رسالة مفتوحة من : المرشد العام للإخوان المسلمين إلى أهل الجهاد والرباط في أرض الإسراء

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
رسالة مفتوحة من : المرشد العام للإخوان المسلمين إلى أهل الجهاد والرباط في أرض الإسراء

بقلم :الإستاذ مصطفى مشهور

الأستاذ مصطفي مشهور

سلام الله عليكم جميعًا ورحمته وبركاته

وبعد:-

فإنى أوجه رسالتى إلى إخوانى جميع أهل فلسطين في ظل أجواء الشحن الرهيب، وإعلان الحرب على المسلمين، وإعلان الكيد للإسلام وأهله، واتهام أمريكا الصريح للمسلمين بالإرهاب، زورًا وبهتانا، وهذا إرهاب سافر، ولا يمكن أن يتوقف إلا إذا انتهت أمريكا عن الإرهاب والعدوان وكفت عن مساندة اليهود الذين هم أصل الإرهاب في العالم، وهم سفاكو الدماء، كما يجب أن تكف عن مساندة عباد البقر في الهند على ذبح المسلمين، وفى غير الهند أيضًا وأي إرهاب أكبر من أن يدعو كاتب أمريكى ساقط مستهتر لضرب مكة بالسلاح النووي، وهو بهذا يضع نفسه الشريرة الحاقدة في مكان "أبرهة الأشرم" لعنة الله على هذا وذاك، فهل هانت أمة الإسلام على نفسها إلى هذا الحد ؟ حتى هانت على الآخرين، ولم تعد يحسب لها أي حساب ؟

وأقول للمجاهدين في فلسطين لقد دخلتم التاريخ من أوسع أبوابه وأثبتم بجهادكم رفضكم للاستعمار والتبعية، وإن الأم المسلمة في فلسطين قد اقتدت بالخنساء رضى الله عنها، حين قدمت أولادها للجهاد، بعد أن أعدتهم له، وشاركت معهم في الغزو وإن الفتاة الفلسطينية المسلمة قد أثبتت أن الإيمان لا يصنع الرجال، بل يصنع الرجال ويصنع النساء المجاهدات في سبيل الله وما أحداث الشهيدات في فلسطين منا ببعيد.

وأحيى جهاد الشعب الفلسطينى المؤمن، بكل طوائفه وتجمعاته شيوخه ورجاله آبائه وأمهاته، وشبابه وفتياته وفتيانه، أحييهم بل أهنئهم لأنهم أحيوا الأمل في قلوب المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية، بأن درب الجهاد هو الطريق الوحيد والأكيد لإيقاف المد اليهودى الأثيم، ولردع العدو الصهيوني الغاشم، ولكسر رقبته مهما تحصن بالسلاح.

وإني أهيب بالجميع وعلى رأسهم السيد عرفات أن يواصلوا الجهاد ويحافظوا على المسيرة، مهما كلفهم ذلك من تضحيات، وألا تخدعهم الحلول المائعة الزائفة والاستسلامية، والتي لن تحقق سوى أحلام العدو الصهيوني الغاصب، الذي لا عهد له ولا ذمة، ولا دين ولا خلق على مدار التاريخ وأحيى مواكب الشهداء، بل عرس الشهداءالذين رووا بدمائهم الطاهرة شجرة الحرية وشيعتهم ملائكة الرحمن وقدموا على ربهم إقدام الكريم، لقد ملأت مواقفهم القلب بالروعة، روعة التضحية، وروعة الإيمان المستعلى على الدنيا، وروعة العقيدة المنتصرة على الحياة، وروعة الانطلاق في سبيل الله ، لقد كان في إمكان هذا الشباب والفتيات والجميع في عمر الزهور أن يبخلوا بحياتهم، وأن يتركوا أعداء البشرية بآلاتهم الجهنمية، يفعلون ما يريدون، لكنهم كانوا يخسرون هم أنفسهم، حين يقتلون معنى التضحية والغداء في نفوسهم، لقد زهدوا في الحياة ورغبوا فيما عند الله، وقالوا للطغاة بصوت مسموع، إن استطعتم أن تسيطروا على أجسادنا، فلا قدرة لكم على السيطرة على أرواحنا، لأنها في قلوبنا وقلوبنا ملك لله عز وجل.

وأحيى أيضًا الأبرار الذين وقفوا في كل موقع يحاصرهم الأعداء وهم يصدونهم ولم يستسلموا رغم انتهاء ما في أيديهم من وسائل للمواجهة وأقبلوا على ربهم بعد أن كبدوا اليهود الطغاة ما يستحقون وأثبتوا أن المؤمنين لا يعرفون معنى الهزيمة أبدًا.

يقول الحق سبحانه (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (التوبة:52) وفى ميزان الحقائق من المنتصر ومن المهزوم ؟ أهم الذين آمنوا بربهم وفدوا عقيدتهم وضحوا من أجلها، أم الطغاة الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات؟ من المنتصر ؟

فرعون أم السحرة الذين آمنوا بالله، وهم كما قال ابن عباس رضى الله عنهما (أصبحوا سحرة، وأضحوا مؤمنين، وأمسوا شهداء) من المنتصر ومن المهزوم ؟ أبو جهل المستبد الطاغية ؟ أم سمية أول شهيدة في الإسلام، وهكذا على مدار التاريخ.

إن انتفاضتكم في أرض الإسراء، هي الثورة الإسلامية الجماهيرية التي ألقت أعظم الدروس على أقوى جيوش الشرق الأوسط كما يشاع، إنها تعبر عن روح الإسلام المجاهدالمتوهج، روح الفداء و التضحية و الشجاعة و الثبات ، و الاستشهاد و الجهاد في سبيل الله، لقد سقطت الأسطورة اليهودية أمام حجارة مجاهدى فلسطين، وكانت أقوى وأجدى وأمضى من جميع بيانات الشجب والإدانة، والوقوف أو القعود حدادًا، وكان المفروض على الأقل أن تدعمها قرارات ملموسة كقطع العلاقات، وضرب الحصار الاقتصادي.

إن الإسلام هو القوة التي تحرك الجماهير حتى تصل إلى طريق النصر بالمواجهة بالحجارة وبكل الوسائل الممكنة، وبالصدور العارية، وهو موقف طبيعى لعزة هذه الأمة، موقف يرفض الذل والاستكانة والتبعية، لكل ظالم أو محتل بغيض، أو غاصب يريد أن يفرض اغتصابه وظلمه وعدوانه بالحديد والنار، على شعب أعزل إلا من عقيدته وإيمانه، وحرصه على استرداد حريته وكرامته وعزته.

لقد ظن هذا المستعمر أنه مع مرور الزمن سيميت روح الجهاد والمقاومة لدى شعب فلسطين وظن أنه تولد أجيال تخضع وترضى بالأمر الواقع، ونسى ذلك العدو الغاشم أن العقيدة الإسلامية تنمو مع كل طفل جديد، تغذى فيه روح الجهاد والمقاومة، ضد أعداء الله وأعداء الإنسانية، أبناء القردة والخنازير.

إنكم اليوم تثبتون بأعمالكم وبطولاتكم أن العدو النجس لن يقر له قرار على تلك الأرض الطاهرة الطيبة، مهما بطش وقتل وخرب ودمر، طالما أن هناك مسلمين في فلسطين، بل طالما أن هناك مسلمين على ظهر الأرض، فقضية فلسطين قلب العالم الإسلامي، قضية الإسلام والمسلمين جميعًا، وليست قضية العرب وحدهم أو الفلسطينيين وحدهم.

أيها الأخوة :

إن الجهاد هو الطريق الوحيد لبلوغ النصر على الأعداء وإن التفوق الروحى الذي ينبع من عقيدة الإسلام قوة هائلة في أيدينا، وقوة عملية في كياننا، قوة لا يمكن أن يتخلى عنها صاحبها في زحمة الصراع أبدًا إلا إذا حدث خلل في موقفه، ونحن نواجه صراعًا ضخمًا من حولنا، نواجه قوى هائلة، هي أكبر من طاقتنا المجردة، فإذا كانت عقيدتنا تسعفنا في هذا الصراع الضخم بقوى حقيقية واقعية، وبحلول عملية واقعية كذلك، فيصبح من الغريب أن نفرط في هذه القوى، وأن نتخلى عن هذه الحلول.

عندما خرج أسلافنا من الجزيرة العربية يفتحون بلاد كسرى، ويجبرون القيصر على إلقاء نظرة أخيرة، ويقول وداعًا يا دمشق وداعًا لا لقاء بعده، نسأل كيف انتصر هؤلاء ؟

انتصروا لأن الإيمان كان معهم، ففتحوا به الدنيا، ماذا كان يملك المسلمون، يملكون العقيدة والإحساس بأنهم يجاهدون من أجل حياة أفضل، ونظرة للوجود وللإنسان وللحياة، أعمق وأعظم من نظرة عدوهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا.

انظروا إلى قيصر يرسل جاسوسًا إلى معسكر المسلمين ليعرف له سر انتصار هؤلاء الأعراب، فعاد إليه بصفة المسلمين فقال "بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن مليكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم" تاريخ الطبرى

بالعقيدة انتصروا وتعلموا، وصنعوا، واخترعوا، وأثروا في التاريخ البشرى، نقطة البدء في كل حضارة هي العقيدة، هي القيم الموجهة للجماهير، هي الأفكار التي توجه سلوكها، وتحكم حياتها، ولابد هنا من الرد على الذين تسمموا بالغزو الفكري، إنهم يظنون أنه مما يتنافى مع التقدم المادي، أن يتمسك المرء بدينه، وهم ينسون أن الباب المفضى إلى المخابرات الأمريكية منقوش عليه آية من الإنجيل، وأن أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء كانت تحمل نصًا من التوراة، وإن المجتمع الإسرائيلى الذي يضم أخلاط غريبة وعجيبة من البشر، أكثر وحدة وتماسكًا وإصرارًا على الباطل، يقول مؤسسوا الصهيونية "الحياة الدينية اليهودية هي دون سواها، سر خلود إسرائيل وسيظل إسرائيل خالدًا طالما بقى متعلقًا بالتوراة، فإذا هجر التوراة، اندثر تاريخه في رمال الصحراء، ولو ظل مقيمًا في أرضه وبلاده" فهل ديننا وإسلامنا من طراز أقدم من اليهودية ؟ مالكم كيف تحكمون؟

أيها الأخوة

إن انتصاركم في الثبات على عقيدتكم، وقوتكم في وحدتكم، وإن هزيمتكم – لا قدر الله – في التنازل عن هذه العقيدة أو التفريط في وحدتكم، قال الله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(آل عمران: من الآية103) وقال سبحانه (... وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا)(لأنفال: من الآية46)

كما أوصيكم بما كان يوصى به أسلافنا من البعد عن المعاصى والذنوب، إنهم كانوا يأمرون الأجناد بتقوى الله ويأمرون الجيوش بالاحتراس عن المعاصى ويلزمون الأمة كلها بالعمل بأحكام الدين الحنيف، فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه الخليفة الراشد، يكتب إلى سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه حين وجهه إلى فتح فارس: عهدًا هذا نصه: "أما بعد، فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لها بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم علينا الفضل في القوة وإن لم ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا"

ثم يقول:

فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، فلا تقولوا إن عدونا شر منا، فلن يسلط علينا، وإن أسأنا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بنى إسرائيل عندما عملوا المعاصى المجوس" ثم يقول رضى الله عنه "وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، وأسأل الله ذلك لنا ولكم"

إن الأعداء يضعون الخلافات بين أبناء الأمة الواحدة ويخططون لاستمرارها، ليبقى المسلمون هكذا ضعفاء، ثم يرتع العدو في المنطقة، ويطول ذراعه، ليضرب حيث يجد رمزا للقوة، إن الكيان الصهيوني قد بنى خطته على سياسة الاستيطان والتوسع، ولن يقبل أي اتفاق على حدود ثابتة، وإذا قبلها تحت ضغط، فسيغدر بعد قليل، ولا يلتزم بعهد أو اتفاق، وهذه بعض صفاتهم في كتاب الله العزيز.

التفوق الروحي هو الطريق

وعندما نؤكد أن العقيدة هي طريق النصر، لا نقلل أبدا من أهمية الاستعداد الحربى والإعداد المادي، فالحق سبحانه يقول لنا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ)(لأنفال: من الآية60) ولا أظن أن مجتمعًا من المجتمعات، لا يعرف أهمية أن تكون لديه طائرات ودبابات من أحدث طراز، ويعلم الله وحده أن الجماهير المسلمة ما قصرت في شيء في سبيل أن تمتلك القوة وما رفضت يومًا أن تتعلم فنون القتال والحرب ولا أظن أن الشعوب الإسلامية بحاجة إلى من يعلمها فضل التكنولوجيا، وأهمية المخترعات الحديثة، وليس في العرب والمسلمين اليوم من يفضل ركوب الدابة على السيارة، أو بناء خيمة ورفض النزول في فندق، أو يؤثر "لمبة الغاز على المصباح الكهربائى"

وأوجه نصيحتى الخالصة إليكم ألا تسمحوا أبدًا لهذا العدو بالأمن والاستقرار، مهما كلفكم ذلك من ثمن، وإذا كانوا يحاولون اليوم أن يهجروكم عن أرضكم بالضغوط المختلفة، والإغراء بالمال، فارفضوا كل وسائل الإغراء، واعملوا أنتم على تهجيرهم وأشعلوا الأرض نيرانًا من بين أيديهم ومن تحت أرجلهم، وهم كما قال القرآن عنهم (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ)(البقرة: من الآية96) حتى يوقن اليهود أن فلسطين ليست جنتهم الموعودة، ولكنها الجحيم الذي يأتي عليهم.

وإني أدعو الأمة المسلمة أن تستيقظ من سباتها وأن تجتمع من شتاتها، وأن تعود إلى الحياة، وأن يشد بعضنا بعضا، فعند الشدائد يعرف العدو من الصديق، والقريب من البعيد، إن اليهود يتخذون من فلسطين نقطة انطلاق إلى تدمير العالم العربى والإسلامى كله، وإن إخواننا في فلسطين في خط الدفاع الأول عن الأمة كلها، فلنحرص على أن يظل هذا الخط قويًا وسدًا منيعًا أمام اليهود يجب أن تكون الأمة كلها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ويتكاتف الجميع، ولا ينبغي أن يكون هناك خلاف واحد، ولا تفرق واحد، ولا يسمع إلا صوت الإعداد والاستعداد، ولا يرتفع إلا نداء الجهاد في سبيل الله، وكما قال أسلافنا "احرص على الموت توهب لك الحياة" والحق تبارك وتعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:4)

مصطفى مشهور

المرشد العام للإخوان المسلمين

القاهرة في : 18 من صفر 1423هـ

1 من مايو 2002م


للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية