حسن البنا وثورة اليمن

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإمام حسن البنا وثورة اليمن


حسن البنا وثورة اليمن.jpg


محتويات

المقدمة

الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول تدخل في اليمن قبل تدخل جمال عبد الناصر فيها.. بقاعدة أن أرض اليمن ممهدة لانتشار دعوة جماعة الإخوان المسلمين فيها.

وشمل التدخل صورا مختلفة كانت شعارا للعمل السري الذي يمهد للانقلاب على حكم الإمام يحيى .. كإرسال المدرسين المصريين المنتمين إلى الإخوان وتكوين شركات اقتصادية وتشكيل تنظيم « الأحرار اليمنيين » فما هي قصة حسن البنا مع اليمن لمعرفة ذلك لابد من العودة إلى الوراء قليلا.

فقد خضع اليمن طوال إحدى عشر قرنا للحكم الإمامي الزيدي ( 385هـ - 1482هـ ) وظلت للإمامة طول هذه الفترة هيبتها ولليمن كله تفرده حيث لم تنجح أي قوى سواء إسلامية أو عربية أو حتى أوربية في النفاذ إليه والتأثير فيه كما لليمن مذهب إسلامي خاص -المذهب الشيعي الزيدي- ميزه عن سائر أقطار العالم العربي ما في ذلك قلب الجزيرة العربية مهد الإسلام ذاته. كما ظلت أبواب اليمن مغلقة تماما أما أي مؤثرات جديدة.

إلا أنه في ظل حكم لإمام يحيى بن حميد الدين ( 1869- 1948 ). بدأت مؤثرات جديدة تطرق أبواب اليمن كانت عبارة عن أصوات خافتة حتى تعاظم دورها وتبلورت في حركة معارضة منظمة انتشرت على أرض اليمن وخارجه.

وكانت بداية هذه الحركة على يد الطلاب اليمنيين الذين جاءوا إلى مصر للدراسة في الجامعة الإسلامية العريقة الأزهر أو بجامعة القاهرة منذ عام 1935.

وفي ذلك الوقت حدث التحول الهام فقد تعرف هؤلاء الطلاب وعلى رأسهم –الزبيري- والنعمان- على الإمام حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وظلوا يترددن على المركز العام للجماعة وقد اهتم بهما الإمام حسن البنا كثيرا وخاصة بعد انضمامها للجماعة والعمل على لوائها.

فيقول الثائر اليمني علي ناصر العنسي "كنا ندرس في الأزهر وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين و حسن البنا الذي كان يرى أن اليمن أنسب البلاد استراتيجيا ولها مناخ مناسب للإخوان وأخذ يهتم بنا اهتماما خاصا" وفي هذه اللقاءات كان الإخوان يقولون أنهم مقتنعون بأن الحكم في اليمن" لا يمثل الإسلام بل يشوهه ولهذا فالإخوان ضده".

والحقيقة أن الإخوان لم تقتصر علاقتهم فقط بالطلاب اليمنيين ولكنها امتدت إلى جميع الطلاق الوافدين من الدول العربية والإسلامية وهذا يتفق تماما مع منهج الإخوان وعالمية الدعوة وكان لهذه العلاقة أثر هام فيما بعد فعندما عاد هؤلاء الطلاب لبلادهم أسسوا فروع لجماعة الإخوان وربما كان ذلك النواة الأولى لنشأة التنظيم الدولي للإخوان فمع تطور الجماعة أسس البنا عام 1944 قسما خاص أطلق عليه « قسم الاتصال بالعالم الإسلامي » وأصبح للإخوان عمل منظم ودور كبير في دعم قضايا العالم العربي والإسلامي واتخذ هذا الدعم صورا متعددة كما عمل القسم على الاهتمام بالطلاب الوافدين للدراسة في مصر على أن يكونوا هم نواة لأفكار الجماعة عند عودتهم لبلادهم ومن هؤلاء بالطبع الطلبة اليمنيين.

ولقد كان اليمنيون طلاب وحكومة يرون في الإخوان رمز للإخوان الإسلامية و الجهاد المخلص لرفع راية الإسلام ويمنحوهم ذلك ثقتهم وولائهم بصورة لم تعرف أنها قد تكررت مع بلد آخر ففي عام 1938 عندما شارك وفد يمني برئاسة سيف الإسلام عبد الله بن الإمام يحيى في المؤتمر البرلماني العالمي عن قضية فلسطين لجأ الوفد إلى حسن البنا لترشيح سكرتير خاص للوفد فاختار حسن البنا الأستاذ محمود أبو السعود لهذا الأمر ومرافقتهم إلى لندن وباريس.

فالإخوان هم الهيئة الإسلامية العربية الوحيدة التي اهتمت بالقضية اليمنية وأولتها مكانة متقدمة في جدول أعمالها السياسية والفكرية وبواسطة وسائلها الإعلامية المطبوعة وتكاد تكون أخبار اليمن شمالا وجنوبا حاضرة في معظم أعدادها.

وقد عاد الطلاب إلى اليمن بعد تخرجهم ومارسوا نشاطا سياسيا واسعا حتى اضطر أغلبهم. بعد تعرضه للمطاردة والاعتقال –إلى الهجرة إلى عدن عام 1944 واستطاع الأحرار اليمنيين كما أطلقوا على أنفسهم تأسيس حزب الأحرار الذي تحول إلى الجمعية اليمانية الكبرى في عدن عام 1946 وأسسوا جريدة "صوت اليمن" وقد انضم إلى الأحرار الأمير سيف الحق إبراهيم الابن الثامن للإمام يحيى وكان دائم الاتصال بحسن البنا في القاهرة وقد وصلت الأحداث لذروتها حينما أرسل حين البنا عام 1947 الفضيل الورتلاني المجاد الجزائري المعروف –كان قد سبقه مدرسين مصريين من الإخوان- إلى اليمن لينسق ويقود المعارضة في صنعاء وعدن ولعب الرجل دورا محوريا في الإعداد للثورة.

وقد رجع إلى القاهرة ووضع مع حسن البنا "الميثاق المقدس" أو دستور الإصلاح الذي سيطبق في حالة نجاح الثورة المنتظرة على حم الإمام يحيى وعاد الورتلاني مرة أخرى إلى اليمن وعرض "الميثاق المقدس" على قادة الإصلاح.. فقامت ثورة الدستور أو ثورة 1948 والتي تعتبر من الناحية الفعلية هي البداية الحقيقية لتاريخ اليمن المعاصر وربما الحديث وذلك كانت عليه الأحوال في اليمن فقد أحدثت الثورة هزة عنيفة في المجتمع اليمني والعربي على الرغم من أنها لم تستمر سوى 26 يوما فقط. عموما فدراسة هذه الثورة وعلاقة حسن البنا بها هي من قبيل ركوب الصعب وهي أشبه بالخوض في بحر هائج مضطرب بالعواصف والأنواء بحثا عن حطام سفينة غارقة وإعادة تركيبها من جديد فأحداث الثورة جرت وقائعها على أرض دولتين متباعدتين مسافة وفكرا.

وسنحاول كشف جورها وفكرتها وأهدافها وما أحاط بها من أسرار لم يقدر لها أن تذاع في حينها ولماذا فشلت ومن الذين حاربوها داخل اليمن وخارجه ولأي سبب حورت ومن أهم أبطالها وكيف قبض عليهم وكيف عذبوا حتى مات بعضهم من التعذيب ثم أرسل إلى المقصلة البدائية لكي يفصل رأسه عن جسده بعد أن فارق الحياة من مدة.

أما الأبطال الذين أرسلوا إلى المقصلة الابتدائية أحياء فكيف قابلوا الموت وما هي الحكم الخالدة التي نقطوا بها قبل أن يجتذ الجلاد رؤوسهم ويدخلهم التاريخ من أوسع الأبواب وإكرامها نلاحظ أن الصف الثاني من قادة ثورة 1948 هم أنفسهم قادة الصف الأول في ثورة سبتمبر 1962 ضد الإمام البدر وقد تفاءل هؤلاء خيرا بـ " زعيم العرب" عبد الناصر وطلبوا منه الدعم والمساعدة وكان الزعيم في ذلك الوقت قد فقد برستيجه بعد فشل وحدته مع سوريا وأراد استرجاعه في اليمن... وسرعان مما اتضح لقادة الثورة الأهداف الحقيقية من وراء مساعده عبد الناصر لهم فقد اعتقد ناصر أنه يستطيع ابتلاع اليمن في أقل من شهر ثم يتخذ أرضية موطئ قدم يناوئ به العرش السعودي وباقي مشيخات الخليل حيث آبار النفط ومصالح الدول الكبرى ولكن خاب سعيه واستمرت الحرب أكثر من خمس سنوات سقط فيها -في أقل تقرير- 15 ألف ضابط وجندي مصري ما بين قتيل وجريح ومفقود و 100 ألف يمني وتم حرق الكثير من القرى اليمنية واعتقل عبد الناصر قادة الثورة في السجن الحربي بالقاهرة وظلوا بالسجن عاما كاملا ( سبتمبر 1966ديسمبر 1967 ) وهم عبد الرحمن الإرياني و سن العمري و أحمد النعمان ومعهم أ :ثر من ستين آخرون بل إن عبد الناصر تخلص من أبو الأحرار اليمني محمود الزبيري –تم اغتياله 1965- حيث كان قد اعترض على الدستور المقترح الذي قدمه عبد الناصر لحكم اليمن مستبعدا الشريعة الإسلامية. وأصبح قائد القوات المصرية في اليمن هو الحاكم الفعلي. وبعد هزيمة الزعيم المخزية عام 1967 خرج قادة اليمن من السجن الحربي واستطاعوا إنقاذ اليمن وأصبح عبد الرحمن الإرياني رئيسا لليمن و حسن العمري رئيسا للوزارة.

كل ما سبق وغيره سنتناوله في خمسة فصول وملاحق ففي الفصل الأول سنلقى الضوء على شخصية حسن البنا وفكره ورؤيته للعروبة و الإسلام.

أما الفصل الثاني فيتناول أحوال اليمن قبل عام تصنيف:الإخوان في اليمن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسباب التي أدت إلى قيام الثورة.

وجاء الفصل الثالث تحت عنوان حسن البنا وتشكيل المعارضة اليمنية نتبع فيه علاقة البنا بالطلاب في القاهرة وانضمامهم إلى الإخوان ونشاطهم بعد عودتهم لليمن وإرسال البنا الفضيل الورتلاني لليمن لينسق بين المعارضة وكيف وضع البنا والورتلاني "الميثاق المقدس" مع تحليل كامل لمحتوى هذا الميثاق الذي اعتبر دستور الثورة.

وفي الفصل الرابع سنتناول فقيام ثورة الدستور أو ثورة 1948 وعلاقة حسن البنا وصحافة الإخوان بالثورة والوفد الإخواني الذي أرسله حسن البنا على طائرة خاصة إلى اليمن ومراسلات الإمام الجديد عبد الله الوزير مع حسن البنا كما سنتناول كيف فشلت الثورة والأسباب المحلية والدولية التي أدت إلى ذلك.

أما عن الفصل الخامس والأخير فيتناول ثورة 1962 وقرار عبد الناصر بالتدخل في ثورة اليمن وأسباب ذلك والنتائج التي ترتبت على ذلك التدخل.

وفي هذه الدراسة لم أفضل ( محو ذاتي ) لكي أجعل صوت الأحداث التاريخية وحدها مسموعا فالمؤرخ إذا أمكنه طمس ذاته لم يستطع أن يحقق موضوعية عالية وحرم نفسه من أداء الفكر التاريخي كله. وقد رأيت مقتضيات الأمانة العلمية أن الحق بعض الوثائق الهامة والتي تتعلق بموضع الدراسة كملاحق بهذا الكتاب هذا بالإضافة إلى دراسات مستقلة عن شخصيات قادة الثورة 1948.

د. حمادة حسني

الفصل الأول : الإمام حسن البنا

- "حسن البنا" وحركة "الإخوان المسلمين" اسمان لا يفترقان ، ولا يفهم أحدهما دون الآخر ، ولا يذكر أحدهما إلا استدعت الأذهان والألسنة قرينه وصاحبه! ( 1 ).

وقد كتب عن حركة المسلمين ما لا يقع تحت حصر بلغات العالم كلها. وكتب عن حسن البنا كذلك. والواقع أن كل كتابة عن الحركة تناولت بالضرورة واللزوم مؤسسها نفسه ، يحث يجد المرء نفسه في بحر لا ساحل له عن المؤلفات المتعاطفة والناقدة ، والتي تروم أن تكون محايدة! وفي هذا الجزء سنتناول أهم معالم الدور الفكري السياسي لحسن البنا وخاصة فيما يتعلق برؤيته للوطن والوطنية والعروبة و الإسلام دون التطرق لحركة الإخوان المسلمين ( كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث ) في الحياة السياسية والإسلامية المصرية. من هو حسن البنا؟

لا تظهر الشخصيات البارزة من فراغ بل هي في الواقع نتاج عصرها والإمام حسن البنا ابن عصره فقد تجاوب مع إشفاق مسلمي مصر وغيرها من الأقطار الإسلامي على دينهم وتراثهم واستغلالهم في مواجهة زحف المؤثرات الغربية وتوجه الهجوم إلى الإسلام والمسلمين.

فلقد أذنت حركة الاقتباس عن الغرب بزعزعه القالب التقليدي للمجتمع المصري واستيراد مجموعة من النظم والقوانين والمقاييس الغربية التي ظلت لفترة طويلة غريبة على الكتل الجماهيرية ولا تتمشى مع حاجات ومشاعر وآمال المواطنين وكل ذلك أدى إلى اضمحلال النظام الثقافي وتفكك القوالب الاجتماعية والثقافية القديمة وبالتالي فقد واجه المجتمع المصري نوعا من عدم الاتزان أدى إلى حدوث أزمة حضارية.

ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى قامت في مصر حكومات ليبرالية يوجهها العلمانيون المتأثرون بالحضارة الغربية فتراجعت الشريعة الإسلامية التي حلت محلها دساتير ونظم برلمانية وقوانين غربية في حين ألغى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية وفصل الإسلام عن الدولة وهو ما هلل له الليبراليون وفي عام 1925 والعالم الإسلامي مشغول بنتائج إلغاء الخلافة العثمانية نشر علي عبد الرازق القاضي الشرعي الذي كان قد أصاب بعض الثقافة الغربية كتابه عن "الإسلام وأصول الحكم" الذي صدم عواطف الناس بجرأة وعنف وتحدي مشاعرهم وشكك بسخرية فيما تطمئن إليه نفوسهم –وربط علماء الأزهر بين كتاب علي عبد الرازق وبين المؤثرات التي أخذت تتغلغل في المجتمع ( 2 ).

وجاء رد الفعل في أواخر العشرينات من القرن العشرين حيث أسس حسن البنا "( 1906- 1949 ) جماعة الإخوان المسلمون ) مارس 1928 وقد تصدت الجماعة للدفاع عن الإسلام والحضارة الإسلامية ونددت بالسياسة التي كانت تتبعها الدول العظمى في البلدان الإسلامية كما تصدت لآثار الاقتباس المتسرع وغير محسوب من لغرب على العادات الشرقية.

وقد بدأ حسن البنا نشاطه في الإسماعيلية التي كانت تقطنها جاليات أوربية تحيا حياتها الخاصة المخالفة للأنماط الإسلامية وسرعان ما اجتذب إلى صفه أبسط طبقات الشعب والحرفيين والطلاب.

وقد نقل البنا قاعدة نشاطه إلى القاهرة التي أسس فيها المركز العام وأقام شعبا للجماعة وقام بجولات في الأرياف والمدن المجاورة فجذب إلى دعوته الكثير فقد ساعدت نشاطاته ومقوماته الشخصية وإيمانه بمبادئه إلى جانب أوضاع مصر العامة على سرعة انتشار دعوته التي مست وقترا حساسا لدى قسط كبير من الجماهير.

فقد كان البنا متواضعا ، حاد الذكاء قوي الذاكرة ، شديد الفصاحة وخطيبا مفوها يهز مشاعر سامعيه ببلاغته واستشهاده بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية فيقول عنه الأستاذ خالد محمد خالد في مذكراته "قصتي مع الحياة" ص 273-" هذا الرجل المتصوف الأواب كان أستاذا في فن الزعامة والزعماء السياسيون الذين عاصرتهم بل وكثيرون من زعماء العالم الذين قرأت عنهم تتقاصر هاماتهم عن هامته في الزعامة التي كان يتناولها بيد أستاذ حاذق وقدير" "كل ذكاء الزعامة ويقظتها وشمولها كان للأستاذ البنا منه أوفى نصي ولقد كان في الصدارة من الذين يألفون ويؤلفون وكانت شمائله تفتح له القلوب الغلف والآذان الصم ولا يقترب منه أحد إلا أحبه ولا يحبه إلا هابه" فمنذ أن أنشأ جماعة الإخوان وهو ينتقل من نجاح إلى نجاح ويشرف على تربية الإخوان لاسيما الشباب منهم تربية مثلى ولكم هدى الله به عبادا كثيرين حتى الهدى وبلا تجود به سماؤه".

فقد سعى البنا إلى بناء المجتمع على شكل جماعة إسلامية عصرية تلعب دورها في تحقيق سلام العالم وبناء الحضارة الإنسانية على أساس جديد يقوم عل التأكيد على المبادئ العالمية للإسلام. وهكذا قدم البنا جماعته باعتبارهم بديلا لحكم الساسة العلمانيين وبالتالي للنمط الأوروبي المستورد فيما يتعلق بالحكومة والمجتمع.

ومن العوامل التي أدت إلى نجاح الحركة بمرور الزمن جمود علماء الأزهر وتوقف نشاطهم عند حدود معينة من التفسيرات والشروح وبعدهم عن اهتمامات الجماهير الحقيقة وعدم التفات الأحزاب إلى المشكلات الاجتماعية في الأوقات الذي كانت فيه الجماهير شديدة الاهتمام بضرورة الإصلاح الاجتماعي. ولقد حاولت الأحزاب المصرية دون جدوى أن تشد أزرها باجتذاب الإخوان المسلمين إلى صفها إذ استخدمها حسن البنا أكثر مما استخدمته وأفاد بمهارة من حزازتها ومنافساتها في الوقت الذي استطاع فيه أن يهب جماعته تنظيما قويا مكمل الأركان.

فيقول الشيخ الغزالي –لقد عاد القرآن غضا طريا على لسانه وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتبه انحسرت في سفحه أمواج المادية الطاغية وإلى جانبه طلائع الجيل الجديد الذي أفعم قلبه حبا للإسلام واستمساكا به وعرفت أوروبا أي خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا لرجل فأوحت إلى زبانيتها فإذا بالإمام شهيد مدرج في دمه الذكي وإذ بجيله الذي رباه في المعتقلات.


حسن البنا والنهضة

-قدم حسن البنا باعتباره "مرشدا" معلم ومصلح ، قبل أن يكون شيئا آخر. ولكن حسن البنا جمع إلى ذلك كونه ثائرا. فهو أشبه بالأفغاني ، في هذا الصدد ، منه بمحمد عبده ، لكنه يتفوق على الأفغاني بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بما لا يزال لها من أثر بالغ في الحياة السياسية المصرية ، بل العربية والعالمية كذلك. وهو يحدد هدفه مبكرا سنة 1929 بقوله : "لابد –إذن- من السعي لإصلاح الشرق وتوجيه جهود الأمم إلى غاية منتزعة م نروح الشرق ، وملائمة لمزاج أهله لا تنحصر في تقليد لأوروبا ولا لغيره ، بل قوامها إنهاض الشرق من كبوته واستخدام قواه الكامنة".

- وكان أول ما لفت نظره في تأسيس الإصلاح على ما يتفق مع طبيعة "الشرق" ، ولا يكون تقليدا للغرب : قضية المصطلحات المتداولة في الكتابة والخطابة الدينية والسياسية ، فهو يرى أن الناس "يستخدمون الألفاظ الروحية.." ، ولعل هذا اللبس اللفظي هو الذي جعلهم يتورطون في تشبيه النظم الإسلامية بغيرها ن النظم ، وواجبنا أن نرفع عن أعينهم حجاب الوهم ، ونوضح لهم ذلك العبث اللفظي وخداع العناوين التي وضعها مؤرخو أوروبا لذلك العهد".

- والمفهوم الرئيسي في كتابات حسن البنا وخطبه هو مفهوم "النهضة" وهو يقدمه باعتباره نقيض حالة "الانحطاط" التي نعبر اليوم عنها بكلمة "التخلف" وهو يستمد هذا المفهوم من القرآن مباشرة –وهي خاصية شائعة في كل فكر حسن البنا ، فيرى أن النهضة تقوم على ثلاثة أركان؛ الأول : هو المثل الأعلى "الذي سما سمت نهضة الأمة وتوافرت لها وسائل القوة ، ولهذا كان المثل الأعلى الذي وضعه القرآن لأمته هو الإيمان بالله أولا ، ومن هذا الإيمان تستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران : 110]. وهذا المعنى للنهضة معنى تنفرد به الأمة الإسلامية؛ إذ تستند نهضتها إلى جانب الله والإيمان وسلوك سبيله ، وهو لا يكون في غيرها من النهضات".

والركنان الآخران للنهضة –عند حسن البنا- هما القوة المعنوية والقوة المادية ، وبهذه الأمور الثلاثة يتكامل الإطار النظري للنهضة ، فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها تبع ذلك حتما دوام التفكير في وسائل القوة المادية ، والتفكير في القوة نفسها ، وهذا هو ما يشير القرآن إليه في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد : 11] وقوله : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال : 60].

ولذلك كان طبيعيا أن يرى حسن البنا في السعي إلى تقليد الغرب ، ومحاولة أن نكون "قطعة من أوروبا" مخاطر جسمية تهدد كيان المسلمين والشرقيين عموما وتنسيهم "كرامتهم وعزتهم ومقدساتهم وتنسيهم مهمتهم". وهو يقرر بألفاظ مختلفة في المناسبات كلها أن أسا النهضة هو تقديم الإسلام باعتباره دينا في النظام الشامل والقانون المحكم و الدستور الكافل لسعادة الأمم ورفاهيتها وصلاحها في الحياة وبعد الحياة". وأن علينا أن نجعل هذا الإسلام المتمكن في نفوس أهله أساس للنهضة الشرقية الحديثة ، بذلك تصطبغ نهضتنا بصبغة شرقية مجيدة تجذب نحوها أفئدة الشعوب ، وتعيد للشرق مجده المسلوب وعزه المغتصب".

بل هو يرى أن منهجه في الدعوة إلى هذه النهضة هو الذي يحقق للأمة الإسلامية أن تستعيد "قيادة العالم إلى الخير" أو "أستاذية العالم" ، فهي ليست دعوة إلى نهضة محلية فسحب ، وإنما هي إيمان بأن الإسلام هو مستقبل الشرق والغرب معا في ظل الأخوة الإسلامية العالمية".

- و حسن البنا لا يرى إلا صورة الإسلام الشامل الذي يحكم الحياة كلها ، فهو يرد على الدكتور طه حسين حين ينشر كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" فيقول : " الذي نخالف فيه الدكتور طه حسين ، وغير الدكتور طه حسين ممن يؤمن بفكرته هذه : ادعاء أن هذا التفريق بين الدين و السياسة ، وبين الدين والقومية ، وبين الدين واللم نافع لنا متفق مع تعاليم ديننا. هذه دعوى ينقصها الدليل النظري والدليل التاريخي ، وتتنافى مع مصلحتها ومقومات نهضتنا. والذي يريد أن يجرد الإسلام عن معناه القومي وعن معناه الثقافي يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شيء اسمه الإسلام تؤمن به هذه الأمة وتدين به".

و حسن البنا يخاطب مخالفيه –في المقال نفسه- بقوله : "ألستم مسلمين أيها الناس ألا ترضون الإسلام حكما؟ .. نرجو أن تكونوا صرحاء.. وإن كنتم أمنتم بالإسلام على أنه حق ثابت فنحن نرضى أن نتحاكم جميعا إليه وحينئذ سنلتقي وسنتفق وستعلمون أن الدولة والقومية والعلم من أركان الإسلام".

وهو في رفضه لصورة الحياة الغربية ، ومحاولة نقلها إلى بلادنا يعلن أن "الإخوان سيحاربون بكل قوة كل داعية يدعو إلى فرنجة هذا الشعب أو صبغه بصبغة تتعارض مع روح الإسلام وأحكامه ، وإذا أصر الداعون إلى تقليد الأعمى على موقفهم فنحن لهم بالمرصاد وسننتصر بإذن الله".

- ولذلك كانت حرب حسن البنا على الاستعمار مستمرة في أطوار دعوته كلها ، وهو يسميه "استخراب" ، ويقول : إن لفظ "الاستعمار" بما يفيده من التعمير والإصلاح يستعمل "في هذه الأيام لغير ما وضع له" ، لأنه عامل فساد وإفساد في حياة الشعوب ، فهو لا يحمل للشعوب المستعمرة إلا البطش والغطرسة والذل والفقر والمسكنة ، وكلما دخل بلدا سلب الذمة من أهله ففسد خلقهم ، وضعفت نفوسهم ، وشاع الظلم ، ومات العلم وفشا الجهل "والمستعمرون – كما يرى البنا-" جعلوا نصب أعينهم كتم أنفاس المسلمين وخنق حريتهم ، وتهديد ثقافتهم المجيدة وإبدالها بثقافة خليعة مستهترة لا تمت إلى الفضيلة ولا تنتسب إلى الرجولة.. وهمم يرون أن تعاليم الإسلام وشدة روحانيته أكبر عائق أمامهم يعترض مطامعهم..".

- ومنهج المقاومة عند حسن البنا لا يوجد لا في القرآن ومبادئ الإسلام. والجانب الروحي فيه هو بعث "الإيمان بالله" وتقويته لتبديد اليأس من النفوس ، وترسيخ الأمل فيها ، فالقرآن يضع اليأس في مرتبة الكفر ، ويقرن القنوط بالضلال ، والقرآن ناموسا ربانيا لا يتغير ، ونظاما ربانيا لا يتبدل : أن الأيام دول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ).

والجانب المادي لا تقوم له قائمة إلا إذا اقترنت به "القوة الروحية" و" الخلق الفاضل" و " النفس النبيلة" و " الإيمان بالحقوق ومعرفتها" و "الإدارة الماضية في سبيل الواجب . " الوفاء الذي تنبني عليه الثقة والوحدة" .

ولدعائم الفكرية لهذا المنهج ثلاث؛ أولها : تحرير العقل وفتح آفاق التفكير أمامه ، كما دعا القرآن الكريم إلى ذلك وحث عليه ، و"البنا" يرى التفكير عبادة لا تعادلها عبادة ، لأن " القرآن ربط بين القلب المؤمن والعقل المفكر" والعقل "محكوم بحدود الشرع ، ولابد أن يسلم لخالق الكون ومدبر الآمر كله" وثانيها : العلم يؤازر القوة الروحية ويوجهها أفضل توجيه ويمدها بما تحتاج إليه عن مخترعات ومكتشفات ، والقرآن يجعل العلم فريضة كالقوة تماما ، لا يفرق بين علم الدين وعلم الدنيا ، بل أوصى بهما جميعا.

ولكن التمييز بين العلم الضار والعلم النافع ضروري ، فنحن "لم نبرع في المخترعات كما برعنا في الرقص والتمثيل؛ ولم ننبغ في العلم والمعارف نبوغنا في التهتك والخلاعة" والأخذ عن الغرب يجب أن يفرق بين النافع والضار من خصائص حضارته ، فإن لكل عصر وجهين : جميلا وقبيحا ، ومن الغبن أن نترك جمال العصر " العلم العلمي" لقبحه " التحلل والإلحاد والإباحية.. إلخ" ومن الخطأ أن نتهاون في قبحه لجماله ، بل نقف موقف الناقد البصير الذي يأخذ الطيب وينفي الخبيث ، وثالثها : تجديد التراث وتوحيد الثقافة ، وهو في ذلك متابع لاهتمام محمد عبده الذي يعتبر رائد مدرسة تحقيق التراث وتجديد الثقافة العربية بما صنعه من تحقيق مقامات بديع الزمان ، ونهج البلاغة للشريف الرضي ، وأسرار البلاغة ، ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني وغيرها.

أما الدعائم السياسية للنهضة فيراها حسن البنا في أربعة أمور :

أولها : القيادة التي تحدث في الأمة ثورة فكرية تدفع الإنسانية كلها –وليس أمة القائد فقط- إلى الأمام عدة مراحل.

والمثل الأعلى في ذلك هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

وثانيها : هو الوحدة التي ستزيل كل عوامل الفرقة التي تمزق شمل الأمة وهى –عنده- شرط لازم للاستفادة "موحدة الأوطان التي تمتد من المحيط إلى المحيط" وصورة هذه الوحدة عند البنا صورة عملية تتم بأن تقرر كل أمة من أمم العالم ا لإسلامي شعارا ثلاثيا هو النظام الإسلامي الاجتماعي في الداخل ، والتحرر من كل سلطان أجنبي في الخارج ، والتعاون بين الأمم الإسلامية في جميع أنحاء الأرض ، وهذه خطوة في سبيل الوحدة السياسية الكاملة التي تأتى بعد ذلك في أوانها.

وثالث الدعائم السياسية للنهضة : التحرر من الاستعمار ، فهو عدو كل نهضة ، وعائق كل تقدم ، ولا سبيل إلى التحرر من الاستعمار إلا باستخدام القوة ، وأهم وسائلها الجهاد المسلح.

والدعامة الرابعة : الحكم الإسلامي ، وبقصد به البنا إقامة السلطة السياسية الوازعة التي تجعل " نظام الحكم إسلاميا قرآنيا" والحكومة "إسلامية صحيحة الإسلام صادقة الإيمان مستقلة التفكير والتنفيذ...."

البنا- كما يقوم إبراهيم البيومي غانم –لا يعترف للأنظمة التي كانت قائمة في وقته بأنها إسلامية ، ومن ثم فهو لا ينتقدها فحسب ، وإنما يؤدى إلى نفى شرعيتها ، ولو بطريقة غير مباشرة.

وأيا ما كان الرأي في مدى واقعية الدعائم التي تصورها حسن البنا أساسا للنهضة ، وفي مدى التحديد أو التدخل يبدو في أفكاره فإن الثابت أن الفكرة التي أدلى بها حسن البنا دلوه في مجرى الفكر السياسي الإسلامي هي فكرة الإسلام الشامل لكل أوضاع الكون والمجتمع والفرد ، الجامع لكل أطراف الحياة ، المهيمن على كل شؤون البشر عقيدة وشريعة وسلوكا. فبالعقيدة تحدد نظرة الإنسان إلى الكون وموقفه منه ، وبالشريعة تحدد أسس نظرته إلى المجتمع ومكانه فيه وواجبه نحوه وحقه عنده ، وبالسلوك تتحدد وسائل التعامل بين الفرد والآخرين مسلمين كانوا أم غير مسلمين. فالإسلام كما تقدمه دعوة حسن البنا وفكره السياسي –فلسفة وقانون وأخلاق ، وهو يحكم عقل الإنسان وقلبه وظاهر أمره وباطنه. وهذا هو الإسهام الجديد الذي أضافه حسن البنا إلى الفكر السياسي الإسلامي ).


حسن البنا والوطنية

"كثير من الناس يغمزون الإخوان المسلمين في وطنيتهم ويعتبرون تمسكهم بالفكرة الإسلامية مانعا إياهم من الإخلاص للناحية الوطنية والجواب على هذا أننا لن نحيد عن القاعدة التي وضعناها أساسا لكفرتنا وهى السير على هدى الإسلام وضوء تعاليمه السامية.

فالإسلام أعتبر أن كل إنسان يحمل الخير لبلدة ويتفاني في خدمته فريضة فعلى كل إنسان أن يقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحما وجوارا حتى أنه لم يجد أن تنتقل الذكوات أبعد من مسافة القصر –إلا لضرورة- إيثارا للأقربين بالمعروف فكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعا لمواطنيه لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين وكان الإخوان المسلمون بالتالي أشد الناس حرصا على خير وطنهم وتفانيا في خدمة قومهم وإن حب المدينة لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحن إلى مكة وأن يقول لأصيل وقد أخذ يصفها.

"يا أصيل دع القلوب تقر" وأن يجعل بلالا يهتف من قراره نفسه أليت شعري هل أبيتن ليله بواد وحولي إذخر وجليل.

فالإخوان يحبون وطنهم ويحرصون على وحدته القومية بهذا الاعتبار ولا يجدون غضاضة على أي إنسان أن يخلص لبلده وأن يغنى في سبيل قومه وأن يتمني لوطنه كل مجد وكل عز وفخار.

ونجح البنا وحركته في تجاوز الخصوصية الإقليمية التي كانت عاده تطبع حركات التجديد والأحياء الإسلامية التي أسبقته أو عاصرته كالوهابية في الجزيرة العربية والمهدية في السودان والسنوسيه في المغرب العربي والنورسية في تركيا والجماعة الإسلامية في القارة الهندية.

ونجح البنا في بناء حركه يتوزع أفرادها على معظم بلدان العالم الإسلامي وتجمعات المسلمين في المهجر وتقود العمل الإسلامي في عدد من البلدان.

ونجح البنا في تقديم حركة قابله للحياه والاستمرار عبر الأجيال ولا تزال هذه الحركة تتمتع بالكثير من القوة والحيوية والانتشار على الرغم من كثرة الصعاب والمحن التي تواجهها.

أعتبر حسن البنا الوطن الإسلامي واطنا واحد وأمة الإسلامأمة واحده فكان يقول "أن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله هي جزء من وطننا له حرمته وقداسته والإخلاص له و الجهاد في سبيله خير. ولقد رأي الشيخ البنا أن الوطنية والعروبة و الإسلام دوائر متكاملة غير متعارضة وأن الشخص يسعه أن يحمل بكل إخلاص لمصلحة وطنه ويعمل في الوقت نفسه لعالمه العربي ولعالمه الإسلامي.

و حسن البنا –كما جاء في رسالة المؤتمر الخامس- فإن المسلمين هم اشد الناس أخلاصا لأوطانهم ولكن الفارق بين المسلمين وبين غيرهم من دعاه الوطنية المجردة أن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية كم أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها بل ويشركون كل أرض إسلامية وكل وطن إسلامي...

وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون أعادته ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا".

وعلى ذلك فإن اهتمام البنا –باليمن وقضية فلسطين جاء في السياق الطبيعي لفهمه الإسلامي وفي صميم برنامج عمله بل صار محكما لاختيار مصداقية وجدية فكره ودعوته .


حسن البنا والعروبة

دعا الإمام البنا –إلى الوحدة العربية بحماسة شديدة ، وتحدث عن ميزان العروبة وخصائصها ، والقيم التي تجلب بها وعرفت فقال : نحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق ، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل ، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر ، ولكن ليس معنى هذا أن نتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان ، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيله إلى النهوض بالإنسانية ، ولعلك لست واحدا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحدث الإمام عن الوحدة حديثا يغيض في الحماسة والاقتناع ، وربطة بالعقيدة ، وأصول الدعوة إلى الإسلام في مناسبات كثيرة وفي فترات متفاوتة ، كان واضحا ما جاء في خطابه بالمؤتمر الخامس عام 1938 م فقال : تم إن هذا الإسلام نشأ عربيا ، ووصل إلى الإمام عن طريق العرب ، وجاء كتابة بلسان عربي مبين ، وتوحدت الأمم بإسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين ، وقد جاء في الأثر : إذا ذل العربي ذل الإسلام ، وقد تحقق هذا المعنى حين زال سلطان العرب السياسي ، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ، فالعرب هم عصب الإسلام وحراسه ، وأحب هنا أن ننبه –يقول الإمام- إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة ، كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : "ألا إن العربية اللسان ، ألا إن العربية اللسان" ، ومن هنا كانت وحدة العرب لابد منه لإعادة مجد الإسلام ، وإقامة دولته ، وإعزاز سلطانه ، ومن هذا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها ، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية. ( 10 ).

ثم أكد الإمام المرشد على هذا المعنى في المؤتمر السادس الذي تم عده عام 1941 م وجاء فيه :

العروبة لها في دعوتنا مكانها البارز وحظها الوافر ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى وشعبه المتخير ، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب ( الجماهير ) العربية ونهضتها ، فهذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبدا معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد ، وجعلت من هذه الأقطار جميعا أمة واحدة مهما حاول المحاولون وافترى الشعوبيون ، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للسلام ولخير العالم كله. ( 11 ).

هذه هو رأي الإمام حسن البنا في العرب والعروبة والوحدة العربية ، وأزعم أن أعضاء الجماعة في خارج مصر، ولا سيما في بلاد الشام – سوريا و لبنان و فلسطين- و العراق لو أخذوا برأي الإمام حسن البنا ، ورفعوا لواء الوحدة العربية ومن المفاهيم التي حددها الإمام –في هذا الشأن ، لقطعوا الطريق على الحركات والأحزاب القومية التي حددها الإمام – جنوحا ضالا ، والتي اشترطت للوحدة العلمانية أو الماركسية مضمونا لها ، وأخذوا بكل ما يبعدها عن الإسلام ورسالته التي صار العرب بها خير أمه أخرجت للناس.

فالإسلام هو الذي خلد العربة حينما نزل بها كتابه العظيم وهو الذي علم العرب من جهالة وهداهم من ضلالة ووحدهم بعد فرقة وألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وأهلهم ليكونوا قادة الدنيا وأساتذة البشر والعروبة الحقه تتخذ من الأخوة الإسلامية درعا وسندا وعونا فلا يمكن الفصل بين العروبة و الإسلام فإن الرابطة بينهما رابطة طبيعية"فالمفكرين" القوميين و "قادة" الفكر العروبي هم الذين اتخذوا موقفا عدائيا صريحا أو مغلقا من الدين الإسلامي واعتبروا العروبة بديلا عن الإسلام حتى أن أحدهم كتب يوما في نشرة رسمية في دولة عربية ثورية.

أمنت بالبعوث ربا لا شريك له... وبالعروبة دينا ماله ثاني واسمع إلى ميشيل عفلق وهو يفارق بين الإسلام وين غيره من مراحل التاريخ العربي ، فيسوي بين الإسلام ، وبين جاهلية العرب وكفر حمورابي ، فيقول : "فهذه الأمة إلي أفحت عن نفسها وعن شعورها بالحياة إفصاحا متعددا متنوعا ، في تشريع حمورابي ، وشعر الجاهلية ، ودين محمد ( !! ) وثقافة عصر المأمون ، شعر واحد يهزها في مختلف الأزمان ، ولها هدف واحد بالرغم من فترات الانقطاع والانحراف". ( ميشيل غفلق ، في سبيل البعث ص77 ).

ومن الجديد بالذكر أيضًا ، أن جمهور الإسلاميين ينظرون بعين الشك والريبة في حقيقة أن رواد الدعوة إلى القومية العربية في بدايات القرن الميلادي المنصرم كانوا جميعهم تقريبا من النصارى الذين عادوا الدولة العثمانية ، وارتبطوا بروابط روحية وثقافية وطيدة بالمستعمر الأوروبي ، فهؤلاء لم ينظروا إلى العروبة باعتبارها تستظل بظلال الإسلام ، بل كرابطة بديلة عن الإسلام!

وفي سياق متصل اجتهد الإخوان المسلمون في الاستفادة من إنشاء جامعة الدول العربية ومحاولة توجيهها الوجهة التي تخدم العرب والمسلمين وحين دعا رؤساء وزارات الدول العربية المستقلة حينئذ إلى الإسكندرية لوضع ميثاق للجامعة قام الإخوان باستقبال الوفود العربية القادمة استقبالا شعبيا وجماهيريا حافلا وقاموا بإرسال برقيات التأييد والتشجيع للوفود المشاركة في اللجنة التحضيرية لوضع ميثاق الجامعة ويذكر محمود عبد الحليم في كتباه "أحداث صنعت التاريخ" أن الأستاذ البنا أعد مذكرة تفصيله تضع تصورا عمليا مقترحا لميثاق الجامعة وأهم الخطوط التي يجب أن يتضمنها منها الميثاق وأهم القضايا التي يجب أن يعالجها وقدمت إلى اللجنة وصدر ميثاق الجامعة الأول ويكاد يكون نسخة من مذكرة الإخوان المسلمين.

فقد حملت مذكرة الإمام البنا عنوان "رؤية للأمم العربية المتحدة" وقد تقدم البنا بها في 18/ 9/ 1944 إلى قادة العرب الذين اجتمعوا لتحقيق "جامعة الدول العربية".

وعن فكرة "العرب أمة واحدة" كتبت المذكرة إن ذلك "أعدل وأنجح وأوضح قضية في التاريخ "فقد اصطلحت على تكوين هذه الوحدة العربية وتدعيمها كل العوامل الروحية واللغوية والجغرافية والتاريخية والمصلحية وأن العرب من خليج فارس إلى المحيط الأطلسي ليتحدون بوحدتهم أية أمة متحدة في القديم والحديث وليست تعوز هذه القضية الأدلة والبراهين. ولكنها ثبات المؤمنين وعدالة المنصفين.

وتحدثت المذكرة عن تحقيق مظاهر الوحدة العربية فقالت :

فهناك خطوات أولية تعتبر وسائل عملية للوحدة المنشودة وهي في الوقت نفسه من حق الحكومات العربية اخالص التي لا ينازعها فيه منازع ومن تلك الخطوات :

1- رفع الحواجز الجمركية.

2- إلغاء جوازات السفر ومنح حرية المرور والتنقل في أي قطر من الأقطار العربية لكل عربي بعد التأكد من شخصيته وإباحة الهجرة والاستيطان على نظام واسع ميسر.

3- التوسع في التعاون الاقتصادي وتأليف الشركات العربية الواسعة النطاق من سكان البلاد العربية جميعا في أي قطر من هذه الأقطار ودراسة المشروعات العربية العامة دراسة مشتركة وإحياء ما تعطل منها كمشروع سكة الحديد الحجازية التي أنشئت بأموال العرب والمسلمين جميعا.

4- تنمية التعاون الثقافي والتشريعي والعسكري بتوحيد برامج التعليم ومناهجه وتوحيد منابع التشريع وقواعده وتوحد نظم التدريب العسكري وأساليبه ومؤثر الوحدة العربية طالبا من العرب جميعا بأن يعمل على تقرير هذه الخطوات ورسم الخطط الموصلة إلى تحقيقها وجميع الحكومات والشعوب العربية عليها تحقيق الأماني القومية ومساعدة الأمم الناشئة على نيل استقلالها واستكمال نهوضها.

وتأتي بعد الخطوة السابقة خطوة ثانية ، فإن للبلاد العربية مطالب قومية وحقوقا سياسية لم تنلها بعد. ولا فائدة من ذكر العوامل التاريخية والحوادث التي أدت إلى انتقاض هذه الحقوق واغتصابها ولكن الذي يفيد ويجدي الآن أن نواجه الأمر الواقع والوضع القائم ونجاهد في سبيل تحقيق هذه المطالب وتخليص تلك الحقوق ، وعلى مؤتمر الوحدة العربية ولجنته التحضيرية أن يرسم للشعوب والحكومات طرائق هذا الجهاد المشترك وأن يقرر تكاتف الجميع في سبيل كسب هذه القضايا التي منها :

1- العمل على استكمال استقلال مصر والمحافظة على وحدة وادي النيل ، فكل محاولة يراد بها انتقاص استقلال مصر أو تقييد هذا الاستقلال أو تمزيق وحدة وادي النيل عمل ظالم ، يؤثر في كيان الأمة العربية العام ، وعلى كل شعب عربي وحكومة عربية أن يشد أزر مصر وحكومتها وشعبها في سبيل هذه القضية حتى تفوز فيها. ويجب أن يكون مفهوما للرأي العام العربي العالمي كله أن مصر حين تتمسك بوحدة وادي النيل لا تعتدي بذلك على شعب من الشعوب ولا تستبعد أمة من الأمم ولا تطمع في توسعة حدودها ، أو زيادة مساحة أرضها أو تنمية ثروتها على حساب غيرها ، فكل هذه المزاعم باطلة لا وجود لها ، ولكن مصر حين تتمسك بالنيل الأعلى تحقق بذلك وحدة شعبها. فمصر و السودان أمة واحدة. وتحافظ على تصميم كيانها وتضحي بكثير من مواردها وثروتها وجهودها. وأن حاجة هذا الجزء من الأرض إلى مصر لأعظم بكثير من حاجتها هي إليه.

2- العمل على استكمال استقلال البلاد الشامية على اختلاف أقسامها. وإذا صرت لبنان ومثيلاتها على المحافظة على استقلالها فليكن ذلك لها حتى يقنعها الزمن وتثبت لها الحوادث أن من خيرها بل من ألزم للوازم لها أن تعود إلى أحضان أمها "سورية الكبرى" وأن ذلك لقريب فنحن في عصر الوحدات القوية والكتل الشعبية الجامعة –وما دامت ستتفق مع غيرها من الشعوب العربية على كل مقومات الوحدة العملية فحسبنا ذلك منها الآن ولعل من الخير للمؤتمر وللبلاد الشامية خاصة والعربية عامة ألا تجعل من هذه القضية عقبة تصطدم بها في فورة الشعور وثورة الحماسة حتى يفصل فيها الزمن والزمن جزء من العلاج.

3- العمل على حل قضية فلسطين حلا يتفق مع وجهة النظر العربية ويؤدي إلى سلامة هذا الجزء من الوطن العربي –وهو منه بمثابة القلب من الجسد- وعلى المحافظة كل المحافظة على أن يظل عربيا خالصا وغلى دفع العدوان اليهودي وذبذبة السياسة الدولية عنه بكل الوسائل ، فإن العرب جميعا وفي مقدمتهم أعضاء اللجنة يدركون مدى الأخطار العربية التي تهدد كيان الأمة العربية وتحطم أمالها إذا استقرت اليهود في فلسطين. والشعوب العربية كلها قد وطدت العزم على أن تستنفذ فلسطين مهما كلفها ذلك من الجهود والتضحيات.

وإننا لنعطف على اليهود في محنتهم ولكن ليس معنى هذا العطف أن يكون إنصافهم بظلم غيرهم وإيوائهم بإخراج سواهم أو مضايقتهم في أوطانهم. وفي ممتلكات الدول الحليفة وأراضيها ما يتسع لإضعافهم وما هو في حاجة ماسة إلى كفايتهم ونشاطهم.

4- مساعدة بقية أقطار الجزيرة العربية "العراق وملحقاتها –و المملكة العربية السعودية وملحقاتها- و اليمن وملحاقاتها على استكمال استقلالها ونهضتها ودفع الدسائس السياسية المختلفة عنها وبخاصة وهي الآن في مهب عاصفة قوية من التنافس الدولي الشديد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هي أمامها أحوج ما تكون إلى من يشد أزرها ويبصرها بمواقع الخير والشر لحاضرها ومستقبلها وليست هناك فرصة للنظر والاختيار أبدع ولا أوسع من هذه الفرصة التي إن أفلتت اليوم فلن تعود إلا بعد حين.

5- العناية بتحرير الأقطار في شمال أفريقيا وإدخالها في دائرة الوحدة. فليبيا بقسميها "بقة وطرابلس" يجب أن تعود إليها حريتها واستقلالها وأن تظل قطرا واحدا تحت لواء حكومة من أهلها بعد أن زال عنها سلطان الغاصب المعتدى وأن شأنها في ذلك شأن سواء بسواء فإذا كان البريطانيون قد حاربوا وحدهم الطليان حتى أجلوهم عن الحبشة ثم سلموها موحدة مستقلة لإمبراطورها السابق فإن من واجبهم وقد طردوا هذا العدو البغيض عن ليبيا بمساعدة أهلها ومساعدة الشعوب العربية لهم في ذلك أن يعيدوها لأهلها موحدة مستقلة كذلك وليس هناك ما يدعو إلى تمزيق وحدتها وتقسيم أرضها ومعاملتها بغير الأسلوب الذي عوملت به سابقتها.

و تونس و الجزائر ومراكش بلاد عربية وقعت تحت الاستعمار الفرنسي باسم الحماية تارة والاستعمار تارة أخرى وقد جاهدت في سبيل حريتها واستقلالها جهاد الأبطال ولم تعترف بهذه الأوضاع التي رسمتها لها السياسية الاستعمارية في يوم من الأيام. ثم ساهمت أخيرا في المجهود الحربي للحلفاء مساهمة عظيمة أطلقت ألسن زعماء الأمم المتحدة بالثناء عليها وسجلها المستر تشرشل في خطبة بالإعجاب والإكبار ، وما كان جيش فرنسا الحرة الذي حارب في صفوف الحلفاء في شمال أفريقيا وفي إيطايا وفرنسا إلا هؤلاء الجنود البواسل من أبناء هذه الديار العربية الصميمة ومن واجب المؤتمر العربي أن يطالب بحقوق هذه البلاد كاملة وأن ينقذ م براثن الظلم والعدوان عشرين مليونا من العرب لا زالوا متمسكين بعروبتهم مطالبين بحرية بالدهم مهما أراد المستعمرون أن يظهروهم بغير هذا اللون –لقد حاول هؤلاء الغاصبون خلال هذه السنوات الطوال أن ينالوا من عروبتهم بالثقافة الأجنبية ومحاربة اللغة العربية والغزو الاجتماعي ، وأن ينالوا من وطنية هؤلاء العرب المجاهدين.

بالتجنيس وبالإرهاب والضغط الشديد ، وأن ينالوا من دينه بالتبشير ومقاومة الأوضاع الإسلامية بمثل الظهير البربري فلم يجدهم كل ذلك نفعا وما زال شمال إفريقية وسيظل عربيا مسلما.

ونرى أن من واجب اللجنة أن تدعو إلى المؤتمر ممثلين من أبناء هذه البلاد ومن أبناء فلسطين ليبسطوا أمامه قضاياهم ومطالبهم.

وتحدثت المذكرة عن "الكيان السياسي للأمم العربية المتحدة" ولاحظ كلمة "الأمم العربية" وليست "الدول العربية" فقال :

وتأتي بعد الخطوة السابقة خطوة ثالثة يكمل بها بناء الوحدة العربية تلك هي لون الكيان السياسي العام لهذه الحكومات العربية المتحدة –ولا نظن أن الوقت قد حان أو أن الظروف قد تهيأت لمثل هذا البحث كما لا تظن أن من مهمة المؤتمر أن يختار شكل الحكومات فإن ذلك متروك للشعوب نفسها يتخير كل شعب منها لنفسه النوع الذي يريد ولكن الذي يجب أن يعمل له المؤتمر بهذا الخصوص ويقرره من الآن :

أن يحتفظ بالحكومات العربية المستقلة بحق التمثيل فيما إذا أجرى استفتاء للشعوب العربية المحررة أو التي لا تستقر حكومتها الوطنية بعد. وإن يقرر من الآن من ألوان الارتباط السياسي بين الحكومات العربية كمجلس استشاري أعلى تستطيع بواسطته أن يتصل بعضها ببعض بطريقة دائمة منظمة ويكون أساسا لوحدة أتم وأكمل في المستقبل إن شاء الله وواصل الإمام البنا بعد ذلك رسائله لحكام المنطقة العربية والإسلامية وأيضًا إلى رموز الحركة الإسلامية والاجتماعية بعدد منهم في موسم الحج مثل اجتماعه مع أمين الحسيني ففي القدس والذي أكروا فيها على تحديد فلسطين–كذلك اجتماعه مع التأثر اليمني عبد الله الشماحي وتعهدهما على دعم الجهاد اليمني ضد حكم الأئمة المتخلف.

ومع تطور حركة الجماعة أسس البنا قسما خاصا أطلق عله "قسم الاتصال بالعالم الإسلامي" وذلك في عام 1944 وأصبح للإخوان المسلمين عمل منظم ودور كبير في دعم قضايا العالم العربي والإسلامي واتخذ هذا الدعم صورا متعددة منها استضافة قادة حركات الجهاد في العالم الإسلامي بالمركز العام للإخوان المسلمين ولم يكن يمر أسبوع حتى تظهر في المركز العام شخصية مرموقة أكثر من جميع أنحاء العالم الإسلامي وكان منهم الحبيب بورقيبه و الشاذلي المكي من تونس و أحمد سوكارنو و اجوس سالم من أندونسيا و إسماعيل الأزهري و أحمد خير من السودان و عبد الكريم الخطابي و علال الفاسي من المغرب و الفضيل الورتلاني من الجزائر و أمين الحسيني و صبري عابدين من فلسطين وأحمد النعمان و محمود الذبيري من اليمن.

كما عمل القسم على الاهتمام بالطلاب الوافدين للدراسة في مصر على أن يكونوا هم نواة لأفكار الجماعة عند عودتهم لبلادهم.

وقد قدم "قسم الاتصال بالعالم الإسلامي" المذكرات والاحتجاجات وإرسال البرقيات مناصره لقضايا المسلمين.

وفي وثائق رسمية فرنسية نشرت رسالتان من السفارة الفرنسية بالقاهرة يقال فيهما لقد أرهقنا الإخوان المسلمون من كثرة ما أرسلوا إلينا من العرائض التي تندد ببقائنا في الجزائر وسائر دول شمال إفريقيا وتطالب بجلائنا عنها والعديد من العرائض والاحتجاجات المتعلقة بفلسطين ويقول عادل الضوي الباحث في الحركات الإسلامية أنه منذ المؤتمر العام الذي عقده البنا في عام 1935 تم تمكين الدعوة بالخارج بمختلف الوسائل وفي سنوات قليلة استطاعت الجماعة تأسيس عدد كبير من تنظيمات الإخوان في العالم الإسلامي ومن خلال قسم الاتصال أسس الإخوان فروعا لهم في فلسطين 1932 ثم سوريه سنة 1944 ثم الأردن سن 1945 ثم السودان 1946 و المغرب سنة 1946 و الكويت سنة 1947 و لبنان 1949 و اليمن 1946 بالإضافة إلى تأسيس عدة شعب في إندونسيا وإيران و أفغانستان و تركيا كما أسسوا فرعا بالعراق تحت اسم جمعية الإخوة الإسلامية.

وظلت الجماعة توسع من نشاطها الخارجي ، ولكن ليس بهدف صناعة تنظيم دولي بدر ما هو أحياء للأمة الإسلامية على أمل إعادة الخلافة الإسلامية.

فقد اعتبر البنا أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام وأنها شعيره إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله و الإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن تسبقها خطوات –لابد من تعاون تام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها –يلي ذلك تكوني الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد- ثم يلي ذلك تكوني عصبه الأمم الإسلامية حتى إذا تم للمسلمين نتج عنه الاجتماع على "الإمام" الذي هو واسطة العقد ومجتمع الشمل ومهرى الأفئدة وظل الله في الأرض ومن هذا المنطلق يؤكد البنا أن "فلسطين وطن لكل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام وباعتبارها مهد الأنبياء وباعتبارها مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله" ويرى البنا أن " قضية فلسطين هي قضية كل مسلم ويربط طرح الإخوان بشكل محكم بين الإسلام و فلسطين وهو طرح لا يقرر فقط المكانة الدينية لفلسطين أو الترابط العاطفي والتاريخي معها ولكنه يعد التخاذل عن حمايتها ونصرتها تخاذلا عن نصره الإسلام نفسه وذلك إلا أخ لنا فيمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله وظاهر على الإسلام ومن أعانها وبذل لها وأمدها فقد انتصر لله ورسوله ودافع عن الإسلام. ويتكرر هذا الربط المحكم في موضع آخر عندما ينص في مقال نشرته مجلة النذير في 25/ 3/ 1937 على أن القول "مالي ولفلسطين في هذه الظروف معناه مالي وللإسلام ففلسطين ليست قضية وطن جغرافي بعينه وإنما هي قضية الإسلام الذي تدينون به فما فلسطين إلا قطعة مصابة من الجسد الإسلامي العام ولبنة مزعزعه م لبنان بثيابه فكل قطعة لا تتألم لألم فلسطين ليست من هذا الجسد وكل لبنة لا تختل لاختلال فلسطين ليست من هذا البنيان.

ويرى البنا وجوب الجهاد لتحرير فلسطين ونصره أهلها فقد ذكر في رسالة أرسلها إلى السفير البريطاني في القاهرة ونشرتها النذير في 26/12/1938 أن "الإخوان سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميا عربيا حتى يرث الله الأرض ومن عليها" وقال في رسالة بعثها في مايو 1939 إلى رئيس وزراء مصر محمد محمود "إن الإنجليز و اليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم.

وقد عبر فكر البنا عن حاله نضج مبكرة ومتقدمه في جديه العلاقة بين مشروع النهضة الإسلامية وبين تحرير فلسطين حي رأي أن حل قضية فلسطين سيكون بتلازم خطى الوحدة و الجهاد فالمشروعان بالنسبة له يمكن أن يسير جنبا إلى جنب يسندا أحدهما الأخر ويكمله لا ينبغي تعطيل مشروع في انتظار إنجاز الأخر آذان تحرير فلسطين يستدعى العمل على نهضة الأمة لتستكمل عناصر قوتها ووحدتها وبالتالي تكون مؤهلة للاستجابة لتحدى التحرير وهزيمة المشروع الصهيوني.

ولذلك نجد في أدبيات الإخوان التي يعود بعضها إلى سنه 1936 إن العمل لقضية فلسطين لن تقف بركته عند تحقيق الوحدة العربية بل أنا ستحقق أيضًا الوحدة الإسلامية ورأى البنا في مقال نشرة في النذير في 27/7/1938 أن قضية فلسطين وثورتها كان لهما أثر كبير طيب على بلدان المسلمين فعندما قامت الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936 أعادت الجهادإلى الواقع مرة أخرى وقام الفلسطينيون "يحسنون من جديد صناعه الموت" وسرى هذا التيار "من نفس الفئة المجاهدة القليلة في جوار الحرم المقدس إلى شباب الإسلام والعرب على حد تعبيره وخاطب البنا أهل فلسطين "أيها الفلسطينيون ولو لم يكن من نتائج ثورتكم إلا أن كشقتم غشاوات الذلة وحجب الاستسلام عن النفوس الإسلامية وأرشدتم شعوب الإسلام إلى ما في صناعه الموت من لذة وجمال وروعه وريح لكنتم الفائزين" .

ويربط البنا بين عدم القدرة على تحرير فلسطين وبين ضعف المسلمين وتخلفهم عن دينهم وبمعنى أخر فغن عملية التحرير مرتبطة بعملية استنهاض الأمة فيذكر في النذير في يوليو 1938 أن "قضية فلسطين لم تحل ليس لأن المسلمين لا يقدرون بل لأنهم لا يريدون وهو لا يريدون لأنهم لا يشعرون وذلك لأنه مسلمون أدعياء".

وفي سعيه لتشجيع التواصل بين المسلمين والدفع باتجاه مشروع الوحدة اتصل البنا بعدد من القيادات العربية والإسلامية للحصول على دعمهم لعقد مؤتمر لنصرة فلسطين وكتب البنا في أكتوبر 1937 في النذير أيها المسلمون لا تضيعوا دقيقه دون التحضير للتحرير ولتكونوا قادرين بعد ذلك على اختيار ميدان المعركة بدل أن تساقوا كالخراف أيها المسلمون أنتم تحتاجون القوة وتحتاجون الوحدة التي أول خطوة لتحقيق القوة "وهي رسالة تعبر عن فهم البنا للجمع بين مشروعي الوحدة والتحرير.

وعلى الرغم من أن الكثير من أدبيات الإسلاميين لم تكن تفرق إلى سنوات قريبة بشكل واضح بين معاداة أو محاربة اليهود لمجرد كونهم يهودا وبين معاداة ومقاتله اليهود المعتدين في فلسطين فإن حسن البنا منذ مرحله مبكرة جدا قدم تصورا واضحا يفرق بين اليهود باعتبارهم هم أهل كتاب تجرى الأحكام العامة ولهم حقوقهم المعروفة في الفقه الإسلامي وبين اليهود الصهاينة المعتدين تجب محاربتهم لقيامهم باغتصاب ارض المسلمين وحقوقهم.

وهو ما أده البنا أمام لجنه التحقيق البريطانية الأمريكية في 5/3/1946 ورفض البنا الظلم الذي تعرض له اليهود في أوروبا لكنه رفض أن يتحقق أنصافهم عبر ظلم أهل فلسطين والعرب وذكر البنا "لاشك أننا نتألم لمحنه اليهود تألما شديدا ولكن ليس معنى هذا أن ينصفوا بظلم العرب وأن ترفع عنه بهلاك غيرهم والعدوان عليه".

وكان البنا قد رفض وعد بلفور بشدة وعبر عن سخطه على السياسات القمعية البريطانية و مصادرة الحريات وإرهاب الأمنيين ونفى الزعماء وأعلن تضامنه مع الحاج أمين الحسيني كما حذر الوفود الإسلامية إلى مؤتمر لندن مارس 1939 من المكر والخداع البريطاني فقد أعتبر بريطانيا هي أصل الداء وسبب كل بلاء وطالبها بوقف الهجرة اليهودية وقفا ناما وإعادة المبعدين وتعويض المتضررين. والواقع أن الإخوان من أوائل وأبرز الجمعيات التي اهتمت بفلسطين وحركت الجماهير للتفاعل معها وخصوصا منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

وكانت أول محاولة لنشر دعوتهم خارج مصر بدأت بفلسطين عام 1935 وعاده ما يذكر الإخوان أن أهم أسباب أنشاء البنا للنظام السري الخاص داخل جماعة سنه 1940 تقريبا هو مشاركة أعضائه في الجهاد لتحرير فلسطين من الانتداب البريطاني وإفشال المخطط اليهودي وقد كان أعضاء هذا النظام يختارون من خلاصة الإخوان ويخضعون لتدريبات بدنيه شاقه فضلا عن التدريب على السلاح.

وكل ما سبق هو إطلاله على فكر حسن البنا وفكره ورؤيته للوطنية والعروبة و الإسلاموموقفه من قضية فلسطين وكل ذلك ضروريا للوقوف على دور حسن البنا و الإخوان عموما في ثورة اليمن أو ثورة الدستور عام 1948 وهو ما سنتناوله في الفصول القادمة وسيسبق ذلك فصل يوضح أحوال اليمن قبل قيام الثورة 1948.


هوامش الفصل الأول

( 1 ) لمزيد من التفاصيل عن حياة حسن البنا وجماعه الإخوان راجع محمود عبد الحليم- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ثلاثة جزاء- دار الدعوة بالإسكندرية 1978- إبراهيم البيومي غانم- الفكر السياسي للإمام حسن البنا- دار الشروق -2001 أحمد أنس الحجابي – روح وريحان- دار النشر والتوزيع الإسلامية 1986حسن البنا- مذكرات الدعوة والداعية –دار النشر والتوزيع الإسلامية 1987أنور الجندي الدعوة حياه رجل وتاريخ مدرسة- مكتبه وهبه 1984 كذلك أنظر مجله الدعوة خاصة الأعداء الصادرة في ذكرى استشهاد حسن البنا 13/2/1951 -12/ 2/1952- 10/ 2/0/1953.

( 2 ) تراجع الشيخ على عبد الرازق عن مغالطاته وأعلن توبته فقال في حديث صحفي "إن عبارة فصل الدين عن الدولة جمله ساقها الشيطان على لساني ( مجله الرسالة يونيه- 1951 ) بل وصل الأمر إلى رفضه نشر كتابه مره أخرى حتى وفاته عام 1966 بل أوصى بعدم نشره على الإطلاق بعد وفاته وقد عاد على عبد الرازق إلى الأزهر مرة أخرى وإلى زمرة العلماء بل أكثر من ذلك تقلد الرج وزارة الأوقاف مرتين الأولى في وزارة النقراشي الثانية في وزارة إبراهيم عبد الهادي.

( 3 ) رفض الإخوان التميز بين الدين والدولة حيث يؤكد حسن البنا أن الذين يظنون أن تعاليم الإسلام تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في ذلك فالإسلام –كما يقول "عباده وقيادة ودين ودوله وروحانية وعمل وصلاه وجهاد وطاعة وحكم ومصحف وسيف لا ينفك واحد م هذين عن الآخر.

( 4 ) أكد البنا أنه ليست هناك طبقه دينيه في الإسلام ولذا فلم يكن هناك خوف من الحكم الديني كما كن معروفا في أوروبا المسيحية بل لقد ذهب حسن البنا إلى أن رجال العقيدة مختلفون حول العقيدة نفسها ويقول عبد القادر عوده في كتابه ( الإسلام وأوضاعنا القانونية ) "قيام الدولة على أساس ديني لا يقتضى أن يكون لرجال الدين أي سلطان خاص ولا يقتضى حمل الناس على عقيدة معينه وأفضل مثل لذلك هو الإسلام فالإسلام يوجب أن تقوم الدولة على أساس الدين الإسلامي.. وبالرغم من ذلك فإن الإسلام –في الوقت نفسه- لا يعطى علماء الإسلاموفقهاء أي سلطان" ومن الواضح أن كلمه إسلام لدى الإخوان المسلمين ليست مرادف للدين فهي تشمل في معناها الإجمالي الديني والاقتصاد والمجتمع و السياسة وبمعنى أدق فإن الدولة ليست مناقضة للدين وغنما كل منه يعبر عن الإسلام ويوضحها حسن البنا أكثر حين يقول أن " الإخوان ليسوا جماعه دينية بالمعنى الغربي لهذه الكلمة فهي لا تعنى ما لقيصر وما لله لله فغن قيصر وما عليه لله وحده" والواقع أن من يطالب بفصل الدين عن السياسة حاليا مأخوذا بما فعلته أمم كانت تدين للكنيسة بالطاعة لأنه يظن خطأ أن السياسة في الإسلام أو الاقتصاد الإسلامي كلاهما ذو رائحة دينية من النوع الذي خاصم العلم والعلماء. فالإسلام حرم وجود هيئات "إكلير كيه" ثم إن الدين في الإسلام ليس له مصلحه في أن يقف في وجه العلم ومن أجل هذا كان سوء السمعة –الذي أكتسبه بعض الأديان لما صاحب تاريخها من قتل الناس صبروا في غرق التعذيب وتقديم نوابغ العلماء طعمه للثيران في ساحات المدن الكبرى باسم الدين- يجب أن لا ينسحب على الإسلام بأي وجوه من الوجوه.

الفصل الثاني : أحوال اليمن قبل ثورة 1948

طبيعة الإمامة الزيدية في اليمن

نظام الحكم في اليم يقوم على أساس الشريعة الزيدية ويعتبر المذهب الزيدي أكثر المذاهب الشيعية اعتدالا ، وأقربها إلى مذهب جماعة المسلمين من السنيين –وأهم ما يمتاز به عن بقية مذاهب الشيعة ، عدم المبالغة في تقديس على وجعله في مصاف "الأنبياء" كما هو مذهب الغلاة من الشيعة وعلى الرغم من أن أتباع الزيدية قد حصروا الأمامه في أولاد فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم لم يقصروها على فرع معين ، بل أجازوا لكل فاطمي ، عالم ، زاهد شجاع ، سخي ، خرج بالأمانة ، أن يكون إماما ، واجب الطاعة ، سواء كان من أولاد الحسن ، أو من أولاد الحسين –وهم بذلك يرفضون الفكرة القائلة بأن لا إمام بعد الإمام الثاني عشر.

وإذا كان الزيديون يتفقون مع باقي المذاهب الشيعية الأخرى على أحقيه على وأبنائه من فاطمة بالأمامة فأنهم يذهبون أيضًا إلى جواز أمامه المفضول ، مع وجود الفاضل والأفضل –ولذلك ، فالزيديون لا يتبرؤون من أبي بكر وعمر ، كما يفعل غيرهم من الشيعة ، بل أنهم يقولون بصحة إمامتهما –ولهذا تبدو الزيدية أكثر الفرق اعتدالا ، وأقربها إلى السنة بوجه عام.

والإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه رضى بما اختاره أهل الحل والعقد في "سقيفة بني ساعده" كما أن عليا أثنى أطيب الثناء على الخلفاء الذين تولوا قبله أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم جميعا ورفض الأمام زيد أشد الرفض أن يذكرهما إلا بالخير وقرر ما يستناد منه صراحة أن مصلحه الأمة تقضى أن يسبقا علينا رضي الله عنه.

وقد ترتب على هذا ، أن مسألة الخلاف تحول هذه النقطة بين علماء الزيديه وأهل السنة جاءت يسيرة ، إذا قورنت ببعض المذاهب الأخرى ، أما إذا تتبعنا المسائل الخلافية الأخرى بين المذهب الزيدي والمذاهب الشيعية المختلفة –فإننا نجد أن معظمها يدور حول المسائل الفرعية في أصول الفقه الإسلامي.

كما أجازت الزيدية أن يكون هناك أكثر من أمام ، إذا كانت مناطق نفوذ كل منهم متباعدة بعدا كافيا.

وشروط الإمامة عند الزيديين هي أربعة عشر شرطا –تتلخص في أن يكون الإمام مكلفا ، ذكرا ، حرا ، مجتهدًا ، فاطميا ، عدلا ، سخيا ، ورعا ، سليم العقل ، سليم الحواس ، سليم الأطراف ، صاحب رأي وتدبير ، مقدما ، فارسا. وكان الشرط الأخير للإمامة من الأمور الهامة في المذهب الزيدي ، التي أثرت في تاريخ اليمن ، وأدت إلى تعدد الأئمة الزيديين في وقت واحد ، وقيام كثير من الفتن والاضطرابات في اليمن ، وبخاصة عندما أضعف الحكم العثماني من سلطة الإمامة المركزية ، وأخرجها من صنعاء ، فلجأت إلى مدينة صعده –المركز التاريخي للزيدية في شمال –وظهر العديد من أدعياء الإمامة ، الذين تنافسوا فيما بينهم.

ونلاحظ في هذا الصدد ، أننا لا نرى أن للزيديين سلالة متصلة ، بل هي منقطعة ، وإن كانت في بيت معين فهم يحق يؤمنون بما نستطيع أن نسميه "الانتخاب الطبيعي" للحاكم ، وأن كانوا يحصرونه داخل نطاق محدد.

وقد شكل نظام الإمامة الزيدية ، بنظرته السياسية الدينية ، العقبة الأولى في وجه الاستقرار السياسي ، والتطور التقدمي في اليمن –وكان ذلك نتيجة لعوامل متداخلة اقتصادية واجتماعية وجغرافية وثقافية وتاريخية.

وقد نشر الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المذهب الزيدي في اليمن 280هـ وبايعته القبائل أماما فحكم بالعدل وقد توفى في 238هـ 911 م بعد أن نجح في نشر المذهب الزيدي في جبال اليمن وبعد أنوضع الأساس للدولة اليمنية الزيدية وقد ورثه الأئمة الزيديون في حكم اليمن بعد أن أصبح معقل الزيدية الحصين خلال عشرة قرون بعد ذلك حتى أخر أئمتها المهيمن الأمام يحيى في عام 1948 م وإن استمرت بعد ذلك تعانى اضطرابا إلى قيام ثورة اليمن عام 1962 فانتهى حكم الأئمة.

والإمام يحيى حكم اليمن 44 سنة ( 1904 -1948 ) وهو أشبه بشخصيات الأمراء الذين ظهروا في العصور الوسطي يحكم اليمن بطريقة شخصية تماما فهو السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والميزانية وثروة الإمام الشخصية شيء واحد لا انفصال بينهما وتقدر ثروة الإمام الشخصية بـ160 مليون ريال على الأقل ومن النادر أن يغادر الأمام عاصمته.

وقد طور الإمام يحيى –شأن غيرة من الأئمة الذين سبقوه- نظامه الخاص بالتجسس والاستخبارات إلى الحد الذي يمكنه من التعرف على كل ما يجرى داخل مملكته كما يتيح له القضاء على المؤامرات أو الثورات في مهدها. ولم تكن مخابراته الخاصة هي الوحيدة على الأرض لا توجد فيها صحف أو محطة للإذاعة بالمعنى المعروف فقد كان لكل حاكم محلى ولكل شريف وكل شيخ قبيلة أو أي موظف حكومي هام جهازه السري الخاص به ، لإحاطته وتزويده بالمعلومات عن التبديلات والتغيرات السياسة حتى يستطيع أن يحمى نفسه من ناحية؛ ولكي يعرف ما يجري في المناطق المختلفة من ناحية أخرى.

ومع أن الإمام قد قسم مملكته في عام 1944 إلى أربع –ثم بعد بضعة أشهر- إلى ست مناطق ، وهي كل من الألوية التالية : صنعاء –تعز –الحديدة- إب- صعده- حجة. وعين لكل واحدة منها حاكما ، كان للواحد منهم قدر ضئيل من حرية العمل طالما أن الإمام قد أصر على تركيز السلطة في يديه وحرص على ضرورة استشارته حول كل التفاصيل مهما بدا أن الأمر تافه واتخذ بنفسه كل القرارات ذلك لأن يحيى لم يكن ليثق في أي واحد ي السلطة باستثناء واحد وهو ابنه ولي العهد الأمير أحمد. وكان ذلك يعنى أن تسير أمور الدولة ببطيء شديد. حيث تكتب كل الطلبات مسبقا على قطعه م الورق تسلم للإمام وبعد أن يلقى عليها نظرة سريعة يسجل قراره على ظهر الورقة أو في أعلاها. وقيل أنه كان ينظر خلال فتره شبابه في حوالي ثلاثمائة طلب يوميا ، ولكن في أخريات أيامه وعندما انتابه المرض أقتصر على قدر ضئيل من هذا العدد إن الأسلوب المعوج ( المحاط بالرشوة والمراوغة ) الذي كانت تصل به الطلبات إلى الإمام وتخرج به من عنده جعل الأمور تسير أكثر بطئا كما أن وزراء الدولة –الذين كانوا إما من أقربائه أو أصدقائه- كانوا بنفس القدر عاجزين عن القيام بأي تحرك دون إذنه المسبق. وفي الشئون الخارجية كان الإمام يستمع إلى مشورة راغب بك –الدبلوماسي التركي السابق- الذي وثق به وعمل في خدمته منذ عام 1919 ، وإن لم يكن له هو الأخر أي حرية في العمل بشكل مطلق.

ولقد قام المستخدمون الأتراك في بداية حكم الإمام يحيى بإدارة الهيكل التنظيمي للإدارة المدنية ، ثم بعد ذلك مارسه العراقيون والفلسطينيون وعناصر أخرى من دول الشرق الأوسط ، وبغض النظر عن كفائتهم ومهارتهم وثقتهم فقد ظلوا لا حول لهم ولا قوة في اتخاذ القرارات والمبادرات الفردية وعندما وقع الإمام فريشة المرض وشغل بأعمال أخرى فإن الجهاز الحكومي توقف عمليا طالما أن أي موظف أو حاكم لواء لا يجرؤ على خلق سابقه بالتصرف دون الرجوع إلى سلطة الإمام المباشر.

وبالنسبة للأفراد العاديين فإن قوانين الدولة بسيطة وواضحة ، فبالنسبة للسرقة تقطع اليد ، وربما تدق في مسمار في مكان عام كتحذير واضح. وعند المخالفة للمرة الثانية يجوز بتر اليد الأخرى.

وبالنسبة لجريمة التزوير والافتراء يتم قطع اللسان وأحيانا ما يبتر القدم نتيجة لمخالفة دينية أو مدنية. بينما تثبت القيود الحديدية حول الكعوب لمدة زمنية معينة عقابا لارتكاب بعض الجنح أو إلى أن يتم الوفاء بالدين أو لمجرد الإيقاع في مزيد من المتاعب ، ويعد ذلك أمرا شائعا.

ويتلق الناس جزاءهم بشيء من المصانعة ويمضون في سبيل ممارسة أعمالهم اليومية.

وغالبا ما تعد جريمة القتل مسألة تهم العائلات والأسر المعنية فقط ولا تعرض على الإمام أو قضاته إلا عندما يكون التعويض غير مرض أو عند إعلان إهدار دم القاتل.

ويمكن لأقارب القتيل أن يطلبوا توقيع عقوبة القتل في كل الحالات ، ولكن بالنسبة لذلك التعويض الجزائي فأحيانا ما يتدخل الإمام أو قضاته لحثهم على الرأفة والرحمة.

وتعتبر المشروبات الكحولية والموسيقى والرقص شرورا أجنبية سيئة محظورة. ولكن يبدو أن تلك الآثام يمارسها بعض شباب الطبقات الغنية في سرية تامة داخل بيوتهم الخاصة. ويعتبر اليهود المصدر السري للمشروبات الكحولية المحظورة طالما قد سمح لم بصناعتها لاستخدامهم الشخصي في أحيائهم الخاصة. وقد تم إدخال أجهزة الراديو في كثير من البيوت على الرغم من المعارضة الرسمية ، وإن يكن غير مسموح باستخدامه في أي مكان عام.

والعزلة هي محور سياسة الإمام يحيى الخارجية ، مع أقل قدر ضئيل من الاتصال بالدول الأجنبية وعلى غير رغبة منه ، انضم إلى جامعة الدول العربة وهيئة الأمم المتحدة ، ولكنه رفض السماح بإقامة الهيئات الدبلوماسية الأجنبية في اليمن ، مع أنه يستقبل هو ووزراؤه من وقت لآخر بعثات وممثلين دبلوماسيين بناء على دعوة وترتيب سابق. ويقوم بعض التجار الأوربيين وتجار الشرق الأوسط في الحديدة بدور الاتصالات الرسمية بالدول الأجنبية. كما أرسل يحيى وفدا صغيرا إلى الأمم المتحدة ولكنه عند موته لم يكن لديه سوى سفير واحد في الخارج كان يوجد في القاهرة.

وقد كان هناك دائما حاجز عام أمام الأوربيين والغربيين لدخول اليمن باعتبارهم تاريخا وثنينا أو عباد أصنام ولكن ذلك الحاجز أحيانا ولفترات قصيرة ومحدودة ما تخلى عنه بعض الأئمة بشكل مثير للدهشة.

فطول سنوات مختلفة وضع الغربيين أقدامهم في الحديدة بسبب التجارة أساسا. واستقر بعضهم فيها لفترات طويلة ولكن لم يسمح للكثيرين منهم بالتسلل إلى داخل البلاد. وخلال القرون الأخيرة نجح القليلون في القيام بذلك. غير أننا نجهل مقاصدهم من وراء ذلك ، ولقد كانت سياسة الإمام في السماح لرعاياه بمغادرة البلد متباينة ومتفاوتة. فهناك قوانين للفقراء ، وأخرى للأغنياء ، ومن المؤكد أنه لم ينجح في منع المئات من اليمنيين الفقراء من الهجرة سنويا سعيا وراء الكسب كبحارة وتجار وعمال كما كانوا يفعلون لفترات طويلة من قبل ارتقائه السلطة على حين أن القلة التي عادت إلى البلد أغلقت أفواهها حول ما رأت شاهدت في العالم الخارجي وتصرفت بحذر واحتراس شديد حيث أدرك يحيى مدى التأثير الفعال الذي يجلبه شاب تعلم في الخارج على أنماط الحياة وطرائف التفكير القائمة في البلد.

ولكنه أقتنع مؤخرا بأن يعدل عن هذه القاعدة القاسية. ففي أوائل الثلاثينات سمح لأول مجموعة تم اختيارها من بين الشبان اليمنيين للذهاب إلى العراق لتلقي المزيد من التعليم كان معظمه في الكلية العسكرية ومنهم عبد الله السلال و أحمد المروني و محيى الدين العنسي و أحمد الحورش وغيرهم وهم من أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة ضمانا لحسن ولائهم.

على أن السلوك المشكوك فيه لهؤلاء بعد عودتهم جعلت الإمام يحيى يتحول من العراق إلى مصر حيث فضل التعليم الديني الذي يوفره الأزهر –تلك الجامعة الإسلامية في القاهرة وأخيرا فقد تكونت مجموعة يمنية صغيرة ممن تدربوا خارج البلاد معظمهم كضباط عسكريين ومهندسين –ولكن عددا قليلا منهم قد تلقى تعليما جامعيا تقليديا. وبعد عودة هؤلاء اليمنيين الذين تعلموا في الخارج تم وضع قيود ثقيلة على أساليب الاستفادة من قدراتهم ومهاراتهم. كما أنهم بحكمة احتفظوا من جانبهم بأفكارهم وآرائهم الخاصة لأنفسهم ، وارتد معظمهم- رائب النفس- إلى نمط حياة العصور الوسطي.

ولكن نلاحظ أن الذي قاد اليمن إلى العصر الحديث وثار على حكم الأئمة هم من تلقوا تعليمهم في العراق وفي جامعة الأزهر بمصر كما سنرى ومنهم أحمد نعمان و محمود الزبيري و محمد صالح المسمري ويحيى زيارة و محيى الدين العنسي وغيرهم.

وقد ارتكز حكم الإمام يحيى أساسا على نظام الرهائن ومن الثابت أنه عند موته كان يحتفظ بأربعة الآف رهينة معظمهم من بين أبناء وحكام الألوية وعائلات الأشراف وشيوخ القبائل وحتى ممثلين عن القبائل الصغيرة البدوية وشبه المرتحلة وتم أخذ هؤلاء واحتجازهم كضمان لولاء وحسن سلوك آبائهم وذوي قرباهم وكي يتم حكم اليمن بيد من الحديد ولكيلا يثور عليه أحد من رؤساء القبائل.

عموما فهذا النظام تقشعر له الأبدان فالمفروض أن هذا الطفل "الرهينة" البريء يربي في القصر ويطعم ويكسى ويتعلم أنه برئ لا ذنب له إلا أنه يعيش في بلد حاكم ظالم ولكن الإمام بدلا من أن يفعل ذلك بالأطفال الرهائن الذي هو أمين عليهم أمام الله والناس وأمام أهليهم الذين سلموه فلذات أكبادهم بدلا من ذلك كله يضعهم في السجون مع القتلة والمجرمين واللصوص وقطاع الطرق وعلى الرغم من ذلك فقد اثبت هذا النظام جدواه في ظل ظروف بربرية بدائية ، وتؤكد مصادر متعددة أن الإمام يحيى كان متسامح وأن ابنه الإمام أحمد كان قاسيا في تطبيق هذا النظام غير أن الأدلة المتاحة لا تدل على ذلك. ( 3 ) .


السكان –( زيود وشوافع ويهود )

يقدر عدد سكان اليمن بحوالي خمسة ملايين نسمة تقريبا حيث لا توجد إحصائيات دقيقة عن السكان وينقسم سكان اليمن من حيث الدين إلى مسلمين ويهود فأما المسلمون فينقسمون على شيعة زيدية وسنة شوافع أي أن الشيعة يدينون بالمذهب الزيدي الذي ينتهي إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأما السنة فكلهم يعتنقون مذهب الإمام الشافعي ، والزيود يسكنون الجبال وينتشرون على سفوحها المترامبة الأطراف ويتجمعون في وديانها الخصيبة التي تكثر فيها السيول والشريعة الزيدية تحتم أن يكون الحاكم من نسل زيد بن علي ويطلقون عليه اسم الإمام أو أمير المؤمنين ولذلك فإن الأسرة الحاكمة في اليمن زيدية المذهب متعصبة له تقصر المناصب الكبرى كلها على أبناء هذا المذهب وتحرمها على أبناء السنة الشوافع.

أما الشوافع فإنهم يسكنون إقليم تهامة وعامة الحديدة كما يسكنون المنطقة المتاخمة لعدن وعاصمتها تعز وحكومة الإمام يحيى تضطهدهم وتحرمهم من الوظائف الكبرى ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل كثيرا ما شنت عليهم الحروب ونكلت بهم وأسالت دماءهم أنهارا ولعل أشهر الحروب التي شنتها عليهم الحكومة حرب الزرانيق التي خسرت فيها اليمن عددا كبيرا من خيرة شبابها من زيود وشوافع.

والواقع أن روح التسامح والتعاون قائمة بين هؤلاء المواطنين الكرام من زيود وسنة ولكن الحكومة الحميدية ( نسبة إلى أسرة حميد الدين ) هي التي توقع الفتنة بين هؤلاء المواطنين وتسعى بينهم حتى تظل الأمور مضطربة مما يشغل المواطنين عن فسادها ومظالمها بل إنها نسف وتوغل في تحقير السنيين لدرجة أنها تطلق عليهم "الشوافع الأنجاس".

وطوال القرون السابقة كان للزيود تأثيرهم المتفاوت ونفوذهم على الشوافع وغالبا ماتسلطوا عليهم.

وبشكل تقريبي فإن الشوافع يخشون الزيود ويكرهونهم يذعنون لمطالبهم وغالبا ما يرشونهم كي يحتفظوا لأنفسهم بالبقاء في الوظائف العليا أو الحيلولة دون سلبهم. ويوجد هناك جماعة صغيرة من الإسماعيليين أصبحوا ذات مرة قوة لا يستهان بها في البلد ، غير أن الزيود يفوقونهم ، حيث يوجد هنالك فقط حوالي أربعمائة من أنصار أغاخان يتمركزون حول مناخه.

وإلى جانب هؤلاء يوجد هناك أيضًا عدد كبير من الأشراف المعممين في اليمن ( تدعى بعض المصادر أن عددهم يبلغ 50.000 ) يدعون الانتساب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويشكلوا طبقة عليا أو صفوة دينية. لكنهم نظريا يقومون بانتخاب الأئمة ، أو على نحو آخر يمنحون أي إمام يجري تعيينه موافقتهم النهائية ، وكثيرون منهم متغطرسون طالبوا بامتيازات خاصة لشعورهم بأنهم يتمتعون بحق مقدس في الحكم أو على أقل المشاركة في الحكومة. ويعتبرون أنفسهم فوق الأشخاص العاديين. ويعرف الكثيرون منهم على أنهم "أشرف" وتعني في الحقيقة مجرد التبجيل أو التوقير والاحترام. وأصبح عدد كبير منهم من جماعة "العلماء" وهي الفئة التي تقوم بالتعليم الديني وبالوظائف وأصبح بعضهم قضاة بينما شغل آخرون وظائف حكومية حيث يحصلون على المال بالأسلوب الشرقي التقليدي وهو أخذ رشاوى مقابل أداء العمل سواء من خلال تسيير العدالة أو الإشهاد على الالتماسات. على أن الجزء الزيدي من البلد يقع أساسا في قبضة الأشراف الذين يستندون عليهم مشكلين طبقة حاكمة محلية. ومنذ جلاء الأتراك يحالون جاهدين فرض سيطرتهم على الجزء الخاص بالشوافع بطريقة مماثلة ، ولكن بنجاح اقل جزئيا مع أن الإمام يحيى قد بذل الكثير من أجل تحقيق هدفهم. وقد أصبحت بعض عائلات الأشراف أكثر نفوذا وطموحا وظهر بينهم في الماضي بعض المطالبين بالإمامة وقدموا أئمة وحتى عام 1948 اعتبر كثيرون منهم أن لديهم الحق في الإمامة بما لا يقل عن أسرة حميد الدين ( 4 ).

أما اليهود فإنهم قلة في اليمن يتراوح عددهم ما بين 60 ألف و 70 ألف يهودي كان ستة آلاف منهم يقطنون مدينة صنعاء في حي القاع وهم لهم كالعادة أحيائهم الخاصة في العواصم والمدن وكانوا أقل تميزا وكانت معظم المستوطنات اليهودية تقع في الجزء الزيدي من البلاد لأن الزيود عموما كانوا أكثر تسامح تجاه اليهود من الشوافع.

واليهودي في اليمن له زي خاص يتميز به وشكل خاص ينفرد به عن بقية الشعب فهو يضع على رأسه طاقية من قماش صوفي يشبه قماش الطرابيش المصرية وتنفذ من تحت الطاقية زنارتان من الشعر على شكل الضفائر ، واحدة على الصدغ الأيمن والأخرى على الصدغ الأيسر ، ثم إنه يلبس جلبابا ويرتدي فوقه جاكتة بدون أكمام ، ولابد لكل يهودي أن يرتدي هذا الزي تمييزا له عن بقية السكان. ( 5 )

وقد شكل اليهود عمال اليمن المهرة باعتبارهم صناع الفضة وعمال المعادن والحرفيين والبنائين وجانب كبير من التجارة واقع في أيديهم وفيهم بعض أعيان التجار الذين يتردد أن الإمام يحيى كان شريكا لهم في متاجرهم وقد كانت تربطه بهم صلات صداقة وود أحيانا أما اليهوديات اليمنيات فعلى جانب كبير ن الجمال وهن متحللات في أخلاقهن شأنهن في ذلك شأن جميع اليهود في العالم ولذلك فإن كل أمير يمني يقتني في بيته أكثر من يهودية لتكون بمثابة خادمة أو غير ذلك.

وفي ظل الحكم العثماني كان ليهود اليمن بعض الاتصالات الخفية بالحركة الصهيونية. ولكن في عام 1921 منع الإمام يحيى هجرتهم وأوقف كل اتصالات خارجية لهم وأمر بمصادرة ممتلكات أي يهودي يغادر البلد أو يتحرك بغير إذن منه.

ولكن في عهد الإمام أحمد بدأت عميلة هجرة سرية إلى عدن ومنها إلى إسرائيل وتزايدت هذه العملية مع نهاية عام 1948 وأوائل عام 1949 حيث رحل أغلب اليهود بواسطة نقل جوي ضخم اشتهر باسم "البساط السحري" وأصبحت منازلهم في اليمن مهجورة فاستولى عليها المسلمون الفقراء.

وينقسم الشعب من حيث التمدن إلى بدو وحضر ومن ناحية الدين إلى مسلمين وقلة من اليهود ومن ناحية المذاهب الإسلامية إلى شيعة زيدية وسنة شوافع.

فسكان المدن وهم الحضر إما سكان الجبال والوهاد والبادية هم بدو القبائل فأما الحضر فهم يسكنون في المدن والقرى أمثال صنعاء وتعز والحديدة وزبيد وبيت الفقه واب وصعدة وحجه وذهار وغيرها. وهي تسمى مدن من باب التجاوز فإن كل مدينة من هذه لا تزيد من ناحية السكان عن أية قرية مصرية متوسطة فضلا عن الفارق الحضاري الذي يفصل بين المدينة اليمنية والقرية المصرية ، إذ إن القرية المصرية على ما بها من تأخر تسبق المدينة اليمنية بخمسمائة سنة على الأقل فالعاصمة نفسها ليس بها ماء ولا كهرباء ولا شوارع وبالتالي ليس فيها وسائل مواصلات وفي صنعاء جهازين صغيرين لتوليد الكهرباء أحدهما تدار به محطة الإذاعة الصغيرة التي تشتغل لمدة نص ساعة بعد صلاة المغرب يوم الخميس من كل أسبوع ، والجهاز الثاني لإضاءة بعض جوانب "دار السعادة" وهو قصر الإمام يحيى والقوم هناك يعتبرون هذا الضوء العجيب من معجزات الإمام ، وكثيرا ما يتراهنون على إطفاء المصباح الكهربائي بالنفخ بالفم ولكن دون جدوى بطبيعة الحال فيكون ذلك سببا في تثبيت كرامة أمير المؤمنين كما يطلقون عليه هناك.

وسكان المدن فيهم رقة حاشية ودماثة خلق مطبوعان عليها ، وملابسهم مزركشة رغم فقرهم الشديد ويضعون العمائم على رؤوسهم ويتمنطقون بأحزمة عريضة ويرتبط بالحزام فوق السرة جراب قد وضع فيه خنجر تقليدي ، ويختلف هذا الحزام وما يشتمل عليه من خنجر وجراب من ناحية قيمته باختلاف درجة الفقر والغنى بين الناس ويبلغ ثمن الخنجر أحيانا إذا كان صاحبه غنيا مائتي جنيه مصري.

وارتداء الخنجر والحزام أمر لابد منه وإلا كان الشخص غير جدير بالاحترام ، ومن الطريف أنه لا تقبل شهادة الشخص الذي لا يرتدي المنطقة والجراب والخنجر. كما ينظر إلى الخراطيش المحشو بالمطلقات كدليل على الثراء المستفز وفي المناطق التي يسكنها الشوافع يقلل حمل السلاح.

وأما نساء المدن فهن محبات جميعهن يرتدين حجابا كاملا فإذا خرجن إلى الشوارع اتشحت الواحدة منهن بملاءة كبيرة وقد لفت جسمها بها لفا فضفاضا حتى لا تظهر مفاتن جسدها ، وتسمى هذه الملاءة بالشرشف الذي يكون لونه أسود بالنسبة لطبقة الأغنياء والأزرق المزركش لعامة الشعب.

والمرأة المدنية فيها رقة وجمال وتمتاز عيون الصنعانيات بالجمال الأسر وهن على جانب من الظرف والكرم والاحتفاء بالنساء الغربيات خصوصا إذا كن مصريات وقلما تشيع الفاحشة بينهن إلا في أوساط خاصة من تلك التي لا تقيم للأخلاق أو الدين وزنا.

وأما بدو القبائل فهم قوم أجلاف فيهم شراسة وغلظة وجهل يعيشون عيشة عنيفة كلها حرب وقتل واعتداء لم ينتقلوا من جاهلية العرب قبل الإسلامشبرا واحدا ، بل إنهم فقدوا بعض الصفات المجيدة التي كان يتحلى به عرب الجاهلية مثل الكرم وإباء الضيم والجوار وغيرها.

والقبائل اليمنية كثيرة أهمها همدان وآنس وكوكبان والحدأ وخولان وذو حسن وذو محمد ومراد وغيرها. والرجل القبلي يختلف اختلافا كليا عن الرجل الحضري فالرجل القبلي يطلق شعره ولا يحلقه كما يطلق لحيته ويضع على رأسه عمامة كبيرة مصبوغة بالنيل ولذلك يبدو وجهة ويداه في زرقة دائمة حيث تناسب على وجهه ويديه. ومن الغريب أن هذه القذارة تعتبر عندهم لونا من ألوان الأناقة.

والقبلي يلتحف بجلد شاة مدبوغ يجعل الفورة من الداخل شتاء حتى تقيه البرد ويجعلها من الخارج صيفا حتى لا تسبب له مزيدا من الحرارة. وأما النصف الأسفل من جسمه فإنه يلفه بقطعة من القماش وهو بعد ذلك لا يلبس في قدميه حذاء وإنما يعيش وينتقل حافيا.

والرجل القبلي لا يعرف الخلق أو الدين نتيجة لانتشار الجهل في تلك الربوع وإهمال الحكومة تعليمه وتهذيبه ، وهو لا يتورع عن النهب والسلب ولذلك لا تفارقه بندقيته التي يطلق عليها اسم البارودة. وهو يعيش في بيوت مؤقتة لأنه كثير التنقل غير أن يخضع لرئيس القبلية خضوعا كليا تماما كما هو معروف عن طبيعة نظام القبيلة في الجاهلية.

ومن العجيب أنهم يميلون إلى الرقص والغناء رقصهم عجيب وغناؤهم أعجب ، فهم ينتظمون في حلقات في ضوء القمر ويتمايلون ذات اليمين وذات الشمال في لين وهدوء ثم لا يلبثون أن يسرعا في حركاتهم شيئا فشيئا حتى يحمى وطيس الرقص فيشرعون بالقفز في أمكنتهم ويشهرون سيوفهم وخناجرهم التي تلمع في ضوء القمر وكأنها الحيات السابحات في الهواء أو كأنها ألسنة لامعة في سماء لازوردية وهم يصدرون أصواتا غير مفهومة أغلب الظن أنها حداء وغناء. كما أن أصواتهم رفيعة كأصوات النساء ، فإذا كنت بعيدا عن حلقة الرقص لا يمكن أن تتصور أن هذه الأصوات صادرة من حناجر الرجال.

فإذا ما انتهى القوم من رقصهم الرقيق عادت إليهم خشونتهم ووحشيتهم غير أن ميل هؤلاء القوم من مشاعر تطرب للرقص وعواطف تهتز بالغناء كل ذلك يشجع على إصلاحهم ونقلهم من حياة الخشونة والوحشية التي يعيشونها إلى حياة فيها إنسانية ورقة واعتدال وبذلك يمكن الانتفاع بهم وجعلهم مواطنين صالحين.

وأما المرأة القبلية فلا تقل وحشية وعنفا عن الرجل وهي سافرة الوجه تغطي رأسها بقطعة من القماش الأسود وتلبس جلبابا أسود يشبه إلى حد كبير ذلك الجلباب الذي ترتديه فلاحات مصر في القرى والريف غير أنها ترتدي تحت الجلباب سروالا طويلا ضيق الفتحات ينزل إلى الكعبين.

والمرأة القبلية نشيطة سريعة الحركة ضامرة الجسم وقلما تشاهد واحدة منهن سمينة ولعل مرد ذلك إلى كثرة حركتها ونشاطها ومن العجيب أنها تقوم بالرعي وملاحظة الماشية وسقيها وإدارة المنزل والغزل ثم بعد ذلك كله بفلاحة الأرض وزرعها أي أنها تقوم بجميع أعمال الرجل. أما الرجل فإنه ليس له من عمل إلا تدخين الطباق في نرجيله طويلة الحبال وتخزين القات وخوض المعارك إذا ما دعاه رئيس القبلية إلى معركة حزبية أو غارة للسلب والنهب.

وجملة القول أن القبليين أغلبهم قوم متوحشون فيهم خشونة وقسوة ويكرهون الضيفان ويغدرون بهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ولو كانت الحكومة قد وهبتهم بعض العناية وأوصلت إليهم العلم والدين واستغلت ما في أراضيهم من كنوز دفينة لخلقت منهم أناسا آخرين ومواطنين صالحين وقوما متمدينين ولكن حكومة اليمن "السعيد" راضية بهذه الأوضاع كل الرضى بل إنها تشجعها على ما فيها من فوضى لسهولة الصيد في الماء العكر.

وعمليا فإن كل الرجال يحملون خناجر قصيرة مجذرة معقوفة معلقة في أحزمتهم أو نطاقاتهم يطلق عليها "جابية" – أو "الجبنية" – كدليل على الرجولة. ويقتني البعض سواء بسواء الأسلحة النارية القديمة لأن حملها يدل على المركز الاجتماعي أكثر من أنها تدل على حب القتال وخاصة في المناطق الزيدية من البلد. وغالبا ما توحي تلك البنادق القديمة بالخوف أكثر من أية نتائج أخرى. وتستعمل أساسا في إطلاق بعض الأعيرة النارية في الهواء في مناسبات الأعياد والترحيب ، ويمكن أن تستخدم فقط تل كالأنواع الحديثة الأقل ذيوعا في أغراض الثأر والنشاطات الحربية. ولما كانت الذخيرة الحديثة تعد تكلفة لهذا لا ينبغي التبذير في استخدامها. كما ينظر إلى أحزمة الخراطيش المحشوة بالطلقات ( الجنجانة ) كدليل على الثراء المستفز. وفي المناطق التي يسكنها الشوافع فإن حمل بعض الأشخاص للأسلحة النارية ليس أمرا شائعا ، وفي العواصم والمدن فإن الذين يحملون البنادق عادة ما يكونون من بين الجنود.

والزي اليمني زي عربي أصيل ، ويشبه إلى حد ما تلك الأزياء التي ترتدي في أي بلد عربي. فبالنسبة للطبقة الثرية والحاكمة فإنهم يرتدون الثياب ( الأرواب ) الفضفاضة والعمائم الممنقة. ولا يوجد ثمة لأي أزياء غربية ولا يشاهد فقط سوى بعض ( البنطلونات ) أو ( الشورتات ) أحيانا لدى الجنود ، مع أن بعض الضباط العرب الأجانب ( غير اليمنيين ) يرتدون البنطلونات المعقودة أسفل الركبة وغطاء الرأس ( القلبق ). وأن أي موظف ذي عقلية حديثة يرغب في ارتداء البنطلون إنما يفعل ذلك فقط في إطار خاصته والمقربين إليه داخل منزلة أو يخفيها تماما تحت الأرواب الخارجية وترتدي الطبقات الفقيرة ما تستطيع الحصول عليه ، وغالبا ما لا يزيد عن خرقه بالية من الثياب إما ملفوفة على شكل ما بين الصدر وأسفل الظهر وفوق الفخدين ، أو تلبس على شكل إزار ( عباءة ) إذا ما كانت كبيرة بدرجة كافية. وكثيرون وخاصة من بين أولئك الذين يقطنون الجبال أو يشتغلون بأعمال زراعية أو وضعية يرتدون نوعا من التنور ( الجونلة ) على شكل الإزار. وتبدو أروابهم على البعد شبيهة بعبارة عريضة قصيرة ، والكثيرون – ولكن ليس الجميع- يرتدون الصنادل ( الخف ). في عام 1948 أصبحت القمصان الكاكي العسكرية والجلابيب أكثر شيوعا تشتريها الفئات العاملة الدنيا إذا ما استطاعت الحصول عليها. على أن سكان تهامة يرتدون ملابس أكثر استفاضة ، وغالبا ما يرتدون قبعات من القش ، خشنة ، بدلا من العمائم.

ويلتزم اليمنيون عموما في الريف بالقوانين القبلية والتقاليد التي تتعلق بوراثة العداء وثأر الدم ، وشرف الأسرة وحماية الغرباء في بيوتهم إذا ما تنالوا معهم طعاما. وهكذا. ولكن قانون الشرف الخاص بالنبالة العربية –الذي طالما أعجب به من لم يعرفه- ناورا ما تم تلطيخه في اليمن بالخيانة.


مرابط القات

من الغريب في اليمن ذلك العادة المحلية بمضغ القات وهو أوراق شجيرة كاتا إديوليس تزرع في اليمن وعدن تمضغ أوراقها الطرية فقط يؤدي مضغها وامتصاص رحيقها إلى تأثير منشط منبه مع قدر ضئيل من التحذير بسبب المادة القلوية التي توجد في الأوراق بحيث تجعل من متعاطيها نشوانا ثرثارا.

ويقبل الأهالي على السوق ظهر كل يوم لكي يشتروا حاجتهم منه ، ثم ينصرف كل إلى منزلة أو إلى منزل أحد أصدقائه حيث يمضغه الواحد منهم قليلا ثم يخزنه في جانب من فمه ويظل الجميع يمضغون ويخزنون حتى يتخمر النبات بفعل اللعاب فيسبب الانسجام والخذر ويظل الرجل خدرا حتى صبيحة اليوم وهكذا تستمر الحياة معطلة في القطر الشقيق بفعل القات الذي يفترس الليل وثلاثة أرباع النهار.

ومرابط القات هي مجالس القات حيث يجتمع فريق من الأصدقاء لكي يمضغوا هذا النبات وهم يتجاذبوا أطراف الحديث "والسطل".

إن كلمة مربط تطلق في مصر على المكان الذي تربط فيه الماشية سواء في الأصطبل أو في الحقل أما في اليمن فإن كلمة "مربط" تطلق على المكان الذي يتجمع فيه الآدميون يجلسون وأمامهم النبات الأخضر الكرية كأنه كومات من البرسيم أو العلف يلتهمونه التهاما. والحق أن هناك تشابها كبيرا بين المربطين مربط الحيوانات ومربط القات بجامع الاجترار في كل من المربطين.

ويعتقد البعض أن القات ينشط الغريزة الجنسية ، والواقع عكس ذلك تماما فقد ثبت أنه يمزق الجهاز التناسلي شر ممزق ويقضي على حيوية المدمنين قبل الأربعين فضلا عما يسببه من إمساك وإتلاف للجهاز الهضمي وإيقاف لنمو الجسم.

واستعمال القات غير موقوف على الرجال دون النساء بل إن المرأة تستهلك منه ضعف ما يستهلك الرجل فتختزنه في فمها تماما كما يفعل الرجال وتدخن معه النرجيلة ذات الحبال الطويلة.

ومنظر القات في الفم منظر كريه فهو يبدو متكورا في الخد بحيث إذا سرت في شوارع أية مدينة يمنية بعد الظهر رأيت الناس جميعا وكأن خدودهم متورمة أو كأن بهم خراريج مما يبعث في نفسك الضحك والسخرية والإشفاق. هذا فضلا عن آثار الخضرة التي تبدو واضحة صارخة في جوانب الفم وبين الأسنان مما يبعث في النفس الانقباض والغثيان.

والقات وهذه طبيعته لا يخرج عن كونه من السموم مثل الحشيش والأفيون والهيروين ، والشعب اليمني يكاد يكون مغلوبا على أمره في استعمال القات ، ولعله يقصد من استعطائه واستعماله أن ينسى ما هو واقع على كاهله من ظلم وامتهان منذ عشرات السنين الأمر الذي اضطره إلى استعمال هذا السم الأخضر لكي ينقله من واقعه المرير إلى خيال سعيد وأحلام هادئة.

والقات ليس رخيصا ، إنه غالي الثمن بين شعب فقير ، وتملك الأسرة الحاكمة ثلاثة أرباع مزارعه ، ويملك بعض الأهلين الربع الباقي غير أنهم يدفعون عليه ضرائب فادحة تذهب ما يمكن أن يجنوه منه من ربح أو فائدة. ولكي تروج الأسرة المالكية لبضاعتها من القات فقد تفننت في الدعاية له ولم تتورع عن استعارة الأساليب الدينية فأطلقت عليه "خمر المؤمنين" و "خمر الصالحين" ومنعت نزول قات الأهالي إلى الأسواق قبل أن يباع القات "الملكي".

وأكثر من ذلك كله فإن الإمام يحيى كان ينشد فيه القصائد الطويلة متغزلا فيه متغنيا بصفاته تماما كما يفعل أبو نواس في قصائد الخمر. فمن شعر الإمام يحيى في تمجيد هذا السم الأخضر قوله في مطلع قصيدة :

يا لائمي في غصون القات مرحمة

لن نترك القات أحياء وأمواتا


وهذا البيت كما يبدو منسوج على منوال بيتي أبي محجن الثقفي في الخمر حين قال :

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة

تروى عظامي في مماتي عروقها

ولا تدفنني في الفلاة فإنني

أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

وهكذا يدس الحكام السموم للشعب حتى يقتلوه فيحكموه. إن القات هو آفة الشعب والشعب مغلوب على أمره.


مدن اليمن

تحاط العواصم والمدن بأسوار قوية وتشيد المنازل الخاص على هيئة قلاع فصنعاء –على سبيل المثال- التي ربما يسكنها حوالي 60 ألف نسمة؛ لها سور يحيط بها يبلغ ارتفاعه حوالي 30 قدما ، وعليه 118 حصنا ، وله ستة أبواب. وحتى عام 1948 كانت بواباتها تغلق في الليل وتظل كذلك حتى مطلع الفجر كما كان عليه الحال منذ مئات السنين. وكان على المسافرين الذين يصلون بعد حلول الظلام أن ينتظروا خارج السور حتى الصباح. وتعتبر صنعاء –مركز المواصلات والتجارة حيث يسكنها الحرفيون اليهود- همزة وصل بين الجنوب والشمال ، وكذلك بين الشرق والغرب. وقد ازدادت أهميتها عندما اتخذ منها الأتراك عاصمتهم الإدارية. ورفع من شأنها كذلك الإمام يحيى عندما اتخذها مقرا لحكمه. وتقع صنعاء داخل المنطقة الزيدية في القاع الخصيب للوادي على ارتفاع ما يقرب من 7500 قدم فوق سطح البحر. كما أن معظم سكانها من أتباع المذهب الزيدي. ولو أن مواطنيها ليس لديهم ما يربطهم بالقبائل التي تقطن الجبال المحيطة بها. وكذلك فإن تعز –المركز الرئيسي للشوافع والتي يسكنها حوالي 120 ألف نسمة- لها سور ضخم وأبواب تغلق كل ليلة كما هو عليه حال معظم المدن الأخرى ومدن الألوية الأخرى على طول البلاد وعرضها بما في ذلك صعدة المدينة الشمالية التي تبوأت مركزا عظيما باعتبارها مركز الزيود الطبيعي.

وتبنى بيوت الأشخاص داخل المدن كذلك على شكل دفاعي حيث تقام قاعدتها المربعة بشكل مصمت وتكوين دفاعي. حيث تقام قاعدتها المربعة بشكل مصمت. وتتكون القعدة هذه من قطع حجرية خشنة لا يكون للأدوار الأرضية فيها نوافذ أو حتى فتحات إلا فيما عدا مدخل صغير يمكن إغلاقه بسرعة ، كما لا يسمح بالمرور عبره إلا لشخص واحد ومعظم المنازل تتكون من عدة طوابق. وتحل قوالب الطوب المصنوعة من اللبن محل القطع الحجرية كلما ازداد الارتفاع ويكون للأدوار العليا شرفات خشبية معلقة. ويسكن الناس الأدوار العليا للمنازل ، على الرغم من أن السيول الكثيفة التي يكون لها أحيانا تأثير مدمر على الأجزاء المصنوعة من قوالب الطوب. ولبعض المنازل سراديب عميقة ولبعضه الآخر آبار للمياه الخاصة بها. وقليلة هي تلك المنازل التي تشتمل على حدائق ملحقة بها ، ولا تكون كذلك إلا منازل الأثرياء. على أن منازل القرى غالبا ما تكون قلاعا صغيرة في حد ذاتها تقام على حواف الجبال أو في أماكن دفاعية سهلة يمكن الوصول إليها فقط من خلال مدق ( درب ) واحد مما يوحي بأن المرء لا يثق حقيقة في جاره. على أنه يمكن أن نجد استثناءات أساسية في سهل تهامة حيث تستخدم القبائل الأكواخ المصنعة من القش وأعواد البوص ، حيث لا توجد عندهم فكرة دفاعية طالما أنهم يملكون القليل أو لا يملكون أشياء ذا بال. وعندما تلوح المتاعب في الأفق سرعان ما يولون الأدبار ، أكثر من بقائهم ودفاعهم ، حيث يستطيعون بسرعة تشييد العديد من الأكواح المصنوعة من القش حيثما ينتهي بهم المطاف.

وعلى الرغم من وفرة الإنتاج الزراعي في مناطق كثير من البلد؛ فإن كثيرا من أبناء الشعب اليمني لا يحصلون على الغذاء الكافي ، وينظر الجميع إلى اللحوم على اعتبار أنها نوع من الترف اللهم إلا الأثرياء. ويتغذى أغلبية السكان على طبق شعبي يتكون من حساء الخضروات الممزوج بالدقيق ( يشبه السلطة- بإضافة دقيق الحلبة مع الحساء ) ويعيش اليمنيين في ظل ظروف من الفقر المضقع ، وفي أحوال صحية سيئة تسببت مع سوء تغذيتهم في خلق مستويات بدنية رقيقة. ويعاني الكثيرون من أمراض سوء التغذية والملاريا ، كما ينتشر فيهم مر التراكوما ، وفي اليمن أعلى نسبة وفيات للأطفال في العالم ، كما تسود من حين لآخر هجمات من مرض التيفود وأمراض أخرى مشابهة. ويسود هناك بحق قانون البقاء للأقوى ، والموت المبكر للأقل تحملا.

كان الوضع الصحي سيئا للغاية فالعشرات يموتون دون أن يجدوا العلاج وكانت الوفيات بين الأطفال تصل إلى 80%. ويوضح أحد الأجانب وهو طبيب إيطالي وكان يعمل مديرا لمستشفى الحديدة الوضع الصحي في اليمن آنذاك بقوله : "صار لي عشر سنوات أخدم في حكومة الإمام وقد طفت كثيرا على أحوال أهلها وأمراضهم ولا شك أن أجسامهم تقاوم الأمراض مقاومة عنيفة لأنه لا طب فيها ولا دواء منذ القدم ، والأمراض المتفشية في اليمن تفشيا سريعا هي الجدري ، وحمى التيفويد ، والملاريا ، كما أن الأهالي فقراء لا يحصلون على قوتهم الضروري إلا بشق الأنف. ويذكر أحد الصيادلة الأتراك يعمل في الصيدلية الوحيدة في اليمن بصنعاء الوضع الصحي آنذاك قائلا : "لا توجد صيدلية في اليمن غير الصيدلية التي أعمال فيها ولا تتوافر فيها إلا أدوية قليلة جدا.

وتذكر الطبيبة الفرنسية جانب من الوضع آنذاك قائلة : "وذات مرة قابلت الدكتور ريبوليه في المستشفى الوحيد بصنعاء ورافقته في زيارة للمرضى فوجدت روائح كريهة ، السري عبارة عن قوائم شدت عليه الحبال وليس عليها أغطية ، أجسام هزيلة شبه عارية كثيرون منهم مشرفون على الموت ، ولكن هؤلاء المرضى ليس لهم أدوية ، عشر حجرات للرجال ، ولكني وجدتها حجرات منخفضة لا نوافذ لها ، زرائب بما تعنيه الكلمة تمددت فيه النساء الواحدة بجوار الأخرى على الأرض القذرة ومع الكثير منهن أطفالهن قد يخيل للإنسان أنه يستطيع أن يتصور فظاعة وشناعة كهذه ، لقد شاهدت هؤلاء النساء في هذه الزرائب أكثر سواء من كل ما يخطر على البال ، لقد قرأت كما يقرأ الناس أوصاف ومعسكرات الإبادة والإفناء ولكني رأيت بأم عيني امرأة تحتضر ، ورأيتها تنهض على كوعها وتناولني طلفها المبلل وهي في النفس الأخير تتضرع وتتوسل ، التفت الدكتور ربيوليه إلي وقال : "ها أنت رأيت كل شيء ، إنه قبيح أن يعش الإنسان أو يعمل في مثل هذه الظروف ، ماذا يعمل الإنسان والأدوية لا وجود لها والإمام لا يقدم ريالا واحدا للمستشفى ( 7 ).

وقد يتخيل المرء أن الأوضاع تتحسن من وقت إلى آخر فقد يتحسن الوضع الصحي في عهد الإمام أحمد عن الوضع في عهد والده الإماميحيى حميد الدين ، إلا أن الأمر خلاف ذلك ، حيث كانت الأوضاع تزداد سوءا.

وتذكر الطبيبة الفرنسية أن دخول المستشفى رغم ذلك الوضع لا يتم إلا بورقة الإمام شخصيا.

وفي مجال التعليم ظل أبناء اليمن في عهد الأئمة في جهل مظلم حيث لا مدارس ولا وسائل إعلامية فالمدارس محدودة جدا يتعلم فيها قلة من الناس ومتركزة في المدن الرئيسية.

أما بقية مناطق البلاد فكانت توجد مدارس على شكل كتاتيب يتعلم فيها الناس "الأطفال" النذر اليسير من القرآن الكريم وبعض العلوم الفقهية وكانت كثيرا من قرى اليمن لا يوجد فيها إمام يصلي بهم الصلوات الخمس ولا الجمع والأعياد ، بل كان يرسل لهم شخصا يقوم بهذه المهمة.

وإذا وصلت رسالة من أحد أبناء القرية المغترب خارج البلاد فإنهم يطوفون بها فلا يجدون من يقرأها فيذهبون أحيانا من قرية إلى أخرى لكي يجدوا من يجيد القراءة ، حتى إن الوثائق الخاصة بالأفراد والصكوك وغيرها لا يجدون من يقرأها فيبحثون بصعوبة عن شخص يقرأ تلك الوثائق ، وكانت الأمية في أوساط النساء 100% أما بين صفوف الرجال فقد بلغت 99%.

يذكر العميد / محمد علي الأكوع أن السفير مصطفى أحمد يعقوب قال له : "إن الإمام أحمد حين كان وليا للعهد في تعز ذاهب لزيارة مدرسة الأحمدية في تعز وقال لهم أريد أن تتعلموا قرآن فقط ، الفاتحة وقل الله أحد وحب آل البيت وهندسة ، وحساب ، إنجليزي هذا كله كلام فارغ ما نفعل به. وشقيق الإمام الأمير حسن قام بإخراج دفعة من طلبة المدرسة الثانوية يعملوا في الأعمال اليدوية وفي أعمال البناء والنجارة ولم يسمح لهم بمواصلة الدراسة.

ويذكر العلامة / أحمد محمد زبارة أن لديه وثيقة تبين عدم اكتراث الأئمة آنذاك بالعلم وهذه الوثيقة جاءت ردا على مطالبة بعض الشباب المصلحين في اليمن بالعلم والثقافة والتطور بناء الحياة على أسس حديث جاء في رد الإمام أحمد حين كان نائلا للإمام يحيى وكانت الرسالة ردا موجها للأستاذ العلامة/ محمد محمود الزبيري ، قال : "ماذا تعملون بالهندسة؟ ماذا تعملون بالمدارس الثانوية؟ ماذا تعملون بالإنجليزي؟ ماذا تعملون بالراديو؟ ماذا تعملون بالحقوق؟"

ومن الأمثلة الدالة على عدم اهتمام حكم بيت حميد الدين بالعلم ونشره وتعليمه القصة التي رواها "مفتي الجمهورية العلامة أحمد محمد زبارة قائلا : كان والدي العلامة المؤرخ محمد محمد زبارة يؤلف كتابا بعنوان ( نيل الوطر في تراجم القرن الثالث عشر" كان يعرض ما يكتب على الإمام فيستحسنه جدا فلما أكمل التأليف أرسل المؤلف النسخة كاملة وطلب من الإمام أن يوافق على السفر إلى القاهرة لطبعه وطبع مؤلفات يمينة أخرى قديمة لابن الأمير الصنعاني والشوكاني والسياغي وغيرهم على نفقته ، فكتب للإمام بواسطة الأمر محمد ابن الإمام يحيى حميد الدين فلم يأذن له الإمام وأجاب عليه بخطه بيت من الشعر قائلا :

خشنوا القول وقالوا غربة

إنما الغربة للأحرار ذبح

فرد عليه زبارة بيت من الشعر حالا قال فيه :

إنما الغربة يا مولاي الورى

فالعلا والعلم للأحرار روح

وهناك واقعة تؤيد ما تقوله من أن الأئمة كانوا لا يشجعون العلم بل يحاربونه وهذه الواقعة كما ذكرها القاضي إسماعيل الأكوع الأمير الحسن بن الإمام يحيى حميد الدين قام ذات مرة بزيارة لقضاء النادرة فاستقبله يحيى الهجوة وحاكم القضاء القاضي/ عبد الرحمن يحيى الأرياني وقاموا بأخذه إلى قرية دار سعيد لزيارة الطلاب هناك وعند إذن استمع الأمير إلى بعض حكاياتهم وأناشيدهم ضاق ذرعا وقال : "لابد أن نغلق هذا المكتب "المدرسة" ولا يجب أن يشجع مثل هذا لأنها ستجعل قيمتكم لا شيء.


في مجال الخدمات ( كهرباء – مياه – مواصلات )

ففي مجال الكهرباء : كانت اليمن في عهد الأئمة لا تعرف الكهرباء حتى في المدن الرئيسة ما عدا الإمام الذي كان ينير دوره وقصوره أبنائه بموتورات خاصة عادية ، وقد كانت أوضاع اليمن وحال البلاد مثار تساؤل من قبل كل من ينظر إليها من الخارج من العرب وغيرهم. وهذا الفضيل الورتلاني جزائري الجنسية جاء من مصر في عهد الإمام يحيى وكانت أول ليلة له في تعز تمثل كآبة ورعب شديد معبرا عن لك في حديث مع القاضي أحمد محمد الشامي قائلا : "لماذا يخيم هذا الظلام ويطبق مدينة تعز الجميلة؟ لماذا يطل علينا جبل صبر وكأنه شبح الرعب والفناء؟ لماذا لا تسبح مدينة تعز بين الأنوار بدلا من أن تغرق في الظلام؟ لماذا لا تكون كل البيوت منارة الكهرباء مثل بيت الإمام وعامل تعز "محافظ تعز" لماذا ليس لديكم تليفونات؟ ولا راديوهات بل ولا مدارس ولا مستشفيات ولا معاهد ولا جامعات.

وهذا تصور واضح للوضع في ذلك العهد الذي حرم من كل الخدمات المهمة ( 8 ).

في مجال المواصلات

لم تكن هي الأخرى أكثر حظا من غيرها من المجالات فقد كانت المواصلات ومنها البريد أو السيارات والطائرات معدومة حيث تم الاعتماد في مجال البريد على ما ورثه الإمام من وسائل قديمة من عهد الأتراك ، أما السيارات فقد كانت لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة وخاصة بالإمام وأبناؤه ، وكانت الطرق بدائية وبين المدن الرئيسية فقط ، أما التليفونات فلم يكن لها وجود وكذا وسائل الاتصالات الأخرى. كان يوجد خط تلغراف مفرد بواسطة الأتراك يربط بين المدن والمراكز كان يستخدمها الإمام للاتصالات والبرقيات لقادة المناطق والمغارز العسكرية ويمكن للمواطن الاتصال عبره إلا أن الكلف باهظة وتجعل المواطن غير قادر على الاستفادة منه.

أما في مجال الطرقات فقد وقعت المشقة على كاهل المواطنين رغم أنه كان بمقدور الإمام أن يستفيد من الشركات الأجنبية في شق الطرقات وتطوير مجال المواصلات ، إلا أنه لم تكن سعادة المواطنين وتطور البلاد يعني شيئا لديه وما يؤكد ما قلناه ما رواه لنا العلامة أحمد محمد زبارة الذي كان أحد المسؤولين المكلفين من قبل الإمام أحمد للتفاوض مع شركة فورد الأمريكية التي تقدمت لليمن وأبدت الاستعداد في إصلاح جميع الطرق الداخلية في البلاد مقابل موافقة حكومة اليمن آنذاك على شراء السيارات والآلات التي تنتجها الشركة لمدة عشرين عاما إلا أن الإمام أحمد رفض ذلك كما رفض من قبل السماح لأي شركة أجنية أو عربية بمزاولة أي نشاط تجاري أو صناعي وأي شركة تصل البلاد تعود دون أن تحصل على تجاوب حكومة الإمام رغبة منه في الإبقاء على البلاد على حالها التي هي عليه من التخلف والجهل. وهذا ما تم رفضه سابقا وخاصة رفض ذلك النظام استخراج البترول.

وقدمت نصائح من علماء وشخصيات كبيرة من البلاد العربية ومن هؤلاء الذين قدموا النصح للإمام :

الأمير شكيب ارسلان ، و هاشم الأتاسي ، و أمين الحسيني ، و جميل المدفعي ، و الفضيل الورتلاني ، والدكتور عدنان الترسيبي وغيرهم وكان يرد عليهم أنه يخشى على اليمن ودينها إذا هو تعامل مع الخارج والشركات الأجنبية ، ولكنهم شرحوا له وبينوا أن سياسة العزلة والجمود لا تحافظ على استقلال البلاد بل إنه بالإمكان أن يعمل على إصلاح البلاد والنهوض بالأمة مع المحافظة على الاستقلال وخوفوه بالنهاية المظلمة والمصير المحزن إذا استمر الوضع كذلك.

ورغم إظهاره الاستجابة والموافقة على طلب العلماء من الداخل والخارج واستعداده التام لقبول النصح والإرشاد إلا أنه لم يعمل شيئا طيلة حكمه ، وهذا ينطلق على عهد الإمام يحيى والإمام أحمد ، ومن الأمثلة على ذلك نصيحة الفضيل الورتلاني للإمام يحيى الذي طلب منه تقديم تقرير بذلك حول كيفية تطوير التجارة والصناعة والتجارة ، وحين قدم له تقرير لم يعمل شيئا.

وقد وصف الأمير إبراهيم بن يحيى حميد الدين –كان معارضا لحكم والده الإمام يحيى- الوضع آنذاك في إجابته على سؤال وجهته له صحيفة الأهرام المصري حول دوافع ثورة 1948 م على والده فقال : "كانت حياة المواطن لا تحتمل فهو يعيش في بؤس وشظف بينما يقدم إلى جنود الدولة الذين يجمعون العشور أدسهم المآكل فيذبح لهم الخراف والدجاج ويضع تحت تصرفهم كل شيء والأموال التي تجمع من المواطنين تذهب إلى جيوب الحكام وأعوانهم والأمراء المحظوظين بينما نحن نرى وجوب صرفها في تنمية الزراعة وتمكين المزارعين من استخدام الآلات الزراعية الحديثة وبناء المدارس والمستشفيات وإيجاد الخدمات الضرورية للمواطنين وقد أهملت اليمن تماما فلا اقتصاد ولا تنمية ولا تجارة ولا صناعة ومن الأمثلة الصارخة على ما كان يكابده أبناء اليمن أن اليمن فقدت في نكبة وباء التيفود عام 1942 م ثلث السكان وما قاله إبراهيم نجل الإمام يحيى وشقيق الإمام أحمد كاف لتوضيح حالة البلاد في ذلك العهد واختلال أحوال الأمة وتضييع مصالحها في عهد الإمام ( 9 ).

ظلم الأئمة

هناك مظاهر كثيرة لجور وظلم أئمة بيت حميد الدين التي كانت تقع على المواطنين وكان يكوى منها المصلحون والعلماء باليمن وبسبب ذلك قامت ثورة 1948 م وحركة 1955 م ، ومن أهم تلك المظاهر لجور الحكام وظلمهم للرعية هو طريقتهم في جباية الزكاة والعشور التي كانت ترهق كاهل المزارعين وقد كانت خزينة الدولة تعتمد اعتمادا كليا على هذه الطريقة الظالمة في تحصيل الأموال من المواطنين ، وكانت هذه الأموال التي تجبى بهذه الطريقة لا تصرف في مصارفها المشروعة وفي مصلحة الشعب وعلى هذا نبين هنا جور وظلم أئمة بيت حميد الدين في طريقة تحصيل الأموال من الرعية ثم نبين كذلك جورهم وظلمهم في طريقة تصريف هذه الأموال وذلك على النحو الآتي :

أولا : ظلم أئمة اليمن في تحصيل الأموال من الشعب

كانت أساليب تحصيل الأموال من الرعية منطوية على الظلم حيث كانت تفرض على المزارعين أعباء كبيرة حتى إن خصوبة المنطقة كانت تسبب لها الشقاء والفقر لأن رجال الدولة يقومون بمقاولة تلك المنطقة بطريقة القوال ويكون تحت تصرفهم الجند والسجون في حالة تملص أو معارضة المزارع لما يفرض عليه من زكاة وغيرها بطريقة الجزاف وبدون دليل شرعي لما يفرض عليه وفيما يلي نوضح بإيجاز أساليب تحصيل الأموال من الرعية :

وهي إرسال ( الطواف ) الذي يقوم بتخمين الثمار وعد المواشي والأبقار والنحل وكان في أغلب الأوقات يختار هؤلاء من ذوي النفوس الشريرة الذين لا يخافون الله عز وجل ، فيسلبون المواطنين ويعودون إلى الأمير وقد ملأوا دفاترهم ظلما وجورا فيقرها ويرسل مأموري التحصيل ( صحيفة صوت اليمن العدد 12 عام 1947 م ، الصدارة في عدن وهي لسان الجمعية اليمانية الكبرى ، كانت تمثل المعارضة العلنية لحكم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ، وكانت تصدر كل أسبوع. ورئيس تحريرها القاشي محمد محمود الزبيري ، ومدير سياستها الأستاذ أحمد محمد نعمان ).

ثانيا : ظلم أئمة اليمن في تصريف الأموال

كانت الأموال التي تجبى من الرعية بطريقة مشروعة أو غير مشروعة تخزن في بيوت الإمام وتحت إشرافه الخاص به وكانت تلك الأموال تعد من ضمن أملاكه حتى إن هذا الشعور ساد لدى أبنائه من بعده ، وقد قصر الأئمة في تقديم المصالح لأبناء الشعب وبناء المشروعات النافعة حتى شاع لدى عامة الناس وعلماء اليمن وكثير من علماء العالم العربي والإسلامي الذين اطلعوا على أحوال اليمن ، ولذلك قدمت العديد من النصائح للإمام بضرورة إصلاح البلاد ورعاية العباد وصرف الحبوب المخزونة التي كانت تتعرض للتلف دون أن تنفق على الفقراء والمساكين الذين كانوا يموتون جوعا ومخازن بيت المال مليئة بالحبوب وفيما نورده هنا من نصائح ورسائل العلماء للإمام خير دليل على ما قلناه ونختار من ذلك ما يأتي :

1- نصيحة قدمها علي عبد الله الوزير للإمام يحيى من أهم ما جاء فيها :

ويجب إخراج أموال الدولة إلى وزارة المالية وعليها أن تضع كشفا لميزانية الدولة بما تستطيع القيام به وبمقدار حاصلات الدولة ، وليس للإمام السيطرة على أموال الأمة ولا أن يدخلها داره وليس للإمام إلا ما تقرره الشريعة الإسلامية.

2- وقدم البيحاني نصيحة أيضًا مما قال فيها مولانا حفظكم الله أن العالم أجمع يعلمون أو يظنون أن في اليمن مالا كثيرا وثروة عظيمة لا يستهان بها ، فما هو المراد من جمع ذلك المال وتكديسه في الخزائن والمغارات والكهوف كما يشيعون ذلك؟ ولأي شيء يدخر سوى إصلاح البلاد وإسعاد العباد؟ فما أجمل أن تحصوها وتضبطوها ضبطا تاما ثم تجعلوها تحت إشراف هيئة من رجال العلم الصالحين الموثوق بدينهم وأمانتهم وحفظها وتسليمها إلى من يتولى الأمر.

يذكر زيد علي عهنان أنه ق أوصل ومعه عدد من الجنود مبلغ كبيرة من النقود وكانت تسلم بنظر علي زبارة وتخزن بنظر الإمام يحيى نفسه في داره بصنعاء المسمى دار الشكر "وهو المتحف الوطني حاليا". وقد استلمها الإمام وأمر الجند أن يحفظوها في غرفة بالدور الأرضي بدار المذكور وأن هذه الأموال تعد من أمواله الخاصة في حين أنها جاءت من ( تعز ) ضرائب وغيرها.

3- وقد ذكر الأمير إبراهيم نجل الإمام يحيى في جوابه على سؤال قدم من صحيفة المصري 7 مارس 1948 م القاهرية حول نظام حكم والده فيما جاء في الإجابة : "إن حياة الفلاح ( الرعوي ) لا تحتمل فهو يعيش في بؤس وشظف.. وتنفق الأموال على من في أيديهم صولجان الحكم والأمراء المحظوظون وتحرم البلاد من التنمية الزراعية الاقتصادية والصناعية ومن بناء المدارس والمستشفيات وتحسين أحوال الشعب. 4- لقد شاع هذا التصرف غير المشروع من الإمام حتى اشتهر بالبخل الشديد هو ومن أتى من بعده ولده أحمد حتى إن العلامة أحمد محمد زبارة يقول أنه ذهب ذات مرة في وفد حكومي إلى السعودية وقابلوا الملك عبد العزيز ، فقال لهم عبد العزيز آل سعود أنا أدخر الأموال في بطون الرجال ويحيى ( أي الإمام ) يدخرها في بطون الجبال والكهوف.

وقد ظهر ذلك الملك الظالم جليا حتى قيل فيه الشعر الذي يصف تجويع الشعب وخزن الأموال دون إنفاقها في مصالحة فقد نظمت أبيات عديدة تعالج وتفضح هذا السلوك من ذلك قصيدة للمؤرخ والشاعر محمد محمد زبارة مما قال فيها :

وجل نقود المسلمين بدوركم

بلا دفتر فيها ولا رقم راقم

كأن زكاة المسلمين ومالهم

تراث أبيكم أحضرت للتقاسم

حرام حرام أكل مال أمه

موحدة لله رب العالمين

مزك مصل للإله وصائم

ألا ردوا لكل المؤمنين حقوقهم

كما حكم الجبار أحكم حاكم

وكل ما سبق يدل على أن ظلم الأئمة في اليمن قد شاع ولم يعد يستطيع العلماء السكوت عنه.

كما أن سوء الأوضاع المعيشية والظلم الذي نزل بالرعية قد جعل الكثير من المغتربين من أبناء اليمن ومن الزوار من اليمن من أبناء البلاد العربية أن يقدموا النصائح للأئمة تارة بعد أخرى إلا أن كل ذلك لم يجد شيئا.


ثالثا : أسباب الخروج التي ترجع إلى عدم تطبيق الشورى في الحكم

كان الاستبداد والانفراد بالحكم هو السمة البارزة لنظام حكم أئمة بيت حميد الدين في اليمن ، حيث ألفوا ذلك المنهج فلم يستطيعوا الخروج عما ألفوه رغم تقديم النصح والإرشاد من العلماء والمصلحين لهم حتى إنهم كانوا ينفردون بكل صغيرة وكبيرة من أمور الناس فكل شيء بأيدهم حتى دخول مريض إلى المستشفى للعلاج أو صرف علف الخيول لابد أن يكون عبر الإمام نفسه وأن ولي البعض أمرا ما فإن ذلك لا يعدو أن يكون مفتاحا بيده ليس له أن يعمل أي شيء إلا بالرجوع إلى الإمام في كل صغيرة وكبيرة.

وقد بين هذا الأمر نجل الإمام يحيى الأمير إبراهيم في إجاباته على سؤال عن حكم والده قائلا : ولكنه لم يشرك الشعب في الحكم ولم يوزع المسئوليات على أبناء البلاد ، فكان حكمه استبداديا عن قصد أو بدون قصد ، وكان يعمل على إفقار الشعب وتجهيله وإشاعة الأمراض فيه وإذاعة العداوة بين الرعية ظنا منه أن ذلك الأسلوب هو الوسيلة الوحيدة الإخضاع القبائل ولكنه أخطأ وكون أمة جامدة.

وقد قام الأمير إبراهيم بتقديم مقترحات إلى والده بضرورة نهج الشورى كأسلوب للحكم الإسلامي الصحيح ومن تلك المقترحات الآتية :

مولاي إننا نضع بين أيديكم المطالب التالية :

1- تأسيس مجلس شورى للدولة يتكون من علماء البلاد وأعيانها ورؤوسها أولي الرأي فيها وتكون مهمته الإشراف على أعمال الوزارة المسئولة ودراسة المشروعات اللازمة لرقي البلاد وإنهاضها ، ووضع مقترحات وإصدار الأنظمة.

2- تشكيل وزارة من رجالات اليمن الأكفاء يكون لها منهج إصلاحي شامل وسياسة مرسومة تقوم على أساس إنهاض البلاد ثقافيا وصحيا وأخلاقيا واقتصاديا وسياسيا ، وتكون مسئولة أمام مجلس الشورى ، وأمام ملك البلاد.

ونتيجة لعدم الالتزام بالشورى فقد قام أهل الرأي والعلماء بتقديم النصح للإمام بضرورة الالتزام بما أمر به الشرع من وجوب قيام الحاكم بمشورة أهل الرأي والعلم ، ومن هذه النصائح على سبيل التوضيح لا للحصر ، نصيحة العلامة أحمد محمد زبارة جاء فيها :

يا مولاي يجب استدعاء المؤمنين من أهل الرأي وأن تقوموا بتشكيل مجلس الشورى وما أمضوه كان إمضاؤه ، فانتم بشر يخطئ ويصيب ، قال الله في وصف المؤمنين ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى : 38] وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران : 159] فيا أمير المؤمنين لا تغرنك الحياة الدنيا .. وأنتم المسئولين أمام الله وخلقه والتاريخ ، فحولوا الحال ، وكلوا أمر المسلمين إلى أنفسهم ليدافعوا عن بلادهم ، واجعلوا على بيت الله المال أمناء.

إلا أن الأمر لم يتبدل فحب السيطرة والاستبداد غريزة في النفوس.


رابعا : سكوت الأئمة عن البدع التي ظهرت في اليمن

كانت البدع والخرافات تشغل حيزا كبيرا في عقول ونفوس عامة الناس في عهد الأئمة بيت حميد الدين نتيجة لما يعانوه من فراغ ثقافي وفكري فيملؤون أفكارهم بتلك الأساطير والخرافات والبدع ويمكن إيجاز تلك البدع والخرافات فيما يلي :

أولا : الاعتقاد بقدسية الإمام وأنه يمتلك الخوارق والمعجزات التي تعطى للأنبياء والرسل ، وقد ترسخ في أذهان العامة أن الإمام يتحول إلى طائر أخضر ليلة القدر بعرفات ثم يأتي أناس يشهدون لله أنهم قد شاهدوه في موسم الحج معهم يؤدي مناسك الحج ، وكانت هذه البدعة لا تحارب من قبل الأئمة حينما يسمعون بانتشارها بين الناس ، بل كان هناك كثير من الأعمال التي يمارسها الإمام بنفسه أو يشيعها بين الناس حول امتلاكه الكثير من الخوارق منها أن الإمام يستطيع أن يقرأ آيات من القرآن فتسقط الطائرات إلى الأرض كالطائر الذبيح.

وقد ذكر القاضي إسماعيل علي الأكوع أن القاضي عبد الله علي الوزير ذكر أنه ذات مرة وصل إلى الإمام وصل إلى الإمام يحيى وأخبره أن الأمطار في نهم قد هطلت بشكل غزير وأن الثمار صالحة فقال الإمام هذا من فضلنا.

ثانيا : العودة بالناس إلى استجرار التاريخ الشيعي بما فيه من تعصب وأحقاد فنجد العامة تتابع ما جرى بين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية ، ويدور الجدل الشديد حول ذلك ، بل يصل بعض التعصب والانحراف إلى شتم الصحابة رضوان الله عليهم جميعا. يذكر لنا الأستاذ أحمد حسين المروني ، وكذا القاضي إسماعيل بن علي الأكوع أن بعض أولئك الجهلاء كانوا يكتبون على الجدران في الحمامات وبعض الأماكن العامة عبارات فيها أشنع العبارات وأقبحها في سب الصحابة رضوان الله عليهم.

وكان العقلاء يستنكرون ذلك العمل ويقدمون النصائح للإمام بعدم السكوت عنها لأنها تمثل خروجا على الشرع وردة عن الإسلام فتقدم القاضي عبد الله العمري إلى الإمام يحيى يطلب فيه عدم السكوت عن تلك الأفعال وأن ذلك حرام وسيحدث انقسام وتشتت وتمزق.

هوامش الفصل الثاني

1- ينتسب المذهب الزيدي إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي بن أبي طالب –فجده الأعلى من قبل أبيه علي بن أبي طالب وقد ولد زيد رضي الله عنه في سنة 80 من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقى في نشأته الأولى الفقه عن أبيه علي زين العابدين ، الذي كان فقيها ، واسع العلم والمعرفة ، وكان يأخذ بكتاب الله تعالى ، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أيضًا راوية للحديث ، تلقى عنه العلماء فقه الحديث ، وقد أخذ زيد ينتقل بين المدينة و العراق على عهد هشام بن عبد الملك الأموي واكتسب مكانة رفيعة بين أهل الكوفة ، مما أقلق الخليفة ، فبعث إلى والي العراق "يوسف بن عمر" كتابا ، جاء فيه : "أنك لقافل ، وأن زيد بن علي غارز ذنبه بالكوفة ، يبايع له ، فألح في طلبه ، وأعطه الأمان ، وإن لم يقبل ، فقاتله" اتجه والي العراق في جيش قوي كثيف إلى طلب الإمام زيد ومن معه ، ودارت معركة غير متكافئة بين الجانبين ، أصيب فيها زيد بسهم في جبهته ، وعند انتزاعه منه كانت منيته –في أول صفر عام 122 للهجرة ، عن عمر لا يتجاوز الثانية والأربعين.

وقد كان للإمام زيد فقه ، يصوره المجموع ، يقوم على ركنين أساسيين أحدهما –مرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم- وطريق الرواية هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه –ومرويات عن علي موقوفة عنده – وقد روى هذا وذاك ، خرج عليه ولم يخالفه. والثاني –آراء للإمام زيد ، وقد قررها واستنبطها ، وهي نتائج دراساته الفقهية للمروى أحدا غيره- فيتحمل صدق الاستنباط أو خطأه ، إذا لم ينسب ما فيها لأحد – وكثير منها يجيء إجابة لسؤال يوجهه راوي المجموع.

والإمام زيدا بهذا ، إمام مجتهد –وقد أجمع كل معاصريه ، والذين جاءوا بعده على أنه إمام مجتهد وفقيه ، لم ير أبو حنيفة في العمر الذي التقى به فيه مثله ، وما دام مجتهدًا ، فلابد أن يكون له مناج يسير عليه في اجتهاده واستنباطه الأحكام ، وإن لم يصرح بذلك المنهاج – وأن ذلك المنهاج هو أصول الفقيه.

وقد تضافرت عدة أسباب ، فجعلت مذهب الإمام زيد مذهبا ناميا متسعا يجد في رحابه كل مذهب من مذاهب الإسلام مستقرا ، وتلك الأسباب تتلخص في :

أ- فتح باب الاجتهاد فيه ، إذ لم يغلق في وقت من الأوقات.

ب- فتح باب الاختيار من المذاهب الأخرى –فقد صار هذا المذهب بهذا الاختيار ملتقى ، تلتقي فيه أشكال الفقه الإسلامي المختلفة.

ج- وجود المذهب في عدة أماكن مختلفة متنائية الأطراف متباعدة ، حمل أعراف وعادات تقاليد البيئة التي تواجد فيها.

د- ظهور أئمة مجتهدين ، كانت لهم إسهامات في إثراء المذهب.

ولقد انتشر المذهب الزيدي في بلاد كثيرة من بلاد الإسلام على أيدي تلامذة الإمام زيد ومريديه ، الذين رحلوا إلى ا لأمصار المختلفة عقب استشهاده فارين بآرائهم السياسية ( للمزيد من التفاصيل راجع محمد أبو زهرة الإمام زيد حياته وعصره وآراؤه وفقهه- المكتبة الإسلامية – بيروت 1959 ).

2- ادجار أوبلانس – اليمن الثورة والحرب- ص57.

3- مصطفى الشكعه – مغامرات مصري في مجاهل اليمن – ص82.

4- ادجار أوبلانس – مرجع سابق- ص46.

5- مصطفى الشكعه – مصدر سابق – ص87.

6- استبيحت صنعاء عدة مرات عبر تاريخها الطويل مثل ما حدث من جانب الخليفة هارون الرشيد ثم من قبل الزيود عام 901 م ومن قبل حكام مصر 1187 ثم عام 1905 بواسطة أنصار الإمام يحيى وأخيرا عام 1948 ( من تعليقات عبد الخالق لاشين في كتاب ادجار أوبلانس ).

7- كلوديا فاانا – كنت طيبة في اليمن – ترجمة محسن العيني – دار العوده – بيروت 1987- ص50. 8- أحمد الشامي – رياح التغير في اليمن – ص201.

9- محمد عبد الله الفسيل و أحمد الشامي – كيف نفهم القضية اليمنية- دار الفكر العربي – ص101- 112 ، ثورة 1948 الميلاد والميسرة والمؤثرات- إعداد مركز الدراسات والبحوث اليمني – صنعاء- ص610- 615.

10- محمود الزبيري – المنطلقات النظرية في فكر الثورة اليمنية – دار العوده – بيروت 1983 – ص88 وما بعدها.

الفصل الثالث : حسن البنا وتشكيل المعارضة اليمنية

بدأت علاقة حسن البنا و الإخوان باليمن في عام 1937 عندما غادر أحمد محمد النعمان اليمن إلى القاهرة للدراسة بالأزهر الجامعة الإسلامية العريقة ولحق به محمد محمود الزبيري الذي التحق بكلية دار العلوم وفي القاهرة تمت لهم الكثير من الفرص حيث التقوا هناك ببعض أحرار اليمن الذين كانوا يعانون من الأوضاع السائدة في اليمن وفي مقدمتهم محي الدين العنسي الضابط اليمني الذي كان ضمن البعثة العسكرية في العراق وعندما انتهت الدورة فضل السفر إلى القاهرة دون العودة إلى صنعاء إلى جانب بعض الذين كانوا يدرسون هناك أمثال سلام فارع والجغري ولقمان وغيرهم وعبر اللقاءات والمداولات توصل الجميع إلى ضرورة تشكيل تنظيم يمني تحت اسم "كتيبة الشباب اليمني" يهدفون من وراء ذلك نشر أفكار الإصلاح والتوعية بأهمية الإصلاحات المطلوبة إلى جانب محاولة نشر القضية اليمنية على نطاق واسع وبدأ نشاط الكتيبة الأولى عام 1939 ( 1 ).

وفي ذلك الوقت حدث التحول الهام فقد تعرف كل من النعمان والزبيري بالإمام حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وظلوا يترددوا على مقر المركز العام للجماعة وقد اهتم بهما الإمام حسن البنا كثيرا وخاصة بعد انضمام الزبيري للجماعة والعمل تحت لوائها هو وآخرون.

يقول الثائر اليمني على ناصر العنسي "كنا ندرس في الأزهر وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين ومنهم حسن البنا الذي كان يرى أن اليمن أنسب البلاد إستراتيجية ولها مناخ مناسب للإخوان وأخذ يهتم بنا اهتماما خاصا".

وفي هذه اللقاءات كان الإخوان يقولون إنهم مقتنعون بأن الحكم في اليمن "لا يمثل الإسلام بل يشوهه ولهذا فالإخوان ضده".

ويؤكد الدكتور أحمد الصائدي في كتابه "حركة المعارضة اليمنية" العلاقة بين الإخوان والطلاب اليمنيين فيقول "من خلال الطلاب اليمنيين في مصر تحققت علاقة الإخوان بحركة المعارضة اليمنية وهذه العلاقة ترجع بدايتها إلى أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينات" ( 2 ).

والحقيقة أن الإخوان لم تقتصر علاقتهم فقط بالطلاب اليمنيين ولكنها امتدت إلى جميع الطلاب الوافدين من الدول العربية والإسلامية وهذا يتفق تماما مع منهج الإخوان وعالمية الدعوة وكان لهذه العلاقة أثر هام فيما بعد فعندما عاد هؤلاء الطلاب لبلادهم أسسوا فروع لجماعة الإخوان وربما كان ذلك النواة لنشأة التنظيم الدولي للإخوان.

فمع تطور حركة الجماعة أسس البنا قسما خاصا أطلق عليه "قسم الاتصال بالعالم الإسلامي" وذلك في عام 1944 وأصبح للإخوان المسلمين عمل منظم ودور كبير في دعم قضايا العالم العربي والإسلامي واتخذ هذا الدعم صورا متعددة منها استضافة قادة حركات الجهاد في العالم الإسلامي بالمركز العام للإخوان المسلمين. كما عمل القسم على الاهتمام بالطلاب الوافدين للدراسة في مصر على أن يكونوا هم نواة لأفكار الجماعة عند عودتهم لبلادهم.

وقبل أن تتبع علاقة حسن البنا بالزبيري والنعمان والطلاب اليمنيين عموما –نشير إلى أنه كانت توجد علاقة طيبة ربطت بين حسن البنا والإمام يحيى وولي عهده سيف الإسلام أحمد في ذلك الوقت فقد كانت صحف الإخوان حريصة على نشر أخبار اليمن وكذلك مراسلات حسن البنا مع الإمام يحيى ومع ابنه أحمد وهي أمور كانت تفتح أبواب اليمن المغلقة أماما صحف الإخوان وكان لذلك تأثير فكري وسياسي على المعارضة اليمنية.

لقد كان اليمنيون طلاب وحكومة يرون في الإخوان رمزا للإخوة الإسلامية و الجهاد المخلص لرفع راية الإسلام ويمنحوهم ذلك ثقتهم وولائهم بصورة لم تعرف أنها قد تكررت مع بلد آخر ففي عام 1938 عندما شارك وفد يمني برئاسة سيف الإسلام عبد الله بن الإمام يحيى في المؤتمر البرلماني العالمي عن قضية فلسطين لجأ الوفد إلى حسن البنا لترشيح سكرتير خاص للوفد فاختار الإمام حسن البنا الأستاذ :تصنيف:الإخوان في اليمن|محمود أبو السعود لهذا الأمر ومرافقتهم إلى لندن وباريس ( 3 ).

لقد كان البنا يرى أن نقل الدعوة إلى اليمن سيكون أكثر مناسبة لاعتبارات عدة منها :

- أن اليمن طوال التاريخ ظل ملاذا للدعوات الفكرية والسياسية التي تعرضت للاضطهاد في دولها وذلك بسبب بعد اليمن عن مركز الخلافة.

- أن طبيعة اليمن الجغرافية وخاصة المناطق الجبلية الوعرة وعدم خضوع قبائله للحكام والولاة بسهولة وخلوه من الأقليات الدينية المؤثرة سيكون من العوامل المساعدة على نجاح دعوة الإخوان.

- أن اليمن لم يعرف قوانين إلا قوانين الشريعة الإسلامية ولا سلطان للاستعمار عليه.

تلك الاعتبارات المذكورة سابقا قد رسخت في عقل البنا انطباعا بأن أرض اليمن ممهد لانتشار دعوة الإخوان وتحقيق أهدافها المعروفة.

وقد أشار البنا على النعمان والزبيري تغير اسم "الكتيبة الأولى" إلى اسم "شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كما عمل على تغير برنامجها.

وكان برنامج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من البرامج النموذجية في حينه والتي طرحت بشكل نهائي عام 1941. فقد كان –تقريبا- صورة من دستور ( حركة الإخوان المسلمين ).

ولقد تضمن برنامج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يلي :

- تصور عام وشامل يجسد الرؤية الإصلاحية وهي :

1- تنشئة جيل يتحلى بالروح الإسلامية ويستوعب التراث ويتوجه إلى التعليم والدراسة والتعاون وإرسال البعثات الدراسية للخارج.

2- خلق تعاون بين الشعب في مختلف المجالات التجارية والاقتصادية وقيام الشركات الوطنية والصناعية الحديثة والاهتمام بالصحة وبالرياضة.

عاد الأستاذ محمد محمود الزبيري من القاهرة إلى صنعاء في يوليو 1941 م ، حاملا معه كتب ( برنامج شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، وحاول أن يكون هذه الهيئة ( في صنعاء ).

وقد تحدث الأستاذ البريطاني ( لي دوجلاس ) عن تأسيس شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يلي :

"عاد نعمان إلى اليمن في فبراير 1941 م وبعد عدة أشهر غير الزبيري اسم ( كتيبة الشباب اليمني ) إلى ( شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، والتغيير في التسمية دل على التغيير في التكتيك ، حيث إن المجموعة كانت في ذلك الوقت قد اتصلت بالإخوان المسلمين وخاصة أحد أعضائها الجزائريين وهو ( الفضيل الورتلاني ) ، وقد جمعت الرغبة في العودة لأصول الإسلام بين الإخوان المسلمين و ( شباب الأمر بالمعروف ) ، وعندما عاد الزبيري في يوليو 1941 م حمل معه نسخا من البيان للعمل على نشر الخلايا في كافة أنحاء اليمن ، من أجل رفعة الإسلام والبدء في نهضة إسلامية".

وعاد الزبيري إلى صنعاء وأخذ ينشر البرنامج ويفسر معانيه وأهدافه في المجالس وفي اللقاءات وفي المساجد الأمر الذي جعل الإمام يحيى بأمر بإيداعه إلى السجن هو من تعاون معه ودخل الزبيري سجن الأهنوم وسجن معه البرنامج وبعد خروج الزبيري من سجن الأهنوم ووصول النعمان من القاهرة أخذوا يتبادلون الرأي حول العمل في سبيل الإصلاح وفي نظام الحكم وبدأ مسار المعارضة يكتسب زخما متزايدا فقد كانت المقارنة بين أحوال اليمن وأحوال البلاد العربية الأخرى مثيرة للغيط ودافعه للتحرك لعمل شيئا وازداد توافد الطلاب اليمنيين العائدين من تصنيف:إخوان القاهرةالقاهرة والمتأثرين بالإخوان المسلمين وعمل الزبيري والنعمان على تنظيمهم وتوزيع المهام المختلفة عليهم وكان لهم دورا كبير في تطوير الفكر الاجتماعي والسياسي في اليمن وقد اهتدى كل من الزبيري والنعمان إلى أن يلتفوا حول الأمير أحمد ابن الإمام يحيى وحاكم تعز معتقدين بأنه ينطوي على تفتح ذهني من التجاوب حيث انضم إلى جانب الزبيري والنعمان الكثير من الأحرار معتقدين بأنهم سوف يحدثون فيه التأثير ويقنعونه بوجهة نظرهم حول الإصلاحات خاصة وأنه سوف يكون إماما بعد أبيه خاصة وأن أبيه يحيى قد وضعه كولي عهد للأمانة. واستمرت هذه المحاولات كثيرا حتى الشهر الخامس من العام 1944 م حين سمعوه يقول أسأل الله ألا يتوفاني إلا وقد خضبت سيفي بدم العصريين مشيرا إلى الأحرار.

وهنا أدركوا أنه أكثر تشددا وأقوى عنفا وأكثر تعصبا من بقية الأمراء الآخرين.. وهنا لم يكن في وسعهم إلا مغادرة تعز متوجهين إلى عن بعد أن كانوا قد ناقشوا كل الاحتمالات التي تقف وراء هذا القرار ومنها :

1- تصور الإمامة وما تشيعه هي ورمزها بأن من يذهب إلى عدن فهو عميل للاستعمار البريطاني مهما كان موقفه وتاريخه.

2- هل يذهبون للقاهرة خاصة وهم قد جبروا قبل ذلك وتأكدهم بأن العمل في القاهرة يمكن أن ينشر قضيتهم في الأوساط الرسمية العربية عبر الصحف والمجلات والاتصالات بالمنظمات والمؤسسات الشعبية والرسمية ولكنه سيظل على هذا النطاق فحسب أما في عدن أكد أحمد محمد نعمان بهذا الصدد بقوله :

أ ) عدن جزء من اليمن.

ب ) قرب عدن من مسرح الأحداث مما يعطي للأحرار فرصة الاطلاع على مجريات الأمور في شمال اليمن والتأثير على الرأي العام اليمني من داخله.

ج ) عدم اختلاف أنظمة الحكم في الدولة العربية الأخرى عما هو قائم في اليمن في ظل حكم أسرة حميد الدين .. فهي إما أنظمة استبدادية أو خاضعة للنفوذ الاستعماري ، ومن المتعذر العمل بها مهما كانت درجة التفاوت في طبيعة الأوضاع فيها.

د ) بعد هذه البلاد عن مسرح الأحداث ( ويضاف إلى ذلك أن لا شبهه في اختيار عدن بوصفها مستعمرة بريطانية ، كمقر للأحرار .. فكثير من حركات التحرر قامت وهي ترزح تحت الاستعمار والاحتلال ، وكذلك سهولة العمل بين أوساط المهاجرين الذين يمدون الحركة بالمساعدة.. بالإضافة إلى أن العمل بين أوساط المهاجرين الذين يمدون الحركة بالمساعدة.. بالإضافة إلى أن عدن تلعب دورا مهما لكونها واسطة بين المهاجرين في أفريقيا وآسيا وأوروبا.. إلى جانب أنها تعتبر قطعة داخل اليمن ويسهل منها الانتقال من وإلى الشمال.. وكذلك يمكنها الحصول على الأخبار والمعلومات بصورة مباشرة وسريعة ويمكنها توزيع المطبوعات من الصحف وتسريب المنشورات وبالتالي إحداث ردود فعل مباشرة في سياسة الإمام.

والشيء المهم هو وفي كل الأحوال محاربة ومكافحة الظلم والاستبداد الذي أصبح قانونا في عهد أسرة حميد الدين.

أما عن بداية فكرة ظهور مصطلح المعارضة كفكرة وكمبدأ ، فقد عبر كل من الزبيري والنعمان عن هذه الحقيقة بقولهما :

هذه فكرة ثبتت في أذهاننا عندما عرفنا أنفسنا وفهمنا الحقائق الأولية. فقد اختلطنا بكثير من الشباب وطالعنا الكتب الحديثة والصحف العربية ، ثم ترعرعت الفكرة في مصر ونضجت واكتملت.. ولولا بقاء أمل كان يخالجنا في رجوع المسؤولين التي استقيناها من روح النهضة العربية الحديثة ، فرفضها الحاكمون بأمرهم في اليمن تنكروا لنا أشد التنكر بعد أن تذرعنا بكل وسيلة يفهمون بها وقد فهمونا وفهموا مبادئنا إلا أننا عزمنا يقينا أنهم لا يريدون أن يغيروا خطتهم العتيقة ولا يبالون بمصير اليمنيين ولا يفهمون إلا مصالح أنفسهم وأنهم يصرون إصرارا لا يتراجعون عنه إلا بقوة.. وأعظم خطر للخروج للمعارضة هو ما أكدناه بع دراسة وثيقة أن القوم ماضون في طريقهم إلى النهاية.. ولهذا قررنا الخروج إلى عدن لمواصل النضال ولهذا عندما وصل الأحرار إلى عدن وفي مقدمتهم الزبيري والنعمان ليعلنوا معارضتهم عبر إطار تنظيمي.. فقد استقبلوا في عدن استقبالا حافلا ومدت هلم كل المساعدات الممكنة فمثلا فتحت لهم صحيفة فتاة الجزيرة صفحاتها ليعبروا بكل حرية فيها وضعت بعض الجمعيات القروية مقراتها تحت تصرفهم.

ومنذ ذلك الوقت أصبح أعضاء حركة المعارضة الهاربين من الاستبداد الإمامي يسمون أنفسهم "الأحرار اليمانيين" أو "الأحرار" فارتبطت حركتهم بهذه التسمية وبسرعة ظهرت في عدن مجموعة كبيرة أيضًا من المعارضين وكان من بينهم "زيد الموشكى" والشاعر "أحمد الشامي" وكثيرون غيرهم ( 1 ).

وعقد الأحرار عدة اجتماعات دارت فيها الكثير من الأفكار والمواضيع المتعلقة بالصيغ التنظيمية والأهداف القريبة والبعيدة لنشاطهم وجهادهم وبعدها خرجوا بقرار إعلان حزب الأحرار اليمنيين وأصدروا مطالبهم التي رفعوها إلى الإمام يحيى في يونيه عام 1944.

أما برنامج ومطالب الأحرار بعد تأسيس حزب الأحرار عام 1944 م فقد تضمن الآتي :

1- إنقاذ الأمة من المجاعة المهلكة.

2- السمح للأمة ببث شكواها وتمكين الأفراد من الدفاع عن أنفسهم.

3- الإذن للوعاظ والعلماء بما أمر الله لهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4- إعفاء الفقراء من الضرائب التي لا حد لها ولا تقدر.

5- إلغاء الجمارك التي حاربتم الأتراك من أجلها وكفرتهم بسببها.

6- عقد هدنة مؤقتة بين القيادة العسكرية وبين الرعية والضعفاء.

7- قبول أمانة الناس في الزكاة كما كان الحال في عهد الرسول وخلفائه.

8- وضع نظام شرعي صحيح يكفل للأمة العدل ويؤمنها من السجون والمعتقلات بدون محاكمة ورفع التنافيذ والخطط عن الرعية.

وكانت حينها الحرب العالمية الثانية لا زالت تدور رحالها وكانت قوات الاستعمار البريطاني داخل أتون هذه الحرب المدمرة الأمر الذي جعل السلطات البريطانية في عدن تحد من نشاط الأحرار وتتحفظ من نشاطهم العلني حتى لا تدخل في نزاع مع الإمام وظل نشاط الأحرار محدودا ، إلى أن جاءت الأزمة المالية التي كانوا يعانون منها الأمر الذي جعلهم ينخرطون في سلك التدريس بهدف الحصول على لقمة العيش ، والبعض منهم لم يجد ما يقتات به فوصل الأمر إلى أن فكروا بالعودة تحت أي ظروف ، وعاد الكثير منهم ولم يبق سوى النعمان والزبيري وقد وصل بهم الأمر أن فكروا بالعودة ، وقد اتصل بهم أحمد عبده ناشر –أحد المهاجرين اليمنيين في الحبشة- وحثهم على مواصلة النضال مقابل تقديم المساعدات الشهرية لهم.

ومن القاهرة وفي شهر فبراير عام 1944 صدر نص برنامج ( الجمعية للشباب اليمني ) وقد حمل البرنامج التأكيد بأن اليمن جزء لا يتجزأ من اليمن الطبيعي ، والعمل على ربط اليمن بالأمة العربية ، وبكل معطيات العصر في مجال العلوم وغيرها.

كما نص البرنامج على مقومات الإصلاح في اليمن والمطلوب تحقيقه. وبعد الحرب العالمية الثانية مع التغيرات العاصفة وانقسام العالم إلى كتلتين وبروز حركة التحرر العالمية والعربية تجمع الأحرار من جديد وأخذ النشاط العام يدب في صفوفهم وأصبح بالإمكان العمل تحت إطار أوسع وأشمل وأكثر علنية فاجتمع الأحرار لمناقشة السبل المؤدية إلى ذلك وبعد الأخذ والرد وانضمام الكثير إلى هذا التجمع ثم إعلان قيام الجمعية اليمانية الكبرى بعدن عام 1946 م.

وتحصلت الجمعية على رخصة رسمية لمزاولة نشاطها العام ورخصة بإصدار صحيفة باسم "صوت اليمن" ناطقة باسم الجمعية وكذلك تأسيس مطبعة لها.. استوردها الأحرار من القاهرة.. وقد جمعوا ثمنها من التجار اليمنيين في عدن والمهجر... وبعد الانتهاء من أعمال التأسيس للجمعية في اجتماعات موسعة أصدر الأحرار عدة مطالب من الإمام سموها مطالب الشعب.

وهي كما يلي :

1- تأسيس مجلس الشورى يكون المسؤول الأول في البلاد وتكون مهمته الإشراف على جميع الوزراء ودرس المشروعات اللازمة لرقي البلاد وإنهاضها ووضع المقترحات وإصدار الأنظمة.

2- تشكل وزارة من رجال البلاد الأكفاء تكون لها منهج إصلاحي شامل وسياسة مرسومة تقوم على أساس إنهاض البلاد ثقافيا وصحيا واقتصاديا وسياسيا وتكون مسئولة أمام مجلس الشورى.

3- ابتعاد الأمراء عن الحكم ويظلون كأمراء فقط.

4- إصدار أمر ملكي بشأن تأسيس مجلس شورى وتشكيل وزارة.

5- تشكيل لجنة مراقبة مهمتها مراقبة تنفيذ مطالب الشعب ( 5 ).

وبعد هذه الفعاليات شهد العمل الإصلاحي تطورات سريعة منها :

1- انضمام الكثير إلى صفوف الأحرار في إطار الجمعية.

2- تلقي الأحرار رسائل التأييد والدعم المالي والأبي من مختلف المناطق والعناصر وخاصة من جماعة الإخوان بمصر.

3- وصول البرقيات التأييدية للأحرار وبرقيات مناشدة للإمام تناشد فيها بإطلاق سراح المساجين وتحسين أوضاع البلاد من كثير من المنظمات والشخصيات العربية في القاهرة ومن هذه البرقيات على سبيل المثال البرقيات الآتية :

أ ) من صالح حرب باشا رئيس جمعية الشباب المسلمين بالقاهرة في ذلك الوقت.

ب ) من عبد الحميد إبراهيم صالح باشا رئيس الاتحاد العربي في ذلك الوقت.

ج ) من حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين في ذلك الوقت.

د ) من الفضيل الورتلاني سكرتير جبهة الدفاع عن أفريقيا في ذلك الوقت.

ومن بين العديد من التطورات التي حدثت.. وصول الأمير أحمد بن يحيى حميد الدين إلى عدن من أجل مفاوضة الأحرار وتقديم الضمانات لهم ، والإغراءات للعودة إلا أن الأحرار رفضوا مقابلته على أساس أنه لا توجد هناك قضايا صالحة للنقاش ولكن هناك مطالب قدمت للإمام قبل ذلك وهي تمثل مطالب الشعب وعلى السلطة أن تنفذها ونحن سوف نعود إلى أهلنا دون أن طلق مقابل ذلك شيئا.

وبعد فشل مهمة الأمير أحمد ، صدرت صحيفة "صوت اليمن:تصنيف:الإخوان في اليمن|" ( 6 ) التي كان لصدورها تأثير بالغ على المستوى الداخلي والخارجي ففي القاهرة رحبت بصدورها كثير من الصحف والمجلات وإضافة إلى هذا فقد مثل وصول سيف الحق إبراهيم إلى عدن وانضمامه إلى صفوف الأحرار في إطار الجمعية اليمانية الكبرى ، حدثا هاما من موازين الأوضاع خاصة داخل قصر الإمامة كان لوصول هذا الأمير صدى واسع وأثر بالغ وأحدث تحولا كبيرا في مسيرة حكم الأحرار وعلى كل المستويات وإضافة إلى هذا عندما قام الأمير سيف الحق إبراهيم بإرسال عدة برقيات إلى والده وأخيه وإلى المنظمات والشخصيات العربية والمنظمات والهيئات ودور الصحف العربية واليمنية في عدن يوضح فيها الأسباب التي جعلته ينضم إلى صفوف الأحرار ويشرح في هذه الرسائل كيف أنه قدم النصح وعمل كل ما في وسعه من أجل إصلاح الأمور داخل الحكم ولكنه وصل إلى طريق مسدود مما جعله هذا يقرر الانضمام إلى صفوف الشعب متخليا عن كل الامتيازات والمصالح.

ويلاحظ هنا ، أن معارضة الحكم الإمامي لم تضم أنصار الإصلاح فقط ، بل وأيضًا أبناء بعض الأسر الكبيرة من السادة الزيود مدعي الإمامة. فاعترضوا على أسلوب وراثة العرش الذي اتبعه الإمام يحيى وكما ذكرنا من قبل فإن المذهب الزيدي أجاز لكل مدع للإمامة أن يثور ضد الإمام القائم ، طالما توافرت فيه شروط الإمام التي أقرها المذهب. وتجلى هذا الاعتراض عندما انتقلت السلطة خلال جيلين من الأب إلى الابن الأكبر في أسرة حميد الدين –وبدأ هذا الفضل عام 1927 عندما أصبح معروفا بأن الإمام يحيى يرغب في إعلان ولاية العهد لابنه أحمد- وسرت هذه الإشاعة مرة أخرى في عام 1935 عندما قيل إن الإمام ينوي التخلي عن العرش لصالح ابن أحمد. وأدى هذا النبأ إلى تحرك جميع الطامحين للاستيلاء على العرش ، وكان الحظ الأكبر في النجاح من نصيب "عبد الله الوزير" الذي كان يتمتع بمكانة كبيرة في البلاد ( 7 ).

وتحرك الإمام يحيى للحصول على موافقة زعماء هذه الأسر الكبيرة بالأمير أحمد وليا للعهد. ولهذا الغرض قام بمحادثات مع الكثير من زعماء هذه الأسر ، وأرسل رسله إليهم ، وكان من بينهم علي بن حمود شرف الدين ، رئيس الأسرة المشهورة ، والتي كانت أسرة مالكة فيما مضى. ولم يطلب الإمام يحيى منه موافقته وحسب ، بل وأن –يحصل له على موافقة عبد الله الوزير و علي الوزير اقتداء به ووعده الإمام في مقابل ذلك بتعيينه محافظا في الحديدة. وقد استمرت المحادثات السرية أكثر من سنة ، اتسمت بالمناورات والصراع السياسي الخفي. وفي عام 1937 أعطى كل من عبد الله الوزير و علي الوزير ، موافقتهما على الاعتراف بأحمد وليا للعهد ، وأعلن الإمام يحيى في نفس السنة ابنه أحمد وليا للعهد – كما أقسم مجلس العلماء له بالولاء.

على أن ذلك لم ينه الخلاف بين الأسرتين المتنافستين بل إن المعارضة بقيت في أسرة الوزير ، وانتظرت اللحظة المناسبة لكي تمهد للانفراد بالاستيلاء على العرض – لذلك كانت من بين العناصر الرئيسية التي اشتركت في انقلاب عام 1948.

ولاشك أن فكر "الأحرار اليمنيين" وتوجهاتهم السياسية في هذه المرحلة ، بعد قيام "الجمعية اليمنية الكبرى" يعتبر خطوة إلى الأمام عما كانت عليه أيام "الحكمة اليمانية" و "هيئة النضال". فأصحاب "مجلة الحكمة اليمانية" – أو ما يمكن أن نطلق عليه بما مثلوه من توجه فكري وثقافي معين وواضح أصحاب "مدرسة الحكمة" قد تحدد بعدهم الثقافي والفكري بالتأكيد على نقد الواقع بصورة غير مباشرة ، وتحديد ملامح المستقبل بأسلوب إصلاحي ، وفي إطار المفاهيم التقليدية وشبه التقليدية ، والتي استمدوا جذورها من حركة الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وغيرهم في مصر والشام في حينه- ومع ذلك فقد كانوا بلا منازع هم أكثر الموجودين تقدما وقربا من المعاصرة بصفة عام ( 8 ). أما حركة الأحرار اليمنيين والجمعية اليمنية الكبرى ، فهي مدرسة تتميز عن المدرسة السابقة في كونها قد جمعت بين الثقافة والعمل السياسي شبه المنظم معا ، وتمكنت هذه المدرسة ، بفضل هذا الجمع بين الثقافة و السياسة من القيام بأدوار أكثر فاعلية وانتشارا على المستوى الثقافي والسياسي والاجتماعي إلى حد منازلة السلطة وإقلاقها بصفة دائمة. على أننا يجب أن نلاحظ ، أنه بالرغم من وجود تداخل كبير بين المدرستين ، حيث شارك الكثير من جماعة الحكمة وساهموا في نطاق حركة الأحرار الأكثر اتساعا وتأثيرا من حيث أفقها الثقافي وطموحاتها السياسية ، فإنها من جهة أخرى لم تكن تتعدى كثيرا مفهوم السلطة الحاكمة للإمامة إلا في حدود نسبية جدا.

وصفت صحيفة الإخوان المسلمين سوء الأحوال في البلاد فقالت : "يشعر الشعب اليمني بأنه متخلف عن ركب الحياة يعيش في مجاهل الظلام بينه وبين والرقي والتقدم حجاب منيع من الظلم والأوضاع التي لا تتفق مع مطالب العصر.

وحاول المستنيرون من أبنائه أن يتقدموا بالنصيحة لجلالة الإمام. وطالبوا بالإصلاح الضروري الي –لابد منه. فلم يجدوا إلا العنت والإرهاق مما اضطرهم إلى الهجرة والتشتت في كل مكان وأطلقوا على أنفسهم "اليمنيين الأحرار".

وينتهز حسن البنا فرصة وجود صالح محسن سكرتير الإمام أحمد بالقاهرة ، فيحمله رسالة شخصية للإمام .. ثم يسلم القاضي العمري رئيس الوزراء رسالة مماثلة قال المرشد العام للإمام يحيى :

"لم يعد بد من أن تقوم في اليمن حكومة إسلامية مسئولة ذات اختصاصات وسلطات واضحة يؤازرها مجلس شورى يمثل طبقات الشعب. ولن ينتقص ذلك شيئا من حقوق الإمامة وسلطانها الشرعي فلها الرأي الأعلى ولكنه تنظيم يرتفع معه شعور الأمة بحريتها وكرامتها الإنسانية.

وكان حرص جلالتكم على سلامة عقيدة الأمة اليمنية وصيانة تقاليدها واستقلالها يحمل دائما على الحذر من التعجل بمطالب الإصلاح الذي لابد فيه من الخبراء الأجانب.

ونحمد الله على أنه وفق البلاد العربية إلى امتياز في مضمار التقدم الاقتصادي يجعلها كفيلة بإمداد اليمن بما تريده من الخبراء بمجرد إشارة من مولانا الإمام.

بقي أن أتقدم إلى جلالتكم مستأذنا في شأن أبنائكم في المهجر الذي دفعتهم الغيرة وحب الخير للدولة والأمة والله ، فتادوا بالمطالب الإصلاحية ودعوا إلى الأخذ بأسباب التقدم العمراني تدفعهم حماسة الشباب إلى شيء من التطرف".

... وهكذا رأى الإخوان أن يكونوا واسطة بين الإمام وشعب ، وحددوا للإمام دوره وما يجب أن يكون عليه الحاكم المسلم. ( 9 )

كما أخذ الأحرار –منذ نوفمبر 1947 م- يتحدثون في صحفهم عن المرشد العام للإخوان المسلمين حسن البنا ، وعن حركة الإخوان ، وبالتالي بدأ الشيخ حسن البنا و الإخوان المسلمين يتحدثون عن حركة الأحرار اليمنيين في صحفهم وينشرون الرسائل المتبادلة بينهم ، بل وتبني قضيتهم إذ صدر العدد 51 من جريدة صوت اليمن الصادر في 6 نوفمبر 1947 م يحمل في صفحته الأولى العنوان التالي : ( المرشد العام للإخوان المسلمين يحمل لواء القضية في العالم العربي ).

ونشرت تحته نص رسالتين متبادلتين بين الأمير إبراهيم كزعيم للجمعية اليمانية الكبرى والشيخ حسن البنا كزعيم لحركة الإخوان المسلمين ، أوكلت الجمعية بمقتضى رسالة الأمير إبراهيم تفويضا تاما لحسن البنا أن يتحدث عن حركة الأحرار ، وفي كل شأن من الشئون المرتبطة بها كزعيم مطلق التصرف فيها.

كان الإخوان المسلمين –يومها- يتمتعون بتأييد كثير من المواطنين في البلاد العربية ، وشبابها المستنير وبالذات في مصر مركز الحركة.

وقد أعد المرشد العام خطة ذكية للتغلغل في اليمن.

انتهز الأساتذة المصريون الذين يعملون باليمن فرصة وصول سيف الإسلام البدر –بن سيف الإسلام أحمد ولي العهد وحفيد الإمام يحيى- إلى القاهرة للعلاج فدعوه لحضور إحدى ندواتهم التي يقيمونها في المركز العام للجماعة.

وهناك تعرف البنا بالبدر وتم اللقاء مع الطلبة اليمنيين الذين يدرسون بالقاهرة.

وتوطدت العلاقة بين الجميع. وقام البنا بدعوتهم لقضاء يوم في محافظة الفيوم.

وأثناء حضور إحدى الندوات تعرف الجميع على الفضيل الورتلاني وهو عالم ومجاهد جزائري –في الأربعين من عمره- اختير سكرتيرا عام لجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا. كافح ضدا لاستعمال الفرنسي في الجزائر ثم هرب من فرنسا إلى سويسرا وأقام بمصر عندما علم أن الفرنسيين يزمعون قتله. وانضم للإخوان وكان الورتلاني يجتمع باليمنيين بعد انتهاء الندوات ويزورهم بالفندق ويتردد على سيف الإسلام البدر.

انضم إلى هذه المجموعة محمد سالم سالم –زوج السيدة زينب الغزالي- صاحب شركة أتوبيس الشرقية وهو صديق للمرشد العام والأثري الدكتور أحمد فخري الذي زار اليمن من قبل وهو أيضًا من الجماعة. ومع تطور علاقة البدر بهذه الشخصيات نشأت فكرة سفر الفضيل الورتلاني إلى اليمن كمندوب عن محمد سالم لتأسيس شركة تجارية بها يرافقه الدكتور أحمد فخري عالم الآثار ( 10 ). فقد استطاع البدر إقناع أبيه بأن الورتلاني على جانب كبير من العلم والدين.

وأذن الإمام يحيى للفضيل الورتلاني بتأسيس "الشركة اليمانية للتجارة والصناعة والزراعة والنقل" وأصدر مرسوما حكوميا بتشكيلها والموافقة على قانوناه ومنحها امتيازا مؤقتا في الغاز والسكر لمدة ثلاث سنوات وكان هذه الشركة ستارا لنشاط الإخوان المسلمين في اليمن ( 11 ).

وكان لنجاحه الاقتصادي في عاصمة اليمن وسمعته كقائد إسلامي وعدو للأوربيين ما ساعده في ترتيب وضعه لدى الإمام يحيى وبسرعة أقام الورتلاني علاقة قوية مع الشباب المعارضين للإمام وبعدها الطامحين إلى عرش الإمامة ( بيت الوزير ) موضحا بأن قيام هذه الصلات هو من أجل رفاهية اليمن وإيجاد شكل عصري للإسلام في البلاد يقوده الإخوان المسلمون ولم تثير رحلاته العديدة إلى عدن والمرتبطة بنشاطه الاقتصادي أية شكوك لدى الإمام يحيى وبسرعة أصبح الورتلاني همزة الوصل بين "الأحرار اليمنيين" في عدن وقوى المعارضة داخل اليمن وعلى اتصال دائم بالإمام حسن البنا في القاهرة وكان الورتلاني يأمل –رغم ما كان قد سمعه من المعارضين للإمام يحيى وأسرته في مصر وعدن- أنه سيستطيع أن يقنع الإمام وولي عده سيف الإسلام أحمد بفكرته التي يؤمن بها ويدعو إليها ولذلك جلس معهما ناصحها متحدثا وخطب في جوامع تعز وصنعاء وحرر الرسائل إليهما وأعد "تقريرين" مسهبين أحدهما سياسي والآخر اقتصادي وقدمهما إلى الإمام يحيى ونشرت صحيفة "الإخوان المسلمين" في 3 أغسطس 1947 التقرير السياسي بمقدمة للشيخ حسن البنا قال فيها : "العالم العربي والإسلامي كله رجاء في أن يسرع جلالة الإمام مؤيدا مشكورا بإقرار النواحي الإصلاحية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية التي تنهض بشعبه حتى لا يدع ثغرة ينفذ منها الاستعمال الأجنبي" ( 12 ).

وفي موسم الحج عام 1366هـ التقى حسن البنا بالقاضي عبد الله الشماحي –المعارض اليمني- وتلازما في مكة والمدينة وكان الشماخي مبعوثا من أحمد المطاع و عبد الله الوزير وذلك لتوضيح الصورة الحقيقة للإمام حسن البنا عن الموضع اليمني الذي أغرقه الإمام يحيى في التخلف الشديد والجهل المظلم والفقر المدقع ووعد البنا بمساعدة الجهاد اليمني وفتح أبواب الجماعة للشباب اليمين الذي جاء إلى القاهرة للدراسة.

وتدفق المدرسين المصرين المنتمين للإخوان إلى اليمن نذكر منهم الأستاذ مصطفى الشكعة –( عميد كلية الآداب- جامعة عين شمس فيما بعد ) وقد أصبح المشرف على الإذاعة في صنعاء عقب قيام ثورة 1948 ومقتل الإمام يحيى ( 13 ).

مع قدوم الورتلاني –الذي أطلق عليه لقب "مهندس الثورة" انتقلت رياها إلى اليمن فقد اندفع الورتلاني في إقامة الندوات وإلقاء المحاضرات في المدارس والمساجد والحفلات فسرت روح الثورة إلى الشباب والضباط وطلاب المدارس. فقد كان الورتلاني كتلة من النشاط والحركة والمقدرة على التنظيم الحزبي والعمل السياسي إلى جانب كونه عالما قديرا ومتحدا لبقا وخطيبا بليغا.

وبسبب أعماله التجارية اتصالاته في عدن ، وثقة الإمام فيه استطاع الورتلاني أن يقوم برحلات عدة إلى عدن دون أن يثير شكوك الإمام يحيى حوله. ونتيجة لذلك أصبح الواسطة بين المعارضين المهاجرين والمنفيين في عدن وبين قوى المعارضة داخل اليمن.

وفي كتاب "ثورة 1948" الذي أعده مركز الدراسات والبحوث اليمني قال : "إن رسل الثورة ذهبت تحمل المعلومات إلى الثوار في عدن وإلى البنا في القاهرة وانتهت الاتصالات بالموافقة على أن يكون عبد الله الوزير إماما دستوريا لليمن على رأس حكومة دستورية " ( 14 ).

ونجح الورتلاني في أن يؤلف بين كل المعارضين لإمام اليمن وجعلهم يوقعون "الميثاق الوطني المقدس" في 14 من سبتمبر 1947 قائلا :

- هذا الميثاق ثم بمعرفة واطلاع ومباركة زعيم الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا.

وقد أثار ذلك النشاط الكبير الذي قام به الورتلاني الإمام يحيى ، خاصة تلك اللقاءات عن طريق الندوات والمحاضرات في صنعاء وتعز واب وغيرها فقام باعتقال عدد من الضباط والشباب –كما حاول إيقاف الورتلاني وأخرجه من اليمن ، لكن توصيات ولي العهد أحمد به ، ودفاع حسين الكبسى عنه حال دون ذلك ، فواصل اتصالاته بالشخصيات التي كان يتوسم فيها قابليها للتغيير من أمثال حسين الكبسي ، الذي كان محل ثقة الإمام ، وولده الحسن والحسين ، و أحمد بن أحمد المطاع ، و عبد الله بن أحمد الوزير من مجموعة صنعاء و عبد الرحمن بن يحيى الارياني و زيد بن علي الموشكي ، و أحمد بن محمد الشامي وغيرهم( 15 ) كان الورتلاني أشد المحرضين على التعجيل بالقيام بالتغيير ، وهو في ذلك ، قوي الحجة لدى العائلات الكبرى في اليمن ، لما آثار من مطامعها إلى السلطة ومخاوفها من سلطة الإمام ، واتسعت دائرة تأثيره ، حتى بلغت كبار الموظفين ( 16 ) . وكان التغيير الذي يراه لابد أن يكون متدرجا ، لا يتم طفرة واحد –فإذا كان الإمام يحيى قد افقد كل من حوله آمالهم في الإصلاح ، فلا أقل من استبداله « بإمام » آخر ، يكون أكثر قابلية للقيام بهذه الإصلاحات ، اللازمة للتغير إلى مستقبل أفضل – ومن هنا جاء اختيار الأمير عبد الله بن أحمد الوزير ليكون إماما في مرحلة انتقال من نظام الإمامة إلى نظام الحكم الحديث ، القائم على الأجهزة الشعبية –رغم أن الأخذ بهذا الاختيار قد يكون على مضض من بعض المفكرين اليمنيين الأحرار الذين تطلعون إلى التغيير الجذري – وتمكن الورتلاني بأفعال من إقناع الوزير بقيادة الحركة ، التي لقيت عنده قبولا حسنا ، فبدأ يوطد علاقته بالفضيل ومن يتصل به ، وفتح لهم داره لعقد الاجتماعات ، التي كان دائما في عقدها لمختلف العناصر اليمنية يدفعه إلى ذلك خوفه من الإمام يحيى ، الذي باتت سحابات الشكوك تغلف علاقته به.

بدأ الفضيل ، والمطاع ، والكبسي ، ورفاقهم يضعون الخطط ويتصلون في صنعاء بالرئيس ( النقيب ) العسكري العراقي جمال جميل وذهبت رسولهم تحمل المعلومات إلى من بتعز ، وإلى الزبيري ونعمان بعدن وإلى البنا بالقاهرة –انتهت الاتصالات بالموافقة على أن يكون الوزير "إماما دستوريا" – على رأس حكومة دستورية- وفعلا شكلت الحكومة ، نص على أعضائها ووضع لها دستور سمي "بالميثاق الوطني المقدس" وأرسلت منه نسخة بخط أحمد الشامي إلى الزبيري والنعمان في عدن ، ليطبع منه عدد كبير ، تحفظ هناك في سرية إلى الوقت المناسب لإعلان الانقلاب.

الملفت للنظر هنا ، دور الإخوان المسلمين ومرشدهم العام حسن البنا عن طريق الفضيل الورتلاني ، في اليمن وعلاقاتهم بالإمامة وهم ليسوا زيديين ، ولا يقولون بالإمامة :- وفي محالة للإجابة على ذلك ، بكتاب الله وسنة رسوله ، والفقه وأصوله ، ما يخوله أن يفهم ويعرف ما فهمه وعرفه الإمام زيد بن علي ، وأن ينكر ويثور على ما أنكره وثار من أجل إزالته الإمام زيد بن علي –الذي عندما ثار لم يكن "زيديا" بل كان حنيفا مسلما ، كما كان جده الحسين من قبله ، وكما كان الورتلاني و البنا من بعده. ذلك هو ما دفع الورتلاني و البنا للاهتمام باليمن ، فوضعا أصول "الميثاق" كنواة لدولة الإسلام ، إذا ما نشأت ونمت على مبادئ قرآنية / سيتمكن المختصون من علماء المسلمين وعباقرتهم في ظلالها من استنباط نظرية سياسية واضحة ، تحدد قاعدة شرعية لانتخاب الحاكم المسلم كرئيس لدولتها في نطاق مفهومها ، وضمن دستور الحاكم المسلم كرئيس لدولتها في نطاق مفهومها ، وضمن دستور إسلامي دائم ، يستمد أحكامه من كتاب الله وسنة رسوله ، وما يفضي به العقل الخالص ، تضعه لجنة خاصة يعينه مجلس الشورى من أهل الكفاءة والصلاح علما وعملا" –ويمكننا أن نضيف إلى ذلك. أن جماعة الإخوان المسلمين كان تعتمد في انتشارها على بث الدعوة الإسلامية من منظور محدد ، وربما يكون قد رأى قادتها في نجاح حركة الانقلاب باليمن، جاح في نفس الوقت لانتشار هذه الدعوة خارج الدائرة التي كانت تتحرك فيها آنذاك ، بما يثبت قواعدها ، ويدعم أركانها.

كان صدور "الميثاق الوطني المقدس" بمثابة مشروع دستور لليمن في المستقبل وهو من ناحية أخرى يعتبر نتيجة نهائية لتشكيل "حزب الجمعية اليمنية الكبرى". وقد سجل "الأحرار اليمنيون" في هذا الميثاق ، أهدافهم ومطالبهم ، التي يمكن تلخيصها في تغيير نظام الحكم سلميا ، وقيام حكم على أسس العدالة والحرية والمساواة ، وبعث البلاد في جميع النواحي.

وقد افتتح هذا الميثاق الوطني بما يلي : ولما صارت أحوال اليمن منحطة إلى حد بعيد في أمور الدنيا والدين بسبب الاستبداد والأنانية اللذين اشتهر بهما الإمام الحالي يحيى محمد حميد الدين حتى صار الغرض المطلوب من الأمة معدوما في كل ناحية ولم يسبق غير مظاهر كاذبة لا تتفق مع موجبات الشرع الشريف ولا تطمئن إلى شيء من الإصلاح الذي يوجبه الدين في الحال ولا تصون اليمن من سوء عواقب المستقبل.

وقياما للواجب لله تعالى وللمسلمين وطلبا للسلامة في الدين والدنيا من العقوبة من الله سبحانه وتعالى لحفظ شرف الدين والاستقلال.

اجتمع ممثلو الشعب اليمني على اختلاف طبقاتهم في هيئة مؤتمر الأمن ليضبط مصالح الأمة ويقوم بكل واجب ديني ودنيوي لليمن وأهله عند وفاة الإمام الحالي فقرر الأمر بالإجماع بما يأتي :

المادة ( 1 ) مبايعة سيادة السيد عبد الله بن أحمد الوزير لما اشتهر به من علم وفضل ومنزلة عالية في نفوس الناس مبايعة دينية ناجزة إمام شرعيا شورويا دستوريا على نحو ما تيسير به أرقى الأمم اليوم في العالم المتحضر فيما لا يخالف أدنى مخالفة للتعاليم الإسلامية الصحيحة.

ومن ناحية أخرى أشار الميثاق المقدس إلى أن الأمير إبراهيم الذي كان في قدرته أن يحمل الأمة كلها على أن تلتف من حوله لو أنه أقدم على الثورة بدون مشاورة الزعماء الآخرين والتعاون معهم إلا أن هذا الأمير الجليل بمجرد أن علم بأن السيد عبد الله أحمد الوزير قد وافق على الانقلاب بعث إليه بالبيعة وتنازل عن حقه في ترشيح نفسه كما أكد له رجال الأمة أنه لا يمكن أن يقوم بعمل يخالف ما يجمعون عليه من خطط وتدابير.

للسلطة التشريعية كان هذا الاختيار من التوفيق وقد أصبح سموه رئيسا لمجلس الشورى فسمو الأمير إبراهيم لم يكن همه منذ نزل ميدان الجهاد إلا خلق حكومة دستورية وإيجاد نظام الشورى لذلك كان من الطبيعي أن يكون هذا المنصب أحب إليه من أي منصب آخر.

ثم يضيف الميثاق القول :

حقا أنها معجزة من المعجزات أن يتحرك شعب استسلم لطاغية حوالي نصف قرب عاش أثناءها تحت عوامل القهر والإذلال والاستعباد وتمزقت أواصر التعاون بين أفراده شر ممزق وعاش طوال هذه المدة منعزلا عن العالم محروما من التعليم والثقافة والحياة والنور ومع ذلك تكون حركته منظمة سليمة قائمة بمثل هذه السرعة والدقة والأحكام.

أن الثورة الفرنسية الكبرى كانت تستند إلى شعب هو على جانب كبير من الحضارة والنضج الثقافي بالنسبة إلى ذلك العصر ومع هذا فقد كانت تلك الثورة عمياء وجارفة لأنها أصبحت مسرحا لحوادث وحشية رهيبة ولأن زمام السلطة أثناءها كان تحت تأثير الجماهير بدون زعامة.

أما الانقلاب اليمني الحالي فبالرغم من أن الشعب اليمني محروم من الثقافة مفلس من المال لم يتعود على النظام ولا المؤتمرات فقد قام في ثورته هذه بعملية الهدم قبيل البناء بسرعة تدعوا إلى الدهشة والإعجاب.. والآن ماذا؟!

والآن أيها العرب يجب أن ترفعوا الأعلام وتعدوا هذا اليوم عيدا عربيا نعم تعدونه عيدا لأنكم كسبتم حكومة عربية واحدة وشعبا مجيدا في الملمات والنوازل فقد زال عنه الكابوس وأصبح عضوا نافعًا في جسم الجامعة العربية وسيكون له من اليوم صوت مسموع ترن له الآذان ويردد صداه الدهر.

ويعتبر "الميثاق الوطني المقدس" أهم عمل نظري خلقته حركة المعارضة وأفضل وثيقة يمكن من خلالها الوقوف على تطلعات المعارضة ، مع مراعاة بعض الاعتبارات ، مثل كون قوى المعارضة لم تساهم جمعها في وضعه ، وإن كان واضع الميثاق قد حاول أن يضع في اعتباره –كما سنرى- مصالحها جميعا.

أ- مقدمة الميثاق :

رغم أن مقدمة الميثاق لم تتجاوز فقرتين قصيرتين ، إلا أنها ذات أهمية كبيرة ، حيث تضمنت تلخيصا مركزا لجملة من المبادئ التي ارتكزت عليها شرعية جميع مواد الميثاق اللاحقة. فقد تضمن هذه المقدمة :

أولا : مبرر التغير السياسي وهو انحطاط أحوال اليمن في أمور الدنيا والدين.

ثانيا : تقييم حكم الإمام يحيى الذي تسبب في هذا الانحطاط كحكم مستبد وأناني.

ثالثا : انتفاء الغرض من وجود الإمامة بسبب هذا الاستبداد وهذه الأنانية.

رابعا : تأكيد الشرعية الدينية للتغيير ، غذ يمثل هذا التغيير "قياما بالواجب لله تعالى وللمسلمين وطلبا للسلامة في الدين والدنيا من العقوبة من الله سبحانه وتعالى" ، وهذه الشرعية تعكس لنا عقيدة السنة والشيعة معا في الإمامة حيث إن إقامة الإمامة لديهما فرض واجب على المسلمين إن لم يقيموها أثموا.

خامسا : دعم شرعية التغيير بتحقق مبدأ شرعي هام ، وهو مبدأ الإجماع متمثلا باجتماع ممثلي الشعب في هيئة مؤتمر –وهو أمر لم يحصل- وإجماعهم على مواد الميثاق.

ومن الملاحظ افتقاد المقدمة للمبدأ الزيدي المعتزلي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" رغم توفر الأسباب الموجبة للعمل بهذا المبدأ. فقد علق البدء في عميلة التغيير حتى "وفاة" الإمام يحيى ، مما جعل المسألة تدور –كما هو واضح- حول إقامة الإمامة بعد وفاة الإمام الحالي ، ولا تتضمن التصدي له بالرغم من فساد حكمه وانتفاء الغرض من وجود الإمامة وتوفر الأسباب للقيام بالواجب الديني.

وهذا يدل على أن المنطق السياسي العملي قد تغلب على الموقف الديني المبدئي ، وأن الدوافع السياسية كانت أظهر من الدوافع الدينية ، رغم الحرص على إعطاء هذا التغيير أساس شرعيا دينيا.

ب- نظام الحكم :

حدد الميثاق نظام الحكم نظاما دستوريا شورويا ، يتفق مع ما تيسير به أرقى الأمم في العصر الحاضر ولا يخالف "أدنى مخالفة" التعاليم الإسلامية المتمثلة في الكتاب والسنة. وهذا التحديد يفصح عن عملية توفيقية تعكس الثقافة الدينية السائدة كما تعكس طموح القوى الجديدة في صفوف المعارضة إلى مسايرة العالم المتحضر. وتبرز لنا هذه التوفيقية في تحديد ألقاب الإمام التي تتنافر مع بعضها عند التمعن ، حيث نص الميثاق على أنه يطلق على الإمام لقب "صاحب الجلالة الإمام" أو "الملك" حسب الأوضاع ويبدو أن واضع الميثاق كان يشعر بأن لقب "الملك" هو أكثر انسجاما مع العصر فرغم أن مفهوم الإمام يختلف عن مفهم الملك إلا أن الإمامة تنسجم مع التراث الديني الذي يستند إليه الميثاق أكثر من الملك لذا لجأ واضع الميثاق إلى محاولة التوفيق وعلق ذلك بمقتضيات الأحوال.تسرد المادة الثانية في ثماني فقرات "الشروط المقدسة" للبيعة ، وهي كما هو واضح لا تتضمن سوى شرط واحد وهو العمل بما تضمنه القرآن والسنة وما كان عليه السلف ، أما الفقرات السبع الأخرى فتنص على حقوق الإمام ، التي تمنحه المكانة التي لسائر الملوك ورؤساء الدول الحرة المستقلة في العالم ، ما دام ملتزما بالميثاق.

ومن الواضح أن المسألة هنا قد خرجت عن كونها مجرد إمامة زيدية فرغم الحرص على مبايعة إمام فاطمي كاستمرار للتقليد الزيدي وتجسيد لوجود الخط المحافظ ضمن الحركة إلا أن تقييد الإمام بدستور وبنظام شورى محدد قد شكل تجاوزا للإمامة الزيدية التقليدية.

ج- الهيئة التشريعية :

لا يعرف الفكر السياسي الزيدي –والفكر السياسي الإسلامي عموما- الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية- التنفيذية- القضائية ) ، إذ إن شخص الإمام يمثل هذه السلطات جميعها. وقد تضمن الميثاق لأول مرة في التاريخ اليمني نصوصا تقضي بإيجاد سلطة تشريعية مستقلة ، يمثلها مجلس للشورى مؤقت ( المادة 8 ) يتألف من سبعين عضوا ، من ضمن مهامه إعداد الدستور في مدة لا تزيد على السنة –عن طريق تعيين لجنة خاصة لهذا الغرض والاستعانة بالجامعة العربية ودولها- ثم الدعوة لانعقاد الجمعية التأسيسية ، التي بانعقادها تنتهي مدة مجلس الشورى ويتحول أعضاؤه بصورة تلقائية إلى أعضاء فيها والجمعية التأسيسية هذه هي بدورها مؤقتة ، تتحول إلى "مجلس نواب" أو إلى أي اسم آخر بمجرد أن تصادق على الدستور وتتم استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديد’ ولا يتم انتخاب أعضاء مجلس النواب باعتبار أن اليمن "لم تتهيأ طباعها بعد للمعارك الانتخابية" بل يتحول أعضاء الجمعية التأسيسية إلى أعضاء في المجلس –أي مجلس النواب- لدورة واحدة لعدد من السنوات يحددها الدستور ، وذلك بشرطين ، وهما : أن لا يرى أكثرية الأعضاء والإمام خلاف ذلك ، وأن لا يوجد اعتراض ظاهر من قبل الشعب. أما إذا لم يتوافر هذان الشرطان فإن الانتخابات في هذه الحالة تجري بحيث يعطي حق الانتخاب لكل يمني ذكر بلغ العشرين من العمر وغري محكوم عليه شرعا بأية جريمة ، ويتم تمثيل سكان المدن بثلثي أعضاء المجلس. كما يجب أن تمثل القبائل والقضوات –دون أن يحدد الميثاق نسبة للتمثيل- أما المهاجرون فيحق لهم في كل بلد يتواجدون فيه – إذا بلغ عدد الناخبين فيهم ثلاثة آلاف ناخب فأكثر – أن يبعثوا ممثلا واحدا عن كل ثلاثة آلاف وواحدا عن الكسور مهما قلت ( المادة 7 ).

ويتضح مدى استقلالية السلطة التشريعية من خلال إلزامية قراراتها وتشريعاتها ، إذ يعتبر قرارات وتشريعات هذه السلطة ملزمة للسلطة التنفيذية إلا أن الإمام قد أعطي –بصدد الدستور مثلا- الحق في أن يأمر بإعادة النظر فيما لا يراه صالحا فيه ، فيعود المجلس لدراسة ذلك مجددا ليصبح ما يتوصل إليه هذه المرة ملزما ويجب على الإمام التوقيع عليه ، وهذا الحق من الناحية العملية يشكل مدخلا تمكنا للحد من استقلالية السلطة التشريعية وتحويل مهمتها إلى هيئة مكلفة ببلورة وجهة نظر الإمام وإكسابها صفة القانون ( المادة 5 ).

د- الإمام

يعتبر الإمام الدستوري في الميثاق ممثلا لشخصية الدولة ومجسدا لوحدة سلطاتها الثلاث ، فلا تصبح القوانين والتشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية ملزمة للسلطة التنفيذية إلا بعد أن يمهرها بتوقيعه ، كما أنه هو الذي يعين رئيسا للسلطة التنفيذية ويكلفه بتشكيل الحكومة ويشرف عليها ، ويوقع على المعاهدات ويشرف على أموال الدولة ويسائل أي شخص له علاقة بهذه الأموال.. إلخ ، كما أن السلطة القضائية ملتزمة بعدم إصدار أي حكم قضائي إلا باسمه ( المادة 2 ، 15 ).

وهذه المكانة التي منحها الميثاق للإمام جعلته في مركز يمسك فيه بزمام السلطات الثلاث ، ولكنه لم يعد بإمكانه –كما كان الحال بالنسبة للإمام يحيى- أن يمارس هذه السلطات مباشرة بل أصبحت هيئاته المستقلة ، وبذلك كان يمكن –نظريا- أن تغدو مكانة الإمام شكلية ، لو أن درجة الوعي السياسي كانت أكثر نضوجا ومصالح القوى الجديدة في المعارضة أكثر تبلورا.

ورغم أن سلوك الإمام العملي خلال أسابيع الانقلاب إذ قد يوحي بأن استقلال السلطات الثلاث لن يتحقق في ظل وجود الإمامة بعقليتها وتراثها السياسي المتميز ، إلا أن محاولة إبراز وجود سلطات مستقلة للدولة هو في حد ذاته عطاء نظري لا يمكن التقليل من أهميته وتقديمه قياسا بظروف المرحلة تلك وطبيعة الحكم الإمامي السابق وانحدار الإمام الدستوري من نفس الثقافة ومن نفس الطبقة.

وقد برز الاتجاه إلى تقييد سلطة الإمام في أكثر من موضع ، فقد حجب عنه الميثاق الحق في توقيع المعاهدات دون موافقة أكثرية مجلس الشورى ، كما منعه من عزل الوزراء وأمراء الألوية الذين هم أعضاء في المجلس إلا بحكم الشرع وبعد تقرير وجوب ذلك ن قبل العلماء في المجلس أو لسبب آخر يتفق عليه أكثرية المجلس ( المادة 9 ).

هـ- تشكيل الوزارات والوظائف العليا في الدولة :

مما لا شك فيه أن واضع الميثاق قد أخذ في اعتباره نماذج الحكم والإدارة القائمة في الأقطار العربية –خاصة مصر و العراق- كمثال ، مما جعل التشكيلات الملحقة فيه أي في الميثاق تأخذ في معظمها طابعا نظريا يدل على أنها لم تأخذ قدرا كافيا من الدراسة والتمعن ولم تستوح الاحتياجات الحقيقية للبلاد. فقد وردت مثلا أسماء وزارات لا تتفق مع المهام المرحلية ولا مع الكوادر الوطنية المتوفرة. وكان بالإمكان الاستعاضة عنها بإدارات عامة ترتبط مباشرة برئاسة الوزراء أو تندمج في الوزارات ذات المهام المتشابهة كالأشغال والمواصلات ، والتجارة والصناعة والاقتصاد والمناجم. ومع ذلك فإن هذه التشكيلات تظهر لنا طموح القوى الجديدة في المعارضة ، رغم أن هذا الطموح قد رسمت حدوده الأحجام الحقيقة لقوى المعارضة المختلفة.

ويمكن أن تعيننا هذه التشكيلات نفسها على تبيين هذه الأحجام –أي أحجام قوى المعارضة المختلفة- فكبار السادة مثلا قد استأثروا بأغلبية الكراسي الوزارية ، إضافة إلى الإمامة ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشورى ومعظم الكراسي فيه كما كان منهم معظم كبار الموظفين الشورويين. ويلي السادة القضاة ، ثم كبار ملاك الأرض –من غير السادة والقضاة- ثم نسبة ضئيلة من التجار ، أما المستنيرون –وهم ينحدرون كما تقدم معنا من هذه الفئات جميعها- فقد برزت أسماء المعروفين منهم بصورة خاصة في قائمة مديري الوزارات ( 1 ).

ومن الجدير بالملاحظة أن تواجد هذه الشخصية أو تلك ضمن التشكيلات الملحقة لا يدل على الدور الذي لعبته ضمن النشاط المعارض بقدر ما يدل على ثقلها الاجتماعي والاقتصادي ونفوذها السياسي ، إذ إن العديد ممن ضمتهم هذه التشكيلات قد أسهموا خلال أحداث الانقلاب في الحركة المضادة التي قضت على الانقلاب وساقت رجال المعارضة إلى السجون وساحات الإعدام.

و- الإدارة العامة :

1- إيجاد إدارة حديثة

لم يتناول الميثاق هذه المسألة بالتفصيل إلا أنه قد أولاها العناية حين شدد على اتخاذ إجراءات رادعة ضد الاختلاس والرشوة والمحسوبية ( المادة 21 ، 28 ) وأكد على ضرورة الطلب "وبإلحاح" من الجامعة العربية ودولها انتداب خبراء لتنظيم الإدارة في اليمن ( المادة 19 ). وقد أرجأ مسألة تحديد الاختصاصات حتى يتم وضع الدستور وحتى ذلك الحين نص الميثاق على تطبيق ما هو معمول به في كل من العراق و مصر ( الماد 17 ).

ويبرز هنا جانبان هامان ، أولهما اتخذا الأنظمة العربية خاصة مصر و العراق مثلا يقتدى به. وثانيهما عدم صحة ما ذهب إليه البعض في الإشادة بالحركة إلى حد المبالغة ، حين اعتبرها أول ثورة على الأنظمة الملكية في الوطن العربي ، أن الأمر كما هو واضح في الميثاق كن بالأحرى محاولة للوصول إلى مستوى الأنظمة الملكية –التي اتخذها المعارضة قدوة لها- وذلك بإيجاد ملكية دستورية مقيدة شبيهة بنظام العراق و مصر.

2- تعيين وعزل الموظفين

كأن الإمام –وفقا للميثاق- لم يعد من حقه عزل كبار الموظفين الذين هم أعضاء في مجلس الشورى قبل أن يوافق مجلس الشورى على ذلك. أما بالنسبة للتعيين فإن جميع التعيينات في الوظائف الرسمية تتم بناء على اقتراح من قبل الوزير المختص يتقدم به إلى الإمام للنظر فيه والموافقة عليه أو الأمر بإعادة النظر ( المادة 22 ).

ويبدو الأمر بإعادة النظر هنا بمثابة رفض للتعيين ، مما يجعل الإمام عمليا صاحب الكلمة الأخيرة في مسألة التعيين على عكس مسألة العزل.

وقد اقتصر الميثاق في هذه المسألة على الوظائف الرئيسية في الدولة دون أن يمتد اهتمامه إلى سائر الوظائف الأخرى ، ومنح أصحاب الوظائف العليا –كما رأينا – حصانة خاصة ضد العزل باعتبار عضويتهم في مجلس الشورى ، في حين لم يضمن حماية الموظفين الصغار من العزل الكيفي ، رغم أنهم أكثر تعرضا له بحكم ضعف مراكزهم الاجتماعية والاقتصادية ، مما يعتبر مؤشرا من المؤشرات التي تدلنا على التوجه الرئيسي للميثاق وعلى المصالح التي حظيت فيه بأكبر قدر من العناية.

ز- الدفاع والأمن :

برز اهتمام الميثاق بالجانب الدفاعي والأمني من خلال نصه على الآتي :

1- تأسيس حرس وطني من الشباب المثقف لحفظ الأمن وتنوير الأفكار ، يحل عندما تستقر الأحوال ( المادة 18 ).

2- الطلب من الدول العربية إرسال عدد من الطائرات لفترة قصيرة للاستعانة بها في حفظ الأمن ( المادة 19 ).

3- تحسين حالة الجيش من حيث المرتبات والتجهيزات ( المادة 26 ).

4- الضرب على يد كل من يخل بالأمن العام أو يسبب أدنى ضرر للدولة في الداخل والخارج ( المادة 36 ).

ولا شك أن الاتجاه إلى تكليف الشباب المثقف بتحميل مهمة حفظ الأمن وربط هذه المهمة بمهمة تثقيفية هو أهم جانب من جوانب السياسة الدفاعية –الأمنية ، إذ يعكس فهما صائبا لدور الوعي في استتباب الوضع الأمني ، إلا أن هذا الفهم الصائب لم يمتد –كما يبدو- ليشمل قطاع الجيش ، فقد اهتم الميثاق بالمرتبات والملابس والتجهيزات دون أن يعي اهتماما لمسألة رفع مستوى الوعي في أوساطه أو حتى رفع مستوى الكفاءة القتالية والتعليم والصحة والموصلات والزراعة.

أكد الميثاق على محاربة الجهل والفقر والمرض والاهتمام بالمواصلات والزراعة ( المادة 32 ). دون أن يتطرق إلى الإجراءات والخطوات التي يجب اتخاذها بهذا الصدد.

ط- المهاجرون

اهتم الميثاق بالمهاجرين سواء عندما أكد على وجوب العناية بهم وإعادة من يمكن أن تنتفع به البلاد ، أو عندما أكد على تواجدهم ضمن مجلس الشورى وأعطاهم نسبا محددة في التمثيل ، وهذه النسب كان من شأنها أن تضمن للتجار بصورة أكيدة –بحكم وجودهم على رأس الجاليات اليمنية في المهجر- تواجدا في الهيئة التشريعية لا تحظى به الطبقات والفئات الشعبية الأخرى التي لم تعط نسبا محددة لتمثيلها ( المادة 7 ، 37 ).

ي- إزالة الظلم عن الرعايا :

لم يستطع الميثاق أن ينفذ إلى فهم واقع الظلم الذي عاين منه المواطنون ، الكامن في طبيعة التركيب الاقتصادي وعلاقات الإنتاج الإقطاعية ، لذا فإنه –أي الميثاق- لم يتجاوز في معالجته هذه المسألة حدود الإشارة إلى ضرورة تحسين طريقة جباية الزكاة وإسقاط البواقي ، في حين بدا واقع الاستغلال والظلم الواقع على الفلاحين وهم الغالبية العظمي من السكان –لا من قبل الدولة وحدها وإنما بصورة رئيسية من قبل كبار الملاك- أمر بعيد عن اهتمام الميثاق ( وبالتالي الحركة ) ولا يدخل ضمن مهام التغيير الذي يطمح إليه.

ك- الملامح الليبرالية في الميثاق

ظهرت هذه الملامح في التأكيد على المساواة وصون المال والعرض والروح وحرية التعبير والتجمع. ولكن هذه الملامح لم تلبث أن تهتز إذا ما وضعنا في اعتبارنا واقع التمايز الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي ، اللذين لم يتعرض لهما الميثاق ، واللذين لا يسمح بقاؤهما بتطبيق مبدأ المساواة عمليا. كما أن تقييد حرية التعبير والتجمع بـ "حدود الأمن والقوانين" يمكن أن يحول هذه الحرية على مجرد نص شكلي ، إذ إن ممارستها هنا رهن بموافقة الفئة الحاكمة التي ترسم حدود الأمن وتفسر القوانين لمصلحتها ، الأمر الذي إمكانية ممارستها ( المادة 29 ، 30 ).

ل- العلاقات الخارجية :

ل 1- البلاد العربية

مر معنا في أثر من موضع توجه الحركة نحو الجامعة العربية والبلاد العربية واعتبار بعض أنظمتها مثلا أعلى لما تهدف إليه من إصلاح داخل اليمن. وقد عبر الميثاق في بنود متعددة عن هذا التوجه ، سواء عند الحديث عن البناء الإداري والمالي والدفاعي ( المواد 17 ، 19 ، 20 ) وفي الإلحاح على تعيين ممثلين سياسيين في البلاد العربية "بأسرع ما يمكن" والبرهنة على التعاون مع الجامعة العربية "إلى أقصى حد ممكن "( المادة 35 ).

ل2 : البلاد الأجنبية

عبر الميثاق عن نظرة منفتحة إلى العالم الخارجي ، لا تتصف بالجمود ولا بالعداء ، حين أكد على ضرورة الاتصال بهذا العالم عن طريق فتح تمثيل دبلوماسي معه ، وحين وصفه "بالعالم المتمدن". وهذه النظرة تمثل موقفا مناقضا للموقف الذي مل الإمام يحيى على تكريسه ، حين كان يصور العالم الخارجي بأنه عالم الكفر ومصدر الشرور ، وسلك تجاهه –كما مر معنا- سياسة الابتعاد والعزلة.


م- ملحق الميثاق :

ديل الميثاق بملحق خاص تضمن أربع مواد ذات دلالات هامة :

1- الطلب "بإلحاح" من الفضيل الورتلاني أن يقبل تعيينه مستشارا عاما للدولة. وهذا يدل على دوره الهام في الحركة.

2- التأكيد على الموقف غير العدائي من أفراد أسرة الإمام يحيى وعلى أن لهم ما لأفراد "الأمة" وعليهم ما عليهم ، إذا هم التزموا بالميثاق ، مما يشير إلى أن الحركة لم تستهدف القضاء على امتيازات هذه الأسرة باستثناء إبعادهم عن منصب الإمامة

3- تعيين القاضي حسين العمري وزيرا للدولة. وقد كان في عهد الإمام يحيى رئيسا للوزراء ( بدون وزارات ) ، مما يدل على استعداد العهد الجديد لاحتضان جميع مسئولي العهد السابق ولإبقاء على امتيازاتهم.

4- الوعد بمكافأة الأحرار الوطنيين ، الذي ضحوا بأموالهم وجهودهم في بسيل خدمة الشعب اليمني. إن تثبيت مثل هذا الوعد في الميثاق يشير من ناحية إلى أن الطموحات الذاتية لتحقيق مكاسب خاصة عاجلة من خلال التغيير السياسي كانت بارزة في صفوف المعارضة ، مما جعل واضع الميثاق يحرص على إرضائها. كما يشير من ناحية أخرى إلى أنه قد نظر إلى هذه الطموحات الذاتية حينذاك كطموحات مشروعة. الأمر الذي يمكن أن يؤخذ كدليل على تدني الوعي في صفوف المعارضة للأهمية الوطنية للتغير السياسي ، حيث ارتبط مثل هذا التغيير في أذهان الكثيرين بالحصول على مكاسب خاصة عاجلة.

وقد تأكد وجود هذه الطموحات الذاتية أثر الانقلاب مباشرة –كما سنرى من كل ما تقدم يتضح لنا أن الميثاق قد ركز اهتمامه على الجانب السلطوي البحت ، من حيث شكل وعمل ووظائف السلطة السياسية وتوسيع دائرتها لتتلاءم مع واقع التركيب الاجتماعي والاقتصادي في البلاد فتسمح للفئات السائدة اقتصاديا واجتماعيا أن تسهم بدور أكبر في ممارسة السلطة ورسم سياساتها ، بعد أن عمل الإمام يحيى على تضييقها حتى قصرها في النهاية على أفراد أسرته وعدد قليل من المقربين إليه . لهذا فقد توسع الميثاق في تفصيل مكانة الإمام ومهامه وصلاحياته وتشكيل مجلس الوزراء والوظائف العليا في الدولة ، في حين اكتفى بإشارات سريعة إلى مسائل تهم الأكثرية الساحقة من المواطنين وتتطلب عناية أكثر من أجل حل مشكلة التخلف والظلم الاجتماعي والاقتصادي السائدين ، كالمسألة الاقتصادية ومسألة التعليم والصحة والقضاء ، وهي أعقد المسائل التي تعاني منها اليمن . بل لقد وقال كتاب "ثورة 1947" : "كان البنا يظن أن إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية لا يتحقق إلا في ظل حكومة دينية أ, خلافة إسلامية على نمط الخلفاء الراشدين ، مع اعتبار ما طرأ على العالم من نظم ونظريات وعلوم جديدة يؤخذ منها ما يتلاءم مع أحكام الشريعة الإسلامية كنظام مزيج من القديم والحديث ليكون دستورا لحكومة خلافة إسلامية.

ورأي حسن البنا أن اليمن أنسب بلد عربي لتحقيق قيام دولته الإسلامية ويقول الدكتور الصائد : "لم تقتصر علاقة الإخوان بحركة المعارضة على تقديم النصح والتوجيه ، وإنما تجاوزت ذلك إلى دعم مادي مكن هذه الحركة من النشاط الإعلامي ، فأصدرت صحفا ومنشورات علنية ، كما فتح الإخوان ، صدر صحفهم لشن حملات دعائية ضد الحكم القائم في اليمن.

وهذه العلاقة تدخل ضمن المخطط العام للإخوان الطامح إلى إقامة دولة إسلامية تشمل العالم الإسلامي. وقد لعب الإخوان دورا قياديا بارزا ، سواء في تنشيط حركة المعارضة ، وتحديد أهدافها السياسية أو في الإعداد للانقلاب وتنفيذه ودعمه.

هوامش الفصل الثالث :

1- محمد عبد الجابر سلا : الإعلام اليمني والقضايا السياسية ، ص14.

2- أحمد الصائدي ، حركة المعارضة اليمنية ضد الإمام يحيى حتى عام 1948 ، ص 46.

3- محمود عبد الحليم – أحداث صنعت التاريخ- جـ د-ص 234.

4- محمد كمال يحيى –انقلاب 1948 في اليمن ، ص

5- جريدة صوت اليمن العدد الأول 31/ 10/1946.

6- صدر أول عدد من ( صوت اليمن ) في 13 أكتوبر 1946 م في مدينة عدن ، وترأس تحريها القاضي محمد محمود الزبيري ومدير تحريرها أحمد محمد نعمان...,هي جريدة أسبوعية. وكانت تصدر في أول الأمر في أربع صفحات ، ثم صارت في ثمان صفحات مقاس 45 × 13 سم .... وتطبع منها في حدود ألف نسخة في أ ول الأمر ثم تضاعف العدد مع زيادة الإقبال عليها... ومعظم نسخها كانت توزع في مدينة عدن ومنها بعض النسخ تتسرب سرا إلى مملكة الإمام يحيى ، وبعضها ترسل إلى المهاجرين اليمنيين في الخارج.

وتعتبر "صوت اليمن" أول جريدة حزبية يمنية ، كانت معظم موادها موجهة ضد حكم آل حميد الدين ، وأعوانهم ورجال حاشيتهم.

وكانت في أول أمرها تركز على تعرية وفضح ولي العهد الأمير "سيف الإسلام" أحمد بن يحيى حميد الدين ، وتطالب بإزاحته من ولاية العهد ، وتنادي بالإصلاحات الداخلية في جميع المجالات ، وقد اعتمدت على المقالات الموجهة لنقد الأوضاع في مملكة الإمام يحيى ، ومناشدة الإمام القيام بالإصلاحات والتخلص من العابثين والمفسدين من رجال حاشيته والمقربين إليه ، ونبهت إلى المظالم التي كانت ترتكب بوسائل شتى منها الأخبار ورسائل القراء ، وكانت تنشر باستمرار رسائل الشكاوي التي تصلها من المواطنين من داخل المناطق الخاضعة لحكم آل حميد الدين... وكانت أيضًا تنشر الأخبار المحلية والعربية والعالمية والتعليقات عليها ، وتقوم بتحليل الأحداث السياسية. وتعمقت صلتها بالمواطنين اليمنيين في داخل البلاد وخارجها وزاد عدد مراسيلها وتضاعف قراؤها وكثر ورادها ، وكانت تصلها بين الحين والآخر وسائل من العلماء والمشايخ والأعيان موجهة إلى الإمام تطالبه فيها رفع المظالم وتخفيف أعباء الضرائب عن كواهلهم.

وفيما يتعلق بالقضايا العربية والدولية وقفت "صوت اليمن" مع القضية الفلسطينية ، وساندت الشعب الفلسطيني المنكوب باغتصاب أرضه ، وطالبت بإعادة اللاجئين إلى ديارهم ، كما وقفت ضد التدخل الأمريكي في اليمن ، ولكنها لم تتعرض لوجود الاستعمار البريطاني ي عدن وسائر مناطق جنوب اليمن المحتل. وكانت بين الحين والآخر تشيد ببعض الإصلاحات الطفيفة التي كانت تقام في عدن لخلق الحماس الوطني في نفوس المواطنين من أبناء الشمال للمطالبة بإدخال إصلاحات في مناطقهم ، والقيام بمشاريع مماثلة لتلك التي تقام في عدن ، وكانت أيضًا تنشر مقتطفات من أقوال الصحف العربية وخاصة تلك التي تتناول الأوضاع اليمنية والعربية ، كما نشرت بعض البيانات التي كانت توجه من سيف الحق إبراهيم ابن الإمام يحيى الذي هرب إلى عدن وانضم إلى صفوف المعارضة لحكم أبيه ، كما تخصصت في نشر بيانات "الجمعية اليمانية الكبرى" إلى الشعب اليمني ، ونشرت "الميثاق الوطني المقدس" وبعض فقرات من برنامج الجمعية. وكانت معظم موادها مركزة حول فضح الأوضاع في شمال اليمن ، والمطالبة بإصلاح نظام حكم آل حميد الدين أو إسقاطه. وكانت "صوت اليمن" من الناحية النظرية والفكرية تنحو منحى الإخوان المسلمين ، ومن الناحية العملية ذات اتجاه إصلاحي توفيقي ، ومن الناحية السياسية تدعو إلى حكم شورى دستوري يستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية... واستطاعت "الجمعية اليمانية الكبرى" من خلال جريدتها "صوت اليمن" أن تلفت الأنظار إليها فالتف اليمنيون حولها ، وصارت تشكل مصدر إزعاج وقلق للإمام يحيى ورجال حكمه وأتباعه وحاشيته ، خاصة أنه كان من بين أعضائها أحد أفراد الأسرة المالكة وهو الأمير "سيف الإسلام" إبراهيم الذي لقبه الأحار "سيف الحق" لأنه أثر الوقوف مع الحق على الوقوف مع باطل أبيه وأتباعه.

وكان سيف الحق إبراهيم يبعث برسائل ونداءات إلى زعماء العرب وقادتها ، وغلى الجامعة العربية يطالبهم فيها التدخل لإقناع حكام اليمن بإقامة العدل ونشر التعليم والثقافة وبناء المشاريع العمرانية والنهوض بالبلاد... وكانت معظم أو كل تلك الرسائل تنشر في "صوت اليمن" مما أشعل نار الجحيم في قصور الإمام ورجال حاشيته ، لأن الذي يفضحهم كان أحدهم ويعرض الكثير عن أسرارهم. وظلت "صوت اليمن" تقارع النظام الإمامي حتى انقلاب 8 ربيع الثاني 1367هـ الموافق 17 مارس 1948 م ، الذي تم على إثره اغتيال الإمام يحيى بن محمد حميد الدين في عملية انتحارية جريئة نفذها على ناصر القردعي وبعض رفاقه ، حين نصبوا له كمينا في الطريق الجنوبية من صنعاء ، وأمطروه بوابل من الرصاص أردته قتيلا في الحال. وعلى أثر ذلك سارعت جماعة المعارضة بتشكيل حكومة دستورية نصبوا على رأسها عبد الله بن أحمد الوزير ، وعينوه إماما جديدا لليمن خلفا للإمام يحيى... وأعلنوا على الشعب عبر جريدة "صوت اليمن" وغيرها من الصحف نبأ الانقلاب ووجهوا بيانا إلى الشعب اليمني يطالبونه بالالتفاف حول حكومة الانقلاب والوقوف إلى جانبها.. وأعلنت الحكومة الجديدة في صنعاء "الميثاق الوطني المقدس" وبيان الانقلاب ، ونشرتهما أيضًا جريدة "صوت اليمن".

وعلى أثر سماع نبأ الانقلاب الجديد أعلنت الجماهير اليمنية ولاءها للنظام الجديد وتجمهرت في حارات صنعاء تأييدا للحكومة الجديدة والإمام الجديد ، كما أعلن أيضًا بعض الأمراء في الأسرة الحاكمة تأييدهم للنظام الجديد... وكانت "صوت اليمن" تتابع كل ذلك باهتمام وتنشر أنباء الانقلاب أولا بأول.

ولكن الأمير أحمد ولي العهد ، وأمير تعز حينذاك ، رفض الاعتراف بالنظام الجديد وجمع القبائل وألبها ضد الحكم الجديد ، وحرضها لدخول صنعاء وإسقاط الحكومة ، وأباح لها سلب ونهب المدينة ، وحثها على إسقاط الحكومة الجديدة مهما كانت النتائج ولو دمار صنعاء بمن فيها.

شعرت الحومة الجديدة بخطر اكتساح القبائل لمدينة صنعاء ، ومداهمة سكانها وسلب ما فيها ، فأرسلت وفدا إلى الرياض لمقابلة وفد الجامعة العربية لطلب المساعدة في إنقاذ الموقف في صنعاء ، وتجنيب العاصمة النهب والخراب والدمار ، ولكن الجامعة تلكأت وخاب ظن الحكومة الجديدة فيها ، وضاع أملها ، وقامت اكتساح القبائل للمدينة حتى سقطت المدينة في أيديهم في 3 جمادي الأولى عام 1367هـ الموافق 1948 م ، بعد شهر واحد من قيام الحكومة الجديدة.

وكانت "صوت اليمن" تتابع كل تلك الأحداث باهتمام كبير ، وقلق متزايد. لقد تكالبت الظروف من الداخل والخارج على الحكومة الجديدة ، حتى سقطت وهي لا تزال في مهدها ، وبسقوطها اعتلى العرس ولى العهد الأمير أحمد وصار ملكا على البلاد ، وأعلن نفسه إماما خلفا لأبيه ، في 3 جمادي الأولى 1367هـ 1948م . وبدأ الإمام عهده بسلسلة جديدة من المجازر وملاحقة الأحرار ورجال القبائل الذين ساندوا الانقلاب ، وراح ضحيتها عشرات من الشباب اليمني ، والعلماء ورجال القبائل وزهرات اليمن من الضباط الأحرار ، ورمي بالمئات من المواطنين في غياهب السجون المظلمة وتشرد الآلاف وهرب من هرب ، وتفرقوا في بقاع شتى من العالم... لقد كان الإمام الجديد أحمد كابوسا رهيبا جاثما على الشعب لا يستطيع منه فكاكا ، وكان وحشا كاسرا ضحاياه من المواطنين الأبرياء.

وبعد أن تمكن من الإمساك بزمام الموقف على بركة من الدماء ، طلب من بريطانيا وعدن إيقاف أي نشاط سياسي معاد له ولحكومته في عدن "المستعمر" فاستجابت بريطانيا لطلبه ومنعت رجال المعارضة من البقاء في عدن ، وحظرت نشاطهم السياسي فيها ، وأمرت بإغلاق مكاتبهم ، وأوقفت إصدار جريدتهم "صوت اليمن" ... وبذلك توقف الصحيفة عن الصدور في عدن ، إلى إن عادت للظهور من جديد في القاهرة عام 1955 م.

وظهرت في عدن جريدة معارضة ولكنها مستقلة وهي جريدة فتاة الجزيرة برئاسة تحرير محمد علي لقمان المحامي وقد تبنت مطالب الأحرار في عدن وكان يكتب فيها أحمد النعمان و محمود الزبيري.

وبالطبع فإن حملة الهجوم على الحكم الإمامي لم تنحصر فقط في صحف عدن وإنما كانت الحملات الصحفية تشن عليه أيضًا في بعض الصحف المصرية. وقد حدا هذا الهجوم بالحكومة اليمنية إلى أن تقدم الاحتجاجات إلى الحكومة المصرية. فقد جاء في جريدة المصري اليومي بتاريخ 29 أكتوبر 1947 م ما يلي :

"كان السيد على المؤيد ممثل اليمن في مصر قد قابل بعض رجال القصر الملكي غداة عودته من اجتماع مجلس الجامعة العربية ببيروت ، وقدم إليه ، باسم جلالة الإمام يحيى ملك اليمن ، احتجاجا شفويا على ما أخذت بعض الصحف المصرية في نشرة أخيرا عن اليمن ، وما دأبت عليه بعض الأقلام من تناول جلالة الإمام بالنقد والتجريح.

وقد بعث القصر الملكي بمذكرة تتضمن هذا الاحتجاج الشخصي إلى وزارة الخارجية المصرية لاتخاذ الإجراءات الرسمية والقانونية بشأن ما نشر عن جلالة الإمام" .

وفي العدد 3684 من نفس الجريدة بتاريخ 12 نوفمبر 1947 ، جاء ما يلي :

"استقبل دولة النقراشي باشا في مكتبة بوزارة الخارجية صباح أمس السيد على المؤيد وممثل جلالة الإمام يحيى ملك اليمن في مصر.

وقد علم مندوب المصري في وزارة الخارجية ، أن السيد على المؤيد سلم إلى دولة النقراشي باشا ، رسالة خاصة من سمو الأمير سيف الإسلام عبد الله رئيس وقد اليمن في اجتماع الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة.

وقد احتوت الرسالة عدة قصاصات مختلفة عن الصحف المصرية التي تناولت جلالة الإمام يحيى بالنقد والتجريح".

والحق لقد كان لحركة الإخوان المسلمين في مصر شأن كبير في توجيه الحملات الصحفية ضد الحكم الإمامي هناك وقد ظهرت العديد من المقالات في ( النداء ) و ( المصري ) و ( البلاغ ). وحتى مجلة كمجلة ( كلمة ونصف ) أدلت بدلوها. فمثلا في عددها 48 بتاريخ 16/12/ 47 طالب الأستاذ حبيب جاماني الدول العربية بأن تتدخل "لبحث حالة القطر اليمني الشقيق واستجلاء ما غمض علينا فهمه ، حتى نستطيع أن نخفف من آلام الجوع ، وذل الاستبداد ، وظلام الجهل في قطر شقيق ، وحتى نستطيع أن نقضي على شكوى اليمنيين ، هذه الشكوى التي تتردد منذ شهور ولا يأبه بها أحد. ولو صورت الشكوى من هيئات شعبية لكان وقعها أخف ، ولكن ما الحيلة وبعض سيوف الإسلام يشاركون الرعايا في الشكوى والتألم".

إلا أنه مقابل هذه الحملات الموجهة ضد الحكم الإمامي فقد نشطت الأجهزة الأمامية في مصر أيضًا للدفاع عن النظام الإمامي وإعطاء صورة وردية عنه ، فها هو مثلا الأمير سيف الإسلام عبد الله ينشر مقالا في مجلة ( الاثنين ) المصرية ( عدد 707 مؤرخ 29/12/ 47 ) حول والده الإمام يحيى. وقد تكلم فيه عن أمجاد والده وإصلاحاته وعمله اليومي الدءوب في سبيل تسيير شئون مملكته.

7- انظر الملاحق- الملحق الخاص عن قائد الثورة عبد الله بن الوزير.

8- حمود العودي –المثقفون في البلاد النامية –ص 157.

9- محسن محمد -من قتل حسن البنا –ص224.

10- الدكتور أحمد فخري –عالم الآثار والتاريخ القديم – زار في اليمن المناطق الأثرية في بلاد سبأ وبلاد الجوفي – حسبما يروى في كتابه القيم بعنوان ( اليمن ماضيها وحاضرها ) طبعة معهد الدراسات العربية العالية ، بالقاهرة -1957- وكانت إقامته فيه على نفقة حكومة اليمن وذكر أحمد الشامي في مذكراته ، أ ،ه قد اصطحبه بناء على أوامر ولي العهد أحمد – مع الفضيل الورتلاني لزيارة منطقة الآثار في "ظفار" و"أب" وأنهما قد لقيا من اليمنيين في كل مكان حلوا به كل الترحيب أنظر : أحمد الشامي ، مصدر ا لسابق ص ص194-210.

11- أحمد الشامي –رياح التغيير في اليمن ، ص223.

12- جريدة الإخوان المسلمون 20/ 8/ 1947.

13- مصطفى الشكعة من مواليد محله مرحوم –طنطا- محافظة الغربية في 1/ 8/ 1923 حصل على ليسانس آداب من جامعة القاهرة 1944 والماجستير 1951 والدكتوراه في 1954 في اللغة العربية وآدابها –تدرج في المناصب الجامعية حتى أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه –عمل مستشارا ثقافيا بالسفارة المصرية بواشنطن ( 1960- 1965 ) عضو في العديد من المجالس العلمية المتخصصة – له أكثر من 42 مؤلفا في اللغة العربية والتفسير والفقه وله كتاب نادر عن اليمن بعنوان "مغامرات مصري في مجاهل اليمن" حيث عمله بعد تخرجه وقبل تعينه في الجامعة مدرس إعدادي في اليمن وفي ذلك الوقت كان عضو نشط بجماعة الإخوان المسلمون.

14- مركز الدراسات والبحوث اليمني –ثورة 1948 ، ص93.

15- عبد الله البردوني –اليمن الجمهوري- دمشق 1983 ، ص 361.

16- أحمد الشامي –مصدر سابق ، ص249- وقد أورد في مؤلفه نص الميثاق وملحقه على الصفحات من 282 إلى 294 ، وكذلك التغييرات التي أدخلت عليه. كما أورده أيضًا عبد الله بن أحمد الثور ، في مؤلفه المذكور ( ثورة اليمن ) على الصفحات من 69إلى 81.

17- محمود عبد الحليم –الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ.


الفصل الرابع : حسن البنا وثورة 1948


حسن البنا وثورة 1948

أعدت في عدن و القاهرة خطة الثورة والبيان الذي سيصدر كما تم طبع "الميثاق المقدس" وتحمل الإخوان تكالف طبعه وقام الإخوان بطبع الكثير من منشورات الأحرار هذا كله وقد جرت محاولة لاغتيال الإمام يحيى قبل شهر واحد من قتله في صنعاء ففي منتصف يناير 1948 اختارت "الجمعية اليمنية الكبرى" رجلا ليشق طريقه داخل قصر الإمام ليقوم باغتياله ونجح الرجل في دخول القصر إلا أنه قبض عليه بواسطة عبد مخلص من حرس القصر اسمه –عامر عنبر قبل أن يأخذ طريقه إلى غرفة الإمام ولكن الرجل هرب من القصر عبر السور مارا بحي بير الغرب لينضم إلى زملائه الذين كانوا قد أبرقوا للعالم الخارجي عن قتل الإمام ولم يكن ذلك صحيحا ( 1 ).

وكان حاكم عدن –ديحبنالد شامبيون- يعرض القصة كاملة وقد رواها في برقياته إلى لندن قال : "يوم 10من يناير تلقيت معلومات من مصدر أثق به أن رسولا وصل إلى عدن قادها من صنعاء يحمل أنباء عن انقلاب وشيك في العاصمة وإشارات المعلومات إلى أن هذا الانقلاب سوف ينفذ خلال أسبوع وحمل الرسول معه مشروع دستور ومسوده بيان لطبعهما في عدن بواسطة الصحافة اليمنية الحرة ونشره في صحية "صوت اليمن"( 2 ).

وقال في صباح 14 يناير أخبرنا رجل مخابراتنا أن الإمام سيغتال في ذلك اليوم أو في يوم الجمعة 16 من يناير وبمجرد إتمام ذلك فإن النية متجهه إلى قتل ولي العهد سيف الإسلام أحمد في تعز وفي ظل تلك الظروف رأيت من الحكمة إلغاء الزيارة الرسمية للفرقاطه البريطانية "لوش كويش" لميناء الحديدة والتي كان مقرر لها يوم 16 يناير خشية أن يساء فهم أو تفسير وجودها في يوم خطير كهذا سواء من جانب الإمام في حالة فشل المؤامرة أو من جانب المتآمرين في حالة نجاحها وأبلغت الإمام برقيا أنه لابد من تأجيل الزيارة بسبب تغيير مفاجئ في برنامج السفينة.

وكان الذي كلفوا بقتل الإمام يحيى قد أرسلوا كما ذكرنا برقية إلى عدن تفيد مقتله ولم يكن ذلك صحيحا.

وعلى الفور أصبحت عدن كلها مقتنعة تماما بذلك وكان سيف الإسلام إبراهيم على يقين من هذا النبأ إلى حد أنه أرسل برقية إلى عبد الله الوزير في صنعاء لتهنئته بتوليه الخلافة ويلتمس منه الرأفة بأبناء الإمام يحيى –وبعث سيف الإسلام إبراهيم بالنبأ إلى حسن البنا في القاهرة وأماكن أخي في الشرق الأوسط مما أدى إلى صدور العديد من البيانات الصحفية والإذاعية.

أذيع في عدن بيان الثورة وأن عبد الله بن الوزير بويع بالإمامة خلفا للإمام يحيى وعبد الله بن الوزير كان قائدا عاما لجيوش الإمام يحيى ومحافظا للحديدة وأصبح عضوا بارزا في ديوانه –وهو سليل بيت إمامه وعلم من أسلاف المرتضي محمد بن إبراهيم مؤلف كتاب "إيثار الحق على الخلق" . وأوفد حاكم عدن ضابط شرطه إلى سيف الإسلام إبراهيم لينقل إليه تعازيه الشخصية مما جعل الجميع يوقنون تماما بأن الإمام مات.

لم يعرف الثوار في عدن حقيقة ما جرى في قصر الإمام في صنعاء.. فقد اعتقل "القاتل" قبل أن يقوم بمهمته في اغتيال الإمام ، ولكنه –أي القاتل- استطاع الهرب فظن زملاؤه الذين رأوه يهرب أنه نجح فأذاعوا النبأ.

وعندما عرف حاكم عدن ذلك أسرع يبرق إلى لندن بما حدث وظل الجميع زمنا يتبادلون الاتهامات حول الخبر الكاذب... وأن الغرض من إذاعته "التوريط" .

قيل أ ، وكيل حكومة عدن التجاري في الحديدة عرف بدخول "القاتل" إلى غرفة نوم الإمام يحيى فأبرق بالنبأ إلى حاكم عدن الذي أبلغ به إذاعة لندن.

ولم ينتظر الثوار في عدن ما يصلهم من مصدرهم بل اكتسحتهم الفرحة ونشروا الخبر في صحيفة "صوت اليمن" مع الميثاق وأذاعوا أيضًا تشكيل حكومة الدستور.

وقيل أن ولي العهد أحمد هو الذي دبر تلك الإشاعة ليكشف أوراق المتآمرين. ولكن الأقرب للمنطق في ظل ظروف اليمنفي ذلك الزمان أنه بمجرد دخول "السملح" غرفة نوم الإمام ظن الجميع أن الإمام الذي يناهز الثمانين لن يستطيع ما قومه قاتله! ( 3 )

ولكن الإشاعة أكدت لولي العهد أن مؤامرة تجرى للإطاحة به وبأبيه فبقى بعيدا عن العاصمة ينتظر ويستعد .... متحفزا للمقاومة.

تلقى حاكم عدن تقريرا من صنعاء يقول :

"كان الإمام يحيى مريضا جدا مرة أخرى في 19 من يناير بسبب معاودة إصابته بمرضه المزمن ، وقد رفض أن يعالجه الأطباء –ليس هذا غريبا في مثل هذه الظروف! –بيد أنه استجاب بطريقة جيدة لحقن المورفين التي كان ابنه سيف الإسلام الحسين يعطيها له"

وهذا تقرير يبين أن مرض الإمام في الأيام التالية لمحاولة الانقلاب هو الذي أدى به إلى اتخاذ موقف سلبي إزاء عبد الله بن الوزير.

نشرت صحيفة الإخوان أحداث صنعاء بأسلوب آخر. قالت :

"مرض الإمام مرضا شديدا وتخلف عن شهود العرض الذي كان مقررا أ ، يحضره في صنعاء ، وانطلقت الشائعات بوفاته . وتعجل الأحرار النبأ فأذاعوه في عدن.

وأبرقوا إلى الدوائر العربية والإسلامية والصحف في خارجها" ( 4 ).

فقد رأت الجماعة أنه من غير اللائق إنخراطها في مؤامرة تهدف إلى الإطاحة بملك.. بينما فاروق ملكا على مصر. ولذلك زعمت الجماعة عدم وجود معرفة مسبقة لديها عن المؤامرة.. وأعلنت أنها تلقت أنباء وفاة وخلافة الوزير له ونسخة من الميثاق المقدس عن طريق برقية من سيف الحق إبراهيم في عدن. تظاهر الإمام يحيى بالإطمئنان لموقف عبد الله بن الوزير.

ولكنه أخذ يستعد لمقاومة الثورة القادمة فأمر أتباعه بإخفاء عشرة ملايين جنيه من الذهب في مكان سرى. وقتل الذين اشتركوا في هذه العملية لضمان السرية الكاملة.

استمرت البلبلة شهرا ثارت خلاله عدة أسئلة عن بيان الثورة الصادر قبل موعده.

شرح حاكم عدن موقف الإمام يحيى خلال ذلك الشهر فقال :

"ما زال الشيء الذي يحتاج إلى تفسير كيف أن مؤامرة واسعة النطاق بهذه الصورة لن يترتب عليها –إذا كانت قد فشتل حقا- توقيع عقوبات قاسية على العديد من زعماء المتآمرين وإذا كان الإمام يتمتع بحريته وقدراته فإني استخلص أن المؤامرة قوية لدرجة طاغية . والإمام عاجز عن التعامل معها ، مسموح له أن يعيش مجردا من القدرة على الاعتراض على أش شي.

وإذا كان الإمام قد أصبح عاجزا فإن هذه الحقيقة تخفى بعناية والموقف غامض جدا ويجب متابعة الأنباء بحرص والتعامل معها بتحفيظ.

وعندما كان سيف الحق إبراهيم يرسل تهانيه إلى عبد الله الوزيركانت جريدة "صوت اليمن"قد نشرت نصوص الميثاق وتشكيل حكومة الدستور وطيرت أجهزة البرق والإذاعة وكالات الأنباء تلك المعلومات المزيفة إلى كل موقع تصل إليه وبطبيعة الحل كان لهذه "الزوبعة" ردود أفعال فاقت كل حد مقدر لها فانتشر القلق في صفوف الأحرار وكل من وضع الميثاق ومن نشرت أسماؤهم ولا شك أن موقف الأمير عبد الله الوزير مع الإمام يحيى –فالوزير يعمل معه وملازم له – كان أشد هؤلاء حرجا مما اضطره إلى أن يصف ما حدث على أنه "مكيده" ضده يراد بها سلب ثقة الإمام فيه وأنه لا طمع له في الإمامة ثم حرر كلمة فيها تكذيب لما نشر وأذيع وطلب من الإمام أن يأمر بنشر كلمته بجريدته "الإيمان" وفعلا نشر ذلك التكذيب في الجريدة.

واستدعى الإمام يحيى عبد الله بن الوزير وقال له :

يا ولد يا عبد الله أنت تريد أن تكون إماما وهذه "تشعوبه" أي خيال.

وعمل الإمام يحيى على استدعاء ولي عهده سيف الإسلام أحمد من تعز إلى صنعاء ليقوم هو باعتقال الوزير وغيره من المشتبه فيهم وفي تعز حيث إقامة ولي العهد أحمد –اتفقت مجموعة من قادة الأحرار وهم من الإخوان- حسين الكيسي و الفضيل الورتلاني- و زيد الموشكي و أحمد الشامي وغيرهم – على تدارك الأمر بعرض "الميثاق" عليه وصارحوه بأن معظم أهل الحل والعقد في اليمن قد أجمعوا على ألا يبايعوا إماما إلا على أساس موافقته على ما ورد فيه وأن اسم الإمام هذا ليس معلوما وهذا الميثاق نفسه الذي طبع ليس فيه اسم إمام معين... وأنهم مستعدون للعمل والسعي لدى جميع أهل الحل والعقد من أبناء اليمن من داخلها وخارجها ولدى الموالين والمعارضين أن يبايعون إماما بعد أبيه إذا تعهد بتنفيذ ما جاء في الميثاق ( 5 ).

ولكل ولى العهد أحمد رفض الفكرة جمله وتفصيلا وقال للوفد الذي جاء إليه : "إن في أعناق الناس لي بيعة ومنهم عبد الله الوزير نسه ولن أقبل أي شرط مسبق غير العمل بكتاب الله وسنة رسوله ولو طلعت الأرض إلى هنا- وأشار إلى لحيته" وهبطت السماء إلى هنا "وأشار إلى جبيته" وأنا مستعد أن أدرس ما في الميثاق وأعمل بما أراه صالحا ولن أقبل فرض أي شخص أو اقتراح لا أرتضيه ولا أجده صوابا.

وفي عدن –لا شك أن خيبة "الأحرار" فيها كانت كبيرة عندما عرفوا أن الإشاعة كاذبة ، ووقفوا لا يدرون ماذا يفعلون أن ماذا يقولون للقراء في صحيفة "صوت اليمن" في افتتاحية اليوم الثاني- على حين ضاعف الموقف من ارتباك من نشرت أسماؤهم في قوائم الميثاق ، وأوجد القلق والريبة والشك في صفوفهم ، والتربص بهم من قبل الحكومة. فقد عرف ولي العهد السيف أحمد كل شيء فبعد أن كشفت له أوراق الجميع ، بدأ فيم معالجة الموقف بدهاء –إذا لم يقم بأي رد فعل سريع ، وأوهم من حوله أنه يزمع الانتقال إلى صنعاء ، تلبية لدعوة والده- لكنه في نفس الوقت تثاقل في التحرك ، بدعوى نقل "حاجياته".

ويعبر حاكم عدن الإنجليزي عن انطباعاته تجاه الموقف الذي أعقب اكتشاف كذب الإشاعة التي سرت في البلاد بوفاة الإمام ، بقوله : "ربما زاد ذلك الإخفاق من مكانة ولي العهد ، سيف الإسلام أحمد ، الذي لم يكن له شعبية من قبل خارج البلاد- وهو الذي أمضى السنوات السابقة ف تكديس الأموال من وراء حكمه المطلق لجنوب اليمن ، عن طريق الرشوة ، وبطرق غير مشروعة ( 6 ).

وتعقب التقرير بقية أفراد أسرة الإمام بل والإمام نفسه فقال : "لقد ظهر الإمام يحيى نفسه علانية في 27 يناير، أي بعد عشر أيام فقط من سريان هذه الإشاعة ، وما زال على غير ما هو معروف ، يتمتع بالنشاط مع سيف الإسلام الحسين ، فهو ملازم لولده سيف كظله. ربما ليخفف من الوصمة التي لحقت به ، نتيجة لمزاملته للوزير. وكان كل من سيف الإسلام المطهر ، وسيف ا لإسلام عباس يزمعان زيارة انجلترا بدعوى الاستشفاء ، والقيام بفحوص علاجية ، لكن من الواضح أن رحلتهما قد تأجلت. هذا على حين أن سيف الإسلام عبد الله ، قد بقى في لندن ، وهو بهذا قد نجا بنفسه من الوضع الراهن ، خاصة في مواجهة ولي العهد ، وعدم الاستقرار في اليمن.

اكتشف ولي العهد إذن –بعد إشاعة موت الإمام يحيى- مخطط خصومه وكان يعلم أنه المستهدف الأول والخطير من قبل المنافسين له على السلطة والخائفين منه ، وأولئك الذين لا يرونه أهلاً للقيام بالإمامة على شرط المذهب الزيدي ، ومن قبل "الأحرار" والمعارضين في عدن لذلك وضع أمامه أحد احتمالين :

- أما أن يبطش الإمام يحي –والده- ومعه أخوته في صنعاء بآل الوزير ، ويعتقلوا كل من ورد اسمه في قوائم الميثاق ، ثم يستدعونه لتسلم السلطة ، باعتباره رجل الموقف.

- وأما أن يقوم عبد الله الوزير –ومعه الأحرار- بحركتهم فيدبرون اغتيال الإمام ، وتفجير الموقف ، قبل أن يكملوا استعداداتهم.

وفي كلا الحالين ، كان عليه أن يدبر أمر النجاة بنفسه من أية محاولة أو ترتيب لاغتياله –وفي الوقت نفسه يعمل على سحب أكثر عدد ممكن من "الجيش النظامي" بتعز ، حتى لا يطارده أحد حين يغادرها ، ومن جهة أخرى- كان عليه أن يؤمن سفره وهو في طريقه إلى "حجة" -مركز الزيدية الحصين- بإيهام كل من في تعز وصنعاء أنه متجه إليها. ثم كان عليه – بعد كل ذلك أن يكسب موقف الملك عبد العزيز آل سعود ، بأن يظل على الأقل محايدا لأنه كان يظن – إن لم يكن متأكدا- أن الملك عبد العزيز يقدر عبد الله الوزير ، وابن عمه على ابن عبد الله الوزير ، ويفضلهما عليه ، ويخاف من اعترافه بالوزير ، إذا ادعى الإمامة ، ومن تأييده له ووقوفه بجانبه إذا تنازعا.

وفي عدن –قرر الأحرار أنه لم يبق أمامهم متسع من الوقت لضرورة البدء في العمل ، بعد أن مضى الإمام في طريق اكتشاف شخصياتهم ، ولم يكن لهم خيار في ذلك ، لأنه لابد سيضرب ضربته بمن هم تحت قبضته ، ثم يتحول إلى الباقي في كل مكان –لذلك رأوا أن الأمر يقضي باغتياله ، فدبروا قتله. كانت خطة الثورة في البداية انتظار موت الإمام يحيى موتا طبيعياً فهو مريض مسن.

ولكن رأي الثوار التعجيل بالثورة فقد كشفت ترتيباتهم. وبدأ الإمام –الذي شفى من مرضه – يمهد لضرب رجالات الثورة مما ولد حالة من الفزع في صفوفهم إذ كانوا في متناول يده. فلم يبق لديهم خيار فإما أن ينتظروا الضربة التي تقع أو أن يبادروا إلى تحاشيها بالقضاء على الإمام.

فاختاروا الثانية وأعد علي السنيدار و محمد الكبوس سيارة من سيارات شركة الفضيل الورتلاني التي أنشأها في اليمن وغطوها بطربال تغطية كاملة ويسوقها أحمد ريحان ويركب عليها المنفذون ويرقبون خروج الإمام يحيى حين يخرج ويخرج أحمد الشامي ليراقب العملية وعندما تنجح يلوح ( بخرقه ) للمراقبين في صنعاء الذين يراقبون العملية بالمناظير وكان ذلك يوم الثلاثاء 7 ربيع الثاني - 1367ه 17 فبراير 1948 وقد وافق على الخطة الفضيل الورتلاني و على محمد السنيدار و عبد الله الوزير و حسين الكبسي و محي الدين العنسبي و الحاج الخادم غالب.

وجاء وقت التنفيذ فقد خرج الإمام يحيى يوم 17/ 2/ 1948 في سيارته إلى قرية "حزيز" التي تبعد عشرة كيلو مترات عن صنعاء وكان معه رئيس وزراء القاضي عبد الله العمري وخادمه. فاعترض موكبه إحدى سيارات الثورة فانطلقت رصاصات من مدفع رشاش استقرت خمسون منها في جسد الإمام فمات في الحال ومن معه وقتل ولداه الحسين ومحسن عندما أرادا مقاومة الثوار المتجهين إلى القصر الملكي وتركا بدون دفن ثمانية أيام كاملة كما قتل حفيد الإمام واعتقل ثلاثة من أبنائه وهم القاسم و علي وإسماعيل. أبلغ زعماء القبائل والمحافظون في أنحاء اليمن بأن الإمام توفى بالسكتة القلبية ولكن خبر موته الدموي انتشر بين الناس ووصل إلى القرى مثيرا الشكوك تجاه الحكم الجديد.

في القاهرة قالت صحيفة الإخوان :

"توفى جلالة الإمام إلى رحمة الله ، وحاول رئيس الحكومة السابقة مع بعض الأمراء أن يعارضوا الوضع الجديد فاعتدى عليه بعض أنصاره" ( 7 )

لم تكن لبريطانيا ، أو الولايات المتحدة ، سفارة أو مفوضية أو صنعاء وكانت بريطانيا تمارس علاقتها باليمن من خلال حاكم عدن.

قال تقرير لوزارة الخارجية البريطانية :

"هناك سخط شعبي نتيجة للحكم الطاغي والاستبداد لملك اليمن السابق. وبعد محاولة فاشلة في يناير لعبد الله الوزير كبير أسرة حاكمة في اليمن ووزير الدولة السابق نجح مبدئياً في القيام بثورة وأرسي قواعدها في العاصمة ، وأجبر خصمه الأول سيف الإسلام أحمد –أكبر أبناء الإمام الراحل- على اللجوء إلى جنوب اليمن".

أما الولايات المتحدة فعلاقتهما باليمن عن طريق المفوضية الأمريكية في جده ففي برقية من يفز شايلدز القائم بأعمال المفوضية الأمريكية في جده قال :

"قام بالاغتيال ضابطان يمنيان و 26 جنديا ، والضابط الرئيسي هو المقدم غالب سري –من أصل تركي ومساعده ابن السلال ، من أصل يمين درس في العراق ودبر الاغتيال جمال جميل مدير الأمن العام في اليمن. وهو عراقي" ( 8 ) .

ولكن كتاب "ثورة 1948" يقول إن الشيخ اليمني ناصر القردعي هو الذي قتل الإمام مع 15 رجلا. وأعد كمين مشابه لولي العهد أحمد في ضواحي تعز ولكنه تمكن من الهرب بعد أن تنكر في ملابس الجنود.

بويع عبد الله بن الوزير أميرا للمؤمنين وإماما للمسلمين يوم 17 من فبراير عام 1948 وأصدرت الحكومة الجديدة بلاغا عاما باسم مدير الدعاية يصف فيه سير الأحداث التي جرت خلال الأيام التي سيطرت الحكومة الجديدة فيها على الوضع العام حيث جاء فيه :

في الساعة السابعة من يوم الثلاثاء الموافق 8 ربيع الآخر سنة 1267 هـ الساعة الأولى من 17 فبراير 1948 مات الإمام يحيى بن حميد الدين وفي صبيحة يوم الأربعاء الساعة واحدة عربي أي : "الساعة السادسة صباحا" تجهزت الجماهير من علماء صنعاء وسادتها وخطبائها وشعرائها وتجارها وباعتها وأجمعوا أمرهم وفي مقدمتهم حكام الاستئناف على تنصيب إمام جديد يكفل لها الخير الشامل والبركة فقر قرارهم بعد تبادل المشورة على اختيار السيد عبد الله بن أحمد الوزير أيده الله فبلغ اختيارهم له فخرج من داره واتجه نحو قصر غمدان حيث عقدت له البيعة فقدموا صورة لقيام نظام سائد وسكينة ووقار وحطوا أيديهم في يده وبايعوه إماما شرعيا شورويا دستوريا.. وبعد تقدمهم وعقد بيعتهم تقدم أمير الجيش اليماني وكتبته فبايعوه كما بايعه الذين من قبلهم ثم دخل على أثرهم مشايخ قبائل ضواحي صنعاء ورؤساء عشائرهم فبايعوه على ذلك .

وألقت الحكومة اليمانية الجديدة من مجلس الشورى يتألف من ستين عالما وفقيها من نخبة الأمة اليمنية تحت رئاسة صاحب الدولة السيد علي بن علي الوزير ورئيس مجلس الشورى الأمير إبراهيم بن يحيى ووزير الداخلية السيد عبد الله بن علي الوزير ووزير الدفاع السيد حسين بن علي عبد القادر ووكيل العدلية السيد علي بك حمود بن شرف الدين.

الشعب اليمني يبايع عبد الله بن الوزير

ما أن علم الشعب اليمني بمصرع الإمام يحيى حتى دقت الطبول وساد الابتهاج وسارع الجميع إلى مبايعة أفضل رجال اليمن إطلاقاً وهو السيد عبد الله بن أحمد الوزير فأصبح إماماً شرعياً وتوجه نحو قصر غمدان التاريخي المشرف على صنعاء وأخذ يوالي مهمته العسيرة ويستقبل المهنئين من الشعب وشيوخ القبائل الذين توافدوا إليه في مجموعات ضخمة كما انهمر عليه سيل عرمرم من برقيات التهنئة والمبايعة من جميع عمال ( حكام ) اليمن من أقصاه إلى أقصاه.

وقد بذلت الحركة وقيادتها الكثير من الجهود في مجال الدعاية والتحريض وقام ابن الوزير قائد الانقلاب بإرسال العديد من الرسائل والبرقيات إلى المشايخ وقادة القبائل وإلى الجامعة العربية وإلى القادة اليمنيين وعلى رأسهم الأمير سيف الحق إبراهيم المتواجد حينها في عدن بصفته رئيس مجلس الشورى كما قام بنفس الوقت الأمير سيف الحق إبراهيم بإرسال البرقيات المتعددة ومنها كلمة إلى الشعب وهو مازال في عدن يقول فيها : ( 9 )

"أيها الشعب اليمني الكريم إني أحييك وأبشرك بأن عهد بؤسك وشقائك قد انتهى وأنك لن تقاسي بعد اليوم ظلماً ولا جوعا ولا فقرا ولا خوفاً ، فإننا قد جاهدنا في سبيل سعادتكم حتى زالت دولة الظلم وقامت الدولة الإسلامية العادلة التي يقوم على رأسها صاحب الجلالة الإمام عبد الله بن أحمد الوزير المعظم فاسمعوا له أيها اليمنيون وأطيعوا فإني أعلم أنه لابد أن يبلغ بكم غاية السعادة والرخاء والأمن ويسير بكم على كتاب الله وسنة رسوله وها أنا مع الأحرار ذاهب إلى صنعاء لنعمل مع مولانا الإمام الجديد حسبما تقضيه مصالحكم ورغباتكم.

وقد سبق هذا اجتماع الأحرار بعدن وتبادلوا وجهات النظر حول الأوضاع الجديدة في صنعاء –كما بعث الأمير رسائل إلى كل أنصار حركة الأحرار في القاهرة من صحفيين ومفكرين وقادة سياسيين وعلى رأس الكل أمين عام الجامعة العربية ورئيس تحرير مجلة الرابطة العربية وصحيفة الصداقة وإلى قادة الإخوان المسلمين كما قام الإمام الجديد وقائد الثورة بالاتصالات الواسعة على مستوى الجامعة العربية ومع قادة الحكومات العربية وكانت هناك كثير من الجهات والشخصيات والمنظمات العربية تقف إلى جانب الثورة وعلى رأس الجميع أمين الجامعة العربية وقادة الإخوان المسلمين وكثير من المفكرين والصحفيين.

كان الإمام الجديد في الستين من عمره. عرف بتمسكه بحقوق بلاده ودينه وعروبته. وكان مشهوراً بأنفته وشموخه وكثرة صمته مما جعل بعض الناس يتهمونه بالكبرياء.

قال أحمد الشامي في كتابه "رياح التغيير في اليمن" إن عبد الله الوزير كان روحانيا متصوفا ، إذا لم يجد في مجلسه من لا يستحق الحضور معه بحسه وشعوره وفكره سبح في عوالم أخرى. مفكرا أو مسبحا ومهللا أو مستغفرا. أو متذكرا" .وكانت لهذه الصفات أثرها في تغيير مصير الثورة اليمنية!

اختارت الثورة مصريا من أعضاء البعثة التعليمية المصرية في اليمن من جماعة الإخوان وهو الدكتور مصطفى الكشعة –الذي أصبح بعد ذلك عميدا لكلية آداب جامعة عين شمس- ليكون مديرا للإذاعة فجعلها تعمل أربع ساعات يومياً.

وكان يقوم بدور المذيع والمقرئ والمطرب ومعد نشرات الأخبار والأحاديث ( 10 ).

ويقرر مجلس وزراء حكومة الثورة. أو حكومة الدستور كما أطلق البعض عليها ، تعيين الورتلاني أول مستشار عام للدولة. ويطلب من الشيخ البنا و الفريق عزيز المصري أن يكون من المستشارين العمومين للحكومة!

واتخذ المجلس أيضًا قرارات تتعلق بمستقبل الشعب اليمني ورفاهيته كان أهمها :

1- المسارعة إلى إنشاء مجلس شورى حتى تتخلص اليمن من حكمها الاستبدادي.

2- اعتماد مبلغ ضخم لإنشاء مجموعة من المستشفيات تكون كشبكة طبية ف جميع أنحاء البلاد واستدعاء مجموعة ضخمة من الأطباء العرب لإدارتها بمرتبات مغرية.

3- اعتماد مبلغ آخر لإنشاء أكبر عدد من المدارس الابتدائية والثانوية والصناعية واستقبال المدرسين من جميع أنحاء العالم العربي وإرسال البعوث الكبيرة من أبناء اليمن وشبابه لإتمام تعليمهم في مصر.

4- إنشاء شبكة من الطرقات الممهدة تصل جميع أطراف الدولة بعضها ببعض وتختصر المسافات الطويلة التي يقطعها المسافر وذلك بإنشاء الكباري والجسور فوق الأودية في الطرق الرئيسية. 5- إقامة محطات كهرباء في المدن العامة مثل صنعاء والحديدة وتعز لإضاءتها بالكهرباء لأول مرة في تاريخ. 6- الاتفاق مع شركات عربية وأجنبية لاستغلال مناجم الفحم والنحاس التي توجد بوفرة في بلاد اليمن.

7- العاقد مع إحدى الشركات لخلق ميناء كبير في خليج الكثيبل المجاور لمدينة الحديدة.

8- إطلاق سراح الرهائن من أبناء شيوخ القبائل الذين كان يحتفظ بهم الإمام يحيى في السجن حتى لا يخرج آباؤهم على طاعته.

9- سن تشريع سريع للقضاء على استعمال السم الأخضر المعروف بالقات واقتلاع جميع أشجاره.

وكان إذ ذاك بعض قادة الثورة لا زالوا في عدن ، فأرسل في استدعائهم على عجل.

طلب الأمير إبراهيم من حاكم عدن "ريحنالد شامبيون" طائرة تابعة للسلاح الجوي الملكي البريطاني تقله إلى صنعاء. وطلب عبد الله بن الوزير من حاكم عدن المساعدة.

وكان الحاكم يعرف مساوئ حكم الإمام يحيى ويميل لتأييد الثورة. ولكنه ترد في الاستجابة لهذه الخطوة فهي تعني الاعتراف بالنظام الثوري الجديد في اليمن وبعث إلى لندن يطلب رأيها.

بحثت وزارة الخارجية البريطانية الموقف من جميع نواحيه وأعدت مذكرة جاء فيها : "الشواهد لدينا غير كافية لنحدد ما إذا كان الحكم الجديد قد استقر كما يدعى. ولكن اثنين من أبناء الإمام السابق –وهما سيف الإسلام أحمد وسيف الإسلام الحسن- ما زالا طليقين وقد يحاولان القيام بتمرد مضاد.

وإذا كان عبد الله بن الوزير قد جاء ليبقى فهناك ميزات واضحة في تبني موقف ودي تجاهه في الحال. وأية مساعدة تقدمها بريطانيا له ستترك انطباعا هائلا.. أما الحياد الفاتر فلن يكون لصالح بريطانيا فيما بعد.

وإذا كان على بريطانيا مساعدة الثورة الآن والاعتراف بها فورا فعلينا أن نضرب الحديد وهو ساخن. ونطلب السماح بتمثيل دبلوماسي بريطاني في صنعاء ورسم الحدود بين اليمن ومحمية عدن على أساس معاهدة صنعاء عام 1934 وإذا أيدنا من البداية نظام الحكم الجديد فستكون أمامنا فرصة أفضل لضمان موافقة يمنية على هذين الاقتراحين.

ومن ناحية أخرى إذا ألزمنا أنفسنا بالاعتراف بنظام حكم سوف ينهار فإننا بطبيعة الحال –سنكون في موقف أسوأ.

ولما كان حاكم عدن هو المصدر الوحيد لمعلوماتنا فينبغي أن نعتمد عليه لتفادي هذا الخطر ، ولذلك يجب أن نترك له حرية الحركة مع التأكيد على الحذر فلابد من أن نكون على يقين من استقرار الثورة قبل عمل شيء قد يعتبر اعترافا ضمنيا بها".

وافقت الحكومة البريطانية على هذه السياسة فقد وجدت "أن الثورة لم تستقر تماما" . وطلبت من حاكم عدن أ يرفض طلب الأمير إبراهيم بإعطائه طائرة وأن يتحسس –الحاكم- خطواته ببطء.

وكان القرار البريطاني يعني الانتهازية.. والانتظار حتى تستقر الثورة ، ولكن الأمير إبراهيم لم ينتظر بل قام وزملاؤه بالسفر إلى صنعاء بطريق البر.

وبذلك اكتمل مجلس الثورة اليمني وفي الحال اتخذ قرار بتعيين سيف الحق إبراهيم رئيسا للوزراء وعلى الوزير رئيسا لمجلس الشورى رفض سيف الإسلام عبد الله –شقيق الإمام أحمد – الاعتراف بعبد الله الوزير إماما.

وأبرق من باريس إلى صحافة القاهرة يقول :

"المأساة مفجعة. ولا يمكن أن تقوم مبايعة شرعية حرة تحت جو من الضغط. ولا يوجد من به دم يجري ، وعرق ينبض ، إلا ويؤيد انتصار الحق وعودة الأمور إلى مجراها تحت راية الإمام الشرعي جلالة الإمام أحمد نصره الله. ولابد من معاقبة المجرمين" .

وأسرع سيف الإسلام عبد الله إلى القاهرة وصل إليها في 16 مارس وزار والتر سمارت الوزير المفوض للشئون الشرقية بالسفارة البريطانية ليتأكد من حياد بريطانيا إزاء أحداث اليمن.

سأله :

- هل تساندون أو تنوون تأييد عبد الله بن الوزير؟

آمل صدور بيان حكومتكم بالتزام الحياد وألا تدخل أية سفينة حربية بريطانية المياه الإقليمية كما آمل ألا توجهوا أي تشجيع أو مساعدة لحزب الأحرار اليمني في عدن.

وقال :

- لقد أفزعني أنباء صحيفة تشير على قيام سفن حربية بريطانية بعمليات في مضيق باب المندب.

رد والترسمارت :

- لم تعترف الحكومة البريطانية بالإمام الوزير ، ولن تعترف بأي غمام في اليمن حتى تهدأ الأمور ويستقر النظام!

كما زار سيف الإسلام عبد الله عبد الرحمن باشا عزام أمين عام جامعة الدول العربية وتباحث معه حول الوضع اليمن.

أعلن الإخوان المسلمون من اليوم الأول تأييدهم للثورة في اليمن ونشطوا في مصر و سوريا و العراق يحركون رجالهم لمطالبة دول الجامعة العربية بالاعتراف بعبد الله الوزير وحكومته. وهنأ المركز العام وصحيفة الجماعة "الأمة اليمنية الشقيقة بنظامها الجديد وإمامها الصالح" .

وأبرق المرشد العام للإمام مهنئا فأذيعت برقيته من إذاعة صنعاء. ووصفت صحيفة الإخوان الإمام الجديد فقالت :

"عرف الإمام عبد الله بن الوزير الإمام الجديد بدينه وتقواه ، وفقهه وعلمه واجتهاده ، وأصالة الرأي ونضوج الفكر ، وعظيم الغيرة على الدولة وأنه فقيه اليمن وشيخها وعالمها وحفيد الأئمة من آل الوزير" ( 11 )

وقالت صحيفة الإخوان :

"لا ينتظر أن يحدث شيء من حروب أهلية ، أو ثورات داخلية فإن الوضع الجديد اختمر في النفوس والرؤوس من قبل ، وهو أمنية الجميع رؤساء ومرءوسين" .

ونشرت الصحيفة –بعد 48 ساعة من قيام الثورة- "الميثاق الوطين المقدس" للحكومة الدستورية الجديدة.

وقالت إنها "تنفرد بهذا النشر لا في مصر وحدها ، بل في جميع بلاد الأرض" .

وهذا يدل على أن الميثاق كان موجودا لدى الجماعة في القاهرة .. فقد شاركت في إعداده وارتبطت بالثورة قبل قيامها.

قال الدكتور الصائدي :

"لعب الفضيل الورتلاني دورا أساسيا في وضع الترتيبات اللازمة لانتقال الإمامة بعد موت يحيى إلى عبد الله الوزير. وقد شملت هذه الترتيبات تحديد أسماء أعضاء الحكومة والموظفين الشوريين ومديري الوزارات" .

وأكدت صحيفة الإخوان تأييدها للثورة مرة أخرى يوم 22 من فبراير سنة 1948.

قالت :

"ليس موقف الإخوان غامضا ولا غريبا في هذه القضية من أولها إلى آخرها. كان اليمنيون بالقاهرة يترددون على المركز العام ، فيجدون من الإخوان مشاركة في مشاعرهم وعطفا على مطالبهم.

وقد فوضت الجمعية اليمنية الكبرى المرشد العام في التحدث باسمها أمام الجامعة العربية" . وأعلنت الصحيفة "أن النظام الثوري الجديد في اليمن يلقي من الشعب كل تأييد ، وينال ثقته التامة. بل هي أمنيته وهدفه الذي لقي الأحرار في سبيل الوصول إليه كل صنوف العنت والاضطهاد. وهو نظام مطابق لما يقضي به المذهب الزيدي الذي لا يقر الإمامة بالوراثة بل تكون بالبيعة ورضاء الشعب. وليس السيف أحمد –ولي العهد- بالشخص الذي ينال ثقة اليمنيين أو يجد أنصارا يحدثون شغبا من أجله ، و اليمن هادئة مطمئنة إلى عهد الشورى وإلى القائمين عليه ولا ينقصها –حتى تستعيد تاريخها المجيد- إلا أن تؤازرها الجامعة العربية ودولها" .

استأجر الإخوان طائرة خاصة أقلت عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة و أمين إسماعيل سكرتير تحرير صحيفة الإخوان و عبد الرحمن نصر مدير وكالة الأنباء العربية. وحمل الوفد معه مكبرات للصوت بهدف دعوة القبائل لتأييد الثورة. كان في انتظار وفد الجماعة بمطار صنعاء الأمير محمد البدر الابن الوحيد للسيف أحمد و حسين الكبسي وزير الخارجية وعدد من الوزراء مما يدل على اهتمام حكومة الثورة بالإخوان.

أصبح عبد الحكيم عابدين خطيب الانقلاب في إذاعة صنعاء ، وكان يساعده في الخطب ووضع برامج الإذاعة الإخوان المسلمون المصريون الذين يعملون مدرسين في صنعاء.

عادت الطائرة إلى جدة تقل وفدا يمنيا للقاء ممثلي الجامعة العربية يتألف من نجل الإمام الجديد عبد الله بن على بن الوزير ، و الفضيل الورتلاني ، ووزير المعارف في حكومة الثورة.. محمد الزبيري لشرح الموقف في اليمن للملك عبد العزيز.

وطلب الوفد اليمني من الملك عبد العزيز دبابات وطائرات ولكن صاحب الجلالة أرجأ البت في الأمر –وأرسل الملك فاروق سكرتيره الدكتور حسين حسني إلى الملوك والأمراء لإبلاغهم خطوة الثورة على عروش الأسر الحاكمة في البلاد العربية.

طلبت حكومة الثورة من دول الجامعة العربية الاعتراف بها... ودعت وفدا من الجامعة لزيارة اليمن يراسه عبد الرحمن عزام الأمين العام ليرى استقرار نظام الحكم الجديد في البلاد.

قررت الجامعة إرسال لجنة تمهيدية إلى صنعاء للقيام بتحريات عن أحوالها ومعرفة طبيعة ما يجري في البلاد. وعرض عبد الرحمن عزام أمين الجامعة على حكومة مصر أن تقتصر عضوية اللجنة على المصريين حتى تقوم مصر بتدبير الطائرة المقلة للجنة فرحبت مصر لتسبق غيرها من الدولة العربية إلى عاصمة اليمن ، وتولى رئاسة اللجنة عبد المنعم مصطفى أحد كبار موظفي وزارة الخارجية المصرية –الذي اختير فيما بعد مساعدا للجامعة العربية –وضمت اللجنة الدبلوماسية المصري الدكتور حسن إسماعيل المستشار التجاري للمفوضية المصرية في برن.

قاد الطائرة الحربية "الداكوتا" قائد السرب عبد اللطيف البغدادي الذي أصبح أحد أعضاء مجلس الثورة المصري بعد ثورة 23 يوليو 1952. استغرقت الرحلة من القاهرة على صنعاء 8 ساعات وتوقفت الطائرة في جدة وفي جزيرة قمران التي تبعد نحو 90 كيلو مترا عن صنعاء. وكان مستحيلا –في تلك الأيام- أن تقطع الطائرة المسافة إلى صنعاء بلا توقف وصف البغدادي صنعاء في ذلك الزمان فقال إنها قرية والمطار رملي يصلح بصعوبة ليكون مطارا ( 112 ).

وعندما هبطت الطائرة –يوم 22 من فبراير- صفق بعض الأشخاص لترولها سالمة. وكادت الطائرة إن تصدمهم فقد وقفوا أمامها لا يتحركون. ولولا أنه – أي البغدادي – انحرف بالطائرة لقتلهم جميعا! وكان من بين المستقبلين وزير الداخلية وبعض كبار الشخصيات ولكن لم يتعرف عليهم أحد لأن ملابسهم لا تختلف عن باقي العاملين في المطار!

استقرت البعثة نحو أسبوعين في صنعاء عرفت خلالها- كما يقول البغدادي- أن جماعة الإخوان وراء الثورة.

وكان حسن إسماعيل وهو من الإخوان المسلمين ، قد زار اليمن قبل ذلك فقال للبغدادي.

- توجد ثورة مضادة ونريد إلقاء منشورات على الأهالي في تعز والحديدة وغيرهما من مدن اليمن لتأييد الثورة ودعوة اليمنيين إلى الهدوء والسكينة وتحكيم العقل.

وكانت المنشورات تنذر ولي العهد أحمد ورجاله بأن الثورة "ستصليهم نارا حامية".

ومجدت المنشورات مبادئ الثورة في الحرية والعدالة و الدستور ، وأن الثورة قامت ضد الظلم والطغيان ، وإنقاذ البلاد م براثن الاستبداد والجهل والفقر.

ظن البغدادي أن تلك تعليمات عبد المنعم مصطفى فألقى من الطائرة بالمنشورات ثلاث مرات في ثلاثة أيام ثم عرف بعد ذلك أن حسن إسماعيل يعمل للثورة فأبلغ عبد المنعم مصطفى بذلك قائلا :

- قد أصبحنا طرفا في خصومات اليمن وثورته. ولكن صحيفة "الإخوان" في القاهرة نشرت أن الطائرة قامت بإلقاء منشورات للجامعة العربية وأخرى للحكومة في أنحاء اليمن.

زعم البغدادي أن بالطائرة عطلا ولابد من الرحيل إلى عدن لإصلاحها. وكان هدفه من ذلك التوقف عن إلقاء المنشورات.

وعندما عاد إلى صنعاء وجد أن ولي العهد ورجاله يغيرون على صنعاء ليلا ويختفون نهارا وأن الطائرة يمكن أن تصاب بطلقات المهاجمين.

وقالوا له :

- إذا دخل ولي العهد صنعاء فإنه سيضع أعضاء الوفد في برميل مليء بالزيت المغلي.

عرض الأمر على عبد المنعم مصطفى قائلا :

- ليس لنا دور في هذه العملية ويجب أن نرحل.

وفي اليوم التالي نزلت الأمطار وتبين أن بالطائرة عطلا فأصلحت . ونصح اليمنيون البغدادي بعدم السفر في تلك الظروف ولكنه رأي المخاطرة ونقل الوفد إلى جدة ثم القاهرة.

أخذ الملك فاروق يعرقل سفر وفد الجماعة العربية من القاهرة وأصر على أن تقوم بنقله ، بحرا ، الطوافة "فاروق" بعد أن ضم إلى الوفد سكرتيره الخاص الدكتور حسين حسني

وأخيرا –في 29 من فبراير- غادر الوفد ميناء السويس يرأسه عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربة وأعضاؤه الشيخ يوسف ياسين نائب وزير الخارجية السعودي و مظهر أرسلان باشا عن سوريا و عبد ا لجليل الراوي عن العراق و تقى الدين الصلح عن لبنان و مدحت جمعه عن الأردن.

ووصل الوفد إلى جده. وتأخر رحيله منها إلى اليمن ثم سافر إلى الرياض بدعوة من الملك عبد العزيز للقائه يوم 4 مارس ثم عاد ليستقر في جده يوم 12 من مارس.

في الندوة التي عقدها مركز الدراسات اليمنية في فبراير 79 لتقييم ثورة 48 قيل إن دعوة الملك عبد العزيز هدفت إلى منح الأمير أحمد الوقت الكافي لتعزيز قواته قبل وصول بعثة الجامعة العربية إلى اليمن.

انقسمت بعثة الجامعة تجاه الثورة

وقف ممثلو مصر و الأردن و المملكة العربية السعودية موقفا معارضا للثورة بينما أبدى ممثلا لبنان و سوريا تعاطفا معها. وقال رياض الصلح في 26/2/ 1948 رئيس وزراء لبنان –أنه رأي الإمام عبد الله الوزير إمام اليمن الجديد مرة في موسم الحج فأعجب برجولته وحبه للإصلاح وأن اليمن في عهده تفتح أبوابها للبعثات العربية ورجال الصحافة.

اجتمع ريفز سايلدر الوزير الأمريكي المفوض في جده بالملك عبد العزيز وحضر الاجتماع فؤاد حمزة مستشار العاهل السعودي.

سأل الوزير الأمريكي صاحب الجلالة عن اليمن فقال صاحب الجلالة :

- ليست لدى أنباء جديدة ولا أعرف ما إذا كان الأمير أحمد ينوي الذهاب إلى صنعاء أم لا.

وأضاف :

- يعد عبد الله بن الوزير أقوى رجل في اليمن باستثناء الإمام الراحل.

وقال بحرص :

- القوة والسلوك الأخلاقي أمران مختلفان تماما. وبالرغم من معرفتي بكفاءة ابن الوزير فلا استطيع الحكم على قدراته إلا بعد اتضاحها عمليا.

علق شايلدز قائلا :

- استشعرت سرور حكومتي –الأمريكية- تجاه الأسلوب الذي اتبعته جلالتك بشأن الأحداث في اليمن.

وقال محرضا :

- أعربت الحكومة الأمريكية لي عن وجهة نظرها بأن في حالة حدوث اضطرابات في اليمن يمكن لجلالتك انتهاز الفرصة والتقدم داخل اليمن.

واستطرد :

- قلت لهم إن ذلك لا يتفق مع سياسة جلالتك.

قال الملك عبد العزيز :

- الحق كذلك فليست لدي أية مخططات عدوانية ضد اليمن. وأكثر من ذلك فبالرغم من عدم وجود أية مصالح للملكة العربية السعودية في تأييد الجامعة العربية إلا أني شعرت أن ذلك مطلوب للمحافظة على التضامن بين الدول العربية.

وعبر الملك عبد العزيز عن سياسة بلاده فقال :

- في الوقت الذي تسود فيه الاضطرابات جميع أنحاء العالم فمن الأفضل الاحتفاظ بعلاقات ودية مع كل البلاد العربية.

قال أحمد الشامي في كتابه :

"لم يستسغ الملك عبد العزيز أن يصرع جاره الإمام المريض العجوز بالرغم من أنه كان صديقا حميما لعبد الله الوزير. وكان في قراره نفسه يفضل أن يتربع على العرش ، ولكن بطريقة بيعة شرعية دون سفك دماء.

وكان الملك عبد العزيز يعرف الأمير أحمد وشدة مراسه ويخشى من نزق سيفه على الكثير من رجالات اليمن ويخشي أن تثور فتن تضر باستقلال البلاد والانجليز على الأبواب.

ولذلك أوعز إلى عزم باشا أمين عام الجامعة العربية بالتدخل وحسن ذلك لكل من الإمام عبد الله والإمام أحمد فحكما الجامعة العربية.

ولجأ أحمد إلى الموافقة على تحكيم الجامعة العربية احتياطا ومكرا واستعدادا لكل الاحتمالات" .

ويجتمع مجلس الشورى لأول مرة في تاريخ اليمن فيؤدي إمامه الجديد لليمن الدستورية ويقسم بالعمل على سعادة اليمن وأهلها فيبايعه الأمير بد –حفيد الإمام يحيى ونجل الأمير أحمد – لإنقاذ حياته.

أفرجت الثورة عن أكثر من ثلاثة آلاف من المعتقلين.

وقال المتعلمون الذين درسوا في مصر : "كنا نعيش في سجن كبير أشبه بسجون القرون الوسطى ، لا حرية في القول أو التجارة أو الكتابة".

ووصفت صحيفة "الإخوان" الهدوء في اليمن وازدحام صنعاء بزعماء القبائل ووفود المقاطعات "التي قدمت بيعتها إلى عبد الله بن الوزير وأنهم وضعوا تحت تصرف جلالته قواتهم وفرسانهم ليدكوا حصن الظلم ولاستبداد".

ويعلن الإمام الجديد في حديث لصحيفة الإخوان المسلمينأنه في "غاية الشوق لرؤية المرشد العام. وأنه –وإن كان قد رآه بالقلب – إلا أنه يود أن يراه رؤية العين . ولكن يكون مسرورا لو زار الشيخ البنا اليمن في عهد الشورى الدستوري ليستشيره ويستأنس برأيه تحقيقا لإيجاد الحكم الإسلامي الكامل" .

وأبرق حسين الكبسي نائب رئيس وزراء اليمن ووزير خارجيتها إلى الشيخ البنا يقول : "يرغب جلالة الإمام في وصولكم شخصيا ونرجو ذلك بإلحاح" وقال :

- الإسلام هو الصلة القوية التي لا تنفصم عراها أبدا الآبدين ، وأخوة الإسلام فوق كل أخوة.

ولكن الحكومة المصرية منعت سفر الشيخ البنا كما يقوم كتاب « ثورة 48 » وكما أكد ذلك عبد القادر عودة وكيل الجماعة في مرافعته أمام محكمة الجنايات في قضية اغتيال المرشد العام. قال « إن الحكومة المصرية نبهت على شركة مصر للطيران بمنع سفر المرشد العام. وعلل ذلك بالخوف من أن تنتهي الأمور في اليمن بغير ما يتمنى الجبابرة الطغاة » .

وفي القاهرة يعلن سيف الإسلام عبد الله أنه تلقى برقية من شقيقه الأمير أحمد يعترض فيها على نشاط الإخوان المسلمين في اليمن.

وعجز عبد الله بن الوزير عن تدبير المال لدفع رواتب الجيش المتأخرة وتأمين ولاء القبائل بالمنح. وتصل القبائل إلى صنعاء لمبايعة عبد الله الوزير ويبقى جانب من رجالها في صنعاء لنهب وسلب الحي اليهودي ومحلات المسلمين التجارية.

ويحاول بعض الغوغاء استغلال الموقف فيهاجمون قصر الإمام يريدون نهبه ويصدهم عنه قائد الجيش جمال جميل. ويصبح الأهالي الذين منعوا من السرقة خصوما للثورة. وتفقد صنعاء وباقي اليمن جو الأمن الذي أحاط بنظام حكم الإمام يحيى بغض النظر عما كان عليه من قسوة.

وتعتقل الثورة سوف الإسلام داخل القصر الملكي بينما تبقى على الحراس القدامى للقصر الذين يدينون لهؤلاء الأمراء بالولاء فيستميلونهم ويبعثون بهم رسلا إلى الأمير أحمد الذي استطاع أن يخدع الثوار جميعا. بعد أن نجا من خطة ثانية وضعتها الثورة لاغتياله.

ونشر سيف الإسلام أحمد الشائعات بأنه محاصر في حجة على مسافة خمسين ميلا من صنعاء وأن القبائل ترفض الانضمام إليه.

وأذاع أنه طلب من الملك عبد العزيز آل سعود السماح له باللجوء إلى المملكة العربية السعودية. وقال إنه يريد الهجرة إلى حرم الله ولم يعد يطيق البقاء في اليمن بعد قتل أبيه وأخوته ولا يريد إثارة فتنة.

وافق العاهل السعودي ولكن ولي العهد كان يناور ونجح في تأليب القبائل اليمنية ضد ا لثورة ورشا الجنود بمائة ألف ريال من الذهب.

وأعلن الأمير أحمد أن نظام الثورة يحظى بمساندة السلطات البريطانية وناشد الأمير –في حجة- القبائل أن تهب ضد الملك الذي عينه البريطانيون .

وأطلق شائعات بأن الطائرات البريطانية حلقت فوق صنعاء بعد يوم من الاغتيال ، وأنها أسقطت منشورات.

قوبلت هذه الأنباء بالتصديق من سكان اليمن فإن رئيس الوزراء القتيل كان أكثر المسئولين تمتعا بحب الناس وقبيلته تعتبر أقوى القبائل في شمال اليمن.

وأرسل ولي العهد ببرقية يتوعد فيها عبد الله الوزير بالانتقام والثأر لأبيه وأخوته قال فيها « من أمير المؤمنين المؤيد بالله الناصر أحمد ... إلى الناكث الذليل الحقير عبد الله الوزير لقد ركبت مركبا صعبا عن طريق الغدر والخيانة وإنك ستسقط إلى الهاوية في القريب ذليلا حقيرا وإني زاحف إليك بأنصار الله التي سترى نفسك تحت ضرباتهم معفرا ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله والعاقبة للمتقين –والله المستعان.

تولت صحيفة الإخوان المسلمين الدفاع عن اغتيال الإمام فقالت :

« الذين يريدون أن يحملوا الحكومة الجديدة تبعة اغتيال الإمام يظلمونها أشد الظلم فإن كثيرا من أقرب المقربين إلى الإمام يحيى حاولوا اغتياله أكثر من مرة ولا يستطيع إنسان عاقل أن يتصور أن عبد الله بن الوزير في ورعه ودينه وعلمه وتقواه وسنه وجلال منصبه وجميل صلته بالإمام يكون له أدنى اتصال بهذا الحادث ومن الخير للعدالة ولليمن وللعرب و الإسلام ألا يرفع قميص عثمان من جديد وأن تنصرف الجهود إلى ما يحب أن يكون عليه الحكم والوضع الاجتماعي ثم تأخذ العدالة مجراها ويؤخذ الجاني بجنايته ».

قالت السفارة البريطانية من القاهرة في برقية إلى لندن :

« صحيفة الإخوان المسلمين » هي الصحيفة الوحيدة هنا التي تقدم مساندة حارة وكاملة لنظام الحكم الجديد في اليمن ».

وتحاول حكومة الثورة تأجير طائرتين مصريتين لنقل الجنود ولكن الطائرتين لا تستطيعان الهبوط في اليمن.

في البرقية رقم 2 التي بعثت بها ريفز القائم بأعمال المفوضية الأمريكية في جده قال :

« كان من الممكن أن يميل الملك عبد العزيز إلى تأييد الوزير لولا وسائل العنف التي وصل بها إلى الحكم » .

وهناك اعتبار هام وبارز بالنسبة للملكة العربية السعودية وهو أن تخطى الأمير أحمد وتأييد حاكم وصل إلى السلطة بوسائل عنيفة يمكن أن يصبح سابقة ودافعا لإثارة بعض المجموعات أو الفئات أو حتى بعض أفراد الأسرة السعودية الساخطين.

ويمارس الملك عبد العزيز نفوذا عظيما على سكان اليم غير الشيعيين. ويقال أن سلطته المعنوية عليهم عظيمة. إن لم تكن أكبر من نفوذ الأسرة الحاكمة الشيعية نفسها.

ويزحف الأمير أحمد إلى صنعاء ويحاصرها ( 13 ) عشرة أيام حتى استطاع رجال القبائل المؤيدون له تسلق أسوار المدينة واقتحامها في 11 مارس 1948.

واندفعوا إلى الداخل كأنهم السيل الجارف من القبائل الشرسة المختلفة الأسماء والأنواع وقد هتك هؤلاء الوحوش أعراض الحرائر من نساء صنعاء ونهبوا كل شيء في المنازل حتى أنهم خلعوا جميع أبواب البيوت ونوافذها وكان رجال القبائل أنفسهم يعتدي عليهم بعضهم على بعض طمعا في الغنائم والأسلاب وكانت الغنيمة الواحدة لكي تستقر عند صاحبها الأخير لابد أن يموت بسببها ثلاثة أو أربعة. وقد استمرت حالة النهب والسلب أكثر من خمسة أيام وقد تركوا صنعاء قاعا صفصفا بعد أن انقضوا عليها كما ينقض الجراد على الأرض الخضراء فيتركها جرداء بلقعا وتفشل أول ثورة في العالم الإسلامي. للإخوان دور فيها ، بعد حكم لم يدم سوى 26 يوما ويقتل ألف من سكان صنعاء.

وعندما يدخلها ولي العهد في 13 من مارس يعلن نفسه ملكا باسم « الناصر لدين الله ».

سقوط صنعاء

عندما استتب الأمير للإمام أحمد ، بعد سقوط صنعاء واعتقال الأحرار ، أخذ يرسل برقيات الشكر للأمراء والملوك العرب الذين ساعدوه في اخمد الثورة ، وأعاقوا وصول وفد الجامعة العربية إلى صنعاء.

وهذه برقية أرسلها لملك شرق الأردن ، جاء فيها :

( لقد تأخر كتابنا هذا لجلالة الأخ المعظم حفظه الله وكان يجب المبادرة إلى تقديمه قبل أيام وشهور اعترافا بالجميل الأخوي الذي كان من جلالتكم أيام المحنة ، مما خلد بكم أجمل الذكري عندنا خاصة ، وعند اليمنيين عامة ، في صفحات المجد الهاشمي والنبل والوفاء والعواطف المتصلة بالسبب والنسب النبوي.

وإنا إذ نقدم لجلالتكم شكرنا وثناءنا على ما لمسناه من أعمالكم الخالدة ، نستبيح جلالتكم قبول عذرنا بالتأخير والتواني عن المبادرة إلى ذلك بسبب الأعمال التي أوجبتها تلك الحالة التي وفقتهم على تفاصيلها في حينه ، فآزرتم أخاكم ، وقاومتم الأعلاج الأجلاف الذين طوحت بهم خيالاتهم المقبوحة المفضوحة التي استنكرها العالم ، وكنتم في مقدمة من أزر ونصر ، وكان لكم الفضل الأكبر والأجر الأوفر ).

وإلى الأمير عبد الإله بن علي الوصي على عرش العراق :

( إن الباعث لهذا هو الشكر لموقف سموكم النبيل الأخوي في حادثة اليمن المشئومة التي قضى عليها بعناية الله ومؤازرة الإخوان أمثال سموكم ، ولن ننسى لسموكم ما أبديتموه من عطف وعناية ، ولا يستغرب ذلك من مثل سموكم... إذ هي عاطفة النسب التي نمت إلى أصل واحد وبيت واحد ، يجب عليهم دائما التكتل والاجتماع على ما فيه خيرهم وصالح بلادهم ، التي نعدها بلدا واحدا وإن نأت مسافاتها ).

ما أن وصلت الأخبار إلى عدن بسقوط صنعاء بيد القبائل وانتصار ولي العهد أحمد حتى هاجت الغوغاء في شوارعها ، وأخذوا يتجمعون في الشوارع المؤدية إلى دار الجمعية اليمانية الكبرى زحفا بعدها على الدار لاقتحامها ، وكانت عائلة الأمير إبراهيم تقيم في الطابق الأعلى منها ، فتصدى لهم ( خالد ) حارس الأمير إبراهيم في أعلى السلم المؤدي إلى الطابق الثاني ، وأطلق النار من مسدس على المقتحمين فقتل أحدهم ، وهرب الآخرون.. فاعتقلته السلطات البريطانية التي وقفت موقف المتفرج من كل ما يجري –لتقديمه للمحاكمة وتقدم الحاج عبده حسين الأدهل لضمانته ، فأطلق سراحه ولم يقدم للمحاكمة.

وفي اليوم التالي من فشل الثورة ، وصل الأستاذ محمد محمود الزبيري و الفضيل الورتلاني و عبد الله بن على الوزير إلى عدن من الرياض ، حيث كانوا في ملاقاة وفد الجامعة العربية واصطحابه إلى صنعاء.. إلا أن الثورة فشلت أثناء إقامتهم الطويلة في الرياض ، وسقطت صنعاء بيد القبائل ، وقد طلبت السلطات البريطانية بعدن منهم مغادرتهم خلال ثلاثة أيام لأن بريطانيا كانت على وشك الاعتراف بحكومة الإمام أحمد.

اختفى الأستاذ الزبيري والوزير في منزل الحاج محمد سلام حاجب بالنواهي واختفى الفضيل الورتلاني في منزل الحاج عبده حسين الأدهل.

أثناء ذلك وصل إلى عدن الأستاذ محمد الوريث والأستاذ أحمد محمد باشا و عبد الوهاب الشامي.. وكان ( الوريث ) قد اعتقل في الشيخ عثمان مع الحاج عبد الله عثمان الذي خرج إلى لحج لاستقباله ، وقد اعتقلا لمدة يومين ، توسط بعدها ( الأمير فضل عبد القوي ) لإطلاق سراحهما ، فسافر الوريث والشامي والباشا إلى شرق أفريقيا حيث احتضنهم الأحرار اليمنيون هناك.

اتصل الأستاذ الزبييري من عدن بالشيخ عبد الله عثمان بصبر ، يطلب منه إعلان التمرد في لواء تعز ، تضامنا مع الشيخ علي بن محسن باشا المتمرد في العدين ، وقد حمل الرسالة عبد الكريم عبد القادر ، وهو من الشباب الذين أوكل إليهم اغتيال ولي العهد أحمد بتعز ، إلا أن الرسالة وصلت ، إلى الشيخ عبد الله عثمان ، والإمام أحمد قد وصل من حجة ، واستقر في القاعدة يتابع منها نتائج الحملة العسكرية والوساطة اللتين قام بهما لاستلام علي بن محسن باشا كما بقى على اتصال يومي بأخيه الأمير عبد الله الذي يتخوف من استمرار تمرد علي بن محسن ، وفيما يلي بعض البرقيات المتبادلة بينهما :

من سيف الإسلام عبد الله إلى أخيه الإمام أحمد :

( عدت من شرق الأردن وقد أبلغت الملك شكر ومحبة جلالتكم والترحيب بولي العهد وكانت المراجعة لأشياء مهمة ساوضحها شفاها أو تحريرا ، وقد أوضحت له معاملة الإنكليز ووعد تحسين المسعى ). ( صاحب السمو الملكي سيف الإسلام عبد الله القاهر 21 جماد الأولى 67 ).

من القاعدة

هدأت الأحوال كلها على ما نريد ولابد لنا من أسلحة جديدة ، فاتصلوا ببعض الدول الصغرى كالسويد والبلجيك وتشيكوسلوفاكيا ونحوها ، واتفقوا معها على مجموعة من البنادق والمدافع الحديثة والرشاش والمدرعات ، يمكن دفع بعض القيمة من حاصلات اليمن ونحوه ، وعجلوا هذا وافيدوا ، نريد مهندسا لإصلاح الطريق للسيارات وتكون معه جميع الأدوات اللازمة ، والأحسن أن يكون مصريا أو أمريكيا ، تأملوا في هذا جدا افيدوا ، والباخرة لابد منها لأجل نقل الحجاج والسلام عليكم ).

ورد عليه ( الأمير عبد الله ) في 22 جماد ا لأولى 97 ببرقية جاء فيها :

( ما رأيكم إذا وصلت مع خطيب عربي مخلص ينشر منشورات تؤثر على الناس في الولاء ، ويخطب في صنعاء والمنشورات مهمة ( ك هـ ر ب ) وغيرها لا تتم كما يحسن إلا بعد العرض على مولاي لما سبق من صعوبات تعرقل كما تعلمون ، ومنها رأيكم في وصول نجيب عز الدين؟ من الضروري القضاء على حركة العدين لئلا يحصل سريان أو معاونة خارجية ).

ورد عليه ببرقية جاء فيها :

22 جمادي الأولى 2إبريل 48

( الأخ سيف الإسلام فخر الدين حفظه الله

تأملنا برقيتكم وهذا من تعز ، وصلنا لإخماد ثورة العدين وسيقضي عليها في هذا الأسبوع إن شاء الله ، نجيب عز الدين يلزم وصوله ، الخطيب المصري سيكون ورتلاني ثاني فلا لزوم ، نريد إنشاء خطوط تليفونية بين صنعاء والحديدة وأب وتعز وذمار وبريم وحجة وحراز فاتفقوا مع الحكومة المصرية لوضع مشروع لذلك ، وبحسن الشراء على يدها إن لم تجدوا من ينفعكم بسرعة ، وأدرسوا هل من الممكن بدون الكهرباء الكبرى ).

الزبيري والورتلاني والوزير يغادرون عدن بأمر سلطاتها

بعد عودة الأستاذ الزبيري والفضيل الورتلاني و عبد الله بن علي الوزير من الرياض إلى عدن ، بقوا هناك يرقبون تطورات الأمور بعد فشل الثورة ، قبل أن تأمرهم السلطات بمغادرة عدن ، لأن الحكومة البريطانية كانت على وشك ا لاعتراف بحكومة الإمام أحمد .

وقبل أن يغادر عدن أرسل الأستاذ الزبيري و عبد الله بن علي ا لوزير برقيات إلى بعض الشخصيات المصرية والعربية ، يطلبان منها التدخل لإنقاذ الأحرار من الإعدام بعد فشل الثورة.. منها البرقيات التالية :

2 جمادى الثاني 67

المجاهد محمد على الطاهر

صديقك النعمان والمسمري وبقية رجال اليمن العظام معرضون لخطر الإعدام بدون محاكمة ، ونحن نقزع إليك لتعمل على إنقاذهم بما تراه.

الوزير والزبيري

الأحرار اليمنيون

( مرشد الإخوان المسلمين- صالح حرب- الأستاذ أحمد حسين- النحاس باشا- مكرم باشا عبيد صفوة رجال اليمن معرضون لخطر الإعدام بدون محاكمة ، نناشدكم أن تعملوا على إنقاذهم بما ترونه.

الوزير والزبيري

سافر الأستاذ الزبيري والأستاذ عبد الله بن علي الوزير على ظهر باخرة إلى باكستان ، يعمل فيها بعض البحارة اليمنيين الذين راحوا يمطرونهما سبا وشتما طيلة الرحلة ، وقبل سفرهما اتفق الأستاذ الزبيري مع الأحرار المقيمين في عدن على أن يعملون قد استطاعتهم لإنقاذ الأحرار –الذين وقعوا في قبضة الإمام أحمد من الإعدام ، ووعد الأستاذ الزبيري الحاج عبد الله عثمان بأن يرسل له عنوانه فور وصوله إلى باكستان بالشفرة ، واتفقا على أن أخباره لا يطلع عليها سواه و عبد الله عبد الوهاب نعمان و الحاجعبده حسين الأدهل والشيخ محمد سالم البيحاني و محمد سالم حاجب ، وما أن وصل الأستاذ الزبيري إلى باكستان حتى أرسل خطابا إلى عدن يطمئن فيه الأحرار بوصوله ، وقد أخذ يتنقل بين المدن الباكستانية ، بغير عنوانه ما بين وق وآخر حتى استقر في عاصمتها ، أما الورتلاني فقد سافر هو الآخر من عدن على ظهر باخرة مصرية ، إلا أنه منع من النزول في كل البلاد العربية التي رست الباخرة في موانئها ، وعند عودتها إلى عدن صعد الحاج عبده حسين الأدهل إلى الباخرة لمقابلته لأن السلطان البريطانية لم تسمح له بالنزول في عدن.

في تلك الأثناء وصل باسم الفضيل الورتلاني جواز سفر دبلوماسي وبدله عسكرية برتبة ضابط ، من الإخوان المسلمين ، ارتدى الورتلاني البدلة العسكرية ، وحمل الجواز الدبلوماسي المزيف ، سافر بتلك الهوية العسكرية إلى بيروت ، حيث استقر هناك إلى ما بعد قيام ثورة يوليو 52 ، وانتقل بعدها إلى مصر ، وهذا على عكس البرقيات والتقارير التي كانت تصل إلى الإمام أحمد أن مجموعة من أفراد الجيش اللبناني ، أو مرتدية زى الجيش اللبناني طلعت إلى الباخرة وتسلمته حسب إفادة قبطان الباخرة المصرية ، الذي يبدو أنه كان متعاونا مع الفضيل الورتلاني.

وتبرق السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن قائلة :

« أيد الشيخ حسن البنا و الإخوان المسلمون عبد الله بن الوزير رغم التقارير التي وردت عن فشله » . ويبرق الشيخ البنا إلى إمام اليمن المنتصر يطلب منه الانضمام إلى جامعة الدول العربية طبقا لدستور يستند على الميثاق القومي!

ويعلن البنا تأييده لانضمام قائد التمرد عبد الله الوزير إلى الحكومة الجديدة كرئيس لمجلس الشورى لتتأسس بذلك في اليمن حكومة دستورية. وفي الوقت نفسه يطلب من الجامعة العربية إحضار عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة و أمين إسماعيل ممثل صحيفة الإخوان إلى القاهرة على نفقة الجماعة. ويستنجد المرشد العام بعزام باشا في جده لإنقاذ الثورة و عبد الله بن الوزير..

قائلا :

ومهمة مندوب المركز العام للإخوان المسلمين بصنعاء إقناع رجال الحكومة اليمنية الجديدة بالعمل على إطفاء الفتنة بأية وسيلة وتوحيد كلمة الأمة اليمنية وإقناع المسئولين هناك بقبول تحكيم الجامعة العربية على أساس إعلان دستور يمني على قواعد الميثاق القومي وإصدار عفو عام عن كل السياسيين اليمنيين الأحرار وغيرهم ، وتأليف الدولة الجديدة من الأمير سيف الإسلام أحمد إماما دستوريا إذا بايعه أهل الحل والعقد و عبد الله الوزير رئيسا لمجلس الشورى وحكومة دستورية محددة التبعات والاختصاصات مع حراسة الجامعة العربية لهذا النظام حتى تستقر الأمور ».

الإعدام بضرب الرأس بالساطور

قبض على أكثر قواد الثورة وأرسلوا إلى بلده حجة وهناك دون محاكمة كان يؤتى بالواحد منهم تلو الآخر في ميدان عام حيث يشد وثاقه ويميل برأسه قللا ساندا إياه على عمود ذي شعبتين ثم يأتي السياف الوحيد في اليمن شاهرا سيفا قصيرا أقرب إلى الساطور أو على البلطة منه إلى السيف ويظل يتمايل ويتراقص قيلا ثم يهوي بسيفه على عنق الضحية فتطير الرأس بعيد وقد أخذت عيناها تغمضان وتفتحان في سرعة غريبة كل ذلك والجموع واقفة تشاهد الرأس الطائرة في الفضاء ثم لا تلبث أن تستقر في ركن من الأركان. ( 14 )

أما ابن الوزير فقد ضربت رأسه في وسط حشد كبير بعد صلاة الجمعة ولم تكفها ضربة واحدة من السياف فنظر الإمام الشهيد إلى سيافه بعد الضربة الأولى وقال له أضرب طيب يا عاق والديك ، فظل السياف يضرب عنقه عدة مرات إلى أن فصل الرأس عن الجسد ، ولذلك يقال في اليمن إن ابن الوزير قد ذبح كما تذبح الشاة. كما تم قطع رأس زيد الموشكي.

وهناك أحمد البراق الذي سيق إلى هذه المقصلة البدائية وبينما هو على وشك الإعدام إذ تقدم شخص يريد التقاتط صورة له ، فنظر البراق إليه في سخرية وقال له إن الصورة تكون أفضل عندما يطير الرأس في الهواء.

وهذا محيى الدين العنسي البطل الذي رأي بعض الهمج يصفقون وهو في طريقه إلى المقصلة فنظر إليهم نظرة احتقار وقال لهم : لعنة الله عليكم من شعب أردنا له الحياة فأراد لنا الموت. وتم إعدام حسين الكبسي و محمد المسمري.

وكانت الجثث بعد القتل يمثل بها شر تمثيل ثم تصلب لفترة طويلة أما الرؤوس فكانت كل رأس ترسل إلى البلد التي ينتمي إليها صاحبها ، ولقد صلبت رأس ابن الوزير في صنعاء في ميدان اسمه شرارة سبعةأيام وعلى مقربة منها رؤوس أخرى باديا عليها إمارات العبث والتمثيل مما يدل على أن ابن الوزير قد مثل به بعد موته وظلت الرؤوس معلقة على الحيطان حتى أصابها التعفن فدفنت في مكان مجهول.

وتوفى الأمير سيف الحق إبراهيم بعد وضع له سم في الغذاء فتوفى متأثرا بذلك في 22 شعبان وهو أخو الإمام أحمد الأصغر وكان الإمام أحمد قد أمر بإطلاق صراح أربعة هم زيد عقبات و الصفي الجرافي وعلى لطفي و حسين مظهر ويعفو عن ابنه الأمير البدر.

بعد ذلك تم إعدام الحاج الخادم غالب و على بن عبد الله الوزير في نفس اليوم ومضى شهر رمضان وهم في السجن إلى أن جاء شهر شوال 1367هـ تم إعدام كل من أولاد الحسيني و مصلح هارون وسنهوب وريحان والعتمي في صنعاء وانقضى عام 1367هـ ، وفي أول العام 1368هـ وصل مساجين جدد إلى الحجة وهم الشيخ أحمد ناصر القردعي وابن عمه على طالب القردعي والذي مات في سجن نافع كما وصل السيد محمد بن حسين عبد القادر من سجن صنعاء بعد مضى عام على قتل الإمام يحيى إلى يوم السابع من ربيع الآخر تم إعدام كل من الحاج عزيز والشيخ محسن هارون وفي نفس الشهر تم نقل الرئيس جمال جميل إلى صنعاء وحبسه في سجن الرادع بصنعاء وأعدم الشيخ محسن هارون في ميدان شرارة المسمى الآن بميدان التحرير.

وفي ليلة العبد من هذا العام 1368هـ وصلت أوامر الإمام بالتشديد على المساجين وإضافة قيود ومراود إلى ما يحملونه وعدم اختلاطهم بالآخرين وعددهم ستة عشر وهم :أحمد محبوب –عبد السلام صبره- حسن العمري- عبد الله السلال- أحمد محمد النعمان- محمد الطاع- أحمد الشامي- عبد الله الشماحي- العزي صالح السنيدار –أحمد المروني –عبد الرحمن الإيرياني- محمد عبد القادر و غالب الشرعي و على محمد السنيدار و عبد القادر أبو طالب و محمد عكارس و غالب سري و حمود الجائفي و حزام المسوري من هؤلاء الستة عشر أربعة جاء الأمر بالتشديد عليهم أكثر من غيرهم ويجلدون ثلاثين جلدة لكل منهم يوميا وهم : أحمد المروني- أحمد الشامي- العزي صالح السنيدار و محمد عكارس كما صدرت أوامر بمصادرة أملاك بعض هؤلاء وأراضيهم وهدم بيوتهم وهم الصفي محبوب و حسن العمري و محمد عكارس. وظلوا في سجن حجة إلى أن جاءت ثورة الثلايا سنة 1955 م والتي أعدم فيها أحمد الثلايا.

ونلاحظ من بين هؤلاء المعتقلين من قاد الثورة بعدة ذلك ضد الإمام أحمد وينجحون في ثورتهم ضد ولي عهده الأمير البدر.

وينجو من الموت الفضيل الورتلاني –مهندس الثورة- الذي غادر صنعاء قبل سقوطها بثلاثة أيام إلى جدة فسمح له الملك عبد العزيز بمغادرة البلاد ويستقل الباخرة « الزمالك » ولكن جميع الدول العربية ترفض السماح له بالدخول فيظل سجينا على ظهر الباخرة شهرين وينجح الإخوان في تهريبه إلى بيروت ومنها إلى باكستان بطريقة مثيرة للغاية.

وكان لأحكام الإعدام المتسرعة التي أصدرها الإمام أحمد بحق كثير من رجال ثورة 48 الذين وقعوا في قبضته بعد فشلها والمحاولات التي بذلها في ملاحقة من بقى منهم خارج نفوذه كان لذلك رد فعل غاضب عند كثير من المتعاطفين مع حركة الأحرار المساهمين فيها بصورة أو بأخرى.. وتعرض الإمام أحمد يومها لانتقادات شديدة على الطريقة التي اصدر بموجبها أحكام الإعدام تلك كما وجهت إليه نصائح من أخيه الأمير عبد الله الذي كان قد انتقل من أوروبا إلى القاهرة بتأخير عملية الإعدام للدفعة الثانية من الأحرار ( حتى لا يظن الناس أن المحاكمة كانت سريعة ) وبالتسامح مع المصريين الذين وفدوا إلى صنعاء بعد الثورة والذين يعملون فيها من قبل سواء كانوا من الإخوان المسلمين أو غيرهم وإطلاق سراحهم بدلا من تقديمهم للمحاكمة وقد نشرنا فيما سبق نماذج من البرقيات المتبادلة حول مطاردة الأحرار الذين فلتوا من قبضة الإمام وغيرهم من المقيمين في الخارج

وفيما يلي نماذج من البرقيات المتبادلة بين الإمام وأخيه الأمير عبد الله:

( إلى الأخ سيف الإسلام عبد الله حفظه الله

15جمادى الأولى 67 من حجة

جميع الأحوال كما تحبون ، وقد تم النصر نهائيا وقبض على جميع حزب المجرم بم فيهم عبد الله الوزير وإخوانه وأولاده وأعضاء حكومته المزيفة ، الأجانب من العرب وغيرهم لم يكن عليهم أي بأس وهم في أمان وراحة ، وسيكون النظر فيما أشرتم في تشكيل الحكومة اللائفة واختيار الأعوان كما نصحتم ، وقد كان العفو عن كل مذهب ما عدا المجرمين المتآمرين والمغتالين فسنجري فيهم اللازم ) . مثل الورتلاني السيئ وانظروا جريدة أخبار اليوم عدد 172في 28 ربيع واشتروا عشرة آلاف متر خيط سلك وتوابعها كيبلات وأدوات ، ومرادنا تأليف محكمة برئاسة القاضي راغب لمحاكمة المصريين فما عندكم افبدوا والسلام ).

وقد رد عليه أخيه الأمير عبد الله ببرقية جاء فيها :

( صاحب الجلالة مولانا ملك اليمن الإمام أحمد المعظم 22 جماد أولى 67 وصلت البرقيتان وسبق برقية مفصلة ، أفادت الحكومة المصرية إذا أردتم فسنطلب الأساتذة المصريين الذين أساءوا لإجراء اللازم نظركم... والذي نراه أنه يحسن الصفح عن من ذنبه يسير منهم مجاملة للحكومة المصرية وشعبها الذي أظهر من الشعور والألم الكثير لحوادث اليمن فإن حصل عليهم شيء في اليمن فسيحصل تألم ).

وجاء فيها :

( اتصلت بنا خارجية مصر بلغها أن المصريين شبه مسجونين وتسأل عن ذلك وعن إمكان إرسال طائرة لنقلهم مع السماح بذلك نظركم في الإفادة ).

حسن البنا يبرق للإمام

وأبرق حسن البنا في 7 أبريل 1948 م إلى الإمام أحمد مراجعا عن زملائه من جماعة الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى صنعاء عقب قيام الثورة ، منه عبد الحكيم عابدين صهر حسن البنا ونائبه وسكرتير جماعة الإخوان.. و أمين إسماعيل مدير جريدة الإخوان يشكر للإمام أحمد أخا الأمير عبد الله بأنه متأثر بتيار الحزبية المعادية للإخوان وفيما يلي نص البرقية :

( صاحب الجلالة الناصر لدين الله الإمام أحمد ملك اليمن أبرق إلينا الإخوان الأستاذ عبد الحكيم عابدين و أمين إسماعيل أنهما بضيافة جلالتكم ورعاية سيوف الإسلام الكرام بصنعاء فاشكر لجلالتكم ولسموهم كريم العناية بأمرهما ، وأرجو التفضل بالاتصال بسمو سيف الإسلام عبد الله بالقاهرة حتى لا يتأثر بالتيارات الحزبية المصرية ويدلي بأحاديث لا مصلحة فيها لأحد في هذه الظروف الدقيقة كتب الله الخير والتوفيق لجلالتكم ولليمن العزيز وأوطان العروبة و الإسلام ).

حسن البنا

المرشد العام للإخوان المسلمين

فأجابه الإمام أحمد ببرقية يتهم فيها حزب الإخوان بمشاركته في الثورة ومقتل والده فيما يلي نصها :

( إلى فضيلة الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين القاهرة تأملنا برقيتكم وما الأستاذ عبد الحكيم وزميله إلا في وطنهما وعند إخواننا وواجبنا لهما ولأبناء العروبة كثير ، ولا نعلم عن التيارات الحزبية شيئا فالمصريون والعرب كلهم إخواننا ولابد من الاتصال بمن ذكرتم ويؤسفنا مع احترامنا لفضيلتكم أن بتهم حزب الإخوان المسلمين من قبل الشعب شعبنا اليمني بتهم خطيرة جدا وأن ينكشف الفضيل الورتلاني عن غدر وخيانة وهو رسولكم الذي ذكرتموه بالخير كما ذكره الحاج محمد سالم ولا قوة إلا بالله ).

5 جمادى الأخرى 67

أنكر حسن البنا علاقة عبد الحكيم عابدين سكرتير جماعة الإخوان ، و أمين إسماعيل سكرتير جريدة الدعوة أنكر علاقتهما بثورة 48 وبالتالي أنكر علاقة الفضيل الورتلاني بحركة الإخوان المسلمين في البرقية التالية :

مصر إلى منه صاحب الجلالة الإمام الناصر أحمد ملك اليمن المعظم أيده الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد الشكر لجلالتكم برقيتكم الكريمة وعنايتكم بالأخوين الأستاذين أمين وعبد الحكيم ، وما بلغ جلالتكم عن موقف الإخوان غير صحيح وقديما كان الوشاة والكاذبين الذين يسعون بالفتنة ولا يدعون ادعاء صحيحا وما زالوا وفي مثل أخبارهم ( قال القرآن ) تبينوا. وما علمنا عنا لشيخ الفضيل في مصر إلا خيرا وما شهدنا إلا بما علمن وما كما للغيب حافظين ، وهو لم يكن رسولا للإخوان ولا عضوا في جماعتهم وإن عمل مع كل الجماعات الإسلامية في القاهرة وعرف فيها صديق لها والقلوب والسرائر بيد الله.

الله يكتب لكم التوفيق والتأييد وحبذا لو تفضلتم فأذنتم جلالتكم للإخوان بالعودة لا تبرما بالدار ولا زهاده في الجوار ولكن لطول غيبتهما وحاجة العمل إليهما والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ).

حسن البنا

المرشد العام للإخوان المسلمين

إلى جانب هذه الاتصالات التي تكاد تكون خاصة بالإخوان المسلمين استثناء اتصالات الأمير عبد الله بن الإمام يحيى التي كانت عامة ، كانت هناك اتصالات أخرى كثيرة من قبل الشيخ محمد سالم البيحاني ، و محمد علي الطاهر و نجيب عز الدين و زكي غانم وآخرين بالإمام أحمد تطلب منه إيقاف أحكام الإعدام وتخفيف أثقال القيود والأغلال على من بداخل السجون من الأحرار اليمنيين ، وزاد هؤلاء فتدخلوا شخصيا لصالح الأستاذ أحمد محمد نعمان للإبقاء على حياته وتخفيف قيوده لما لهم من معرفة سابقة بالأستاذ نعمان خاصة وقد كان الأستاذ نعمان والأمير إبراهيم بن الإمام و محمد عبد الله الفسيل لا يوافقون على قتل الإمام يحيى ويرون القيام بحرب تحرير في كل من البيضاء أو تعز أو كليهما.

وبعد إعدام قادة الثورة كان ما زال مجموعة من المدرسين وعائلتهم وهم من الإخوان ما زالوا في العاصمة صنعاء وقد انضم إليهم الوفد الذي أرسله حسن البنا من القاهرة بقيادة عبد الحكيم عابدين وكان لهؤلاء دورا كبيرا في مساندة الثورة وعلى رأسهم مصطفى الشكعة الذي تولى إدارة إذاعة صنعاء. وكانوا قد تجمعوا في منزل من طابقين.

فعندما بدا حصار صنعاء عمل المصريون على جمع السلاح للدفاع منه وجعلوه حصنا منيعا. وحينما تم اقتحام صنعاء نشبت معركة بين المصريين وبين رجال القبائل المتوحشين ولم يستطع رجال القبائل اقتحام المنزلة كما خاف المسئولين عاقبة موتهم فاضطروا أن يرسلوا أحد السيوف لكي يفك الحصار عنهم ويسعف الأطفال بالماء إذا أنهم قد أشرفوا على الهلاك عطشا وقدموا إليهم طعام قليل جدا.

ويقول الدكتور الشكعة « كنا نلوذ بالصبر ونعصب بطوننا فقد كان نصيب الفرد لا يزيد على كسره صغيرة في كل أربعة وعشرين ساعة وما لبث الهزال أن دب في أجسامنا وأبداننا فلم نر بدا من السؤال وهكذا قدر لنا والعين تدمع أن نعيش بما يجود علينا به المحسنون » .

« وما أن شاع خبر جوعنا في صنعاء حتى تأثر الكثير خصوصا تلاميذنا الأوفياء الذين كانوا يتسلمون غذاءهم ثم يهربونه إلينا سرا وهذا ضرب من الوفاء »

ولم نكن رغم ما نحن فيه من بلاء مطمئنين على أرواحنا كل الاطمئنان فما يكاد يجن الليل حتى نقتسم الحراسة بحيث يقضى كل ثلاثة منا ساعتين من الزمن واقفين مدججين بالسلاح على أكمل أهبه للذود إذا ما حدث في الحسبان.

وكان المصريون قبل اشتداد الأزمة قد أرسلوا نداءات واستغاثات إلى مصر والدول العربية على أمواج الأثير لكي يحاولوا إنقاذهم وكانت النداءات المتكررة مثل : نحن المصريين في خطر. الوحوش الآدمية في الطريق إليها أنهم سيأكلون أطفالنا وهكذا استغاثات مثيرة متقطعة على موجات الأثير التقطها السفير المصري في جده الدكتور عبد الوهاب عزام فسارع واتصل بمصر فأجابته أنها مسارعة إلى إنقاذهم.

وأخذت الأيام تمر والليالي والمصريين على هذه الحالة من الجوع والخوف والحرمان ولجأ المصريين إلى الحيلة حتى يبلغوا الحكومة في القاهرة بحالهم فقد زارهم أحد السيوف ذات يوم فعرضوا على هذا الأمير أن يساعدهم في إرسال برقية إلى أهاليهم في مصر لكي يطمئنوا أنهم ما زالوا على قيد الحياة فوافق الأمير ولكنه اشترط قراءة البرقية أولا فاستعمل المصريون. أساليب الدهاء في كتابتها وكان نصها :

وزير خارجية القاهرة.

« نحن المصريون في صنعاء بخير نجونا من الأحداث بفضل رعاية أصحاب السمو سيوف الإسلام الأماجد حرسهم الله تعالى وعلى رأسهم أمير المؤمنين حفظه الله وأيد ملكه. أيامنا جميلة كأيام طره وليالينا طيبة كليالي الزيتون سلموا على أهلينا وطمئنوهم » .

وهكذا كتبت البرقية بألفاظ كلها مدح في السلطة الحاكم مما أطرب الأمير وجعله يفرح بها ويوافق على إرسالها في الحال دون أن يدري ما بها من اصطلاحات لا يفهمها إلا مصري مثل ألفاظ طره والزيتون ومن المعروف أن طره تضم سجنا رهيبا والزيتون تضم معتقلا شهيرا.

وفهمت الحكومة المصرية الشفرة ( 15 ).

استدعى الفريق محمد حيدر باشا وزير الحربية المصرة عبد اللطيف البغدادي إلى الوزارة بعد منتصف الليل وأطلعه على برقية أخرى بعنوان « المصريون في صنعاء » .

قالت البرقية :

« أنقذونا وإلا ... فاللقاء في الجنة » .

قال حيدر :

-هل يستطيع العودة إلى اليمن لإنقاذ المصريين هناك.

أجاب بالإيجاب قائلا :

-هذا واجبنا ، ولكن لو أصر بعض اليمنيين على ركوب الطائرة فلن نستطيع منعهم. وفي هذه الحالة ننقل دفعات متتالية إلى جزيرة قمران.

قال حيدر أنه سيفكر.

وطلب من البغدادي مغادرة الغرفة ليجري اتصالات ربما مع الملك أو مع النقراشي ثم استدعى البغدادي مرة أخرى ليقول له :

-اذهب إلى اليمن وحلق بالطائرة فوقها قليلا ثم عدة مرة أخرى دون أن تهبط في المطار أو تنقل أحدا. إنها مجرد مناورة.

قال البغدادي :

-لم لا تترك تقدير الموقف. إذا وجدنا المطار مستعدا لاستقبالنا هبطنا فيه وسيعرف المصريون في صنعاء ذلك فيسرعون إلى المطار.

ومرة أخرى طلب حيدر أن ينفرد بنفسه ليجري اتصالاته بالمسئولين ثم عاد يقول :

-لا تهبط بالمطار بل طف حوله ثم اهبط في جزيرة قمران وأبلغنا بالموقف وعندئذ نقرر خطة العمل. في مطار صنعاء وضعت براميل « وخوازيق » لمنع هبوط الطائرة وأطلقت عليها رصاصات أصابت جناحها فلم تهبط في المطار وغنما عادت إلى جزيرة قمران ثم جده و القاهرة.

وكان واضحا من تعليمات حيدر باشا أن حكومة مصر لا تريد إنقاذ الإخوان المسلمين في صنعاء أو إنقاذ أحد من الثوار بل تري أن تتظاهر بمحاولة الإنقاذ فحسب!

ولكن النقراشي باشا طلب إلى سيف الإسلام عبد الله الاتصال بشقيقه الإمام أحمد لإطلاق سراح المصريين وهدده فأفرج عنه وسمح لهم بالسفر إلى تعز وعدن ثم القاهرة.

قالت وزارة الخارجية البريطانية :

« أعرب حاكم عدن –وهو مصدرنا الوحيد للأنباء- عن شكوكه في صحة ادعاءات الإمام أحمد بأن اليمن أصبحت تحت سيطرته التامة ويرى الحاكم أن هناك توقعات بحدوث مقاومة ضده في جنوب اليمن لعدن وجود شعبة لأحد هناك ».

وكان السبب في ذلك استمرار التزام الانجليز بسياسة الحياد الحذر في الصراع على السلطة في اليمن. سأل فيليب ايرلاند سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة سيف الإسلام عبد الله شقيق الإمام الجديد أحمد عما إذا كان يعتقد بوجود أي تأثير خارجي أدى إلى اشتعال التمر قال الأمير :

-يبدو أن الإخوان كانوا يتوقون إلى تغيير نظام الحكم في اليمن.

وأضاف :

-كانت صحيفة « الإخوان المسلمين » أول من نشر الأنباء المزيفة حول وفاة الإمام يحيى في يناير وقد دأبت على مواصلة الهجوم عليه وعلى ... أي سيف الإسلام عبد الله.

وفي البرقية رقم 231 قال فيليب أيرلاند :

« لا يعتقد الأمير بأن هناك تأثيرا غير ملائم من أية مصادر أخرى ».

وقال :

« الميثاق الوطني الذي أصدره عبد الله الوزير و الدستور غير مناسبين بالمرة كأساس لحكم اليمن في الوقت الحاضر.

وقد وضع الميثاق مجموعة من المتحمسين الذين حصلوا على بعض الأفكار المتقدمة نسبيا. ولكنهم أخفقوا في فهم درجة التحصيل الثقافي بالبلاد ولم يدركوا أنها ليست مهيأة للحكم البرلماني » .

وأتهم سيف الإسلام عبد الله جريدة الإخوان بتأييد ابن الوزير.

وقال لصحيفة البلاغ إن حكومة الثورة أرسلت 100 ألف جنيه على جماعة الإخوان المسلمين.

نفى الإخوان أنهم تسلموا المبلغ وقالت مصادرهم منهم أن ا لمبلغ كان سيستخدم لشراء أسلحة لحكومة الثورة.

أوصى مجلس الجامعة العربية بالاعتراف بالإمام أحمد ملكا على اليمن فاعترفت به كل من مصر و الأردن و العراق و المملكة العربية السعودية وتأخر كل من سوريا و لبنان في ذلك.

وطلب الإمام من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الاعتراف به. وكانت الولايات المتحدة متلهفة على الاعتراف وعلى إتباع مبادرة الجامعة العربية ولكن بريطانيا أبلغتها بضرورة الانتظار حتى تختار بين الطرفين المتنازعين من وجهة نظر مصالح هذه الدول فإن السيطرة على البلاد تعد شرطا أساسيا للاعتراف.

واتفقت الدول الثلاث على إعلان اعترافها بالإمام أحمد في وقت واحد ، وتم ذلك في 21 من إبريل. اشتدت حملة سيف الإسلام عبد الله من القاهرة على جماعة الإخوان. وندد بدورها في الثورة ، في الوقت الذي تحطمت فيه آمال المرشد العام في إقامة حكومة إسلامية في اليمن بعد أن قضى النمر أحمد على الثورة. وتولى الملك.

وبدأت رسائل المرشد العام تتوالى على الإمام الجديد تحاول تخفيف آثار النكسة.

في البرقية الأولى رجا المرشد العام جلالة الإمام « التكرم بالاتصال بالأمير سيف الإسلام عبد الله في القاهرة ليمنعه من التأثر بسياسة الأحزاب المصرية ومن إلقاء بيانات لا تفيد أحدا في الأزمة الحالية ».

ونفى الشيخ البنا اتهامات الأمير عبد الله.

وبعث عبد الحكيم عابدين إلى الإمام يطلب السماح بلقائه. فرد الإمام أحمد بأنه يفضل أن يمنح عبد الحكيم شرف اللقاء عندما يصل جلالته إلى صنعاء لأنه يرى أنه مشغول جدا في الوقت الحاضر! وفي رسالة إلى الأمير عبد الله جذب المرشد انتباه سيف الإسلام إلى أن التنافس بين الأحزاب السياسية في مصر تصاعد لدرجة أنه يمكن أن يحطم أي مبدأ أخلاقي أو ديني.

ومن الأفضل لسموه و للإخوان علاج الأمور بمنتهى الحذر ، وأن يبقى مترفعا عن تلك الانفجارات وأن ينفي البيانات التي أذيعت باسمه وينتظر حتى تستطع شمس الحقيقة ، وهو يأمل في أن براءة الإخوان المسلمين سوف تثبت بمشيئة الله.

وبعث الشيخ البنا إلى وزير خارجية مصر أحمد خشبه باشا والى عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية مشيرا إلى البيانات التي أتهم فيها سيف الإسلام عبد الله الإخوان.

وأشار إلى عدم جدوى هذه البيانات لأنها لا تتفق مع الحقائق ، ولن تؤدي إلا إلى تعقيد الأمور.

وكان واضحا من كل محاولات الشيخ أنه يخشى أن تنتبه مصر إلى أن الإخوان دبروا ثورة مما يفسر على أنهم قد يدبرون انقلابا آخر في مصر.

أصبح فاروق يخشي قيام ثورة ضده ، كما حدث في اليمن ، وكان فاروق يعرف دور الإخوان في ثورة اليمن. ولابد أنه قرأ الكلمات التي بدأ بها الميثاق الوطني المقدس.

« صارت أحوال اليمن منحطة على حد بعيد بسبب الاستبداد والأنانية اللذين اشتهر بهما الإمام يحيى حميد الدين صار الغرض المطلوب من الإمامة معدوما في كل ناحية . « وكان فاروق يدرك أن الاستبداد والأنانية ليسا مقصورين على إمام اليمن يحيى حميد الدين.

كان الإخوان كما يقول الأستاذ محمود عبد الحليم « يتمنون أن تنجح الثورة ليكون للإسلام في هذا العالم دولة ولكنهم أحسوا بقوى الشر تتكالب عليهم وتجمع شتاتها لتفترسهم ».

هوامش الفصل الرابع

( 1 ) Macro – yemen and the western world – Land – 1968 – pp. 78- 79

( 2 ) F.o. 371 – 68335.xe – 109575. ( topsecret ) No.6 – Report – Form Governrs office of Aden signed : R.S chamion – Dated : g.2.1948

( 3 ) محسن محمد –من قتل حسن البنا- ص222وما بعدها.

( 4 )جريدة الإخوان المسلمون- 19 يناير 1948.

( 5 ) أحمد الشامي –رياح التغير في اليمن- ص 219.

( 6 ) F.o.371 68335.XC 109575. ( secret ) No. 9. File S. 215 Form Governer,s Office. Aden. Dated : 11th lieb. 1948.

( 7 ) جريدة الإخوان المسلمون- 18/ 2/ 1948.

( 8 ) كان الرئيس ( النقيب ) جمال جميل من بين أعضاء البعثة العسكرية العراقية التي وصلت على صنعاء في عام 1940 برئاسة إسماعيل صفوت ، وأنه قد تخلف عن العودة إلى بغداد ، بقى الرئيس جمال جميل يعمل أستاذا في المدرسة الحرية ، كما كان يتبرع بإعطاء ، بعض شباب المدرستين العلمية والثانوية دروسا في اللغة الإنجليزية والحساب والهندسة وبرز في المجتمع اليمني شخصية محبوبة ومحترمة ، وتزوج بسيدة فاضلة من فتيات صنعاء وفي بداية عام 1948 رقى إلى رتبة ( عقيد ) وأصبح مستشار الجيش اليمني- وكان في نفس الوقت على صلة قوية بشباب الضباط الذين تلقنوا التعليم العسكري في الكلية الحربية في بغداد ومنحا نزل « الورتلاني » بصنعاء ضيفا على الحكومة ، كان الرئيس جمال قد أصبح من الشخصيات المدينة المرموقين ، وكأنه أحد زعماء اليمن.

( 9 ) علوي عبد الله طاهر- الصحافة اليمنية قبل الثورة.

( 10 ) مصطفى الشكعه –مغامرات مصري في مجاهل اليمن ، ص 164.

( 11 ) جريدة الإخوان المسلمون ، 21/2/ 1948.

( 12 ) مذكرات عبد الطيف البغدادي –الجزء الأول ، ص68.

( 13 ) وعندما اشتدت الأزمة أرسل عبد الله الوزير قائده الثورة إلى الملك عبد العزيز آل سعود برسالة منه المساعدة والعون بينما كان الملك السعودي حينها يقف بكل قوة ضد الثورة وبها حال دون وصول بعثة الجامعة العربية على صنعاء وتأييد الثورة وقد كان نص البرقية التي بعثها ابن الوزير كالتالي :

إلى صاحب الجلالة الأخ الكريم عبد العزيز آل سعود حفظكم الله ، بعد تقديم التحيات الإسلامية لجلالتكم أتمنى الصحة والعافية لكم وصلت برقيتكم وكنا نعتقد أن تكون عنايتكم بشقيقتكم اليمن فوق ذلك لاسيما في مثل هذه الظروف الدقيقة وفي هذا العهد الذي يريد أن يعزز كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح خاليا من كل حقد وتخويف ، فلقد أبلغنا جلالتكم من أول وقت والمؤمن محمول على الصدق فضلا عن خواص المؤمنين أبلغناكم أن عقلاء الشعب اليماني على اختلاف طبائعهم مجمعون على بيعتنا تحت نظام إسلامي شوري أقسم الجميع على احترامه وأشرنا في تبليغنا إلى ما تنطوي عليه طباع البدو الذين قال الله في مثلهم ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا ) في ميلهم للنهب والفوضى وجلالتكم أعرف بطباعهم فالبدو لا يخافون إلا الطائرات القاذفة والدبابات المصفحة وطلبنا منكم ذلك في حينه وللأهمية ، ويعتقد البدو أ ، العاصمة مليئة بالأموال فشرهم كله متجه إليها وإلى ضواحيها وما عدا ذلك من أنحاء القطر فهو في غاية الهدوء والسكينة ولكن نحشى أن تسري إليه العدوى ونخشى أن يكون ذلك فرصة للأجانب. فنؤكد أنه ليس ي اليمن من يقاتل على الحكم البتة كما أكد بنفسه وفد الجامعة العربية التمهيدي ولكن فيه اضطربات لقطاع الطرق الذين قال تعالى فيهم : ( ويسعون في الأرض فسادا ) وأنتم أعرف بجزائهم في القرين والآن نعود مرة أخرى فنطلب من جلالتكم أن تنجدونا بكمية من قاذفات القنابل مع كمية أخرى من الدبابات في أسرع وقت لأن كل دقيقة تمر دون تأديب تشجع على الفوضى وأننا نطلب منكم ذلك في سرعة وإلحاح وليس باسم الملك والحكم أن شئتم ولكن باسم المحافظة على الأمن فقط ولكن الحكم العادل بعد تأديب اللصوص ولمس الحقائق كما ترون أنتم والجامعة العربية.

( 14 ) مصطفى الشكعة –مغامرات مصري ، ص173.

( 15 ) نفس المصدر –ص177.

الفصل الخامس : عبد الناصر والتدخل في اليمن 1962

وقع انقلاب عسكري في اليمن 26/ 9/ 1962 أطاح بنظام الإمامة وفي 28/ 9/ 1962 اعترف جمال عبد الناصر بالنظام الجديد وفي اليوم التالي أصدرت مصر بيانا حذرت فيه القوى الأجنبية من التدخل ضد نظام الحكم الجديد في اليمن.

وقد طلب العميد عبد الله السلال ( 1 ) قائد ثورة اليمن مساعدة مصر العسكرية والسياسية فقرر عبد الناصر التدخل المباشر لمساندة ثورة اليمن وقد اتخذ عبد الناصر قراره في 27 سبتمبر 1962 وقررت مصر تقديم دعم سريع للثورة يتكون من كتائب صاعقة وسرب طائرات معادلة لقذف قنابل وصواريخ واستطلاع جوي فقد اعتقد جمال عبد الناصر أن قرار التدخل العسكري السريع في اليمن يمكن أن يمنع احتمالات التدخل المضاد.

ويذكر محمد حسنين هيكل في كتابه عبد الناصر والعالم ص47 –أن عبد الناصر ذكر للثائر الشيوعي جييفارا في نقاش معه سنة 1965 أنه وجد نفسه يهب لمساعدة الثورة اليمنية عندما نشبت « ومع أنني تلقيت من التقارير ما يفيد أن الوضع هناك غير صالح للثورة فقد قلت مثلك إنه مجرد أن الثورة قامت فإن ذلك يؤلف عنصرا وضعيا في حد ذاته وبالتالي يجب مساعدتها » .

ويذكر صلاح نصر –من أن اليمن كانت بالنسبة لنا مجاهل لا تعرف معالمها كما يؤكد صلاح الحديدي مدير المخابرات الحربية وقتئذ أن مصر لم تتوافر لها أية معلومات عن اليمن من أي نوع لا جغرافية ولا اقتصادية ولا اجتماعية ولا سياسية غير التي قدمت إليها في تلك الفترة من مصادر يمنية ».

ولكن عبد الناصر وجد في التدخل العسكري في اليمن عملا يستعيد به توازنه ويرد عليه اعتباره بعد الانفصال فعبد الناصر كان يعاني من نتائج انفصال سوريا الذي سدد ضربة عنيفة إلى وضع القيادة المصرية العالم العربي ( 2 ) ودفعته طموحاته الجامحة إلى محاولة ابتلاع اليمن بأسرع مما يستطيع فأطماعه لم تتوقف أبدا لأنه كان يأمل في أن يحقق له سوء قصده بعض المزايا نذهب لليمن دون أن تكون لديه فكرة واضحة عما كان يجرى داخلها واعتمد على إستراتيجية لم ترتكز على حقائق عقلية وفقد صوابه تماما –كما سنرى- عندما استفحل القتال عام 1963 .

وفي ذلك الوقت اتفقت المملكة العربية السعودية مع المملكة الأردنية الهاشمية على معارضة النظام الجديد في اليمن كما أعلنت السعودية قبول الإمام البدر لاجئا في أراضيها وصرحت بتصميمها القاطع على مساعدة الإمام البدر في استرداد الإمامة فقد اعتقدت أن عبد الناصر يسعى إلى الحصول على موطئ قدم في شبه الجزيرة العربة يطيح منه بالحكم السعودي.

أما عن الملك حسين فقد كان مناوئا لجمال عبد الناصر وأرسل ستين ضابطا أردنيا لمساعدة الإمام البدر وأنشأت السعودية و الأردن قيادة عسكرية مشتركة انتقلت إلى منطقة نجران في جنوب السعودية فاتخذت القيادة المصرية قرار إرسال قوة عسكرية متكاملة إلى اليمن للدفاع عن الثورة.

وعلى المستوى الدولي فقد اعترفت الولايات المتحدة في 19/ 12/ 62 بالنظام الجمهوري ولكنها عارضت التدخل المصري العسكري في اليمن والتزمت بالدفاع عن السعودية أما بريطانيا فقد أعلنت في فبراير 1963 عدم الاعتراف بالنظام الجمهوري وقدمت مساعدات عسكرية لصالح الإمام البدر وأتباعه. واعترف الاتحاد السوفيتي بالجمهورية اليمنية في 1/ 10/ 1962 ولم يعطوا تأييدهم الصريح لجمال عبد الناصر بالتدخل في اليمن وقدم الروس مساعدات للثورة اليمنية وقد هدف السوفيت من تأييد ثورة اليمن استبعاد السيطرة والنفوذ الغربيين من الشرق الأوسط ( 3 ).

وعلى الجانب الآخر توقع عبد الناصر أن مهمة قواته في اليمن ستنتهي في فترة زمنية محددة وكان من الخطط استخدام لواءين من المشاة في تحقيق هذه المهمة لذا تم دفع لواء مشاه في 28/ 10/ 1962 ثم تبعه لواء مشاه آخر.

ويذكر العريف محمد فوزي في مذكراته أن جمال عبد الناصر قد عين أنور السادات مسئولا سياسيا عن اليمن لتخطيط ودراسة المساعدات السياسية والعسكرية العاجلة لدعم ثورة اليمن وذلك لضعف المعلومات لدى عبد الناصر عن اليمن وضم إليه الدكتور البيضاني والقاضي الزبيري كما عين أعضاء عسكريين يمثلون القيادة العسكرية العليا وهم العميد علي عبد الخبير والعميد طيار مهندي نوح ومقدم من الصاعقة وتوجه أعضاء هذه اللجنة فورا إلى اليمن وعادوا باقتراحات عسكرية أساسها دعم سريع بكتائب صاعقة وسرب طائرات معاونة واستطلاع جوي ويقول العريف فوزي أن عدد أفراد هذه القوة لا يزيد عن ألف فرد وأن مهمتها ستنتهي في خلال ثلاثة أشهر ».

ولكن نلاحظ أن هذه التقديرات قد تغيرت على أرض الواقع ( 4 ) شيئا فشيئا فأصبحت اليمن « فيتنام » عبد الناصر فقد أشار السادات فيما بعد بتوسيع حجم العمليات العسكرية المصرية في اليمن فحمله عبد الناصر بعد ذلك مسئولية هذه « الورطة » ... لكن الحقيقة أن عبد الناصر هو المسئول الأول عن قرار التدخل في اليمن فقد كان له دور محوريا في صنع القرار في كل المجالات وبخاصة السياسية الخارجية وقد أكد هذه الدور دستور 56 ، 58 ، 64 وأن المؤسسات الأخرى ( مجلس الأمن والاتحاد الاشتراكي –مجلس الرياسة- مجلس الوزارة- وزارة الخارجية ) كانت هامشية فاقدة التأثير غائبة دائما وأن عبد الناصر هو الذي يحدد مدى مشاركتها لذا كانت عملية صنع القرار بين يدي عبد الناصر تخضع لفكرة وإرادته وأصبحت للمؤسسة العسكرية مهمة التنفيذ سواء في الداخل أو الخارج.

وفي خطاب عبد الناصر يوم 23/ 12/ 1962 فسر تطور حجم القوات المصرية في اليمن حينما قال : « يوم 5 أكتوبر كان لنا مائة صف ضابط وعسكري بس اللي بعتناهم يوم 9 أكتوبر بقوا 500 يوم 16 أكتوبر ألفين يوم 10 أكتوبر بعنا أول قوة من سلاح الطيران طيارتين وقعدنا تقريبا لغاية آخر أكتوبر طبعا بعتنا قوات ثانية » ( 5 ).

وقد تغير إدراك القيادة المصرية للموقف اليمن بعد زيارة عبد الحكيم عامر الثانية لليمن 15/ 2/ 1962 –الزيارة الأولى في أكتوبر 1962- فقد أدرك عبد الناصر أن المعركة ليست قصيرة وأن حجم القوات المصرية محدودا وأوضح محمد حسنين هيكل بأنه ليس صحيحا « أن نتصور العملية كلها وقد أوشكت على نهايتها وأقرب شيء إلى الحقيقة أن يقال الآن أن قواتنا في اليمن أحرزت نصرا كبيرا بخسائر قليلة لكنه ما زال هناك الآن من يحاولون تغيير الميزان يسرقون النصر لو استطاعوا فإذا عجزوا فعلى الأقل يرفعون تكاليفه لكي لا يكون ما حدث في اليمن قابلا للتكرار في غير اليمن وإذن فإن الذي انتهى في اليمن هو فصل ويوشك فصل جديد أن يبدأ حواره الآن ».

فعمل عبد الحكيم عامر أن يصل حجم القوات المصرية إلى عشرين ألف مقاتل ووصلت أول التعزيزات في فبراير 1963 ولم يؤدي ذلك أيضًا إلى إحراز نصر نهائي.

وفي الفترة من 23/ 4 إلى 29/ 4/ 1964 زار عبد الناصر اليمن وسعى إلى مصالحة القوى المتصارعة داخل النظام الجمهوري وفي أعقاب هذه الزيارة تدفقت القوات المصرية إلى اليمن حتى وصل عددها في أغسطس 1965 إلى سبعين ألف مقاتل إلا أن ذلك أيضًا لم يؤدي انتصار حاسم.

وقد كان عبد الناصر على علم بموقف القوات في اليمن فقد سبق أحيط علما بالوضع في اليمن عندما تقابل مع الفريق أنور القاضي –قائد القوات المصرية في اليمن- في نهاية مايو 1963 حيث شرح لعبد الناصر الصورة الحقيقية للموقف هناك واقترح سحب القوات المصرية من اليمن بأسرع ما يمكن لتدهور الموقف اليمني في السيطرة على القبائل ولكن عبد الناصر قال له كما ذكر الفريق القاضي في حديثه لمجلة آخر ساعة 8 يونيو 1988- « الانسحاب بقواتنا مش ممكن فمعنى كده انهيار ثورة اليمن .. والعملية سياسية أكثر منها عسكرية أنا باعتبر إننا وجهنا ضربة مضادة لضربة الانفصال في سوريا ولا يمكن أن تترك اليمن ».

ووصف الفريق عبد المحسن مرتجى قائد القوات المصرية في اليمن –بعد الفريق أنور القاضي- جمال عبد الناصر بأنه لم يكن يهتم سوى ( بشكله وهيبته ) فقط أمام الدول العربية حتى لو كان على حساب الدولة وأكد في حديثه مع إبراهيم حجازي 22/ 4/ 2008 ( الرياضة والناس ) أنه أثناء حرب اليمن « عبد الناصر كان يرسل أموالا من خزانة الدولة حتى ندفعها للقبائل اليمنية وعندما طالبنا بالانسحاب من اليمن لأن الخسائر أصحبت كبيرة قال : « مش ممكن ننسحب our prestige هيضيع » وقال عبد الناصر على المستوى الإنساني كان رجلاً محترما لكنه كان لا يسمع سوى صوته فقط.

ونلاحظ مما سبق أن عبد الناصر قبل نكسة يونيو بأيام صرح –بعد تدفق القوات المصرية إلى سيناء- بأنها عملية سياسة ورفض توجيه الضربة الأولى لإسرائيل.. وفي موقف اليمن أيضًا يذكر أن العملية سياسية وبرستيج –فمتى كانت إذن العملية عسكرية؟

ويتضح مما سبق مدى ديكتاتورية عبد الناصر واستبداده بالرأي على حساب مصلحة الوطن وفي سبيل تحقيق هدف شخصي هو توجيهه ضربة مضادة لضربة الانفصال في سوريا التي تركت جرحا عميقا في هيبته الشخصية وهذا يتفق مع شخصية عبد الناصر التي كانت تغالي في تقدير قيمتها وتعتقد اعتقادا راسخا في تميزها وتفردها وتعتبر أي اعتراض أو مساس سلبي بسياستها أو أهدافها مساسا بكبريائها وكرامته مما يستوجب مواجهته بعنف.

لقد خاب ظن شعب اليمن في زعامةعبد الناصر وسيطرته فبعد اجتماع لكبار شيوخ القبائل في مارس 1965 –قبائل حاشد وبكيل في لحظة وئام نادرة وأصدروا إنذارا نهائياً مشتركا طالبوا فيه بانسحاب القوات العسكرية المصرية واعدين بأنه لم تتخذ ضدها أية إجراءات إذا ما تم ذلك.

وشعر كثير من القادة الجمهوريين بفداحة تأييد السلال الذي كان ألعوبة في يد عبد الناصر فعملوا على إنقاذ بلادهم وكانوا يميلون إلى قيام اليمنيين أنفسهم بالتفاوض فيما بينهم بشأن التوصل إلى تسوية سلمية وقد بدأت تظهر قوة ثالثة وبدأت تكسب تأييد ليس فقط في صفوف مثقفي الثورة ولكن كذلك بين صفوف القبائل سواء بسواء.

وفي يناير 1965 غادر محمود الزبيري الذي بدا يمثل رمز القوى الثالثة وذهب إلى الجبال في الشمال في منطقة برط حيث شكل تنظيما سياسياً عرف باسم « حرب الله » وكان ذلك التنظيم يهدف إلى العمل من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للحرب وجذب الكثير من الجمهوريين المنشقين وقد هاجم الزبيري الفساد المستمر والعجز العام في الأمن في ظل نظام السلال ورأى أن الحكومة خاضعة لعبد الناصر وقواته كما أفزعه كذلك أن الإصلاحات الموعودة غالباً لم تكن توضع موضع التنفيذ وكان هدف الزبيري الرئيسي هو أن يشكل ويحتفظ بوجود حزب « وسط » وقد لقيت فكرته قدر كبير من النجاح وأصدر صورا رمزية طبيعية تمثل الشعب اليمني على هيئة حمامة تهجم عليها حيتان إحداهما تمثل مصر والأخرى تمثل بطانة السلال. وقد واصل الزبيري نشاطه المكثف من أجل إنقاذ اليمن وفي أول إبريل جرى اغتيال الزبيري في شمال شرقي اليمن وكان في طريقه للاجتماع بالملك فيصل في مكة ومن المؤكد أن عبد الناصر وأجهزته وراء هذه الجريمة عندما زار عبد الناصر اليمن في الفترة من 23- 29 إبريل 1964 عرض على القادة اليمنيين مشروع دستور لم يتضمن أن الشريعة المصدر الوحيد للتشريع فاعترض الزبيري ووقف في وجه عبد الناصر بقوة ثم استقال من الوزارة ومنذ هذا الموقف والزبيري مراقب من أجهزة عبد الناصر الأمنية باليمن وحينما سعى الزبيري إلى تشكيل القوة الثالثة أو حزب الوسط حسم عبد الناصر أمره وقرر التخلص من الزبيري. وقد أثار الاغتيال موجة عالية من السخط ضد كل من عبد الناصر والسلال. وهددت كل من قبائل حاشد وبكبيل وغيرهما من القبائل الأخرى بالزحف على صنعاء في الحال ما لم يعين فوراً أحمد النعمان صديق الزبيري وهو نفسه يتبنى أفكار القوى الثالثة –رئيسا للوزارة وبعد قليل من التردد استسلم عبد الناصر والسلال أمام هذه التهديد.

وعقد رئيس الوزراء الجديد مؤتمر خمر وقدر فيه العمل على وقف الحرب وتشكيل لجنة للقيام بإجراء اتصالات مع الملكيين كما تقرر كذلك أن يحل الجيش اليمني -11 ألف مقاتل- محل القوات المصرية بالتدريج.

وفي 8 مايو 1966 تم إعلان دستور مؤقت قلص المزيد من سلطات السلال ودعا إلى تشكيل مجلس شورى يتكون من 99 عضوا واتبع النعمان طريقاً مستقلاً مما أغضب السلال و عبد الناصر منه وقدمت حكومة النعمان مقترحات لعبد الناصر وغيره من القادة العرب لحل المشكلة اليمنية تضمنت إقامة إدارة جمهورية ملكية مشتركة تحت قيادة قائد محايد يحكم البلاد إلى أن يتم تقدير رغبات الشعب من خلال استفتاء شعبي واستبدال القوات المصرية بقوة عربية مشتركة وكذلك إقامة صندوق دعم عربي مشترك لتحويل إعادة بناء الاقتصاد اليمني وقام أحمد النعمان بزيارة الملك فيصل وأجرى معه محادثات مثمرة ولكن كل ذلك توقف بعد أن قام عبد الناصر والسلال بالإطاحة بحكومة النعمان الذي قدم استقالته.

وطوال المدة التي شغلها أحمد نعمان كرئيس للوزارة فإن العلاقات بينه وبين السلال كانت قد توترت بشكل خطير كما أن النعمان كان قد أغضب عبد الناصر عندما طالب بسحب القوات المصرية من اليمن وكذلك بإقامة علاقات مع سوريا رغماً عن أنف عبد الناصر وتشكيل حزب سياسي لا يقع تحت رعاية المصريين وكذلك سعى النعمان إلى مصالحة القبائل والملكيين وهو ما أغضب عبد الناصر بشده الذي كان يسعى إلى انتصار شامل تحقيقا لمجده الشخصي.

وقد أحدثت استقالة النعمان زلزلة كبيرة في الدوائر الجمهورية اليمنية لأنه كان يحظى بتأييد واسع لشخصه وفي 6 يوليو 1965 قام السلال بتشكيل الحكومة برئاسته وألقى القبض على ما يزيد عن أربعين من مؤيدي النعمان ولم يستمر السلال طويلاً فقد استدعاه عبد الناصر للقاهرة وأمره يترك الوزارة لشخصية أخرى وفي 18 يوليه عاد السلال إلى اليمن وكلف حسن العمري بتشكيل الوزارة وكانت استقالة النعمان ذات أثر عميق على أصحاب الاتجاه الثالث من الجمهوريين الذين كانوا يرون ضرورة سحب القوات المصرية من اليمن وأن يقوم اليمنيون أنفسهم بإحلال السلام فيما بينهم وفي 20 يوليه وصل وفد برئاسة الشيخ عبد الله الأحمر والشيخ نعمان راجح يتكون من حوالي 250 رجلاً إلى جنوب اليمن وقد بعث الشيخ عبد الله الأحمر برسائل إلى كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية طالبا منهما تأكيد انسحاب القوات المصرية من اليمن وقد توجه الوفد في 23 يوليه إلى السعودية حيث تقابل مع الملك فيصل كما تقابل الوفد مع الملكيين الذين يقودهم الأمير عبد الرحمن وأعلن في 13 أغسطس أنهما اتفقا على أن اليمن ستعرف باسم « الدولة الإسلامية » هكذا حتى يتم تجنب استخدام كل القبائل والشخصيات القيادية وسوف يطلب من الشعب اليمني أن يختار بين الإمامة كملكية دستورية وبين الجمهورية. وفي الحال استنكر السلال موقف الشيوخ الجمهوريين باعتبارهم خونة.

وفي نفس الوقت عمل عبد الناصر على تهدئة الوضع والوصول إلى وقف إطلاق النار في اليمن لتمكين قواته العسكرية من استعادة قوتها ولتستعد لاستعادة الأراضي التي كانت قد فقدتها وفي 16 أغسطس أعلن أن عبد الناصر والملك فيصل سيلتقيان في جده للتباحث بشأن اليمن وفي 18 أغسطس 1965 عقد عبد الناصر في الإسكندرية اجتماع ضم الجمهوريين البارزين وهم السلال والعمري و محسن العيني و عبد الرحمن الارياني و أحمد النعمان الذي كان يقيم بالقاهرة بعد استقالتها وفي الاجتماع هاجم عبد الناصر أحمد النعمان بشده بسبب موقفه السابق المطالب بسحب القوات المصرية من اليمن.

وقد اجتمع عبد الناصر والملك فيصل في جده خلال الفترة بين 22 إلى 24 أغسطس ووقعا اتفاقية تدعو إلى وقف لإطلاق النار في اليمن وانسحاب القوات المصرية في اليمن بحلول سبتمبر 1966 وإقامة حكومة يمنية مؤقتة والتحضير لإجراء استفتاء شعبي في نوفمبر 1966 وكذلك إنهاء الدعم العسكري السعودي للملكيين وتشكيل قوة عسكرية مشتركة من قوات مصر و السعودية لمراقبة وقف إطلاق النار وتم الاتفاق على أن يعقد مؤتمر في حرض 23 نوفمبر يضم خمسين مندوباً وممثلا عن كل الاتجاهات الوطنية اليمنية للقيام بتشكيل حكومة مؤقتة ( 6 ) وعمل الترتيبات اللازمة للفترة الانتقالية وتنظيم الاستفتاء الشعبي.

وقد رحبت الأمم المتحدة ومعظم الدول بنتائج اجتماعات جده وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي و الأردن و العراق وغيرها من الدول العربية والإسلامية وكانت سوريا هي الاستثناء الوحيد حيث كانت في ذلك الوقت تعاني بمرارة حملة « كراهية عبد الناصر » حيث اتهمت عبد الناصر بالقيام « بوأد الثورة اليمنية بخسة » وقد كان البعث السوري خلال تلك المرحلة يشكل أشد خصوم عبد الناصر خبثا وكراهية.

عموماً فبعد مؤتمر جده بدا أن حرب الأشقاء على وشك الانتهاء وأكثر من ذلك بدا أن عبد الناصر والملك فيصل تتجه علاقاتهما إلى التقارب الشديد وفي 10/ 8/ 1965 زار الملك فيصل القاهرة وقد استقبل بحفاوة بالغة وبعد أيام ألغى عبد الناصر أمر مصادرة ممتلكات أفراد الأسرة المالكية السعودية الموجودة في مصر وكان قد تم فرضها عام 1962 عندما تفجرت حرب اليمن ( 7 ).

وتم عقد مؤتمر حرض في 24/ 11/ 1965 بين الفرقاء اليمنيين وبمشاركة مصرية سعودية وانتهت أعمال المؤتمر في 24/ 2/ 1965 ولم يتخطى اليمنيين نقاط خلافاتها الأساسية.

منذ اللحظة الأولى وجد مؤتمر حرض نفسه يسير وسط خلافات مستحكمة كبيرة. فقد وجد كل من الجانبين نفسه غير قادر حتى على الموافقة على جدول أعمال المؤتمر. وقد طالب الجمهوريون بأن تعمل أي حكومة مؤقتة داخل إطار جمهوري ووفقا لمبادئ جمهورية ، وأنه ينبغي استبعاد أعضاء الأسرة المالكية. ولم يقبل الملكيون ذلك مصرين على أن اتفاقية جدة قد نصت على أن الحكومة المؤقتة لا تكون جمهورية ولا ملكية. وطالب الملكيون بالانسحاب الفوري لقوات ج.ع.م. العسكرية ، وإجراء الاستفتاء العام بأسرع ما يمكن. وعلى حين لم يكن للجمهوريين ثمة اعتراض على الاستفتاء الشعبي؛ فقد أصروا على أن الوقت أمر ضروري لترتيب سحب القوات المصرية العسكرية.

ولم يتقدم الوفدان قيد أنملة نحو تخطي نقاط الخلاف الرئيسية هذه ، فكان على مؤتمر حرض أن يوقف أعماله في 24 ديسمبر ،وهو بداية حلول شهر رمضان المبارك. ووافق كل من الفريقين على أن يعاودوا الاجتماع ثانية في 20 فبراير 1966. وخلال الفترة المؤقتة هذه تظل الهدنة عند المواقع العسكري الراهنة قائمة. كما وافق الطرفان على الامتناع عن القائم بأي دعاية مضادة للطرف الآخر.

وفي الواقع فإن مؤتمر حرض لم يستأنف اجتماعاته مرة ثانية وكان التقدم الوحيد الذي تم إحرازه هو تبادل أسرى الحرب بين الفريقين وفي نفس الوقت حدث تجميع للقوات المصرية في مراكز المواصلات الرئيسة وقد تحرشت القبائل بالقوات المصرية وكبدتها خسائر فادحة وخلال شهر فبراير 1966 أصدرت بريطانيا كتابًا أبيض عن الدفاع أشارت فيه إلى أن القوات العسكرية البريطانية سوف تنسحب من عدن ومن اتحاد محميات الجنوب –الإتحاد الفدرالي لإمارات الجنوب العربية- بحلول عام 1968. وحتى تلك اللحظة فإن عبد الناصرلم يصدق مطلقاً حقيقة أن البريطانيين سوف يتخلون عن هذا الجزء من الشرق الأوسط. وقد دفع به الكتاب الأبيض إلى أن يتوقف ليعيد التفكير ويغير رأيه حول الانسحاب من اليمن.

وكان أمل التحرك لملئ الفراغ الذي سينجم عن انسحاب البريطانيين أكبر من أن يستطيع مقاومته. ولهذا فقد خرج بإستراتيجية « النفس الطويل » التي سيسحب كل قواتها بواسطتها من الأجزاء النائية من اليمن ليتم تركيزها داخل مثلث صنعاء –الحديدة – تعز.

ودفاعا عن إستراتيجيته الخاصة « بالنفس الطويل » وسحب كل فصائله المنعزلة وتجميعها في مواقع يسهل السيطرة عليها ، أعلن عبد الناصر أن اتفاقية جدة لم تسفر عن النتائج التي كان يتوقعها.و لهذا فإنه لا يستطيع أن يتخلى عن الثورة اليمنية. وأكد أنه سيظل يدعمها حتى تستطيع الدفاع عن نفسها ، حتى ولو –كما أعلن- تطلب ذلك البقاء في اليمن لمدة خمس سنوات أخرى. وقدر لإستراتيجية النفس الطويل أن تقلل من كل من نفقات وحجم القوات المصرية وكان المشير عبد الحكيم عامر يشيد دائماً بسياسة النفس الطويل وهكذا نقض عبد الناصر اتفاقية جده وفي 13 أبريل أطلق الرصاص على عبد الله الإرياني –الوزير الجمهوري للحكم المحلي ، وهو شقيق عبد الرحمن الإرياني الذي كان وقتئذاك نائباً لرئيس الوزراء- فأرداه قتيلا ، وتم ذلك بواسطة قاتل انتحر بعد ذلك. كما جرح المقدم أحمد الرحومي –وزير المالية- في نفس الحادث. وكان القاتل هو عبد الوهاب الوشلي –الصحفي- الذي تأثر بدعايات صينية ، وكتب العديد من المقالات يستنكر فيها الاتحاد السوفيتي لسياسته الرامية إلى التعايش السلمي. وقد احتج عليها السفير السوفيتي في صنعاء ، وقبض على الوشلي بأمر من عبد الرحمن الأرياني الذي كان يقوم مقام رئيس الوزراء عندما كان حسن العمري في الخارج يقوم بزيارة للقاهرة. وقد سمح حاكم السجن للوشلي بناء على كلمة شرف منه بزيارة عائلته.

وكان ينظر إلى حسن العمري دائماً على أنه مشايع لمصر ويميل إلى عبد الناصر ، غير أنه الآن قد ضاق ذرعا من مصر ومن استمرار إشرافها على شئون اليمن المالية الداخلية ، وكذلك كل المساعدات الخارجية. فقد طلب بعضاً من العربات المدرعة من جمهورية ألمانيا الديمقراطية لم تكن مصر من الحصول عليها. وقد منحه اغتيال عبد الله الإرياني تبريرا لإعادة تشكيل حكومته في 18 إبريل مضمنا إياها المؤيدين للخط اليمني المستقل من حسن مكي ، و حسين ضافاي و يحيى منصور ، كما أصبح حمود الجائفي –الآن كذلك من أصحاب وجهاً النظر المستقلة- وزيرا للدفاع.

وقد استمر اتجاه عبد الناصر المتجبر في الشئون اليمنية مؤديا إلى نشر السخط. وفي مايو 1966 وخلال زيارة مستر كوسيجن رئيس الوزراء السوفيتي للقاهرة –حاول عبد الناصر أن يمنع حسن العمري من مقابلته. ولكن رئيس الوزراء السوفيتي أصر على الاجتماع بالعمري وعرض عليه أن يسلح ويجهز جيشا يمنيا تبلغ قوته 18 ألف مقاتل ، مصرحا له بأن ألمانيا الديمقراطية ستقوم بإرسال التجهيزات اللازمة. وقد اعترض عبد الناصر على ذلك بحذر ، وقد طلب إليه كذلك رئيس الوزارة اليمني الإفراج عن الأرصدة اليمنية المتحفظ عليها في بنوك القاهرة فرفض عبد الناصر ، ذلك لأن حسن العمري ووزراءه كانوا قد بدؤوا يضيقون بشكل واضح بمثل تلك القيود.

وقد بدأت علاقة الصداقة والتقارب الودي التي أقيمت بين عبد الناصر والملك فيصل منذ لقاء مؤتمر جدة في أغسطس 1965 تتضاءل. ولما كان واضحاً للعيان مدى إخفاق موتمر حرض فقد بدأت العداوة ثانية تحتدم علناً. فخلال إستراتيجيته الخاصة بالنفس الطويل والانسحاب التدريجي وعلى مراحل حذر عبد الناصر في الثاني والعشرين من مارس من أنه إذا ما تحرك أي فريق من الملكيين عبر الحدود السعودية إلى اليمن فإن القواعد الموجودة في كل من جيزان ونجران ستقصف بالقنابل. وقد أسفرت تلك التهديدات عن قيام الملك فيصل بتعزيز دفاعاته الجوية ، وأعلن في أول مايو أن اثنتي عشرة طائرة نفاثة من طراز هوكر هنتر قد طلبت من بريطانيا. كما أذيع أن عقدًا تم توقيعه من شركة بريطانية للقيام بإنشاء مطار جوي. يقع بالقرب من الحدود اليمنية مباشرة في المنطقة الساحلية. وفي نفس اليوم هدد عبد الناصر باحتلال كل جيزان ونجران زاعما أنهما يشكلان معاقل للتسلل.

وفي الرابع من مايو أصدرت حكومة الجمهورية بلاغا تدعي فيه ملكيتها للجزء الجنوبي الغربي من ولاية عسير بما فيها جيزان ونجران.

وخلال شهر يوليه تم اقتراح خطة سلام من جانب الجمهوريين « المعتدلين » للتوصل إلى تسوية مباشرة بين الملكيين والجمهوريين دون الرجوع إلى كل من مصر و السعودية. واقترح ضرورة إقامة « مجلس أعلى الدولة » يضم أحمد النعمان و عبد الرحمن الارياني و محمد الشامي –وزير الخارجية الملكي في المنفى. ونشأ هيئة استشارية ( مجلس شورى ) تتكون من تسعة وتسعين عضوا تقوم بحكم البلاد لمدة عام يجري في نهايته استفتاء عام وبدا أن ذلك الاقتراح يحظى بتأييد معقول داخل اليمن الجمهورية ، ومع أن الاتصالات السابقة التي جرت مع الملكيين لم تقم على هذا الأساس ، إلا أن ذلك كان كافيا لإثارة قلق عبد الناصر. حيث لم تكن لديه النية كي ينحى جانبا ، فاتخذ إجراءات لوأد هذه المقترحات بحزم عن طريق إرسال السلال –الذي كان يعد أسيره في القاهرة لعدة شهور- إلى اليمن كي يستعيد عبد الناصر السيطرة السياسية مرة ثانية.

وخلال غيبته عن اليمن احتفظ السلال بمنصب رئيس الجمهورية ، ولو أن حسن العمري هو الذي كن يحكم البلاد. ولكن عبد الناصر قد أصبح غير مقتنع تماماً بسياسة حسن العمري متزايدة الاستقلال ، التي وضعته في تعاطف –بل ربما تحالف- مع مثل هؤلاء الجمهوريين « المعتدلين » من أمثال أحمد النعمان و عبد الرحمن الأرياني. ولم يكن حسن العمري حريصا بالمرة على عودة السلال كي يمارس بنفسه سلطة الرئاسة ومهامها ، فاحتج لدى عبد الناصر غير أن ذلك كان بغير جدوى. ولهذا فقد كان لحسن العمري حساسية شديدة تجاه ذلك. ولهذا فإنه بناء على أوامر منه ظل جنود الجمهورية يحرسون مطاري صنعاء وتعز يومي 11 ، 12 أغسطس للقبض على رئيس الجمهورية فور وصوله. كما أن الحرب تحركوا نحو محطة الإذاعة اليمنية والقصر الجمهوري للحيلولة دون وقوع ما من شأنه أن يجلب التأييد للسلال.

وقد مورس ضغط كبير على حسن العمري من جانب سفير مصر فاضطر إلى سحب قواته وإلغاء أوامره. وكان السلال قادراً –حتى بعد مرور عام على تغيبه خارج البلاد- على أن يهبط على أرض اليمن ويتوجه إلى جناحه في القصر الجمهوري. وقد أثارت عودته في الحال اندلاع أزمة بين مؤيديه –الذين كانوا يشايعون عبد الناصر أساسا إلى أبعد حد وكذلك مصر – وبين الجمهوريين « المعتدلين » الذين يترأسهم الآن صراحة حسن العمري. وفي السابع عشر من أغسطس تم إرسال رسالة إلى عبد الناصر بواسطة مجموعة من المشايخ الجمهوريين يتهمونه بالتدخل في شئون اليمن الداخلية ومحاولة فرض السلال على الشعب اليمني بالقوة. كما طالبت الرسالة كذلك بسحب قوات الحملة العسكرية المصرية من اليمن.

وكانت المشاعر ضد عودة السلال قد بلغت إلى حد أن وفدا من الجمهوريين البارزين –برئاسة حسن العمري- ذهب إلى القاهرة في التاسع من سبتمبر للاحتجاج لدى عبد الناصر ، وطلب ضرورة نفي السلال خارج اليمن إلى الأبد. وقد ضم ذلك حسن مكي و حمود الجائفي و أحمد نعمان ورئيس هيئة الأركان اليمني وغيرهم من كبار ضابط الجيش اليمني. وفي السادس عشر من سبتمبر ألقى البوليس الحربي للجمهورية العربية في القاهرة القبض على الأعضاء البارزين في الوفد. وقد تم الإفراج عن عبد الرحمن الأريانيو حمود الجائفي بعد استجوابهم ، وظل التحفظ على أربع وعشرين عضوا من أعضاء الوفد البالغ عدده ستين عضوا في السجن الحربي واحتفظ بالآخرين تحت المراقبة الصارمة. وتعرضوا لمعاملة مهينة من شمس بدران وقد انضم للمعتقلين رئيس هيئة الأركان اليمني.

كان ذلك نوعا من فرض « الأمر الواقع « -الطريف- من جانب عبد الناصر نيابة عن السلال. كما كان أمرا مسرفا حقا من جانب راديو صنعاء أن يعلن في نفس ذلك اليوم أن السلال وافق على قبول استقالة حسن العمري وحكومته ومجلسه الجمهوري. وبعد ذلك بيومين تقلد السلال بنفسه رئاسة الوزارة وشكل حكومة جديدة موالية تماما لعبد الناصر وتتحرك بأمره وفي نفس اليوم -18 أغسطس- أجرى السلال تغييرات في بعض وظائف الجيش الكبرى.

وقد استبعد السلال العشرات من ضباط الجيش اليمين وقام بحركة تطهير واسعة داخل الجهاز الإداري المدني وصرح السلال في الثلاثين من سبتمبر –الآن وبضجة شديدة بعد أن قد تم التحفظ على هؤلاء الذين لم يكونوا على تعاطف كامل مع أهداف ج.ع.م. في القاهرة –بأن بعض الوزراء السابقين في حكومة العمري قد تلقوا أموالا من كل من الولايات المتحدة الأمريكية و العربية السعودية ، وتعاونوا مع هذين البلدين ضد مصر وأعلن أنه ستجري محاكمتهم بتهمة الخيانة ، ولكن فيما بعد وفي 14 نوفمبر تناقلت الأنباء أن حكومة قد اعترضت على طلبه الخاص بتسليم المسجونين من الوزراء اليمنيين السابقين. حيث احتفظ بهم عبد الناصر كورقة رابحة رهن إشارته لمشروعاتها المستقلة وسبحت كثير من القبائل تأييدها للسلال.

وقد تسببت إجراءات السلال القمعية في دفع الكثيرين ممن لا يتعاطفون معه إلى الهرب داخل الأراضي التي انسحبت منها قوات مصر العسكرية في مطلع ذلك العام. كما هرب عدد من الوزراء السابقين وضابط الجيش ذوي الرتب المختلفة جنوبا إلى عدن طالبين حق اللجوء السياسي ، وقد زعم معظمهم أن السلال ليس سوى دمية مصرية –وهو زعم أقرب إلى الحقيقة- متعللين بأدلة واهية؛ بأنهم يحرصون فقط على تحرير اليمن من رقبة عبد الناصر وقد قدر أن ما يزيد على ألف شخص غادروا صنعاء منذ عودة السلال- انضم معظمهم فيما عدا أقلية نادرة إلى حركة مقاومة المنشقين الجمهوريين التي أصبح يشار إليها الآن علانية باعتبارها « قوة ثالثة » وكان يقود تلك القوة الشيخ عبد الله الأحمر –الذي أوى وأعان جماعة من بين أنصار حسن العمري كانوا يحاولون إقامة نظام يعارض كلا من الملكيين والسلال. وقد أصبح عبد الناصر أكثر اهتمام هذه « القوة الثالثة » التي كانت تعمل من مدينة خمر في منطقة حاشد – وتبعد ما يزيد على ستين ميلا شمال صنعاء- وأمر قواته العسكرية الأساسية باصطياد أكبر عدد ممكن من شخصياتها البارزة في حين تولت قواته الجوية قصف المنطقة بالقنابل.

وفي مقر قيادته في الرياض –بالمملكة العربية السعودية- أعلن إبراهيم الوزير –زعيم اتحاد القوى الشعبية التي يدعمها الملك فيصل – أن القتال الذي يجري في اليمن يدور حقيقة بين قوات مصرية عسكرية من جانب ، واليمنيين من جانب آخر دون نظر إلى ولاءاتهم السابقة. كما صرح بأن كل ما يطلبه الشعب اليمني هو تطبيق اتفاقية جدة الموقعة في أغسطس 1965 ، التي أوصت بقيام حكومة عينية مؤقتة لا تكون جمهورية أو ملكية ذلك الرأي الذي دفع إليه من جانب الملك فيصل دون أدنى شك ، الذي كان يودج أن يرى مثل تلك الحكومة اليمنية أمرا مجسدا ، وكانت تلك التصريحات صحيحة في بعض جوانبها. وفي المعسكر الملكي وجد نوع من الترهل والفوضى يعزى معظمه إلى مرض الإمام المخلوع. فبعد أن بذل جهودا مكثفة خلال الفترة التي سبقت عقد مؤتمر حرض مباشرة في استنفار البلاد ودفع القبائل لتأييد قضيته ، تراجع في إبريل 1966 وذهب إلى مدينة الطائف –بالعربية السعودية- للعلاج الطبي وظل بها.

ولم تلق جاذبية الإمام المخلوع الشخصية نجاحا حقيقيا ، وكان هناك تدهور في تأييد القبائل الزيدية على الرغم من انسحاب القوات المصرية العسكرية في ظل إستراتيجية عبد الناصر الخاصة « بالنفس الطويل » وفي حسين بالقيادة العامة لمناطق اليمن الشرقية ، في حين أن الأمير حسن حسن أصبح القائد للقطاع العربي. وأسند قرار شن هجوم إلى الأمير محمد حسين ، وهكذا بدأت الاستعدادات الملكية اللازمة.

وفي نفس الوقت –ومنذ مطلع الصيف- بدأ عبد الناصر –الذي غير مراميه تماما- في دعم قوات حملته العسكرية في اليمن إلى أن ارتفع حجمها بحلول شهر نوفمبر من 20 ألف إلى ما يربو من 60 ألف مقاتل. وفي سبتمبر ، وبعد فترة توقف دامت عدة أشهر ، استؤنفت من جديد غارات القصف الجوي ، كما استؤنف كذلك القصف الليلي باستخدام الأضواء الكاشفة في منطقة الجوف خلال شهر أكتوبر. كما أرسلت قوات مصري لتعزيز المواقع المعزولة مثل صعدة التي تسيطر عليها عناصر خفيفة من الجيش اليمني الضعيف. وكان ذلك يعني وضع حد لإستراتيجية « النفس الطويل » للبدء في انتهاج سياسة جديدة أكثر عدوانية.

وعندما أعلن عبد الناصر أنه لا يعتزم سحب قواته من اليمن ، تدهورت العلاقات بين رئيس الجمهورية العربية المتحدة وبين الملك فيصل بشكل واسع. وقد توقع الملك أن « القوة الثالثة » ستبدو قوية داخل اليمن بالقدرة الذي يمكنها من الحصول على الحكم في البلاد. وتبعا لذلك تمنع الحرب الأهلية من الاندلاع مرة أخرى.

وفي 14 أكتوبر أغارت طائرات مصرية على مدينة نجران –محدثة بعض الخسائر في الأرواح- وكذلك جيزان حيث سقطت القنابل في البحر دون إحداث أية أضرار. وتلك كانت أول غارة جوية للطيران المصري تعترف بها على المدن السعودية منذ يونيه 1963 ، وزعم بأنها وقعت نتيجة لأخطاء في التصويب. ومع ذلك فقد قرر الملك فيصل أنه منذ الآن لم يعد الوقت ملائما للاستمرار في الالتزام بسلام مع عبد الناصر –الذي لا يمكن أن تتوارى مقاصده وأهدافه العدائية أكثر من ذلك. ولربما يكون الملك قد شعر كذلك بشيء من القوة والثقة نظرا لأن قواعد صواريخ أرض- جو السبع وثلاثين من طراز ثندر بيرد ( Thunderbird ) التي زودته بها بريطانيا كان قد تم إقامتها في خميس مشيط ، كما تم تزويد سلاح الطيران السعودي بعدد من الطائرات البريطانية. وفي 2 نوفمبر صرح بأنه بينما تتقدم مفاوضات السلام ، فقد طلب من الملكين ممارسة ضبط النفس ، ولكن بالنسبة لذلك فإنهم كانوا لا يستطيعون الانتظار بشكل نهائي. واعتبر الملكيون ذلك على أنه إشارة لاستئناف نشاطهم العسكري.

فقد بدأ الملكيون يحركون أنفسهم ، وجرت سلسلة من المناوشات فوق قطاعات كبيرة من اليمن خلال شهر ديسمبر. وبغض النظر عن المناوشات بين القوات المصرية ورجال القبائل الملكية ، فقد وقعت صدامات عارضة بين القوات المصرية والقبائل الجمهورية بحثا عن القادة المنشقين.

ولقد جرت سلسلة من الانفجارات خلال شهر ديسمبر 1966 داخل المملكة العربية السعودية في المنشآت العسكرية والدوائر الحكومية والقصور الملكية وأكدت حكومة السعودية في 10 يناير 1967 أنه تم القبض على عدد من اليمنيين وقد اعترفوا بقيامهم بأعمال تخريبية تحت إشراف القيادة العسكرية المصرية في اليمن كما وضعت الشرطة السعودية يدها على آلاف المنشورات تولت طبعها منظمة تدعى « اتحاد شعب شبه الجزيرة العربية » وفي 24 يناير 1967 أذاع هذا التنظيم بيانا من راديو القاهرة زعم فيه أن المزيد من الانفجارات قد وقعت في مكاتب الحكومة السعودية وأضاف البيان أنه تجري الاستعدادات للقيام بشن حملة إرهابية ضد المستشارين البريطانيين والأمريكيين في السعودية.

وفي 17 مارس 1967 تم إعدام أحد عشر يمنيا في السعودية قد اعترفوا بارتكابهم تفجيرات بالقنابل في نجران وخميس مشيط والرياض وأنهم قد تدربوا في كل من القاهرة وتعز وأرسلوا إلى السعودية ومعهم متفجرات للقيام بأعمال القتل وتخريب الممتلكات وقد أذاع راديو القاهرة بارتياح وزهو مسئولية « اتحاد شعب شبه الجزيرة العربية » عن هذه الهجمات.

وعمل عبد الناصر على إحداث شرخ في الأسرة السعودية واستضاف الملك السابق سعود في القاهرة وأمر مرة ثانية بفرض الحراسة على الممتلكات السعودية في مصر.

وكان الطيران قد بدا من يناير قصف متقطع لأهداف داخل السعودية فتم قصف نجران بينما كان فريق من الصحفيين الغربيين يتواجد داخل المدينة وقد تواصل القصف بعد ذلك واحتجت الحكومة السعودية أمام الأمة المتحدة.

وخلال شهر ما يوم 1967 قصف الطيران المصري نجران وجيزان مخلفا خسائر في الأرواح فقد استخدمت غازات سامة والشيء المثير أنه أثناء هذه الأحداث بدء عبد الناصر يعد لمواجهة مع إسرائيل وقامت حرب 5 يونيه 1967 التي انتهت بهزيمة ساحقة لعبد الناصر.

واستمرت العمليات العسكرية المصرية في اليمن ولكن بصورة محدودة وتم تعيين قائد جديد للقوات المصرية في اليمن هو الفريق عبد القادر حسن وعزم عبد الناصر على سحب قواته وانعقد مؤتمر الخرطوم في 29/ 8/ 1967 وفي هذا المؤتمر تخلى عبد الناصر حقيقة عن اليمن ووافق على بدء سحب القوات ابتداء من 15/ 10/ 67 والوصول إلى الجلاء الكامل في 15/ 12/ 1967 وأعلن الملك فيصل دعم مصر في مواجهة إسرائيل وتخلي عبد الناصر عن المشير السلال – الذي كان ألعوبة في يد عبد الناصر – وأيد انقلاب عسكري قام ضده في 5/ 11/ 1967.

فقد أخطأ عبد الناصر في بداية الثورة عندما وقف ضد القيادات الثورية اليمنية ويصطدم بها وهي نفس القيادات التي ساندت الثور فعندما اختلفت هذه القيادات مع السلال بسبب ميله حنو الحكم المطلق تصدي لها عبد الناصر بل وصل الأمر إلى اعتقالهم في السجن الحربي بالقاهرة وهم اللواء حسن العمري والقاضي أحمد محمد النعمان والقاضي عبد الرحمن الإرياني أصبح عبد الر حمن أصبح رئيسا لليمن بعد خروجه من المعتقل في مصر. وأصبح اللواء العمري رئيسا للوزراء خلال شهر ديسمبر 1967 ويرجع موقف عبد الناصر من هذه القيادات اليمنية إلي ضيقه الشديد بالمعارضة أيا كانت وأين كانت لذلك تعددت هزائمه في حرب 1956 وحرب اليمن وحب 1967.

فقد هدف عبد الناصر إلى أن تكون اليمن دولة تابعة يحتفظ عليها بقبضة قوية قدر إمكانه مؤيدا أو منحيا أو محجزا بالقوة الساسة اليمنيين واعتقالهم لتحقيق هذا الهدف وقد سيطر على كل المساعدات الأجنبية الموجهة لليمن واستخدمها إلى أوسع حد في تحمل نفقات حملته العسكرية مقدما لليمنيين من حين لآخر قدرا ضئيلا باعتباره طعما أو منه محدودة بغرض الركوع وظل الجيش اليمني الصغير سيء التسليح والتدريب –يعاني الكثير عن عمد ولم تكن لديه الرغبة في السماح بتطويره كي يصبح قوة مقتدرة تتمتع بروح عالية لأنه في حالة ما أن أصبح مستقلا وطنيا سيشكل خطرا على خططه.

عموما فقد ترتب على القرار الكارثي بالتدخل في اليمن الآتي :

أولا : تراجعت كفاءة القوات المصرية أثناء حرب اليمن بسبب خفض مستوى التدريب ودخولها في معارك وهمية حيث استهلكت طاقة الجنود في حرب عصابات لم يألفوها وفي مسرح عمليات جبلي لم يعهدوه من قبل بالإضافة إلى الإسراف في استهلاك الأسلحة والمعدات والذخيرة وخاصة مع وصول القوات المصرية في اليمن إلى 70 ألف مقاتل.

كذلك تدني مستوى الانضباط العسكري وتفشي الانحلال بين الأفراد وانتشرت الوساطة والمحسوبية من أجل الحصول على مزايا المرتب الكبير والثروة والخدمات التي تؤدي لمن يخدم في اليمن ( 9 ) فقد كانت هناك كشوف بأسماء الضباط المصريين الذين يخدمون في اليمن وكتب أمامها ح أي تحسين حالة .

ثانيا : إهمال القيادة العليا للقوات المسلحة لمسرح العمليات الرئيسي في سيناء بل تم إقحام القوات المسلحة في حرب يونيه 1967 دون أي استعداد بل إن حالة القوات المسلحة في ذلك الوقت كما ذكر الفريق مرتجى –في الحضيض والدفاعات في سيناء لم تكن مستكملة فقد استترف مسرح اليمن ثلثي القوات العاملة النظامية المتوافرة وقتئذ.

ثالثا : مثلت حرب اليمن ضغط هائل على الاقتصاد المصري فقد ارتفع عجز الموازنة من 66.1 مليون جنيه في عام 1959/ 1960 إلى 356 مليون جنيه في عام 64/ 65 وقد أدى هذا العجز في الميزانية إلى اللجوء إلى القروض وازدادت الأحوال الاقتصادية سوء بزيادة الإنفاق ف في حرب اليمن مما أدى إلى توقف العمل بالخطة الخمسية الثانية وبدء العمل بخطط سنوية ويذكر الفريق محمد فوزي في مذكراته ص 26 أن معدل المنصرف خلال السنوات الأربع الأولى من اليمن لم يتعد 990 مليون جنيه مصري ويضيف أن الميزانية المخصصة لليمن في مصر عام 1966 هي 20.5 مليون جنيه إضافة إلى 1.3 مليون جنيه عمله صعبة أي أن مجموعه هو 21.8 مليون جنيه وهي أكبر ميزانية خلال أربع سنوات.

رابعا : بلغ عدد القتلى من الضباط والجنود المصريين الأبرياء في أقل تقدير 15 ألف شخص بخلاف الجرحى والمشوهين والمفقودين ومات من اليمنيين ( ملكيون وجمهوريين ) 200 ألف قتيل كما تم تدمير كثير من المدن والقرى والزراعات اليمنية.


هوامش الفصل الخامس :

( 1 ) ولد المشير عبد الله يحيى السلال في 1919 في قرية شوان وتوفى والده وهو في سن الطفولة وتلقى دراسته الأولية في مكتب الأيتام بصنعاء وبعد أن أتم دراسته الثانوية سافر عام 1934 مع زملائه إلى العراق للدراسة العسكرية المتخصصة وهناك أدرك مدى التخلف الذي عليه اليمن وقد عاد إلى بلاده عام 1937 وقد انضم إلى حركة الأحرار اليمنيين.

وكان السلال أحد القادة العسكريين لثورة فبراير 1948 وقد تم القبض عليه وظل بسجن حجة سبع سنوات خرج من السجن عام 1955 وعاد إلى الخدمة وشغل عدة مواقع آخرها قائد لحرس ولي العهد محمد البدر –واصل نشاط السري وتم اختياره قائدا للضباط الأحرار وقد ثورة 26/ 9/ 1962 ضد الإمام وأصبح أول رئيس للنظام الجمهوري وهو الذي طلب تدخل جمال عبد الناصر... أرغمه جمال عبد الناصر على البقاء في القاهرة في الفترة من 1964- 1966 ثم أعاده رئيسا لليمن وقد اعترض الكثير من الجمهوريين على عودته فتم اعتقالهم بالسجن الحربي في القاهرة –وفقد أطيح به في انقلاب نوفمبر 1967 فقرر الإقامة بالقاهرة ثم عاد إلى اليمن عام 1981 وظل بها حتى توفى عام 1994.

( 2 ) عاطف السيد ، عبد الناصر وأزمة الديمقراطية ، ص150 وما بعدها.

( 3 ) نفس المرجع ، ص157.

( 4 ) ذكرت صحيفة سلاح الجو الإسرائيلي أن طيارين إسرائيليين اعترفوا بمشاركتهم في مساعدة القوات الموالية لنظام الإمام البدر أثناء تصديها للجيش المصري وإن الطيران الإسرائيلي نفذ عدداً من الطلعات الجوية -14 طلعه جوية- فوق اليمن أسقط أثناءها السلاح والعتاد للقوات الموالية للإمام البدر في عملية أعطيت اسم « صلصلة » كما كشفت الصحية أيضًا وثائق سرية عن ذلك وصور لبعض الطيارين الإسرائيليين إضافة إلى نشرها صورا لبعض من أسمتهم موالين للإمام البدر وبحوزتهم السلاح الإسرائيلي وقال المحل العسكري لصحيفة معاريف عميد رابابورت أن العملية مثيرة للغاية من ناحية العسكرية لاسيما أنها جرت على بعد 2200 كلم وفي مرحلة الستينات حيث لم تكن الطائرات متطورة كما هو اليوم.

فإسرائيل قد رأت انذاك أن قتال القوات المصرية سيهك القدرة العسكرية لنظام عبد الناصر مما قد يسهم في إنهاك الجيش المصري ويحل دون شنة حربا على إسرائيل عموماً فقد كانت العلاقة بين إسرائيل ونظام الإمام البدر تمت عبر وساطة مجموعة ضباط كوماندوز بريطانيين.

( 5 ) أحمد حمروش قصة ثورة يوليو –عبد الناصر والعرب- ص229.

( 6 ) ادجار اوبلانس.

( 7 ) جريدة الأهرام ، 11/ 8/ 1965.

( 8 ) وأغلب هؤلاء سبق هلم الانضمام لثورة 1948 ومنهم محمود الزبيري وكان معه عبد الله الأحمر.

( 9 ) أثناء حرب اليمن أثيرت قضية انحراف مكتب المشير عبد الحكيم عامر والمتهم فيها ثمانية أشخاص على رأسهم الضابط عبد المنعم أبو زيد زوج الممثلة سهير فخري و على شفيق زوج الممثلة مها صبري.. والذين اتهموا باستغلال حرب اليمن في التهريب والثراء الغير مشروع فقد وجهت إليهم تهمة اختلاس أموال أميرية قدرها 30 ألف جنيه وقد حقق معهم شمس بدران وتعرضوا لتعذيب بشع في السجن الحربي ويؤكد عبد الله إمام في كتابه ناصر وعامر...أن القضية وراءها أسباب أخرى ... ولم تكن بالطبيعة هي الثلاجات ولا بيع سيارات نصر في السوق السوداء بعد الحصول عليها بأسماء وهمية لأمهات الشهداء في حرب اليمن فقد ثبت أن ذلك وقع كثيرًا وأن كثيرًا من الفنانات حصلن على سيارات نصر من مكتب المشير بعلمه أو بدون علمه على أنهن أمهات شهداء وثبت من التحقيق أن والده الممثلة ( ب-ع ) قد حصلت على سيارة على أنها أم شهيد وكذلك والده الممثلة ( م.ص ) بل وخالها أيضًا وقد أصدر المشير عبد الحكيم عامر قرار بتشكيل مجلس عسكري برئاسة اللواء محمد أحمد صادق لمحاكمة المتهمين ومنع المحامين جميعاً من حضور القضية أو الدفاع عن المتهمين حتى لا تفوح رائحة أشياء كان لابد أن تختفي... ذكرها بالتفصيل عبد الله إمام في كتابه المذكور..

أظهرت نتائج دراسات أكاديمية متعددة أن عدد الكتب التي صدرت عن ثورة اليمن سبتمبر 1962 بلغت 132 كتابًا منها 75% وضعها يمنيين 14% من مصر وروسيا و العراق و الجزائر و الكويت وذلك من خلال 65 درا نشر واحتلت مصر المرتبة الأولى بحوالي 25كتابا.. واشترك في تأليف الكتب 993 شخصاً ما بين ضابط وصحفي وباحث وأديب وشارع وهناك ست كتب جاءت تحت عنوان واحد. ومن أبرز هذه الكتب « أسرار ووثائق الثورة » وضعه لجنة تنظيم الضباط الأحرار –دار العودة- لبنان- 1977.


الملاحق


ملحق رقم ( 1 ) : قانون كتيبة الشباب اليمني

المقدمة :

الحمد لله والصلاة والسلام على أفضل خلق الله وبعد فقد اجتمع فريق من الشباب اليمني واستعرضوا حالة بلادهم وما هي بحاجة إليه من الإصلاح وما تعانيه من التفكك والانحلال ، فلا رابطة تجمعهم ولا هيئة توحد أغراضهم وتوجه الأمة إلى ما فيه صلاحها وسعادتها حتى تستطيع أن تساير القافلة الإسلامية والعربية التي تسير نحو الرقي والنهوض بخطى ثابتة سريعة ، وحتى تعبد ما كان لها من مجد طريف وعز تلبد ، فرأوا من واجبهم الديني والوطني تأليف ( كتيبة ) من ( الشباب اليمني ) تحمل على عانقها دعوة المة والإهابة ، بها إلى النهوض واليقظة حتى تكون عضوا عاملاً في الأمة الإسلامية والوحدة العربية وتتبوا المكانة اللائقة بها بين الأمم الراقية . وقد عاهدوا الله على أن يجعلوا رائدهم الإخلاص والقيام بواجباتهم على أتم الوجوه معتمدين على الله سبحانه وتعالى واثقين.. بإعانته وتيسيره.

شعارها : الإسلام.. العرب .. الوطن

الإسلام : بنصره والاستنصار به.

العرب : بالعمل لصالحهم وتحقيق وحدتهم.

الوطن : برفع شأنه وإعزازه.


القانون :

المادة الأولى :

تألفت هذه الكتيبة في القاهرة يوم السبت 25 شعبان 1259هـ الموافق 28 سبتمبر 1940 م سميت بكتيبة الشباب اليمني وجعل مركزها الرئيسي القاهرة.


المادة الثانية : مقاصدها :

أ- بعث الأمل في نفوس الشعب اليمني ومحاربة الناس.

ب- بث روح التضحية والإخلاص والإخاء ونشر الثقة بين أفراد الأمة وشابها حتى تعود بينهم الطمأنينة. ج- تصوير ألام الشعب وما يعانيه والنظر في العلاج الناجح لإزالة تلك الآلام.

د- نشر الثقافة بين اليمنيين وإيقاظ شعورهم وتذكيرهم بماضيهم المجيد وتنبيههم إلى واجبهم في المستقبل وتزويدهم بالتعاليم الصحيحة التي تعود على الأمة بالنفع العام.

هـ- الاتصال بعظماء الشعب وغيرهم من الرجال الذين تتجلى فيهم الروح الوطنية والإخلاص للتشاور فيما يتعلق بنهضة اليمن.

و- ترغيب المقتدرين وذوي اليسار في إرسال البعثات العلمية لدراسة العلوم التي تهم معرفتها وتشتد حاجة البلاد إليها.

ز- السعي لدى الحكومة اليمانية في شد أزر هذه البعثات ومساعدتها بما لها ونفوذها.

ح- محاربة النعرات المذهبية ونبذ الخلافات والآراء التي جزت على المسلمين النكبات في معظم أدوار التاريخ.

ط- إعداد اليمن ليكون عضوا عاملاً في الجامعة العربية والإسلامية.

ي- الاتصال بالحكومة للاستعانة بها في تنفيذ أغراض الكتيبة.


المادة الثالثة : الوسائل :

الكتبية تنفذ مقاصدها بالوسائل التالية :

أ- نشر مجلة تكون لسان الكتيبة ، أو كتابًا دوريا أو نشرات.

ب- إلقاء المحاضرات في أحوال اليمن المختلفة دينية وتاريخية واجتماعية علمية.

ج- إنشاء فروع للكتيبة بداخل اليمن وخارجها بواسطة أشخاص تعتمد الهيئة عليهم وتثق بهم وبإخلاصهم وحزمهم باسم الكتيبة أو باسم هيئة أخرى جهراً.

د- إرسال وفود تفاهم للهيئة لنشر مبادئ الكتيبة وإلقاء محاضرات بلسانها باستمرار.

هـ- الاتصال بكل شاب يمني وبث روح الكتيبة فيه وإعداده إعدادا كاملاً لأن يكون عضوا في الكتيبة.


المادة الرابعة :مالية الكتيبة :

ماليتها تتكون مما يأتي :

( 1 ) الاشتراكات.

( 2 ) التبرعات العامة.

( 3 ) الربح من المجلة والنشرات.

( 4 ) الواردات من فروع الكتيبة للهيئة.


المادة الخامسة : أعضاء الكتيبة هم :

1- المشتركون : وهم الذين يدفعون اشتراكاتهم للكتيبة شهريا ويساعدونها عمليا.

2- المساعدون : وهم الذين يقدمون للكتيبة الإعانة سنوياً.

3- أعضاء الشرف : وهم الذين اشتهروا بخدماتهم الجليلة للعرب و الإسلام أو ساعدوا على تنفيذ أغراض الكتيبة.


المادة السادسة : واجبات الأعضاء:

1- يشترط في العضو أن يكون يمانيا مسلماً ومثلاً أعلى في أخلاقه وقيامه بشعاير دينه واستقامة سيرته ، ويعتبر عضوا في الكتيبة من يوم تدوين اسمه.

2- على أعضاء الكتيبة أن ينشروا مبادئها بمختلف الطرق ليعرفوا مواطنيهم بمقاصدها وأعمالها ويحببونها إليهم وأن يتشاوروا مع مواطنيه الآخرين فيما يقدمونه إلى الهيئة المركزية من التقارير عن أحوال البلاد.

3- على كل عضو ينتمي لهذه الجماعة أن يقسم يمين الإخلاص بأن يكون وفيا لمبادئ هذه الكتيبة حافظاً لأسرارها.

4- على كل عضو أن يعمل جهده في رفع قيمة الكتيبة في أنظار الشعب بتجنيه للآراء والشاذة والاصطدام بشعور الأمة.

5- على كل عضو منتسب لهذه الكتيبة يرغب في الخروج منها فهو حر في ذلك على أن يحافظ على أسرارها وإذا اتضح للهيئة المركزية أنه أفشى سراً من أسرارها فللهيئة أن تقرر التأديب للازم.


المادة السابعة : الهيئة المركزية للكتيبة :

1- الهيئة المركزية للكتيبة تتألف من وفود تختارهم الهيئة وعند إرادة ضم عضو جديد لهذه الهيئة المركزية تعقد اجتماعا للنظر في ذلك على ألا يزيد أعضاء هذه الهيئة على خمسة عشر عضوا.

2- نظراً للظروف الحاضرة ومصلحة البلاد قرروا أن تظل الكتيبة سرية إلى أن يحين الوقت لإعانها.

3- على كل فرع أن يتصل بالهيئة المركزية ويعرض عليها تقاريره ويستشيرها في كل ما يهمه على أنه لكل فرع الحرية في تنفيذ ما يرى من الضروري تعجيله بدون استشارة الهيئة.

4- تجتمع الهيئة المركزية وتتبادل الآراء وتقرر ما يجب من الأمور والمعتبر هو رأي الأغلبية.

5- الاتصال بالشباب اليماني وتزويده بالتعاليم الصحيحة التي تعود على الأمة بالخير العميم.

6- على كل فرد أن يكون مستعداً دائماً لتنفيذ رغبات الهيئة المركزية مدينا لها خاضعا لأوامرها واقفاً عند إرادتها.

المحلق رقم (2) :برنامج شباب الأمر بالمعروف

المقدمة:

ويتكون البرنامج من سبعة وثلاثين مادة ، نعيد هنا نشر مقدمتها :

« بسم الله نبتدئ كلمتنا الأولى ، في طليعتنا المقدسة ، ومبادئنا القرآنية الحكمة ، وبالصلاة والسلام على رسولنا الأعظم وحبيبنا الأكرم ، نعطر أفواهنا التي تلفظ ، ونبارك أقلامنا التي تكتب ، وباستدرار الرحمة على البيت النبوي الظاهر ، نتعرض لنوره الوهاج ، ونستهدي به سواء السبيل والطريق المستقيم ، وبعده.

فقد كان من المقدر لنا أن ننقطع للتفكير في شئوننا الدينية ، وأن نصوب أنظارنا إلى ما يجري حولنا من التطورات الاجتماعية ، والخلقية ، وأمتنا اليمنية الكريمة. وكانت أكبر صدمة لنا في أثناء هذا التفكير هو هذا الجو الصامت الذي يسود الأنحاء اليمنية بأسرها ، وهذا الهدوء الموحش الذي يخيم على عقولنا وعقائدنا ، وأوضاعنا العمرانية حتى لكأننا في ليل مستمر ، وحتى كاد اليأس يدخل إلى قلوبنا ، وحتى كدنا نرتاب في إقبال بلج الصبح لولا أن لذنا بكتاب الله ، فما أسرع ما انفتحت أبواب الأمر ففي نفوسنا عندما قرآنا قوله تعالى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ﴾.

ورجعنا نسأل أنفسنا من إله غير الله يأتينا بضياء ، لا ليس هناك أحد غير الله يأتينا بضياء ، إذا فلنضع أيدينا على هذا الشعاع القرآني الساطع لتكون لنا صلة مقدسة بنور السماوات والأرض ، ومن عملي قلبه عن ذلك فما له من نور ، وأهم ما لفت أنظارنا وأثار حسرتنا هو أننا نجد أنفسنا غافلين عن أهم أساس من أسس الإسلام وأعظم وسيلة من وسائل النشاط والتقدم ، ذلك هو واجب ( المر بالمعروف والنهي عن المنكر ) لذي هو المصدر الأكبر للتعاليم الإسلامية وهو السلاح المرهف لحماية الأخلاق والآداب ، وهو الآلة الوحيدة المسيرة لرسالات الرسل ونبوات الأنبياء ، فقد اكتفى علماؤنا بنجوى الصحائف والأوراق وترديد الألفاظ والحروف فيما بين أنفسهم تارة ، وبينهم وتلاميذهم الأقلين تارة أخرى ، أفيطمحون بهذا أن يكونوا ورثة الأنبياء الذين أوقفوا حياتهم في سبيل الدعوى والإرشاد.

ألا فلنتذكر أن الأنبياء ما كانوا أنبياء إلا لكثرة إنبائهم إلى قومهم ، وما كان الرسل إلا أنهم صلة مستجدة بين الله وبين جماهير الناس ، وأن هذه المؤلفات التي نعكف على قراءتها لن تجدي أمتنا شيئا ما لم يكن من ورائها جهودا متواصلة للوعظ والإرشاد وما لد نطبقها تطبيقا عمليا ، ونبثها نورا للعالمين.

وها نحن جماعة من طلبة العلم قد قطعنا أنفسنا عن كل ما هو بعيد عن نور القرآن الكريم والسنة النبوية ، ووضعنا شبابنا وأموالنا وحياتنا في يد الله يصنع بها ما يشاء ويوجهها حيث يريد... وقد رأينا أن اقرب القربى وأقدس الواجبات عند الله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلذلك عجلنا به إلى الله ووطنا عزائمنا مستعينين بالله ، وألصقنا بأنفسنا تسمية لم نروقها زينة لنا. ولكن ذلك عهد غليظ قطعناه على أنفسنا ، وعبأ كبير جندنا له حياتنا وخصصنا له جهودنا وبلدنا له إخلاصنا ذلك الاسم أو ذلك العهد هو ( شباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، وقد أثبتنا في برنامجنا الآتي طائفة من الواجبات التي عاهدنا الله على أدائها ، وكلها تنطوي تحت معنى ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، وهي إما شرط من شرائطه أو وسيلة من وسائله ، وقد عرضنا آرائنا الآتية في جلاء ووضوح ليستطيع جميع الناس أن يتبنوها ويدلوا بآرائهم فيها ، وليعم الجميع أنا لا نخشى كلمة الحق حينما نتعرض لنقدنا ، ولا نتألم ممن يجادلنا بكتاب الله أو بالسنة النبوية أو بأقوال الأئمة المهتدين.. ولكنا سنغضب اشد الغضب من كلمات بعض الساخرين الجهلاء الذين جبلوا على الغمز واللمز ضد كل مصطلح يحاول الإصلاح فيرمونه بالأطماع ويتهمونه بالحرص على الوظيفة أو السعي وراء الشهرة والعظمة ، يطلقون ألسنتهم في كثير من المآثم والمنكرات كأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ ، ولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهل يكب الناس على مناخرهم في قعر جهنم إلا حصائد ألسنتهم )... وأنه ليوجد نفر من الناس مع الأسف يتصورون كل عمل يقوم به مفكر أو مصلح أو واعظ من الوعاظ إنما يقوم به سعيا وراء مطامع شخصية وأهواء حقيرة ، كأن هؤلاء الوعاظ إنما يقوم به سعيا وراء مطامع شخصية وأهواء حقيرة ، كأن هؤلاء النفر سامحهم الله يعتقدون أن كتاب الله بما فيه من الجلال والنور والأوامر والنواهي ، لا يمكن أن يكون له أثر في قلوب الذين يفقهون إلا كأثر متاع حقير من متاع الدنيا ، وسنتصل بالعلماء والفضلاء كلما أمكن ونستجديهم النصح والتوجيه ونبث في الناس آرائهم العلمية حتى أننا لن نصدر رأيا من الأراء الدينية إلا بعد عرضه على طائفة منهم ، وبذلك نوجد تعاونا علميا يهدد ديننا وبلادنا فإذا لم يتعاون العلماء على توثيق العقائد الإسلامية في نفوس الشعب فإننا لا نأمن أن نصاب بدسائس المبشرين الذين يعملون بحيلهم الخبيثة تحت ستار الخفاء حيث لا يخطر على قلب بشر ماذا يصنعون ، وهناك أمر مهم يجب التنبيه إليه العناية به ، ذلك أننا في وضع يسمح لنا بإصلاح ديننا ومرافق حياتنا إلى حد لا يوجد له نظير ، ومن حسن حظنا أنه يوجد على عرض بلادنا إمام عظيم يعد في الصف الأول من أبناء الأئمة المهتدين ، وليس بالأرض بلاد مسلمة خالية من دسائس أكفار غير بلادنا ، حرة في جميع تصرفاتها الداخلية والخارجية مع توفر المال والرجال واستعداد الأمة اليمنية لقبول كل ما يتحلى به وطن عظيم في الدنيا ، ولقد ظلت بلادنا السعدية مستقلة زهاء ربع قرن ، لا يمنعها من الإصلاح ولا يحول بينها وبين التقدم حائل ، ولقد كنا نرجو ، والعالم الإسلامي يرجو أيضًا أن ننهض بأنفسنا نهضة مباركة في خلال هذه المدة الطائلة ، ولكننا تواكلنا وفررنا من الواجبات والمسئوليات ، وكل يدعى الحق على غيره ، وأننا إذا ظللنا وتمادينا في تجاهلنا ، وخلدنا إلى سكوننا ، ولم نبادر إلى إصلاح قلوبنا وإرشاد قومنا إلى العلم والنهوض ومحاربة اليأس والقنوط وإحياء العزة الدينية والوطنية بالثقافة ، والعلوم الحيوية التي هي قوام الحياة ودعائم الدين والوطنية بالثقافة ، والعلوم الحيوية التي هي قوام الحياة ودعائم الدين ، فنحشى أن يأتي يوم ، تتغير فيه ظروفنا ونفقد فيه هذا الاستقلال التام الذي نمرح في خلاله ، ونندم حيث لا تنفع الندامة ، ويكون عقاب الله شديدا لتضييع هذه الفرصة التي أتاحها الله لنا فأهدرناها و قصرنا في الواجبات الدينية والدنيوية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ ، يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم وخلافته الهاشمية العلوية فيكم ، واذكروا ما تتمتعون به من الحرية والاستقلال في دينكم وأموالكم وأنفسكم ، فإذا تذكرتم ما أنتم عليه من الحرية المطلقة ، وما في استطاعتكم من الإصلاح الديني والدنيوي ، ثم رجعتم إلى ضمائركم تجدونكم مقصرين في أداء واجباتكم التي من السهل عليكم أداؤها ، فها نحن نمد أيدينا إليكم لنتعاون في الله ونتحاب في الله ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.

لقد خصصنا أنفسنا لهذا العمل الشاق ، اللهم أنك تعلم أننا لا نريد بذلك إلا وجهك الكريم ، ولنابك غنى عن كل شيء سواك ، ومن يتوكل على الله هو حسبه وهو نعم المولى ونعم النصير ).

القائم بالأعمال

محمد محمود الزبيري

قادة ثورة 1948

الميثاق المقدس

ملحق رقم ( 3 ) إمام الشورى وقائد ثورة 1948

محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الوزير( 1302/ 1885- 1367/ 1948 )

إمام الشورى ، قائد ثورة 17 فبراير 1948/ 1367 اليمنية الدستورية ضد حكمأ حميد الدين عضو ديوان الإمام.

ولد بقرية بيت السيد درس بهجرة بيت الوزير ، ثم توجه إلى صنعاء وقرأ على العلامة على حسين سهنوب. نائب عن الإمام يحيى في التوقيع على معاهدة مع الملك عبد العزيز سنة 1353/ 1934 بالطائف.

كان يضمر الكراهية للإمام يحيى حميد الدين وأسرته ويرى أنه أجد بالإمامة منه ، بسبب سوء إدارته الأزمة السعودية اليمنية وتوقيعه على الاتفاقية البريطانية سنة 1352/ 1934 وتردي أحوال البلاد ، وبروز المطامع الإيطالية وتسلط ولي العهد.

رفض المشروع الأمريكي للتنقيب عن المعادن في اليمن الذي حمله الأمير عبد الله بن الإمام يحيى من نيويورك ، لأنه تضمن فقرة سرية تقضي بحماية العرض من قبل أمريكا في ذرية الإمام يحيى وأولاده من بعده وأيد مشروع الأمير عبد الله بن علي الوزير سنة 1366/ 1947 الذي تضمن الخروج من عزلة اليمن وإعادة تنظيم الدولة على قوائد الشريعة والاهتمام بتطوير البلاد وإخراج أموال الدولة من بيت الإمام إلى وزارة المالية الذي رفضه الإمام ولم يتورط في عملية اغتيال الإمام يحيى التي تبناها الشباب المتحمسون ، وعلى رأسهم عبد الله بن علي الوزير وكان بعد اعتقاله يحمد الله أن هيأ له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسمع وهو يتمنى الخروج من الحبس ليشعلها ثانية نارا من كل جهة.

شاركه في الثورة أفراد من الإخوان المسلمين وعدد من أحرار اليمن ، وعندما تمكن الثائرون من قتل الإمام 1367/ 1948 ورئيس وزرائه نصب إماما شرعيا وملكا دستوريا ، ولقب نفسه ( الهادي إلى الحق ) ، وألف مجلسا للشورى من ستين فقيها.

لكن ولي العهد الأمير أحمد تمكن من الوصول إلى مدينة حجة والاستيلاء على قلعتها ، وإعادة السيطرة على البلاد بدفع القبائل نحو صنعاء واستباحتها ولم تلق حركته ترحيبا من جانب الدول العربية وخاصة في دوائر العرش السعودي وخله ملوك العرب ورؤساؤهم ولم يعترف أي نظام عربي بحكومته.

ويبدو أن الأحرار اليمنيين أثناء الانقلاب كانوا ينتظرون دعما عسكريا إنجليزيا غير أن ذلك لم يحدث ، خاصة بعد أن تأكد الإنجليز أن الإسلاميين يقفون خلف الانقلاب وأن مصيره الفشل.

ومن البديهي أن تستفيد الحركة من التناقضات السياسية القائمة بين النفوذ البريطاني في الجنوب وميناء عدن وأمريكا التي تطمح باستغلال الثروة المعدنية والبترولية في جنوب الجزيرة وشمالها. واعتبر الرؤساء الزيديون قتل الإمام جريمة ذكراء وخيانة للدين والوطن ونادوا بتطبيق القصاص على قتله الإمام المستشهد دون النظر إلى جملة الأخطاء التي كان نظام الإمام يرتكبها.

ونقد آخرون الحركة لأنها استبدلت آل حمدي الدين ولم تكن ثورة عمال وفلاحين كما يزعمون ، وأعدم آل الوزير وقتلوا تقتيلا وصلب إمام الشورى بمدينة حجة على الخشبة بعد فصل رأسه عن جسده ، وهو يتلو ويتشهد ، وأجمع الناس فيما بعد على أن حركة ابن الوزير كانت ثورة شعبية بكل المقاييس وأنها كانت موجهة ضد الحكم الإمامي الفاسد ونفي كثير من الباحثين اليمنيين وجود علاقة مشبوهة ما بين قادة حركة 1367/ 1948 والاستعمار البريطاني.

وقد كان لملحمة استشهاده صدى في الأدب والشعر اليمني لم يزل في أنحاء اليمن.

وبعد الانقلاب العسكري شقت البلاد في أتون الحرب الأهلية دفعت اليمن ثمنا غاليا لوقف بحر الدماء التي وقرها آل الوزير لإنقاذ البلاد من الدماء وإقامة خلافة إسلامية مسترشدة بالكتاب والسنة.

ألف في سيرته : ابنه أحمد ترجمة مختصرة وأختار خمسا من رسائله وحققها وكتب عليها بعض التعليقات ، وكتب زيد بن علي بن عبد الله الوزير ( تاريخ الإمام محمد بن عبد الله الوزير ويوجد في كتاب ( حياة الأمير علي بن عبد الله الوزير ) و ( تاريخ بني الوزير للأحمد بن محمد الوزير سيرة مطولة للإمام الشهيد.

ملحق رقم (4) المصلح العالمي : الفضيل الورتلاني ( 1906- 1959 )

كان القرن العشرون من أغنى فترات تاريخ الدعوى الإسلامية حيث اجتمع فيه عدد هائل من جهابذة العلماء والدعاة والمصلحين وكان للجزائر حظها الوافر من هؤلاء من أمثال شيخ المصلحين والعلماء الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي أكرمه الله بأن جمع حول جمع غفير من العلماء والمصلحين تحت راية جمعية العلماء المسلمين التي كان لها صداها في أكثر الأقطار الإسلامية وساهمت هي بدورها في تخرج جيل استطاع أن يحفظ للجزائر إسلامها وعروبتها وسيادتها بعد أن نجح في إذلال المستعمر وإخراجه من الوطن صغائر يدمع أشتات أمنياته التي تلاشت تحت زئير أولئك الأسود. وكان من بين من تخرجوا من محضن الإمام ابن باديس رجل جاء يبتغي إلى جان بالتعلم والتفقه دورا رياديا في الإصلاح والدعوة ويرغب في أن يكون فاعلا في مجرى حياة بلاده ، وهو الشيخ العالم الثائر الفضيل الورتلاني الذي يصف حاله الأستاذ علي مرحوم عند أول معرفة به في مدرسة ابن باديس فيقول : لاحظت منذ أول لحظة عرفته فيها أنه يتحلى بروح قوية ويمتاز بحيوية دافقة ، ونشاط ذاتي وحماس متزايد وكان يسعى دوما لربط صلاته بطلاب الشيخ « بن باديس » الواردين من مختلف مناطق الجزائر ويتمثل لنا يومئذ كأنه الأخ الأكبر لأولئك الطلاب يريد أن يخرجهم من حالة الخمول التي جاءوا بها وأن يبعث فيهم الحيوية والنشاط والثقة بالنفس قبل أن يتاح لهم ذلك عن طريق دروس شيخهم ، ولهذا كان يشرف على تنظيم ندوات خطابية لللطبة ، ليلة يوم العطلة الأسبوعية... يتبارى فيها هؤلاء بتقديم ما أعدوه نثرا أو شعرا كتابة أو ارتجالا ( 1 ).

لقد كان أكبر من أن يرتهن داخل حلقات العلم وزوايا العبادة أو بين صفحات الكتب بل كان ينشد أكبر من ذلك وكأنه يعلم أنه لم يوجد لذلك فقط بل وجد لمهام أخرى وأدوار تصل هامته إلى عظمتها وهذا الذي لمحه الشيخ بن باديس في تلميذه الفضيل مما جعله يرشحه لتلك المهام والأدوار دون غيره رغم حداثة المعرفة والصحبة والسن الذي لم يتجاوز يوما الخامسة والعشرين « ففي 5 مايو 1931 م تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ضمت كثيرا من المصلحين وعلماء الجزائر وانتخب الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيسا لها ولما كثرت مشاغله عين الفضيل الورتلاني مساعدا له في التدريس ورفيقا فه في رحلاته وكاتبا في مجلة الشهاب الناطقة باسم جمعية العلماء الجزائريين وعندما أرادت الجمعية أن تمدد نشاطها الدعوي والإصلاحي إلى قلب فرنسا حيث يوجد الآلاف من العمال الجزائريين ، اختار الشيخ عبد الحميد بن باديس تلميذه وصديقه الفضيل الورتلاني لأداء هذه المهمة الشاقة ».

نشاط الفضيل الورتلاني في فرنسا 1936- 1938:

وصل الفضيل الورتلاني إلى باريس في 22 يوليو 1936 كمبعوث خاص لجمعية العلماء المسلمين في فرنسا وقد اعتبر بعض مناصري الحركة الإصلاحية الذين كانوا في فرنسا هذا القرار خطأ في حقهم إذ كان من الصواب أن تختار جمعية العلماء واحد له خبرة بالمجتمع الفرنسي وأحاطه بثقافته وموازين القوى فيه وقدرة على إقناع المغتربين الجزائريين بلغة يفقهونها وعقلية يعرفونها ، وكل هذه المعايير لا تتوافر إلا فيمن عاش في الوسط الأوربي واحتك به وقد لخص مالك بن نبي هذا الشعور الأليم الذي أحس به هو ومن كان معه في هذه العبارات : « وكنت في الحقيقة على الرغم من مودتي للشيخ الورتلاني -رحمه الله- أشعر أن تعيينه عن جمعية العلماء بباريس كان انتقاصا من موقفنا أمام السلطات الاستعمارية التي طالما وقفنا منها بوصفنا مناضلي الفكرة الإصلاحية ( 2 ) والحقيقة أن جمعية العلماء لم تقصد في البداية إلا نشر الدين وتعلم العربية دون غرض سياسي في حين أن لنخبة العربية المغتربة متأثرة كثيرا بالصراع الفكري والأيديولوجي السائد بقوة في فرنسا في فترة الثلاثينيات وقد بينت الأحداث حسن اختيار ابن باديس لتلميذه الذي أدرك بسرعة طبيعة ا لمجتمع الجديد والميكانيزمات التي تتحكم فيه وفي الأخير لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة كانت لا شك حاسمة في تفويض العالم الشاب الفضيل الورتلاني وهي أنه كان يجيد اللغة الفرنسية والعربية وخاصة القبائلية ( البربرية ) التي يتحدث بها أغلب المغتربين الجزائريين المنحدرين في أكثرهم من منطقة القبائل وهذا ما لمح له الورتلاني نفسه في رسالة إلى أحد أصدقائه العاملين في الحركة الإصلاحية داخل القطر الجزائري.

أسس الفضيل الورتلاني نوادي التهذيب لتعليم اللغة العربية ونشر مبادئ الإسلام ومحاربة الرذيلة في صفوف المسلمين المقيمين في فرنسا واستطاع في عامين أن يفتح عشرات النوادي في باريس وضواحيها وأخرى في المدن الكبرى وعين على رأس كل ناد عامل جزائري : سعيد صالحي ، محمد صالح بن عتيق ، محمد الزاهي ، سعيد البيباني ، و الهادي السنوسي. في باريس حمزة بوكشة في ليون فرحات الدراجي في مرسليا ومحمد وأعلى في سان تتيان واستطاع أن يعبئ لتنشيط هذه النوادي كبار العلماء والمفكرين من أمثال : الشيخ محمد عبد الله دراز الشيخ عبد الرحمن تاج ، و محمد المبارك و سامي حقي و عمر بها الدين الأميري وبعض المثقفين الفرنسيين الذين أسلموا مثل محمد علي المهدي ( 3 ).

غادر الفضيل الورتلاني فرنسا سرا في نهاية عام 1938 م عندما وصل إلى علمه عزم المنظمة العنصرية الإرهابية اليد الحمراء على اغتياله دخل إلى إيطاليا بمساعدة الأمير شكيب أرسلان الذي وفر له جواز سفر مزور ومنها هجرة إلى مصر وانضمامه إلى حركة الإخوان المسلمين :

وصل الفضيل الورتلاني إلى مصر في عام 1939 م وقبل ربع قرن زار أستاذه ابن باديس مصر عند عودته من الحج ولقي علمائها كالشيخ محمد بخيت المطبعي مفتي الديار المصرية آنذاك ، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي الذي أصبح فيما بعد شيخا للأزهر وقد سبقت الورتلاني –إلى مصر السمعة العالية لجمعية العلماء المسلمين الجزائري مقيم بالقاهرة : أني أينما ذهبت وذكرت اسم الشيخ عبد الحميد بن باديس كانت الثغور تبتسم والوجوه تنشرح والآذان تصغي والأمر تقضى وهكذا سهل علي اسم الأستاذ الرئيس كل صعب ( 4 ) ويعود الفضل في انتشار اسم جمعية العلماء في مصر إلى الطلبة الجزائريين.

كان حسن البنا –مؤسس الإخوان المسلمين شديد الإعجاب بالشيخ عبد الحميد بن باديس وجهاده الإصلاحي فلما أسس مجلة فكرية في القاهرة سماها الشهاب تيمنا بمجلة الشهاب الجزائرية وتقديرا لها وقد سهلت هذه الصلة الروحية بين الحركتين الإصلاحيتين اتصال الفضيل الورتلاني بجماعة الإخوان المسلمين والانضمام إليها وأصبح عضوا بارزا بها وخلف مرتين الشيخ حسن البنا في « حديث الثلاثاء حين كان المرشد العام غائبا عن القاهرة.

وفي مصر شارك في تأسيس عدة جمعيات خيرية وسياسية كاللجنة العليا للدفع عن الجزائر وجمعية الجالية الجزائرية في عام 1942 م وجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا في سنة 1944 م وكانت هذه المنظمة الأخيرة أكثر شهرة وتضم شخصيات مرموقة كالشيخ محمد الخضر حسين وحفيدة الأمير عبد القادر الأمير مختار الجزائري والأمير عبد الكريم الخطابي المغربي وكان الفضيل الورتلاني أمينا عاما للجبهة واستهدفت هذه المنطقة تحقيق استقلال بلدان المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي والانضمام إلى جامعة الدول العربية.

في 8 مايو 1945 ارتكب الاستعمار الفرنسي مجزرة رهيبة في الشرق الجزائري بلغت ضحاياها الآلاف من الجزائريين الذين خرجوا في مظاهرات طالبين الحربية التي وعد بها الحلفاء للشعوب التي وقف في صفهم ضد ألمانيا وأتباعها خلال الحرب العالمية الثانية. انزعج الورتلاتي كثيرا من هذه الجريمة الإنسانية فكتب مجموعة من الرسائل المفتوحة إلى السفير الفرنسي بالقاهرة ونشرت في الصحف العربية وأرسل أيضًا عدة برقيات إلى المنظمات الدولي ليندد بهذه المجزرة الوحشية.

دوره في ثورة اليمن 1948 م :

قام الفضيل الورتلاني بدور في تنظيم وتنظير ثورة الأحرار في اليمن التي قامت في فبراير 1948 ضد الإمام يحيى حميد الدين وقد أشار بعض الباحثين إلى هذا الدور مثل مصطفى الشكعة في مغامرات مصري في مجاهل اليمن و حميد شمرة في مصرع الابتسامة و أحمد الشامي في كتابه رياح التغيير في اليمن » وتجاهله كثير من المؤرخين الأوربيين المتخصصين في الشؤون العربية والإسلامية يقول أحمد الشامي أحد المشاركين في هذه الثورة أن العالم المجاهد الجزائري السيد الفضيل الورتلاني هو الذي غير مجرى تاريخ اليمن في القرن الرابع عشر الهجري ( العشرين الميلادي وأنه حين وضع قدمه على أرض اليمن كأنما وضعها على زردولاب تاريخها فدار بها دورة جديدة في اتجاهات جديدة لأن ثورة الدستور سنة 1367هـ 1948 هي من صنع الورتلاني وذهب للمرة الأولى إلى اليمن في بداية عام 1947 وفي جولاته عبر القطر اليمني التقى العلماء والوجهاء والشباب وألقى خطبا في المساجد والأماكن العامة وتمكن من إقناع اليمنيين على وحدة الصف وضرورة التغيير والخروج من الجهل والتخلف وبعد شهرين رجع إلى مصر حيث توجد النخبة والمعارضة اليمنية لتحضير دستور جديد أو ما سمي بالميثاق المقدس وعادة مرة ثانية لعرض الميثاق على العلماء والسياسيين لسبر آرائهم والاستماع لاقتراحاتهم وقد تم الوصول إلى الصيغة النهائية للميثاق المقدس في نوفمبر 1947 م وكان الاتفاق بين كل هذه الأطراف تنصيب عبد الله الوزير حاكما دستوريا على البلاد خلفا للإمام يحيى حميد الدين.

عارض الإمام أحمد يحيى حمدي الدين الحكومة الدستورية في صنعاء واتهمها باغتيال والده وإهانة أخواته وجمع القبائل الموالية له وحاربها وسقط النظام الدستوري في 13 مارس 1948 م وتلوى الإمام أحمد عرش اليمن ( 6 ) بعد فشل ثورة الدستور حكم بالإعدام على الورتلاني الذي اتهم بالمشاركة في قتل ثورة يحيى والمساهمة في الانقلاب فأصبح مطلوبا للإعدام فقضى خمس سنوات متشردا في العالم ومتسترا وكان عليه أن يغير ملامح وجهه من هذا بفضل الصور التي تظهره في زي عالم أزهري وهيئة شيخ قبيلة خليجية وشكل ممثل أمريكي زار سرا خلال هذه الفترة جل الدول الأوروبية الغربية والتقى رئيس جمعية العلماء الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ونائبه الشيخ محمد العربي التبسي في سويسرا وفي الآخر قليل رئيس وزراء لبنان رياض الصلح استقرار الفضيل الورتلاني في بيروت شرط أن يكون ذلك سرا.

مساندته لثورة 23 يوليو 1952 المصرية:

عاد الفضيل الورتلاني إلى مصر بعد خمس سنوات من الغربة وقد شجعته على هذه العودة الظروف السياسية الجديدة القائمة في مصر بعد نجاح الضباط الأحرار وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب في الإطاحة بنظام فاروق رحب به العلماء والسياسيون وخصصت له مجلة الدعوة الأخوية حوارا شاملا نشرته في عددها السابع والثمانين واتصل مباشرة بقادة النظام الجديد ووضع نفسه في خدمة الثورة المصرية مقترحا الاتصال بمعارفه في العالم الإسلامي لتحرير مصر من العزلة الدولية التي كانت تعاني منها في البداية وجمع الأموال من الأثرياء العرب لتحسين الأوضاع الاقتصادية في مصر وتحقيق المشاريع الاجتماعية التي من أجلها قامت ثورة 23 يوليو ( 7 ) بعد حملة الاعتقالات التي شملت رموز حركة الإخوان المسلمين في عام 1954 وإعدام ستة من قادتهم غادر الورتلاني القاهرة في عام 1955 متوجها من جديد إلى بيروت بعد أن تأكد من تآمر المخابرات المصرية عليه وعلى أستاذه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وقد أكد فيما بعد فتحي الديب أحد ضباط المخابرات في كتابه جمال عبد الناصر والثورة الجزائرية مدى تبرم عبد الناصر من نشاط الورتلاني وتمسكه بحركة الإخوان المسلمين.

الفضيل الورتلاني والثورة التحريرية الجزائرية 1954- 1959

سافر الفضيل الورتلاني كثيرا في سبيل القضية الجزائرية فزار معظم الدول الإسلامية والتقى كثيرا من زعماء المسلمين مثل عبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة العربية الشيخ محمد الخضير حسين ، الشيخ محمد عبد الله دراز ، الشيخ مصطفى عبد الرازق الأمير عبد الكريم الخطابي ، المفتي محمد أمين الحسيني و أحمد سوكارنو رئيس اندونيسيا الذي استقبله رسميا في قصر الرئاسة في جاكارتا وفي كل بلد نزل فيه خطب وحاضر في المشكلة الجزائرية مدافعا عن القضية الجزائرية ومطالبا بحق الشعب الجزائري في تيسير شئون بلاده بنفسه.

في 1 نوفمبر 1954 م أطلقت الثورة الجزائرية لتحرير البلد من الاستعمار الفرنسي وقد رحب الفضيل الورتلاني بهذه الثورة التي طالما انتظرها وسعى لقيامها ونشر مقالا في 3 نوفمبر أي بعد ثلاثة أيام وفقط من اندلاع الثورة تحت عنوان : إلى الثائرين من أبناء الجزائر : اليوم حياة أو موت « وفي 15 نوفمبر من العام نفسه أصدر مع الشيخ محمد البشير الإبراهيمي.

بيانا :

( نعيذكم بالله أن تتراجعوا ) ( 8 ) وفي 17 فبراير 1955 شارك في تأسيس حركة تحرير الجزائر والتي تضم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وممثلي جبهة التحرير الوطني : أحمد بن بيلا و حسين ايت أحمد و محمد خضر وبعض ممثلي الأحزاب السياسي الجزائرية كالشاذلي مكي حسين لحول ، عبد الرحمن كيوان و أحمد بيوض وكان الهدف الأساسي لهذه الجبهة مناصرة ومساندة الثورة الجزائرية.

أصبح ممثلا لجهة التحرير الوطني في تركيا في 1956 بعد أن انضمت جمعية العلماء رسميا إلى الثورة وجبهة التحرير الوطني في إبريل 1956 م.

وإضافة إلى ما سبق حضر الفضيل الورتلاني عدة مؤتمرات دولية وكان أكبرها المؤتمر الإسلامي الشعبي الذي عقد في القدس في ديسمبر 1935م.

وألفى فيه خطابا مثيرا وقد شارك في هذا التجميع كبار العلماء والمصلحين مثل سيد قطب الذي مثل جماعة الإخوان المسلمين واعترافا بجهاده في سبيل وطنه الجزائر المحتل ودفاعه عن فلسطين وكفاحه من أجل نهوض الشعوب الإسلامية اختار المؤتمر الإسلامي العلمي ومؤتمرات علماء الإسلامي الفضيل الورتلاني مندوبا خاص يمثلهما عبر رحلات حول العالم.

وفاته وآثارها توفي الفضيل الورتلاني في مستشفى أنقرة في 12 مارس 1959 م ودفن في العاصمة التركية. وفي نهاية الثمانينيات نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن قريبا من مسقط رأسه.

قامت جمعية العلماء الجزائريين بجمع مقالات الفضيل الورتلاني في كتاب ضخم ونشرته في بيروت في عام 1963 تحت عنوان « الجزائر الثائرة ». واحتوى الكتاب أيضًا على شهادات العلماء والسياسيين العرب في الإشادة بذكره والتنويه بجهاده. وقال فيه أحدهم : « لم أقابل في حياتي –لا قبله ولا بعده- من هو أعرف منه بالقرآن الكريم وعلومه ، وتفسير آياته واستكناه أسراره وقدرته المنطقية على الغوص في أعماقها ، واستنباطه منها ما يحلل به مشكلات الحياة ، دونما تكلف أو تقعر ، أو إغراق ، وفي منطق سهل بين يخلب الألباب والنحل ، والمذاهب السياسية والاقتصادية إلى حفظ للأخبار » ( 9 ) ( عاش الفضيل الورتلاني في مقاومة الجهل ومحاربة الظلم داعيا إلى التحرر من سيطرة الاستعمار وكانت رحلاته عبر العالم فرصة لنصرة بلاده المحتلة ومناسبة لدعوة القادة والشعوب العربية للنهضة. فقد نجحت نوادي التهذيب التي أسسها في فرنسا في استقطاب المسلمين المغتربين إلى دينهم والاعتزاز بحضارتهم حتى أصبحت تثير مخاوف السلطة الفرنسية والأحزاب الوطنية المغاربية ذات التوجه العلماني ، وفي المشرق العربي ترك آثارا حسنة وسمعة مرموقة حتى أطلق عليه العلماء والزعماء العرب لقب « المجاهد » رحمه الله رحمة واسعة.

( 1 ) علي مرحوم ، مواقف من جهاد الشيخ الفضيل الورتلاني ، الثقافي ، الجزائر ، عدد 34 ، أوت – سبتمبر 1976 ، ص 49- 50.

( 2 ) مالك بن نبي ، مذكرات شاهد القرن ز دمشق ، دار الفكر ، 1984 ، ص 377.

( 3 ) الشهاب ، ج5 ، مج15 ، 1938.

( 4 ) عبد الكريم بو الصفاصف ، جمعية العلماء المسلمين الجزائرين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية 19311945 ، قسنطينة ، دار البعث ، 1984 ، ص345.

( 5 ) أحمد بن محمد الشامي. رياح التغيير في اليمن ، المطبعة العربية ، جدة ، ص190.

( 6 ) أحمد الشامي ، نفس المرجع ، المجتمع 1339 ، 23 فبراير 1999 ، عدد 1340 ، 2 مارس 1999 م.

( 7 ) حسن العشماوي ، حصاد الأيام أو مذكرات هارب ، دار الفتح للطباعة والنشر ، بيروت ، ط2 ، 1985 ، ص 52- 54.

( 8 ) عبد الحفيظ محمد أمقران الحسيني ، الفضيل الورتلاني عبر المقاومة الجزائرية على ثورة التحرير الوطني ، الثقافة ، الجزائر ، عدد 100 ، 1988 ، ص59.

ملحق رقم (5) أبو الأحرار اليمنيين محمد محمود الزبيري ( 1917- 1965 )

إذا أردت أن تتحدث عن اليمن فلابد لك أن تذكر الزبيري.. وإذا أردت أن تتحدث عن الشعر في اليمن فلابد لك أن تذكر الزبيري أيضًا.. وإذا تحدثت عن الثورة اليمنية ولم تتحدث عن الزبيري وشعره فإنك لم تتحدث عن أهم دعائم هذه الثورة فالزبيري شاعر أشعل ثورة اليمن بشعره ، وقاد مسيرتها بشعره أيضًا ، وهو لذلك استحق من مواطنيه أن يقلب بأبي الأحرار وشاعر الثوار « فمن هو الزبيري الذي قال عنه معجم الأدباء الإسلاميين كل هذا؟

في حي بستان السلطان في مدينة صنعاء – وفي سنة 1917 ميلاديا ولد محمد محمود الزبيري؛ حيث تعيش أسرة الزبيري العريقة المشهور لطف الله بن محمد الزبيري أحد كبار علماء صنعاء ، كما كان والده قاضيا مشهورا ، وهو نفسه كان كثيرا ما يعرف بالقاضي.

وفي مدينة صنعاء أيضًا نشأ الزبيري يتيما فتعلم القرآن وحفظه صغيرا ، وكان الناس يحبون سماعه منه لحلاوة صوته ، وتنقل في طلب العلم بين الكتاب والمدرسة العلمية والجامع الكبير بصنعاء.. وقد مال في طفولته إلى العزلة والانطواء ، وكان يقضي أوقاته بالمطالعة والتأمل في الحياة وفيما حوله؛ فنشأ مرهف الإحساس والشعور ، فنظم الشعر وهو دون العشرين.

ولما بلغ حوالي عشرين سنة التحق بعلي عبد الله الوزير الذي كان أمير علي الحديدة وذهب معه سنة 1357 هـ = 1938 إلى الحجاز لأداء مناسك الحج وأثناء اجتماع الملك عبد العزيز مع العلماء في موسم الحج ألقى الزبيري قصيدة قوية شدت انتباه الناس كان مطلعها.

قلب الجزيرة في يمينك يخفق

وسنا العروبة من جبينك يشرق

فأعطاه الملك سعود بضعة آلاف من الريالات لكنه اعتذر ورد المبلغ لما كان يتمتع به من عزة نفس وعفاف.

وبقي الزبيري بعدها بمكة طالبا للعلم على أن رحل عنها إلى القاهرة سنة 1939 ليدرس في كلية دار العلوم حيث قضى فيها حوالي سنتين وخلال إقامته في القاهرة كان يتردد على مركز جماعة الإخوان المسلمين فأعجب به الإمام حسن البنا وكان يتوقع منه أن يقوم بعمل إصلاحي مهم في اليمن وتعرف أيضًا على المجاهد الجزائري الفضيل الورتلاني فانضم الزبيري إلى جماعة الإخوان.

وفي ذلك يقول الأستاذ علي ناصر العنسي؛ أول تجمع لنا كان ونحن في القاهرة عندما كنا ندرس في الأزهر ، وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين ومنهم ا لشيخ حسن البنا الذي كان يرى أن اليمن أنسب البلاد لإقامة الحكم الإسلامي الصحيح ، وأن المناخ مناسب للإخوان المسلمين لعملوا فيها. فكان يهتم بنا اهتماما خاصا ، ولي عنايته بشكل أخص لكل من الزبيري والمسمري اللذين كان يعتبرهما شخصيتين متميزتين ، ومن هنا بدأت الحركة الوطنية بين الطلاب اليمنيين ».

وقد أسس الزبيري وبعض رفاقه في القاهرة أول حركة منظمة لمعارضة الحكم الإمامي في اليمن في سبتمبر عام 1940م تحت اسم « كتيبة الشباب اليمني ».

ولكن وبناء على توجيه حسن البنا ثم تغير الاسم إلى « هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » وكتب ميثاقها في 22 صفحة و 37 مادة وفي سنة 1942 قطع الزبيري دراسته عائدا إلى اليمن التي رأى أنها تستحق منه مجهودا كبيرا لإنقاذ البلاد من الأوضاع المتردية والمأسوية التي كانت تكتنف اليمن آنذاك تحت حكم الأئمة من أسرة حميد الدين ، وقد صور هذه الحالة قائلا :

ماذا دعي قحطان في لحظاتهم بؤس وفي كلماتهم آلام؟

جهل وأمراض وظلم فادح ومخافة ومجاعة و « إمام »

وعند قدومه إلى اليمن قدم مذكرة للإمام المتوكل يحيى حميد الدين تتضمن مشروعا لإنشاء جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما ألقى خطبة في الجامع الكبير بصنعاء ، وهو ما أغضب الإمام يحيى؛ فكان جزاؤه السجن مع عدد من شباب اليمن الأحرار في سجن « الأهنوم »؛ حيث انصرف للصلاة وتلاوة القرآن والذكر وكتابة الشعر..

تنقل وترحال:

وعند خروجه من السجن الذي لبث فيه قرابة تسعة أشهر صور الزبيري ذلك الخروج قائلا : خرجنا من السجن شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها

نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها ونأبى الحياة إذا دنست بعسف الطغاة وإرهابها ولم يجد الزبيري بدا من الالتفاف حول ولي العهد أحمد نجل الإمام يحيى مع كثير من المثقفين الذين رأوا فيه أملا منقذا لهم ، لكنهم سرعان ما أدركوا وهم ما هم فيه ، فخرجوا بدعوتهم الإصلاحية فارين إلى عدن التي كانت متنفسا للأحرار.. فأسس مع النعمانحزب الأحرار.

عام 1944 الذي تحول اسمه إلى « الجمعية اليمانية الكبرى » عام 1946 ، وأصدر صحيفة « صوت اليمن » ، وفوضت الجمعية الإمام حسن البنا في أن يتحدث عنها في كل شأن من الشئون ، واستمر الكفاح حتى قيام ثورة 1948 م؛ حيث قتل الإماميحيى حميد الدين ، ونصب عبد الله الوزير إماما جديدا لحكم دستوري شرعي ، وكان للإخوان المسلمين و الفضيل الورتلاني ممثل البنا في اليمن الدور الرئيسي في هذه ا لثورة.

ولكن الثورة سرعان ما فشلت ، فعاد الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين نجل الإمام المقتول ليبطش بكل رجالات الثورة ، وليفتح صنعاء أمام القبائل التي ناصرته للنهب والسلب ، فغادر الزبيري اليمن ، ولم يكن هناك باب من أبواب الدول العربية مفتوح له هذه المرة ، فذهب إلى باكستان ، هناك التقى وتعرف على مشاعر النفس المؤمنة عمر بهاء الدين الأميري الذي كان سفيرا لسوريا في باكستان ، وله مع الزبيري مساجلات شعرية لم تطبع إلى الآن.

وقد اتصل سفير الأردن في باكستان بالملك عبد الله ليشفع في الزبيري لدى الإمام أحمد ، فعفى الإمام أحمد عن الزبيري وفاء منه لمن كان معه في محنته رفض العفو وطلب أن يكون شاملا. وخلال إقامته في باكستان كتب عدة قصائد وعمل مذيعا في القسم العربي لإذاعة باكستان وما كان الزبيري يسمع بقيام ثورة يوليو 1952 بمصر إلا وقرر الرحيل إليها؛ حيث بدأ نشاطه مع رفيقه النعمان بتجميع صفوف الطلاب اليمنيين ، وامتد نشاطه إلى اليمنيين في السودان على الرغم من المضايقات التي تعرض لها من قبل النظام المصري ، وكان الزبيري يلقي القصائد من خلال إذاعة صوت العرب التي كان له دور في تأسيسها ، وكان لأحاديثه وقصائد دور كبير في إنقاذ الأحرار داخل المملكة المتوكلية ( اسم عرفت به اليمن قبل قيام الثورة ) من الإحباط واليأس وعدم إمكانية التغيير ، خصوصا بعد سقوط ثورة 1948 م التي كانت أملا للأحرار في الخلاص من ظلم وطغيان الإمامة والإنقاذ من الفقر والجهل والمرض ، وكان الزبيري رحمه الله يقول : « كنت أحس إحساسا أسطوريا بأنني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد واللم والطغيان ».

ولما توفي الإمام أحمد وتولى بعده البدر طلبت المخابرات المصرية من الزبيري والنعمان أن يلقيا بيانا في إذاعة صوت العرب يعلنان فيه تأييد البدر فرفض الزبيري الاستجابة لهذا الطلب وقيل النعمان.

وحين قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 م التي أطاحت بالحكم الإمامي استدعى الضباط الثوار الأستاذ الزبيري ، لعلهم أن مجيئه ومشاركته في الحكم يضفيان على الحكم شرعية كانوا بحجة إليها ، خصوصا أن الثورة لم تنته من خصومها من الملكيين الذين كان لهم الكثير من الأنصار بسبب الصبغة الدينية التي كانوا يضفونها على أنفسهم ، وكانوا يلقون الدعم من الخارج أيضًا. فعاد الزبيري إلى صنعاء ، وأعد له استقبال مهيب لم تحظ شخصية جماهيرية بمثله ، وعين وزيرا للمعارف في حكومة الثورة ، ثم نائبا لرئيس الوزراء وعضوا في مجلس الثورة حتى استقال عام 1964 م؛ حيث إن التدخلات الخارجية أدخلت اليمن في حرب أهلية ، فسارع الزبيري لإصلاح ذات البين بين القبائل ، واشترك في مؤتمرات الصلح بين اليمنيين في « كرش » و « عمران » ، كما تولى رئاسة مؤتمر « أركويت » بالسودان عام 1964 م.

وبعد استقالة الزبيري :

خرج الزبيري وبصحبته بعض رفاقه ومنهم الأستاذ عبد الملك الطيب صاحب كتاب « التاريخ يتكلم » الذي أرخ لتلك الفترة بأمانة علمية ، والشيخ عبد المجيد الزنداني ( الذي استدعاه الزبيري من القاهرة وقتل الأخير وهو على مقربة منه ) ، والأستاذ محمد الفسيل ، داعيا إلى إنشاء حزب الله ، هادفا إلى إيجاد صحوة تصحيح المفاهيم الخاطئة التي أوجدت الملكية والثورة على السواء؛ فقد كان –رحمه الله- يقول : « إن اليمن لن تسترد كرامتها وعزتها إلا يوم يوجد بينها عشرات من المناضلين عل الأقل يرضون بالجوع حتى الموت ، وبالسجن حتى نهاية العمر ، وبخراب البيوت حتى آخر حجر فيها ، ويتقدمون إلى العمل الوطني على أساس النصر أو الموت ».

وحينما جاء عبد الناصر إلى صنعاء ومعه دستور مقترح للبلاد فاجتمع مع العلماء ورد عليه الزبيري وأظهر إصداره على أن ينص الدستور على أن الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع الوحيد للتشريع فرفض عبد الناصر واستقال الزبيري.

وواصل الزبيري نشاطه ورحل إلى برط ( شمال صنعاء ) ومن هناك وجه رسالته إلى شعب اليمن حيث دعى إلى تكون « حزب الله » ثم بدأ بدعوة القبائل إلى حزب الله ولم الشمل ، وكانت دعوته عامة للملكيين والجمهوريين. وعاد الزبيري ورفاقه إصدار صحيفة « صوت اليمن » كلسان حال حزب الله ، وبدأ الشعب يعلن ولاءه للحزب الجديد بعد الإحباط الذي عم المواطنين وخيبة أملهم في الثورة ورجالالتها؛ مما أقض مضاجع الملكيين الذين كانوا على مقربة من الزبيري الذي غزاهم في عقر دارهم ، وأقض مضاجع القيادة في صنعاء فراحت تلمزه وحزبه في وسائل إعلامها.. إلى أن عاجلته رصاصات الغدر في إحدى تنقلاته؛ فخر شهيدا وهو يدعو إلى ما آمن به ، وكان ذلك في أول إبريل سنة 1965 م. وقد اتضح بعد ذلك أن أجهزة عبد الناصر كانت وراء مصرعه وقد ارتجت اليمن ، وبكى الناس جميعهم/ وحزنوا حزنا عظيما على فراق هذا العلم الشامخ الذي تتجاذبه التيارات الوطنية ، وكان يدعي انتماءه إليه ، وفق ما روى الشيخ الزنداني.

وقد رحل الزبيري ، وكان يعد لعقد مؤتمر وطني للقبائل والعلماء وقادة اليمن في « خمر » فقد كان معروفا بحكمته وقدرته على تجميع الناس على مختلف انتماءاتهم الحزبية أو القبلية ، يبش في وجوههم ، ويستمع إلى آرائهم؛ حتى إن بعض من عرفوه يقولون بأنه من رجالات عصره قلما تجد له نظيرا أحبه خصومه وأصدقاؤه. غي أن المؤتمر أقيم بعد استشهاده بجهود تلامذته ، ومنهم الشيخ عبد الله الأحمر الذي كان يحبه الزبيري حبا شديدا ، وكان يقول : « لولا أن الله ساق لنا هذا الشاب ما استطعنا أن نأمر بمعروف ولا أن ننهى عن منكر ».

وقد ترك الزبيري آثارا وبصمات وأعمالا تدل على عظمته وعلمه وحبه لشعبه ولم يترك الزبيري قضية عربية أو إسلامية غلا وتحدث عنها شعرا أو نثرا ، ولعل من أشهرها قصيدة « عالم الإسلام » التي ألقاها في مؤتمر حاشد في باكستان.

كما اهتم الزبيري في أشعاره بقضية الإسلام الأولى « فلسطين » ، وله فيها قصيدته الشهيرة « في سبيل فلسطين » ، وله قصيدة مشهورة بعنوان « ثورة » ، وهي من أشهر القصائد الحماسية لشاعر الثوار. وللزبيري مؤلفات كثيرة؛ منها ما طبع ، ومنها ما لم يطبع إلى الآن.. نذكر منها 3 دواوين شعر ، هي : « صلاة في الجحيم » ، و « ثورة الشعر » ، و « نقطة في الظلام ». ورواية واحدة هي « مأساة واق الواق » ، وله عدد من المؤلفات السياسية والرسائل الثقافية؛ منها « الإمامة وخطرها على وحدة اليمن » ، و « الخدعة الكبرى في السياسة العربية » ، و « مطالب الشعب ».

ومن قصيدة ثورة :

سجل مكانك في التاريخ يا قلم

فها هنا تبعث الأجيال والأمم

هنا القلوب البيات التي اتحدت

هنا الحنان هنا القربى هنا الرحم

هنا الشريعة في مشكاتها لمعت

هنا العدالة والأخلاق والشيم

هنا البراكين هبت من مضاجعها

تطغى وتكتسح الطاغي وتلتهم

من قصيدة « في سبيل فلسطين »

ما للدماء التي تجري بساحتها

هانت فما قام في إنصافنا حكم

ما للظلوم الذي اشتدت ضرواته

في ظلما نتلقاه فتبتسم

نرى مخالبه في جرح أمتنا

تدمي ونسعى إليه اليوم نختصم

يا قادة العرب و الإسلام قاطبة

قوموا فقد طال بعد الصبح نومكم

أبيات من قصيدة « عالم الإسلام »

يا وفود الإسلام تاريخكم ضخم

ولكن هل فيكم من يعيده

أنتم عالم من المغرب الأقصى

إلى الشرق خافقات بنوده

عالم واحد وإن زعمته

ألف شعب ثغوره وحدوده


رحم الله القاضي محمد محمود الزبيري فقد عاش عمره للإسلام وللإصلاح في اليمن ، يقول عنه أحد الطلاب : كان هدفه إصلاح الدين والدنيا. كان مكافحا وكان يلقب بأبي الأحرار.

وكان رحمه الله زاهدًا معرضا عن الدنيا يكتفي من العيش بالكفاف منه ، وكان شاعرا متألقا قوي الكلمة سخر شعره للإسلام وخدمة الدعوة.

يقول محمد رجب الزبيري في الطبقة الأولى من الشعر ولقب في اليمن رسميا بأمير الشعراء وعمره 25 سنة.

وكان صبورا على ضنك العيش في سبيل الدعوة ثابتا على المبادئ لا يغيره تخويف ولا ترهيب يشق طريقه مهما كانت الصعوبات.

وعده الفضيل الورتلاني من كبار المصلحين أمثال محمد عبده و عبد الرحمن الكواكبي ممن كتب عنه :

- رحمه الله بعبك الحضرمي ، ألف كتابا عن حياته.

- وتحدث عنه البيومي في مؤلفاته - وذكره عبد الله العقيل في أعلام الحركة الإسلامية.

- محمد حسن جابر – أبو الأحرار اليمنيين.


قصيدة الأستاذ محمد محمود الزبيري اليمني :

قلب الجزيرة في يمينك يخفق

قلب الجزيرة في يمينك يخفق

وهوى العروبة في جبينك يشرق

ولعمر مجد المسلمين لأنت في

أنظارهم أمل منير شيق

وهبوك أفئدة الولاء فوهبتهم

مجدا تقدسه القلوب وتعشق

إن الجزيرة شرقها ودبورها

شومالها حرم بوجهك مونق

وحدتها ونفخت في أرجائها

روحا تحب بها البلاد وتعشق

ويكاد منها الصخر يمشي حاسدا

لك عن معادنه التي لا ترمق

قل لي بربك أي كف عبدت

لك منهجا ما كان قبلك يطرق

وبأي عزم قمت وحدك ناهضا

والنوم في جفن العروبة مطبق

جردت للطاغين سيفا صارما

فتمزقت آثارهم وتمزقوا

وقمعت عفريت الفلا فهديته

والسيف أهدى للجهول وأصدق

وبذاك أمنت الحجيج وأفهموا

أن الفريضة قربة لا مأزق

وهدمت كل عقيدة ممقوتة

كانت تضل بها العقول وترهق

ورفعت رأسك في الممالك عالياً

والملك حر والنظام موفق

حتى إذا شب النزاع وحاولوا

أن تستكين وبصبوا وتملقوا

خيبتهم وهمت في آذانهم

إن الجزيرة غابة لا تطرق

وبنيت حول البيت أو حول الهدى

حصنا بأسباب النجوم معلق

ماذا ليلفى النار في أحشائه

ويخال أن سواء منها يحرق

أنا لنأسف للحضارة أن ترى

منهارة لكننا لا نفرق

فلنا ينهضئنا وسالف مجدنا

شرف نفوز به إذا ما أخفقوا

سلهم عن النور الذي جئنا به

فاستصبحوا بضيائه واستشرقوا

سدنا البلاد فما استقر قرارنا

حتى تلألأ غربها والمشرق

سعد الضعيف برفقنا حتى إذا

ملكوا الضعيف بحكمهم لم يرفقوا

إنا لأعرق في المعالي منهم

وأحق منهم بالنهوض وأخلق

أن ستحق الدنيا معاول غيهم

فلنا بلاد حرة لا تحق

ولسوف نشرق بالعلى إن غربوا

والشرق أحفل بالضياء وأليق

والعيش لولا الطامعين ميسر

والمجد لولا الحاسدون محقق

ونفوسنا اللائي سمت بجدودنا

هي لم تزل لا بل أشد وأحنق

فلقد تجرعنا كؤوسا مرة

لم يشربوا منها ولم يستذوقوا

واليوم حان بنا التفكر وانجلى

لشعوبنا أن التفوق موبق

وتقشع الحلم الأنيق خداعه

فإذا الحقيقة مرة لا تونق

وإذا الحقوق سلبية مهضومة

وإذا الوعود خديعة لا تصدق

وإذا البلاد تمخضت عن منقذ

أدري بإنقاذ الشعوب وأحذق

وهبت له العليا معارج أفقها

فعلاً بهمته التي لا تسبق

وسما إلى عشر يلوذ بركنه

من أيدوا الدين الحنيف وصدقوا

علموا بأن الله حارس بيته

يختار فيه من يشاء ويخلق

ولرب يوم تزدهي أمم الهدى

بتراثها العالي الذي لا يخلق

في ظل بيت الله تحت لوائه

فسمو بشرعته التي لا تمحق

وتسير صفاً واحدا لا ينثني

بعواصف الدنيا ولا يتمزق

فنول يا عبد العزيز عزائما

من أمة تهوى السمو وتعشق

ولتحي في عشر القلوب مؤيداً

وليحيى شعب حول عرشك يحدق

وإليك يا أسد الجزيرة خفقة

من قلب صب لم يزل بك يخفق

ناءت بمحملها حنايا لوعتي

وهفت إليك بها القوافي السبق

يمنية مكية نجدية

قل ما تشاء فإننا لا نفرق

وقد نشرت هذه القصيدة في جريدة أم القرى العدد 787

يوم السبت 10 ذي الحجة 1358هـ.

ملحق رقم ( 6 ) أحمد النعمان ..زعيم الأحرار

منذ أن كان صغير السن حرص على تلقي العلم في قريته ، ثم في زبيد حيث درس العلوم الدينية على أيدي بعض علمائها الأجلاء... وما أن عاد إلى مسقط رأسه حيث قام بتأسيس ( المدارس الهلية ) ، و( نادي الإصلاح ) عام 1934م. وفي دار أسرته العريقة كان المواطنون من أبناء قريته يتوافدون عليه لقراءة ما كان يصل إليه من الكتب ، والصحف ، والمجلات التي كان يقوم بتهريبها معهم من عدن العمال العائدون من عدن ، أو من المهجر.. وكانت تلك المدرسة المتواضعة ، وذلك النادي الصغير مدار أن من قبله بمنتهى السرية... لكن لم يقتصر التعليم في مدرسته على تلقين روادها من الطلبة القرآن ومبادئ العلوم الدينية فقط ، كسائر الكتاتيب والمدارس في شمال اليمن حينها ، وإنما كان يشمل تدريسهم العديد من المواد الأخرى كالحساب ، والجغرافيا ، والتاريخ.. إذ كان يرى أن إصلاح الأوضاع ، وتطوير المجتمع ، وتغير النظام إنما يبدأ بنشر التعليم حتى ينمو الوعي في أوساط الناس.. فكان بذلك سباقا إلى إدراك أهمية دور العلم ، وضرورة مكافحة الجهل في الارتقاء بوعي الشعوب ، ومداركها ، إذ أن الجهل يحول دون معرفتها بحقوقها المشروعة ، وبالتالي لا تدرك واجبها بأن تناضل من أجل انتزاع تلك الحقوق ، واسترداد حرياتها المسلوبة.

وإثر رحليه إلى القاهرة لمواصلة دراسته في الأزهر الشريف ، بادر إلى إطلاق ( أنته الأولى ) في شكل رسالة جريئة وناصحة بعثها إلى ولي العهد حينها –سيف الإسلام الإمام أحمد يحيى حميد الدين- وكان ذلك في عام 1936 م.

وفي مصر التقى مع القاضيمحمد محمود الزبيري ليصبح الاثنان منذئذ رفيقي درب واحد.. وأثناء مقامه في أرض الكنانة تعرف إلى العديد من المجاهدين العرب الكبار مثل شكيب أرسلان ، و محمد على الطاهر ، ونفر من ساسة ومثقفي مصر البارزين آنذاك ، كما جمعته بفضيلة العلامة الجليل الشيخ محمد بن سالم البيحاني.. علاقة محبة وصداقة استمرت منذ تزاملهما في الأزهر وحتى وفاة الأخير.. وقد تعرف النعمان والزبيري على الإمام حسن البنا وانضما لجماعة الإخوان وقد اهتما بهما البنا اهتماما خاصا.

ثم عاد « الأستاذ » -كما ظل اليمنيون يدعونه ويطلقون عليه في أحاديثهم عنه ، أو مخاطبتهم له- مع رفيقه وصديق عمره ، وشريكه في رحلة الكفاح الطويلة إلى أرض ا لوطن... غير أنهما ما لبثا ثلاثة أعوام في تعز حتى قرارا التروح سرا منها مع رهط من صحبهما ، وفي مقدمتهم المثقفان الكبيران ، والشاعران الفذان- الشهيد زيد الموشكي ، والأستاذ أحمد محمد الشامي إلى عدن حاضرة الضفة الأخرى من الوطن بعد أن كان قد سبقهم إليها الشيخ مطيع دماج ، وثلاثة من المشايخ الساخطين على الحم الإمامي.

ومنذ أن القيا الرحال في عدن أوائل شهر يونيو 1944 ، بدأ الزعيمان الوطنيان الكبيران- نعمان والزبيري في تأسيس حركة الأحرار ، بدء بـ ( حزب الأحرار ) الذي لم تسمح سلطات الاحتلال البريطانية بقيامه ، مما دعاهما إلى إنشاء ( الجمعية اليمنية الكبرى ) .. ومنذ ذلك الحين انطلقت مسيرة النضال ضد الحكم الإمامي في الشمال.

وإثر قيام ثورة فبراير 1948 م بزعامة الشهيد السيد عبد الله بن أحمد الوزير ، تم تشكيل حكومة برئاسة سيف الحق إبراهيم الذي كان قد انضم إلى حركة الأحرار في عدن بقيادة النعمان والزبيري ، واختير الأستاذ وزيرا للزراعة فيها –فما لبث الأخير أن قرر التوجه إلى صنعاء... لكن بينما كان هو المناضل الحاج عبده الدحان قد وصلا إلى مدينة ذمار ، قام عكفة وأنصار أسرة حميد الدين بأسرهما وإرسالهما مكبلين بالأغلال سيرا على الأقدام إلى ( سجن نافع ) الرهيب في حجة ، إذ كان الإمام أحمد قد نجح في القضاء على الثورة الوليدة... وبقى الأستاذ قابعا مع رفاقه الآخرين من الثوار الذين افلتوا من الإعدام ، خلف أسورا ذلك السجن العتيق حتى أطلق سراحه بعد أعوام.. وتوجه إلى تعز ، لكنه لم يمكث فيها وقت طويل بعد أن أخفق في حمل الإمام على إجراء إصلاحات ، وقصد القاهرة حيث التقى برفيق دربه ، وصنو حياته القاضي الزبيري الذي كان قد ترك كراتشي التي قضى فيها بضعة أعوام-ولدى مجيء الأستاذ لزيارة عدن العزيزة ، طلب منه البريطانيون مغادرتها ، فقفل راجعا إلى أرض الكنانة حيث بقى مع القاضي الزبيري إلى أن قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 م.

تولى الأستاذ العديد من المناصب الهامة ، إذ تقلد في أوائل أيام ثورة سبتمبر حقيبة الحكم المحلي ، لكنه استقال منها ليعين مندوبا دائما لدى الجامعة العربية.. كما قام بتأليف حكومته الأولى عام 1965 عقب ( مؤتمر خمر ).. وإثر قيام حركة الخامس من نوفمبر 1967 ، اختير عضوا في المجلس الجمهوري ، ثم كلف بتأليف حكومته الثانية عام 1971 م ، لكنه ما لبث أن قدم استقالة حكومته بعد أن أعلن إفلاس خزينة الدولة... واستأنف عضويته في ( مجلس الجمهورية ) حتى قيام حركة 13 يونيو 1974 م بقيادة المقدم –آنذاك- إبراهيم محمد الحمدي.. فانتقل إلى بيروت ليقيم فيها...

وبعد اغتيال نجله الأكبر –الشهيد محمد أحمد نعمان- في بيروت ، انتقل إلى السعودية ، ثم رجل بعد أعوام إلى جنيف- عندما أنهكه المرض ، وهدته الشيخوخة إلى أن توفى فيها- ومن الغريب أن يكتب عليه قضاء معظم عمره بعيدا عن وطنه... وكان هذا القائد الوطني المؤسس لحركة الأحرار ، الذي غرس مع رفيق حياته القاضي الزبيري بذور الوعي ، وشجرة الكفاح ضد الإمامة ، عالما جهبذا ، وخطيبا مصقعا ، وشاعرا ، وكاتبا مبدعا ، وذا ذاكرة فريدة لم تخنه في يوم من الأيام كلما أراد استظهار آية قرآنية ، أو حديث نبوي ، أو بيت من الشعر.. ولكن كان يحفظ من القرآن ، والأحاديث ، والقصائد ، والأقوال المأثورة-بل لكم له من القوال المأثورة-لكنه ، قبل هذا وذاك ، كان يتصف بالحكمة والدهاء ، وظريفا لا تخلو أحاديثه من الطرف والنكات الساخرة.

إنما لكم ظلمناه حين كان يدعو إلى الاعتدال ، وعدم الغلو في المواقف تجاه الآخرين ، ... فهل تراه يعود ليكشف اعترافنا بأخطئنا ، وبحكمته التي افتقدها اليمن والعرب الآخرون في هذا الزمن الصعب ، مع الاعتذار له فجزأه الله خير الجزاء.

وكان النعمان صديقا للكاتب الكبير أنيس منصور وقد كتب أنيس مقالا هام عن النعمان جاء فيه : كان الزعيم اليمني محمد أحمد نعمان لا يحب جمال عبد الناصر والسلال والإمام أحمد . أما الإمام أحمد فكان مادة سخرية في كل المناسبات وكل الرسميون المصريون يحذرونه. ولكن لأنه خفيف الدم ففي أحيان كثيرة كنا نطلب إليه أن يقول ويعيد .. ويعيد.. وكان لا يتردد.

وكان يمر على المؤسسات الصحفية كجهاز للدعاية المعتادة وكان صديقي ، وكان يسرف في رواية أشعار شاعر اسمه الزبيري. وكنت أظن أن الزبيري شخصية وهمية حتى جاء به وصرته جميعا أصدقاء.

وكانت له دعابات عجيبة. ففي يوم أيقظني في ساعة مبكرة غاضبا ساخطا شاخطا ناطرا ويقول : كيف تطبل الصحف وتزمر لأن روسيا أطلقت قمرا وبداخله كلب... مع أن الإمام أحمد أطلق ابنه البدر إلى لندن ومعه عدة خيول فلم تكتبوا عنه سطرا واحد؟!

ولم أكن اعرف أن النعمان خطير لدرجة أن عبد الناصر قد غضب على الكاتب الكبير مصطفى أمين لأنه تحدث على لسانه برأيه في النعمان والسلال. فقد عثرت أخيرا على نص الخطاب الذي بعث به مصطفى من السجن إلى الرئيس عبد الناصر.

وقال شعرا بديعا ولكني مع الأسف نسيته لقد خرج من السجن لتوه. فالكثير من أحرار اليمن الذين اختلفا مع السلال اعتقلهم عبد الناصر في السجن الحربي بالقاهرة. وقد أرسل النعمان أكثر من رسالة إلى عبد الناصر ناصحا ومحذرا ولكن الأخير اعتاد التمسك برأيه حتى ولو كان ضد مصلحة الوطن.

فقد أعلن النعمان أكثر من معارضته للعسكرية المصرية حيث تجاوزت أغراضها في نصره الثورة اليمنية وقد كتب هو والزبيري والإرياني استقالتهما للمشير عبد الله السلال وقد تم اعتقالهما بعد ذلك كما سبق الذكر في السجن الحربي بالقاهرة ونلاحظ أن هؤلاء الثلاثة كانوا من قادة ثورة 1948 وقد اشتركوا في ثورة 1962 ولكن حينما علموا أن عبد الناصر له أغراض أخرى من التدخل في اليمن استقالوا وأصدروا البيان الشهير « لهذا استقلنا »

وعن تجربة اعتقاله هو والحكومة اليمنية في السجن الحربي في مصر أيام عبد الناصر يقول تم اعتقالي في منزلي بالدقي وكان معي ابن عمي محافظ تعز ( عين عبد الواسع نعمان وسعيد مرشد القائم بأعمال السفارة فقد ركبنا بسيارة واتجهنا إلى مصر الجديدة شارع الخليفة المأمور وفوجئنا أن نرى أمامنا « السجون الحربية للتأديب والتهذيب والإصلاح » أبعد شيبي ببغي عندي الأدب دخلت بنا السيارة البوابة وصلنا على عند اللواء حمزة البسيوني الذي كان العميد حمزة وتمت ترقيته خلال الخطب.. طلبنا ثياب النوم وسجاده الصلاة والمصحف أخذنا وتم توزيعنا على الزنازين وكانوا يغلقون الأبواب من الخارج وإذا أردت الذهاب إلى الحمام عليك أن تقرع الباب مرة اضطررت للقرع ثلاث مرات قال لي : أقول لك بعد خمس دقائق قتل له ( الحارس ) شوف عداد البول ليس في رأسك أنا محاضر وتقول لي بعد خمس دقائق لا نريد حرية القول أعطونا حرية البول وكان الذي ينظف الزنازين أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين وكنا مرة في حالة ضيق من الوضع قتل له إلى متى السجن قال الحارس سجن لا تقولها أنت ضيف أنت لا تعرف من هو السجين يضرب بالكرابيج السجين راقد على البلاط والكرابيج على رأسه حامل الجزمات من الذي ينظف لك المرحاض من يحمل الزبالة من يحمل الماء ( يقصد أعضاء الإخوان المسلمين المتعلقين معنا ).

وقد بقينا في السجن تسعة أشهر وعشرة أيام في الزنزانة ثم نقلنا إلى السجن الحربي بعد هزيمة 1967 وقضينا به ثلاثة أشهر واثنا عشر يوما فالحكومة اليمنية بكاملها وأقطابها ورجالها مسجونون مهانون سنة واثنان وعشرون يوما.

وفي السجن رأيت أن أهون على نفسي في السجن وأقضى بعض أوقاتي بنظم شعري يصور الخواطر التي تمر بي فمن الخواطر التي مرت بخاطري أيام الشتاء.

منوا ورقوا يأهل مصر

ففيكم الذوق واللطافة

ونحن في سجنكم بخير

لا جوع ، لا عرى ، لا مخافة

فأكلملوا فضلكم علينا

بالشمس والجو والنظافة

جاوزتموا الحد في قرانا

حتى اختنقنا من الضيافة

الضيف من حقه ثلاث

من الليالي بلا إضافة

لو زاد أو بعض يوم

يكون في منتهي السخافة

فسرحوه بلا وداع

وطاردوه بدون لهفة

صبوا على رأسه رمادا

وما تبقى من الكنافة

ثم اكسروا الزير من وراه

وأحرقوا بعده اللحافة

يغنيكم الله من ضيوف

كانوا لكم محنة وآفة

ثم انتقلنا بعد الخروج من السجن في مصر إلى بيروت. وحدث تغيير في اليمن ، لأن اليمنيين في الواقع فوجئوا بشيء لم يخطر على بالهم ، كانوا يعتقدون أن مصر دخلت اليمن ببواعث إنسانية. إذ كانت تعلن أنها دخلت لإنقاذ الإنسان اليمني من التخلف ، ولتعيد إليه الكرامة الإنسانية التي كرمه الله بها. كان هذا الانطباع عند كثير من اليمنيين الذين لم يفقهوا ولم يدرسوا هذه الدعوات وهؤلاء الحكام الذين اتخذوا الشعارات مبررات فقط كي يتمسكوا بالسلطة وليكي يحاربوا الدنيا وكل شيء من أجل هذه السلطة ولو احترقت الشعوب في سبيلها. فبدأ اليمنيون ينقبضوا من التصرفات التي رأوها. وكأن هذه القوات ما دخلت إلا لكي تجعل من اليمن قاعدة تنطلق منها نحو شبه الجزيرة العربية. وطالت المعركة في اليمن. وكان من الممكن أن لا تطول ولكن لكي يتخذوا منها مبررا للبقاء في اليمن. كانوا يوسعون الحرب ويختلقون الأسباب والمشاكل. فحينما أنسحب الجيش المصري من اليمن بدأ اليمنيون يتنفسون الصعداء. ولكن كان هناك مجموعات مضللة بالشعارات مستمتعة بها ، ترى أن التحدث أو الإساءة إلى الجيش المصري أو الحديث عنه يفضي إلى القتال ، وهكذا ستدور حر أهلية. فكان أولى شيء هو تنحية السلال لأنه كان يمثل ركيزة للقوة الخارجية داخل اليمن. وقد ضاقت اليمن به ذرعا وعملوا على أخراجه من الحكم باعتباره تابعا للقوات المصرية. وبعد أن خرجت هذه القوات لابد أن يخرج ركائزها من أسلطة. وتشكل المجلس الجمهوري بدلا عن رئيس الجمهورية ورشحت أنا لأكون عضوا فيه لكنني.

وما حدث من حرب وانقسام كان بفعل الغزو المصري لليمن ، فهو الذي أوجد هذا الشقاق ، وأوجد الانقسام بين اليمنيين. وهم كلهم ليست لهم عقائد مختلفة ، ولا لغات ولا قوميات تستغل كما في سائر البلدان الأخرى. إنما كلهم يمنيون وكلهم عرب مسلمون ، يتحدثون لغة واحدة ، ولهم تقاليد واحدة ، وعادات واحدة. ولكن حين لم يجدوا أن هذا مسيحي وهذا مسلم ، أوجدوا ملكي وجمهوري. يعنى نقلوا لنا الوباء الذي صنعوه في البلاد العربية ليمزقوا به شعوبها. أرادوا أن ينقلوه على اليمن. لم يجدوا قوميات ولا ديانات مختلفة ولا جنسيات ( جماعات عربية ) مختلفة ، لا أكراد لا أروام ، لأن هذا مفقود في اليمن الذي كله شعب واحد ، في هذا الوقت من أغسطس سنة 1968 بدأت الأمور تنجلي في اليمن وتنفتح انفتاحا آخر. وبدأت الدعوة تعتمد على اليمنيين أولا وقبل كل شيء. فأقبل الملكيون الذين كانوا لاجئين في السعودية والذين كانوا ي الكهوف والجبال ، وبدءوا يتوافدون إلى صنعاء ، ومنهم قادة كانوا يقاتلون قتالا مريرا ضد إخوانهم الجمهوريين أيام وجود المصريين. ما حدث لليمن واستمر لسنين ، من الممكن أن يكون درسا للبلاد العربية ، بينما نرى في سوريا اليوم لا يقبلون أن يعود إلى البلاد إخوانهم بل أساتذتهم. وليس بينهم إلا خلافات فكرية. ففي اليمن ينفتح الأخ على أخيه إذا كان يطلق عليه الرصاص ويصوب عليه الرشاشات ليدخل ويقاسمه في كل شيء ، في أرضه وفي السلطة وفي أي مكان. بدأت هذه الروح الآن تطغى في اليمن ، وإذا بهم يعيدون لنا اعتبارنا. ويحثون إعادة الجواز الدبلوماسي الذي كان سحب عند ما كان البيضاني هنا ( سسفيرا في لبنا ). والبيضاني هذا بوجه صريح لم يكن يمنيا حقيقيا في فترة من الفترات ، ولكنه استطاع أن يحصل على جواز يمني وينتسب لليمن. فاتخذته الحكومة المصرية أداة لها وسلطته على أبناء اليمن بحيث كانت السفارة في لبنان عبارة عن وكر للتجسس على اليمنيين إلى أن جاءت هذه القيادة الجديدة فأخرجته من السفارة وأدانته بالسرقات.

ملحق رقم (7) الأمير الصالح سيف الحق إبراهيم ( 1918- 1948 )

إنه الأمير الصالح سيف الحق إبراهيم الابن الثامن للإمام يحيى حميد الدين ولد في صنعاء في سبتمبر 1918 حفظ القرآن الكريم قبل أن يكمل الثامنة من عمره أحب الآداب والتاريخ تعلم الفروسية وعشق الصيد اتصل بالعلماء والمصلحين في اليمن عرف عنه الصلاح والتقوى.

لم يشارك أخوته في حياة اللهو التي اعتادوا عليها شاهد بعينه حالة البؤس والظلم الذي يعاني منهما الشبع اليمني وأشار على أبيه وأخوته بضرورة الإصلاح.

وحينما أصبح للأحرار كيان وقاعدة في عدن القراءات بين نفسه أن يلتحق بهم مضحيا بالمال والمجد وحياة القصور وفي نوفمبر 1949 لحق الأمير إبراهيم بجماعة الأحرار وقد أحدث ذلك هزة عنيفة في أوساط العالم العربي والإسلامي وتناولت الإذاعات والصحف خبر وصول الأمير إبراهيم وفراره إلى عدن مغادرا الأهل والوطن وعرش الخلافة مطالباً بحقوق الشعب وعدالة الحكم في صنعاء وتغيير الأوضاع وإزالة الظلم والعمل على « شريعة الله والخلفاء الراشدين » ويروي « أحمد الشامي » في مذكراته ، كيفية خروج الأمير إبراهيم من اليمن إلى صنعاء فيقول : « تظاهر الأمير إبراهيم بإصابته بمرض الصرع ، وحمل إلى داره ، وأحضر الأطباء ، وقرروا ضرورة إسعافه إلى « أسمرة » ثم إلى روما للعلاج- ثم نقل على سيارة مع رفيقه أحمد البراق الذي اختير على أساس أنه يتكلم الإنجليزية إلى الحديدة ، ومنها على سفينة إلى كمران ، ثم على طائرة في « أسمرة » بأمر الإمبراطور هيلا سلاسي ، الذي أمر بإرسال أحد أولاده الأمراء لاستقبال « الأمير إبراهيم » -ابن ملك اليمن- وأنزله في قصره بأسمرة. وفي أسمره اتصل الأمير إبراهيم بالأستاذ الزبيري والأستاذ أحمد نعمان بواسطة القنصلية البريطانية في أسمره أو أديس أبابا – وعرض عليهما رغبته في الانضمام إليهما –فرحبا بذلك. وغادر الأمير أسمره وقصر الإمبراطور مع رفيقه وسكرتيره أحمد البراق – واستقبله الأمراء في عدن استقبال الأبطال ، ولقبوه « سيف الحق إبراهيم » وذلك بعد جرده أبيه الإمام يحيى من لقب سيف الإسلام.

لقد أثار التحاق سيف الحق إبراهيم بحركة الأحرار في عدن ثائرة كل من والده وأخيه ولي العهد أحمد . فقد أرسل أبوه رسالة يستطلع فيه الأسباب التي حملته على الالتحاق بالأحرار ، كما جاء إليه وفد من قبل أخيه ولي العهد يقترح عليه العودة وأن يقدم كل مطالبه الشخصية فتقضي له وقد تظاهر للوفد بالموافقة على العودة شريطة أن يدفع الوفد بعض ما كان عليه من الديون أولاً ، فدفع عشرة آلاف روبية لتاجر معروف في عدن كان قد أقرضها له في أسمرة وألف وخمسمائة روبية إيجار الفندق. أما الشرط الثاني الذي اشترطه سيف الحق على الوفد فهو « أن يشتري الوفد لعبا للأطفال وأحمر شفايف وأحذية وعطورا » . ولما تم اشتري كل ذلك بمبلغ عشرة آلاف روبية قام الركب ميمما نحو « اليمن » بعد أن حمل البرق إلى تعز البشرى العظيمة. ولكن السيارة التي أقلت سيف الحق وحاشيته ، بعد أن وصلت إلي المجراد « خور مكسر » ، حولت مجراها جنوباً ، وألقى الأمير عصى الترحال في داره الجديدة في بيت صالح مكاوي الذي استأجره لهذا الغرض الجمعية اليمانية الكبرى ».

فلماذا كان هذا التحول؟ بالطبع لم يكن سيف الحق إبراهيم ينوي العودة إلى تعز وإنما كان يسخر من الوفد عندما أخبره بأن هجرته إلى عدن كان من أجل أحمر شفايف. وتضيف الصحيفة : « ولماذا سألنا العليم عن سبب هذا الحول وقد عرض على الوفد إنه إنما يريد أحمد شفايف وبوردة لبلاده ، فلم ينتبه لوفد إلى هذه النكتة ، فتركه الأمير يدفع ثمن هذه الأزياء ».

أما بالنسبة لجواب الأمير إبراهيم على برقية والده التي طلب فيها منه شرح الأسباب التي جعلته ينضم إلى الأحرار ، فقد بعث له برقيا ومما فيه :

.. إنكما يا مولاي تعلمون أن سبعة ملايين من اليمنيين في الداخل والخارج ،يضرعون إلى الله صباحا مساء ، أن يزيل عنهم الأحكام القاسية في اليمن ، وأن يزيل العمال والحكام وأولي الأمر الذي يرتكبون الظلم والفسق والسلب بواسطة الجنود باسمكن واسم الدين.

لم أفعل غير إعلان براءتي من قساوة الأحكام في اليمن ، وتأييدي للساعين في إصلاح البلاد والعباد ، وتوطيني النفس على تحم الميثاق من أجل المحافظة على استقلال اليمن وسعادتها ووحدتها المهددة بالتمزق والانقسام.

أما نيتي الصريحة فهي الجلوس في « عدن » حتى يستتب الأمن وتحل مشاكل اليمن التي ستقضي على الإمام إذا استمرت بهذا الشكل.

هكذا بعد أن اختار اليمانيون بقائي بينهم في المهجر فوافقت على اختيارهم لأعيش بينهم خالي البال ، مطمئن الخاطر ، لا طالبا مالا ولا جاها ، ولا أبغي بذلك منصبا ، مفضلا العيش بينهم على العيشة في اليمن ، لكثرة المناظر المؤلمة وشدة الضغط الذي سيولد الانفجار ».

ثم وجه الأمير إبراهيم رسالة ثانية إلى والده قال فيها :

... يا أبتاه إن ضمير الحي وإرادة الشعب القوية قد انتزعاني من بين أيديكم لإتلاف البقية الباقية من شره الأسرة ومستقبل الأمة. وقد وجدت الأحرار المهاجرين في الخارج والمناصرين لهم في الداخل مخلصين للحق متتبعين لمن ينقادوا له ، لا يحملون حقدا على أحد وإنما يريدون من أول الأمر إسعاد الشعب ، فما لنا لا نضع أيدينا في أيديهم.

يا أبتاه.. لا تراودنا أية محاولة غير الرجوع إلى الأمة وقبول مطالبها العادلة وإرضائها برفع ما يشكون منه والامتزاج الصحيح بالأمة العربية والتعاون معها.

يا أبتاه : إن سخط الأمة على الأسرة المالكة ناشئ من أولئك الذين يستعبدون الشعب ويجمعون الثروة من النفوس الجائعة العارية والمظلومة ، وهم بذلك يزعمون أنهم يجمعون لنا قوة وعتادا وهم لم يجمعوا إلا الأحقاد التي تنجم عنها الثورات والمصير الوخيم.

.. يا أبتاه : تداركوا أمر الأمة قبل فوات الفرصة وحدوث ما لا يستطاع تلافيه ، واعلموا أن كل راع مسئول عن رعيته ولن يشفع لنا أحد يوم الحساب فإن حالة الرعية في جمع القطر تنذر بالويل وسوء المنقلب.

يا أبتاه : هل سألتم عن أبناء اليمن الذي قضى عليهم أخي ( أحمد ) و ( الحسن ) بجورهم وتعسفهم؟ هل استفسرتم عن أحوالهم؟ أنها تعجل بالنقمة فقد بلغت الأحكام الدرجة القصوى من الظلم والاستهتار بالشريعة لا يحاسبهم أحد على أعمالهم ».

كما أرسل سيف الإسلام إبراهيم برقية إلى أمين الجامعة العربية.. أنه على خطورة الحالة في اليمن فقد قررت مع المخلصين من رجالات اليمن وبعض أخوتي سيوف الإسلام أن تلافي الخطر بتأييد الجمعية اليمنية الكبرى ، ونصرة الأحرار اليمانيين ، وضم أصواتنا إلى أصواتهم ، للمطالبة بالحقوق الشرعية العادلة ، التي لا تسيء إلى أحد ، والتي هي ضرورية لسلامة البلاد وسعادتها.

فأرجو من الجماعة العربية أن تتدخل لحل مشكلة اليمن الخطرة قبل أن يفلت الزمام من أيدي المخلصين ، ويحدث ما لا يحمد عقباه ولما لا نحمده جميعا ».

وبعد قيام الثورة فبراير 1948 أرسل الإمام الجديد عبد الله الوزير إلى الأحرار في عدن فرحل سيف الحق إبراهيم والبيري والنعمان وغيرهم برا إلى صنعاء واستقبل الأمير بحفاوة بالغة وتولى رئاسة مجلس الشورى في النظام الجديد. ولكن لم يستمر ذلك أكثر من 26 يوما فقد استطاع سيف الإسلام أحمد أن يقضي على ثورة الدستور فمات الأمل وأعدم سيف الإسلام أحمد زعماء الثورة وسجن أخيه في سجن حجه ثم أدخل له بعد ذلك طعاما مسموم فاستشهد الأمير الصالح.

لمزيد من التفاصيل راجع : -أحمد الشامي – رياح التغير في اليمن.

- عبد الله الثور – ثورة اليمن

رسالة الأمير إبراهيم إلى أبيه :

بسم الله الرحمن الرحيم

جلالة والدي المعظم :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا أبتاه إن ضمير الحي وإرادة الشعب القوية قد انتزعتني من بين أيديكم لاتلافى البقية الباقية من شره الأسرة ومستقبل الأمة وقد وجدت الأحرار المهاجرين في الخارج والمناصرين لهم في الداخل مخلصين للحق متبعين لمن ينقاد له لا يحملون حقدا على أحد وإنما يريدون من أول الأمر إسعاد الشعب ، فما لنا لا نضع أيدينا في أيديهم؟؟

يا أبتاه : أنني بهذا أبر أخوتي لكم ، وأصلحهم لجلالتكم ، وأكثرهم حنانا وإشفاقا على أفراد أسرتنا ومستقبلنا ، الذي تحيط به المكاره والأخطار ولا تنفعنا أية محاولة غير الرجوع إلى الأمة وقبول مطالبها العادلة وإرضائها برفع ما يشكون منه والامتزاج الصحيح بالأمة العربية والتعاون معها.

يا أبتاه : إن سخط الأمة على الأسرة المالكة ناشئ من أولئك الذين يستعبدون الشعب ويجمعون الثروة من النفوس الجائعة العارية المظلومة ، وهم بذلك يزعمون أنهم يجمعون لنا قوة وعتادا وهم لم يجمعوا إلا الأحقاد التي تنجم عنها الثورات والمصير الوخيم.

يا أبتاه : هل أنتم راضون ومطمئنون إلى مستقبل أسرتنا والأمة تشكوا جبروت الحكم الذي لا يحمينا ولا يجدينا فتيلا لولا احترام شخصيتكم المقدسة لجرفتهم الأمة بتياره القوي الغضبان ولا يطيل صبرها إلا ما دمتم على قيد الحياة.

.. يا أبتاه : تداركوا أمر الأمة قبل فوات الفرصة وحدوث ما لا نستطيع تلافيه ، واعلموا أن كل راع مسئول عن رعيته ولن يشفع لنا أحد يوم الحساب فإن حالة الرعية في جميع القطر تنذر بالويل وسوء المنقلب.

يا أبتاه : هل سألتم عن أبناء اليمن الذي قضى عليهم أخي ( أحمد ) و ( الحسن ) بجورهم وتعسفهم؟ هل استفسرتم عن أحوالهم؟ أنها تعجل بالنقمة فقد بلغت الأحكام الدرجة القصوى من الظلم والاستهتار بالشريعة لا يحاسبهم أحد على أعمالهم.

أما أهالي لواء ، تعز ، واب فقد ضاقت ( عدن ) بمهاجريهم في الأيام الأخيرة فرارا من ظلم ( الحسن ) و ( أحمد ) ، ومن يستر عنكم الحقائق ويقول أن الحالة في اللواءين كما يرضى فقد كذب عليكم فلا يوجد في اللواءين ابن أنثى لم يصبه الظلم والنهب والهتك.

كما أني ألفت نظرمكم يا مولاي إلى قضاء ( رداع ) وما يلاقيه من مظالم الحكام الذين شردوا سكانه في أنحاء المعمورة نتيجة السلب والقهر ولم تزل الرسائل ترد إلي من أهالي ( رداع ) المخلصين وذوي المكانة فيهم يشكون فساد الحكم لديهم وقسوة الموظفين وآخر رسالة استلمتها استنكر صاحبها قلة اهتمامي بقضاء ( رداع ).

والحقيقة أننا لا نالوا جهدا في العمل لجلب الراحة والرفاهية والطمأنينة لسكان اليمن ، وإننا نعلم أنه لا توجد في اليمن قرية ولا مدينة لم يصبها شر ظلم الحكام.

تكرموا يا مولاي بمطالعة ( صوت اليمن ) لتطلعوا على كل ما يجري في مملكتكم ، تصفحوا هذا العدد لتعرفوا كيف يلومني أخي ( أحمد ) على الأمة بإرساله الأموال الضخمة ليسكت بها صوتي.

اسمعوا أنين الأمة ، ومزقوا الستار الذي بينكم وبينها ، وتقبلوا تحياتي وخالص احترامي وسلام الله عليكم.

ولدكم المخلص

إبراهيم


نداء سيف الحق إبراهيم إلى الشعب اليمني :

بسم الله الرحمن الرحيم

أبناء وطني العزيز : كلكم يعلم ما وصلت إليه الأحوال في بلادنا المنكوبة بسبب جور الظالمين وأعمال المستبدين الغاشمين الذين ضلوا طريق الخير والرشاد. وسكوا سبيل الغي والفساد ، واتبعوا أهواءهم ، وجعلوا أوارم القرآن ونواهيه وراء ظهرهم واستخفوا بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم : فحكموا الناس بالباطل وتمادوا في النهب والسلب وأكل أموال المسلمين وامتهان علماء الدين والإعراض عن نصح الناصحين وتحذي المخلصين وقبضوا أيديهم عن الصرف في مصالح العباد والبلاد وأهملوا كل ما يعود على الأمة بالإصلاح والنجاح إلى غير ذلك من أعمالهم التي أغضبت الرب سبحانه وتعالى وجعلت الناس يضجون ويدعون الله بأن يخلصهم من هذا الكرب ويفرج عنهم بزوال هذا العهد الجائر البغيض.

وكلكم يعلم أن المستبدين قد شطوا في استبعاد الناس واضطهاد رجال الأمة وساقوا كل من يتوسمون فيه الإخلاص وحب الخير لأمته وبلاده إلى سجون مظلمة موحشة يلاقون من وحشتها وثقل قيودها وقسوة سجانيها الويل والعذاب.

ومن أجل هذا كله خرجت من صنعاء تاركا أهلي وأولادي احتسابا لله ولرسوله وغيرة عليكم يا أبناء وطني الذين لا عز لي إلا بعزكم ولا سعادة لي إلا بسعادتكم ولا راحة لي إلا في راحتكم وقد عزمت بعد أن استخرت الله سبحانه وتعالى على البقاء في عدن لأتمكن من المطالبة بحقوقكم المغصوبة ولأعمل إن شاء الله على تخليصكم وتخليص البلاد من ظلم الظالمين وجور الجائرين ولأبعث فيكم روح الغيرة والإباء اللذين عرفتم بهما أبناء اليمن من قديم الزمن.

يا علماء الأمة إن الحالة في اليمن لا تطاق بعد اليوم أبدا وإن السكوت على ما نسمع ونرى في كل صبح ومساء جريمة وأي جريمة وأنتم تعلمون أنه ليس لمسلم يؤمن بعد الله أن يسكت على هذا الظلم وكيف بكم وأنتم العلماء ورثة الأنبياء الذين أوجب الله عليكم قبل غيرهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وينذروا الظالمين ويبينوا للناس أحكام هذا الدين القويم الذي جاء بالعدل والمساواة بين الناس في كل شيء والذي دعا إلى كير خير وأمر بكل إصلاح ، أفترضون لأنفسكم ولأمتكم هذا الذل والهوان أو نسيتم قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.

إنه لولا إغضاؤكم عن أعمال الظالمين وسكوتكم عما يلاقيه المسلمون لما بلغ الحال إلى ما بلغ إليه وأنكم لو قمتم ولو ببعض واجبكم الديني لوقف الظالمون عند حدودهم ولأرحتم الناس من بطشهم وطغيانهم ولكنتم مصابيح الأمة وقادتها إلى كل خير وفلاح.

أيها العمال والحكام : لقد استخدمكم الظالمون لا لإقامة العدل والإحسان بين الناس ولا لحفظ الأمن والنظام في البلاد ولكنهم اتخذوكم جباة قساة تسوقون إليهم أموال المسلمين وتخضعون لهم رقاب إخوانكم من المواطنين وقد سلبوا منكم كل حق وجردكم من كل سلطة فلا يسمعون لكم رأيا ولا يقبلون منكم صرفا ولا عدلا حتى دخل في روع الناس أنكم لا تصلحون إلا للشر ولا تقدرون إلا على الأذى فكيف ترتضون لأنفسكم هذه المنزلة بين مواطنيكم من المسلمين وبماذا ستواجهون الله رب العالمين وأنتم تعلمون أنه « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » ألم يأن لكم أن تعرفوا بأنكم حراس الأمن ورعاة العدل ووكلاء الأمة وأركان الدولة وأنكم مسئولون عن كل صغيرة وكبيرة وأنكم لو عملتم بما يرضي الله ويريح ضمائركم لنزل المستبدون عند رأيكم ولأرحتم الناس وأرحتم أنفسكم.

يا مشايخ البلاد ونقباء القبائل. لقد كان لكم بين قبائلكم مقام كريم فكنتم إذا قلتم وإذا أمرتم أطعتم وكان الظالمون يعرفون لكم مقامكم وقدركم حينما كانوا ينزلقون إليكم ويطلبون مساعدتكم حتى إذا ما تم لهم الأمر وصفت لهم الدنيا تنكروا لكم ومنعوا عنكم حقوقكم وعوائدكم وأفقروكم بعد الغنى وأذلوكم بعد العزة فماذا أنتم فاعلون وإلى متى أنتم على الذل مقيمون؟

أما أنتم أيها الزراع الكادحون فخطبكم عظيم وحالكم أليم وقد طالب صبركم على جور الحكام والعمال وعسف المأمورين النهابين وأذية العسكر « المخططين والمنفذين » الذين يحتلون منازلكم وينتهكون حرمة بيوتكم وقد طالما اعتبركم الظالمون خولا وعبيدا تزرعون ليأكلوا وتجرعون ليشبعوا وتشقون ليسعوا ثم إنهم لا يحمونكم إذا أجدبتم ولا يساعدونكم إلا افتقرتم ولا يداوونكم إذا مرضتم وقد ضعفت أحوالكم وتناقصت أجوركم وبعتم أراضيكم وهاجر بعضكم إلى خارج البلاد فرارا من الظلم والعسف وطلبا للعيش الذي حرمتموه في وطنكم.

إن قلي والله ليتفطر ألما لحالتكم ولا تلاقونه من محن لا عداد لها ومصائب لا قبل لكم بها وإنني لأدعو الله سبحانه وتعالى أن يقرب اليوم الذي تذوقون فيه طعم العدل ولذة العيش الكريم.

وأنتم أيها التجار المنكوبون : إنكم من ضحايا هذا العهد الاستغلالي الفظيع الذي شل أيديكم وعطل أعمالكم وقضى على تجارتكم بمنافسة الولاة المتاجرين الين أعمى الدينار بصائرهم فاستغلوا نفوذهم وسلطانهم في التجارة بين رعاياهم حظكم وتحتارون في تدبير عيشتكم وعيش من تعولون من أهلكم وولائكم.

أيها الموظفون الصابرون : أنتم العاملون الدائبون والجنود المجهولون الذين الظالمون لخدمتهم وتنفيذ مقاصدهم لا لخدمة الوطن ورعاية مصالح الأمة عنكم حقوقكم وقتروا عليكم في مرتباتكم وأرزاقكم وأحوجوكم إلى مد وجرأة على أخذ أموال الناس من وجوه غير مشروعة وحرموكم من العزة والكرامة والتي يتحلى بها موظفو الدولة في جميع حكومات العالم.

تعملون ليلا ونهارا ثم لا تجدون من يقدر أعمالكم وتقضون أعماركم في خدمة ثم تتركون أولادكم من بعدكم فقراء لا يجدون حكومة ترعاهم ولا وليا يقوم بأمر معيشتهم وتربيتهم وأنكم كما أعرف أكثر طبقات الأمة إدراكا للأمور وفهما للأوضاع وأعظمها استعدادا للخير وأحوجها إلى الرعاية والإنصاف.

أيها الجنود اليمانيون البواسل : يا أبناء قحطان وعدن أن ويا أحفاد حمير وكهلان الأمر في الدنيا كلها تبالغ في تكريم جنودها وتبذل الأموال الطائلة في سبيل تدريبهم وتسليحهم وتوفير أسباب راحتهم وإعزازهم لأنهم حماة الذمار وحراس الوطن المقدس الذين يبذلون دماءهم في الدفاع عن كيانه والذب عن حرماته ومصالح ويقدمون أرواحهم فداء له ولأبنائه أما أنت أيها الجندي اليماني فلا يعتبرك حاكموك الظالمون والطغاة المستبدون إلا خادما مأجورا لحراستهم وتنفيذ مقاصدهم الشخصية تسهر الليالي ليناموا مطمئنين هادئين وتفترش الحصير وتلتحف السماء في دورهم وقصورهم الشامخة وتلبس أخشن الثياب ليرتدوا الحرير والديباج وتمشي جانيا ليركبوا الخيول المطهمة وتأكل الخبز الجاف « الكدم » ليأكلوا ما لذ وطاب من الأطعمة وهم مع هذا كله لا يقدرون لك قدرا ولا يعترفون لك بحرمة بل يستخدمونك في أحط الأعمال والخدمات ويهينونك بأشد العبارات وأقذع الكلمات وهم مع هذا لا يتركون لك من المقر الضئيل بل يستردونه إليهم بالقطعيات.

والتقسيط ويحتالون عليه بتلك المعاملة التي لا يعامل بها أدنى العبيد.

والويل لك إذا مرضت فإنهم يعتنون بحيواناتهم ولا يعتنون بك والويل لأهلك إذا وافاك أمر الله وصدرت الأوامر بأن يحصلوا منهم ما تركت ورائك من حصيرة ممزقة وملابس مهلهلة.

إنك والله لمظلوم معذور وإنكم يا جنود الوطن لو عرفتم وطالبتم بحقكم لكان قولكم القول وفصلكم الفصل.

أيها اليمانيون على اختلاف طبقاتكم. أود أن تعلموا بأن العالم العربي والإسلامي فقد سمع صوتكم وعرف قضيتكم تمام المعرفة وغضب لما تقاسونه عن ويلات ها العهد المشئوم وأدرك العرب والمسلمون جميعا أن الحالة في اليمن خطيرة وأنه لا يمكن الصبر عليها ولا السكوت عنها.

واعلموا أنني على اتصال دائم بجامعة الدول العربية وبحكومتها وملوكها وأمرائها وزعمائها كما أنني على اتصال بوالدي جلالة الإمام وبإخوتي السيوف أتكلم باسمكم وأطالب بحقوقكم وأعمل لإنقاذكم فلا تقنطوا ولا تيأسوا من عدل الله وابشروا وبشروا بالنصر والفرج القريب واعلموا أنني لا اعتبر نفسي إلا كأحدكم ولا أقصد من وراء ما أقوم به إلا مرضاة الله ومرضاتكم وقد أيدني في موقفي هذا جميع الأحرار اليمانيين وهيأتهم العاملة في الداخل والخارج.

وإذا كان لي أن أناشدكم اليوم في أمر فهو أن توحدوا كلمتكم وتضموا صفوفكم ولا تعينوا الظالمين على أنفسكم وأن تعملوا معي جميعا لإنقاذ الوطن والله معنا وقد كتب على نفسه نصر المحقين وخذلان المبطلين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المحتسب لله ولرسوله

خادم الأمة « إبراهيم » 1947 م

الملحق رقم (8) الميثاق الوطني المقدس الذي وضعه حسن البنا عام 1947

لما صارت أحوال اليمن منحطة إلى حد بعيد في أمور الدنيا والدين بسبب الاستبداد ولأنانية اللذين اشتهر بهما الإمام يحيى بن حميد الدين حتى صار الغرض المطلوب من الإمامة معدوما في كل ناحية ، ولم يبق غير مظاهر خادعة كاذبة لا تتفق مع موجبات الشرع الشريف ولا تضمن شيئا من الإصلاح الذي يوجبه الذين في الحال ،ولا تصون اليمن من أسوأ العواقب في الاستقبال.

وقياما بالواجب ، لله تعالى وللمسلمين ، وطلبا للسلامة في الدين والدنيا من العقوبة من الله سبحانه وتعالى ولحفظ شرف الدين والاستقلال... اجتمع ممثلو الشعب اليمني على اختلاف طبقاتهم ، في هيئة مؤتمر للنظر في وضع نظام شرعي صالح وإقامة من ينفذه ويحفظ المن ويضبط مصالح الأمة ، ويقوم بكل واجب ديني ودنيوي لليمن وأهله عند وفاة الإمام الحالي فقرروا الآن بالإجماع ما يأتي :

مادة ( 1 )

مبايعة سيادة السيد ( ) لما اشتهر به من علم ، وفضل ، ومنزلة عالية في نفوس الناس الآن ، مبايعة دينية ناجزة إماما ، شرعيا ، شوريا ، دستوريا على نحو ما تسير به أرقى الأمم اليوم في العالم المتحضر ، فيما لا يخالف أدنى مخالفة للتعاليم الإسلامية السمحة الصحيحة.

مادة ( 2 )

كانت البيعة من ممثلي الشعب اليمني لحضرة صاحب السيادة المشار إليه ، على الشروط المقدسة الآتية :

أ ) العمل في كل قول وفعل بما تضمنه القرآن الكريم ، والسنة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.

ب ) يكون حضرته هو الإمام الشرعي ورئيس الدولة اليمانية ويكون له الحق الكامل الذي يتمتع به الإمام المحق الملتزم تنفيذ هذا الميثاق ، والشخصية التي لسائر الملوك ورؤساء الدول الحرة المستقلة في العالم.

ج ) لا تصدر جميع مراسيم الدولة ، وجميع الأحكام في المحاكم الشرعية إلا باسمه.

د ) لا تتم أية معاهدة مع الحكومات الأخرى إلا بموافقته وتحت إمضائه.

هـ ) إليه وحده تقدم أوراق الاعتماد من الممثلين الدبلوماسيين الأجانب ، لدى الدول اليمنية.

و ) له الحق في الإشراف على مجلس الشورى وعلى مجلس الوزراء والاقتراح للنظر في كل ما يريد من المشروعات على اختلاف أنواعها.

ز ) وله الحق في الإشراف على جميع أموال الدولة ومناقشة أعمال أي شخص ذي علاقة بها.

ح ) له السمع والطاعة في المنشط والمكره من كل فرد داخل نظام هذه البيعة الجارية على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وعلى ما كان عليه السلف الصالح وعلى العمل بكل تحسين يقبله الشرع الشريف.. له في ذلك ما دام متمشيا على هذه البيعة ملتزما لهذا الميثاق ساعيا إلى الغاية المقصودة من ذلك بكل سرعة ممكنة.

مادة ( 3 )

يكون نظام الحكم شورويا دستوريا بما لا يخالف الشريعة السمحة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله.

مادة ( 4 )

يقوم على وضع الدستور اليمني لجنة خاصة يعينها مجلس الشورى من أهل الكفاءة والصلاح علما وعملا ويجب أن نستعين في ذلك بالجامعة العربية وحكوماتها والعبقريين من رجالها ثم يعرض على الإمام ما يقررونه ليحليه حالا إلا الجمعية التأسيسية.

مادة ( 5 )

بعد ما تضع اللجنة هيكل الدستور بمواده المفصلة يجب أن يرفع إلى الإمام ليحيله على الجمعية التأسيسية لتنظر فيه وتناقشه مادة مادة ويكون التصديق على كل مادة منه بعد المناقشة بالأكثرية وفي هذه الحالة يعرض مرة أخرى على الإمام ليطلع على ما فيه ويقرر ما اتضح له صلاحيته وله الحق أن يأمر بإعادة النظر فيما عدا ذلك مبيننا أوجه لنقص فيه وعلى الجمعية أن وتوالي اهتمامها بدرس ذلك على ضوء التعاليم الإسلامية وبعد ذلك ترفعه إليه أخيرا مصحوبا بمستندات ما قررته الأكثرية ويصبح حينئذ واجب التنفيذ والتوقيع.

مادة ( 6 )

يكون ضمن أعضاء الجمعية التأسيسية الأساسيين أعضاء مجلس الشورى الذي سينص عليه فيما بعد.

مادة ( 7 )

مجلس الشورى المشار إليه هو الذي يضع قانونا لانتخابهم إذا قرروا طريقة الانتخاب أو يعينهم بالاشتراك مع حضرة الإمام إن رأى طيقة التعيين. على أن يكون مفهوما من الآن في حالة الانتخابات ما يأتي :

أ- أن يكون لكل يماني ذكر بالغ من العمر 20 سنة غير محكوم عليه شرعا لإجرام حق الانتخاب.

ب- أن لا يقل عدد ممثلي المدن عن الثلثين.

ج- أن تكون القبائل والقضوات ممثلة.

د- أن يكون للمهجرين اليمانيين في أي بلد يوجدون فيها حق إرسال ممثليهم في المجلس إذا كان فيهم ثلاثة آلاف فأكثر تتوفر فيهم شروط الانتخاب وإذا كثروا لهم على كل ثلاثة آلاف ناخب ممثل واحد وعلى الكسور مهما قلت ممثل واحد.

مادة ( 8 )

بما أن دعوة جمعية تأسيسية تتعذر الآن وأن وضع الدستور وتحديد المسئوليات الدائمة إنما هو من اختصاصها.. فإلى أن يتيسر ذلك يجب أن يكون تعيين مجلس مؤقت يسمى « مجلس الشورى ».

مادة ( 9 )

تكون صلاحية المجلس المشار إليه المؤقت ما يلي :

أ- القيام بوضع القوانين المؤقتة وضعا لا يخالف النظم الشرعية ، على أن يعمل بها حتى يصدق على الدستور وحينئذ تقر أو تلغى.

ب- القيام بالمهمات المشار إليها في المواد السابقة.

ج- يضع ميزانية الدولة للفترة المؤقتة.

د- يصادق على المعاهدات ويرفضها ، وعلى الإمام أن لا يبرم أية معاهدة إلا إذا صادق عليها أكثرية هذا المجلس وعليه أن لا يعزل وزيرا ، أو مديرا أو أمين لواء أو موظفا هو عضو في مجلس الشورى في المدة المؤقتة قبل وضع الدستور إلا بموجب عزله بحكم الشرع بعد تقرير وجوب ذلك من العلماء أهل الصلاح ، في مجلس الشورى أو لسبب آخر يتفق عليه أكثر هذا المجلس.

المادة ( 10 )

يتألف مجلس الشورى من سبعين عضوا منهم الذين سيذكرون إما بأوصافهم أو بأشخاصهم والباقي يتفق عليه تعيينهم مجلس الوزراء وحضرة الإمام والأعضاء المعينون من الآن هم :

أ- أعضاء مجلس الوزراء.

ب- مديرو الوزارات.

ج- المستشارون العموميون.

د- القائمة نمرة ( 3 ) التي تصطلح على تسميتها ( قائمة الموظفين الشوريين ) المرفقة بها والتي ستتلى مع بقية القوائم ، كل هؤلا ء يكونون أعضاء في مجلس الشورى المؤقت بحكم وظائفهم.

مادة ( 11 )

يتألف مجلس الوزراء على النحو التالي في القائمة المرفقة رقم ( 1 ).

مادة ( 12 )

تتألف هيئة الموظفين الشوريين على النحو الآتي في القائمة المرفقة رقم ( 3 ).

مادة ( 14 )

تنتهي مهمة مجلس الشورى المؤقت بمجرد انتهائه من وضع الدستور ودعوة الجمعية التأسيسية للانعقاد وفي هذه الحالة يتحول أعضاؤه من غير أي إجراء جديد إلى أعضاء الجمعية التأسيسية كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

مادة ( 15 )

بمجرد الانتهاء من إقرار الدستور يجب على الحكومة القائمة أن تقدم استقالتها لحرة جلالة الإمام وعليه هو أن يدعو من يشاء لتأليف حكومة جديدة حسب توصيات الدستور المشار إليه آنفا.

مادة ( 16 )

عند تأليف الحكومة الجديدة يجب أن تجتمع الجمعية التأسيسية فورا للغرض الآتي :

بما أن اليمن لم تتهيأ بعد طباعها للمعارك الانتخابي وليس من مصلحتها لذلك في أول عهدها بالدستور فلأعضاء الجمعية التأسيسية أن يتحولوا من غير إجراء جديد إلى أعضاء في الهيئة الشرعية الجديدة التي سوف تسمى ( مجلس النواب ) أو غير ذلك من الأسماء وذلك لدورة واحدة فقط لعدد السنوات التي سيحددها الدستور وليكن ذلك بشرطين اثنين :

أ ) أن لا يرى أكثرية الأعضاء والإمام خلاف ذلك.

ب ) أن لا يكو من الشعب اعتراض ظاهر معتبر.

مادة ( 17 )

بما أن اختصاصات المسئولين للفترة المؤقتة لم تفصل في هذا الميثاق تفصيلا كاملا فيجب فيما عدا ما نص عليه فعلا أن تكون اختصاصات الجميع كما هو الحال في مصر ، و العراق ، بين الملك والحكومة والمجلس النيابي على أنه يجب في الوقت نفسه المبادرة إلى وضع الدستور اليمني ، في مدة لا تزيد على سنة واحدة لتستقر الأمور نهائيا.

مادة ( 18 )

يشرع في تأسيس حرس وطني في الحال من الشباب المثقف وغيرهم للاستعانة بهم على حفظ الأمن وتنوير الأفكار ويكون رئيسهم هو مجير وزارة الدفاع ووكليه مدير وزارة الداخلية ويتبعان معا رئاسة مجلس الوزراء وتقدر لهم معاشات محترمة على أن تقطع بمجرد ما يسرحون عندما يتم الاستقرار.

مادة ( 19 )

تبلغ الجامعة العربية ودولها بالعهد الجديد ويطلب إلى تلك الدول الشقيقة أن تبعث للحكومة اليمنية الجديدة كل منها ( أولا ) عدد من الطائرات للاستعانة بها على حفظ الأمن وعلى سبيل الاستعارة أو الإيجار لمدة قصيرة وثانيا يطلب منها حلا وبإلحاح انتداب خبراء للاستعانة بهم على تنظيم جميع أنواع الإدارات الحكومية.

مادة ( 20 )

تؤلف حالا لجنة تسم للجنة المالية لضبط مالية الدولة وحصره اويكون من أعضائها رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشورى ووكليه ومستشار الدولة العام ، وأعضاء آخرون يجوز أن يكونوا من الوزراء وغيرهم تعينهم الحكومة وتكون اللجنة تحت إشراف حضرة الإمام ويكون الجميع مسئولين بالتضامن عن مالية الدولة حتى تنظيم الأحوال ويعين ديوان محاسبة على النحو الموجود بمصر وغيرها ويخلى طرف أعضاء اللجنة وتحل نهائيا.

مادة ( 21 )

إذا ثبت عن شخص مهما علت منزلته اختلاس شيء من أموال الدولة أو محاولته ذلك سواء كان بالانفراد ، أو بالاشتراك مع آخرين فإنه يحاكم أمام مجلس الشورى ويجب أن تحدد عقوبته بمدد قاسية وعقوبات حاسمة مما يجيزه الشرع الشريف على درجة خيانته بأتم صورة رادعة زاجرة.

مادة ( 22 )

جميع وظائف الدول الرئيسية وتعيين الموظفين فيها يكون باقتراح الوزير المختص ويقدمه إلى الإمام للنظر والموافقة عله أو الأمر بإعادة النظر فيه.

مادة ( 23 )

حضرة الإمام : يلقب ( صاحب الجلالة الإمام ) أو « الملك » باعتبار الأوضاع.

مادة ( 24 )

ويلقب رئيس الوزراء بـ « حضرة صاحب الجلالة » والوزراء ومستشار الدولة بـ « حضرة صاحب المعالي ».

مادة ( 25 )

يكون ( للدولة ) مستشارون عموميون وخصوصيون أما الأولون فيكون لهم درجة ( وزير ممتاز ) ويكون حق حضور جلسات ( مجلس الوزراء ) ويكونون أعضاء في ( مجلس الشورى ) ولا يزيد عددهم على خمسة وأما الآخرون فيكونوا يمنيين ويكون عددهم حسب حاجة ( الدولة ) وتحدد الحكومة درجتهم وحقوقهم وواجباتهم ويلقب المستشار العام بـ « حضرة صاحب المعالي ، المستشار العام للدولة اليمانية » ويعين أول مستشار عام للدولة حضرة صاحب المعالي ( ) والباقون تعينهم الحكومة بموافقة الإمام فيما بعد ولكما دعت الحاجة إلى ذلك.

مادة ( 26 )

يجب الإسراع إلى تحسين حالة الجيش الذي هو رمز البلاد وفخارها بأن تزاد مرتبات كل فرد منهم وضابط وآمر إلى الدرجة التي تضمن للجندي اليمني من الاعتبارات ما يعطى لسائر الجيوش الحديثة من الملابس والتجهيزات وغيرها.

مادة ( 27 )

يجب الإسراع إلى إزالة الظلم والطغيان عن الرعايا في طريقة أخذ الواجبات وإسقاط البواقي الكاذبة.

مادة ( 28 )

يجب القضاء على روح الرشوة والمحسوبية في الدولة وعدها من الخيانات الكبرى مع إقامة نظام حديث كامل في جميع دوائر الحكومة يطارد الفوضى ويمنع التلاعب بمصالح الأمة ويكفل راحة الموظفين.

مادة ( 29 )

تصان أموال الناس جميعا وأعراضهم وأرواحهم إلا في أمر شرعي أو قانون شرعي ويصير أفراد الشعب اليماني في درجة واحدة من حيث المساواة المطلقة إلا ما كان للمواهب والأعمال ويكون الكل تحت حكم الشريعة السمحة الصحيحة وتجري أحكامه على الصغير والكبير بدون فارق.

مادة ( 30 )

تكفل حرية الرأي والكلام والكفاية والاجتماع في حدود الأمن والقوانين.

مادة ( 31 )

يجب تأسيس مجالس للألوية والبلديات على ما هو موجود في البلدان العربية.

مادة ( 32 )

يجب العمل على محاربة الجهل والفقر والمرض في غير هوادة وبكل ما تسمح به وسائل الدولة والعمل بأسرع ما يمكن على تيسير أسباب المواصلات وإنعاش الزراعة التي هي أساس اقتصاديات اليمن.

مادة ( 33 )

يجب الاتصال بالعالم المتمدن بواسطة السلك الدبلوماسي والقنصلي لفائدة اليمن خاصة وللتعاون على إسعاد الجنس البشري عامة عملا بتعاليم ديننا وتقاليدنا لعربية.

مادة ( 34 )

يكون تعيين الممثلين للدولة في الخارج باقتراح وزير الخارجية وتقديمه إلى الإمام للنظر فيه والموافقة عليه.

مادة ( 35 )

يجب المبادرة إلى تعيين ممثلين سياسيين بأسرع ما يمكن في البلاد العربية الشقيقة وينبغي البرهان على التعاون مع الجامعة العربية إلى أقصى حد ممكن.

مادة ( 36 )

يجب الضرب على يد كل من تحدثه نفسه بالتعرض لإرادة الأمة بإحداث أدنى سبب يخل بالأمن العام أو يسبب أدنى ضرر للدولة في الداخل والخارج.

مادة ( 37 )

يجب العناية التامة بالمهاجرين اليمنيين خارج البلاد والعمل على إعادة من يمكن أن تنتفع به البلاد في الداخل.

مادة ( 38 )

ما أن التركة التي خلفتها حكومة العهد الماضي ثقيلة ومعقدة تقتضي وقتا ومجهودا جبارا فالحكومة تهيب بالشعب اليماني أن يلتزم الهدوء والسكينة وأن يتذرع بالصبر والتضحية في سبيل المجد وإقامة عهد جديد سعيد.

مادة ( 39 )

يسمى هذا النظام ( الميثاق المقدس ) ويوافق الجميع على أنه من خان أو حاول أن يخون معنى من معانيه بنية سيئة يكون خائنا لله والمسلمين وتجري عليه الأحكام اللائقة به.

ملحق رقم (9) : الميثاق المقدس

مادة ( 1 )

يكون الطب بإلحاح من فضيلة السيد الفضيل الورتلاني المعروف عندنا جميعا بفضائل يقدرها له الإمام والمأموم أن يضيف إلى سلسلة أعماله المشكورة قبوله لأن يكون مستشارا عاما للدولة من المستشارين العموميين المنصوص عليهم في المادة ( 25 ) من هذا الميثاق.

مادة ( 2 )

من تبين عنه من أفراد أسرة الإمام يحيى قبول رغبة الأمة الممثلة في هذا الميثاق والتزم في كل ما جاء فيه فله ما لأمثاله من أبناء الأمة وعليه ما على مثله أيضًا.

مادة ( 3 )

يكون تعيين القاضي عبد الله بن حسين العمري وزيرا للدولة.

مادة ( 4 )

ستعنى حكومة العهد الوطني الجديد بمكافأة الأحرار والوطنيين الذين ضحوا بأموالهم وجهودهم في سبيل خدمة الشعب اليماني الذي يقدر لهم هذه التضحيات الكريمة وبهذا يتم الملحق وهو أربع مواد والله ولي الأمر كله وبيده التوفيق.

القائمة ( 1 ) مجلس الوزراء للحكومة اليمنية :

السيد علي بن عبد الله الوزير – رئيس مجلس الوزراء ، السيد حسين بن محمد الكبسي – نائب مجلس الوزراء ووزير الخارجية ، الشيخ محمد أحمد نعمان – وزير الداخلية ، السيد حسين بن علي عبد القادر – وزير الدفاع ، السيد عبد الرحمن حسين الشامي – وزير الشئون الاجتماعية ، القاضي محمد راغب بك – مستشار عام ، الشيخ عبد الوهاب نعمان – وزير الصحة ، السيد علي بن حمود – وزير العدل ، القاضي أحمد بن أحمد الجرافي – وزير الاقتصاد والمناجم ، الحاج الخادم بن أحمد غالب – وزير المالية ، السيد عبد القادر بن عبد الله – وزير الأوقاف ، القاضي محمد محمود الزبيري – وزير المعارف ، السيد أحمد بن أحمد المطاع – وزير التجارة والصناعة ، الأستاذ أحمد محمد نعمان – وزير الزراعة ، السيد حسين بن علي الويسي – وزير المواصلات ، السيد علي بن إبراهيم – وزير الأشغال ، الأمير علي بن يحيى – وزير دولة ، القاضي عبد الله بن عبد الآله الأغبري – وزير دولة ، الشيخ علي بن محسن – وزير دولة.


القائمة ( 2 ) مديرو الوزرات :

السيد محمد بن حسن عبد القادر – مدير وزارة العدل ، السيد زين بن علي الموشكي – مدير وزارة الداخلية ، الأستاذ محي الدين العنسي – مدير وزارة الخارجية ، الأستاذ أحمد بن حسن الحورش – مدير وزارة المعارف ، الأستاذ أحمد بن محمد باشا – مدير وزارة الزراعة ، الشيخ محمد صالح المسمري – مدير وزارة الشئون الاجتماعية ، القاضي أحمد بن قاسم العنسي – مدير وزارة المالية ، الشيخ ناشر عبد الرحمن – مدير وزارة الصحة ، السيد يحيى بن أحمد زبارة – مدير وزارة المواصلات ، الحاج عبد الله حسن السنيدار – مدير وزارة الأشغال ، الشيخ عبد العزيز بن منصور نصر – مدير وزارة الأوقاف ، الشيخ محمد مكي بن يحيى زكريا – مدير وزارة الاقتصاد والمناجم ، الرئيس جمال جميل – مدير وزارة الدفاع.

القائمة ( 3 ) الموظفون الشوريون :

الأمير إبراهيم – رئيس مجلس الشورى ، الشيخ حسن الدعيس – وكيل أول ، القاضي عبد الرحمن الأرياني – سكرتير أول لمجلس الشورى ، القاضي محمد أحمد الجرافي – سكرتير ثاني لمجلس الشورى ، الأستاذ أحمد البراق – مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء ، السيد العلامة أحمد الكحلاني – رئيس هيئة كبار العلماء ، السيد محمد بن محمد زبارة – وكيل ، السيد العلامة قاسم الوجيه – الحاكم الأول ، السيد محمد الذاري – الحاكم الثاني ، السيد سحسى محمد عباس – رئيس الاستئناف ، القاضي محمد ابن أحمد الحجري – رئيس ديوان المحاسبة ، الشيخ عبد الله عثمان- مدير الأمن العام ، عبد الله بن عبد الوهاب نعمان – سكرتير الأمن العام ، القاضي أحمد بن علي العنسي – مدير دار الكتب ، السيد عبد الله بن علي الوزير – مدير الدعاية والنشر ، السيد محمد أحمد المطاع – وكيل الدعاية والنشر ، السيد أحمد محمد الشامي – سكرتير مجلس الوزراء ، السيد محمد بن محمد بن إسماعيل – سكرتير الشئون الاجتماعية ، القاضي حسين بن أحمد السباغي – وكيل أملاك الحكومة ، السيد أحمد عبد الرحمن الشامي – مدير أملاك الحكومة ، القاضي عبد الله الشماحي – وكيل الحاج علي محمد السنيدار – مدير الجمارك ، الشيخ جازم الشيخ – مدير جمارك تعز ، عبد السلام صبره – مدير بلدية صنعاء ، الأستاذ زيد عنان – مدير إدارة المهاجرين ، القاضي يحيى الصياغي – مفتش وزارة العدل ، السيد حسين الحبشي – مفتش التجارة والصناعة ، الحاج عزيز يعني – رئيس الحرس الملكي ، الصفي أحمد محبوب – رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


القائمة ( 4 ) كبار الموظفين غير الشوريين :

القاضي عبد الله حسين العمري – وزير دولة ، السيد العلامة زيد عقبات – محافظة صنعاء وانير لوائها ، السيد محمد بن أحمد الوزير – أمير لواء عمران ، السيد محمد بن حسن الوادعي – أمير لواء الشام ، السيد حسين الوثي – أمي