أوراق مخلوطة بين الإخوان المسلمين وإخوان السعودية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أوراق مخلوطة بين الإخوان المسلمين وإخوان السعودية

مقدمة

أوراق مخلوطة كثيرة يحاول خصوم الإخوان – خاصة في الدول العربية – فرضها على الواقع وكأنها حقيقة لابد أن يسلم بها الجميع، بل أن بعض السعوديين يعمدون إلى ربط الإخوان المسلمين بإخوان السعودية على الرغم من تباعد تاريخ تواجدهم على الساحة، إلا أنها محاولة لإلصاق ما قام به الإخوان النجديين من أعمال ضد الدولة للإخوان المسلمين وإظهارهم بصورة المعتدين على الدولة السعودية.

غير أن الواقع والأحداث التاريخية تؤكد – بما لا مجال للشك – أن الفرق كبير بين الإخوان المسلمين والإخوان النجديين.

حقيقة الإخوان المسلمين

حظيت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها على العديد من الاهتمام في شتى المجالات لما ظهرت به من فكر جديد وأعمال واقعية جعلت الجميع يحللون كريزمة هذه الجماعة التي أصبحت أكبر وأقوي حركة إسلامية على الساحة الإسلامية، حتى دفعت العديد من المخابرات العالمية لدراستها أو محاربتها ومحاولة عرقلة مسيرتها خاصة بعدما برزت أهدافها التي تتصدي للفكر الاستعماري والتبشيري، والعمل على فهم الإسلام المعتدل وفق ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

لقد زاد من اهتمام الباحثين والسياسيين وغيرهم بهذه الجماعة ظاهرة خروج بعض الأفكار والجماعات من رحم الجماعة الأم – وإن كان بروز هذه الجماعات ناتج عن وجهات نظر لم تلتزم بخط الإخوان المسلمين ومنهجهم ووجدوا قصورا في بعض الجوانب لدى الإخوان أو تعصب للرأي على حساب المبدأ العام- والتي أضحت في مرمى الاتهامات من كل من اختلف معها في منهجها أو نصب لها العداء سواء حكومات أو جماعات أو أفراد.

ولقد ظهر الإخوان المسلمون اسم للجميع وعلا شأنهم وقويت شوكتهم لتبنيهم المنهج الوسطي للإسلام لا غلو فيه ولا تفريط، ولذا حوربوا من كل ظالم وأعوانه، وحاولوا عزلهم عن بقية مجتمعهم وكأنهم جاءوا من كوكب أخر أو غزاة لهذه الأوطان وكانهم ليسوا من ابنائها وعاشوا على أرضها وعملوا للنهوض بمقوماتها.

لقد بدأت فكرة الإخوان المسلمين على يدي الشيخ حسن البنا ونشأت مثلها مثل بقية الحركات الإسلامية التي نشأت في كل وطن أو كالحركات العلمانية والشيوعية التي نشأت وانتشرت وسط جموع الناس وكل حركة استخدمت أساليبها المحببة للناس لدعوتهم إليها وتركوا الاختيار لأصحاب العقول فانجذب لكل حركة من أرادها وهكذا الإخوان انتشرت وترعرت وسط جموع الشعب المصري وأطيافه وبقية الشعوب فلاقت القبول حتى أصبحت اكبر الحركات الإسلامية وأكثرها تأثيرا في العالم.

يقول حسن البنا هذه الدعوة بقوله: لكل دعوة خصائص، ومن خصائص دعوة الإخوان -فيما أعتقد- أمور تحقق بعضها ونغفل عن البعض الآخر، وحبذا لو لاحظنا الجميع حتى يكون النجاح تامًا والتوفيق كاملاً إن شاء الله.

من هذه الخصائص الإيجابية والبناء، فدعوتنا تبنى ولا تهدم وتأخذ بالإيجاب دائمًا، فعلينا أنفسنا قبل كل شىء().

ظروف نشأة الإخوان المسلمين

منذ القرن السابع عشر تعرض العالم الإسلامي برمته للخطر الخارجي في صورة أعتى مما عرف في أي وقت مضى، فلقد عادت أوروبا مزودة بحضارة وقوة جديدة لتطوق العالم الإسلامي، وبدأ العالم الإسلامي يتهاوى ركنا بعد ركن ويتداعى بصورة غير مسبوقة.

فبعد احتلال دول شرق أسيا ومع القرن التاسع عشر جاء دور الشمال الأفريقي ممثلا في العالم العربي، فسقطت الجزائر وتونس ومصر والسودان، وفي نفس الوقت كانت روسيا القيصرية تتوغل في الدول الإسلامية الآسيوية حتى القوقاز وتخوم إيران، ومن الجنوب كانت دول أوروبا الغربية تكتسح الدول الإفريقية الإسلامية في تكالبها المشهور.

ولم تحمل السنوات الأولى من القرن العشرين خيرا للعالم الإسلامي، فقد شهدت هذه الفترة تسوية العديد من المنازعات بين الدول الاستعمارية، فكان الاتفاق الإيطالي الفرنسي في 10 يوليو 1902م، والذي كان بمثابة الضوء الأخضر لإيطاليا لتتقدم تجاه طرابلس الغرب وبرقة، وتم الاتفاق الودي في 8 إبريل 1904م والذي كان أساسه تبادل مصر والمغرب وتسوية كل الخلافات الاستعمارية بين بريطانيا وفرنسا، ثم التسوية التي قامت بها بريطانيا مع روسيا في أغسطس 1907م بما يتعلق بفارس وأفغانستان والتبت.

