الحركة الأم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحركة الأم
" دراسة نقدية"

بقلم الدكتور : عبد الله أبو عزة

محتويات

الإهداء

بسم لله الرحمن الرحيم

إلى روح الدكتور حسان حتحوت

مع الدعاء له بالرحمة وحسن المثوبة

عبد الله أبو عزة

مقدمة

كان الإسلام ، وما زال وسيظل، منطلق الرجاء لهذه الأمة، تفزع إليه كلما ألمت بها النوازل، وحيثما واجهت مواقف القهر، وتلوذ به فيفجر فيها طاقات هائلة ترتفع بها إلى مستو التحديات، ولقد صدق جهاد الشعوب الإسلامية ونضالها ضد التسلط الاستعماري هذه الحقيقة مرات ومرات.

وقد كانت حركة الإخوان المسلمين إحدى الصور التي عبر من خلالها الإسلام عن روحه الجهادية منذ أن نشأت الحركة في مصر في أواخر العشرينات من القرن العشرين الميلادي. ومن المعروف أن الحركات قد توجهت لنشر أفكارها في الأقطار العربية بعد أن شعر قادتها بثبات وضعها في مصر.

ولم تمض سنوات طويلة على هذا التوجه الإخواني إلى العالم العربي حتى شهدنا تيارا إخوانيا قويا في سوريا والعراق والأردن، كما وجد للحركة أنصار في فلسطين ولبنان والسودان وأقطار المغرب العربي.

وعلى الرغم من ظهور عدد من الدراسات التي تناولت الإخوان من هذا الجانب أو ذاك، فما زالت الحاجة ماسة إلى دراسات جديدة تكتشف الجانب المخبوءة، وتجلو الحقائق التي ضاعت حمأة المعارك التي خاضوها، وغيبتها الدعاية الصاخبة ضدهم أولهم.

ونظرا لما توفر لي من معرفة وثيقة بهذه الحركة، حيث كنت عضوا عاملا فيها مدة تزيد على عشرين سنة ( 1952م1962م) ، وحيث تنقلت في أماكن ومراكز متعددة عبر نشاطي في الحركة، على نحو لم يتيسر لكثيرين غيري، فقد رأيت من واجبي أن أقوم حصيلة هذه المعرفة على صورة دراسة نقدية لا تستهدف الضجيج بأمجاد الحركة بقدر ما تهدف إلى كشف العوامل والأسباب التي أعجزتها عن تحقيق أهدافها الرئيسية، بل وعم مجرد الاقتراب من تلك الأهداف، هذا من عدم إغفال ذكر إنجازاتها.

وعلى الرغم من أن هذا النهج ربما لا يرضي كثيرين من الإخوان، فإنه لا ينطلق – بكل تأكيد- من موقف معاد لهم، ولا يستهدف الإساءة إليهم. بيد أن هذا المؤلف لا يتردد في إلقاء الضوء على ما اعتبره أخطاء فيها الحركة، سواء كان عمله النقدي هذا من قبيل النصيحة أو من قبيل الترشيد، ذلك لأنني أعتقد أن هذه الحركة كانت وما زالت من أهم الحركات الشعبية التي شهدها تاريخ الشعوب الإسلامية في كل العصور- إن لم تكن الأهم- وما زالت كذلك إلى حد كبير ، ومن هنا جاء اهتمامي بها.

وقد رأينا أن نخصص هذا الكتاب لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بعد أن تناولنا في كتاب سابق بعض جوانب من مسيرة حركة الإخوان في البلاد العربية. إن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر هو التنظيم الأكبر الذي ولد التنظيمات الإخوانية جميعها، ولقد كان المجتمع المصري هو المنطلق الذي توجهت منه الفكرة، وانفجرت فيه الحركة، حيث امتدت دوحتها ومدت فروعها وأغصانها خارج حدود مصر. وفضلا عن ذلك فإن مصر هي أعرق البلاد الإسلامية حضارة وأغناها رصيدا على كل صعيد.

وتنقسم مادة هذا الكتاب في سبعة فصول تتبعها خاتمة، حيث يصور الفصل الأول البيئة والأجواء التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين في مصر ، وذلك دون إسهاب أو تفصيل على اعتبار أن جمهور القراء سبق لهم أن درسوا- من خلال مناهج التعليم الرسمية- تاريخ تطور مصر في العصر الحديث. لذا ا كتفينا بمجرد التذكير بالملامح العامة، والخطوط العريضة، والمعالم البارزة. أما الفصل الثاني فقد خصص لتحديد المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين، مع تقديم لمحة مختصرة عن الأحداث والتطورات الرئيسية التي شهدتها كل مرحلة، بينما تناول الفصل الثالث المسار التنظيمي للحركة.

أما الفصل الرابع فيتيح للقارئ تتبع المسار السياسي للحركة في تعاملها مع مختلف القوى السياسية ابتداءا من المرحلة الأولى. فإذا وصلنا إلى الفصل الخامس فإن القارئ سيمر بمشاهد العنف الذي مارسته الحركة في ميدان العمل والتنافس السياسي الداخلي، وما ارتد عليها نتيجة لذلك. أما الفصل السادس فيتناول علاقة الإخوان بثورة 23 تموز ( يوليو ) 1952م، بينما نحاول في الفصل السابع أن نصطحب القراء في جولة للتعرف فيها على ذكر الإخوان المسلمين ، وكيف انساب من منابعه المتعددة، ثم من الروافد التي أمدته بالمزيد من العناصر والمكونات المتنوعة.

وفي الفصل الأخير من هذه الدراسة نحاول أن نلقي نظرة نتعرف من خلالها على ما قدمته الحركة من عناصر إيجابية، وما أخفقت في تقديمه مما نعتقده لازما وضروريا لتنشيط دماء الحياة في جسد أمتنا الإسلامية، وتمكينها من النهوض، واستعادة احترامها لنفسها، والاعتماد على الذات، والمشاركة في مسيرة إعلاء مستوى الحياة البشرية، والمساهمة بالعناصر التي تفتقر إليها البشرية لتحمل الإنسان إلى مستوى الانسجام مع القيم والمبادئ التي أراها الله تعالى لعباده في جميع الأقطار ليحيوا حياة طيبة، تقوم على ركائز البر التقوى، والتعاون الخير. وفي نهاية الرحلة تركز الخاتمة على خلاصة الدراسة ونتائجها. وقد ضممنا إلى ملاحق البحث بعض الوثائق التي تدعم بعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، أو تلقي أضواء خاصة على بعض الموضوعات الشائكة التي تعرضنا لها.

أما عن مصادر البحث فقد حرصت على أن أستند إلى المصادر الإخوانية في كل ما يمثل وجهة نظر الإخوان المسلمين أو يصف أحوالهم في مسار تطور حركتهم. وكان أهم هذه المصادر كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، للإمام حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان ومرشدها الأول، وكذلك مجموعة الرسائل التي صدرت له في مناسبات مختلفة حيث ألقى بعضها على شكل خطب- في البداية- أو مقالات، أو رسائل موجهة إلى بعض كبار المسئولين الحكوميين. وقد طبعت الرسائل طبعات كثيرة وانتشرت انتشارا واسعا في كل البلاد العربية تقريبا.

وبجانب تراث مرشد الإخوان الأول هناك كتابات أصحابه وتلامذته المباشرين، وأبرز هؤلاء الأستاذ محمود عبد الحليم ، الذي كتب تاريخا لحركة الإخوان يقع في ثلاثة مجلدات في إطار مزيج من المذكرات الشخصية والتاريخ، حيث سجل المؤلف فيه مشاهداته وتجاربه ووجهات نظره وأحاسيسه من خلال تناوله للأحداث. وكان الأستاذ محمود عبد الحليم ممن اعتمد عليهم حسن البنا، - أي محمود عبد الحليم- الذي أسس النظام الخاص الذي عرف باسم الجهاز السري في مصطلحات الجهات الرسمية. وقد صدر كتابه بعنوان "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ".

أما الرائد صلاح شادي فقد كان من كبار الإخوان في عهد ولاية المرحوم حسن الهضيبي لمنصب الإرشاد. وكتابه "صفحات من التاريخ" يشكل أيضا مزيجا من المذكرات الشخصية والتأريخ للفترة التي عمل فيها مع الحركة . وكان هو والمرحوم حسن العشماوي من رجال الصف الأول في الحركة خاصة قبيل ثورة 23 يوليو وما بعدها.

وقد نشر المستشار حسن العشماوي قلب وفاته كتابا بعنوان: "قلب آخر لأجل الزعيم"، كما قامت أسرته بنشر مذكراته بعد وفاته في مجلة روز اليوسف المصرية، ثم سمحت بنشرها مرة ثانية في شكل كتاب اعتنى به صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، صاحب دار الفتح اللبنانية، بمبادرة منه، حيث اتصل بالأسرة لهذا الغرض ، كما أخبرني.

ومن الكتب المهمة المعبرة عن رأي الإخوان كتاب " الإخوان المسلمون في ميزان الحق" للدكتور فريد عبد الخالق، وهو من كبار وقدماء الإخوان، ومن تلاميذ البنا المباشرين ومعاونيه الأقربين الموثوقين. ولم أنس كتاب النقط فوق الحروف. لمؤلفه الأستاذ أحمد عادل كمال، وهو من أبرز قادة النظام الخاص" الجهاز السري" من مساعدي المرحوم عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في أعقاب الثورة المصرية لمؤلفه عبد الرحمن السندي. ومن كتب التاريخ العامة استخدمت كتاب في "أعقاب الثورة المصرية" لمؤلفه عبد الرحمن الرافعي ، من زعماء الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم المصري المشهور مصطفى كامل، وكان الرافعي من المحامين المرموقين. ويبدو الرافعي في كتابه ملتزما بحيادية واضحة في تناوله لإنجازات الوزارات المختلفة، بحيث يحرص على ذكر المحاسن والمساوئ متتابعة.

وثمة مصدر آخر مهم استفدت منه إذ حصلت على عدد من الوثائق البريطانية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث مصورة عن أصولها المحفوظة لدى الأرشيف البريطاني public records office وهي تتضمن جانبا من الاتصالات البرقية بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية في لندن في فترة ما قبل منتصف العشرين، وقد وسمت تلك الرسائل عند إعدادها وتداولها بالسرية الشديدة في وقتها، والمراجع التي ذكرت، فقد قمت بعدد من المقابلات مع شخصيات إخوانية مهمة كان لها دور في الأحداث ، ومع شخصيتين من غير الإخوان ورد ذكرها بشأن بعض النقاط التي تناولتها.

ومع ذلك كله كانت حصيلة تجربتي الشخصية الطويلة مع الإخوان، فترة امتدت عشرين سنة ( 1952- 1962م).

لقد استهوتني فكرة الإخوان المسلمين فجذبتني غلى الالتحاق بهم عام 1952م ، وأثارت عاطفتي وحماستي شعارات ا لإخوان فرفعتها لي شعارا، وهزتني هتافات الإخوان فتبنيتها وهتفت بدعوتهم ودافعت عنها، وفكرت الليالي والأشهر والسنين الطوال في أقوم الطرق لنصرتها. وقد عملت – أثناء ذلك- مع التنظيم الفلسطيني للإخوان في قطاع غزة ، ثم مع التنظيم الفلسطيني العام عند إنشائه، ثم مع قيادة الإخوان في البلاد العربية التي اتصلت من خلالها بمعظم التنظيمات والقيادات في مختلف الأقطار.

وحين صدمت وشعرت بالإحباط إثر اكتشافي لعدد من مواطن الخلل القاتلة في بنية الجماعة وصدت محاولاتي للإصلاح من الداخل، أنهيت انتسابي للجماعة بشكل كلي. وبدلا من محاولات الإصلاح من الداخل لجأت إلى محاولة الإصلاح بعد أن خرجت من الصف، حيث اتجه تفكيري إلى القيام بمراجعة شاملة لفكر جماعة الإخوان وبنيتها ومساراتها، فكانت هذه الدراسة التي تناولت فيها نشأة وتطور الحركة في مصر على النحو الذي شرحت. وقد كانت النية متجهة إلى الجمع بين ما كتبته عن الإخوان في البلاد العربية- خارج مصر- وبين دراستي هذه عن الحركة في مصر لتصدر في كتاب واحد من جزأين إلا أن ظروفا خاصة حالت دون ذلك.

وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ويرزقنا السداد في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

عبد الله أبو عزة

تمهيد

تعرضت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي للغزو والاجتياح عندما اقتحم نابليون حدودها وامتهن حرمها سنة 1698م. ومنذئذ غدت مصر محط مطامع الدول الأوربية، خاصة فرنسا وبريطانيا. وقد ساعدت هذه المنافسة مصر على التخلص من الاحتلال الفرنسي بعد ثلاث سنوات، حيث عادت إلى كنف الدول العثمانية، كما هو معروف.

وقد تهيأت الفرصة لمغامر ذي مطامع واسعة لكي ينشئ له في مصر ملكا يتخذ منه قاعدة ينطلق منها لتحقيق أحمه. وبعد أن أحرز محمد على باشا، والي مصر أكبر انتصاراته، وظن أنه قد شب عن كل الأطواق طوحت به مؤامرات الدول الاستعمارية التي فزعت من ظهور دولة إسلامية شابة قوية في قلب العالم الإسلامي، فعملت على قص أجنحة محمد على وتحطيم أسباب قوته، باسم المحافظة على الدولة العثمانية والدفاع عنها.

ولكن الأسس التي وضعها محمد على من أجل بناء دولة قوية لم تمح كلها، فساعدت على أن ينمو في أرض الكنانة قدر من الوعي مهد لنهضة متواضعة رفعت مصر قليلا من الناحيتين الثقافية والحضارية، عن مستوى بقية الأقطار العربية والإسلامية. وهكذا أصبح المجتمع المصري البيئة الأصلح لتلقي بذور التوعية التي بذرها جمال الدين الأفغاني، ذلك المصلح الإسلامي، الذي اختلفت حوله الآراء أشد الاختلاف.

ثم دهيت مصر بداهية الاحتلال البريطاني سنة 1882م، ومنذئذ أصبحت قضية طرد الاحتلال وجلاء قواته عن مصر الشغل الشاغل للقوى الوطنية المصرية. وقد صاحبت الاحتلال هجمة ثقافية طاغية هدفها سلخ الشعب المصري عن إسلامه وإلحاقه بحضارة الغرب. ومن هنا أخذت المقاومة طابعا ثنائيا عند قطاع من المصريين التي سنتناولها بشيء من الدراسة في هذا البحث. وقد سبقنا رجال أفاضل كتبوا عن تاريخ الحركة وتطورها بكثير من التفصيل. وما زالت كتبهم بأيدي القراء، مما يعفينا من محاولة التأريخ الشامل والاستقصاء المتفرع لنمو الحركة وتطورها. ويهمنا- بالدرجة الأولى- أن نفتش عن أسباب عجز الحركة وما لاقته من إخفاقات ـ مع عدم غمطها حقها فيما توصلت إليه من إنجازات، حسبما أشرت في المقدمة.

الفصل الأول

البيئة التي ولدت وتطورت فيها حركة الإخوان المسلمين

لا يستطيع القارئ أن يقدر أعمال الإخوان ويقوم أنشطتهم ومواقفهم إلا إذا استحضر في وعيه الظروف العامة التي عاشته مصر في الفترة التي ظهرت فيها جماعة الإخوان وزاولت نشاطها خلالها. ورغم تيقني من أن معظم القراء لديهم فكرة – ولو مجملة- عن أوضاع مصر في تلك الحقبة إلا أن من طبيعة البشر أن يميلوا إلى تقويم المواقف لا في ضوء ظروفها المحيطة بها بل على أساس الظروف التي يعيشونها في لحظتهم، لحظة القراءة، ولذا كان من المفيد أن نعيد إلى الأذهان صورة الأوضاع في مصر في الحقبة الممتدة بين سنتي ( 1928م- 1970م) ، لكي يكون فهمنا وتقديرنا للمواقف سليما وموضوعيا.

التسلط البريطاني

تمكنت بريطانيا من تثبيت احتلالها لمصر بين سنة الاحتلال ( 1882م) وسنة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد انتهزت فرصة اندلاع لحرب العالمية الأولى ومشاركة الدولة العثمانية فيها بجانب ألمانيا لكي تعلن – أي بريطانيا- الحماية على أرض الكنانة، وتلغي بذلك آخر خيط كان يربط مصر بالدولة العثمانية، وهو السيادة الاسمية. وقد سخرت كل مرافق مصر وإمكاناتها لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال فترة الحرب، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انفجرت ثورة الشعب المصري سنة 1919م. وقد حاولت بريطانيا أن تمتص المشاعر الثورية بإعطاء مصر استقلالا شكليا، فكان تصريح 28 شباط ( فبراير) 1922م الذي أصدرته الحكومة البريطانية، متضمنا النقاط التالية:

1- إلغاء الحماية البريطانية على مصر.
2- رفع الأحكام العرفية شريطة أن تضع الحكومة المصرية القوانين البديلة المناسبة.
3- التحفظات الأربعة، وهي استثناءات من مقومات السيادة والاستقلال، أوضحت بريطانيا أنها ستبقيها على حالها قبل الإعلان ، وهي:
  1. - تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر.
  2. - الدفاع عن مصر، وذلك يعني أن يبقى الدفاع عن مصر بيد بريطانيا، أي أنه كان دفاعا عن مصالحها بالدرجة الأولى وليس دفاعا عن مصر.
  3. - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.

ومن الواضح أن هذه الاستثناءات أو التحفظات الأربعة، قد فرغت الاستقلال من أي محتوى حقيقي، وأدرك شعب مصر ذلك، وظهر صدى هذا الإدراك في البيان الذي أصدره الحزب الوطني المصري مبينا رأيه في مقاصد الحكومة الإنجليزية بالنسبة لمصر. ولم يكن التصريح البريطاني أكثر من وسيلة انكليزية جديدة هدفها إيهام المصريين وحملهم على اعتبار مركز بريطانيا في بلادهم شرعيا، وبذلك تتمكن انكلترا من وضع وتوظيف القواعد لتنظيم الحماية غير المشروعة تحت ستار الاعتراف باستقلال مصر وإعلان انتهاء الحماية:. غير أن الاستقلال المزعوم وإنهاء الحماية لم تكن في الحقيقة أكثر من أوهام صنعها الإنجليز مخادعة ومماطلة منهم للشعب المصري.

وعلى الرغم من أن التصريح كان استجابة لشروط ثروت باشا التي اشترطها لقبول تأليف الوزارة فإنه لم يحظ بموافقة الأحزاب السياسية في مصر، واستمر التوتر وتفاقمت الهجمات والاغتيالات ضد الإنجليز والمتعاونين معهم، والمتهمين بالتعاون. ومع ذلك فقد قبل ثروت باشا تشكيل الوزارة واتخذ إجراءات لوضع دستور البلاد، صدر في التاسع عشر من نيسان (أبريل) 1923م. وبذلك وضعت الحياة السياسية في إطار دستوري ديمقراطي من الناحية النظرية، وصارت القيم الدستورية والديمقراطية معيارا يرجع إليه العاملون في السياسة والمتحدثون بها في الحكم على الأحداث والمواقف وتقويمها.

والحق أن هذا الدستور لم ينشأ من فراغ، ولم تطرح فكرته لمجرد وجود الهيمنة البريطانية على مصر، بل أن فكرة الدستور استندت إلى جذور راسخة في عقول وقلوب الفئات المثقفة والمتعلمة وذات الوعي السياسي والتطلع السياسي في قمة المجتمع المصري في العقود الأولى من القرن العشرين.

ولا مراء غي أن منشأها يرجع غلى القرن التاسع عشر، منذ اتجاه محمد على إلى إنشاء دولة قوية، وما استلزمه ذلك الطموح من احتكاك بأوربا، وما تتبع ذلك من تطورات في عهد خلفائه، خاصة في عهد الخديوي إسماعيل. وكانت الشريحة العليا في المجتمع المصري منذئذ هي الأكثر نضجا بالنسبة لمثيلاتها في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى.

ورغم صدور دستور سنة 1923م وعودة سعد زغلول وغيره من الزعماء السياسيين من منفاهم في سيشل ظلت البلاد تعاني من ويلات الاحتلال واعتداء سلطاته على كرامة وحقوق الشعب المصري. ففضلا عن إقدام هذه السلطات على تعطيل الصحف واعتقال الزعماء الوطنيين ومحاكمتهم، فقد اتخذ اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني في مصر، قرارا بتعيين محافظ عسكري بريطاني لمدينة القاهرة. وكان الجنود البريطانيون يتمركزون في القلعة بوسط العاصمة، زيادة على وجود مراكز وقواعد عسكرية بريطانية في مناطق متعددة من الأراضي المصرية.

وقد سيطر البريطانيون على الاقتصاد والشئون المالية في مصر عن طريق فرض مستشار مالي بريطاني لوزارة المالية المصرية، كما حرصوا على إبقاء سيطرتهم على القضاء والمحاكم عن طريق المستشار القضائي الإنجليزي في وزارة الحقانية، وفوق ذلك كله سيطرة الضباط البريطانيين على أهم المراكز القيادية في الجيش المصري. فلا عجب، والحالة هذه، أن يظل التوتر مخيما على أجواء الحياة السياسية في مصر.

وقد بلغ التوتر ذروته إثر اغتيال الضابط البريطاني السير لي ستاك باشا، المشرف على الجيش المصري في السودان والذي كان – في الوقت نفسه- حاكما عاما للسودان، حيث أطلقت عليه النار في أحد شوارع القاهرة يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1924م بينما كان عائدا من مكتبه بوزارة الحربية المصرية إلى بيته في حي الزمالك. وعلى أثر ذلك توجه اللورد اللنبي، المندوب السامي البريطاني، في مظاهرة عسكرية إلى مقر رئاسة الوزارة المصرية، ووجه إنذارا مكتوبا سلمه إلى رئيس الوزراء سعد زغلول باشا، يتضمن عدة مطالب ابتزازية منها:

1- أن تدفع الحكومة المصرية غرامة مقدارها نصف مليون جنيه.
2- أن تسحب الجيش المصري من السودان.
3- أن تطلق يد حكومة السودان الإنجليزية في التوسع في الري على حساب كمية المياه التي تصل مصر، الأمر الذي يعني الإضرار بزراعتها، وذلك لحساب الشركات الإنجليزية التي كانت تتولى احتكار المشروعات الزراعية في السودان.

واستقالت حكومة سعد وجاءت حكومة زيور باشا التي سلمت بالمطالب البريطانية، ومارست حكما غير دستوري وغير مسئول حسب وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي. وقد ضعفت الروح الوطنية، وأخذ كثيرون من الزعماء المصريين يتهافتون على المندوب السامي. بيد أن الأحزاب المصرية استطاعت أن ترتفع فوق خلافاتها وتوحد جهودها خلال سنتي 1925م و 1926م، وواصلت ضغطها ونضالها حتى أعيدت الحياة النيابية والدستورية.

وعندما طلبت لجنة فرعية بمجلس النواب تحسين مستوى تدريب الجيش المصري وإبعاد المفتش العام للجيش اسبنكس (باشا وكان بريطانيا) من مجلس الجيش سنة 1926م قابلت بريطانيا هذا الموقف بتعسف شديد، وأصرت على أن يعين ضابط بريطاني آخر مساعدا للمفتش العام، وأن تكون مصلحة الحدود تحت إشراف المفتش العام البريطاني أو نائبه، وأن تظل المراكز التي يشغلها ضباط بريطانيون في المصالح التابعة لوزارة الحربية دون تغيير. واضطرت الحكومة المصرية إلى مد خدمة سبنكس باشا، ومنحته رتبة فريق، وعينت له وكيلا بريطانيا. وعينت ضباطا بريطانيين في الجيش المصري، وذلك قبيل ولادة حركة الإخوان المسلمين في مصر بأشهر قليلة.

وفي ظل الاحتلال نشطت الهيئات التبشيرية المسيحية في عملها الهادف إلى تحويل من تستطيع من المصريين المسلمين إلى المسيحية وتحويل المسيحيين المصريين إلى المذهب البرتستنتيـ أو الكاثوليكي.

مولد حركة الإخوان المسلمين

في ظل هذه الظروف كان مولد حركة الإخوان المسلمين سنة 1928م. وفي المرحلة الأولى من نشأة الجماعة جرت المفاوضات بين مصر وبريطانيا من أجل وضع علاقات الطرفين في إطار جديد. وكان هدف المصريين تحرير بلادهم من نير الاحتلال والتسلط البريطاني وتحقيق استقلالهم الوطني. لكن المعاهدة التي تم التوصل إليها سنة 1936م لم تحقق لمصر سوى فوائد هامشية بينما أعطت الصفة الشرعية للوجود والتسلط البريطاني . وكان الغرض منها- بالنسبة لبريطانيا- هو أن " تقرر استقلال مصر وتنيل بريطانيا العظمى كل التأمينات والضمانات التي تراد من الحماية...".

وقد حددت المعاهدة عدد القوات البريطانية في مصر في وقت السلم بعشرة آلاف جندي من القوات البرية، وأربعمائة من رجال السلاح الجوي. وفرضت المعاهدة على مصر أن تبني ثكنات الجنود البريطانيين بالمستوى الرفيع الذي تحدده بريطانيا وأن تزودها بالمرافق والحدائق وتبني لها الطرق المعبدة ، فضلا عن إنشاء طرق حربية بالمواصفات التي تحددها بريطانيا بين بور سعيد والإسماعيلية والإسكندرية ثم بين القنال والقاهرة وبين القاهرة والإسكندرية مرسي مطروح قرب الحدود الليبية وطرقا أخرى للنيل إلى قنا وقوص، ومن قوص غلى القصير ومن قنا إلى الغردقة، أي أن توفر طرق المواصلات بين المناطق التي حددتها المعاهدة لتمركز القوات البريطانية، بما فيها القاهرة والجيزة ومنطقة قناة السويس وكل سيناء.

وبجانب ذلك كان على مصر أن تنشئ المطارات الصالحة والموانئ التي تحتاجها القوات البريطانية. وقد أباحت المعاهدة كذلك بقاء القوات البريطانية في الإسكندرية ثماني سنوات. كل ذلك في وقت السلم، أما في وقت الحرب أو خطر الحرب، فإن كل القيود التي تحد من تحرك بريطانيا وعدد قواتها تصبح لاغية.

وكما نعرف جميعا فإن نذر الحرب كانت تلوح في الأفق عندما تم التوقيع على معاهدة 1936م، وما لبثت الحرب أن انفجرت سنة 1939م، وبذا أصبحت مصر كلها قاعدة للقوات البريطانية، وأصبحت كل إمكاناتها مسخرة لخدمة المجهود الحربي البريطاني طوال سنوات الحرب (1939- 1945م) كما أخضع الشعب المصري للأحكام العرفية الصارمة.

تنصيب الملك فاروق

وفي هذه الفترة تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية في التاسع والعشرين من تموز ( يوليو) 1937م، وتوقع الوطنيون المصريون منه الخير الكثير، وعدوه ملجأ وسندا للفريق الوطني حيث رضي حزب الوفد بالتحالف مع الاحتلال والرضوخ لمطالبه منذ اندلاع الحرب. وما لبثت العلاقات أن توترت بين القصر وحزب الوفد، وكان رئيس الديوان الملكي، على ماهر باشا، من مناوئي الوفد، كما وقف حزب مصر الفتاة ضد الوفد أيضا، بل وقام أحد أعضائه بمحاولة فاشلة لاغتيال مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد.

ثم جاءت أزمة حزيران( يونيو) 194مم، إذ اتهمت السفارة البريطانية في القاهرة القصر، واتهمت رئيس الديوان بالتعاطف مع ألمانيا وإيطاليا، وأجبرت الملك على إقصائه. وفشلت كل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة اتحاد وطني لإصرار النحاس على انفراده وحزبه بالحكم، ورافقت ذلك أزمة تموينية عسيرة. وتحت وطأة المعاناة التي أثقلت كاهل أغلبية المصريين انفجرت الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية. ويبدو أن بريطانيا خشيت من خروج الحالة المضطربة عن السيطرة فوجهت " إنذار 4 فبراير" المشهور إلى الملك وأجبرته على تكليف مصطفى النحاس باشا بتشكيل وزارة وفدية بعد أن زحفت الدبابات البريطانية إلى قصر عابدين ووجهت له مدافعها.

وفي شهر تشرين الثاني( نوفمبر) 1943م انتهز زعماء المعارضة المصريين فرصة انعقدا مؤتمر عام للحلفاء في القاهرة حضره رؤساء وزارات الحلفاء فقدموا مذكرة وقعوا عليها جميعا تحدد مطالب مصر عند انتهاء الحرب، وهي الاستقلال التام الحقيقي، لا الشكلي، واسترجاع سلطة مصر على قناة السويس، واسترداد حقوقها في السودان بالوحدة، وأن تشارك في مؤتمر السلام" وقد منعت وزارة النحاس نشر هذه المذكرة أو الإشارة إليها في الصحف" . وبقي النحاس في الحكم حتى تشرين أول ( أكتوبر) 1944م، وإذ ذاك أقاله الملك وتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة الجديدة.

وحيث وضحت نتيجة الحرب العالمية الثانية وأصبح انتهاء الحرب منتظرا خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وحيث أن الحلفاء الذين كانوا يعدون لإنشاء هيئة الأمم المتحدة اشترطوا أن تعلن أي دولة تود الانضمام إلى المنظمة الدولية الجديدة الحرب على ألمانيا قبل أول آذار( مارس) 1945م، فقد أعلن رئيس الوزراء أحمد ماهر دخول مصر الحرب إلى جانب الحلفاء يوم 24 شباط( فبراير) 1945م، فكان أن أطلق عليه محمود العيسوي الرصاص فأرداه قتيلا في نفس اليوم. ومما ينبغي قوله وإعلانه هنا أن الإقدام على هذه الجريمة- قتل رئيس الوزراء أحمد ماهر- كان وليد الجهل المخجل، وضيق الأفق، ليس بالنسبة للقاتل وحده ولكن لمن شحنوه ثم دفعوه للتنفيذ، ومن ناحية أخرى فإن عملية الاغتيال وما أحاط بها تشير غلى مدى غضب الشعب المصري وكرهه لبريطانيا المحتلة لمصر، وكرهه لحلفائها بالتبعية، حيث كان هذا الغضب وذلك الكره هو السبب الوحيد الذي دفع المصريين وغيرهم من العرب للتعاطف مع ألمانيا.

وانتهت الحرب باستسلام ألمانيا دون قيد أو شرط في السابع من آيار( مايو) 1945م، ثم استسلمت اليابان بعد ذلك بثلاثة أشهر. وقد وصف زعيم بارز في الحزب الوطني المصري حالة مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فقال:" إن الأمة ظهرت متراخية متخاذلة، فالطبقات الممتازة تؤثر الراحة وتستنيم إلى مهاد الدعة، فلم تشترك اشتراكا فعليا في الجهاد".

مصر بعد الحرب العالمية الثانية

وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى انشغل المسرح السياسي المصري بقضية الاستقلال والجلاء ووحدة وادي النيل ، كما برزت على السطح قضية فلسطين، وذلك لأن هذه الفترة شهدت تحويل القضية غلى هيئة الأمم المتحدة وصدور قرار التقسيم سنة 1946م، كما انفجرت الثورة لأول مرة في اليمن وكان للإخوان المسلمين صلة بانفجارها ، بل كان قد ذهب وفد غلى يمن الثورة برئاسة عبد الحكيم عابدين، القيادي الإخواني، وصهر حسن البنا. وقد دخلت مصر والدول العربية الأخرى حرب فلسطين في الخامس عشر من آيار( مايو) 1948م، ولقيت الهزائم المنكرة نتيجة لعدم جدية قياداتها ا لسياسية، على النحو المعروف، فكان لهذه الكارثة ردود فعل وأصداء مختلفة في القوة والشكل من بلد عربي إلى آخر.

وقد كان لفشل الحملة العسكرية والجهود المصرية الرسمية في فلسطين أثر كبير في التطورات والأحداث التي أدت إلى سقوط النظام الملكي وقيام الثورة التي قادها الجيش. ولم تمض على هذه الثورة سنتان إلا وكانت علاقة الإخوان بها قد بلغت درجة عالية من الخلاف والتوتر، ثم انزلق الإخوان غل معركة حاسمة دون دراسة موضوعية وتقدير سليم، فكانت الخسارة حاسمة كذلك، فأخرجت حركة الإخوان من الساحة السياسية. وأسدل عليها ستار كثيف لتغييبها نهائيا، واستمر الوضع كذلك حوالي خمس عشرة سنة، وانتهت بذلك الحقبة الأولى من حياة الإخوان، الحقبة التي نشطت فيها الحركة على مسرح الحياة في مصر والعالم العربي في إطار علني وقانوني وفق أنماط الأنشطة السياسية التي كانت سائدة. وبخروج الإخوان من المعركة لم يبق للحكم الناصري أعداء داخليين يمكن أن تشكل عداوتهم أية مخاطر على النظام.

قوى الجذب والدفع الخارجية

لا مراء في أن الصراع الداخلي مع بقايا الأوضاع التي كانت سائدة في العهد الملكي، ثم بين النظام الحاكم والإخوان، قد استنفد قدرا كبيرا من طاقة الاندفاع الثوري، ومن طاقة مصر الدولة وقدرة مواردها على الاحتمال. بيد أن انتصار الثورة في معاركها مع جميع القوى الوطنية الداخلية لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لعهد جمال عبد الناصر، ولم تعقبه فترة سلام وارتخاء يتمكن فيها من التقاط أنفاسه ومن استعادة الزخم وقوة الدفع التي كانت في مرحلتها الأولى. فقد تعرضت مصر الناصرية لمؤثرات خارجية سرعان ما شدتها وأدخلتها في معارك خارج الدائرة المصرية.

كانت الولايات المتحدة تسعى وحلفاؤها لإحكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي لمنعه من التمدد، ومن هذا المنظور حرصت على جر الدول الصغيرة للانتظام في الخطط التي استهدفت الكتلة السوفيتية. وكانت مصر عبد الناصر تتطلع إلى عون خارجي لتمويل مشاريع التنمية، وعلى رأسها مشروع بناء السد العالي ، ومن أجل ذلك دخلت في اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة للحصول على التمويل، لكنها لن تستطع أن تف بالمطلب الأمريكي بالنسبة لموقعها والدور المراد لها في مجال صراع القطبين، أي الانضمام ، أي الانضمام للتحالفات التابعة للولايات المتحدة وحلفائها الكبار، فكان أن سحبت أمريكا عرض التمويل، فتوترت العلاقات بين الجانبين، وهنا وجد السوفيت فرصتهم للدخول من خلال بناء السد العالي .

وقد تزامنت مع ذلك حاجة مصر للسلاح لتتمكن من الوقوف في وجه الاستقواء الإسرائيلي، فلم تستجب أمريكا، ومرة ثانية جاءت النجدة من السوفييت. وعلى الرغم من أن مصر صارت عضوا مؤسسا في مجموعة دول عدم الانحياز التي ظهرت في نفس الفترة الزمنية إلا أن علاقاتها الجديدة مع السوفييت جرتها إلى اليسار. وبينما كان الشيوعيون المصريون هدفا للاضطهاد والملاحقة من بداية عهد الثورة في مصر فقد تغير حالهم بعد توطيد العلاقة مع الكتلة الشرقية، فظهر الشيوعيون المصريون على السطح حلفاء للعهد الناصري، وانفتحت أمامهم كل البواب للعمل بحرية ، وللمشاركة في الحكم، وفي الحراك السياسي والثقافي بمقدار يفوق بكثير حجمهم الحقيقي على الأرض ، في داخل الدولة المصرية.

ومن ناحية أخرى فإن الجهود الاستقطابية المنطلقة من موسكو وواشنطن سرعان ما قسمت دول العالم العربي فريقين، وقد جاءت الوحدة بين مصر وسوريا، ثم الانقلاب الذي أطاح بالعهد الملكي في العراق ليضع سوريا والعراق، ومن قبلها مصر في الخط المتحالف مع السوفييت. وفي الوقت نفسه اندلعت ثورة التحرير الوطني الجزائرية 1954، وانقلب الوضع في اليمن بأيدي الجيش، فوقفت السعودية بجانب بقايا العهد الإمامي في اليمن بينما دخلت مصر بقوتها لتساند الثورة اليمنية كما ساندت الثورة الجزائرية. وعلى الصعيد الشعبي انقسمت الجماهير العربية على الأساس نفسه. ونظرا لوجود إسرائيل وسياساتها التوسعية المبنية على الحكايات التوراتية، ووقوف الولايات المتحدة ودول الغرب الأوربي مؤازرين ومساندين لها فقد مالت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية إلى الجانب الآخر.

وقد شهدت فترة الخمسينات، من القرن العشرين، أحداثا ضخمة بالنسبة للعالم العربي تتابعت تداعياتها وأصداؤها حتى نهاية عقد السبعينات، ومن هذه الأحداث تأميم قناة السويس ردا على تراجع أمريكا عن تمويل بناء السد العالي ، ثم العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ( بريطاني- فرنسي- إسرائيلي) ، واندحار هذا العدوان ، وقيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 ثم سقوطها سنة 1961، بجانب الانقلابات العسكرية المتكررة في كل من سوريا والعراق، والانقلاب العسكري في ليبيا سنة 1969، واستقلال كل من المغرب وتونس والجزائر، وعدد من الدول الأصغر حجما، وقرار بريطانيا إنهاء وجودها العسكري شرق السويس، وأثر ذلك في العالم العربي.

وكان أهم ههذ الأحداث وأكثرها تأثيرا العدوان الإسرائيلي الواسع في الخامس من حزيران 1967 حيث شنت إسرائيل حربا استباقية – بل هي حرب انتهاز الفرصة السانحة- مكنتها من احتلال أجزاء كبيرة من أراضي ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا والأردن. وقد تأخر الرد العربي على ذلك حتى سنة 1973م، حيث قامت مصر وسوريا بهجوم مضاد متأخر استهدف تحرير أراضيها المحتلة، ذلك الهجوم ، وتلك الحرب التي جرى تحجيم نتائجها عبر تدخلات وضغوط واجتهادات وعوامل متعددة.

في غضون هذه الفترة كلها، حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي، كان الإخوان متغيبين تماما في مصر قسرا، بينما كانوا محاصرين في الأقطار العربية الأخرى. وعند هذا المفصل الزمني التاريخي انتهى عهد جمال عبد الناصر ليفسح الطريق لعهد آخر مختلف في كثير من ملامحه.

جاء السادات إلى سدة الحكم بعد وفاة جمال عبد الناصر، رحمهما الله، ولم يلبث أن دخل في مواجهة مع " مراكز القوى" اليسارية وتمكن من إزاحتها ، ثم إنه بدأ بإخراج الإخوان من السجون ليكونوا القوة الشعبية التي تكفيه خطر أي تحرك يساري في المستوى الشعبي. وهكذا خرج آلاف الإخوان المثخنين بالجراح الجسدية والنفسية ليستأنفوا حياتهم العادية، ويعيدوا تأقلمهم مع حياة المجتمع من حولهم. ويبدو أن السادات اعتبر نفسه رسول التغيير – ليس فيما يتعلق بالإخوان المسلمين- بل في خيارات مصر بالنسبة لمسارها السياسي في العالم العربي، وفي العالم العربي، وفي العلاقات الدولية على السواء، ويبدو أنه كان واثقا من رؤيته وتصوراته كل الثقة، وبدرجة مبالغ فيها، مستمدا ذلك من الانتصار الكبير، والمنقوص- في الوقت نفسه- الذي تحقق في حرب 1973.

ولقد استند التغيير الذي أراد أنور السادات أن يحدثه غلى مقولتين:

أولا: أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي كان بسبب الحواجز النفسية وأن كسر هذه الحواجز كفيل بحل المشكلات والإتيان بالسلام.
ثانيا: أن كل أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة.

وهكذا سار على ضوء هاتين المقولتين، فزار القدس وألقى خطابا في الكنيست ، كما أدار ظهره للسوفييت وتحول بكل طاقته واندفاعه إلى الولايات المتحدة.

والحقيقة أن رد الفعل العربي على زيارته للقدس كان انفعاليا غوغائيا، وبعيدا عن العقلانية السياسية. وفي تقديري أنه لو كان رد الأطراف العربية التي عارضته هادئا وموضعيا إذن لكان السادات قد اكتشف خطأ مقولته عن حكاية الحواجز النفسية، ولربما كبح اندفاعته بنفسه. لكن ردود الفعل الصاخبة، التي تلطخت بالدماء، ما لبثت أن دفعته إلى العناد، سيما وأنه اعتقد أن مصر هي زعيمة العالم العربي، وأن قيادتها يجب أن تطاع، وريادتها يجب أن تتبع ، خاصة بعد الانتصار في " حرب أكتوبر 73".

أما بالنسبة لمقولته الثانية ( أن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا) . فقد كانت صحيحة بنسبة غير قليلة، بيد أن الرئيس السادات رحمه الله نسي – في غمرة اندفاعه- أن أمريكا تلعب بأوراقها في إطار إستراتيجيتها هي- بغض النظر عما إذا كانت الإستراتيجية صائبة أو خاطئة بالنسبة لبعض جزئياتها- ولا تسمح للآخرين بالتأثير عليها، خاصة الآخرين الصغار، بالمقاييس الأمريكية.

لم يطل عهد السادات بعد " كامب ديفيد" ، وقد ساءت علاقته بالإخوان الذين أفرج عنهم، بالرغم من أن انتقاداتهم له كانت رقيقة وعلى استحياء. وما لبث عهده وحياته أو وصلا إلى نقطة النهاية، بأيدي إحدى " الجماعات الإسلامية" التي انشقت عن الإخوان، واختارت طريق العنف المسرف، واللاعقلاني ، فكان حادث المنصة سنة 1981، الذي أنهى حكم وحياة الرئيس الثالث لمصر منذ قيام ثورة 23 يوليو.

الفصل الثاني

المراحل الرئيسية لمسيرة الإخوان المسلمين

لقد بلغت حركة الإخوان المسلمين من العمر ثمانين سنة حتى الآن، يمكن تقسيمها في ست مراحل تتحدد زمنا على النحو التالي:

المرحلة الأولى: 1928- 1938

المرحلة الثانية: 1938- 1948

المرحلة الثالثة: 1948- 1952

المرحلة الرابعة: 1952- 1954

المرحلة الخامس: 1954- 1971

المرحلة السادسة: 1971- إلى 2011

المرحلة الأولى

لقد استمرت المرحلة الأولى عشر سنوات تميزت فيها الدعوة بالعمل السلمي المركز على جماهير الشعب، من غير تعرض للسلطات أو اصطدام معها. بل لقد بدا واضحا من سلوك الجماعة في هذه المرحلة أنها على استعداد للتعاون مع الحكومة في نطاق الحد الأدنى مما تستوجبه المبادئ التي تنادي بها. وكان أكبر مظهر لهذا الموقف الإخواني الودي تجاه السلطة تلك المظاهرة الضخمة التي نظمها الإخوان، وشاركتهم فيها الهيئات الإسلامية الأخرى لإظهار الولاء والتأييد للملك فاروق بمناسبة مباشرته لسلطاته الدستورية في شهر آيار ( مايو) 1937م، وقد قدر عدد المشاركين في المظاهرة من الإخوان بعشرين ألفا، اتجهوا إلى قصر عابدين بوسط القاهرة. " وهناك انتظم الإخوان على باب القصر رافعين أعلامهم يهتفون: " الله أكبر ولله الحمد" – الإخوان المسلمون يبايعون الملك المعظم.. الإسلام منقذ الإنسانية- القرآن دستور الدنيا، ومن يتبع غير القرآن قانونا فقد ضل – نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله".

وقد يبدو هذا الموقف مستغربا لمن يعرفون أن الإخوان المسلمين حاربوا نظام الملك فاروق، وأن اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا قد قام بتدبير من هذا الملك ورئيس وزرائه وكبار رجال الأمن في نظامه، غير أن هذا الاستغراب يزول عندما نعرف أن فاروقا كان قد تولى المنصب لتوه، ولم يكن يبدو عليه أي انحراف. وحيث أن مصر كلها، بما في ذلك القاهرة والإسكندرية كانت تحت الاحتلال البريطاني وأن تسلط بريطانيا على شئون الحكم والإدارة والجيش كان غصة في حلوق أغلبية المصريين، فقد صار الملك مركز السلطة الوطنية، ورمز الكفاح الوطني، حسب ما اخبرنا قيادي إخواني بار، حيث ذكر أن فاروقا الشاب كان" مناط آمال الشعب وموضع احترامه، لأن سيرته كانت سيرة مرضية ومسلكه كان مسلكا شريفا، ولعل ذلك نتيجة تأثير الشيخ مصطفى المراغي عليه.. ولم يبدأ فاروق في الانحراف إلا بعد وفاة الشيخ.." سنة 1945م. ولكن " فاروقا هذا تولاه هذا بعد ذلك شياطين الإنس من رؤساء أحزاب وبطانة فاجرة فصنعوا منه شيطانا.."

