كيف كان حسن البنا مع أهله وأولاده من خلال حوارات أبناءه؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
كيف كان حسن البنا مع أهله وأولاده من خلال حوارات أبناءه؟


  • ثانيا: حوار مع الدكتورة ثناء البنا

حوار سيف الإسلام البنا

الرجل المؤمن

الإمام حسن البنا

من أقوال الإمام الشهيد "حسن البنا" رحمه الله: "إذا وُجد الرجل المؤمن وُجدت معه عوامل النجاح"..

يقول الأستاذ "سيف الإسلام" معلِّقًا: إن هذه الجملة أشدُّ ما تنطبق على الإمام نفسه؛ لأن وقته- رضي الله عنه- كان فيه بركة كبيرة، وإن العمل الذي يُستغرق في ساعات كان الله ييسره له في دقائق، ومع توافر الإخلاص يستطيع كل أخ أن يقوم بأعمال جمَّة في وقت يسير.

كان- رحمه الله- مثلاً أعلى في كل ما يصدر عنه؛ لإتقانه وحسن دراسته للقرآن الكريم، ولتمسكه الشديد بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ نشأته الأولى في بيئة دينية وعلمية، وكأنما هيأه الله- سبحانه وتعالى- للدور الذي رسمه له في حياته بعد ذلك.

ونستطيع بعد هذه المقدمة أن نقول إن الإمام "حسن البنا" قد خُلق ليكون قدوةً صالحةً في كل أمر من أموره بما أخذه على نفسه من اتباع سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

اهتمامه بأبنائه

وعن اهتمام الإمام الشهيد بأبنائه ورعايته لهم يقول الأستاذ "سيف الإسلام": لا أتزيد أو أبالغ في أمر من الأمور حينما أذكر أن الإمام "حسن البنا" كان رب أسرة مثاليًّا.. منذ أن وعيت لم أشعر يومًا- سواء في طفولتي أو صباي- بأنه قصَّر في العناية بنا أو الاهتمام بأمورنا، بل لعلنا نعجب حينما نشعر أننا لم نصل إلى درجة في مثل هذه العناية.

كان لكل ابن منا من أبنائه حينما يولد (دوسيه) خاص، يكتب فيه الإمام بخطه على وجه الدقة تاريخ ميلاده- ورقم قيده- وتواريخ تطعيمه.

ويحتفظ بجميع الشهادات (الروشتات) الطبية التي تمت معالجته بها، بحيث إذا أصيب أي منا بمرض استطاع أن يقدم للطبيب المعالج هذه الشهادات مسلسلة بتواريخها، ويرفق مع كل شهادة ملحوظة عامة، ثم ما أخذه من دواء ولمدة كم يوم؟ وكم استغرق هذا المرض؟ وهل أكمل الدواء أم لم يكمل؟ وكذلك شهادات الدراسة كان والدي- رحمه الله- يضعها أولاً بأول في هذا الدوسيه مسجلاً عليها بعض الملاحظات، مثل: "سيف" يحتاج إلى التقوية في كذا، وضعيف في كذا.. "وفاء" تحتاج إلى المساعدة في مادة كذا.. وهكذا وبالجملة كان ما يختص بأحد أبنائه.

حسن البنا رب أسرة

كذلك كانت عناية الإمام الشهيد "حسن البنا" بأمور بيته عناية ممتازة، كان يكتب بنفسه الطلبات التي يحتاج إليها المنزل شهريًّا، ويدفعها في أول كل شهر إلى أحد (الإخوان)؛ وهو الحاج "سيد شهاب الدين" صاحب محل البقالة الشهير ليوفر هذه الطلبات في كل شهر.

كان- رحمه الله- عطوفًا إلى أقصى درجة، راعي مشاعر الطفولة في أبنائه بشكل كبير، كان لديه القدرة على جعلنا نطيعه دونما حاجة إلى أمر، وكنا نعتبره- بلا شيء- له هيبة دون رغبة في مخالفته.

وأذكر أنه عرض لي بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم، فلم أحاول أن أدخل السينما قط، بل ظللت حتى اليوم لم أدخلها، وهذا من قوة تأثيره وجاذبيته.

الإمام حسن البنا مع أسرته

كان أقصى ما يعاقب به الواحد منا هو قرص الأذن، وفي ذات مرة قرص أذني، وهذا أكبر عقاب وقعه عليَّ- رحمه الله.. قرص أذني في الصباح لخطأ ارتكبته، ولكنه اتصل بي تليفونيًّا في الساعة الحادية عشرة صباحًا ليطمئن علي، وصالحني، وكان لهذا أثر كبير في نفسي.

كان كريمًا مع أبنائه.. أذكر أن كل واحد منا كان يأخذ مصروفًا في سنة 1942م، وسنة 1943م ثلاثة قروش، وهذا مبلغ كان يعتبر كبيرًا في هذا الوقت؛ لأن زملائي في المدرسة لم يكن الواحد يأخذ مصروفًا إلا ربع قرش أو نصف قرش.

تذكرت هذا حينما قرأت في إحدى المجلات واسمها (مسامرات الحبيب) الحديث الذي أجرته مع والدي، ولا زال هذا العدد عندي.. فقد سألته: هل تدخر شيئًا من مرتبك؟

فقال: إني لا أدخر شيئًا لأنني أنفق كل مرتبي.

فسأله المحرر: كم تعطي لأبنائك من مصروف؟

فقال: ثلاثة قروش للواحد.

هذا بالإضافة إلى بعض المبالغ التي كان يعطيها لنا في يوم الجمعة، ويطلب منا توزيعها على بعض الفقراء في المسجد، وقد يكون هذا خمسة قروش أو عشرة قروش لا أذكر هذا بالضبط.

ولعلي أدركت بعد مرحلة معينة من السن أنه- رضي الله عنه وأرضاه- كان يتابع كل تصرفاتي متابعة دقيقة، ولكن دون أن ألاحظ ذلك إلا عندما كبرت، فعندما أستعرض بعض تصرفات الوالد أعرف أنه كان يتابع تصرفاتي.