ونتيجة للاتفاقيات الاستعمارية في هذه الفترة، تضيع ليبيا ومراكش والشام والعراق، وما لم يقع في قبضة الاستعمار من العالم الإسلامي خضع لضغوطه ونفوذه، بينما تقلص الإسلام في البلقان حتى كاد ينحسر عنه تماما.

ومن كشف الخسائر هذا يتضح أن العالم الإسلامي بأجمعه قد سقط تحت طرقات الاستعمار عدا شمال اليمن وقلب الجزيرة العربية، لا لأنه مهد الإسلام بقدر ما كان لفقره().

وكان رد الفعل الطبيعي أن تلتهب الحماسة الدينية حتى تصبح النبرة الإسلامية والدعوة لوحدة المسلمين هي الشعار المضطرم في طول العالم الإسلامي وعرضه، وصار تخندق حركات التحرر والكفاح وراء خط الدفاع الأخير – وهو الإسلام- أمرًا بديهيا، لا سيما وأن الإسلام نفسه كعقيدة تعرض حينذاك لحملات غير مسبوقة من التشهير والقذف من جانب المستشرقين وغير المستشرقين.

ثم تعرضت مصر بعد الحرب العالمية الأولى لمؤثرات ذات تأثير مباشر على تقاليد المجتمع، فقد وفدت مع الجيوش الأجنبية مجموعات غير قليلة من أجناس أخرى تخصصت في الترفيه عن الجنود، وباسم الترفيه انتشرت بارات الخمر ونوادي القمار ودور البغاء، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ورحل الجنود الأجانب، استمرت وسائل الترفيه منتشرة في أنحاء مصر تعمل عملها بين طبقات المجتمع المصري وذلك لاختفاء العنصر الذي قامت من أجله().

وقد كان أثر هذه الأوضاع في نفس الإمام المؤسس حسن البنا بالغا - حيث يقول رحمه الله - في المؤتمر الخامس عام 1939م: كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث ألهبت نفسي وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس...

وقد حدد رحمه الله في موقف الجماعة من هذه الأوضاع فيقول "نعتقد أن كل دولة اعتدت على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملون متساندين على التخلص من نيرها".

ومن ثم فقد طالب أفراد الجماعة "أن تبينوه للناس، وأن تعلموهم أن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد، ولو كلفهم ذلك الدم والمال، فالموت خير من هذه الحياة، حياة العبودية والرق والاستذلال().

يكاد يجمع كل من كتب عن الجماعة على وصفها أنها "حركة إسلامية" وهذا هو الوصف الذي حرصت الجماعة على ترسيخه حتى صار مسلمة بديهية عند الأكثر الأعم من الباحثين، وقد كان هذا الوصف الذي أصر عليه الإمام المؤسس في كتاباته، وكذلك كتابها ومفكروها، ولكن يتبقى التعريف بمضمون هذا الوصف الذي ميز الجماعة عن غيرها.

يصف الإمام المؤسس دعوة الإخوان بقوله "دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها إسلامية"، وهذا ما تم إقراره في قانونها ونظامها الأساسي في مختلف المراحل، فنرى في بيان جماعة الإخوان عام 1937م تحت عنوان نظام الجمعية: "ولجمعية الإخوان المسلمين نظام إداري خاص بها أقرب ما يشبه به أنه مدرسة شعبية عامة منهجها كتاب الله ومبادئ الإسلام الصحيح"(). وكذلك القانون الأساسي للجماعة والذي تم إقراره بصورة نهائية في 21 مايو 1948م، وفيه "مادة (2) – الإخوان المسلمون هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف".

وقد حرص الإمام المؤسس على تحديد ما هو مفهوم الإسلام الذي تريد أن تتحاكم إليه الجماعة؟ حيث يقول: "نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، ويفتي في كل شأن منها ويضع له نظاما محكما دقيقًا.

وقد حددت الجماعة المصادر الأساسية التي يتم فهم الإسلام من خلالها في النظر مباشرة إلى الأصول الأولى، فكان القرآن الكريم هو الكتاب الجامع المحدد لفهم الجماعة، جمع الله فيه أصول العقائد وأسس المصالح الاجتماعية، وكليات الشرائع الدنيوية، ويفهم القرآن الكريم طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مبينة الكتاب وشارحته، ويرجع في فهم السنة النبوية إلى رجال الحديث الثقات.

وعلى هذا الوجه فإن الإخوان يرون أن الإسلام كدين جاء لكل الشعوب والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في تفريعات الحياة الدنيوية البحتة، إنما يضع القواعد الكلية لكل شأن من الشؤون.

أما بالنسبة للأفراد، فإن الجماعة تدعو إلى فتح باب النظر في أدلة الأحكام لمن توفرت فيه القدرة العلمية، وهي بذلك تنادي بالاجتهاد ولكن بشروطه المعتبرة عند أهل التخصص.

وحتى لا تقع الأمة في الفوضى الفقهية ألزمت كل من ليس له قدرة الاجتهاد أن يتبع إماما من أئمة الفقه، إتباعا مبصرا، فيتعرف ما استطاع من الأدلة التي أدت إلى الحكم عند إمامه ().

