الحلقة الثانية عشرة: احتلال المسجد الحرام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إحتلال المسجد الحرام

بعض أتباع جهيمان بعد تحرير الحرم المكي من سيطرتهم موقع القرضاوي/14-10-2008

من هم الذين إحتلوا الحرم

من أعظم الأحداث خطرا، وأبعدها أثرا، التي وقعت في تلك الفترة وكان لها أثرها علينا وعلى المسلمين عامة: احتلال المسجد الحرام، أول مسجد وضع لعبادة الله في الأرض، وفيه الكعبة البيت الحرام، قبلة المسلمين في أنحاء الأرض، إليه يتجهون في صلواتهم كل يوم خمس مرات {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144].

وإليه يحج المسلمون في العمر مرة فريضة عليهم، ويحجون متطوعين ويعتمرون ما يسر الله لهم. والصلاة في هذا المسجد بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد، غير المسجد النبوي والمسجد الأقصى.

يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران:96-97] .

لهذا كان احتلال هذا الحرم المكي بما فيه من مقدسات، وما يحوط به من اعتبارات: حدثا هائلا، هز العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وتساءل الناس هنا وهناك: ما الذي حدث؟ وماذا وراءه؟ ومن هم هؤلاء الذين احتلوا الحرم؟ ما أفكارهم؟ وما أهدافهم؟ وما وسائلهم؟ وماذا يقصدون من وراء هذا الاحتلال؟ وهل هناك جهة داخلية أو خارجية تساندهم؟ أسئلة كنا نسألها، ويسألها معنا المسلمون والمهتمون في كل مكان، ليعرفوا حقيقة ما جرى، ويا لهول ما جرى!

ولقد وقع هذا الحدث الجلل، ونحن نستعد لاستقبال العلماء والدعاة والمفكرين الوافدين من أنحاء العالم الإسلامي إلى الدوحة بمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي للسيرة والسنة النبوية، الذي كان بداية الاحتفالات بمقدم القرن الخامس عشر الهجري.

وأذكر أنا استقبلنا شيخنا الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، وقد قدم من مكة المكرمة، حزينا أشد الحزن على ما حدث في المسجد الحرام، وكان يقول: هذا ثمرة زرع ظل يغذى وينمى لعدة عقود من المشايخ الغائبين عن العالم، حتى ظهرت نتائجه اليوم.

أما هؤلاء، فقد عُرِفوا أنهم جماعة سلفية سعودية خالصة، من أقحاح السلفيين، وممن أخذوا سلفية ابن عبد الوهاب، كما هي، بدوية لفظية ظاهرية واضحة، بلا تزويق، ولا تجميل، إنها جماعة (جهيمان) العتيبي. وانظر اسم الزعيم. إنه اسم بدوي قح، يشير إلى طبيعة الجماعة، وإن كانت الأسماء لا حرج فيها، ولكن لها دلالتها وإيحاؤها.

في الليلة الأولى من غرة محرم سنة 1400هـ قررت هذه المجموعة السلفية بقيادة زعيمها (جهيمان) احتلال المسجد الحرام. وكانت رتبت أمرها قبل ذلك، وأعدت العدة لهذا الأمر، وجندت جنودها، وأدخلت كميات من الغذاء، وخصوصا من التمر، لتخزنه في أماكن معينة من الحرم. وقد احتالوا على ذلك بوسيلة وأخرى. فقد يطول زمن الحصار، ولن يجدوا من يمدهم بالغذاء من الخارج.

وقد أعدوا مجموعات بعدد أبواب المسجد الكبيرة والصغيرة، لتقوم بإغلاقها في الوقت المحدد. وفي هذا الوقت غلقت الأبواب على كل من في المسجد، فلا يستطيع أحد الخروج ولا الدخول. وكان كثير من الحجاج لا يزالون في مكة لم يعودوا إلى أوطانهم، ومن هؤلاء من كان في المسجد لصلاة أو طواف أو اعتكاف، فبقوا في المسجد مع المجموعة التي احتلته، وهؤلاء ناس لا لهم في الثور ولا في الطحين كما يقول المثل العامي المصري، أو كما يقول المثل العربي: لا هم في العير ولا في النفير. وبعض هؤلاء قد أفرجوا عنه فيما بعد. وبعضهم بقي إلى ما شاء الله.

الحرم المخطوف

لقد (اختطف) هؤلاء المسجد، حيث لا يظن أحد أن المسجد يمكن أن يختطف، إنما تختطف الطائرات في الجو، بإجبار طياريها أن يغيروا مسارهم، وأن يكونوا رهن إشارة الخاطفين، أما أن يختطف مكان كبير كالحرم المكي، له مداخل وأبواب بالعشرات، ويسع عشرات الألوف، ومئات الألوف، فلم يعهد أن يخطف مثله!

ولكن المستبعد حدث، واختطف الحرم بالفعل، وأصبح كل من كان بداخله ساعة الإغلاق: تحت سلطان الخاطفين، ورهن إرادتهم.

إن المسجد الذي ظل مفتوحا مئات السنين لكل من يريد الصلاة أو الطواف أو الاعتكاف، من كل آت من أنحاء الأرض: قد أغلق الآن فلا يملك أحد أن يدخله طائفا أو عاكفا، أو مصليا.

جهيمان بعد إلقاء القبض عليه في مكة هؤلاء الشبان المتحمسون الذين أصابهم ما سماه الكاتب الإسلامي محمد عبد الله السمان قديما: (الهوس الديني) اعتمدوا على أحاديث قرؤوها في بعض الكتب، واعتقدوا صحتها، وبنوا عليها مواقف، وفرعوا عليها أحكاما وفروعا. وأسسوا عليها (إستراتيجيتهم) أو رؤيتهم الأصلية، وموقفهم الأساسي في المواجهة وتحقيق الأهداف.

1ـ آمنوا بأن قضية المهدي وظهوره: قضية مسلمة، بل هي ـ كما أدخلها بعضهم ـ من ضمن لواحق العقيدة التي يجب أن يؤمن المسلم بمفرداتها!

2ـ آمنوا بما جاء في بعض الأحاديث أنه من نسل النبي، وأن اسمه كاسمه واسم أبيه كاسم أبي النبي أي هو محمد بن عبد الله. وهو هاشمي حسيني. فبحثوا فيمن معهم ومن حولهم من الأتباع عن شخص تتوافر فيه هذه السمات: هاشمي حسيني اسمه محمد بن عبد الله. فوجدوا ذلك في أحد أتباعهم، واسمه محمد عبد الله القحطاني.

3ـ صدقوا بما جاء في بعض الأحاديث أن ظهوره سيكون في غرة محرم في أول القرن، فوجدوها فرصة ذهبية لا تعوض: أنهم على أبواب القرن الهجري، فليعدوا العدة لذلك وليقوموا بحركتهم.

4ـ قرؤوا فيما قرؤوا: أنه سيبايع بين الركن والمقام. فقالوا: من غيرنا يستطيع أن يحقق هذه النبوءة، ويبايع إمامه بين الركن والمقام، ونحن أهل المسجد الحرام، والبيت الحرام؟

5ـ قرءوا فيما قرءوا: أن الجيش الذي سيهاجمهم سيخسف به، فباتوا مطمئنين، أنه لا خوف عليهم من هجوم من الأرض ولا من الجو، وأن كل من غزاهم أو هاجمهم سيردهم جند من السماء.

نظرة تقييم وتحليل

كانت جماعة جهيمان تعيش في الماضي والتراث، غير ملتفتة كثيرا إلى الحاضر، ناهيك باستشراف المستقبل، ولا تعيش في الماضي كله، ولا في التراث كله، ولكنها تعيش في إطار مدرسة معينة، غير معنية بما سواها من المدارس. إنها تعيش ظواهر النصوص، وليتها تعيش مع نصوص القرآن، وتتخذه إمامها ومصدرها الأول، بل هي تعوّل ـ أكثر ما تعول ـ على نصوص السنة. ومع هذا لا تدقق في ثبوت السنة، وتعتمد الصحيح الذي لا شبهة في سنده ولا متنه. بل كثيرا ما تعتمد الضعيف ـ أو على الأقل المختلف في تصحيحه وتضعيفه ـ في أحكامها ومواقفها، ولا سيما في الأمور الكبيرة، والقضايا الخطيرة.

وهي في مواقفها وأحكامها هذه تعول على الظاهر أكثر مما تعول على المقصد، وعلى الحرفية أكثر مما تعول على الفحوى، مغفلة فقه المقاصد، وفقه المآلات، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، ناهيك بفقه السنن، وفقه الحضارة.

إن الموضوع الذي حرك هذه القضية كلها، ودفع إلى هذه الحركة الغريبة في مظهرها وفي جوهرها، هو: قضية (المهدي المنتظر) وهي قضية أخذت مساحة كبيرة من تفكير المسلمين، ولاسيما المتأخرين، ومن مجادلاتهم، سواء في علم الحديث أم في علم الكلام: هل هناك مهدي ينتظر أو لا؟ وإذا كان فمن هو؟ ومتى يظهر؟ وما علامته؟ وما اسمه ونسبه؟ وما وظيفته؟ وهل الأمة في حاجة إلى مثله بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة، وختم النبوة، وترك في الأمة ما إن تمسكت به لم تضل أبدا؟

قضية المهدي كلها، لا أصل لها في القرآن، ولم يتحدث عنها بالعبارة ولا بالإشارة، بل الذي أكده القرآن ما جاء في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] وهي من أواخر ما نزل من القرآن. وقال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40].

وقد أودع الله في هذا الدين ـ عقيدته وشريعته وقيمه ـ من عناصر الخلود والتجدد: ما يضمن بقاءه محفوظا متجددا، قادرا على مواجهة كل تطور، وكل جديد.

وقد تكفل الله بحفظ مصادر هذا الدين، فقال في حفظ القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وقال: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42] .

وقرر الإمام الشاطبي: أن حفظ القرآن يستلزم حفظ السنة؛ لأنها مبينة للقرآن، وحفظ المبين يستلزم حفظ بيانه.

كما تكفل الله بحفظ هذه الأمة ـ أمة الإسلام ـ ماديا: بحفظها من الاستئصال، ومعنويا: بإبقاء طائفة منها تحافظ على وجودها الأدبي، وتحرس حدودها أن تستباح، وهم الذين يسميهم العلماء: (الطائفة المنصورة) التي صحت بها الأحاديث عن عدد من الصحابة: أنها لا تزال قائمة بالحق داعية إليه، حتى يأتي أمر الله، وهي ظاهرة على ذلك.

ويدخل في هذه الطائفة (المجددون) الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة ليجددوا لها دينها، كما روى ذلك أبو داود والحاكم وغيرهما، وصححه عدد من الأئمة.

وقد يكون هذا المجدد فردا، وقد يكون جماعة أو مدرسة، المهم هو تجديد الدين من داخله، وبآلياته الذاتية، وهذا هو التجديد الحقيقي[1].

وإذا كان القرآن لم يذكر المهدي المنتظر لا بالعبارة ولا بالإشارة، فكذلك الصحيحان (صحيح البخاري وصحيح مسلم): لم يذكرا المهدي هذا كذلك، إلا ما قيل في حديث: "يأتي في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيا، ولا يعده عدا"[2].

وهذا ليس فيه ما يدل على دعوى المهدي، كل ما فيه: أن خليفة سيأتي يتحقق في زمنه الرخاء والغنى، بحيث يدفع المال إلى الناس بغير عد.

وربما يقول بعض الناس: إن صاحبي الصحيحين: (البخاري ومسلم) لم يقصدا أن يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، كما هو معلوم لعلماء هذا الشأن.

ولكن يجب أن يضاف هنا: أنهما حرصا على أن لا يدعا بابا مهما من أبواب العلم إلا وذكرا فيه حديثا، ولو واحدا. فكيف بموضوع مثل هذا قامت على أساسه معتقدات، وحدثت مجادلات، كيف يكون عندهما حديث أو أكثر على شرطهما أو شرط أحدهما ولا يخرجاه أو واحد منهما؟!

ثم إن البحث في الأحاديث المروية في هذا الشأن ـ في ضوء موازين الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف ـ يبين لنا أن هذه الأحاديث كلها لا تبلغ درجة الصحة التي يجب أن تتوافر ليحتج بها في قضية مهمة كهذه.

وقد تعرض العلامة ابن خلدون في مقدمته، لقضية المهدي، وما ورد فيها من أحاديث ضعفها كلها، ولم يجد دليلا معتبرا يستند إليه في الاعتقاد بظهور المهدي.

وقد رد العلامة الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ على ابن خلدون ـ في تخريجه لمسند أحمد ـ وقال: إنه ليس من أهل هذا الشأن.

وأقول: إن شيخنا أحمد شاكر لم ينصف ابن خلدون، فإنه حين نقد أحاديث المهدي: نقدها على طريقة المحدثين، مستخدما موازين الجرح والتعديل التي وضعها الأئمة، ولم يعتمد على مجرد المنطق العقلي.

وفي المؤتمر العالمي الثالث الذي انعقد في قطر للسنة والسيرة: ألقى العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود، قاضي قضاة قطر، بحثا قويا، عنوانه: (لا مهدي ينتظر بعد محمد خير البشر)، رد فيها كل ما استند إليه القائلون بوجوب ظهور المهدي. وكان له ضجة في المؤتمر. وقد ذكرنا ذلك من قبل. وكان الشيخ رحمه الله ببحثه هذا، يرد على الذين احتلوا الحرم، بناء على هذه الفكرة عندهم.

وأذكر أن المحدّث المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني، زار بعده دولة قطر، وطلب أن يلقى الشيخ ابن محمود، ليناقشه في قضية المهدي، كما طلب أن أحضر معه والشيخ الغزالي والشيخ الأنصاري رحمهم الله، وكان الألباني مقتنعا في قرارة نفسه، أنه قادر على أن يرد ابن محمود عن مقالته. وقد حضرنا وسمعنا ما قاله الألباني، وما رد به ابن محمود، وانصرفنا، وظل يتمسك برأيه. ولم نر فيما ذكره الألباني أدلة قاطعة تجبر ابن محمود على التسليم، بل كلها يتطرق إليها الاحتمال. وقد قال علماؤنا: إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

ومن المعلوم: أن عقيدة (المهدي) من العقائد الأساسية عند الشيعة الإمامية. ولكن المهدي عندهم موجود بالفعل، وهو الإمام الثاني عشر من أئمتهم المعصومين، ولكنه محجوز، لم يؤذن له بالظهور، ولهذا يدعون له أن يعجل الله فرجه.

طالع في الحلقة القادمة:

كتاب الفريضة الغائبة.

[1] - انظر: كتابنا: (من أجل صحوة راشدة، تجدد الدين وتنهض بالدنيا) فصل: تجديد الدين في ضوء السنة.

[2] - رواه مسلم (2913) عن جابر بن عبد الله.