طريقته في التربية

أذكر أنه في إحدى السنوات نقل جزءًا من مكتبة البيت إلى مقر مجلة الشهاب، واشترى عدة مكتبات جديدة للمنزل، وكان نصيبي من هذا التغيير أن فزت بمكتبة صغيرة أهداها إليَّ الوالد، ومنحني مصروفًا زيادة قدره خمسون قرشًا كل شهر لشراء الكتب بمعرفتي وتكوين مكتبة خاصة بي.

وبحكم سني في ذلك الوقت، فقد اشتريت عدة كتب من (درب الجماميز)، ومنها روايات عن المغامرات البوليسية لـ"أرسين لوبين" و"شارلوك هولمز" وغيرهما، وحينما جاء الوالد متأخرًا بالليل وجدني ساهرًا أقرأ في هذه الروايات باهتمام شديد.. تركني ولم ينهني عن قراءتها، ولكن حينما انتهيت من قراءة هذه الروايات قال: سأعطيك شيئًا أحسن منها، وبدأ يغذيني ببعض الكتب، منها: سيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وبعض روايات البطولة الإسلامية، ثم بعد ذلك دفع إليَّ بكتاب سيرة عمر بن عبدالعزيز- رضي الله عنه وأرضاه- وغيره من الكتب المفيدة، وشعرت في هذه الأثناء أنه يتابع قراءتي بدقة رغم انشغاله بأموره الدعوة.

وكان من عادته- رحمه الله- أن يعتمد في تربيتنا على الأسلوب غير المباشر؛ أسلوب التعريض دون الطلب.. وكان في كثير من الأوقات، وخصوصًا في رمضان، إذا حضر المنزل واستراح قليلاً يستيقظ قبل المغرب بساعة تقريبًا، ويدعوني أنا والأخت الكبرى "وفاء" بدعوى أن نُسمِّع له القرآن الكريم.. فكنا نمسك المصحف، وننظر فيه، ووالدي يُسمعنا.. وكان قد يسهو علينا أن نتابعه، فكان يشير إلى الصفحة التي يقرأ فيها ويقول: "أنا أقرأ هنا".. وقد أدركت لما كبرت أن غرضه- رحمه الله- من هذا العمل هو تعليمنا من حيث لا ندري ولا نشعر كيف نتلو القرآن! وأذكر وأنا صغير في المرحلة الابتدائية أن والدي- رحمه الله- قال: "على كل فرد أن يتقن حرفة، وكان- رحمه الله- يتقن إصلاح الساعات، فأخذني ذات مرة في الإجازة الصيفية، ودفع بي إلى مطبعة (الإخوان المسلمين)، وطلب من مديرها الأخ "سيد طه" أن يتولاني برعايته، ويعلمني شيئًا؛ وذلك لحرصه على تطبيق السنة: "إن الله يحب المؤمن المحترف"، ولا أتجاوز إذا قلت: "إن هذه الفترة القصيرة نفعتني كثيرًا في حياتي العملية بعد ذلك".

حسن البنا.. الزوج وإكرامه لأهل زوجته

ويضيف الأخ الأستاذ "أحمد سيف الإسلام حسن البنا": لقد كان والدي- رحمه الله- يحرص على تطبيق السنة تطبيقًا متناهيًا، وحينما تزوج حرص- رضي الله عنه- على أن يعرف أقارب زوجته فردًا فردًا، وكل من يربطه بزوجه صلة رحم، وأحصاهم عدًّا، وزارهم جميعًا، ووصلهم جميعًا رغم بُعدِ أماكنهم، أو بعدهم بعضهم عن البعض بسبب الظروف العائلية المتوارثة كأن يكونوا ليسوا أشقاء مثلاً.. ولكن الوالد- رحمه الله- كان يفاجئ والدتي بأنه اليوم قد زار (فلانًا)، وهذا يمت لها بصلة القرابة عن طريق (فلان) لأنه ابن فلان، وهذا يرجع إلى دقته المتناهية في الالتزام بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

كان- رحمه الله- رقيق المشاعر.. كان يعود للمنزل دائمًا متأخرًا بعد انتهاء العمل مع (الإخوان)، وأذكر أن مفتاح المنزل كان طويلاً.. وكنت أسهر في بعض الليالي للقراءة، فكان- رحمه الله- يفتح الباب بالمفتاح الذي معه بمنتهى الدقة والهدوء؛ حتى لا يزعج أحدًا من النائمين، فكنت أفاجأ بدخوله.

كان يدخل البيت فيطمئن على غطاء كل الأبناء، وقد يتناول عشاءه الذي يكون معدًّا على المائدة ومغطى، دون أن يحرص على إيقاظ أمي أو أحدًا من أهل البيت لحضوره في هذه الساعة المتأخرة من الليل.

معاملته مع الخادمة

كان يتواجد في المنزل خادمة صغيرة تساعد الوالدة في شئون المنزل.. وكان لكل منا سرير مستقل ودرج مستقل في دولاب واحد.. وكان للخادمة أيضًا سرير مستقل ودرج في نفس الدولاب، وكان أبي يكلف الشقيقة الكبرى الأخت "وفاء" بأن تعلم هذه الخادمة في المساء القراءة والكتابة، وأن تعلمها الصلاة.

وأذكر أن أبي في إحدى المرات قد ذكر لنا- عندما عاد إلى المنزل- أنه قد زار (فلانة) إحدى الخادمات بمنزلها بعد زواجها، وكانت قد خدمت بمنزلنا فترة من الزمن، وذلك حينما كان يزور بلدتها في المنوفية.

حوار مع الوالد

ويختتم الأستاذ "سيف الإسلام" ذكرياته عن حياة والده بخاصة بقصة حوار دار بينه وبين والده على الغداء فيقول:

لقد عاصرت والدي الإمام الشهيد- رحمه الله- لمدة عامين وأنا طالب بالمرحلة الثانوية، وكان دخول المرحلة الثانوية هو الميلاد السياسي للشاب في ذلك الوقت؛ لأنه يستطيع أن يشترك في الجمعيات أو الأحزاب، وأن يطبع كارت يكتب عليه اسمه وتحته لقب طالب ثانوي، وأن يشترك في المظاهرات، وقد انضممت إلى قسم الطلاب في هذه المرحلة، وأذكر أن الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الأستاذ "فريد عبدالخالق"، وكان زملائي في القسم مجموعة من طلاب مدرسة (بمباقادن) الثانوية، وكان مقرها بشارع إلهامي بالجمالية بالقرب من المركز العام للإخوان المسلمين، وكنت بطبيعة الحال أشارك مع الإخوة في هذه المدرسة في نشاط قسم الطلاب، وكنا ندير بالمدرسة مناقشات حول قضايا، معظمها في المسألة الوطنية، وقضية وادي النيل، وإخراج الإنجليز من مصر والسودان، والوحدة بين مصر والسودان.

وحينما كنت أعود للمنزل وأتناول الغداء مع الوالد كنت أسأله عما يجري ويحدث في المدرسة من مناقشات.

وأذكر أنني سألته مرة سؤالاً صريحًا: وماذا سنفعل مع الإنجليز إذا لم يخرجوا من مصر؟ فقال الوالد: سنرسلك مع كتيبة لإخراجهم بالقوة، وقد رددت عليه حينئذ ببيت عنترة بعد أن غيَّرت فيه الضمير، وقلت له:

وسيفك كان في الهيجا طبيبًا

يداوي رأس من يشكو الصداع

وقد نلت في ذلك الوقت قبلة على جبيني لا زلت أتحسس موضعها حتى الآن.

فقد كنت على وعي تام بما يجري في هذا الوقت من أحداث وأمور سياسية، من واقع النضج السياسي الذي كانت تعيشه المدرسة الثانوية آنذاك، والتي كانت تتمثل فيها كافة طوائف الأحزاب الموجودة على الساحة في ذلك الوقت، وأبرزهم (الإخوان) والوفد..

لقد كان طلاب المدارس الثانوية في ذلك الوقت يتجاوبون بشدة مع الأحداث التي تجري في مصر والعالم الإسلامي، حتى تسارع المدرسة الثانوية التجاوب معه بالإضرابات والمظاهرات.

رجل رباني

• بعد كل ذلك، هل أصبح لديك قدر كبير بمعرفة الإمام البنا؟

مع هذا كله لا.... لا أكاد أعرفه، فمعرفتي به قاصرة.

لماذا؟

أعتقد أن البنا رجل رباني، أفاض الله تعالى عليه بكثير من المواهب والملكات، فأوصله إخلاصه لله، وفضل الله عليه إلى هذه المنزلة، وأعتقد أنه لا يعرف حق قدره إلا الله الذي وهبه هذه الملكات.

وإيماني بأن البنا رجل رباني ناتج عن تجربة شخصية، ففي الأيام الأخيرة شعر الإمام البنا بقرب النهاية، فجمعني وأختي أم أيمن وأوصاني بتوصية مشددة، وقبلها أعطاني مجموعة من الكتب نصحني بقراءتها، وفهمت منها معاني كثيرة لم يكن الوقت يسعف البنا أن يقولها لي. وما قاله البنا لي في وصيته حدث بالضبط، وكانت مواقف محيرة، فوجدت في وصيته ـ رحمه الله ـ الإجابة عما ينبغي أن أفعله في هذه المواقف، وقد حرصت على تنفيذ الوصية وكانت قارب نجاة لي.

• استطاع البنا في فترة وجيزة تأسيس كبرى الحركات الإسلامية، وأصبح مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري، هل يمكن أن تحدد لنا جوانب تلك الشخصية الفذة التي قامت بذلك؟

السؤال يحتاج إلى كلام كثير، ولكن سأذكر لك بعضًا من جوانب شخصية البنا التي جعلته في هذه المكانة ومنها:

أن البنا بداية قدم للمجتمع المصري والعربي والإسلامي عملاً نافعًا جدًا لهذه الأمة، قلما يأتي به شخص بمفرده.

فهو منذ نشأته تحدى الهجمة الاستعمارية الغربية على الحضارة الإسلامية، وتوعدها وهو شاب أنه سيصدها، وأن يدعو إلى الإسلام كبديل للنهضة، ولم يكن له معين في ذلك الوقت إلا إيمانه بالله، وجهاده في سبيل هذه الدعوة، فلقد ضعفت الخلافة العثمانية،ثم سقطت، واستغل الغرب هذا الضعف والسقوط ليأتي بمؤسساته وأمواله وجهوده على مدار قرن من الزمان؛ لتغريب الأمة وطمس هويتها العربية والإسلامية، فجاء حسن البنا؛ لينشئ دعوة الإخوان المسلمين التي واجهت هذا كله، وأفشلته دون سند من دولة أجنبية أو مال أو عصبية جاهلية، وهذا مثل فريد لقوة الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ومن هنا نفهم كلمة الإمام الشهيد "إذا وجد المؤمن وجدت معه أسباب النجاح"، ولذلك ربّى الإمام البنا جيلاً جديدًا في مصر قاوم الاستعمار البريطاني، وقاوم الاستيطان الإسرائيلي، وهو الذي أحدث تغييرًا جذريًا في تاريخ مصر الحديث.

ثانيًا: شخصية الإمام البنا وملكاته ومواهبه فريدة ومتنوعة، وقلمًا تجتمع في شخص واحد، فهو عاطفي وواقعي أيضًا، نظري وحركي، وقس على ذلك.

كل هذه المعاني تعطي للبنا عمقًا شديدًا، إضافة إلى أن حياته كلها كانت خطًا واحدًا من بدايتها إلى نهايتها في سبيل الله والدعوة الإسلامية، سخر فيها قلمه ولسانه وجهوده ودعوته لهذا الخط منذ أن نشأ إلى أن استشهد، فالبنا صناعة ربانية، عافاه الله من التخبط بين المذاهب قبل هدايته للدعوة الربانية، وكان أداء البنا في كل أعماله مثاليًا وقدوة.

ثالثًا: طهارة البنا كزعيم سياسي وقائد لحركة إسلامية طهارة مثالية، فما كتب عنه في الخارج وخصوصًا في الوثائق البريطانية ومن تخوف الاستعمار البريطاني منه ومن حركة الإخوان المسلمين دليل صدق على ذلك.

