الهضيبي في آخر لقاء معه قبل وفاته

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:١١، ٢٧ ديسمبر ٢٠١٠ للمستخدم Moza (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث


الهضيبي في آخر لقاء معه قبل وفاته

حوار: مجاهد مليجي 18/11/1424 الموافق 10/01/2004

المستشار محمد المأمون الهضيبي - المرشد السادس للإخوان المسلمين

- تعرضت للتعذيب البشع في سجون عبد الناصر ووالدي سجنوه مع الكلاب المتوحشة في زنزانة واحدة

- دعاة لا قضاة تم تأليفه في السجن للرد على دعاة التكفير علاقتي توثقت بالإخوان داخل المعتقل

- أخذوا سيد قطب من زنزانة مجاورة وأعدموه بدم بارد

- التلمساني طلب مني العودة لصفوف قيادات الإخوان مطلع الثمانينات

في آخر حوار أجراه معه الموقع قبل وفاته طوف المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار محمد المأمون الهضيبي حول رحلته مع جماعة الإخوان المسلمين منذ بدايتها وحتى صار مرشداً للجماعة، كما حكى الهضيبي عن التعذيب الذي تعرَّض له هو ووالده المرشد حسن الهضيبي على يد زبانية عبد الناصر، وكشف تفاصيل تمثيلية المنشية من واقع صحيفة الأهرام الرسمية، وأكد أنه واجه حسين الشافعي نائب الرئيس الأسبق ورئيس قضاء الثورة، وتناول رؤيته لمستقبل الجماعة في ظل المعطيات الحالية، وغيرها من القضايا الهامة في هذا الحوار..

نود في البداية إلقاء الضوء على رحلتكم داخل جماعة الإخوان المسلمين منذ البداية، وحتى أصبحت مرشداً عاماً للجماعة ؟

نشأت في بيت مسلم ومتحضِّر وغير متزمت، لذلك عندما تعرفنا على دعوة الإخوان المسلمين لم نجد اختلافاً عما كنا نفهمه، ولم أجد بينها وبين المعيشة التي كنا عليها أية خلافات.

كم عمرك آنذاك ؟

أنا تخرجت في كلية الحقوق عام 1942، وكانت جماعة الإخوان المسلمين في بداية نشاطها، ولم تكن منتشرة بشكل كبير، وقد كنت أحد أبناء دعوة الإخوان المسلمين أعرفها جيداً، غير أنني لم أكن متداخلاً في تنظيماتها؛ لطبيعة عملي في سلك القضاء، إذ بدأت عضواً في النيابة العامة،حتى أصبحت قاضياً، والمفروض أن القاضي لا يتدخَّل في القضايا والتنظيمات السياسية العامة، الأمر الذي جعلني غير متداخل في التنظيمات السياسية، وقد كنت أحتفظ باتجاهاتي وعقليتي السياسية، ثم دارت الأيام وتم اعتقالي سنة 1965 ووجدت نفسي داخل المعتقل في خضم جموع الإخوان الذين كنت أعرف كثيراً منهم، ولي اتصالات بهم، وبعد ذلك وجدت نفسي داخل أحداث وتنظيمات الإخوان المسلمين، وأخذت علاقتي بهم تتطور تطوراً آخر، وتم فصلي من عملي، وقد عدت إليه بعد فترة قصيرة، وتم إبعادي عنه.

ثم في بداية الثمانينات كانت الأمور الفاصلة في علاقتي بالإخوان، حيث زار السعودية الأستاذ عمر التلمساني -رحمة الله- وطلب من الإخوان رؤيتي، واتصلت عليه من جدة، فوجدته عاد إلى المدينة المنورة، وسألته أين يريد أن يراني؟ فطلب مني العودة إلى القاهرة، وكنت على أعتاب الإجازة السنوية، فنزلت والتقيت به عقب عودتي، فأبلغني برغبته في أن أترك عملي في السعودية وأعود لكي أنضم إلى قافلة الإخوان المسلمين، التي تكوَّنت من جديد، وأصبح لها كيان واستراتيجية، فلم أتردد بفضل الله في الاستجابة لما طلبه مني المرشد العام الأستاذ عمر التلمساني، ولكن طلبت منه أن أعود للسعودية لأنهي الارتباطات التعاقدية مع الإخوة السعوديين، حيث كانت علاقتهم بي تقوم على الاحترام، وكانت علاقة جيدة، ولا بد أن أستأذنهم بطريقة جيدة، ثم رجعت بعد فترة التسوية مع الإخوة السعوديين، واستقلت وعدت إلى مصر، ومنذ هذه الفترة عدت كعضو في مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين.. وأصبح هناك كيان تنظيمي جديد، وأنا عضو فيه بكل وضوح.

ثم جاءت انتخابات مجلس الشعب، ورشحني الإخوان في الجيزة، وتم انتخابي مع مجموعة من إخواني، وكانت أكبر مجموعة من الإخوان تدخل مجلس الشعب، ثم أصبحت أنا المسئول عن هذه المجموعة، فظهر لي كيان آخر، وهو المتحدث باسم الكتلة البرلمانية داخل الإخوان المسلمين، وهكذا جاء الأستاذ مصطفى مشهور -رحمة الله عليه- وعينني نائباً له، والمسألة تدرجت منذ ذلك الوقت، حتى أصبحت مرشداً للإخوان.. هذه باختصار رحلتي مع الإخوان حتى اليوم.

ذكريات مع حسن البنا

ما هي الذكريات التي تربطك بالشهيد حسن البنا ؟

أنا في شبابي لم أكن أجلس كثيراً إلى الأستاذ حسن البنا، وخلال الفترة التي كان يتردد فيها الأستاذ البنا على الوالد حسن الهضيبي كانت الفترة الأخيرة الحرجة قبل وفاته بسنوات قليلة، وأنا في ذلك الوقت كنت تزوجت في عام 1945 وكان عمري آنذاك 24 سنة، وأصبح لي منزل مستقل عن الوالد، ولم أكن في بيت الوالد باستمرار، علاوة على أنني في هذا الوقت عملت في خارج القاهرة، ولم أكن متابعاً آنذاك، فأبي -كعضو بجماعة الإخوان المسلمين- لم يؤثر علي وأنا في سلك القضاء، كما أنني لم أكن متداخلاً في الكيان التنظيمي للجماعة، إلا أنه في آخر أيام الإمام الشهيد حسن البنا لاحظت أنه كان يتردد كثيراً على والدي الهضيبي، فكنت ألتقي بهم، وأجلس بعد السلام والتحية قليلاً ثم أستأذن.

ما ذكرياتك مع والدك المستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان ؟

كان والدي حريصاً على متابعة أعمال الإخوان المسلمين كمرشد للجماعة، وأنا لا شأن لي بها إطلاقا، وأنا في ذلك الوقت أعمل في القضاء وأقيم في منزلي الخاص، وكان والدي رحمه الله مدركاً لمدى خطورة وتطورات الأوضاع، كما كان مدركاً تماماً أن الثورة لن يهدأ لها بال حتى تقضي على الإخوان .. كما أنني اعتقلت معه في عام 1965 حيث مكثنا في المعتقل حتى عام 1971، وقد تعرَّض الوالد للاعتقال أكثر من مرة منذ 1954 وحتى 1965 كما تعرَّض للتهديد بالإعدام، وعانى الكثير في عهد الثورة البائدة ..

تغـيير جـذري

هل لمست تغييراً على حياة والدك قبل وبعد أن أصبح مرشداً للإخوان ؟

بلا شك أصبح هناك اختلاف كبير، فبعد أن أسندت إليه أمانة الإرشاد للجماعة أصبح عليه عبء ضخم من حيث المسئوليات، وأصبح عنده مقابلات ليل نهار، وأصبح البيت يعج بالناس داخلين وخارجين من جميع الألوان والأشكال والاتجاهات، ولكنه قبل كل ذلك كان يعمل مستشاراً لا أحد يزوره في البيت إلا أصدقاء محدودون وأناس عاديون ليسوا من الشخصيات العامة والسياسيين، ولا يتدخل أحد في شئونه، حيث يذهب إلى محكمته صباح كل يوم ويصدر أحكاماً وينظر في القضايا، ويرجع يجلس في بيته يقرأ ويكتب الأسباب، أو ينشغل بالاطلاع على القضايا.. فبالطبع حدث اختلاف ضخم في حياة الوالد بعد إسناد أمانة الإرشاد إليه.

من أول من تربيت على يديه داخل جماعة الإخوان ؟

أنا تربيت مع حسن الهضيبي في البيت، وحسن الهضيبي عرف حسن البنا، وهو أكبر من الأستاذ حسن البنا سناً.

ماذا تعلَّمت من الوالد؟

تعلَّمت منه الانضباط في كل أموري، والتمسُّك بأحكام الدين وعدم الخضوع لأحد إلا لله والتمسك بالحق ولا ألين ولا أماري فيه، وهذه قاعدة عنده، فمنذ أن كان قاضياً في بدء حياته وهذا أسلوبه، علاوة على أنني تعلَّمت منه كيف أدير شئون أسرتي، وفهمه للمرأة ودورها واحترام المرأة في المجتمع وتعليمها، ولذلك جميع أخواتي البنات تعلمن كلهن وتخرجن من الجامعة، ولكن أمر العمل بعد ذلك فهي المسئولة عنه مع زوجها، فالمهم أن يتعلمن.

على الصعيد الحركي تعلَّمت من والدي ضرورة التمسك بالحق، ونقوي إيماننا بالله، وأسلوب التعامل يختلف باختلاف الأوضاع، حيث إننا اليوم أمام وضع مختلف تماما عن أوضاع 1948 وما بعد الثورة، ولكن لابد أن يفهم الإنسان الظروف التي يعيش فيها على الصعيد الداخلي والخارجي والأوضاع الدولية كذلك؛ حتى يصبح المسلم كيساً فطناً.

ما هي طبيعة العلاقة بين والدك وبين الإمام حسن البنا ؟

كان والدي حريصاً على أن نقضي الإجازات السنوية لنا في الريف في قريتنا بين أهلنا وعائلتنا، فكان عندما يذهب إلى البلد يجلس في المضيفة، ويتوافد الناس لزيارته، والمجتمع الريفي في ذلك الوقت كان مجتمعاً بسيطاً، وكانت نسبة التعليم ضئيلة، وكان الشباب يأتون ويتكلمون في قضايا عامة، ومسائل متعلِّقة بالكيان الاجتماعي والأمة، ولمس والدي -رحمه الله- وجود نضوج فكري لديهم، فأعجب بهم وسأل عن هؤلاء الشباب، فقالوا له إنهم من الإخوان المسلمين، فشعر والدي أن هناك تغييراً يطرأ على المجتمع، ولمس أن هذه الدعوة تغير طبيعة الناس وطبيعة الفرد، وبدلاً أن يكون الإنسان مشغولاً بتوافه الأمور، أصبح ينشغل بالمهام والقضايا الكبيرة والضخمة، فسأل عن مؤسسها وسعى أن يحضر ليستمع إليه، فكان والدي رحمه الله يقول أي خطيب كنت أستمع إليه كنت أتمنى أن ينتهي إلا حسن البنا، وبدأت بينهما العلاقة تتطوَّر وتتوثَّق.

هل تعرَّض الهضيبي للتعذيب داخل السجن؟

المستشار حسن الهضيبي المرشد االثاني للإخوان المسلمين

بالطبع تعرضت للتعذيب، ولست وحدي ولكن عمليات التعذيب حدثت للجميع بالأساليب القذرة المنحطة التي اتبعوها في جميع المعتقلات، سواء في (أبو زعبل)، أو السجن الحربي أو غيرها، علاوة على عمليات الضرب والإهانة والتعليق والجري والجلد وغير ذلك من الأساليب التي عانيناها جميعا، وهذا الأمر استمر معنا منذ عام 1965 وحتى مات عبد الناصر، وأفرج عنا الرئيس السادات في يوليو 1971.

عايش المستشار مأمون الهضيبي مجموعة 1965 التي أعدم فيها الشيخ سيد قطب، فما هي ذكرياتك حول هذه الأحداث؟

كان الأستاذسيد قطب الشهيد رحمه الله موجوداً معنا في السجن الحربي، ولكنهم كانوا يعزلونه عن جميع الإخوان، فكان في زنزانة انفرادية بجوارنا، ولما صدر الحكم بإعدامه أخذوه من الزنزانة التي كان فيها بجوارنا، وعرفنا أنهم يأخذونه لتنفيذ حكم الإعدام ولم نستطع فعل أي شيء لهم.

كيف ترى واقع جماعة الإخوان بعد هذا العمر الطويل بالجماعة؟

والله أنا مستبشر خيراً، وأرى أن دعوة الإخوان المسلمين سيبارك فيها ربنا، والدليل أنها تنتشر في كل مكان وتقوى يوماً بعد يوم، وأصبحت القوى الأساسية في عدد من المجتمعات الإسلامية في مصر والأردن والجزائر واليمن وفي أوروبا وأمريكا، ولها تأثيرها في المجتمعات، فالتطرف والشذوذ لا يستمر وسرعان ما يزول؛ لأنه مخالف للحقيقة ولأصول الإسلام والطبيعة البشرية.

أما الدعوة الوسطية -دعوة الإخوان- فمستمرة وباقية وتقوى وتشتد بأمر الله، وفي كل مناسبة تظهر باعتبارها جزءاً هاماً من كيان الشعوب الإسلامية عموماً في أي مكان، وأنت ترى الآن بعد ما فعله صدام من إقصاء الإسلاميين طوال عشرات السنين تظهر جماعة إسلامية في العراق، لها كيان وتأثير وهذا من فضل الله.

تمثيلية اغتيال عبد الناصر

يتحدث الكثيرون عن تورُّط الإخوان في محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 والإخوان يقولون إنها مؤامرة .. نرجو توضيح ذلك ؟

أنا أود إلقاء الضوء على أول قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين الذي صدر في 14 يناير 1954، ولم يكن ساعتها هناك قرارات محاولات اغتيال ولا غيره... وإنما أصبحنا فوجدنا هناك قرارات، وفي الليل جاءوا ليعتقلوا الأستاذ حسن الهضيبي وقيادات الجماعة، ورحلوهم إلى المعتقلات بعضهم إلى الداخلية والآخر إلى السجن الحربي؛ بغرض التخلُّص من الإخوان المسلمين حتى يخلصوا القوة لأنفسهم .. يكفي أن تعرف أن جمال عبد الناصر ظل لمدة تسعة أشهر بعد الثورة لم يكن أحد يعرفه, وكذلك الضباط الذين كانوا في مجلس قيادة الثورة لم يكن أحد يعرفهم .. والمعروف هو اللواء محمد نجيب، وظل هذا الأمر فترة، وهم بدأوا يبحثون عما يعتقدون أنه حقهم، وكانوا يلتقون من وراء اللواء محمد نجيب فسيطروا على الجيش, وسيطروا على مقدرات الأمور، وكان جمال عبد الناصر قائداً لهذا التنظيم، وكان أكثر الناس عملاً وتكتيكاً حتى يستحوذ على السلطة .. والضباط أخذتهم النشوة، وأنهم أصبحوا قادة وذاقوا ملذات الحياة، بينما جمال عبد الناصر لم يهدأ له بال، وظل يتكتك حتى سيطر على كل شيء، ولم يعد بحاجة إلى واجهة محمد نجيب، وهم لم يعودوا بحاجة لأي شيء آخر, فعملية مهاجمة الإخوان المسلمين ومحاولة تصفيتها هي سمة كل الطغاة .. فالحكومة التي لا تبقي على القديم، وهذه هي طبيعة الأنظمة العسكرية في كل الدنيا ليس في مصر فقط.

أما بالنسبة لحادثة المنشية ومؤامرة محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، فإنني لن أتكلم ولكن أستشهد بما نشرته صحيفة الأهرام الحكومية الناطقة بلسان رجال الثورة، حيث إن هذه التمثيلية كانت في يوم 26 أكتوبر 1954 .. وجاء في الأهرام بتاريخ 27 أكتوبر عام 1954 اليوم التالي لحادث المنشية ..." وقد قبض على شخص وقبض على سلاح في يد الجاني, وقد عثر في المكان الذي كان يقف فيه الجاني على أربعة أظرف فارغة من عيار 26مم، وهي تختلف عن طلقات المسدس الذي ضبط في يد الجاني، إذ إن المسدس الذي عثر عليه مع المتهم من نوع لا يلفظ الأظرف الفارغة .. وكان المتهم يردد في ذلك الوقت أنه لم يقصد إصابة أحد، وإنه كان يطلق هذه الرصاصات للتفاريح..

ثم جاء في الأهرام في يوم 3 نوفمبر 1954 بعد الحادثة بأسبوع ويوجد صورة لجمال عبد الناصر ومعه شخص آخر .. جاء فيها: (خذوا آدم العامل الذي عثر على المسدس الذي استخدمه الجاني في محاولة الاعتداء على الرئيس جمال عبد الناصر، وهو يقدمه إلى الرئيس جمال في مجلس قيادة الثورة )..

ألم يقولوا إنهم ضبطوا في يد الجاني مسدساً ؟! كيف يحدث ذلك ثم يأتي عامل بصورة هزلية بعد أسبوع، ويقولون إنه جاء من الإسكندرية على قدميه؛ لأنه لا يجد ثمن التذكرة لكي يجد جمال عبد الناصر منتظراً في مجلس قيادة الثورة، ويأخذ منه السلاح ويعطيه مكافأة مالية والسؤال .. هل المقبوض عليه من الإخوان كان معه مسدس أم لم يكن معه مسدس؟ ثم إذا لم يكن معه مسدس لماذا قبضوا عليه إذا؟! أليس هذا دليل على تلفيق التمثيلية من أولها لآخرها حسب ما نشرته جريدة الأهرام الرسمية في تاريخ 27 – 10 – 1954 , وفي 3/ 11/ 1954 .

وأنا ذهبت إلى عضو مجلس قيادة الثورة حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية، والذي كان يرأس القضاء فيما سموه (محكمة الثورة)، وعرضت عليه ما نشرته الأهرام.. وسألته هل محمود عبداللطيف الذي اعتقل في حادث المنشية كان معه مسدس أم لم يكن معه مسدس؟! فقال إنه اعترف، فقلت له أي واحد يتم تعذيبه لابد أن يعترف .. فقال هي مسألة توجه عام .. الثورة قامت بتوجُّه عام لابد أن يسير الكل وفقاً لهذا التوجُّه العام.. فلم أجد لديه إجابة على سؤالي..

دعاة لا قضاة

تحدثت أنك سجنت مع والدك المرشد حسن الهضيبي .. ما هي قصة هذا السجن؟ وكيف خرج كتاب "دعاة لا قضاه"؟

نعم سجنت مع والدي سنة 1965 وقد قمنا بعمل كتاب (دعاة لا قضاة)، وقد تعرضنا لعمليات التعذيب سواء في السجن الحربي أو غيره من السجون منذ عام 1954، واستمرت حتى تمت التصفيات عام 1965.. وكانوا زبانية التعذيب قتلوا 28 شخصاً من الإخوان المسلمين في زنزانة واحدة في ليمان طره .. ولما جاءت النيابة تحقق في هذه المذبحة قام صلاح الدسوقي – الذي عينوه محافظاً للقاهرة بعد ذلك – يأخذ الورق المتعلِّق بهذه المذبحة، وطرد وكيل النيابة خارج ليمان طره؛ نتيجة لتكرار هذا التعذيب الوحشي الجهنمي والقتل العمد، وظهرت مجموعات تكفِّر هؤلاء الذين يعذبونهم ويقتلونهم وهي جماعة ( التكفير و الهجرة)، وكان نظام عبد الناصر في 1965 اعتقل مجموعات كثيرة من أصحاب الاتجاهات الإسلامية المختلفة، واعتبروهم كلهم ينتمون للإخوان، ومن ضمن هؤلاء من نسب إلى الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – أنه كفر المجتمع, ويكفر الحاكم, ونسبوا إلى الأستاذ أبي الأعلى المودودي مثل هذا الفكر, وأيضاً زعموا أن المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي يعتنق هذا الفكر, والمسألة ظهرت وشاعت وكان فكراً عجيباً جداً .. وآنذاك كنت معتقلاً مع والدي، ولما سئلت عن هذا الفكر .. فقلت إن هذا الفكر فكر التكفير لا أعتقد أن له أصلاً عندنا إطلاقاً، وضربت لهم أمثلة إنني لم أسمع من والدي شيئاً عن هذا، وأغرب من هذا أنهم يقولون إنه من لم يؤمن بهذا الفكر فهو كافر، فكيف يتركني والدي حسن الهضيبي وأنا لا أعرف شيئاً عن هذا الفكر، وبذلك أكون أنا على كفر !! ..

وكان والدي حكم عليه بثلاث سنوات، وأحضروه من ليمان طره إلى المعتقل، ولما عرف بهذه الحكاية نفى تماما هذا الكلام، وطلب إعداد كتاب للرد على هذا الفكر الخاطئ، وهو فكر التكفير، وكان يسمح لنا بالحصول على أوراق وكتب من أجل التأصيل الفقهي للرد على هذا الفكر؛ حتى لا يسري في جسد الجماعة، فكان كتاب (دعاة لا قضاة) .

ما هي ظروف اعتقال سيد قطب ومجموعته حيث عاصرت الأحداث؟

بالنسبة لمؤامرة إعدام الأستاذ سيد قطب كما حدث، وأعلم آنذاك أنهم أعلنوا أن سيد قطب يقود مؤامرة ضد الرئيس جمال عبد الناصر، ولا أحد يصدق ذلك، ولم يندد أحد بشيء، وفوجئنا باعتقال 22 ألف شخص في القضية التي كان جملة المتهمين فيها -بمن فيهم تجار السلاح الذين أقحموا- لم يتجاوز 83 شخصاً .. وظلوا في المعتقلات منذ عام 1965 وحتى أول عهد الرئيس السادات، وأنا شخصياً مكثت منذ عام 1965 وحتى أول يوليو 1971 بعد أن جاء الرئيس أنور السادات، وأراد أن يصفي الأمور ويهدئ النفوس .

كيف تم اعتقالك وما تهمتك آنذاك؟

جاءت قوات الأمن كما تفعل، واقتحموا منزلي في منتصف الليل، وحطموا أثاثه، واستولوا على مكتبة كانت لدي، ثم اقتادوني إلى المعتقل، وكانت تهمتي أنني أقدم مساعدات وأموالاً لعائلات وأسر المعتقلين المغيبين في السجون، والذين اعتقلوا منذ 1954 .. وهذا كلام غير صحيح، حيث إنني كنت أبحث عن الأسر المعدمة التي يتضور أبناؤها ونساؤها من الجوع ولا يجدون ما يأكلون، فنقدم لهم يد المعونة، وكما هو معروف أنه في كل الأديان والشرائع العقوبة شخصية .. فالشخص سواء أجرم أم لم يجرم فقد تم اعتقاله، فما ذنب أسرته يمنع عنهم الطعام والشراب والمساعدات المالية، كما ثبت أن هذه الأموال لا تستخدم في أغراض أخرى غير مساعدة هذه الأسر للحصول على الطعام والشراب وأعباء المعيشة للأسر الفقيرة المحتاجة .

هل تعرَّضت للتعذيب في السجن ؟

طبعاً عندما اقتادوني من منزلي بعد الطريقة الهمجية التي اعتقلوني بها أودعوني في مقر مباحث أمن الدولة فترة من أصعب الفترات عانيت فيها، حيث مكثت فترة ملقى على الأرض على البلاط دون طعام أو شراب أو نوم أو مظهر من مظاهر الحياة، ثم أخذوني إلى سجن (أبو زعبل)، وهناك علقوني بالمقلوب رأسي لأسفل وقدمي مربوط من أعلى، ونزلوا علي ضرب بشكل هستيري كدت أفقد الوعي، ثم طرحوا عليَّ العديد من الأسئلة التي لا أعرف عنها شيئاً، ثم فقدت الوعي وأغمي على من شدة التعذيب، فأنزلوني ووضعوني في زنزانة كبيرة خالية، وهي تسمى (المحمصة) .. وهي عبارة عن ساحة خالية يحيط بها سور حديد يضعوا فيها الشخص المراد تعذيبه، فوضعوني فيها وبها مجموعة من المتخصصين في التعذيب قاموا بتعليقي بعد أن ظلوا يضربوني فترة طويلة، وأنا من شدة الضرب أجري بينهم دون توقُّف، حيث كلما أمر على أحدهم يضربني بالسوط أو العصا الغليظ أو بالقلم الذي في يديه، وبذلك يمنعوننا من النوم أو الجلوس أو الوقوف، وهكذا يستمر التعذيب لساعات طويلة في نفس المكان بشكل لا إنساني، ويظل المرء على هذا الوضع عدة أيام وحسب زبانية التعذيب .

هل تعرَّض الوالد للتعذيب مثلك؟

الوالد أنا لم أكن معه، ولكنه حكى لي أنه تعرَّض للتعذيب أيضا فكانوا يضعونه في زنزانة إسمنت، ويرشون عليها مياه ثم يحضرون مجموعة من الكلاب القذرة والنتنة ويضعونها معه في نفس الزنزانة، فتبول وتتبرز في الزنزانة بجواره، بحيث إن الإنسان لا يستطيع أن يجلس -من المياه- في الأرض ولا ينام، وهو رجل فوق السبعين سنة يظل في هذه الحالة ويتعرَّض لهذا التعذيب .. وكان في عام 1954 التعذيب أشد وأفظع، وهناك أناس كثيرون ماتوا من التعذيب ... وكانوا يقتلونهم في السجن الحربي، ثم يدفنوهم في الصحراء بالعشرات، والتعذيب استمرّ وضحاياه بالمئات من الإخوان في العهد الناصري .