المرحلة الثانية

وانتهت هذه المرحلة الأولى من مسيرة الإخوان سنة 1938م، وإذ ذاك دخلوا مرحلة جديدة ولم يكن هذا الدخول عفو الخاطر، أو من غير إدراك، بل كان عن وعي واقتناع وتصميم، وقد نبه الإمام حسن البنا إخوانه إلى هذه النقلة بقوله:" هذه مرحلة من مراحل الإخوان اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها.. والآن أيها الإخوان وقد حان وقت العمل، وآن أوان الجد.." ثم سأل الأستاذ البنا إخوانه :" ما خطوتكم الثانية؟" ومضى يجيب على تساؤله:

" أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم، بل زعيم الأقطار الإسلامية.. في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه.. فإن أجابوا الدعوة .. آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام.. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين..".

" كان موقفكم أيها الإخوان سلبيا ( كذا) هكذا فيما مضى ، أما اليوم، وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا..".

" أيها الإخوان – أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه ، لأول عدد منها، وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية، وفيه تضحيات ، وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة، وأن يدعي المترفون المترفهون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون، ولتبلون في أموالكم وأنفسكم ، فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد، ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الهاد سواء أكان شعبة من شعب الإخوان أم فردا من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف.." (انتهت الاقتباسات).

وعندما يمر الباحث والقارئ بهذا الكلام الخطير الذي كتبه مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، منبها بوضوح غلى انتهاء المرحلة الأولى، مرحلة الدعوة السلمية ( 1928- 1938م) ، وولوج الحركة إلى المرحلة التالية، ومشيرا إلى تغير بل انقلاب في أساليب الممارسة من الالتزام بالتحرك السلمي إلى تبني أسلوب المواجهة والتحدي والتهديد المكشوف.

هنا لابد أن يتساءل الباحث والقارئ: هل كان حسن البنا يقصد بدقة كل ما قاله في كلمته المنشورة التي اقتبسنا منها ههذ المقتطفات والنصوص ؟ أم أن الأمر كان مجرد انزلاقه فلم ينفث مشاعر الحماسة والعاطفة المتأججة في إطار الأسلوب الخطابي؟ فحتى صدور هذا الإعلان في مقالة حسن البنا النارية كانت حركة الإخوان تمارس نشاطها مسالمة لكل القوى الوطنية، المدنية والرسمية طوال المرحلة الأولى، بما في ذلك التزام القواعد الاجتماعية المتعارف عليها في المجتمع المصري، حتى في استخدام الألقاب التركية الأصل (بك، وباشا، وأفندي، وغيرها)، سواء عند تناول أسماء الشخصيات المدنية أو الحكومية. أما مضمون الخطاب الجديد الذي قدمته مقالة حسن البنا رحمه الله فقد كان إنذارا لأطراف كثيرة بأن ثمة انقلاب رئيسي ومهم في طريقة تعامل جماعة الإخوان مع محيطها، وتوجهها إلى الدخول في مواجهة فاصلة مع كل الأطراف. ولعل من المفيد أن نحدد بنود هذا الإنذار في نقاط:

1- إعلان التغيير والانتقال من الأسلوب السلمي غلى حالة المواجهة،
2- التوجه بالدعوة إلى الخاصة: الحكام بمراتبهم المختلفة وإلى الأحزاب،
3- إن قبل كل هؤلاء تبني برنامج وأهداف دعوة الإخوان فلهم المؤازرة والتأييد،
4- وإن رفضوا، إعلانا أو مراوغة ، فالإخوان حرب عليهم جميعا
5- المرشد يدعو إخوانه للاستعداد لموجات الاضطهاد والسجون، والأكثر من السجون، أي التشريد والإعدامات والتصفية الجسدية.

وهنا نعود إلى التساؤل: لكان حسن البنا يلقي خطابا ، أو يكتب مقالا حماسيا، أم كان يعلن تغييرا فعليا وشيكا؟

لسنا بحاجة إلى التخمين أو الاستنتاج لمعرفة الإجابة على هذا السؤال. لقد أصبح هذا السؤال من ا لماضي البعيد الذي مر عليه أكثر من نصف قرن، والذي كان مستقبلا يوم نشر حسن البنا خطابه ذاك. وقد صار الخطاب وتداعياته جزءا من الماضي البعيد نسبيا، أي أن تداعياته صارت معروفة وواضحة. لقد كان الإعلان برنامج عمل، وقد وضع موضع التنفيذ في الأيام والسنوات التي تلت وانقضت من مسيرة الإخوان، وصار تاريخا موثقا، وصارت معالمه الرئيسية ، بل ونتائجه معروفة، ومتوفرة لكل من أراد أن يبحث عنها.

ويبدو واضحا من كل ذلك أن حسن البنا كان يعني ما يقول، فبعد سنتين من هذا الخطاب نجد الإخوان يؤسسون النظام الخاص، خطوة كان التحرك فيها والعلم بها ضمن دائرة صغيرة ومحدودة، على رأسها حسن البنا رحمه الله، وذلك سنة 1940 ، كما حدثنا الأستاذ محمود عبد الحليم، وفضلا عن ذلك فقد شهدت السنوات العشر التي نشرت في بدايتها مقالة المرشد العام، والمؤسس كثيرا من الممارسات الإخوانية التي استخدمت فيها الأسلحة والقنابل، وشهدت عددا من حوادث الاغتيال التي طالت عددا من القضاة، وضباط الشرطة وغير ذلك مما سيأتي تفصيله. ( انظر الفصل الخامس).

وقد نتج عن هذا الانقلاب في ممارسات الإخوان أيضا صدام مع الأحزاب والقوى السياسية المدنية، واتسمت المسيرة الإخوانية بمحدودية الوعي، وضيق الأفق، والافتقار إلى المرونة. ففي هذه المرحلة الثانية أخذ حسن البنا يتوجه بالخطاب إلى زعماء الأحزاب وأنصارها، وإلى الملك ورؤساء الوزارات والوزراء، بل وإلى رؤساء وزعماء الدول الإسلامية خارج مصر، موجها لهم الدعوة بلطف حاثا لهم على تبني النهج الإسلامي. وحيث لم تكن هناك استجابة، عدا بعض الاستجابات المحدودة والهامشية فقد أخذت الأمور تتعقد وتتجه نحو الصدام.

هنا قد يتساءل بعض القراء: هل كان هذا التغيير الذي أدخله المرشد العام على مسيرة الجماعة استمرارا لتنفيذ خطة إستراتيجية وضعت مرحلة منذ بداية انطلاق حركة الإخوان، أم أن حدثا مفاجئا- على الصعيد الوطني- جعل هذا التغيير ضروريا؟ إن تأمل المادة المعلوماتية التي بين أيدينا تنفي أن يكون هذا التغيير استمرارا لخطة إستراتيجية ، كما أن الساحة المصرية لم تشهد حدثا مفاجئا أو غير عادي استوجب التغيير. والذي اعتقده أن نمو الحركة بشكل سريع وامتلاكها لقدر لم يكن متوقعا من عناصر القوة الجماهيرية هو الذي أشعر الأستاذ البنا بثقة مفرطة في حساباته ووضعه وحركته على هذا المفترق الجديد.

ومن المرج أن الأحزاب السياسية استشعرت الخطر من شعبية الإخوان، سيما بعد أن أخذت قوتهم تظهر في المسيرات وفي رحاب الجامعات. ولابد أن السلطة الإنجليزية المتحكمة في مصر كانت قد أدركت ذلك وأخذت تعد الخطط لمواجهة ما قد يحمله التحرك الإخواني إلى الساحة المصرية. ولسنا بسبيل تتبع تفاصيل أحداث هذه الفترة، لأن ذلك يخرج بنا عن خطة البحث. ومن أراد الاطلاع على التفاصيل فيمكنه مراجعة ذلك في مصادر أخرى. ويكفي أن نرسم الخطوط العريضة لمسيرة الحركة في هذه المرحلة كي نخرج من ذلك بالعبرة والرؤية الصحيحة.

لقد وضع الإخوان أنفسهم في مواجهة مجموعتين من الأحزاب:

أ‌- الأحزاب التقليدية : الوفد، السعديون، الأحرار الدستوريون، الحزب الوطني.
ب‌- مصر الفتاة.

كما وضعوا أنفسهم في مواجهة القصر، والحكومة المصرية والوجود البريطاني الاستعماري. وفي هذه الفترة نشأت حركة " الضباط الأحرار" في الجيش المصري فكان الإخوان على صلة بنشأتها من بداية ألأمر. وفي هذه الفترة أيضا أنشأ الإخوان" النظام الخاص"، كما أشرنا قبل قليل ، الذي عرف فيما بعد، خاصة في مصطلح السلطة وأجهزة الإعلام، بالجهاز السري، وكان الهدف من إنشاء النظام أن يكون أداة عسكرية لمواجهة الاحتلال الإنجليزي والحركة الصهيونية في فلسطين، ولحماية الدعوة من بطش السلطة وربما – أيضا- ليكون أداة للتغيير عندما تحين ساعة التغيير، حسب تقدير قيادة الإخوان. وقد شهدت هذه المرحلة كذلك نشاطا إخوانيا متناميا لنصرة القضية الفلسطينية ومواجهة التحدي الصهيوني بلغت ذروتها في دخول كتائب المتطوعين الإخوان، وجلهم من أعضاء النظام الخاص، حرب فلسطين حيث ابلوا بلاء حسنا. وقد ظل الإخوان طوال هذه الفترة في الجانب الوطني من الصراع.

المرحلة الثالثة

وفي المرحلة الثالثة( 1948- 1952) تعرضت الحركة للحل، واغتيل مؤسسها وقائدها، وأخضعت لموجة طامة من الاضطهاد والتشريد والاعتقالات، وذلك نتيجة لانزلاق الإخوان إلى ممارسة العنف المسلح في العمل السياسي. وقد تفاقم الوضع المضطرب على أثر هزيمة الحكومة المصرية في حرب فلسطين وانفضاح عبثها وعدم جديتها. ومما ينبغي أن نلفت إليه الأنظار في مسيرة أحداث الحقبة الأولى من مسيرة الجماعة ( 1928- 1954) ، أن الحياة السياسية أثناءها لم تتسم بالدكتاتورية المطلقة، على الرغم مما ران عليها من فساد ومهاترات وطغيان.

لقد كانت هناك رموز وأشكال ديمقراطية، كانت هناك قشرة من الديمقراطية، وكانت المثل الديمقراطية موضع قداسة شكلية عند الشريحة العليم من المجتمع التي يأتي منها السياسيون ورجال الحكم. وقد ساعدت هذه الحال القوى الوطنية- بما فيها حركة الإخوان- على أن تجد طريقها للنهوض في أعقاب موجات القمع المحدودة. وحتى موجة المطاردة والاعتقالات التي تعرض لها الإخوان عام 1949م، والتي اتسمت بشيء من الاتساع والشمول بالمقارنة مع ما سبقها، لم تلبث أن انفرجت بمجرد أن سقطت حكومة حزب السعديين وجاءت حكومة غير حزبية. وقد نظمت تلك الحكومة الانتخابات العامة وأشرفت عليها سنة 1950 فجاءت الانتخابات بأغلبية وحكومة وفدية. ومع أن الوفد كان في خصومة مع الإخوان إلا أن الإخوان أيدوه في الانتخابات ، وكذلك فعل الشيوعيون، نكاية في حزب السعديين. وقد أراد الوفد – من ناحيته أن يتقرب إلى الإخوان ليستعين بهم ضد السعديين وغيرهم من مناوئيه.

ثم انطلقت الثورة المصرية التي فجرها تنظيم الضباط الأحرار سنة 1952م، وقد كانت حركة الضباط الأحرار على صلة وثيقة بالإخوان منذ نشأتها ومن حيث انتماء عدد من ضباطها إلى الإخوان المسلمين، ومن حيث تعاون الفريقين ، حتى لقد ساد الاعتقاد خلال السنة الأولى من عمر الثورة بأن الثورة إخوانية قلبا وقالبا.

المرحلة الرابعة

وبقيام الثورة في الثالث والعشرين من تموز ( يوليو) سنة 1952م بدأت المرحلة الرابعة من مسيرة الإخوان. وعلى الرغم مما بدا لعامة الناس، بل ولمعظم أعضاء حركة الإخوان، من أن الإخوان والثورة يد واحدة- وذلك خلال السنة الأولى من عمر الثورة على الأقل- فقد كانت عوامل التباعد والخصومة تتفاعل بعنف تحت قشرة الوفاق الرقيقة الخادعة.

ولم يأت عام 1954م حتى تحول الخلاف إلى صدام مباشر وعنفي جرى في العلن، وفتحت المعتقلات للإخوان من جديد ابتداء من شهر كانون الثاني ( يناير) 1954م. ثم أفرج عن زعماء الإخوان بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1954م جاءت حادثة المنشية بالإسكندرية ، حيث أعلنت الحكومة أن الإخوان دبروا مؤامرة لاغتيال جمال عبد الناصر ، ومن هنا أخذت موجة القمع والمطاردة الحكومية شكلا بالغ العنف والشمول ، وانعدم أي أمل في الوفاق بين الجانبين، وبذلك بدأت مرحلة جديدة.

المرحلة الخامسة ( 1954- 1970)

لعل القارئ الكريم قد لاحظ أن ميدان الحراك في المرتحل الأربعة الأولى التي مر بها كان ضمن حدود أرض مصر، وأن القوى التي تحركت في الميدان، والقوى التي تواجهت وتنافست وتصارعت كانت قوى مصرية. أما في هذه المرحلة الخامسة فإن الأرض التي جرى عليها الحراك قد اتسعت ، وأن قوى أخرى ظهرت على الأرض وكانت لها أدوار مباشرة أو غير مباشرة، وتأثير بمقادير مختلفة. لقد شهدت ههذ المرحلة أدوارا وتحركات لبعض الدول الكبرى ومشروع بناء السد العالي ، وتأميم قناة السويس واندلاع الثورة الجزائرية ومساندة مصر لها، فضلا عن العدوان الثلاثي على مصر ( 1956- 1957) والانقلاب والحرب الأهلية في اليمن وتدخل السعودية والصراع الناصري السعودي وقيام الوحدة بين مصر وسورية وانفصامها، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء السياسي لعالمنا العربي، والعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران، والأحداث التي شهدها الأردن سنة 1970، وحرب تشرين والانقلابات العسكرية المتكررة في سورية والعراق، وغير ذلك مما شهده عالمنا العربي، وكطل هذه الأحداث تقع خارج موضوع دراستنا على الرغم مما كان لها، أو لبعضها من التأثير المباشر أو غير المباشر في الأحداث التي نتناولها.

لقد شملت هذه المرحلة عهد رئاسة وحكم جمال عبد الناصر حتى وفاته في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970. ومن غير أن ندخل في التفاصيل نكتفي بالقول بأن السمة الأولى التي ميزت هذه المرحلة أن حركة الإخوان لم تعد لاعبا رئيسا في ميدان السياسة المصرية، بل إنها لم يعد لها أي دور على الإطلاق. لقد قبعت معظم العناصر النشطة من الإخوان في المعتقلات والسجون، ومرت بمحنة قاسية تعرضت فيها لألوان هائلة ومسرفة من التعذيب.

أما الفريق الذي كان انشق عن قيادة المرشد الثاني، حسن الهضيبي رحمه الله، فقد احتضنهم جمال عبد الناصر، وترك لهم قدرا من الحرية، وأفسح لهم في الوظائف، فصار الشيخ محمد الغزالي ، والشيخ السيد سابق يرحمهما الله، كل منهما في منصب وكيل وزارة.

وبجانب ذلك، فإن بعض الشخصيات الإخوانية المهمة التي لن يعرف لها دور في الانشقاق الإخواني الذي نشا خلال وبعد اختيار وتنصيب المرشد العام حسن الهضيبي لقيت اهتماما خاصا من جمال عبد الناصر، وكان من أبرز هؤلاء الدكتور عبد العزيز كامل، الذي كان أستاذا في قسم الجغرافيا في جامعة القاهرة، فشغل منصب نائب رئيس الوزراء، كما شغل منصب وزير الأوقاف في فترة لاحقة. أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد ، وهو أستاذ في القانون، فقد عين في منصب ملحق ثقافي في السفارة المصرية في واشنطن، ثم عين فيما بعد وزيرا للإعلام ، وفي مرة ثانية عين وزيرا للشباب. وقد كان كل منهما في مستوى عال من العلم والأهلية والحضور القوي على الصعيد العام، سواء في أجواء الإخوان، أو على الصعيد الوطني. ومن هذه المجموعة أيضا كان الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله، وقد صار وزيرا للأوقاف.

ومن ناحية أخرى فإن بعض شباب لإخوان لم ينقطعوا عن الاتصال بجمال عبد الناصر في فترة الانشقاقات وما بعدها، وهذا ما ذكره لي أحدهم- بعد عشرين سنة من تلك الأحداث، وقد صار أستاذا في كلية الطب- فقال : " لقد ظللنا حتى سنة 1957 نتردد على بيت جمال عبد الناصر وندخل من باب خلفي خاص لنلتقيه ، دون أية مشاكل من جانب الحراسة".

ويبدو أن جمال رحمه الله مال إلى التخفيف من حدة المواجهة تمهيدا لإنهائها، وذلك بعد أن ضعف الجانب الإخواني ولم يعد قادرا على الاستمرار في الصراع، وانسجاما مع هذا التوجه بدأ الإفراج عن أعداد من الإخوان أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وكان سيد قطب على رأس المفرج عنهم. وفي هذه الفترة التي شهدت الانفراج، وعاد فيها سيد قطب إلى بيته حرا سعيت إلى الالتقاء به، وكنت من المعجبين به لسنوات طويلة، ولم يكن قد وصل إلى علمي ما كان قد طرأ على فكره من تغيير.

وقد ذهبت إلى بيته في شارع رستم باشا في حلوان، غير أن سيد لم يكن موجودا فاستقبلني الأستاذ محمد قطب، رحمه الله، وجلست معه بعض الوقت. ثم عدت في السنة التالية ( 1963 أو 1964) فلم أجده أيضا. واستقبلني ابن أخته، واسمه رفعت بكر الشافعي، وجلست معه قليلا، وأخبرني أن الأستاذ سيد ذهب إلى مصيف رأس البر. وقد ذهبت إلى مصيف رأس البر من غير أن يكون لدي عنوانه، على أمل أن ألتقيه، ولم أكن قد دخلت رأس البر من قبل، وبعد جولة على الشاطئ اقتنعت بتعذر الوصول غلى بغيتي، فعدت إلى القاهرة.

وكان ممن ذهب لزيارة سيد قطب بعد الإفراج عنه الأديب والروائي المشهور نجيب محفوظ رحمه الله. فقد ذكر ذلك الأستاذ محفوظ في مقال نشره في إحدى الصحف، فقال إنه كان يحفظ لسيد قطب أنه أول ناقد أدبي قدمه إلى القراء عندما لم يكن محفوظ قد وصل إلى مرحلة الشهرة، ولذا فقد ظل يشعر له بالامتنان منذئذ، - آنذاك- من مخاطر، من ناحية عدم رضا السلطة. وقد عبر محفوظ عن دهشته لما سمعه من سيد قطب، إذ بدأ يطرح عليه وصحبه نظريته التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" وكأنه يلقي عليهم درسا.

انتكاسة الانفراج وعودة إلى الصراع

غير أن هذا الانفراج الذي بعث الأمل في نفوس الكثيرين لم يلبث أن انتهى، واختفى معه الأمل، وحمل التطور الجديد موجة جديدة من الرعب والعنف. فقد أعلنت السلطة في مصر في بيان رسمي بثته وسائل الإعلام أن تنظيما إخوانيا بزعامة سيد قطب قد انهمك في إعداد العدة لمحاولة القيام بانقلاب وأخذ يجمع السلاح ويدرب المشاركين على استخدامه . وقد تم إفشال المحاولة، وألقي القبض على ذوي العلاقة، وضبطت الأسلحة وصودرت. وقد نفى المكتب التنفيذي لقيادة الإخوان في البلاد العربية- وكان مقره في بيروت- نفى ما جاء في البيان الرسمي المصري ، وكان مما جاء في البيان الذي أصدره المكتب:

" إن الإخوان المسلمين في البلاد العربية والإسلامية ينظرون بكثير من الأسف غلى الاعتقالات التي جرت في الجمهورية العربية المتحدة وشملت عددا من الإخوان المسلمين، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب والمسلمون إلى رص صفوفهم، وحشد جهودهم لمواجهة الاستعمار..

" والإخوان المسلمون، بما توفر لديهم من معلومات يؤكدون أن الإخوان المسلمين في مصر لا علاقة لهم البتة بأية مؤامرة أو سلاح مختزن، ولسوف يكشف عن ذلك بصورة قاطعة أي تحقيق نزيه عادل".

والحقيقة أن هذا البيان الإخواني كان مجرد رد سياسي لم يكن هدفه الإعلان عما جرى بالفعل. لقد كنت- في تلك الفترة- متفرغا للعمل للمكتب التنفيذي، كما كانت لي علاقة بالاجتماع لذي صدر عنه القرار، ومن جانب آخر فإن أخا لبنانيا قياديا كان أيضا قريبا من الاجتماع، وفي حديث ثنائي بينه وبيني لم يتردد أن يسخر من النفي الذي ورد في بيان المكتب التنفيذي، وكان مما قاله لي: إنه زار مصر قبيل الأحداث موضوع البحث، وذهب إلى الإسكندرية، وأخذه بعض الإخوان المصريين إلى الشقة التي ذكر البيان الحكومي أن التدريب كان يجري فيها وضبط فيها شيء من السلاح، وقد شاهد الأخ المذكور التدريب والسلاح بنفسه. ويبدو لي أن سيد قطب لم يكن له دور عملي في إنشاء التنظيم أكثر من الفكرة " النظرية" التي أودعها في كتابه " معالم في الطريق" والذين شكلوا التنظيم كانوا- على ما يبدو- شبابا أغرارا متحمسين محدودي الفكر والخبرة.

ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن توجيه وتحريك التنظيم الذي أنشئوه ، لجئوا إلى صاحب النظرية. والذي أرجحه أن سيد قطب لم تكن لديه خبرة ولا معرفة، ولا قدرة جسدية في سنه وصحته. بعد سنوات السجن والعذاب الطويلة. ومن المرجح أنه وقع في حرج شديد أن يتهرب من المشاركة فيما دعا إليه ونظر له بلغة قوية عاطفية شديدة الحماسة. وهكذا دفع ثمنا مضاعفا ومبالغا فيه، لما صاغه ونشره من فكر.وشملت موجة الاعتقالات والتنكيل كل من عرف له أدنى نشاط إخواني، وهكذا بدت ساحات العمل الإسلامي خاوية فارغة. ولم تمض هذه الفترة الحالكة في امتدادها أكثر من سنوات خمس حتى توفي جمال عبد الناصر في شهر أيلول ( سبتمبر) 1970م، رحمهم الله جميعا.

ودعونا ننظر فيما كتبه الأستاذ فريد عبد الخالق- وهو من كبار وقدماء قادة الإخوان ومن تلاميذ حسن البنا المباشرين- عن تنظيم 1965 ، باختصار شديد:

بدأت نواة التنظيم أوائل الستينات بقيام عدد قليل من الإخوان الذين كانوا اعتقلوا في فترات سابقة بالتجمع في أسر، وقد اتل بعضهم بالأستاذ المرشد حسن الهضيبي مستأذنين بغرض دراسة القرآن الكريم وغير ذلك من مواد التربية الإسلامية. وقد أذن لهم المرشد بذلك في الحدود التي عيونها وقت استئذانهم. ومع الزمن تزايدت أعدادهم وكونوا قيادة منهم على رأسها الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ثم امتدت اتصالاتهم لتطال بعض الإخوان في السجون وخارجها. وأحس بعض الإخوان بوجود ذلك التنظيم بعد عامين، وتبين أنه قد يكون متجها لاستخدام القوة.

واتصل بمسئولي التنظيم من نبههم إلى خطورة تحركاتهم ومن خطورة وجود أي تنظيم، حتى من غير أية توجهات عنيفة، بيد ممثلي التنظيم لم يفصحوا عن حقيقة ما يتجهون إليه. وبعد ذلك اتصلوا بسيد قطب على اثر الإفراج عنه، وأخبروه بأنهم تأثروا بكتاباته وطلبوا منه أن يتولى قيادتهم، فقبل ذلك، واستمر سنتين إلى أن ألقي القبض عليه. وقد اعتقل عشرات الآلاف من الإخوان رجالا ونساء، وأعدم سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل، ومات عدد غيرهم تحت التعذيب . وظل الحال كذلك إلى ما بعد وفاة جمال عبد الناصر أواخر سنة 1970.

المرحلة السادسة( 1971- 2020)

وجاء عهد أنور السادات( 1970- 1981) حيث شهدت الأشهر الأولى صراعه مع ما سمي بمراكز القوى من بقايا النظام الناصري ، وكان على رأس تلك الفئات السيد علي صبري، وشعراوي جمعة، وسامي شرف. وقد نجح السادات في التخلص من مراكز القوى الظاهرة. وفى إطار صراعه مع هذه القوى رأى أن بإمكانه الاستفادة من القوى الإسلامية. ومن هنا بدأ يفرج عن الإخوان القابعين في السجون والمعتقلات، سواء بغرض الحصول على تأييدهم . ضد اليساريين والناصريين ، أو لتيقنه من أنهم، أو أن كثيرين منهم تعرضوا للظلم والعقوبات المسرفة. فماذا كان رد الفعل من جانب الإخوان على هذا التوجه من جانب خليفة عبد الناصر ؟

لقد كنت في تلك الفترة في الكويت، أعمل متفرغا لشئون المكتب الإقليمي الذي ضم ممثلين لمختلف التنظيمات الإخوانية بما فيه تنظيم الإخوان الكويتيين ، وبعض تنظيمات الإخوان من غير الكويتيين من العاملين الوافدين المقيمين ، خاصة من المصريين والفلسطينيين بجانب ممثل للاتحاد العالمي للطلبة المسلمين. وأزعم أنني أدركت أهمية هذه اللحظة التاريخية الفارقة بين عهدين ، عهد ولي وانقضى ، وعهد ينتظر من يبنيه ومن يتقدم ليشارك في بنائه. وقد سبق لي أن كتبت وصفا لتصرفاتي آنذاك في كتاب تأخر نشره لفترة بعد الحدث، غير أن كتابته كان قريبة ومفعمة بتلك الأجواء. وكان مما قلته:

" أما د الفعل بالنسبة لي فلم يغرق في العاطفة والانفعال، ولم يصبه شئ من البطء أو التواني، فبمجرد سماعي النبأ أدركت ضخامة الآثار التي سيتركها الحدث، وبدأت أعد بذلك مذكرة موجزة ركزت فيها على بضعة أفكار أساسية من غير إسهاب في التحليل والاستقصاء، مؤجلا ذلك إلى دراسة لاحق. وقد استغرقت هذه المذكرة صفحتين ، أو ثلاثا. وفي صبيحة اليوم التالي كنت أجري اتصالات من أجل عقد اجتماع غير عادي للجنة الإقليمية لبحث الموقف الجديد. وقد بدا موقفي أمام تحفظ الآخرين وكأنه مندفع أو متعجل، بيد أن اللقاء قد تم، حيث وزعت نسخا من المذكرة على المشاركين".

وكانت خلاصة ما ذكرته:

أولا: أن النظام الناصري كان قد بدأ انهياره منذ هزيمة الخامس من حزيران 1967،

ثانيا: أن عملية الانهيار تواصلت بعد ذلك من خلال الصراع من أجل تحميل مسئولية الهزيمة بين الأشخاص والقوى المكونة للنظام، وبانتحار عبد الحكيم عامر أو اغتياله بلغ الصراع ذروته،

ثالثا: وبموت جمال عبد الناصر وصعود السادات لمنصب الرئاسة انتهى النظام الناصري ودخلت مرحلة تأسيس وبناء نظام جديد,

رابعا: إن الموقف الراهن يتطلب أن يكون للإخوان المصريين حضور ملموس وفاعل في مرحلة البناء.

خامسا: لقد مضت على الإخوان المصريين القياديين أو القادرين الذين غادروا بلدهم مرغمين فترة طويلة ( بعضهم منذ 1954 وبعضهم من 1965 ) وهم يصرخون من خارج الأسوار التي فرضها النظام المنهار، وقد آن الأوان للعودة والتحرك من الداخل، والمشاركة في تشييد البناء الجديد.. الخ.

وكان رد الفعل الفوري بالسخرية والتندر من جانب البعض الذين أصروا على أن النظام هو نفسه برأس جديد. أما ممثل التنظيم المصري فقد قال أنه سيذهب إلى مصر لاستطلاع الوضع، على أن يعود بعد أسبوع. وعاد الدكتور سالم ليشارك في الاجتماع التالي، حيث بدأ يعرض تقريرا بتوقعات لا تخلو من الإيجابية والأمل والثقة، فانطلق صوت السيد عبد الله العقيل بصيحة استنكار لا تخلو من الإهانة والاستعلاء، فتوقف الدكتور سالم عن مواصلة الحديث، فعاد أبو مصطفى ليقول: طيب أكمل أكمل ، فأبى قائلا:" أنا ما كملت جملة حتى هبيت في" فانطلقت صيحة أخرى: أنا مو كلب حتى أهب فيك . هذا مع أن كلمة " هب" كلمة فصيحة وتستخدم في سياق إيجابي، عندما نقول: هب لمساعدته، لنجدته، للقائه والترحيب به، هب لمواجهة العدو ... " وانتهت الجلسة، وانسحب الدكتور سالم نجم من اللجنة، وقد علمت فيما بعد أنه ترك الكويت وعاد إلى مصر ليعمل أستاذا في كلية الطب بجامعة الأزهر وقد حل محله في اللجنة الدكتور محمد طلبة زايد.

أما في مصر فقد مرت سنوات تخللتها حرب " أكتوبر 1974" وبعدها زيارة السادات للقدس وما تلا ذلك من معاهدة كامب ديفيد، فساءت علاقة الإخوان بنظام السادات، وفتحت لهم السجون مجددا بسبب معارضتهم للمعاهدة وانتقاداتهم للسادات، بيد أن المحنة لم تصل في عنفها واتساعها إلى ما كان يحدث في العهد الناصري.

حركة إسلامية جديدة 1971- 1984

وعدا عن الإخوان المسلمين المضطهدين الذين كانوا مغيبين في السجون والمعتقلات ظهرت على الساحة في هذه الفترة قوى إسلامية جديدة، شابة ونشطة، بل شديدة النشاط والحماسة، وكان ظهورها مفاجئأ، بعد انفلات القبضة الحديدية، الأمنية والثقافية المتمثلة في نظام جمال عبد الناصر وأنصاره من الماركسيين واليساريين والعلمانيين. وقد نبتت البذرة الأولى للحركة الإسلامية الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين بفطرته الجديدة من نخاع الشعب المصري المتدين ، فظهرت في السنوات الأولى من عهد السادات، وأخذت تنمو وتتمدد، من غير أن تتعرض لها الأجهزة الأمنية، وذلك انسجاما مع سياسة السادات الجديدة. ويحدثنا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن ولادة هذه الجماعة وتطورها بعد تغييب الإخوان المسلمين منذ سنة 1965 وامتدادا لما بعدها. ويبدو من روايته أنه صاحب هذه الحركة منذ ولادتها، بل إنه كان جزءا منها، وفي إطارها كانت ولادته السياسية والحركية .

ولد أبو الفتوح في منتصف أكتوبر 1951 في أسرة متدينة، وفي سنة 1970 التحق بالجامعة، وكانت رغبة والده أن يصبح طبيبا، فالتحق بكلية طب القصر العيني في جامعة القاهرة ، حيث حصل على مجموع عال في امتحان الثانوية. , " كنت أصلي مع زميل لي من المنيا اسمه عبد الشافي صاوي، على حصيرة متهالكة.. وكان دائما يتساءل : لماذا لا يأتي أحد للصلاة" معنا؟ كان ذلك في السنة الإعدادية طب، ضمن كلية العلوم. فلما ترفع إلى السنة الأولى طب وانتقل إلى كلية طب القصر العيني وجد أن مسجد الكلية يمتلئ ولكن من غير نشاط إسلامي. أما النشاط الذي كان شائعا ومتسيدا فهو نشاط الشيوعيين والناصريين المسيطرين على اتحادات الطلاب وعلى النشاط الثقافي، بما فيه مجلات الحائط، وكانوا يسبون الإسلام فيما يكتبونه فيها، ذلك ما أثار المتدينين ، ومنهم أبو الفتوح وزملاءه.

ولما اكتشفوا عجزهم وضعفهم، حتى في الحوار والمناقشة اتجهوا يسألون العلماء، ومنهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق والشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم. ثم اكتشفوا وجود أستاذ الباثولوجي في كلية الطب، الدكتور محمد عبد المنعم أبو الفضل، وكان إخوانيا ومتصوفا، ويعتبره الدكتور أبو الفتوح الأب الروحي للحركة الوليدة . وقد أسس الدكتور أبو الفضل لجنة التوعية الدينية ، فاتخذها الطلاب الإسلاميون مسربا بنشاطهم لكنهم فوجئوا بأنها تخضع لاتحاد الطلبة وتسلط اليساريين، ولذلك قرر الإسلاميون أن يستقلوا باللجنة، وغيروا اسمها إلى الجمعية الدينية، وبعد ذلك غيروا اسمها إلى " الجماعة الإسلامية" متأثرين باسم الجماعة الإسلامية في باكستان.

ومن غير إطالة وتتبع للتفاصيل وجد الطلاب الإسلاميون أن عليهم أن يتجهوا للسيطرة على اتحادات الطلبة من خلال الانتخابات، وتم لهم ذلك، وكانت آثار هزيمة 1967 وتحول توجهات وعواطف الشعب المصري ضد الناصريين واليساريين عاملا مساعدا وقويا. وقد ذهب الدكتور أبو الفتوح إلى القول بأن " الجماعة الإسلامية" التي ولدت في أحضان الجامعات المصرية يعز أن نجد لها مثيلا في تاريخ العمل الإسلامي والطلابي، وخاصة في مصر. لقد كانت هذه الجماعة تجربة فريدة في العلاقات الإنسانية والأخوية بين أبنائها، وكانت مثالا نادرا للتجرد والإخلاص، والرغبة الصادقة في العمل لنصرة دين الله، ولأجل الوطن.

ولا أبالغ إذا قلت ( والكلام للدكتور أبو الفتوح) : إن جيل السبعينات كان الأقوى والأكثر نضجا وتأثيرا بين كل أجيال الحركة الطلابية الإسلامية، ساعد على ذلك ظروف البلاد وأجواء الحرية التي عاشتها في عصر السادات، كما ساعد على ذلك أننا بدأنا من ى شئ، ولم ندرك مرحلة الإخوان السابقة علينا في الخمسينات ، وما أصابها من صراعات وخلافات.. لقد كنا نعيش فترة البراءة والفطرة النقية.. " كان هذا وصف الدكتور أبو الفتوح للحركة التي نشأ بها وفيها ومعها وقادها، ثم خلفه في قيادتها بعد تخرجه من الجامعة الدكتور عصام العريان الذي كان ضمن الدفعة التالية لدفعته. والحقيقة أنني ملت – في البداية- إلى شئ من التحفظ على وصف الدكتور أبو الفتوح، ولكنني عدت بذاكرتي أتتبع تطور حركة الدعوة منذ أنشأها حسن البنا رحمه الله سنة 1928، فوجدت أن الدكتور أبو الفتوح لم يبالغ.

الإخوان يتجهون إلى حصر نشاطهم في الإطار السلمي

وربما يبدو للباحث المتابع أن الإخوان أخذوا يتجهون- خلال هذه المرحلة الساداتية وما بعدها- إلى الاندماج في الحياة السياسية والابتعاد عن ممارسة العنف وعن استخدام السلاح في ميدان التنافس السياسي. ويمكن الاستدلال على ذلك من أنهم لم يعودوا لاستخدام ولم مارسوا العنف منذ بداية عهد السادات إلى الآن( 1971- 2008) وهذه الفترة تقرب من أربعين سنة، أي نصف عمر الحركة الإخوانية. وبدلا من العنف فقد حاولوا الانخراط في العمل السياسي السلمي، واستئناف أنشطتهم في حقل الخدمات الاجتماعية والعمل الخيري والتربوي. هذا بينما انغمست " الجماعات الإسلامية" المنشقة عن الإخوان ، سنوات طويلة في الصراع المسلح مع السلطات الحاكمة إلى أن استنفدت تلك الجماعات قواها وبلغت حد الإنهاك والعجز الكامل.

والحقيقة أننا نجد تأكيدا لحدوث هذا التغير فيما كتبه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح : " كانت الفكرة المسيطرة على مجموعتنا نحن ألا نستخدم العنف وإنما نعد أنفسنا لاستخدامه حين تقوى شوكتنا ونصبح قادرين على القضاء على هذا النظام الممسك بالحكم، ولكن الفرق بيننا وبين من مارسوا العنف وأطلقوا على أنفسهم اسم " جماعة الجهاد" ، أنهم تعجلوا الأمور ونفذوا ما اعتقدوه بسرعة ودون حسابات دقيقة . وقد ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينات، حتى بعد دخولنا جماعة الإخوان المسلمين ، إلا أننا بدأنا نراجعها تدريجيا.

وكان للأستاذ عمر التلمساني( المرشد العام للإخوان المسلمين) رحمه الله، الدور الرئيسي في حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمي ، ليس لدينا فقط – نحن أبناء الجماعة الإسلامية التي قررت الانضواء تحت لواء الإخوان المسلمين، بل ولدى كثير من الإخوان المسلمين أيضا من أجيال سابقة علينا، خاصة أبناء تنظيم 1965 الذي عرف بتنظيم سيد قطب . " انتهى كرم الدكتور أبو الفتوح.

ولكن هنا لابد أن يبرز سؤال: وماذا عن جماعة النظام الخاص الذين سيطروا على قيادة الإخوان؟ والجواب الذي أراه: أنهم قد تعلموا درسا من أحداث ثورة 25 يناير 2011، بل تعلموا دروسا وما زالوا يتعلمون، والممارسة أقوى أدوات تعلم الديمقراطية، سواء للأحزاب والجماعات أو للشعوب أو للأفراد. ونأمل أن يكون قرار الإخوان ممارسة العمل السياسي من خلال النشاط السلمي، والجهاد السلمي المخلص نهائيا لا رجعة عنه.

الفصل الثالث

المسار التنظيمي للإخوان المسلمين

لسنا نقصد بالحديث عن المسار التنظيمي أن نتناول بالوصف والدراسة والتحليل التفصيلي الهياكل التنظيمية التي صاغتها قيادة الإخوان المسلمين، وإنما الذي نقصده هو أن نتفحص مدى فاعلية هذه الأطر التنظيمية ، ومدى ضبطها للمسيرة في جانبها الحركي، أي من حيث القدرة على التعامل مع كل الظروف الداخلية في إطار الحركة، والظروف الخارجية المحيطة بالجماعة تعاملا مثمرا. وسنكتفي بإعطاء فكرة عامة وموجزة عن الهياكل التنظيمية باعتبار أنها شرحت بالتفصيل في مصادر أخرى وتضمنها النظام الأساسي واللائحة الداخلية للإخوان في رسالتين طبعتا ووزعتا على نطاق واسع خلال سنوات عديدة.

وسنتعرض في هذا الموجز لأربعة جوانب رئيسية من مسيرة الإخوان التنظيمية تشمل أهم ما في المسار:

1- الأطر القيادية.

2- التقسيم الجغرافي لتحرك الإخوان.

3- التقسيم النوعي للأنشطة.

4- مراتب العضوية.

أولا: الأطر القيادية وتسلسلها

كان المرشد العام هو رأس النظام في حركة الإخوان ، يرأس مكتب الإرشاد المكون من عشرة أعضاء بالإضافة إليه. وقد ذكر حسن البنا أن مكتب الإرشاد " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر لأرض". أما الإطار الأوسع من مكتب الإرشاد فهو الهيئة التأسيسية ، وكانت تتكون من مائة عضو، ويفترض فيها أن تجتمع مرة في العام . وكان لكل منطقة مكتب إداري، لكل محافظة من محافظات الدولة، ولكل شعبة نائب ومجلس إداري. وفي داخل الشعبة قسم الإخوان إلى أسر على رأس كل أسرة نقيب.

وكان عدد أعضاء الأسرة خمسة أفراد في الغالب ويمكن أن يوضح هذا الإطار التنظيمي في اللوحة المبينة:

المرشد العام

مكتب الإرشاد

الهيئة التأسيسية

المكاتب الإدارية

إدارات الشعب

النقباء

الأسر

الأفراد

ثانيا : التقسيم الجغرافي

اتبع الإخوان التقسيم الإداري الحكومي لأراضي الدولة المصرية إلى مديريات ، فجعلوا لكل مديرية " مكتبا إداريا" يصرف نشاط الدعوة فيها، له رئيس، ويضم أعضاء إدارة الشعبة الرئيسية في عاصمة تلك المديرية، كما يضم نواب الشعب التابعة لها. وكان لمدينة القاهرة مكتب إداري ، أي أن القاهرة عوملت كمديرية ، بجانب وجود المركز العام فيها.

ثالثا: التقسيم النوعي للأنشطة

أنشأ الإخوان عددا من الأقسام واللجان التي أنيط بكل منها الإشراف على لون من ألوان النشاط الذي مارسته الجماعة. وأهم الأقسام ما يلي:

1- قسم العمال

2- قسم الطلاب

3- قسم الكتائب والأسر.

4- قسم الجوالة.

5- قسم نشر الدعوة.

6- قسم الأخوات المسلمات.

7- قسم الوحدات.

8- قسم الخدمة الاجتماعية.

9- قسم الاتصال بالعالم الإسلامي.

10- النظام الخاص.

رابعا: مراتب العضوية

حدد الإمام الشهيد حسن البنا مراتب العضوية في أربع درجات:

(أ‌) الانضمام العام.

(ب) الانضمام الأخوي.

(ج‌) الانضمام العملي.

(د‌) الانضمام الجهادي.

ويبدو لي – من خلال خبرتي العملية بأوضاع الإخوان- أن مراتب العضوية لم تكن قانونا أو عرفا مستمرا إلتزمه الإخوان، على الرغم من أن مرشد الإخوان الأول هو الذي أورد ذكرها. وربما تكون قد روعيت في فترة محدودة من الزمن ثم أهملت في سياق درجات متفاوتة من التراخي. والحقيقة أن بعض الجوانب التنظيمية وبعض الأطر التي عددنا اتسمت بوضع شكلي لا يؤخذ مأخذ الجد في وقت الأزمات، بما في ذلك مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية .

فبالرغم من قول الإمام البنا عن مكتب الإرشاد بأنه " هو السلطة العليا للإخوان المسلمين في سائر بقاع الأرض.." وقول الأستاذ محمود عبد الحليم عن الهيئة التأسيسية بـأنها " الهيئة العليا للدعوة، يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات.."، بالرغم من كل هذه الأقوال، فإن هاتين الوحدتين لو تقوما بشيء مما نسب لهما من مهمات أساسية ، بل كان الطابع الفردي هو الغالب على تسيير أمور الدعوة كما سنرى. أما التقسيم الجغرافي والتقسيم النوعي للأنشطة فلا مراء في أنها كانت تقسيمات مفيدة من الناحية العملية إلى حد كبير. بيد أن النظام الخاص -السري ـ الذي لم يرد ذكره بين التقسيم النوعي للأنشطة في كتب الإخوان طغى على هذه التقسيمات جميعا، وقزم أدوار كل الوحدات التنظيمية.فكان فيه وفي طغيان الطابع الفردي في القيادة بعض أو جل مقاتل الحركة الإخوانية.

أمثلة من الثغرات القيادية

ولنستعرض الآن بعض الأمثلة العملية من مسار الإخوان التنظيمي لنستكشف من خلالها الملامح العامة التي ميزت الحركة. وستتضح الصورة للقارئ أكثر فأكثر حين يعود إلى الكتب التي أرخت لحركة الإخوان بأقلامهم والتي عددناها بين مراجع هذا البحث.

إن أول ما يلاحظه الباحث في ذلك حرص الإخوان على الانتشار السريع. فبالرغم من أن حسن البنا قد نوه بفضل التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج إلا أن حرصه على الانتشار السريع حمله على إهمال ذلك المنهاج، أعني التأني في التربية والعناية بالتكوين والتدرج. ومن الملفت للنظر أن يعد جسن البنا خصائص الدعوة فيذكر من بينها:" سرعة الانتشار في القرى والبلاد.." وكأنه يحض عليها ويفخر بها.

وثمة سمة بارزة أخرى في نهج الإخوان التنظيمي تمثلت في حرصهم على ضم الشخصيات ذات الأهمية الكبيرة في المجتمع والتسرع في وضعها في مراكز قيادية وتوجيهية، وذلك على الرغم من تنويه الأستاذ البنا رحمه الله بضرورة " البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان" وقد بدا هذا الحرص واضحا في تصرف المرشد البنا نفسه واعتقاده بإمكان كسب الملك فاروق نفسه إلى صف أنصار الدعوة، بل ولقد اقتنع هو وإخوانه بأنه كسبه فعلا. وفي هذا الإطار أيضا كان سعيه للاتصال برئيس الوزراء محمد محمود باشا، وبرئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا من بعده. ويبدو لي أن هذا الحرص على الانتشار السريع والانهماك وبذل الجهد من أجل تحقيقه إنما نشأ عن إحساس الإمام البنا بأنه مقبل على معارك لا تحتمل التأجيل بهدف تحرير مصر من الاستعمار البريطاني من ناحية، وإنهاء العبث والفساد السياسي الذي غلب على ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية المصرية ، غير أن التسرع وحسن النية قاداه بعيدا عن الجادة الصحيحة.

من المعروف أن انتشار الحركة في سنيها الأولى ظل محصورا في الإسماعيلية ومحيطها خاصة، وفي الوجه البحري بصفة عامة، واستمر ذلك إلى ما بعد انتقال المرشد الأول للعمل في القاهرة ( سنة 1932م) ببضع سنوات. ومن الطبيعي أن يكون المؤسس هو القيادة – في مرحلة الطفولة، شأنه شأن الزوج والوالد في العائلة الناشئة عن زواج جديد. وقد كان الأمر كذلك. وقبيل انتقال الأستاذ البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة كان إخوانه يتوقعون ذلك ويخشون حدوثه، باعتبار أن المرشد كان موظفا ، يعمل مدرسا في وزارة المعارف العمومية.

ويحدثنا الأستاذ المرشد عن الهواجس التي راودت الإخوان بقوله:" وكان الإخوان يخشون انتقالي من الإسماعيلية قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا على التفكير جديا في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالانتقال، ونؤخذ على حين غرة. ورأيت الفكرة وجيهة فشغلتني حينا، وأخيرا رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ على الجداوي، وهو من أفضل الإخوان خلقا ودينا، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة.. ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على الإخوان فكرة إخوانهم من ترشيح نائب للإخوان يقوم بالعبء بإشراف قبل أن نفاجأ بنقل أو نحوه، فرحبوا جميعا، وعرضت عليهم ترشيحي ، فوافقوا عليه بالإجماع..".

ودلالة ههذ الحادثة واضحة.. فهي تبين لنا شخصية القيادة، فقد كانت الحركة- في ذلك الوقت المبكر ، بعد أربع سنوات من تأسيسها- تضم عددا من العلماء الأزهريين وغيرهم ممن تلقوا تعليما في الجامعة المصرية، ومع ذلك فقد كان شعورهم أن القيادة مركزة في شخص المؤسس . وليس غريبا أن يكون الوضع على هذا النحو في تلك المرحلة من عمر الدعوة، وقد استمر هذا النهج رغم حرص المرشد العام على استشارة إخوانه سواء بطريقة عفوية أو بطريقة تنظيمية. فقد دعا إلى اجتماع عام يشارك فيه " حضرات نواب فروع الإخوان المسلمين بالقطر المصري.. يعقد المؤتمر بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس " 22 سفر سنة 1352هـ ( 19 يونيو 1933م) وسمي ذلك المؤتمر " اجتماع مجلس الشورى العام" . وبناء على قرارات ذلك المجلس تم تشكيل مكتب الإرشاد الذي ضم عشرة أعضاء بالإضافة إلى المرشد العام.

طريقة فتح الشعب

ولقد كان فتح الشعب وضم الناس إلى الدعوة يتم بطريقة عفوية وكأن الهدف هو ضم أكبر عدد ممكن من الأفراد، دون اعتبار لما قد يحدثه بعضهم من مشاكل وهزات تهدد كيان الحركة، ودون اعتبار لأن اللبنات الضعيفة قد تذوي وتنهار في أحرج الظروف ، مهددة البناء كله. ولنستمع إلى الإمام الشهيد يحدثنا عن طريقة تأسيس إحدى شعب الإخوان:" .. وبجوار الإسماعيلية وبعد المعسكر( معسكر الجيش البريطاني) تقع أبو صوير المحطة، وتبعد عن الإسماعيلية نحو خمسة عشر كيلو مترا، وفيها يقطن كثير من العمال الذين يعملون في معسكرات أبي صوير ومدرسة الطيران، ومعهم عدد من التجار والمزارعين.

زرت أبو صوير وبدا لي أن أنشئ فيها فرعا للجمعية بالإسماعيلية، فأخذت أتفرس في وجوه الناي في القهاوي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت دكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله. وكان رجلا وقورا مهيبا سمحا فيه صلاح وله منطق ولسان، فسلمت عليه وجلست إليه وإلى من معه في الدكان، وقدمت إليه نفسي والغرض الذي من أجله زرت أبو صوير وأنني توسمت فيه الخير ليحمل أعباء هذه الدعوة، وأخذت في حديثي ألفت نظره ونظر الجالسين إلى نقط أساسية: إلى سمو مقاصد الإسلام وعلو أحكامه وإلى ما في المجتمع من فساد وشر وسوء مالي، وأن ذلك ناتج عن تركنا وإهمالنا لأحكام الإسلام.. وكان الرجل من معه يصغون باهتمام، ولكنهم لم يفقهوا بادئ ذي بدء إلا أنها دعوة خيرية أو استدراج إلى سماع درس ألقيته عليهم وأبى لطفه إلا أن يدعوني إلى الغداء ويحضر لي القهوة، فاعتذرت عن الغداء وأردت الانصراف، ولكنه شدد وأشار علي في أن القي درسا في المسجد في مصلى البحر.. فاخترت أن القي الدرس في القهوة..".

" وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل أحمد أفندي دسوقي وقررنا إنشاء شعبة الإخوان المسلمين في أبو صوير.. ولأنني لست مقيما بالبلد، ولأن أحمد أفدي دسوقي – وهو الذي اختير رئيسا للشعبة- ليس عالما، وهو كذلك مشغول بالتجارة لم يستطع أن يصمد للمنافسات والخصومات والأقاويل المختلفة، فكان يدع الأمور بدون علاج فتنحل الجماعة أو تكاد، وإنما تتجمع حين أعود إلى زيارتهم مرة أخرى.." وقد اهتدى البنا بعد ذلك إلى شخص أقدر على قيادة الدعوة وهو ناظر المدرسة، فنجحت الدعوة. ويتحدث الأستاذ البنا عن المتاعب التي كان يلقاها من بعض من يسند إليهم بعض المسئوليات، فيذكر أن اثنين من هؤلاء جاءاه ليحدثاه" بخصوص نظام مجلس الإدارة. إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة الإخوان المسلمين، وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها وتنفيذ منهجها الواسع.. إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فعم يتنافسون على حيازتها، وتقع بينهم العداوة والبغضاء".

طريقة اختيار القياديين لتحمل المسئولية

وحتى بعد انتقال المرشد العام إلى القاهرة وتحول مركز الثقل في حركة الإخوان إلى العاصمة ظل اختيار الأشخاص الذين توكل إليهم المهمات والمسئوليات يتم بطريقة متسرعة هي أقرب إلى العشوائية، والإسراف في التفاؤل وحسن الظن بالأشخاص، دون اختيار. ومن أمثلة ذلك أن مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية التي أصدرها الإخوان في 28 صفر سنة 1352هـ ( 22 حزيران / يونيو 1933م) والتي اعتبرت آنذاك من أعظم وسائل نشر الدعوة، واستلزم الإعداد لصدورها جهدا كبيرا ، ما لبث أن ضاعت من الإخوان بعد فترة قصيرة، إذ " تسلل إلى التحرير أحد الذين يجيدون السبك والخديعة.. فأراد أن يتخذ من جريدة الإخوان الأسبوعية.. سبيلا إلى مآربه، ولكن الدعوة .. نفته وأقصته إقصاء لا رجعة بعده، ولكنها – في سبيل هذا الإقصاء – فقدت ترخيص هذه الجريدة معه.." إذ أن الترخيص كان باسمه، وقد سماها بعد ذلك باسم آخر.

" واستصدر الإخوان بعد ذلك رخصة أخرى باسم مجلة النذير ( سياسية أسبوعية) ، وصدر العدد الأول منها بتاريخ الاثنين 29 من ربيع الأول 1357هـ ، ويوافق مايو سنة 1938م " ولكن لم تكد تمضي سنتان على صدور المجلة الجديدة حتى ضاعت هي الأخرى مثل سابقتها، حيث " انفصل صاحبها الأستاذ محمود أبو زيد عن الإخوان، وبعد ذلك صارت تنطق باسم شباب سيدنا محمد".

ويمكن أن يستنتج الباحث من هذين المثالين ما ترتب على عدم تميز دعوة الإخوان بفكر إسلامي خاص، حيث اكتفت بطرح شعارات عامة وتجنب كل ما يمكن أن يثير الخلاف، فقد كان كل من يعلن ولاءه للإسلام ، أو من يبدو عليه ذلك، ويظهر استعدادا للعمل تحت راية الجماعة يستقبل بترحاب، ويفتح له الباب على مصراعيه للانخراط في الحركة، وتناط به المسئوليات ويعطى السلطات الكبرى داخل الجماعة بتسرع ظاهر، سيما إن أبدى شيئا من النشاط منذ البداية، أو شيئا من معسول الكلام ، أو كانت لشخصيته بعض الأهمية الحقيقية أو الشكلية .

وكيل الجماعة ( المسئول الثاني بعد المرشد)

السيد أحمد السكري، كان عضوا قديما في جماعة الإخوان، منذ سنيها الخمس الأولى، وكان رئيسا لشعبة المحمودية في مديرية البحيرة. ولم يكن المرشد العام حسن البنا راض عن أسلوب أحمد السكري، حتى أنه كتب في يومياته قبل انتقاله إلى القاهرة سنة 1932م : " إن فرعي جمعية الإخوان بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيرا، لأنها نشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين .." وفي سنة 1937م لاحظ الأستاذ محمود عبد الحليم أثناء زيارته للمحمودية أن أحمد السكري كان يحقد على حسن البنا- الذي هو قائده ومرشده حسب مفهوم الدعوة- وينظر إليه بشيء من التعالي ، ولا يتحرج في التهوين من شأنه أمام الآخرين. وفى تلك الفترة تجلى نجاح الدعوة في القاهرة، وعلى صعيد القطر المصري، فقرر أحمد السكري أن يتشبث بالحصان السابق- حسب ما نفهم مما كتبه الأستاذ محمود عبد الحليم الذي واكب تلك التطورات عن قرب.

ولم يلبث أحمد السكري أن انتقل إلى القاهرة، ليكون قريبا من حسن البنا، ولم يمض طويل وقت حتى عينه البنا وكيلا عاما للجماعة سنة 1938م ، في منصب يلي منصب المرشد العام في الأهمية.

ورغم ذلك شاهد الأستاذ محمود عبد الحليم من أحمد السكري مظاهر سلوكية تؤكد استمراره في منحاه الأول، وقد حاول أن يثنيه عن ذلك، لكن المحاولة لم تفلح، وإذ ذاك قرر نقل الأمر إلى المرشد نفسه، فاختار ساعة خلوة معه- وكان محمود عبد الحليم من أقرب الإخوان إليه- وروى له كل ما عرفه ولاحظه بالنسبة للأستاذ أحمد السكري وما دار معه من مناقشات تتناول عدم احترامه للمرشد.

وقد ذكر محمود عبد الحليم أنه أحجم عن نقل ألأمر إلى الأستاذ البنا في البداية لكي لا يزيد النار ضراما، ولكن عندما أصبح السكري وكيلا للجماعة ومع ذلك استمر على نهجه القديم قرر محمود عبد الحليم أن يصارح المرشد بالخطر المتربص بالدعوة، باعتبار أن مصلحة الدعوة أكبر من الحساسيات والأشخاص، فماذا كان رد المرشد؟ يقول الأستاذ محمود عبد الحليم:

" فلما رأى الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع، ووجه إلي عبارات كأنما يسرها أذني، وقال: والله يا محمود إنني كنت أعرف كل ا لذي قلته من قبل أن تقوله، وأعرف أكثر منه، وقلبي يتقطع ألما لهذا الذي أعرفه، ولكنني كنت حريصا على أن لا يعرف ذلك أحد غيري، أما وقد عرفته فأستحلفك بالله لا تفضي لأحد به، وتجعل ذلك سرا بيني وبينك، وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب، فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن".

وظل أحمد السكري يشكل بتطلعاته بؤرة ضعف في جسم الدعوة حتى سنة 1947م عندما طعن الجماعة في فترة من أحرج فترات حياتها، وأخذ يكتب في بعض صحف الوفد مهاجما الجماعة، منفسا عن أحقاده إلى أن طرحه الوفديون جانبا بعد أن استخدموه. وقد علق الأستاذ محمود عبد الحليم على هذا الموقف بقوله:" كان الأستاذ أحمد السكري أعز على نفس المرشد من أن يراه مخطئا فلا يقيل عثرته، وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده، ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت على بصيرته حتى لم يعد يرى أبعد من موطئ قدمه، مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضنهم بضاعتهم الكذب، وهدفهم الاستغلال.

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقيله فيها من عثرته، بعد أن كتب ما كتب، أو بالأحرى والأدق، بعد ما استكتبوه ما أرادوا، فأوغر بذلك صدور الإخوان في كل مكان . وهكذا انقلب الوكيل العام للجماعة إلى أداة بيد خصومها. ويحق لنا أن نعجب عندما نقرأ المرشد العام كان يعرف دخيلة نفسه من قبل أن يعينه وكيلا سنة 1938م، ويعرف ضيق الإخوان من تصرفاته، ومع ذلك عينه، وظل السكري ما يقرب من عشر سنوات يشغل منصب الرجل الثاني في الحركة، حتى انتهى أمره على النحو الذي أشرنا إليه بالنسبة لوقوعه في مصيدة حزب الوفد ليستخدم ضد الإخوان.

السيد المستشار المحامي حسن العشماوي

ومنذ سنة 1950م أعطي الأستاذ حسن العشماوي مكانا في الصف القيادي لحركة الإخوان على الرغم من صغر سنه وقصر فترة عضويته، وما ظهر من تصرفاته فيما بعد من ضعف ولائه للدعوة. والذي أرجحه إن الإخوان لم يعطوه هذه المكانة إلا لأنه ابن محمد العشماوي باشا، الوزير السابق. وسيتبين لنا في الفصل السادس الدور الذي لعبه لأستاذ العشماوي في أحلك الظروف، وأصعب المآزق التي مرت بها حركة الإخوان، وسيجد القارئ عنها شيئا من التفصيل.

النظام الخاص

النظام الخاص عبارة عن تنظيم سري جرى تشكيله ضمن جماعة الإخوان المسلمين ليكون النواة الصلبة للحركة، ولذا كان يفترض أن يختار له الأشخاص الذين يظن فيهم صدق الإيمان، ويقظة الوعي، وعمق الفهم لأهداف الدعوة، والاستعداد لبذل النفس والجهد والمال في سبيل الله. وقد أطلقت الحكومة على هذا النظام اسم " الجهاز السري" .

وعندما عول حسن البنا على تكوين هذا النظام شكل ذلك لجنة خماسية لتتولى تكوينه وتطويره والإشراف المستمر عليه. وكان ترتيب الأشخاص الخمسة من حيث تولي السلطة وتحمل المسئولية بحيث يكون الأستاذ صالح العشماوي رأسا لهذه اللجنة القيادية، يليه حسين كمال الدين فمحمود عبد الحليم، فحامد شريت، فعبد العزيز أحمد. ولكن يبدو أن الذي تحمل العبء الفعلي شخص واحد، إذ يخبرنا الأستاذ محمود عبد الحليم قائلا: "وعند مباشرة العمل وجدت نفسي أشبه بالعضو المنتدب لهذه القيادة حيث رأيتني أعمل وحدي، ولعل ذلك لأن الإخوان في القيادة رأوا أنني أوثقهم صلة بالطلبة – باعتباري مندوبا للطلبة – والطلبة هم العنصر الأساسي في جميع التكوينات.

كان هذا أول خلل خطير يواجهه التنظيم. ومن الواضح من رواية أحد المؤسسين ، وهو الذي تولى العبء الأكبر في المرحلة الأولى، أن روح التوكل قد سيطرت على أربعة من أعضاء لجنة التأسيس والقيادة الخماسية فاكتفوا بإلقاء العبء على أحدهم. والمبرر هو الثقة في إخلاص الأخ ونشاطه وقدراته، وربما كان بجانب ذلك انشغالهم بقضايا إخوانية أخرى.

ثانيا : أما الخلل الثاني فكان أخطر من سابقه وأبعد أثرا، وأكثر مجلبة للكوارث على الدعوة. لقد وجد العضو القيادي الفعال الوحيد نفسه مضطرا للانتقال من العاصمة للعمل في مدينة دمنهور، ولما كان الأعضاء القياديون الآخرون بعيدين عن ممارسة أي جهد تنظيمي أو توجيهي أو إشرافي بالنسبة للنظام فقد اتجه نظر الأستاذ محمود عبد الحليم ، - بموافقة المرشد العام- إلى إيجاد شخص يحل محله في قيادة التنظيم والإشراف عليه، فكيف تم الاختيار؟ ونظرا لأهمية هذه الحادثة في تفسير ما تعرض له الإخوان من عثرات فإننا سندع الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه يحدثنا بكلماته عن هذه الخطوة:

" لما استقر الرأي على أن التحق بهذه الوظيفة وأن أكون بذلك بعيدا عن القاهرة، وكان الأستاذ المرشد على علم بأنني أكاد أكون المباشر الوحيد- دون زملائي في القيادة- لمهمة الإشراف على ( النظام الخاص) طلب إلي الأستاذ أن أستخلف من يباشر الإشراف على هذا النظام. وقد نظر فإذا جميع أعضاء هذا النظام مرتبطون بأعمال تشغل أكثر وقتهم وتستفرغ معظم جهدهم. والإشراف على هذا النظام يحتاج إلى تفرغ أو ما يقرب من التفرغ على الأقل، كما يحتاج إلى صفات معينة تتناسب مع خطورة هذه المهمة.

منذ التحقت بكلية الزراعة كنت أسكن بالجيزة، وفي السنة الأخيرة لي بالكلية اتخذت لي سكنا مع بعض الإخوان في منطقة خلف مباني الجامعة تسمى ( بين السرايات) وكانت الشقة التي نسكنها في الدور الأول من منزل رجل صالح كان يحبنا ونحبه. فلما جاءه ساكن للدور الأرضي من المنزل رأى أن يستشيرنا، وكان الساكن طالبا في كلية الآداب ومعه شقيقه الطالب بالمدارس الثانوية . فلما التقيت بالشابين وتحدثت معهما شمت فيهما الصلاح والخلق الفاضل، فصارا من جيراننا. وكان هذان الجاران هما عبد الرحمن السندي وشقيقه. ثم كان أن جاء الأخ عبد العزيز كامل ليلتحق بكلية الآداب، وكان من إخوان الإسكندرية الذين أعرفهم، وكان يريد أن يسكن قريبا منا، فسكن مع هذين الجارين مستقلا بحجرة من هذه الشقة.

ولما كانت صلتي بالأخ عبد العزيز تقتضي أن أكثر من زيارته لأونسه من ناحية، ولأنه كان قد التحق بقسم الجغرافيا بكلية الآداب، وكنت أحب أن أطلع على بحوث شائقة لهذا القسم في الأجناس والطبائع وما شابهها من ناحية أخرى.. لذا كثر ترددي على هذه الشقة، فكان هذا التردد فرصة للتحدث مع الساكنين الآخرين بها. وقد لاحظت على عبد الرحمن الهدوء والرزانة والجد، كما لاحظت إقباله علي إقبالا يوحي بأن الدعوة التي عرضتها عليه تملك شغاف قلبه وتشعر بتشوقه إلى يوم يفتديها فيه بنفسه.

وظللت طيلة ذلك العام على اتصال وثيق به، حتى أنه كان لشدة ثقته بي، وفرط حبه لي يعرض علي مشاكله الخاصة. فلما وثقت به تماما عرفته بالأستاذ المرشد باعتباره عضوا( بالنظام الخاص) . وقد فهمت منه أثناء ما عرضه على من شئونه الخاصة أن له إيرادا يمكن أن يقوم بشئونه. فلما كنت بصدد اختيار من يخلفني في الإشراف على ( النظام الخاص) تذكرت عبد الرحمن، فرجعت إليه لألم بظروفه التي طرأت منذ انتهت دراستي بالكلية وغادرت ( بين السرايات) ففهمت منه أن كل الذي طرأ عليه هو أنه لم يوفق في امتحان تلك السنة وأنه الآن يعيد السنة الأولى، فشرحت له ظروفي وأنني مضطر أن أكون خارج القاهرة، وأنني أبحث عن شخصية تخلفني للإشراف على ( النظام الخاص) واشترط أن تكون مستوفية شروطا معينة، وقلت له، إن هذه الشروط تكاد أن تكون مستوفاة فيك عدا ( التفرغ) فهو ليس بالأمر الميسور. فقال لي: إنني أشكر لك حسن ظنك بي – وأنت تعلم أولا أنني مريض بالقلب، ومعرض للموت في كل لحظة ، وأحب أن تكون موتتي في سبيل الله، كما تعلم أن لي إيرادا- وإن كان محدودا- إلا أنه يعينني على مطالب الحياة الضرورية، وتعلم كذلك أنني رسبت في السنة الأولى بالكلية ( كلية الآداب) ، وإنني أعيدها.

وقد استقر رأيي على الانقطاع عن الدراسة، وسألتحق بوظيفة في وزارة الزراعة ، بالثانوية العامة، وبذلك يتوفر لي عنصر التفرغ الذي تطلبه. وعرضت الأمل على الأستاذ المرشد فوافق عليه، وأحضرت عبد الرحمن للأستاذ المرشد حيث بايعه على أن يقود هذا النظام، وعلى أن لا يقدم على أية خطوة عملية إلا بعد الرجوع إلى لجنة القيادة، ثم إليه شخصيا. وسار عبد الرحمن بالنظام سيرا موفقا فحاز حب من يليه من القيادات..".

إنني أعتذر للقارئ الكريم عن هذا الاقتباس الطويل، فربما كان يفضل أن ألخص له فحواه في بضعة سطور، بيد أنني آثرت نقل النص كاملا ليستوعب القارئ المنطلقات التي انبنت عليها الممارسة التي نتحدث عنها والتوجهات التي طبعتها، وهذا لا يتأتى من خلال تلخيص الأفكار.

وفيما يلي بعض الملاحظات.

أولا: أول ما نلاحظه أن الاختيار والقرار والتنفيذ في هذا الموضوع الخطير تم بين المرشد العام وأحد الأعضاء الذين اختيروا لتأسيس قيادة النظام الخاص، أعني الأستاذ محمود عبد الحليم، ولم يحط مكتب الإرشاد علما بالموضوع، ولا باقي أعضاء اللجنة التي كان يفترض أنها تشرف على النظام الخاص.

ثانيا: أن عبد الرحمن لم يتعرف على دعوة الإخوان وينضم إليها إلا قبل سنة وبعض سنة فقط من إناطة قيادة أهم قسم وأهم مجموعة في الحركة به،

ثالثا: أنه كان فاشلا في دراسته، إذ رسب في السنة الأولى بكلية الآداب، وكان عند اختياره ما زال يعيد السنة الأولى، فانقطع عن الدراسة،

رابعا: أنه كان مريضا بالقلب،

خامسا : أنه كان صغير السن قليل التجربة،

سادسا: وحتى مسألة استعداده للتفرغ تبدو غامضة، لأن النص نقلناه يفيد أنه كان سيجمع بين الإشراف على النظام الخاص والتوظف بالثانوية العامة في وزارة الزراعة . وقد تأكد أنه ظل يجمع بين رئاسته للنظام ووظيفته في تلك الوزارة حتى صدور قرار الحكومة بحل جماعة الإخوان سنة 1948م .

ولكن محمود عبد الحليم لم يلق بالا لهذه الحقائق السلبية في شخصية السندي عندما اختاره لرئاسة النظام الخاص سنة 1940، وانخدع بقليل مما تظاهر به السندي. وكال له المديح الذي نفخ في شخصيته على الصورة التي رسمتها العبارات المقتبسة قبل قليل ، في الصفحة السابقة. وبعد اثنتى عشرة سنة تقريبا نجد محمود عبد الحليم يتذكر القصور الذي غفل عنه أو لم يلاحظه سنة 1940، وذلك في تعليق له على مسلك السندي عندما سقط فريسة سهلة في يد عبد الناصر أثناء الصراع بين الإخوان والثورة سنتي 19531954 .

فهذا محمود عبد الحليم يقول لنا ضمن تعليقه على تلك الأحداث : " .. وحسب القارئ أن يتصور موظفا صغيرا في وزارة لزراعة ( السندي) ، مؤهله الثانوية العامة يجد رئيس الحكومة ( عبد الناصر) يطلبه فيستقبله في مكتبه استقبال الند للند، أمام رجال الحكم، ثم يجلسه إلى جانبه، ويمضي ساعات في الحديث إليه منفردين، لا يسمح لأحد مهما علا شأنه بالدخول عليهما- وقد تنتهي الجلسة الطويلة بأن يصحبه إلى منزله فيتغديان معا.. فكان هذا للسندي مبعث غرور وزهو واستعلاء. ومن هذا المنطلق كان سلوكه الشائن المخرب الذي تمت جولاته بتدبير أثيم في عبد الناصر .." وكان عبد الناصر يستخدم نفس الأسلوب مع من يريد أن ينتقيهم من قيادات النظام الخاص.

وهكذا تبين لمحمود عبد الحليم بالذات ، أن اختياره لعبد الرحمن السندي لم يكن في محله، ليس من حيث كفاءته فحسب، بل ومن حيث انضباطه وطاعته لقيادة الحركة وولائه لها، ولكنه اكتشاف تأخر عن وقته زمنا طويلا.

غرور الرئاسة

من المعروف أن العمل في أجهزة المنظمات السياسية السرية يقوم على الطاعة، والتنفيذ الدقيق للتعليمات دون مناقشة، وقبل ذلك وبعده يقوم على الثقة المطلقة في الرئيس المباشر، والإخلاص الكامل للمنظمة وقيادتها ورئاسة التنظيم، ذلك أن عمل المنظمة السرية يتم تحت وطأة خطر الانكشاف أمام الخصوم، والانكشاف قد يؤدي إلى كارثة للأفراد والجماعة على السواء. لذا فإن هذه القواعد من الطاعة ودقة التنفيذ، والثقة والإخلاص، لابد أن تحكم عمل جميع المنظمات السرية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.

ومعنى ذلك أنه لا مجال أمام الأعضاء للحوار أو الاعتراض أو التساؤل، لأن المفروض أن القيادة هي التي لديها المعلومات والقدرة على الفهم ولديها السلطة. أي أن الشورى ، أو الديمقراطية لا محل لها في العمل السري، إلا أن تكون استثناء من القاعدة، وبمبادرة وحرص شخصي من جانب بعض القادة الأفراد.

وفي حالة "النظام الخاص" أو " الجهاز السري" للإخوان فقد كان المفروض أن الجهاز أحد أدوات الحركة، وأنه يخضع لقيادتها ويلتزم ويتقيد بتنفيذ تعليماتها والاهتداء بسياساتها. ولقد كان ذلك الخضوع والالتزام والتقيد المفترض هي الضمانات التي تكبح أي انحراف ينزلق إليه الجهاز. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال، لأن روح الثقة المفرطة انقلبت إلى اتكالية، وسيطرت فكرة فردية القيادة وحرمت الجماعة من إدراك فوائد النظام والرقابة والمحاسبة على الصغيرة والكبيرة وأفسحت المجال لكثير من الانحرافات.

ولقد كان المفروض في الجهاز السري أن يضم الإخوان الأوفر تربية، والأكثر إخلاصا واستعدادا للبذل والتضحية بالنفس والدم فضلا عن الجهد والمال. ولذا فقد نظر إخوان الجهاز السري إلى تنظيمهم على أنه قلب الحركة وجوهرها. وما دام الجهاد هو "ذروة سنام الإسلام" ، وما داموا هم القسم المنوط به الاضطلاع بواجب الجهاد فقد كان من السهل على قيادة التنظيم أن تعتقد أنها ومن تحت يدها هم الحركة والجماعة، وأن من عداهم مجرد أجزاء هامشية وشكلية لا قيمة كبيرة لها. وهكذا يتحول قائد النظام إلى اعتبار نفسه حارس الجماعة والوصي على الحركة، خاصة بعد استشهاد حسن البنا سنة 1949م ، واستحالة وجود خلف يكون له وزن مؤسس الحركة ومكانته واحترامه في النفوس، الأمر الذي مهد للمواجهة بين المرشد العام الهضيبي من جهة وقائد الجهاز السري عبد الرحمن السندي من جهة أخرى.

استبداد قائد الجهاز السري في حياة حسن البنا

ليس من الصعب أن نعرف الأسباب التي أعطت حسن البنا مكانة أقرب إلى القداسة في نفوس أكثر الإخوان، فمن خلال نظراته الواثقة، وإخلاصه، وتضحياته وطاقاته وفنائه في الدعوة التي نذر نفسه لها، بالإضافة غلى مواهبه القيادية والتوجيهية والتربوية والخطابية، وشخصيته الجذابة ( الكارزمية) من خلال ذلك كله نشأت حركة الإخوان ونمت وازدهرت. ومع كل هذا فإن زمام عبد الرحمن السندي- ومعه الجهاز السري- أفلت من يد المرشد المؤسس في السنتين الأخيرتين من حياته.

ويذكر القيادي الإخواني، الصاغ صلاح شادي أن عبد الرحمن السندي لم يكن يعطي المرشد العام حسن البنا حقه في الاحترام، وكان يتصرف معه كما لو كان ندا له، ويعرفنا أن حسن البنا لم يكن غافلا عن نزعات السندي ، ولكن .. " هل يقوم وهو في رئاسة النظام أم تنزع عنه السلطة؟ لم تكن الإجابة.. بالأمر الهين، ولكني أدركت في نهاية الأمر أن المرشد لم يكن مخدوعا، ولم يتوقف عن علاج أمراض أتباعه، ولم يدخر وسعا في وضع الرجل الصالح في مكانه المناسب، ولكن عاجلته منيته قبل أن يتم رسالته.." ولقد أورد صلاح شادي بشيء من التفصيل ، كيف قاد السندي الجهاز السري للقيام بعمليات لم يرض عنها المرشد حسن البنا ، مثل اغتيال القاضي أحمد الخازندار رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف، واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي.

وقد وجدت أن الأستاذ محمود عبد الحليم يؤكد قول صلاح شادي بأن اغتيال القاضي الخازندار لم يكن بأمر المرشد، بل كان انحرافا عن الطريق الذي حددته قيادة الدعوة، وقد تبرأت قيادة الإخوان من هذا العمل، وبعد ذلك أصدر حسن البنا بيانين أحدهما بعنوان " بيان للناس " والآخر بعنوان : " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين" يستنكر فيهما اغتيال رئيس الوزراء النقراشي، كما يستنكر حادثة محاولة نسف محكمة الاستئناف. وفي أثناء لقاء لي مع الأستاذ سعد الدين الوليلي. وصف مقدار الصدمة التي أصابت الإمام الشهيد حسن البنا عندما علم باغتيال الخازندار ، حيث كان معه في تلك اللحظة ورأى بعينه مدى استنكار المرشد لذلك العمل الأخرق.

السندي ينشق عن قيادة حسن الهضيبي

إذا كان ذلك موقف السندي في ظل الإمام الشهيد حسن البنا فليس من المستغرب أن يكون أشد تطرفا في موقفه من خليفته الذي افتقر إلى كثير من المزايا التي حازها مؤسس الحركة. ولعل ما شجع السندي على موقفه التمردي أن المرشد الجديد جئ به من خارج صفوف الإخوان ليوضع على رأس جماعتهم. لقد كان واحدا من أصدقاء الإخوان المتعاطفين معهم من بعيد.

ومهما يكن من أمر فقد قبلت القيادات الإخوانية بالأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما وخليفة لحسن البنا ، وأبدى جميع الإخوان قبولا عاما بما حصل، ولم يظهر اعتراض من أحد في بادئ الأمر. إلا أن الخلاف ما لبث أن انفجر بعد مضي فترة ليست بالطويلة، ولقد كان منطقيا أن تخضع قيادات الجماعة وأجهزتها وسياساتها لعملية تقويم وإصلاح شاملة بعد محنة سنة 48- 49 ومقدماتها ثم ما نتج عنها. ربما لأنهم أرادوا إبقاء الأوضاع على ما كانت عليه، لأن الخطأ لم يكن-من وجهة نظرهم- في أوضاع الإخوان، بل جاء من الخارج، من تآمر الأعداء وحقدهم على الدعوة. ولعل بعض الإخوان رأى أن الإصلاح المنشود ينبغي أن يتم بغير طريقة حسن الهضيبي، وكان عبد الرحمن السندي من أبرز المعارضين.

وقد روى الأستاذ محمد الطبجي- رحمه الله- للمؤلف الحالي قصة الخلاف بين الهضيبي والسندي بإيجاز، ورواية الطبجي تعكس وجهة نظر السندي بطبيعة الحال. قال: إن عبد الرحمن السندي لم يعترض عندما عول المرشد الجديد على تغيير قيادة النظام الخاص ( الجهاز السري)، لكن الهضيبي كان يريد إلغاء النظام جملة وتفصيلا- يقصد الجهاز السري- وذلك انسجاما مع شعار رفعه وردده، وهو أن " لا سرية في الإسلام" وقد وقف السندي ضد فكرة حل الجهاز السري بوضوح وبين للمرشد أنه سيكون أول من يقف له ويحاربه إن شرع في حل الجهاز.

لقد حرصت على أن أنقل رأس الأستاذ الطبجي، رحمه الله بأمانة ودقة. ومع ذلك فإنني غير مقيد بقبول تفسيراته للأحداث. إن للباحث أن يفسر وأن يستنتج من خلال دراسته لجميع الروايات والادعاءات والأقوال من فير ضرورة بأن يلتزم بآراء بعض الرواة. ولقد اتفقت مع الأستاذ الطبجي- خلال لقائنا- على القول بأن الأستاذ حسن الهضيبي لم يكن من الإخوان المسلمين قبل توليه منصب الإرشاد. كما اتفقت معه على لوم مجموعة القيادة التي رتبت مجئ الأستاذ الهضيبي غلى هذا المنصب القيادي الأعلى قبل ذلك بالطريقة التي تم بها تنصيبه.

غير أنني سلا أتفق معه في تقييمه لمواهب وقدرات ومواقف صهره المرحوم عبد الرحمن السندي. وهذه مسألة لا يمكن أن تخضع لاعتبارات المجاملة . وبجانب ذلك فإن الأستاذ الهضيبي رحمه الله كان مثالا رفيعا في الصدق والاستقامة، بغض النظر عن أنه لم يكن في حركة الإخوان قبل توليه منصب الإرشاد، سواء كان ذلك بسبب كونه من كبار القضاة، وموظفا في وزارة العدل، وذلك ما يمنعه من الانتماء لأية حركة سياسية أو حزب سياسي، أو لأنه كان عازفا عن الانخراط في أي نشاط عام، بسبب منصبه، وسنه وتقاعده، وأنه كان أصيب بانفجار شرياني في الدماغ قبل ن يبلغ سن التقاعد.

شادي يشكك في أمانة السندي

ولقد اتهم صلاح شادي عبد الرحمن السندي بعدم الأمانة، ودلل على ذلك برواية قصة ضرب أحد القطارات الإنجليزية بالقنابل . فقد روى صلاح شادي أنه رتب عملية لضرب قطار للقوات الإنجليزية في منطقة قناة السويس بالقنابل، وذلك ردا على مساندة الإنجليز للصهاينة في فلسطين، وبعد أن تمت العملية بنجاح ذهب ليخبر عبد الرحمن السندي بخبرها إذ لم يكن له علم بالخطة ولا بمن أعدها أو نفذها.

ولما التقيا بادره السندي بالحديث عن العملية إياها، متفاخرا ببراعة الإعداد والتنفيذ، ناسبا ذلك إلى نفسه ورجاله. وعلق صلاح شادي على تصرف السندي بقوله:" وخرجت من منزله كسيف الخاطر، مهزوز الوجدان، تعصف بي كل الظنون، وكأن الله أراد أن ينزع من قلبي هذه القداسة التي أضفيتها على من يحملون مثل هذه المسئولية" ولست أنقل رواية صلاح شادي هنا تصديقا أو تأكيدا لما جاء فيها، ولا أريد من القارئ أن يعتقد بأنني أتبناها، كما أنني لا أملك من القرائن ما يحملني على نفيها أو تكذيبها.

إننا لا نبحث عن تزكية أو تجريح الأشخاص، مهما علت مناصبهم أو دنت، لكننا نبحث عن الأسباب التي أضعفت حركة الإخوان المسلمين وأعجزتها عن الوصول إلى أهدافها، كما ذكرت في مقدمة هذه الدراسة. وسواء كان صلاح شادي صادقا أو أنه لم يقل الحقيقة في اتهامه للسندي فإن ما نستنتجه من الرواية لا يتغير: إن بعض من تولوا المناصب القيادية في الحركة واضطلعوا بأخطر المهمات في أحرج المواقف لم يكونوا من الأمانة والإخلاص والخلق الإسلامي على المستوى الأدنى اللازم لأعضاء الجماعة العاديين، فضلا عن قادتها. فإذا صدق صلاح شادي ففجيعة الإخوان بالسندي كبيرة. وإذا لم يكن حديث صلاح- القيادي الكبير وأحد أبرز معاوني المرشد- صحيحا ففجيعة الإخوان بصلاح شادي كبيرة، وفجيعتنا نحن – أعني المؤلف والقراء- بما كنا ننتظره من هذه الحركة الإسلامية العملاقة كبيرة أيضا عندما نكتشف أن هذا هو مستوى بعض قادتها.

وعلى عكس رواية السيد محمد الطبجي فإنا نعرف يقينا أن حسن الهضيبي لم يقم بحل الجهاز السري، ومع ذلك فقد رفع السندي راية العصيان في وجهه وحاربه.وقبل ذلك وبين سنتي 1940 و 1949 كان السندي مسئولا عن الجهاز السري، ولا يمكن تبرئته من المسئولية عن أكثر العمليات التي قام بها هذا النظام، والتي أساءت غلى الحركة ووصمتها بالإرهاب. وقد أكد هذه المسئولية غير واحد من الإخوان ، عدا صلاح شادي.

ومن الغريب أن ينضم عبد الرحمن السندي غلى صف جمال عبد الناصر ، أي غلى صف الحكومة، ضد الهضيبي وضد الإخوان ، بينما كان يعلن – حسب رواية الأستاذ الطبجى- أن السبب الرئيسي لمعارضته هو أن المرشد الجديد كان يريد حل النظام الخاص، وذلك في الوقت الذي نعرف جميعا، وكما كان يعرف السندي، ويعرف قادة النظام الخاص أن أحد المطالب الرئيسية لحكومة جمال عبد الناصر من الهضيبي ركزت على طلب " حل الجهاز السري" ولنا عودة إلى هذا الموضوع في فصل تال إن شاء الله.

وقد اتهم صلاح شادي عبد الرحمن السندي بأنه المسئول عن اغتيال المهندس سيد فايز، الذي عينه المرشد " رئيسا للنظام الخاص" بدلا من السندي. ويؤكد محمود عبد الحليم كذلك أن السندي هو الذي قتل المهندس سيد فايز الذي كان من كبار المسئولين في النظام الخاص، وعزا ذلك إلى أن السندي " كان يعلم أن المهندس سيد فايز كان من أشد الناقمين على تصرفاته، وأنه وضع نفسه تحت إمرة المرشد لتحرير هذا النظام، في القاهرة على الأقل، من سلطاته، وأنه قطع في ذلك شوطا بعيدا باتصاله بأعضاء النظام في القاهرة وإقناعهم بذلك. وإذن ، فالخطوة الأولى في إعلان الحرب.. وكذلك سولت له نفسه، أن يتخلص من سيد فايز.. " وقد تم ذلك بطرد ملغوم في شكل علبة حلوى تم توصيلها إليه بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف ، فقتل وبعض من أفراد أسرته في المنزل يوم 27/ 11/ 1953، وقد اعترف السندي اعترافا ضمنيا بمسئوليته عن الحادث أمام لجنة تحقيق من الإخوان.

اختيار المرشد العام الجديد

بعد أن أصدرت حكومة السعديين قرارها بحل الإخوان المسلمين في الثامن من كانون الأول ( ديسمبر) سنة 1948م واعتقلت عددا كبيرا منهم، من بينهم وكيل الجماعة الأستاذ صالح عشماوي، وكثير من أعضاء مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية تركت المرشد العام طليقا دون اعتقال . وقد تبين- فيما بعد- أن هذا الاستثناء كان تمهيدا لاغتياله . وفي ظل تلك الظروف عزم الإمام الشهيد على مغادرة القاهرة والإقامة في الريف إلى أن تنجلي الأمور. ولهذا عمد إلى تكليف الشيخ أحمد حسن الباقوري بأن ينوب عنه في قيادة الدعوة.

وكان الباقوري عضوا في مكتب الإرشاد، وقد استعان في مهمته بالأستاذين منير الدلة وحسن العشماوي. ثم تعرض حسن البنا للاغتيال عن طريق مؤامرة دبرها رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم عبد الهادي، وتم التنفيذ على أيدي عدد من رجال الأمن في الدولة، كبارهم وصغارهم، كما كشفت عن ذلك المحاكمات التي تمت في أول عهد الثورة. وقد وصف الأستاذ محمود عبد الحليم الحركة عشية اغتيال المرشد بأنها صارت بلا قيادة، وجسما بلا رأس، وسفينة بعير ربان.

ومما يدعو للعجب أن يقال هذا عن جماعة بعد عشرين سنة من تأسيسها، وبعد أن أصبحت تضم مئات الآلاف من الأعضاء. من مختلف قطاعات الشعب المصري. والأعجب من ذلك أن يرشح الأستاذ محمود عبد الحليم أبا الحسن الندوي- رحمه الله- ليكون مرشدا للجماعة وخليفة لحسن البنا. وكان قد قابله في الحج، بعد اغتيال حسن البنا بأشهر ، قبل أن تتجه الأنظار لانتخاب الأستاذ الهضيبي.

وفي رحلة الحج تلك سمع محمود عبد الحليم الندوي وجماعته لأول مرة، وقابله في أول لقاء، كما أكد هو نفسه، ومع ذلك فقد عرض عليه أن يكون مرشدا للإخوان المسلمين في مصر، وحاول إقناعه، وأكد له أنه سيرشحه لدى إخوانه وأشار الأستاذ محمود عبد الحليم فيما كتبه عن ذلك اللقاء أن فكرة الندوي عن الإخوان كانت مشوشة نتيجة لإقدام الحكومة على حل الجماعة، وأنه شرح له الموقف وناقشه طويلا غلى أن انتهى النقاش" باقتناع الرجل بعد أن تكشفت له الحقائق التي طمسها المغرضون" وذلك حسب ظن الأستاذ محمود عبد الحليم بطبيعة الحال. ومع ذلك فقد اعتذر أبو الحسن الندوي عن قبول الترشيح لمنصب المرشد، لأنه غريب عن مصر وغير ملم بظروفها، فضلا عن أن الظروف الحاضرة في مصر أي آنذاك، لا تسمح لرجل مثله باقتحامها، وغير ذلك.

ولست أدري كيف تصور محمود عبد الحليم أن تولي الندوي لمنصب المرشد العام للإخوان المسلمين قد يكون ممكنا من الناحية العملية، وكيف لم تخطر بباله مسائل من مثل تأشيرة الدخول وتصريح الإقامة في البلاد، وكونه لا يحمل الجنسية المصرية، وأن الغرض من مجيئه هو قيادة جماعة تنظر إليها كثير من القوى المصرية بالشكوك، وتتهمها جهات أخرى بكثير من التجاوزات.

لقد شغل التفكير في اختيار مرشد جديد عقول الإخوان منذ اغتيال حسن البنا في الثامن عشر من شهر شباط ( فبراير) 1949م. وما لبثوا أن انقسموا حيال الموضوع في اتجاهين ، أطلق الأستاذ محمود عبد الحليم على أولهما اسم : " أولو القربى" وعلى الاتجاه الآخر اسم:" أولو القوة" ، وكان مرشح الفريق الأول عبد الرحمن البنا، الملقب بالساعاتي، وهو شقيق حسن البنا وشبيهه في الخلقة، ثم صهرهما الأستاذ عبد الحكيم عابدين.