وفي ظل هذه المرجعية الفكرية، كان دأب الإمام المؤسس أن يضبط ألفاظ الخطاب الإخواني في هذا الإطار، وكان يقظا لاختلاف المفاهيم في الساحة الفكرية فيقول "قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد انك قد أوضحت كل الإيضاح وأبنت كل الإبانة، وإنك لم تدع سبيلا إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها، حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء وجعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون، وما أشد دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك ولم يدركوا قولك".

ويذكر رحمه الله أن السبب في ذلك إما أن المقياس مختلف بين الأطراف المتحاورة أو أن القول في ذاته ملتبس غامض وإن اعتقد صاحبه أنه واضح مكشوف.

وأمام ذلك حاولت الجماعة أن تصل إلى تصورات فكرية مشتركة مع الأفكار الأخرى، هذا من ناحية، وفي نفس الوقت أن تعيد تقديم الإسلام مستخدمة الألفاظ والمصطلحات السائدة، وذلك بعد أن تحدد مدلول هذا اللفظ بما لا يتنافى مع إطارها المرجعي.

لقد ورثت الأمم الإسلامية داء متشعب المناحي كثير الأعراض، فهي مصابة من ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، والحزبية والخصومة والفرقة من جانب أبنائها، وفي ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها، واستيلاء الشركات الأجنبية على مواردها وخيراتها، وهي مصابة من ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق، والإلحاد يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، وفي ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن أسلافها، وبالتقليد الغربي يسري مناحي حياتها، وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرما ولا تؤدب معتديا ولا ترد ظالما، ولا تغني يوما من الأيام غناء القوانين السماوية، وبفوضى في سياسة التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها، وفي ناحيتها النفسانية بيأس قاتل وخمول مميت وجبن فاضح وخنوثة فاشية تكف الأيدي عن البذل وتقف حجابا دون التضحية ().

أمام هذا الواقع الذي كانت عليه الأمة عامة ومصر والعالم العربي والإسلامي خاصة والذي مثل التحدي التاريخي والذي نشأت فيه الجماعة حيث وضعت شروطا لازمة للنهضة وعلى رأسها عودة المسلمين إلى إسلامهم كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر في ذاته هو جماع الشروط للنهوض بالأمة، فعملت الجماعة على إعادة بناء ثقة الأمة بالله وبدينها وبنفسها في مواجهة طغيان موجة الانهزام أمام الحضارة المادية، وإطلاق العنان للعقل للتفكر في أسرار الكون وإدراك حقائقه وسنة الله فيه، وجعل القلب المؤمن والعقل المفكر صنوان، و الاستقلال عن الاستعمار.

حرص حسن البنا على تربية أبناء الجماعة على التجرد والتضحية في سبيل أن يكون " الله غايتنا "، فيقول: "إذا وقف المال حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" مستعد لبذل المال في سبيل الله، وإذا وقف الأهلون والأبناء حائلا دون هذه الغاية فإن الأخ المسلم الذي يهتف من قلبه "الله غايتنا" على أتم استعداد لمفارقة هؤلاء الأهل والأبناء في سبيل الله، لا بل لمجاهدتهم إن وقفوا في طريق دعوة الله، وإن نبت الأوطان بالأخ المسلم وقلاه أهلها وضايقوه في دينه وأخذوا عليه مسالك دعوته فهو مستعد لمفارقة هذه الأرض غير نادم عليها ولا آسف لفراقها في سبيل الله، وإذا ما احتاجت الدعوة يوما إلى الدماء قدم في سبيلها روحه ودمه، وما أرخصه في سبيلها من فداء().

الإخوان النجديون

تمثل قبائل البدو في شبه الجزيرة العربية سلاحاً ذا حدين، فهي قد تكون مثيرة للفوضى وقد تكون قوة بيد من يُسخرها. وعرف مؤسس الدولة السعودية الحديثة الملك عبد العزيز آل سعود ذلك، فحوّل بدو نجد إلى مجتمع جديد قائم على أخوة الدين بدلاً من أخوة القبيلة، وشكّل جماعة عُرفت باسم "إخوان مَن أطاع الله" أو الإخوان السعوديين لاحقاً. وقدمت تلك الجماعة فوائد للملك منها أنه أمن شر تمرد مكوّناتها، ومنها أنه حظي بعشرات الآلاف من المقاتلين.

يقول الأستاذ حافظ وهبة: بدأت حركة الإخوان بعد قيام قبائل البدو الرحل بترك حياة البادية وترك السكن في الخيام من أجل الاستقرار في أماكن معينة، وبنوا لسكناهم بيوتا من الطين سميت بـ "هجرة" إشارة إلى أنهم هجروا حياتهم السابقة وأول هجرة بنيت هي الأرطاوية عام 1911 ثم سرعان ما انتشرت الهجر في نجد وأصبح قبائل البدو ينقطعون في الهجر للعبادة وسماع السيرة النبوية وغزوات الرسول وحفظ القرآن والحديث وتعلم مبادئ القراءة().

يقول الباحث السعودي في التاريخ الحديث وعضو الجمعية التاريخية السعودية سعد العريفي: "من أجل حكم الجزيرة العربية، كان لا بد من التنسيق مع القبائل إما بالمال أو الجاه، وهو ما تنبه له الملك عبد العزيز مبكراً، فعمل على مشروع اجتماعي ضخم سُمي توطين البادية، وهو مشروع يهدف إلى تعليم أهل البادية الزراعة وتوطينهم في مجمعات عُرفت باسم الهجر، وكانت الأرطاوية أول هجرة وأنشئت لزعيم مطير فيصل الدويش عام 1911، وتبع ذلك إنشاء هجرة الغطط لزعيم عتيبة سلطان بن مجاهد، ثم توالت عمليات إنشاء الهجر".

ولم تكن العملية توطيناً عمرانياً فقط، بل دعوة دينية للبدو للعودة إلى الإسلام الوهابي الذي سبق وأن اعتنقه أجدادهم، تترافق مع ترك حياة الغزو والقبلية والإقامة في تجمعات جديدة، "الهجر"، حيث تقوم الرابطة بينهم على أخوة طاعة الله. وبجانب الاستقرار السياسي، كان الهدف الأساسي عسكرياً وهو تجنيد القبائل. وهكذا، أصبح لدى عبد العزيز للمرة الأولى احتياطياً من رجال مستعدين دائماً للقتال، وأماكن تواجدهم معروفة وولاؤهم مضمون، وهو ما ذكره محمد المانع في كتابه "توحيد المملكة العربية السعودية". ويضيف سعد العريفي أن سبب تسميتهم بالإخوان هو لأنهم استبدلوا رابطة القبيلة برابطة الأخوة، "فلا اعتزاز بالقبائل، وحين كان رجل يحاول أن يعتز بقبيلته، كان الرد يأتيه منهم:

نحن إخوان مَن أطاع الله، فُعرفوا بالإخوان". أما سبب تسمية تجمعاتهم بالهجر فيرجع إلى مفهوم الهجرة من حياة الشرك إلى حياة الإيمان، اقتداءً بالنبي محمد، وفق المانع().

ويقول حافظ وهبة: أصبح الإخوان شيئا فشيئا متطرفين يعتقدون أن لا إسلام لمن لا يسكن الهجر وترك حياة البادية فلا يسلمون على من لا يسكن الهجر ولا يأكلون من ذبائحهم كما أنهم رأوا أن لبس العمامة هو السنة وأن لبس العقال من البدع المنكرة بل غالى بعضهم فجعله من لبس الكفار.

كما كانوا إذا وجدوا الثوب زائدا فإن المقص يعمل عمله في الزائد تنفيذا للحديث "وما تحت الكعبين في النار" وكانوا يعارضون الهاتف والتلغراف لكونه من عمل الشيطان وكانوا يقطعون أسلاك الهاتف ورغم كل ذلك تحملهم الملك عبد العزيز لدرجة أنه أضطر إلى التنازل عن تلغراف المدينة اللاسلكي عام 1926 استجابة لهم.

وكان الملك عبد العزيز يقول «إن الإخوان يجب احتمالهم ومهما فعلوا فإن حالتهم الآن خير من حالتهم الأولى وأما هذه العصبية والشدة: فالزمن كفيل بتخفيف حداتها».

ساهم الإخوان بشكل مؤثر في تحقيق انتصارات عسكرية لإمارة الرياض والتي مكنتها من الانتصار على إمارة حائل وعلى مملكة الحجاز وعلى دولة الأدارسة في عسير ويقول حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز «أصبح الإخوان لا يهابون الموت، بل يندفعون إليه اندفاعا طلبا للشهادة ولقاء الله. وقد شاهدت بعض مواقعهم الحربية، فوجدتهم يقذفون بأنفسهم إلى الموت قذفا، ويتقدمون إلى اعدائهم صفا صفا، ولا يفكر أحدهم في شيء إلا هزيمة العدو وقتله. والإخوان على العموم لا تعرف قلوبهم الرحمة على الاعداء ولا يفلت من تحت أيديهم أحد. فهم رسل الموت أينما رحلوا»().

بدأ ابن سعود في توجيه قوات الإخوان لمهاجمة حكم ابن رشيد في حائل حتى انتصر عليه، وانتقل إلى مهاجمة الحجاز مستغلاً تمرد حاكم الخرمة المعيّن من قبل الشريف حسين عام 1918، فاشتبك الإخوان مع قوات الشريف حسين وحققوا نصراً كبيراً رغم ضعف تجهيزاتهم مقابل جيش الشريف المدرب من بريطانيا. وتوالت انتصارات الملك بقوات الإخوان في تربة.

وبحلول عام 1919، كانت قوات الإخوان تعمل بشكل شبه مستقل لدخول الحجاز عن طريق دعايتها بين القبائل، ما أكسبها ولاء العديد منهم، كما أنها حققت انتصارات متتالية على جيش الملك حسين الذي حاول طردهم أربع مرات من تربة والخرمة.

وحدثت مواجهات بين الإخوان والكويت، وانتصروا على القوات الكويتية في معركة الجهراء، وهموا بغزو الكويت إلا أن التهديد البريطاني منعهم، ليتم ترسيم الحدود بين ابن سعود والكويت عام 1922. وأدى تغير سياسية بريطانيا من دعم الشريف حسين إلى الحياد في خلافاته مع الملك عبد العزيز إلى بدء الأخير بالترتيب السياسي والعسكري لدخول الحجاز، وكانت إحدى الخطط هي رفع شكاوي بأنه يمنع الإخوان من الحج. وتم عقد مؤتمر الرياض عام 1924، وقرر فيه الملك وحلفاؤه غزو الحجاز، وصدرت أوامر للإخوان في تربة والخرمة بقيادة خالد بن لؤي بمهاجمة الطائف، ونجحوا في دخول الطائف، وارتكبوا مذابح عديدة، ثم هاجموا مكة ودخلوها، وتمكنوا من إخضاع الحجاز لصالح الملك عبد العزيز، وكانت سمعتهم بأنهم مقاتلون متطرفون تسبقهم، وتساهم في استسلام المدن والقرى لهم، وفق ثاوساند أوكس. وبعد ذلك، جاء الملك عبد العزيز بقواته النظامية إلى مكة، ثم استسلمت المدينة المنورة وجدة بشرط ألا تدخلها قوات الإخوان. وبفتح الحجاز، انتفى الغرض الأساسي لقوات الإخوان، وأصبح من الصعب على الملك عبد العزيز الاستمرار في تحمل غطرستهم، وتطرفهم، وعدم الولاء التام، وفق ما ذكره أوكس.

الصدام بين الملك وجماعة الإخوان

لم تستمر علاقة الود بين الملك عبد العزيز والإخوان كثيرا، حيث لم يعجبهم الحداثة التي حرص الملك عبدالعزيز ادخالها في الاراضي السعودية، ولذا جاء التمرد، ويعبر جبران شامية عن هذا التحول فيقول: كان احتلال الحجاز نقطة تحول في مصير الإخوان الذين خرجوا من صحراء نجد واصطدموا بالعالم الخارجي سواء في جدة بلد القناصل والتجارة أو مكة حيث الحجاج من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وكان على الإخوان ان يتكيفوا مع تلك المتغيرات ولكنهم لم يكونوا مهيئين لذلك، وهكذا بدأت الخلافات تطفو على السطح ويمكن تجزئتها إلى خلافات حجازية وخلافات نجدية().

فبعد ضم الحجاز، وقّع الملك عبد العزيز اتفاقية بحرة مع المفوض الإنكليزي، ومن أهم شروطها تحديد الحدود بين دولة الملك والعراق وشرق الأردن، فأدى ذلك إلى غضب بعض زعماء الإخوان ومنهم سلطان بن مجاهد وفيصل الدويش، وصرحوا للملك بأن الاتفاقية تؤدي إلى توقف حركة الجهاد والحرب والغنائم، يقول الباحث سعد العريفي: "وبجانب عدم التزام الإخوان بمعاهدات الملك مع دول الجوار، أدى تطرفهم، ومحاولتهم إجبار القبائل على الانضمام لهم، في ما عُرف بـ"الهداية القسرية"، وفرضهم نظرتهم للدين على الجميع، إلى الصدام مع سلطة الدولة الجديدة. ويذكر محمد المانع في كتابه أن الملك لم يعد مضطراً لتحملهم بعد أن استقر الحكم له. وكثرت الخلافات بين الملك والجماعة، بعد رفض الأول طلباً منهم بتعيين القائدين الإخوانيين فيصل الدويش وسلطان بن مجاهد حكاماً على الطائف ومكة. وفي العام التالي، 1925، وقعت حادثة محمل الحج المصري، وسببها أن الإخوان هاجموا موكب الحج المصري، لأن فرقة موسيقية عسكرية كانت تتقدمه عازفة، فطلبوا إيقاف الموسيقى، إلا أن المصريين رفضوا، فهاجموهم، وأدى ذلك إلى مشكلة دبلوماسية مع مصر، يقول الباحث سعد العريفي. ويستعرض العريفي تطور الأحداث بين الإخوان والملك، فيقول:

"اجتمع زعماء الإخوان في الأرطاوية، وأعلنوا المآخذ على الملك عبد العزيز، وهي تحديد الحدود، والتساهل في الأخذ بالمخترعات الحديثة مثل التليفون والبرقيات، والتساهل مع الكفار الأجانب. ورد الملك بالدعوة إلى اجتماع الرياض، وحضره أغلب المشايخ والقبائل، عدا سلطان بن مجاهد وفيصل الدويش، وأفتى العلماء فيه بأن مآخذ الإخوان لا تبيح لهم الخروج على الملك". وبعد ذلك هاجم فيصل الدويش المخافر العراقية على أمل أن يوقع بين الملك وبريطانيا، فأعلن الملك عبد العزيز الدعوة إلى اجتماع ثانٍ عام 1928، عُرف باسم "الجمعية العمومية" وتم فيه تجديد البيعة للملك، وعزل الإخوان الثائرين، يتابع العريفي. وحاول الملك عبد العزيز تهدئة الإخوان لكنهم هاجموا العراق والكويت، ورفضوا التفاوض، وكانوا يعتقدون أن عدم مهاجمة الملك لهم ضعف، فبدأوا في مهاجمة القبائل الموالية له. ويكمل العريفي أن الملك حصل على تعهد بريطاني بعدم إيواء الفارين منهم، وجمع الجيش وتحرك بالقرب من الزلفي، وخيم في روضة السبلة، عام 1929، بالقرب من مخيم الإخوان، وحين فشل الحل السلمي، وقعت أهم معركة بينهما في السبلة().

موقعة السبلة: بداية نهاية الإخوان

تقدمت قوات الملك عبد العزيز، واشتبكت مع الإخوان في موقعة السبلة، ونجح الملك بفضل الأسلحة الحديثة من إحراز النصر، وجرح القائد الإخواني فيصل الدويش، وسلم نفسه للملك حين ذهب لمحاصرة الأرطاوية مقر إقامته، ثم عفا الملك عنه مراعاة لإصابته، وفق ما ذكره المانع في كتابه. يقول العريفي أن قوات الملك كان عدادها من 30 إلى 40 ألف مقاتل، والإخوان كانوا حوالي 10 آلاف. وبعد هزيمة الإخوان في السبلة، وقعت ثلاث معارك، وهي معارك عوينة كنهل، وأم رضمة، ومقعد الدهينة، ثم كان مؤتمر الشعراء، وفيه تقرر عقاب مَن بقى من المتمردين. وتمكن بعض قادة الإخوان من الهروب إلى الكويت ومنهم: فيصل الدويش، وجاسر بن لامي، ونايف بن حثيلان، واستسلموا للإنكليز، لكن الأخيرين سلموهم للملك، فتم سجنهم().

مصير الإخوان بعد الهزيمة العسكرية

يذكر ثاوساند أوكس أن الملك عبد العزيز تصرف مع أولاد ونساء الإخوان ومَن بقي منهم وفق التقاليد البدوية، فكان على مَن قتل عائل الأسرة أن يتولى الإنفاق عليها، وكان عدد من أسر ونساء قبيلة مطير يتقاضون معاشات شهرية بالرغم من أن رجالهم تمردوا مرتين. وترك الملك الأرطاوية ليحكمها بعض رجال قبيلة مطير، وأعفى عن ماجد بن خثيلة، بل عينه وزيراً للثروة الحيوانية، وأصبح في ما بعد مستشاراً له. وبحلول عام 1930، كانت حركة الإخوان قد انتهت كهوية منفصلة، وانضمت بعض فرقها العسكرية إلى سلاح الحرس الوطني. وظل عدد كبير من المقاتلين الإخوان يحصلون على معاشات من الدولة نظير قتالهم سابقاً تحت راية الملك().

اغتيال ضيدان بن حثلين واشتعال الثورة مجددا

بعد هزيمة الإخوان في معركة السبلة أرسل أمير الأحساء عبد الله بن جلوي إلى شيخ العجمان ضيدان بن حثلين للمثول عنده في الأحساء لكنه رفض، فأرسل ابن جلوي ابنه فهد للقبض على ضيدان في هجرته الصرار. وصلت قوات فهد بن جلوي قرب الصرار في 30 أبريل 1929 وعسكرت في العوينة على مسافة 25 كم من الصرار، وطلب ابن جلوي من ضيدان القدوم إليه في المعسكر وما إن وصل حتى قيد وأعتقل، وحينما خيم الليل ولم يعد ضيدان ثار العجمان وشنوا هجومهم على المعسكر في صباح اليوم التالي بقوة مؤلفة من 1,500 مقاتل ولما رأى فهد بن جلوي علامات الهزيمة أمر بقتل ضيدان. وقتل فهد نفسه خلال المعركة. وخوفا من بطش أمير الأحساء لمقتل ابنه فر العجمان شمالا إلى الوفراء وتولى قيادتهم نايف بن حثلين. في 23 يونيو شن العجمان هجوما على العوازم الذين تساندهم قوات أمير الأحساء في رضى اسفرت الغارة إلى مقتل 45 قتيلا من العجمان و15 قتيلا من العوازم().

في ذلك الوقت كان فيصل الدويش الذي كان يعتقد الجميع أن يموت موتا بطئيا منزويا في هجرته الأرطاوية في حين كان يقبع سلطان بن بجاد في السجن، بعد أن تعافى الدويش من جراحه خشي أن يلاقي مصير ابن بجاد ويسجن فترك الأرطاوية واستقر بين الأحساء والكويت، والقى الدويش بكل ثقله إلى العجمان في 19 يونيو 1929 وكانت أول خطوه أقدم عليها الدويش عند وصوله إلى الحدود الكويتية هي دعوة الشيخ أحمد الجابر حاكم الكويت للنضمام إلى التمرد مقابل استرداد الاراضي التي اقتطعت من الكويت قد رفض أحمد الجابر العرض بعد تحذيرات بريطانية من مساندة المتمردين كما احيط الشيخ أحمد علما بأن كل من يحاول اجتياز الحدود سيتعرض للقصف الجوي بقنابل الطائرات، وفي 28 يونيو جدد الدويش محاولاته لإقناع الشيخ أحمد الجابر بأن يساعد التمرد وبعث اليه عدة رسائل مع عدد من كبار زعماء الإخوان وذكر الدويش في رسائله ان المؤن والإمدادات هي كل ما يفتقر اليه وانه سوف يتولى هو بقية الأمر، وبالرغم من ذلك فقد رفض الشيخ أحمد عروض الإخوان().

في أثناء ذلك ثارت عتيبة بقيادة الشيخ مقعد الدهينه تناصرهم الإخوان، فاشتعلت نجد بكاملها، وصار الوضع على الإمام عبد العزيز الموجود في الحجاز أخطر مما كان قبل معركة السبلة. حيث انفجر الهياج ضد ابن سعود وانقلب إلى ثورة علنية ضمت عتيبة والعجمان ومطير، وتبين من الوضع أن الإخوان يهدفون في الثورة الثانية اشاعة الفوضى في نجد لهدم مابناه الملك عبد العزيز. فهم لم يقوموا بمهاجمة الحدود الشمالية والقبائل المجاورة، ولكن جعلوا اواسط الجزيرة وشماليها مسرحا لحرب عصابات واسعة النطاق. فلم يعود الإخوان يسترون شهوتهم إلى النهب والسلب، فهاجموا قرى القصيم ونهبوها، واعتدوا أواخر 1929 على قافلة كبيرة للتاجر النجدي ابن شريدة متجهة إلى الشام من بريدة، فقتلوا ابن شريدة ومن معه ونهبوا القافلة، فأضحت الرياض كجزيرة في بحر من الثورة.

وفي 2 أغسطس قام الدويش بشن غارة ناجحة في القاعية على قوة من قبيلتي سبيع والسهول تتبعهم سرية من قوات الملك عبد العزيز قتل أكثرها، وعلى الرغم من عدم الاستيلاء على جمال الا انها أدت إلى تراجع قوات عبد العزيز آل سعود إلى الرياض بعد أن كانت تضرب خيامها في حفر العتز().


في 5 أغسطس هاجم محمد الوذين من العجمان قافلة للأمير سعود ابن الملك ودمر 14 سيارة من سيارات النقل. وأرسل بعدها فيصل الدويش ابنه عبد العزيز الدويش يصحبه 650 مقاتل في غزوة انطلقت في 15 أغسطس 1929 لغزو قبائل شمر والعمارات تمكنوا من خلالها على الأستيلاء على العديد من الجمال بالإضافة إلى استيلائهم على قافلة سعودية تنقل ما مقدارة 10 ألاف ريال من الزكاة كانت متوجة من مدينة حائل. وقد جمع عبد العزيز بن جلوي قواته لقطع خط الرجعة على الإخوان ونشبت معركة عند آبار أم رضمة في 11 سبتمبر، وقتل عبد العزيز الدويش بالمعركة وغالبية من معه.

وفي 22 أغسطس انتقل فيصل الدويش إلى حفر الباطن حيث تمكن من استمالة فرع بريه الكبير من قبيلة مطير، فحملوا خيامهم وعددها ثمانمئة خيمة وساروا نحو الإحساء وانضموا إلى الثوار، وبعدها بأسابيع حاول قسم من البرية دخول بادية الكويت وخيموا في الجهراء ولكن سرعان ما أخرجوا منها. وفي 30 أغسطس / 24 ربيع الأول اضطر فيصل الدويش وفي حاجته لمراع جديدة للأعداد الضخمة من الجمال والأغنام من دخول الكويت من جهة الجنوب وأقام معسكرا ضخما حول آبار الصبيحية، وقدرت أعداد المقاتلة بحوالي خمسة آلاف مقاتل وألفي خيمة ومئة ألف جمل[44]. وحاول اقناع المعتمد السياسي في الكويت الذي طلب منه الخروج من الكويت فورا انه ليس على خلاف مع البريطانيين، وأنه وقبيلته كانوا في السابق من رعايا الكويت ويريدون العودة إلى ولائهم القديم، وأنهم يعانون شحا كبيرا في الأغذية والمؤن، فأعطيت له مهلة يومين مع التعهد بالخروج خلال اليومين().

انتهاء التمرد

في هذه المحنة لجأ الإمام عبد العزيز إلى حلفائه الإنجليز طلبا للمساعدة فلم يخيبوه إذ لم يعد لبريطانيا في الجزيرة غيره، فاتخذت موقفا متشددا ضد التمرد. فانهالت شحنات الأسلحة وعادت الأموال والمساعدات تتدفق على الإمام عبد العزيز. في حين لم يكن للثوار سوى البنادق القديمة، أصبح جيش الإمام مجهزا بالسيارات المصفحة والمدافع الرشاشة، وساعدت بريطانيا عبد العزيز في ضرب الثوار بقنابل طائراتها، كما رتبت مع شيخ الكويت أحمد الجابر ان يستعمل القوة ضد الثوار في حال لجوئهم للكويت مقابل مساعدته في تسوية خلافاته مع الملك عبد العزيز. كما قدم القائد الإنجليزي السير غلوب باشا (أبو حنيك) خدمات عسكرية ضد الإخوان. وهكذا حوصر الإخوان من الحدود العراقية والكويتية إضافة إلى حصارهم في نجد.

كان استسلام عتيبة وبني عبد الله من مطير في القصيم انتكاسة للإخوان. فتمكنت القوات السعودية من التقدم باتجاه الحفر فدخل الإخوان إلى الكويت صوب الجهراء. فمنعتهم القوات البريطانية من الدخول ورفضت طلبا بحماية النساء والمؤن من هجوم القبائل العراقية في غياب الدويش. فوجد الدويش نفسه أنه من المستحيل القيام بأي عمل ضد القوات السعودية. فأرسل الدويش إلى الإمام عبد العزيز أواخر 1929 موضحا له أن الغزو هو مصدر رزقه وعشيرته الوحيد: «فأما أن يغزو المشركين في العراق والأردن والكويت ويأكل من الغنيمة أو يغزو القبائل التي من حوله ويعيش على السلب»، ولكن الإمام رفض هذا المنطق بحكم مسؤوليته بحفظ الأمن وارتباطه بمعاهدات خارجية مع الدول المجاورة له، وأرسل في 29 نوفمبر إلى الكويت برسائل تفيد انه يقترب من الكويت بجيش كبير طالبا من الشيخ أحمد الجابر ان يمنع الثوار من عبور الحدود محملا إياه مسئولية إيوائه أحدا منهم، فبدأت طلائع جيش ابن سعود بالتوافد ابتداء من يوم 18 ديسمبر، وفي نفس الوقت بدأ اعداد الثوار الموجودة بالباطن حتى الرقعي بالتقلص، وأخذ زعماء الثوار ينتقلون إلى معسكر ابن سعود أو ينتقلون بهدوء إلى الجنوب، وارسل فيصل الدويش إلى البريطانيين يطلب التسليم ومعرفة شروطها().

قام الملك عبد العزيز بعد ذلك بتسريح قوات الإخوان وتشتيتهم ودمر عددا من هجرهم من بينها الغطغط قاعدة سلطان بن بجاد أمير عتيبة، فانتهى أمرهم كقوة محاربة.

بين الإخوان والإخوان

اتضح لنا من سرد الأحداث السابقة كيف كان منهج الإخوان المسلمين القائم على الاصلاح بالحسني والتغيير السلمي، والفهم الشامل لمعاني التدين والاصلاح الإسلامي.

والمنهج الذي على اساسه نشأت جماعة إخوان السعودية والمصالح المشتركة بينها وبين السلطة، والتي ما ان انتهت حتى حدث الصدام بينهما.

نبذ الإخوان المسلمين العنف إلا أنه إخوان السعودية ساروا عليه بمعاونة الدولة الناشئة السعودية حتى اذا تم استهلاكهم وأصبحوا عبء على الدولة حدث الصدام والقضاء عليهم. غير أن الواقع لم يدلل على القضاء التام على جماعة الإخوان السعوديين، حيث كانت أفكار الإخوان تطل من حين لآخر، ثم تغيب فجأة كأنها أسراب من الطيور المهاجرة تحمل حصى الأفكار المتشددة في مناقيرها وترمى به مُحْـدِثًا شرراً سرعان ما يخبو وهجه. وكان أشد إطلالتها إيلاماً ما شهده العام 1964م من تبنى أحد أبناء آل سعود أفكار الإخوان وهو الأمير خالد بن مساعد بن عبد العزيز، ابن شقيق الملك فيصل، وقيامه بحركة تمرد صاخبة ضد حكم عمه، ومحاولته الاستيلاء على الإذاعة والتليفزيون واعتبارهما وسيلة من وسائل الشيطان لنشر القيم غير الإسلامية، وسرعان ما قبض على الأمير الثائر وتم إعدامه، ولكن شقيقاً أصغر له هو الأمير فيصل بن مساعد عاد عام 1975م ليطلب ثأر أخيه ويقتل الملك فيصل رحمه الله تعالي.

ثم شهد تاريخ المملكة فصولاً أخرى من بروز فكر الإخوان النجديين، لكنه كانت فصول غير دموية لم تصب شظايها أحد خارج المملكة وقد جرى احتواؤها سريعاً، حتى جاء الفصل المدوى والرهيب الذى أصاب العالم الإسلامي كله بصدمة مروعة على يد واحد من أحفاد الإخوان الذين قتلوا في معركتهم مع عبد العزيز، وكان الرجل من منتسبي الحرس الوطني السعودي، ثم تركه لينخرط فى حلقات العلم والدراسة الشرعية، وينتهى الأمر به لتكوين جماعة اختار أن يطلق عليها (الإخـوان) بما يحمله هذا الاسم من دلالة شائكة فى التاريخ السعودي، وكان هذا الرجـل هــو: جهيمان بن سيف العتيبى().

حتى استيقظ العالم فجر يوم 1 محرم 1400 الموافق 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، على خطبة لجهيمان العتيبي وبجانبه محمد عبد الله القحطاني، ليعلن أمام المصلين خروج المهدي، وطلب منهم مبايعة محمد القحطاني باعتباره المهدي الواجب إتباعه، وفي هذه الأثناء، قامت مجموعة من الرجال التابعين له، باستخراج أسلحة خفيفة من توابيت أدخلت قبل الصلاة باعتبارها تحوي جثامين لموتى للصلاة عليهم في المسجد، لكنها كانت معبأة بالأسلحة والذخيرة بدل ذلك، وتمكن المسلحون من إغلاق الأبواب وسد منافذ الحرم والتحصن داخله، وتمكن عدد من المصلين الذين كانوا داخل الحرم لتأدية صلاة الفجر من الفرار أما الباقون و"يقدر عددهم بمائة ألف" فيبدو أن الكثير منهم اضطروا بشكل أو بآخر إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني باعتباره المهدي المنتظر، غير أن المشهد انتهى بالصدام مع الدولة وتحرير المسجد الحرام بعد مقتل العشرات من الجهيمانيين والبوليس().

أخيرا

على الرغم من المحاولات المستميتة للبعض للربط بين الإخوان المسلمين وبين الإخوان السعوديين إلا أن الجميع يدرك الفرق الكبير بينهما وبين منهاجهما وطريقة دعوتهما والانتشار وسط الشعوب.