ورحل العالم العامل الزاهد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢١:٣٩، ٧ مايو ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب''''<center> ورحل العالم العامل الزاهد</center>''' '''<center> الداعية الشيخ أبوالحسن علي الحسني النَّدوي</center...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ورحل العالم العامل الزاهد
الداعية الشيخ أبوالحسن علي الحسني النَّدوي
ابو الحسن الندوى1.jpg

سعيد بن مرتضى الندوي

صادف اليوم الثاني والعشرون من رمضان 1420هـ ( في الهند أما في الحرمين فكان اليوم الثالث والعشرون) يوم الجمعة، وكان المسلمون يتهيأون لصلاة الجمعة، وكان قد أذِّن لصلاة الجمعة في مسجد دارالعلوم لندوة العلماء إذ رنَّ الهاتف، وإذا بأختنا الصغيرة ـ من دارة الشيخ علم الله الحسني في راي بريلي ـ تنعي إلينا سماحة الإمام الداعية المربي أبا الحسن النَّدْوِي ، وقد فوجئنا ـ وفجعنا ـ جميعاً بهذا الخبر المؤلم، وكنا قد ودَّعناه ـ صحيحاً نشِطاً ـ في ندوة العلماء منذ يومين فقط، ولم يكن عليه أية آثار من التعب ولله الحمد، ولم نسمع أي خبر عن انهيار صحته بعد وصوله إلى قريته (تكيه كلان) دارة الشيخ علم الله، فما الذي حدث إذن؟ {إنَّ أجل الله إذا جاء لايؤخَّر لو كنتم تعلمون} كان الخبر مفاجئاً ولم تصدقه القلوب في أول الأمر، و بعدما تأكدنا من صحة النعي أسرعنا في الخروج إلى راي بريلي، وكنا في دارة الشيخ علم الله قبيل صلاة العصر. ( )

كنتُ قد وصلتُ إلى مدينة لكهنؤ يوم الجمعة (الخامس عشر من شهر رمضان في الهند) وتشرفتُ بالسلام على سماحته قبيل صلاة الجمعة، ثم اجتمعتُ به عند الفطور، وحضرتُ مجلسه بعد صلاة التراويح، وحظيت بهذه المجالس العطرة المباركة طوال الأسبوع ـ عدا مساء الأحد إذكنت في زيارة عمي خارج مدينة لكهنؤ ـ وكان سماحته صحيحاً معافىً ـ إلى قدرٍ كبير ـ من مرض الشلل الجزئي الذي كان أصيب به في ذي الحجة 1419هـ، وكانت قد تأثرت به يده اليمنى و رجله، كما تأثر به لسان سماحته كذلك في أول الأمر، وخاف كل من حوله أنَّه قد يفارقهم، وحذَّر الأطباء من وقوع أي حادث أليم، ولكن رحمة رب العباد أدركتهم، وبدأت صحة الشيخ تتحسن، ولم يمض أسبوع واحدٌ إلا وتشرفت بالسلام عليه وسماع صوته الحبيب عبر الهاتف، وتمكَّن بعد أيام من الحضور لصلاة عيد الأضحى في مسجد ندوة العلماء، ومضت أيام أخر واستطاع بفضل الله أن يكتب بيمينه البسملة، وبدأ يقوم على رجليه قليلاً، ومضى شهران على المرض واستطاع أن يلقي كلمتَه المرتجلة في اجتماعٍ كبيرٍ لجماعة التبليغ انعقد في رحاب ندوة العلماء، واطمأن الناس لظاهر صحته.

