محمود الصباغ

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
محمود الصباغ .. جهاد وفداء

إعداد: ويكيبيديا الإخوان المسلمين

بقلم/ أشرف عيدالعنتبلي

المولد والنشأة

محمود الصباغ.jpg

ولد محمود السيد خليل الصباغ سنة 1918م في قرية من ريف مصر تدعى «هريه رزنة» ، وهي الآن ضاحية من ضواحي بندر الزقازيق بمحافظة الشرقية ، وكان منزله بهرية رزنه مشتركا في جدار واحد مع منزل أحمد عرابي بطل الثورة العرابية.

كان والده من تجار القطن المصدرين وكان يتمتع بسمعة طيبة وعلاقات حسنة مع التجار ووجهاء حزب الوفد الحزب الشعبي في ذلك الوقت ، وكان من أبرز أصدقائه منهم عبد العزيز رضوان باشا .

كان والده يعتز به ويصادقه منذ حداثة و يصطحبه في مجالسه مع كبار الشخصيات ، فكان في صدر شبابه مدللا مترفا لا يشغل باله ما تكابده الأسر من تعب الحياة والكدّ للحصول على متطلبات الحياة .

وحدث ذات يوم أن صحبه والده في إحدى زياراته لعبد العزيز باشا، فلما تعرف عليه تعجب أكبر العجب من هذا التلميذ الذي يراه صغيرًا جدًا، لكنه طالب بشهادة البكالوريا، وصمم على أن يأخذه معه إلى صديقه المرحوم بهي الدين بركات باشا وزير المعارف حينئذ ليطلعه على هذه الظاهرة العجيبة ـ من وجهة نظره - ولم يكن أمامه ووالده إلا تلبية رغبة عبد العزيز باشا بعرضه على وزير المعارف .

وفوجئ بعد المقابلة بقرار من وزير المعارف بمنحه مجانية كاملة دائمة بمدرسة الزقازيق الثانوية، رغم أنه كان أوشك على إتمام الدراسة بها.وأثناء دراسته الثانوية بالزقازيق.

التقى بصديق مصطفى مشهور الذي كان معه في نفس السنة ، ثم انتقل إلى القاهرة مع أسرته .

كان في شبابه مميزا بين أقرانه يلتف حوله الجميع ، لذلك أسس وهو طالب في الثانوي نادٍ رياضيّ في قريته ( هريه رزنة )، وأطلق عليه اسم نادي أحمد عرابي تيمنا باسم هذا البطل المصري العظيم ، وكان نشاط هذا النادي في ذلك الوقت محصورا في لعبة كرة القدم ، وفيها اشتهر بفوز فريقه على فرق القرى المجاورة مثل بني عامر وبنايوس وكفر الحمام، وكان أهالي هرية رزنة يسعدون كل السعادة وهم يقرأون انتصار فريق أحمد عرابي بهرية رزنة على كل من هذه الفرق بجريدة الأهرام فيهشون لنا ويفرحون بنا، أيما فرح، ويبدون وكأنهم حققوا بنا أعز الأماني والأمجاد..

وبالرغم من ذلك كان محمود الصباغ محبًا للعزلة إلا مع أقرانه في الدراسة، أو أصدقائه في المسجد، أو رفاقه في النادي الرياضي الذي أسسه وهو طالب بالثانوية .

سياسة زائفة

لقد أدرك الصباغ ـ رغم حداثة سنه ما لم يدركه كبار الشخصيات والساسة الذين قضوا عمرهم يفاوضون المحتل ـ أن الاحتلال لن يسمح بقيام حزب يسعى لجلائهم ، وكان ذلك دافعا لعدم انضمامه لأي من الأحزاب ، يقول محمود الصباغ : لم أفكر إطلاقا حتى نهاية دراستي الثانوية سنة 1938 في الاشتغال بالسياسة أو الخدمة العامة ، فقد كانت مصر محتلة بالقوات الإنجليزية، بينما تنادي كل الأحزاب المصرية المصرح لها بالعمل علنا في الحقل السياسي بأن الجلاء بالدماء ، وأنها أنشئت بهدف واحد هو تحرير مصر من المحتل الغاصب الغاشم، ولم يكن يصدق عقلي الفطري شيئا من هذه الأقوال ولا هذه الشعارات، إذ كيف يمكن أن يصرح الإنجليز وهم يحكمون مصر بالحديد والنار لحزب من هذه الأحزاب أن يحكم مصر وهو ينادي بهذه الشعارات الوطنية المعادية للإنجليز في فصاحة نادرة وقوة بيان ..!! إلا أن يكون في الأمر خدعة ؟

