدام على هذا القرار كان: " لقد تراجع بوش". واستدعى ذلك السؤال التالي: " هل تملك أمريكا العزيمة للمضي في الاشتباك العسكري مع العراق حتى النهاية؟ وبالنسبة إلى السعوديين، كان لابد من مقابلة خديعة صدام برد عسكري يقضي على الرئيس العراقي نهائيا. "

في هذا الوقت الحرج، تصور الملك فهد وبندر سيناريو مرعبا. ماذا لو قرر صدام، في اللحظة الأخيرة قبول قرار الأمم المتحدة والانسحاب من الكويت؟ ستصبح قوات الائتلاف عاجزة، فليس لديها تفويض بمهاجمة القوات العراقية إلا في الكويت. وكم من الوقت يمكن إبقاء 750,000 رجل جاهزين للعمل؟

رأى بندر أن في وسع صدام عندئذ أن يلعب لعبة الانتظار الطويلة على الحدود الكويتية ريثما ترحل قوات الائتلاف. وهو يعرف الآن مقدار الوقت الذي يستغرقه قيام الولايات المتحدة بدعم المملكة العربية السعودية، وفي الوقت المناسب يوجه ضربة أخرى عبر الكويت. غير أن السعوديين اعتقدوا أن صدام لن يرتكب الخطأ نفسه مجددا.

ففي استطاعة القوات العراقية إزاحة القوات السعودية، حتى مع وجود بقايا دعم عسكري أمريكي، والاستيلاء على حقول النفط، ما يمكنه من احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة لديه. لذا من الضروري بالنسبة غلى الملك فهد وبندر أن يشتبك الائتلاف مع صدام عسكريا والقضاء عليه.

وبالنسبة إلى الأمريكيين تحول القلق من احتمال قيام صدام بالرد بأسلحة بيولوجية وكيميائية إلى مسالة حقيقية. وكان لابد من تقليل خطر وقوع إصابات أمريكية ضخمة بسبب هجوم كيميائي أو بيولوجي.

لذا قرر بوش أن يكتب غلى صدام حسين رسالة شديدة اللهجة يتوعده فيها بأقوى رد ممكن - فسره كثيرون أنه تهديد برد نووي - إذا استخدمت القوات العراقية أسلحة دمار شامل. وأكدت تلك الرسالة، المؤرخة في 5 يناير 1991، بوضوح لا لبس فيه العزيمة الأمريكية، ستشن قوات التحالف الهجوم ما لم تنسحب القوات العراقية من الكويت انسحابا ناجزا. وفي ما يلي نص الرسالة:

السيد الرئيس:

نقف اليوم على شفا حرب بين العراق والعالم. وهي حرب بدأت بقيامك بغزو الكويت، حرب يمكن إنهاؤها فقط بامتثال العراق بشكل كامل وغير مشروط لقرار مجلس الأمن 678.

أكتب لك الآن، مباشرة لأن المخاطر تتطلب عدم تفويت أي فرصة لتجنيب الشعب العراقي كارثة محققة. وأكتب أيضا لأن بعضهم يقولون إنك لا تدرك إلى أي مدى أصبح العراق معزولا وما يواجهه نتيجة لذلك. لست في موقع للحكم على صحة هذا الانطباع، مع ذلك ما يمكنني أن أفعله هو أن أحاول في هذه الرسالة دعم ما قاله وزير الخارجية جيمس بيكر لوزير خارجيتك وإزالة أي لبس أو غموض قد يساورك تجاه الموقف الذي نقفه وما نحن مستعدون لأن نفعله.

إن المجتمع الدولي موحد في دعوته العراق إلى الانسحاب من الكويت تماما من دون شرط أو إبطاء. وتلك ليست سياسة الولايات المتحدة، بل موقف المجتمع الدولي كما عبر عنه ما لا يقل عن اثني عشر قرارا لمجلس الأمن. إننا نفضل التوصل إلى نتيجة سلمية. غير ان كل من هو دون الامتثال الكامل لقرار مجلس الأمن 678 وما سبقه من قرارات غير مقبول. لا يمكن مكافأة العدوان، ولا يمكن إجراء أي مفاوضات.

إذ لا يمكن المساومة على المبدأ . لكن العراق يستطيع عن طريق الامتثال التام كسب فرصة إعادة الانضمام إلى المجتمع الدولي. وتتفادى المؤسسة العسكرية التدمير على الفور. لكن ما لم تنسحب من الكويت بصورة كاملة ومن دون أي شرط، فإنك ستخسر أكثر مما ستخسره الكويت. فموضوع الخلاف هنا ليس مستقبل الكويت- ستتحرر وستعود حكومته وإنما مستقبل العراق والخيار عائد إليك.

ان تنفصل الولايات المتحدة عن شركائها في الائتلاف. هناك اثنا عشر قرارا لمجلس الأمن، و28 بلدا تقدم وحدات سكرية لتطبيقها، وأكثر من مائة حكومة ملتزمة بالعقوبات. وكل ذلك يبرز أن النزاع ليس بين العراق والولايات المتحدة، بل بين العراق والعالم. وما اصطفاف معظم البلدان العربية والإسلامية ضدك إلا تعزيز لما أقول. لا يستطيع العراق ولن يكون بمقدوره الاحتفاظ بالكويت أو الحصول على ثمن مقابل مغادرتها.

قد يغريك أن تجد عزاء في تنوع الرأي، تلك هي الديمقراطية الأمريكية عليك أن تقاوم مثل هذا الإغراء. ويجب عدم الخلط بين التنوع والانقسام. ولا تستخفن بإرادة أمريكا كما فعل آخرون قبلك. العراق يشعر بالفعل بوطأة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة. إذا حلت الحرب، فستكون المأساة أعظم بكثير عليك وعلى بلدك.

دعني أؤكد أيضا أن الولايات المتحدة لن تتساهل إزاء استخدام أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو تدمير حقول نفط الكويت ومنشآتها. وستتحمل مسئولية مباشرة الأعمال الإرهلبية ضد أي عضو من أعضاء الائتلاف. سيطلب الشعب الأمريكي أقوى رد ممكن. وستدفع أنت وبلدك ثمنا باهظا إذا أمرت بأعمال لا أخلاقية من هذا النوع.

لا أكتب هذه الرسالة لأهدد، بل لأبلغ. وإنني لا أقوم بذلك عن طيب خاطر، إذ ليس ثمة خلاف بين شعب الولايات المتحدة وشعب العراق. السيد الرئيس إن قرار مجلس الأمن الدولي 678 يحدد الفترة التي تسبق 15 يناير من هذه السنة بمثابة "وقفة نية حسنة" بحيث يمكن إنهاء هذه الأزمة من دون مزيد من العنف. ويرجع إليك وحدك استخدام هذه الوقفة كما أريد لها، أو تحويلها إلى مقدمة لمزيد من العنف. أرجو أن تدرس خيارك بعناية وتختار بحكمة، لأن الكثير متوقف على ذلك.

جورج بوش

أبلغ الرئيس بوش الأمير بندر بشأن الرسالة التي كانت ستسلم إلى طارق عزيز خلال لقائه جيمس بيكر في جنيف. ولحشر صدام وعدم إتاحة أي خيار يحفظ ماء وجهه، أشار بندر غلى بوش ألا تصاغ الرسالة بعبارات متصلبة فحسب، بل إنه اوفق أيضا على ترجمتها إلى اللغة العربية. وأوضح بندر أن اللغة العربية لغة منمقة يمكن التعبير فيها عن إالكلمات بعدة طرائق مختلفة.

لكنه أقر أن ترجمته صيغت لتكون فظة وعدائية إلى أبعد حد ممكن. وكان بندر يعتقد أن غضب صدام وكبرياءه سيدفعانه لتجاهل قرار الأمم المتحدة وإبقاء قواته في مواقعها في الكويت، ما يجعل الحرب محتومة. وستدمر تلك الحرب في نظر بندر الآلة العسكرية العراقية وتطيح صدام.

أعطيت التعليمات لبيكر ألا يفاوض في لقائه في 9 يناير مع وزير الخارجية العراقي طارق عزيز في جنيف، بأي شكل من الأشكال على المطلب المحدد في قرار مجلس الأمن. وأكد بيكر لاحقا: " كنت ذاهبا إلى اللقاء من دون أن تكون لدي النية أو الرغبة على الإطلاق في التفاوض على قرارات الأمم المتحدة" غير انه كان يعي تأثير الاجتماع في الائتلاف إذ قالك " العيب الوحيد فيه أنه جعل بعض حلفائنا يشككون في تصميمنا ".

وفي مستهل اللقاء ناول بيكر طارق عزيز الرسالة الموجهة من الرئيس بوش غلى صدام حسين. وطلب عزيز نسخة من الرسالة ليقرأها. وعن ذلك اللقاء قال عزيز: " قرأتها بعناية وعندما انتهيت من قراءتها، قلت له السيد الوزير ما هكذا تكون المراسلة بين رئيسي دولتين. هذه رسالة تهديد ولا يمكنني أن أنسلم منك رسالة فيها تهديد لرئيسي وأعدتها إليه". ولم تفلح محاولات إقناع عزيز بتسلم الرسالة.

عندما علم بندر من بيكر أن طارق عزيز رفض تسلم الرسالة، سافر إلى لندن على الفور. وهناك اتصل بأندور نيل، رئيس تحرير صحيفة صنداي تيمز، الذي كان على اتصال منتظم به خلال الفترة المؤدية إلى حرب الخليج. أكد نيل حدوث لقاء بينهما ولاحظ "لم كن الأمير بندر يثق بكفاءة النظام العراقي. كان صدام لا يحسن الرد على الأنباء السيئة وكان ميالا إلى إلقاء اللوم على الرسول. لذا طلب مني نشر نسخة من رسالة الرئيس بوش إلى صدام".

ما إن اقتنع أندور نيل أن الرسالة صحيحة، حتى تحولت إلى مقالة صحفية تصدرت الصفحة الأولى. لكن نيل لم يكشف عن أن بندر سرب إليه الرسالة إلا بعد 15 سنة. وأسر لي قائلا: " رأيت أنها حساسة جدا بحيث إنني لم أذكره (أي دور بندر) حتى في مذكراتي".

وعندما نشرت الصحافة البريطانية الرسالة، تلقفتها وسائل الإعلام كافة، ما أجبر الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض مارلن فيتزووتر على نشر نص الرسالة بأكمله، وذلك مناف لبروتوكول البيت الأبيض الذي يعتبر أن من غير اللائق نشر المراسلات الدبلوماسية. وبذلك، كان لابد أن تسترعي الرسالة الآن انتباه صدام.

كان الدافع وراء قيام بندر بتسريب الرسالة تصميمه على ألا يقدم إلى صدام صيغة تحفظ كرامته، وذلك مناقض لنهج بندر المعتاد تجاه قضايا الشرق الأوسط. لقد كذب عليه صدام، الذي أكد له أنه لم يحتاج الكويت. وبعد أن خدعه خلع عباءة صانع السلام وتحول إلى الصقر الرئيسي، كما كشف بيكر عندما أطلعني على نسخة من محاضر دونها في اثناء لقاء قبل عملية عاصفة الصحراء.

وقد أكدت تلك المحاضر أن بندر شدد على المضي حتى النهاية والقضاء على صدام. فبعد أن أقنع بندر الملك بقبول الدعم العسكري من أمريكا في الأيام التي تلت غزو الكويت على الفور، لم يعد يريد أقل من انتصار كاسح للائتلاف، وتدمير الآلة العسكرية العراقية الضخمة، وإزاحة صدام حسين.

وكان بندر يدرك أن الخطر الذي يشكله صدام على المملكة العربية السعودية يتطلب سد أي سبيل للفرار وبمساهمته في صوغ رسالة الرئيس بوش المتصلبة، كان يعرف جيدا أنها لن تغضب الرئيس العراقي فحسب، وإنما ستسبب لصدام أيضا إهانة كبيرة في حال انسحابه من الكويت. لذلك كان من المهم أن يرى الرسالة. وقد حقق قيام بندر بتسريب الرسالة تلك الغاية. فلم تضمن مضي الائتلاف في الهجوم فحسب، وإنما أغلقت الباب ايضا في وجه أي انسحاب عراقي.

وهكذا بضربة واحدة، بعيدة عن الأضواء استطاع بندر بالتأكيد أن يدفع أمريكا للحرب.

الفصل الثامن:السلام في الشرق الأوسط

" تستحق إنجازات الأمير بندر اعترافا دوليا. وأنا أصفق له... كواحد من صانعي السلام العظام في زماننا".

نلسون مانديلا

في سنة 1972، قبل عشرين عاما على عملية عاصفة الصحراء اجتمع وزير النفط السعودي أحمد زكي اليماني بالرئيس نيكسون وقدم إليه عرضا بتلبية الاحتياجات الأمريكية كافة من النفط مقابل الدعم الأمريكي للتوصل إلى حل عادل ومنصف للمشكلة الفلسطينية فرفض نيكسون.

أدى رفض نيكسون هذا العرض السعودي المدهش إلى إطالة إحدى أقدم مشكلات العالم إلى أجل غير محدد. وفي أعقاب هذا الرفض سعى ستة رؤساء أمريكيين متعافبين لتحقيق اختراق في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية العسيرة، ولم يتم التوصل إلى حل حتى اليوم.

يتذكر بندر الجهود التي بذلها طوال أكثر من عقدين للتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية ويقول بألم:

" أمضيت أكثر من 70 بالمائة من وقتي في العشرين سنة الماضية في عملية السلام في الشرق الأوسط والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وقد تحطم قلبي مرات عديدة عندما اقتربنا كثيرا من تحقيق الاختراق ثم انهار كل شئ".

وفي تصريح يشخص إحباطات العملية، ويحمل مسئولية مشتركة عن الفشل في التوصل إلى حل، يضيف بندر:

" أعتقد أن هناك فشلا في القيادة في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأعتقد أن الحل واضح أمامي وضوح الشمس. لن تقوم دولة فلسطينية تستطيع العيش بكرامة ما لم تحصل إسرائيل على الأمن. لكن إسرائيل لن تحصل على الأمن قط ما لم تضمن للفلسطينيين دولتهم وتحفظ كرامتهم. وأعتقد أنك إذا قبلت ذلك، يصبح ملء التفاصيل عندئذ أكثر سهولة".

أدت متابعة حرب الخليج سنة 1990 إلى وضع السلام في الشرق الأوسط جانبا، إذ ركزت بلدان لائتلاف على إلحاق الهزيمة بصدام حسين، وقد وفرت النهاية الناجحة للنزاع - وتأثيرها في الهيمنة السياسية في المنطقة- مناخا جديدا وواعدا لاستئناف المفاوضات التي يمكن أن تدفع المسألة الفلسطينية إلى الأمام.

السلام في الشرق الأوسط طموح مشترك. وفي حين أن المملكة تشعر بتعاطف كبير مع الشعب الفلسطيني ومحنة جيرانها المسلمين، فإنها تحشى في الوقت نفسه تزايد العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين والأطراف المتصارعة الأخرى في المنطقة. وفي نهاية عملية عاصفة الصحراء، ضغطت الملكة على الولايات المتحدة مجددا للقيام بمبادرة جديدة. وفي 18 أكتوبر 1991 وافق البيت الأبيض وأرسل غلى الملك فهد رسالة كتبها جيمس بيكر تفيد " إن الولايات المتحدة ستعمل كوسيط نزيه في محاولة حل النزاع العربي الإسرائيلي".

وأصبح بندر مسهل هذا الحافز الجديد للسلام. عقد مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991 في أعقاب حرب الخليج، وأصبح علامة مميزة في التاريخ العربي الإسرائيلي والفلسطيني الإسرائيلي. فقد كانت تلك المرة الأولى التي يعقد فيها مؤتمر واسع للسلام تحضره كل الأطراف المعنية بالنزاع العربي الإسرائيلي، والمرة الأولى التي يشارك فيها الفلسطينيون على أي مستوى.

فلم تقبل سوى مصر عرض إسرائيل التفاوض وجها لوجه حتى انعقاد مؤتمر مدريد سنة 1991. ةالآن ستعقد مفاوضات متعددة الأطراف بين إسرائيل وسورية ولبنان والأردن والفلسطينين حول القضايا الرئيسية. وتلك خطوة غير مسبوقة إلى الأمام.

استضافت الحكومة الإسبانية مؤتمر مدريد ورعاه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لعبت دورا مهيمنا في المؤتمر، فإن انضمام موسكو إليها في الرعاية المشتركة للمؤتمر شكلت علامة على تنامي التعاون بين القوتين العظميين. ومع أن الفضل في المؤتمر يرجع إلى جهود الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وبخاصة مساعي وزير الخارجية جيمس بيكر الحماسية في دبلوماسية المكوكية فإن دور بندر كان محوريا.

كان غرض مؤتمر مدريد تشكيل منتدى افتتاحي للمشاركين، ولم يكن يتمتع بسلطة فرض الحلول أو الاعتراض على المناقشات. باختصار لم تكن للمؤتمر أهداف ملزمة رسمية، ومع ذلك فقد ركز على قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 اللذين أقرا سنة 1967 و 1973 على التوالي، ودعا كل الأطراف لإنهاء النزاع العسكري والتفاوض على التسوية. والقراران يتوقعان من دون أن يحددا، انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلت في حربي 1967 و 1973 في مقابل ضمانات أمنية. وأصبحت هذه المفاوضات تعرف بمفاوضات "الأرض مقابل السلام".

أقر مؤتمر مدريد إجراء المفاوضات على مسارين، ثنائي ومتعدد الأطراف يضم أعضاء من المجتمع الدولي. كانت هذه المحادثات العلنية التي تجري لأول مرة بين إسرائيل وجيرانها (باستثناء مصر التي وقعت مع إسرائيل اتفاقات كامب ديفيد في سنة 1977)، ترمي إلى تحقيق معاهدات سلام بين ثلاث دول عربية وهي سورية والأردن ولبنان، وبين إسرائيل.

غير أنه ما من شك في أن الأهمية الحاسمة لمؤتمر مدريد هي إطلاق حوار ثنائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين وقد استندت المحادثات مع الفلسطينيين غلى صيغة من مرحلتين: الأولى تتكون من التفاوض على ترتيبات حكم ذاتي مؤقت، تعقبها مفاوضات الوضع النهائي. وبدأت محادثات المسارات الثنائية على الفور، وتلتها أكثر من اثنتي عشرة جولة رسمية في واشنطن دي سي، بين 9 ديسمبر 1991 و 24 يناير 1994.

بعد اربعة حروب عربية إسلامية في 1948 و 1956 و 1967 و 1973 خلفت آلاف القتلى، نشأ تعصب عميق الجذور في كلا الجانبين وزاد من حدته تأييد الفلسطينيين صدام حسين. وبالنظر إلى هذا الإرث، لم يكن الإسرائيليون والفلسطينيون مستعدين للتفاوض لأن القوى الغربية ترى أن ذلك فكرة جيدة. لكن الإقناع والاستعداد كانا جاريين داخل العالم العربي قبل مدريد.

ضغطت المملكة العربية السعودية من أجل إطلاق مبادرة سلام ولعب بندر دورا في جعل مدريد حقيقة واقعة، وعن ذلك يقول برنت سكوكروفت : " في الفترة التي سبقت الحرب، واصل صدام إدخال الإسرائيليين في القضية، وما إلى هنالك. وكان موقفنا:"إن محور اهتمامنا هو العراق، وليس المنطقة".

غير أن سكوكروفت أسر بالقول :

" لكننا قلنا من دون ضجة للملك فهد والرئيس مبارك وغيرهما التزموا معنا هنا، ولنركز على هذه القضية، وبعد انتهائها ننتقل إلى القضية الفلسطينية الإسرائيلية . إننا ترفض ربط القضية الأخيرة بالحرب، لكننا نتعهد لكم أن نتحرك بعد انتهائها".

وأضاف سكوكروفت :

" مع أن ذلك قدم ضمانة أن الولايات المتحدة ستدعم مبادرة للسلام بعد انتهاء الحرب الراهنة، فقد تعين على ا لأمير بندر إقناع الملك بالوثوق بنا". وقد سهلت علاقة الأمير بندر الخاصة بالملك فهد والرئيس بوش هذه المهمة بشكل كبير.

بعد وضع هذه التسوية على الطاولة، وقع على عاتق بندر إقناع السعوديين أنه يمكن الركون إلى تعهد الأمريكيين وكان نجاح مؤتمر مدريد يتوقف على دعم المملكة العربية السعودية، فتأييد هذه القوة الإقيليمة البارزة يشكل إشارة مرجعية ومؤثرة إلى بقية العالم العربي.

عن الاتفاق غير المكتوب أن تعقد محادثات السلام بعد حرب الخليج، قال بندر:

" جاء مؤتمر مدريد بسبب الحرب. فعندما غزيت الكويت وأصبحت الحرب وشيكة، بدأ ألرئيس بوش والملك فهد يبحثان عما سيعقبها: ما الذي سنفعله بعد الحرب؟". كان الملك فهد يتوق إلى وضع خطط لعقد مؤتمر سلام يتعامل مع القضية الإسرئيلية الفلسطينية بمبادرة جديدة تفتح آفاقا جديدة، ويعتقد أن ذلك يشكل حافزا للسلام في الشرق الأوسط، لكن إدارة بوش أصرت على التركيز على خوض الحرب، مع أنها تؤيد هذه التطلعات.

لم يكن من المفاجئ أن يؤدي نجاح عملية عاصفة الصحراء إلى إضعاف موقف ياسر عرفات كثيرا في العالم العربي. فقد حيا غزو صدام الكويت، فرد القادة العرب بقطع المساعدات عن منظمة التحرير الفلسطينية.

كانت أول إشارة ملموسة عن مقدار ضعف عرفات في ذلك الوقت، والبراغماتية التي أحدثها ذلك قراره قبول شروط إدارة بوش لمؤتمر السلام في مدريد التي تضمنت استبعاد عرفات عن المؤتمر.

وقد قال عن ذلك الدكتور سعيد الكرمي، جراح الجهاز البولي، الفلسطيني الراحل وأحد الأصدقاء المقربين من بندر:

" بعد أنم ربحنا الحرب في سنة 1991 اتصل بي بندر قائلا، ثمة تحرك يجريه جيمس بيكر والحكومة الأمريكية لأجل محادثات السلام. ونحن كما تعلم لا نتحدث إلى عرفات الآن، سأحتاج إلى التحدث إليه لكن ليس الآن. لكنني أريد التحدث غلى ثلاث شخصيات فلسطينية مرموقة".

سمى الدكتور الكرمي ثلاثة رجال هم "البروفسور إدوارد سعيد، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا في نيويورك، وهو شخص شهير جدا توفي حديثا، وكان مؤيدا لعرفات في ذلك الوقتـ والبروفسور وليد الخالدي، أستاذ السياسة في جامعة هارفرد، والبروفسور هشام شرابي، الأستاذ في برنامج الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تون: " وأوضح الدكتور الكرمي أن " الأساتذة الثلاثة يتعاطون مع القضية الفلسطينية على المستوى الفكري، ويمكنهم تقديم المشورة إلى ياسر عرفات. فتحدث الأمير بندر إلى الأساتذة الثلاثة وأطلعهم على خلفية المحادثات المقترحة.

قال لهم الأمور ستتحرك في الشرق الأوسط، أحببتم ذلك أم كرهتموه وسيعقد مؤتمر يشارك فيه الجميع باستثناء عرفات بسبب موقفه المؤيد لصدام حسين، لذا ارجوكم أن تنقلوا رسالة إلى جماعتكم أن مؤتمر مدريد سيعقد، ولم يكون في وسعكم إيقافه.

يمكن أن نتحدث إلى عرفات في وقت لاحق، لكن لا يمكنه الحضور في الوقت الحالي. وأوضح بندر أيضا أن على الفلسطينيين أن يرسلوا فريقا إلى مدريد". وختم الكرمي بقوله: " وكان الأمير بندر فعالا أيضا في دفع السوريين غلى طاولة المفاوضات".

عرض وزير الخارجية الأمريكي على عرفات فرصة دبلوماسية للخروج من الموقف المخزي الذي وضع نفسه فيه بعد حرب الخلي. ولما كان بيكر يعلم أن الإسرائليين يقبلون بوجود الذي وضع نفسه فيه حرب الخليج. ولما كان بيكر يعلم أن الإسرائيليين يقبلون بوجود فلسطيني في المحادثات إذا كانوا جزءا من الفريق الأردني، لا كوفد مستقل لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد كان عليه إقناع عرفات بقبول هذه الشروط وإبقاء منظمة التحرير الرسمية خارج محادثات مدريد.

فوافق عرفات ولا شك في أن ذلك تم بمساعدة الأساتذة الفلسطينيين الذين تشاور معهم بندر في واشنطن. لذا جمع فريق فلسطيني تمثيلي يتكون من أشخاص غير أعضاء في منظمة التحرير، وأرسلوا إلى مدريد تحت علم الأردن.

كان بيكر يعلم من تعاملاته السابقة مع ياسر عرفات والفلسطينيين أن من المتسحيل الحصول على وفد فلسطيني مستقل تمام عن منظمة التحرير. ويدرك أيضا أن كل ما يقال في مدريد سينقل إلى عرفات في تونس على الفور. وأكد الدكتور الكرمي لأن الممثلين الفلسطينيين كانوا قادرين على إبقاء الحوار مفتوحا مع عرفات الموجود في تونس في ذلك الوقت، لذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بصورة غير مباشرة عبر الوفد الفلسطيني .

لكن بمساعدة بمساعدة بندر تمكن الوزير بيكر من الالتفاف حول رفض إسرائيل التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وتحقيق شئ لم يتم فعله من قبل، وهو جلوس الفلسطينين والإسرائيليين معا حول طاولة التفاوض نفسها.

سارعت إدارة بوش أيضا إلى الإقرار بسقوط الأوراق بعد الحرب والاستفادة من ذلك. ويذكر جورج إيتش دبليو بوش:

" أحرزت مصداقيتنا الجديدة (مقرونة بحاجة ياسر عرفات إلى استعادة صورته بعدما ايد الجانب الخاسر في الحرب) نتائج طيبة سريعة وكبيرة على شكل مؤتمر السلام في الشرق الأوسط في السنة التالية في مدريد". غير أن القدرة على ممارسة الضغط لى الفلسطينيين لم يكن الفرصة الوحيدة التي تلقفها بوش وبيكر."

فقد أدركته قلة من السياسيين الآخرين، أن المناخ السياسي لا يدعم مسعى الضغط على الفلسطينيين فحسب، وإنما على الإسرائيليين أيضا للحصول على التنازلات اللازمة لبدء المفاوضات. فتمكنت الولايات المتحدة بمزيج من الضغوط المالية والسياسية على الإسرائيليين من التغلب على عدم رغبة الإسرائيليين في التحدث إلى من تعتبرهم إرهابيين في منظمة التحرير، بعدما وافقت الأخيرة على حضور مؤتمر كجزء من الوفد الأردني.

لقد وفر القدر اللحظة المؤاتية في التوقيت والظروف، وبدا التقدم في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ممكن التحقيق ولن تسمح الولايات المتحدة، مدفوعة بالمملكة العربية السعودية من الخلف، بتفويت الفرصة.

وقد قدم بندر آراءه بشأن أهمية محادثات السلام في مدريد بقول:

" عملت جاهدا مع وزير الخارجية جيم بيكر على إقامة مؤتمر السلام في مدريد، أنا وآخرون. وتكمن أهمية ذلك المؤتمر في أنها المرة الأولى التي تجلس فيها إسرائيل منذ مؤتمر روس في سنة في سنة 1963. في مدريد لم تجلس إسرائيل مع البلدان المجاورة فقط للتفاوض على السلام (أي مع سورية ومصر والأردن والفلسطينيين)، بل المرة الأولى التي تجلس فيها مع 98 بالمائة من البلدان العربية".

وأوضح :

" كانت دول مجلس التعاون الخليجي ممثلة بالأمين العام للمجلس وأنا، وكانت البلدان العربية المغاربية ممثلة بأمينها العام، وكان هناك ممثل عن الجامعة العربية، بالإضافة إلى وزراء خارجية بلدان الطوق. كان من المهم أن نبدأ بمؤتمر سلام ينظر إلى توصل المنطقة بأكملها إلى سلام في ما بينها وليس إلى توصل الفرقاء المتحاربين فقط".

لوحظ في انتقاد محادثات مدريد أن المؤتمر فقد فعاليته في تأمين أي تشريع ملموس للسلام، بغياب أي اهداف محددة أو غايات واضحة. غير ان ما تم على مدى الثلاثة أيام هو أن المؤتمر وضع أسس التقدم وزرع بذور اتفاقات أوسلو سنة 1993.

وعلى الرغم من أنه لم يتم التساهل مع حضور الفلسطينين إلا نتيجة لتحريف القواعد، فإن حضورهم إلى جانب التغطية الدولية للمحادثات غير الصورة المدركة عن الفلسطينيين وبذر اعترافا متناميا بحقوق الفلسطينيين ،وشرعية قضيتهم وتفهما أوضح للمخاوف والطموحات الفلسطينية .

على الرغم من أن ياسر عرفات لم يكن حاضرا شخصيا، فقد كان له تأثير خفي ومتسامح معه في أروقة مدريد، حيث قال أحد المعتقلين:

" ها المؤتمر هو حتما أكثر المؤتمرات التي حضرتها إثارة للاهتمام، لا بسبب ما حدث على طاولة الاجتماعات، بل ما يحدث في الأروقة. فالجميع بما في ذلك إسرائيل كانوا على علم بسيل الفاكسات والمكالمات المتبادلة بين مدريد وتونس في كل فرصة متاحة، ومع ذلك سمح باستمرار التصنع ما جعل مدريد بداية أول حوار بناء، ولو عن بعد بين إسرائيل ومنظمة التحرير."

مع ذلك كاد مؤتمر مدريد ينهار قبل أن يرشح أي شئ عن ذلك، قبل أن يجلس الإسرائيليون مع السوريين ، وقبل أن يجلسوا مع الوفد اللبناني، وقبل أن يجلسوا مع الأردنيين وقبل أن يبرز الفلسطينيون بالطبع في الوعي العالمي كشعب جريح يستحق اهتماما عالميا.

نجح جيمس بيكر، بعدما أعيته التكتيكات، والمطالب الإسرائيلية الدائمة بشأن خطط محادثات مدريد، في إقناع الرئيس الأمريكي جورج بوش باللجوء إلى الضغط المالي لحلحلة موقف شامير المتشدد. ففي خطوة لا سابق لها، في سبتمبر 1991 امتنع الرئيس بوش عن تقديم ضمانات للقرضو إلى إسرائيل، وهي أموال تعود معظمها إلى برنامج توسيع الاستيطان. وقد نجحت الخطوة : أذعن شامير ووافق على حضور مدريد بالشروط التي أملاها بيكر.

في الحديث عن نتائج المؤتمر قال الرئيس جورج إيتش دبليو بوش: " كان مناسبة تاريخية فالإسرائيليون لم يجلسوا مع زعماء عرب قبل ذلك التاريخ، لقد كان جسرا حقيقيا".

وتابع بعد ذلك:

" كانت فكرة الحصول على تأييد الخليج هي التالية: لن يكون نهاية الأمر، سنحاول التعامل مع المشكلة التي تزعج كل بلدان مجلس التعاون الخليجي، وهي الخلافات بين إسرائيل والدول العربية. أذكر عندما مشيت (على المسرح) مع غورباتشيف وأعجوبة جلوس العربة قبالة الإسرائيليين، أعني أنه حدث مساعدة بندر على حث الدول العربية المترددة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، قائلا:" كان دور بندر مهما جدا في التشجيع على الحضور".

ايد الدبلوماسي الذي يحظى بتقدير كبير والمستعرب السفير إدوارد جيرجيان ما عزاه بوش غلى الأمير وقالك

" لقد كن لي شرف العمل معه عندما كنت في إدارة بوش الأول. ويمكنني أن أقول لك إننا كنا نعتمد حقا على بندر كأحد أهم اللاعبين في بناء سلام بين العرب وإسرائيل. ولا أعتقد أنه كان يمكن إنجاز مؤتمر مدريد للسلام، وهولا يزال الإطار للسلام العربي الإسرائيلي حتى اليوم، من دون استغلال مواهبه الدبلوماسية في إدخال الشركاء العرب إلى المعادلة".

في الفترة المؤدية إلى مؤتمر مدريد للسلام، كان على الملك فهد والرئيس مبارك وضع استراتيجية لإقناع الرئيس السوري بحضور المؤتمر. وقرر الرئيس مبارك ووافق الملك على أن يعقد بندر اجتماعا ثلاثيا: مصريا سعوديا أمريكيا يضم عمر موسى، بشأن خطة إقناع الأسد بإرسال وفد إلى مدريد.

غير أن عمرو موسى وزير الخارجية المصري كان معروفا بحب الظهور. ويقول بندر:

" بدأ يصعب الأمور علينا ففيما كنا نحاول الوصول إلى جوهر الموضوع أصر على تقديم انتقادات قومية، فقد كان يريد أن يدون في سجله أنه قال أشياء معينة".

قبل ذلك الاجتماع علم الأمريكيون أن من المرجح أن يعتمد عمرو موسى موقفا قوميا. وبما أن بيكر وبندر ينزلان في الفندق نفسه، فقد اجتمعا قبل مجئ عمرو موسى. سأل بيكر الأميرك " هل تعتقد أن عمرو موسى سيحاول إلقاء محاضرة علينا بعد أن ألتقيت برئيسه؟".

ضحك بندر وقال: " عمرو موسى قادر على القيام بأي شئ، حتى إذا كان غير صحيح".

فسأل بيكر: " وهل يغير ذلك السياسة؟.

أجاب بندر " لا. ما قاله لك الرئيس مبارك هو ما سيحدث. لكن يجب أن تتحلى بالصبر وتعطي الفرصة لعمرو موسى ليقول ما يريد، وسيتفق معك في النهاية". أبلغ الأمير بيكر "أن عليه أن يكون مستعدا لتكتيكت عمرو موسى المعهودة، وأن يعد شيئا للرد عليه".

ضحك بندر وقال:

" جلسنا في جناح بيكر، ولم يكن علينا أن ننتظر طويلا بالطبع قبل أن يلقي علينا موسى نغمته المعهودة.وقدم محاضرة طويلة لا علاقة لها بالموضوع، فهو يستمتع بهذه الأشياء".

كان يوجد ملف جلدي أمام بيك، وفي منتصف الاجتماع أغلقه بقوة بطريقة متعمدة وقال

" السيد وزير الخارجية، لم آت إلى هنا لأتفاوض معك. فقد اجتمعت برئيسك وأقر خطة الرئيس بوش والملك فهد. لن أجلس هنا وأستمع إلى الكثير من هذه الترهات. لا أستطيع أن أنشد السلام أكثر من العرب والإسرائيليين، لدي أشياء أخرى أقوم بها. شكرا جزيلا لك على الاجتماع أنا ذاهب".

كان بندر يعلم أن بيكر يقوم بالتمثيل، لكنه واثق جدا من أن موسى لا يعرف ذلك. فجأة، اعترى موسى الخوف ، إذ اعتقد أن بيكر اتفق مع رئيسه وربما غير رأيه الآن. لذا طلب موسى إمهاله بضع دقائق لكي يتحدث إلى الرئيس بعد أن غادر موسى الغرفة ، جلس بيكر مقهقها وقال لبندرك " ما رأيك؟".

فقال بندر: " أعتقد أنها ستنحجح".

بعد بضع دقائق عاد عمرو موسى وأعلن: " بحثت الأمر مع الرئيس وأقنعته أننا اتفقنا".

علق بندر لاحقا:

" لا أعتقد أنه تحدث إلى الرئيس مبارك، لكن كان عليه أن يحفظ ماء وجهه. وأصبح ما حدث طرفة بيني وبين بيكر : هل ستغلق الملف بقوة أم لا؟ إن ذلك يظهر برأيي أن جيمس بيكر رجل دولة عظيم. فلكي تكون رجل دولة يجب أن تحسن التمثيل، وكان يتقنه".

أشارت وسائل الإعلام إلى دور بندر في إبقاء السوريين حول الطاولة وأفادت: "كان دور الأمير بندر في الكواليس محوريا في جعل المفاوضين يجلسون مع الإسرائيليين". ووصفت التقارير نفسها كيف قدم الأمير إلى بيكر "أوراقا قيمة يلعبها" عندما تكشفت العملية. وامتدح أنه صديق مؤتمن لوزير الخارجية بيكرن وذو موهبة كبيرة في جسر الهوة التي تفصل بين العرب والإسرائيليين.

كما مارس بندر أيضا ضغوطا مالية كبيرة بالتهديد بذكاء بسحب المساعدة الاقتصادية لسورية البالغة 5 مليارات دولار ما لم تشارك سورية في المحادثات. وتم أيضا كبح جماح الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية باحتمال استئناف الإعانات السعودية السخية التي قطعت بعد وقوفهما إلى جانب صدام حسين في حرب الخليج. بل عرضت المملكة العربية السعودية على الاتحاد السوفيتي حوافز مالية تقدر بنحو 2.5 مليار دولار.

بعد تذليل كل الصعوبات، بدا أنه يمكن بدء المؤتمر. غير أن احتفال الافتتاح في 30 أكتوبر 1991 بحضور الرئيسين بوش وغورباتشيف كاد أن يتعثر فعندما هم بوش بافتتاح الاحتفالية مع غورباتشيف وفيما كانت وسائل الإعلام العالمية تقف مستعدة انسحب بوش من المسرح وسال أحد مساعديه: " اين الأمير بندر؟ هل حضر؟".

لم يكن بندر حاضرا: "فقد منعه الأمن من حضور المؤتمر ومسئولية ذلك تقع على الرئيس بوش. "

عند الساعة الثانية من بعد منتصف يوم المؤتمر، تلقى بندر مكالمة من برنت سكوكروفت كان بندر يعلم أن بوش وسكوكروفت ينامان باكرا- يأويان إلى الفراش في العاشرة عادة - لذا أثار توقيت المكالمة خوف بندر. لابد أن أزمة قد وقعت.

قال سكوكروفت: " مرحبا بندر، هل يمكنك أن تأتي في الغد لمقابلة الرئيس؟".

أجاب بندر : " طبعا، ذلك يسرني، سآتي بعد المؤتمر".

ورد سكوكروفت: " لا، يريد أن يراك قبل أن يذهب إلى المؤتمر عند السابعة صباحا".

كان بندر يكره اجتماعات الفطور لكنه لا يستطيع أن يرفض دعوة الرئيس، لم ينم في تلك الليلة بعد أن ساوره القلق بحدوث أزمة ما. وفي الصباح الباكر وصل إلى السفارة الأمريكية، وهو متلهف لمعرفة سبب رغبة بوش في لقاءه قبل المؤتمر. عندما دخل سأله بوش: " هل أيقظناك؟".

"لا ،لم أكن قد أويت إلى الفراش بعد".

وبعد تبادل المجاملات، سأل بوش: " هل تعرف لماذا طلبت منك المجئ؟".

"لا" أجاب بندر.

فأوضح بوش " أردت أن أشكرك على الجهود التي بذلتها في إعداد هذا المؤتمر، وأردت أن أقوم بذلك شخصيا قبل ان نبدأ".

فوجئ بندر وأجاب: " ذلك لطيف منك".

كان الرئيس بوش قد رتب لالتقاط صورة رسمية له مع بندر، ثم دعا إلى الانضمام إليه في لقاء مع الصحافة. وفيما كانا يخرجان إلى الحديقة معا على مرأى من كل الصحفيين سأله بوش: " هل ستأتي إلى المؤتمر؟".

أجاب بندر هازا كتفيه: " لم أعد أريد ذلك".

"لماذا؟" سأل بوش.

"لأسباب أمنية. لقد تحولت مدريد إلى معسكر مسلح ويجب أن تكون كل الوفود هناك قبل ساعة من حضور الراعيين الرئيسيين. أما وأنني الآن معك فقد أبلغت أنني لا أستطيع الوصول إلى هناك في الوقت المناسب".

فقال الرئيس: " حاول أن تأتي".

غادر بوش بعد ذلك في موكبه الرئاسي. لكن كما توقع بندر أوضح له فريقه الأمني أن ليس في وسعه الذهاب إلى المؤتمر لأن كل شئ قد أغلق. لذا ركب بندر سيارته للعودة إلى الفندق. لكن في الطريق غير موكبه مساره وتوجه إلى المؤتمر. فقد قال ضابط أمن إسباني لبندر: " أمرت أن اصحب إلى قاعة المؤتمر على الفور".

كان تعليق تلفزيون سي أن أن المباشر على المؤتمر يفيدك " بعد دقيقتين سيسير الرئيسان بوش وغورباتشيف من اتجاهين مختلفين إلى الباب، حيث يلتقيان هناك ثم يدخلان القاعة معا ويجلسان على مقعديهما على المسرح". لكن لم يحدث شئ في الوقت المنتظر.

فقد خرج بوش خلف المسرح من جانبه من الممر وكان غورباتشيف يخرج من جانبه عندما التفت وسأل جيمس بيكر: " هل تعتقد أن بندر وصل؟". أجاب بيكر : " لا أعلم" ثم تحقق من الموظفين الإسبان في البروتوكول فأكدوا له أنه إذا لم يكن بندر هنا بالفعل، فلن يستطيع الدخول.

استدار بوش على الفور وتوجه إلى غرفته. وعندما رأى غورباتشيف المرتبك ذلك عاد إلى غرفته أيضا. وبالإشارة إلى هذا الموقف قال بوش: " هذا الرجل بذل أقصى ما يستطيع لانعقاد هذا المؤتمر، وسبب عدم وجوده هنا أنني طلبت منه مقابلتي. لن أدخل إلى هناك وأفوت هذا الحدث عليه. أريده هنا وإلا لن أدخل".

لذا اصطحب بندر إلى المؤتمر. وعندما دخل القاعة قال بيرني شو من السي أن أن : " مهلا، أحدهم قادم. من هو؟ يبدو أنه الأمير بندر.نعم إنه الأمير بندر، ما الذي يفعله؟ إنه آخر القادمين. من هو؟ هذا يبين لكم الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية".

لاحظ الأمير لاحقا أن القاعة بأكملها وقفت عندما وصل. وفوجئ بندر لأنه لم يكن في عداد المشاركين الرئيسيين على المسرح، فمقعده في القاعة الرئيسية لأنه مجرد عضو في وفد. كان أمين عام مجلس التعاون الخليجي بد الله بشارة بين الحضور باعتباره الممثل الرسمي للمجلس، لكن كما أسر بندر لاحقاك " كنت أدير الأمر كله".

قال بندر: " عززت لفتة بوش الدور الذي لعبته في الإعداد للمؤتمر. لو كنت قدمت إلى هناك لأسباب بروتوكولية، فلماذا ينتظرونني؟ لم أكن رئيس دولة ولا وزير خارجية. لكن ذلك أثبن أهمية العمل الذي قمت به حتى ذلك الوقت". وفي إشارة مباشرة غلى علاقته ببوش، أضاف بندر: " يكشف لك ذلك أيضا عن جوهر هذا الرجل وإخلاصه".

تابع بندر لعب دور المسهل والوسيط طوال المؤتمر. فبعد خطابات الافتتاح وقبل أن تبدأ جلسة العمل، أعلن الإسرائيليون أنهم لن يسمحوا لأحد اعضاء الوفد الفلسطيني بالحضور لأنه يضع الكوفية الفلسطينية على كتفيه. فسأل بندر الفلسطيني الذي استبعد : " ما المشكلة؟".

فأجابه:

" الإسرائيليون يحاولون إذلالنا. إنهم لا يسمحون لنا حتى بارتداء زينا الوطني".

استشاط بندر غضبا. بد كل ذلك العمل الشاق يتعرض المؤتمر للخطر لأن أحدهم ارتدى شيئا ما. فأبلغ دنيس روس: " دنيس، هذا ما حدث وهذا موقفي. إذا لم يسمح للفلسطينيين بالدخول وهو يرتدون ما يشاءون فلن أدخل وسأوصي بانسحاب الوفود العربية كافة".

توجه روس على الفور لمقابلة بيكر الذي قال : " اللعنة يا بندر، هذا نقاش سخيف ما هم اللباس ومن يرتديه ؟".

أجاب بندر: " أوافقك الرأي يا جيم. لكننا لسنا من يشتكي بل الإسرائيليون".

التفت بيكر إلى روس وسأل : " ما رأيك يا دنيس؟"

أجاب روس: " أصر شامير على عدم دخول الإسرائيليين إذا ارتدى ذلك الشخص الكوفية".

قال بندر مبتسما: " حسنا إذا طلبت من الإسرائيليين أن يخلعوا قلنسواتهم، فسأطلب من ذلك الشخص خلع الكوفية وسأخلع غترتي أيضا. وسنكون كلنا حاسري الرؤوس".

صاح بيكر: " اللعنة، لا يهمني من يرتدي ماذا. دعونا نتابع الاجتماع". وسرعان ما تدخل بيكر لدى الإسرائيليين وانتهت الأزمة. وقال أحد أعضاء الوفد الفلسطيني بعد ذلك: " لقد أنقذ بندر شرفنا وكرامتنا".

أدى مؤتمر مدريد إلى استقرار في العلاقة بين إسرائيل والدول العربية. وتابع بيكر إزالة المخاوف لمعرفته أن "مبادرة مؤتمر مدريد شكلت الأساس للمفاوضات ووضعت الإطار الذي لا يزال يحظى بتقدير حتى اليوم".

وافق بندر على ذلك بالطبع، ولاحظ لاحقا " بعد مؤتمر مدريد للسلام تحطمت الكثير من المحرمات. واتخذ العالم العربي خيار السلام الاستراتيجي". وبتشجيع المشاركة الأمريكية في عملية السلام في الشرق الأوسط بنشاط، ودعم المبادرة صراحة وإقناع الدول العربية الأخرى أن تحذو حذونا، كان في وسع بندر أن يدعي: " لم يكن مؤتمر مدريد لينجح لو لم نكن هناك".

في تصريح عن مدريد بعد خمس سنوات، قال بندر مبرزا قناعاته البراغماتية والعالمية: " لا يمكن أن يتحقق استقرار وسلام حقيقيان ودائمان في المنطقة من دون احترام كرامة ومستقبل كل شعوبه، مسلمين ومسيحيين ويهود".

وختم بالمبدأ الذي يشكل برأيه الأساس لأي حل للمشكلة الفلسطينية : " أولا، لن يكون هناك حل يرضي الفلسطينيين إذا لم تقدم ضمانات لأمن الشعب الإسرائيلي". وتوقف هنيهة وتابع فاتحا يديهك " ثانيا، لن يتحقق الأمن للشعب الإسرائيلي غذا لم تلب التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني . هذان هما الركنان الدائمان كيفما أخذت الشرق الأوسط وقلبته".

استضافت واشنطن مزيدا من المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية في ديسمبر 1991، بعد مضي أشهر على مؤتمر مدريد، لكن بعد عشر جولات من المباحثات المضنية، اختتمت تلك المحادثات من دون اتفاق. غير أنه في أروقة مدريد، فيما كانت أعمال المؤتمر تمضي قدما، وضع الإسرائيليون والفلسطينيون خطة سرية، من دون علم الأمريكيين للتفاوض على مسار مواز. فقد اتفق الإسرائيليون والفلسطينيون على إجراء مباحثات خاصة لاحقا لاعتقادهم أن إطار مؤتمر مدريد الفضفاض لا يساعد على تحقيق تقدم حقيقي. ووافق النرويج على التوسط. ونتج عن ذلك إعلان مبادئ أوسلو.

في إعلان أوسلو، اعترف الجانبان بحق كل منهما بالوجود كشعب ضمن حدود إسرائيل والأراضي الفلسطينية . والتزم الفريقان بالتفاوض على تسوية دائمة وتحسين العلاقات بين الشعبين. ومهد ذلك الطريق في نهاية المطاف إلى التوصل إلى معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن في سنة 1995. مثل اتفاق أوسلو اخترافا كبيرا في النزاع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يكن من الممكن التوصل إليه من دون براغماتية في كلا الجانبي.

وضعت محادثات أوسلو شكليات مدريد جانبا لتسهيل التفاوض المباشر بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد أذهلت العالم وبخاصة الولايات المتحدة، التي فوجئت بها تماما. ففي أغسطس 1993 دهشت إدارة كلينتون الجديدة بالكشف عن هذا الاتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير، في أعقاب محادثات سرية في النرويج. وفي وقت لاحق أسر لي الدكتور سعيد الكرمي: " مع أن الإدارة الأمريكية كانت غافلة في البداية عن اجتماع أوسلو، فقد أبلغ الأمير بندر به منذ البداية وأبدى دعمه الكامل له".

بموجب إعلان أوسلو:

توافق القوات الإسرائيلية على الانسحاب من مناطق محددة في قطاع غزة ومنطقة صغيرة حول أريحا، تمهيدا للانتخابات الفلسطينية. وفي المقابل تعهد ياسر عرفات بتعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية الذي يدعو إلى تدمير إسرائيل. وأخيرا، أعلن رئيس الوزراء إسحاق رابين عن نية إسرائيل بالسماح بتطبيع الحياة في الأراضي المحتلة.
ولم يمض وقت طويل على إعادة الولايات المتحدة انخراطها في عملية السلام، حتى دعي العالم للتفرج على المشهد بعيد الاحتمال للمصافحة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، والمحادثات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لأول مرة.

أدى انخراط أمريكا في اتفاقات أوسلو، إلى جانب دعمها الشديد لعملية السلام، إلى تغيير موقف ياسر عرفات على المسرح العالمي من إرهابي إلى سياسي بين ليلة وضحاها. وعندما نزل عرفات من الطائرة صافح السفير عرفات وابتسم جيرجيان عندما تذكر ذلك، " كانت تلك المصافحة الشهيرة أول مصافحة رسمية بين مسئول أمريكي وعرفات على الأرض الأمريكية". لكن، كان ثمة قلق خلف المصافحة من أن يحي عرفات السفير بالمعانقة العربية التقليدية ، التقبيل على الخدين.

فقد كان جيرجيان يخشى من أن يعتقد كثير من الأمريكيين أن مثل هذه التحية غير ملائمة. ولاعتقاد جيرجيان أن أي التباس أو إحراج أمام الصحافة يمكن أن يلقي بظله على أهمية قدوم عرفات، لذا لجأ إلى مساعدة بندر لضمان الالتزام بالبروتوكول واقتصار الترحيب الأولي على المصافحة. وقد ضمن تدخل بندر الدبلوماسي الحكيم مصي وصول عرفات من دون حوادث.

في أثناء زيارة عرفات الرسمية، وعلى مائدة عشاء رسمية في البيت الأبيض حضرها بندر أيضا، هدأ الحديث قليلا، وهو " أمر لا يطيقه الأمير بندر" كما لاحظ جيرجيان.

فقال بندر لعرفات على حساب جيرجيان: " كيف تصنع عجة أرمنية".

بدا عرفات مشوشا.

قال بندر: " أولا تشرق بيضتين". يذكر جيرجيان أن الجميع بدأوا بالضحك، باستثناء عرفات الذي اعتقد أنني أهنت".

روضحك السفير من المأزق الذي وضع عرفات نفسه فيه وأوضح:

" ها هو يحاول أن يظهر أفضل سلوك، كان الأمر مضحكا جدا. ضحك الجميع وبدأ عرفات حديثا منفردا استغرق خمس دقائق عن أكمية الأرمن بالنسبة إلى الفلسطينيين وأن هناك كثيرا من الأرمن الفلسطينيين البارزين. وطال حديثه من دون أن يفهم النكتة". " في هذه الأثناء استرخى بندر في مقعده ونظر إلي وغمزني".

توجت اتفاقات أوسلو بالمصافحة التاريخية بين ياسر عرفات وإسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض في 13 سبتمبر 1993. كانت المصافحة إقرارا رمزيا بالاعتراف السياسي الرسمي لكل من الأمتين بالأخرى. واعتراف عرفات بحق إسرائيل في الوجود. وقد امتدحها الرئيس كلينتون أنها " مناسبة تاريخية عظيمة".

ودعاها ياسر عرفات "حدثا تاريخيا يدشن حقبة جديدة". ورأى فيها وزير خارجيه إسرائيل شمعون بيريز " مدخلا للسلام في الشرق الأوسط". أخيرا ارتفعت الآمال في تحقيق تقدم حقيقي. وكما في مدريد، كان بندر حاضرا في البيت الأبيض ليشهد هذه الخطوة المهمة نحو السلام وصافح إسحاق رابين بعد الاجتماع.

مع أن مبادرة أوسلو تمت خارج إطار مؤتمر مدريد، فقد استند مسعيا السلام إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 ولم يتم حل الكثير نظرا إلى الطبيعة الغامضة لموقف الأمم المتحدة. فتفسيرات القرار 242 المؤيدة للعرب لا تتوقع أقل من انسحاب إسرائيل التام من الضفة الغربية وغزة والأراضي المحتلة الأخرى. وأوحى التزام أوسلو معادلة " الأرض مقابل السلام" التي اعتمدها مؤتمر مدريد لمنظمة التحرير باحتمال قيام دولة فلسطينية. وعندما لم يتحقق ذلك، كانت آراء الفلسطينيين من الاتفاقات تشوبها الخيبة والاستياء.

غير أن الصياغة الدقيقة للقرار 242 تنص عمدا على انسحاب إسرائيل من أرض مقارنة بالأراضي مقابل السلام والأمن. لكن بصرف النظر عن قسمة الأراضي، يبقي القراران 242 و 338 جازمين بشأن الحاجة إلى حل سلمي متفاوض عليه، وهو ما سعت مدريد وأوسلو لمحاكاته وتفيد النظرة المتفائلة أن المحادثات في كليهما جمعت الجانبين معا على الرغم من أنهما لم يسفرا عن حل دائم للمشكلة الإسرائيلية الفلسطينية ويمكن الحديث عن كسب نصف المعركة.

مع ذلك، سرعان من خبا الأمل الذي بثته هذه الجهود البراغماتية من أجل السلام في مدريد وأوسلو على حد سواء. استمرت خيبة أمل منظمة التحرير الفلسطينية من نتيجة المفاوضات وواصلت إسرائيل احتلالها الأراضي الفلسطينية، ورفضت التعامل مع عرفات أو البحث في الانسحاب ما لم يتخذ خطوات حاسمة لإنهاء الهجمات الفلسطينية العنيفة. ومرة أخرى تبين أن الأمل فجر كاذب.

عندما فاز الديمقراطيون بانتخابات العام 1992 تسلم بيل كلينتون مهمة إحلال السلام في الشرق الأوسط من الرئيس جورج إيتش دبليو بوش. شعرت المملكة العربية السعودية بشدة بهزيمة بوش. فهو يحظى بتقدير كبير لدى آل سعود، ونشأت صداقة ناجحة وازداد التفاهم بينهما.

وصعب على بندر الذي تربطه صداقة وثيقة بأسرة بوش تقبل الهزيمة التي مني بها الجمهوريون. وخلال هذه الفترة المظلمة من الحياة المهنية، اقترب بندر المكتئب جدا من تقديم استقالته كسفير إلى الولايات المتحدة، ولم يبقه في منصبه إلا الإحساس العميق بالواجب تجاه بلده والملك.

شهدت ولايتا الرئيس كلينتون فترة من عدم استقرار في عملية السلام في الشرق الأوسط تميزت بفترات طويلة من الجمود الذي تقطعه بين الحين والآخر اندفاعات تاريخية نحو السلام. وكان عقد التسعينيات بالنسبة غلى بندر هادئا نسبيا، وتوقع بعضهم أن يتقلص مستوى قربه السابق من البيت الأبيض في عهد الجمهوريين بفعل محاولات الديمقراطيين التعامل معه بتحفظ وبرود.

لكن على الرغم من تخمين وسائل الإعلام، بقي قرب الأمير من البيت الأبيض أعلى بكثير من مستوى الاتصال والنفوذ المقبولين اللذين يتمتع بهما السفراء الآخرون. ومع ذلك كان بندر حساسا لتغير المناخ السياسي واعترف بذلك بقوله: " أخذت أشعر بملل شديد".

شهد نوفمبر 1996 انعقاد مؤتمر القاهرة الاقتصادي الذي استضافه الرئيس حسني مبارك وشاركت في رعايته الولايات المتحدة والاتحاد الروسي. وأعاد إعلان القاهرة الذي نتج عن المؤتمر التأكيد على الالتزام بسلام دائم في الشرق الأوسط مع إشارة خاصة إلى النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ووافقت كل الأطراف على متابعة السعي للسلام عن طريق التفاوض والاستفادة من منجزات مدريد وأوسلو.

ومن المؤسف أن هذا الجهد الموحد تبعته فترة سنتين ونصف من الجمود مع ذلك واصلت إدارة كلينتون العمل على إحياء مسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي. وفي أواسط أكتوبر 1998 عقد كلينتون قمة شرق أوسطية في واي ريفر بلانتيشن في ولاية ميرلند ترأس الوفد الإسرائيلي رئيس الوزراء بنيامين مننياهو وترأس ياسر عرفات الجانب الفلسطيني. ونتيجة للمفاوضات ، تم توقيع مذكرة واي ريفر من قبل نتنياهو وعرفات في 23 أكتوبر 1998، وشهد عليها الرئيس كلينتون والملك حسين عاهل الأردن.

كانت مذكرة واي ريفر ترمي إلى إيضاح المسئوليات المشتركة عن تنفيذ الاتفاق المؤقت بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة (أوسلو) الموقع في 28 سبتمبر 1995، بغية تمكين الفلسطينيين من التفاوض كطرف مستقل، من دون أن يحدد ذلك الوضع النهائي لأي أراض قد تتخلى عنها إسرائيل إلى الفلسطينيين مقابل السلام والأمن.

ودعا الاتفاق أيضا إلى إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في أنحاء من الضفة الغربية وغزة، وبالتالي تمكين الفلسطينيين من إجراء انتخابات حرة. غير أن اتفاق واي تخللته كثير من مواطن الغموض بحيث قارنه بعض منتقديه بالجبن السويسري، وتعرض بعد التوقيع لانتهاكات فورية من الجانبين، وبدأت إسرائيل تتملص منه وتماطل في تنفيذه.

بيد أن بندر كان عازما على الحفاظ على الضغط على إدارة كلينتون لمواصلة القيادة الأمريكية عملية السلام واحترام أحكام مذكرة واي ريفر. وفي حديث إلى الصحفيين في أعقاب أحد الاجتماعات مع كلينتون في البيت الأبيض أبلغ بندر وسائل الإعلام : " عبرنا عن قلقنا تجاه حساسية الموقف في الشرق الأوسط وخطورته في اللحظة الراهنة. الشرق الأوسط والعالم العربي يتطلعان إلى استمرار قيادة الرئيس الأمريكي والولايات المتحدة لأن ذلك عنصر ضروري لإحلال السلام في منطقتنا".

وعندما سئل بندر إذا كانت الإدارة تبدي اهتماما كافيا لتدهور عملية السلام، قال إن الرئيس وإدارته استثمرا كثيرا من الجهد والمكانة بحيث إن الملامة على الوضع الحالي " تقع مباشرة على سلوك رئيس الوزراء نتنياهو الطائش. المسألة لا تتعلق أنه متشدد أم غير متشدد، لأن بيغن ورابين وشامير لم يكونوا متهاونين أيضا".

ولزيادة قوة رسالته ذكر بشكل لا لبس فيه " أن رئيس الوزراء هذا فريد إن سلوكه غير بناء بل طائش وأعتقد أن الشعبين الإسرائيلي والعربي سيدفعان ثمنا باهظا إذا لم يتوقف هذا السلوك الطائش". كان قلق بندر توقعيا. ففي 20 ديسمبر 1998 علقت الحكومة الإسرائيلية تنفيذ المذكرة.

أدى تعليق واي ريفر إلى جانب تجميد المفاوضات بشأن التسوية النهائية، إلى نشوء وضع خطير في الشرق الأوسط فقد واصلت إسرائيل نشاطها الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلا عن مصادرة الأراضي، وبناء ما يسمى الطرائق الالتفافية، والإجراءات المتخذة ضد الفلسطينين المقدسيين ، والحصار الاقتصادي.

وفي هذه الأثناء بدأت وسائل الإعلام تشكك في جهود إدارة كلينتون. فذكر تقرير واشنطن عن شئون الشرق الأوسط:

" إن مراسم التوقيع المتزايدة، ثلاثة في البيت الأبيض وأخرى في طابا وشرم الشيخ في مصر، لا تعدو أن تكون تكرارا للتعهدات غير المنجزة منذ التواقيع السابقة. وهذا كل ما تتطلع إليه إدارة كلينتون الآن في فرص المناسبات المصورة القادمة".

على الرغم من تشكيك وسائل الإعلام، استضاف كلينتون قمة في كامب ديفيد في 11 يوليو 2000 – وهي مبادرة وصفها الدكتور كيسنجر أنها " محكومة بالفشل " وفي تبير رأيه قال: " كيف يمكن أن تضع مبادرة سلام في أواخر أيامك في الحكم؟ لقد كانت محاولة فاشلة من الرئيس كلينتون لإيجاد مكان له في التاريخ".

أيا تكن دوافع الرئيس فقد تطابق تصميمع على إيجاد حل مع مسعى إيهود بارك للبقاء في السلطة، وحاجته إلى أن يعرض على افسرائيليين فرصة تحقيق الأمن المنيع. وهكذا جدد توقيت القدر العرضي الحياة في السعي للسلام في الشرق الأوسط.

خلافا لمبادرات السلام التي اتخذت في أوائل التسعينات في مدريد وأوسلو، لم تكن أهمية قمة كامب ديفيد في الحاضرين حول الطاولة، وإنما في العرض الذي قدم عليها. فقد انتهز كلينتون وباراك فرصة السلام ووضعا ما يمكن أن يقال واحدا من أنصف صفقات السلام والأمن التي تعرض على الفلسطينيين وأكثرها قابلية للنجاح.

ففي عرض كلينتون- باراك، ستشكل دولة فلسطينية على 95 بالمائة من الضفة الغربية و 100 بالمائة من قطاع غزة، وتفكك المستوطنات الإسرائيلية باستثناء ثلاث مجاورة لإسرائيل، وتخضع القدس لسيادتينن ويسمح بعودة عدد محدود من اللاجئين، وتدفع حزمة تعويضات تبلغ 30 مليار دولار. ساد الترقب واشنطن. فها هو السلام واحتمال الحل المواتي يلوحان في الأفق. ولم يسبق من قبل أن قدمت حكومة إسرائيلية، مدعومة بقوة من واشنطن مثل هذه التنازلات لصالح الفلسطينيين.

ألقى الرئيس كلينتون كل ما لديه في هذه المفاوضات. واجتمع منسقه الخاص للشرق الأوسط مع المفاوض الفلسطيني أحمد قريع (أبو علاء) حرصا منه على أن يدرك عرفات عواقب الرفض.

يذكر الدكتور سعيد الكرمي الإثارة والاهتمام اللذين سببهما هذا العرض وأكد أنه في الأيام الأخيرة لإدارة كلينتون، كان بندر يتحاور بانتظام مع عرفات ومساعديه بشأن الموافق على الاتفاق. أخيرا أصبح لدينا احتمال حل قابل للحياة يوفر المستقبل والكرامة للشعبين لذا شجه بندر عرفات بحماسة ومن دون تحفظ على قبول العرض.

في 2 يناير 2001 قبل ثلاثة اسابيع فقط من نهاية عهد كلينتون، استقبل بندر عرفات في قاعدة أندروز الجوية وراجع معه عرض باراك. وبعد ذلك قال له: " هل يمكن أن تحصل على اتفاق أفضل؟ هل تفضل التفاوض مع شارون؟".

عندما أخذ عرفات يتذبذب حذره بندر قائلا: " أرجو أن تتذكر ما قلته لك، إذا خسرت هذه الفرصة ستون تلك جريمة لديك خياران إما أن تقبل العرض وإما أن نذهب إلى الحرب".رفض عرفات العرض المقدم في كامب ديفيد من دون تفسير أو تقديم عرض مقابل فاختار الحرب.

في مسعى أخير أرسل كلينتون أحد المسئولين الذين لديهم علاقة جيدة مع عرفات لتتحدث معه مباشرة قدم المبعوث مناشدة تشوبها العاطفة "أنجز الاتفاق واحصل على دولة وساعد شعبك ولا تخسر أفضل فرصة تعرض على الفلسطينيين منذ سنة 1948".

أجاب عرفات ببساطة : "لا أستطيع". صدم بندر بهذا الرفض وقال متألما: " لقد أحزنني ذلك القرار، إنه جريمة بحق الفلسطينيين بل بحق المنطقة بأسرها".

لم يكن بندر الوحيد الذي نظر بيأس غلى رفض الصفقة من قبل عرفات، فقد حاول المصريون ثن عرفات عن موقفه لكنهم لم يفلحوا. واعترف أحد كبار مساعدي مبارك في حديث خاص: " كان على عرفات قبول الاتفاق كأساس للمفاوضات. علينا نحن العرب أن نتعلم كيفية التسوية".

تأمل كلينتون في سيرته الشخصية وفي عواقب رفض عرفات قائلا:

" أنا سأذهب وسيذهب روس. وسيخسر باراك الانتخابات القادمة أمام شارون. ولن يكون بوش راغبا في التدخل بعد كل ما بذلته وفشلت. وما زلت لا أستطيع أن أصدق كيف يمكن أن يرتكب عرفات مثل هذا الخطأ الجسيم".

عاد عرفات إلى فلسطين، وأطلق بد أيام الانتفاضة الثانية. قتل ثلاثة آلاف فلسطيني وألف إسرائيلي نتيجة لذلك. وكان آثارها مأساوية على الفلسطينيين : انهار الاقتصاد، وأغلقت المدارس ودمرت البنية التحيتة للبلد. وأصيب الإسرائيليون بالذهول. أما عرفات فدافع عن موقفه بقوله: " إذا فعلت ما تريدون فستصل حماس إلى السلطة في اليوم التالي".

بعد خمس سنوات على رفض العرض التاريخي بقيام دولة فلسطينية توفي عرفات. ولم يعد إيهود باراك وبيل كلينتون في الحكم. جاء أرييل شارون، خليفة باراك بعد تحول استثنائي ليقود حملة من أجل السلام بين الإسرائيليين والفسلطينيين قبل أن يسقط صريع سكتة دماغية قوية. وبقيت حماس.

في 26 يناير 2006 صوت الفسلطينيون بشكل كاسح لمصلحة حماس، رافضين فساد حركة فتح. وبالنظر إلى سجل حماس في المقاومة والتفجيرات، وبرنامجها السياسي الذي ينكر حق دولة إسرائيل في الوجود، فإن احتمالات السلام في المنطقة وقيام دولة فلسطينية تبدو قاتمة في الوقت الراهن.

توقع جيمس بيكر ألا يتوصل جني ثمار مؤتمر مدريد للسلام إلا " عندما يوجد رئيس وزراء إسرائيلي يتطلع إلى السلام وزعم فلسطيني يخلف عرفات ويكون مستعدا للتفاوض بشكل صحيح للتوصل إلى سلام".

وفي متابعة لهذه المشاعر وتأمل متبصر في فشل قمة كامب ديفيد، قال السير ريتشارد باول:

" كانت إحدى أعظم الفرص العالمية الضائعة، لكن يمكنك أن تكون على يقين أن عرفات يفوت الفرصة دائما، فلا يمكن أن يكون عرفات إلا نفسه أي زعيما للمعارضة. إنه عاجز تماما إذا ما تم التوصل إلى تسوية للمشكلة الإسرائيلية الفسلطينية فسيفقد عرفات دوره على الفور".

وتابع باول:

" لقد خاب أمل بندر كثيرا في عرفات. إذا قدمت لعرفات معظم ما يطلبه على طبق من فضة، فسيرفضه إنه عاجز عن قبول أي شئ".

تكرر ذكر هذا الرأي كثيرا. ومؤخرا كتب هندريك هيرزبرغ " لا توجد لدى عرفات أو شارون الإرادة السياسية للتوصل إلى تسوية ضرورية". غيرأن هناك احتمال أن تكون المشكلة كامنة في التسوية فكما اتضح في أثناء تعامل أمريكا مع صدام حسين، وبخاصة في الفترة الممهدة لحرب الخليج، غالبا ما كانت مساعي الغرب للتوسط عبر التنازلات والإرادة الطيبة تفسر من قبل صدام على أنها ضعف في خصمه وسبب مثالي للتشبث برأيه.

ولعل هذا الاختلاف بين الفكرين العربي والغربي يفسر رفض عرفات " العرض الذي لا يصدق" الذي طرح على الطاولة في كامب ديفيد. ربما رأى عرفات في التسوية التي طرحها إيهود باراك دليلا على ضعف الإسرائيليين فقدر أن الوقت ملائم للهجوم بدلا من التفاوض ولعله كان واثقا جدا من هذا الافتراض بحيث أدار ظهره لطاولة المفاوضات وأطلق الانتفاضة الثانية.

لاحظ بندر: " كانت جهود الرئيس كلينتون في وضع اتفاق إطاري بشأن فلسطين مدهشة". وامتدح كلينتون أيضا بندر قائلا: " لم يحاول بندر فقط حمل عرفات على قبول العرض، لقد قاد عرفات بندر إلى الاعتقاد أنه سيقبل العرض، لكن لا يعرف أحد منا ماذا حصل عندما غادر عرفات واشنطن آخر مرة".

ويذكر الرئيس السابق

" قبل نحو ستة أسابيع على نهاية ولايتي، قلت لعرفات سأحسن العرض المطروح عليك. وتوصلنا إليه أخيرا في طابا، كان عرضا جيدا منح عرفات 98 بالمائة مما أراد. وظننا أنه سيقبله لأنه قاد بندر إلى الاعتقاد أنه سيقبله، وقاد المغاربة غلى الاعتقاد أنه سيقبله وأهمية ذلك أن المغرب يرأس لجنة القدس".

على الرغم من عمل كلينتون الشاق، استقل عرفات طائرته متوجها إلى مصر، وعندما وصل إلى هناك تراجع هز كلينتون رأسه وتأمل في ذلك، " أدلى الكثيرون بدلوهم في لماذا، أو من ، وأنا لست واثقا تماما من أن أيا منهم يعرف. ربما هناك العديد من الأسباب، وربما قرروا أنهم سيسخرون في الحالتين، يتخلون عن حق العودة ثم يهزم باراك وسيكون ذلك في الواقع بمثابة استفتاء على الاتفاق، فسيصابون بالخيبة لأنهم قبلوا بالتسوية من دون الحصول على الفوائد".

لاحظ الرئيس أنه كان في وسع باراك إقرار الحل في إسرائيل بدعم منه في ذلك الوقت. وخمن أن في وسع باراك العودة والفوز بالانتخابات وتابع:

" حاولت إبلاغ عرفات بذلك. لقد تدنى تأييد باراك في 38 بالمائة في استطلاعات الآراء، فقد كان يواصل التقديم من دون أن يحصل على شئ بالمقابل لذا رأى الإسرائيليون أن من الأفضل لهم أن يأتي شارون إذا كانوا لن يحصلوا على السلام، وذلك أمر رهيب بالنسبة إلى كل المعنيين".

قال الرئيس: " حاول بندر جاهدا حمل عرفات على قبول الاتفاق. بل إنه تجاوز المطلوب بكثير". ورأى الرئيس أن المشكلة التي واجهته مع بعض الزعماء العرب أنهم كانوا يبلغونه أنهم يحثون عرفات على قبول الاتفاق، لكن عرفات لم يكن واثقا من أنهم سيقفون وراءه علنا، وكان يخشى أن ينتظروا ليعرفوا الاتجاه الذي ستهب منه الرياح. وشدد كلينتون على أن " بندر كان رجل موقف. قال لعرفات هذا أفضل عرض يمكنك أن تحصل عليه، وأنا أقبل به الآن لأنه سيستغرق سنوات طويلة إذا لم تقبل".

يذكر كلينتون أنه قال لعرفات، في مراجعة أخيرة للجهود التي بذلها لتحقيق نتيجة لعملية السلام الجهيضة قبل مغادرته البيت الأبيض: " إذا لم تكن تريد أن تفعل ذلك، أخبرتي لأنني إذا كان الأمر كذلك سأتوجه إلى كوريا الشمالية وأنهى المشكلة التي لدينا هناك".

وأسر الرئيس في نظرة إلى الأحداث بعد وقوها، أنه يتمنى ل ذهب إلى كوريا الشمالية بدلا من مواصلة المحاولة مع عرفات إذ "كان الاتفاق سوشك أن يتم معهم الكوريين" غير ان كلينتون قرر التشبث بعملية السلام بعد أن قال له عرفات والدموع في عيينه " بالله عليك لا تذهب، لا يمكنك أن تفعل ذلك".

في محاولة لتأمين وعد من عرفات أن يبرم الاتفاق قال له الرئيس : " هل ستفعل ذلك؟".

" نعم" أجاب عرفات. وعلق كلينتون على عدم قبول عرفات بأي اتفاق لاحقا، وقيامه بدلا من ذلك بإطلاق الانتفاضة قائلا بمرارة: " وتعلم البقية سقط أربعة آلاف فلسطيني في الانتفاة لقد كانت مأساة".

وفى فكرة لاحقة متفائلة، أوحى كلينتون أن الفرصة ربما أتيحت لعملية السلام بعد وفاة عرفات " ألأمر الجيد أننا نعرف ما هو الشكل الذي سيتخذه الاتفاق النهائي. نعلم أن علينا الذهاب إلى جنيف ونأخذ اتفاق طابا ونملأ الفراغات".

لكن السانحة فقدت، وأغلق القدر تلك الكوة الصغيرة. لخص بندر أفكار العديدين في الكونغرس عندما قال عن عرفات: " كلما حاولنا شيئا فعل شيئا معاكسا، إننى لا أثق بهذا الرجل، لقد كذب علي مرات عديدة".

وقال بندر لاحقا إن انتقاد عرفات علنا في ذلك الوقت كان يضر بالقضية الفلسطينية غير أن بندر ادعى في تعليق انتقادي على عدم موافقة عرفات على العرض الذي قدمه باراك وكلينتون، أنه قال لعرفات على انفراد: " منذ سنة 1948 كلما كان لدينا شئ على الطاولة قلنا لا لنعد ونقل نعم. وعندما نقول نعم لا يعود مطروحا على الطاولة. ويتعين علينا التعامل مع شئ أقل. ألم يحن الوقت لنقول نعم؟".

لقد كانت خيبة أمل بندر من ياسر عرفات أعمق بكثير من انعدام الثقة، فقد حمل الزعيم الفلسطيني المسئولية المباشرة عن المقتلة التي تلت وإزهاق ارواح آلاف الفلسطينين والإسرائيليين سدة ففي حديث إلى إلسا وولش في سنة 2003 قال: " لم أتعاف في داخلي صراحة من حجم الفرصة التي فوتت في يناير، قتل ألف وستمائة فلسطيني حتى الآن وقتل سبعمائة إسرائيلي. وفي اعتقادي ليس هناك ما يبرر مقتل أي من هؤلاء الفلسطينيين والإسرائليين".

لكن على الرغم من هذا الانتكاس الهائل لم يتراجع تصميم بندر على إيجاد حل لعملية السلام. فقد قال: " لدي أنا وزوجتي ثمانية أولاد وحفيدان. ولا يمكنني أن أتصور أن يتخرج حفيداي من المدرسة أو يذهبان إلى الجامعة ويسألانني، لماذا فشلت في حل هذه القضية يا جدي؟".

منذ رفض عرفات عرض كلينتون- باراك ، تأمل العديد من الأشخاص في العواقب. فأثارت مقالة في صحيفة واشنطن تايمز السؤال " إذا لم يقنع ذلك الجهد السيد عرفات باختيار السلام، من الصعب أن يقنعه أقل من تدمير إسرائيل؟" وفي الحديث عن رفض عرفات الاتفاق، رأى هنري كيسنجر، " أشك في أن الفلسطينيين يريدون التسوية، لن يرضيهم سوى تدمير إسرائيل".

ومضى إلى القول إنه يفهم لماذا وصل إلى الفلسطينيين هذا الموقف المتشدد. وهذا الاعتراف بتفهم الموقف الفلسطيني كان بمثابة موقف مفاجئ من وزير خارجية يهودي سابق. غير أن كيسنجر علق بشكل براغماتي، أنه كانت لدى منظمة التحرير الفلسطينية طموحات غير واقعية من ناحية الاتفاق مع إسرائيل، ملاحظا أنه كانت لديهم توقعات مثالية ولا شئ يعرضونه على الإسرائيليين في المقابل.

في مقابلة لاحقة، ألقى السفير مورفي مزيدا من الضوء على توقعات كيسنجر القاتمة بشأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية. فأشار إلى أنه في حين قد يكون لدى كيسنجر تحفظات بشأن رغبة الفلسطينيين في السلام، فإن ثمة حسنات لاعتقاده أن أفضل ما يمكن أن يؤمل به هو هدنة طويلة.

وأوضح مورفي:

" إنه (كيسنجر) يقدم فرضية براغمتية وواقعية - على الرغم من أن الشعبين ربما لم يوقعا على معاهدة سلام كاملة، فإن الهدنة طويلة الأجل كافية" وقال مورفي إن هدنة تمتد مائة عام ستكون لها قيمة حقيقية في لأم الجراح العاطفية والبؤس اللذين يشعر بهما كل جانب، والعوامل التي تكبت جهود السلام.

ورأى مورفي أن " السلام يتطلب الكثير بسبب الإذلال والتاريخ القائم منذ سنة 1948". وفي ما يتعلق بالهدنة الطويلة، قال مورفي " لطالما اعتقد الإسرائيليون أن هذا التفكير خطر وأنهم لا يقبلون شيئا يقل عن سلام تام وملزم".

واستبعد مورفي أن يكون الطرفان يريدان تحقيق الأمن في ما يتعلق بالسلام، ملاحظا بسخرية "إنهما لا يفكران بالطريقة نفسها، فأمن طرف واحد هو الذي يهم، إسرائيل". وعبر مورفي عن بعض التعاطف مع آراء كيسنجر وخلص إلى أن مفهوم كيسنجر عما يمكن تحقيقه في الواقع- هدنة طويلة الأجل بدلا من معاهدة سلام ملائمة- ليس سيئا تماما.

في محاولة أخيرة لتفسير رفض عرفات العرض الذي تقدم به باراك، قال مورفي:

" إنه القبول والموقف نفساهما اللذان اتخذهما الفلسطينيون في سنة 1948 من التقسيم. لا يمكن لماذا نقسم؟ إنهم عدد قليل على أرضنا، أيا تكن طريقة قدومهم، وتطلبون منا أن نقدم لهم النسبة المئوية س؟ وبعد ذلك جاءت الحرب وحصلوا (الإسرائيليون) على النسبة المئوية س، ص، ز. لذا أعتقد أن هناك بعض الفلسطينيين الذين يناقشون حتى النهاية أن إسرائيل غير شر