رابعًا: صدقه أيضًا مع أتباعه ومصارحتهم من أول يوم بأهداف ومرامي هذه الدعوة، وبأنهم سيتعرضون إذا انتسبوا إليها للامتحان والإبتلاء منذ أول يوم، ولم يضلل الجماهير ويسوقها إلى عمل يحقق به مصلحته الخاصة.

الإمام أديبًا

• أحد النقاد المتخصصين ذكر أن الإمام البنا كان أديبًا إسلاميًا فذًا، ولكن شهرته كداعية وزعيم إسلامي غلبت عليه فما رأيك؟

حقًا، وأنا أرى أن أحد أهم جوانب شخصية البنا الفذة أنه كان أديبًا إسلاميًا، بل مؤسسًا للأدب الإسلامي في العصر الحديث، وقد قمت بجمع أعماله الأدبية البحتة في كتاب خاص سيصدر قريبًا، وأهم ما يميز البنا صدقه الفني فلم يعبر إلا عما يحسه ويشعر به وهو الإسلام.

فهو يستقي أدبه من القرآن الكريم وبلاغته، وهذا الأدب الذي كنبه البنا أنشأ مدرسة أدبية جديدة بحكم دعوته لأفكار معينة حملها مجموعة من الناس، ودعوا إليها وعبروا عنها تعبيرًا مميزًا، فنشأت المدرسة التي كانت صدى لفكر البنا.

ومن رموز تلك المدرسة كل أدباء وشعراء الإخوان، بل امتد تأثير المدرسة إلى أدباء العصر كله، فاتجهوا إلى مسايرة التيار الإسلامي في كتاباتهم؛ لأن الكتاب الإسلامي بحكم الواقع أصبح الأكثر رواجًا وتوزيعًا منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

كما أن مؤرخي الأدب المعاصرين كتبوا عام 1953 أن أكبر ظاهرة أثرت في الأدب الحديث هو ظهور جماعة الإخوان المسلمين.

• كيف استطاع البنا الوصول سريعًا إلى قلوب الناس، وإقناع الآخرين بفكرته؟

كان - رحمه الله- إمامًا في الخطابة الدينية، ويكفي أن تعلم أن الخطب الدينية قبل الإخوان كانت تقرأ من الكتب القديمة، ومنفصلة تمامًا عن الواقع المعايش.

وعندما جاء البنا ومدرسة الإخوان ظهر أسلوب جديد في الخطابة التي جمعت بين الديني والسياسي، أو الواقع الذي يمس الحياة المعاصرة وتتعرض لمشاكلها، ومن ثم نستطيع أن نقول أن الإخوان مدرسة خطابية، كما أن الخطابة مع الإخوان لم تعد قاصرة على الأزهريين، بل ذهبت إلى الجامعيين كذلك.

واذكر أن مجلة آخرساعة أجرت استطلاعًا عام 1947 عن أفضل خطباء العصر فكان حسن البنا هو أفضلهم طبقًا للاستطلاع.

عاطفة جياشة

كيف كانت علاقة البنا الشخصية بإخوانه؟

الإمام الشهيد حسن البنا ومجالس العلم وحلقات القرأن

كان ـ رحمه الله ـ يحب إخوانه ويحمل لهم عاطفة جياشة، ويحترم في كل أخ ارتباطه بالدعوة وأدائه للبيعة، واستعداده للتضحية في سبيل دينه ودعوته، وهذا واضح في كثير من كتاباته فكان يمدح الرعيل الأول من الجماعة الذين بذلوا جهدهم من أجل الجماعة، فقد قال عنهم في مذكراته "... وبمثل هذه التصرفات التي تذكرك بصحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قامت دعوة الإخوان المسلمين".

وأذكر لك مثالاً عن حبه وتقديره لإخوانه رأيته بنفسي، وذلك عندما جاء مندوب مجلة المصور عام 1946 ليجري حوارًا مع الوالد بعنوان "يوم في حياة الشيخ حسن البنا"، قام المصور بالتقاط صورة عفوية له وأحد الإخوان يعطيه سماعة التليفون لكي يرد عليه، فرفض الوالد نشر الصورة، وبعث خطابًا إلى المجلة مؤكدًا لهم فيها أنه ليس في الإخوان جندي وقائد فكلنا جنود في سبيل الله.

كما كان ـ رحمه الله ـ صادقًأ حتى مع مخالفيه، فكان عف اللسان معهم، ولا تستطيع أن تجد كلمة نابية واحدة في تراث البنا، وعندما اعترض البعض على هذا الأسلوب تجاه المخالفين كتب مقالاً أكد فيه وجوب التمسك بهذا الأسلوب.

وكان ـ رحمه الله ـ ذا نظرة ثاقبة في كثير من القضايا، أذكر أنه كتب مقالاً عام 1945 بعنوان "نداء إلى شعب المملكة المتحدة" نصح فيه بريطانيا أن تجلو عن مصر، وأن تخرج من المنطقة وهي صديقة لشعوبها الذين عاونوها في الحرب العالمية الثانية قبل أن تأتي الولايات المتحدة لتخرجها من هذه المنطقة بأسلوب أو بآخر، ولو أخذت بريطانيا بهذه النصيحة لما بكى "انطوني ايدن" عندما أجبره الأمريكان على الخروج من مصر بعد العدوان الثلاثي عام 1956.

وكذلك مقالاته عن سيناء والسودان، وعن توقعه قيام ثورة في مصر إذا لم تنصلح الأحوال، ومطالبته عام 1942 بتدريب مرشدين مصريين لقناة السويس؛ حتى لا نكون في قبضة الأجانب إذا حدثت أزمة، وهو ما حدث فعلاً عام 1956, وهذا قليل من كثير.

أول مقال

أخيرًا كيف كان البنا في بيته بوصفك ابنه الذي عايشه أكثر من 14عامًا؟

كان ـ رحمه الله ـ رب أسرة مثالي لم يقصر في أي حق من حقوق هذه الأسرة، وأول مقال كتبه كان بعنوان "الدعوة إلى الله فريضة"، والثاني "لمن توجه الدعوة" أكد فيه أن الأسرة هي رقم واحد ممن توجه الدعوة إليهم، مستشهدًا بقوله تعالى: "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ".

هل صحيح ما ذكره البعض أن البنا ترك أمر دفن ابنه لوالده لانشغاله بأمور الدعوة؟

لم يحدث؛ فالإمام كان يحسن إحسانًا شديدًا في استغلال وقته، وكان الله تعالى يبارك له في الوقت بحكم الطاقة الروحية العالية التي كان يتمتع بها، والتأثير الرهيب في نفوس كل من يتعامل معه.

ولم يقصر في حق أسرته فكان رحمه الله يجعل لكل منّا ملفًا خاصًا به منذ ولادته، يضع فيه شهادة ميلاده، ومواعيد تطعيمه والروشتات والتذاكر الطبية، والأدوية التي تناولها ومدة المرض، والشهادات الدراسية وتعليقاته عليها، وكان يوفر لبيته ما يحتاجه، أما ما قيل أنه عندما توفي أحد أبنائه تركه لوالده ليدفنه فلم يحدث؛ لأنه بالفعل توفي لأبي طفل صغير ولكنه دفنه بنفسه.

إخوان أون لاين 20/2/2003م

ثانيا حوار مع الدكتورة ثناء البنا

  • حوار مع الدكتورة ثناء البنا حاورها: يارا نجاتي

عندما حذرته حماته قائلة: "اليهود هيقتلوك يا شيخ حسن" تبسم ضاحكًا وكأنه يؤكد حديثها، وقال: "دولة بكاملها تتآمر لقتلي رغم أني أمشي بمفردي وطفل صغير عمره 10 سنوات يمكنه قتلي؟!"، ولما ناولته ابنته وفاء مسدسه المرخص في أيامه الأخيرة رفضه قائلاً: "هل تتصوري إذا حاول أحدهم قتلي أن أمد له يدي لأقتله!!".

والدموع تملأ عيناها تتذكر "سناء حسن البنا" الأيام الأخيرة ولحظة استشهاد والدها يوم (السبت 12 فبراير 1949)، وقالت: "عندما دخلت عليه بعد استشهاده وكشفت عمتي فاطمة وجهه رأيته كالبدر، وعلى وجهه ابتسامة عذبة، لدرجة أني لم أصدق أنه توفي، وكنت أقول لصديقاتي: إن أبي سيعود مرة أخرى.

  • نعود إلى ذكرياتك عن يوم الحادث.

في يوم الحادث أرسلوا له "الليثي" لمقابلتهم ووعدوه بحلول جديدة، فذهب إلى جمعية الشبان المسلمين، وكانوا قد أحضروا كل شيء فأطفئوا أنوار الشارع وأفرغوها من المارة، ولم يتركوا غير تاكسي واحد، وكما روى لنا زوج عمتي أنه لم يجد كلامًا مختلفًا عن الاجتماعات السابقة، فصلى بهم العشاء جماعة وخرج عائدًا إلى المنزل.

لكنه لاحظ ظلام الشارع والتاكسي الوحيد الذي وقف قريبًا، ولأول مرة غيّر من عاداته فأخذ يراقب ويلاحظ الشارع من حوله فدخل زوج عمتي عبد الكريم قبله إلى السيارة، وكان قد اعتاد أن يدخل أولاً ثم يتبعه عم عبد الكريم؛ فأطلقوا النار على من دخل أولاًً، فحاول أبي الإمساك به ووضعه على المقعد الخلفي للسيارة، أما السائق فكان نائمًا في الدواسة لعمله المسبق بما سيحدث، وقال أبي لعمي: "فصبرٌ جميل"، وعندما حاول الدخول إلى الجمعية مرة ثانية لطلب الإسعاف التفوا حوله وأطلقوا عليه الرصاص فاستقرت الرصاصة في الرئة؛ لأنه كان خارج السيارة، فقام الليثي وشاب آخر بتسجيل رقم السيارة، الذي اختفى بعدها ولم يعثر عليه حتى هذه اللحظة.

وبعدها طلب والدي من السائق أن يأخذهما للإسعاف، فأعطاهما طبيب شاب هناك دواءً أحمر ليبقى يقظًا، لكن المشفى رفض استقبالهما، فذهبا إلى قصر العيني كما كان مدبرًا لهم، حيث تركوهما في الغرفة لأكثر من ساعتين، وهما ينزفان رغم أن حالة والدي لم تكن خطيرة، فالإنسان من الممكن أن يعيش برئة واحدة، وبعدها أخبروه أنهم سيجرون عملية جراحية طلب أن يجريها له طبيب التجميل الذي أجرى له عملية "الفتاء"، فقال له الطبيب: "كلنا أولادك يا أستاذ".

فأخرجوا عمي عبد الكريم إلى الخارج على الأرض أمام الغرفة، وقال إنه سمع الأطباء يقولون: "دور على الوريد"، وعلمنا بعدها أنهم قطعوا الوريد من الرقبة لذلك نزف كمية كبيرة من الدم.

  • وكيف استقبلتم نبأ استشهاده؟

طلبوا جدي بعد تشريح الجثة لدفنه في مقابر العائلة، لكنه رفض وأصر أن يأخذه إلى المنزل حتى يراه أولاده وإخوته، فطرق الباب قائلاً: "افتحي الباب يا أم وفاء"، فقالت والدتي: "يبقى قتلوه"، لأنها سمعت صوت جدي، يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وأخذنا الجيران بعيدًا في حجرة أخرى، لكن عندما حضرت عمتي فاطمة تسربت ودخلت خلفها.

وحاصر البوليس السري المنزل ومنعوا دخول أي رجل وقبضوا على كل من حاول الاقتراب، حتى أولاد خالتي لم يُدخلوهم إلا بعدما تأكدوا من جدي أنهم أقاربنا، فأدخلوهم وأخرجوهم بعد دقائق قليلة، ولم يسمحوا سوى لاثنين هما مكرم عبيد باشا، وطبيب والدتي؛ حيث كان محددًا لها إجراء عملية في القلب يوم استشهاده، ولكنها رفضت الذهاب معه.

وبعدما قام جدي وأخي سيف بتغسيله، رفض العساكر حمل نعشه، فحملته جدتي ومن حضر من نساء الحلمية، ووقتها دعت عمتي على عائلة فاروق قائلة: "ربنا يفضح عرضك على نصارى"، وهو ما تحقق بعد تنصر أمه، وتزوجت أخته وابنته من نصارى.

ومن يومها والمنزل محاصر، وعرقلوا كل أمور حياتنا، فسيف درس في دار العلوم اقتداءً بالوالد، إلى جانب كلية الحقوق حتى يتحصل منها على مصدر دخل، فعرقلوا تعيينه في جامعة القاهرة على الرغم من تفصيل إعلان التوظيف عليه، لكن المباحث رفضت إتمام التعيين، والحال نفسها في السلك الدبلوماسي والقضائي.

وأنا نقلتني وزارة التربية والتعليم إلى أسيوط وعذبوني إلا أني وقفت في وجههم حتى حصلت على حقي.

المعايشة

  • ما الذي دفعكم إلى هذه المثابرة رغم العراقيل؟

هذا ما اكتسبناه وتعلمناه من الوالد الذي استشهد للدفاع عن الحق، فهذه الحياة التي عشناها ولم يقلها لنا أحد، ووالدتي كانت مثلنا، فكلما كانوا يأتون لتفتيش المنزل ويأخذون أشياء منه، كانت تقول لنا أمام الضباط اكتبوا ما أخذوا من المنزل حتى يعيدوه؛ لأنها تخص الشهيد حسن البنا، وهذا تراث المنزل وعليكم إعادته.

في عام 56 عندما كانوا يشدون الطرح من على رأس الأخوات رفضت خلعها، وقلت إن من يحاول ستكون نهاية عمره قبل أن يخلعها من رأسي، فالقوة في الحق تثير الرعب في الظالم، كما كنا نتحدث معهم عندما اعتقلوا سيف وزوجي، وعندما توفت زوجة كاتب النيابة قال لنا: "انتم دعيتوا علي؟".

  • وهل كنتم تشعرون بالأزمات التي يتعرض لها الإمام؟

بالطبع كنا نعايشه فيها، فقبيل استشهاده عاش المنزل كله في قلق لفترة، بسبب ما تردد من مهاجمتهم للبيت، وبعض الليالي قضيناها لدي جدتي، ذات مرة جاء أحد الإخوة من الصعيد ببندقية وشومة وجلس في بير السلم ليقتل من يحاول الدخول إلى المنزل.

الأيام الأخيرة

  • وماذا تتذكرين من هذه الفترة؟

في أحد الأيام ذهب للصلاة في المسجد، وكنا ننتظره دائمًا خوفًا عليه على الشباك، وجدنا ملثمين ينتظرون على ناصية الشارع، فأرسلت والدتي وفاء والخادمة، لتذهب كل واحدة منهما في اتجاه المسجدين القريبين من المنزل لتحذيره، وما إن رأوهما خرجتا من المنزل حتى هربوا، فالرعب ملأ المنزل من يوم 8 ديسمبر عند صدور قرار حل المركز العام، ومن يومها ومنزلنا مُراقب وحتى قيام ثورة 25 يناير.

والجميع كان متوقعًا اغتياله؛ فمجرد خروجه وتأخره كنا نشعر أنهم قتلوه، فكان يخرج ليتوسط لدى الشيخ المراغي لإخراج الإخوان أو مقابلة الملك، لأنه دائمًا ما ردد: "أسمع صراخ أطفال الإخوان في أذني"، وعندما لم يجد جدوى من تلك الزيارات، أعلن أنه سيعتزل كل شيء وسيذهب "للشيخ النبراوي" في مزرعته، لكنهم قبضوا عليه واعتقلوا أولاده وحرقوا مزرعته.

بيت مصري

  • وبماذا تصفين البيت الذي نشأتي فيه؟

كان منزلنا منزلاً مصريا كسائر البيوت المصرية، إلا أننا كنا نتمتع بالسمت الإسلامي، فتبادل الهدايا والكعك في الأعياد والطعام بين الجيران أمر طبيعي.

كان أبًا حانيًا جدًّا؛ فكان من المعروف في منزلنا أن أمي هي الشديدة التي تعاقب، أما أبي فكنت أستجير به حتى لا أتعرض للضرب، فأهرب وأختبئ بجانبه تحت مكتبه عندما أخطئ وتحاول أمي معاقبتي، فكنا نريد إرضاءه ولا نريده أن يتضايق من أحدنا، ليس خوفًا؛ بل حبًّا واحترامًا له، ولا نذكر يومًا أنه تعامل مع أحدنا بقسوة.

عقابان فقط

  • نفهم من هذا أنه لم يعاقبكم مطلقًا؟!

عاقبني والدي مرتين فقط؛ أولهما عندما رأيته يومًا من الشباك قادمًا مع الإخوان، فخرجت إلى الشارع مسرعة كأي طفلة لاستقباله ونسيت ارتداء الصندل الذي أحضره لي للعب، فنظر إلي نظرة واحدة إلى قدمي فعدت إلى المنزل وقد فهمت من نظرته الخطأ الذي قمت به، وبعدما خرج الضيوف نادى عليَّ وأمرني أن أرفع رجلي على ترابيزة السفرة وضربي بالمسطرة عشر مرات لكل قدم، وكنت أضحك، ومن وقتها لم أكررها ثانية.

والمرة الثانية عندما شتمت خادمة صغيرة، فأخرج قلم رصاص من جيبه ووضعه في ثقب أذني وقرص عليها فظلت شهرًا تؤلمني، فكان عقابه يجعلنا لا نكرر الأمر مرة أخرى.

التدرج

  • وكيف حبَّب إليكم العبادات؟

التيسير والتدرج كان منهجهه في كل شيء، فمن صغري وأنا أصلي بجانب والدتي بفاتحة الكتاب وقصار السور، وفي يوم حضر والدي إلى المنزل ووجدني لا أصلي، فتعجب وسألني عن السبب، فأخبرته إني لا أحفظ التحيات، ولا أريد أن أصلي بدونها، لكنه قال لي أن أصلي بالفاتحة بدلاً من التشهد، وقال: "الفاتحة تجزئ".

وكان هذا أسلوبه حتى في الفرائض الشرعية، فكما نزلت على المسلمين مبسطة وعلى عدة مراحل، لم يكن يفرضها علينا دفعة واحدة.

  • الفن والسينما والمسرح.. ماذا كانت تعني لكم؟

قبل استشهاده بمدة قصيرة جدًّا تصل إلى شهر تقريبًا نزل فيلم في السينما عن فلسطين، وأحدث ضجة كبيرة، وعندما طلبنا منه أن نذهب لمشاهدته لم يرفض مطلقًا وسمح لنا بذلك، فهو لم يكن يرفض السينما على إطلاقها بل كان الأمر يعتمد على مضمون الفيلم واستخدامها جيدًا أو لا، وفي الماضي كانت أغلب الأفلام ذات مضامين ٍغير نافعة بالمرة.

وأول من أطلق المسرحيات هم الإخوان الذين نظموا مسرحيات عرضت بدار الأوبرا، وكنا نذهب لمشاهدتها والاستماع إليها.

  • وهل كان مسموح لكم كأطفال بوسائل التسلية؟

بالتأكيد كل وسائل التسلية واللعب المشروعة كانت يسمح لنا بها، ففي صغرنا كان لدينا راديو وهو جهاز جديد في مصر، وكنا نسمع إذاعة القرآن الكريم في الصباح، ثم 8,30 صباحًا ومساءًا النشرة ولا شيء آخر باستثنائهما، إلى أن ظهرت برامج الأطفال، فكلما حضر جدي إلى المنزل ووجدنا نسمع برنامج "بابا شارو" يتعجب وينظر لأبي كيف سمح لنا بالاستماع إليه!، وفي العيد كنا نؤجر العجل في الشارع الذي نسكن فيه ونلعب مع الأطفال.

  • ذَكَرْتِي أنه لم يرفض المناسبات التي لا تتعلق بعقائد الآخرين، فماذا عن المولد النبوي؟

لم يكن يرفض الاحتفال به بل كان يحضر لنا الحلوى، ويقول: إننا نحتفل به إحياءً لذكرى النبي صلى الله عليه وسلم ولأخلاقه ومواقفه التي تعرض لها في مختلف الظروف للاقتداء به، تطبيقًا للشعار الذي نقول فيه "الرسول زعيمنا".

ولكنه لم يكن يجعل تلك المناسبات تمر بدون أن يعلمنا شيئًا جديدًا، ففي أحد المرات أحضر حلوى المولد النبوي ووزعها في أظرف بنيه، وطلب منّا أن نسمعه شعار الإخوان، فمن قاله سليمًا يأخذ نصيبه، ومن لم يتقنه يذهب لإجادته ويعود ليأخذ حلواه، أو حفظ حديث جديد للرسول، فكان يهدف إلى تعليمنا بذل مجهود للحصول على المكافآت وليس كأنها حق مكتسب.

الانشغال بالدعوة

  • كان الإمام دائم السفر فهل تذكرين هذه الأيام؟
الإمام حسن البنا أثناء زيارته للسويس

طوال العام الدراسي كان يتمكن من تغطية محافظات الوجه البحري لقربها من القاهرة، فدوامه في المدرسة يومي الإثنين والخميس نصف يوم فقط ويسافر، فكان يسافر ويعود في نفس اليوم، أو يسافر الخميس ويعود السبت صباحًا.

ومع بداية إجازة الصيف كان يصطحبنا إلى مدينة الإسماعيلية عند أهل والدتي، فيمكث معنا عدة أيام ثم يتوجه بالقطار إلى أسوان ومنها يزور مختلف قرى ونجوع الصعيد، وكان يتعمد ألا يركب إلا في الدرجة الثالثة، حتى يتمكن من الجلوس في وسط البسطاء؛ ليعيد الإسلام الذي اختفى بفعل الاحتلال، كما كان يقول: "يهز الإسلام الموجود بداخلهم".

  • رويت لنا انشغال الإمام طوال العام بالدعوة، ألم يؤثر ذلك على عائلتكم؟

ذات مرة قابلتني أحد الأخوات في السعودية، وقالت لي إن الإخوة يقولون أن الإمام قال "لئن تشقى أسرة تسعد أمة"، فقلت لها لم نشعر يومًا في مع والدي بالشقاء مطلقًا، فلم يفرط في حقوقنا لمرة واحدة، فالله منّ عليه أن يوفق بين كل مشاغله، فكان بارًّا بوالديه وبأهل زوجته.

وكان لديه في مكتبه ملف لكل واحد منا، بكلِّ التطعيمات التي أخذها والأمراض التي أصيب بها، وكذلك الشهادات التي حصلنا عليها، وحتى تعليمنا كان هو يهتم به بشكل مباشر، فأنا في البداية دخلت إلى التعليم الأولي، وعندما رأى أن مستوى التعليم الحكومي أفضل أراد أن ينقلني إلى الابتدائي مع أختي، إلا أن الأمر تعذر فنقلني إلى مدرسة خاصة، بالرغم من أنها كانت ذات سمعة تعليمية سيئة على عكس الآن، وكانت ناظرة المدرسة تقدر والدي جدًّا فنجحتني المدرية حتى وصلت إلى الصف الابتدائي الأول بدون أن أدرس أي شيء، وانتقلت في الصف الثاني إلى الحكومة، ووقتها رسبت لأني لم أكن تعلمت من قبل.

فحزنت وأخذت مفتاح الدولاب المخصص لي بالمدرسة وألقيته إليه، وقلت له لا أريد أن أذهب مرة أخرى إلى هذه المدرسة، اذهب وأحضر أشيائي من هناك، فقال "متزعليش يا سناء ماما بتقول إنك شاطرة في حاجة البيت وتقعدي تساعديها"، فرفضت وقلت له "لأ خلاص هات المفتاح".

وكان دائمًا ما يعطي سيفًا أموالاً لشراء الكتب، فكان يشتري كتب الجيب البوليسية كـ"ارسيل لوبين" وغيرها، وعندما أراد توجيه إلى كتب تهتم باللغة العربية أحضرها ووضعها في مكتبه حتى يقرأ، ومن وقتها صار عاشقًا للغة العربية.

  • وماذا عن فترة الإجازة الصيفية؟

كنا نقضيها في الإسماعيلية، نذهب إلى مدرسة أمهات المؤمنين، لتعلم الأحاديث النبوية وغيرها.

وما أن نصل هناك حتى يقول الاحتلال إن الإسماعيلية أعلنت الحرب، لما كان يعلمنا من مساوئ الاحتلال، فنأتي بالكرة الشراب ونشعل بها النار ونجمع أطفال المدينة ونلف ويهتف أخي سيف "يسقط الاستعمار".

عباءة دمور

  • رأينا صورًا للإمام بالجلباب مرة وبالبدلة والطربوش مرة أخرى، ألم يكن يفضل ملبسًا بعينه؟

كان يرتدي اللبس المناسب للمكان، فالجلباب والعمامة لهما مكانهما، والبدلة لها مكانها، والمسجد له ملابسه، فلم يقل عن ملبس بعينه أنه إسلامي، إلا أنه في أحد المرات دُعي إلى حفل لدى الملك وكان مطلوبًا ارتداء بدلة "ردنجوت"، فرفض لأنها لباس أوروبية في وقت المحتل فيه داخل مصر.

وكان دائمًا ما يشجع الصناعة المصرية، فمنذ أن افتتحت مصانع الغزل المصرية قاطعنا الأقطان الإنجليزية التي كانت تؤخذ من مصر وتصدر لنا مرة أخرى في صورة أقمشة، فكانت الأخوات ترتدين الخامات المصرية بالرغم من رداءتها في البداية، وكان يصنع عباءته من "الدمور" تشجيعًا للصناعة الوطنية.

الفراسة

  • ما هي أهم الصفات التي تمتع بها الإمام في دعوته؟

كان يتمتع بذاكرة حديدية منحها له الله، فيتذكر عشرات الآلاف من الإخوة، بأسمائهم وأسماء أولادهم وأعمارهم، ويسأل عليهم بعد مرور سنوات من رؤيته للأخ آخر مرة، كما تميز بالفراسة فخلال حديث الثلاثاء حيث كانت تمتلئ شوارع الحلمية أمام المركز العام بالحاضرين، وبعد إنهاء الحديث يطلب من الشباب حوله إحضار عدد ممن لاحظهم أنهم من الجدد، وكذلك من تأثروا بحديثه فيتحدث معهم وينضموا للجماعة مباشرة.

ووصل الأمر إلى حدِّ تأثيره المباشر في فتوة بولاق "أحمد نار"، عندما ذهب مرة لإلقاء خطبة هناك، وجاء الفتوة لهدم السرادق الذي كان فيه لأنهم لم يحصلوا على إذنه لإقامته، وما أن دخل حتى لاحظ الإمام وجوده وحوَّل حديثه عن الشجاعة في الإسلام وشجاعة رسول الله، فجلس ينصت له وتحدث معه بعد الخطبة ودخل في الإخوان.

المرأة

  • وماذا عن الصفات التي لم نقرأ عنها من قبل؟

أول صفاته في المنزل احترام أهل البيت، فلم ينادي يومًا على والدتي سوى بـ"أم وفاء"، وهي أيضًا لا تقول له إلا "يا أستاذ"، كما لم نسمعه يومًا يرفع صوته على أحد، وكان يعرف ما نريده من نظرة أعيننا، وتمتع بهيبة فتلقائيًّا بمجرد دخوله علينا كان جميع مَن في البيت يقفون بمن فيهم عماتي وأعمامي باستثناء أمي وجدتي، رغم أنه لم يطلب ذلك يومًا، كما لم نسمعه يومًا يسب أحدًا.

أما المرأة فكان لها تقدير دائم حتى الخادمة يعاملها أفضل معاملة، وهو من عرَّف أمي على أبناء عمها، عندما سافر يومًا إلى قرية "صول" أصل عائلتها وعلم أنهم من عائلتها أحضرهم إلى المنزل، وطلب منها أن ترتدي ملابسها ليعرفها عليهم.

وكانت قيلولته بسيطة جدًّا، وفي أحد المرات طلب من أختي وفاء فنجان قهوة على أن تأتي بعد سبع دقائق لإيقاظه، وساعات نومه في اليوم كله لم تتعد الأربع ساعات.

رسائل عصرية

  • في هذه الأيام ما الرسائل التي ترين أنه كان سيوجهها؟

الرسائل تناسب العصر الحالي تمامًا كما كان في عهده، وما لم يفهمه الكثيرون أن حسن البنا لم يأت بفلسفة خاصة به كما نسمع عن البلشيفية والشيوعية وغيرها من صنع البشر، ولذلك انتهت هذه الأسماء؛ بل هو حاول إحياء دعوة الله، وما كان يطبقه السلف الصالح.

لذلك اتبع المنهج التدريجي المنطقي في تربية الفرد، فبدأ مع الرعيل الأول بتعليم سنن الوضوء وأهميتها ثم الصلاة ثم الاعتزاز بالانتساب إلى الله، وهذه هي الدعوة إلى الله، كما نزلت على الرسول.

وأكثر مثال على هذا أول مرة وأنا أقرأ رسالة "بين الأمس واليوم" يقول فيها: إن القرآن هو أصل التشريع، ونزل منجمًا يحمل كليات الشرائع الاجتماعية، كافة العبادات جاءت لتثبت هذه الشرائع وتقويها لخدمة المجتمع، فالعبادات كالصلاة ليست مجرد حركات بل لخدمة المجتمع، فالشهادة مثلاً تجعل البشر لا يظلمون ولا يطغون على بعضهم، وتؤسس للمساواة، كالصلاة التي تجعل السلطان الوحيد هو الله.

وكذلك رسائله للشباب يقول فيها: "احذروا الفرقة"، وكأنه يتحدث إليهم الآن

سناء البنا تتحدث عن الإمام.. الأب والإنسان القدوة

السبت, 11 فبراير 2012 اخوان اون لاين


للمزيد

ملفات متعلقة للإمام البنا

كتب هامة متعلقة بالإمام البنا

كلمات خالدة للإمام حسن البنا

متعلقات أخرى للإمام البنا

مقالات متعلقة عن الإمام حسن البنا

تابع مقالات متعلقة

مقالات متعلقة بالإمام البنا

تابع المقالات المتعلقة

.

وصلات فيديو للامام حسن البنا

.