عبد الله المطوع

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
عبدالله علي المطوع رجل المواقف وداعية الإصلاح ورائد الخير

بقلم: المستشار عبد الله العقيل

حياته

ولد ولد الشيخ عبدالله بن علي بن عبدالوهاب المطوع القناعي عام 1345ه الموافق 1926م بالكويت ، ونشأ في أجواء عائلية ملتزمة، وكان التدين هو الطابع الذي يغلب على أسرته، وحرص والده على تربيته على الأخلاق الحميدة والقيم الإسلامية العظيمة، كما كان يغرس فيه معنى الالتزام وحب الطاعة وكان يصطحبه إلى المسجد وخاصة صلاة الفجر.

وعند بلوغه سن ال14 عاماً اشتغل في مجال الآباء والأجداد، وهو العمل التجاري وتنمية الموارد في ظل ثقة الوالدين، ولم يكن في الكويت آنذاك بنوك أو مصارف لإيداع الأموال فيها، فكان الآباء يعتمدون على أبنائهم في حفظ هذه الأموال والإشراف عليها.

وكان والده يسافر لمدة شهرين متتاليين أحياناًً للعلاج معتمداً على الله ثم على الفقيد في تدبير أمواله وإدارة ثروته، ولعل هذا ما مكنه من إتقان واحتراف العمل في مجال التجارة منذ كان تلميذاً، وحتى وفاته.

تلقى تعليمه مع أبناء جيله في مدرسة "ملا عثمان" نسبة لعائلة عبد اللطيف العثمان ثم مدرستا المباركية والأحمدية.

وكان (العم) عبد الله يتمتع بصلات قوية مع الجميع في داخل الكويت وخارجها، خاصة المنتمين للحركات الإسلامية، وفي مقدمتها "حركة الإخوان المسلمين"، ونظراً لعمل والده في مجال التجارة كان يتعرف على التجار الذين يقصدون والده من كل حدب وصوب، خاصة الذين كانوا يأتون من البادية وبعض البلاد كالسعودية والعراق وغيرها، إذ كان يمنح هؤلاء التجار في أوقات كثيرة فسحة من الوقت لتأجيل الدفع حتى بيع البضاعة، حيث كانت قيم الأمانة والصدق من شيم هذه المجتمعات.

ولما كان شقيقه الأكبر المرحوم عبد العزيز المطوع له صلة وطيدة بالحركات الإسلامية والعمل الإسلامي خاصة حركة الإخوان المسلمين ، فقد تأثر العم عبد الله بهذا التوجه، وتشكلت لديه الخلفية الإسلامية من خلال هذا الفكر الإسلامي الصحيح، حيث كانت الأمة تعيش في عهود الذل والاحتلال الغربي الجاثم عليها .

ومنذ ذلك الحين انخرط العم عبد الله في النشاط الإسلامي وتنميته من خلال استضافة العلماء والمحاضرين، وأسهم في إصدار مجلة الإرشاد الإسلامي، وكان يرحمه الله داعية إسلامياً صادقاً ومخلصاً، تمتع بخبرة واسعة وتجربة ثرية في العمل الدعوي والخيري، وكان قوياً في الحق لا يخشى في الله لومة لائم، وكان حتى آخر لحظة في حياته يتمتع بحماسة الشباب إلى جانب حكمة الشيوخ، ويحمل في وجدانه وعقله وقلبه هموم أمته، وخطابه يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ومن المحطات الفارقة في حياة العم أبو بدر يرحمه الله لقاؤه وشقيقه المرحوم عبد العزيز الإمام الشهيد حسن البنا عام 1365ه 1946م في مكة المكرمة والمدينة، وحضر له محاضرة في المدينة المنورة، وأهدى لهما الإمام البنا كتابين؛

الأول: كتاب "حضارة العرب" للمؤلف الفرنسي "جوستاف لوبون"، وهو كتاب جيد يشيد بالحضارة العربية والإسلامية ومزود بالرسوم، وكان من نصيب أخيه عبد العزيز؛
والثاني: كتاب "الرحلة الحجازية" وهو كتاب قيّم نادر الوجود وكان من نصيب الفقيد، وكان هذا الكتاب يتحدث عن القبائل العربية التي كانت موجودة في الساحة، وتعداد الحجيج، والمحمل الذي كانت ترسل به كسوة الكعبة من مصر ... وبعض الصور القديمة، وكتب الإمام البنا بخط يده ذكرى طيبة تحث على الأخوة في الله، وتذكر بهذا اللقاء المبارك في الحرمين الشريفين ووقعه بتوقيعه.

وهكذا كانت سيرة الحبيب أبي بدر وكان توفيق الله له في العمل التجاري سبباً في زيادة السخاء والدعم لكل عمل يرضي الله عز وجل ويحقق الخير للمسلمين ويرفد الدعاة إلى الله في هذا العصر في كل مكان.

ولست بحاجة لذكر تفاصيل ما كان يقوم به أو المناطق التي وصلها خيره وبره، فهذا أمر معروف ومشاهد لدى المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة رجال الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، فهم يشهدون له بالقدم الراسخة في هذا الميدان واليد الطولى في تعزيز مسيرة العمل الإسلامي.

ولقد وقفت على الكثير من ذلك بحكم قربي منه ومعايشتي له طيلة أكثر من نصف قرن في إطار العمل الدعوي على المستويين المحلي والعالمي، ويشهد الله أنه كان سبّاقاً في كل ميدان من ميادين الخير لا يجاريه أحد من أقرانه وإخوانه، وكان صاحب دعوة ومربياً من الطراز الفريد المتميز الذي يسع الصغير والكبير، والأمير والفقير؛

بحيث يترك أطيب الأثر في النفوس لصدق نيته ونبل غايته، وحسن أسلوبه، وسعة صدره في استيعاب المخالفين من إخوانه أو خصومه على حد سواء، وكان يتميز بالصبر والمصابرة والعمل الدؤوب لتحقيق ما يؤمن به من أهداف الإسلام ، فلا يكلّ ولا يملّ، وهذا شأنه في السفر والحضر ومع مختلف الأشخاص، فلا يملك الآخرون إلا التسليم بوجهة نظره والاقتناع برأيه، والسير معه في طريق الحق والخير الذي فيه نجاة الدنيا والآخرة.

مسيرته

إن المتأمل في سيرة الأخ أبي بدر يدرك عمق الإيمان وحسن التوكل والثقة بما عند الله، فلا يخاف من مغريات الدنيا، ولا يضعف أمام تهديد الطغاة ولا يتهالك على جمع المال للتبذير والإسراف أو الملاهي والملذات أو البذخ أو الترف، بل يكدح الليل والنهار لجمع المال وتثميره وتنميته ليزداد الريع فيما ينفق من أبواب الخير في أصقاع الدنيا؛

وها هو يضرب لنا المثل الحي في تنمية ثلث والده يرحمه الله علي عبدالوهاب حتى صار أضعافاً كثيرة، ومن ألوف الروبيات إلى ملايين الدنانير، فعمَّ نفع المسلمين منه بكل مكان، وعهد للأوقاف بتوليه وإدارته قبيل وفاته.

وكذا شأنه في تجارته حيث هو من الدقة في الحساب والتوفير وعدم الإسراف على الكماليات والالتزام الصارم بالمعاملات الإسلامية في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فلا يعرف الرشوة ولا الربا ولا أي لون من ألوان الغش أو التدليس أو الغرر، ويحاسب نفسه وإخوانه وأولاده والعاملين معه محاسبة صارمة جداً دون هوادة أو لين.

ومن لا يدرك بواطن الأمور يظن لأول وهلة أن الأخ أبا بدر حريص على جمع المال وتكديسه، ولكن الصحيح أنه يؤمن بأن المال هو مال الله، فهو حريص على صيانته وتنميته لينفق في سبيل الله، وأنه مؤتمن على هذا المال فلا يضعه إلا في يد مستحقيه في أي مكان من العالم.

ولن أنسى له المواقف الكثيرة على مدى سنين حين يسألني عن الجهات المستحقة في أصقاع الدنيا لإيصال العون لها، بل كثيراً ما يطلب مني أن أقترح الجهة والمبلغ اللازم لها على ضوء معرفتي واطلاعي أثناء زياراتي الدعوية للأقطار.

بل أحياناً كثيرة يسألني أنه قرر صرف المبلغ كذا لجهة كذا فهل يكفي أم يزيده؟ هكذا شأنه دائماً، ولقد كنت أسأله بعض الأحيان: هل يرسل للجهة الفلانية؟ فيكون الجواب بأنه قد أرسل لها بالفعل.

ولا أعرف طيلة هذه السنين أن جهة مستحقة سألته شيئاً من مال الله وكانت موضع الثقة إلا وكان مسارعاً لمساعدتها ما دامت تدخل في المصارف الثمانية من مصارف الزكاة، بل إن له نفقات غير الزكاة، وريع الثلث وهي صدقات وتبرعات يدفعها على مدار العام للأشخاص والأسر والجهات وتفريج كرب المكروبين وإغاثة المنكوبين.

وكثيراً ما كان يكلفني بالاتصال ببعض الجهات والاطلاع على أوضاعها وتقدير احتياجاتها على ضوء الزيارة الميدانية والاتصال المباشر.

أما المساعدات للأسر والأفراد داخل الكويت وخارجها فحدث ولا حرج حيث لا يحصيها إلا الله عز وجل. وليس هذا الموقف معي وحدي بل هو مع الكثير من إخوانه وتلامذته الذين يثق بهم ويطمئن إلى حسن تقديرهم.

وعن المبادرات السخية في النكبات فهذا شيء يشهد به العالم العربي والإسلامي كله، فهو الرائد فيه والقدوة التي يسير خلفها الآخرون لإيمانهم بصدقه وحسن تقديره للوقائع والأحداث والأشخاص والجماعات والهيئات.

إن هذه صورة مشرقة مضيئة لهذا الأخ المسلم الذي تربى في رحاب الإسلام ، وفقه الدين من الكتاب والسنة على أنه نيّة خالصة وقول صادق وعمل مخلص وبذل وعطاء في سبيل الله والمستضعفين في الأرض، فالمال مال الله والخلق عباد الله وهم مستخلفون على هذا المال لينفقوه في الوجوه التي أمر الله أن ينفق فيها دون تأخير أو تعطيل.

وأحسب والله حسيبه أن الأخ أبا بدر كان من القلائل الذين عرفوا مهمتهم من جمع المال بالطريق الحلال وإنفاقه على المحتاجين من عباد الله حيثما كانوا وأينما وجدوا، وقد بارك الله في ماله وعمره وعمَّ الخير أنحاء الدنيا بفضل توفيق الله له. وهذا هو الأثر الباقي الذي سيلحقه أجره بإذن الله تعالى بعد وفاته.

حياة حافلة

وأسهم في التخطيط لمؤتمر "جدة" الشعبي، وفي تلك الأثناء تم تشكيل مجلس يضم حوالي 50 عضواً من رجالات الكويت برئاسة رئيس الوزراء وو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله الصباح حينذاك، وكانت اجتماعات المجلس شبه دورية من أجل الدفاع عن القضية الكويتية والعمل الدؤوب في هذا الاتجاه.

أسهم في إصدار صحيفة "المرابطون" في بريطانيا للدفاع عن الكويت، والتنديد بالاحتلال ومطالبة الدول العربية بالتعاون لطرد الغازي العراقي، وكان يقوم بتوزيع الأموال بسخاء على المناضلين والمقاومين وأبناء الشعب الكويتي بواسطة فعاليات موجودة داخل الكويت من أجل تخفيف المحنة على المواطنين.

زار مصر قبل مؤتمر "جدة" الشعبي التاريخي، والتقى بجميع الأحزاب والفعاليات السياسية المصرية وقيادات ورؤساء الأحزاب، ومنهم فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد، وخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع، وإبراهيم شكري رئيس حزب العمل؛

كما التقى مجموعة كبيرة من العلماء والمسؤولين، وكذلك قيادات جماعة الإخوان وكانت مواقف الجميع مشرفة كما قال رحمه الله حيث أبدوا كامل استعدادهم وتأييدهم للقضية الكويتية بعد حفل عشاء أعدته جماعة الإخوان المسلمين.

ثم عاد إلى المملكة العربية السعودية، ودعا المؤتمرين من كل مكان في العالم من علماء ومشايخ الدول الإسلامية لمناصرة قضية الكويت. وقام بالتعاون مع وزارة الإعلام الكويتية بنشر الفظائع التي ارتكبها النظام العراقي الغاصب داخل الكويت وغير ذلك من الأنشطة والجهود الوطنية.

كما شارك في العديد من الوفود الشعبية التي زارت دولاً كثيرة برفقة العم يوسف الحجي والنائب أحمد السعدون ووزير الإعلام آنذاك يوسف السميط والعم أحمد سعد الجاسر وآخرين لشرح القضية الكويتية.

رفض ترشيحه لمنصب رئاسة اللجنة المالية إبان الاحتلال العراقي الغاشم خشية أن تمر عليه معاملات ذات صلة بالممارسات الربوية، حيث يحتم عليه التزامه الديني ومبادئه الالتزام المالي اللاربوي في التعامل.

كان عضو مجلس إدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، والمجلس التأسيسي للمجلس الأعلى للمساجد بمكة، وعضو مؤسس في جمعية الهلال الأحمر، بالإضافة إلى مؤسسات خيرية وإسلامية عدة.

هذا غيض من فيض من سيرته العطرة التي حفلت بالعطاء والعمل للإسلام والمسلمين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل الفقيد في واسع رحمته، وأن يلهم آله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.. و إنا لله وإنا إليه راجعون

جمعية الإرشاد

أسهم في تأسيس جمعية الإرشاد الإسلامية في عام 1370 ه 1950م كأول عمل إسلامي مؤسسي بالكويت.

وأسس جمعية الإصلاح الاجتماعي في مطلع الستينيات، وقد سارت الإصلاح على أهداف ومبادئ جمعية الإرشاد نفسها، وظل رئيساً لمجلسي إدارة جمعية الإصلاح ومجلة المجتمع حتى وفاته.

كان يرحمه الله من أبرز رجالات العمل الخيري، محبا له ومنفقا سخيا على جميع أوجه البر والخير، وكان يستقبل بمكتبه أصحاب الحاجات، ويسعى جاهدا إلى تلبية احتياجاتهم.

أفني حياته في العمل الخيري والدعوي، وكان لا يكف عن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ومحاربة المفاسد والشرور الدخيلة على قيم المجتمع.

وقت أن وقع الاحتلال العراقي للكويت كما قال رحمه الله كان يقضي العطلة الصيفية مع عائلته في العاصمة الأردنية عمان، وكان وقع الغزو عليه أليماً وموجعاً وفوق تصور البشر، ومما زاده ألماً ووجعاً ارتكاب قوات الجيش العراقي لأعمال القتل والسلب والنهب والتدمير والتخريب في الكويت، ولعب دوراً كبيراً في إنجاح مؤتمر "جدة" الشعبي بعد أن كاد أن يفشل بسبب اختلاف وجهات النظر، حيث تدخل في الوقت المناسب وأعاد الأمور إلى نصابها من خلال تأكيده على النظر للأمور بشمولية.

معرفتي به

عرفته منذ أكثر من نصف قرن، حيث كانت أولى زياراتي للكويت 1955م، في طريقنا للحج مع بعثة مدرسي مدرسة النجاة الأهلية في الزبير، وكنت قبلاً أسمع عنه من خلال إخواننا في جمعية الإرشاد الذين زارونا في الزبير وعن طريق أخيه عبدالعزيز الذي كان يتردد على العراق وعلى مصر أثناء دراستي الجامعية فيها (1949م 1954م).
وحين التقيت الأخ أبا بدر وجدتُ فيه الصورة الصادقة للمسلم الملتزم بدينه العامل في سبيل نشر دعوة الإسلام، الباذل قصارى الجهد والمال والوقت لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان ثم تكررت زياراتي 1958م للكويت حتى استقر بي المقام فيها في فبراير 1959م، حيث عملت في رئاسة المحاكم رئيساً لقسم التنفيذ، ثم مديراً للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، ثم مستشاراً للوزارة، وظلت الصلة واللقاءات مستمرة إلى قبل شهر من وفاته، حيث كان عندنا في الأردن قبل توجهه مع أسرته إلى "أبها" ومنها إلى الكويت .
لقد كان الأخ عبدالله المطوع شعلة من النشاط والحيوية في كل مجال من مجالات الخير لا يجاريه في هذا المجال حتى الشباب الأشداء من رجال الدعوة، فلا يعرف الدعة والهدوء، وبل ينطلق في عمله في الليل والنهار والسفر والحضر ولا يؤخر عمل اليوم إلى الغد، ويأخذ بالعزائم في كل أموره حتى أثناء مرضه وكبر سنه.
ولقد سعدنا بزيارة إخواننا من شباب جمعية الإرشاد بالكويت الذين زارونا في الزبير بجمعية الأخوة الإسلامية وفي مدرسة النجاة الأهلية، كما قمنا بزيارة إخواننا في الكويت مرات عديدة بجمعية الإرشاد في العام 1955م، وما بعده.

وكنت في مصر قبل تخرجي عام 1954م قد التقيت بالطلبة الكويتيين الدارسين بمصر مثل:

الأخ عبدالرحمن المحجم وعبدالله علي العيسى، وعبدالعزيز عبدالقادر، وغيرهم الذين أثنوا الثناء الحسن على جمعية الإرشاد الإسلامي وشبابها ونشاطها، وخصّوا بالذكر الإخوة: عبدالعزيز المطوع وعبدالله المطوع ومحمد العدساني وعبدالله سلطان الكليب وغيرهم؛
وبعد إقامتي الدائمة في الكويت من سنة 1959م إلى سنة 1987م كان التعاون مع الإخوان في الإرشاد من خلال المدرسة التي بقيت بعد أن حُلت الجمعية والأندية 1958م، وكان نشاطنا في المحاضرات والدروس والرحلات والندوات، ولقد كان للعم الحاج عبدالرزاق الصالح المطوع والأخ عبدالله علي المطوع، والشيخ عبدالرحمن الدوسري، والأخ محمد عبدالله بودي، والأخ خالد الرويشد، والأخ سالم تركي الفرج، والأخ غانم الشاهين، وغيرهم، دورهم البارز في النشاط الإسلامي بالكويت.
وقد تمَّ في تلك الفترة استضافة العلامة الشيخ أبوالأعلى المودودي من باكستان ، والأستاذ غلام محمد رئيس المؤسسة الإسلامية في كينيا، وكان الأخ عبدالله المطوع هو محور النشاط للعاملين في الحقل الإسلامي بالكويت من الكويتيين والمقيمين على حد سواء.
فهو القاسم المشترك بين الجميع والذي تجتمع عليه القلوب وينهض بتبعة رص الصفوف وتوحيد مسار العمل الإسلامي ليؤتى أطيب الثمار، وأحسن الآثار، كما كان همزة الوصل مع العاملين في الدعوة إلى الله في كل مكان، حيث يزورهم في بلدانهم ويزورونه بالكويت، ويضطلع بدرور المنسق للنشاط الإسلامي وتسديده وترشيده ودعمه وتعضيده واحتضان العاملين في الميدان الدعوي وتسهيل مهمتهم لأداء رسالة الإسلام في الدعوة إلى الله ونشر الخير بين الناس.
وقد وفقنا الله وإياه والإخوة العاملين معنا في ركب الدعوة الإسلامية المباركة أن نسهم في كثير من المشاريع كمكتبة المنار الإسلامية 1960م، وجمعية الإصلاح الاجتماعي 1963م، ومجلة المجتمع 1970م، ومدرسة النجاة الخاصة 1970م، ودورات تحفيظ القرآن الكريم، ومعارض الكتاب الإسلامي والمواسم الثقافية واستضافة الوفود والمحاضرين وإقامة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والصحية والرياضية؛
كما وفقنا الله لاستقدام أعداد كبيرة من كبار العلماء والدعاة في العالم العربي والإسلامي بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث سعدت الكويت بثلة من هؤلاء العلماء الأجلاء في مختلف جوانب المعرفة، فكان الشيخ محمد أبوزهرة والدكتور عيسى عبده إبراهيم، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ صلاح أبوإسماعيل، والشيخ حسن أيوب، والشيخ حسن طنون، والأستاذ البهي الخولي، والشيخ الفاضل بن عاشور، والشيخ محمد محمود الصواف ، والدكتور المهدي بن عبود، والشيخ عبدالمنعم تعيلب، والشيخ حسن مراد مناع؛
والشيخ محمد الغزالي ، والأستاذ يوسف العظم، والدكتور يوسف القرضاوي،والشيخ عبد رب الرسول سياف، والشيخ برهان الدين رباني ، والدكتور زغلول النجار، والدكتور أحمد العسال، والدكتور عبد الله عزام، والدكتور محمد محمد حسين، والشيخ فتح الله بدران، والشيخ عبدالمنعم النمر، والشيخ أحمد جلباية، والدكتور سعد المرصفي، والدكتور توفيق الواعي ، واللواء محمود شيت خطاب ، والشيخ مصطفى الزرقاء، والدكتور حسن هويدي، والشيخ مناع القطان، وغيرهم كثيرون لا تحيط بهم الذاكرة.
كما كانت زياراتنا الدعوية برفقته إلى كل من مصر والأردن والبحرين والسودان ذات مردود طيّب في تعضيد العمل الإسلامي ورفده ودفعه خطوات لمزاحمة الأفكار الوافدة من الشرق والغرب التي تريد صرف المسلمين عن دينهم بالدعوات العلمانية والثقافة التغريبية والمناهج الوضعية.
ومن المواقف الرجولية للأخ المطوع استضافته الفريق الركن طيار عبدالمنعم عبدالرؤوف وحمايته، بعد أن حكم عليه الطاغية عبدالناصر بالإعدام غيابياً بعد فراره من مصر فكان في مأمن ولا يعرف عنه أحد شيئاً بعد الله سوى الأخوين كمال القزاز وسيد محمد صالح؛
وكانت لقاءات العمل الدعوي تتكرر كل عام تقريباً من خلال مجلس الشورى العام الذي كان أبوبدر من الأعضاء العاملين فيه والذي يعقد معظم اجتماعاته في البلاد الإسلامية والأوروبية كتركيا وباكستان وألمانيا وسويسرا وبريطانيا وفرنسا وغيرها حيث يحضر ممثلو الإخوان من الأقطار كافة لدراسة واقع العمل الإسلامي والأوضاع في البلاد العربية والإسلامية وأحوال المسلمين ومشكلاتهم وسبل علاجها.
وكان الأخ أبوبدر يحرص على اللقاء بإخوانه مهما كانت الظروف ويشارك مشاركة فعالة في الرأي والمشورة واتخاذ القرارات.
كما كان للأخ المطوع الدور الكبير في إقامة معسكر الشيوخ بمنطقة الأغوار في الأردن لمناجزة اليهود والذي قدم الكثير من الشهداء من شباب الحركة الإسلامية الذين سطروا ببطولاتهم أروع الملاحم وأعادوا الكرامة إلى الأمة التي فجعت بهزيمة 1967م.
وبعد هلاك الطاغية عبدالناصر 1970م وخروج الإخوان من السجون أوائل السبعينيات وقيامهم بتجميع الصفوف ولم الشمل للإخوان في داخل مصر وخارجها حضر الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام لموسم الحج 1973 م، حيث التقى بالإخوان من سائر الأقطار.

من أقواله

"لقد نشأت في أحضان أسرة ملتزمة تخشى الله وتتبع سنة رسوله، وكان أخي الأكبر عبدالعزيز المطوع له صلة بالحركات الإسلامية والعمل الإسلامي، حيث كانت صلته بالإخوان المسلمين تحديداً ومكتب الإرشاد في مصر آنذاك قوية ووطيدة، وكانت مطبوعات الإخوان المسلمين تصل إلى الكويت، كما انتشر مدرسو الإخوان المسلمين في معظم البلدان العربية ومنها الكويت والسعودية والعراق، وغيرها، ولهؤلاء فضل كبير على هذه البلدان، لما أشاعوه بها من قيم إسلامية نبيلة لا تعرف التطرف أو الغلو، وإنما تعرف الوسطية والاعتدال.

ولما كان أخي عبدالعزيز له صلة بهذا العمل الإسلامي المنظم وهو عمل جماعة الإخوان المسلمين، فقد تأثرت بهذا التوجه وتشكلت لدي الخلفية الإسلامية من خلال هذا الفكر الإسلامي الصحيح، وقد كان لهذا الفكر الحي النابض دور كبير في نشر قيم الخير والدعوة والانتماء إلى الأمة، حيث كنا نعيش في عهود الذل والاحتلال الغربي الجاثم على نفوسنا.

لقد تمكن الإنجليز من فرض هيمنتهم على معظم العالم الإسلامي والأقطار العربية بعد إسقاط الخلافة الإسلامية عام 1924م.

وجاؤوا بمصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من يهود الدونمة ليقودوا هذه الأمة إلى الهاوية، لكن الله عز وجل سخر لهذه الأمة حركة الإخوان المسلمين التي قامت من أجل تحريرها وإعادتها إلى هويتها، واستطاعت هذه الحركة المباركة أن تؤسس عملاً إسلامياً منظماً يدفع في الاتجاه الصحيح وحمل لواء تحرير المجتمعات العربية والإسلامية مما زرعه الاستعمار من الحركات والتيارات التغريبية التي زرعتها القوى الاستعمارية في بلادنا.

كنا نسير في عملنا الدعوي وفق آليات مستفيدين من مناهج الإخوان المسلمين في التربية والتوجيه والتي مردها إلى الكتاب والسنة، ووجدنا في تجمع الإخوان المسلمين آنذاك نموذجاً يحتذى، مما جعلنا نتبنى طروحاتهم الطيبة ومسيرتهم الخيّرة.

وبعد أن كرسنا جهودنا في النطاق المحلي اتجهنا إلى توسيع نطاق نشاطنا الإسلامي، وبدأنا في تنميته من خلال استضافة العلماء والمحاضرين، وعندئذ أصدرنا مجلة "الإرشاد الإسلامي" ودعونا الأخ البشير الإبراهيمي نائب الشيخ عبدالحميد باديس رحمه الله زعيم الحركة الإسلامية التي أنقذت الجزائر من الانسياق وراء فرنسا لغوياً وفكرياً؛

وألقى الشيخ الإبراهيمي العديد من المحاضرات القيمة في الكويت والخليج وحضرتها أعداد كبيرة من الناس، كما دعونا الأخ الفضيل الورتلاني وهو من الشخصيات الجزائرية أيضاً، وكان محاضراً لبقاً وخطيباً مفوهاً، وقد دعونا المجاهد التونسي محيي الدين القليبي والشيخ مصطفي السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية وغيرهم وقد أسهم هؤلاء العلماء المحاضرون في تنمية الحركات الدعوية الإسلامية في الكويت، وهنا ثارت ثائرة كثير من القوى التي يقف خلفها الاستعمار فتمكنا بفضل الله من إحباط مخططاتهم، واستطعنا أن نسيطر على الساحة تقريباً، إلى أن جاء المد الناصري الاستعماري الذي وقفت خلفه قوى استعمارية وساعدته على الانتشار.

إن تكويني الفكري والثقافي تشكل من خلال اتصالي بالناس وقراءة الكتب وحضور مجالس العلم والاحتكاك بالعلماء، خاصة قادة جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأس هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا الذي التقيته مع أخي عبدالعزيز في المدينة المنورة ومكة المكرمة (1365ه 1946م)

وحضرت له محاضرة في المدينة المنورة وأهدى لي كتاب "الرحلة الحجازية" وكتب الإمام البنا بخط يده على الكتاب ذكرى اللقاء المبارك في الحرمين الشريفين، وبعد هذا التاريخ بحوالي 60 عاماً زارني ابنه المستشار سيف الإسلام حسن البنا بالكويت، وقصصت عليه ما حدث واطلع على الكتاب الذي مازلت أحتفظ به فصور الصفحة التي عليها إهداؤه وتوقيعه واسم الكتاب.

وما زلت أحتفظ بمحاضر جمعية الإرشاد آنذاك وهي بخط الأخ محمد العدساني الذي كان أمين السر، وكان معنا الأخ عبدالله سلطان الكليب في قيادة الحركة، ومنذ ذلك التاريخ وأنا مع إخواني الدعاة العاملين اليوم أنظر إلى إنتاجهم بفرح عظيم.

فالحركة الإسلامية في الكويت تمتلك مؤسسات جادة تعمل في ميادين مختلفة لصالح أبناء الوطن. ورغم المد الفكري الوافد من الشرق والغرب نشطت الحركة الإسلامية وأثبتت قدرتها على أنها التنظيم الوحيد على الساحة العربية والإسلامية القادر على تحقيق آمال الشعوب، برغم ما واجهته من تضييق عبر حكام موالين للغرب تارة وللشرق تارة أخرى.

الغزو الامريكى على العراق

إن الغزو العراقي للكويت لم يكن وليد الصدفة، بل كان مخططاً له منذ سنوات طويلة من قبل القوى الأجنبية التي لها استراتيجيات مدروسة في المنطقة، فقد خططت هذه القوى لهذا الغزو الغاشم ودفعوا حاكم العراق الظالم صدام حسين لارتكاب هذه الجريمة النكراء، وكان الغرب قد جاء بهذا الطاغية المغرور إلى حكم العراق وقد استفاد منه في تدمير الأمة، وتقطيع أوصالها؛

وكان الهدف من هذه المؤامرة الكبرى، العمل على إيجاد قواعد أجنبية في المنطقة والتواجد قرب منابع البترول وتدمير الآلة العسكرية الضخمة في العراق،وفي الوقت الذي لم تكن هناك قوى لردع هذا النظام الغاشم جاء الجيش الأمريكي وفق خطة مرسومة ومعروفة وطرد القوات العراقية وحطم أسلحتهم العسكرية.

ولا نستطيع أن ننكر أن القوى الأمريكية والأوروبية وحليفاتها التي جاءت للكويت كانت لها غايات وأهداف مرسومة ومعروفة، وبالفعل تحقق لهم ما أرادوه من طرد صدام ومحاصرته وشل حركته وبناء قواعد عسكرية لهم في المنطقة والتحكم في نفط العراق ووارداته، حتى أصبح العراق مشلول الحركة، ومنذ ذلك التاريخ "مطلع التسعينيات" وهذه القوى تعد لغزو العراق مجدداً وبالفعل قامت باحتلاله واعتقال رأس نظامه البائد، وبطانته السيئة، تلك العصبة الباغية، وهم الآن رهن الاعتقال والمحاكمة في وضع مهين جراء ما اقترفته أياديهم الآثمة ضد شعبهم وجيرانهم.

ولقد كان لقيادة جماعة الإخوان المسلمين بمصر مواقف مشرفة، حيث أبدوا استعدادهم وتأييدهم للقضية الكويتية بعد حفل عشاء أعدوه لنا ولإخواننا الذين كانوا معنا. وبعد عودتنا من القاهرة، بدأنا نخطط لمؤتمر جدة وكان لأعضاء جمعية الإصلاح الاجتماعي دور طيب ومرموق في هذه الفعالية التاريخية، وكذلك عموم الإخوة الكويتيين الموجودين في جدة وقد حصل خلاف بين الشيخ سعد وعبدالعزيز الصقر كاد أن يؤدي إلى فشل المؤتمر، فتدخلت في الأمر ودعوتهم لتقديم مصلحة الكويت العليا على ما عداها والتوقف عن هذا الخلاف، واستجاب الجميع جزاهم الله خيراً إلى ندائي، وتم المؤتمر بنجاح والحمد لله.

ووصيتي للدعاة والمؤسسات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية أن تواصل الدعوة الحالية بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن والاهتمام بنشر الوعي والثقافة الإسلامية وعدم استعجال النتائج، فالإسلام يرفض جميع أشكال العنف الفردي والجماعي والرسمي، وأية محاولة لإلصاق الإرهاب بالمتدينين هي صناعة أجنبية، الهدف منها تشويه الدين الإسلامي والحقيقة التي يعرفها الجميع أن الإسلام يدعو إلى السلام ومعاملة الناس بالحسنى والمجادلة بالتي هي أحسن ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله.

إن الإسلاميين لا يسعون إلى الحكم لأنهم ليسوا طلاب سلطة، وإنما يريدون أن يحكم الحكام بشرع الله، فغاية الإسلاميين الاحتكام إلى الكتاب والسنة، في جميع شؤون الحياة ومجالاتها، ولابد أن يعلم الجميع أن الإسلاميين هم أولى الناس في الحرص على الحريات وحقوق الإنسان لأن الإسلام كرّم الإنسان وكفل له حقوقه وفرض عليه واجبات.

وإنني أقول: إن الإرهاصات والمبشرات تبعث على الأمل والتفاؤل، فهناك قرائن عديدة تدل على الإقبال على التدين والتمسك بالإسلام ومنها: انتشار ظاهرة الحجاب بين الفتيات، وإقبال الشباب والشابات على المساجد، وتحول البنوك الربوية إلى بنوك إسلامية، ونجاح الإسلاميين في كل انتخابات يخوضونها، والإقبال على العمل التطوعي والعمل على تلبية احتياجات المعوزين.

إن العمل الخيري عبادة لا يستطيع أحد وقفه أو تحجيمه. ومهما تكالبت عليه المؤامرات الغربية، فلن تنال منه فالعمل الخيري ماض إلى يوم القيامة وما يمارس ضده هو الإرهاب بعينه، بل ما يمارس ضده هو إرهاب ضد الفقراء والمساكين، وأنصح إخواني في قافلة الخير المباركة ألا يصغوا لحملات التشكيك وأن يستمروا في العطاء وألا يستجيبوا لأية ضغوط، وعليهم ألا تأخذهم في الله لومة لائم.

عندما التقيت الإمام الشهيد البنا وتعرفت عليه وجدت فيه من الصفات والسمات القيادية التي تؤهله لتحقيق غاية الإسلام ونشر دعوة الله في الأرض وإيقاظ الأمة من غفلتها وإحياء الإيمان المخدر في جنباتها، وحين استمعت إلى محاضرة له في المدينة المنورة زاد إعجابي بالرجل وبحسن عرضه وعمق فكرته وغيرته على الإسلام وتحمسه لمشروعه؛

وبينما كنت عائداً أنا وأخي عبدالعزيز إلى الكويت ، زارنا الإمام في بيتنا في المدينة مودعاً وأوصانا بالعمل لدين الله، فلقد كان الإمام البنا داعية من الطراز الأول وسياسياً فريداً وعالماً فذاً، ومصلحاً واعياً وإنساناً بسيطاً ومتواضعاً، وقائداً ذكياً، يفرض على كل من يلتقيه أن يعجب به ويعمل معه، فقد عرفته رجلاً يعمل للإسلام بصدق عاش من أجله، واستشهد في سبيله نحسبه من الصالحين ولا نزكيه على الله.

ولقد التقيت المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي وهنأته بثقة إخوانه ودعوت له بالتوفيق والسداد. ولقد قاد هذا الرجل الدعوة خير قيادة وعبر بها محنة عظيمة فكان نعم الخلف لنعم السلف، كما التقيته مرة أخرى على عرفات أثناء حجه الأخير بعد خروجه من السجن، فوجدته رجلاً قوياً حازماً صابراً محتسباً على البلاء.

أما المرشد الثالث عمر التلمساني فلقد التقيته عدة مرات في مصر وغيرها من البلدان وكذلك عندما زار الكويت، كما التقيت المرشد الرابع محمد حامد أبوالنصر في مصر وكان له دور واضح وملموس في الدفاع عن الحق الكويتي.

وأيضاً التقيت المرشد الخامس مصطفى مشهور مرات عديدة في الكويت وغيرها، كما عرفت المرشد السادس المستشار محمد المأمون الهضيبي، والتقيت أيضاً المرشد الحالي محمد مهدي عاكف، وهو رجل فذ كبقية إخوانه، ونحن ندين بالفضل لله ثم لحركة الإخوان المسلمين ودعوتها المباركة، ونسأل الله أن يعيننا جميعاً على العمل المخلص الصادق لإعلاء كلمته ويرزقنا الثبات".

عبد الله المطوع رجل الدعوة والمواقف والفضائل

من الناس مَن يعيش ويموت، ولا يحسُّ بعيشه أحد، ولا يبكي على موته أحد، فهو حي كالأموات، حاضر كالغائبين، وهو الذي قال في مثله الشاعر:

فذاك الذي إن عاش لم ينتفع به وإن مات لا تبكي عليه أقاربه!

ومن الناس مَن يموت، فتستريح الأرض من شره، ويتنفس الناس الصُّعَداء بموته، لما عانوه من ظلمه وعسفه ، وطغيانه على الخلق، واعتدائه على الحق، وانتهاكه للحرمات. فلا غرو أن يتمنى الناس هلاكه، وأن يدعو عليه سرا وعلانية: أن يريحهم الله منه، فإذا هلك قرأوا قول الله تعالى:

{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]،

وهذا شأن الفراعنة والجبابرة المستكبرين في الأرض بغير الحق، والذين نزل فيهم قوله تعالى:

{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان:25-29].

وهناك مَن يموت فيترك فراغا هائلا بموته، تبكي عليه الأعين، وتأسى له الأفئدة، وتهتف له الألسنة بالترحُّم عليه.

وهذا ما نحسُّ به اليوم، حين رحل عن عالمنا رجل الدعوة والخير والإصلاح، رجل المواقف والفضائل: إنه أبو بدر عبد الله علي المطوع: الذي غادر دنيانا صبيحة الأحد 10 شعبان 1427هـ الموافق 3 سبتمبر 2006م، عن ثمانين عاما حافلة بصالح الأعمال.

وهكذا غاض النبع الفياض الذي طالما ظلَّ يتدفق بالخير والبذل والعطاء نحو ستين عاما، يبذل من نفسه ووقته وجهده وماله في سبيل قضايا الإسلام وأمته، ومطالب دعوته، ونصرة شريعته، وتوحيد أمته، وإحياء حضارته.

وانطفأت الشعلة المُتَّقدة التي ظلت متوهجة، ترسل أشعتها نورا ونارا: نورا لطالبي الهداية، ونارا على دعاة الغواية.ونفد زيت السراج الذي ظل يبعث نوره ليضيء الطريق للحائرين.

إنه أبو بدر رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت، ورئيس مجلس إدارة مجلة (المجتمع) المعروفة بمواقفها الشجاعة، وصراحتها في نصرة الحق، ومقارعة الباطل.

إنه القاسم المشترك وراء كل عمل خير يسعى لمعونة أولي الفقر والحاجة من المسلمين، أو لسدِّ الثغرات التي يحتاج إلى سدِّها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فهو أبو الفقراء، وملاذ أصحاب المشروعات الإسلامية والإنسانية.

وهو قِبلة كل مَن يأتي إلى الكويت لطلب المساعدة في المشروعات الخيرية والإسلامية من كل أقطار العالم. ولقد عَرَفته منذ نحو 45 خمسة وأربعين عاما تقريبا، فما عَرَفت فيه إلا الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والبذل في سبيل الله، والمشاركة في كل عمل نافع، لنصرة الإسلام ، ونشر رسالته، والنهوض بأمته، رأيته في بيشاور في محاولات الإصلاح بين الإخوة المجاهدين في أفغانستان ، ورأيته في فرنسا في افتتاح الكلية العلمية الإسلامية، ورأيته في مؤتمرات شتَّى تعمل للإسلام، ولدعوة الإسلام ، وحضارة الإسلام .

وحسب أبي بدر عندي فخرا: أنه كان أول من ساند دعوتي لإقامة مؤسسة تحافظ على الوجود الإسلامي للأمة في مواجهة خطة التنصير التي قرَّرها المنصرون الأمريكان الذين اجتمعوا في ولاية كولورادوا سنة 1978م في مؤتمر قرروا فيه: تنصير المسلمين في العالم، ورصدوا لذلك ألف مليون دولار، جمعوها في الحال، وأنشأوا لذلك معهدا سموه معهد (زويمر) لتخريج مبشرين متخصصين في تنصير المسلمين.

وحين ناديت في الجلسة الختامية لمؤتمر المصارف الإسلامية الذي انعقد في الكويت بضرورة تأسيس هذه المؤسسة أو الهيئة، ورشحت أمينا عاما لها: الشيخ يوسف جاسم الحجي، وطلبت من الحضور أن يكونوا أول المساهمين في إنشاء هذا الكيان المنشود.

وهنا لا أنسى موقف أبي بدر رحمه الله، وغفر له وجعل الجنة مثواه، الذي أقبل عليَّ، وهمس في أذني قائلا:

إني أتبرع لهذا المشروع بمليون دولار، أودعها لحسابه في بيت التمويل الكويتي، وأرجوك ألا تعلن عن اسمي. ولقد وفقتَ كل التوفيق في اختيار يوسف الحجي لهذا الأمر، فهو الرجل الذي يُجمع الكويتيون على صدقه واستقامته وإخلاصه والرضا عنه. وهذا من بشائر الخير لفكرتك.

وكانت هذه الخطوة بشرى بنجاح دعوتي، وقد بادرت بالإعلان عن التبرع بمليون دولار، دون أن أذكر اسم المتبرع كما طلب. ثم لم تمض مدة حتى عرف الناس من هو صاحب المليون.ولم يكتف أبو بدر بذلك، بل ضم إلى المليون عمارتين من عماراته أوقفها لصالح المشروع.

وكان أبو بدر عضو اللجنة التحضيرية التي قامت بالإعداد للمشروع الكبير، مع يوسف الحجي، وسليمان الراجحي، وعبد الله العقيل، والفقير إليه تعالى. حتى تأسست الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وقامت بدورها الخيري والإنساني في العالم الإسلامي والعالمي.

وكان أبو بدر ضمن الوفد الذي قرَّر مجلس الإدارة أن يمرَّ على دول الخليج وعلى أمرائها، وأن يعرض عليهم الفكرة، ويشرح لهم أهدافها، وأنها لا تتدخل في السياسة، وإنما تحاول حماية المسلمين ممن يحاول تغيير عقيدتهم، واستلاب هُويتهم.

وفعلا كان الشيخ الحجي وأبو بدر من الكويت ، والشيخ عبد الله الأنصاري والفقير إليه تعالى من قطر ، والشيخ عيسى بن محمد آل خليفة من البحرين. وقد مررنا على أمير قطر السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، ورحب بنا كل الترحيب، وأذن لنا بفتح حساب في قطر لجمع التبرعات لحساب الهيئة.

وكذلك التقينا بأمير البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سليمان آل خليفة، فاحتفى بنا غاية الاحتفاء، ووعدنا بأن يُذلِّل الصعاب أمامنا.ولم يُفتح الباب لنا في الإمارات ولا في المملكة ولا في عمان.

وكان أبو بدر منذ نشأت الهيئة وحتى لقي ربه من أعمدتها الراسخة، ودعائمها الشامخة، كان عضو مجلس إدارتها، وعضو لجنتها التنفيذية وأمين المال لها، والساعد الأيمن لرئيسها، وسند العاملين فيها.

وكان هذا شأنه مع كل مؤسسة خيرية، وكل جمعية إسلامية، يشدُّ أزرها، ويسند ظهرها، وينهض بها إذا تعثرت، ويقويها إذا ضعُفت، ويزيدها قوة إذا اشتدَّت، ويمدها بالغذاء والوقود، حتى تنطلق إلى الأمام، وتستمر في انطلاقها وحركتها.

كان كذلك مع الهيئات العاملة في الكويت، لجنة مسلمي إفريقيا، ولجنة مسلمي آسيا، ولجنة المناصرة للقضية الفلسطينية.وأشهد أني ما قصدته في عمل خيري أو دعوي إلا كان عند حسن الظن، ما تلكَّأ ولا تردَّد مرة من المرات، وكأنما قصده الشاعر بقوله:

ما قال لا قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه (نعمُ)

حينما دعوت إلى تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قلت له: لن نستغني عن مساعدتك عندما ندعو إلى أول جمعية عمومية. قال: أنا حاضر، وأنا معك بقلبي وما أملك، وثق أننا جنود لك في مشروعاتك الكبرى، كما كنا معك عند دعوتك لتأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وكما كنا معك عندما دعوت إلى تأسيس موقع: (إسلام أون لاين).

وكان الرجل عند وعده، فأرسل إليَّ مبلغا طيبا مع الأخ الجليل الدكتور عجيل النشمي حفظه الله، وقال: ما احتجتم إلى زيادة فأنا حاضر. وذلك في أول اجتماع عقدناه في لندن في صيف سنة 2004م.

وفي آخر جلسة أقمناها في استانبول في شهر يوليو (تموز) الماضي (2006م)، لم يبخل علينا بما نحتاج إليه، ووعد بالمزيد.

وكنت أبعث إليه ببعض رسائل التوصية لبعض طالبي المعونات، وأصحاب المشروعات من قارات الدنيا المختلفة، فلا يخرج أحد من عنده إلا مرضيًّا، رغم كثرة الطالبين، كما قال الشاعر:

يزدحم الناس على بابه
والمنهل العذب كثير الزحام

وقد بارك الله له في ماله، ما ورثه وما كسبه، وما تركه والده له من وصية، فكان كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: "نِعِمَّا المال الصالح للمرء الصالح".


وكما قال الشاعر:

هو البحر من أي النواحي أتيتَه
فلجَّته المعروف والجود ساحله

تراه إذا ما جئته مـتـهـللا

كأنك تعطيه الذي أنت سائلـه

ولو لم يكن في كفه غير روحـه

لجاد بها فليتق الله سائـلــه

وكان كل زائر للكويت من طلاب الخير، يبدأ بزيارة أبي بدر، وكان هو على رأس قائمة من أهل البر والخير والإحسان في الكويت ، فإذا وجدوا أبا بدر قد بدأ، كانوا على إثره، فهو أيضا يتحرى حين يعطي، ولا يبذل لكل من هبَّ ودبَّ، فما أكثر الدجالين في هذا المجال، وقد بلوتُهم بنفسي، وتبين أن هناك محترفين في استخراج الأموال، وهم لا يستحقونها.

لم يكن عبد الله المطوع مجرد رجل من ذوي الثراء، أو كما يقولون (ملياردير) فقد عاش عمره صاحب دعوة، وحامل فكرة، وجندي رسالة، نذر لها عمره، ووهب لها وقته وماله وفكره.

فلم يشغله ماله عن دينه، ولم تُلهه ثروته عن دعوته، بل كان كما وصف الله روَّاد بيوته، حين قال:

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (النور:36-38).

لقد آمن بدعوة الإخوان المسلمين منذ فجر شبابه، وأخلص لها، وعاش فيها، وعاشت فيه، وكان من قياداتها المحلية والإقليمية والعالمية. ومع هذا عاش في الدعوة بروح الجندي المتواضع، لا بعقلية القائد المتعالي. فهو مع إخوانه كواحد منهم، بل لا يرى نفسه إلا دونهم.

لقد عَرَف مرشديها جميعا وعَرَفوه، بدءًا من الإمام حسن البنا ، الذي لقيه في موسم الحج 1946م، وكان عمره عشرين سنة، ثم تعرَّف على الأستاذ الهضيبي والأساتذة التلمساني وأبي النصر ومشهور والهضيبي الثاني، إلى الأستاذ المهدي عاكف، وكان نِعمَ المُعين لهم.

ولقد اشتركت معه لعدة سنوات في التنظيم العالمي للإخوان قبل أن استعفى منه بل قبل أن ينشأ التنظيم بصفة رسمية، فكان يمثل القلب المتحرِّق، والوجدان الحي، والإرادة الصادقة، لتجاوز المشكلات، والبحث عن الحلول، والتطلُّع إلى الأفق الأعلى، يظل الساعات الطوال معنا، بل الأيام والليالي، ولا يقول ما يقوله رجال الأعمال عادة: إن الوقت عنده من ذهب، وكل دقيقة تمضي يستطيع أن يكسب فيها ألوفا من الدراهم أو الدنانير. بل يرى أن وقته يجب أن يكون لله قبل أن يكون للتجارة والمال. شعارُه:

{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163،162].

وكنا كثيرا ما نختلف فكريا حول بعض المواقف، فهو رجل مسلم محافظ، يمثل المحافظة، ولا يحب الخروج عليها. وقد تأثر إلى حد ما بتشدد إخواننا السلفيين في عدد من القضايا.

ومن ذلك: موقفه من قضايا المرأة، فقد كان موقفه مع المتشددين، حتى إنه وقف ضد توجه أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد، وأيَّد الذين منعوا المرأة أن يكون لها صوت في الانتخاب، ناهيك أن ترشِّح نفسها لمجلس الأمة.

وقد اتصلتُ به هاتفيا من قطر، وحاولتُ أن أقنعه ليعدِّل من رأيه، وأن هذا ما تدل عليه النصوص الصحيحة الثبوت الصريحة الدلالة، وما تهدي إليه مقاصد الشريعة، وما يردُّ عن الإسلام تهمة إهمال شأن المرأة والاستهانة بها، على أن الأمور الاجتهادية والخلافية إذا رأى فيها ولي الأمر رأيا رفع الخلاف، فلماذا تخالفون أمير البلاد في أمر خلافي؟

وسكتَ أبو بدر حينما كلمتُه، ولكنه لم ينثنِ عن رأيه، وظلَّ مخالفا لأمير بلاده، لأنه يؤمن بأن موقفه حق.وعندما أنشأنا (إسلام أون لاين): دعونا أكثر من مائة شخصية معروفة من أسماء العالم الإسلامي، ومن أوربا وأمريكا وغيرها، وكان فيها عدد من النساء من قطر والسعودية والخليج.

وحين اختار المجتمعون مجلس إدارة لهذه المؤسسة العالمية الوليدة: كان منه امرأتان، وكان أبو بدر من الرافضين لذلك. وحاول بما له من وزن ومنزلة: التأثير ضد هذا الرأي، ولكن التيار كان أقوى منه.

وبعد عودته إلى الكويت أرسل كتابا يرجوني فيه: ألا أقع في هذا الشَرَك: إدخال المرأة في مجلس الإدارة، فما لهذا خُلِقَتْ المرأة، ويلتمس مني مراجعة الأمر والتأنِّي فيه!ومع هذا الخلاف في مثل هذا الأمر، فلم يكن لينال من المودة والأخوة الوثيقة التي بيننا مثقال ذرة. ما تغيَّر حبي له، ولا حبه لي.

وقد حضرتُ ندوة في القاهرة حول (فقه الإعلام) في بداية تأسيس قناة (اقرأ)، وكان لي في هذه الندوة كلمة في الافتتاح، ومحاضرة حول هذا الفقه المنشود، ورأيتُ أن هذا الفقه لا يمكن أن يتمَّ ويترسَّخ إلاإذا انبنى على قاعدتين أساسيتين:

  1. قاعدة التيسير، وهي قاعدة مُجمع عليها في الجملة، ثابتة بالقرآن والسنة. وإذا كانت لازمة في كل عصر، فهي ألزم ما تكون في عصرنا، وإذا كانت مطلوبة في كل شيء، فهي أكثر ما تكون طلبا في مجال الإعلام.
  2. والقاعدة الثانية: قاعدة التدرُّج، فهو سنة كونية وسنة شرعية، ولا بد لمَن يريد إنشاء إعلام إسلامي من التدرُّج.

وبهاتين القاعدتين: يجب أن نقبل الأعمال الدرامية، وإن كان لنا عليها بعض التحفظات، وأن نقبل وجود المرأة في التمثيل، وإن لم تكن كاملة الحجاب، وإلا تركنا الإعلام لغيرنا، وبقي إعلامنا مقصورا على المواعظ والأحاديث والحوارات الدينية والفتاوى الشرعية.

وتولَّتْ مجلة المجتمع الهجوم على ما قلتُه، وكتب الكاتبون يردُّون عليَّ من المتشددين والظاهرية الجدد، وفسحت لهم المجلة المجال، وردَّ آخرون يؤيدون وجهة نظري، فلم تسمح لهم المجلة بنشر ردودهم. وكان هذا بتوجيه من أخي وحبيبي أبي بدر، ثقة منه بأن هذا هو الشرع، وما عداه خروج عنه.

ومع هذا عذرته فيما فعل، وعاتبته حين لقيته بعد ذلك، واعتذر لي بلطف، وقال: إني أخشى مِن فتح ِهذا الباب، ألا يقف عند حد، ولا ينضبط بضابط من كتاب أو سنة.

كان الذي يجعلني أقبل مثل هذه المواقف المتشددة من أبي بدر: أنه كان رجل صدق، لا يحابي في دين الله، ويقف بالمرصاد لكل موقف باطل، ولكل طاغية مستكبر، وأصبحت مجلته (المجتمع) لسان الحق المر، والصدق الخالص.

كان صاحب مُثُل وفضائل، كلها تَنبُع من شعب الإيمان، فهو إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا أؤتمن أدَّى، وإذا عاهد وفَّى، وإذا خاصم أنصف، وإذا أعطي شكر، وإذا أُوذي صبر، وإذا أُسيء إليه غفر.

كان محبَّبا ومحترما بين مواطنيه حميعا، فقد كان في الكويت: السلفيون، والصوفيون، والمذهبيون، واللامذهبيون، والقوميون، والعلمانيون، والليبراليون، والماركسيون، وكانوا يخالفونه ويخالفهم، ولكنهم جميعا يحترمونه ويعرفون له فضله، ويقدِرونه قدره.

وكان كذلك في بلاد الخليج كلها، وهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ، وعضو المجلس العالمي الأعلى للمساجد، وكان أثيرا عند العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة العام.

عندما وقعت الواقعة، وغزا صدام حسين الكويت، وخرج أكثر أهلها منها، وكان هو بالخارج، وقد أمسى أغلب الكويتين الذين كانوا يملكون الملايين ما بين عشية وضحاها (أبناء سبيل)، فقد تركوا أملاكهم في وطنهم، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، وأصبح دينارهم الذي كان من أقوى العملات العالمية لا يكاد يساوي شيئا في دنيا الصرف وسوق العملات.

وكان لدى أبي بدر فضل مال في الخارج، رصده لمعونة المحتاجين، وإيواء المشردين، والعمل على تنبيه الرأي العام العربي والإسلامي لمساندة قضية بلده، وكم سافر من بلد إلى آخر، لشرح القضية الكويتية، ويتصل بالإسلاميين في سائر الأقطار ليحشدهم لنصرة الكويت.

ولم يبال بما قد يسببه له هذا من أضرار على ممتلكاته في الكويت، من الجيش الذي يملك ناصية كل شيء داخل الكويت.وفعلا تعرضت محلاته ومتاجره ومعارضه ومخازنه للنهب المنظم، فحملت عشرات السيارات ومئاتها كل ما استطاعوا من بضائع، والرجل يتاجر في كل شيء.

ولم يفتَّ ذلك في عضده، ولم يوهن من عزمه، بل قابله بصبر جميل، وثقة بأن الله سيعوضه خيرا مما أخذ منه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (لأنفال:70).

وقد سمعت أبا بدر بعد حوالي سنة من انتهاء الغزو ودخول الكويت ودوران دولاب العمل من جديد، سمعته يقول: لقد عوضني الله في هذه المدة اليسيرة عن كل ما خسرته في تلك الغزوة الشريرة.

كان من يرى أبا بدر يدقِّق في البيع والشراء، ويحرص على ألا يضيع حقا له، ربما يتوهمه رجلا بخيلا، وهو وهم خاطئ. فقد كنا معا في أحد الفنادق، وطلب لنا فطورا مشتركا، وكان من بين مواد الإفطار أحقاق من العسل، وقد بقي منها أربعة لم يمسسها أحد، فقال: نحن دفعنا ثمنها، فلا نتركها!ومع هذا هو الذي يبذل الملايين في سبيل الله، ويقف الأوقاف الكبيرة لله.

مما أعرفه عنه: أنه كان حريصا على إخراج الزكاة ، لا يؤخرها عن وقتها، بل قد يُعجِّلها أحيانا لسدِّ حاجات لا بد منها، وهو أمر مشروع. وكان يحسب زكاة العمارات التي يؤجرها، وفقا لما رجَّحتُه في كتابي (فقه الزكاة) وهو 10% عشرة في المائة، أو العشر من غلتها بعد حسم النفقات، من الضرائب والصيانة ونحوها.

لقد مات أبو بدر ولم يمت، ورحل عن دنيانا ولم يرحل، فهو حي باق بآثاره ومآثره، وبالباقيات الصالحات من أعماله في مساندة المشروعات العلمية والفكرية والتعليمية والدعوية والاجتماعية والاقتصادية في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وفي الأقليات الإسلامية حيثما كانت.

فهذه الباقيات الصالحات تخلِّد في الناس ذكره، وتجعل له لسان صدق في الآخرين، وتضيف له أعمارا أخرى بعد عمره الرسمي المحدود، كما قال شوقي:

دقات قلب المرء قائلة لـــه
إن الحياة دقائـق وثوان!

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان!

كان أبو بدر من الرجال الأفذاذ الذين يجود بهم القدر ما بين الحين والحين، ليسدُّوا الثغرات، ويؤدوا الأمانات، وينصروا رسالات الله، لذا أراه للحركة الإسلامية، كأنما هو ابن عوف أو ابن عفان للدعوة المحمدية.

ولهذا لا نعجب إذا ذرفت عليه العيون عبرات، وذهبت النفوس حسرات، وتوقدت القلوب جمرات.

لعمرك ما الرَّزية فقد مال
ولا فرس يموت ولا بعير!

ولكن الرَّزيـة فقد حــر

يموت بموته خلق كثيــر!

وحسبك دلالة على حسن خاتمة هذا الرجل الذي لا نزكيه على الله، أنك لا تجد رجلا من أهل الدين والصلاح إلا أثنى عليه خيرا، وألسنة الخلق أقلام الحق، والناس شهداء الله في الأرض.

روى الشيخان، عن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبت". ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: "وجبت". فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض"2.

وفي حديث آخرعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين: أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم -أو قال: شهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون"3.

فكيف بمن شهد له الألوف من عباد الله الأخيار؟

رحم الله أخانا وحبيبنا رجل الدعوة، ورجل البر، ورجل الإصلاح، رجل الكويت ، ورجل الخليج، ورجل العرب، ورجل الإسلام ... وغفر الله له، وأسكنه الفردوس الأعلى، وتقبله في عباده الصالحين، وفي السابقين المقربين، وجزاه عن دينه ودعوته وأمته خير ما يجزي العاملين الذين أخلصوا دينهم لله، وأخلصهم الله لدينه، وإنا لله، وإنا إليه راجعون.

  1. رواه أحمد في المسند (17763)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي شيبة في المصنف كتاب البيوع (4/467)، وابن حبان في صحيحه كتاب الزكاة (8/6)، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم، والطبراني في الأوسط (3/291)، والحاكم في المستدرك كتاب البيوع (2/3)، وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب باب التوكل (2/91)، عن عمرو بن العاص.
  2. رواه البخاري (1367)، ومسلم (949)، وأحمد في المسند (12837)، والترمذي (1058)، والنسائي (1932)، وابن ماجه (1492)، كلهم في الجنائز، عن أنس.
  3. رواه أحمد في المسند (13541)، وقال محققوه: إسناده ضعيف، وأبو يعلى في المسند (6/199)، وابن حبان في صحيحه كتاب الجنائز (7/295)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح بشواهده، والحاكم في المستدرك كتاب الجنائز (1/534)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب باب إكرام الجار (7/86)، عن أنس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح (3/82)، قلت: ويؤكد معنى الحديث ما جاء في الصحيح: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"، فمن ابتلي ببعض المعاصي ولكنه استتر ولم يتبجح، كان في مظنة عفو الله ومغفرته (المنتقى:2193).

قيل عنه

ويقول الشيخ أحمد القطان حفظه الله، الذي تربطه به صلة إخوة ورحم:

رافقته في الصيف خلال السنوات الأربع الأخيرة، فرأيته يحرص على صلاة الفجر، ويُحضر جميع أبنائه ويكون من أول الناس حضوراً إلى المسجد، ثم يجلس يستمع إليَّ في درس الفجر إلى الشروق كل يوم، ثم يصلي صلاة الضحى، ويدعو كل مَنْ في المسجد على مائدة إفطاره، ثم نتحدث معه في أمور الأمَّة، فيُهدي إلينا الكتب والرسائل المطبوعة ويردُّ على المكالمات، وكان له في ديوانه في "أبها" بالسعودية لقاء ثابت كل ثلاثاء، يحتشد فيه الشعراء والعلماء والخطباء والأدباء، ويُدلي كل واحد منهم بدلوه.
وفي الصيف الأخير، لم يكن لنا حديث إلا عن القدس والأقصى ولبنان ، يدافع عن الأمة وعن مقدّساتها ودمائها وأعراضها، فكان يحمل همها، ويبكي في الليل والنهار على الأرملة واليتيم والمسكين والفقير، ويقول: "يا ليتني تصلني أخبارهم كلهم وبإمكاني أن أقضي حاجاتهم وأسدّ عُوَزهم".

ويضيف الشيخ القطان:

"ذهبت معه إلى السوق لنشتري شيئاً، فوقفنا عند البائع، فسأله "أبوبدر": بكم هذه؟ قال: بخمسة ريالات، فقال الشيخ المطوع: بأربعة ورفض البائع، فتركه وذهب إلى آخر، فسأله عن ثمن البضاعة نفسها، فقال: بأربعة، فاشتراها.
فقلت له تترك البائع الأول على ريال؟ فردَّ: نعم، هكذا تكون التجارة، وهكذا تكون المروءة في البيع والشراء، ثم ركبت معه السيارة وذهبنا لصلاة الظهر في المسجد، فقال: "اجلس يا شيخ أحمد حتى تشهد أنني أوقفت الآن سبع عمارات في منطقة "خيطان" وهي أكبر ثروة عندي في البلد وتقدّر بالملايين للأرامل واليتامى والمساكين والفقراء في أرض مصر وغيرها من الأمة العربية".
ويواصل القطان: "تعجّبت لذلك، كيف أنه يراجع البائع على ريال، وفي اليوم نفسه يُوقف سبع عمارات بالملايين.. ما هذا؟! إنه ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر".
واستحق العم "أبوبدر" أن يكون "أبا الأيتام"، حيث تكفُل جمعية الإصلاح الاجتماعي التي أسَّسها وترأسها أكثر من 50 ألف يتيم، بالإضافة إلى إنشاء المدارس ودور الرعاية وآلاف المخابز، كما كانت الإغاثات السريعة تنطلق بأمره حتى أصبح رجلاً عالمياً مميزاً في أعمال الخير وكفالة طلاب العلم.
أما في حياته الخاصة، فقد كان أزهد الناس، بسيطاً غير متكلِّف، يجمع أبناء الحي صغاراً وكباراً، ويُحضر الأطفال إلى أهله لتحفيظ القرآن الكريم طوال أيام الأسبوع، ولا يتضايق من وجودهم في بيته، وإذا همّوا بالخروج يعطيهم بعض المال تشجيعاً لهم على حفظ كتاب الله. وفي نهاية موسم الصيف، يعقد لهم مسابقة في حفظ القرآن الكريم، وينظِّم احتفالاً يمنحهم فيه الهدايا والمنح.

ويضيف الشيخ القطان:

"رأيته عن قرب، ويحيط به الفقراء والمساكين عقب كلِّ صلاة، فيجلس على كرسي في باحة مسجد قريب من بيته في "أبها"، هذا يقدِّم عريضته، وذاك يقترح مشروعاً للأيتام، وآخر يعرض مشروعاً لتحفيظ القرآن في اليمن ومصر وسورية ولبنان ، فيتلقاهم بالترحاب والابتسام..
رأيته أريحيّاً في خروجه معنا هناك في غابات "أبها"، يبذل للناس من المال ما يسدُّ العوز، أينما تحرك يتبعه الناس، ورأينا منه دماثة الأخلاق، يفرح لفرح الأمَّة ويحزن لحزنها، ويتابع أحداث العراق، حاملاً همَّ هذا البلد الذي احتلَّ الكويت ، ويحثُّنا على ألا ننسى إخواننا فيها، ويقول احذروا من تقسيم العراق ، فإن تقسيمه لثلاث دول، سيعقبه السعودية ثم السودان فمصر.
وكان من أسمى أمانيه أن يصلي في القدس والأقصى، وقبل نكسة 1967م، كان مصيفه في القدس وما فارقها إلا بعدما احتلت، وهو يبكي عليها منذ تلك الساعة ويرجو أن يعود إليها وفوقها راية التوحيد خفاقة.
واتسم فكره السياسي بالعمق، وكان دائماً يميل إلى التوفيق وإصلاح ذات البين بين كل الأطراف، وكان يضع مصلحة الإسلام والوطن في المقدمة.
لقد كانت علاقات العم "أبوبدر" مع الشخصيات الإسلامية والعربية علاقات متينة فلا يخلو مؤتمر إسلامي من مشاركته. وكان يرحمه الله داعماً قوياً للاقتصاد الإسلامي في كل مناشطه، حيث كان من أوائل العملاء والداعين لإنشاء المصرف الإسلامي وكذلك بيت التمويل الإسلامي

الوفاة

وافته المنية ظهر الأحد 3/9/2006م إثْر أزمة قلبية بمكتبه في مدينة الكويت و شيَّعت جنازتة الإثنين 4/9/2006م و دفن بمقبرة الصليبخات و شارك في تشييع الجنازة أكثر من 20 ألفًا من أهل الكويت ومحبيه من أنحاء العالم، يتقدمهم نائب الأمير وولي العهد الشيخ نواف الأحمد، ود. إسماعيل الشطي نائب رئيس الوزراء، ووزير الأوقاف د. عبد الله المعتوق، ووزير الأشغال بدر الحميدي، وأعضاء مجلس الأمة نواب الكتلة الإسلامية ورئيس مجلس الأمة بالإنابة د. محمد البصيري؛

وجمعٌ غفيرٌ من قيادات العمل الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين في الكويت والعالم العربي والإسلامي وممثلي المرشد العام لجماعة الإخوان د. محمد سعد الكتاتني والشيخ سيد عسكر، وعدد من سفراء دول العالم الإسلامي. وقد احتشد المشيعون بأعداد كبيرة؛ ما اضطرهم إلى أن يصلوا الجنازة ما يزيد على 15 مرة، وأقيم العزاء بديوان العائلة "القناعات" بضاحية عبد الله السالم.

المراجع

  1. مجلة المجتمع
  2. موقع العم بوبدر
  3. تشييع عبدالله علي المطوع إخوان أون لاين
  4. نعي المرشد العام الشيخ المطوع أحد الرعيل الأول لإخوان الكويت

ألبوم صور

الشيخ عبد الله المطوع
 

محمد-عبد-الحليم-الشيخ-أمام-المدخل-القديم-لجمعية-الإصلاح-عام-1964م-وعبد-الله-المطوع-،-وعمر-الدايل-،-وإبراهيم-أبو-جبارة-،-ومحمد-مطر

عمر-بهاء-الأميري-مع-عبد-الله-العلي-المطوع-(رئيس-جمعية-الإصلاح-الاجتماعي-)-بالكويت

عبد-الله-على-المطوع-

الشيخ-عبدالله-المطوع-في-اليسار-ومعه-الشيخ-عبدالمحسن-مبارك-العلي

عبدالله-المطوع

ابو-بدر-عبدالله-المطوع

الدكتور-أحمد-الملط-والدكتور-عبدالمنعم-أبو-الفتوح-والشيخ-عبدالله-العلي-المطوع-(الكويت



للمزيد عن الإخوان في الكويت

وصلات داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

.

.

من أعلام الإخوان في الكويت

وصلات خارجية

مواقع الإخوان في الكويت

وصلات فيديو