وتشرفتُ بزيارته في الإجازة الصيفية الماضية (1420هـ/1999م) فوجدتُه على عادته، يجلس في الضحي يستقبل بعض الزوار، ويقرأ الرسائل الخاصة به ويردُّ عليها، ويمسك مايقرأه بيديه ، ويملي بعض الكتابات، ويجلس للناس ـ على عادته ـ بعد صلاة العصر وبعد صلاة العشاء، وإن كانت الرجل لم تزل متأثرةً بالمرض، إضافةً إلى ما كان يعاني ـ من قبل أن يصاب بالمرض المذكورـ من الضعف الشديد في الجزء السفلي من الجسم خاصة، مما سمعته يقول بعض المرات ـ قبل الإصابة بالمرض ـ أخاف أحياناً أن أسقط أثناء الصلاة. فكان بعد إصابته بالمرض يصلي قاعداً في مقره مع جماعة من المصلين ـ عدا صلاة الجمعة فكان يحضرها في المسجد الجامع ـ ولم يزل كذلك حتى توفَّاه الله.

وبقيتُ على صلةٍ به ـ عبر الهاتف ـ بعد عودتي إلى الرياض، وكانت الأخبار تنقل إلينا بعد فترة وأخرى تأثُّره ببعض النوبات في الليل خاصة، وقد تكرَّرت مثل هذه النوبات فيما بين جمادى الأخرى ورجب، ولكن مضى شهر شعبان والنصف الأخير منه خاصة ولم نسمع ـ ولله الحمد ـ شيئاً من هذه الأخبار القلقة المزعجة، وقال لي في إحدى المكالمات الهاتفية "ادع الله أن أقضي رمضان في تكية"، فقلت له [وكنت أعلم أنَّ بقاءه في ندوة العلماء أفضل من حيث وجود التسهيلات الطبية فيها، وتوافر عدد من الأطباء الذين يمرون عليه متناوبين للاطمئنان على صحته، وبالتالي قد لايسمحون له بقضاء رمضان في القرية]: أبقاكم الله بالصحة والعافية حيث كنتم، فقال متحمِّساً: "آمين".

وكان كما توقَّعنا لم يسمح له الأطباء بقضاء الشهر الفضيل في قريته، فذهب إليها قبل رمضان بأيام، وزار الأهل والأقارب وخرج يوماً إلى مسجد القرية وصلى فيه ، وتجوَّل في فنائه، وأطلَّ على النهر الذي يقع المسجد على شاطئه، وزار المقبرة ودعا للأموات فيها، ثم رجع إلى مدينة لكهنؤ، واستقبل شهر رمضان في ندوة العلماء. كانت دارالعلوم ندوة العلماء ومنتسبوها، والعاملون فيها، والساكنون بها، وأهالي مدينة لكهنؤ محظوظين إذ سعدوا بوجود سماحته فيها، وتشرفوا بمصاحبته في شهر رمضان المبارك على غير عادته، فقد كان متعوداً ـ منذ سنين ( ) –على أن يقضي رمضان كاملاً في قريته (دارة الشيخ علم الله الحسني) ولم يخرج منهاـ حسب علمي ـ في السنوات الأخيرة أي منذ ما يقارب عشرين سنة إلا ثلاث مرات،

مرةً كان أصيب بمرض فأتي به إلى لكهنؤ للعلاج،

وثانيةً لوضع الحجر الأساسي لمبنى القضاء الشرعي في ساحة دارالعلوم لندوة العلما،

وثالثةً في العام الماضي لاستلام جائزة الشخصية الإسلامية لعام 1998م بمناسبة مسابقة دبي الدولية للقرآن الكريم في رمضان 1419هـ. وقد قضى رمضان ولله الحمد صحيحاً معافىً، وصام العشرَتَيْنِ الأولَيَيْنِ، وكان يصلي التراويح ـ عشرين ركعة ـ كاملة، ووجدتُه عند وصولي يوم الخامس عشر من رمضان كما وصفتُ، صحيحاً نشِطاً متحمِّساً لاتظهر عليه أية آثار من التعب أو الإرهاق، يقوم على عادته لقيام الليل، ويتسحر ويصلي الفجر فينام، ويستيقظ بعد التاسعة صباحاً، فيصلِّي ركعتين، ويتلو كتاب الله –ماشاء الله-( ) ، ويكمل الورد اليومي، ويدعو لوالديه ولأساتذته ولكل من أحسن إليه، ولكبار العلماء والدعاة والمجددين والمصلحين عبر التاريخ الإسلامي الطويل، ويستقبل الزوار أحياناً، ويقرأ الرسائل الواردة ويردُّ عليها، وينظر في بعض الكتب ويُملي إذا اقتضى الأمر، ثم يستريح ما بين صلاة الظهر و صلاة العصر، ويجلس للناس -قليلاً- بعد صلاة العصر ثم ينشغل في الأوراد والدعاء والابتهال إلى الله تعالى. وكان يفطر مع ضيوفه ثم يتعشى معهم بعد صلاة المغرب مباشرةً، فيستريح قليلاً ثم يصلي مع جماعته العشاء والتراويح، ويجلس للضيوف والزوار والحضور من طلبة العلم لنصف ساعة أو أكثر.

وكانت هذه المجالس الليلية خاصة موضع حوارٍ معه والاستفادة منه بعرض الأسئلة عليه أحياناً، والاستماع إليه عموماً فيما يرى من التوجيه والنصح والإرشاد، وقد سألني فيها عن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه، وهل زار الهند أم لا؟ وسألني عن دولة الدكتور معروف الدواليبي، وفضيلة الشيخ المربي الأستاذ عبد الرحمن الباني ونشاطاته، وحدَّثنا عن مرافقته لسماحته عند زيارته للشام، وجرى الحديث عن الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ ( إمام الحرم المكي وخطيبه وإمام وخطيب عرفات الأسبق ) رحمة الله عليه، وزيارته لندوة العلماء عام 1978م.

ومن أهم المجالات التي خدمها ـ رحمة الله عليه ـ ولسماحته فيها جهوده المشكورة المثمرة بإذن الله مجال التعليم الديني والتربية الإسلامية داخل الهند وخارجها، وكان رحمه الله رئيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية، و له جهده المشكور في نشر التعليم الديني في الهند وخاصة بعد استقلال البلاد وانفصال باكستان عن الهند عام 1947م، وله مواقف حاسمة تاريخية في الدفاع عن التعليم الديني الإسلامي، والحفاظ عليه، ومن كلماته الخالدة في مؤتمرات التعليم الديني واجتماعاته التركيزُ على قول الله سبحانه وتعالى: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذقال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} وقد قال في بعض كلماته في مؤتمر التعليم الديني:

لوسُئلت عن لوحةٍ تُعدُّ للأمة الإسلامية ولاتسع إلا لجملة واحدة فقط، أقول: اكتبوا "ماتعبدون من بعدي؟"

وليحاسب كل مسلم نفسه طول حياته وليتأكَّد قبل مماته هل يترك أولاده وأحفاده مؤمنين بالله سبحانه وتعالى أم لا؟ وهل هيَّأ لهم التعليم الديني الكافي الذي يضمن - بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- بقاءهم على الإيمان بالله الأحد الصمد، أم أنهم - ولاقدر الله - ينحرفون بعد وفاته عن الطريق الحق، وينسالون وراء السيل العارم من التيارات المعادية والحضارة الوثنية، ويذوبون في بوتقة العلمانية والوطنية.

وقد وفَّق الله بعض تلاميذه فأفرد هذه الفقرة -من محاضرته - ونشرها في لوحةٍ، ونالت قبولاً عاماً فانتشرت في أرجاء الهند، ونشرها عدد من الجهات الدينية والمدارس الإسلامية، ثم وفَّقه الله فنشر الآية المذكورة -مع ترجمة معناها بالأردو- في لوحةٍ جميلةٍ، واستحسنها سماحته ودعا لِناشِرها بالخير والبركة، وكانت هذه اللوحة في غرفة سماحته محورَ حديثه مساء يوم الإثنين - ليلة الثلاثاء 19/ من شهر رمضان- فنبَّه الحضور إلى هذه الوصية المباركة، وأكَّد على أهميتها في حياة المسلم على مستوى الفرد والجماعة، وعلى مستوى الأسر والعوائل، بل وعلى مستوى المجتمعات والبلاد.

كما حدَّثنا في الليلة نفسها عن قصة ربعي بن عامر وقولته الرائعة أمام رستم قائد الفرس إذ سأله رستم: ما الذي جاء بكم؟ فقال رضي الله عنه: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة… " مركِّزاً على كلمة الابتعاث وما تشير إليه من أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يكن ابتعاث فرد واحدٍ فقط، وإنما تبعه ابتعاث الأمة العربية -وبالتالي ابتعاث الأمة الإسلامية- كلها؛ لتحمل هذه الرسالة إلى العالم الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه أجمع، كما نبَّه على كلمة سعة الدنيا والآخرة وما تشمل عليه من حكم وصدق إيمان بالآخرة.

وعَرض على سماحته أحدُ الحضور فكرةَ إكمال سلسلة رجال الفكر والدعوة في الإسلام، بتناول الدعاة والعلماء والمصلحين بعد القرن الثاني عشر الهجري، وأهم الحركات والدعوات الإسلامية في القرون الماضية، وعلى أن يتولى إكمال هذه السلسلة - تحت رعاية سماحته وحسب توجيهه وإرشاده - ابنُ أخته فضيلة الأستاذ واضح رشيد النَّدْوِي(أستاذ الأدب العربي بجامعة ندوة العلماء، ورئيس تحرير جريدة الرائد العربية) فاستحسنَها كذلك وأيَّد الاقتراح بحضور فضيلته حفظه الله.

وكان المجلس عامراً وممتعاً كذلك ليلة الأربعاء الموافق 20/9/1420هـ، وكانت هي آخر ليلة قضاها في رحاب ندوة العلماء، استمع فيها إلى تلاوة كتاب الله من بعض الطلاب، وأنشد الشاعر الأردي المعروف سعادة الدكتور طفيل أحمد المدني (رئيس قسم اللغة العربية بجامعة إله آباد سابقاً) قصيدتين له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وجرى الحديث عن بعض مؤلفاته المهمة وبالأخص كتابه : العقيدة والعبادة والسلوك، وعندما ذكر أحدُ الحاضرين أنَّ الكتاب المذكور قد طبع في مصر بعنوان: "منهاج الصالحين" فأبدى شوقه إلى رؤية تلك الطبعة، وانفضَّ المجلس على أنَّ سماحته سيخرج إلى راي بريلي صباح اليوم التالي، إذ أصرَّ على أن يقضي العشرة الأخيرة في مسقط رأسه، وبما أنَّ صحته كانت تومئ – حسب الظاهر – بخير، وقد قضى عشرين يوماً صائماً قائماً، فأذِن له الأطباء بذلك متوكِّلين على الله سبحانه وتعالى.

وكان صباح يوم الأربعاء (20ن شهر رمضان في الهند) ومناسبة عودته إلى القرية بعدما طال شوقه إليها، مناسبةً ثنائيةً، ممزوجةً بالفرح والحزن في وقتٍ واحدٍ، الفرح والسرور لاستمرار تحسُّن صحته ، وتمكُّنه من العودة إلى مكانه الحبيب الأثير، والحزن والتحسُّر على وجوه أهل الندوة إذ كانوا يُحرمون من بركات وجوده بينهم، ومجالسه الممتعة المنيرة للقلوب، الحافزة على الأعمال الصالحة، المصحوبة بالدعاء والابتهال والتضرع إلى الله، والتي تنعَّموا بها منذ بداية رمضان.وقد استيقظ من نومه في الضحى، وصلى وأكمل الورد اليومي من التلاوة والذكر، واطَّلع على كتاب منهاج الصالحين المطبوع في مصر، وخرج في الساعة العاشرة تقريباً مع جملة من أقاربه - وعلى رأسهم فضيلة الشيخ محمد الرابع الحسني( ) وأخوه الشيخ واضح رشيد الحسني- ومجموعة من أصحابه وتلاميذه ومحبيه، في ثلاث سيارات صغيرة وحافلة كبيرة، متوجِّهاً إلى راي بريلي، وقد وصل إلى قريته قبل صلاة الظهر.

هاتفتُ بعض أقاربه بقريته مساء الأربعاء واطمأننت على صحته، وكان قد سألني ليلة الأربعاء " هل ستأتي ؟" فقلت: يوم الجمعة إن شاء الله. ومضى الخميس، وظهرَ يوم الجمعة فوجئنا بنبأ وفاته رحمة الله عليه، لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده لأجل مسمى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

علمنا بعد وصولنا إلى قريته أنه كان كما ودَّعناه في لكهنؤ، وقد جلس في الليلتين للحضور وتحدَّث في المجلس كالمعتاد، وحضر مساء الخميس الشيخ نذر الحفيظ النَّدْوِي من سفره من خارج الهند، فكانت أخبار رحلته والحديث عن مؤلفات سماحته وطبعاتها الجديدة وتراجمها إلى لغات أجنبية محور حديث المجلس ليلة الجمعة، وقد سُئل سماحته عن كلمة "العاقبة" وورودها في القرآن الكريم على وجهين: "العاقبة للمتقين" وقوله في مواضع أخرى "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين"وما إلى ذلك؟ فقال: " العاقبة إما أن تكون محمودة أو أنها تكون مذمومة، وقد وردت في القرآن الكريم بالمعنيين." وكان رحمه الله كثيراً ما نسمعه يدعو: "اللهم أحسن العاقبة"

وكان صباح يوم الجمعة 22/ من شهر رمضان 1420هـ [23 في الحرمين والبلدان العربية] كالمعتاد، قام من نومه -بعد صلاة الفجر- بعد التاسعة، وصلَّى الركعتين، واستقبل الطبيب الدكتور عبدالمعبود خان الذي كان وصل في الوقت نفسه قادماً من لكهنؤ لزيارته والاطمئنان على صحته، وأكمل الورد اليومي من تلاوة سورة يس وغيرها. وبعد الحادية عشرة دخل الحمام ليستحم، وكان – من بعد إصابته بالشلل- بحاجة إلى المساعدة في الاستحمام، فكان معه خادمه الخاص الحاج عبدالرزاق( )وحفيده السيد بلال عبدالحي الحسني النَّدْوِي ( )،

وبعدما استحم غيَّرا ملابسَه ، وكان من عادته رحمه الله أنَّه لم يكن يخرج لصلاة الجمعة –وكذا لم يكن يحب أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام أو إلى المسجد النبوي – إلا بكامل لباسه بما فيه الشيرواني ( اللباس الفوقاني الذي كان يلبسه دائماً في المناسبات والاجتماعات) فلبس كامل لباسه بما فيه الجوارب أيضاً، وكان بلال يؤزِّر له في الشيرواني، فطلب منه المصحفَ ليقرأ سورة الكهف، وكانت أمه –رحمة الله عليها – عوَّدته منذ أن كان عمره ثماني سنين على قراءة سورة الكهف قبل التوجه إلى صلاة الجمعة، فكان بعدما يتهيأ للصلاة يقرأ سورة الكهف ثم يخرج إلى المسجد، فأراد بلالٌ أن يكمل التأزير حرصاً على صحته؛ إذ كان الجوُّ بارداً وكان قد استحمَّ قبل قليلٍ، فطلب منه ثانياً، وقبل أن يُكمل بلالٌ التأزيرَ ويُحضِر المصحف بدأ يقرأ سورة يس، فاطمأنَّ بلال ووجد الفرصة ليضبط له الغترة – أيضاً – فيضعها على كتفه، وقد فعل، فإذا بالشيخ توقَّف لسانه ومال إلى الوراء، فأمسكه بلال من جهة رأسه وأسرع الحاج عبدالرزاق إلى رجليه – النازلتين من السرير- لينوِّماه على ظهره،

فتلفَّظ نفسه الأخير، وفاضت روحه المتشوقة إلى لقاء الرب. {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وكان الوقت تمام الساعة الثانية عشرة إلا عشرة دقائق ـ حسب توقيت الهند أي الساعة التاسعة والنصف تقريباً في الحرمين ـ وحضر الأطباء ـ الذين كانوا متواجدين في المبنى نفسه ـ وبذلوا سعيهم كالمعتاد من التدليك والتنفس الصناعي والتلقيح المباشر في القلب، ولكن من غير جدوى، { ومـا كـان لنفس أن تمـوت إلا بإذن الله كتـابـاً مؤجَّــلاً} وأعلِن عن وفاته في الساعة الثانية عشرة والربع من ظهر يوم الجمعة الموافق 22/ من شهر رمضان 1420هـ { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً}

سألتُ بلالاً بحضور الشيخ محمد الرابع حفظه الله على أي آية توقف لسانه؟ قال: لم أتبين؛ لأنَّه كان يقرأ بصوت خفيٍ، وإنَّما علمت سورة يس عندما بدأ بها ثم كان يقرأ بصوت غير مسموع، فسأله الشيخ محمد الرابع: كم قرأ تقديراً؟ قال دقيقة أودقيقة ونصف دقيقة، فابتدر الشيخ محمد قائلاً لعلَّه وصل إلى قوله تعالى: ( ياليت قومي يعلمون بما غفر لي بي وجعلني من المكرمين)

وما أن أعلن عن وفاته إلا وبدأت قوافل تلاميذه ومحبيه تتواصل إلى قريته، وقد شُيِّعت جنازته في الساعة العاشرة إلا الربع ليلاً، والمسافة التي كان يقطعها سماحته مشياً على قدميه في دقيقتين أو ثلاث قطعها محمولاً على أكتاف محبيه في خمس وعشرين دقيقة، و صُلِّي على جثمانه في الساعة العاشرة والربع من ليلة الثالث والعشرين [في الهند]وأمَّ المصلين نائبُه وخليفتُه الشيخ محمد الرابع الحسني النَّدْوِي، ودُفن بجوار أبويه وأكابر أسرته.

يقدَّر عدد المصلين عليه ـ مع شدة البرد وكثافة الضباب في تلك الليالي مما جعلت السيارات في الليل تزحف زحفاً لعدم وضوح الطريق على مسافة مترين أوثلاث ـ مابين مائتي ألف وثلاث مائة ألف ، إذ سُمع أحد ضباط الشرطة يبلِّغ المسؤولين عبر اللاسلكي في الساعة الثامنة والنصف أنه قد وصل حتى الآن ما يقارب مائتي ألف نسمة، وقد تدفَّق الجمهور من أهالي مدينة راي بريلي والقرى المجاورة بعد هذا الوقت، وتواصلت السيارات القادمة من البلدان المجاورة إلى أذان الفجر.

هذا وقد قام أهالي مدينة راي بريلي بواجبهم فاهتموا بتفطير الصائمين وتقديم وجبتي العشاء والسحور في أكثر من مكان داخل المدينة، إضافة إلى الجمع الكبير الذي أفطر وتعشىا في ساحة مدرسة ضياء العلوم الواقعة بجوار قرية سماحته، كما لم يقصِّر المسلمون الساكنون على طريق لكهنؤ – راي بريلي، فهم الآخرون نظموا وجبتي الإفطار والعشاء في عدد من الأماكن للقوافل التي واصلت سفرها إلى راي بريلي حرصاً على حضور صلاة الجنازة على فقيدهم الغالي.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وإنَّا على فراقك لمحزونون ياشيخنا أبا الحسن ولانقول إلا مايرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.