أيام من العمر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أيام من العمر

توفيق محمد ثابت

تقديم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , انه من يهده الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .

وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وبعد , فإن الإنسان تمر به فى حياته أحداث كثيرة منها الجليل ومنها الحقير , منها ما يحفر فى الذاكرة ومنها ما تذهب بها الريح فتجعلها أثرا بعد عين .

وتاريخ الأمم يصنعه الأفراد , وتاريخ الفرد كثيرا ما يتخطاه الناس ولا يقفون عنده , يأخذون منه العظة والعبرة " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب " يوسف 111

والفطن الأريب هو الذى يأخذ العبرة من غيره , لأنه بذلك يضيف إلى تجربته فى الحياة تجارب الآخرين , بل إنه يضيف إلى عمره أعمار الآخرين الذين سبقوه .

ومن هذا المنطق حاولت أن أقدم لك عزيزى القارىء هذه المذكرات الخاصة بوالدى رحمه الله , والتى كانت قد كتب جزءا منها فى بداية الثمانينات , وأكمل الجزء الآخر فى نهاية التسعينات , ولم يقدر لهذه المذكرات الخروج للنور ردحا من الزمن بسبب وفاة أحد الإخوان ممن شجعوا الوالد على كتابتها وهو الاستاذ أسعد السيد أحمد صاحب دار الانصار .

وبعد وفاة الوالد –رحمه الله – فى 29 -5 – 2005 حاولت أن أقدم هذه المذكرات علها أن تكون فى ميزان حسناته رحمه الله ونشرا للحق وشهادة للتاريخ " إن ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد " ق . 37 .

ولعلى أنشر بذلك جزءا قد يكون صغيرا من تاريخ أبى مع الإخوان ولكن هذا ما توفر لدينا والله المستعان , وهو الموفق لما فيه الخير .

حاتم توفيق

الجمعة 11 شوال 1427

مقدمة

الحمد لله جليل النعم , عظيم النقم , واسع الفضل والكرم , والصلاة والسلام على الأستاذ الأعظم , والحبيب الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وبعد ,

فأكتب اليوم مذكراتى عن محنتى فى أيام من العمر , لأخرج من حنايا النفس وطوايا الفؤاد ما كنت أتوق أن ينشر على الناس عظة وعبرة ودرسا وخبرة لمن شاء أن يتخذ الى ربه سبيلا .

والحق , أن هذه الأمنية كانت أملا يراود النفس من حين لآخر , وكان يرجئها مشاغل الحياة وضيق الوقت , وشاءت إرادة الله أن يقيض لى الاخ الكريم والناشر الواعى الأستاذ أسعد السيد أحمد (1) توفى رحمه الله ولما تخرج هذه المذكرات الى النور ولكنى لا أنسى فضله وتشجيعه . – رحمه الله , وكان صاحب " دار الأنصار للنشر " فدفعنى بعذب أسلوبه وصدق أخوته حتى أنه قدم لى الكشكول الذى أدون فيه هذه المذكرات إيمانا منه بأن الذكريات صدى السنين الحاكى , وأن حق الأجيال بعدنا يفرض علينا قهر الصعاب للقيام بمسئولية نفع غيرنا بما توفر لنا , ليشق الشباب المسلم طريقه على ضوء ما مضى من الاحداث والخطوب , وفى هدى ما فات لما هو آت , لأن الماضى عبرة الحاضر , والحاضر نظرة المستقبل .

وإن كنت اعتقد أن الحقبة التى مضت من أحداث ما بعد قيام ما يسمى بثورة 23 يوليو لا تدرك حقائقها بوضوح إلا بأن يكتب كل من عانى من آثارها قصة معاناته وما لاقاه فيها , فتجتمع الأحداث , وتكتمل صورة محنة من أبناء هذه الأمة , عذبوا وقتلوا وسجنوا وظلموا على أيدى رجال الثورة التى قامت على أكتافهم " وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " البروج : 8 .

الميلاد ونبذة عن الاسرة

ولدت فى 15 – 6- 1932 م فى الجيزة من أبوين مسلمين فى أسرة متوسطة الحال عدد أولادها : إثنا عشر , توفى منهم أربعة وبقى ثمان منهم خمسة ذكور وثلاثة إناث وكنت اكبر الذكور سنا – منهم اثنان سلكوا طريق دعوة الإخوان : إمام سمير ويصغرنى بحوالى أربع سنوات ومحمد جمال الدين ويصغرنى بحوالى ثمانية عشر عاما وباقى الاخوة ممن أوذوا فى سبيل الله وأخرجوا من ديارهم وأموالهم .

أما عن أقاربى فلا اذكر أن أحدا منهم كان له صلة بالإخوان غير ابن خالتى مصطفى حسن أحمد العسال من أبى كبير شرقية الذى كان من المجاهدين فى فلسطين , وكان عندما يزورنا يروى لنا إنتصارات الإخوان على اليهود , ويحدثنا عن الغنائم التى كان يفىء الله عليهم بها , وكيف كانوا يستردون المواقع التى كان اليهود يهزمون الجيش المصرى والجيوش الاخرى فيها , وكان ابن خالتى هذا يتميز بالجرأة والشجاعة والمخاطرة , وقد أصيب برصاصة فى كفه واستمرت فى كفه مدة طويلة بعد حرب فلسطين حتى أخرجها بعملية جراحية .

نشأة دينية

لم أكن بعد سوى صبى مميز حين ساقتنى قدماى مع بعض الأصحاب الى أحد مساجد الجمعية الشرعية لأداء فريضة الجمعة وكانت لنا عادة لا تفارقنا وهى أننا نظل يوم الجمعة منذ الصباح نلعب كرة القدم حتى إذا قرب موعد صلاة الجمعة تركنا اللعب ودخلنا بيوتنا , ثم بعد قليل إلتقينا وقد توضأ كل منا ولبس جلبابه الأبيض وطربوشه الأحمر وحذاءه أو شبشبه أو قبقابه (1) القبقاب : هو ما يلبس فى الرجل مثل الشبشب ولكنه من الخشب . , وقد كانت هذه العادة وأمثالها فى نظرى من أوضح الدلائل على أصالة نزعة التدين فى أعماق هذا الشعب الطيب , ومنذ ذلك اليوم وأنا احرص على الصلاة ما أمكنتنى ظروفى فى مساجد الجمعية الشرعية , لما لمسته فيها من هدوء وسكينة ووقار والتزام بالسنن , وحرص على أداء الشعائر على اتم وجه .

وأشهد أن نشأة الشباب المراهق فى مثل تلك المساجد وفى جو ذلك الأداء السليم مع حسن الفهم وحضور القلب وخضوع الجوارح وخشية الرب , كل ذلك يطبع فى نفس الشاب دوام الإلتزام بتعاليم الإسلام , ويدع فى قلبه ركائز قوية تمنحه قوة وقدرة يستطيع بها أن يجاهد نفسه , ويغالب فتن الحياة , فإذا غالبته عواديها غلبها , وإذا صارعته بلاياها صرعها , وهو يعد معركتها يخرج وقد ازداد قلبه نورا ونفسه إشراقا , وعقله رجحانا وسريرته نقاء " نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم " التحريم : 8 , يمشون به فيعطيهم الحكم الدقيق , و الرأى الوثيق , و النظر العميق مصداقا لقول الله عز وجل " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " الأنفال 29 .

المراحل التعليمية

تدرجت فى التعليم بمراحله المختلفى أيام نشأتى , فأدخلت الكتاب عدة سنوات , ثم أدخلت التعليم الأولى أو الإلزامى , ثم انتقلت إلى التعليم الإبتدائى لمدة أربع سنوات , والثانوى لمدة خمس سنوات , فحصلت بذلك على شهادة الإبتدائية القديمة , ثم شهادة الثقافة , ثم التوجيهية قسم أدبى , ثم انتقلت إلى التعليم الجامعى حيث التحقت بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول التى سميت بعد ذلك جامعةالقاهرة , وحصلت فيها على ليسانس الحقوق سنة 1954 , وكان من طموحاتى إكمال دراستى لكى أحصل على درجة الدكتوراه , ولكن عاجلنى قضاء الله فاعتقلت وحكم على بالسجن عشر سنين , ثم أخرجت إلى الحياة لأمكث عدة شهور , ثم أعتقلت مرة اخرى ست سنوات أو تزيد , فلما أفرج عنى كان همى الأول أن أكمل نصف دينى , فلما فعلت عاودت للإلتحاق بقسم الدراسات العليا ودرست دبلومى الشريعة والقانون العام , ثم أتيحت لى فرصة العمل بالسعودية , فانقطعت عن الدراسة ولم أكمل المسير , ثم انشغلت بالعمل ورعاية الأولاد وتربيتهم , وترتيب أحوالنا بعد العودة من السعودية .

التعرف على الدعوة

كنت وأنا حديث السن فى مدرسة ابتدائية أهلية تسمى مدرسة " الإسلام الكبرى " بشارع عبادة بن الصامت فى الجيزة , وكان صاحب هذه المدرسة له اتجاه إسلامى , وكان فى كل عام يخصص يوما كمهرجان للمدرسة ودعاية لها فى نفس الوقت , وكنا فى هذااليوم نلبس ملابس الجوالة ونخرج ونحن أطفال فى طوابير نحمل الأعلام الخضراء ذات الهلال الابيض والثلاثة نجوم , والأعلام ذات السيفين والمصحف , ونردد أناشيد إسلامية , وبعضنا يحمل البنادق الخشبية , ويقود هذا العرض أحد المدرسين وكان شابا فتيا يركب الدراجة البخارية , وينطلق أمامنافى شوارع المدينة , وتتوقف المسيرة بين الفينة والفينة فى أحد الميادين لنردد هتافات "الله أكبر ولله الحمد ... الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا " . ثم يقف أحد المدرسين ليقلى خطبة يعرض فيها التعاليم الإسلامية , ويبين رسالة المدرسة ووسائل التربية فيها , ثم يتحرك الركب , وهكذا حتى ينتهى بنا المطاف إلى حيث شعبة الإخوان المسلمين , و كانت الجموع هناك تنتظر مقدم الشيخ حسن البنا لتستمع إليه ثم ينصرفوا وكان ذلك فى عام 1940 فيما أذكر , حيث كنت فى الثامنة من عمرى , وعندما كنا صغارا كنا ننفق وقتا كثيرا فى لعب الكرة , لكن الظاهرة التى لا تنسى أنه اذا أذن المؤذن تركنا اللعب وتوجهنا إلى المسجد وخاصة يوم الجمعة , حيث كنا نلبس القباقيب والطواقى ونتخطى الرقاب بين المصلين .

وحين حصلت على الشهادة الإبتدائية وكانت سنى حوالى اثنتى عشر عاما قررت الإنقطاع عن اللعب بالكرة فى الشارع وتعرفت أنا وصديق لى كان زميلى فى الدراسة على مساجد الجمعية الشرعية حيث كنا نواظب على حضور دروس العلم ونحرص عليها فاذا تخلف أحدنا أتاه الآخر ليخبره بكل ما سمع فى الدرس الذى فاته , وكنا نتزود من سماع هذه الدروس والخطب , وكنا ندون ما نستطيع تدوينه مما نتأثر به من آيات واحاديث وحكم ومواعظ حتى كان شيخنا الذى يلقى الدرس فى بعض الاحيان يقدمنا للناس ليلقى كل منا عليهم مما أفاء الله عليهم مما أفاء عليه , ونحن لم نناهز السادسة عشر من عمرنا وأشهد أننى القيت فى الجمعية الشرعية الركائز الأولى للعقيدة الإسلامية وأحكام العبادة خاصة الصلاة والتمسك بالسنن ومحاربة البدع والمبتدعين والبعد عن الوثنيات .

ونمت فى نفسى العاطفة الدينية وأنا فى سن المراهقة فكان ذلك حفظا من الله لى فى تلك المرحلة الخطرة .

كنت فى ذلك الوقت فى حوالى السابعة عشر من العمر بالمدرسة السعيدية فى مرحلة الدراسة الثانوية عام 1948 بالسنة الرابعة , وكان من يتجاوزها يحصل على شهادة الثقافة , وكنا ندرس فى كتاب زعماء الإصلاح الإجتماعي للأستاذ أحمد أمين , وكان من الشخصيات المقرر دراستها علينا شخصية محمد جمال الدين الافغانى .

وكنا ننشغل بمتابعة كبار الكتاب على صفحات الجرائد والمجلات أمثال : محمد التابعي , ومحمد زكي عبد القادر , وأحمد حسين .

وعاصر ذلك محنة الإخوان عام 1948 م حيث كانت الصراعات الحزبية والسياسية محتدمة بما فيها من أحداث واغتيالات كان آخر فصولها حادث اغتيال الأستاذ حسن البنا – رحمه الله – الذى هز كثيرا من الأوساط .

وكنا يومئذ فى مرحلة التأمل والتفكير التى يجتازها كل شاب يافع تتفتح عيناه على أحداث وأمور تنال من عقله إمعانا , ومن نفسه انصهارا ومن وجدانه إحتراقا ومن روحه توثبا وتطلعا .

وكان مثل هذا الحادث ( حادث الاغتيال ) مثار انتباهنا كما كان مثار وجوم الناس وتوجسهم , فكنا نعقد المقارنة بين هذا الداعية الفذ الملهم وذلك الداعية السواح المجاهد الذى كان مقررا علينا ذيوع صيت كل منهما وما قدماه وما بذلاه من أجل هذا الدين , الا أنه لم يشيع جنازة الواحد منها سوى أفراد على أصابع اليد .

وكان فى هذا وحده دليل أى دليل على أن البطش والظلم مهما علت سطوته فانه لن يقوى على اقتلاع شجرة الإيمان التى تبزغ نتوآتها فى الظلام , فتفتق ما يعلوها من تراكمات الحواجز والسدود , وكأنما صوت السياط وزمجرة البارود ريا يغذيها لا نارا تحرقها .

وهكذا كانت نتيجة هذه الاحداث إيمان طبقة جديدة من شباب المسلمين بدعوة حسن البنا الشهيد لإحياء دعوة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم , وكنت واحدا من هذا الجيل الذى يتكرر فى أعقاب كل محنة للدعوة الإسلامية , تأكيدا لسنة الله فى خلقه بأن يحفظ هذا الدين , فيختار – وهو أعلم حيث يجعل رسالته – من يستأهل لحمل الدعوة من جديد , والسير بها شوطا آخر فى طريق الجهاد , كل يأخذ دوره فى الاسهام بحمل اللواء , وهكذا شأن الرجال من المؤمنين " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " الاحزاب : 23 , يأت بهم الله يعز صفهم " يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " المائدة : 54 .

ولا فضل أعز وأعلى من فضل الله , ولا نعمة أزكى وأجل وأغلى من نعمة الإيمان , حيث تخالط بشاشته شغاف قلب المؤمن فتجعله مشعلا يضىء للناس فى سماء الحياة وسراجا وضاء يهدى الحيارى الذين استهوتهم الشياطين فى الارض . وقد ساعدنى على التعرف على الدعوة أن الإخوان فى الجيزة فى عام 1949 لم يكن لهم شعبة يلتقون فيها , وإنما كانوا يجتمعون على صلاة المغرب والعشاء فى ساحة أمام محطة سكة حديد الجيزة , حيث كانت هناك – مكان مجمع المصالح – أرض فضاء فسيحة تسمى أرض الغفراء كانوا يلعبون فيها أنواعا من الرياضة , ويجلسون بعد صلاة المغرب يستمعون إلى الدرس الذى يلقيه عليهم أحد الدعاة ثم انتقلوا بعد ذلك الى مقر الشعبة الجديدة بشار المحطة ( الملكة نازلى ) .

وفى تلك الفترة انضممت إلى إحدى الاسر لنلتقى مرة فى الاسبوع على حفظ القرآن والحديث , ومدارسة التفسير والفقه والسيرة , وأذكر ممن كانوا يرحبون بى ويحسنون استقبالى فى أول الطريق الاخ كامل راتب – رحمه الله – ثم عملت بعد ذلك مع الأخ الدكتور محمود العرينى , وكان نائبا للشعبة بعد ذلك – أحسن الله ختامنا وختامه -.

محبتى للإمام الشهيد

لم أنل شرف التعرف على الإمام الشهيد حيا , وكانت معرفتى لشخصه بعد موته عن طريق قراءتى لرسائله , فقد كنت شديد التأثر بها لدرجة أن كلماته فيها حين أقرأها لا أتصورها من حروف , وإنما تتراءى لى اشخاصا تتحرك , وكنت أجدنى وأنا أقرأها قد سرت فى نفسى تيارات كهربية تجعلنى أتحرك من مكانى , وأشير بيدى ويرتفع صوتى وكأنى أنا صاحب هذه الكلمات يلقيها بنفسه , فالحروف الجامدة تتحول إلى حيوية متدفقة , ولا أجد الآن فى التعبير عن هذه الحقيقة أفضل مما قاله الشهيد السعيد الاستاذ سيد قطب : " أن كلماتنا تظل عرائس من الحلوى حتى إذا متنا فى سبيلها دبت فيها الروح " .

وقد تمكن حب شخصية الإمام البنا من نفسى لدرجة أن الأسرة التى كنت أنتمى إليها فى الجماعة قد قررت القيام بزيارة لقبر الإمام الشهيد , وحين دخلنا إلى المقبرة انتابنى إحساس مهيب , وتملكتنى مشاعرمن أصيب بفقد عزيز , أو ابتلى بأخذ حبيب , وجال بخاطرى ذلك الظلم الذى نزل بصاحب هذا القبر وجماعته , وهذا العمل الضخم الذى قدمه هذا الإمام للأمة الإسلامية , ويد الغدر التى امتدت إليه لتحرم الأمة من رجل ابتعثه الله ليجدد لها أمر دينها , وليأخذ بناصيتها لتتبوأ مكانتها التى أراد الله لتكون خير الأمم , وقد عبر عن نفسه حين سئل : من أنت ؟ قال : أنا سائح ينشد الحقيقة , وإنسان يبحث عن الإنسانية بين الناس , ومواطن يبتغى لمواطنيه العزة على أسا س من الإسلام الحنيف , ومتجرد أدرك سر وجوده , فنادى فى الناس " إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين .لا شريك له وبذلك أمرت " الانعام : 162 – 163 , حتى إن نقيب أسرتنا الأخ صلاح أبو الخير (مهندس) قد طلب منى أن أقرأ على إخوانى آداب زيارة القبور ونحن جلوس أمام قبر الشهيد , فلم أتمالك نفسى , فكنت أقرأ وأبكى بكاء يصل إلى حد النحيب حتى انتهت الزيارة , ومكثت باقى اليوم على تلك الحال من الحزن المختلط بالفكر والتعجب لأحوال الأمة التى حق عليها قول الأخ الدكتور يوسف القرضاوي :

يا هرة أكلت بنيها غيلة
قبحت أما كنت غير حنون .

انفراجة بعد المحنة الأولى

وبعد ان أخرج الإخوان المسلمون من المعتقلات فى نهاية عام 1950 بدأ نشاطهم يدب من جديد فى أوصال الأمة التى حرمت النور , وكثيرا ما تحرم هذه الأمة المسكينة من النور حينما يقيد نشاط أمثال هذه الحفنة من أبنائها المخلصين , لتنطلق خفافيش الكفر والشرك والنفاق تفعل فعلتها لتهدم صرح القيم , وتأتى على كل ما له صلة بالإسلام , فتجتث جذوره من صدور الناس , وتقتلع اصوله من نفوسهم , ولا يهدأ لها بال حت تستبدل القيم الدينية بانحلال وتفسخ , وفتن عاتية لا تترك الناس إلا وتدع الحليم فيهم حيرانا , وهذه أمر يحسه كل من لا يزال حريصا على إيمانه مستمسكا بحبل الله , يجعل نصب عينيه عقيدته التى يعتز بها , ولا يقبل المساومة عليها , أو الخديعة بغيرها .

وبدأت تظهر تجمعات شباب الإخوان فى المساجد والزوايا , ثم فيما افتتح من شعب تنتشر فى ربوع البلاد , وأخذ الناس يدخلون فى دين الله أفواجا وكان المركز العام ودور الإخوان القطب الذى تنجذب إليه نفوس من اختارهم الله لهذه الطريق , ليكونوا دعاة إلى الإسلام الصحيح , الذى لا يقبع فى الصوامع وينقطع عن حياة الناس والذى لا يعرف فصلا بين دين ودولة , أو بين مصحف وسيف أو بين مسجد وميدان قتال , فكل الحياة بما فيها وكل الدنيا وما عليها وكل المادة وما وراءها فى قلب المؤمن مرتبط بالله خالق الكون ومدبره وصانعه ومسيره الذى بيده الأمر كله , وإليه يرجع الأمر كله .

شعبة الجيزة

و كانت بداية شعبة الجيزة التى كنت واحدا من أبنائها تجمعات للشباب المسلم فى ساحة فضاء أمام محطة سكة حديد الجيزة مفروشة بالحصر , حيث نصلى العشاء يوميا , ونستمع إلى بعض الدروس والمحاضرات التى يلقيها بعض الاخوة الدعاة من الشباب والشيوخ , وفى كل مرة نلتقى فيها يحس كل واحد منا أنه ازداد علما وازداد إيمانا , لأن المحاضر كان مخلصا , والسامع كان مخلصا, وكل منهما يأخذ ويعطى باسم الروح التى أوحاها الله الى محمد صلى الله عليه وسلم " وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا " الشورى : 52 .

وسرعان ما حبب الله إلينا الإيمان وزينه فى قلوبنا , فتكونت منا مجموعات من ستة أو سبعة افراد , كل مجموعة تسمى أسرة , إشارة إلى قوة الرابطة التى تجمع بيننا , ومدى الصلة التى ألفت بين قلوبنا والتى لا يمكن بهذه البساطة أن تكون بين قوم لا تربطهم قرابة أو مصاهرة وصدق الله العظيم " وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " الانفال : 63 .

وانتقلت من أسرة إلى أسرة , وكان آخرها اسرة الإمام على , وكنا فيها ست إخوة , أنا واحد منهم , وهم : الأخ صلاح أبو الخير (مهندس ) والأخ محمد شفيق (طبيب) والأخ محمد عبد السلام مبارك –رحمه الله – (طبيب ) والأخ صالح مدبولي –رحمه الله – (كلية الأداب ) والأخ محمد زكي موسى (محاسب)

وقد أصبح الأول مهندسا , والثانى طبيبا , والثالث أحد مشاهير علماء الطب بجامعة المسيسبى حتى صار أستاذا بجامعة المسيسبى ببنسلفانيا , وقد توفى بالمرض الذى تخصص فى علاجه , وعمل فيه أبحاثا نفعت البشرية (سرطان الدم ) والرابع مدرسا , وقد توفى فى المعتقل , والخامس محاسبا , وأصبحت أنا محاميا .

وكانت أسرة نموذجية –بحق- ,أشهد أننى لا زلت أحيا بالكثير من الذكريات الطيبة التى عشناها فى هذه الأسرة التى لا يمكن أن تمحى من حياتنا , لما كان فيها من ممارسة صادقة لما نمارسه من سلوك إسلامى , وما نقرأ من توجيهات قرآنية , وما نستمتع بسماعه من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العذبة المضيئة وسير الصحابة رضوان الله عليهم , وخاصة سيرة الإمام على – كرم الله وجهه- الذى سميت على اسمه هذه الاسرة .

ويعلم الله الذى ربانا على عينه كم كانت سعادة المرء حين لقائه بإخوانه فى الأسرة , أو إخوانه فى الشعبة , أو إخوانه فى المركز العام , وكيف كان ينشرح الصدر ويطمئن القلب فى تلك اللقاءات الخالصة لله المتجردة لوجهه التى ليس وراءها مغنم من المغانم الدنيوية التى يسعى إليها أصحاب التجمعات المختلفة الأخرى , ليتوصل بها أصحابها إلى وظائف مرموقة , أو مناصب عالية أو صلات معينة تحقق أية مآرب أخرى , أو مصروفات سرية أو غير سرية .

ولقد كانت توضع لهذة الأسرة من البرامج الثقافية والعلمية والتربوية وغيرها مما يصقل شخصية الفرد المسلم , ويؤهله لأن يكون لبنة قوية فى صرح البناء الإسلامى المتين , مصداقا لقول الأستاذ الأعظم والمربى الأول محمد صلى الله عليه وسلم " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " (1) أخرجه مسلم فى القدر , باب فى الأمر بالقوة وترك العجز والإستعانة بالله وتفويض المقادير لله , ح (4816) .

الجامعة

وكان نشاطنا فى الجامعة لا يقل عن نشاطنا فى الأسرة أو الشعبة , ولا ينسى من عاصر السنوات الأولى من الخمسينات كيف كان مستوى شباب الجامعة , وكيف كان حماس الطلبة (2) كان منهم ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية السابق . , وكيف كونت الفصائل والكتائب لحرب الإنجليز فى القنال وكيف كان يقود شباب الإخوان إتحادات الكليات الى الخير وإلى حيث إعلاء الهمم وشحذ العزائم لإخراج المستعمر , والإستشهاد فى سبيل تطهير أرض الإسلام من دنس الشرك والكفر , فأصبحت أموال الإتحاد تصرف فى شراء السلاح , وفى أعداد الكتائب وتسييرها للأعمال الفدائية ضد الانجليز فى القنال , وتوعية الشعب وجمعه على كلمة سواء بعد أن كانت تصرف على حفلات الرقص والغناء والموسيقى والطرب .

وكان خطيب الجامعة فى ذلك الوقت الأخ حسن دوح الذى كانت كلماته تهز أوتار القلوب , ولن تنسى مصر كلها شهداء الإسلام فى معارك القناة الذين أزعجوا الإنجليز , وأقضوا مضاجعهم وانتزعوا إعجاب الشعب وأيقظوا انتباهه من أمثال عمر شاهين وأحمد المنيسي , واشهد أننا ونحن فى هذه السن فى الجامعة كان الواحد منا يتمنى ان يكون فى تلك الفصائل التى نودعها من حين لآخر للذهاب إلى القنال لقتال الإنجليز والفوز بالشهادة ويا له من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسرى فى أوصال الانسان فيحيله شعلة تنتظر الإنطلاق لتحرق أعداء الله " من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق " (1) أخرجه مسلم فى الإمارة باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو , ح (3533).

الإخوان والثورة

واستمرت الحياة فى عز الإسلام على هذا النحو حتى بدأت تظهر فى الأفق بوادر الخلاف بين الإخوان والثورة , وكان يصاحب ذلك عملية تصفية كل الأحزاب السياسية وانتهت هذه التصفية ليأتى الدور على جماعة الإخوان التى حملت لواء الدفاع عن الثورة والدعاية لها فى أول قيامها , بل والمشاركة فى حماية المنشئات والمرافق الهامة فى البلاد حرصا على إنجاحها , وتحملا للمسئولية الملقاة على هذه الجماعة والتى دائما ما يدفع ثمنها هؤلاء المخلصون من أبنائها الذين احتسبوا أجرهم عند الله وشعارهم ذلك المشعل الوضاء الذى حمله الأنبياء والرسل من قبل " ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن اجرى إلا على الله " هود : 29 , " يا قوم لا أسألكم عليه أجرا أن أجرى إلا على الذى فطرنى " هود : 51 .

المكيدة

وأعد النظام الحاكم فى تلك الفترة الخطة للفتك بالجماعة والزج بها فى السجون والمعتقلات وتقتيل أبنائها ومصادرة أموالها وإصدار كافة القرارات والقوانين اللازمة لمحاربة المنتمين إليها فى أرزاقهم وفى أمنهم , وكانت الخطة الرهيبة مقصودة لتتناسب مع عظم هذه الجماعة , وتشعبها فى صفوف الأمة , وتغلغلها فى قلوب أبنائها , حتى تقتلع المكانة ويتفرق الناس من حولها .

وقد ساعد على إنجاح خطة الحكومة ما بدا واضحا من خلاف فى صفوف قيادات الإخوان أنفسهم سمح بأن يندس بينهم من آثار الفتن وغير النفوس , وكان عينا لأعدائهم بينهم , وكان ذلك جزاء نسيانهم قول الله عز وجل " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الانفال : 46 , ولذلك كانت حكمة الله أن ابتلى هذه الجماعة بمحنة 1954 م ليجمع كلمتهم ويسوى صفوفهم ويلفظ خبثهم تحقيقا للغاية من المحن " ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا " الانفال : 37 , فتنصهر معادن الرجال " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " ابراهيم : 27

حادثة المنشية ومحنة 1954

ثم تلاحقت الأحداث بعد ذلك حدثا تلو الآخر , وتأزمت الأمور وبدأت الأزمة تشتد بين الإخوان والحكومة أو قل : ضباط الثورة وانقسم أعضاء مكتب الإرشاد (1) هو مكتب القيادة العليا فى الإخوان مكون من المرشد العام وعدد من الأعضاء ويختص بتيسير أمور الجماعة وإدارة سياستها وتوجيهها . ودبرت مؤامرة لحرق المركز العام للإخوان بالحلمية , ووقعت حادثة المنشية فى يوم 27 أكتوبر 1954 م أو قل تمثيلية المنشية :

وقد كان كل واحد منا يتوقع غدرا من جمال عبد الناصر , وينتظر اعتقالات واسعة قد تكون لها آثار وخيمة كما قال الشاعر :

أرى خلل الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون له ضرام .

وطبيعى أن جمال عبد الناصر لم يكن ليرضى أن يستمرالإخوان فى مواقفهم منه المخالفة لرأيه فى اتفاقية الجلاء , وفى عدم الإنضمام لهيئة التحرير التى أنشأها ليبتلع بها جماعة الإخوان , و لم يكن ليسمح يتعاظم مكانة الإخوان فى نفوس الشعب التى شاهدها فى ساحة قصر عابدين حين تجمعت حشود الطلبة رافعة المناديل المبللة بدمائها عقب أن أطلق عليهم النار فوق كوبرى التحرير لتفريق مظاهراتهم المحتجة على الأوضاع .

وقد حاول هو ورجاله بل وحاول محمد نجيب نفسه أن يصرف المتظاهرين فلم ينصرفوا الا بإشارة من الأستاذ عبد القادر عودة وكيل الجماعة وقتئذ وحسن سمعنا مساء يوم 26-10-54 النبأ الذى أذيع فى الإذاعة كان مفاجأة متوقعة وكان بالفعل كأنه تكأة لإجراءات أخرى مدبرة فقد تبعه اعتقالات واسعة وقرارات بتشكيل محاكم عسكرية إستثنائية وحل الجماعة ومصادرة أموالها , وغلق شعبها .

واستطاع جمال عبد الناصر أن يقوم بتمثيل دور المعتدى عليه , ويستجيش عواطف الجماهير , وأن يصطنع المناخ الذى يمكن من ضرب الإخوان فى مقتل ليستريح نهائيا مما تبقى مما يمكم أن يمثل معارضة ضده , ويتسنى له كما قال : أريد أن اضغط على زرار فيقوم الشعب ثم أضغط على آخر فيسكت .

وأعتقد أن الحديث عن حادثة المنشية أصبح معادا ومكررا , خاصة وقد انكشفت المسرحية وظهرت حقيقة من كانوا يخدعون الجماهير , ويضحكون على الشعب بعمل السيناريوهات واصطناع الأحداث وان كان هناك من الجماهير من لا يزال على سذاجته وبلهه , ويحتاج لإثبات ذلك فإليه الحقائق التالية :

1- أن الأعيرة الأربعة التى قيل : أنها عثر عليها فارغة فى اليوم التالى للحادث كانت تختلف عن طلقات المسدس الذى قيل انه تم ضبطه مع المتهم , وبعد مضى ستة أيام نشرت الصحف أن عامل بناء يدعى خديوى آدم وجد المسدس الذى خرجت منه تلك الطلقات يوم الحادث وسار على قدميه من الأسكندرية إلى القاهرة ليقوم بنفسه بتسليمه إلى جمال عبد الناصر .

2- نشرت الصحف أن المتهم محمود عبد اللطيف اعترف بارتكاب الحادث بالمسدس الأول , ثم اعترف أيضا بارتكابه الحادث بالمسدس الثانى .

3- تم تنفيذ المسرحية باطلاق ثمان رصاصات واحدة بعد الأخرى ولم تكن دفعة واحدة , ولم تصب أية واحدة منها جمال عبد الناصر , وقالت أم كلثوم فى أغنيتها " عدينا واحدة والتانية لحد ثمانية " .

4- رأينا فى التسجيل التلفزيونى البوليس يسوق المتهم مباشرة بعد الطلقات دون اضطراب فى صفوف الجماهير , والكاميرا مسلطة عليه بوضوح , كأنه أمر متفق عليه , و قد قيل : أن الحادث من تدبير متفق عليه بين جمال عبد الناصر وهنداوى دوير وهو محام من الإخوان وأن هنداوى استثار محمود عبد اللطيف لتنفيذ الخطة وأعطاه المسدس , ولكن الذى نفذ اطلاق الرصاص أحد اتباع جمال عبد الناصر , ولذلك بادر هنداوى دوير بتسليم نفسه بعد وقوع الحادث مباشرة ليقدم اعترافات تدين الجماعة على أن يحتل منصبا مرموقا لكن جمال عبد الناصر تخلص منه ليضيع السر ولا تعرف الحقيقة .

المهم أنه قد بدأت الإعتقالات , واختفى المرشد العام , وزج بشباب الإخوان وشيوخهم فى السجون والمعتقلات وكان من أوائل من تم اعتقاله عقب حادثة المنشية إخوان منطقة امبابة وتبعهم منطقة الجيزة , وكنت واحدا منهم , وكنا قد سمعنا قبل ذلك عن إعتقالات لبعض الأفراد لمواقف معينة مثل اعتقال الأخ حسن دوح فى مسجد الشريف بميدان الروضة واعتقال الأخ محمد مهدي عاكف وجاء الدور علينا حين بدأ رجال المباحث العامة بحثهم المحموم عن المختفين من رؤساء الجهاز السرى , و زعماء الجماعة .

وكان من أبرز هؤلاء المطلوب القبض عليهم يوسف طلعت وإبراهيم الطيب , و كانت الجرائد تطالعنا فى الأيام القليلة عقب حادثة المنشية بأسماء وصور المطلوب القبض عليهم وجاء الدور على إخوان شعبة الجيزة .

وبدأت قصة اعتقالى حينما ذهبت إلى منزلى بشارع المأمون بالجيزة أول نوفمبر 1954 , وآويت إلى فراشى وأنا افكر فى أوضاع البلد وماذا يدبر لنا نحن الإخوان المسلمين فيها , و ماذا وقع بالأمس وما هو متوقع أن يحدث فى الغد , و من اعتقل ومن يتوقع اعتقاله , ونمت على هذه الحال متوقعا أن أعتقل كما اعتقل غيرى خاصة وأننى قد رأيت ذلك الأمر من قبل فى رؤى كثيرة عدة مرات الإعتقال : (1) تم اعتقالى فى أول مرة فى نوفمبر 1954 , وحكم على بعشر سنوات سجن من محكمة الشعب الدائرة الأولى , وأفرج عنى بعد مضى المدة كاملة فى 2 نوفمبر 1964 , ثم أعيد اعتقالى فى 12 -8-1965 وأفرج عنى فى 25-8-1971 دون اتهام غير إرضاء روسيا التى كان جمال عبد الناصر يخطب ودها فى ذلك الوقت أى أننى قضيت فى السجون والمعتقلات ستة عشر عاما وثلاثة عشر يوما , وكان سنى يوم اعتقالى حوالى اثنين وعشرين عاما .

وفى الساعة الثالثة من صباح اليوم الثانى من شهر نوفمبر 1954 سمعت بباب شقتنا طرقات لم نعهدها من قبل , وكنت أنا أول من سمعها وبدون أن أفتح الباب أحسست أنها طرقات رجال المباحث العامة الذين جاءوا ليأخذونى كما أخذوا من قبلى الى مصير لا أعرفه , و أسرعت إلى الباب ففتحته , فسألنى أحدهم وكان ضابط المباحث ويرتدى زيا مدنيا أين توفيق ثابت ؟ فقلت أنا فتقدم ففوجئت بآخرين من ورائه ينتشرون بالشقة وآخرين خارجها وانزعجت أمى – رحمها الله – وجعل روعها فى الدنيا أمنا لها يوم القيامة , وقامت من فراشها مذعورة وهى تقول إيه يا ابنى ؟ فقلت اعتقال .

وشرع رجال الحكومة المهرة فى تفتيش المنزل بكل دقة وإتقان وفى كل مكان فى السراير والدواليب والكتب والملابس .. الخ , وأثناء التفتيش طلب منى الضابط أن ألبس لأذهب معه .

فقالت أمى : الى أين ؟ فقال : خمس دقائق ويعود , وبدأت تخور قواها , و أعدت لى بعض الملابس واستيقظ جميع من فى المنزل , ولبست ملابسى والجميع مأخوذين مندهشين فى وجوم , وهم يتساءلون لماذا كل هذا ؟ ولا مجيب .

وخرجت من البيت فاذا بى أجدنى وسط اثنين عن يمين وشمال وأدخلت فى سيارة تقف أمام المنزل وجدت فيها أحد الإخوة قد اعتقل هو الآخر يتوسط اثنين من الحراس عن اليمين وعن الشمال قعيد وهو الاخ عبد القادر حميدة وجلست وانطلقت بنا السيارة فى شوارع الجيزة وسط الظلام والهدوء التام , ثم شارع الجامعة إلى الدقى حيث الفيلات التى تقيم فيها مباحث الجيزة فى منطقة إسكانية تتسم بالهدوء فى ظاهرها , ولكن فى باطنها الرعب والإهانة والمسخ والإذلال وهناك تشعر أنك قد بدأت السيروسط غياهب ومخاوف تراها من الشررالمتطاير من نظرات المخبرين وضباط المباحث والعاملين معهم , فتحس أنك فى سوق نخاسة , وقد استلمك قوم لا خلاق لهم , ليس لديهم أية لمسة من رحمة بك , أوإشفاق على حالك من ضعف بنية أو وهن عظم , أوحداثة سن أومعاناة مرض , وقد خلت قلوبهم من خشية الله , بل ومن معرفة الله , فأصبحت تصرفاتهم لوحشيتها ليس بينها وبين الإسلام صلة بل ولا أى دين من الأديان .

وتركنا فترة ننتظر ما سيفعل بنا , ثم أدخلونا واحدا تلو الآخر لمقابلة مفتش مباحث الجيزة الذى كان فى ذلك الوقت الصاغ حسن طلعت وكان معه أحد ضباط المباحث المحضرين المتخصصين فى تعذيب الإخوان ويدعى حسن أبو باشا , وقد أصبح وزيرا للداخلية فى عهد الرئيس حسنى مبارك . , وأخذ يستجوبنى بتنمر وخداع , ثم تركنا ساعات , وبعدها التقيت بأخلاط من الناس عرفت بعد ذلك أن منهم النشالين والنتاشين والقشاطين والمجرمين وبجانب ذلك أفراد آخرين مثلى من الإخوان المسلمين .

وقضينا أول الليل فى تذكر لسيرة شفيع المسلمين يوم الدين محمد صلى الله عليه وسلم , وماعاناه فى سبيل دعوته , ونمنا على هذه المعانى الطيبة المعزية لنفوسنا , المسكنة لقلوبنا .

وفى حوالى الساعى الواحدة تقريبا استيقظت على وقع أقدام سجان الحجز , و هو يفتح بعنف مغلاق الباب , ونادى على اسمى وظننت أنه إخلاء لسبيلى بعد أن تبين أنى لم أرتكب ما يؤاخذ عليه القانون , وعند خروجى من الحبس ووصولى إلى باب القسم وجدت الصاغ حسن طلعت الذى أصبح فيما بعد مديرا لمباحث أمن الدولة (وكان مديرمباحث الجيزة ) ينتظرنى بنفسه ليستلمنى , وكان موجودا بالباب من دفعنى إلى العربة التى كانت فى الانتظار .

وحين رأين الصاغ حسن طلعت فكرت فى أن أسأله عن الوجهة التى نحن سائرون إليها , وما إذا كان سيفرج عنى أم غير ذلك لكنى وجدت الرد حاضرا فى نظراته المتربصة , وأسارير وجهه المتوعدة وسارت السيارة بحذاء النيل , ثم عرجت عند كوبرى الجلاء إلى ما قبل كوبرى التحرير , فانحرفت يمينا من أمام حديقة الحرية لأجدها داخلة فى منطقة لا أعرفها , وإذا بشارع مغلق يقف عليه بعض الجنود , فتتوقف السيارة قليلا ليأتى أحد ضباط البوليس الحربى فيتعرف على شخصية الداخل فيفتح الطريق لتدخل السيارة وهنا يقول القائد حسن طلعت " أنت عارف إحنا فين دلوقت , إحنا فى مجلس قيادة الثورة "

وقد علمت فيما بعد أن هذا المبنى كان قصرا للملك فاروق يطل على النيل , فاستولت عليه الثورة ليكون رجالها فى مقام التنعيم الذى كان فاروق فيه , ونكون نحن الإخوان فى مقام التعذيب .

مجلس قيادة الثورة هذا والذى بدلا من أن يكون رمز العزة والكرامة , إذا به سلخانة التعذيب التى كان يشرف عليها صلاح الدسوقى الششتاوي أركان حرب الداخلية , كما كانوا يقولون عنه , ومعه على صبرى , و ضباط وصف ضباط وجنود آخرين ومعهم ضابط يدعى محمد نصير , و هؤلاء جميعا يحيطون بالذبيحة ينوشونها من كل جانب , كل ذلك يحدث فى حجرة مجاورة لقاعة محكمة الثورة فى مجلس قيادة الثورة , ثم يتوقف الضرب والتعذيب ليطلب من الضحية أن تكتب فى ورقة تعطى لها اعترافات مطلوبة فاذا لم تكتب أعيدت مرة اخرى إلى السلخانة وهكذا .

التعذيب

وبداخل هذا القصر المنيف كانت مذابح التعذيب للأبرياء من الإخوان المسلمين , لا لشىء اقترفوه الا أن يقولوا ربنا الله وهى سنة الله فى أهل الدعوات دائما مصداقا لقول مؤمن آل فرعون " اتقتلون رجلا أن يقول بى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم " غافر : 28 .

وصعدت مع الصاغ والحراسات , حتى دخلنا ممرا طويلا فى نهاية السلم , وقد سمعته يتحدث مع أحد الحراس طالبا مقابلة أركان حرب الداخلية الصاغ صلاح الدسوقى الششتاوي , وقد خرج الصاغ صلاح الدسوقى من إحدى الحجرات ليتسلمنى من الصاغ حسن طلعت , بعد أن دار بينهما حديث هامس لاشك أننى كنت محوره .

وذهب حسن طلعت بعد أن أسلمن لصلاح الدسوقى , وساقنى صلاح الدسوقى عبر هذه الطرقة التى رأيت على جانبيها فوانيس مضاءة باللون الأحمر مكتوب عليها عبارة سكون , ولكن هذا السكون كان يقطعه من حين لآخر صرخات استغاثة مكتوبة كنت أسمعها من أصوات خافتة أحسست أنها فى حجرات مجاورة , ولكن منع من وضوح الأصوات إنغلاق أبوابها التى بدى لى أنها جهزت لمنع تسرب الاصوات منها .

وأخيرا أدخلت إلى حجرة فوجئت بوجود عدد من العسكريين فيها , منهم ضابط بوليس حربى سمعت فيما بعد أنه يدعى أحمد أنور , وضابط طيران اسمه علي حيدي , وضابط فرسان عسكرى بحرية , وعسكرى جيش , وشخص ملكى آخر اسمه محمد نصير فهمت أنه ضابط مخابرات , وكان شرسا قاسيا فى منتهى العنف معى , وأحسست أنه يحقد كثيرا على الإخوان .

وأخذوا يوجهون أسئلة إلى , فلما كنت أفكر ولا أجيب أفاجأ باللطمات العنيفة من أياد متمرنة تنزل كالصاعقة على الوجه والرأس , ويتلوها استعمال العصا والكرابيج والخيزران , وكلما كنت أترك لحظات يطلب منى فيها أن اعترف وأقر بكل ما هو مطلوب أطلب بعض الماء لأطفىء نار الحرارة التى تنبعث من جوفى بسبب هذا التعذيب , وعنده يساومنى على أن أكتب ما يطلبون , فلما أمتنع أحرم من الماء , ويعاد الضرب بنفس الأسلوب , ومن كل من فى الحجرة وبلا هوادة .

وفى إحدى هذه المرات نزعت ملابسى , وأبقى فقط على بنطلوب بيجامتى بعد جهد كبير منى بلغ حد الاستماتة خاصة وأنهم كادوا يستعملون معى عملية النفخ لولا لطف الله عندما قال أحدهم أننى لا أتحمل .

وقد علمت انها أستخدمت قبلى مع الأخ علي الفيومي – رحمه الله – من إخوان بين السرايات , لكن الضرب استمر بلا هوادة لأعترف بما يطلبون , حتى سقطت عندما فقدت المقاومى تماما وكدت أفقد وعيى , واستمر الضرب وأنا ملقى على الأرض , حتى امتنعت عن الحركة وبدأت أحس وكأننى فى نوم عميق أرى أحلاما ثم تنبهت لأجدهم يرشون ماء مملحا على كتفى وظهرى الذى مزقته السياط وألهبته العصى والخيزران .

وطلبت أن ادخل دورة المياه لأتبول بعد أن اصبت بعدة كرابيج على مخرج البول , وأدخلت دورة المياه , وحاولت التبول فلم أفلح , ولست أدرى هلى يرجع ذلك لشدة الارهاق , أم لوقوف العسكرى الحارس بجوارى وأنا اقضى حاجتى , فلما استدرت وخرجت رفعت بصرى فى مرآة على الحوض هنا فوجئت برؤية وجهى وقد تلون بألوان الطيف من أثر الكرابيج واللطمات والخيزران ,اذ وجدت الكدمات البنية والحمراء والزرقاء والصفراء والبرتقالية والخضراء .

ثم أدخلت مرة أخرى إلى حجرة التعذيب لأجدهم قد أحضروا أحد الإخوة ليعترف أننى من الإخوان , بل وأننى أعرف مكان الأخ يوسف طلعت , وهو رئيس الجهاز السرى الهارب الذى كانوا يبحثون عنه بكل جهد ورعب , وزاد على ذلك بأننى كنت أزوره لأحمل إليه طعام العشاء فى تل بسطة (بلدة الشرقية ) , وكان واضحا على هذا الأخ أنه انهار نتيجة التعذيب , فشرع يعترف بكل ما يطلب منه , بل ويزيد فى الإعتراف ما يشاء طلبا للنجاة من التعذيب .

وقد عذرته أننى رأيت لونه كالليمون الاصفر , وكان كلما تفوه ببعض الكلمات سقط على الارض من شدة الإعياء , فيرفعونه ويسندونه على الحائط ليعود إلى الإقرار بكل ما يطلبون .

وكان نتيجة ذلك بالطبع أن يعيدوا الكرة فينزلون على وابلا من سياطهم المحمومة فأخذت أصيح فيهم بأننى مظلوم , وأن هذا الأخ لا يدرى ما يقول , وأن هذا حرام , حتى دخل صلاح الدسوقى وأخرجهم من الحجرة , وأخذ يتعامل معى بأسلوب هادىء , فأحسست فيه بشىء يشبه الرحمة , وبسلامة نيتى وقصدى طلبت منه التعرف على شخصيته , فكانت هذا النقطة سببا فى أن يظن أننى أريد معرفته لأنتقم منه فى المستقبل , وانتهى الأمر بلطمات شديدة تنزل على قفاى من اشخاص كانوا يقفون خلفى دون أن ادرى , وقد لاحظت أن على صبرى ومحمد عبد الرحمن نصير من الذين يضربوننى بحقد شديد وبغيظ , مع أنه لم يسبق لى معرفتهم واستمر الضرب بعدها حتى ووجهت بأخ آخر كان أكثر انهيارا من الأخ الاول , وقد ظهر فى جبهته وعلى أذنيه أثر السلسلة أو الطوق الحديدى الذى استعمل معه ولف حول رأسه .

وقد سمعت منه فيما بعد أنه عندما ربط به رأسه جحظت عيناه وأصيب بتوتر عصبى وصداع لا يطاق اضطر بعده لأن يقول لهم كل ما يطلبون منه .

وتم بعد ذلك ترحيلى أنا والأخ الذى اعترف على أولا فى سيارة جيب , وسلم هو بقسم الجيزة , وسلمت أنا إلى قسم امبابة حيث كنت قبل ذهابى إلى مجلس قيادة الثورة , وقد هددنى من اصطحبنى إلى القسم عدة مرات بإلقائى فى النيل اثناء سيرنا , وهو الصاغ حسن طلعت الذى أصبح فيما بعد مديرا لمباحث أمن الدولة , وكان الوقت حينها يزيد على الساعة الثالثة بعد منتصف الليل , وعند تسليمى لضابط القسم ليلا أخذ الحاضرون جميعا ملابسى , وعند ارتداء ملابسى مرة أخرى لاحظ احدهم وجود مشط فى أحد جيوبى فاستلمحه واخذه قائلا : إنت كمان جايب معاك مشط , هات هات , إنت مش حاتكون فاضى علشان تمشط شعرك , وأدخلت الحجز مرة اخرى لأنام وسط من كانوا معى فى الحجز , وأنا مثخن بالجراح , أئن من الألم , واتوجع من آثار ما أصابنى وكلما وضعت جزءا من جسمى على الأرض لا أطيق تحمل الألم , فأحاول بمنتهى الضعف تغيير وضعى لأنام على جزء آخر قد لا يكون به إصابة , فلا أجد الراحة لما به من إصابات .

وظللت على هذه الحالة حتى استيقظ من حولى على أنينى المكتوم , وفتحوا أعينهم ليجدونى بينهم حثة هامدة لا أقوى على الحركة , وحتى على الكلام معهم , وقد هالتهم الدماء التى رأوها وقد ظهرت فى ملابسى , وخاصة من ظهرى , وقد تسببت الدماء ورشح الجراح فى التصاق الملابس بالجروح مما زاد فى آلامى , وأخذ بعضهم يقدم لى الطعام فلا أستطيع تنازله , واحتسيت بالكاد كوبا من الشاى واندفع الكثير إلى سؤالى عما حدث لى , وكلهم تأثر ووجوم من آثار ما فعل بى , وقد توقع كل منهم أن يفعل به ما فعل بى , فكنت أحكى لهم بكلمات متقطعة فينالنى التعب , ويغلبنى الإرهاق فى ادرى بشىء , ثم أفتح عينى فأجدهم حولى ينظرون فى اشفاق , فلما انتصف النهار أدخل علينا فى الحجز بعض الاشخاص قيل : إنهم الإخوان , وبعضهم كان من المجرمين , وقد علمنا فيما بعد أنه قد دس بينهم بعض مخبرى المباحث ليسجلوا ما يدور بيننا من أحاديث , وينقلوا معلومات عن كل منا .

السجن الحربى

وبعد الظهر حضرت عربة جيب إلى قسم امبابة ونقلتنى بمعرفة اثنين من الضباط برتبة ملازم أول , حيث سلمت بمجلس قيادة الثورة , ووضعت فى حجرة التقيت فيها ببعض إخوان الجيزة , وكنا جميعا فى الإنتظار للعرض على المدعى العسكرى (صلاح نصار ) على ما أذكر .

وبعد أن تم عرضنا عليه رحلنا إلى السجن الحربى ليلا , وسارت بنا العربة بين الثكنات تستوقفها كل دورية لتقول كلمة السر , حتى وصلنا إلى بوابة السجن الحربى السوداء المشئومة , وأنزلنا من السيارة حيث وقفنا فى انتظار السماح بفتح الباب بالدخول , وبعد أن أدخلنا ثم عدنا ونحن جلوس القرفصاء , كما تعد رءوس الأغنام , واستلمنا قوم يتطاير الشررر من أعينهم , ينظرون إليك نظر من يريد أن يثأر منك , وأخذوا ينهالون علينا ضربا باليمين وضربا بالشمال , وركلا بالأرجل .

ودفعا بما يحملون من بنادق حتى أوصلونا إلى مكاتب السجن الحربى وهناك فى انتظار الدخول على قائد السجن أخذ جنود الدرجة الثانية من السجن الحربى يتسلون علينا , فكانت أوامرهم لنا بجلوس القرفصاء لينهالوا علينا ضربا على الرءوس بالكرابيج , أو ركلا يالأرجل فى أسفل العمود الفقرى , وتارة أخرى يأمروننا بأن نقف ووجوهنا نحو الحائط ليمر كل واحد منهم فيلطم كلا منا على رأسه أو قفاه ليندفع رأسه بشدة فى الحائط , فيصاب بدوار وكدمة أو جرح من قوة الضربة , وناهيك عن التهكم والسخرية , فان سألوك : هل تناولت العشاء وقلت : إنك لم تتناول طعام العشاء كان عشاؤك عشرة أقلام على الوجه , وعشرة لكمات على الصدغ , وعشرة ركلات بالرجل تسقط فى أى مكان من الجسم دون حساب لأى شىء , ولا لأى قدر من السن أو المركز أو الوضع الاجتماعى , فأنت مختلس الدولة دون نقاش ودون تحقيق أو معارضة , فليس لك أن تعترض ,وليس لاعتراضك جزاء إلا الإهانة والسب والضرب الذى لا تترك بعده الا جسدا ممزقا لا حراك به , ولا صوت لصاحبه .

المهزلة

ثم أدخلونا واحدا بعد الآخر على قائد السجن الحربى , فاذا هو جالس على مكتبه وحوله زبانيته يقف بعضهم خلف الداخل لينهالوا عليه بمجرد أن يفتح فمه بأية إجابة , وما من أحد يرد هذا المكتب إلا ويناله منهم نصيب من الإيذاء , فهو ورد مورود , وبئس الورد المورود .

ثم أخرجنا على حالة من الرعب , وفى جو من الإرهاب لنقف خارج المكتب فيما يسمى بحديقة المكاتب , حتى يأتى الاذن بعد ساعات لنساق مرة أخرى بين الكرابيج والعصى والألفاظ الساقطة إلى زنازين سجن 4 , حيث أغلقت على كل منا زنزانته , ألقى فيها إلقاء .

وبعد فترة فتح سجن 4 وفتحت الزنزانات وأخرجنا منها حيث الساعة الثالثة صباحا , وكان إخراجنا كأنه الحشر , فالجميع مساقون بالكرابيج وهم مندفعون على السلالم من الدور الأرضى ومن الدور العلوى مكبكبون من الرعب ومن الضرب , وقد فزعوا من نومهم بعدما ذاقوا من عذاب , حتى أوقفنا طابورا كان فيه كثير من الإخوة منهم المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبى والأستاذ عبد القادر عودة والشيخ محمد فرغلي والأستاذ منير الدلة – رحمة الله عليهم – (من خيار الناس ) .

وهنا وقف أمام الطابور ضابط جيش علمت أنه يدعى جمال ثابت , وأخذ يتندر بنا واحدا واحدا , ويسخر منا , ويتهكم علينا وكان يخص بذلك الأستاذ الهضيبى , والأستاذ عبد القادر عودة , ولم يقصد من كل ما قال سوى الشماتة بالإخوان , وإظهار القوة والسيطرة عليهم , واعتقالهم وإرهاب كل من يفكر من أبناء الوطن فى إيواء أحد منهم , وكأن التدين والسير فى طريق الله سبة يعير بها المرء أو مرض فى شكل الوباء تتخذ كل الامكانات لمنع انتشاره والوقاية منه , وصدق الله العظيم " اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " النمل : 56 .

وفى النهاية صرف هذا الطابور المخيف وسط حمم من الألفاظ الساقطة , والكرابيج والعصى لنذهب فى سرعة البرق إلى حيث اودعنا , كل فى زنزانته , وهنا حسبت أنها الراحة , وأنه قد حان الوقت لرفع التعذيب , ولكن ما كدت أستقر فى زنزانتى حتى سمعت بالخارج صيحات أحد الاخوة وهو يضرب ضربا مبرحا , وثم جاء صوت آخر تلاه صائحا أيضا من التعذيب , واقتربت الأصوات صوتا بعد آخر حتى فهمت أنهم يمرون على كل زنزانة فأعددت نفسى انتظارا لما سألقاه من إيذاء وضرب وتعذيب .

حمزة البسيوني

وبالفعل استيقظت من نومى على ثلاثة جنود وهم يفتحون الزنزانة ليسألنى أحدهم عن سنى وعملى واسمى , ومع كل اجابة أنال حظا من اللطمات القوية التى تنزل على رأسى من أياد غليظة آثمة , يصحبها وابل من الكلام الساقط والشتائم المنتقاه , ثم أصدروا أوامرهم لى بعدم النوم والاستمرار واقفا فى مكانى , وخرجوا واغلقوا باب الزنزانة من الخارج بقفل وتركونى بين جدران أربع فى ظلام دامس داخل هذا السجن (سجن 4 ) الرهيب , الذى تحيطه الحراسة المدججة من الخارج دون مأكل أو مشرب , وتسرح فيه الكلاب البوليسية من وقت لآخر .