كان الأمر عندي لا يعدو أن يكون اتفاقا بين كل هذه الأحزاب وبين الإنجليز الذي يمنحون كل حزب منهم الفرصة ليعتلي حكم مصر فترة من الزمان بتناوب رتيب لا خلل فيه ولا عدوان.

التعرف على دعوة الإخوان

التحق بكلية العلوم شعبة الرياضة والفيزياء في سنة 1938م ، وكان هذا العام بقدر رباني هو أقرب ما يكون إلى الأحداث العجيبة، التي يحمل ذكرها لما تحمله من عرض لبعض ظروف الوطن السياسية والاقتصادية وأثر ذلك على الحياة العامة في ذلك الزمان.

وكان محمود الصباغ من الذين نالوا مجانية كاملة أثناء تعليمه بالكلية لحصوله على أكثر من 75% في الامتحان النهائي أثناء سنوات الدراسة.

ويحكى محمود الصباغ تعرفه على دعوة الإخوان المسلمين ، فيقول : ومن قدر الله أن كان مصطفى مشهور قد تخلف عني سنة كاملة في دراسته لظروف لا أعلمها، ولكني لاحظت ذلك عند تخلفي في السنة الأولى لكلية العلوم، ومشاهدتي لمصطفى مشهور طالبًا مستجدًا معي في نفس الشعبة في السنة المعادة، وقد قُبل في الكلية لتفوقه ونال منها عند القبول مكافأة دراسية قدرها عشرون جنيهًا لحصوله على التقدير اللازم لنيل هذه المكافأة في امتحان تجريه الكلية للمستجدين في اللغة الإنجليزية.

أما أنا فقد كان رسوبي في أول عام بالكلية سببًا مباشرًا للقائي بأخي مصطفى، ولو نجحت لكنت في السنة الثانية ، وكان هو في السنة الأولى وقد لا نلتقي، كما أن رسوبي هذا كان سببًا في تفوقي في السنة المعادة وحصولي على تقدير يؤهلني إلى مجانية كاملة بكلية العلوم حافظت عليها بحمد الله حتى التخرج.

عرفت مصطفى فور وقوع نظري عليه، ولكنه لم يذكرني، فقد كانت صحبتنا السابقة لفترة وجيزة ونحن في مقتبل العمر، افترقنا بعدها ست سنوات كاملة، ولكن عندما ذكرته بزمالتنا في الزقازيق الثانوية تذكرها وصرنا أصدقاء.

لاحظ مصطفى انطوائي بالكلية إلا مع القلة التي ألفتها وألفتني كما لاحظ انصرافي من الدراسة إلى المنزل في انتظام رتيب لا يتخلله وقت ضائع أو لهو فارغ ، فتخيل أنه يستطيع أن يضمني إلى الإخوان المسلمين التي سبقت عضويته فيها دون أن أعلم عندما انتقل من الزقازيق إلى القاهرة، ولما اطمأن إلى سلامة ما رأى فاتحني في الموضوع فواجهته برأي السابق في كل الأحزاب والجماعات العاملة في الحقل السياسي العام بمصر.

ومن أنها جميعًا لا تعدو أن تكون واجهات مختلفة الأسلوب للحكم الاستعماري من وراء ستار، الذي ابتدعه الإنجليز، وأتقنوا احترافه، ولكنه رد علي قائلاً إن الإخوان لم يستهدفوا أن يصلوا إلى الحكم في ظل الاستعمار في يوم من الأيام، وأنهم جادون في محاربة الإنجليز، ومقاومتهم بقوة السلاح حتى يجلوا عن أرض مصر تطبيقًا للشريعة الإسلامية التي جعلت الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة من المصريين في هذه الظروف التي يحتل فيها العدو الكافر أرضهم المسلمة .

فقلت له إن المستحيل نفسه هو أن يسمح الإنجليز بأن يستمر نشاط مثل هذه الجماعة، وهم يعلمون عزمها على إجلائهم، وما دامت هذه الجماعة تحيا وتنشط على أرض مصر تحت سمع الإنجليز وبصرهم، فلابد أن يكون هناك في الأمر سرًا بين قادتها وبين الإنجليز، ولكنه بادرني بآيات القرآن الكريم كنت أسمعها لأول مرة في حياتي مثل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].

وغيرها من الآيات الكثيرة التي علمها الإمام الشهيد للإخوان المسلمين في رسالته عن الجهاد ، وكنت أستمع لهذه الآيات وأحس بمعانيها لأول مرة في حياتي، حتى أني تعجبت أن يكون في القرآن مثل هذه الآيات، وأن يغفلها المسلمون كل هذا الإغفال، حتى صاروا مستسلمين للكفار يأتمرون بأمرهم ويسعون لودهم، ما وسعهم السعي، في تسابق ملحوظ بين القادة والمفكرين وأولى الرأي منهم، تجنبًا لغضبهم، وطمعًا في دنياهم، ولم أخف هذا العجب العجاب عن أخي مصطفى، فقد عشت حتى بلغت سن الرشد في قرية مسلمة كأحسن ما يكون المسلمون، وتعلمت في مدارس مسلمة كأحسن ما يكون الإسلام، نتلقى حصص الدين، وندعى إلى الصلاة في مسجد المدرسة، ولم أسمع، ولم أحس طوال هذه المدة من حياتي أن في الإسلام جهاد.

كان انطباعي عن الإسلام الذي نقلته عن كل ما قرأت وسمعت منذ نعومة أظفاري، وحتى دخولي الجامعة، أنه الإيمان بالله ربا وبمحمد رسولاً، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، وكانت كل الآيات القرآنية التي أسمعها من خطباء المسجد وفي صلواتهم، وأحفظها من المقررات الدينية في المدارس الابتدائية والثانوية، لا تخرج عن تثبيت هذه المعاني التي بني عليها الإسلام، مع الدعوة إلى تزكية النفس وتطهيرها وحسن التعامل والأدب مع الله ومع الناس، وكنت بهذا كله فخورًا بديني سعيدًا به، وأتمسك به عن اقتناع صادق، لا عن إرث منقول، وأطبقه كما علمت ما وفقني الله فيه من التطبيق على نفسي. فلما فاجأني مصطفى بهذا العنصر المهم من عناصر الشريعة الإسلامية بنصوص القرآن الكريم، صدقت بقول الله جل وعلا.

واستبعدت أن يكون على أرض مصر من يعمل على تطبيق هذه النصوص، ودعاني مصطفى لزيارة المركز العام للإخوان المسلمين مرة واحدة لأستمع إلى الإمام الشهيد ثم أحكم بما أرى وأسمع بعد ذلك، وما على من تثريب، فقبلت الدعوة مؤكدًا له أنني سأكشف له عن جوانب تؤيد وجهة نظري عندما أرى وأسمع ما شاء لي أن أراه وأن أسمعه.

والتقينا في المركز العام وكان ذلك عام 1939، وكان هذا المركز لا يزال محدودًا في الدار القديمة بالحلمية الجديدة، ورأيت الإمام الشهيد لأول مرة في حياتي يشرح الإسلام ودعوته لعدد لا يزيد على العشرة من طلبة الجامعة يجلسون على مقاعد خشبية قديمة، بينما يجلس الأستاذ على كرسي عادي وأمامه منضدة خشبية قديمة، ولكن ما كان يسوقه من آيات بينات رسمها الله للمسلمين شرعة ومنهاجًا في هذه الحياة، تعالج ما نحن فيه في زماننا الحالي رغم نزولها منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وكأنها مفصلة تفصيلا لعلاج أمورنا وتغيير أحوالنا في العصر الحديث على أحسن ما يكون العلاج، وإلى أرقى ما يمكن أن ترتفع إليه الأحوال، في صدق ظاهر وإيمان عميق، وعزم أكيد كان وكأنه نور ساطع يشع بأن الرجل لا يتكلم عن هوى، فهو لم ينسب لنفسه في دعوته رأيًا أو فكرة، وإنما كان يسوق إلينا أوامر الله وشريعته منسوبة إلى منزل الكتاب في آيات ثابتة من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة عن نبيه الكريم لم تدع مجالاً لمجتهد، بل جاءت كاملة مفصلة لا ينقصها إلا العزم الأكيد على الأتباع والتنفيذ .

خرجت وأنا أقول ولماذا التباطؤ في التنفيذ؟ وهو عبادة يفرضها علينا رب العالمين- خرجت مسلمًا صحيح الإسلام- عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين دون أن أكتب استمارة عضوية أو أدفع اشتركًا شهريًا أو سنويًا، أبحث مع مصطفى وسيلة التنفيذ.

وبعد تخرجه من الجامعة عمل موظفا بمصلحة الأرصاد الجوية ثم عمل رئيسًا لمحطة أرصاد بورسعيد طوال سنة 1944م.

الانضمام إلى النظام الخاص للإخوان المسلمين

تعرف على عبد الرحمن السندي بصفته المسئول عن النظام الخاص في تنظيم الإخوان المسلمين، وكأن القدر الرباني قد رتب ذلك الأمر لحكمة لا يعلمها إلا الله، أن يلتقي في هذه الكلية بزميل صباه في مدرسة الزقازيق الثانوية مصطفى مشهور الذي كان سببًا في التغيير الشامل لمجري حياتي.

وأسست فيها مجموعات النظام الخاص في بورسعيد بتكليف من فضيلة المرشد العام، حيث سلمني فضيلته خطابا بهذا التكليف إلى الأخ أحمد المصري رئيس إخوان بورسعيد، لييسر لي عملي، ثم أمره بتمزيق الخطاب بعد قراءته، وفي هذا العام تشكلت بقيادتي مجموعات النظام الخاص في بورسعيد.

الجهاد فى فلسطين

محمود الصباغ وإمداد الفلسطينيين بالأسلحة

عندما اندلعت الثورة العربية بفلسطين عام 1937 شارك فيها الإخوان بجمع التبرعات لها ثم بعثوا بالسلاح الذي تسنى جمعه من مصر. ومع استمرار تدفق اليهود على فلسطين تحت الانتداب البريطاني اندلعت المقاومة العربية, ، ومن حين لآخر كان للإخوان مبعوث هناك ، ومنهم : الشيخ عبد المعز عبد الستار.. سعيد رمضان... الشيخ السيد سابق... محمود الصباغ...

وقد عيّنتْ قيادة النظام الخاص محمود الصباغ ضابط اتصال بين هيئة الإخوان المسلمين والهيئة العربية العليا في شئون التسليح، وكان القيام بهذا الواجب يتم استنادًا إلى الصلة الوثيقة التي قامت بين الصباغ وبين الشهيد عبد القادر الحسيني في هذا المجال.

لقد كانت ثقافتهما متقاربة، فكلاهما من خريجي كلية العلوم، فقد تخرج عبد القادر الحسيني من هذه الكلية في الجامعة الأمريكية وتخرج محمود الصباغ منها في جامعة فؤاد الأول، وكان سكنهما متجاورًا في حلمية الزيتون، مما هيأ لهما فرصة العمل الميسر ليلا ونهارًا.

كان البطل الشهيد عبد القادر الحسيني هو القائد العام للقوات الفلسطينية المحاربة سنة 1948، وقد بدأ واجبه منذ عام 1946 مشغولاً بشراء الأسلحة اللازمة لهذه المعركة يعاونه خلاصة الرجال الفلسطينيين ومنهم الحاج عبد الفتاح التميمي المسئول عن تمويل شراء الأسلحة.

يقول محمود الصباغ :" وقد بلغ من قوة الصلة بيننا (يقصد : عبد القادر الحسيني) وشدة التآلف الأخوي والعائلي أنه ما إن علم بعقد قراني حتى أهداني راديو ماركة «إيركنج» لا أزال احتفظ بذكراه إلى اليوم، وقد تصادف ليلة زفافي أن جاءني ليلا دون أن يعلم أن هذه ليلة زفافي، يحمل كميات كبيرة من البنادق والأسلحة لتخزينها عندي في المنزل، وقد تركت العروسة في حجرة نومها ودخلت المطبخ، حيث أدخلنا الأسلحة فوق الصندرة، ثم انصرف وترك لي مهمة ترتيبها، وكنت أظن أنني أنجزت هذا العمل دون أن تشعر العروسة ليلة زفافها بشيء.

