الحلقة الأولي من ذكريات المأمون الهضيبي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٥:٥٧، ٢٧ أغسطس ٢٠١٦ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ذكريات المستشار محمد المأمون الهضيبي
"الحلقة الأولى"

• القضاء على فتنة "التكفير.

• سفره إلى الخارج ثمّ عودته لمصر.

• معايشته لمرشدي الإخوان .

• العلاقة بين الإمام "البنا " ووالده حسن الهضيبي.

• قصة التحالف مع حزبي العمل والأحرار.

• تجربة أول كتلة إخوانية تحت سقف البرلمان.

• اختياره مرشدًا عامًا .

• حقيقة صراع (الحرس القديم) و(الحرس الجديد) .

• منهجه في إدارة الجماعة.

• رؤيته للحرب الأمريكية على العراق .

• مدى خطورة المشروع الأمريكي للهيمنة على العالم .

• رؤيته لتداعيات 11 سبتمبر على الإخوان.

عاش المرشد الراحل المستشار "محمد المأمون حسن الهضيبي" مسيرةً حافلةً بالعطاء والمواقف مع قافلة (الإخوان) الصامدة، وكانت له مواقفه التاريخية التي صنعها أو شارك فيها أو شهد عليها، وعند اختياره- رحمه الله- مرشدًا عامًا للجماعة قبل عام وبضعة أشهر أجرى الزميل "شعبان عبدالرحمن"- سكرتير تحرير (مجلة المجتمع) الكويتية- حوارًا مطولاً معه سجَّل فيه رحلته مع (الإخوان) ومواقفه ورؤاه .. نُعيد نشرَه هنا...

جاء اختيار المستشار مُرِشدًا عامًا لـ(الإخوان المسلمين) وسْط أحْداثٍ هامة تمرُّ بها جماعة (الإخوان)، ووسط تطورات دولية مثيرة لا تخفى على أحد.

الأستاذ "مأمون الهضيبي" شاهدُ عيان على أحداث محورية وهامة في تاريخ الجماعة منذ أن تولى والده المستشار "حسن الهضيبي"- يرحمه الله- موقع المرشد العام الثاني للجماعة بعد استشهاد الإمام "البنا"، وبعد أن أصبح عضوًا بمكتب إرشاد الجماعة في الثمانينيات شارك في صناعة أحداث أخرى هامة مرت بها الجماعة... وهي جديرة بالتسجيل والبحث.

توقفت مع فضيلته طويلاً أمام أهم الأحداث، التي كان شاهدًا عليها أو معايشًا لها أو مشاركًا في صنعها على امتداد تاريخه مع الجماعة.

لكن قبل أن نبدأ في التوقف أمام هذه المحطات على حلقات في الأعداد المقبلة- إن شاء الله- نبدأ حوارَنا في هذا العدد بالأحداث الساخنة التي تمرُّ بها المنطقة العربية والإسلامية والحرب الأمريكية الوشيكة على العراق ورؤية (الإخوان) لها... وكيف ينظرون إلى المشروع الأمريكي للهيمنة على العالم وخطورته على مستقبل العالم الإسلامي، ورؤية (الإخوان) لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وخلفيات موقفهم من الغزو العراقي للكويت عام1990م.. ولماذا عارضوا الوجود الأجنبي على الأراضي الإسلامية..؟؟


  • سألت فضيلته في بدايةِ حوارِنا عما تجمَّع لديه من رُؤى لمجمل الأوضاع والأحداث التي تموجُ بها الساحة الدولية والعربية والإسلامية.. وكيف يتعامل (الإخوان) معها؟

فقال: "يعيش العالم حقبةً هامةً وخطيرةً... فلم يسبِق على مر التاريخ القديم والحديث أن حاولت قوةٌ الانفراد بحكم العالم.. لقد شاهدنا قوىً حاولت على مر التاريخ السيطرةَ على أكبر جزء من العالم، ولكن أن توجد قوةٌ واحدةٌ تسعى للانفراد بالعالم، فهذا ما لم يحدث من قبل، وهو أمر جديد وخطير؛ لأنه يعني أن طرفًا واحدًا يحاول أن يُسيِّر العالم وفق رؤيته ومصالحه.

الولايات المتحدة- لاشك- تشعر بقوتها، وكانت القاعدة التي تحكم السياسة الأمريكية هي قيادة العالم، لكن منذ أن تولى الرئيس "بوش"- الابن- حدث تغيير في هذه السياسة، مؤداه أن تحكم الولايات المتحدة العالم بدلاً من قيادته.. ومن هنا أصبح العبث بالمؤسسات الدولية قاعدةً أساسيةً، فقد أصبحت بلا وزن، وأن تكون فقط مطيةً لهذه الدولة المستبدة القوية ورئيسها، الذي يجعل من نفسه حاكمًا للعالم دون منازع.

ومع ذلك فإن هذه الحالة لم تستقر بعد، وما زال هناك من يرفض ويقاوم هذه السياسة.. فالاتجاه الغالب في أوروبا يدرك أن هذا الاتجاه يسعى للحد من نمو أوروبا الاقتصادي ومشروعها الفكري وهويتها الثقافية وقوتها العسكرية، فما دامت أمريكا تسعى لحكم العالم فإن ذلك يعني أنها لن تسمح في يوم من الأيام بوجود قوة إلى جوارها، لها كيانها ونفوذها..

روسيا أيضًا- رغم ضعفها- تدرك أهمية أن يكون لها كيانُها السياسي والاقتصادي والعسكري، وتخشى أن يُقضى عليها، وأن يَلحق بها أيضًا ما يُراد للشرق الأوسط من تقسيم، وهي قابلةٌ لذلك؛ لطبيعة تكوينها من أعراق وديانات مختلفة ومصالح متباينة، فهي قابلة إذًا للتقسيم والتفتيت؛ ولذلك فقد شكلت روسيا مع فرنسا وألمانيا... (عصبةً) ضد انفراد أمريكا بالسيطرة على العالم.

ونجد أيضًا كوريا الشمالية التي انتهزت فرصةَ انشغال الولايات المتحدة بالتعبئة ضد العراق، ولم تنتظر حتى تتفرَّغ أمريكا لها وتنفرد بها، فأعلنت خروجَها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وقامت بتشغيل مفاعلاتها، بل تهدد أمريكا إذا اتخذت ضدها أي إجراء.

كذلك، فإن الوضع في إفريقيا صعبٌ للغاية؛ فحروبها لا تكاد تنتهي، وقد أصبحت مُجزَّأةً إلى دويلات كثيرة، بل إن دولاً فقدت حكوماتها تمامًا... الصومال ظلَّ عشرين عامًا بلا حكومة، واليوم ساحل العاج بدأ يفقد وجود حكومة مستقرة، وقد أصبح الوضع في الشرق الأوسط حافلاً بتموجات كثيرة، من الصعب التنبؤ بما ستكون عليه الأوضاع فيها.

والحقيقة أننا مهتمون بالدرجة الأولى من كلِّ ذلك ببلادنا، بلاد الإسلام والمسلمين، وخصوصًا المنطقة العربية الإسلامية، التي تجمعها رقعة واحدة، ولغة واحدة، والتي يمثُّل الإسلام فيها الدين الغالب..

فأسباب الارتباط والتلاحم فيها قائمةٌ مهما يكن الاستعمار قد صنَع فيها حدودًا وجزأَّها لدويلات، لكن واقعَ الحال يؤكِّد وحدةَ هذهِ البلاد وارتباط شعوبها بقدر ما تستطيع، ولو أن الحكام اتقوا الله في هذه الأمة لوجدوا أن أسباب التجمع والتوحُّد- اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا ودينيًا- قائمة فعلاً، وما عليهم إلا أن يتركوها تعمل وتؤتي ثمارها، وتبلغ غايتها، لكننا ما زلنا نقف بكل أسف أمام الأحداث مشتَّتين؛ ولذا ضعفت قيمتنا، وأصبح من يملكون القوة لا يقيمون وزنًا لهذه المنطقة، ونحن نخشى أن تكون النتيجة زيادةَ الضعف والتشتيت؛ بهدف التقسيم وضياع كل المقدسات وإنهاء قضية فلسطين لصالح الصهاينة.

إنَّ ثروات المسلمين في الواقع هي تحت اليد الأمريكية التي تزداد تحكُّمًا وسيطرةً، ونحن نسأل الله دائمًا أن يجعلَ لنا من أمرنا رشدًا؛ حتى تكون لنا قيمة، وإلا فإننا سنُبادُ أو سنكون أشبهَ بالمتسوِّلين، الذين لا قيمة لهم في هذا العالم.


  • في تصور فضيلتكم، وفي ظل هذه المعارضة الدولية الواسعة للحرب، هل يمكِنُ للولايات المتحدة أن تُحقِّق ما تخطِّطُ له، لو خاضت الحرب؟

لابد أن نكون واقعيين، فالولايات المتحدة بدأت بالفعل في تنفيذِ ما تخطط له، فقوَّاتها تنتشر في المنطقة، والحشدُ لا يزالُ متواصلاً، ويدها وسيطرتها تتحكم بالمنطقة، وإذا حدث- لا قدَّر الله- وغزت العراق وحطمته فستكون كارثةً كبرى، تضعف الأمة العربية والإسلامية جمعاء، فالدولة العراقية هي ثاني قوة نفطية في المنطقة، والعراق صاحب إمكانات اقتصادية وصناعية وثقافية وعلمية، وبه ثروة من العلماء سيكون الاستحواذ عليهم- كما حدث مع العلماء الألمان- أو إبادتهم خسارة كبيرة.

الولايات المتحدة تحشد من الجيوش والقوات، وغير مقبول عقلاً أن تكون للعراق فقط، وإنما لها أهداف أخرى، وللأسف فإن الأمة العربية والإسلامية لم تتخِذ أيَّ إجراءٍ فعَّالٍ يكون له وزن في مجريات الأمور، ويتناسب مع هول الكارثة التي نحن مقبلون عليها.


  • بالنسبة للإسلام بعد أحداث سبتمبر برز تياران: تيار يسعى لاحتكار الحديث باسم الإسلام، محاولاً فرضَ وجهةِ نظرِه وفهمِه للإسلام، وتيارٌ آخر يحاول خنقَ العمل الإسلامي، ووضع الإسلام في خانة العنف والإرهاب، مستغلاً خطابَ التيار الأول، ما تقييمكم؟ وما دور (الإخوان) هنا؟

(الإخوان المسلمون) منذ نشأتهم يرددون دائمًا أنه لا يجوز لأحد- شخصًا أو مجموعة من الناس أو دولة من الدول- أن تدَّعي أنها جماعة المسلمين.

و(الإخوان) منذ نشأتهم أعلنوا- ومازالوا- أنهم جماعةٌ من المسلمين، وليسوا جماعة المسلمين، يتعاونون مع الآخرين، ويعترفون بالآخرين، ويعتبرونهم من المسلمين، وليست المسألة شرذِمة، ولكن- بطبيعة الناس- تحدث اختلافات في التطبيق وفي الفروع، وذلك طبيعي، ما دام بعيدًا عن أصول الإسلام وثوابته، وقد حدث هذا الاختلاف في الاجتهاد والتطبيق في الفرعيات حتى في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- فهذا الاختلاف موجود وسيبقى.

وإنَّ ما نحرص عليه هو أن نجتمع جميعًا على أصول ثابتة لا مجال للاختلاف فيها، وتكون القاعدة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"... ذلك في الفرعيات بالطبع وليس في الأصول.

لكن الذين برزوا مؤخرًا، وشرعوا يتحدثون في الإسلام- بعد أحداث سبتمبر- هؤلاء لم يدعوا أنهم يمثلون الإسلام أو كل المسلمين، لكنهم يعرضون فكرهم الإسلامي، وكونهم يدعون المسلمين في العالم إلى عقيدتهم وفكرهم فهذا شيء، لكنهم لم يزعموا أنهم يمثلون المسلمين في العالم.

ودعني أتحدث بصراحة.. فنحن من جانبنا رفضنا ونرفض ما حدث من تفجيرات في 11 سبتمبر 2001م، هذا أسلوب مرفوض نهائيًا عند (الإخوان) ومن قبل أحداث سبتمبر رفضنا كل أحداث العنف والاغتيالات، وأكدنا مرارًا أن ذلك- في عقيدتنا المستقرة- غير مسموح به في ديننا إطلاقًا.

ومن البدهيات أنَّ الشخص الذي يقوم بعمل عام، عليه واجب آخر لابد أن يُحْسَب حِسابه وهو أنَّ مسلكه وحركته لا تقوم على مشروعية الفعل فقط، وإنما لابد أن يكون في حسبانه ردَّ الفعل الناجم عن هذا الفعل حتى ولو كان مشروعًا، وأن يسأل نفسه: هل أستطيع أن أواجه ردَّ الفعل؟ وهل سيأتي بخير حقيقة؟ وعندما نجلس ونفكر في أحداث سبتمبر، فمهما كان الدافع إليها، وحتى الشخص الذي اعتقدَ أنها جائزة شرعًا- مع تأكيدنا أنها غير جائزة شرعًا- هل كان يتخيل أن هذه الضربة ستهدم أمريكا أو تبيدها وتحطمها وتقضي على قوتها وكيانها الاقتصادي المسيطر على العالم أو كيانها الحربي الذي بلغ في أوقات السِلْم العادية أكثر من مليون ونصف المليون جندي، مجهزين بأحدث الأجهزة والعتاد الحربي... وقوتها وأساطيلها وحاملات طائراتها؟

هل يمكن أن يتصور أحد أن تفجيرات سبتمبر في ضوء ذلك- مهما هزَّت العالم- كانت ستقضي على أمريكا؟ وها نحن نرى رد الفعل!

لقد فقدنا أفغانستان، وأُبيد شعبها، وفقدت استقلالها، وأصبحت اليد العليا هناك لأمريكا عسكريًا وفكريًا وثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا.. أصبحت في يد من يعتبرهم مؤيدو تفجيرات سبتمبر كفارًا!!

وقد أضير كثير من المنظمات الإسلامية في العالم، ووضعت تحت الحراسة، والبلاد الإسلامية فُرضت عليها مطالب، وتمارَس عليها ضغوط لكي تحاصر الإسلام وتحدُّ من أي نشاط إسلامي، ووصل الأمر إلى مناهج الدراسة؛ ليحذف منها ما يتعلق بالجهاد، ويحذف منها (اليهود أعداء الله)، وكل ما يضير السادة الكبار، الذين يتحكمون في العالم والذين انتهزوا أحداث سبتمبر فرصةً؛ ليعلنوها (حربًا صليبية).

إذًا، لا يكفي أن يكون الفعل في حد ذاته جائزًا شرعًا لكي يسلكه الإنسان، إذ يكون عليه وجوب النظر في عواقبه ونتائجه، فإن كانت أسوأ وأكثر خطرًا أصبح محرمًا، لقد كان من نتائج أحداث سبتمبر أن أصبح المسلمون في هذه الحالة التي نشاهدها من اضطهاد، حتى من حكِّام بلادهم، وأصبح الحديث في العالم أن الإسلام هو (الإرهاب)!!

إننا نرى أن مَن يفعلون هذه الأفعال عليهم أن يدركوا أن تصرفاتهم تنعكس بالضرر على الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم، وأنَّ الكل يكتوي بنار ما فعلوا، حتى وإن كانوا يعتقدون أن ما فعلوه جائز شرعًا، إلا أن النتائج واضحة بأنها لم تكن أبدًا في صالح الإسلام والمسلمين.


  • وماذا عمن ينتهزون الفرصة في ضوء ذلك للهجوم على الإسلام ومحاولة خنقه؟

هم معروفون.. العلمانيون والشيوعيون واليساريون والبعثيون، ومن دار في فلكهم، وهؤلاء بطبيعتهم لم يألوا جهدًا قبل أحداث سبتمبر في الحرب على الإسلام، وعملوا على قتل الإسلام والمسلمين في كل الدول التي تمكنوا من حكمها أو كان لهم يدٌ أو قوةٌ فيها، فهؤلاء جاءتهم أحداث سبتمبر فرصةً (فطيرة دسمة)؛ لكي ينهشوا من الإسلام أكثر، ويشوهوا المسلمين، ويحثوا السلطات على خنق الإسلام والمسلمين.

لكننا رغم ذلك نحمد الله- سبحانه وتعالى- أنَّ الغالبية الكاسحة في العالم الإسلامي من الأمة الوسط- ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة:143)- ترفض الخنوع كما ترفض التطرف وقتل الأبرياء بلا جريرة، فقتل النفس في الإسلام بغير حق- حتى ولو كانت غير مسلمة- كبيرةٌ وخطيرةٌ جدًا.


  • لكن إلى أي مدى- في تصورك- أثرت أحداث سبتمبر، وما تلاها من أحداث وحملات ضد الإسلام والمسلمين في بنية هذه الغالبية العظمى؟!

الحمد لله... لقد جاءت هذه الحوادث جميعًا رغم قسوتها لتحفز المسلمين، فقد استشعروا شراسة الهجمة التي توجَّه نحوهم، وعِظم الكيد الذي يدبر ضدهم من المستعمرين، كما أن المسلمين في كثير من الأقطار الإسلامية قد التفتوا إلى دينهم وأعادوا الاستمساك به، وهذا أمر طيب.


  • وما انعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية، في ظل تنامي تيار إرهاب "شارون"؟

هذا مرتبط بالأوضاع الدولية، لقد تمادى "شارون" في جرائمه العدوانية؛ لأن القيادة الأمريكية أعطته الضوء لفعل ذلك، لكن في الحقيقة قبل أن نعيب على غيرنا فلننظر إلى أنفسنا.. مازلنا متفرقين مشتتين.. ما زلنا أيضًا في عزوف عن تحكيم الشريعة الإسلامية في حياتنا، وتطهير أنفسنا، والتمسك بديننا.. فنحن لدينا عوامل ضعف، و"شارون" لديه عوامل قوة.. ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 62)، ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

لنسأل أنفسنا: هل نَصرنا الله- سبحانه وتعالى- بمعنى الالتزام بالعبودية لله وحده، والالتزام بشرع الله في كل أمورنا؟! إن الله غنيٌّ عنَّا، ولو التزمنا فلن يَزيد ذلك في ملكه شيئًا، ولو قصَّرنا فلن يُنقص من ملكه، ولكن الالتزام والعبودية- بتطبيق الشرع الحنيف- لمصلحتنا نحن، وإذا لم نلتزم بما فيه مصلحتنا فكيف نرجو الفلاح؟!.

إننا نعرف عوامل الضعف ونراها جيدًا، ولكننا ما زلنا متمسكين بها، رغم أن البرهان يأتينا كل يوم، ومن هنا فلابد من صحوة راشدة، تعيد للمسلمين قوةَ إيمانهم والعمل بأحكام شريعتهم والتمسك بالعبودية لله سبحانه وتعالى.. عندها نكون أمةً واحدةً نستطيع مواجهة أعدائنا. * لكن الحكومات- كسلطة حاكمة- عليها دور كبير في هذا الصدد.. كيف تراه؟

الحكومات عليها دور عظيم، فهي التي تحكم، وإذا صلحت صلحت الشعوب، وإذا حكمت بما أنزل الله، وتمسكت بأحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة.. فإن الأمة تتبعها عن عقيدة؛ لأن العقيدة الإسلامية راسخة في قلوب الشعوب، وهنا عندما تدعوهم فسوف يستجيبون استجابةً قويةً، وهذا بالتأكيد يجلب نصر الله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (الحجر:21)، وإذا كان غيرُنا قد سبقنا في العلوم والتكنولوجيا والإمكانات، فإن ذلك يُعد بسيطًا أمام كون الله، ومن الممكن أن يعطينا الله خيرًا منه، إن رَضي عنَّا ووجدنا أهلاً لذلك.


الحكومة والحركات الشعبية

  • هذا يشدنا إلى دعوة الكثيرين في الأمة إلى أهمية المصالحة بين الحكومات والحركات الشعبية، خاصةً في البلاد التي تتمتع فيها الحركات الإسلامية بوجود قوىً، وذلك حتى تتماسك الجبهة الداخلية؟

هذا هدف نبيل، و(الإخوان) لم يكونوا يومًا أعداء لحكوماتهم، وليس في قلوبهم غلٌ ولا ضغينة للحكام، بل هُمْ أول من يكونون خُدامًا لهؤلاء الحكام، إذا عملوا بأحكام الله وأحكام الشريعة الإسلامية، أو حتى بدأوا العمل بها، وأحسنوا الصلة مع شعوبهم، الشعوب التي قدر الله أن يكونوا حكامًا لها.

ونحن نكرر دائمًا أننا نريد أن نُحكَم بالإسلام، لا أن نَحكم بالإسلام، نحن لا ندَّعي أننا الإسلام، وحين يأذن الله بحكومة إسلامية فسوف نستعين بالآلاف من علماء وفقهاء المسلمين في شتى التخصصات، ولن يكون هؤلاء بالطبع من (الإخوان، فـ(الإخوان) جزء بسيط من الأُمّة الإسلامية.

وقد قلنا كثيرًا إننا نمد أيدينا للحكام بكل طهارة ونقاء، وقلب وعقل مفتوحين، وأعلنا ذلك كثيرًا.


  • لكن هل الحكومة المصرية- مثلاً- تتجاوب مع ذلك؟! هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن تكرار (الإخوان) للدعوة إلى الحوار مع الحكومة، ثم يكون هناك صدٌّ وعدم استجابة.. ألا يظهر ذلك أن (الإخوان) في حالة تهافت؟

نحن لا نيأس، وسنظل نعمل إن شاء الله، وسننتظر الفرج من الله،وإنَّ طول الأمد لن يؤثر ولن يضطرنا إلى الانحراف أبدًا، فتلك حكمة الله يريد بها شيئًا، فالأمور تجري في الكون بمقادير قدرها سبحانه وتعالى، ولا يمكن لشيء أن يحدث عبثًا أو مصادفةً: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).

فكل شيء يجري بحكمة من الله، وما علينا إلا أن نثبت، وألا يؤثر فينا طول الأمد ليجعلنا ننحرف يمنة أو يسرة، فنستمر وأيدينا طاهرة، ممدودة إلى الناس بالخير، وعقولنا مفتوحة وصدورنا نقية من كل حقد، ونسأل الله أن يستجيب الآخرون لهذا النداء.


  • ما تقييمكم للموقف الحكومي المتذبذب نحو (الإخوان).. هدوء.. ثم اعتقالات.. ثم إفراجات.. ثم..؟!

هذه سياسة متبعة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، طبعًا في عهد "جمال عبدالناصر" كان الأمر مختلفًا، لقد كانت حربًا وسحلاً وقتلاً واعتقالات بالآلاف، لكن الحال تغيَّر إلى الأحسن، ثم عاد إلى نوعٍ من الشدة والاعتقالات.

وعلى كل حال فالجميع رفض الاعتراف بـ(الإخوان المسلمين) ككيان قانوني تعترف به الدولة، ومازال التعامل معنا على أننا خارجون عن القانون!! وهذا ما يجعل عمليات الاعتقال بهذا الشكل الذي تحدثت عنه، ومن جانبنا مازلنا نطالب بكيان قانوني معترف به، ونحن نؤكد أن كل أمورنا واضحةً، ولا نعمل عملاً في الخفاء.

نحن نريد الوضوح، ونريد الاطمئنان من خلال الغطاء القانوني المعمول به؛ أي من خلال حزب سياسي تكون مرجعيته إسلامية، فهناك أحزاب مرجعيتها اشتراكية، وفي أوروبا أحزاب مرجعيتها مسيحية.

مثلاً فقد حكم ألمانيا الحزب الديمقراطي المسيحي فترةً طويلة، وبهذه المناسبة ففي ألمانيا عندما يحيون ذكرى وحدة شطرَي ألمانيا يبدأونها بقداس من الكنيسة.. نحن لا نريد أن نُكره الناس على شيء، ليس هذا في منهجنا ولا في ديننا..﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256).

إن الله سبحانه يقول للرسول- صلى الله عليه وسلم- في كتابه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:21، 22) إذا كان الله سبحانه يحدد للرسول- صلى الله عليه وسلم- مهمته بأنه مجرد "مذكِّر"، وأنه لا يستطيع أن يكون مسيطرًا على الناس، ويقول له الله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (القصص:56)، فهل يُعْقَل أن يأتي آخرون يدَّعون أن لهم ما ليس لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بل ورسل الله كلهم وأنبيائه؟.


  • بمناسبة الحوار.. ما تقييمكم للحوار الدائر بين الفصائل الفلسطينية منذ فترة؟!

كل حوار يقرب ويوحد فهو مقبول ومرغوب فيه، ويجب أن نشجعه، والمهم أن يصل الحوار إلى حد أدنى من الاتفاق يجمع بينهم في المسائل الأساسية والرئيسة، وإن بقي خلاف في الفرعيات فليكن؛ فالناس لم تتفق يومًا في كل شيء، وليس من المصلحة أن كل طرف يعمل بسياسة تعارض الآخر.


  • إذا طُلِبَ من (الإخوان) المساعدة لإنجاح هذا الحوار- خاصةً أنه يتعثر- ما الموقف؟

نحن ندعم المبدأ- مبدأ الحوار للوصول إلى حد من الاتفاق- وهذا أمرٌ معروفٌ في العالم كله، أما عند التنفيذ فأهل مكة أدرى بشعابها.


موقف (الإخوان) من الغزو العراقي للكويت

موقفُنا من موضوع العراق والكويت واضح وصريح..

إنَّ التاريخ الذي لا يمكن أن ينكره أحد هو أن الغزو العراقي المشئوم للكويت جرى يوم 2 أغسطس 1990م، وفي اليوم نفسه بالتحديد صدر بيان (الإخوان المسلمين) محدِدًا موقفَهم من هذا الغزو، وقد قمت أنا يومها بتحرير هذا البيان بخط يدي باتفاق القيادة، فأنا يومها لم أكن مرشدًا ولا نائب مرشد، كنت عضوًا في مكتب الإرشاد، ولكن عُهِد إليَّ صياغة البيان.

هذا البيان أدان- بوضوح- الغزو الشرس، وقال: "إنه غير مقبول على أي أساس من الأسس، وحذَّر من نتائجه، وتوقع ما حدث، وقلنا: "إن هذا الغزو سيعطي ذريعةً للدول الاستعمارية للعودة إلى المنطقة ليس فقط منطقة الخليج، ولكن إلى كل البلاد لتحتلها احتلالاً عسكريًا، كما حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين، وطالبنا "صدام" بالمسارعة بسحب الجيوش.

بعد ذلك عندما تدخَّل الأمريكان عسكريًا، زاعمين أنهم يتدخلون لتحرير الكويت، كان موقفنا أن القرارات التي تتخذها الجامعة العربية متسرعة، وكان موقفنا أنه يمكن بذل جهود من قبل الدول العربية، واقترحنا إرسال جيوش من الجزائر وباكستان ومن تقبل السعودية من جيوش الدول لتقف على الحدود بين الكويت والسعودية؛ لمنع التهديد العراقي للسعودية، وقلنا إن ذلك يكون توطئةً لانسحاب القوات العراقية من الكويت.

إذًا لم يحدث في لحظة من اللحظات أن قبلنا غزو دولة مسلمة لأخرى، لا الكويت ولا غير الكويت، هذا شيء رفضناه ونرفضه بصفةٍ مستمرةٍ، وغزو العراق رفضناه، وأكدنا رفضه مرارًا، ولكن أن تأتي الجيوش الأجنبية للمنطقة فهذا ما رفضناه.. لقد جاءت لمصالحها ومصالحها فقط.

واليوم.. فإن الدعوة الأمريكية واضحة بإعادة ترتيب المنطقة كلها، طبعًا بما يضمن مصالح الولايات المتحدة، وهذا ما يخيف أوروبا، ويجعلها تعارض بشدة ما يحدث في المنطقة؛ لأنه ضد مصالحها، وليس من أجل سواد عيوننا ولا لمصلحتنا.. أوروبا ترى أنه إذا سيطرت الولايات المتحدة على المنطقة فتخسر الموارد الاقتصادية التي تحصل عليها منها.

إن الله- سبحانه- يبين لنا ذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113)، فالله حكم، وهو أعدل الحاكمين، وحكمه الحق الذي لا يرد.. ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾.


  • لكن هناك رأيًا بأن الذي حرك الجيوش الأجنبية نحو المنطقة هو الغزو العراقي للكويت ومواقف "صدام" المغامرة؟

نحن طلبنا مهلة قبل أن تأتي الجيوش الأجنبية للمنطقة؛ لبذل جهد أكثر، ثم كوننا نعارض القوات الأجنبية فذلك واجب، ونحن نرى الآن النتائج واضحة، وبهذه المناسبة فقد تم تحميل مواقف بعض الأفراد من (الإخوان) من الخطباء أو الذين يعملون بالسياسة على موقف الجماعة الرسمي، وهنا أود التأكيد على أن:

1- قيادة الجماعة لا تستطيع التحكم في كل الأفراد المنتشرين في العالم.

2- مواقف الجماعة تؤخد من تصريحات قيادتها وعمل قيادتها.

وأذكر أن من بين الجهود التي حاول (الإخوان) بذلها عند الغزو العراقي للكويت- لتفادي الحرب وتفادي مجيء القوات الأجنبية- أننا دعونا إلى اجتماع إسلامي من جميع أنحاء العالم لجماعة (الإخوان المسلمين) وقياداتها؛ لكي نتوجه إلى الدول الرئيسة للمنطقة، ثم نزور العراق لنطلب منه أمرًا واحدًا، وهو الخروج من الكويت، لكننا فوجئنا بجهاتٍ أخرى تحاول إفشال هذا الاجتماع وهذا المسعى، وفوجئنا بأناس تقاطروا إلى العاصمة الأردنية (عمان) التي كانت مكان تجمعنا.

ومن ناحية أخرى عندما توجه المرشد العام وقتها الأستاذ "محمد حامد أبوالنصر"- يرحمه الله- والأستاذ "مصطفى مشهور"- يرحمه الله- نائب المرشد في ذلك الوقت- وكنت معهما- فوجئنا بأن ضباط الجوازات يخبروننا بعدم صلاحية الجوازات، لقد أتلفوا منها بعض الصفحات، لكننا عدنا واستخرجنا جوازات جديدة، وعدنا في اليوم التالي للسفر؛ لكنهم أخبرونا أنه لا سفر!!.

إذًا القيادات التي دعت لهذا التحرك حيل بينها وبين أن تُشارك، كيف تكون القيادة بعد ذلك مسئولة عما جرى؟ فقد دخل في الوفد أشخاصٌ آخرون، وقالوا ما قالوه، وكلٌّ تصرف على هواه، فما مسئوليتنا نحن عن هذا؟!

كيف نُسأل عن شيء حيل بيننا وبين المشاركة فيه؟! ثم جاء آخرون لا نستطيع أن نتحكم فيهم، هل كان يمكننا التحكم في الدكتور "حسن الترابي"، وما صدر عنه من تصريحات مع احترامي لشخصه، لكن هو لم يكن مسئولاً عني ولا أنا مسئول عنه، وهكذا.. هذا ما أردت إعادة التذكير به.


نحن قلنا- ومازلنا- نؤكد أن الإسلام حرَّم شرعًا أن يكون هناك أسير مسلم عند مسلم، ومن هنا فلا بد من إطلاق الأسرى؛ لأن هذا محرَّم شرعًا.. أما مسألة التحقيق فيما إذا كان هناك أسرى أو غيره فهذا ليس في إمكاناتنا القيام به.