وبعد مدة يسيرة فتح الباب ليسألنى الجندى عما إذا كنت أرغب فى طعام فأجبت نعم , فاذا به يقتادنى إلى زنزانة رقم 24 وهناك وجدتنى واقفا أما حمزة البسيوني قائد السجن الحربى الذى كان يجلس على كرسى وأمامه حبل مدلى , وهو يمسك بكرباج سودانى ألان طرفه الزيت الذى كانوا يبيتونه فيه ليقطع لحوم العباد , وقد أحاطنى الجنود من كل مكان وهم على أتم الإستعداد لعمل اللازم , فنظر إلى نظرة عتل زنيم مستهزئا , وسألنى عن اسمى وعملى وسنى , ثم أمرنى أن أخلع ملابسى فشرعت فى خلع ملابسى مستسلما لقضاء الله , وبدأت بجاكتة البيجامة , ثم الفانلة تحتها , و كنت أخلعهما بصعوبة وألم شديدين بسبب التصاقهما بالجروح المحفورة فى ظهرى من التعذيب الذى لاقيته فى مجلس قيادة الثورة على أيدى أبطال الثورة التى قامت باسم الشعب لتعذيب أبناء الشعب .

وبعد أن خلعتها بدأ الزبانية بادخال الحديد فى يدى استعدادا لتعليقى لأكون بعد ذلك قطعة من اللحم المدلى فى ذلك الحبل المربوط فى سقف الحجرة , وهنا لاحظ حمزة البسيوني الجروح الغائرة الموجودة فى ظهرى , وكانت لافتة له , فسألنى عنها وعن مكان حدوثها فأجبته باننى ضربت فى مجلس الثورة , وأننى أصبحت لا أحتمل المزيد ,وفأمر زبانيته بفك اسارى , وأعادتى لزنزانتى , وهذا أمر يعتبر بعيد المنال من هذا الطاغية الجحود , و عدت لأقبع فى مكانى ولأسمع من جديد أصوات الإستغاثات المزعجة , وصراخ المتألمين وأنين الجرحى وما كان إحساس من بداخل الزنزانة بأقل ممن يعذب خارجها , لأنه يعيش فى رعب مستمر , وخوف مطبق , منتظرا دوره فى هذا العذاب المفزع , وهو لا يدرى ماذا يصيبه من هذا الهول وهذا التنكيل .

واستمر الوضع على هذه الحال بضعة أيام تتلون فيها وسائل التعذيب , وتختلف حسب تفنن هؤلاء الجلادين , فهى حينا إرهاق شديد من كثرة الطوابير اليومية أو من طول الوقوف وحينا آخر ضرب بلا هوادة وحينا آخر سب وشتم بأقذع الشتائم وأحطها .

وحدث ذات يوم أن أخرجونا من الزنازين , ووجهونا إلى المكاتب وهناك فى حديقة المكاتب أجلسونا القرفصاء بين كل منا مسافة متر تقريبا , وكان من بيننا الأستاذ المرشد حسن الهضيبي – رحمه الله – وفوجئنا بأنهم أتوا بكلب بوليسى وأخذوا يمررونه بيننا , وأخيرا يوجهونه ناحية المرشد , فيقبل الكلب عليه ممسكا بتلابيبه فيضحكون ويسخرون , وكنا يومئذ شبابا لا نتجاوز الثانية والعشرين , و كنا نتعجب لهؤلاء القادة الذين يحكمون البلاد التى منيت بهم , وهم يعبثون بأبنائنا وأفاضل الناس فيها , وبمقدراتها عبث الاطفال بالدمى , ويفكرون فى أمورها تفكير الصغار فى لعبهم , وكأنهم يريدون أن يؤكدوا بما فعلوه أن الكلب قد تعرف على الجانى , كما يفعل الكلب البوليسى مع القتلة والمجرمين .

الترحيل إلى القلعة

ومر يومان , وطلبت مع بعض الإخوان فى المكاتب , ونبه علينا عند خروجنا بأخذ ملابسنا معنا , وهناك وجدنا فرقا من الحرس ( البوليس الحربى ) المجهزلترحيلنا , ورحلنا ليلا مودعين باللكم والضرب والشتم كما هى العادة , و لم نكن نعلم إلى أى مكان سنذهب , ووصلت السيارة إلى مجلس قيادة الثورة , حيث مكثنا ساعات حقق فيها مع بعضنا , ثم رحلنا إلى معتقل القلعة حيث كان التعذيب على يد ضباط المباحث العامة , الذين كانوا يسمون أنفسهم بأسماء مستعارة مثل : ينى وميلاد الخ , خوفا من معرفة أشخاصهم فى المستقبل , وقد حققوا معنا تحت تهديد القتل والذبح والإلقاء فى البئر , وقطع الأعضاء التناسلية , والكى بالنار , ومحاولة سحب البنطلون أو السروال , كل هذا والإنسان منا معصوب العينين مقيد بالحديد الخلفى يصعد به على سلم أحيانا ثم ينزل به أحيانا أخرى بسرعة , ويسمع من حين لآخر أصوات استغاثقة أو أنين تصدر من مكان مغلق تهز كيانه , وتقلق وجدانه , ثم يعرض هذا بالتالى للتعذيب , ويطلب منه أقوال معينة , واعترافات محددة وما اكثر ما لاقيت من تعب بسبب عدم الإقرار بما يطلب منى .

صور من التعذيب

وأذكر ان بعض الإخوة انتابه حالة نفسية جعلته ينادى بأعلى صوته على اولاده الصغار الذين تركهم فى بيته , وعلى زوجته كل باسمه , ويسألهم عن أحوالهم , و هم غير موجودين معه .

ومن الوقائع الغريبة التى تدل على منتهى الاستهتار بأقدار الناس أن أحد جنود السجن الحربى جاء إلى سجن 4 لينادى على احد الإخوة واسمه حسن غريب , وأخذ يكرر النداء , ويتوعد صاحبه إن كان موجودا , فما كان من أحد الإخوة إلا أن أخذ يقرع باب الزنزانة ويقول : أنا حسين غريب يا افندى , فيفتح الجندى باب زنزانته ويأخذ فى ضربه ضربا مبرحا , لأنه يقرع باب الزنزانة بمجرد النداء الأول , وأخذ الاخ يفهمه بأن اسمه حسين غريب وليس حسن غريب , وأخذ الجندى يضربه ويسبه ويقول الحسن خى الحسين يا ابن ... , وجذبه وأخرجه وذهب به حيث لا نعلم وهكذا يتحكم الجهال فى المتعلمين , ولكنها بلوى آخر الزمان .

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا

تنحية محمد نجيب

وأذكر أننا قد سمعنا فى هذه الفترة ونحن فى معتقل القلعة عن تنحية اللواء محمد نجيب من رئاسة الجمهورية , وكنا نحس عطف الشعب علينا من تأثر السجانين فى معتقل القلعة , فقد كانوا يبوحون لنا فى بعض المناسبات بالاخبار , وبما فى نفوسهم , وقد أحضر لى أحدهم وكان رجلا كبيرا فى السن خيطا وإبرة كما طلبت منه لأخيط بيجامتى التى كانت مقطعة من التعذيب , وتظهر بعض جسمى , وأذكر أنه أوصانى بالصبر, وذكرنى بآل ياسر حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم – وقد مر عليهم يعذبون " صبرا آل ياسر فان موعدكم الجنة " , وقال لى الرجل أليس هؤلاء هم المثل التى تتأسون بها ؟ فقلت : بلى , وكان فى ذلك أجمل العزاء لى فى محنتى .

وبطبيعة حب الاستطلاع لدى كل سجين سألت السجان عن الأخبار فأفادنى بأنها ازدادت سوءا , وعزلوا محمد نجيب , فأكد ذلك ما سبق أن سمعنا , فكان تكملة لفصول المؤامرة للسيطرة على هذا البلد الطيب وأحكام القبضة على كل فرد يمكن أن يكون فيه عرق ينبض .

ضياع أمة

وبتنا فى هذه الليلة يحيط بنا جو من الكآبة والحزن لما يلقاه هذا البلد المسكين من التنكيل بخيرة أبنائه , والاستهزاء بمقدراته , وتسخير بعض أبناء الشعب من رجال الجيش الذين يجب ان تكون معركتهم مع اليهود فى فلسطين , ورجال الشرطة الذين شعارهم : الشرطة فى خدمة الشعب لتعذيب إخوانهم وأقاربهم وذويهم وأبناء وطنهم , فأصبحت معركتهم مع الذين اتخذوا الله غايتهم واليهود عدوهم , فأعملوا فيهم العصى والكرابيج , وكل وسائل الإيذاء , وهم عزل من السلاح , محرومون من الدفاع عن انفسهم , ولوبكلمة حتى تسنع " وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " البروج : 8 وأصبح الإيمان بالله وكأنه وباء يجب الإسراع فى التخلص منه حتى لا يستشرى خطره فى الأمة .

وأذكر أن هنا التصور كان يتفوه به أحد مخبرى المباحث العامة بالجيزة وهو يعذبنى حين اعتقلت للمرة الثانية بعد خروجى من السجن أثر إقصاء عشر سنوات نفادا لحكم محكمة الشعب , وكان هذا التعذيب بمعتقل القلعة وأنا معلق فى الفلكة , الراس أسفل والأرجل أعلى , تحت اشراف الضابط إلهامى سرور – قاتله الله – الذى كان غرا تافها , صور له غروره وطموحه للترقية أنه كلما زاد فى تعذيبنا وتفنن فى إيذائنا كلما كان ذلك أدعى إلى سرعة ترقيته وحصوله على نجوم اكثر , وقد علمنا فيما بعد أنه لم يحقق ما كان يصبوا إليه , لأنه أقيل من المباحث العامة , وعمل فى محل بقالة وحرم من الوصول إلى غايته " خسر النيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " الحج 11 .

كان ذلك المخبر يقول لى أنت سجنت عشر سنوات فلماذا لا تتوب وأبوك رجل على قد حاله , ولك إخوة وأخوات كثيرة . ثم يقول : أنا عارف هى جرثومة بمجرد ما تمسك الواحد منكم لا تخرج منه أبدا يقصد أن الإسلام مرض عضال لا يفارقه صاحبه .

ومما يبعث على الأسى أننا ونحن بسجن القلعة وفى هذا الأتون من التعذيب الذى يفوق التصور , ويقصر دونه التحمل أننا كنا ونحن داخل الزنازين نئن ونتوجع من آلامنا فى صمت دفين كنا نسمع خارج الزنازين بعض الضباط الذين قاموا بتعذيبنا ليلا وهم يسمرون الواحد مع الآخر يحكى كل منهم للآخر عن مغامراته النسائية , وعن جرائمه اللاأخلاقية , ويتفاخر بها كما يتفاخر بما فعل مع الواحد منا من إهانة وضرب وسب وقذاف وايذاء .

ومكثنا بسجن القلعة ما يقرب من أسبوع تقريبا , ثم طلبنا لإعادتنا إلى السجن الحربى مرة اخرى , وكانت مفاجئة حينما التقينا فى السيارة أن يرى كل واحد منا الآخر , و قد تغيرت صورته بما اعتراه من الضرب باليد , واللكم بالقبض , و الجلد بالعصى والكرابيج فمنا من لا يستطيع السير على قدميه إلا بصعوبة ومنا من يتألم حين يسند ظهره إلى كرسى السيارة لما أصابه من جروح تتاذى من اقل مس , ومنا من تلون وجهه بالزرقة والصفرة والحمرة والخضرة وكثير منا طالت لحيته بعد أن كانت تحلق تعذيبا من قبل بالسجن الحربى .

وسارت بنا السيارة حتى وصلت مرة أخرى إلى البوابة المشئومة , ومكثنا حتى جاء الإذن بادخالنا , و بالطبع أعيد استقبالنا مرة اخرى , وكأننا زوار للمرة الأولى , فأجلسنا على الارض , وأخذ جنود السجن الحربى الذين استلمونا يتسلون علينا , ويوزعون بركاتهم أى إهاناتهم وإيذائهم على كل واحد منا بدوره فى الطابور , فمرة لكمة قوية على القفا وعلى الوجه , ومرة ضربة بالركبة أو بالقدم , ومرة بدبشك البندقية فى أسفل العمود الفقرى .

وفى أثناء ذلك مر علينا حمزة البسيوني الذى تولى كبر هذه الجرائم جميعها , فاذا به يبصر أحد الإخوان ضمن مجموعة جديدة من المعتقلين , وكان ملتحيا , وكانت لحيته كثيفة أغرت هذا العتل حمزة البسيوني بأن يأمره بنتفها شعرة شعرة . فحاول الأخ ذلك تحت السب والقذف والإهانة والضرب فلم يستطع , و عز عليه الأمر , فجاء حمزة البسيوني بنفسه وأمسك ببعض شعر لحية هذا الأخ وجذبها جذبا عنيفا جدا حتى أدمى وجهه وقال له هكذا .. ورجا الأخ أحد الجنود أن يقوم الحلاق بحلقها بالموسى لكن حمزة أصر أن ينتفها الأخ بيده , فأخذ يشدها الأخ بيده جزءا جزءا وحمزة يمر عليه من حين لآخر ليتابع بنفسه نتفها كلها , حتى اتى الأخ عليها جميعا , فأصبح وجهه محمرا كقطعة من اللحم , وهو فى غاية الألم .

وقد نقل إلى من بعض الإخوة أنهم فعلوا أكثر من ذلك فى آخرين فحلقوا لهم نصف الشارب مع النصف الآخر من اللحية , أو أحد الحاجبين دون الآخر , ولا شك أنها مساخر مزرية لا تصدر إلا عن أناس لا نقول : فقدوا الإيمان فقط , بل فقدوا القلب , وصدق الله العظيم " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب " ق: 37 , وهؤلاء ليس لهم قلوب , ولك أن تتصور ماذا يكون مصير مصرنا العزيزة ورجال أمثال هؤلاء يحكمونها .

ثم وزعنا بعد ذلك على السجون الحربية داخل السجن الحربى , وكان نصيبى هذه المرة السجن الكبير , وكنت أحسب أن إخراجى من سجن 4 فيه نوع من التخفيف عنى , و لكنى فوجئت بأننى عندما أدخلت إلى السجن الكبير مع بعض الاخوة تلقينا التحية المعهودة من الضرب والسب والشتم والاهانة , وهناك رأيت الاهانة بأبشع صورها , فلا رحمة للضعيف ولا الشيخ الكبير ولا اعتبار لموضع اجتماعى أو شخصية مرموقة فهذا شيخ قد ألقيت عمامته على الأرض وساقه جندى بالكرباج حتى وقع على الأرض وهذا طبيب يؤمر بأن يتمرغ فى الوحل وهذا محام يحمل قصرية من الجلد لا يصرف له غيرها فى الزنزانة تستعمل للتبول ليلا ولشرب المياه نهارا والعذاب دائر فى السجن ليل نهار ومستمر لا ينقطع .

رحمة الله :

والعجيب أننا بمجرد ما كان يغلق علينا مع كل ما نلقاه من عذاب كنا نضحك كثيرا جدا , وكان يقطع هذا الضحك صيحات بعض الإخوة الإيراد الجديد الذين يستقبلون بالعصى والكرابيج والصفع واللكم , فكان بعضنا يسارع لمشاهدتهم من ثقب باب الزنزانة .

وكم كان القلق حينما نعلم إنهم يمرون على كل زنزانة لتعذيب من فيها , كنا نتعجل وصولهم حتى نرتاح , فالإنسان من طبيعته يتمنى وقوع البلاء ولا يطيق انتظاره .

ومع هذا الضنك وهذه المعاناة كان يزيد من وطأة أنهم إذا سمحوا لنا بالذهاب للحمامات فانهم لا يسمحون بالبقاء إلا لمدة وجيزة لا تتسع للجميع العذاب لقضاء حاجاتهم , حتى ان زبانية السجن الكبير كانوا يخرجون الاخوة من الحمامات بالكرابيج , ويفتحون عليهم الأبواب وهم يقضون حاجاتهم ويالها من وحشية لا ترحم الشيخ الفانى , أو المريض أو الضعيف أو الذى هده التعذيب , فاذا وقع أحد هؤلاء فى يد أحد الزبانية نزلت عليه الكرابيج كالوابل الصيب , والسيل الجارف لا تبالى أيقع الأخ على الأرض أم يسقط بلا حراك , و هل يقع الكرباج على عينه أم أنفه أم أذنه , فهؤلاء ينظرون إلينا على اننا كائنات مستباحة قد أهدرت قيمتهم ودماؤهم , وهانوا عليهم حتى استحلوا قتلهم ونهبهم .

وقد علمنا فيما بعد عن موت بعض الإخوة ودفنهم فى الجبل فى منطقة السجن الحربى , ثم قيل لأهلهم إن فلانا هرب , ولم يعثر عليه حتى الان .

طوابيرالعذاب

وكان أبغض شىء إلى النفس ذلك الطابور الذى يتم يوميا تقريبا فى السجن الكبير , حيث يؤمر الإخوة بأن يغادروا الزنازين فورا وينزلوا إلى الحوش الكبير , فيجلسوا صفوفا القرفصاء ويمر الجنود بين الصفوف يساوونها بالكرابيج , ثم يمرون بينها ثانية ليعدوا الأفراد , ويتمموا على القوة ,وتتم طريقة العد كما تعد رءوس الأغنام , الجميع جلوس القرفصاء , والجندى يضع عصاه أو كرباجه فوق الرؤس وقد تكون بعض هذه الرءوس رأس مستشار أم محام أو طبيب أو أستاذ فى الجامعة أو عالم من العلماء لا يهم فقد هان أبناء مصر على حكامها فلا كرامة لهم . يعدها واحدا بعد الآخر وتتكرر هذه العملية عدة مرات لتكرار خطأ الجنود فى العد .

وأذكر فى أحد هذه الطوابير أن ادخل علينا فى السجن الكبير الأخ إبراهيم الطيب – رحمه الله – فى حالى يرثى لها , وقد كسر ذراعه بالكرباج ليودعوه السجن ليكون مع هذا الجمع المهول فى هذا المصير المجهول .

ويطول البقاء فى هذا الحوش بما فيه من سب وضرب وإهانة وتعليمات متعسفة كانت تستغرق سحابة اليوم , وكانت أكبر أمنية لنا ان ينصرف هذا الطابور الممل وأن نرحم من هذا التحكم الرذيل .

وتركنا فى السجن الكبير على هذاه الحال مدة فى انتظار التحقيقات , حيث أعد لكل منا تهمة تتفاوت فيما بينها , لكنها تتفق على قلب نظام الحكم .

وقد كنت من الذين يتحركون كثيرا فى السجن لأداء بعض الخدمات للإخوة كاحضار الخبز أو اليمك ( الطبيخ) أو إيصال بعض المساعدات لبعض الإخوة فى الزنازين .

الجاويش توفيق

وفى إحدى هذه التنقلات ضبطنا وأخذنا إلى جاويش السجن النوبتجى , وأحضرنا امامه , وقام هو بنفسه بضربنا بعصا غليظة مرة على اليد ومرة على الظهر , ولما جاء دورى وحاول ضربى على ظهرى بعد أن ضربنى ضربا شديا على يدى قلت له : إن ظهرى لا يطيق , فلما سألنى عن السبب قلت له : أننى ضربت فى مجلس قيادة الثورة ولا زالت حفائر الجروح لم تلتئم وتفرز صديدا , فأمرنى أن أكشف ظهرى فلما كشفت عن ظهرى أخذ للمنظر الذى رآه وأخذته الشفقة بى , وكنت شابا صغيرا لم أجاوز الثانية والعشرين إلا قيلا , فشرع يسألنى عن السبب فى ضربى هكذا , وعن وظيفتى وعن اسمى , ولشدة ما كان اهتمامه بى حين عرف اسمى توفيق , وهو نفس اسمه هو , ومن يومها منع الجنود من ضربى , وكان يقول لهم عنى : إنه كان سيكون وكيل نيابة , وكان يمكن أن يامر بسجن أى أحد , وأمر بأن تضمد جروحى , وأن أخرج يوميا من الزنازين للغيار عليها , كان فى بعض الأحيان يمدنى بما يزيد عنده من الطعام الكثير الذى كانواياخذونه من الغذاء الذى يصرف لنا فى السجن الحربى , وكان يحضر لى بعض الأشياء التى أطلب الحصول عليها من الأمانات الخاصة بى مثل : الخيط والإبرة لخياطة الملابس المقطعة على أجسامنا .

وقد نفعنا هذا التعارف فى بعض خدمات أخرى كالحصول على طعام لبعض الإخوة , منها : أننى كنت أرى بعض الجنود يشتدون فى إيذاء بعض الإخوة , فبمجرد أن اشكو لواحد منهم إلى الجاويش توفيق هذا الأخير ليضربه بنفسه بنفس الشدة التى يضرب بها الإخوان فيكف عن إيذاء الإخوان ولا شك أن هذه صورة نادرة لم يكن من السهل أن نعثر عليها فى تلك الظروف غير المعقولة وغير الطبيعية .

المحاكمة

وعند محاكمتنا طلبنا إلى مكاتب السجن الحربى حيث تم توزيع الاتهامات علينا , وكانت تهمتى إدارة جهاز سرى مسلح لقلب نظام الحكم وكان الترتيب القيادى الذى أدرجت فيه أنى رئيس مجموعة فى هذا الجهاز السرى وقد أشيع وقتئذ أن رؤساء المجموعات ورؤساء الفصائل عقوبتهم الإعدام , لكن الذى كان يهمنا هو أن ننتهى من فترة التعذيب , وليكن ما يكون بعد ذلك .

ومماعلمناه عن هذه المحاكمات الصورية التى أعدت أحكامها قبل قيام محاكمتها أن أحد الإخوان ظن أنها محاكمة عادية وراح يعرض على المحكمة أماكن التعذيب فى جسمه , ويطالب ببطلان المحاكمة على أساس ذلك , فكان جزاؤه عندما أعيد إلى السجن الحربى " طريحة كبير " من الكرابيج والعصى والصفعات والكمات , والإهانة حتى الالقاء على الأرض , والوطء بالأقدام تولى حمزة البسيوني بنفسه تسديدها إليه , ثم ألقى على جميع المتهمين بعد ذلك وقبل ذهابهم إلى المحكمة خطبة مؤداها أنهم سيلقون هذا المصير ان سولت لهم انفسهم أن يتفوهوا فى المحكمة بأية كلمة من أى تعذيب يحدث فى السجن الحربى .

وفى يوم محاكمتنا سيق كل منا بحرس مخصوص , وكنا محلقى الرءوس وبمجرد دخولنا قاعة محكمة الشعب و وكانت فى مبنى الكلية الحربية القديم فى صالة السينما فى حوالى الثالثة مساء انهال مصورو الصحف والمجلات يلتقطون لنا صورا بأوضاع خاصة تظهر وجه الواحد منا كأنه مجرم من أعتى أنواع المجرمين .

واقترب منى فى المقاعد الأمامية فى مواجهة منصة القضاء بعض من لا أعرف يراودوننى على أن أوكل أحد المحامين عنى فقلت لهم أننى محام وأستطيع الدفاع عن نفسى .

وعند بدء محاكمتى عبثا حاولت الدفاع عن نفسى , فإذا بالقاضى رئيس المحكمة (صلاح حتاتة ) وكان بالطبع ضابطا فى الجيش يحول المحاكمة الى سخرية واستهزاء , ويسألنى أسئلة يريد فيها النيل منى , وهذه الأسئلة ليس لها علاقة بموضوع المحاكمة فهو يسألنى مرة كم عدد أجزاء القرآن ؟ وكم عدد سور القرآن ؟ فإذا أجبته اخذ يتهكم على ويسألنى من الذى علمك هذا ؟ هل هى جماعة الإخوان ؟

ثم جاء بعد ذلك يوم سماع الحكم فأخرجنا مرة ثانية إلى المحكمة , حيث أدخلونا واحدا واحدا , ورئيس المحكمة يتلو الأحكام وكأنها جوائز أو منح , فهذا يحكم عليه بالإعدام وذلك بالأشغال الشاقة وثالث بالسجن لعشر سنوات ورابع بالسجن لخمس سنوات .. إلى غير ذلك .. وقد حكم على بالسجن لمدة عشر سنوات قضيتها بقدرة الله ولطفه كاملة .

إذ كنت قد اعتقلت فى 2 نوفمبر 1954 م وأفرج عنى من السجن فى 2 نوفمبر 1964 م , وقد تنقلت طوال مدة سجنى بين سجون مصر , فأول سجن أودعت فيه كان سجن مصر , ثم منه رحلنا إلى السجون الاخرى , وكان قدرى أن أنقل الى سجن قنا , ثم من سجن قنا إلى سجن بني سويف , ومن بني سويف إلى سجن الواحات الخارجة ببلدة الخارجة , ثم إلى سجن المحاريق ببلدة المحريق فى الواحات الخارجة التى سميت فيما بعد بالوادى الجديد , ثم نقلت بعد ذلك إلى سجن أسيوط , ثم إلى سجن مصر , ومنه افرج عنى بأمر الله فى 3 نوفمبر 1964 , ثم أعيد اعتقالى فى 12 أغسطس 1965 م , وبقيت معتقلا بلا تهمة إلا أننى سبق اعتقالى , واستمر الحال هكذا حتى تم الإفراج عنى يوم 25 أغسطس 1971 .

فترة السجن

وخلال فترة سجنى وفترة اعتقالى التى بلغ مجموعها ستة عشر عاما وثلاثة عشر يوما وقعت أحداث فى السجون , ومررت بتجارب كانت هى البويقتة التى انصهرت فيها المعادن , وتميزت فيها النفوس " هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " الأحزاب : 11 , " ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا " الأنفال : 37 .

وسأحاول فى هذا الجزء أن أسترجع من تلك الأحداث ما تسعفنى به الذاكرة وأسأل الله أن لا أجانب فيه الصواب , وأن يغفر لى ما قد تخوننى فيه الذاكرة , كما أسأله سبحانه أن ينفع بما أعرض من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا .

السجون المدنية : بانتقالنا من السجون الحربية إلى السجون المدنية نكون قد انتقلنا من مرحلة إلى مرحلة , من مرحلة التعذيب المستمر إلى مرحلة السجن بما يصاحبه من تقاليد وأوضاع ونظم كانت بالنسبة لنا – نحن الذين لم نتعرض طوال حياتنا لارتياد هذه الأماكن التى لا يأوى إليها الا القتلة واللصوص والمجرمون وغير الشرفاء من الناس إلا من ظلم – جديدة علينا وقد واجهناها بمعاناة شديدة , ولم يكن من السهل علينا أن نألفها كما ألفها غيرنا . فنحن الذين ربينا على معرفة الحدود , و الوقوف عند الحرام والحلال .

كان أول ما واجهنا فى السجون أن من نظام السجن إن المسجونين إذا ما أتى يوم استحمامهم فان عليهم أن يتجردوا تماما من مربسهم , ويقف بعضهم أمام بعض عرايا كيوم ولدتهم أمهاتهم , ويدخل السبعة أو العشرة كالقطيع متجمعين تحت دش واحد ليستحموا فى خلال خمس دقائق , بعد أن يكونوا قد مروا على الحلاق ليحلق لهم شعر رأسهم , وأى شعر آخر , كل ذلك يتم فى مدة وجيزة , وفى النهاية يقف على باب الحمام مسجون معه البدل الخاصة بالسجن ليعطى كل واحد بدلة يلبسها قد تكون قصيرة أو طويلة أو مقطوعة من أى مكان فيها , ثم يمضى غلى عمله .

هذه هى قيمة الإنسان فى السجون , لا كرامة ولا حرمة , بل مسخ وخسف وضياع , ولا حياء و حال المسجون عند قضاء حاجته لا يختلف عن حاله عند استحمامه , فدورات المياه فى السجن كانت عبارة عن محلات بلا أبواب . مكشوفة تماما يجلس فيها من يقضى حاجته على المرحاض ويتبول ويتبرز أمام غيره من المسجونين وتسقط فضلاته فى جردل كبير يسمى "لبيته "يسحبه المساجين حينما يمتلىء ليفرغوه فى البالوعة , ويا له من منظر يفاجأ به من يدخل دورة المياه ليرى المهانة , و يرى الفضائل تذبح , والقيم تهدر , والإنسانية تداس .

موقف الإخوان

وكان طبيعيا ألا نقبل هذا الأمر , مما ترتب عليه صدامات مع الإدارة , اصرار من جانبها على ان نرضخ للنظام السائد من قديم , وإصرار من جانبنا على عد م احترام هذا التقليد , والاستمساك بتعاليم الإسلام التى تحرم كشف العورة ., وتحرم النظر إليها , والتى تحفظ للإنسان كرامته , و تصون شرفه , حتى انتهى الأمر إلى أننا كنا نستخدم البطاطين الخاصة بنا لستر انفسنا فى دورات المياه , وفى الحمامات لا ندخلها إلا بإزار يستر العورة , و لا يسمح بكشف ما حرم الله كشفه .

واستمرت الحال هكذ احتى جاءت بعض الفرص للتفاهم مع إدارة السجن لانتشال المسجونين من هذه الوهدة , وتوصلنا بعد ذلك إلى تعميم عمل أبواب للمراحيض والحمامات فى كل السجون . وكان ذلك إصلاحا جوهريا فى السجون بفضل وجود الإخوان المسلمين فى السجون , وحرصهم على الإلتزام بتعاليم الإسلام , ونشره بين المسجونين , بموجب أنهم دعاة الى الله فى كل مكان .

أثر الإخوان على المسجونين

ولقد كان مما واجهنا أيضا فى السجن أن حاولت الإدارة فى بعض الأوقات توزيعنا على المساجين فى حجراتهم وزنازينهم حتى لا نبقى نحن جماعة متميزة فى السجن , وحتى نذوب فى هذا المجتمع المسكين الضائع , لكنها عادت فعدلت عن فكرتها , لأنها أدركت أن ذلك سيؤدى إلى نشر رسالى الإسلام , وإلى تصحيح مفاهيم المسجونين مما قد يترتب عليه أن ينضم بعضهم للإخوان , أو يتكتل معهم ضد إدارة السجن .

وقد سبب ذلك حيرة وتضاربا لدى إدارة السجن فى اختيار السياسة التى يمكن أن تنتهجها فى التعامل مع مسجونين من نوع خاص كأمثالنا حتى إن بعض إدارات السجن كانت حينما تريد اتخاذ قرار فى أمر من أمور السجن تحسب حسابا كبيرا لوجود الإخوان , وأثر هذا القرار عليهم , وماذا سيكون رد الفعل بالنسبة لهم .

وبعض تلك الإدارات استفاد فعلا بتحرره العقلى من وجود الإخوان بالسجون , فأدخل تطورات مذهلة ما كانت لتدور بخلد أحد ممن يتصل بإدارت السجون , وقد نتج عن ذلك وجود دراسات فى السجن الأمية , والتحاق بعض المسجونين بامتحانات الشهادات العامة ك : الشهادة الإبتدائية , او الإعدادية , او الثانوية , وتغيرت أحوال بعضهم لدرجة أنه حصل على الثانوية العامة من السجن ولم يكن يعرف القراءة والكتابة , والتحق بعد خروجه من السجن بالجامعة .

ووجدت نشاطات مختلفة فى السجن شملت : الثقافة , والأدب , وأنشئت مكتبات فى السجون , ووجدت صناعات وحرف لتنمية ملكات الموهوبين , وتشجيع الراغبين , فظهر لأول مرة فى السجن فنانون فى الرسم ونبغ فى السجن شعراء وأدباء دخلوا مسابقات وأقيمت حفلات رياضية ومسابقات ترفيهية , ناهيك عن حفظ القرآن الذى حظى به كثير من الإخوان الذين دخلوا السجون فأكرمهم الله بأن يكونوا من حملة كتابه وأوعية وحيه فأتموا نعمة لم يؤت أحد خيرا منه " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا " البقرة : 269 .

وكان لهذه الأنشطة آثار طيبة على السجن كله – مسجونيه وضباطه والسجانين – فظهرت عادات جديدة فى التعامل , وتحسنت الأساليب فى التخاطب , وبدأت تختفى الفاظ كنا نسمعها ونتأذى منها , و حل محل ذلك الحديث حول الإسلام وأحكام الفقه والفتوى فى المشاكل المختلفة , وأدرك الجميع قيمة مجتمع الإخوان المسلمين حين أدركوا بعض تعاليم الإسلام ,وأكد ذلك حادثة وقعت فى سجن قنا . حيث كنا نجلس لنشاهد عرضا سينمائيا فى أسفل عنبر السجن , وحل موعد صلاة المغرب فقام الأخ سيد عيد فأذن للمغرب , فما كان من مأمور السجن الذى كان يرتعد فرقا إلا أن أوقف العرض وأمر السجانين باقتيادنا إلى الزنازين وإغلاقها علينا , والتنبيه علينا بعدم الأذان مرة أخرى , وبعد أن اغلقواعلينا الزنازين ومر وقت قليل وحل موعد أذان العشاء إذا بنا نسمع المسجونين الآخرين من الفئات المختلفة كل منهم يؤذن بصوت عال من الزنزانة التى يسكن فيها , فبدلا من أن كان الأذان واحدا من الإخوان أصبح عدد أذانات وكان المسجونون يريدون بذلك أن يردوا على إدارة السجن فى منعها الأذان بهذا التحدى تضامنا مع الإخوان المسلمين .

وقد تكررت هذه الحادثة فى سجن بني سويف وكان مأموره رجى فظا متغطرسا يدعى عبد العزيز الزعيرى (قائمقام )

وقد أحضر لنا فرقة المسرح المتجول , وأخرجنا فى فناء السجن لنشاهد العرض المسرحى الذى كان فيه الممثلون والممثلات وأثناء العرض وعندما حل موعد صلاة المغرب وقف الأخ سيد عيد وبأعلة صوته رفع الأذان , فما كان من المأمور إلا أن ارتعدت فرائضه , وكأنه أصيب بحمى فأخذ يرعد ويزيد ويهدد ويتوعد , وأصدر أوامره للسجانين الذين كانوا يقفون بالبنادق حولنا بأن يدخلونا إلى العنابر , واسرع هو فورا بالإتصال بوزارة الداخلية تليفونيا , ثم حضر فى كوكبة من الحراس إلى العنبر بعد ان أدخلنا فيه وجمعنا وأخذ يلقى فينا تعليمات ومواعظ .

ومن تعليماته التى لا تنسى أنه قال : أنتم فاكرين نفسكم فين .. أنتم فى السجن , ومعنى ذلك أنك مسلوبو الإرادة لا تعملون أى عمل أى بالأمر , لا تتحركون إلا بالأمر , ولا تأكلون إلا بالأمر , ولا تصلون إلا بالأمر . إذا قلت لك : صل فصل , واذا قلت لك : لا تصل لا تصل , فرد عليه الأخ سيد عيد مذكرا بأن قوله يخالف قول الله تعالى فى سورى العلق " كلا لا تطعه واسجد واقترب " العلق : 19 , فاستشاط غضبا , و كان الرد الذى سمعه صفعة لم يكن يتوقعها , فصرفنا وعلى أثر ذلك جاءت فى صبيحة اليوم التالى الأوامر من الداخلية بترحيل مجموعة الإخوان إلى سجن الواحات الخارجة , ولم يلبث هذا المأمور مليا حتى أصيب بمرض عقب هذه الواقعة بسبب ما حدث له من إحباط اودى بحياته جزاء لتجبره ومنعه إقامة الصلاة .

سجن قنا

وقد حدث أيضا فى سجن قنا صدام بين الإخوان وبين مأمور السجن . بسبب أن بعض الاخوة لم يقدم المقطوعية المفروضة عليه فى العمل , فأراد مأمور السجن أن يطبق على هؤلاء ما زعم أنه من اللائحة بأن حبسهم حبسا انفراديا , فاحتج الإخوان عليه بعد أن حاولوا أثناءه عن تنفيذ ما اراد , لكنه اصر وجاء وقت التمام آخر النهار , فرفض الإخوان الدخول فى العنابر " الحجرات الكبير " فهدد المأمور بإحضار قوة السجن , وفعلا أحضر جميع السجانة ومعهم البنادق , وحاصرونا بدخول الحجرات , فرفضنا حتى يخرج الذين حبسهم انفراديا , لكنه اصر وهدد بأن يأمر السجانين باطلاق النار , وأمرهم بالاستعداد وفعلا حرك كل سجان ترباس البندقية ووضع يده على الزناد ( التتك ) وهنا تقدم أحد الإخوان (1) هو الاخ عبد الحميد ماضي من أجهور الرمل قويسنا . , وفتح صدره وصرخ صرخة مدوية قائلا له : اضرب ... أضرب ... أضرب يا جبان , فأسقط فى يد مأمور السجن ولم يكن يتوقع هذا الصمود وهذا التحدى الذى صدر من أحد الإخوان والذى يعتبر من أكثرهم هدوءا وحلما .

وسحب المأمور جنوده ثم عاد بهم , وقد استبدلوا بالبنادق العصى , والتحم السجانون بالإخوان , واستخدمت القوة لإدخالنا , وقد وقع عراك نتج عنه بعض الكدمات والجروح فى الطرفين , وأدخلنا إلى الحجرات عنوة , ثم جاء المأمور بعد ذلك ودخل الحجرات حجرة حجرة وأخذ يطيب خاطر المصابين , وقد كان ذلك كله بسبب أن هذا المأموركان يرتعد من تعليمات المباحث العامة , وقد صدرت إليه تعليمات بوضع حراسة مشددة علينا ومنع الإتصال بالعنبر .

واعتبر المأمور أن منصبه يتعرض للضياع إن لم يستخدم معنا مثل هذا الأسلوب لدرجة أنه كان يشك فى واعظ السجن , ويظن أنه متعاطف مع الإخوان , وفى إحدى الجمعات لم يحضر الواعظ , وأبدى الإخوان إستعدادهم لشغل مكانه بما لديهم من علماء ووعاظ لكن المأمور أصر على عدم السماح لأحد من الإخوان بالخطابة للجمعية وانتهى الأمر بالمأمور إلى أن ارتقى هو بنفسه المنبر وبملابسه الرسمية وألقى خطبة الجمعة بما كان من مآخذ وأخطاء , تفاديا لما قد يتعرض له من مساءلة لو أن أحد الإخوان خطب الجمعة , وذلك كله من شدة الرعب الذى كان يمتلك مأمور كل سجن من جراء التعليمات والأوامر المشددة بشأننا .

سجن الواحات الخارجة

وفى أواخر عام 1959 رحلت من سجن بني سويف ضمن مجموعة من الإخوان إلى سجن الواحات الخارجة الذى كان قد أقيم فى بلدة الخارجة , وكان عبارة عن مجموعة من الخيام يحيطها سور من السلك الشائك يحرسه من الخارج عساكر الدرجة الثانية المدججين بالسلاح , ورحل مثلنا مجموعة أخرى من سجن أسيوط , وقد استقبلنا إخواننا بالواحات إستقبالا حافلا , والتقينا باخوة لنا قد فارقناهم منذ أيام السجن الحربى , وكان لقاء حارا .

وقد قضينا فى سجن الخارجة مدة كانت أقرب إلى حياة السجن المفتوح , حيث كان الإخوان داخل سور السلك الشائك يتولون أمر أنفسهم دون الحبس فى الزنازين , فكنا نحن الذين نقوم بطهى الطعام وإعداد الخبز , وكنا نقيم مسابقات رياضية وحفلات تمثيلية وعشنا ردحا من الزمن نتنفس بعض الحرية مع أننا كنا فى مكان أشبه بالمنفى , فهو فى الصحراء الغربية , ولم تكن لنا علاقة بأى أحد من البشر سوى ما يتفقدنا الله به من زيارات لبعض الإخوة , فتكون زيارة الواحد منا زيارة للجميع حيث نخرج للسلام على الزائر والترحيب به وتقديم الطعام له وتلقف ما عسى أن يكون بصحبته من أطفال صغار كانوا يعتبرون بالنسبة لنا كأزاهير نتخطفها من بعضنا , فنسعد بأحاديثهم ومداعباتهم .

وأن بعضهم كان يأتى وهو لا يعرف من أبوه , لأنه حين قبض على أبيه كان لا يزال فى بطن أمه جنينا , ثم ولد أثناء سجن أبيه .

واستطعنا بفضل الله فى هذا السجن إقامة حياة منظمة حققنا فيها إستغلالا لوقتنا , وثقافة لعقولنا , وتنمية لمواهبنا , وتقوية لأجسامنا , فقد توفرلبعضنا مكتبات لا بأس بها , وتوفر لآخرين تربية بعض الدواجن مثل : الحمام والأرانب وتوفر لبعض آخر تدريبات رياضية ولياقات جسدية , وداب آخرون على التربية الروحية فمنهم من حفظ القرآن ومنهم من كنت تراه قانتا آناء الليل راكعا وساجدا فى المسجد .

ومنهم من كان يعقد جلسات العلم يتدارس القرآن الكريم والحديث والفقه والتفسير , ومنهم من صار شاعرا أو رساما .. الخ .

وكنا قد علمنا أن الإخوة سجناء سجن الواحات كانوا قد تعرضوا لفتنة رجال المباحث , حيث كانوا يتصيدون بعض ضعاف النفوس ومن طال عليه الامد فيغرونهم بالإفراج عنهم ليقوموا بتأييد جمال عبد الناصر والتبرؤ من جماعة الإخوان المسلمين .

وعلمنا أن بعضا من هؤلاء قد رحلوا من الواحات إلى سجن مصر دون أن يفرج عنهم فورا كما قيل لهم . ومكثنا قليلا على هذه الحال فى سجن الخارجة , ثم ما لبث الوضع أن تغير , فقد قامت الحكومة ببناء سجن فى بلدة المحاريق .

سجن المحاريق

وعند انتقالنا إلى هذا السجن قامت إدارة السجن بتجريدنا من كل شىء , ففقد كل من كان له ممتلكات ما كان يملكه من حطام الدنيا , فمنا من فقد مكتبته , ومنا من ضاعت ملابسه , ومنا من حيل بينه وبين طيوره ودواجنه , وصادرت إدارة السجن كل شىء , ولم تسمح لنا فى السجن الجديد حتى بالمصاحف , وأذكر جيدا أننا بعد ان سكنا فى السجن الجديد ( سجن المحاريق ) قامت إدارة السجن بتكديرنا , فدخل علينا فى عنبر الإخوان حملة من الضباط والعساكر مدججين بالسلاح , وأخرجونا من الحجرات وأجبرونا على خلع ملابسنا ما عدا ما يستر العورة , وأخرجوا كل شىء من الحجرات , ثم أدخلونا وليس معنا سوى الأبراش والبطاطين وبدلة السجن التى على أجسامنا .

وحدث أن استطاع أحد الإخوان إخفاء مصحف صغير الحجم عن أعين الحراس . وكان هو المصحف الوحيد لدينا جميعا تتبادله الحجرات كلها فى العنبر ينال كل حجرة حوالى ثلاثة أرباع الساعة وفيها ما يربو على عشرين اخا , فكنا نقسم وقت الانتفاع به فيكون نصيب الفرد منا مع هذا المصحف دقائق معدودة يستغلها فى التلاوة أو الحفظ بأقصى ما يستطيع .

وقد علمنا- فيما بعد – أن بعضنا من مفقودات الإخوان كالكتب وجد على محطة سكة حديد الخارجة يباع للناس كما أخبرنا بعض الزوار فى زيارات لبعض الإخوان , وفرضت علينا فى تلك التكديرة فترة حبس قاسية كنا لا نخرج فيها من الحجرات إلا حوالى نصف ساعة يوميا لدخول دورة المياه , ولا يسمح لنا بمغادرة العنبر , واستمر ذلك حوالى ستة أشهر لم نر فيها ضوء الشمس , ثم سمح لنا بطابور فسحة خارج العنبر لمدة عشر دقائق فقط يوميا كنا نتسابق فيها إلى الجلوس فى ضوء الشمس لحظات قبل أن نرجع إلى العنبر , ثم زيدت هذه الفترة تدريجيا , ثم تقرر أخراجنا إلى الصحراء لاستصلاحها فيما يسمى بالوادى الجديد , وكنا نعبأ يوميا فى عربات اللورى المكشوفة من الساعة الثامنة صباحا متوجهين الى أماكن محدودة فى الصحراء الغربية حيث تفرض علينا طريحة عمل محددة يطلب فيها منا حفر ( مصالب ) , فكنا نقسم أنفسنا فمنا من يقوم بالحفر بالأزمة , ومنا من يملأ المقاطف بالكريك , ومنا من يحمل المقاطف المملوءة بالتراب لينقلها إلى أماكن أخرى , ثم نعود أدراجنا فى آخر اليوم حوالى الساعة الثالثة بعد الظهر .

والعجيب أن إرادة الله قد سبقت من وراء هذا القضاء , ونتيجة لهذا التصرف من الإدارة فكانت هذه الفترة سببا لحفظ كثير منا للقرآن رغم عدم وجود مصاحف بأيدينا , فكان يحمل المقطف اثنان من الاخوة أحدهما حافظ والآخر غير حافظ , فيقرأ الحافظ على أخيه ثلاث آيات ويكررها اخوه بعده عدة مرات , فإذا حفظها أعقبها بأخريات , حتى أن بعض الإخوة كان يرجع آخر اليوم وقد حفظ ربعا كاملا من القرآن دون أن يقرأ فى مصحف .

الفرق بين الإخوان والشيوعيين

وانشغل الإخوان فى هذه الفترة بحفظ القرآن , فأتم حفظه عدد كبير منهم بهذه الطريقة , حتى أن السجانين فى سجن المحاريق كانوا يميزون تجمعات الإخوان عن تجمعات الشيوعيين الذين كانوا مسجونين معنا فى هذا السجن , فيقول الواحد منهم أعرف طابور الإخوان بأننى إذا اقتربت منه أسمع طنين النحل (آيات القرآن ) أما الشيوعيين إذا اقتربت منهم شممت منهم رائحة كريهة , وذلك لأنهم لا يستحمون ولأنهم لا يصلون فهم لا يتطهرون , والله يحب المطهرين .

الثعابين :

ولا يفوتنى أن أذكر ما كنا نعانيه من التيارات الهوائية الشديدة ونحن محمولون فى عربات اللورى المكشوفة فى قلب الصحراء , وما كنا نفاجأ به أثناء حفر المصالب من ثعابين كبيرة وصغيرة وعقارب , وقد أخذت كلها لون الصخور التى تعيش بينها وهو اللون البنى المحمر .

وتتميز الصحراء الغربية بنوع من الحيات السامة القاتلة فى الحال , وهى قصيرة الطول سريعة الحركة والقفز , ويطلق عليها أهل الواحات اسم الطريشة وقد كان من أهل قرية المحاريق من له قدرة عجيبة على صيد هذه الحيات من جحورها , وكان الأخ عبد القادر حميدة يقوم بتحنيطها وتصبيرها هى والطيور الجميلة التى تمر بالصحراء فى أسراب متتابعة اثناء هجرتها من مكان الى اخر , وكذا الثعالب والافناك(1) جمع فنك ( قد جاء نبأ الأفناك ... الضاحك منها والباكى ) وفى سجن الواحات لم تبخل الصحراء على الأستاذ عبد القادر حميدة بما ندر من الحشرات والطيور الجبلية والزواحف , فاستفاد من هذا الأمر وقام بتحنيط هذه الاشياء وتقديمها للمأمور والضباط هدايا تذكارية , وذات يوم عثر على زوج من الثعالب , صغيرة الحجم , ناصعة البياض , حوراء العيون , نادرة النوع , تسمى افناك , ومفردها فنك .. سال لفروتها لعاب كل من فى السجن , والمحافظة وعبد القادر يمنى الجميع بوصلها بعد أن يشتد عودها .. وقوى مركزه , وتدعمت امتيازاته وزادت مقرراته وذات يوم نسى باب قفصها مفتوحا فحفرت لنفسها سردابا تحت الجدار وهربت إلى الصحراء الواسعة , وجن جنون عبد القادر بعد أن تبخرت أحلامه وتهدد مركزه لدى الإدارة ولامه المأمور والضباط ونقصت مقرراته من اللبن واللحم وأحدث الخبر هزة كبيرة فى أرجاء السجن , و انتهز الإخوان الفرصة وذهبوا بعد عودتهم من الجبل يعزونه فى مصابه , وبعضهم علق شارة السواد على صدره إمعانا فى المزاح , واكتظت زنزانته وعلى رأسهم القيثارة البشرية سعد سرور وقرينه أحمد حسين والمجموعة معهما تردد أغنية :

هاتى الدموع يا عين
وابكى على الفنكين
بعد التعب ما طال
طاروا فى غمضة عين

وقام الأستاذ عبد الحليم خفاجي بعمل موشحة غنائية وذهب اليه ومعه بطانة تردد تلحين الموشحة الطويلة التى تحكى القصة كاملة :

هل جاء أمر الأفناك
الضاحك منها والباكى
لما مكرت مكرا حسنا
لما خشنت كالنساك
لما حلفت إلا وضعت
عبد القادر فى الأشراك
لما فطنت لمؤامرة
دبرها ساعة إمساك
يأتيها باللحم المشوى
ويمصمص عظم الأوراك
قالت لرفيقة محنتها
ويلى من هذا السفاك
ما حبا منه ولا كرما
يجرى ويبش لمرآك
يغدو يتغزل فى لونى
ويروح يغنى بصباك
والمكر يكلل هامته
فخذى حذرا أن حياك
سيظل يدللنا حتى
إن زاد الشعر وغطاك
سيدس السم ليقتلنا
ويحنطنا فى الشباك
لا تنس شيئا من قولى
إياك يغرك إياك
مالى القاك مخشبة
ما بالك فاغرة فاك ؟
ما بال عيونك شاردة
والهم أراه يغشاك
قالت والدمع يغالبها
أبكى بلواى وبلواك
حقا يا أخت فجعتيني
فى هذا اللص الأفاك
قد كنت أظن به خيرا
حتاى يخون وحتاك
شكرا لجميلك يا أختى
سلمت للشارع يمناك
الآن فطنت لقصده
قصد الشرير العكاك
أيريد بفروتنا قربا
من زمرة أصحاب الكاكى
فيحقق من هذا غرضنا
مفهوما عند الأفناك
يتفادى تفتيش الهمج
ويجوب جميع الأكشاك
ويعافى من شغل الجبل
ويعيش طليقا يرعاك
أيضحى بى قفى مصلحة
لولاى لخاب ولولاك
لا كان الشعر ولا طلعت
فى ظهرى غير الأشواك
قسما سأريه مكايدنا
سأريه دهائى ودهاك
إن جاء غدا فى غفلته
فأرميه بلحظ فتاك
من سحر عيونك فى غفلته
ليصير بلحظ فتاك
إن يشقى من خبل الحب
فسينسى البا بوينساك
عجبا قد صحت حيلتنا
حياك الله وبياك
جدى حفرا يا فرحتنا
ما أسعدنى ما احلاك
فالليل يوارينا حتى
إن جاء الفجر سألقاك
فى خارج هذا المفحور
تهنين بأرضك وسماك
شكرا لله فقد فزنا
من بعد عناء وعراك
بين الأحباب هنا نبقى
من غير قيود وشراك
سنصيب الرزق ولو عشنا
بالعظم وبعض الأشواك
وتركت هناك تحيتنا
فى الأرض تفوح بذكراك
ليعيش العمر ولا ينسى
قولا لصغار الأفناك
حريتنا يوما عندى
أشهى من لحم الأوراك

(عبد الحليم خفاجي : عندما غابت الشمس دار الوفاء المنصورة الطبعة الثانية 1408 – 1987 م , ص ( 391 – 394 )

والصخور وغيرها .

فتنة التأييد

وكنا فى كل السجون نتعرض من حين لآخر لفتنة التأييد – تأييد جمال عبد الناصر والتبرؤ من جماعة الإخوان – ويقوم على ذلك رجال المباحث الذين يستغلون تهافت بعض النفوس , وضعف عزائمهم , ووقوعهم تحت وطأة الظروف الخارجية لأسرهم وأولادهم , فيمنونهم بالإفراج عنهم شريطة أن يكتبوا تقارير عن إخوانهم وأحوالهم وثباتهم أو خورهم , وما كانت هذه الوعود إلا مثل " سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " النور : 39 " يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا " النساء : 120 .

وتساقط البعض فى هذه الحفر أو هذا الشرك الخداعى فمنهم من هبط إلى القاع , ومنهم من فقد الكثير من قيمه .

ولقد كانت هذه الفتن أشد على النفوس من محنة السجن نفسه , اذ يمسى المرء مع أخيه متماسكا مترابطا ويصبح منفكا منفرطا .. ويكون فى الظهيرة مع أخيه ثابتا مترابطا فاذا به فى المساء مزعزعا ومواليا , و اشهد أن هناك مواقف من هذا النوع أتذكرها بحذافيرها كلما تلوت قول الله عز وجل " ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا " الأحزاب : 15 .

وإن كان أصحاب هذه المواقف يتعللون بتصرف عمار بن ياسر رضى الله عنه حين فتن فنطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان , ولا شك أن المواقف تختلف باختلاف مقدار ما يطيق المرء , وحسب قوة إيمانه ومقدار استمساكه بما عند الله , وأنه خير وأبقى مما فى يد الناس .

وعلى كل حال فالإيمان يزيد وينقص , والثبات نعمة من الله وتأييد " وما بكم من نعمة فمن الله " النحل 53 , " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الاخرة " ابراهيم 27 .

ولا ينبغى للمؤمن أن يزكى على الله احدا , إنما الفضل من الله " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا (74)لا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا " الإسراء 74-75 , " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " النساء : 83 .

وكان من آثار فتنة التأييد هذه أن انشق عن الجماعة مجموعات بعضها قد انفرط عقدة , وبعضها لم يفقد ركائزه , وإنما كان تأييده فى نظره تقية يمرر بها العاصفة , وبعد خروجه من السجن استمر على العهد متمسكا بدعوته .

والذى نعتقده أن تقييم الشخص لا يرجع إلى موقف واحد من مواقف حياته , وإنما يشمل حياته كلها , والعبرة أولا واخيرا بالخواتيم , ونسأل الله حسن العاقبة وأن يميتنا على الإسلام ويتوفنا وهو راض عنا .

ومرت بنا الأيام فى سجن المحاريق بين الضيق والسعة , والتشديد والتخفيف حسب الظروف السياسية وتبعا لشخصية قائد السجن فاذا كانت طبيعة قائد السجن معقدة أو مليئة بمركبات النقص ظهر ذلك فى سلوكه مع المسجونين وضيق الخناق عليهم , ويظهر ذلك فى الزيارات والطرود وفترات الفسحة وأصناف المأكولات التى تستحضر من المقصف والسماح بالخطابات والسماح بالجرائد والكتب ونظام العلاج والسماح بممارسة الهوايات والرياضات .. إلخ .

أما إن كان قائد السجن صاحب عقلية متفتحة وافق واسع فانه يستعلى على الصغائر ويترفع عن الوسائل البالية التى قوامها البطش والقهر والإستبداد , واستطاع ان يدير السجن بالإستعانة بمن يمثلوننا عنده وتمر الأيام بروح إنسانية يكون لها أثرها على جميع من فى السجن .

تأثير الظروف السياسية

ومن ناحية أخرى فإن أوضاعنا داخل السجن كانت تتأثر أيضا بالناحية السياسية فاذا تعرض جمال عبد الناصر فى خطبة لموضوع الإخوان أو كان هناك ما يثير غضبه علينا انعكس ذلك على تصرف إدارة السجن معنا , وقد كانت إدارة السجن تحرص على إذاعة خطاب جمال عبد الناصر علينا فى كل مرة يخطب فيها .

وبالطبع فى كل مرة يكون الخطاب خطابا سياسيا هاما لأنه خطاب الرئيس ويجب أن يشرع الجميع عقب سماعه فى دراسته وتحليله واستنباط ما احتواه من حكم وعبر , وعلينا تأييد كل ما جاء به .

إخراج الشيوعيين

وفى حوالى عام 1962 م – حسبما أذكر – كان جمال عبد الناصر يخطب ود روسيا , وقد دعا خرشوف رئيس وزرائها حينذاك لزيارة مصر فأبى أن يزور مصر وفيها شيوعى واحد فى السجن واستجاب جمال عبد الناصر لرغبة خروشوف وأفرج عن الشيوعيين , وتركنا نحن الإخوان رهينة السجن , لأن جريمتنا كان أن يقول الواحد منا : "بى الله "غافر : 28 , واما الشيوعيون فكان الافراج عنهم مكافاة لهم لأنهم يكفرون بالله .

عاقبة أبطال التعذيب

1- جمال سالم : أصيب بمرض عصبى وأمراض أخرى وظل فى آلام حتى مات .

صلاح سالم : احتبس بوله وتوقفت كليتاه حتى أصيب بالتسمم .

2- شمس بدران : حوكم بمحاولة الإنقلاب على جمال عبد الناصر لصالح عبد الحكيم عامر .

3- عبد الحكيم عامر : إنتحر أو وضع له السم فى 13-9-1967 .


4- سعد عبد الكريم : نقل من المباحث الجنائية إلى سلاح الحدود إذلالا له فوقع ميتا من الغيظ .

5- حمزة البسيوني : العتل الجبار الزنيم مات فى حادث سيارة وقطعت جثته إربا إربا .


6- على شفيق : مدير مكتب المشير أودعه شمس بدران السجن واذله وأشبعه ضربا .

7- محمد عبد الرحمن نصير : سكرتير جمال عبد الناصر لشئون البوليس الحربى , أبعد عن وظيفته وعين رئيس مجلس إدارة الشركة العقارية , واتهم باختلاس نصف مليون جنيه , وحبس احتياطيا بسجن الإستئناف .


8- العسكرى غنيم : عثر عليه قتيلا بين الحقول لا يدرى أحد من قتله .

9- الصول يس : هاجمه جمل وقضم رقبته فقتله .

علاقتى برموز الجماعة

بدأت علاقتى بهم من تاريخ اعتقالى فى 2-11-1954 حتى أفرج عنى فى 25-12-1965 فقد اجتمعت بهم فى السجون والمعتقلات فى فترات متفاوتة فمنذ أن اعتقلت فى أول مرة اخذت إلى السجن الحربى وكان ذلك عقب تمثيلية المنشية وأودعت سجن 4 , حيث كان الأخ محمد مهدي عاكف معتقلا من قبل , وقد جمعنا ليلا حوالى الساعة الواحدة أو الثانية صباحا , حيث وجدتنى مع من أخرجوا من الزنازين لنقف فى طابور فى سجن 4 وأمامنا مجموعة من الضباط أذكر أن واحدا منهم تولى سبابنا وإهانتنا بأقبح الشتائم , وكان يخص الأستاذ المرشد الهضيبى بالمزيد من السفالات , وكان معنا فى ذلك الطابور الأستاذ عبد القادر عودة , والأستاذ محمود عبده وغيرهم , وكان الأستاذ الهضيبى صابرا محتسبا , وكان يحاول أن يحتمل المتاعب بقدر ما يستطيع , واحيانا تخور قواه فيعجز عن الاستمرار فى الجرى أو المشى فيتنحى جانبا فلا يرحم هؤلاء الزبانية ضعف شيخوخته فينهالوا عليه بالتوبيخ والتهكم , ومع ذلك كان هو يسخر منهم .

وأذكر مرة كنا فى طابور وكنا نقف بالمدد الطويلة ليذاع علينا أغنية " اجمل أعيادنا الوطنية بنجاتك يوم المنشية " التى كان يحلو لحمزة البسيوني أن يسمعنا إياها وفى احدى المرات عند إذاعتها حضر جندى ينادى على اسم الأستاذ عبد القادر عودة فأخرج الدكتور توفيق الشاوي خطأ وأخذ يكيل له الصفعات , فخرج الأستاذ الهضيبى من الطابور – وكان لا يعبأ بهم – وهو يقول : أهكذا تفعلون فى أستاذ جامعى .

واخرجنا ذات مرة واحضرنا أمام المكاتب حيث صفونا صفوفا وحولنا الصحفيين ومعهم آلات التصوير وفوجئنا بكلب من الكلاب البوليسية يصحبه أحد الجنود ويمر به فى الصفوف ليقف الكلب عند الأستاذ الهضيبى , فيمسك بتلابيبه ليخرجه من بين الصفوف وكأنه مجرم من المجرمين قد تعرف عليه هذا الكلب , ثم يضحك الضباط من حولنا منتشين بهذه اللعبة التى لا تليق إلا بالأطفال .

وفى مرة من المرات – ونحن متراصون أمام المكان الذى يذاع علينا فيه شريط أغنية أم كلثوم (أجمل اعيادنا ) نعانى من التعب والعناء ومن آثار التعذيب , ومن طول الوقوف – إذا بنا نسمع من الشريط المسجل عليه الأغنية صوت قارىء يتلو قول الله عز وجل : " فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنزن " البقرة 62 , فنزلت علينا هذه الكلمات من الآية بردا وسلاما وكانت بلسما لجراحنا وطمانينة لنفوسنا , وتثبيتا لقلوبنا , وقد أغاظ هذا الأمر حمزة البسيوني قائد السجن الحربى وأخذ يتوعد من سجل الاغنية على هذا الشريط الذى كان يتلى فيه القرآن ففات عليه أن يمسح كل الشريط وبقيت هذه الكلمات وكأنها رسالة إلينا من السماء فى ذلك الظرف العصيب .

وأذكر عقب انصرافنا من طابور الأغنية ذات يوم , وكنا نسير أمام مطبخ السجن إذا بمجموعة من الجنود والصف ضباط تقف على جانب الطريق وكل منهم ينتهز الفرصة ليشمت ويتشفى بنا وقد سمعت من بعضهم كلمات تشير إلى الأستاذ الهضيبى وغيره ممن فى الطابور وتتهمنا بأننا مختلسى الدولة وتنهال علينا بالتهكم والسخرية , وهم يلقون بالنكات والألفاظ البذيئة ويتضاحكون وقد تذكرت فى تلك اللحظة قول الحق تبارك وتعالى " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون " وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين " المطففين 29-33 , وتصورت موقف هؤلاء الأقزام يوم الحساب حين تتبدل الحال كما يقول المولى عز وجل " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ,على الأرائك ينظرون , هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " المطففين 34-36 , وأحسست كأن الشداد الذين لا يعرفون إلا الطاعة العمياء لأسيادهم الذين استخدموهم أدوات للبطش والتنكيل بعباد الله " يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين " سبأ : 31 " اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأو العذاب وتقطعت بهم الأسباب " البقرة 166 " يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا , يا ويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا , ولقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جائنى وكان الشيطان للإنسان خذولا " الفرقان : 27-29.

وأذكر بعد صدور الأحكام ضدنا عام 1954 أننا رحلنا إلى سجن مصر , وتم تسكيننا فى زنازين ذات أبواب حديدية فيها قضبان وكنا ونحن جلوس فيها نشاهد من يسير فى الطرقات خارجها , وكان الأستاذ الهضيبى ومعه بعض أعضاء مكتب الإرشاد المحكوم عليهم فى زنازين مجاورة لنا , وكانوا يمرون علينا يوميا ليلقوا علينا السلام ونحدثهم ويحدثوننا وكنا جميعا نلتقى فى طابور الفسحة فى فناء السجن , وذات مرة كنت أسير مع الأستاذ المرشد الهضيبى , وكنت أحرص على توجيه ما يعن لى من أسئلة إليه , وكان يوجهنا إلى استغلال وقتنا بما يفيد من قراءة القرآن والذكر والرياضة وكنت أحس أن الرجل صاحب نظرة ثاقبة ورؤية عميقة فكان ينصحنا أن نتعامل مع المحنة على انها قضاء علينا أن نرضى به , وأن لا نجزع من طول مدة الاحكام المحكوم بها علينا , وعندئذ سألته أن يدعو لنا , وكأنه أحس باننا نستثقل المحنة , ونتشوق إلى أفراج عاجل المسألة (يعنى الإفراج ) فقد " ثقلت فى السموات والأرض لا تأتيكم الا بغتة " فأحسست أن الرجل يعرف حقيقة المعركة بيننا وبين عدونا , وحقيقة ما يريده عدونا بنا , وأن علينا أن ننتظر الفرج من الله لا من غيره .

ثم رحلنا بعد ذلك من سجن مصر ووزعنا على الليمانات والسجون , وكان نصيبى سجن قنا , وأشهد أن كلمات المرشد هذه ظلت تعمل عملها فى نفسى طوال حياتى فى السجن فمع استصحاب الأمل الكبير فى كل يوم تطلع فيه الشمس فى أن يأتى الفرج كانت فى النفس الثقة الكاملة بما عند الله التى لا تسمح للإنسان أن يطاطأ الرأس أو يحنة الجباه لأحد غير الله .

ولم أر الأستاذ الهضيبى بعد ذلك إلا فى سجن مزرعة طرة , حيث كنا قد رحلنا من سجن أبى زعبل , وذلك فى محنة 65 التى تم اعتقالى فيها ما يزيد على ست سنوات . وقد أعتقل كل أولاده وأفراد أسرته .

أما الأستاذ عمر التلمساني ذلك الرجل الأرستقراطى النشأة المرهف الحس , صاحب المزاج الخاص , فقد تعايشت معه فى سجن الواحات الخارجة , وسجن المحاريق بالوادى الجديد قبل أن يكون مرشدا للجماعة , ويتميز بحب القراءة , فهو على جانب كبير من الثقافة والإطلاع والفكر الحر , وهذا مما أعانه علة موقفه أمام إحراجه والإستهزاء به , ووجه إلي هذا الكلام أحد غيرك لشكوته لك , فاذا كنت أنت الذى توجهه لى فلمن أشكوك ؟ أننى اشكوك إلى الله " مما اضطر أنور السادات إلى أن يطلب إليه أن يسحب شكواه إلى الله .

أما السيد حامد أبو النصر فقد التقيت به فى سجن الواحات الخارجة فى المحاريق والخارجة وعرفته إنسانا هادىء الطبع ذكيا كيسا سياسيا صاحب حمية لدعوته بعيد النظرة , ومن الذين ثبتهم الله فى المحن وهو وإن كان من أعايان منفلوط إلا أنه آثر شظف العيش بين إخوانه لتوك كلمة الله عى العليا .

وأذكر من مواقفه فى فترة وجودنا فى سجن المحاريق ان دار حديث بينى وبينه حول موضوع تأييد جمال عبد الناصر , وما كنا نعانيه من ضغوط فى هذا الأمر , مما كان له أسوأ الأثر على نفوسنا إذ كان البعض منا يتهاوى تحت تاثير ظروف الأهل فى الخارج , والوعود الكاذبة بالإفراج من رجال المباحث فى السجن , وكنا يوميا نفقد بعض الإخوة حيث يكتبون ما يمليه عليهم ضباط المباحث من عبارات التنصل من الجماعة , والطعن فيها , وامتداح جمال عبد الناصر والثناء على أعماله الخاسرة فسألنى الأستاذ أبو النصر فقال : ماذا ترى فى هؤلاء الاخوة لو أن الله من علينا بالعافية وعادت الجماعة إلى نشاطها ومكن لها الله فى الأرض ؟

فقلت إن المحنة ميزت الخبيث من الطيب , وهؤلاء الذين آثروا ما عند الناس عرفناهم فى الشدة , وهى المعرفة التى لا تخطىء ومن تركنا تركناه .

فرد على بما يفيد أن الطاقات البشرية تتفاوت , وأن الجماعة يجب أن تأخذ من كل فرد بحسب طاقته , ونحن جميعا بشر تعترينا فترات من الضعف لا يعفى منها أحد فليرحم بعضنا بعضا .

ورغم أن هذا الاتجاه لم يكن مستساغا فى ذلك الوقت , إلا أننى بمرور الأيام أدركت لان هذا الرأى له وجاهته وخاصة إذا وقع الانسان تحت ضغوط لا يقوى على مدافعتها وقلبه سليمك وتذكرت موقف عمار بن ياسر رضى الله عنه حين أجبره المشركون على أن يقول عن رسول الله ما لا يرضى , فرجع باكيا إلى رسول الله فساله صلى الله عليه وسلم " كيف حال قلبك " ؟ قال : مطمئن بالإيمان . قال " إن عادوا – أى إلى الإيذاء فعد " –أى إلى قول ما ينجيك منهم , ونزل فيه قول الحق تبارك وتعالى " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من إكره وقلبه مطمئن بالإيمان " النحل – 106 , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى بن سلول – حين أراد ان يقتل أباه لنفاقه وإيذائه لرسول الله قبل أن يقتله أحد غيره من الصحابة , فيثور لأبيه ويقتل مسلما بكافر – مقالته العجيبة التى تدل على منتهى الحرص على كل من لا يزال واقفا مع الجماعة " بل نترفق به , ونحسن صحبته ما بقى معنا " .

ولعل من أبرز ما ورد عن ذلك فى السيرة النبوية حاطب بن أبى بلتعة فى غزوة الفتح , اذ أرسل إلى قريش يخبرها بمقدم رسول الله والرسول لم يكن يريد أن يعرف القوم بذلك , فأنبأه الله بأن الرسالة مع امرأة , فأرسل عليا والزبير ليلحقا بالمرأة حتى أحضرا الرسالة وهم عمر بن الخطاب بقتل الرجل , لكن الرسول حينما علم من الرجل أنه لم يفعل ذلك بناء على تغير أو تبديل فى عقيدته , وانما كان مصانعة لهم من أجل أهله وعشيرته قال لعمر بن الخطاب : " وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على آل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "

والحق الذى يجب أن يقال : ان تقييم الانسان يجب أن لا يكون من خلال عمل واحد , أو تصرف واحد , وإنما يكون تقييمه جملة ككل والعبرة بالخواتيم نسأل الله حسن الختام .

ومن الشخصيات التى لا تنسى الدكتور حسين كمال الدين الأستاذ بهندسة القاهرة – رحمه الله رحمة واسعة – قابلته بسجن الواحات , وكان عضوا بمكتب الإرشاد , وكان دمث الخلق مهذبا صالحا تقيا عابدا منيبا , وأشهد أننى رأيته لا يستنكر أن يزاول أى عمل مهما كان شأنه , فكنت أراه بيت اخوانه فى المطبخ , أو فى الملعب , أو فى حلقات العلم , وأشهد أنه كان من السابقين إلى المسجد فى جوف الليل فى سجن الخارجة , ولم يكن من أعضاء المكتب الذين يحبون ان يتميزوا عن إخوانهم , ويعيشون فى أبراج عاجية , مع أنه كان عالما فذا مجتهدا فى علمه , وقد اخترع جهازا استطاع أن يثبت به أن الكعبة المشرفة تتوسط بدقة الكرة الأرضية وقد أشار إلى ذلك الدكتور زغلول النجار فى حلقة تليفزيزنية وكان مثالا للتواضع الجم , خدوما للجميع , نموذجا ممتازا وقدوة طيبة , جمعنا الله به فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر .

وعلى رأس شهداء 1965 كان الشهيد السعيد الأستاذ سيد قطب صاحب الظلال , عرفته منذ أن أعلن الأستاذ الهضيبى انضمامه إلى الجماعة فى المركز العام بالحلمية , وكنت أتتبع كتاباته فى مجلة المسلمون التى كان يصدرها الأستاذ سعيد رمضان الداعية الملهم , ثم فى بعض كتبه , وكان من أشهرها : هذا الدينالمستقبل لهذا الدينمعالم فى الطريقالعدالة الاجتماعية فى الإسلام ...الخ .

وعرفته أيضا من خلال تتبعى لما كان يصدره وهو فى سجن ليمان طرة من أجزاء الظلال , وكانت هذه الأجزاء تصلنا ونحن فى سجن الواحات الخارجة , وكنت أجد فيها بغيتى , حيث كنت أعايش آيات القرآن فى كتاباته وهو يستعرضها , مطابق لما مر وما يمر بنا من مواقف وأحداث تذكرنا بمعاناة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .

وقد تمريز الظلال بعمق الفكرة ووضوح التدبر ويحس قارئه بأنه يتلقى الجديد من المعانى ويحلق مع الكاتب فى سمو الروح والأشواق العليا التى تدع جسد الإنسان على الأرض وتسبح بروحه فى السماء , و كان يدفعنا دفعا إلى تذوق حلاوة القرآن حين يقول : إن من لم يتعرض لمثل ما تعرض له صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يعيش فى ظلال الآيات التى نزلت فيهم كما تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذه هى القراءة الصحيحة للقرآن أن تقرأه كأنه نزل عليك , وأنه يخاطبك كما كان يخاطب المؤمن والرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم , ولا شك أن هذه هى القرءة التى تبارك العمر وتزكيه .

وقد سعدت بلقاء الأستاذ سيد قطب بعد الإفراج عنا فى عام 1964 , حيث كان يسكن بمدينة حلوان فيلا 44 شارع حيدر , وأشهد أن الرجل كان مسلما جادا , وما كان الإسلام عنده علما يدرس فقط , وإنما كان سلوكا يمارس , وقد أخذ نفسه بقول الله عز وجل " خذوا ما آتيناكم بقوة " البقرة : 63 لا يعلم شيئا من تعليم الإسلام إلا أخذ نفسه به وحاسبها عليه .

وكنا نتناول أحوال الجماعة والظروف القاسية التى عشناها فى السجون , وكان يدعونى لأن أتناسى الماضى , وأن نبدأ من جديد بلا أحزان وبلا موجدة , وكأنها دعوة لتجديد الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الإيمان ليخلق فى جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق , فاسألوا الله أن يجدد الايمان فى قلوبكم "

وكان تصحيح المفاهيم عنده هو القاعدة التى يجب ان يقيم الأخ حياته على أساسها , وكان يحرص على التصور الصحيح للأمور , ففى مرة سألنى عن أحوالى وكنت ابحث عن عمل عقب خروجى من السجن , فأخبرته بأننى بلا عمل , وأننى لا زلت أبحث عن عمل , فعرض على أن يمدنى بمال , فرفضت باباء شديد لأننى لا أحب أن آكل إلا من عمل يدى , فاذا به يحاول أن يشرح لى إن الإخوة تقتضى أن أقبل ما يعرض على , و أن الإسلام لا يعتبر مساعدة الأخ لأخيه منة أو تفضلا , وإنما هو حق يجب أن يؤدى , لا يفاخر به الغنى ولا يستنكف منه الفقير , ثم رفضت أن آخذ شيئا , وفضلت أن أكون كداود عليه السلام .

وقد رأيت الأستاذ سيد قطب فى سجن القلعة فى عام 1965 , وكنت من فئة المحكوم عليهم بعشر سنوات , وأفرج عنهم بتمام المدة , ثم اعتقلت بعدما أعتقلت مجموعة 1965 ظنا من المباحث العامة أن أمثالنا لهم علاقة بهذا الأمر , وكان ضابط مباحث الجيزة ضابط صغير يدعى سرور قد غالى فى تعذيبى بدون ذنب وكان من طيشه أن أمر بحبسى انفراديا فى زنزانة وحدى , وصادف ذلك وجود الاستاذ سيد فى زنزانة أمام زنزانتى , فسمعنى ذات مرة اطلب من السجان أن يسمح لى بالذهاب لدورة المياه لأننى كنت أحس بمغص شديد فاذا بالسجان بعد قضاء حاجتى يسرب الى ليمونتين ويقول : إن الأستاذ يرسل لك هذا , وقد كان يصرف للأستاذ سيد بأمر طبى بعض الأشياء مراعاة لسنه , ومرضه بالقلب والصدر , فآثرنى على نفسه رغم حاجته – رحمه الله رحمة واسعة - .

وكان شديد الإحساس بمسئولية الكلمة , فإذا حدثته أو تناقشت معه أو وجهت إليه سؤالا لا تجده يندفع بالكلام كما يفعل عامة الناس , وإنما ينتظر وعندما يبدأ الكلام يتكلم بهدوء وبطء كـأنما يزن الكلمة قبل أن تخرج منه بين شفتيه , ذلك لأنه يعلم أنه يملك الكلمة قبل أن ينطقها فاذا نطق بها كانت المالكة له , والحكم عليه .


وكان العلم وطلبه هو عذاءه العقلى الذى لا يتخلى عنه , وما من مرة زرته فيها إلا وكان من أسئلته لى : فيم تقرأ الآن ؟ وهذا هو الشعار الذى يجب أن يتذكره المسلم دائما كما يقول القائل : لا طلعت على شمس يوم لم أزدد فيه علما .

ومن أجل ذلك وجدناه – رحمه الله – من أبرز النماذج التى أفادت من فترة وجوده فى ليمان طرة لأنه كان يعيش فى محراب القرآن ينهل من منابعه , ويغترف من حكمه " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا " البقرة : 269 .

واستطاع بحسن تدبره , وعمق تفكيره , وحضور قلبه فى التلاوة أن يخرج لنا طاووس مؤلفاته فى ظلال القرآن كنموذج للقراءة التى يجب أن تكون من مؤمن يعيش فى العصر الحديث , ويتلقى الوحى من السماء وهو يحيا أحدث ما توصلت إليه البشرية من علوم ومعارف وتقنيات واختراعات , فإذا بالقرآن وهو الحارس للعلوم من الغلو والإنحراف هو النور يشق به الإنسان غياهب الظلمات ويسلك به طريق النجاة " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا .. " الشورى : 52 .

الوظائف التى شغلتها

عقب تخرجى فى كلية الحقوق فى مايو 1954 طرقت أبواب العمل فى أماكن مختلفة ومنها أماكن فى الخارج , ولكن لم أحصل على وظيفة حتى تم اعتقالى فى 2 نوفمبر سنة 1954 , فلما قضيت مدة السجن وخرجت بعد مضة عشر سنوات فى 2 نوفمبر سنة 1964 استطعت الحصول على عمل بشركة اسكو المحلات الصناعية للحرير والقطن بوظيفة محام بالإدارة القانونية , ثم اعتقلت فى 12 أغسطس سنة 1965 وتم فصلى وانا فى المعتقل , لأنى كنت معينا بعقد محدد المدة , فلما انتهت المدة المقررة وهى سنة واحدة توقفت الشركة عن صرف مرتبى وقامت بفصلى , فلما أفرج عنى من الإعتقال فى 25 أغسطس سنة 1971 حاولت الرجوع إلى وظيفتى بالشركة فأعادتنى الشركة إلى وظيفتى وتم تعيينى من جديد , ولم تحسب مدة اعتقالى بدون ذنب مدة خدمة لى أستحق عليها راتبا أو علاوات أو أقدمية , و كنت أقدم زملائى الذين يرأسوننى فى العمل حيث كنت الأسبق تخرجا وهكذا أراد الله .

وقد رفعت قضية ضج الشركة حكم فيها لصالحى فى الدرجة الأولى , وفى الإستئناف ولكن الشركة طعنت فى الحكم أمام محكمة النقض وكنت قد سافرت إلى السعودية ووكلت أحد الزملاء , وشاء الله أن يحكم بقبول الطعن , ولم آس والحمد لله على ذلك , فإن رحمة الله بى كانت أوسع , فعوضنى الكثير , ورزقنى من فضله , وأعطانى أكثر مما كنت أرجو حتى وصلت الحد الذى لم أستشرف فيه إلى المزيد, فجمعت رحلى وعدت أدراجى بما معى من مال وولد راضيا مرضيا , فلله الحمد أولا وأخيرا وله الشكر بكرة وأصيلا .

وقبل أن أعود من السعودية قمت بتسوية معاشى , فلما رجعت لم التحق بأية وظيفة واكتفيت بأن أبقى محلميا حرا أمارس العمل الذى يرضى ايمانى , ويناسب صحتى , وينأى بى عن مواطن الهبوط .

أما الوظائف التى شغلتها فى السعودية فهى : أوى : وظيفة مستشار قانونى لمؤسسة الإيمان (مدارس المنارات) وأضيف إليها وظيفة مدير شئون العاملين بقيت فيها لمدة أربع سنوات من أواخر 1979 حتى أواخر 1984 ثم التحقت بالشركة العالمية للتوزيع لعدة شهور مديرا لشئون العاملين ثم عينت محاميا فى إدارة الأوقاف والمساجد بجدة من عام 1985 حتى عام 1992 وفى هذه الفترة الأخيرة كنت أعمل أيضا بوظيفة إمام وخطيب مسجد المغربى بجدة .

وقد انتدبت وأنا بإدارة الأوقاف والمساجد بجدة لأكون عضوا فى لجنة اختبار المرشحين لوظائف الأئمة والمؤذنين فى المنطقة الغربية ( جدة والمدينة المنورة ومكة المشرفة )

كيفية الزواج

تزوجت فى سن متأخرة نظرا للسنوات التى قضيتها فى السجون والمعتقلات , وكان ذلك فى يونيو 1974 إذ كان سنى وقتئذ قد بلغ الثانية والأربعين , والزوجة هى شقيقة اثنين من الإخوان اللذين قضيا فترات فى الإعتقال , وهما الأخ عبد العظيم الجغيل والأخ عبد الحكم حسن الجغيل , واسمها خديجة وتصغرنى بحوالى سبع سنوات وهى ربة بيت لا تعمل خارج البيت وهى ربيبة بيت من بيوت العلم , فأبوها محام شرعى وعمها قاض شرعى وأخوها الأستاذ عبد العظيم خريج كلية أصول الدين وحاصل على الشهادة العالمية وهى أيضا ممن أوذى فى سبيل الله باعتقال أخويها وهى فى بيت أبيها , ثم اعتقال نجلها وهى فى بيت زوجها ,فهى قد عاشت محنا كثيرة وعايشت قضايا المظلومين وأصبحت مشاكل المسلمين فى كل مكان فى بؤرة اهتمامها وانشغالها .

التعريف بالأبناء

رزقنى الله من فضله بأربعة أبناء مات منهم واحد وهو عطاء والثلاثة الباقون هم :

1- الدكتورة حنان : حاصلة على بكالوريوس طب بيطرى , ودبلوم فى التحاليل , وهى زوجة للدكتور باسم كمال محمد عودة المدرس بهندسة القاهرة , ونحسبها بفضل الله من الأخوات العاملات , و لا نزكى على الله احدا , وقد رزقت من زوجها بابنة جميلة تسمى إيمان نسأل الله أن يبارك فيها وينبتها نباتا حسنا .

2- الأستاذة علياء : حاصلة على بكالوريوس رياض الأطفال جامعة القاهرة وهى زوجة الأستاذ محمود عبد الحفيظ عبد التواب , وهو خريج دار العلوم وهى من الأخوات الملتزمات وقد سافرت مع زوجها للعمل فى إيطاليا .

3- الأستاذ حاتم : حاصل على ليسانس دار العلوم , وحاصل على دبلومة فى التربية ونحسبه على خير وقد اعتقل ثلاث مرات فى سبيل الله إن شاء الله ونسأل الله لنا وله العافية وقد تقدم أخيرا للخطبة من إحدى الأخوات وفقه الله إلى كل خير .

الإخوان والنشاط الإقتصادى

المعروف أصلا عن الجماعة أن نشاطها دعوى تربوى وأن علاقتها بالنشاط الاقتصادى لم تكن فى غالب الأحيان إلا تحقيقا لأهدافها وانسجاما مع مثلها إلا أنه ظهر حديثا بعض الأنشطة الإقتصادية نتيجة عمل البعض منهم فى بلاد عربية أو غير عربية , مما حقق للبعض منهم ثروة طيبة دفعتهم لإنشاء شركات إسلامية وإقامة مشاريع تنموية أغرت مثيرا من إخوانهم بالمساهمة معهم وخاصة بعد أن أثبتت وجودها بما حققت من أرباح حلال , فدفعت غيرهم من الناس لاستثمار أموالهم معهم مما لفت الحكومات والدول إلى النظر الى تنامى هذه الظاهرة بنظرة خائنة , لكن أصبح معلوما لدى الجميع من أثر القوة الإقتصادية فى تغيير ميزان القوى على مستوى الدول والحكومات بل والأفراد .

أضف إلى ذلك مدى ما أصبحت عليه تلك المشاريع من قوة تنافس كثيرا من المؤسسات والشركات الاجنبية , فحرك ذلك مدى ما أصبحت عليه تلك المشاريع من قوة تنافس كثيرا من المؤسسات والشركات الأجنبية , فحرك ذلك حسد هؤلاء الأجانب وحنقهم بل وتخوفهم وهم الذين قد وضعوا فى مخططاتهم حدا للدول الصغيرة النامية لا يجوز لها أن تتعداه , فتنافس الدول الغنية , فبدأنا نرى تدخل الحكومات لتحديد نشاط هذه المشاريع بقوانين وقرارات خاصة وشروطا تعجيزية لتوفيق أوضاعها .

وفى النهاية ظهرت النوايا الخفية وسيطرت الحكومات على أموال تلك المشاريع ووضعت يدها عليه بحجة المحافظة على حقوق أصحاب الودائع والأموال , منذ ذلك الحين والشاهد على هذه المشاريع أنها تتناقص بعد أن كانت فى زيادة ويتقلص نشاطها ولم يحصل أصحاب الأموال على كامل أموالهم حتى بعد فوات ما يقارب خمسة عشرة عاما لأن المخطط الذى رسم لهذا النشاط أن يصفى تماما ولا تقوم له قائمة لينفض الناس عن المساهمة فى المشروعات الإسلامية أيا كانت , لما يتهددها دائما من أمثال هذه المداهمات والمضايقات والإجراءات .

وهذه لا ينفى أن بعض المشروعات استغل القائمون عليها ثقة إخوانهم فيها فأطمعهم ما شاهدوه من بركتها , فتلاعبوا بأموال إخوانهم , وساءت سريرتهم , فاستباحوا لأنفسهم ما بأيديهم من الأموال فبددوها وأساءوا إدارتها وفقدوا القواعد والضوابط التى كانت تزع الأخ المسلم أن تمتد عينه إلى ما متع الله به غيره ونتج عن ذلك أن كثيرا من الذين استثمروا أموالهم فى تلك المشاريع ضاعت عليهم أموالهم وفقدوا ثرواتهم التى بذلوا فى الحصول عليها من جهدهم وأعمارهم وغربتهم وعادوا كما كانوا قبل ذلك لا يملكون شيئا من حطام الدنيا . من أدب السجون :

قصة ( رأيت اليوم قطة )

قصة قطة وليدة نمت وكبرت فى معتقل مزرعة طرة بين المعتقلين وكانت تحظى من الجميع بما يحظى به الطفل الصغير .

إنها نانى اللعوب ونانى الطروب .. عاشت طفولتها وصباها تتنقل من يدي إلى يد تتخاطفها القلوب قبل أن تتقاذفها السواعد , ولا غرو فقد نشأت وحيدة بعد ان قدر لها الله الحياة , وقضى على أخواتها الموت .. وكان لضعفها ولطفها أثر السحر فى تدليلها والعطف عليها , فإذا نامت ففى ايد رحيمة وصدر حان وإذا استيقظت فعلى فراش وثير وفى مهد أثير ..وظلت حياتها فى طفولة , وقضت شبابها فى طفولة وكم أثار جمال شكلها ورقة خطوتها وخفة ظلها المداعبة , كما أثار الملاعبة , وحركت رشاقتها معاكستها كلما وقعت أعين الناس عليها .

سهلة التناول , يسيرة المأخذ , سريعة التأثير , أليفة المعشر ... ظلت هكذا حتى أصابها ما يصيب كل كائن حى من سنن التطور والنضج والزواج , وأتاها اليوم مخاضها , وها هى تموء مواء الثكلى , و تصرخ صراخ المكلوم , إنها آلام تأتى أنثى كل حى يلد , آلام انفصال جزء عن كل , وخروج بعض من بعض .

إن نانى صغيرة الأمس القريب أصبحت أما ولودا , اخرجت من أحشائها إلى الدنيا صغارا , وهى التى أشاعت بالأمس فيمن حولها سرورا .

وها قد تحولت الأم الوضع إلى حنو وعطف يسيل اللعاب ليغسل الطفل الوليد . ويحرك اللسان ليمسح عنه خبث الولادة وآثار الوضع .

بالله تلك المعاناة وهاتيك المجاهدة تختلف هذه الرحمة وهذا الحب .. يا لله وهذه الصغير من دله على ثدى أمه ومن أرشده إلى صدرها وهو ضرير .

إنها مرحلة انتقالية عجيبة وحاسمة وفيصل سريع ذلك الذى يفرق بين جنين فى بطن الأم ولا يأكل ولا يرضع ووليد يخرج إلى الحياة فيعرف فورا رزقه دون تعلم فى مدرسة أو دربة فى دار حضانة .

وهذه الأم ليست انسانه تعقل , ولكنها تحنو على صغارها وتنام بجسدها حولهم تحتضنهم فى حرص فيقبلون عليها يمتصون من لبنها مددا لحياتهم ونقصا من حياتها .

يا لها من رحمة ويا له من إيثار , ويا له من إخلاص , ويا له من حب أحوج ما تكون البشرية إليه اليوم وقد فقدت فى بعض حالتها ما زال الحيوان الأعجم محتفظا به ولن يتخلى عنه .

إنها المعانى السامية , والمثل الرفيعة المبثوثة فى الكون تقع عليها أعين الناس ليل نهار , ويمرون عنها وهم عنها معرضون .. ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون .

إن المؤمن يرى بنور الله ما لا يراه غيره , وكل نظرة يلقيها على الأشياء من حوله تكسبه معنى جديدا يختلف عن سالفه فهو متجدد الفكر متجدد الإيمان غير جامد ولا متبلد لا يعترف بالف يفقده حسه ولا بمعرفة لا تزيد فهمه أو تغذى شعوره .

وهكذا يدعونا كتاب الله المنزل لننظر فى كتاب الكون المفتوح " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " الغاشية 17 , " والأنعام خلقها فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون , ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون , وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس " النحل 5-7 " إن فى ذلك لآية لقوم يعقلون " النحل 67 , " وإن لكم فى الأنعام لعبرة " المؤمنون 21 .

خطاب صادر من سجن أبى زعبل

من المعتقل توفيق محمد ثابت موجه إلى السيدة والدته رحمها الله :

والدتى الحبيبة :

أبدأ الحديث اليك فأحييك وبلغة الوجدان أناجيك , يدفعنى لسان القلب لأعبر لك عن أطهر حب , فاسمعنى منى حس نفسى , نحوك بين يومى وأمسى , واذكرينى يوم كنت فى رحمك نطفة تلتصق , ثم علقة تتعلق , ثم مضغة تتخلق , فجنينا يتحرك , يزيد ثقله مع الأيام فى أحشائك فتحملينه وهنا على وهن , وتحرصين على نفسك من أجله و فلا تأتين من الحركة ما يتعبه , ولا تتناولين من الطعام ما قد يضره , فإذا جاءت إرهاصات الوضع تحملت الالام , واجتزت المخاض بسلام , وتحولت متاعب اليوم الموعود إلى فرحة بقدوم المولود وخرج إلى الدنيا ذلك الذى حظه منها شقى أو سعيد , وأقبلت على الرضيع تهللين وتكبرين وتفرحين .. تحوطينه بالرعاية وتشملينه بالعناية .. تمنحينه الرزق من صدرك أما لبنا يغذوه أو عطفا يحبوه .

فإذا بكى نحوه أسرعت .. واذا مرض بالإشفاق توجعت .. وإذا فزع إليه هلعت .. تسهرين لينام , وتستيقظين إذا قام تهزين بيد الحنان مهده , وتنشدين له أغاريد الحب قبل النوم وبعده تغسلين جسده الضعيف بمهارة أمومتك , وتزيلين عنه الخبث بلطف محبتك .

إذا ضجر تناغيه وأن أفتقر إلى المرح تسليه , ويظل هكذا عهد طفولته .

لايجد لك بديلا ولا يغنى أحد عنك كثيرا أو قليلا , وأنت بين الحين والحين تعلمينه وترشدينه , وإلى العادات الحسنة تدلينه , تميزين له الحق عن الباطل , وتفرقين له بين العاجل والآجل .. ياخذ عنك بقدر ما تعطينه ويتلقى منك ما تبثينه .

وهكذا لا تبرحين يا رحمة الله تظللين فلذة كبدك وثمرة فؤادك بغريزة حبك , وفطرة مودتك تتابعين بعين العطف نموه , وتلاحظين بنظرة الحنو تقلبه , لا يخبو حدبك , ولا ينطفىء نور حرصك , حتى لكأن الإنسان وهو الرجل الكبير يفتقد ذلك منك حين يطول غيابه أو يمكث بعده , فاذا عاد إليك أو عدت إليه وجد النبع الصافى والتقى بالمنهل العذب المورود .

أماه يا أماه .. ها هو أنا ذا بين يديك استعرض فضلك واقف خاشعا فى محراب أمومتك . أرد نفسى إلى أيام خلعت كانت ولا شك زينة العمر لآعرف من أنا ومن أنت .. فإذا تذكرت ما أنجبت للبشرية , وما أنجبت للانسانية رأيت اثنى عشر كوكبا قد خرجوا منك , اختار الله منهم أربعا ليبنوا لك فى الجنة قصورا .

وأرسل الباقين إلى حين .. فكان منهم البنات ومنهم البنين , ولا زالو جميعا على قيد الحياة كلهم يسعده ما يسعدك ويسره ما يسرك , ويتمنى أن يطيل الله فى عمرك , وأن يمنحك من الصحة ما تقر به عينك , ويزداد به فضلك , وتكونين بع علما على الأمومة المجاهدة والأمومة الصابرة .

هذه يا أمى الحبيبة خطرات فكر , وسبحات عقل أردت أن أسجلها لأبعث بها إليك فى يوم يسميه الناس عيدا لك , أساهم فيه مع باقى أخوتى , فأقدم به إليك بعض إحساسى نحوك , وهو مهما بلغ لا يوفيك قدرك , ولا يرد لك بعض فضلك .. ولكن صدرك الذى وسعنا من قبل جميعا هو الذى أطمع أن يسع تقصيرنا , ويغفر قصور جهدنا , ويمارس كعادته غريزة الحب لنا , والرحمة بنا , والدعاء المستطاب لنا أن يصلح الله شأننا , ويهدى قلوبنا ويحسن ختامنا .

جمعنا الله وإياك فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر .