"جمال سلطان" يكتب : مراجعات ليبرالية جادة تستحق التأمل والاحترام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
"جمال سلطان" يكتب : مراجعات ليبرالية جادة تستحق التأمل والاحترام


(26 يونيو 2016)

ما كتبه الصديق عمرو حمزاوي أمس في مقاله بالشروق ، هو مراجعة ليبرالية جادة وشجاعة ، لميراث العلمانية في مصر ، تحاول أن تفسر بنبل وتجرد وعقلانية محض لماذا كانت "العلمانية" دائما حليفا للاستبداد وقمع الشعوب وتمكين المكون العسكري والأمني من مؤسسات الدولة

والحقيقة أن حمزاوي هو من "الندرة" الليبرالية الباقية في مصر والعالم العربي التي تملك شجاعة النقد الذتي وتخلص بالفعل لمبادئ الليبرالية بغض النظر عن المصالح الآنية أو موقعه من الأحداث ، ولذلك أعتقد أن ما كتبه الدكتور عمرو جدير بالتأمل وإثارة الحوار الجاد من أجل مستقبل أفضل لمصر وشعبها ولنخبتها بالأساس .

يقول في مقاله الذي نشرته الزميلة الشروق تحت عنوان "عن ما سبق ????.. في شرح النزوع السلطوى للنخب العلمانية في مصر" :

(لم تكن الدوافع الوحيدة لتحالف النخب العلمانية (ليبرالية ويسارية) مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للخروج على الإجراءات الديمقراطية فى صيف ???? هى فشل إدارة الرئيس السابق محمد مرسي فى إخراج البلاد من أزماتها وعصفها بسيادة القانون والإطار الدستورى القائم "الإعلان الدستورى الاستثنائى فى نوفمبر ???? "، أو ما طرح آنذاك كفعل ضرورة لحماية مصر من خطر استبداد دينى محقق)

وهو هنا يؤكد على أسباب ـ ومشروعية ـ الغضب الواسع ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي ومخاوف المصريين تجاه تجربته القصيرة العاصفة ، ولكنه عاد ليؤكد أن الموقف كان أعمق من تلك المخاوف وأسبق من أخطاء مرسي

موضحا قوله:

(فالموقف المضاد للديمقراطية الذى تبنته النخب العلمانية فى ذلك الصيف، ثم تأييد أغلبية عناصرها لعودة السلطوية وصمتها على انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان، مثّل ــ ومازال ــ ترجمة مباشرة لميراث تاريخى طويل حدد منذ القرن التاسع عشر جوهر العلاقة بينها وبين نظم الحكم المتعاقبة كما بينها وبين فعاليات المجتمع وعموم المواطنات والمواطنين) .

وفي رحلة بحثه في عمق تاريخنا الحديث عن أسباب انحياز النخب العلمانية المصرية للاستبداد والنظم السلطوية يقول ببصيرة تاريخية واعية:

(لم تر النخب العلمانية فى الدولة الوطنية سوى قوة التنوير والتحديث والتقدم القادرة على تجاوز الجهل والفقر والتخلف وتجاهلت حقائق القهر والقمع وإهدار الحريات واحتكار الثروة التى وصمتها منذ نشأتها،ولم تصنف حكامها إلا كحماة للفكرة العلمانية ولفصل الدين عن الدولة حتى حين وظفت الرموز والمقولات الدينية لإضفاء شرعية قبول شعبى زائفة على الحكام
ولم تمتعض لا من اختزال المؤسسات والأجهزة الفاعلة للدولة إلى المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ولا من إلغاء حكم ما بعد ???? للتعددية السياسية والحزبية التى تواصلت لبضعة عقود بعد ثورة ???? ومن اختلال العلاقات العسكرية ــ المدنية على نحو أسس لسلطوية صريحة، ولم تقاوم امتداد سطوة المكون العسكرى ــ الأمنى إلى مجمل الفضاء العام والانتهاك الممنهج للحريات الفكرية والأكاديمية ولحرية الإبداع).

هذا اعتراف شجاع بجذور الخلل في وعي النخب العلمانية والذي ورطها في أن تكون خدما دائما للسلطوية والاستبداد والقمع بذريعة أن الشعب جاهل والدولة تعمل على "تنويره" في الوقت الذي حملت النخبة مشاعر عدائية وتوجسا تجاه الناس - الشعب

وهو ما جلاه عمرو حمزاوي ببلاغة ملهمة في قوله :

(فى مقابل ارتباطها العضوى بنظام الحكم واستقوائها بالسلطة القائمة، استحضرت النخب العلمانية دوما خوفا وتوجسا مزمنين من المجتمع وعموم الناس.
منذ تبلورت المقولات الكبرى للعلمانيين المصريين، والمجتمع يصنف ككيان لا عقلانى ومساحة شاسعة تعمل بها "الظلامية الدينية" و"الأنساق الرجعية" مفاعيلها الهدامة ، وبالتبعية، باتت المهمة الرئيسية للدولة وحكامها هى إخراج المجتمع من حالته الرثة وتجاوز لا عقلانيته وظلاميته بمساعدة العلمانيين وعبر نظم التعليم والتنشئة الحديثة.
وإلى يومنا هذا، لم يتغلب العلمانيون على خوفهم من المجتمع على الرغم من عقلانية وتقدمية المجتمع وفعالياته مقارنة بالدولة وحكامها فى محطات مفصلية كثيرة فى تاريخ مصر الحديث ، .. لم يزل خوف العلمانيين من المجتمع هو المفسر الأساسى لترويجهم لمقولات غير ديمقراطية بين ???? و???? ــ من المطالبة بالتمييز بين الوزن النسبى لأصوات المتعلمين وغير المتعلمين فى الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية إلى تمرير وثائق مبادئ فوق دستورية لإقرار وضعية الدولة فوق الدولة للمؤسسة العسكرية وتمكينها من التدخل المستمر فى شئون الحكم والسلطة.
إلى يومنا هذا، لم يزل خوف العلمانيين من عموم الناس هو محرك قوى لإطلاقهم الأحكام الاستعلائية على تفضيلات الأغلبية السياسية والانتخابية ـ أساطير الحصول على الأصوات الانتخابية بالسكر والزيت ـ ولاستعدادهم التحالف مع الاستبداد والسلطوية والانقلاب على الديمقراطية نظير إسكات المواطن وتهجيره من الفضاء العام، نظير إخضاع واستتباع المجتمع اللاعقلانى)

ثم يخلص عمرو حمزاوي من تحريره لهذا الخلل الهيكلي العميق في وعي النخبة ومشاعرها السلبية تجاه المجتمع إلى إعادة التأكيد على السبب الجوهري ، قبل مرسي وبعد مرسي ، لانحياز العلمانية للنظم المستبدة على حساب الشعب وحريته وكرامته

يقول:

(لذلك ليس بمستغرب على الإطلاق أن تقف النخب العلمانية منذ القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا متبنية لمقولة الدولة الوطنية المسيطرة على المجتمع والمهيمنة على الفضاء العام والفارضة للرأى الواحد وللصوت الواحد على الناس، دون أن يربط العلمانيون بين مفهوم قوة الدولة ومفاهيم العدل والحق والحرية والمساواة ، ..
لذلك أيضا ليس بمستغرب البتة أن تروج النخب العلمانية لمفاهيم ذات جوهر استبدادى صريح كمفاهيم الضرورة الوطنية التى تلزم بالاصطفاف خلف الحكام، وحالة الاستثناء التى تمنح الحكام رخصة شاملة للعصف بسيادة القانون وبإخضاع المجتمع والمواطن، وأولوية الدفاع عن الأمن والاستقرار وإنجاز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على حديث الديمقراطية) .

هذه مراجعة ليبرالية جادة وشجاعة ونبيلة ، وتستحق أن يتعامل معها الجميع ، بمن فيهم الإسلاميون ، بجدية ونبل مكافئ ، وسيكون من السخف محاولة استخدامها لمجرد تسجيل نقاط في صراع سياسي مرحلي ، أو كأنها "توبة" سياسية ، هذا لن يفيد الوطن ولن يساعد على صياغة مستقبل أفضل لمصر وشعبها وتياراتها السياسية والاجتماعية كافة ، نحن في حاجة إلى مثل هذه "الشجاعة" والنبل من كل تيارات المجتمع ، وإدارة حوار حقيقي شفاف ونبيل ومخلص للوطن والناس

أكثر من إخلاصه لحزب أو جماعة أو تيار أو فكرة ، نحن بحاجة إلى "تأسيس" فكري جديد للمستقبل ، فقد فشلنا جميعا ، كل التيارات السياسية والفكرية في تاريخ مصر الحديث فشلت ، ومنحت فرصة أكثر من مائة عام ، وفشلت ، فلا داعي لكي يتمطع تيار من بينهم ـ حتى لو كان التيار الإسلامي ـ ليزعم أنه الذي امتلك البصيرة والبراءة والحق والحقيقة ، الجميع فشلوا ، وعلينا ـ جميعا ـ الاعتراف بذلك .

وإذا كان باحث مميز مثل عمرو حمزاوي قد فتح الباب للمراجعات العميقة والتاريخية للعلمانية ، وخاصة التيار الليبرالي الذي ينتمي إليه ، فأعتقد أن الإسلاميين ـ واليسار أيضا ـ بحاجة ماسة لمراجعات تاريخية مماثلة ، تضع الإصبع على موطن الخطأ وأصل الخلل ، وتفسر لماذا فشلت جهود أجيال في الإسهام الجاد والمثمر في تطوير الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد ، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها أجيال من الإسلاميين ومن اليساريين

وبإخلاص كامل يتوجب التوقف طويلا أمام تجربة الإسلاميين في ثورة يناير ، ولماذا أضاعوا الفرصة التاريخية على أنفسهم وعلى الوطن كله ، هذا أجدى من الانشغال بأخطاء الآخرين والبحث عن شماعات للفشل ومحاولات الهروب من المسئولية عن فشل التجربة ، لم يعد ذلك "الهروب" يفيد ، والأهم أنه سيطيل طريق الضياع والشتات والمهاترات بين الجميع بلا نهاية ، ويحرم الأجيال المقبلة من القدرة على الإنقاذ وتأسيس مستقبل أرشد وأفضل ، لهم ولوطنهم .

المصدر