الوطن في فكر الإمام حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الوطن في فكر الإمام حسن البنا


موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

مقدمة

إن الله جبل النفس على حب الأوطان وغرس فيها هذه المعاني لترسيخها في النفوس، ولقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وقت هجرته من مكة إلى المدينة فقال فيما رواه ابن عباس: أما والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله, وأكرمه على الله ؛ ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت.

فهذه المعاني قد حض عليها الإسلام، ورسخها في القلوب والعقول، فالولاء للوطن أمرٌ فطري يلازم الضمائر، يحب المرء وطنه ويغضب من أجله لأنه وطنه كما يحب أبويه لا يستبدلهم ولا يتخلى عنهم.

ومن أقوال الغرب مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي حيث وصف هذا المعنى بقوله: " قبل أن تسأل ماذا قدم لك وطنك اسأل نفسك ماذا قدمت لوطنك ؟ " .

ولله در أحمد شوقي كيف يختصر المعاني حين يقول :-

وللأوطــــان في دم كـل حرٍ
يدُ سلفت ودين مستحــــــقٌّ

والمتتبع لجهود الإمام البنا سيجده لم يختزل الوطن في بلده مصر بل شمل كل بلد إسلامي، وكل مسلم ينطق بالشهادتين هو أخو له في الدين، ولا فرق بينهما رغم بعد المسافات، فيقول: وبذلك يكون الإسلام قد وفق بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة بما فيه الخير كل الخير للإنسانية جمعاء.

وقد وصف ذلك الدكتور يوسف القرضاوي بقوله:

يا أخي في الهند أو في المغرب
أنا منك أنت مني أنت بي

لا تسل عن عنصري أو نسبي

إنه الإسلام أمي وأبي


أصل مفهوم الوطن

في اللغة : وطن بالمكان (يَطِنُ) وَطْنًا: أقام به.

الموطن : الوطنُ. وكلُّ مكان أَقام به الإنسانُ لأَمر.

الوطن : مكانُ إِقامةِ الإِنسان وَمقَرُّه ، وإليه انتماؤه ، وُلد به أَو لم يولد..(1)


معنى الوطنية

لقد اختلف معنى الوطنية من شخص لأخر ومن تيار لأخر، كلا حسب ما يراه من منظور وطني، فالبعض يرى الوطنية هي ما تشتمل على حدود الوطن الواحد، والبعض يراها بمنظورها العنصري، غير أن الإمام البنا رفض هذه المعاني القاصرة فقال: افتتن الناس بدعوة الوطنية تارة، والقومية تارة أخرى، وبخاصة فى الشرق؛ حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها إساءة نالت من عزتها وكرامتها واستقلالها، وأخذت من مالها ومن دمها، حيث تتألم هذه الشعوب من هذا النير الغربى الذى فرض عليها فرضًا، فهى تحاول الخلاص منه بكل ما فى وسعها من قوة ومنعة وجهاد وجلاد، فانطلقت ألسن الزعماء، وسالت أنهار الصحف، وكتب الكاتبون، وخطب الخطباء، وهتف الهاتفون باسم الوطنية وجلال القومية.

حسن ذلك وجميل، ولكن غير الحسن وغير الجميل أنك حين تحاول إفهام الشعوب الشرقية -وهى مسلمة- أن ذلك فى الإسلام بأوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هو فى أفواه الغربيين وكتابات الأوروبيين أبوا ذلك عليك ولجوا فى تقليدهم يعمهون، وزعموا لك أن الإسلام فى ناحية وهذه الفكرة فى ناحية أخرى، وظن بعضهم أن ذلك مما يفرق وحدة الأمة، ويضعف رابطة الشعب.

هذا الوهم الخاطئ بكلتا ناحيتيه كان خطرًا على الشعوب الشرقية من كل الوجهات، وبهذا الوهم أحببت أن أعرض هنا إلى موقف الإخوان المسلمين ودعوتهم من فكرة الوطنية، ذلك الموقف الذى ارتضوه لأنفسهم، والذى يريدون ويحاولون أن يرضاه الناس معهم..(2)

ومن ثم قسم الإمام البنا معنى الوطنية إلى عدة معان منها:

أولا: وطنية الحنين

وهو المعنى الذي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة أثناء خروجه منها (ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت)، وفي هذا المعنى يقول الإمام البنا:
إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز فى فطر النفوس من جهة، مأمور به فى الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالاً الذى ضحى بكل شىء فى سبيل عقيدته ودينه هو بلال الذى كان يهتف فى دار الهجرة بالحنين إلى مكة فى أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة
بواد وحولى إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنة

وهل يبدون لى شامة وطفيل
ولقد سمع رسول صلى الله عليه وسلم وصف مكة من أصيل فجرى دمعه حنينًا إليها وقال: "يا أصيل، دع القلوب تقر".

ثانيا: وطنية الحرية والعزة

وهي الوطنية التي تدفع صاحبها ليدافع عن حرية وطنه ويزود عنه كل متربص به، فيصف الإمام البنا هذا المعنى بقوله في رسالة دعوتنا: وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد فى تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له، وغرس مبادئ العزة والحرية فى نفوس أبنائه، فنحن معهم فى ذلك أيضًا، وقد شدد الإسلام فى ذلك أبلغ التشديد، فقال -تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾[المنافقون: 8]، ويقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[النساء: 141].

ثالثا: وطنية المجتمع

وهب ترسيخ معاني الوطنية بين أبناء الوطن الواحد، دون التحزب لفئة على حساب الوطن، فيقول في نفس الرسالة: وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية فى مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضة لازمة، فيقول نبيه صلى الله عليه وسلم: "وكونوا عباد الله إخوانًا"، ويقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾[آل عمران: 118].

رابعا: وطنية الحزبية

وهي الوطنية التي قسمت أبناء الوطن الواحد إلى شيع يقاتل بعضهم البعض من اجل حزب او زعيم، وكل هذا التناحر لا يصب في مصلحة الوطن بل يصب في صالح المستعمر وعدو الوطن المتربص به، فيقول:
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر، وتتضاغن، وتتراشق بالسباب، وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء، وشكلتها الغايات والأغراض، وفسرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً، يفرقهم فى الحق ويجمعهم على الباطل، ويحرم عليهم اتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به والالتفاف حوله، فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس..(3)
ومع ذلك لا يطالب المصريين بالتقصير في وطنيتهم او التفريط فيها فيؤكد على هذا المعنى بقوله تحت عنوان الدقائق الغالية: وحدوا صفوفكم،واقصدوا هدفكم بقلب واحد وقوة واحدة، وانسوا أشخاصكم، واعلموا أن هناك شخصا واحدا تفنى فيه ومن أجله أشخاصكم، ذلكم هو الوطن، هو مصر وشقيقاتها، وإنها فرصة غالية إذا أفلتت فلن تعود، وإننا نعتقد أنكم أحرص على انتهازها، وأعقل من أن تتركوها تفوت فلا تعقب إلا حسرة لا تسمن ولا تغنى من جوع..(4)
ثم يؤكد هذا المعنى في نفوس المصريين ويستحثهم على العمل في إطاره فيقول تحت عنوان بين القومية والإسلامية: أحب أن أدلكم على ما هو خير من ذلك وأقرب مثالا؛ أن تجعلوا لب دعوتكم المعنى الوطنى الخالص، المصرى الخالص، القومى الخالص، فإنكم بذلك تستطيعون أن تظفروا بهدف محدد، وتستطيعون كذلك أن تنفوا كثيرا من الشبهات والظنون..(5)
ويضيف: إن أساس وطنية المسلم العقيدة الإسلامية ، والإسلام قد جعل الشعور الوطني بالعقيدة لا بالعصبية الجنسية ، وقد حدد هدفه بالعمل للخير من أجل البشر، فالاعتبار هنا للعقيدة ، بينما هي عند غيرهم ترتبط بالحدود الجغرافية فوطن المسلم هي كل أرض فيها مسلمون ، يقول الإمام البنا : " أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية ، فكل بقعة فيها مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وطنى عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد فى سبيل خيره ، وكل المسلمين فى هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم .
ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك ، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض ، ويظهر ذلك الفارق العملى فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوى نفسها على حساب غيرها ، فنحن لا نرضى ذلك على حساب أى قطر إسلامى وإنما نطلب القوة لنا جميعًا ، ودعاة الوطنية المجردون لا يرون فى ذلك بأسًا ، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض"..(6)


الإخوان والوطنية

كتب البعض يشكك في وطنية الإخوان المسلمين، وفهمهم لمعنى الوطنية والتي قصروها على الحزبية فقط، أو القومية المصرية فحسب، غير أن الإمام البنا وضح فهم الإخوان المسلمين لمعنى الوطنية بمفهومها الشامل فيقول:

ويخطئ من يعلن أن الإخوان المسلمين يتبرمون بالوطن والوطنية؛ فالإخوان المسلمون أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم، وتفانيًا فى خدمة هذه الأوطان، واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا، وها قد علمت إلى أى حد يذهبون فى وطنيتهم، وإلى أى عزة يبغون بأمتهم. ولكن الفارق بين الإخوان وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة أن أساس وطنية الإخوان العقيدة الإسلامية. فهم يعملون لمصر، ويجاهدون فى سبيل مصر، ويفنون فى هذا الجهاد؛ لأنها من أرض الإسلام وزعيمة أممه، كما أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها، بل يشركون معها فيه كل أرض إسلامية، وكل وطن إسلامى.

على حين يقف كل وطنى مجرد عند حدود أمته، ولا يشعر بفريضة العمل للوطن إلا عن طريق التقليد أو الظهور أو المباهاة أو المنافع، لا عن طريق الفريضة المنزلة من الله على عباده. وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط فى أى شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا..(7)

بل أوضح أن الإخوان يطالبون الجميع بتقديم مصالح الوطن من أجل التصدي للعدو المتربص على حساب المصالح الشخصية، ففي رسالة إلى الملك يوضح الإمام البنا وطنية الإخوان المسلمين بهذا المعنى، وذلك حينما كانت تعرض قضية مصر على مجلس الأمن عام 1947م، فيقول تحت عنوان الإخوان المسلمون وتوحيد الصفوف: فى هذه الساعات الفاصلة فى تاريخ مصر تتجه الأمة بكل تقدير وإكبار لجهود سموكم المباركة فى العمل لتوحيد الكلمة وضم الصفوف على الجهاد لقضية الوطن فى الميدانين الداخلى والدولى، وتنتظر الأمة بفارغ الصبر وصادق الدعوات أن تكلل هذه الجهود بالنجاح والتوفيق، فواصلوها على بركة الله مشكورين والله معكم والتاريخ يسجل لكم..(8)