لقد قام الإخوان المسلمون بواجبهم في تحقيق رغبة الفلسطينيين في التسليح، وقد سلمت بنفسي إلى الشهيد عبد القادر الحسيني ورجاله كل حاجاتهم من السلاح والمتفجرات على النحو الذي شهد به سماحة مفتي فلسطين في قضية السيارة الجيب، الأمر الذي سمح للشهيد عبد القادر الحسيني أن يدخل إلى أرض فلسطين ليقود جنوده، في الدفاع عن وطنهم العزيز، بعد أن شعر أن لديه من السلاح ما يكفي لخوض معاركه، وكان ذلك في أواخر سنة 1947م."

شحن الأسلحة إلى المجاهدين الفلسطينيين من بورسعيد

في يوم من أيام عام 1947 قابل أحد ممثلي الهيئة العربية العليا فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين، وطلب منه مساعدة الإخوان في شحن سفينة عربية بالأسلحة والذخائر الموجودة بالفعل لدى إحدى بطاريات المدفعية المصرية على ساحل مدينة بورسعيد، وأن ضباط هذه البطارية جاهزون للمساهمة في هذه العملية بأشخاصهم فضلا عن تخزين هذه الأسلحة والذخائر لديهم.

فدعاني الإمام الشهيد بواسطة الأخ عبد الرحمن السندي وكلفني بالمهمة وعرفني بصاحب السفينة العربية المتطوعة بحمل الأسلحة والذخائر، الذي سيتولى تعريفي بالضباط المتطوعين للمساهمة في هذا العمل، وقد عرفت نفسي لصاحب السفينة باسم مستعار وحددت معه زمان ومكان اللقاء في اليوم التالي بمدينة بورسعيد على أن يدعو لي أحد الضباط المتطوعين لمقابلتي في نفس الزمان والمكان.

وبعد التعارف بالنقيب حسن فهمي عبد المجيد الذي رحب بي أجمل ترحيب، وأكد أن لديه الشحنة المطلوب توصيلها إلى السفينة العربية بعد خروجها من الميناء ووقوفها في عرض البحر، ودعاني لتناول طعام الغذاء في البطارية الساحلية التي سيتم منها الشحن، وقد استيقنت من صدق اليوزباشي حسن فهمي عبد المجيد ورجولته، ورتبت مع الأخ صاحب اللنش أن يكون بلنشه أمام البطارية في اليوم التالي، وقد كان إعجابي شديدًا بضباط البطارية وأولهم اليوزباشي حسن فهمي عبد المجيد، حيث أنهم منحوا جميع عساكر البطارية أجازة في هذا اليوم فور انتهائهم من تجهيز طعام الغذاء، فخرجوا جميعًا من البطارية ولم يبق إلا الضباط الذين حملوا على أكتافهم صناديق الأسلحة والذخيرة وخاضوا بها في البحر حتى يصلوا إلى اللنش، ولما تم شحن اللنش واصل سيره إلى السفينة الواقعة في عرض البحر ونقلت إليها الحمولة كاملة، وأقلعت بسلام إلى فلسطين.

تعطيل سفينة يهودية في ميناء بورسعيد

في يوم من أيام 1947م حضر الشيخ الجعبري من كبار التجار الفلسطينيين إلى دار المركز العام للإخوان المسلمين وأبلغ فضيلة المرشد العام أن سفينة شحن يهودية محملة بالأسلحة وقادمة من عدن قد عبرت قناة السويس في طريقها إلى فلسطين وأنها حاليًا موجودة بميناء بورسعيد، وأنها مميزة بالنجمة السداسية شعار اليهود، فدعاني فضيلة المرشد العام بواسطة الأخ عبد الرحمن السندي وكلفني بترتيب ضرب هذه السفينة في الميناء، قبل أن تغادر إلى فلسطين لتوصيل شحنتها لليهود، فأخذت الأخوين محمد مالك وحسن عبد الحافظ ، وقد كانا من أفراد مجموعتي في هذا الوقت، وأخذت لوازم تفجير هذه السفينة بقنبلة زمنية وركبنا أول قطار إلى بورسعيد.

لقد شاهدنا السفينة الوحيدة التي تحمل هذه النجمة فاستيقنا من أنها هي هدفنا دون أدنى شك ثم حددنا موقعًا معينًا من الميناء ينتظر فيه الأخ صاحب اللنش الأخ محمد مالك في وقت محدد من ساعات الظهر ليأخذه في جولة بالميناء يلف أثناءها حول السفينة ليتخير الأخ محمد مالك المكان المناسب لوضع قنبلة زمنية على السفينة، ثم ينصرف بلنشه إلى خارج الميناء من نقطة محددة ألاقيه فيها للاطمئنان على تمام العملية، وقد كانت عبوة القنبلة الزمنية كافية لإحداث عطب بالسفينة يمنعها عن مواصلة السفر إلى فلسطين، ويكشف حقيقة حمولتها للمسئولين عند سحبها للحوض الجاف لإصلاحها.

وبعد أن انتهى الاجتماع بالليل وعلم كل رؤساء المجموعات بالخطة المقرر تنفيذها لإعطاب السفينة،وتمت العملية بنجاح دون أدنى خسائر.

تضحية وفداء من أجل فلسطين

لعل الإنسان يتأمل كثيرا في قول الله تعالى :" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا " (الأحزاب : 33) .

ولعل من يتذكر سرعة تلبية حنظله بن عامر لداعي الجهاد يظن أن تلك المواقف لن تتكرر،لأن هؤلاء صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين رباهم على عينه ، لكنك عندما تقرأ عن جهاد محمود الصباغ وإخوانه في فلسطين يدرك أن المنهج الذي تربى عليه الصحابة يمكن أن يتربى عليه الأجيال في كل العصور، ويستطيع أن يضحى في سبيل الجنة بكل شيء ، وتأمل كلمات محمود الصباغ ، وهو يتحدث عن جهاده في فلسطين بقوله :" في فبراير 1948م تقرر سفري على رأس مجموعة من المتطوعين ناهز عددها المائة متطوع، وكان قوامها من متطوعي منطقة الدقهلية، وانضم إلي مع المتطوعين من القاهرة فضيلة الشيخ السيد سابق، والأخ علي الخولي، والأخ عبد الرحمن عبد الخالق من إخوان منطقة العباسية.

ومن طريق ما يذكر في هذه المناسبة أنني جعلت سفري إلى فلسطين سرًا على زوجتي فقد كنت عريسًا، ولم تكن هي قد تهيأت نفسيًا لقبول مبادئ التضحية والفداء التي يفرضها الإسلام ويجهلها الكثير من المسلمين وهي واحدة منهم.

وفي يوم السفر دعوتها لزيارة أمها، وتركتها في منزل والديها مستأذنا في قضاء بعض المصالح بالخارج، ثم سافرت دون إخطارهم مع الفوج الأول لمتطوعي الإخوان إلى فلسطين، تفاديًا لما يمكن أن يقع من اعتراضات لن تجدي في تغيير عزيمتي فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

أما عن عملي فقد حاولت أن أحصل على تصريح بأجازة لهذا السبب ولكن المسئولين في مصلحة الأرصاد الجوية التابعة لوزارة الحربية، وكان مقرها في ذلك الوقت في مبنى الوزارة رفضوا التصريح لي بحجة أن حاجة العمل لا تسمح إطلاقًا بذلك لقلة عدد المتنبئين الجويين وضرورة انتظامهم جميعًا لخدمة حركة الطيران المدني البالغة الأهمية كالتزام دولي تلتزم به مصر أمام دول العالم التي تسير خطوطها الجوية عبر القاهرة، فاضطررت إلى السفر مع الفوج الأول دون تصريح أيضًا من جهة عملي.

وقد استصدرت مصلحة الأرصاد الجوية أمرًا من وزير الحربية إلى محافظة سيناء بالقبض علي وإعادتي إلى عملي في القاهرة، ولكن الرجل عندما استقبل الأمر في برقية واردة له من القاهرة وعلم بتصميمي على الاستمرار مع المجاهدين سخر من هذا الأمر واعتبره كأن لم يكن، حيث لا سبيل للمقارنة في الأولوية بين واجب خدمات الطيران المدني وواجب الدفاع عن فلسطين المقدسة."

وبعد فترة جاءني الصاغ محمود لبيب يبلغني طلب الإمام البنا العودة إلى القاهرة لأمر مهم واستخلاف الشيخ محمد فرغلي على المجموعة مكاني ، وقد علمت فيما بعد أن حماي ذهب إليه وطلب منه رجوعي ؛ فلبى الإمام البنا طلبه وأمرني أن أعمل في شئون تسليح الفلسطينيين وجمع السلاح وإرساله إليهم ، فحاجتهم للسلاح لا تقل عن حاجتهم للمجاهدين .

فى محن الحياة: من محنة إلى أخرى

قضية السيارة الجيب

في ظل حكومات القهر والاستبداد تقلب الحقائق ويتهم الأبرياء ظلما وعدوانا ، ولعل ما تم في قضية السيارة الجيب خير شاهد على ذلك ، ففي 15 نوفمبر 1948م تم ضبط السيارة الجيب وما بها من أوراق عن عمليات النظام الخاص للإخوان ثم القبض على أسلحة ، وتم إلصاق تهم الإرهاب والتآمر على نظام الحكم ، والتحضير للقيام بعمليات إرهابية وغير ذلك من الأباطيل والأوهام التي يدبر الحكام المستبدون لخصومهم في الرأىء ، وقد كان محمود الصباغ كما مر ّ تم تعيينه من قبل النظام الخاص للإخوان ضابط اتصال بين هيئة الإخوان المسلمين والهيئة العربية العليا في شئون التسليح ، فكان يقوم بجمع السلاح وإرساله إلى فلسطين .

وقد أعطت الحكومة المصرية تصريحا بذلك ، وأصبح جمع السلاح للفلسطينيين شرف لا جريمة ، لكن حكومة الاستبداد تتلاعب بها كما تشاء عند الحاجة فتدعى زورا أن هذه الأسلحة للقيام بعمليات إرهابية ضد المصريين وتنسج التهم من وحى الخيال للتخلص من خصومها ، وقد تم القبض على محمود الصباغ ضمن المتهمين في قضية السيارة الجيب كما تبين للنيابة أن محمود الصباغ هو صاحب السيارة الجيب المضبوطة وأنه حرر بخطه القانون الأساسي للجمعية السرية المضبوطة بالسيارة والذي أطلق عليه اسم قانون التكوين ، في الوقت نفسه برأ القضاء المصري ساحة الإخوان المقبوض عليهم في قضية السيارة الجيب وأشاد بنبل مقاصدهم وشرف غايتهم ، لذا حكمت عليه أحكاما مخففة كان المفترض أن تصل العقوبات إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، لكنها أصدرت حكما على الصباغ وبعض إخوانه بالسجن لمدة ثلاث سنوات .

محنة الاختلاف مع الإخوان

إن أي إنسان لا يمكن أن يعيش في هدوء واستقرار هادئ النفس مستريح البال لا يصادفه ما يعكر صفو حياته ، وهذه سنة الله فى خلقه تشمل جميع الكائنات حتى الدول نفسها تصاب بما يصاب به الأفراد ، لذا مرّ الإخوان سنة 1953 بمرحلة من الفتن والاختلافات كان من نتيجتها ابتعاد بعض الإخوان عن الجماعة ، وهذا ما حدث مع محمود الصباغ وبعض الإخوان ، فقد ابتعد عن الإخوان بداية من يوم الأحد 15 ربيع الأول 1373هـ الموافق 22 نوفمبر 1953م .

وقد ظل محمود الصباغ محبا لإخوانه لم ينس يوما ـ رغم اختلافه معهم ـ ما جمع بينهم من محبة وإخوة ، لذلك عندما أصدر عبد الناصر قراره بحل الإخوان المسلمين في 25 مارس 1954 ، تحركت عاطفة الأخوة ، فأصدر وإخوانه بيانا في الصحف يرفضون حل الإخوان في نفس يوم إعلان قرارات مارس بتوقيعاتهم وإليك نصه :

" رجال من الإخوان يطالبون الحكومة بعودة الإخوان بأوضاعها وقيادتها ومرشدها بتوقيع صالح عشماوي وعبد الرحمن السندي ، وأحمد عبد العزيز جلال ومحمد الغزالي وأحمد زكي حسن وأحمد عادل كمال ومحمود الصباغ ، وهو :

" بسم الله الرحمن الرحيم – لقد أثبتت الحوادث أن قرار حل الإخوان المسلمين كان خطأ بالغاً من مجلس قيادة الثورة وانتكاسًا أصيبت به البلاد – أما الخطأ فلأن المراقبين لتطورات الحوادث الداخلية في مصر في السنين الأخيرة يعلمون تمامًا أن هذه الثورة ما كانت إلا وليدة لكفاح دموي شاق قام به الإخوان المسلمون ضد الطغيان الملكي وضد الأوضاع التي كانت قائمة – وكان ثمن هذا الكفاح الشعبي خيرة شباب الإخوان المسلمين وفي مقدمتهم إمامهم ومرشدهم حسن البنا – وأما الانتكاس فلأن حل الإخوان المسلمين هو الفرصة الوحيدة التي كان يتطلع إليها الاستعمار، ويعمل لها أذنابه .. فكانت النتيجة أن برزت المؤامرات والفتن , وأسفر الاستعمار عن نواياه في مصر والسودان والعالم الإسلامي .

محمود الصباغ مؤرخا للنظام الخاص للإخوان

لقد كانت أعمال النظام الخاص للإخوان المسلمين محل اهتمام كثير من الإخوان والمؤرخين لتاريخ مصر المعاصر نظرا لما قام به من أعمال على أرض فلسطين ومصر فوجئ بها الجميع ، مما دفع الكثيرون للحديث عنه من الإخوان وغيرهم .

ونظرا لأن طبيعة عمل النظام الخاص السريّة ، لذلك فإن كثيرا من الإخوان أنفسهم من خارج النظام الخاص لا يعرفون الكثير من أسراره وأعماله وإعداد أفراده ووسائله وغير ذلك ، فجاءت كتاباتهم تحتوى على معلومات بعيدة عن الصواب ، لذلك حمل محمود الصباغ على عاتقه تأدية الأمانة وإظهار الحقائق للجميع التي لا يعرفها إلا من قاموا بها ، وردا للتكهنات التي سار فيها المؤلفون عن النظام الخاص ولم يندمجوا فيه يوما من الأيام ، فأخرج كتابه ( حقيقة النظام الخاص|التنظيم الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين ) نشر بدار الزهراء للإعلام العربي بالقاهرة سنة 1987م بتقديم الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين في ذلك الوقت .

وقد نال الكتاب اهتماما كبيرا منت قبل المؤلفين عن الإخوان بصفة عامة والنظام الخاص بصفة خاصة ، ويعتبر من المصادر المهمة في دراسة النظام الخاص للإخوان لا يمكن تجاهله .

ألبوم صوره

ألبوم صور الأستاذ محمود الصباغ


إضغط علي الصورة لتظهر بحجمها الكامل

 

محمود-الصباغ-02

محمود-الصباغ-01

محمود-الصباغ

محمود-الصباغ-03

محمود-الصباغ-وعبده-دسوقي




المراجع

1 ـ محمود الصباغ : حقيقة النظام الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكى .

2 ـ ميتشل : الإخوان المسلمون : ترجمة عبد السلام رضوان ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكى .

محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ الجزء الأول والثالث ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكى .

4 ـ صلاح شادي : صفحات من التاريخ وحصاد العمر ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي .

وفاته

توفي الأستاذ محمود الصباغ بعد صراع مع المرض يوم 13 سبتمبر من عام 2011م بعدما شهدت الساحة المصرية ثورتها الكريمة والتي أطاحت بنظام مبارك.

للمزيد عن النظام الخاص

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

متعلقات أخري

وصلات فيديو

للمزيد عن قضية السيارة الجيب

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

متعلقات أخرى

روابط خارجية

أقرأ-أيضًا.png

المتهمون في قضية السيارة الجيب

للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية