عبد الرحمن البنان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
عبد الرحمن البنان المجاهد المجهول

إعداد:موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين

مقدمة

الأستاذ عبد الرحمن محمد البنان اسم مجهول لدى قطاع كبير من شباب الحركة الإسلامية إلا أن بطحاء فلسطين تعرف جهاده على أرضها عام 1948م وهو ابن ستة عشرة عاما، كما تعرفه صحراء القنال حينما هب مع إخوانه للتصدي للمحتل الإنجليزي عام 1951م.

الميلاد

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
ولد عبدالرحمن البنان عام 1932م في حي المناصرة، في بيت مرفه حيث كان والده الأستاذ محمد البنان يعمل رئيس قسم في النيابة العامة، فيصف بيتهم في مذكراته فيقول:
" كان بيتنا الكبير ذو الثلاثة طوابق مملوءًا دائمًا بالخيرات تسكن جدتي لأبي في الطابق الأول، ويسكن عمي الشاب في الطابق الثاني مع عروسه، ونسكن نحن في الطابق الثالث..
أبي محمد أفندي أو (سي محمد) كما كانت تدعوه أمي بكلِّ احترام وتبجيل يعمل رئيس قسم في النيابة العامة؛ مما يجعله محط احترام أهل الحارة وإجلالهم، وكذلك لطيبة نفسه وتواضعه، ولكونه موظفًا مرموقًا في ذلك الحين ممدود القامة، وسيمًا، أنيقًا؛ ذا وجه جميل مشربا بحمرة خفيفة، له هيبة ظاهرة؛
ما إن يذهب في الصباح الباكر إلى الديوان حتى تدب الحركة، ويعلو صياحنا نحن الأطفال حتى يملأ البيت، وتبدأ أمي الحبيبة تلك الملاك الجميل، الباسم الوجه، المشرقة، المحبة -يومها بعد صلاة الفجر بتجهيز طعام الإفطار الشهي، وإيقاظ النائمين، ثم تبدأ في أعمال البيت بكلِّ همة ونشاط.
أمي مثال للطيبة ورضا النفس، لا تعرف معنى للشر ولا السوء، ولا تعرف إلا الخير وحب بيتها وأولادها والناس جميعًا..
وجهها مشرق مبتسم دائمًا لم نرها أبدًا غاضبة، ولم نسمع منها أبدًا كلمة جافية، كانت أقسى كلمة نسمعها منها حين يشتد صخب الأولاد، يقلبون عالي البيت سافله بشقاوة الأطفال «طيب يا أولاد، سأخبر أباكم حينما يعود من الديوان»؛
ولهذه الكلمة سحرها السريع، فيهدأ الجميع تحسبًا وتخوفًا، ولكن لدقائق معدودة ننسى بعدها ذلك الإنذار بإبلاغ الوالد بشقاوتنا؛
لأننا على يقين أنها لم تبلغه من قبل، ولن تبلغه أبدًا، وتعود الابتسامة الحانية إلى وجهها بعد أن نرجوها ألا تبلغ الوالد".
عبدالرحمن البنان شقيقا لأربعة أشقاء وهم فاطمة وعلي وعبد العزيز والصغير محمد.انتقل مع أسرته من حي المناصرة الذي ولد فيه إلى حمامات القبة وعمره عشر سنوات،

يقول في ذلك:

" لقد كان الانتقال إلى حمامات القبة من المنعطفات الهامة في طفولتي أو قُلْ في صباي المبكر؛ فقد كنت حينذاك في العاشرة من عمري تقريبًا
ذلك الانتقال أو قُلْ النزوح من حارتنا الصغيرة المزدحمة وبيتنا العتيق القديم إلى ذلك الحي الراقي وتلك «الفيلا» الأنيقة في حمامات القبة بجوار قصر القبة بحدائقه الغنّاء، والشوارع الهادئة ذات الفيلات الجميلة والحدائق المنسقة، كيف تمَّ هذا؟ ولماذا؟"،
حيث التحق بكتاب الحي أولا ثم مدرسة الزيتون الابتدائية ثم التحق بمدرسة القبة الثانوية.
تربى عبدالرحمن البنان في بيت يبغض الاستعمار حيث كانت والدته على فكر ومنهج الزعيم مصطفى كامل، وكان والده على نفس الشاكلة فيقول:
" كان والدي وصديقان معه يؤيدون هتلر واليابان وموسوليني، ويتمنون أن ينتصروا على الإنجليز المحتلين لمصر، وكان متعاطفًا مع انتصاراتهم وسعيدًا بهزيمة الإنجليز والحلفاء".
وقد حرص عبدالرحمن على حضور هذه الجلسات التي تجمع أباه بالمثقفين يسمع منهم حتى نمت وطنيته وبغضه الشديد للمحتل الانجليزي وأيضا الصهيوني، وكان عمره لم يتجاوز العاشرة آنذاك.

يقول عن هذا الموقف:

" سألت والدي: ومن يقطن فلسطين يا أبي؟ يقطنها يا ولدي عرب مسلمون مثلي ومثلك، سألت متعجبًا: ولماذا يتفق الإنجليز واليهود على حربنا وطردنا من بلادنا؟ قال لي: إن الكفر ملة واحدة، يا بني، هؤلاء هم أعداء الإسلام، وكل رجائهم هو القضاء علينا.
قلت: وما الحل يا أبي؟ ليس هناك حل إلا التمسك بديننا، وأن نقوي أنفسنا ونتحد، وبدون ذلك لا فائدة، حاول، يا بني، أن تقرأ وتعرف تاريخ اليهودية ومؤامراتهم، واقرأ عن الحروب الصليبية، واقرأ عن الأبطال المسلمين الذين دافعوا عن ديار الإسلام، مثل:
الظاهر بيبرس، وصلاح الدين الأيوبي، وكيف ردوا الصليبين عن ديار الإسلام، وكيف جمعوا الأمة صفًّا واحدًا، سأعطيك كتابًا بسيطًا للأولاد؛ لتتعرف على تاريخنا العظيم، يا بني".
وأثناء فترة الثانوية تعرف على أصدقاء كثيرين أمثال وائل شاهين وعبداللطيف دياب، والذين كانوا سندا له فى دعوة الإخوان وشاركوه حياته حتى توفي.

معرفته والتحاقه بالإخوان المسلمين

تعرف على دعوة الإخوان المسلمين عن طريق وائل شاهين وعمر شاهين أثناء إحدى الرحلات التي كانت تخرج لجبل المقطم لتدريب أفراد الجوالة، حيث يصفها بقوله:
" ركبنا الترام إلى العباسية، وذهبنا إلى مسجد معروف هناك اسمه «القبة الفداوية»، وهو مكان اللقاء، فلم نجد «وائل شاهين»، ولكننا وجدنا شبابًا في مثل سننا، يرتدون ملابس عسكرية، أو ملابس كملابس الكشافة (شورتات قصيرة كاكية،وقمصان كاكية أيضًا)؛
ويحمل البعض على ظهره جربنداي كالتي يحملها الجنود على ظهورهم، والبعض الآخر كان يحمل «زمزميات» مياه، معلقة على كتفيه، وكانوا يرتدون أحذية ثقيلة كأحذية رجال الجيش، وكانوا يتحدثون بجدية ورزانة، وليسوا مثلنا نتضاحك ونتصايح بصوت مرتفع، ونعلق على كلِّ شيءٍ، وتصدر منا تعليقات على كلِّ من حولنا، قال «لطفي» مازحًا: أخشى أن يكون هؤلاء الجنود هم مجموعة صديقك «وائل»، فقلت مستبعدًا:
لا أعتقد، وإن كنت قد أحسست إحساسًا داخليًّا أنهم هم، قارنت بين ملابسهم وملابسنا، فقد كنا نرتدي أجمل الثياب؛ قمصان بيضاء ناصعة، وبنطلونات نظيفة مكوية، وأحذية لامعة، وقارنت بين تصرفاتهم الهادئة المهذبة، وتصرفاتنا العابثة الصاخبة.
وأخيرًا قطع حبل تفكيري ظهور «وائل» ومعه شاب أصغر منه، ولكنه يشبهه، ويرتديان نفس ملابس هؤلاء الشباب (الملابس الكاكية، والأحذية الثقيلة)، حيَّانا «وائل» بابتسامته المشرقة، وعرَّفنا بأخيه «عمر شاهين» طالب في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية مثلنا، وعرَّفتهم بأصدقائي (لطفي، وعبد العظيم)
ثم عرَّفنا «وائل» ببقية الزملاء بسرعة، وكانوا جميعًا طلبة، وكان بينهم بعض شباب العمال، وما هي إلا دقائق حتى وقف الجميع صفًّا واحدًا منظمًا كطابور عسكري، لم نكن متعودين على هذا من قبل، بل كنا نحب الفوضى، وكنت دائمًا أردد:
لذيد الحياة ما كان فوضي...»، «ولكننا وبعد تردد وقفنا بجوارهم، ولم نرد أن نشذ عنهم، فكانت وقفتهم شامخة، عسكرية الطابع، وأدار وائل الطابور، ومشوا صفًّا منتظمًا شمال، يمين، شمال، يمين، والأيدي منتصبة منتظمة كبندول الساعة.. أما نحن، فقد مشينا في آخر الصف؛
وقد بادر «لطفي» و«عبد العظيم» بالنكت، ولكن بهمس، ويضحكون، وهم يكتمون ضحكاتهم، واستمر الطابور حوالي نصف الساعة، وبدأنا نتعب، ونظرنا وراءنا، فوجدنا «وفيق» يتهادى في مشيته، وأشار إليَّ بأنه سيعود إلى المنزل، وطلب مني أن أخبر «وائل» بذلك.
وأخيرًا وصلنا إلى سطح جبل المقطم، وابتعدنا عن العمران نهائيًّا، فأوقف وائل الطابور، وأعطى إشارة بالاستراحة قبل الصعود إلى الجبل، ونظرت إلى «لطفي» و«عبد العظيم»، وهما يكادان أن يلهثا من التعب، وقد جلسا أرضًا على الرمال بملابسهما النظيفة، فجلست بجوارهما، وهمست لهما: أين لسانك الطويل، يا عبد العظيم؟ وأين نكاتك، يا لطفي؟ فقال عبد العظيم:
تبًا لك يا عبدالرحمن، أهذه رحلة، أم معركة حربية؟! أين هذه الجنازة الصامتة من نزهاتنا؟! وقال لطفي: كنا نذهب للخضرة والماء والوجه الحسن، أما هذه الرحلة، فلم نر فيها إلا الصفرة والعطش ووجوه أصحابك الخشنة، وأضاف «عبد العظيم» متسائلاً:
اسأل صاحبك: هل سنبقى هنا، أم أنه سيجعلنا نصعد هذا الجبل الذي لا نهاية له؟ إنني لو صعدته ستكون نهايتي، وأنت المسئول عن موتي، جاءنا وائل، وجلس بجوارنا، وكان وجهه مشرقًا كعادته لا يبدو عليه أثر للتعب، وقال لنا بلطف: لا شكَّ في أنكم تعبتم؛ لأنها أول رحلة من هذا النوع، ولكنها رياضية لكلِّ الجسم، سألته:
هل ستصعد هذا الجبل، قال ضاحكًا: أجل هذا الجبل، وجبال أخرى كثيرة، إننا نريد أن نبعد عن جو المدينة الصاخب إلى الهدوء، ولنرى الأرض الواسعة بغير حدود،
وسأل عبد العظيم بأدب غير معهود فيه: ولكن ما فائدة كل هذا التعب؛ ألم يكن من الأفضل أن تقضي هذا اليوم في حديقة غناء أو بستان جميل؟ نظر إليه وائل مبتسمًا: إنك لن تحس بقيمة هذا التغيير إلا بعد أن نعود، وبعدها اسأل نفسك هذا السؤال، قال عبد العظيم معلقًا: إن الكتاب يظهر من عنوانه، وإنا ما زلنا في بداية الرحلة، وقد وصل بنا الحال، كما ترى، أجابه وائل مشيرًا إلى رفاقه:
انظر إلى هؤلاء الشباب، إنهم في مثل سنكم، ولكنك تراهم في غاية النشاط والقوة، إن كل شيء في أوله صعب.
ووقف وائل، وأطلق صفارته؛ فنهض الجميع صفًّا منتظمًا من جديد، ووقفنا بصعوبة في نهاية الصف، وقد كنت في الحقيقة متعبًا كصديقي، ولكني كنت متشوقًا لمعرفة المزيد، وكنت أخفي تعبي وأقاومه؛ حتى لا أبدو ضعيفًا، وبدأ الجميع في صعود الجبل الرملي بخفة وسرعة، أما نحن الثلاثة،
فقد غاصت أقدامنا، وملئت أحذيتنا المفتوحة بالرمال، ونال منا التعب كل منال وصلوا جميعًا إلى القمة، أما نحن، فما زلنا نحاول الصعود، وأخذ عبد العظيم يتمتم بغيظ:

«طيب يا عبدالرحمن، إنه مقلب من مقالبك، ربنا يعدي هذا اليوم على خير»، أما لطفي فقد توقف، وقال لي:

إنني لن أستطيع أن أكمل الرحلة معكم سأعود، فشجعته قائلاً: إنني متعب مثلك، ولكنه من العيب أن نكون أقل صبر وأضعف قوة من هؤلاء الشباب، اصبر يا لطفي لم يبق إلا القليل، كنت أخشى أن يسخر الشباب من عدم قدرتنا على مجاوراتهم؛
كما كنا نفعل دائمًا، بل العكس وجدنا منهم كل تشجيع، فقد هبط بعض الشباب، وحملوا عنا الأحمال التي معنا، وشجعونا بكلمات طيبة حتى أكملنا الصعود.
أخيرًا وصلنا إلى قمة الجبل، أخذ «عمر شاهين» شقيق «وائل» بيدي، أنا ولطفي، وقال لنا بأسلوب مهذب:
لقد تعبنا جميعًا في أول رحلة، فهذا شيء طبيعي؛ لأننا في المدينة لا نبذل هذا المجهود الكبير، خففت كلمة «عمر» ما نحن فيه من إحباط وتعب، وجلسنا لدقائق لنستريح، وأخذ شابٌّ رياضي يجمع كل الطعام من الجميع والمياه أيضًا، ويضعها في مغارة قريبة.
زال عنا التعب، ووقفنا لننظر إلى منظر رائع نراه لأول مرة، ها هي القاهرة بنيلها العظيم، ومنازلها، ومساجدها، وحدائقها، وأهراماتها، تبدو تحت الجبل بديعة، ما أبدع هذا المنظر وأجمله، وننظر خلفنا فنرى تلال المقطم بألوانها البديعة المتداخلة صفراء وحمراء وبنفسجية وخضراء، سبحان الخالق العظيم، ولقد أحسست أن الجمال ليس موجودًا في الحدائق فقط،
بل هناك جمال رائع في هذه الجبال، وهذا الامتداد، وهذا الاتساع، وهذا الجو النقي الطاهر، إننا، لا شكَّ، نفتقده في المدينة بغرفاتها وشوارعها ومنازلها وضجيجها وهوائها غير النقي".
بعد هذه الرحلة شعر عبدالرحمن البنان بالتغير في سلوكه وأفعاله، وحبه الشديد للجهاد فالتحق بجوالة الإخوان، وبعدها انتقل إلى المرحلة الثالثة من الثانوية، وبعدها بقليل كانت طبول الحرب تدق في فلسطين، فهب مجيبا نداء الجهاد، سواء وهو طالبا في المدرسة أو على أرضها،
حيث شارك في المظاهرات التي اندلعت من أجل فلسطين، كما أنه كان له وقفه قوية مع مدرس يهودي فيصف هذا الموقف بقوله:
"دخل الفصل مدرس اللغة الفرنسية كان اسمه «مسيو ألبير»، وهو رجل طويل يلبس نظارة سميكة، ووجهه الأحمر وأنفه المقوسة ينبئان أنه ليس مصريًّا، حتى لكنته المصرية لم تكن سليمة، لقد بدأ حديثه بالكلام عن المظاهرات التي يقيمها الطلبة، وأنها مضيعة للوقت، وأخذ يستطرد في تسفيه هذا العمل كنت شاردًا كعادتي
ولكنني انتبهت أشد الانتباه لكلامه، والذي أحسست أنه عدائي ومتحامل للغاية، ولما لم يرد أحد من الطلبة عليه؛ رفعت يدي بأدب لأتكلم، ولكنه تجاهلني، فوقفت وقلت له: «إن المظاهرات يا أستاذ «ألبير» تعبير منا عن الاستنكار والرفض لهذه المؤامرة التي تحدث في فلسطين»، فقال لي بتعالٍ: «أية مؤامرة تلك التي تتحدث عنها؟» قلت له بهدوء:

«مؤامرة تسليم فلسطين العربية لليهود»، فقال لي بحدة: «أوليس لليهود حق الحياة كغيرهم؟» أجبته:

«إنهم يعيشون آمنين في شتى بقاع العالم، ففي مصر يهود، وفي كل البلاد الإسلامية والعربية يعيش اليهود باطمئنان كامل، بل هم يملكون البنوك والشركات وأغلب اقتصاد البلاد»، أجابني: ولكن من حقهم أن يتجمعوا في بلد واحد»، قلت له:
«هل نبني سعادة اليهود على شقاء أصحاب البلاد الأصليين؟ هل تقبل أن يطردك بعض الناس من منزلك بحجة أن ليس عندهم مكان مريح يعيشون فيه؟ هل هذا منطق يرضى به إنسان؟» قال لي بإسلوب متعالٍ: «اجلس، والتفت لدورسك، ولا تتكلم في أشياء أكبر منك».
ساد الصمت الفصل، وقد تعجب زملائي من نقاشي هذا، وبعد طول صمت وسكون، واصلت نقاشي مع «مسيو ألبير»، وقد تصورت أنه لا بدَّ أن يكون يهوديًّا ليتكلم بهذا المنطق المقلوب، وبهذه الحدة وهذا الاستفزاز، قلت له:
إنني يا أستاذ «ألبير» رددت على تسفيهك لتعبيرنا بل تعبير مصر كلها عن الاستنكار لهذه المؤامرة بالمظاهرات السلمية التي نرفض فيها ما يحدث، وتعجبت من قلبك للحقائق، ودفاعك عن اليهود المغتصبين، فقال لي بغضب شديد:
اصمت واخرج من الفصل فورًا، وحدث هرج ومرج في الفصل، ووقف بعض التلاميذ، وقالوا للأستاذ «ألبير» بشجاعة: إن زميلنا لم يخطئ، إنه يناقشك في أمر يهمنا جميعًا،ونحس به جميعًا، فلماذا تطلب منه مغادرة الفصل؟
احمر وجه الأستاذ، وبدأت يداه ترتعشان، وهاج وماج، وطلب من الزملاء الذين دافعوا عني الخروج من الفصل أيضًا، وتأزم الموقف، وأصبحت أمام أحد أمرين، إما أن أخرج من الفصل، وفي هذا اعتراف مني أنني مخطئ، وفيه تخلٍ عن زملائي الذين أيدوني، بل عن الفصل جميعًا، والذي أحسست أن مشاعرهم كلها معي، فقلت للأستاذ بكلِّ ثقةٍ:إنني لن أخرج من الفصل، ولن يخرج أحد معي؛
أولاً: لأنني لم أرتكب خطأً واحدًا،
ثانيًا: لا بدَّ أن تعتذر للفصل كله؛ لأنك سفهت مشاعرنا، وأهنت قضية قومية ووطنية نؤمن بها جميعًا -نحن العرب- فصاح الأستاذ «ألبير» وجسده كله يهتز:
«عرب جرب، عرب جرب»، فقلت، وأنا أتمالك نفسي: «لا يقول هذا إلا عدو أو يهودي، فهل أنت يهودي يا أستاذ «ألبير»؟» فصاح خارجًا عن وعيه: «أجل أنا يهودي، اخرج يا عربي من الفصل»، وهجم عليَّ محاولاً طردي من الفصل، فأمسكت بالدواة المملوءة بالحبر،
وهددته بها ليبتعد عني، ولكنه استمر في الهجوم عليَّ بشراسة، فألقيت بالدواة عليه، وتحول الأستاذ «ألبير» إلى مهرج، وقد امتلأ وجهه وملابسه بالحبر، وضجَّ التلاميذ بالضحك، وانهار الأستاذ «ألبير»، وقد فقد هيبته، وآثار الضحك عليه.
تألمت كثيرًا لما فعلت؛ فلم أكن أتصور أن أفعل ما فعلت حتى مع زميل، ولكنه طعنني وطعن كل ما أقدسه بكلِّ شراسةٍ وحقدٍ، بل لو تركته لافترسني بما يحمله قلبه من غضب وكراهية.
وفجأة وجدت الفصل قد امتلأ: الناظر، والوكيل، وبعض المدرسين، وأخذوني للتحقيق، فقلت لهم: لن أتكلم حتى تسمعوا من زملائي ما حدث، واستمعوا من الزملاء كل ما حدث بصدق، ولكنهم رغم ذلك، ورغم اقتناعهم بخطأ الأستاذ وهم يعلمون جيدًا أنه يهودي- أصبحت أنا المخطئ، وفصلت من الفصل أيامًا ثلاثة، ولكن طيب ناظر المدرسة خاطري، فأخذني إلى مكتبه، وقال لي بكلِّ صدقٍ:
إنني أكبر فيك وطنيتك وحماستك في الدفاع عن قضية نؤمن بها جميعًا أمام يهودي متعصب، وأنا أعرف تعصبه جيدًا، ولكنني آخذ عليك فقط رميه بدواة الحبر، فقد سخرت منه المدرسة كلها، وإنني أعرف عنك الهدوء والخلق الطيب بشهادة كل أساتذتك، والذين تعجبوا من ثورتك هذه؛
وأكدوا جميعًا أن هذه الثورة لا بدَّ وأن يكون لها أسباب قهرية، ولقد شهد جميع زملائك في صفك، وعلمت أنه تهجم عليك، ولكن أود أن أقول: إن الأستاذ مهما حدث منه احترامه واجب؛ أليس كذلك؟ قلت له:
بالطبع، وكم تمنيت ألا ينتهي النقاش بما حدث، لولا تهجمه عليَّ، فأنا كنت في موقف الدفاع عن النفس.
وقضيت الأيام الثلاثة أبحث فيها عن طريق يوصلني إلى فلسطين، قضيتي التي أعيش من أجلها، فاتصلت بـ«وائل شاهين» مرارًا، ولم أجده، فقد اعتذر مرتين عن اجتماع أسرة «أبي بكر الصديق»، وقد علمت أن سبب انشغاله هو اشتراكه في التدريبات العسكرية، والاستعداد للذهاب إلى فلسطين".

حرب فلسطين 1948م

أخذ يبحث البنان عن طريق للسفر فذهب للمركز العام واستمع للإمام البنا ووجد الصدق في الأفراد المحيطين به فواظب على الحضور عله يجد طريقا لفلسطين، وهناك تقابل مع وائل شاهين الذي اصطحبه للإمام البنا غير أن الإمام الشهيد رفض اشراكه بسبب صغر سنه، لكن استدار وخشن صوته وغير من هيأته لكن الإمام البنا كشفه وأمره بالرجوع، لكن البنان لم يهدأ وأخذ يبحث عن وسيلة في رحلة ومغامرة شيقة قام بها حتى استطاع ان يصل إلى فلسطين بالرغم من خطورة ما قام به.

سافر البنان للاشتراك في حرب فلسطين عام 1948م وكان عمره 16 عاما وواجه صعوبات كثيرة حتى استطاع أن يصل إليها وينضم لصفوف المجاهدين فيها ويشارك في معاركها التي خاضها الإخوان المسلمون، وظل بها حتى أعلنت الهدنة الأولى والثانية ثم عقدت معاهدة رودس في مارس 1949م والتي أنهت الحرب.

وما كادت الحرب تنتهي إلا وقد كان من ضمن المجاهدين الذين اعتقلوا بعد انتهاء الحرب وأودع مع باقي المجاهدين في معتقل الهايكستيب ثم رحل إلى معتقل الطور وظل فيه حتى أقال الملك وزارة إبراهيم عبد الهادي في عيد عام 1949م، وبعد خروجه من المعتقل تفرغ لدراسته والعمل وسط إخوانه حتى التحق بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا).

حرب القنال عام1951م

لم يبعد البنان عن مجريات الأحداث ما كاد النحاس باشا يعلن إلغاء معاهدة 1936م حتى هب الإخوان يسطرون أروع معاني التصدي ضد المحتل البريطاني في القنال عام 1951م.

وما كادت تصل الإشارة إلى عبدالرحمن حتى انتفض وجمع ملابسه وسارع لمقابلة إخوانه في الإسماعيلية عبد الله سليم وحسن دوح وأبو الفتوح عفيفي، وبدأ الجميع في تجهيز أنفسهم لحرب ضروس يخوضونها ضد المستعمر الانجليزي، وكلف كل واحد بمهمة، وكان الجميع يتنافسون على أية مهمة لربما ينال الشهادة وأمام ذلك اضطر قائدهم بعمل قرعة بينهم،

وحينما جاءت الأخبار عن تحرك الجيش الانجليزي عبر القطار الحربي من بورسعيد متجها إلى السويس تجهز الإخوان لتدميره لما يحويه من جنود وأسلحة، وتدافع الجميع للقيام بالمهمة، مما اضطرهم لعمل قرعة فوقعت على عبدالرحمن البنان فكانت سعادته غامرة بهذا التوفيق خاصة أن هذه العملية من أخطر العمليات ونسبة النجاة منها ضئيلة، وتوجها للمكان المحدد والذي يبعد عن مصدر التفجير ما يقرب من 100 متر لكنه للتأكيد على إحداث التفجير جعل المسافة 50 مترا مما قلل نسبة النجاة،

وحينما ظهر القطار استعد وما كادت العربات الأولى تمر حتى ضغط على المفجر الذي نسف القطار بكل ما فيه، وشاءت إرادة الله أن ينجو البنان ويعود لإخوانه الذين أيقنوا استشهاده.

البنان والنظام الخاص والمحنة

البنان فى سجن الواحات


انضم إلى النظام الخاص وظل به حتى اعتقل في أغسطس 1954م، وقدم للمحاكمة بعد تمثيلية حادثة المنشية، والتي حدثت في 26 أكتوبر 1954م، وحكم عليه بعشر سنوات.

تنقل خلالها في سجون مصر كالسجن الحربي وسجن الواحات وليمان طرة ومزرعة طرة.

خرج عام 1964م فحاول أن يكمل تعليمه لكن حال بينه وبين استكمالها محنة 1965م حيث اعتقل في أغسطس 1965م وظل حتى عام 1968م حينما خرج مع من خرج من الإخوان بعد النكسة.

قرر الهروب من مصر غير أن وزارة الداخلية رفضت استخراج جواز سفر له لكونه من الإخوان، غير أن صديقه وقائده في حرب فلسطين 1948م نجيب جويفل والذي كان يعمل في الخارجية استطاع أن يستخرج له الجواز ويسافر إلى الكويت ثم لبنان ليقضي بها ردحا من الزمن.

حياته ما بعد المحنة

حصل على ليسانس آداب من جامعة بيروت عام 1972م، وعاد إلى مصر واستطاع بعد هذا العمر أن يتزوج عام 1982م.

عاد إلى مصر نهائيا عام 1985م واستقر بها، وأخذ يتصل بإخوانه من الرعيل الأول ويلتقي بهم في لقاءات متعددة، وزار المرشدين كالأستاذ عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر ومصطفى مشهور.

ابتلى بضياع كل أمواله في شركات الريان والتي عملت الحكومة المصرية على ضربها كاقتصاد إسلامي، فعاد وبدأ من الصفر بمعاونة زوجته.

عمل على تربية النشء الصغير فأقام حضانة (الفجر الجديد) في فيلته بالمعادي، وكانت مثالاً للحضانات الإسلامية والتي جمعت بينها أطفال مسيحيين وأبناء كبار ضباط الداخلية، وظلت الحضانة تعمل حتى عام 2001م.

ابتلاه الله في يناير 2006م بفقد النطق، وكان ذلك بعد الحفلة التي أقامها لفضيلة المرشد العام الأستاذ مهدي عاكف، وكثير من نواب الإخوان الذين نجحوا في انتخابات مجلس الشعب، وبعض الإخوان من الرعيل الأول، والتي أقامها في ديسمبر 2005م.

وفاته

رحل عن عالمنا يوم الأحد 20 فبراير عام 2011م حيث صلى عليه الأستاذ مهدي عاكف بمسجد مستشفى الفاروق ودفن في مدافن الدراسة.

للمزيد

  1. مذكرات عبدالرحمن البنان: إعداد ابتسام صالح وعبده مصطفى دسوقي، دار النشر للجامعات، 2009م.
  2. حسن دوح:25 عاما في جماعة الإخوان ، دار الاعتصام.
  3. كامل الشريف: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

ألبوم صور

المجاهد عبد الرحمن البنان
 

عبد الرحمن البنان

صورة-توضح-أم-أثناء-زيارة-ولدها-خلف-السلك-رسمها-احد-الاخوان-البنان

عبد الرحمن البنان

توكيل-قبض-مرتب-عبدالرحمن-البنان

عبد الرحمن البنان

المرشد-والبنان

عبد الرحمن البنان

المرشد-واعضاء-مجلس-الشعب-فى-حفل-بحديقة-المنزل

عبد الرحمن البنان

الحاج-مصطفى-الكومى-وعلى-نويتو-وصلاح-شادى-ومحمد-الشناوي-وعبدالرحمن-البنان-مع-بعض-الإخوان-فى-سجن-الواحات

عبد الرحمن البنان

الحاج-محمود-أبو-السعود-ثم-عبده-صالح-ثم-عبدالرحمن-البنان

عبد الرحمن البنان

البنان-ومسعود-السبحى

عبد الرحمن البنان

البنان-في-سجن-الواحات

عبد الرحمن البنان

الأستاذ-عاكف-وسعد-الجزار-فى-حفل-بمنزل-عبد-الرحمن-البنان-2006

عبد الرحمن البنان

الأستاذ-عاكف-وحسين-ابراهيم-فى-منزل-عبد-الرحمن-البنان-فبراير-2006

عبد الرحمن البنان

05-الأستاذ-عبد-الرحمن-البنان

عبد الرحمن البنان

04-الأستاذ-عبد-الرحمن-البنان

عبد الرحمن البنان

03-الأستاذ-عبد-الرحمن-البنان

عبد الرحمن البنان

01-من-اليمين-عبد-الرحمن-البنان---مصطفى-المبلط---الشهيد-علي-الفيومي---العوجة-في-حرب-فلسطين

عبد الرحمن البنان

01-من-اليمين-عبد-الرحمن-البنان---مصطفى-المبلط---الشهيد-علي-الفيومي---العوجة-في-حرب-فلسطين

عبد الرحمن البنان

البنان-وعبده-صالح-وصحفى-الأهرام

عبد الرحمن البنان

البنان-وعبده-صالح--فى-الحفل

عبد الرحمن البنان

البنان-و-د-محمد-منصور

عبد الرحمن البنان

البنان-وحامد-وبخيت-وجريتي-في-جلسة-دافئة-في-منزل-البنان

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-وزوجته-الحاجة-ابتسام-وأخواتها

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-وزوجته-الحاجة-ابتسام-وأخواتها

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-وزوجته

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-فى-حلقة-نقاشية

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-عاكف-وعبده-صالح-والضيوف-فى-الحديقة

عبد الرحمن البنان

البنان-والمرشد-(2)



للمزيد

روابط داخلية

تابع روابط داخلية

وصلات خارجية