وفي رسالة المؤتمر الخامس يرد على من يشككون في وطنية الإخوان المسلمين فيقول: فكل مسلم مفروض عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه ، ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعًا لمواطنيه لأن ذلك فرض إلهي . فالإخوان أشد الناس حرصًا علي خير وطنهم ، وتفانيًا في خدمة قومهم .. فالإخوان يحبون وطنهم ويحرصون علي وحدته القومية بهذا الاعتبار ، ولا يجدون غضاضة علي أي إنسان أن يخلص لبلده وأن يفني في سبيل قومه وأن يتمني لوطنه كل عز ومجد وفخار .. الإخوان المسلمون يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود ، ولا يرون بأسًا بأن يعمل كل إنسان لوطنه وأن يقدمه في الوطن علي سواه..(9)

كما أكد أن الإخوان لا يفهمون معنى القومية البغيض، والشعارات العنصرية مثل مصر فوق الجميع، وغيرها حيث يؤكد أننا جميعا سواء فلا يظلم أحد او يُظلم، فيقول: الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعانى ولا بأشباهها، ولا يقولون: فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئًا من هذه الألقاب والأسماء التى يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل، بل أكمل معلم علم الإنسانية الخير: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى".

ما أروع هذا وأجمله وأعدله! الناس لآدم فهم فى ذلك أكفاء، والناس يتفاضلون بالأعمال، فواجبهم التنافس فى الخير، دعامتان قويمتان قويتان لو بنيت عليهما الإنسانية لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات، الناس لآدم فهم إخوان، فعليهم أن يتعاونوا، وأن يسالم بعضهم بعضًا، ويرحم بعضهم بعضًا، ويدل بعضهم بعضًا على الخير، والتفاضل بالأعمال. فعليهم أن يجتهدوا كل من ناحيته حتى ترقى الإنسانية، فهل رأيت سموًّا بالإنسانية أعلى من هذا السمو، أو تربية أفضل من هذه التربية؟..(10)

بل لم يقتصر فهم الوطنية الحقيقية على الإخوان، ولم يتهموا احد في يوم من الأيام بأنهم وطنيون وما سماهم غير ذلك، بل كانوا ينسبون الفضل لأهله، غير أنهم كانوا يعلمون ويعرفون المعاني الحقيقية للوطنية لجموع الشعب المصري والذي كانوا يرجون منه الانتفاضة على المستعمر الغاشم، فيقول الإمام البنا تحت عنوان (بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادي النيل): فلما أن وضعت الحرب أوزارها، هب الإخوان يفقهون الأمة فى حقوقها، وينبهون الشعب إلى مطالبه المشروعة، ويستنهضون العزائم للعمل على نيل هذه الحقوق، فأصدروا البيانات وعقدوا المؤتمرات، وطلعوا على الأمة فى كل مطلب من مطالبها بمختلف الدراسات، ونادوا بإلحاح أن تنسى الأحزاب ما بينها من اختلافات ومهاترات فتتجمع الأمة صفا واحدا، فلا يجد الأجنبي منفذا من بين هذه الخلافات للمماطلة والمراوغة والتسويف، وأهابوا بأولى الأمر أن يعملوا من جانبهم وبحكم أوضاعهم الرسمية على تحقيق أهداف الوطن ونيل حقوقه المغتصبة..(11)

ثم يقول: ومن كل هذا الذي تقدم يبدو الفرق الواسع بين الوطني والسياسي، الوطني يعمل لإصلاح الحكم لا للحكم, ولمقاومة المستعمر للحصول على الحرية لا ليرثه في السلطة, ولتركيز منهاج وفكر ودعوة لا لتمجيد شخص أو حزب أو هيئة, ولهذا يحرص الإخوان المسلمون على أن يكونوا دائمًا وطنيين لا سياسيين ولا حزبيين.


الإنتماء للوطن

كل إنسان بفطرته يحب وطنه الذي ولد وتربى فيه، ويحمل له كل معاني الوطنية والتضحية، فنجد الجندي يزد عنه بكل غالى من اجل أن يظل الوطن حرا، فلا ينتظر مالا ولا منصبا، بل يدافع عنه بالعاطفة المشتركة بين الفرد ووطنه.

يقول الشيخ محمد الغزالي: "والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم، ويغضب له إذا انتقص".

ومن هذا المعنى انطلق مفهوم الإمام البنا للانتماء للوطن، ومن ثم الدفاع عنه وتحريره من كل مغتصب، فيقول: أن بقاء القوات الأجنبية عدوان مسلح على سيادة الوطن وحريته يترتب عليه آثاره القانونية والعملية.

ويؤكد على ذلك بقوله: ولا يمكن أن يتصور مصرى أن بلده يهاجم من عدو أجنبى كائنا ما كان، ثم يسكت على هذا العدوان أو يبخل بدمه وروحه فدية لإنقاذ الوطن العزيز، وإن الإسلام ليفرض على كل مسلم أن يجاهد المعتدين الطامعين فى بلده باليد والسيف والمال واللسان، ومن قصر فى ذلك فهو آثم فار لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. فعلى حكومة مصر ألا تستضعف شعبها وألا تتجاهل أو تجهل ما فى مصر من خير وحيوية وأن تعتمد على نفسها وتثق بالله..(12)

وفي رسالة "دعوتنا في طور جديد" : يذكر قوله: "إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض التي نبتنا فيها ونشأنا عليها ، ومصر بلد مؤمن تتلقى الإسلام تلقيًا كريمًا وقد انتهت إليه حضانة الفكرة الإسلامية والقيام عليها ، فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟! وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع وكيف يقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو به رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام؟! إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب ، عاملون له مجاهدون في سبيل خيره وسنظل كذلك ماحيينا ، معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولي في سلسلة النهضة المنشودة ، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام..(13)

ويضيف: لا ينفع الحكومة المصرية ولا يجدى فى الحصول على الحق المهضوم مع هذه المناورات إلا موقف الحزم الكامل، ولقد كان علينا أن نأخذ به الأمر من أول يوم منذ أعلنت الهدنة فى يونيو سنة 1945م، كان علينا منذ هذا التاريخ أن نطلب إلى الحكومة وإلى غيرها من الحكومات الأجنبية سحب قواتها، والجلاء عن أرض الوطن ومائه وهوائه ثم نعلنها ببطلان معاهدة 1936م..(14)

ويؤكد المعنى بقوله: والاستقلال والحرية والحقوق الوطنية لا تنال على كل حال بالجدل والنقاش والرجاء ولكنها تنال دائما بالعمل والكفاح والجهاد والفداء..(15)

ثم يخاطب المصريين ليستشعروا ذلك المعنى ولا ينصرفوا عما سواه من حزبية او تناحر فيقول: أيها المصريون: نحن لا نقول لكم قصروا فى حقوق أوطانكم، ولا ندعوكم إلى أن تتركوا مصر وتعملوا لطرابلس أو لفلسطين، فإنه إذا كان الإسلام يفرض عليك -وأنت مصرى- أن تعمل لفلسطين ولطرابلس وللمغرب لأنها من أرض الإسلام، فإنه يفرض عليك ذلك لمصر؛ لأنها من أرض الإسلام؛ ولأن لها مرتبة الصدارة فى أرض الإسلام؛ ولأنها أقرب الميادين إليك، فمن واجبك أن تقوم بحقها وأن تعمل جاهدا لتحريرها وخيرها.

ولكنا نقول لك: إن من واجبك -مع هذا- أن تعرف حدود وطنك العام، وألا تهمل فى حق جزء منه يهدد بالضياع والإفناء وتذكر دائما واعمل دائما للوطن الإسلامي الفسيح الأكناف..(16)


الوطن الحر الكريم

في كل وطن يحرص أبناءه على أن يحيا كريما وسط الأوطان لا يسيطر عليه مستعمر عسكري ولا اقتصادي ولا ثقافي، فكرامة الوطن في سيادته واستقلاله وتقدمه، ولهذا حرص الإمام البنا على تاكيد هذا المعنى من انه لابد من أن يحيا الوطن كريما بتقدمه الاقتصادي واستغناءه عن الغرب وأعوانه، فالأمة التي تملك قوت يومها تملك قرارها، فيقول تحت عنوان (قضيتنا الوطنية وكيف تحل فى ضوء التوجيه الإسلامي): حقوقنا الوطنية معروفة، أعلنتها الأمة بكل وضوح وجلاء على لسان أحزابها وهيئاتها وجماعاتها وأفرادها فى كل المناسبات، وهى: تحقيق وحدة وادى النيل جنوبه وشماله، وجلاء القوات الأجنبية عنه جميعا، لتتم بذلك حقيقة حريته واستقلاله.

وحول الاقتصاد الحر وتقدم الوطن يحث الإمام البنا الشعب على الأخذ بهذا المعيار حتى يستطيع الشعب التحرر من ذل العبودية، فيقول: والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى المهملة التى طال عليها الأمد، وقعد بها التراخى والكسل، أو أحبطتها الخصومة الحزبية أو طمرتها المنافع الشخصية، أو قضت عليها الألاعيب السياسية والرشوة الحرام، كل هذه يجب أن تتوجه إليها الهمم من جديد: "إن الله يحب من أحدكم إذا عملَ عملاً أن يتقنه"..(17)

ولن ينهض الاقتصاد بدون النهوض بالتعليم، وهذا ما ذكره الإمام البنا بقوله: أن تجدد مناهج التعليم بحيث تقوم على التربية الإسلامية والوطنية، ويعنى بها باللغة العربية والتاريخ القومى عناية فائقة، وتؤدى إلى طبع نفوس المتعلمين بتعاليم الإسلام، وتثقيف عقولهم فى أحكامه وحكمه.

ويضيف: إن الإخوان المسلمين يرون أن أمر التعليم فى مصر يحتاج إلى خطوة جريئة، وإلى سياسة تجديدية تتناول كل أنواعه ومشاكله، وأمهات نواحى الإصلاح فى ذلك أن تكون الروح الموجهة ترمى إلى صبغ المدرسة بالصبغة الإسلامية، لا إلى إقصائها عن هذه الصبغة، ثم إلى توحيد هاتين السلسلتين فى سلسلة واحدة لحساب الفكرة الإسلامية لا على حسابها، ثم ضم أنواعه المتشابهة بعضها إلى بعض حتى تقرب الثقافات، وتوحد النفقات، ويقضى على الفوارق فى الأدوار الواحدة من التعليم، ولابد من تشجيع اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والتربية الوطنية فى كل مراحل التعليم، والعناية التامة بالخلق والقدوة الحسنة، والنواحي العملية الاستقلالية..(18)

ويقول في رسالة نحو النور: يجب العناية بالتاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني والتربية الوطنية وتاريخ حضارة الإسلام، وأيضا تشجيع المشروعات الاقتصادية والإكثار منها, وتشغيل العاطلين من المواطنين فيها، واستخلاص ما فى أيدي الأجانب منها للناحية الوطنية البحتة..(19)


الوطن للجميع

لم يكن الوطن في يوم من الأيام حكرا على احد، بل هو لكل من ولد على أرضه، بل لكل من وطأه يريد له الخير.

فوطننا ليس مقصورا على مسلمين دون غيرهم، أو على أقباط دون غيرهم، لكنه وسع ليشمل كل هؤلاء فكل واحد على أرضه عليه واجبات نحو هذا الوطن وله حقوق.

فالإسلام حث على الوحدة بين شركاء الوطن فقال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)[الممتحنة: 8].

ولذا فكان الإخوان المسلمين احرص الناس على هذه الوحدة، وعلى التعاون بين شركاء الوطن، حتى أن الإمام البنا اختار بعض الأقباط في اللجنة السياسية للإخوان، بل كان مندوب الإمام البنا في انتخابات 1945م في سانت كاترين هو القبطي خريستو، بل أن الإخوان دعموا المرشح القبطي صاحب جريدة الشفق في الانتخابات.

وهذا ما أكده الإمام البنا ويؤكده الإخوان من بعده فيقول: يذكر أن الإسلام يحمي الأقليات عن طريق : أنه قدس الوحدة الإنسانية العامة وقدس الوحدة الدينية العامة بأن فرض علي المؤمنين به الإيمان بكل الرسالات السابقة . ثم قدس الوحدة الوطنية الخاصة من غير تعدي ولا كبر ، ويري أن هذا (مزاج الإسلام المعتدل ) لا يكون سببًا في تمزيق وحدة متصلة بل يكسب هذه الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط، ويذكر أن الإسلام حدد بدقة من يحق للمسلمين مقاطعتهم وعدم الاتصال بهم وهم الذين يقاتلونهم في الدين ويخرجونهم من ديارهم ويظاهرون علي إخراجهم ، يقول : "فإن الإسلام الذى وضعه الحكيم الخبير الذى يعلم ماضى الأمم وحاضرها ومستقبلها قد احتاط لتلك العقبة وذللها من قبل ، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذى لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا فى حماية الأقليات ، وهل يريد الناس أصرح من هذا النص : (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، فهذا النص لم يشتمل على الحماية فقط ، بل أوصى بالبر والإحسان إليهم..(20)

ويؤكد الإمام البنا ذلك الكلام، فيقول: "فيخطئ من يظن أن الإخوان دعاة تفريق عنصري بين طبقات الأمة" ويستدل بأن "الإسلام عني أدق عناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بني الإنسان ، وأوصي بالبر والإحسان بين المواطنين وإن اختلفت عقائدهم ،وبإنصاف الذميين وحسن معاملتهم (لهم مالنا وعليهم ما علينا ) فلا ندعو إلي فرقة عنصرية ولا إلي عصبية طائفية ثم يؤكد الإمام البنا المعني السابق للوطنية فيقرر "ولكننا إلي جانب هذا لا نشتري هذه الوحدة بإيماننا ولا نساوم في سبيلها علي عقيدتنا ، ونهدر من أجلها مصالح المسلمين وإنما نشتريها بالحق والعدالة والإنصاف وكفى"..(21)

ويبين الإمام البنا موقف الأقلية في رسالة "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي" فيقول:فالأقلية من أبناء هذا الوطن تعلم تمام العلم كيف تجد الطمأنينة والأمن والعدالة والمساواة التامة – في كل تعاليم الإسلام وأحكامه ، "وهذا التاريخ الطويل للصلة الطيبة الكريمة بين أبناء هذا الوطن جميعًا – مسلمين وغير مسلمين _ يكفينا مؤنة الإفاضة والإسراف ، فإن من الجميل حقًا أن نسجل لهؤلاء المواطنين الكرام أنهم يقدرون هذه المعاني في كل المناسبات ، ويعتبرون الإسلام معني من معاني قوميتهم , وإن لم تكن أحكامه وتعاليمه من عقيدتهم"..(22)

يقول الدكتور جمال نصار في بحثه:

ويمكن إجمال نظرة الإمام البنا والإخوان للأقباط في عاملين أساسيين هما :

1. الجانب العقائدي : وفيه التزام الإخوان بما جاء في القرآن الكريم والسنة من أن أهل الكتاب أرسل الله لهم سيدنا عيسى – عليه السلام – نبيًا ورسولا وأنزل معه الإنجيل، وهم أقرب للمسلمين من اليهود فقد قال الله فيهم : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبَانًا وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)(2) وهذا هو المفهوم العام والذي تربى عليه الإخوان وهو موجود في مختلف أدبياتهم .
2. الجانب المعاملاتي : وفيه اعتبر الإخوان أن الأقباط لهم كافة حقوق المواطنة ؛ حيث إنهم جزء من نسيج الوطن ، فهم شركاء في هذا الوطن ، ولذلك جاءت علاقة الإخوان بالأقباط عمومًا علاقة طيبة كباقي فئات المجتمع ، ولم يعكرها إلا تدخل بعض المغرضين الذين يكرهون الخير للبلاد ، أو متعصبون ضد كل ما هو إسلامي يحكمهم في ذلك الهوى والحقد الشخصي ، أو فئة فهمت الإسلام فهمًا خطئًا..(23)

لم يقتصر علاقة الإمام البنا من خلال ما يكتبه عنهم في مقالاته أو رسائله، بل وصل الأمر لتبادل الرسائل فيما بينهم كشركاء وطن واحد، ففي رسالةٍ أخرى أرسلها إلى غبطة البطريرك التي جاء فيها:

"حضرة صاحب الغبطة الأنبا يوساب بطريرك الأقباط الأرثوذكس

تحيةً مباركة طيبة، وبعد..

فأكتب إلى غبطتكم وأنا معتكف لمرض ألمَّ بي, أذهلني ما يكتب وما يقال اليوم حول وحدة عنصري الأمة المصرية, تلك الوحدة التي فرضتها الأديان السماوية وقدستها العاطفة الوطنية وخلدتها المصلحة القومية ولن تستطيع أن تمتد إليها يد أو لسان، وكما- يا صاحب الغبطة- أن الإسلام فُرِضَ على المؤمنين به أن يؤمنوا بكل نبي سبق, وبكل كتاب نزل, وبكل شريعة مضت, معلنًا أن بعضها يكمل بعضًا, وأنها جميعًا دين الله وشرعته, وأن من واجب المؤمنين أن يتوحدوا عليها وألا يتفرقوا فيها ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية 13)، كما أنه دعا المسلمين وحثهم أن يبروا مواطنيهم, وأن يقسطوا إليهم, وأن يكون شعار التعامل بين الجميع التعاون والإحسان ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

وما جاء الإنجيل إلا لتقرير روح المحبة والسلام والتعاطف بين الناس, حتى إنه ليدعوهم إلى أن يحبوا أعداءهم, ويباركوا لاعنيهم, ويصلوا من أجل الذين يبغضونهم، وبذلك وحده تكون على الأرض المسرة وفي الناس السلام. هذه الحقائق نؤمن بها ونعمل على أساسها, ويدعو الإخوان المسلمون إليها, وقد بعث مكتب الإرشاد العام إلى شُعَبه, خلال هذا الأسبوع, بنشرةٍ يذكر فيها الواجب المقدس الذي حتم على كل مسلم أن يعمل ما وسعه العمل على تدعيم هذه الوحدة القومية وتوثيق هذه الرابطة الوطنية.

وإني لشديد الأسف لوقوع مثل هذه الحوادث التي لا يمكن مطلقًا أن تقع من الإخوان المسلمين, أو من أي مسلم أو مسيحي متدين عاقل, غيور على دينه ووطنه وقومه، والتي هي- ولا شك- من تدبير ذوي الأغراض السيئة, الذين يحاولون أن يصطادوا في الماء العكر، وأن يسيئوا إلى قضية الوطن في هذه الساعات الحرجة, والظروف الدقيقة من تاريخه.

ومن حسن الحظ أنهم لا يوفقون إلى شيء- ولن يوفقوا بإذن الله- ولم يعد أمر هذه الحوادث الصبيانية التافهة التي نأسف لها جميعًا, والتي أرجو أن نعمل جميعًا متعاونين على عدم تكراراها؛ صيانةً لهذه الوحدة الخالدة بين عنصرَي الأمة وبهذا التعاون المشترك يرد كيد الكائدين, وتعلو كلمة الوطنيين العاملين المخلصين.

وفَّق الله الجميع لخير ما يحب ويرضى, وهو نعم المولى ونعم النصير.

وتفضلوا يا صاحب الغبطة بتقبل تحياتي واحترامي

القاهرة مستشفى الروضة 17 جمادى الأولى 1366هـ، 9 أبريل 1947م

ولقد رد غبطة البطريرك على رسالة فضيلة المرشد العام قال فيها:

"حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين..

نهدي فضيلتكم أزكى تحية، وبعد..

فقد تلقينا كتابكم، ومنه علمنا أنكم معتكفون في المستشفى لمرضٍ ألمَّ بكم, شفاكم الله وأسبغ عليكم ثوب العافية.

ولقد قرأنا الكتاب فصادف ارتياحنا ما جاء فيه عن وحدة عنصرَي الأمة، ولعل من الحق أن يقال أن الأمة عنصر واحد؛ لأن افتراق الدين لا يصح أن يطغى على وحدة الدم واتفاق الصفات الخلقية والاشتراك في العادات والأفكار والمصالح الدنيوية، وقد صدقتم في قولكم: "إن هذه الوحدة فرضتها الأديان وقدستها العاطفة الوطنية وخلدتها المصلحة القومية، وما عقدته يد الله لا تحل من عروته أيدي الناس"؛ فإن ذلك من الحقائق التي يدركها الأقباط حقَّ إدراك ويحرصون عليها ويذودون عن هذه الوحدة بأعز ما يمتلكون؛ لأنهم يذودون بذلك عن شرف وطنهم ومجد أمتهم.

وليس للأقباط من بغية إلا أن يعيشوا مع مواطنيهم على أتم ما يكون من الصفاء والوفاء من جانبهم عملاً بوصايا إنجيلهم وأوامر كتابهم, وإذا كانت لهم أمنية أخرى فهي أن تكون العدالة والمساواة واحترام الحريات الدستورية أساسًا لكل معاملة لتتم السعادة بذلك لجميع أبناء الأمة ويبسط الأمن والسلام رواقهما على البلاد.

أما ما اقتبسوه من الآيات القرآنية والحديث الشريف فمن شأنه حقًّا أن ينير الأذهان ويبث مكارم الأخلاق إذا عمَّت معرفته بين جميع الأوساط, ولا سيما التي تحتاج إلى مزيدٍ من التأدب بهذا الأدب الديني الرفيع وإذا سار على هديه الحكام والمحكومون, وبذلك تتوثق عرى علاقات الإخاء والمودة بين المسلمين والأقباط، وبذلك فقد أحسنتم صنعًا بالنشرة التي قلتم إن مكتب الإرشاد العام بعث بها إلى فروعه، وبيَّن فيها ما على كل أخ مسلم من واجب مقدس في أن يعمل جهد طاقته لدعم هذه الوحدة القومية وتعزيز أواصر الرابطة الوطنية؛ ففي ذلك عنوان على رقي الأمة, ودليلٌ على نضج تربيتها السياسية.

ولا يسعنا إلا أن نتضرَّع إلى المولى جلت قدرته أن يرعى الكنانة بعين عنايته ويجنِّبها مساوئ الخصومات الداخلية الوخيمة العواقب, ويديم على سكان الوادي نعمة المحبة والاتحاد في ظل رعاية المصري الأول جلالة الفاروق الملك العادل أطال الله عمره وأعزَّ به أمته وبوأها مكانًا عاليًا بين الأمم في عهد ملكه المبارك.

واقبلوا سلامنا وأطيب تمنياتنا

بابا بطريرك الكرازة المرقسية

يوساب الثاني

ولقد تبادل الإخوان والأقباط التهانيَ في الأعياد؛ فقد أرسل فضيلة المرشد العام إلى حبيب المصري باشا رئيس جمعية التوفيق القبطية البرقية التالية: "تلقيت بيد الشكر دعوتكم الكريمة لحضور احتفال النيروز المصري اليوم (الأربعاء)، وكان يسعدني أن أحضر بنفسي لولا أني مريض منذ يومين، وقد أنبت عني الأستاذ عبده قاسم سكرتير عام الإخوان المسلمين.. مع أطيب التمنيات".

فتلقى المرشد العام ردًّا من حبيب المصري جاء فيه: "أشكر فضيلتكم كل الشكر لبرقيتكم الرقيقة وانتدابكم سكرتير الإخوان لحضور حفل الجمعية داعيًا لكم بالصحة الموفورة".

وفي حديثٍ للأستاذ البنا مع مستر سبنسر المراسل الحربي الأمريكي وجَّه إليه المراسل سؤالاً حول وضع الأقليات غير المسلمة في بلد إسلامي، وهل يحاربون أو يلزمون بدفع الجزية، فأوضح له الأستاذ البنا أن نظرة الإسلام لهذا الموضوع نظرة التسامح الكامل والوحدة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: من الآية 8)، هذا إلى جانب الروح العام في الإسلام لتقديس الأديان جميعًا يجعلنا لا نشعر بوجود مسلمٍ وغير مسلم، بل الجميع يتعاونون على خير الوطن, وأن من يحاول فعل غير ما جاء من الإسلام حول علاقة المسلم بالقبطي؛ فهم ليسوا من الإخوان بأي حال من الأحوال.

ولقد أزاح الأستاذ لويس فانوس النائب القبطي بمجلس الشيوخ حقيقة علاقة الأقباط بالإخوان, وطلب من الحكومة التعاون مع جمعية الإخوان المسلمين؛ إذ إنها الهيئة الوحيدة التي تعمل على تنوير الأذهان وإيقاظ الوعي الشعبي في النفوس ونشر المبادئ السليمة والدين الصحيح والأخلاق الفاضلة..(24)


وطنية الأمة الواحدة

اهتم الإخوان المسلمون بكل جزء من أجزاء الوطن الإسلامي، ويودون أن يعرفوا عنه كل شىء، وأن يقدموا لكل قطر إسلامي أفضل ما يستطيعون من خدمة ومساعدة ذلك؛ لأنهم يعتقدون أن الوطن الإسلامي وطن واحد مهما فرقته المعاهدات الظالمة، ومهما حاولت سياسة الاستعمار الطائش أن تفصل بعض أجزائه عن بعض.

ولذا يذكر تحت عنوان (قطعة من وطننا) قوله: أيها المسلمون: إن الوطن الإسلامي لا يتجزأ، وإن كل شبر أرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله، أو رفعت عليه يوما من الأيام راية الله قد صار أمانة فى يد المسلمين قاطبة ولله ولرسوله، ووجب عليهم أن يفدوا حريته بالنفوس والأرواح، وأن يبذلوا فى سبيل المحافظة عليه الدماء والأموال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[الأنفال: 27].

ليست الأقطار الإسلامية المشرقة بنور الإسلام والتى تفيض بأخلص عواطف التراحم والتواد وتعلم الدنيا جميعا أقدس مبادئ الحق والعدالة والسلام، فى حاجة إلى إلحاد أوروبا وفجورها، ولا إلى إباحيتها وتهتكها، ولا إلى ماديتها وجحيم العداوة والبغضاء الذى تتلظى به جوانب أبنائها المتهالكين على الخطايا والآثام، حتى يخلصها السنيور موسولينى بعشرين ألفا من الجياع..(25)

ولقد حدد الإمام البنا مفهوم الوطن في الإسلام وتقسيماته فيقول: فالوطن فى عرف الإسلام يشمل:

1- القطر الخاص أولاً.
2- ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى فكلها للمسلم وطن ودار.
3- ثم يرقى إلى الإمبراطورية الإسلامية الأولى التى شادها الأسلاف بدمائهم الغالية العزيزة، فرفعوا عليها راية الله، ولا تزال آثارهم فيها تنطق بما كان لهم من فضل ومجد، فكل هذه الأقاليم يسأل المسلم بين يدى الله تبارك وتعالى لماذا لم يعمل على استعادتها؟
4- ثم يسمو وطن المسلم بعد ذلك كله حتى يشمل الدنيا جميعًا.

ألست تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾[الأنفال: 39]؟ وبذلك يكون الإسلام قد وفق بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة بما فيه الخير كل الخير للإنسانية جمعاء..(26)

ويؤكد على معنى الوطن الأكبر بأنه ليس هذه التقسيمات التي قام بها المستعمر بين أقطار الوطن الإسلامي وأن وطن المسلمين وطن واحد، فيقول: وملاحظة أخرى قد تكون بعيدة عن تفكيرنا المحدود بالواقع والبيئة الخاصة وإن كانت صحيحة فى ذاتها، هى أن الإسلام لا يتقيد بهذا التقسيم السياسى فى الوطن الإسلامى العام فهو عقيدة ووطن وجنسية، وأرض المسلمين فى نظره وطن واحد، فالزيادة فى جزء منه قد تسد نقصًا فى جزء آخر..(27)

ويقول في خطبة منى أثناء رحلة الحج عام 1945م: إننا سنجاهد فى مصر، وإن إخوانكم فى فلسطين قد وطدوا العزم على أن يعيشوا، وإن إخوانكم فى سوريا يجاهدون، وإن إخوانكم فى إندونيسيا يبذلون الدم فى سبيل الحرية، وفى المغرب أعلنوها صرخة داوية.

وليس فى الدنيا الآن قوة تستطيع أن تكبت أو تحد أو تقف فى وجه عملنا، أو تنال من صفوفنا، وإن كانت قوة الحديد والنار ستؤخر النصر قليلاً ولكنا سننتصر أخيرًا ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32].

ما دمنا قد اتجهنا إلى مطالبنا، فعليكم أن تعرفوا حقوق أوطانكم الخاصة، وعلى أهل كل وطن أن يساعدوا إخوانهم فى الوطن العام.

وجزى الله شاعر الإخوان خيرًا إذ يقول:

ولست أدرى سوى الإسلام لى وطنا

الشام فيه ووادى النيل سيان

وحيثما ذكر اسم الله فى بلد

عددت أرجاءه من لب أوطانى

فكل أرض الإسلام أوطاننا -أيها المسلمون، وعلى كل أمة أن تدافع عن وطنها ما استطاعت، وعليها أن تعمل على مساعدة غيرها، وتلك فرصة إن أفلتت فلن تعود أبدًا.

سلاحكم الإيمان بحقوقكم تعملوا لها جاهدين، ومن حقنا ونحن أمة حرة أن نعيش كرامًا أحرارًا، والقضية التي تتجمع الدول المنتصرة لها مرة هنا ومرة هناك هى قضيتنا فاعملوا وأمامكم القرآن..(28)


المراجع

1- المعجم الوسيط (2/1084) ، ولسان العرب (6/ 4868).

2- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، رسالة دعوتنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية صـ 145.

3- المرجع السابق: صـ 148.

4- مجلة الإخوان المسلمون، العدد (62)، السنة الثالثة، 18 رجب 1364ه- 28 يونيو 1945م، ص(3).

5- مجلة الإخوان المسلمون، العدد (28)، السنة الثانية، 7 صفر 1363/ 12 فبراير 1944م.

6- رسالة دعوتنا: مرجع سابق.

7- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة إلى الشباب عامة وإلى الطلبة خاصة، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

8- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (242)، السنة الأولى، 25 ربيع الأول 1366ه- 16 فبراير 1947م.

9- رسالة المؤتمر الخامس صـ 191.

10- رسالة دعوتنا: مرجع سابق، صـ 154.

11- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (188)، السنة الأولى، 21 محرم 1366ه/15 ديسمبر 1946م، ص(1).

12- مجلة النذير، العدد (11)، السنة الثانية، 11 ربيع الأول سنة 1358 /2 مايو سنة 1939، ص(3-5).

13- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة دعوتنا في طور جديد.

14- جريدة الإخوان المسلمين الأربعينيات، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365/ 9 فبراير 1946، ص(3- 5).

15- المرجع السابق: العدد (319)، السنة الأولى، 27 جمادى الآخرة 1366/ 18 مايو 1947، ص(1).

16- مجلة النذير، العدد (23)، السنة الأولى، 8 رمضان 1357ه- 31 أكتوبر 1938م، ص(3-4).

17- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (475)، السنة الثانية، 6 محرم 1367ه- 19 نوفمبر 1947م، ص(1، 5).

18- جريدة الإخوان المسلمين نصف الشهرية، العدد (9)، السنة الأولى، 18ذو الحجة 1361ه- 26 ديسمبر 1942م، ص(3-4).

19- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة نحو النور.

20- رسالة إلى الشباب: مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا.

21- رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، صـ 212.

22- جمال نصار: الوطن والمواطنة في فكر الإمام البنا، بحث منشور على النت.

23- رسالة نحو النور: مرجع السابق: صـ 78.

24- الإخوان المسلمون والأقباط: عبده مصطفى دسوقي، الجزء الأول، بحث منشور على موقع إخوان ويكي.

25- مجلة النذير، العدد (23)، السنة الأولى، 8 رمضان 1357ه- 31 أكتوبر 1938م، ص(3-4).

26- جريدة الإخوان المسلمين الأربعينيات، العدد (40)، السنة الرابعة، 29شوال 1355ه/ 12 يناير 1937م، ص(1-3).

27- المرجع السابق: العدد (2)، السنة الخامسة، 18ربيع الأول 1356ه/ 28 مايو 1937م، ص(1، 13).

28- أنور الجندي: مع بعثة الحج للإخوان المسلمين عام 1364ه ،دار القلم، ص(55-62)