بينما كان على رأس الفريق الثاني الأستاذ صالح عشماوي، وكيل الإخوان، والرجل الثاني بعد المرشد، الذي كان يحظى بتأييد النظام الخاص. ومن هنا جاءت تسمية : " أول القوة" وبجانب هؤلاء الثلاثة كان هناك مرشحون آخرون هم: الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله، الذي كان أنابه الأستاذ البنا عنه بعد صدور قرار الحل، وكان قد أنابه عنه مرة أخرى سابقة قبل ذلك، سنة 1944م عندما أصدر وزير المعارف آنذاك، الدكتور محمد حسين هيكل، قرارا بنقل الأستاذ البنا إلى قنا. وكان من هؤلاء المرشحين أيضا مصطفى مؤمن، والأستاذ سعيد رمضان، والأستاذ عبد العزيز كامل، هذا مع العلم بأن بعض أصحاب هذه الأسماء لم يتقدموا بترشيح أنفسهم، ولم يكونوا راغبين في ذلك، ومن هؤلاء كان الشيخ الباقوري رحمه الله .

ويبدو أن التحرك من أجل اختيار مرشد جديد قد بدأ بعد وقت قصير من اغتيال الإمام الشهيد، وربما لم يتأخر ذلك التحرك عن شهر أبريل( نيسان) من السنة ذاتها، أي 1949م. وما لبثت غيوم تلك المحنة أن أخذت في الانقشاع، فقد أقال الملك وزارة إبراهيم عبد الهادي في 25 يوليو 1949م وعين حسين سري باشا ليشكل وزارة محايدة، غير حزبية، استمرت في الحكم بضة أشهر أجرت فيها الانتخابات النيابية، ثم أفسحت مكانها لحكومة وفدية برئاسة مصطفى النحاس باشا، الذي فاز حزبه بأغلبية مقاعد المجلس النيابي وتولى الحكم في 12 يناير 1950م.

وكانت وزارة حسين سري قد أفرجت عن المعتقلين السياسيين بينما ظل المتهمون على ذمة قضايا الإخوان المعروفة التي كانت بأيدي المحاكم غلى أن فصل فيها القضاء، وأفرج عنهم. ومن الطريف أن الملك فاروق اعتبر إقالته لوزارة إبراهيم عبد الهادي هدية إلى شعبه بمناسبة عيد الفطر لسنة 1368هـ وصرح بذلك في نطق ملكي رسمي، وكأنه كان يتبرأ من كل ما حدث للإخوان المسلمين في عهد حكومة عبد الهادي. وقد أصدر حسين سري باشا أمرا بنقل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية المتهم بالإسراف في محاربة الإخوان فتم نقله إلى وزارة المواصلات، وألغى المصروفات السرية التي كانت تمنحها إدارة الأمن العام لعملائها. وهكذا أصبحت الظروف ميسرة لاختيار خليفة للمرحوم حسن البنا.

وقد تولى المرحوم منير الدلة ترتيب هذه العملية، إذ جمع الإخوان المرشحين للمنصب في منزله أوائل عام 1950م ، " وقد بدأ الاجتماع في المساء واستمر حتى منتصف الليل . وأثناء الاجتماع استعرض السيد منير الدلة المشكلة بأبعادها وجوانبها المختلفة، وما يمكن أن يؤدي إليه الخلاف من ضرر مضاعف على وحدة الصف، إن أصر كل منهم على ترشيح نفسه مما سيكون له أسوأ الأثر على الجماعة. وبناء على ذلك فقد دعاهم الأستاذ منير إلى أن يتفقوا على واحد منهم،أو على شخص آخر من غير الحاضرين لكي يقدموه إلى الإخوان، وبذلك يبعدون احتمال الخلاف والشقاق.

" بدا الاقتناع التام من الحاضرين بكلام ورأي الأستاذ منير، ووافقوا بالإجماع على هذا الاقتراح. وبناء على ذلك فقد دعاهم الأستاذ منير إلى أن يطرح كل منهم وجهة نظره الخاصة ، فإن كان أحدهم يرى نفسه أهلا لهذا المنصب ثم وافق عليه الثلاثة الباقون انتهت المشكلة وزال خطرها.

بدأ عبد الرحمن البنا بالكلام، فقال ما ملخصه إنه يرشح نفسه لمنصب المرشد العام، وتلاه الأستاذ صالح عشماوي فقال : إنه سيرشح نفسه للمنصب ولن يسعى إليه ، بل يترك القرار للإخوان. وأما الأستاذ عبد الحكيم عابدين فقال أنه لن يرشح نفسه ولن يسعى غلى المنصب، ولكن إذا دعي إليه من الإخوان أجاب. أما الأستاذ الباقوري فقال إنه لن يرشح نفسه ، ولن يسعى إلى الانتخاب، وإذا دعي إلى المنصب رفض. ولما كان الأستاذ عبد الرحمن البنا هو الذي رشح نفسه أولا، وقال إنه سيسعى إلى المنصب بقوة واعتبر نفسه الوحيد الذي يصلح لهذا الأمر، فقد عرض الأستاذ منير اسمه على الثلاثة الآخرين فرفضوه بالإجماع، وتكرر الإجراء بالنسبة لكل من الثلاثة الآخرين فلم ينل أحد منهم موافقة أي من إخوانه الثلاثة.

وهنا عاد الأستاذ منير إلى التأكيد على خطورة الاختلاف، ثم عرض عليهم اسم المرحوم حسن الهضيبي، وأشار إلى علاقته بالدعوة من قديم وصلته بالأستاذ البنا، وأسباب عدم ظهوره وقد كان الأستاذ الهضيبي معروفا للأستاذ الباقوري وعبد الحكيم عابدين، ولكنه لم يكن معروفا للآخرين. لم يرفض المجتمعون اقتراح الأستاذ منير الدلة لأول وهلة ، ولكنهم أرجئوا البت وإبداء الرأي حتى يلتقوا بالهضيبي ويتعرفوا عليه ويدرسوه بصفته مرشحا لهذه المنصب الخطير. وكان هذا رأي الاثنين اللذين كانا يعرفانه من قبل أيضا، وانتهى الإجماع عند هذا الحد على أن ينعقد بعد أن يقابل الإخوة الأربعة الأستاذ حسن الهضيبي. وبعد عدة زيارات للأستاذ الهضيبي توصلوا إلى اتفاق كامل على اختياره ، فزاروه بعدها لمفاتحته في الموضوع ولكنه اعتذر بشدة عن قبول المنصب.

غير أنهم أصروا على التمسك به وفندوا الأسباب التي ساقها مؤيدة لاعتذاره، ووعدوه أن يكونوا سندا له. " وأخيرا قبل، على أن يكون هذا الوعد أحد الشروط، والشرط الآخر هو موافقة أعضاء الهيئة التأسيسية بالإجماع. وقد تم اختياره فعلا من الهيئة التأسيسية بالإجماع في أكتوبر سنة 1951م كما هو معروف أيضا. ومما يذكر أن كل ذلك قد تم وقرار حل الجماعة لا يزال قائما.

ولا ينبغي أن يفهم من عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم الأخيرة أن عملية اختيار المرشد الجديد وانتخابه رسميا قد جرت في الوقت الذي كانت فيه معظم القيادات داخل المعتقلات، مما قد يبرر بعض الممارسات المستغربة، إن الأمر لم يكن كذلك، فقد انتهت فترة الاعتقال في عهد وزارة حسين سري التي تولت الحكم في 25 يوليو 1949 واستقالت في 12 يناير 1950م وعندما جمع منير الدلة المرشحين في منزله أوائل عام 1950 وكان المرشحون الثلاثة الذين سبق اعتقالهم عند صدور قرار الحل قد أفرج عنهم، وقد شاركوا في ذلك الاجتماع.

ورغم أن إلغاء قرار الحل قد تأخر حتى آخر شهر حزيران ( يونيو) 1952م فإن هذا التأخير كان شكليا، إذ أن الإخوان كانوا قد استأنفوا نشاطهم العلني عمليا بعد سقوط حكومة السعديين برئاسة إبراهيم عبد الهادي باشا .

وقد كان من مظاهر هذا النشاط العلني أنهم صاروا يقدمون المذكرات للحكومة وإلى مجلس النواب، بل وحشدوا ثلاثة آلاف من أعضاء الجماعة قاموا بمظاهرة أمام مجلس النواب أثناء مناقشته للقضايا التي تمسهم، وذلك يوم السابع عشر من نيسان ( أبريل ) 1950م. وأهم من هذا كله ذلك القرار الذي أصدره مجلس الدولة، وكان أكبر هيئة فضائية في مصر آنذاك، وأوقف بموجبه قرارا حكوميا سابقا ببيع دار المركز العام للإخوان المسلمين حيث أعلن أن الجماعة ما زالت قائمة بحكم القانون.

وبهذا القرار أعطت أكبر هيئة قضائية مصرية لنشاط الإخوان العلني صفة الشرعية في السابع عشر من أيلول ( سبتمبر ) 1951م. كل ذلك حدث قبل أن يتم اختيار الأستاذ الهضيبي لمنصب المرشد العام بشكل نهائي في التاسع عشر من تشرين الثاني ( أكتوبر) 1951.

والذي أرجحه أن المستشار منير الدلة أراد أن يقلد ما جرى بين الصحابة. رضوان الله عليهم ، بعد أن تعرض عمر بن الخطاب للاغتيال، فعين ستة أشخاص يتولون اختيار الخليفة من بعده، وجعل رئاسة اللجنة- إن جاز لنا أن نستعمل هذه التسمية الحديثة- لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وربما رأى السيد منير الدلة رحمه الله أنه هو نفسه يمكن أن يقوم بدور مشابه لما قام به ذلك الصحابي. بيد أن هناك فرقا كبيرا بين الظروف التي صاحبت اغتيال عمر رضي الله عنه، إذ كان عمر رئيس الدولة وليس رئيس جماعة وحزب، كما كانت الدولة مشتبكة في حرب مصيرية في جبهتي العراق والشام ضد الإمبراطوريتين الساسانية والرومانية، بالإضافة إلى فروق أخرى كثيرة في الظروف المصاحبة لكل من الحالتين، لا نريد الإطالة بالتوسع في الحديث عنهما، فكان الترتيب الذي اختاره الفاروق رضي الله عنه – بينما كان يعاني سكرات الموت وجراحه تنزف ووفاته وشيكة – هو أفضل الخيارات الممكنة آنذاك، حيث لم تكن لدى المجتمع أية خبرات أو تنظيمات سياسية وإدارية لمواجهة مثل تلك الأزمة.

وفى ضوء ذلك يصبح من حق أي باحث محايد أن يتساءل : ولماذا يتم انتخاب المرشد عن طريق الهيئة التأسيسية ؟ ولماذا يتولى المرحوم منير الدلة ومجموعته ترتيب اختيار المرشد من خارج الصف وحمل المرشحين الإخوان على القبول والتنازل لصالحه، ثم يدورون – بعد ذلك- على أعضاء الهيئة التأسيسية لأخذ موافقتهم على تولى الهضيبي؟ ولماذا قبل أعضاء الهيئة التأسيسية أن يعاملوا بهذه الطريقة التي تنم عن الاستجهال والاستصغار. أو عدم الثقة في قدراتهم؟ والذي أرجحه أنهم تعرضوا للتخويف من مغبة الخلاف وخطورة استمرار فترة الشغور. لا مراء في أن جمع من أعضاء الهيئة التأسيسية في بيت أحد الإخوان كن أهون وأقل إثارة من حشد ثلاثة آلاف متظاهر أمام مجلس النواب، ولكن جمع الهيئة التأسيسية لم يكن هدفا ولم يتم.

ويحق لنا أن نعجب لعدم حدوثه سيما وأن الإخوان كانت لهم قيادة مؤقتة وطليقة أثناء فترة الشغور حيث استناب المرحوم حسن البنا قبل وفاته الأستاذ أحمد حسن الباقوري، ومارس الباقوري القيادة مستعينا بالمرحومين منير الدلة وحسن العشماوي كما ذكرنا قبل قليل. ويجب أن نستحضر إلى الأذهان- ونحن نحاول تفسير هذا الحدث- أن الأستاذ صالح عشماوي وكان وكيل الجماعة ، أي الرجل الثاني نائب المرشد. وكان مركزه هذا يجعله المرشح الأول لمنصب المرشد، والأهم من ذلك أن صالح عشماوي كان ينبغي أن يتولى قيادة الجماعة بعد الإفراج عنه في الأشهر الأخيرة من عام 1949م إلى أن يتم حسم اختيار المرشد العام الجديد بطريقة صحيحة لا تترك مجالا للانشقاقات والانقسامات.

ولماذا يلجأ المستشار منير الدلة إلى تلك الطريقة في الاختيار ، فيقتصر على جمع المرشحين وحدهم في منزله لكي يتفقوا على أحدهم، بينما يعرف، وهو رجل القانون الكبير، المستشار المساعد بمجلس الدولة، أن الاتفاق بينهم مستحيل، لأن كل واحد منهم يرى في نفسه الكفاءة للمنصب والأولوية بالأحقية بناء على ذل الاقتناع الذاتي، سيما وأن الاتفاق لم يحدث حتى بين كبار الصحابة بعد وفاة الفاروق رضي الله عنه. وعلى ذلك فإن أي مرشح من الإخوان لم يكن يرى في أي واحد من المرشحين الآخرين أهلية لشغل المنصب. وإذ تعذر اتفاقهم- كما كان ينبغي أن يتوقع أي عاقل- أخذ يخوفهم من مخاطر الخلاف والتنازع، ثم أقنعهم باختيار شخص من خارج صفوف الجماعة.

ولا ينبغي أن يفهم أنني أعترض على شخص المرحوم حسن الهضيبي أو أحاول الغض من مكانته، فإنني أكن له الكثير من التقدير والاحترام بل واشعر بالإشفاق عليه في شيخوخته، وقد ورطوه في وضع لم تكن عنده معلومات مناسبة عنه، ولكن المناقشة هنا تنصب على نقطة واحدة، وهي مبدأ المؤسسية واحترام الهيئات التنظيمية التي كان الإخوان شكلوها من سنين طويلة قبل ذلك، ثم يجري تجاهلها على النحو الذي ذكرنا والمضي في اختيار شخص من خارج الصف، بينما الجماعة عمرها عشرون عاما، وتضم ما لا يقل عن نصف مليون عضو من مختلف قطاعات المجتمع، بينهم عدد من الجامعيين، وبعض مدرسي الجامعة. فضلا عن رجال القانون، وكثير من خريجي الأزهر وبعض مدرسيه ممن مارسوا العمل في الدعوة منذ سنيها الأولى. ولقد حاول بعض الإخوان الذين تعرضوا للموضوع أن ينفوا كون الأستاذ الهضيبي من خارج صف الإخوان قبل انتخابه. ولكن نفيهم نفسه يوضح أنه كان خارج الصف، وأن عواطفهم فقط هي التي أملت عليهم ذلك الموقف الدفاعي.

فالأستاذ محمود عبد الحليم – مثلا- يكتب في معرض الرد على ذلك تحت عنوان : " هل الهضيبي طارئ على الدعوة؟ إن الذين يريدون أن يقصروا صفة الإخوان المسلمين على الأشخاص الذين ضمت سجلات العضوية الرسمية أسماءهم والذين يؤدون اشتراكاتهم والذين ينتظمون في تشكيلات الجماعة – يريدون أن يضيقوا واسعا ويحجروا سهلا ميسورا، فالإخوان المسلمون ليسوا شيئا مخترعا، ولا فكر مبتكرا، ولا دعوة مبتدعة- وإنما هي الفكرة الإسلامية : من اعتنقها وعمل لها وجاهد في سبيلها فقد صار من الإخوان المسلمين، له كل حقوقهم..

وقد كان الأستاذ حسن الهضيبي عريقا في فهمه للفكرة الإسلامية وفي جرأته في التقدم بها وفي شرحها وفي الدفاع عنها أمام أعلى هيئة تشريعية في البلاد، فهل يكون رجل كهذا غريبا على الدعوة الإسلامية، دخيلا على الجماعة التي رصدت نفسها لنفس الفكرة ولشرحها والدفاع عنها.. والمرشد العام الجديد رجل يميل بطبيعته إلى الهدوء والتنسك ومناجاة ربه، وكان يحلم بتلك الأيام التي ينهي فيها عمله بالقضاء لينعم بما حرمه منصبه القضائي منه طول حياته- بالانتظام في كتائب الإخوان في الجو الروحي الخالص..".

كذلك اجتهد الأستاذ محمود عبد الحليم في إثبات أن الإمام حسن البنا كان يقابل الأستاذ حسن الهضيبي سرا ليستشيره في أمور الدعوة. ومهما يكن من أمر فإن من الواضح الذي لا خفاء فيه أن الأستاذ الهضيبي لم يكن معروفا لعامة الإخوان، كما لم يكن معروفا لخاصتهم، بما في ذلك أعضاء مكتب الإرشاد، مع استثناء بعضهم. وحتى الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه، الأخ القديم، ومؤسس النظام الخاص، والذي كان من أقرب الإخوان لحسن البنا، لم يكن يعرف حسن الهضيبي حتى ما بعد طرح اسمه مرشحا لمنصب المرشد العام، وإذ ذاك التقى به أول مرة وحتى الإخوان الذين كانوا مرشحين لمنصب المرشد العام لم يكونوا يعرفون الأستاذ الهضيبي، إذ عندما اقترح الأستاذ منير الدلة اسمه:" لم يرفض المجتمعون اقتراح الأستاذ منير لأول مرة، ولكنهم أرجئوا البت وإبداء الرأي حتى يلتقوا به ويتعرفوا عليه ويدرسوه عن قرب".

وقد رأيت- أثناء معالجتي لهذه النقطة- أن أستطلع آراء بعض الإخوان، فكان لي لقاء مع الأستاذ محمد الطبجي رحمه الله، وقد كان من قدامى وكبار الإخوان، ومن ألصق الناس بالمرشد العام البنا، إذ كان مراقبا للمركز العام ومتفرغا للعمل فيه، كما كان من خريجي كلية الحقوق لسنة 1935م، وفضلا عن ذلك فقد كان ممن تسند إليه أخطر المهمات وأكثرها سرية.

سألت الأستاذ الطبجي عن رأيه في أقوال كل من الأستاذين محمود عبد الحليم وصلاح شادي بشأن اختيار الأستاذ الهضيبي، وكان جوابه إن المرحوم حسن الهضيبي لم يكن في تنظيم الإخوان قبل ولايته لمنصب المرشد العام. أما عن صلته بحسن البنا فأكد أنه أي الأستاذ الهضيبي لم يقابل الإمام الشهيد سوى مرتين فقط ، وأضاف أن المجموعة المكونة من الأساتذة منير الدلة وصلاح شادي وحسن عشماوي وآخرين هي التي سعت لتعيين الهضيبي في منصب المرشد العام.

وقد أطلق الأستاذ الطبجي على المجموعة لقب " الشلة" وقال إن الشلة تولت الطواف على أعضاء الهيئة بأنها نتجت عن أنهم خدعوا ببعض المظاهر، وأن تأييد الأستاذ منير الدلة كان هو العامل الحاسم في الموافقة. لقد كان إخوان الهيئة التأسيسية كثيرا ما يرون الأستاذ حسن البنا مع منير الدلة في سيارته يوصله إلى بيته فتوهموا أهمية خاصة للأستاذ الدلة، واعتقدوا بتمتعه بثقة خاصة لدى الأستاذ البنا وكانت الحقيقة- حسب فهم الأستاذ الطبجي- غير ذلك فكل ما في الأمر أن أحدا من الإخوان لم يكن يمتلك سيارة كرايزلر مثل سيارة منير الدلة الذي كان يحرص عل معاونة المرشد في تنقلاته.

أما الأستاذ سعد الدين الوليلي الذي كان سكرتيرا خاصا لحسن البنا فقد أكد ما قاله محمود عبد الحليم من أن حسن البنا عرف حسن الهضيبي وكان على صلة وثيقة به مدة طويلة، وكان يستشيره في كثير من القضايا، لكنه كان يحرص على بعده عن التنظيم والانتساب. ولما اقترحت تصنيف الهضيبي صديقا للإخوان، ومتعاطفا معهم لكنه ليس من داخل صفهم المنظم وافق الوليلي على هذا التصنيف ثم ساق الأستاذ الوليلي تفسيره لاختيار الإخوان واحدا من خارج الصف المنظم ليكون مرشدا لهم بأن الرؤوس تساوت بالنسبة لمن هم داخل الصف، ولم يوجد أخ مميز وشامخ. وفي رأيه أن المرحلة كانت تحتاج غلى قانوني بارز مثل حسن الهضيبي.

النتائج المرة

وأهم من كل الحجج والمناقشات ما حصده الإخوان من نتائج هذه الترتيبات، فقد أثبتت الأحداث أن الاتفاق المظهري الذي تم بالضغط عن طريق التخويف من الأخطار المحيطة بالجماعة لم يبن على اقتناع، وإنما بني على أساس شعور مؤقت بالعجز- من جانب أصحاب الرأي المعارض. ولكن المعارضة المكبوتة لم تلبث أن تفجرت في أصعب المواقف وأكثرها خطورة، فاشتعل الخلاف وحدث الانشقاق المعروف، وجرى اقتحام بيت المرشد العام من قبل مجموعة من النظام الخاص لإجباره على الاستقالة- وقد حدثني عن ذلك أحد الذين شاركوا في الاقتحام، وهو يحترق ألما وندما على مشاركته- واحتلال صالح عشماوي وأنصاره لدار المركز العام، وقدوم مجموعة من الجبهة الأخرى أخرجت المعتصمين وسيطرت على المركز، ثم فصل صالح العشماوي وسيد سابق ومحمد الغزالي ومحمود الصباغ من عضوية جماعة الإخوان المسلمين، وبعد ذلك جاء اغتيال المهندس سيد فايز، الذي كان من القيادات البارزة في النظام الخاص، وانضمام السندي ومعه مجموعات من رجاله إلى جبهة جمال عبد الناصر.

وهذه النتائج تبين بجلاء مدى عاطفية قول الأستاذ محمود عبد الحليم في معرض تأكيده على موافقة الإخوان على اختيار الأستاذ حسن الهضيبي:" وقد أيد الإخوان في جميع نواحي القطر – عن طريق مندوبيهم الذين كانوا يفدون إلى القاهرة كل أسبوع" هذا الاختيار.. ولقي هذا الاتجاه ارتياحا من جماهير الإخوان.. " ولقد مر معنا – فيما اقتبسناه في الصفحات السابقة- أن الأستاذ حسن الهضيبي لم يكن معروفا حتى لقيادات الإخوان، ولا لجماهيرهم وعامتهم. وإذا كانت وفود الإخوان قد قدمت من الأقاليم مبدية ارتياحها فإن هذا الارتياح لم ينشأ من معرفتها بشخص المرشد الجديد ومدى ملاءمته للمنصب، بل نشأ من شعور وهمي بانتهاء الأزمة المتمثلة في كون الجماعة بغير رأس وكون القيادات مختلفة حول اختيار الشخص المناسب. ومع ذلك فإن من الأمور الجلية التي تتضح لأي دارس لحركة الإخوان أنهم أميل إلى الطاعة وإعطاء الثقة بالقيادة .

وهذا ما يجعل أكثرهم أميل إلى السلبية، اللهم إلا إذا استثنينا الأشخاص القلائل جدا الذين يشذون عن هذا السمت، ثم أولئك الذين تكون لهم تطلعات للوصول إلى المنصب. وهنا أود أن أربط هذا الاتجاه الميال للطاعة وإعطاء الثقة دون مناقشة بما أشار إليه الأستاذ محمد الطبجي، فالقبول السهل بما عرضه الأستاذ منير الدلة ومجموعته، أو " شلته" حسب تعبير الأخ محمد الطبجي، لم يكن لمجرد التوهم بأن الدلة كان موضع ثقة البنا فقط، بل عضد هذا الوهم كون الإخوان أكثر ميلا إلى الطاعة دون مناقشة بحكم تربيتهم. ولعل من المناسب أن أذكر هنا مثلا من تجربة حدثت معي، فقد كانت في إحدى فترات عملي في الإخوان أشغل منصبا قياديا، رأسا لمجلس، أو لجنة ثلاثية، وكان شريكاي يوافقاني بسرعة على كان ما أطرحه من أفكار لتوجيه سير الحركة، وقد ثرت عليهما مرارا، وكنت أقول لهما أن من واجبهما أن يتناولا الموضوعات المطروحة باهتمام وجدية ينتج عنهما جهد فكري ومناقشة، وأكدت لهما أنني أكون سعيدا حتى لو ناقشاني بحدة وقوة، حتى يكون الرأي الناتج ثمرة عمل ثلاثة أدمغة لا عمل دماغ واحد فقط.

هل قصد باختيار الهضيبي إرضاء جهات غير إخوانية؟

لقد نشر وقيل الكثير عن هذه النقطة، فالمصادر الحكومية التي مثلت جمال عبد الناصر اتهمت الأستاذ الهضيبي بأنه كان مرشح القصر. أما رتشارد متشل فقد ذهب في تفسيراته إلى القول بأن تعيين " قاض في منصب المرشد العام سيكون له وقعه لطيب في الأوساط القضائية والقانونية – حيث لم ينمح بعد من الذاكرة العامة مصرع القاضي أحمد الخازندار- كما أن ذلك كان سيساعد الدعاوي المرفوعة من قبل الإخوان.

وكانت ما تزال أمام المحاكم. كما أن القصر سيهدأ روعه ( فزج شقيقة الهضيبي رئيس للياوران الملكي) وبالتالي سيساعد ذلك على تعجيل العودة إلى الشرعية. كذلك فإن الجماعة في حاجة إلى " وجه جديد ودماء جديدة وشخصية جديدة تظهر أمام المجتمع " وكان الانطباع الذي خلفته تلك الاعتبارات جميعا هو أن الجماعة تحتاج إلى شخصية محترمة ومعروفة، فالهضيبي شخص محترم ومعروف. وكما أوضح ( صالح عشماوي) بعد ذلك بقوله : " كان ضروريا أن تختفي أسماء الإرهابيين الذين جعلتهم الصحافة موضوعا لقصص عديدة من الذعر والإرهاب" وبالنسبة لمعظم الأعضاء القدامى كان هذا التعيين يمثل حلا وسطا ينسجم مع الظروف القائمة" ونجد في بعض ما كتبه الأستاذ محمود عبد الحليم تأييدا لبعض ما ورد في تفسير متشل، إذ يقول إن الإخوان رأوا" في اختياره مصالحة مع القضاء الذي يعتبرون التصالح معه رد اعتبار للدعوة وتصحيحا لوضعها أمام الناس".

إن ما عرفناه عن حسن الهضيبي من صدق واستقامة خلق وصرامة في الحق وصبر على البلاء، خاصة بعد توليه المنصب، يمنعنا ويمنع أي عاقل من قبول اتهامه بأنه رضي أن يكون مرشح القصر، أو أنه رجل القصر. ولكن عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم توحي بأن الإخوان كان في وعيهم الحرص على استرضاء الجسم القضائي خاصة، واسترضاء الناس عامة:" وتصحيحا لوضعها أمام الناس". كما نلاحظ في العبارة المنسوبة إلى الأستاذ صالح عشماوي رغبة في تحسين صورة الجماعة ونفي صفة الإرهاب عنها. وليس مستبعدا أن يكون القصر إحدى الجهات التي حاولوا التخفيف من عداوتها وتهدئة مخاوفها.

التخبط في تحديد وضع التنظيم الإخواني بين ضباط الجيش

ما زالت المعلومات التي نشرت عن نشاط الإخوان المبكر داخل صفوف القوات المسلحة المصرية قليلة. فضلا عن أنها متناقضة أحيانا، بيد أن ما نشره صلاح شادي وحسن عشماوي وكمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادي، بالإضافة إلى ما نشر في الشهور الأولى التي تلت ثورة 23 يوليو، وإجراءات وتصرفات الثورة، كل ذلك يجعلنا نقول باطمئنان إن الصلة كانت وثيقة بين الإخوان والضباط.

وقد كان مما كتبه الرائد صلاح شادي- رحمه الله- أن دعوة الإخوان دخلت ا لجيش منذ سنة 1938م، وأنه قد تم ضم ضباط الجيش الإسلاميين إلى النظام الخاص بعد إنشائه، وأن جمال عبد الناصر انضم إلى الإخوان- حسب قول صلاح شادي- في أوائل الأربعينات على يد الضابط عبد المنعم عبد الرءوف، وما لبث أن انضم غلى النظام الخاص وأدى يمين الولاء مقسما على المصحف والمسدس في غرفة مظلمة أمام رئيس ذلك النظام عبد الرحمن السندي. وسنعود لتناول علاقة الإخوان بضباط الجيش – بإذن الله- بشيء من التوسع، مع كثير من التفاصيل في الفصل السادس، الذي خصصناه لدراسة علاقة الإخوان بثورة 23 يوليو.

الفصل الرابع

المسار السياسي: غفلة واستغفال

مر معنا- في الفصول السابقة- أن حركة الإخوان المسلمين ظلت في سنيها الأولى دعوة مسالمة لجميع القوى والأحزاب في مصر، لم تحاول أن تصطدم لا بالسلطة ولا بالأحزاب، بل حرصت على تجنب كل أسباب الصدام. وما أن انصرمت السنون العشر حتى انتقلت الدعوة نقلة جديدة واتخذت نهجا جديدا أعلنه المرشد العام، والقائد والمؤسس، الإمام حسن البنا بكل وضوح سنة 1938م.

وقد تبع هذا الإعلان خطوات عملية تجسد كثيرا من التغيير الذي أشار إليه حسن البنا، ومن ذلك : إنشاء النظام الخاص، أو الجهاز السري، وكذلك إنشاء الجوالة وإنشاء تنظيم إخواني بين رجال الجيش وآخر بين رجال الشرطة. وقد أشرنا غلى كل هذا آنفا بأقدار متفاوتة من التفصيل. ونذكر القارئ هنا أيضا أن الحرب العالمية الثانية انفجرت بعد سنة من هذا التحول، واستمرت ست سنوات، وكانت القوات البريطانية تنتشر في كل ناحية من أرض مصر، وقد اقتربت المعارك الضخمة من حدودها الغربية. في هذا الجو بدأ الإخوان رحلة تحركهم السياسي. وفي هذا الفصل نريد أن نلقي نظرة خاطفة على تطور الخيارات والممارسات السياسية الفعلية الرئيسية التي جسد الإخوان فيها التحول الذي أعلنوه سنة 1938م.

مواقف ودية تجاه النظام الحاكم

ولعل أول موقف سياسي أظهره الإخوان بعد إعلانهم هذا ، بل معه، هو إبداؤهم الولاء للملك فاروق الذي كان تولى سلطاته الدستورية لتوه، فقد ختم حسن البنا مقالته المنشورة في مجلة النذير بهذه العبارات : " وإن لنا في جلالة الملك أيده الله أملا محققا وفي الشعب المصري الذي صقلته الحوادث ونبهته التجارب ومعه الشعوب الإسلامية المتآخية بعقيدة الإسلام نظرا صادقا، وتأييد الله ومعونته قبل ذلك وبعده.." وتلا هذا الموقف لقاء المرشد برئيس الوزراء محمد محمود باشا. وقد أطنب الأستاذ محمود عبد الحليم في تعداد مناقب رئيس الوزراء ونوه بأنه كان " من الشخصيات التي غمطت حقها لأن استمساكها بالمثل، وتعلقها بأهداف النبل وترفعها عن الدنايا جعلها حصادا سهلا.."

وكان محمد محمود باشا هذا قد عينه الملك فاروق لتشكيل وزارة جديدة ورئاستها في 30 ديسمبر 1937م على اثر إقالة الملك لوزارة مصطفى النحاس باشا الذي استندت وزارته إلى أغلبية شعبية منتخبة. وقد وصف مؤرخ مصري معاصر سلوك محمد محمود في تلك الوزارة بأن رئيس الوزراء " اسلم مقاليد الشؤون العليا إلى السراي، وكان مصير وزارته نفسها رهنا بإرادة السراي، وجعل برنامجه الخارجي قائما على أساس تنفيذ معاهدة 1936م بروح الود والصداقة تجاه الدولة الحليفة بريطانيا.

وما لبث محمد محمود أن استصدر أمرا بحل مجلس النواب الذي كانت أغلبيته من الوفديين ، كما أنه أشرف على إجراء انتخابات جديدة تدخل فيها تدخلا سافرا حتى جاء بأغلبية مؤيده له، لكن الملك لم يلبث أن أقاله وعين للوزارة غيره، وذلك في أغسطس من عام 1939م، وتخبرنا إحدى الوثائق البريطانية السرية أن محمد محمود هذا قد نصح الإنجليز وهو على فراش الموت بأن يزيحوا الملك فاروق عن عرشه إذا أرادوا أن ينعموا بسلام حقيقي في مصر حسب ما قاله السفير البريطاني في القاهرة: I remain convinced (as was the late Mohammed Mahmud- see his dying advice recorded by telegram at the time that) we shall no real peace here as long as king Farouk is on throne

كما جاء في برقية السفير إلى وزارة الخارجية بلندن. ومن الواضح أن هذه الصورة التي يرسمها الرافعي لسياسة محمد محمود وتؤكدها الوثائق البريطانية، تناقض الصورة الزاهية التي رسمها الأستاذ محمود عبد الحليم. ونحن نعرف- كما يعرف كل من يقرأ تاريخ الرافعي- أنه كان محايدا في عرضه لأعمال جميع الوزارات، سواء أيدها أو عارضها، فنجده يعد منجزاتها الطيبة ثم يعدد مآخذه عليها.

إسراف في التفاؤل

أما الخطوة التالية فكانت حرص الأستاذ البنا رحمه الله على لقاء الملك فاروق. فقد " كان الأستاذ المرشد يرى أن أقصر طريق لتحقيق أهداف الدعوة، والأخذ بالأسلوب الإسلامي في إصلاح البلاد إنما يكون بالاتصال بهذا الملك الشاب وإقناعه بالدعوة. ومعنى هذا الاقتناع أن يوقن بأن انتماءه لهذه الدعوة سيصلح البلاد ويحفظ له عرشه. " وقد تم للمرشد ما أراد بوساطة على ماهر، وجرى الترتيب على أن يكون اللقاء عند مسجد سيدي جابر، إذ كان الإخوان آنذاك يقيمون معسكرا صيفيا ضخما بجانب الإسكندرية.

وحين ذهب الإخوان إلى المسجد اصطفوا أمامه بلباس الجوالة، أكثر من مائة جوال يتقدمهم المرشد بلباس الجوالة أيضا". وحضر الركب الملكي فيما أذكر- فحييناه هاتفين له وللإسلام، فأخذ على ماهر بيد الأستاذ المرشد وقدمه للملك، فسلم عليه الأستاذ مصافحا باحترام، دون تقبيل يده كما العرف في ذلك الوقت- ودون انحناء.

رجعنا إلى معسكرنا ، وكان الأستاذ المرشد يشعر بالرضا النفسي، لأنه أحس أنه خطا الخطوة الأولى التي كان على الداعية المصلح أن يبدأ بها..".

ولست أجد تعليقا على هذه الخطوة أنسب من العبارة التي ختم بها الأستاذ محمود عبد الحليم نفسه روايته عنها:

" وكنا نعتقد في ذلك الوقت بسذاجتنا وحسن ظننا أن الله تعالى قد اختصر لنا الطريق، واختار لنا ذات الشوكة، وأن هذا الشاب الذي يبدو وادعا في مظهره، وبجانبه الرجل العاقل على ماهر، لابد أنه سيتجه اتجاها إسلاميا فيسعد ويسعد الناس. ولم نكن نعلم ما خبأه القدر لنا كدعوة، ولهذا الشاب كملك طائش مغامر، وكأنه قد غاب عنا أن حاشية هذا الشاب وإن كان فيها على ماهر فإن فيها ألف شيطان".

وهنا نجد نقطة لا يجوز لنا إغفالها، بل يلزمنا تسليط الضوء عليها ، وهي مضمون ومعنى قول الأستاذ محمود عبد الحليم: "... ظننا أن الله تعالى قد اختصر لنا الطريق، واختار لنا غير ذات الشوكة.." فهذا التعبير يدل على أن الإخوان كان في وعيهم وفكرهم أن تحقيق أهدافهم سيتم عن طريق استخدام القوة الحربية القتالية. فلما حدث اللقاء القصير والمصافحة بين البنا والملك، ظنوا أن الله سهل لهم الأمر، وأراحهم من المواجهة والمعارك القتالية، غذ تحقق الهدف- كما توهموا- بأمر يسير، وهو المقابلة والمصافحة الملكية والاقتباس الذي كتبناه بخط مائل هنا اقتبسه محمود عبد الحليم أصلا من سورة الأنفال ، هو الذي استكنت فيه النقطة المهمة: " .. غير ذات الشوكة.." .

وأثناء المؤتمر السادس للإخوان، الذي انعقد في الأسبوع الثاني من بداية سنة 1942م تناول حسن البنا في خطابه العام الذي أعده خصيصا لتلك المناسبة علاقة الإخوان بالملك. وقد دل حديثه على أن جهات معينة حاولت إثارة حفيظة فاروق ضد الإخوان لتحريضه على البطش بهم. وقد رد حسن البنا على ذلك بقوله: " إن ما يشاع عنا من أننا أعداء الملك ليس صحيحا، بل إننا نلتزم بقول الإمام مالك رضي الله عنه: لو كانت لي دعوة واحدة مستجابة لجعلتها للسلطان، فإن صلاحه يصلح به خلق كثير" وهذا الذي ذكره المرشد في خطابه في المؤتمر السادس يدل على أن الموقف بين الإخوان والملك لك يكن كما توقع الإخوان، حين توهموا أن الملك قبل دعوتهم نتيجة لذلك اللقاء القصير الذي أظن أنه لم يزد عن خمس دقائق على الأكثر.

ولم ينتج عنه أكثر من تلك المصافحة العبرة. لقد كان هناك توتر في العلاقة، كما كانت عناك شكوك، من جانب الملك على الأقل، فحواها أن الإخوان معادون للقصر. وقد عزا المرشد ذلك التوتر إلى محرضين مفسدين ينقلون الإشاعات الكاذبة، وأكد أن تلك الإشاعات غير صحيحة. ويبدو أن الإمام المرشد وتلامذته لم يخطر ببالهم أن البرنامج الجديد الذي أعلنه الأستاذ البنا سنة 1938م ، وما تضمنه من تهديدات، يمكن أن يكون قد ترك مخاوف لدى الملك، كما ترك لدى السياسيين والأحزاب، وبعث القلق في نفوس كل هذه الجهات.

إن ذلك الإنذار والتهديد لم يكن سرا قيل في غرفة مغلقة، بل كان مقالا ناريا في جريدة الإخوان ، النذير، كما ورد تأكيد له في خطاب المرشد الذي سجلته رسالة المؤتمر الخامس. فهل وصلت إلى الملك تقارير عن هذا البيان الإخواني، وهل نقلت أجهزة الأمن إلى القصر أخبار تأسيس النظام الخاص سنة 1940؟ وهل نقلت الأحزاب المعادية للإخوان الصورة للقصر، وهل اقتنع الملك بمقولة أن هذه الأخبار مجرد إشاعات؟ وهل صدق النفي الذي أطلقه؟

استغلال الوفد الإخواني

على أثر دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية في حزيران ( يونيو) 1940م إلى جانب ألمانيا، أخذ القلق يساور الحكومة البريطانية على أمن مركزها ووجودها في مصر، إذ كانت إيطاليا تستعمر ليبيا، الملاصقة لحدود مصر الغربية. وحمل هذا القلق الإنجليز على التدخل في الشؤون الداخلية لمصر بحجة أن رئيس الوزراء – على ماهر- والملك نفسه متعاطفان مع دول المحور. وهكذا وجهت بريطانيا إنذارا إلى فاروق تطلب منه إبعاد على ماهر عن الحكم، وتم لها ذلك .

وحاول الملك إقناع الزعماء السياسيين بتشكيل حكومة اتحاد وطني ولكن المحاولة فشلت بسبب معارضة مصطفى النحاس، فكلف الملك حسن صبري- وهو شخصية مستقلة- بتشكيل الوزارة. وتوفي حسن صبري وهو في الحكم فكلف الملك مستقلا آخر هو حسين سري باشا بتشكيل وزارة جديدة في 15 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1940م. وفي شهر كانون الثاني( يناير) 1942م انفجرت أزمة حادة بين الملك ورئيس وزرائه ما لبث أن تحولت إلى أزمة خطيرة ومواجهة حاسمة بين الملك والحكومة البريطانية.

وقد انبثقت الأزمة من قرار لمجلس الوزراء بقطع العلاقات بين مصر والحكومة الفرنسية، حكومة فيشي، الموالية لألمانيا، وذلك دون استشارة الملك. وهكذا أصر الملك على ضرورة إقالة وزير الخارجية صليب سامي، بينما وقف رئيس الوزراء ضد هذه الرغبة باعتبار أن القرار صدر عن مجلس الوزراء. وهنا تدخلت السفارة البريطانية تؤيد رئيس الوزراء وجعلت القضية نقطة مواجهة حاسمة مع القصر، فطالبت بإبعاد المتعاطفين مع المحور من القصر، وعلى رأس هؤلاء عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي، كما طلبت أن يتولى زعيم حزب الوفد – مصطفى النحاس- رئاسة الوزارة.

وكانت وزارة الخارجية في لندن تعطي اهتماما بالغا للوضع السياسي في مصر نظرا لاندلاع المعارك الضخمة على حدود مصر الغربية، بل وفي داخل الأراضي المصرية. وكان تبادل الرسائل البرقية المطولة يتم بين السفير لامبسون ووزارة خارجيته في لندن ساعة بساعة.

وانقسم السياسيون المصريون وزعماء الأحزاب بشأن الموقف الذي كان على مصر أن تتخذه، فرأت الأغلبية من رجال السياسة أن تظل مصر على الحياد، وأن تفي بالتزاماتها بموجب معاهدة 1936م وفي أضيق الحدود، ورأت أقلية أن تدخل مصر الحرب بكل ثقلها إلى جانب بريطانيا. وكانت عواطف أغلبية الشعب المصري والعناصر الوطنية في قيادات قطاعاته المختلفة معبأة ضد بريطانيا.

وجاءت هذه النقمة- ابتداء- منذ غزو بريطانيا واحتلالها لمصر سنة 1882م واستمرارها في تحدي الأماني الوطنية. وقد زاد العداء تفجرا بسبب الأزمة التموينية الخانقة التي عانت منها الجماهير المصرية غذ ندر وجود الخبز في أواخر يناير 1942م واستعاض عنه الموسورون ( بالبطاطس والمكرونة) بينما عانت الكثرة المتوسطة والفقيرة معاناة شديدة، وعزت الجماهير هذا لنقص إلى استئثار الجيوش البريطانية في مصر بالمواد التموينية. ولم تلبث المظاهرات أن انفجرت منطلقة من حرم الجامعة.

وهتف المتظاهرون بسقوط بريطانيا، وارتفعت أصواتهم تنادي: ط تقدم يا روميل ، إلى الأمام يا روميل" وكانت القوات الألمانية بقيادة الجنرال رومل آنذاك زاحفة من ليبيا صوب مصر.وقد سبقت هذا الانفجار الشعبي محاولة قام بها الضباط الوطنيون في الجيش المصري لتهريب الفريق عزيز المصري غلى ليبيا للالتقاء بالجنرال روميل للتعاون معه لطرد بريطانيا من مصر، وتمت المحاولة وفشلت ليلة 15- 16 أيار( مايو) 1942م، وشارك فيها الضابط الطيار عبد المنعم عبد الرءوف الذي كان عضوا نشطا في جماعة الإخوان المسلمين وفي تنظيم الضباط الأحرار.

وكانت بريطانيا تخشى من أن يتحول الاضطراب إلى ثورة شاملة وأن يشارك فيها الجيش المصري مشاركة فعلية وكان الإنجليز ومعهم حسين سري يعتقدون بأن على ماهر والشيخ المراغي والشربجي ، وحزب مصر الفتاة وراء هذه الأحداث . وأمام إصرار الملك على إقالة وزير الخارجية واندلاع المظاهرات على النحو الذي أوجزنا رأي رئيس الوزراء حسين سري أن يقدم استقالته حتى لا يتحمل نتائج الصدام بين القصر والإنجليز ومسئولية الوقوف علنا ضد شعبه ومع الأجنبي المحتل. وقد طلب السفير البريطاني من حسين سري أن يؤجل استقالته بضعة أيام ريثما تتخذ بريطانيا الترتيبات اللازمة.

بريطانيا تختار النحاس باشا وحزب الوفد

وفور انتهاء اجتماع السفير البريطاني مع سري باشا أبرق السفير إلى وزارة الخارجية البريطانية بمضمون ما دار في الاجتماع وطلب توجيهات فيما ينبغي عليه عمله. وجاء الرد يفوض السفير البريطاني في إطار السياسة المتفق عليها سابقا لأن الأحداث المتسارعة لا تحتمل انتظار تبادل البرقيات للحصول على ا لتعليمات في كل خطوة، ومع ذلك فقد نبه الوزير السفير إلى عدة نقاط أهمها ضرورة إقامة اتصالات مباشرة مع مصطفى النحاس- رئيس الوزراء المقبل- قبل أن يقدم سري باشا استقالته.

وكان على السفير أن يخبر النحاس برغبة بريطانيا في أن لا تحصر مصر تعاونها معها أثناء الحرب في حدود النصوص الحرفية لمعاهد 1936م ، كما كان عليه أن يبين للنحاس أن بريطانيا لا تقبل من مصر موقف الحياد. وفي هذه الأثناء قدم سري استقالته بالفعل يوم 2 فبراير إذ لم يستطع تأجيلها كما وعد السفير. وقابل السفير الملك بعد ظهر يوم 2 فبراير وطلب منه تكليف النحاس باشا بتشكيل الوزارة الجديدة، فوعد الملك بذلك وقال إنه كان سيستدعي النحاس بالفعل.

وأبرق السفير إلى وزارة الخارجية في لندن مبديا اعتراضه على أن يقابل النحاس قبيل ذهابه لمقابلة الملك، لأن ذلك سيحرج الزعيم الوفدي، وقد يحمله على عدم قبول الاضطلاع بتشكيل الوزارة سيما إن علم أن بريطانيا طلبت من الملك تكليفه وضغطت عليه لحمله على ذلك. بيد أن السفير كان مسرفا في افتراضه لحساسية النحاس، فقد جاءت المبادرة من النحاس نفسه، فقبل أن يذهب النحاس لمقابلة الملك أرسل أحد معاونيه، وهو أمين عثمان باسا إلى السفير البريطاني السير مايلز لامبسون لاستطلاع رغباته.

وقد طلب السفير من النحاس أن يرفض – عند مقابلته للملك- فكرة الحكومة الانتقالية، وأن يقبل تشكيل حكومة ائتلافية، كما أبلغه بعدم رغبة بريطانيا في إجراء انتخابات نيابية في مصر في تلك الظروف الحرجة. وذهب أمين عثمان بالرسالة غلى النحاس، وعاد بالجواب إلى السفير في نفس اليوم ( 3 فبراير) وقد بين النحاس أنه يريد أن يرأس حكومة وفدية صرفة، ولم ينس أن يذكر السفير بأنه تعاون مع بريطانيا بإخلاص سواء في ظل المعاهدة أو بغير معاهدة. وقال : إنه إذا كان قد تعاون معهم بإخلاص في وقت السلم فإن إخلاصه في وقت الحرب سيكون أكثر من عشرة أمثال إخلاصه السابق.

وأضاف أنه يريد ديمقراطية حقيقية وتعاونا حقيقيا مع بريطانيا، بينما الملك فاروق يقف ضد هاتين الرغبتين، ومن أجل ذلك فإنه (أي النحاس) يطلب أن تطلق بريطانيا يده في التصرف لمواجهة القصر، كما يطلب دعم السفارة له في هذه المواجهة مع الملك. وأكد السفير لأمين عثمان دعمه لمصطفى النحاس . وقابل النحاس الملك بعد ظهر اليوم نفسه، أي 43 فبراير، ولم يكد يخرج من اجتماعه به حتى أبلغ السفير البريطاني بالنص الحرفي لمناقشته مع ملك بلاده ورئيس دولته. وفي الساعة العاشرة واثنتين وعشرين دقيقة مساء نقلت برقية من السفير نص محادثة ملك مصر مع النحاس إلى وزارة الخارجية في لندن فتسلمتها الوزارة في الساعة العاشرة والنصف من مساء اليوم نفسه ، الثالث من فبراير 1942م.

الإنذار البريطاني

وفي المقابلة عرض الملك على النحاس أن يتولى رئاسة وزارة اتحاد وطني ( ائتلافية) فرفض النحاس فكرة الحكومة الائتلافية وأبدى موافقته على تشكيل حكومة وفدية صرفة. ولما أصر الملك على ضرورة تشكيل حكومة اتحاد وطني اعتذر النحاس عن قبول التكليف، وهنا وجه السفير إنذارا إلى الملك بأن عليه أن يكلف النحاس بتشكيل وزارة وفدية قبل الساعة السادسة من مساء يوم 4 فبراير 1942م، وإلا .. فإن عليه أن يتحمل النتائج. وقد جرت مشاورات بريطانية حول عزل الملك، بل وجرت اتصالات لتحديد المكان المناسب ووسيلة نقله إلى المنفى.

ودعا الملك فور ذلك الزعماء السياسيين جميعا – بما فيهم النحاس- للاجتماع في قصر عابدين، فاجتمعوا في نفس اليوم ( 4 فبراير) وعرض عليهم الملك قصة الإنذار البريطاني، وطلب منهم أن يبحثوا الأمر، وغادر القاعة. وقرر الزعماء رفض الإنذار، وتقديم احتجاج على ذلك التدخل المهين في شئون بلادهم، وصيغ الاحتجاج ووقعوه جميعا- بما فيهم النحاس- وهذا نصه:

" إن في توجيه التبليغ البريطاني اعتداء على استقلال البلاد ومساسا بمعاهدة الصداقة، ولا يسع الملك أن يقبل ما يمس استقلال البلاد ويخل بأحكام المعاهدة".

ووقع الملك الاحتجاج وحمله أحمد حسنين ، رئيس الديوان الملكي، إلى السفير، لكن هذا رفض تسلمه، وقال أنه سيحضر لمقابلة الملك في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم. وقبل أن يحين الموعد زحفت الدبابات البريطانية نحو قصر عابدين- في قلب القاهرة- ورابطت أمامه مصوبة إليه مدافعها، وإذ ذاك حضر السفير السير مايلز لامبسون وبصحبته قائد القوات البريطانية في مصر، وعدد من الضباط الإنجليز المسلحين بالمسدسات" ودخل السفير والجنرال غرفة الملك واجتمعا به بحضور أحمد محمد حسنين ، وكان السفير يحمل ورقة بالتنازل عن العرش، فاختلى حسنين بالملك ونصحه بقبول الإنذار- حفاظا على عرشه- فقبله".

ودعا الملك الزعماء ثانية للاجتماع به، وقال لهم:" اعتبروا ما دار بينكم من حديث وما قررتموه اليوم كأن لم يكن، وأكلفك يا نحاس باشا بتشكيل الوزارة. فاعتذر النحاس لجلالة الملك وطلب إعفاءه من هذه المهمة. ولكن الملك أصر على أمره بتأليف الوزارة.

عندئذ قال أحمد ماهر: كنت أظن أن النحاس باشا – وهو كما يقول عن نفسه زعيم البلاد وصاحب معاهدة الشرف والاستقلال- يرفض تشكيل الوزارة. أما وقد قبلها فإني أعلن في حضرة مليك البلاد أن النحاس يتولى الحكم الليلة مستندا إلى أسنة رماح الإنجليز .

فقال النحاس: لسن أنا الذي يستند إلى أسنة الرماح، فقال إسماعيل صدقي: أظن أن رفعتكم وصلتم إلى هنا بعد انصراف الدبابات فتدخل الملك في النقاش ، وأشار على المتحدثين بالسكوت، وكرر أمره إلى النحاس بتأليف الوزارة، وطلب إليه أن يذهب إلى السفير ويبلغه نبأ تكليفه.. وانتهى الاجتماع على ذلك" وتولى النحاس تشكيل وزارة وفدية صرفة صدر مرسوم تأليفها يوم 6 فبراير 1942م.

أين موقف الإخوان من هذه التطورات؟

وقد كتب أحد قيادي الإخوان المسلمين عن يوم 4 فبراير فقال:

" إنه من التواريخ المشهورة في السياسة المصرية.. وتعتبره الأحزاب المصرية ، بل ويعتبره غيرهم من الأيام السوداء، حيث لجأ الإنجليز إلى التدخل السافر في شئون مصر الداخلية، ويصمون النحاس بالخزي والعار لأنه جاء إلى الحكم على أسنة رماح الإنجليز".

إننا نلمح في ثنايا عبارات الكاتب الإخواني تحفظا شديدا في الألفاظ، بحيث يبدو وكأنه غير مؤمن للتهرب من الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه الإخوان عندما ربطوا أنفسهم بركاب بطل " 4 فبراير " وكأن الأستاذ محمود عبد الحليم حاول أن يقنع نفسه – قبل قرائه- أنه : ما دامت المسألة مسألة مهاترات حزبية في جوهرها فليس على الإخوان من تثريب فيما فعلوا. غير أن صدق الأستاذ محمود عبد الحليم وأمانته واستقامته الفطرية لا تلبث أن تنتصر على موقف التحفظ السياسي وتجتاحه، وهكذا انطلق لسانه وقلمه يعبر عن اقتناعه، فيقول بلسانه- لا بلسان الأحزاب والسياسيين:

" إن مجيء النحاس إلى الحكم على أسنة رماح الإنجليز- مهما قيل في تعليله- كان غصة في حلق كل مصري، وكان النحاس يعرف ذلك، وكان الإنجليز أيضا يعرفون ذلك.. ولقد كانت دهشة الناس في مصر على أشدها حتى رأوا الإنجليز يطلبون الوفد للحكم، ويجدون الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا على ميعاد.. وكان الذين يحسنون الظن بالوفد يتمنون أن يرفض الوفد أن يتولى الحكم بأمر الإنجليز الذين هم بغير شك أعداء البلاد. ولكن هؤلاء حين رأوا الوفد مسارعا إلى إجابة الإنجليز علموا أنهم كانوا مسرفين في حسن الظن. وقد عبر الكثيرون عن هذا الشعور بطرق مختلفة كان أروعها خمسة أبيات ن الشعر نشرها الأهرام يوم 6/ 4/ 1942م، للشاعر الكبير الأستاذ محمود غنيم تحت عنوان: الذئب والكبش..

الكبش قام خطيبا فوق رابية

ينعي على الذئب فتك الذئب بالغنم

فتمتم الذئب في أذنيه أنت على

رأس القطيع أميرا نافذ الكلم

فقبل الكبش ناب الذئب معتذرا

عما رماه به من سالف التهم

وقال للشاء خوضوا وارتعوا معه

من لاذ بالذئب منك لاذ بالحرم

فإن تصب أحدا منك مخالبه

فإنها بلسم يشفي من السقم

وكم لهذه الأبيات من صدى في نفوس المثقفين في أنحاء مصر.. إذ اعتمد الشاعر أسلوب الثورية لتعرية موقف النحاس والإنجليز. لقد عرف الإخوان أن " الوفد- منذ عقد معاهدة سنة 1936م – أصبح يعتبر الإنجليز أصدقاء حلفاء وأن الوفد أصبح يسعى إلى الحكم لإشباع شهوات أعضائه وأنصاره من مغانم الحكم، ولا يبالي من الذي يدعوه إلى الحكم" وقد تأكد الإخوان – بعد تنصيب النحاس في الوزارة- من " تسلط أتباع الوفد من كبار الموظفين والتجار على البقية الباقية من هذه المواد، ( مواد معيشة الشعب المصري التي استأثر بمعظمها الإنجليز) بالسلب والنهب والاستغلال.. ولا يخفى أن الطريقة السافرة التي اختارها الإنجليز في 4 فبراير لتمكين الوفد من الحكم هي في حد ذاتها قد زلزلت ثقة الكثيرين في الوفد- لكن ما ارتكبه الوفد من أخطاء أثناء حكمه قد أتت على البقية الباقية له في النفوس.." ( انتهى تعليق الأستاذ محمود عبد الحليم).

قصر نظر وتناقض مذهل

كان الإخوان – حتى ذلك الوقت- يشاركون في حركة وطنية أو جبهة وطنية عرفت باسم " جبهة الإنقاذ" ويحدثنا محمود عبد الحليم عن هذه الجبهة بقوله: " كان أحرار المصريين يمقتون الإنجليز، ويتربصون بهم الدوائر، ويتمنون أن لو أصابتهم كارثة تأتي عليهم فلا تبقى ولا تذر . فلما قامت ألمانيا بهجومها لمكتسح على أوربا هب هؤلاء الأحرار ينتهزون ههذ الفرصة لتخليص البلاد من يد الإنجليز.

كون الأحرار على اختلاف نزعاتهم جبهة لإنقاذ البلاد، وكان تكوين هذه الجبهة يجري تحت ستار السرية التامة ". ويتحدث الأستاذ محمود عبد الحليم عن دوره فيقول:" وأنا شخصيا مع أني كنت أقوم ببعض ما كان يوكل إلي من أعمال لهذه الجبهة- لا أعرف من الجهات المشتركة فيها ولا الأشخاص المشتركين فيها إلا الأستاذ المرشد وعلى ماهر، والسيد أمين الحسيني مفتي فلسطين.

كانت خطة الجبهة تتلخص في محاولة الاتصال بالحكومة الألمانية والاتفاق معها على أن تحمل مصر عبء الدفاع عن نفسها ضد الإنجليز في مقابل أن تستقل وتظل صديقة لألمانيا. وقد حدث الاتصال فعلا، وكانت تصلنا خطب هتلر بنصها، وكنا ننسخ منها نسخا لتوزيعها على المشتركين في الجبهة.

وأعدت الجبهة العدة لتهريب عزيز المصري إلى ألمانيا في طائرة من طائرات الجيش. لكن الظروف حالت دون ذلك حيث اصطدمت الطائرة بأسلاك اضطرتها إلى الهبوط، وقبض على عزيز المصري وعلى قائدي الطائرة حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرءوف ، وعلى غير ما كان منتظرا أصدرت المحكمة العسكرية التي حاكمتهم حكما برأهم، مما أثلج صدور الأحرار في كل مكان. كما استطاع السيد أمين الحسيني أن يهرب إلى ألمانيا، والتقى بهتلر وتفاوض معه فيما هدفت إليه الجبهة من استقلال مصر واستقلال فلسطين والبلاد العربية. وكان السيد أمين موضع احترام الحكومة الألمانية طيلة الفترة التي مكثها في ألمانيا".

كان الإنجليز يشعرون بعداء على ماهر لهم، ولذا وجهوا إنذارهم إلى فاروق بإبعاده عن رئاسة الوزارة سنة 1949م، كما أشرنا فيما سبق. ومع ذلك ظل اسم على ماهر يتردد في البرقيات المتبادلة بين السفارة البريطانية ووزارة الخارجية في لندن. وكان الإنجليز وأصدقاؤهم من الزعماء المصريين يعتبرون على ماهر المحرض على عدائهم ولذا أصروا على إبعاد عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي، باعتباره أداة في يد على ماهر، وعندما تولى وزارة الوفد برئاسة مصطفى النحاس الحكم بعد حادثة 4 فبراير سنة 1942م لم تتردد في القيام بحركة اعتقالات ضد الجبهة، بل إن النحاس لم يتردد في اعتقال " على ماهر في حرم مجلس الشيوخ سنة 1942م" ، دون رعاية لحرمة المجلس.

استدراج فانزلاق إلى المستنقع

وبمجرد أن تولى الوفد الحكم محمولا على مدافع الدبابات البريطانية أراد أن يطهر نفسه مما عيره به خصومه فأراد أن يجري انتخابات عامة ليثبت أنه يحكم بإرادة الشعب لا بإرادة الإنجليز، ولذا قرر إجراء الانتخابات فور توليه الحكم، بالرغم مما أشار به السفير البريطاني من أن الوقت غير ملائم لإجراء الانتخابات. وجت الاستعدادات بسرعة محمومة وقد طلبت الأحزاب المعارضة رفع الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف أثناء الحملة الانتخابية، لكن النحاس رفض طلبهم، وأصر على إجراء الانتخابات في ظل الأحكام العرفية، وفي ظل الرقابة على الصحف. وهنا أعلنت المعارضة مقاطعة الانتخابات، فصال فيها الوفد وجال وحده.

وهنا أيضا برز الإخوان على المسرح بشكل مفاجئ ومخالف لكل منطق سليم، فقد رشح حسن البنا نفسه للانتخابات عن دائرة الإسماعيلية، وبدا وكأن نجاحه أمر محقق لا يعتريه الشك، وهذا ما أزعج رئيس الوزراء مصطفى النحاس ، فدعاه لمقابلته بواسطة عبد الواحد الوكيل ( صهر النحاس) ، وحاول إقناعه بسحب ترشيحه ، مبطنا دعوته بالتهديد مظهرا النصح، " إيثارا للمصلحة العامة ولمصلحته ( أي مصلحة الأستاذ حسن البنا) إن كان يريد الإبقاء على جماعات الإخوان المسلمين في مختلف البلدان، فرفض البنا ذلك وقال إنه يستعمل حقا من حقوقه الدستورين، ولا يرى ما يمنعه من الترشيح، وإن كان هناك موانع فإنه يطلب بيانها لكي يتبين مبلغها من الصحة، وأضاف البنا، فضلا عن ذلك، أن قرار الترشيح صدر من هيئة مكتب الإرشاد العام لجماعة الإخوان، وأنه شخصيا لا يملك الرجوع في ذلك.

" فرجاه رفعة النحاس باشا أن يعمل على إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك، وأن رفعته رأى أن يدعوه لينصح له بالتناول وإلا اضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى يراها رفعته قاسية ولا يرتاح إليها ضميره، ولكنه حرصا منه على مصلحة البلد مضطر غلى تنفيذها. " ولما استوضحه البنا تلك الإجراءات " قال رفعته: إنها حل جماعات الإخوان المسلمين ونفي زعمائها خارج القطر، وتلك هي رغبة هؤلاء الناس ( يقصد الإنجليز) الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون، ونحن مضطرون إلى مجاملتهم، خصوصا في هذه المسائل الفرعية، وفي هذه الظروف العصيبة، لأنهم يقدرون على كل شئ، وفي استطاعتهم إن شاءوا أن يدمروا البلد في ساعتين.

وانتهت الأزمة بنجاح المرشد العام في إقناع الإخوان بالموافقة على التنازل عن الترشيح، وذلك بعد معارضة شديدة من جانبهم. وبدلا من أن ينأى المرشد بنفسه وبجماعته عن النحاس وحكومته وحزبه، في تلك الفترة بكل ما ذكرناه، على الأقل، فقد طلب من النحاس " ضمانات بقيام الجمعية وفروعها بأنشطتها، وعدم الوقوف في سبيلها، وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحد من نشاطهم. فوعده رفعته بما طلب".

وبعد هذا اللقاء وما تم فيه من تفاهم بين الزعيمين عاد عبد الواحد الوكيل باش، فقابل " الأستاذ المرشد واقترح عليه أن يصدر بيانا يسجل فيه أن التنازل قد تم احتراما لقرار الوفد بترشيح شخص آخر، ويعلن فيه تأييده لسياسة الوفد في التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف، فرفض المرشد ذلك، واكتفى بذكر فقرات من خطاب النحاس باشا معلنا أن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي . ونثبت هنا نص الخطاب الذي وجهه الأستاذ المرشد إلى النحاس باشا كما نشر بجريدة المصري يوم 23 مارس 1942م، وكما أورده الأستاذ محمود عبد الحليم ، تحت عنوان:

" الإخوان المسلمون يستجيبون لنداء الزعيم- ويعلنون أنهم عون للحكومة في تحقيق برنامجها الإصلاحي:

كتاب قيم من المرشد العام للرئيس الجليل

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وأحييكم فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته، وبعد:

فقد تحدثتم رفعتكم إلى الأمة المصرية حديثا رائها جميلا ضمنتموه كثيرا من المبادئ القويمة والأماني الطيبة التي يسر كل مصري أن يحققها الله على يديكم. وقد أشدتم بالصراحة والتعاون الإخلاص، ودعوتم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم إليكم بالنصح ووددتم أن تمتلئ صدورنا جميعا بهذه المعاني السامية( فنحن أبناء أسرة واحدة هي الأمة المصرية الكريمة).

وقررتم رفعتكم أنه من دواعي سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة في هذه الظروف الدقيقة في تنفيذ سياسة خارجية حكيمة، وتصميم سياسة داخلية بصيرة. فالواجب يقتضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التي وقنعاها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومي والاحتياط لمثل هذه الظروف العصيبة، كما أن الحكومة والبرلمان أن يضعا في رأس برنامجها درس المسائل الاجتماعية والسعي غلى حلها حلا سريعا حاسما.

وقد أشرتم إلى ا لتطور الجديد في حياة العالم كله تطورا " هو مقدمة لتطور أعمق غورا وأبعد أثرا يجعل مظهر العالم في غير مظهره اليوم." ثم ختمتم هذا الحديث" بأن علينا أن نعبر الطريق المحفوف بالمخاطر، المحوط بالمكاره، متعاونين متحدين مع الشعوب الشرقية وإخواننا أبناء العروبة الكريمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، مترقبين بزوغ فجر الحرية والإخاء بين الشعوب، فيقوم عدل الحكام على أنقاض الظلم والاستبداد، وتتفيأ الأمم ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام".

أصغينا إلى هذا الحديث القيم ثم طالعتنا الصحف بنصائحكم إلى حضرات المديرين والمحافظين ودعوتكم إياهم غلى أن " يكونوا أداة سلام ودعاة صلح وتفاهم بين العائلات، وأن يديموا التجوال في البلاد ليتبينوا مطالب الأهلين، وينظروا فيها بالعين المجردة عن كل ميل وهوى، وأن يستمعوا إلى شكاوي المظلومين ويعملوا على رفع المظالم عنهم" وقرأنا في الصحف أن معالي وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدا لتخليص مصر من وصمته الشائنة، وأنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء في القرى والبنادر من أول مايو المقبل.

والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه، مستمسكين دائما بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القويمة وأخلاقه الفاضلة.

والله نسأل أن يعيننا جميعا لخير هذا الوطن العزيز والسلام عليكم ورحمه الله.

لقد حرصنا على نقل هذه النصوص كاملة في سبيل إعطاء الأفكار والاستنتاجات وأدلتها حقها من الوضوح الكامل، وعدم التدخل، وذلك نظرا لخطورة القضية التي تحدث عنها.

مدى خطورة تصرف الإخوان

في هذا الجو الخانق- إذن- وصدى هدير الدبابات الإنجليزية الزاحفة صوب المقر الرسمي لرئيس الدولة المصرية ما زال يطن في آذني كل مصري، في هذا الجو تقدم حسن البنا – بموافقة إخوانه- بترشيح نفسه لانتخابات تجري في ظل الأحكام العرفية، والرقابة على الصحف، وفي ظل احتلال عسكري لأرض مصر كلها، من سيناء إلى الحدود الليبية، ومن شاطئ البحر المتوسط إلى ما وراء حدود السودان.

في هذا الجو، وقلوب المصريين تنزف من جراء هتك الإنجليز لعرض مصر السياسي بالفظاظة التي تمت بها حادثة 4 فبراير يوجه مشد الإخوان المسلمين باسمهم خطابا رسميا علنيا ينشر في الصحف يعلن فيه تأييد الإخوان لسياسة النحاس- بما في ذلك سياسته في التعاون مع بريطانيا- ويعلن استعداد الإخوان لمعاونة الحكومة والوقوف إلى جانبها.

لقد غفل حسن البنا وإخوانه عما انطوى عليه تصرفهم من خطأ فادح، ونسوا أنهم كانوا مشاركين في جبهة إنقاذ وطني تزعمها على ماهر ومفتي فلسطين من أجل تحرير مصر من دنس الاحتلال البريطاني، ونسوا أن الجبهة كانت تخوض نضالا يشاركون فيه أنسهم – بما فيهم محمود عبد الحليم نفسه- وأن بريطانيا كانت تضع على ماهر والمتعاونين معه، أمثال الشيخ مصطفى المراغي، وعبد الوهاب طلعت على رأس أعدائها، وأنها تدخلت لإبعاد على ماهر عن رئاسة الوزارة ورئاسة الديوان الملكي تحت طائلة التهديد منذ سنة 1940م، ثم واصلت مطاردة المتعاونين معه. ونسي البنا وإخوانه أن النحاس وحزبه إنما جاءوا إلى الحكم تحت شعار التعاون مع بريطانيا ضد أهداف الجبهة، وأن ذلك التعاون كان ضد أماني شعب مصر.

بل لقد نسي حسن البنا وإخوانه معنى إجبار النحاس له على سحب ترشيحه لمجلس النواب، وبدلا من أن ينسحب وينأى بنفسه وبحركته عن تلك الحكومة الملوثة- بعد أن فاته وإخوانه شرف مقاطعة الانتخابات كما فعلت أحزاب المعارضة التي يحتقرونها- إذا به يعلن تأييده لبطل حادث 4 فبراير ويسعى لتحقيق مكاسب إسلامية على يدي حكومة النحاس باشا، من مثل إعلان ذكرى المولد النبوي الشريف عيدا رسميا للدولة، وإغلاق محلات البغاء.

ومع ذلك يأتي قيادي إخواني هو الأستاذ محمود عبد الحليم ليقول لنا- بعد مرور أربعين سنة على الحادثة- وبكل براءة وعفوية، إن ذلك المسلك الإخواني تجاه تلك الأزمة كان مظهرا من مظاهر الحنكة التي حققت للدعوة مكاسب كبيرة.

لقد كان مصطفى النحاس وحزبه وحكومته بحاجة ماسة إلى من يساعدهم في مسح اللوثة التي تركتها على جباههم حادثة 4 فبراير خاصة مع إصراره على انفراده وحبه بالحكم، ولم يكن في مقدور أية جماعة مصرية أخرى غير الإخوان المسلمين أن تقدم للوفد المساعدة الفعالة التي كان يبحث عنها، وذلك باعتبار الإخوان أكثر الهيئات الشعبية تمازجا مع كل قطاعات الشعب المصري، فضلا عن أنهم يخاطبون الشعب باسم الدين، وهو المؤثر الأقوى على الأغلبية الساحقة من أبناء مصر.

ومع كل هذه الحاجة فإن النحاس لم يقبل أن يكون ثمن التأييد الإخواني المرجو السماح لحسن البنا بالفوز بعضوية مجلس النواب التي تؤهله لها شعبيته . ويبدو أن الباشا كان واثقا من تحقيق غرضه بثمن أقل، وقد ظهر أنه كان مصيبا، فحماية النحاس الوهمية للإخوان من خطر التهديد الإنجليزي واعتراف الدولة بالمولد النبوي الشريف عيدا رسميا، ومنع تقديم الخمر في بعض المناسبات الدينية – أو مجرد الوعد به- دفع الإخوان للاستجابة، فسحب مرشدهم ترشيحه، ووجه النحاس خطابه الذي أوردنا نصه قبل قليل والذي ختمه بقوله:" والإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة، والأعمال الطيبة النافعة، يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم، وأن يعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية في تحقيق برنامجكم الإصلاحي الذي أعلنتموه..".

وهكذا تحول الإخوان من مشاركين في " جبهة الإنقاذ الوطني" التي كانت تعمل ضد الإنجليز ممثلة لآمال وعواطف أغلبية أبناء مصر، فأصبحوا بهذا التحول حلفاء، أو مطايا، للنحاس وحزبه الذي جاء مفروضا بالقوة من الإنجليز، متفاهما معهم مسبقا على البطش بخصومهم.

وبهذا التأييد منح الإخوان المسلمون للوفد شهادة تزكية، وأتبعوا ذلك بتأييدهم له في الانتخابات التي أجبر مرشدهم على الانسحاب منها تحت التهديد، وهي الانتخابات التي كانت قد قاطعتها جميع القوى السياسية الأخرى. ثم إنهم مدوا أيديهم إلى النحاس وحزبه بالمساعدة أثناء أزمة انشقاق سكرتير الوفد، مكرم عبيد باشا، ومهاجمته للنحاس وفضحه لسياسة المحسوبية والفساد التي درج عليها.

لم تطلب الزعامة الوفدية من الإخوان إصدار بيان تأييد عند نشوب الأزمة التي أثارها فصل مكرم عبيد من الوفد، كما فعلوا في المرة السابقة، بل وضعوا الطلب في إطار إخراج مختلف، فقد أبدى رغبة " أعضاء الوزارة في زيارة المركز العام للإخوان ، فوجه الإخوان إليهم الدعوة" وتمت الزيارة ، ونشرت جريدة المصري، لسان حزب الوفد، وصفا شاملا لها في عددها الصادر بتاريخ 17 مايو 1943م، وكان مما كتبته: " أقام المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين حفلة كبرى بداره بالحلمية الجديدة في الساعة السابعة من مساء أمس دعا إليها أصحاب المعالي الوزراء، فلبى الدعوة فؤاد سراج الدين، وزير الزراعة.. وعدد آخر من الوزراء ( ذكرت الجريدة أسماءهم) " وكان في استقبالهم فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن البنا والأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة وبقية الإخوان وفرقة الجوالة الخاصة بهم.

وكان الإخوان يستقبلون كل وزير عند حضوره بالهتاف والتكبير( الله أكبر ولله الحمد) وعلى أثر وصول الوزراء حان وقت صلاة المغرب فأذن المؤذن وأم المصلين فضيلة المرشد العام. ولما كانت المصلى لا تتسع لجميع الذين حضروا فقد أدى العديدون الصلاة في الحجرات وفي حديقة الدار وخارجها، وقد فرشت بالبسط والحصير.

وتصادف أن حضر في هذه الأثناء وزير التموين الأستاذ أحمد حمزة فأدى الصلاة مع المصلين خارج الدار، فكان منظرا إسلاميا ديمقراطيا رائعا رؤية أصحاب المعالي الوزراء وهم بين الإخوان يؤدون صلاة المغرب في خشوع المؤمنين الصالحين وتابعت الجريدة وصفها للحفل وموائد الشاي والحلوى والمرطبات والخطب التي تبودلت بين الفريقين.

تهويل النحاس وتهديده لحسن البنا

لقد شكك المؤرخ المصري الدكتور عبد العظيم رمضان في أن يكون النحاس باشا قد ذكر لحسن البنا شيئا عن تهديد بريطاني بحل الإخوان ونفى زعمائهم، مع أن مصدر الرواية لم يكن حسن البنا وأنصاره حتى يقال أنها سيقت لتبرير موقف الإخوان، بل إن مصدر الرواية هو نص تقرير رسمي لرجال الأمن العام المصري الذين تجسسوا على رئيس الوزراء وزائره وقد نقله الدكتور رمضان بنفسه من ملفات الوثائق الحكومية القديمة المحفوظة في دار الوثائق القومية..

إذن .. لماذا يتشكك الدكتور رمضان أن يشكك في صحة تقرير رجال الأمن العام المصري، وماذا عساها كانت دوافع أجهزة الأمن المصري في تزوير التقرير؟ إنني لا أشك في صحة ما ورد في التقرير أو في أن النحاس قد قال ما نسب إليه بالفعل، إذ لا مصلحة لضباط الأمن في تزوير وقائع ذلك اللقاء. ويبدو أن الدكتور رمضان أراد من وراء تشكيكه أن ينفي معاداة الإنجليز للإخوان انسجاما مع حرصه على إثبات التهمة القائلة بأن الإخوان عملاء لبريطانيا، وهي تهمة لا شك في بطلانها.

ومع يقيننا بأن النحاس هدد حسن البنا فعلا وزعم له أن التهديد صادر في لأصل عن الإنجليز، إلا أننا نرجح- في الوقت نفسه- أن القصة كلها، أعنى قصة التهديد، كانت من اختراع الزعيم الوفدي، فقد أراد مصطفى النحاس تخويف حسن البنا لحمله على سحب ترشيحه، وذلك بعد رفض المرشد العام الاستجابة لطلبه وأصر على ممارسة حقه الدستوري، رغم إلحاح رئيس الوزراء. وهنا أسعف النحاس دهاؤه وخبرته في المناورات السياسية، فرأى أن التهديد باسم الإنجليز أبلغ في التخويف من ناحية، ولا يثير مشاعر الغضب والتحدي في نفوس الإخوان ضده وضد حزبه من ناحية أخرى ، سيما وأن بطل يوم 4 فبراير حرص على أن يبدو للإخوان في ثوب الصديق الذي يكن لهم ودا، ويحرص على حمايتهم، وعلى مصلحتهم، شفقة عليهم، وبدافع من ضميره.

إن مجرد دخول نائب من الإخوان بين ثلاثمائة نائب معظمهم من الوفديين الذين يؤيدون الحكومة على بياض، وبالتلقين، دون أي تفكير، لم يكن يحمل في طياته خطورة بالنسبة لسيطرة الوفد الكاملة على المجلس، بل إن الحوادث اللاحقة تؤكد أن الإنجليز لم يلجئوا غلى اعتقال حسن البنا أو حل حركته عندما عاد إلى ترشيح نفسه للانتخابات سنة 1944م، بل اعتمدوا على تزوير الانتخابات، وتزوير نتائجها بأيد مصرية، وهي عملية درجت عليها كثير من الحكومات الحزبية منذ عرفت مصر الأحزاب في عشرينيات هذا القرن الماضي. وبالإضافة إلى ذلك فإن لدينا مثالا واضحا على دهاء الإنجليز وحذرهم في مثل هذه المواقف، ألا وهو تصرف السفير البريطاني عندما أرادت النيابة ووزارة الداخلية المصرية تقديم حسن البنا للمحاكمة بتهمة طبع وتوزيع كتاب يهاجم بريطانيا بسبب سياستها وتصرفاتها في فلسطين.

ولقد اعترف حسن البنا بأنه فعل ما نسب إليه، وأنه مؤمن بما فعل، ومصر عليه، ووقع على نص اعترافه لدى وكيل النيابة" ورفع التحقيق إلى النائب العام، كما قدمت صورة منه غلى وزارة الداخلية.. وقامت وزارة الداخلية بتقديم صورة التحقيق غلى السفير البريطاني في انتظار كلمة ثناء منه.. وقرأ السفير التحقيق.ز وقال لصنيعتهم: إنك بهذا التحقيق قدمت لحسن البنا خدمة دون أن تدري.. أن أمنية هذا الرجل أن يقدم غلى القضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه.. وسيلة غلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا.. هذا التحقيق يجب أن يحفظ وأن يفرج عنه.. البنا في الحال. " وقد أفرج عن حسن البنا بالفعل قبل أن يمضي في الحجز أربعا وعشرين ساعة. وهذا الأسلوب الإنجليزي في حد ذاته ينفي قصة التهديد البريطاني الذي خوف به النحاس البنا وحمله على سحب ترشيحه للانتخابات.

  • وبجانب هذا فإن الباحث لابد وأن يتساءل: ماذا كانت حصيلة الأزمة بين حسن البنا والنحاس، وماذا كان هدف الوفد وهدف الإنجليز؟ وهل كان هدفهما واحدا؟

لقد كان هدف الوفد واضحا: أن تظل هيبته من حيث قوته الشعبية دون اهتزاز ، فقد أراد لقائمة مرشحيه أن تنجح كلها من غير أن يخترقها أي عنصر غير وفدي، حتى ولو كان نائبا واحدا. ولذا كن لابد من انسحاب حسن البنا. ولو افترضنا أن الإنجليز هم الذين تدخلوا فعلا وحملوا النحاس على ممارسته الضغط على الإخوان لكي يسحب مرشدهم ترشيحه، لو أن الإنجليز تدخلوا بهذه الكيفية فماذا كان هدفهم ؟ هل كان همهم أن يحافظوا على قائمة الوفد دون أن يخترقها أحد ؟ أم أنهم أرادوا إضعاف الإخوان وسد الطريق أمامهم حتى لا تقوى حركتهم وتنتشر؟

إن المنطق السليم يحملنا على القول بأن الإنجليز لو تدخلوا بالفعل، على النحو الذي ذكره النحاس، لكان تدخلهم من أجل إضعاف الإخوان، ومن أجل الحيلولة بينهم وبين العوامل التي تزيد من قوتهم ومن سعة انتشارهم. فأين هذه الفروض مما تحقق بالفعل، على أرض الواقع، نتيجة لاتفاق حسن البنا ومصطفى النحاس؟ والذي أعتقده أن دخول حسن البنا في عضوية مجلس النواب في تلك الفترة، مع ارتباط وتحالف الإخوان مع حزب الوفد الحاكم، مثل هذا التطور لو حدث- سيكون أكثر انسجاما مع أهداف السياسة البريطانية ، بحيث تتصرف هذه القوة الشعبية عن التحالف مع القوى المعادية ويقوي تحالفها مع القوة المصرية الحليفة، أي حزب الوفد وزعيمه.

ويخبرنا عن ذلك الأستاذ محمود عبد الحليم القيادي الإخواني، فيقول: إن حكومة النحاس كافأت الإخوان على انسحاب المرشد وما تلاه، بل أتاحت لهم حرية العمل الجماهيري ورفعت العراقيل من طريقهم، فتوسع نشاط الدعوة وحققت انتشارا واسعا ومكاسب كبيرة على الصعيد الشعبي ما كان لها أن تحققها لولا ذلك الاتفاق. فهل كان هذا هو ما أراده الإنجليز من تهديدهم بحل الإخوان ونفي زعمائهم خارج القطر، لو صدقنا صدور التهديد عن الإنجليز؟ هل أرادوا إضعاف الإخوان أم أرادوا تقويتهم؟ أم أن علينا أن نصدق بأن الإنجليز هم الذين فرضوا هذه السياسة لمجرد المحافظة على الفكرة السائدة بأن قائمة مرشحي الوفد لا يمكن أن يخترقها أحد.

لكل هذا فإنني أرى أن الحديث الذي ألقاه النحاس على مسامع حسن البنا كان تهديدا وتهويلا من عنده هو، وقد نسبه للسفير البريطاني للسباب التي ذكرنا آنفا. أما ما دفع به الدكتور عبد العظيم رمضان من استبعاده أن يظهر النحاس ضعفه أمام حسن البنا لإقناعه بسحب ترشيحه، واستشهاده بإنكار النحاس خضوعه لتوجيهات الإنجليز في اعتقال على ماهر، هذا الدفاع الذي ساقه الدكتور رمضان لا يعدو كونه مجرد تعليل سطحي،

  • وتفسير ذلك من وجهة نظري يكمن في النقاط التالية:

1- كان على ماهر زعيما بارزا، لكنه كان فردا ، لم يكن له حزب يدعمه، ولذا كان من السهل على النحاس أن يتبجح ويدعي بأنه اعتقله من تلقاء نفسه.

2- كان النقاش حول فكرة أن اعتقال على ماهر تم بأوامر إنجليزية ونفي النحاس للتهمة نقاشا جرى في العلن، وأمام السلطة التشريعية أعلى سلطة في البلاد أما في حالة حسن البنا فإن الأمر كان مختلفا:

أ‌- لقد كان حسن البنا زعيما لحركة شعبية ، تنافس في سعة انتشارها حزب الوفد،

ب‌- إن تهديد النحاس للبنا لو وضع في صيغة نحاسية وفدية فحسب، أي لو أنه نسب غلى النحاس وحده لما أخاف حسن البنا،

ت‌- إننا نرى في نسبة التهديد إلى الإنجليز إظهارا لعظم القوة الضاغطة على حسن البنا لإجباره على الانسحاب وليست إظهارا للضعف كما جادل الدكتور عبد العظيم رمضان. فقوة الوفد وحده لا تخيف حسن البنا لدرجة تحمله على الانسحاب، وقد تأكد هذا عمليا عندما رفض مرشد الإخوان أن يتنازل عن الترشيح استجابة لطلب النحاس، وأصر على ممارسة حقه الدستوري، وزاد التأكيد بأن الترشيح لا رجعة عنه أمام أي ضغط وفدي لأنه صادر عن الهيئة العامة للإخوان. ولكن قوة الوفد مضافا إليها قوة الإنجليز تعني شيئا آخر، جعل حسن البنا يحسب ألف حساب، ويقنع إخوانه بالموافقة على التنازل عن الترشيح.

ث‌- إن ادعاء النحاس الملفق بأن التهديد جاء من الإنجليز جرى بينه وبين حسن البنا في غرفة مغلقة وليس أمام البرلمان أو مجلس الشيوخ. والحديث في غرفة مغلقة أعفى الزعيم الوفدي من الشعور بأي حرج من نسبة التهديد غلى الإنجليز. ونستطيع أن نستنتج أن النحاس قد فكر في أنه إذا نجحت الخطة ورضخ حسن البنا فقد تحقق غرض الوفد بثمن بخس، وسيكون البنا حريصا على عدم إحراج رئيس الوزراء بحديث علني عن موضوع التهديد.

أما إذا رفض المرشد سحب ترشيحه ثم حاول التشهير برئيس الوزراء لائتماره بأمر الإنجليز في موضوع التهديد المزعوم فلن يكون لدى البنا دليل لإثبات ادعائه، وعلى العكس من ذلك سوف تكون لدى رئيس الوزراء القدرة والوسائل الضخمة التي تمكنه من نفي التهمة والتشهير بحسن البنا، خاصة وأن حالة الطوارئ معلنة وسارية .

الاستمرار في الدفاع عن الخطأ يعني التمسك بالأساليب الساذجة

يحدثنا الأستاذ محمود عبد الحليم عن اقتناعه- وهو القيادي الإخواني- بأن من بين الأهداف التي توخاها الإنجليز من تسليم الحكم إلى الوفد في 4 فبراير 1942" تحطيم الوفد نفسه والقضاء على سمعته.." ذلك أنهم كانوا يعلمون مدى تكالب الوفد على الحكم وتشوقه إليه، ويعلمون- في نفس الوقت- أن الذي يتولى الحكم في ظروف الحرب التي تلازمها دائما قسوة الحياة، وصعوبة وسائل التموين، مع تعرض البلاد للغارات.. كل ذلك سيخلق الكراهية في نفوس الشعب للجالس على قمة الحكم. وقد استطاع الإنجليز تحقيق هذه الأغراض جميعا حين أتوا بالنحاس إلى دست الحكم".

ولقد نقلنا من قبل قول الأستاذ عبد الحليم: " ولقد كانت دهشة الناس في مصر على أشدها حين رأوا الإنجليز يطلبون الوفد للحكم، ويجدون الوفد يسارع بالإجابة كأنما كانا على ميعاد.ز" فإذا كان الإخوان قد أدركوا هذا الشعور الشعبي أفلم يخطر ببال قادتهم أن مسلكهم- حين قبلوا ربط أنفسهم بالوفد في ظل الظروف التي عرفوا- يثير دهشة وأسى كل من كانوا يحسنون الظن بهم بل ودهشة وأسى كل باحث أو دارس يتصدى لدراسة تاريخ حركة الإخوان في قادمات السنين؟ إنه لمن المؤلم والمؤسف حقا أن يستمر قادة الإخوان في الدفاع عن أخطائهم، وأن يحاولوا إخفاءها عن منتسبي الدعوة وأنصارها. ولعلهم يتوهمون أنهم بهذا يحجبونها عن خصومهم، لكن الحقيقة المرة هي أنهم ينجحون فقط في توجيه عقول أبناء الدعوة بعيدا عن الواقع الموضوعي معتمدين على الثقة المفرطة التي تسود بين أفراد الإخوان وقياداتهم في العادة، أما الخصوم فلا تضلهم محاولات التعتيم الساذجة عن معرفة السقطات.

الإخوان يؤيدون إسماعيل صدقي باشا

إسماعيل صدقي سياسي عتيق، اشتهر بالشدة واللجوء إلى وسائل القمع، والاستهتار بالقواعد الدستورية. وكان قد تولى وزارة الداخلية أول مرة سنة 1924م أثناء تفاقم الأزمة بين الشعب المصري والاحتلال البريطاني بعد اغتيال السير لي ستاك باشا. ولقد بلغت سمعة إسماعيل صدقي درجة من السوء حملت حسن البنا على رفض القيام بإلقاء خطبة في حفل أقيم لاستقبال رئيس الوزراء، أي إسماعيل صدقي، عند مروره بالإسماعيلية أيام كانت حركة الإخوان ما زالت في طفولتها سنة 1248هـ / 1930م، وعندما كان حسن البنا شابا في مقتبل العمر، في الرابعة والعشرين ، غير معروف لجماهير المصريين. وقد هدد حسن البنا بالاستقالة من وظيفته الحكومية إن حاول ناظر المدرسة إجباره على أن يخطب أمام رئيس الوزراء المكروه.

إسماعيل صدقي هذا تولى رئاسة الوزارة مرة ثانية في شهر شباط ( فبراير) 1946م. ولكنه كان يفتقر إلى التغطية الشعبية، لأنه كان من السياسيين المستقلين منذ ترك حزب الأحرار الدستوريين، وكذلك لسوء سمعته السياسية. ولذا فقد جاء يسعى – بعد ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء- للحصول على دعم الإخوان لحكومته باعتبارهم هم القوة الشعبية الوحيدة التي تستطيع الوقوف في وجه الوفدـ وبجانب ذلك فقد كان صدقي- فيما أرجح- يعرف سذاجة الإخوان وسهولة خداعهم وإقناعهم.

ويخبرنا الأستاذ محمود عبد الحليم بلغته:" اتصل صدقي بالأستاذ المرشد وكاشفه باتجاه النية غلى اختياره لرئاسة وزارة غير حزبية لمفاوضة الإنجليز، وأنه أرجأ رده بالقبول أو الرفض حتى يعرض الأمر على الإخوان المسلمين وينتهي معهم على وضع معين. فصارحه الأستاذ المرشد: إن ما شاع بين الناس عن تاريخك السياسي قد يبعث على النفور منك، ولكننا نحن الإخوان المسلمين مقيدون بقول الله تعالى:" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) فنستمع إليك ونزن ما تقول بميزان دعوتنا.. " فرد صدقي بمهاجمة خصومه السياسيين، وأشار إلى أن سلوكه كان مرتبطا بالمرحلة السياسية السابقة، " أما وقد تطورت هذه الحياة السياسية، ونشأت فيها هذه الهيئة ( الإخوان) التي تقوم على الدين والخلق، فلا يسعني حين أتقدم إليها إلا أن أخلع الثوب الذي لبسته طول حياتي وأعلن لها توبتي وافتتاح صفحة جديدة..".

" طلب الأستاذ المرشد من صدقي باشا أن يمهله حتى يجمع الهيئة التأسيسية للإخوان ويعرض عليهم الأمر. والأمر في هذه الحالة يقتصر على أخذ رأي الهيئة فيما إذا كانت تقبل التفاهم مع رجل مثل صدقي باشا له ماض قريب، وقد جاء مقرا بأخطائه، معلنا التوبة، عازما على افتتاح صفحة جديدة" وقبلت الهيئة. وبين المرشد لصدقي الحد الأدنى من المطالب المصرية في أية مفاوضات مع الإنجليز الجلاء عن وادي النيل ووحدة مصر والسودان، وأعلن صدقي القبول ، وشكل الوزارة . ثم ماذا؟

ثم سير الإخوان مظاهرات ضخمة يوم 21 شباط (فبراير) 1946 م تأييدا لحكومة صدقي تطالب بالجلاء. وقد تصدى الإنجليز للمظاهرات بالعنف فسقط عدد من القتلى والجرحى ، وقد حمى الإخوان الحكومة من ضغوط الوفد وأفشلوا محاولاته لتنظيم إضراب في الجامعة، ولإثارة الشعب ضد الحكومة في أوائل شهر آذار ( مارس) 1946م.

لكن إسماعيل صدقي ما لبث أن نكل عن تعهده وأبدى استعداده للتنازل عن حقوق البلاد بعد أن رفض الإنجليز المطالب الوطنية، ولهث وراء الإنجليز في موقف ذليل. وعندما قاوم الإخوان هذا الانحراف استعمل أساليب القمع ضدهم، وحاول الإصرار على المضي في سبيله للتوقيع على اتفاقية مع الإنجليز مفرطا في حقوق البلاد، ولم يثنه عن ذلك إلا موجة من إلقاء القنابل على مراكز الشرطة حملته على تقديم استقالته.

لا مراء في أن اتفاق الإخوان مع إسماعيل صدقي باشا وتأييدهم لحكومته لا يقارن باتفاق حسن البنا مع النحاس سنة 1942م . بيد أن المسلك الإخواني في الحالتين كان يفتقر إلى الوعي السياسي ويستند إلى مبررات أسئ فهمها، وعلى التلهف والاستعداد لدفع أي ثمن سياسي في سبيل تحقيق أهداف وهمية. فلم يكن من الحكمة في شئ أن ينساق الإخوان في تأييد إسماعيل صدقي لمجرد إعلانه توبة كاذبة، ووعودا ما كان ينبغي أن تقبل ممن عرف عنه عدم الصدق.

لقد كان بوسع الإخوان أن يعدوا صدقي بعدم معارضته إلا أن ينحرف، وأن يعدوه بالتأييد العملي والتغطية الشعبية حين يرون منه الخطوات العملية القويمة في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية، لا بمجرد وعد كلامي. أما الآية الكريمة التي سيقت لتبرير موقف الإخوان: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ليس هذا موضعها الصحيح، إن موضعها في ميدان معكرة حربية حسين يستسلم أحد جنود العدو ويعلن إسلامه. ذلك هو المعنى الذي يوضحه سبب نزول الآية الكريمة في موقف لأسامة بن زيد رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما إسماعيل صدقي فجاء ليتولى رئاسة الوزارة والسلطة على كل أجهزة الحكومة وجيشها وشرطتها وإدارتها وليحكم البلد. لم يجئ مستسلما وإن كان قد لبس جلد حمل. وعندما قرر السير في طريق الانحراف- بعد الاستسلام والتوبة المزيفة- كشر عن أنيابه المعروفة قديما، واستعمل أسلوب العنف والقمع ضد من استغفلهم وأظهر لهم استسلامه وتوبته المزعومة. لقد كان الإخوان في غنى عن الظهور بمظهر المطايا والأدوات في يد إسماعيل صدقي وحكومته.

الإخوان يفاوضون الإنجليز؟

وبينما كنت منغمسا وغارقا في إعداد هذه الدراسة التي بين يدي القارئ – بعد ما يقرب من ستين سنة من الأحداث التي نتناولها- وجدتني أمر بما كتبه الدكتور فريد عبد الخالق، من بين ما مررت به من مصادر ومؤلفات، حيث كتب . من ضمن ما رواه:

" .. وكان الإخوان قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط.. ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده( عند جمال عبد الناصر) استعدادا لقبول بعض الشروط.. "

إذن ، الأخ فريد عبد الخالق يعلم أن الإخوان فاوضوا الإنجليز بشأن موضوع جلاء قواتهم عن مصر، ونجحوا وتمكنوا من الوصول إلى موافقة بريطانية على الجلاء غير المشروط، إلا أن جمال عبد الناصر صار عنده استعداد لقبول الشروط من جراء خوفه من التهديدات البريطانية.

وحيث أن هذا الكلام قد صدر من جهة واحدة من طرفي الخلاف ( وهي الطرف الإخواني) ، فإن الباحث ملزم بالتدقيق التزاما أقوى ليصل إلى حكم صحيح يطمئن إليه، إما بقبول الرواية تماما، أو بتعديل المضمون حسب ما توصل إليه، أو بإبقائها موضع الشك والحاجة إلى مزيد من الفحص والتدقيق. وأول خطوات الفحص والتدقيق أن ننظر في النص متكاملا، بمقدماته وتوابعه، قبل أن نتجه إلى مصادر أخرى.

لقد بدأ الحديث عن الموضوع من أول صفحة 103 في كتابه تحت عنوان:

" اتهامات للتمهيد لضرب الجماعة"

" .. الضربة الأولى سددها جمال عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين في أول يناير 1954م .. جاءت على أثر توقف المباحثات بين حكومة جمال عبد الناصر والإنجليز بخصوص الاتفاق حول الجلاء عن قاعدة قناة السويس، وتوجيه الإنجليز إنذارا إلى مصر يهددها باتخاذ إجراءات عنيفة عندما اختفى أحد أفراد السلاح الجوي البريطاني. وكان الإخوان قد تمكنوا من الوصول مع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية إلى الجلاء غير المشروط، حيث تم الاتصال به استجابة لطلب مباشر من السفير البريطاني في القاهرة للتعرف على رأي جماعة الإخوان المسلمين فيما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة، وسبق هذا الاتصال إخطار جمال عبد الناصر وموافقته عليه، والتفاهم المباشر بينه وبين المرشد في الموضوع، كما لحقه إخطاره بالنتائج أولا بأول، وإعرابه هو وبعض زملائه في زيارتهم للمرشد في منزله عن سرورهم بها.

ولكن الإنذار والتهديد البريطاني أوجد عنده استعدادا لقبول بعض الشروط، كما زكاه عنده تدخل زيارة وزير خارجية أمريكا لمصر ( كذا في الأصل ) وتأكيده موقف أمريكا السابق حينما استجابت لدعوة بريطانيا بحظر تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر ورفضها للاتفاق معها، فافتعل حادثة للإخوان في جامعة القاهرة أثناء احتفالهم بذكرى أحد شهداء الإخوان، بأن أرسل مجموعة من الجنود، وبعض شباب هيئة التحرير ليفسدوا على الطلبة هذا الاحتفال، وتطور الأمر إلى صدام مسلح ضد الإخوان الذين تمكنوا- رغم ذلك- من إرغامهم على الفرار.

وفي هذه الليلة وقعت الواقعة، إذ هاجمت قوات الشرطة بيوت الإخوان، كما فتشوها، وأرهبوا النساء والأطفال بقسوة.. واقتادوا الإخوان مكبلين بالحديد إلى السجن الحربي ومعتقل العامرية..الخ..

هنا نجد الأستاذ فريد عبد الخالق - رحمه الله- يؤكد أن الإخوان تفاوضوا مع الإنجليز، لكنه لا يقف عند ذلك، بل يضيف أن الإخوان حققوا من خلال تفاوضهم أفضل مما ارتضاه جمال عبد الناصر فيما بعد، حيث أجبره الخوف على تقديم تنازلات وقبول شروط، على عكس مفاوضي الإخوان الذين" .. تمكنوا من الوصول .. إلى الجلاء غير المشروط.."

ونتيجة لذلك قرر جمال توجيه ضربة إلى الإخوان.. لماذا ؟

هل لأنهم حصلوا على نتيجة أفضل مما حصل عيه فضربهم بفعل الغيرة؟

أو خوفا من أن يأخذوا تقدير الشعب المصري وولاءه ويمنعوا ذلك عنه؟

أم لتطمين الإنجليز وإقناعهم بأن الإخوان تحت السيطرة؟

لم يبين لنا الدكتور فريد السبب، من هذه الثلاثة أو غيرها.

غير أن في هذه الرواية وهذا النص الذي نقلناه حرفيا ما لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاهله أو المجاملة فيه.

إنه لما يثير العجب أن يقول لنا الدكتور فريد أن الإخوان فاوضوا الإنجليز بناء على طلب السفير – حسب النص المقتبس- الذي أراد أن يتعرف على رأي الإخوان قبل أن تبدأ المفاوضات المصرية البريطانية مع الحكومة المصرية، وليس مع الإخوان، بل للتعرف على " ما يرتضونه لنجاح مفاوضات الجلاء التي ستبدأ مع الحكومة.."

السفير إذن ، لم يرسل المستشار الشرقي للتفاوض مع الإخوان، بل أرسله للتعرف على رأي الإخوان. ولسنا نعرف إن كان الإخوان قد خطر ببالهم أن يفكروا في الهدف من سعي الإنجليز للتعرف على رأي الإخوان بيد أن من البديهي أنهم كانوا يبحثون عن نقاط الضعف في الجانب المصري ليستغلوها عند تفاوضهم معه.

فكيف فهم الإخوان أن المستشار جاء ليفاوضهم؟ وهل يعقل أنهم فهموا ذلك، وهل كان فهمهم ثقيلا لهذه الدرجة .

أم أن الإخوان سعوا للانخراط في المفاوضات من تلقاء أنفسهم وأخذوا دور الحكومة، ربما لأنهم لا يعترفون بأن تلك الحكومة تمثل الشعب المصري، ودون أن يدركوا أن الاتصال البريطاني كان بغرض التمهيد للتفاوض مع الحكومة المصرية، ليكون لدى المفاوض البريطاني فهم أفضل لوضع الجانب المصري، بما في ذلك موقف هذه القوة الشعبية المصرية الممثلة في الإخوان المسلمين؟

ومع ذلك قالوا: إنهم أخبروا الحكومة قبل القيام بذلك الدور، وكانوا يبلغونها بالنتائج.

وإذا كان الإخوان قد فهموا هذا الفهم، أو تجاهلوا هدف- أو أهداف- السفير من إرسال المستشار، وهو التعرف على رأي الإخوان، وحرصوا على أن يدخلوا هم في المفاوضات بدلا عن الحكومة، فهل نسي المستشار الشرقي حدود مهمته، أو تجاهل التعليمات التي أصدرها له السفير البريطاني، وانهمك في مفاوضات مع الإخوان من تلقاء نفسه كما فعلوا هم من تلقاء أنفسهم؟

أم أن السفير الذي جاء ليتعرف على رأي الإخوان موقفهم كان يستمع ويهز رأسه مظهرا الأدب، فاعتبروا ذلك إيماء بالموافقة أو قال لهم: هذا طيب this good أو مثل ذلك.

ألم تكن العلاقات متوترة بين الإخوان والحكومة منذ فصل جمال عبد الناصر المقدم عبد المنعم عبد الرءوف من الضباط الأحرار قبل الثورة بستة أشهر أو ثلاثة أشهر؟

ألم يكن التوتر موجودا عندما قال جمال للمرشد الهضيبي يوم 30 يوليو 52 أي بعد أسبوع واحد من حدوث الانقلاب، أو الثورة : " أنا لا أقبل وصاية أحد على الثورة"؟ ثم استمر التوتر يتصاعد بعد ذلك؟

أو لم يفكر الإخوان أن جمال الذي يخاصمونه – بغض النظر عما إذا كان الحق معهم أم معه- يمكن أن يناورهم ليورطهم مستغلا سذاجتهم وغفلتهم، كي يضعهم في موضع الاتهام، ثم يضربهم بقسوة؟

أم أن الإخوان أرادوا الدفاع عن أنفسهم ونفي تهمة التفاوض من وراء ظهر الحكومة، فجاء دفاعهم بهذه السذاجة، وبهذه الدرجة من الضعف والتناقض؟ لقد أعلنوا أنهم فاوضوا الإنجليز بينما الإنجليز أنفسهم لم يأتوا لمفاوضتهم، ولم يدخلوا معهم في مفاوضات ، ولكن الإخوان أنفسهم توهموا أنهم فاوضوا الإنجليز فأعلنوا ذلك، وتفاخروا بأنهم حققوا نتائج أحسن من تلك التي حققها جمال عبد الناصر ورجاله.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الفصل الخامس

ممارسة العنف في العمل السياسي الداخلي

اتسمت الحياة السياسية في مصر- من بين ما ميزها من سمات- بصراع سياسي حاد لم يتقيد بحدود التنافس الواعي وإنما تعدى الحزبيون هذه الحدود وانغمسوا في صراع أضر بهم وبوطنهم وبجهادهم ضد الاستعمار. وعندما بلغ الإخوان نهاية المرحلة الأولى من سيرتهم الطويلة حوالي سنة 1938م كانت العناصر المستغربة أو العلمانية التي قادت نضال الشعب المصري منذ سنة 1919م ما زالت توجه دفة مسيرة الحياة الاستقلالية بالرغم من أنها " انتهت إلى التهادن مع الاستعمار الأجنبي بدل أن تتصدي لمقاومته.

لقد أغرتها مواقع السلطة والنفوذ التي احتلتها، كما وجهتها الامتيازات الطبقية التي حصلت عليها.." في هذه الأجزاء دخل الإخوان معترك الحياة السياسية في مصر حوالي سنة 1938م بكثير من الحماسة، وكثير من الإخلاص، وقليل من الخبرة ، وقليل من الوعي والإدراك، فانغمسوا في العنف إلى الأذقان. والعنف الذي نقصده هما هو الموجه ضد القوة السياسية المصرية المنافسة، ولا يدخل ضمنه جهاد الإخوان في فلسطين أو جهادهم في معارك منطقة القنال ضد القاعدة البريطانية سنة 1951- 1952م ، لأن ما قام به الإخوان في فلسطين والقنال ينبغي أن يكون محل تقدير وإعجاب. وبالرغم من أن هذه الأعمال قد تكون خالطتها بعض الأخطاء فإنه لا مجال لمناقشتها هنا. وعندي أن وضوح الهدف ووضوح الطريق هما اللذان أعطيا روح الإخوان الجهادية المتوثبة مجال انطلاقها الفسيح فأمكنهم إتمام إنجازاتهم المجلية في ميدان القتال.

أما تحركات الإخوان في الأحداث الداخلية لمصر فلها شأن آخر. ففي سنة 1946م شهدت القاهرة عددا من الهجمات التي تعرضت فيها مراكز الشرطة لإلقاء القنابل بهدف إسقاط حكومة رئيس الوزراء المكروه إسماعيل صدقي باشا ، وقد اضطر صدقي إلى الاستقالة. وبعد سنتين كانت القاهرة مسرحا لاشتباكات دامية ومتكررة بين الإخوان ورجال الشرطة، وذلك خلال سنة 1948 وامتدادا إلى الأشهر الأولى من عام 1949، حيث قام أفراد النظام الخاص باغتيالات ونسف وإلقاء قنابل.

وبينما كان بعض هذه الأعمال موجها ضد الوجود العسكري البريطاني، وبعضها الآخر ضد اليهود المصريين ، فقد استهدف منتسبوا " النظام الخاص" عددا من الشخصيات الحكومية المصرية. وقد وجهت التهم في أكثر هذه الحوادث للإخوان المسلمين، وللنظام الخاص بالذات، واعترفت المصادر الإخوانية بصحة الاتهام في عدد من هذه الأعمال، فكان من ذلك ما كتبه صلاح شادي إذ قال إن " السبب في كشف كل الأحداث التي قام بها النظام الخاص يعود إلى سوء التخطيط " بالإضافة غلى المغالاة في الطاعة.

وأضاف أن " حادث الخازندار، وحادث النقراشي، وحادث المحكمة، وحادث حامد جوده، وقبلها حادث النادي البريطاني- بغض النظر عن علم المسئولين بها أو عدم علمهم- لم تحظ بقدر كاف من التخطيط السليم ، وهذه الأحداث كانت أظهر من قام به النظام الخاص سنة 1948م، وما قبلها.. وكلها ضبط فاعلوها." ومن الواضح أن صلاح شادي – في تعليقه هذا- لم يقصد أن يعلن استنكاره لهذه الأعمال، بل إنه أراد انتقاد عبد الرحمن السندي- قائد النظام الخاص- والإزراء به والتهوين من قدراته القيادية. وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على كل واحد من الأحداث التي شهدتها فترة 1948- 1949م.

أولا: اغتيال القاضي أحمد الخازندار

كان القاضي أحمد الخازندار رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف وكان يقيم في حلوان. وبينما كان خارجا من منزله صبيحة يوم 22 آذار 1948م متجها إلى المحطة ليركب القطار الذاهب إلى القاهرة اعترضه شابان وأطلقا عليه النار فصرعاه فورا. وكان هذان الشابان ، محمود زينهم وحسن عبد الحافظ، من الإخوان المسلمين، وقد " حكم عليهما بالسجن المؤبد في 22 نوفمبر سنة 1948م" وقد تبين أن إقدامهما على ارتكاب هذه الجريمة قد تم بغير علم المرشد، الأمر الذي ترك في نفسه أسوأ الأثر.

وأراد المرشد بادئ الأمر أن يتحقق مما إذا كان هذا الحادث نفذ بأمر السندي، ظنا باحتمال ارتكابه من قبل بعض الطلبة غير لمسئولين. " واستفسر الأستاذ البنا من مسئول قسم الطلاب فأكد له المسئول بأنه " لا يمكن أن يصدر لأحد من الطلاب أمرا بهذا الخصوص. وأخذ الغضب والأسف من المرشد كل مأخذ وهو يقول: إن هذا يعني تدمير الجماعة الذي قضى عمره في بنائها، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو، أي المرشد.

ولم يخفف من هول الحادث ما تذرع به السندي عندما ووجه برد الفعل هذا لدى المرشد، فادعى أن المرشد قال في مجلس عام: " إن القاضي يستاهل القتل .. جزاء على أحكامه القاسية ضد شباب ( من الإخوان) كانوا يحملون قنابل وضبطوا بها أمام نادي الجيش الإنجليزي قبل أن تنفجر ـ في حين حكما هو نفسه، أي القاضي على سفاح الإسكندرية الذي ارتكب الكثير من جرائم القتل وهتك الأعراض، ونشر الرعب في الإسكندرية بالسجن سبع سنوات فقط" قد ذهب السندي إلى أنه فهم من عبارة المرشد أنها إذن ضمني بقتل القاضي.

ثانيا: قتل اللواء سليم زكي ، حكمدار القاهرة

وفى الرابع من كانون الأول( ديسمبر) 1948م نظم الإخوان مظاهرة صاخبة في حرم جامعة القاهرة، وجاءت قوة من رجال الشرطة يقودها اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة، وحدثت اشتباكات بين الطلبة والشرطة، فاعتصم عدد من الطلبة فوق أسطح المباني، وألقى أحدهم قنبلة أصاب بها اللواء سليم زكي فأردته قتيلا على الفور. ولم تتمكن سلطات التحقيق من توجيه التهمة لأي طالب بعينه، لكنها وجهتها إلى الإخوان بصفة عامة، لأنهم نظموا المظاهرة وقادوها .

وقد برر الإخوان قتل اللواء سليم زكي بدوره في قمع مظاهرة وطنية قام بها الطلبة يوم التاسع من شباط ( فبراير) 1946م. وكانت تلك المظاهرة المشار إليها قد انطلقت من جامعة القاهرة واتجهت إلى قصر عابدين احتجاجا على ما ظهر من نية بريطانيا على الاستمرار في احتلال مصر والتسويف في تحقيق المطالب الوطنية المصرية بالجلاء، ووحدة وادي النيل.

وقد ذكرت بعض المصادر الإخوانية أن مائة وستين طالبا أصيبوا بجراح بينما فقد ثمانية وعشرون طالبا كانوا يلقون بأنفسهم في النيل من شدة إطلاق الرصاص من قبل الجنود الذين قادهم اللواء سليم زكي. ويبدو أن اتهامات الإخوان لسليم زكي كانت مبالغا فيها لدرجة كبيرة، فقد تناول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي- وهو محام مشهور ومن زعماء الحزب الوطني- حادثة كوبري عباس بالوصف والبحث دون أن يشير إلى الإخوان بالذات، فذكر أن عدد الإصابات بلغ أربعا وثمانين إصابة وأضاف أن إشاعات انطلقت مفادها" أن بعض الطلبة قتلوا فيها. وبعضهم غرقوا في النيل من أعلى الكوبري، وقد تحققنا أنه لم يقتل أحد ولا غرق أحد في هذه الواقعة بالذات، ولو قتل أو غرق أحد لذكر اسمه ولو بعد حين" . ولم تكن هذه المظاهرة إخوانية فقط، بل شاركت فيها كل القوى السياسية المعارضة.

كذلك أخبرني الدكتور محمد عبد الحي شعبان أنه كان من المشاركين في تلك المظاهرة ومن بين الذين أنيط بهم الإشراف على النظام. وأكد أنه كان عند فتحة الجسر، ولم ير أحدا من الطلبة يسقط في النيل. وقال إن عددا من الطلاب أصيبوا من جراء الضرب فأخذ بعضهم إلى عيادة الدكتور برادة- وكانت قريبة من المكان- فأسعفوا وذهبوا إلى بيوتهم. وقد سمع أن ثمانية من زملائه الطلاب أدخلوا مستشفي القصر العيني للعلاج، فذهب لزيارتهم فلم يجد أحدا. وقال إنه سمع إشاعات بعد ذلك عندما ذهب إلى قريته عن سقوط بعض الطلاب في النيل، ولكنه لا يعتقد بصحتها باعتباره كان مشاركا، وكان في موقف يسمح له برؤيته ما يحدث ومعرفته.

بل إن عبارة الأستاذ محمود عبد الحليم عن هذه النقطة توحي بالظن لا باليقين ، فهو يقول: " وقد أصيب 160 طالبا إصابات شديدة وفقد 28 طالبا كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب بالرصاص " فهو لم يقل غرقوا ولا ماتوا بل قال فقدوا الكارثة." وهي كلمة قد تعني أنهم فروا ، وربما اختفوا عن الأنظار خشية الملاحقة.

وثمة شاهد إسلامي آخر، هو القيادي في النظام الخاص أحمد عادل كمال، قال إنه شهد المظاهرة، وكانت سليمة قادها الأخ مصطفى مؤمن، وحدث فيها ضرب وإصابات وقفز في النيل، " وقد شهدتها وأصابتني بعض هراوات الشرطة، لكن الذي أؤكده أن أحدا لم يقتل يومها، رغم أن كثيرين ألقوا بأنفسهم من فوق الكبري إلى النيل.. وفضت المظاهرة بعنف بالغ.." وأسفرت عن مئات الجرحى.

ثالثا: اغتيال رئيس الوزراء

ونتيجة لهذه الأعمال أصدر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، أمرا بحل جماعة الإخوان المسلمين في الثامن من كانون الأول ( ديسمبر) 1948م، ورد الإخوان على ذلك باغتياله في الثامن والعشرين من الشهر نفسه على يد الطالب عبد المجيد أحمد حسن، عضو الإخوان المسلمين الذي اعترف بأن الحادث كان انتقاما لما أنزله رئيس الوزراء بجماعة الإخوان وقد بذل المرشد العام حسن البنا " محاولات متعددة ومريرة .. في تجنب هذه الكارثة.." ولكن دون جدوى.

رابعا: محاولة نسف محكمة الاستئناف

وفي الثالث عشر من كانون الثاني( يناير) 1949م جرت محاولة قام بها أحد إخوان النظام الخاص لنسف مقر محكمة الاستئناف بميدان باب الخلق بمدينة القاهرة، وقد جرت المحاولة بأمر من عبد الرحمن السندي الذي كان معتقلا آنذاك على ذمة قضية أخرى عرفت بـ " سيارة الجيب" . وقد فشلت المحاولة لأن واحدا من الحراس تنبه لوجود الحقيبة المليئة بالمتفجرات، فسارع بنقلها إلى خارج المبنى، وما لبثت أن انفجرت بعد قليل محدثة فجوة عميقة في الميدان، وتلفا كبيرا في دار المحكمة وتكسير زجاج نوافذها. وأصيب من جراء الانفجار خمسة عشر شخصا أغلبهم من المارة. وقد دلت ملابسات هذا الحادث على أن المحاولة كانت تستهدف نسف مكتب النائب العام وما فيه من أوراق ووثائق تدين بعض.. أعضاء الجماعة.. وقد ضبط الجاني وحكم عليه في مارس سنة 1949م بالأشغال الشاقة المؤبدة".

خامسا: محاولة اغتيال إبراهيم عبد الهادي، رئيس الوزراء

وما لبثت حكومة إبراهيم عبد الهادي أن أعدت عملية اغتيال الإمام حسن البنا، فتم الاغتيال يوم 12 شباط ( فبراير) 1949م بأيدي رجال الأمن المتنكرين بثياب مدنية، وبموافقة القصر وتأييده بطبيعة الحال. وعلى أثر ذلك حاول الإخوان اغتيال رئيس الوزراء، فاستأجروا بيتا يقع على طريق انتقاله بين القاهرة وحلوان، وهيئوا فيه كمينا لتنفيذ العملية، غير أن خطتهم لم تكن بالدقة المطلوبة، فأثناء تربصهم بإبراهيم عبد الهادي مرت سيارة رئيس مجلس النواب، حامد جودة، فظنوها سيارة رئيس الوزراء، فأمطروها بالقنابل، وبصليات مدفع رشاش، لكنهم أخطئوا الهدف، واستطاع السائق أن يفر بمن معه دون أن يصاب أي منهما. بيد أن الحادث لم يمر دون ضحايا فقد قتل شخص عابر جره أجله إلى موقع العملية.

سادسا: إلقاء القنابل على الشرطة من المدرسة الخديوية

في السادس من كانون الأول( ديسمبر) 1948م تجمع طلبة المدرسة الخديوية( وهي مدرية ثانوية) في تظاهرة داخل المدرسة، وألقى أشخاص من بينهم قنبلتين على رجال الشرطة الذين كانوا يقفون خارج سور المدرسة، فأصيب ثمانية جنود بينهم ضابط، وقد اتهم أعضاء من الإخوان بالقيام بهذه العملية.

سابعا: انسياق الإخوان لاشتباك مسلح في حرم جامعة القاهرة

في الثاني عشر من كانون الثاني ( يناير) 1954م، مع طلاب آخرين يتظاهرون تأييدا لحكومة الثورة، ومعهم أعضاء منظمات الشباب الحكومية، من خارج الجامعة. وذهبت الرايات الإخوانية إلى أن طلاب الإخوان انتصروا وقلبوا السيارة التي كانت تحمل مكبرات الصوت التي استخدمها الطرف الآخر وأحرقوها. وأجبروا خصومهم على الفرار. وقد اتخذت تلك الحادثة – مع غيرها- ذريعة لحل الجماعة.

هجمات ضد اليهود المصريين

وبجانب ذلك فإن الفترة ذاتها شهدت عددا من الهجمات ضد مؤسسات وأحياء يهودية وأجنبية في القاهرة والإسكندرية. ويبدو أن عددا من هذه الهجمات قد تم بأيدي الإخوان، وإن كانت السلطات الحكومية لم تثر هذا الاتهام. ونحن نستدل على نسبة هذه الحوادث إلى الإخوان مما كتبه الأستاذ صلاح شادي في معرض تعليقه على الاتهامات التي وجهتها الحكومة للإخوان في القضايا الأخرى باعتبارها مسوغات قرار حلهم. وقد بدا الأسف على صلاح شادي لأن بيان الحكومة لم ينسب هذه الهجمات الموجهة ضد اليهود إلى الإخوان كما فعل بالنسبة للهجمات الأخرى السابقة التي عددناها.

وظاهر أن الرائد شادي اعتبر تلك الهجمات التي أغفلت الحكومة نسبتها إلى الإخوان مدعاة فخر، وأن الحكومة أرادت أن تحرمهم منه، وفي ذلك قال: " وأخيرا من العجيب أن قرار الحل لم يشر إلى شئ من حوادث نسف حارة ( اليهود القرائين) أو حادث حارة ( اليهود الربانيين ) أو حوادث شركة الإعلانات الشرقية أو حوادث جاتينيو .. لأن السبب في هذه الأحداث كان كامنا في قبول النقراشي توقيع الهدنة الثانية مع اليهود في الوقت الذي كانت فيه كتائب الإخوان المسلمين تقذف فلذات أكبادها في فلسطين لحرب اليهود، فأراد النقراشي أن يسدل ستارا من التعتيم على قرار الهدنة الذي كان يمهد له".

هذا النشاط الحركي الذي مارس الإخوان خلاله العنف الذي ذكرنا لم يخضع حتى الآن لدراسة علمية من جانب كتابهم للاستفادة مما فيه من عبر ودروس. لقد اكتفى الإخوان حتى الآن بالنظرات العاطفية السريعة وأطلقوا الاتهامات والتفسيرات التي تعينهم على استبعاد أي إدراك لأخطائهم. وما دام الاستعمار هو الذي يسعى لتدمير الإسلام ممثلا في حركة الإخوان المسلمين فإن أعداء الإسلام لا يحتاجون إلى دوافع غير رغبتهم الجامحة وعدائهم الحاقد على الإسلام. ذلك هو جل ما توصل له الإخوان المسلمون أفرادا وجماعة لتفسير الأحداث.

ولقد برر الإخوان لأنفسهم هذه الأعمال ضد السلطة باعتبار أنها سلطة فاسدة تعمل مع العدو الأجنبي ضد مصلحة البلد وهي سلطة غير إسلامية، بل معادية للإسلام الحقيقي. ومن هنا وجدوا المبررات الدينية والوطنية لهذا اللون من النشاط. أما الهجمات التي استهدفت اليهود ومؤسساتهم فلم يكن لدى الإخوان ما يدفعهم لمساءلة أنفسهم عن شرعيتها من الناحية الإسلامية أو الوطنية، فاليهود يرتكبون المذابح ضد المسلمين في فلسطين، والشركات اليهودية تسيطر على قطاعات هامة من الاقتصاد المصري. ومن الحق أن نقول أن عملية مهاجمة اليهود كانت تلقى التأييد الشامل من الجماهير في البلاد العربية كرد فعل لما قامت به العصابات الصهيونية وما كانت تقوم به ضد الشعب الفلسطيني. غير أن موقف حركة الإخوان بشعاراتها وأهدافها وما يفترض فيها من وعي، وأهلية مفترضة لقيادة الشعوب الإسلامية، لا يجيز أن تكون نظرتها ومواقفها وتحركاتها محكومة بالانفعالات التي تحكم سلوك عامة الناس.

لا مراء في أن الشعوب تمارس الاحتجاج على تصرفات الحكام، وتمارس الضغط عليهم أحيانا، بل قد تنفجر عمليات عنف على نطاق ضيق من النوع الذي مارسه الإخوان في مصر، وفي بلدان أخرى غير مصر في بعض الأوقات أيضا. إن الشعوب تلجأ إلى الاحتجاج عن طريق تقديم العرائض، والشكاوي، عن طريق التظاهر، عن طريق الإضراب. وقد عرف تاريخ المسلمين في القرون الماضية أمثلة من هذه المقاومة كما عرفها تاريخ البشرية منذ العصور القديمة.

ولقد مارسها الإخوان أيضا، قبل ومع ممارستهم لأعمال العنف التي عددنا. ولو أن الإخوان اكتفوا بأساليب الاحتجاج التي لا تصل إلى استعمال الأسلحة والقنابل والحرائق في ممارستهم داخل بلدهم ومجتمعهم، لو أنهم التزموا هذا الحد إذن لجنبوا أنفسهم ومجتمعهم ما أوقعوه فيه من كوارث، ولحفظوا سمعة حركتهم مما شانها. أما حين يقررون أن النظام فاسد فسادا لا رجاء في إصلاحه.

وأن الأبواب كلها مسدودة في طريق أي إصلاح سلمي فعال بقوة السلطة الغاشمة المستبدة، فقد كان عليهم ألا يقدموا على أي عمل عنفي إلا من خلال قرار مدروس، وخطة شاملة ومعركة فاصلة تشاركهم فيها الأمة أو – على الأقل- تؤيدهم أغلبيتها وتتعاطف معهم. وأي خروج عن هذه الدرجة من الانضباط يعني تبديد الطاقات والإمكانات وإعطاء الخصم الفرصة والمبرر للانقضاض على الدعوة وتحطيمها قبل أن تبلغ مستوى يمكنها من المواجهة الشاملة التي تتوافر لها عناصر النجاح، وبذلك يضيعون على أنفسهم فرصة التغيير الشامل، فحادثة اغتيال القاضي أحمد الخازندار، رئيس دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف لا تزيد عن عملية انتقام من هذا القاضي الفرد عقابا له على حكم أصده ضد الإخوان، وهو مقيد بنصوص القانون، فضلا عن ضغط الظروف السياسية القائمة في مصر.

وقد كان رد الفعل الإخواني بعيدا عن التروي والتفكير وقد استنكره الإمام حسن البنا واعتبره عملا يفتح الطريق لتدمير الجماعة التي " قضى عمره في بنائها وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو أي صدر حسن البنا".وقد أكد لي بنسبة هذا الكلام وهذا الموقف إلى حسن البنا عدد من الإخوان غير محمود عبد الحليم.

أما إلقاء القنابل على رجال الشرطة في حرم الجامعة وقتل مدير شرطة القاهرة اللواء سليم زكي فلا يقل سوءا وطيشا عن حادث القاضي الخازندار. اللواء سليم زكي ومن معه من ضباط وأفراد الشرطة، كان يؤدي واجبه الرسمي المكلف به، حفظ الأمن، ولم يكن يستطيع التخلف عن ذلك. ولو كان هناك أي ضابط آخر غيره في منصبه فلن يستطيع أن يتخلف عن ذلك أيضا، وقد صرع وهو يؤدي واجبه الرسمي.

فإذا أصدر رئيس الوزراء بعد ذلك بأربعة أيام قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين فإن مثل هذا القرار كان يمكن أن تتخذه أية حكومة وجدت في السلطة ضد أية جماعة أو حركة مارست مثل هذه الأعمال ، حتى لو كانت الحكومة من الإسلاميين. ثم تواصلت حلقات ردود الفعل، فبعد عشرين يوما أقدم أحد الإخوان على اغتيال رئيس الوزراء انتقاما منه لإقدامه على حل الجماعة.

وقد برر بعض الإخوان عملية اغتيال النقراشي بأن حل الجماعة ترك أفرادها دون قيادة تضبط تصرفاتهم، فضلا عن استهدافهم للاضطهاد والمطاردة المثيرة، فإذا أقدم أحدهم على قتل رئيس الوزراء الذي أصدر قرار الحل فإن المسئولية الأولى تقع على رئيس الوزراء نفسه، حسب تصورهم. ولقد نسي أصحاب هذا المنطق أن يسألوا أنفسهم عن سبب عدم ضبط قيادة الجماعة لسلوك أفرادها وعدم منعهم من اغتيال القاضي الخازندار، واغتيال مدير شرطة العاصمة.

لقد وضع الإخوان بهذه العمليات أنفسهم في مركز الخصم والحكم والمنفذ للحكم في آن واحد، ومن عجب أن الأستاذ محمود عبد الحليم اعتبر قرار النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين مؤامرة عالمية، خطط لها الاستعمار، واختار لها التوقيت كما اختار لها المنفذ، وهو رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ولم ير رابطا بين القرار المذكور واغتيال القاضي الخازندار، والحكمدار اللواء سليم زكي، وامتلاك الإخوان لأسلحة وقنابل وقوة عسكرية استعملوها ضد السلطة، وأن الحكومة رجحت احتمال أن يكرر الإخوان تلك الأعمال في أي وقت، على غرار حادث الخازندار وسليم زكي وحدث التكرار بالفعل.

واستمرت ردود الفعل من الجانبين فأقدم الإخوان على محاولة نسف محكمو الاستئناف لإتلاف وثائقها كما ذكرنا، وأقدمت السلطة على اغتيال حسن البنا، وبعد ذلك دبر الإخوان عملية لاغتيال رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، الذي خلف النقراشي، والذي اعتبروه مسئولا عن اغتيال الإمام الشهيد، كما ذكرنا قبل قليل. ولا مراء في أن اغتيال حسن البنا كان جريمة بكل المقاييس، إذ كان يفترض أن يقدم للقضاء، وأن تحدد العقوبة ضده محكمة مختصة إن وضعته سلطات التحقيق القضائي في وضع الاتهام.

لم يحدث في التاريخ الحديث أو القديم، كما لم يحدث في عصور التاريخ الإسلامي أن قبل نظام حكم ما وجود قوة لها أداة عسكرية تستخدمها في داخل الدولة ولا تخضع لحكم وأوامر النظام القائم أو الهيئة الحاكمة المتمتعة بصفة الشرعية من وجهة نظر جمهور الأمة، أو حتى من وجهة نظر الحاكم المستبد نفسه. وإذا وجدت هذه القوة فجأة فإن الهم الأول للهيئة الحاكمة كان يتركز عندئذ في محاولة إخضاعها أو القضاء عليها بأسرع ما يمكن.

ولعمري لقد شكل الإخوان في مصر قوة كبيرة بقياسات ذلك الزمن، وكان لهذه القوة نظامها الخاص، أي الجهاز السري الذي حرصت على تدريبه وتسليحه، كما كان لها نظام الجوالة، الذي أنشئ باعتباره فرقة كشفية- من الناحية الرسمية- ولكنه كان يدرب تدريبات أقرب إلى العسكرية، والأهم من ذلك أنه كان يربي على الروح القتالية والجهادية البالغة الحماسة، ابتداء من سنة 1357هـ/ 1938م، وكان له نشيد حربي حماسي يردده الإخوان مصحوبا بقرع الطبول والموسيقى العسكرية المثيرة لمزيد من التحمس ، مطلعه:

هو الحق يحشد أجناده

ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا به دولة الباطل

وقد ذكر أن هذا النشيد من إنشاء الأستاذ عبد الحكيم عابدين رحمه الله، الذي كان من أبرز القيادات الإخوانية، وشغل موقع الرجل الثاني في الجماعة فترة من الزمن، وهو صهر الإمام البنا. كل هذه الأدوات كانت من ضمن ما أعدته الجماعة لتحركاتها الحربية الداخلية، من غير أن يمتلك الإخوان، وتمتلك قيادة النظام الخاص أية درجات مناسبة من الوعي تمكنها من تلافي سوء الاستخدام والممارسة.

لقد كانت الفكرة الأساسية أن الجهاد سيكون موجها ضد الاحتلال الأجنبي، بيد أن الممارسات الفعلية انزلقت وتحولت فصارت ضد السلطات المصرية وضد موظفي الدولة. ولا ينبغي أن ننسى أو ينسى القراء أن الإخوان أعلنوا تغييرا في مواقفهم السياسية، أو إستراتجيتهم ، حسب التعبير الشائع، وبينوا أنهم تركوا سياسة عدم الاصطدام والمجابهة، واختاروا سياسة المجابهة بكل ما تعنيه من استعداد للاضطهاد والتشريد والسجن والقتل والتضحية وبذل النفوس رخيصة في سبيل الله، وذلك في بداية المرحلة الثنية من مسيرتهم، سنة 1938م. وقد اعتبر الإخوان أن مجابهتهم ستكون ضد جميع الأحزاب وجميع الحكومات التي ترفض الانصياع لهم.

وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت حركة الإخوان تمارس أنشطتها في حرية نسبية، حتى داخل الجيش والشرطة، وبصورة علنية، إلى أن بدأت في استعمال قوتها العسكرية ضد الحكومة ومؤسساتها. واستعمال القوة العسكرية من جانب الإخوان لإجبار السلطة القائمة على اتباع الخط الذي يريدونه أو لمنعها من اتباع الخط الذي لا يريدونه يعني سلبها اختصاصها الأول والأهم، وإلغاء وجودها. ولذا فإن السلطة تحارب حرب حياة أو موت، وتدخل في معركة فاصلة تجند لها كل إمكاناتها المادية والمعنوية، من شرطة وجيش وأسلحة وأجهزة إعلام، وسلطات وعلاقات وشرعية رسمية وإغراءات مادية وغير ذلك من الأساليب.

فإذا تذكرنا أن الإخوان أعلنوا الحرب على جميع الأحزاب والسياسيين، حربا لا هوادة فيها، قبل تلك الأحداث بسنين تبين لنا السبب الذي جعل أعمال الحكومة تلقى كثيرا من التأييد. وحتى عامة الشعب التي اعتبر الإخوان أنفسهم ممثلين لها ومعبرين عن مصلحتها وقفت تساند إجراءات الحكومة وتؤيدها، ليس في عهد عبد الناصر فحسب، بل وفي عهد النقراشي وإبراهيم عبد الهادي. لقد دفع الإخوان السلطة إلى القيام بتعبئة كل قواها والدخول معهم في معركة فاصلة، بينما كانوا هم أنفسهم يقومون بعمليات جزئية صغيرة بدافع ردود الفعل.

ولا مراء في أن حل الإخوان والقضاء عليهم كان يرضي الإنجليز وكثيرين غيرهم، بيد أن الاتكاء على ادعاء وجوده مؤامرة، ومحاولة تغطية مسئولية الإخوان وتمويه أخطائهم يمثل محاولة ساذجة للخروج من النور إلى الظلام، من الوضع الذي يمكنهم فيه دراسة أفعالهم السابقة بدقة وموضوعية من أجل اكتشاف أسباب التعثر، إلى الوضع الذي يقفزون فيه على الحقائق أو يضعونها خلف ظهورهم أو يغمضون عيونهم عنها. أما بعد قيام الثورة ومجيء عبد الناصر إلى السلطة فقد كانت تصرفات الإخوان أوغل في الخطأ ، كما سنرى في الصفحات القادمة، في فصل تال من هذا الكتاب.

عودة إلى الهجمات ضد اليهود المصريين

بقيت نقطة واحدة لم نتعرض لها بالتعليق وهي مسألة الهجمات التي تعرضت لها الأحياء والمحلات اليهودية في مصر، وقد أشرنا إليها باقتضاب قبل قليل. لقد قلنا أن تلك الهجمات كانت تلقى تأييدا جماهيريا واسعا في مصر والدول العربية المستقلة، وكل ذلك كان رد فعل للمذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين، وأشرنا إلى أن الحركة الإسلامية كان ينبغي عليها أن تتصرف بوعي وبمسئولية أكبر، ونعود الآن إلى جلاء هذه النقطة بوضوح:

اليهود المصريون في المفهوم الإسلامي التاريخي القديم أهل ذمة، يجب على السلطة القائمة أن توفر لهم الحماية وتردع كل من ينالهم باعتداء، وإذا أجرم بعضهم أو أكثرهم أو كلهم فإن السلطة القائمة أيضا هي وحدها المخولة بمعاقبة المسيء بالصورة التي تحقق العدل ومصلحة المجتمع الإسلامي.

أما في المفهوم الوطني المصري في إطار النظام الملكي الدستوري الليبرالي الذي كان قائما في منتصف القرن العشرين، فقد كان اليهود هناك مواطنين مصريين، يحميهم الدستور المصري والقوانين المصرية وتضطلع السلطة الوطنية القائمة المكونة من الملك والوزارة والهيئات التشريعية والسلطات القضائية وأجهزة الأمن بالحماية. فإذا أجرم أحد من اليهود المصريين أو أقلية أو أكثرية منهم كان على تلك السلطة الوطنية نفسها أن تعاقب المجرمين، وتبرئ غير المجرمين وتحميهم.

وليس ثمة شك في أن بعض اليهود المصريين أو كثرة منهم قد تعاطفت مع اليهود الصهاينة في فلسطين وعاونتهم في تنفيذ جرائمهم ولكن حتى تنزل العقاب بالمجرم- سواء حسب المفهوم الإسلامي أو حسب المفهوم الوطني- فلابد أن تحدد المجرم، وتثبت ارتكابه للجريمة، ثم تتولى السلطة صاحبة الاختصاص تحديد نوع العقوبة ومقدارها ومدى شمولها، ثم تقوم أجهزة التنفيذ بتطبيقها. ذلك هو المنطق الإسلامي والإنساني على السواء، وأي خروج عليه يعتبر خروجا على مبادئ الإسلام والوطنية والإنسانية.

وهنا يجمل بنا أن نذكر مثلا حيا على سبيل المقارنة، بين موقف متحمس ولكنه يتسم بالوعي وبين مواقف الحماسة العفوية الساذجة، ففي الفترة بين 17/ 12/ 2008 و 18/ 1/ 2009 انطلقت موجة إسرائيلية من ممارسة العنف المسرف في قمع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة، وقد تعاطفت الشعوب العربية والإسلامية، وشعوب أخرى حول العالم، مع الضحية وكانت تركيا، الشعب والدولة، من بين الدول والشعوب التي ظهر فيها هذا التعاطف.

وفي أثناء ذلك ظهرت من بعض العناصر نقمة عامة وإدانة ليس لإسرائيل وحكامها الصهاينة، ولكن لليهود بصفة عامة، وهنا تدخل رجال الدولة المعروفون بمرجعيتهم المزدوجة ( الإسلامية والعلمانية) ، تدخلوا لتصويب هذا الخطأ وترشيد الوعي الشعبي، فسارع رئيس الوزراء كما سارع رئيس الجمهورية بتخطئة التعبيرات والمشاعر التي تجاوزت الحدود، وكان مما قاله الرئيس التركي عبد الله قل في مؤتمر صحفي عقده لهذا الغرض: إن إسرائيل والمواطنون اليهود الأتراك شيء آخر، وأضاف : " إن مواطنينا اليهود يتساوون معي ومعكم، إن أيا منهم له الحق أن يصبح نائبا في البرلمان التركي، وأن يصبح رئيسا للجمهورية. إن كل مواطن من مواطني الجمهورية له حقوق متساوية مع حقوق المواطنين الآخرين، وأي تمييز ضد اليهود الأتراك غير مسموح به، إن إسرائيل شيء والمواطنون اليهود في تركيا شئ آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما". ومن ناحيته أدان رئيس الوزراء التركي رد الفعل العاطفي غير الواعي، بينما كان يحذر إسرائيل من جرائر عدوانها على الشعب الفلسطيني في غزة.

ولو أننا درسنا النتائج العملية التي ترتبت على الهجمات التي انطلقت ضد يهود بعض البلاد العربية المستقلة آنذاك- ردا على المذابح التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين- لتبين لنا مدى الخطأ في ذلك، فلقد أدى ذلك الضغط غلى هجرة أكثرهم غلى فلسطين، وهناك زادوا القوة البشرية للدولة الصهيونية وأصبح أفرادهم يشكلون نسبة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي.

وهناك تقارير ومعلومات مؤكدة تفيد أن الحركة الصهيونية بذلت جهودا كبيرة لحمل يهود البلاد العربية على الهجرة إلى فلسطين واستعملت لتحقيق هذا الغرض وسائل الضغط والإرهاب والتوريط، ولم يستثنوا أية وسيلة، وفعلوا الشيء نفسه لتسريع هجرة اليهود من كثير من البلاد غير العربية، وغير الإسلامية، بما في ذلك الاتحاد السوفيتي السبق الذي كان دولة عظمى. ومعنى ذلك أن ضغط بعض العرب على مواطنيهم اليهود خارج فلسطين خدم الهدف الصهيوني الإسرائيلي من غير قصد واستهداف، وكان ضد المصلحة الفلسطينية والعربية بشكل عام. ومنذ سنوات الخمسينات في القرن الماضي صار المتحدثون الإسرائيليون في الأمم المتحدة وغيرها من المنابر يستخدمون موضوع هجرة يهود البلاد العربية في تصريحاتهم الدعائية ضد المطالبة العربية بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم ، ويعلنون أن ما تم من الهجرة بالنسبة للجانبين كان نوعا من تبادل السكان، كما حدث في بلاد أخرى كثيرة.

وقد استمر استخدام الإسرائيليين لهذا الادعاء بعد ذلك وما زال، وممن استخدمه بشكل خاص شيمون بيرز في كتابه الشرق الأوسط الجديد، الذي أصدره في تسعينات القرن الماضي بعد أوسلو. لقد نفى شيمون بيرز أن يكون الجيش الإسرائيلي قد رحل الفلسطينيين من أرضهم ، وزعم " أن ما حدث كان نتيجة لم يخطط لها تمخضت عنها الظروف المأساوية للحرب وسط دعوات من قادة الدول العربية للفلسطينيين بأن يفروا. وقد هرب ما يقرب من ستمائة ألف فلسطيني من إسرائيل خلال حرب 1948م، خلال حرب الاستقلال، في حين أننا استوعبنا عددا مساويا من المهاجرين اليهود الذين هربوا إلى هنا ( أي إسرائيل) من البلاد العربية، وكانوا حوالي ستمائة يهودي من أصل مجموع السكان الذين بلغ عددهم حوالي تسعمائة وأربعين ألفا.

وقد تم استيعاب اليهود اللاجئين من البلاد العربية في إسرائيل فورا ، وأعطيت لهم كامل الحقوق المتساوية، بينما احتفظ باللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين.. " غير أن السيد شيمون بيرز لم يقل الحقيقة، بل حاول تغييبها في إطار من المغالطات التي توقع أن تقنع قراءه من الغربيين. ذلك أننا إذا رجعنا إلى ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي بيني مورس Benny Morris نجده يخبرنا" أنه لم يجد أي دليل معاصر ( للأحداث) يظهر أن قادة الدول العربية، أو المفتي ( الزعيم الفلسطيني محمد أمين الحسيني) أمروا أو شجعوا بصورة مباشرة الهجرة الجماعية للفلسطينيين في شهر نيسان ( أبريل 1948م) .

ومما تجدر ملاحظته ( وهذا قول بينى مورس) أن سياسات القادة الفلسطينيين العرب ظلت طوال عقود تدعو إلى الثبات والتمسك بتراب فلسطين، وإلى مقاومة محاولات إخلاء وتهجير السكان العرب" ومن المعروف أن بينى مورس اعتمد اعتمادا كليا على دراسة وثائق أرشيفات منظمة الهاجانا، ووثائق الجيش الإسرائيلي، ووثائق سلطة الحكم الذاتي الصهيونية قبل إعلان الاستقلال وقيام الدولة في منتصف أيار 1948م.

والظاهر أن بيرز وقع في خطأ يتعلق بالأرقام، فعندما قال لنا إن ستمائة ألف من يهود البلاد العربية هربوا إلى فلسطين في النصف الأول من عام 1948م وصاروا ضمن تسعمائة وأربعين ألفا هم جملة عدد اليهود في فلسطين في شهر نيسان ( أبريل) من سنة 1948م عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا عند إعلانهم الاستقلال فإن هذه الأرقام تكشف لنا أنه كذب متعمدا، لأن عدد المهاجرين الذين وصلوا من البلاد العربية لم يكن ستمائة ألف، بل كان اقل من ذلك بكثير، في حدود بضعة آلاف. ففي سنة 1922 كان عدد اليهود في فلسطين – حسب الإحصاء البريطاني الرسمي في السنة الأولى من عهد الانتداب- 83,790 بينما قدر عددهم بين سنتي 1916- 1918 بـ 56,000 والفرق هو عدد الذين دخلوا فلسطين بمجرد سيطرة القوات البريطانية عليها وطوال الأربع سنوات التي سبقت إعلان نظام الانتداب وبداية تطبيقه.

وفى آخر سنة 1944 كان عدد اليهود قد ارتفع إلى 554,000 حسب الإحصاء البريطاني. فإذا أضفنا موجات الهجرة اليهودية التي تدفقت على فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين سنتي 1945 و 1948 وطرحنا ذلك من الرقم الذي ذكره بيرز ( 940 ألفا مجموع عدد اليهود منتصف عام 1948) فإننا ندرك أن عدد المهاجرين اليهود من البلاد العربية في الفترة التي ذكرها لا يزيد عن بضعة آلاف.

وقد اكتشف العرب خطأهم متأخرين بالنسبة للضغط على مواطنيهم اليهود في موجة رد الفعل على ما تعرض له أهل فلسطين على أيدي العصابات الصهيونية. وحين اتضحت النتائج للقيادات الفلسطينيين وتوصلت إلى هذا الاقتناع " قدمت حركة المقاومة الفلسطينية، في منتصف العام 1975م مذكرة إلى الملوك والرؤساء العرب اقترحت عليهم فيها، تبني خطة متكاملة لتنظيم الهجرة اليهودية المعاكسة من إسرائيل.. وإعادتهم إلى الدول العربية التي نزحوا منها.

وحينئذ أصبحت المسألة مطروحة عمليا وواقعيا، إذ بادرت بعض الحكومات العربية إلى تبني اقتراح حركة المقاومة ودعوة اليهود العرب إلى العدة، في حين كفت حكومات أخرى عن دراسة الموضوع جديا " وقد عاد عدد قليل من اليهود المغاربة والعراقيين إلى بلادهم، وهذا يقطع بأن الضغط الذي مارسه بعض العرب ضد مواطنيهم اليهود وساهم في حملهم على الهجرة كان خطأ. ولست أعني أن الإخوان كانوا مسئولين عن كل ذلك، لقد كانوا مشاركين فقط. لقد كان جزءا من هذا الموقف العاطفي وتعبيرا عنه. وقد جرى مثله في بلاد عربية أخرى على أيدي غير الإخوان المسلمين كذلك. وكل ما نريد قوله هنا إنه كان على الإخوان المسلمين – باعتبارهم أنفسهم حركة إنقاذ إسلامي- أن لا ينساقوا مع العواطف وأن يكونوا أبعد نظرا من عامة الجماهير.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن كثيرين من اليهود لهم دوافع أخرى قوية للهجرة، منها الدعاية الصهيونية أو التعصب الديني أو الضغط الصهيوني. ومع ذلك فكثيرون من اليهود كان يمكن أن يظلوا حيث هم لم يتعرضوا للضغط، والدليل أن معظم مواطني غرب أوربا وأمريكا الشمالية من اليهود لم يهاجروا إلى فلسطين المحتلة على الرغم من كل الدعاية الصهيونية، وكذلك الأمر بالنسبة للمواطنين اليهود في بعض الدول العربية.

ولقد كانت الهجرة كبيرة وشاملة كلما عانى اليهود ضغطا أو حياة قاسية، سواء في الأقطار العربية أو غيرها، بل إن نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر كانت نتيجة لما تعرض له اليهود من اضطهاد في روسيا القيصرية ، ومن روسيا جاءت معظم القيادات الصهونية. فضلا عن أعداد كبيرة من المهاجرين الروس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . ومع ذلك فإن من اللازم التنبيه إلى أن مجموع اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية لا يشكل إلا نسبة قليلة مع الملايين الذين جاءوا من دول أخرى كثيرة، غير عربية، خاصة من الاتحاد السوفييتي السابق.

إن دور الإخوان المسلمين في الدفاع عن فلسطين من أبرز النقاط المضيئة في سجل تاريخهم، ومثل هذا يقال أيضا عن دورهم في معركة القناة سنة 1951م. ولقد كان هذا الدور موضع تقدير الشعب المصري وإكباره، وموضع تقدير الشعوب العربية والإسلامية. وكل ما استطاعت السلطة المعادية للإخوان فعله حيال هذه الأمجاد الكبيرة لم يتعد محاولة إخفائها أو طمسها عن طريق إغفالها وعدم ذكرها، أو نسبة دورهم في فلسطين إلى " المتطوعين المصريين" كل ذلك للتعتيم على ما قاموا به.

لقد انصرف الشارع المصري عن تأييد الإخوان عندما انغمسوا في أعمال القتل والنسف ضد السلطة القائمة حيث تبع ذلك دعاية ضخمة من جانب السلطة وصمت الإخوان بالإرهاب والتخريب والتعطش لسفك الدماء. وإذا كان حسن البنا قد قال أن تلك الأعمال تهدم ما بناه طوال عمره، وأن الرصاصات التي أطلقت على الخازندار إنما أطلقت على صدره هو ( صدر البنا) ، فلماذا يغمض الإخوان أعينهم عن كل هذا ليربطوا قرار الحل وغيره من الكوارث التي حلت بهم بأسباب أخرى.

والتحرك الرئيسي الذي أبرزه سياق هذا الفصل يظهر أن الإخوان المسلمين دخلوا معترك السياسة الوطني بعد سنتين من إبرام معاهدة سنة 1936م بين مصر وبريطانيا، وقد افتتح المرشد العام حسن البنا هذا الدخول بمقال أبرز فيه التغيير الذي أشرنا إليه في مسار الحركة، وأعلن عن رؤية جديدة، و( إستراتيجية) جديدة كذلك.

الفصل السادس

الإخوان وثورة 23 يوليو ( تموز ) 1952

في الفصول السابقة مرنا بنشأة وتطور حركة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على يد حسن البنا – رحمه الله- سنة 1928م، وتتبعنا مراحل تطورها، دون إغراق في التفاصيل ، فوصلنا مع مسارها إلى أوائل الخمسينات من القرن الماضي. وعند هذه النقطة تناولنا ما حدث من انشقاقات وصراعات بعد اختيار وتنصيب المرشد العام الثاني، الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله. وعند هذا المفصل انبثقت 23 يوليو ( تموز) 1952 ، فظهر أن بينها وبين حركة الإخوان علاقة وثيقة.

غير أن هذه العلاقة ما لبثت أن تعرضت لانعطاف خطير طغت أحداثه على مشاهد مسرح التطورات السياسية، وظلت تتفاعل وتتفجر حتى وفاة جمال عبد الناصر رحمه الله في أيلول ( سبتمبر) 1970. وهنا صدر من الضروري- لاستمرار انسيابية ووضوح القصة التاريخية- أن نسلط الضوء على أصول نشأة العلاقة بين هذين الفريقين، ونتتبع مسارها وتطورها بالقدر المناسب لتحقيق أعلى درجة من الوضوح.

وفضلا عن ذلك فإن العلاقة بين الإخوان والثورة، وحدث الثورة ذاته، وما توالد بعده من تداعيات تعتبر العامل الأكثر تأثيرا في حياة حركة الإخوان، وما آل إليه أمرها، بجانب الآثار والتداعيات التي ألقت بها هذه الأحداث على تاريخ مصر والعالم العربي. ومن أجل ذلك خصصنا هذا الفصل لتجلية هذه العلاقة بين الإخوان والثورة، خاصة وأن هناك ضبابا كثيفا ما زال يحجب ويعمي بعض محطات ومنعطفات هذا المسار.

ثورة أطلقها الإخوان المسلمون؟

منذ اليوم الأول لانطلاقة الثورة، وخلال السنة الأولى من تحركها الصاخب على الساحة الوطنية في مصر، بدت للناس مظاهر ومؤشرات كثيرة حملتهم على الاعتقاد بأن الثورة المصرية كانت حركة إخوانية. وكان مما كتبه المستشار حسن العشماوي، المحامي، والقيادي الإخواني، وصديق جمال عبد الناصر يصف- من وجهة نظره- بعض جوانب المساهمة الإخوانية في الثورة قوله: " .. كل مصري كان يعلم أن طريق السويس ومناطق القنال كانت محفورة بمجموعات من الفدائيين من الإخوان، وكل مصري كان يعلم أن السفارات الأجنبية والمراكز الحساسة في القاهرة والأقاليم، ومنازل عبد الناصر، وزملائه وأشخاصهم، كانت تحرسها مجموعات من الإخوان في زي مدني ليدفعوا عنها أي اعتداء من جانب المتطرفين، وكل مصري كان يعلم أن رحلة الرئيس نجيب وزملائه في أقاليم مصر لم تنجح إلا بسبب الإعداد الذي تم من جانب الإخوان" وعلى الرغم من أن المقدم عبد المنعم عبد الرءوف كان قد انفصل عن تنظيم " الضباط الأحرار" قبل انطلاق الثورة ببضعة أشهر فقد قاد فرقة من قوات الجيش التي تحت إمرته وحاصر بها القصر الملكي في الإسكندرية ( قصر رأس التين).

وكان من أول الأعمال التي قامت بها الثورة اعتقال كل الذين اشتركوا في مؤامرة اغتيال حسن البنا، ومن نفذوها، وتقديمهم إلى المحاكمة وإنزال العقوبة بهم، كما كان من أبرز وأشهر الأعمال قيام قادة الثورة، بما فيهم رئيس الجمهورية اللواء محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، بزيارة قبر حسن البنا تحت كل مجاهر ( جمع مجهر) التركيز الإعلامي الرسمي وغير الرسمي، وقد تكررت الزيارة في الذكرى السنوية لعملية الاغتيال بعد الثورة.

لقد كانت المظاهر الموحية بأن الثورة إخوانية قلبا وقالبا صارخة بكل معنى الكلمة، على الصعيد الحكومي وغير الحكومي، وما زلت أذكر من عناوين أحد الكتب التي ظهرت في تلك الفترة كتابا صغيرا ( ربما لا يزيد عن مائة صفحة تقريبا) بعنوان: الرجل الذي أشعل الثورة، ومع العنوان- على الغلاف الخارجي، صورة الإمام حسن البنا تملأ صفحة العنوان تقريبا.

إن صورة غلاف الكتاب هو أحمد أنس الحجاجي، إن لم تخني الذاكرة . كل هذا عدا عن المظاهرات التي نظمها الإخوان في كل محافظات مصر ، وحتى في قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية ، وكان هتافها الأبرز: " جمهورية إسلامية لا شرقية ولا غربية" .

لقد عشت تلك الفترة بنفسي، وشهدت بعض جوانب مما ذكرت بنفسي وشاركت فيها بنفسي، وشهد ذلك أصدقائي، وكثيرون منهم شهدوا ما لم أشهده بحكم وجودهم في أماكن ومناطق ومحافظات ومدن أخرى، في مصر وفي قطاع غزة. وكنت آنذاك شابا في أوائل العشرينات من العمر، كما كنت في السنوات الأولى من عضويتي الناشطة في حركة الإخوان المسلمين، تلك العضوية التي امتدت عشرين سنة حتى 1972م، فهل كانت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 إخوانية حقا؟

تحت كل هذا الصخب والضجيج، ووراء الدائرة التي أحاطت بكل هذه الأضواء المتلألئة كان عدد قليل من قادة الإخوان، وعدد قليل من قادة الثورة مثلهم، يدركون أن تحت هذا السطح خلافات حادة لا يدرون إن كانت ستحل مع الاحتفاظ بحالة التعاون بين الجانبين، أم أنها ستنفجر يوما ما، ربما غير بعيد، لتحدث كثيرا من الأذى والدمار.

لقد انبثقت المشكلات التي قامت بين الإخوان وحكومة الثورة من اختلاف في الرؤية، أي في المنظور الذي يطل كل طرف على المستقبل من خلاله، بجانب أوضاع تنظيمية مضطربة في جبهة الإخوان، بالإضافة إلى سوء إدراك وعواطف منفلتة قادت إلى أخطاء سياسية خطيرة. وكانت الخيارات السياسية الخاطئة هي العامل المحوري في تفجير المشكلات وتفجير الوضع الذي لم يزد في حقيقته عن تحالف مؤقت، كما سنرى في الصفحات التالية. وليس معنى هذا أننا نبرئ الطرف الآخر، أي قادة الثورة، فقد أشرنا إلى الأخطاء والانحرافات التي مارسها العسكريون في لمحات سريعة، ولا يتسع مجال هذه الدراسة لأكثر من ذلك.

ويبدو أن المحور الأول للخلاف الذي عجل بالتصادم كان يمكن في تصورين متناقضين تعذر التوفيق بينهما: فقد اعتقد الإخوان أن الثورة كانت من غرسهم وصنعهم، منذ أن أسسوا تنظيم الضباط الأحرار في الجيش أواخر الثلاثينات، وظلوا يحتضنون تلك الغرسة إلى أن نضجت وانطلقت لأداء رسالتها. فهي- لهذا الاعتبار- ثورتهم التي ينبغي أن تظل في خطهم وأن تسير وفق إرشادهم.

أما جمال عبد الناصر، قائد الثورة الحقيقي فقد اعتبر الثورة مستقلة عن الإخوان، وأن التعاون بينهما جرى بين طرفين مستقلين التقت إرادتهما ومصلحتهما حول أهداف مشتركة محددة، لكنها لم تكن إرادة جماعة واحدة، بل إرادتين، تلتقيان في بعض الأهداف وقد تفترقان بالنسبة لأهداف أخرى. ولقد نعى قادة الإخوان على جمال عبد الناصر أنه تنكر لاتفاقاته معهم، وأكدوا أنه كان عضوا في جماعة الإخوان، وإنه خانها وغدر بها.

كنا قد أشرنا باقتضاب- عند نهاية الفصل الثالث- إلى بدايات دخول حركة الإخوان إلى صفوف القوات المسلحة المصرية سنة 1938م، وانضمام جمال عبد الناصر إلى الإخوان في أوائل الأربعينات، حسب قول المصادر الإخوانية. ونظرا لأن أنظمة الجيش لم تكن تسمح لرجاله بالانضمام إلى الأحزاب والحركات فقد اقتضت هذه الحال ضمهم إلى النظام الخاص، باعتبار أن نشاطه كان سريا، مع أن الفكرة الأساسية التي قام عليها أنه يستوعب وينظم نشاط الإخوان الذين بلغوا مستوى رفيعا في التربية والفهم والإخلاص والولاء للدعوة.

متى كان تنظيم الضباط الأحرار إخوانيا؟

تتفق المصادر الإخوانية ومصادر الثورة على القول بأن جمال عبد الناصر اجتمع مع المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي في منزل صالح أبو رقيق، العضو القيادي في الإخوان المسلمين مساء يوم 30 تموز( يوليو) 1952م، بعد الثورة بأسبوع واحد، بغية توضيح العلاقة بين الجانبين. وعندما طلب المرشد من عبد الناصر التشاور مع الإخوان قبل اتخاذ القرارات المهمة أجاب جمال بأنه لا يقبل وصاية أحد على الثورة.

وبناء على ذلك بين المرشد العام للإخوان أنه لا يعتبر حركة الجيش حركة إسلامية، بل إنه اعتبرها حركة وطنية إصلاحية، على أحسن الفروض. وقد تحدث صالح أبو رقيق نفسه عن هذا اللقاء الذي حدث في منزله فقال: حضر عبد الناصر إلى منزلي حيث كان ينتظره المرشد وعبد القادر حلمي وحسن العشماوي وصلاح شادي، ثم ذكر الاختلاف وعدم الاتفاق بين المرشد وجمال عبد الناصر.

كما تحدث أبو رقيق عن اتصال جرى بين عبد الناصر والإخوان قبل بضعة أيم من قيام الثورة: " جاءنا عبد الناصر وكمال الدين حسين واجتمعا بنا.. صلاح شادي وأنا والمرحوم وحسن العشماوي وفريد عبد الخالق وعبد القادر حلمي، وأبلغنا اعتزامه القيام بالثورة قبل أيام، فطلبنا منه الانتظار لحسين استطلاع رأي المرشد، فطلب استطلاع رأيه في أن يتولى الإخوان الحكم بعد نجاح الثورة.. (و) ألح لمعرفة رأيه بسرعة، معلنا أنه سيؤجل الحركة يوما لهذا الغرض.

وفعلا سافرت مع حسن العشماوي، وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق إلى الإسكندرية وقابلنا المرشد، فطلب منا إبلاغ جمال موافقته وتأييده.. كما طلب إبلاغه أن ليس من المصلحة أن تظهر للثورة علاقة بالإخوان حتى لا يتدخل الإنجليز لمقاومتها، واقترحت أن يتولى الحكم على ماهر باشا، على أساس أنه غير حزبي. وعدنا إلى القاهرة، واتصل صلاح شادي بعبد الناصر ودعاه للحضور إلى شقة عبد القادر حلمي في صباح اليوم التالي.. يوم 22 يوليو.. وجاء عبد الناصر وكمال الدين حسين وأبلغاه الرسالة. وقامت الثورة.. وفي الساعة الثالثة من صباح يوم 23 يوليو جاءني حسن العشماوي وأبلغني أن جمال عبد الناصر اتصل به تلفونيا لعدم وجود تلفون في منزلي، وطلب منه أن يحضر إلي ليكلفني بالذهاب إلى منزله لإبلاغ أسرته أن كل شئ تم بنجاح.. وفعلا ذهبت بسيارة حسن إلى منزل عبد الناصر بكبري القبة.. وكانت السيدة زوجته وشقيقه عز العرب- على ما أعتقد- تطلان من الشرفة في قلق ، فقلت لهما رسالة عبد الناصر وانصرفت".

وقبل يومين اثنين فقط من كتابتي لهذه الكلمات، في 7/ 11/ 2008 شاهدت واستمعت إلى حلقة من برنامج شاهد على العصر الذي يقدمه الأستاذ أحمد منصور، الصحفي المحقق على قناة الجزيرة الفضائية، وكان ضيفه اللواء أركان حرب جمال حماد.

لقد كان جمال حماد برتبة رائد (صاغ) عند قيام الثورة، وهو الذي كتب البيان الأول للثورة، وكان من " الضباط الأحرار" البارزين والنشطين، غير أنه لم يكن من الإخوان، وكانت شهادته تتعلق بأحداث ثورة 23 يوليو، وكان من الأسئلة التي طرحها أحمد منصور: لماذا تأجل تنفيذ القيام بتحرك الجيش من مساء يوم 22 يوليو إلى مساء 23 يوليو 1952؟ وكانت الإجابة : للحصول على موافقة المرشد العام للإخوان المسلمين، وهذه رواية أخرى تعضد رواية صالح أبو رقيق بالنسبة لتأجيل الثورة يوما. وكان مما قاله اللواء جمال حماد في هذا السياق: إن الإخوان المسلمين كانوا منظمين، ومسلحين، وعندهم القدرة على مساعدة الثورة" ثم أضاف أن جمال عبد الناصر كانت لديه كميات من الأسلحة والذخائر خبأها في مخزن لاستخدامها عندما يحين موعد إعلان الثورة.

وعندما حدث حريق القاهرة خشي أن تكتشف تلك الأسلحة من قبل أجهزة الأمن الحكومية، فاتصل بصديقه المحامي حسن العشماوي لتلافي الخطر وتم تحويل تلك الكميات من الأسلحة والذخائر، حيث احتفظ بها العشماوي في مخزن في عزبة والده محمد العشماوي باشا. وهذه المعلومات التي ذكرها اللواء أركان حرب جمال حماد ليست جديدة، لقد كانت متداولة وترددت فيما كتبه الإخوان وقالوه في مناسبات كثيرة منذ عام 1954، لكن وجه الأهمية الجديد الذين قاموا بالثورة بعيد منتصف القرن الماضي لتؤكد قول الروايات الإخوانية.

إن اللقاء الذي جرى بين الهضيبي وعبد الناصر بعد أسبوع واحد من قيام الثورة، وما ظهر فيه من اختلاف في تصور وفهم العلاقة بين الجانبين، يبين بجلاء أن الثورة لم تكن إخوانية يوم 30/ 7/ 1952م ، فهل كانت إخوانية قبل ذلك؟

ثم إن المعلومات التي ذكرها المرحوم صالح أبو رقيق ونقلها عنه محمود عبد الحليم بشأن الاجتماع الذي حدث قبيل في منزل أبو رقيق، ثم أكدها اللواء جمال حماد، ليست دليلا تأكيديا على أن ثورة 23 يوليو كانت ثورة قام بها الإخوان، كل ما تعنيه المعلومة أنه كان هناك تعاون وثيق وأساسي وكبير الحجم والأهمية بين الإخوان وقيادة تنظيم " الضباط الأحرار" ، قبل وأثناء وبعد تحرك الجيش، وهذا التعاون قد يعني أن صفة الإخوانية قد تنطبق على طرفيه بحيث يكون تنظيم الإخوان وتنظيم الضباط الأحرار فرعين لكيان واحد هو حركة الإخوان المسلمين، وقد يعني أن الطرفين مستقلين، وأن التعاون قد تم لتحقيق أهداف مشتركة فحسب، والذي يرجح ها الاحتمال الأخير ما جرى في المواجهة بين حسن الهضيبي وجمال عبد الناصر في منزل أبو رقيق مساء 30 يوليو 1952. لذا فإن علينا أن نبحث عن أدلة أخرى.

ولقد اتفقت المصادر الإخوانية ومصادر الثورة على أن لجنة الضباط الأحرار التي عرفت فيما بعد باسم " مجلس قيادة الثورة" أصدرت قرارا بفصل الضابط الإخواني البارز ( البكباشي) المقدم عبد المنعم عبد الرءوف من تنظيم الضباط الأحرار، وأنها اتخذت ذلك القرار قبل قيام الثورة ببضعة أشهر، غذ ذكر صلاح شادي أن الفصل تم قبل ثورة 23 يوليو 1952 بثلاثة أشهر. بينما ذكر جمال عبد الناصر نفسه أن قرار الفصل صدر قبل قيام الثورة بستة أشهر.

والمهم ليس طول المدة وإنما المهم هو سبب الفصل، لقد فصل عبد المنعم لأنه أصدر على أن يظل تنظيم الضباط الأحرار تابعا لحركة الإخوان- حسب الرواية الإخوانية- أو أنه أصر على ضم حركة الضباط إلى الإخوان، كما ذكر جمال عبد الناصر، والحقيقة التي يدلنا عليها ويؤكدها هذا القرار بشكل قاطع هي: " أن تنظيم الضباط الأحرار لم يكن جزءا من حركة الإخوان قبل قيام الثورة ببضعة أشهر، بغض النظر عما إذا كانت ثلاثة أو ستة.

الحقيقة من وجهة نظر إخوانية

لقد أكد الإخوان، خاصة صلاح شادي وحسن العشماوي فيما نشراه، أن جمال عبد الناصر كان واحدا من الإخوان وأنه كان يدرب شبابهم ويخطط، أو يشترك في التخطيط لبعض العمليات التي قام بها الجهاز السري، وأن الذي ضم عبد الناصر للإخوان هو عبد المنعم عبد الرءوف. وفي هذا السياق أيضا نجد تصريحا للمرحوم المقدم( البكباشي) معروف الحضري إذ قال ك " بايعنا الأستاذ الإمام حسن البنا على المصحف والمسدس باعتبارنا عسكريين في عام 1941، وكان معنا في المبايعة جمال عبد الناصر.

وكانت تربطني بجمال صداقة شخصية وعائلية، كما كانت تربط كلينا رابطة صداقة من نفس الدرجة بالأخ عبد المنعم عبد الرءوف الذي اختير مسئولا عن تنظيم الإخوان في الجيش.. ثم علمنا أن جمال أنشأ تنظيما آخر خاصا به، لا يتقيد بمقاييس الإخوان.. وحاول استغلال صداقته لي في جذبي إلى تنظيمه فرفضت، وحاول إغرائي بكل وسائل الإغراء ولكنه فشل.." ورواية الحضري هذه تبين أن جمال عبد الناصر أدخل تغييرا، وصار يرأس تنظيما عسكريا سريا موال له شخصيا، وغير تابع للإخوان، وإن كانت لم تحدد التاريخ الذي بدأ فيه هذا التغيير، والذي أرجحه أن ذلك قد تم بعد سنة 1946م، بعد مرض الصاغ محمود لبيب.

وهكذا يزول التناقض بين مقولة كون تنظيم الضباط غير إخواني سنة 1952 قبل قيام الثورة ببضعة أشهر وبعد قيامها، ومقولة أن تنظيم الضباط كان إخوانيا ، حسب روايات إخوانية أخرى، بمعنى أنه كان إخوانيا قبل التغيير الذي أدخله جمال عبد الناصر عندما نجح بالانفراد بقيادة التنظيم.

ومما يستحق الانتباه أن السيد العشماوي قال لنا شيئا آخر ضمن ما كتبه، قال: إن جمال عبد الناصر كانت له علاقات مع معظم أو جميع الأحزاب والحركات السياسية في مصر، وأنه يترك له أصدقاء في كل منها. عند ذلك يبرز احتمال آخر، وهو: أن علاقة جمال بالإخوان كانت مثل علاقته بتلك الأحزاب والهيئات الأخرى، ليست الانتماء أو التبعية، ولكنها كانت طريقا اشتقه للتعرف على وضع تلك الأحزاب، وربما لاستدراج بعض أعضائها وضمهم لمشروعه الخاص، وإبقائهم حيث هم، مرتكزا له، أو كسبهم وسحبهم غلى دائرته، في الوقت المناسب، ولعل ما قاله المقدم معروف الحضري من أن عبد الناصر حاول ضمه إلى تنظيم الضباط الموالي له شخصيا، وكرر المحاولة

ولم يفلح، لعل مقولة الحضري هذه تؤكد وتعضد ما ذكره المستشار العشماوي، كما تؤكد أن تنظيم الضباط لم يكن إخوانيا. أما جمال نفسه فقد قال إنه اتصل بالإخوان كما اتصل بعدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى، أي أنه وحركة الضباط لم يكونا من الإخوان، وإنما كانت الاتصالات لمجرد التعاون والاستفادة من قدرات وإمكانات الطرف الآخر.

ونعود الآن إلى متابعة تطور تنظيم الضباط الأحرار في إطار الروايات الإخوانية في الفترة المبكرة التي سبقت انفراد عبد الناصر بقيادته وجعل ولائه له.

تذهب الروايات الإخوانية غلى أن دعوة الإخوان المسلمين عبرت أسوار الساحة المسورة للقوات المسلحة المصرية منذ سنة 1938م، وأن بدايات هذا التحرك جاءت على أثر الاهتمام الذي أبدته جريدة النذير الإخوانية بالمشكلات التي تهم رجال الجيش، ضباطا وجنودا، وأفسحت المجال لمناقشة الأخطاء والعيوب التي كانت تسمح بها أو تتجاهلها الإدارات العسكرية المختلفة(ح).

وتمضي الروايات الإخوانية فتخبرنا بأن أنظمة الجيش لم تكن تسمح لرجاله بالانضمام إلى الأحزاب والهيئات- كما يقول صلاح شادي- وهذا ما حمل الإخوان على ضم الضباط الإخوانيين إلى النظام الخاص، باعتبار أن نشاطه كان سريا بفكرته وطبيعته وأهدافه، ولذا اعتبرته القيادة الإخوانية المكان المناسب لإخفاء سر العسكريين الراغبين في الانضمام إلى الإخوان. وقد أشرنا في فصل سابق إلى ما قيل عن انضمام جمال عبد الناصر إلى الإخوان على يد الضابط عبد المنعم عبد الرءوف في أوائل الأربعينات، وأن عبد المنعم عرفه- آنذاك- بعبد الرحمن السندي الذي أخذ عليه البيعة وجعله يقسم على لمصحف والمسدس في غرفة مظلمة، حسب رواية الصاغ صلاح شادي.

ولم يكن من المنتظر أن يتمكن عبد الرحمن السندي والنظام الخاص من تقديم أي جديد لضباط الجيش في النواحي العسكرية، بل كان بعض العسكريين هم الذين يدربون منتسبي النظام الخاص من المدنيين على المهارات العسكرية والقتالية، وكان جمال عبد الناصر نفسه يقوم بتدريب إخوان النظام الخاص، حسب ملا رواه غير واحد من الإخوان. بيد أن النظام الخاص لم يستطع أن يقدم للضباط ما يشبع حاجاتهم الروحية والفكرية أيضا، ولعل مرد ذلك غلى أن الهدف أن تأسيس النظام أصلا توفير فرصة التدريب العسكري وبث الروح القتالية في أعضاء الإخوان المدنيين الذين يعتقد أنهم حصلوا على درجات كبيرة من التربية الروحية قبل إدخالهم النظام.

ومع تكاثر عدد الضباط المنضمين للإخوان ازداد الشعور بالحاجة إلى ترتيب جديد، وهكذا اتخذ المرشد العام حسن البنا خطوتين لمواجهة هذا الموقف: أولهما: إفراد قسم خاص للضباط يرأسه الصاغ محمود لبيب ، ويعاونه الضابط عبد المنعم عبد الرءوف ، وقد تم ذلك خلال عام 1944م، أما الخطوة الثانية فقد تمثلت في تسليم قسم الوحدات العسكرية للإخوان إلى الصاغ صلاح شادي.

وترجع نشأة هذا القسم إلى أوائل الأربعينات منذ أن بدأ حسن البنا يتردد على مدرسة الصيانة التابعة لسلاح الصيانة في الجيش ويلقي فيها دروسا أسبوعية. وقد تسلم صلاح شادي هذا القسم سنة 1944م أيضا، وضم إليه ضباط وكونستبلات وصولات البوليس الذين يعملون في حقل هذه الدعوة، أي أن قسم الوحدات ضم أعضاء من قسم الصيانة في الجيش، بجانب ضباط وصف ضباط من الشرطة.

وكان لهذا القسم دعاة مدنيون في وحدات الجيش المختلفة يقومون بتعريف الجنود بدينهم وشمول هذا الدين لكل نواحي الحياة.." أي أن قسم الوحدات لم يحصر نشاطه بين رجال الشرطة، بل امتدت ساحة عمله لتشمل وحدات الجيش المختلفة" وكان من مهام الدعاة المدنيين التعرف بضباط الوحدات، حتى إذا وجدوا منهم تجاوبا في الفهم ورغبة في الاستزادة رسموا لهم طريق الصلة بالمرشد الذي كان يعرفهم بدوره- في أول الأمر- بالصاغ محمود لبيب .."

ولقد نوه الصاغ صلاح شادي بالسهولة والحرية التي مارس قسم الوحدات بها نشاطه داخل الجيش المصري فقال:" وكنا نجد طريقنا إلى الحديث في الوحدات العسكرية وفي المجالات الخاصة ميسرا، حيث أن اسم الإخوان المسلمين في هذا الوقت لم يكن له دوي يخشى منه .

ولذلك وجدت الدعوة طريقها في أول الأمر ميسرا، غير مهددا بالمصادرة، حتى أنه كان لقسم الوحدات غرفة خاصة في دار المركز العام يجتمع فيها الدعاة وأصحاب اللباس العسكري بملابسهم الرسمية في أكثر الأحيان بل كنا نحتفل في دار الإخوان بتخريج أفواج الضباط، ويدعى إليها بعض الوزراء وكبار الضباط وأساتذة الجامعات".

جمال عبد الناصر ينفرد بقيادة " الضباط الأحرار"

وفي سنة 1946م أناط الصاغ محمود لبيب مسئولية تنظيم الضباط الأحرار بجمال عبد الناصر. وتشير كل الدلائل إلى أن جمال تمتع بقدر كبير من الحيوية والنشاط والذكاء، فحاز بذلك ثقة الصاغ محمود لبيب، كما استطاع بعد بضع سنوات أن يسيطر على حسن عشماوي، وعلى صلاح شادي أيضا. وفي سنة 1946م تمكن جمال من إقناع محمود لبيب بضم الضباط الوطنيين غير الإسلاميين إلى تنظيم الضباط الأحرار مبررا اقتراحه بالرغبة في أن يصبح التنظيم في وضع قوي ومسيطر .

وهكذا صار التنظيم يضم ضباطا لا صلة لهم بحركة الإخوان ولا يحملون لها أي ولاء، إذ كان ولاؤهم لجمال عبد الناصر شخصيا. ثم جاءت فترة انسياق إخوان النظام الخاص إلى ممارسة العنف المسلح وانغماسهم فيه( 1948- 1949) وتلت ذلك المحنة الأولى التي تعرض لها الإخوان فأدي كل ذلك إلى قطع الصلة بين قيادة الإخوان من ناحية وتنظيم الضباط من ناحية أخرى، سيما وأنها تزامنت مع اشتداد المرض وضعف الشيخوخة على الصاغ محمود لبيب، وبذلك أصبح جمال مستقلا بقيادة التنظيم حتى لو لم يسع إلى الاستقلال. وهكذا يزول التناقض بين الروايات فيما يتعلق بتطور وضع تنظيم الضباط الأحرار حتى نهاية سنة 1949م.

وتتابعت الظروف السلبية بظهور التنافس، ثم الاختلاف الحاد متبوعا بالصراع الشرس داخل صفوف الإخوان حول موضوع اختيار وتنصيب المرشد العام لشغل المنصب الذي كان شغر باستشهاد المرشد الأول حسن البنا ، كما بينا من قبل.

والذي أرجحه أن أحداث هذه الفترة خلخلت صورة الإخوان في نظر جمال عبد الناصر، وجعلته أكثر حرصا وتصميما على إبقاء تنظيم الضباط بعيدا عن سيطرة الإخوان بأي ثمن. وبالرغم من ذلك فقد وجد جمال أن استبقاء الصلة بالإخوان أمر مفيد وضروري لإنجاح مشروعه، ولذا فقد حرص على استمرارها من خلال الصاغ صلاح شادي وحسن العشماوي. وكان بجانب هذا الطريق قناة أخرى إذ أقام جمال عبد الناصر اتصالا مع فريق عبد الرحمن السندي عن طريق السيد محمد الطبجي.

وحتى عندما حاولت قيادة الإخوان الجديدة، أعني المرشد الهضيبي ومعاونيه، حصر اتصال " الضباط الأحرار" بالقيادة عن طريق صلاح شادي وحسن عشماوي فقد ظهر من جمال حرص على استمرار صلته بالفريق الآخر، أي بعبد الرحمن السندي ومن بقي معه من النظام الخاص.

وقد أبلغ جمال السيد محمد الطبجي بهذه الرغبة ، فوافق الطبجي على أن يكون الاتصال الرسمي بمن تعنيه قيادة الإخوان المتمثلة في المرشد الهضيبي ومؤيديه، وأن يكون الاتصال به، أي بالطبجي، بصفة شخصية.

وقد ذكر الأستاذ محمد الطبجي لكاتب ههذ السطور أن خطة الثورة قد نوقشت في لقاءات ضمنته وجمال عبد الناصر وعبد الرحمن السندي، وأضاف أن ثلاثيتهم كانوا يجتمعون في غرفة فوق سطح إحدى البنايات التي كان يسكنها أحد الضباط المنتمين إلى الإخوان، وكان الإخوان يأمرون الضابط، صاحب الغرفة، بالاختفاء حتى لا يراه جمال عبد الناصر ويعرفه، " لأننا لم نكن نثق بجمال كل الثقة، ولكننا كنا نتعامل معه نظرا لحركيته وإيجابيته.." وأثناء مناقشة خطة الثورة خلال سنة 1951م بين جمال أن الجيش لا يستطيع أن يقوم بالحركة، لأن الوحدات الأساسية والضاربة فيه كانت في منطقة القناة محاصرة بين الإنجليز والإسرائيليين.

والقوات التي كانت في القاهرة وجوارها لم تكن تكفي للقيام بحركة ناجحة، ومع ذلك فقد كان تحت سيطرة الضباط الأحرار كثير من مخازن الأسلحة والذخيرة، وأنهم كانوا سيزودون الإخوان بما يلزمهم منها لإتمام الحركة.

واستعدادا لاحتمال زحف القوات البريطانية من منطقة القناة إلى القاهرة لقمع الثورة تم الاتفاق على إعداد كمائن على الطريق تشتبك مع هذه القوات لتمنع- أو تعيق- تقدمها. وقد اقترح جمال أن تتكون الكمائن من مجموعات مشتركة بحيث يضم كل كمين أفرادا من الإخوان وأفرادا من تنظيم الضباط الأحرار.

وقد أشار الأستاذ الطبجي إلى أنه وعبد الرحمن السندي احتارا في العثور على تبرير لهذا الاقتراح الأخير وراودتهما الشكوك حول السبب الذي أراد عبد الناصر من أجله أن يشرك مقاتلي الإخوان مع ضباط من الجيش في الكمائن، وما إذا كان الدافع رغبة في جعل أفراد الإخوان المشاركين من بين أولئك الذين قاتلوا في فلسطين وعرفهم جمال هناك، الأمر الذي سيكون أدعى لكسب ثقته وإقناعه بأن الإخوان يقدمون رجالا موثوقين ذوي خبرة وتجربة.

ولكن، بعد أن نجحت خطة صلاح شادي وحسن العشماوي ومنير الدلة بتعيين المرشد الجديد والسيطرة عليه طلبوا من تنظيم الضباط الأحرار أن يكون اتصالهم بالإخوان ليس عن طريق الطبجي، بل عن طريق آخر لم يحدده السيد الطبجي، كما ذكرنا. وإذ تولت مجموعة منير الدلة أمر الصلة بتنظيم الجيش- والكلام هذا ما زال للأستاذ الطبجي- فقد وقعت في خطأ كبير حين وافقت على أن يقوم الجيش بالحركة الثورية وأن يكون دور الإخوان دور المساندة، وذلك على عكس الترتيب الأول الذي توصل إليه محمد الطبجي وجمال عبد الناصر وعبد الرحمن السندي ، حسب رواية الطبجي . وقد عزى الأستاذ أبو إيناس، "هذا الخطأ" إلى أن مجموعة منير الدلة كانت مخدوعة بجمال عبد الناصر، وكانت مسرفة في ثقتها به. ومن الواضح أ، الأستاذ محمد الطبجي – رحمه الله تعالى- أراد أن يسجل لفريقه هنا نقطة تفوق إيجابية، من وجهة نظره.

الحقائق موجزة بالنسبة لموضوع الضباط الأحرار

لقد تحرك الإخوان، كما تحرك جمال عبد الناصر ومجموعته بغية استخدام الجيش أداة لتحقيق " أهداف وطنية عامة ورئيسية" من وجهة نظر كل من الفريقين. وتتلخص هذه الأهداف في : إحداث تغيير في وضع مصر وأحوالها، ثم في العالم الإسلامي ، من وجهة نظر الإخوان. أما بالنسبة لجمال عبد الناصر فقد كان التغيير المطلوب يتعلق بمصر دون غيرها، وهذا لا ينفي أن الأهداف اتسعت بعد ذلك لتشمل العالم العربي كله. إنني أميل إلى الاعتقاد، وبدرجة تقترب من الاقتناع الكامل أن جمال عبد الناصر بدأ مستقلا، واستمر كذلك. وأثناء مسيرته ، ومن خلال بحثه عن عناصر القوة التي كان يمكن أن يستخدمها لتنفيذ مشروعه وجد الإخوان قوة شعبية تتفق معه- جماعة وأفرادا- في بعض الأهداف العامة الرئيسية، اتفاقا في الخطوط العريضة، فلم يجد حرجا من الاستفادة من طاقاتها واستخدامها إن أمكنه ذلك. وف يمثل ههذ الحالات تتحكم الأهداف بمقدار المصارحة بين الجانبين، أو المخادعة.

كيف توصلت إلى هذا الرأي؟

وما هي الأدلة الإثباتية؟

والجواب:

1- إن هذا ما قاله جمال عبد الناصر، وما بينته أقوال بعض مشاركيه في كتاباتهم أو تصريحاتهم المنشورة.

2- وهذا ما قالته بعض القيادات الإخوانية التي كانت حلقة اتصال بين الجانبين، وأقصد بالذات المستشار حسن محمد العشماوي المحامي، والرائد (الصاغ) صلاح شادي الزعيم الإخواني وضابط الشرطة السابق. فقد كان مما قاله وأورده حسن العشماوي عن جمال:

- أنه كان من مجموعات الإخوان في الجيش

- وكان عضوا قديما في الجهاز السري

- وكان تردد قبل ذلك على أكثر من هيئة سياسية واحتفظ بزملاء له فيها،

- وأنه أقنع محمود لبيب بضم الضباط غير الإسلاميين، فتوسع التنظيم وصار يضم أشخاصا ينتمون إلى مختلف الهيئات السياسية في مصر ، وقد أبقى عبد الناصر كلا منهم يظن أنه يوافقه في مبادئه،

- وأنه طلب أن يتولى الإخوان توفير الإرشاد الديني للضباط الجدد

- وأنه كان كثير القراءة والإنصات

- وكان مؤمنا بالوطنية الإقليمية، مترددا أمام النشاط العربي

- كما كان متشككا في الأثر السياسي لأية حركة دينية

- وأنه كان متدينا.

وأهم ما يلفت نظر الباحث من بين هذه البنود التسعة ، الأرقام 3 و4 و 7 و8.

فكون جمال عبد الناصر بنى صلات مع عدد من الهيئات السياسية، واحتفظ بزملاء له فيها يعني أن سعيه لإقناع محمود لبيب، رحمه الله، بإدخال الضباط غير الإسلاميين في التنظيم كان يهدف إلى تكثير العناصر المرتبطة به شخصيا دون أن يكون لها ارتباط بالإخوان.

وأما كونه كان مؤمنا بالوطنية الإقليمية، أي المصرية، مترددا أمام النشاط العربي، متشككا في الأثر السياسي لأية حركة دينية، فيعني بكل وضوح أنه لم يكن يوما من الإخوان، وأن علاقته بهم كانت علاقة مصلحة مؤقتة هدفه منها تقوية مشروعه الذي يختلف عن مشروع الإخوان.

أما بنود 1، 2، 5 فإنها لا تعني أكثر من وسيلة لكسب ثقة الإخوان ليحصل منهم على ما يريد، لمصلحة مشروعه هو. وأما أن يطلب من الإخوان أن يقدموا الإرشاد\ الديني لغير الإسلاميين فذلك يعني تطمين الإخوان من ناحية، كما يعني إبطال اعتراضهم على إدخال هذا الصنف من الضباط. فإذا وصلنا إلى البند التاسع، الذي يخبرنا بتدين عبد الناصر فذلك لا يعني أنه كان من الإخوان، ذلك أن كثيرين من المتدينين لا ينتمون إلى الإخوان، وبعض هذا الكثير يعادي الإخوان أيضا.

ومما يهمنا أن نلفت النظر إليه أن هذه الصفات التي نسبها حسن العشماوي لجمال عبد الناصر ما لبثت أن انتقلت إلى المستشار العشماوي نفسه، حيث صار ينظر إلى فكرة أيام شبابه، قبل أن يلتقي جمال ويقع تحت تأثير شخصيته الطاغية، صار ينظر إلى ذلك الفكر بشيء من التندر والسخرية، فصار متشككا في جدوى أي نشاط عربي، وفي تحقيق أي نتيجة إيجابية من خلال نشاط أية حركة دينية. أما العنصر الأكثر إثارة في تطور فكر حسن العشماوي فيتمثل في أنه صار مستعدا لقبول حكم فردي متحرر من سلطة البرلمان والانتخابات، وقد كان هذا مما أقنعه به جمال عبد الناصر.

سذاجة القيادات الإخوانية

ومما يثير الدهشة أن أغلبية الإخوان يتعاملون مع جمال عبد الناصر باعتباره واحدا منهم حتى بعد فصل عبد المنعم عبد الرءوف ، وبعد قول جمال للمرشد- يوم 30/ 7/ 1952م – إنه لا يقبل وصاية على الثورة من أحد.

وحده المرشد الثاني، حسن الهضيبي رحمه الله، وبعقلانيته وتفكيره الموضوعي اكتشف بسرعة أن حركة الجيش أي الثورة لم تكن إخوانية ولا إسلامية وإنما يمكن اعتبارها- في أحسن الأحوال- حركة وطنية إصلاحية، وطلب من الإخوان أن يكون التعاون معها على هذا الأساس " لكن هذا الاكتشاف حدث بعد أن تورط الهضيبي بقبول منصب المرشد العام، تحت ضغط الإخوان وأمام تعهداتهم الكبيرة له، واستنادا إلى حسن ظنه بهم.

وخلال الأشهر الخمسة الباقية من سنة 1952م بعد الثورة، وأوائل سنة 1953م تسارع التدهور في العلاقات بين الإخوان وجمال عبد الناصر. وبينما زار أعضاء مجلس قيادة الثورة قبر الإمام حسن البنا يوم 12 فبراير 1953 م في الذكرى الرابعة لاستشهاده، وكان في استقبالهم عند القبر المرشد حسن الهضيبي وجمع غفير من الإخوان، وألقيت الخطب التكريمية لذكرى حسن البنا من رئيس الجمهورية محمد نجيب، ومن الجانب الإخواني فقد تغير المشهد في الذكرى الخامسة ، 12 فبراير 1954م كما سنرى في الصفحات القادمة.

فبعد حل الأحزاب واستثناء الإخوان، واتضاح أن الإخوان والثورة لم يكونا فرعين لكيان واحد، أراد جمال أن ينشئ هيئة التحرير وأن يضم الإخوان لها و " أن يتولوا إدارتها" لكنهم اعتبروا أنه يريد أن يستخدمهم، حيث رد عليه الأستاذ فريد عبد الخالق بقوله: " .. إن هذا الأمر الذي تدعو إليه متعذر، لأنك ترديها سندا حزبيا للثورة، وللحزب طبيعة تخالف طبيعة الدعوة وعمل الجماعة فيها.

واعتبر فريد عبد الخالق أن النصح لم يكن مع جمال مجديا، لأنه كان مصرا على تجميع السلطة ف يده، ولكنه كان يريد ستارا مناسبا يخفي وراءه هذا التوجه. وقد اتهم فريد عبد الخالق جمال عبد الناصر بـ " خيانة من عاهدهم على أن الإسلام هو الأساس الصالح لحكم مصر ولعلاج مشاكلها.." ، ومن الواضح أنه يقصد بـ " من عاهدهم" جماعة الإخوان ،مع أن مسألة حدوث هذا التعاهد لن تثبت من خلال عملية مقارنة وتحليل النصوص من أقوال الأطراف المتعددة.

ولا أعتقد أن أب باحث أمين ومتمكن من قواعد ومنهجية ابحث العلمي يمكن أن يقبل سكوت الدكتور عبد الخالق عن دور المستشار حسن العشماوي ، وتجنبه ذكر اسمه تجنبا واضحا ومقصودا، رغم أن دوره كان محوريا ، وأنه كان الممثل الأول للإخوان وللمرشد في الاتصال بجمال عبد الناصر قبل الثورة وبعدها.

ويخبرنا أحمد عادل كمال أن جمال دعا" مكتب الإرشاد العام" للإخوان المسلمين لمأدبة عشاء في بيته. وأثناء المأدبة طرح موضوع النظام الخاص، وافتتح جمال الحديث بقوله: إنه يريد أن يتكلم بصراحة وانفتاح، وكان مما قاله: إن هذا النظام دليل سوء نية الإخوان تجاه الثورة وأضاف أنه كان يفهم وجوده أيام الملك، أما الآن فلم يعد لاستمرار وجوده سوى معنى واحد، هو أن الإخوان ينوون السوء لحكومة الثورة. ويبدو أن الجانب الإخواني وعد بتصفية المشكلة في وقت محدد.

كذلك فقد اتهم جمال عبد الناصر الإخوان بأنهم تفاوضوا مع الإنجليز من وراء ظهر الثورة ، وبناء على ذلك رماهم بتهمة الخيانة، واعتقل مئات منهم، على رأسهم المرشد وغيره من القياديين وألقاهم في السجن الحربي. وبعد ذلك صدر قرار من " مجلس الثورة" يوم 13 يناير 1954 م بحل جماعة الإخوان المسلمين.

وهكذا اعتقل المرشد حسن الهضيبي وأنصاره ومعاونوه ، حيث هاجم الشرطة بيوتهم واقتيدوا إلى السجن الحربي ليلا يوم أول يناير ( كانون الثاني) 1954م، وبلغ عدد المعتقلين 450 ، وهكذا اعتقد جمال أنه انتصر. وتمكينا وتثبيتا لانتصاره ولكي تصبح كل السلطة في يده علنا ودون مواربة، فقد أقدم على إقالة رئيس الجمهورية، اللواء محمد نجيب، من جميع مناصبه يوم 25 شباط ( فبراير) 1954م . وهنا، وعلى غير ما توقع، انفجرت مظاهرات ضخمة غاضبة، كانت من أكبر ما شهدته القاهرة من مظاهرات في تاريخها.

وقد قاد الإخوان تلك المظاهرات، التي يبدو أن قوى من تيارات المعارضة غير الإخوانية شاركت فيها. وأمام هذا الضغط الجماهيري غير المتوقع وجد جمال نفسه مضطرا لاستدعاء محمد نجيب ليأمر المتظاهرين بالتفرق والانصراف لكنهم لم يستجيبوا لطلب نجيب، ثم لجأ إلى عبد القادر عوده – الزعيم الإخواني- فأمرهم بالانصراف فاستجابوا فورا، وكان في ذلك إنقاذ لجمال- حسب رأي محمود عبد الحليم.

وقد اضطر جمال لإعادة محمد نجيب إلى جميع مناصبه التي أزاحه عنها، كما اضطر إلى الإفراج عن جميع الإخوان الذين اعتقلهم، غير أنه احتفظ لنفسه بمنصب الحاكم العسكري ليستخدم سلطاته في الوقت المناسب. وكان عبد القادر عوده- حتى ذلك الوقت- ما زال على وفاق مع جمال عبد الناصر، ولذا فإنه لم يعتقل ، بل إن جمال أعطاه حق دخول المعتقل وزيارة المعتقلين والتحدث إليهم.

أما الإخوان فقد اعتقدوا أنهم حققوا نصرا كاسحا، وأسكرتهم نشوة النصر فلم يخطر ببالهم أن جمال يمكن أن يكون قد تظاهر بهذا التراجع لا انسحابا من المعركة نهائيا ولكن على سبيل المناورة والخداع ، ليعيد الكرة من جديد، وهذا ما أثبتته الأحداث، فلم يلبثوا أن فوجئوا بعودة جمال إلى الهجوم بعد ثلاثة أيام فقط، في 29 آذار( مارس) 1954م. وفي هذه المرة استبق الإخوان وغيهم من التيارات المعارضة لحكمه باللجوء إلى أسلوب المظاهرات المؤيدة له، مظهرة غضبها على معارضيه.

وقد استخدم في ذلك نقابات العمال، وأولها نقابة عمال وزارة الزراعة الذين خرجوا بمظاهرة صاخبة مستخدمين السيارات الحكومية، رافعين لافتات تحمل شعارات منها: " لا أحزاب ولا حزبية ولا جمعية تأسيسية" ثم انضم إلى المظاهرات عمال المواصلات العامة، وعمال النقل المشترك، مما أدى إلى تعطل كل وسائل المواصلات في القاهرة. وصار المتظاهرون يطوفون على موظفي الوزارات والدوائر في مكاتبهم ويحثونهم على ترك العمل والانضمام إليهم ، معلنين ومظهرين تأييدهم لجمال عبد الناصر، ومنددين بكل خصومه.

استمرار التشرذم الإخواني وتفاقمه

وبينما يغرق الإخوان في مواجهة مع عبد الناصر ومؤيديه ، ويصدمون ويندهشون بمناوراته وهو يستغفلهم ويعود إلى ضربهم من جديد، فقد كانوا طوال هذه الفترة كلها منهمكين في صراع آخر، ومعارك أخرى، ليس مع عدو خارجي، أو قوى مصرية داخلية أخرى، بل فيما بينهم، على خلفية وضع النظام الخاص وتجاوز قيادته حدود سياسة الجماعة وتعليمات المرشد العام حسن البنا قبل وفاته، ثم على خلفية انتخاب المرشد الثاني حسن الهضيبي، فوصلت حد الصدام والصراع المكشوف قبل منتصف تشرين الثاني ( أكتوبر) 1953م.

فقد نشرت الصحف المصرية يوم 23/ 11/ 1943م نبأ فصل أربعة من قيادات الإخوان المسلمين، حيث ط عقد مكتب الإرشاد لهيئة الإخوان المسلمين مساء أمس اجتماعا برئاسة فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي، المرشد العام، ودام هذا الاجتماع من الساعة السابعة حتى منتصف الليل" وصدر عن المكتب بيان بفصل أربعة من قيادات النظام الخاص، وهم: أحمد زكي حسن، وأحمد عادل كمال، وعبد الرحمن السندي، و محمود الصباغ. وكان هؤلاء الأربعة من كبار قيادة النظام الخاص، ومن بينهم رئيسه ومؤسسه عبد الرحمن السندي.

وطوال فترة الخلافات والتناحر بين شظايا حركة الإخوان كان جمال عبد الناصر يعمل في تكتم شديد لاستقطاب قسم من الإخوان وضربهم بعضهم ببعض ليتسنى له – في النهاية- إخضاعهم جميعا أو تصفيتهم، وقد تم له ذلك. ويفصل لنا الأستاذ محمود عبد الحليم الذي كان في قلب الأحداث، ومن أكثر الأشخاص ولاء للدعوة وللمرشد، معلومات عن وضع الإخوان في هذه الفترة فيقول إنهم تناثروا ضمن ثلاث فصائل:

1- فصيلة انضمت إلى جمال عبد الناصر وعلى رأسها قيادة التنظيم الخاص وبجانبهم الذين فصلوا من أعضاء الهيئة التأسيسية وكانوا واحدا وعشرين عضوا.

2- فصيلة اقتنعت بأن عزل المرشد إنقاذا للدعوة.

3- وفصيلة رأت في تمسك الدعوة بمرشدها طريق الإنقاذ .

وكان هذه الفصيلة الثالثة تضم معظم الإخوان، على الرغم من أن قيادتها كانت قد انقسمت – في بادئ الأمر- قسمين اختلفت وجهة نظر كل منهما عن وجهة نظر الأخرى. ويخبرنا محمود عبد الحليم أنه كان في أحد هذين القسمين، عندما قال: وقسم – كنت منه- اكتشف ما لم يكتشفه القسم الآخر، وذلك أن جمال عبد الناصر كان مطلعا " على أدق أسرارنا" ، ولذا فقد رغب هذا القسم في " تعديل خطتنا" لتتواءم مع متطلبات الحالة التي اكتشفها. أما القسم الآخر فلم يكن على علم بذلك الاكتشاف، ولذا فقد رفض إجراء أي تعديل، وقد عبر عن هذا الرفض بتصرفات شابتها تجاوزات كثيرة.

وقد ساد رأي هذا القسم التي تبنى الموقف الرافض للتعديل، فكان أن تحلى أصحاب فكرة التعديل عن موقفهم حتى لا يتسببوا في مزيد من التشرذم، وساروا في الركب المتشدد، دون أن يكون ذلك خيارهم الحر.وهذه الفصيلة الثالثة هي التي اعتبرها جمال عبد الناصر ألد أعدائه، ورسم الخطط لإبادتها. وكان محمود عبد الحليم قد بذل جهدا كبيرا لتهدئة مواقف التحدي بين الإخوان وجمال عبد الناصر، ومن أجل ذلك أعد مذكرة حصلت على موافقة عدد من القيادات الإخوانية، ثم بذل جهدا في إيصالها إلى جمال الذي أبدى موافقة مبدئية، وطلب أن يجتمع بوفد من قيادات الإخوان، وتم الاجتماع في بيت عبد الناصر، وشارك فيه من الجانب الإخواني كلا من الدكتور خميس حميدة نائب المرشد العام، والأستاذ عمر التلمساني، عضو مكتب الإرشاد، وهو الذي تولى منصب المرشد بعد الهضيبي، والدكتور عثمان نجاتي، والأستاذ محمد حلمي نور الدين، والشيخ أحمد شريت، ومحمود عبد الحليم نفسه. وبعد حديث طويل استعرض فيه جمال جوانب العلاقة بين الإخوان والثورة- من وجهة نظره- أعلن للوفد أن وقت المصالحة قد فات، وأنه يعرض عليهم هدنة بشروط ينتظر وفاءهم بها...

أما ما خلا هذه الفصائل الثلاث فإن عددا من الشخصيات الإخوانية البارزة فضلوا- على ما يبدو- الانسحاب من حلبة الصراع بعد محاولات للمساهمة في الإصلاح شابتها الحيرة والتخبط، وبأقدار متفاوتة من الخطأ والصواب وكل ذلك دون جدوى، وربما اكتشفوا – كلهم أو بعضهم- مدى الخلل المزمن في بنية الإخوان، وأدركوا أنه خلل معطل ومقعد لا برء منه، وقد كان من أبرز هؤلاء ممن اشتهرت أسماؤهم :

- الشيخ أحمد حسن الباقوري،

- والدكتور عبد العزيز كامل،

- والدكتور سعيد رمضان،

- والدكتور حسان حتحوت، رحمهم الله جميعا،

- والدكتور أحمد كمال أبو المجد،

- والدكتور محمد فتحي عثمان،

- والدكتور عز الدين إبراهيم، رحمه الله،

- وآخرون غيرهم ممن لم تشتهر أسماؤهم أن من لم أعلم بهم.

ومما لا ريب فيه أن الانشقاق وما تبعه من صراع إخواني داخلي قد أوقع أعدادا كبيرة من الإخوان في حيرة وألم وحرج، سيما عندما صاروا هدفا لدعاية كل من الفرق الأخرى الساعية غلى استقطابهم. كما أن أعدادا أخرى من مختلف المستويات آثرت الانسحاب وأنهت انتماءها إلى الإخوان المسلمين بهدوء، وقد تحول بعضهم إلى حمل راية جمال عبد الناصر للخروج من جحيم الصراع.

بل إن بعض الإخوان المسلمين من الفلسطينيين الذين اشتهرت أسماؤهم فيما بعد، ممن كانوا طلبة في الجامعات المصرية أثناء تلك الأحداث، فقدوا شعورهم بالانتماء للإخوان،فآثروا الابتعاد واختاروا لهم طريقا آخر، وكان من أبرز هؤلاء السيد خليل إبراهيم الوزير( أبو جهاد) ، والسيد صلاح خلف( أبو إياد) والسيد كمال عدوان،والسيد عبد الفتاح حمود، رحمهم الله جميعا، والدكتور أحمد صدقي الدجاني، أبو الطيب رحمه لله، وكذلك السيد معاذ عابد، والدكتور رياض الزعنون، والسيد سليم الزعنون، وقد ظهر فيما بعد أنهم شاركوا في تأسيس حركة فتح، وصاروا من قادتها البارزين.

شروخ في بناء كتلة الشرعية

بيد أن وضع الإخوان كان أخطر من مجرد الانشقاق، حيث كانت الشروخ في جدران بيتهم أعمق وأكثر تشعبا، فمهما علا شأن الذين استقطبهم عبد الناصر من أمثال صالح عشماوي وعبد الرحمن السندي، وسيد سابق والبهي الخولي ومن تبعهم ممن كان أصغر منهم شأنا، فإن الموقف لم يكن ليبلغ ما بلغه من خطورة لو أن صف فريق " الشرعية" المناصر للهضيبي كان سليما. لقد كان الصاغ( الرائد) صلاح شادي والمحامي حسن العشماوي من أبرز الشخصيات التي اتخذت لها مكانا في صف أنصار الهضيبي.

وقد تولى كلاهما أخطر المهام، فصلاح شادي هو الذي قاد القوة المسلحة التي أنهت احتلال المركز العام، وقد كان عضوا في لجنة القيادة التي عينها المرشد لتواجه الحكومة أثناء غيابه في جولته العربية. أما حسن العشماوي فقد كان يمثل المرشد وقيادة الإخوان في كثير من اللقاءات مع عبد الناصر، ويطلق عليه أحيانا أنه " لسان حال المرشد" ، وكان له تأثير ابعد من ذلك في مواقف الجماعة في كثير من الأزمات، كما سنرى في الصفحات التالية ضمن هذا الفصل.

وقد كان من حسن حظ الباحثين عن الحقيقة أن كلا الرجلين قد ترك لنا شيئا من ذكرياته مكتوبا، وفيه الكثير مما يلفت نظر الباحث المدقق، لكنه لم يحرك أحدا من الإخوان- فيما أعلم- ليعلن وينشر أية ملاحظات على ما كتباه. وكان حسن العشماوي قد اعتقل في 13 يناير عام 1954م ثم أفرج عنه في أواخر مارس من نفس العام، بيد أنه تمكن من الاختفاء عند بدء موجة الاعتقالات الشاملة الثانية في 26 أكتوبر 1954م. أما صلاح شادي فقد أمضى فترة حكم عبد الناصر كلها داخل السجن، ولقي من التعذيب أهوالا. ولقد اتهم صلاح وحسن كلاهما بالوقوع في خطأ كبير تمثل في ثقة مفرطة بجمال عبد الناصر، الأمر الذي مكنه من تفكيك قوة الإخوان والقضاء عليها بالتدريج.

ويبدو لي- من خلال ما دونه صلاح وحسن- أن ما ارتكباه كان أكثر من مجرد خطأن وهذا الحكم ينطبق على حسن العشماوي بدرجة أكبر، فذلك هو ما يتوصل إليه كل من قرأ كتب المستشار العشماوي (قلب آخر لأجل الزعيم)، كما قرأ مذكراته التي نشرت وصدرت بعنوان ( حصاد الأيام)، وأضاف إلى ذلك قراءة مذكرات صلاح شادي بعنوان ( صفحات من التاريخ) .

إن ما كتبه الرجلان يؤكد لنا ذلك بما لا يدع مجالا لأي شك. فقد بين حسن العشماوي أنه عرف جمال عبد الناصر في أكتوبر سنة 1951"، وأن جمال جاءه بتوجيه من صلاح شادي، بتكليف من المرحون عبد القادر عوده، وكيل جماعة الإخوان آنذاك. ومنذئذ أصبح حسن العشماوي " إحدى سبل الاتصال بين الضباط الأحرار والإخوان في أمور معارك قناة السويس، والسبيل الوحيد في غيرها من الأمور.

وكان مما كتبه حسن : " وعرفت عن عبد الناصر – منه ومن زملائي وزملائه- الشئ الكثير، وتوثقت بيننا العلاقات بسرعة" . وكان مما عرفه حسن عن جمال أنه كان من مجموعات الإخوان في الجيش، وأنه كان عضوا قديما بالجهاز السري. ولكن المجموعة انفصلت عن الإخوان عام 1948م بعد أن أقنع جمال عبد الناصر الصاغ محمود لبيب بهذا الانفصال وعرف حسن أن جمال " كان قد تردد قبل ذلك على أكثر من هيئة سياسية احتفظ بزملاء له فيها.." وهذا يعني أن مجموعات ( الضباط الأحرار) صارت تضم أشخاصا ينتمون إلى مختلف الهيئات السياسية في مصر، وربما ظل كل منهم يظن أن عبد الناصر يوافقه في مبادئه" وطلب جمال من الإخوان- عن طريق حسن العشماوي- أن يتولوا توجيه زملائه الضباط وتعليمهم إسلاميا، غير أن معارك قناة السويس ضد الإنجليز شغلتهم عن هذه المهمة، كما يذكر حسن العشماوي.

وكان انطباع حسن عن جمال من أول لقاء أن " في عينيه بريق ذكاء يلحظه المراقب عن قرب" ، كما أنه كان متدينا، كثير النشاط القراءة والإنصات. ونستدل مما كتبه حسن العشماوي على أنه وقع تحت تأثير جمال عبد الناصر بدرجة بدلت تفكيره بشكل أساسي يفسر لنا مواقف التالية.

فقد تناول حسن تطوره الفكري بشكل غير مباشر أثناء مناقشته لمشكلة نظام الحكم فقال: " كثيرا ما ناقشت هذا الأمر( أي مشكلة الحكم) مع زملائي في الهيئة التي انضممت إليها في شبابي ( الإخوان)، وكنا نناقش الأمر عادة على نطاق أوسع من نطاق بلنا وحده، لأن فكرتنا السياسية كانت أوسع من مدى إقليم.. إنها تتصور قيام دولة في إقليم تتسع لتكون دولة لأمة مسلمة.. تنشر مبادئها لتصبح عالما يضمه معنى الإسلام.. ولكن كيف؟ كان هذا لا يزال غامضا في أذهاننا شبابا، وكانت المناقشة في هذه الأمور شائكة، لما تنطوي عليه- في ظننا- من نواح دينية، يتردد الكثير منا عند مناقشتها.

ولذلك ظللنا في شبابنا- كغيرنا من أبناء المنطقة- ننادي بالشعارات دون تعرض للتطبيق، دون أن نتناول الصورة التي ستسلمنا إليها شعاراتنا.. أغلب الظن لأنها لم تكن واضحة أمامنا. كنا نكتفي بالإحالة إلى ما كانت عليه حال البلاد في الماضي، حين تمسكت بإسلامها دينا ونظاما.. كنا نفخر بأمثال أبي بكر وعمر، وننسى – أو نتناسى- كم طال حكم هؤلاء بعد وفاة محمد الرسول.. كما ننسى أو نتناسى حكم يزيد بن معاوية وعبد الله السفاح السلطان عبد الحميد، ومن على شاكلتهم.. ومع هذا، فقد ناقشت هذا الأمر في صراحة أكثر مع بعض الأشخاص.. كانوا قلة.. وكنا لا نتحرج في المناقشة، ولذلك شعرت في مناقشتهم أنني أكثر انطلاقا، وأن الأمور بدأت تتبلور في ذهني بعيدا عن مجرد الشعارات..".

يتكلم حسن العشماوي هنا عن مرحلتين متميزتين من مراحل تطوره الفكري، مرحلة مبكرة كن يحمل فيها شعارات الإخوان العامة ويدعو لها ويدافع عنها، ومرحلة لاحقة، ناقش خلالها أفكاره في نطاق أضيق حيث أخذت الأمور تتبلور في ذهنه بعيدا عن الشعارات. غير أن النص الذي نقلناه لا يعرفنا تاريخ أي من المرحلتين، لا من حيث البدء، ولا من حيث النهاية ولا من حيث الخط الزمني الفاصل بينهما، فلنمض معه لعلنا نعثر على ما ينير سبيلنا.

ويحدد حسن العشماوي بعض الأشخاص الذين تبلورت أفكاره خلال مناقشاته معهم فيقول:" وإذا كان لي أن أخصص بعض ذلك النفر القليل، فإني أذكر اثنين ، أحدهما أبي، والآخر صديق لي في شبابي. وكان أبي رحمه الله رجلا متدينا.. وكان أول ما يعنيه أخلاقيات الحكم.. .. أما الصديق فكان شابا متدينا، يكبرني قليلا .. وكان رجلا عسكري المهنة، سياسي الفكر، كثير النشاط والقراءة والإنصات.. كان قليلا ما يتكلم، ولكنه كان يتكلم إذا انفردنا.. كان مؤمنا بالوطنية الإقليمية، مترددا أمام النشاط العربي، متشككا في الأثر السياسي لأية حركة دينية. وكان أميل إلى الحلول الرأسمالية، مع بعض القيود عليها بما يناسب ظروف بلدنا واحتياجات أبنائه. وباعدت الأيام بيننا، وصار الصديق الشاب من أبرز رجالات المنطقة العربية، إن لم يكن أبرزهم جميعا فيما يرى الكثيرون. ولست أدري اليوم حقيقة رأيه فيما كنا نناقشه من أمور..".

إن أوصاف الصديق الذي بلور فكر حسن العشماوي وجعله ينظر بتندر إلى فكره السابق إنما تنطبق على شخص واحد فقد هو جمال عبد الناصر. لقد تحدث حسن العشماوي عن بعض هذه الصفات منسوبة غلى جمال عبد الناصر مباشرة وبالاسم، وذلك في مذكراته التي نشرت في مجلة روز اليوسف في حلقات متتابعة ( 1977- 1968) ثم جمعت في كتاب نشره صديقنا الأستاذ عز الدين بليق، مدير وصاحب دار الفتح للطباعة والنشر في بيروت.

فقد وصف حسن – في المذكرات- جمال عبد الناصر بالاسم بأنه كان " قليل الكلام" ، وأنه لم يكن يؤمن بجدوى التعاون العربي، وأنه كان على " صلة وثيقة قديمة بالإخوان" ، مما يعني أنه كان متدينا، وكان عسكريا بطبيعة الحال، والأهم من ذلك والأوضح أنه أصبح " من أبرز رجالات المنطقة العربية، إن لم يكن أبرزهم جميعا." وكان يكبر عشماوي بثلاث سنوات:" يكبرني قليلا" كما أن صلاتهما ، أي جمال وحسن ، بدت وثيقة جدا من خلال حديث حسن عن صلاته بجمال قبل سنة 1954م. وكانت صلة جمال بحسن عشماوي قد بدأت في أكتوبر سنة 1951م كما ذكرنا في غير هذا المكان.

ونعود غلى ما كتبه حسن العشماوي عن تطور تفكيره حيال مشكلة الحكم أثناء كونه عضوا في لجنة الدستور بعد ثورة سنة 1952م: " ورأيت – في النطاق الإقليمي- إن نظام الحكم الجمهوري أنسب الصور لبلادي، وأقربها إلى حكم الخلفاء الأوائل، الذين كنا نفخر بهم، ونعتبرهم دليلا على نجاح شعاراتنا .

تصورت في مصر نظام حكم يختار فيه الشعب رئيس الجمهورية مباشرة، لمدة تسمح لسياسته أن تستقر، وتجعله على مستوى أكبر من المسئولية والثبات، فلا تعصف به الأحزاب التي تسعى للحكم عن طريق السلطة التشريعية التي يختارها الشعب. ولكن لجمة الدستور- وقت ذاك- كانت أكثر ميلا إلى النظام الديمقراطي.." هنا يظهر لنا حسن العشماوي من خلال العبارات المكتوبة بخط مائل – كما لو أنه ابتعد عن لبراليته في تلك الفترة.

فالرئيس الذي تستمر رئاسته لمدة طويلة تسمح لسياسته أن تستقر، والذي لا تتأثر سياسته بضرورة الخضوع للسلطة التشريعية التي يختارها الشعب هو أقرب الصور إلى ما كان عبد الناصر يعمل لتحقيقه، أو يقدم على البوح به في تلك الفترة المبكرة. وهذه العبارات تعطينا انطباعا بوجود قدر من الاتفاق عليها بين الرجلين، وربما أبدى عبد الناصر قناعته بهذا القدر آنذاك بينما أخفى آماله بأن يطور مدة الرياسة لتصبح مدى الحياة فيما بعد.

ويتحدث حسن العشماوي عن سلوك عبد الناصر بعد نجاح الثورة وعن علاقته به على النحو التالي:" والواقع أن عبد الناصر تنكر- منذ نجاح الثورة- لاتفاقاته السابقة مع بعض الهيئات الشعبية، وبدأ يصرف الأمور مع لجنة الضباط الأحرار- التي أسماها فيما بعد مجلس الثورة- دون أن يمس بالتزاماته بأن يرجع إلى من شاركوه أو أعانوه، من غير زملائه العسكريين، ولكن تنكره ذلك لم يمنعه من طلب العون، ولم يمنعني من تقديم العون، فاتفاقنا لم تكن لمصلحة شخصية أو حزبية، بل كانت لمصلحة أمة، وإقامة دستور. فاكتفيت- ومن يرى رأيي من زملائي- بما قطعه عبد الناصر وزملاؤه على أنفسهم من عدم إقامة حكم عسكري ، ومن احترام حريات الناس وسيادة القانون".

وعند حديثه عن مسألة دخول الإخوان وزارة محمد نجيب أو عدم دخولهم قال حسن العشماوي إنه كان يثق في عبد الناصر : " كنت غلى ذلك الوقت أثق في عبد الناصر ، وأعتقد أنه يعمل للفكرة لا لمجده الشخصي ، ولذلك كان من رأيي الموافقة على إسناد الوزارة إلى الرئيس نجيب، وأن يدخل الإخوان الوزارة كي يكونوا على بينة من سير الأمور، وحتى لا نترك الانتهازيين والمنافقين يلتفون حول عبد الناصر وزملائه ويوجهونهم إلى السيطرة والاستبداد.

ولكني لا أستطيع اليوم- وبعد فوات ذلك الوقت الطويل- إلا أن أعترف ببعد نظر الظانين السوء بوزارة الرئيس نجيب، المؤثرين عدم الاشتراك في حكم يسير حتما إلى الدكتاتورية.. ولو كنت ممن يندمون على الماضي لندمت أني لم أستمع إلى قول الناصحين لي أن نقضي على تلك المجموعة قبل أن تسيطر – وكنا وقتذاك قادرين على ذلك- ولكنني لم أقبل. كي مصري كان يعلم أن طريق السويس ومناطق القنال كانت مخفورة بمجموعة من الفدائيين.. وكل مصري يعلم أن السفارات الأجنبية والمراكز الحساسة في القاهرة والأقاليم، ومنازل عبد الناصر وزملائه وأشخاصهم، كانت تحرسها مجموعات من الإخوان في زي مدني ليدفعوا عنها أي اعتداء من جانب المتطرفين، وكل مصري يعلم أن رحلة الرئيس وزملائه في أقاليم مصر لم تنجح إلا بسبب الإعداد الذي تم لها من جانب الإخوان.

لم أقبل أي محاولة للقضاء على عبد الناصر، ووقفت ومن يرى رأيي ندفع عنهم أي أذى .. واستمر عبد الناصر في خطته، يصفي الجيش من منافسيه، ويصفي جبهة الشعب من معارضيه.. مستعينا بكل منهم على الآخر حتى لا يبقى غيره.."

ومما قاله لنا حسن العشماوي رحمه الله:" لم يخف عني عبد الناصر أن قانون تنظيم الأحزاب ليس إلا خطوة نحو إلغائها، فحرصنا معا على ألا ينطبق على هيئة الإخوان المسلمين. وقد بذل عبد الناصر في هذا السبيل جهدا كبيرا لا أنكره برغم معارضة بعض زملائه له، وبرغم ما وجد في هذا السبيل من متاعب من الإخوان أنفسهم الذين لم يكن لزاما علي أن أبلغهم واحدا واحدا بما أسره إلي عبد الناصر من عزم على إلغاء الأحزاب القائمة نهائيا. وكان المفهوم أن إلغاء الأحزاب سيعقبه- بعد الانتخابات الأولى للجمعية التأسيسية- إباحة إنشاء أحزاب جديدة تقوم على فكرة محددة لا على مجرد تجمع أشخاص..".

حسن عشماوي يدبر مع جمال عبد الناصر

وخلال صيف سنة 1953م "جلست مع عبد الناصر أكثر من مرة، ولم يخف عني أنه يحس من الإخوان جفوة نحوه ونحو سياسته، وأنه ينوي حل الجماعة، ودعاني أكثر من مرة إلى التعاون معه بعيدا عن نطاقها، فلم يجد مني قبولا. وكانت أحاديث طويلة أصر كل منا فيها على رأيه...".

لا يخفى على القارئ ما تعنيه هذه الفقرات المقتبسة فحسن العشماوي يتحدث بلهجة تنم عن الاستخفاف والتندر بالنسبة لفكرة أيام الشباب في الهيئة التي انضم إليها، وهو يبين تخيله عن ذلك الفكر- بالنسبة لمشكلة الحكم على الأقل- وذلك بقوله: " كنا نكتفي بالإحالة إلى ما كانت عليه حال البلاد في الماضي.. كنا نفخر بأمثال أبي بكر وعمر، وننسى – أو نتناسى- كم طال حكم هؤلاء بعد وفاة محمد الرسول..كنا ننسى أو نتناسى حكم يزيد بن معاوية وعبد الله السفاح والسلطان عبد الحميد ومن على شاكلتهم" فهو هنا يسخف تبني الفكرة اعتمادا على مثال أبي بكر وعمر، لأن مدتهما قصيرة لا يعتد بها، إذ ساد الفساد والانحراف بعد ذلك.

وبعد أن وقع تحت تأثير جمال عبد الناصر، الذي بلور له فكره على نحو جديد أراد لبلده حكما " يختار الشعب رئيس الجمهورية مباشرة لمدة تسمح لسياسته أن تستقر، وتجعله على مستوى أكبر من المسئولية والثبات، فلا تعصف به الأحزاب التي تسعى للحكم عن طريق السلطة التشريعية التي يختارها الشعب." ورغم أن هذه العبارة تحمل تفسيرا لا يوحي بتورط حسن العشماوي في موافقة عبد الناصر على التمهيد للحكم الدكتاتوري، إلا أن بعض العبارات الواردة بعدها، واعترافات أخرى لحسن العشماوي تقنعنا بأنه كان متورطا.

فبعد ههذ العبارة مباشرة نجده يقول: " ولكن لجنة الدستور- وقتذاك- كانت أميل إلى النظام الديمقراطي" ومعنى هذا أن وجهة نظره كانت مخالفة لوجهة نظر اللجنة. والذي يقابل النظام الديمقراطي هو سيطرة الحاكم الفرد. إن كلا النظامين البرلماني والرئاسي ديمقراطي، ولو كان ما قصده حسن العشماوي في موقفه هو النظام الرئاسي بشكله المعروف لما اعتبرت الصورة غير ديمقراطية.

ولا ينبغي أن نظن غير ذلك، لأن حسن العشماوي قانوني صاحب خبرة طويلة- أقصد عندما كتب مذكراته- ولا تفوته دقة اختيار ألفاظه والرئيس الذي تستمر رئاسته لمدة طويلة تسمح لسياسته أن تستقر، والذي لا تخضع سياسته للسلطة التشريعية التي يختارها الشعب هو أقرب الصور إلى ما كان عبد الناصر يسعى إليه في تلك الفترة المبكرة، كما أنه الأكثر اقترابا إلى الدكتاتورية.

وتؤكد الأحداث التالية التحليل الذي اتبعنا، ثم التفسير الذي رجحناه، وهي الأحداث التي اخبرنا بها حسن العشماوي نفسه: فهو يشاهد بعينه أن جمال عبد الناصر ماض" في خطته، يصفي الجيش من منافسيه، ويصفي جبهة الشعب من معارضيه، مستعينا بكل منهما على الآخر، حتى لا يبقى غيره" ومع ذلك ظل يدافع عنه أمام الإخوان ويخفي عنهم معلوماته عن خطط عبد الناصر تجاه القوى المعارضة له. ولما أبدى عدد من الإخوان اقتناعهم بأن الضباط يسيرون بالحكم نحو الدكتاتورية ونادوا بالقضاء عليهم، لم يقبل: " لم أقبل أي محاولة للقضاء على عبد الناصر، ووقفت ومن يرى رأيي ندفع عنهم كل أذى.."

وعندما يعزم عبد الناصر على البطش بالإخوان يجد أن طبيعة علاقته الخاصة بحسن العشماوي تسمح له بتعريفه بتلك النية المبيتة، بل ويلح عليه في الدعوة للتعاون معه: " ولم يخف عني أنه ينوي حل الجماعة، ودعاني أكثر من مرة إلى التعاون معه بعيدا عن نطاقها.." والمفروض في هذه الحالة أن يحذر حسن العشماوي إخوانه مما يبيت لهم، ذلك إن كان في نفسه بقية من ولاء لجماعته، أو كان يعتبرهم إخوانه، لكنه لم يفعل، وأعاد جمال عليه القول أكثر من مرة.

ولكي تكتمل الصورة في أذهننا ينبغي أن نضيف إلى ما سبق من نصوص قول حسن العشماوي عن نفسه: إنه لم يكن عضوا في الجهاز السري للإخوان، أو في أي تنظيم سري آخر، لكنه- مع ذلك- كان " على اتصال بأغلب تلك التنظيمات السرية التي عرفتها مصر في العشر سنوات الأخيرة.." أي الفترة الأخيرة من العهد الملكي.

وهنا لابد أن يقفز في أذهاننا هذا التساؤل: هل كانت اتصالات حسن العشماوي بالتنظيمات السرية الأخرى بالاتفاق مع حركة الإخوان، ولصالحها، أم كانت بصفة شخصية، أن بعضها جرى بالتفاهم مع جمال عبد الناصر؟ إننا نستبعد أن تكون تلك الصلة بتكليف من الإخوان، وذلك نظرا لمركزه القيادي الرفيع بينهم، بيد أننا لا نستطيع أن نجزم إن كانت بمبادرة شخصية أو إن كان بعضها بالاتفاق مع جمال. ومن الغريب أن جمال عبد الناصر استعمل نفس الأسلوب والألفاظ للتدليل على أنه لم يكن عضوا في حركة الإخوان، فعندما سئل عن مدى صحة ما يقال عن انتمائه السابق للإخوان أجاب: " أنا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة في البلد .

يعني مثلا كنت أعرف الشيخ حسن البنا لكن مكنتش عضو في الإخوان" ثم ذكر صلاته بمصر الفتاة، والوفد ، والشيوعيين . إن الروح التي نلمحها من خلال عبارات حسن العشماوي توحي بأنه ينفي عن نفسه تهمة بنفي انتمائه للجهاز السري، غير أنه لا يقف عند هذا الحد، بل ينتقل خطوة أخرى فيشير إلى صلاته بجميع التنظيمات الأخرى، وكأنه أراد أن يفهم قراءه بأن صلاته بالتنظيمات الأخرى تعني أن صلاته بالإخوان كانت مثل صلاته الأخرى، إنه رجل وطني يهتم بقضايا بلده ويتصل بجميع العاملين في الحقل الوطني، بما فيهم الإخوان، وربما تحرج أن يقول : إنه لم يكن من الإخوان.

ويمكن أن يضاف إلى ما نقلناه عن حسن العشماوي ما كان الدكتور سعيد رمضان قد ذكره للمؤلف الحالي أثناء لقاء لي معه في جنيف في شهر آب ( أغسطس) 1964م، حيث أكرمني بدعوتي للعشاء في بيته، وكان مما رواه لي الدكتور سعيد رحمه الله بعد لعشاء أن حسن العشماوي وصلاح شادي كانا يكرران القول بأن انتماء جمال عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين أوثق من انتماء حسن الهضيبي نفسه لها. أو بتعبيره الحرفي: " دا جمال من الإخوان أكثر مما هو الهضيبي من الإخوان"

إنني أنقل هذا الكلام لأنه يعضد وينسجم ما أردناه من أقوال حسن لعشماوي في السطور السابقة، فهل كان العشماوي وشادي يؤمنان حقا بما كانا يؤكدانه لإخوانهما؟ وكيف يمكن أن ينسجن هذا الإيمان مع قول حسن العشماوي بأن جمال قد تنكر للجماعة التي عاونته من أول الثورة، ومع إقدام جمال على إبعاد عبد المنعم عبد الرءوف من مجلس قيادة الضباط الأحرار، وقوله للهضيبي بأنه لا يقبل وصاية أحد على الثورة، وإسراره لحسن العشماوي بأنه ينوي حل الإخوان؟ أم ترى أنهما كانا يعنيان أن جمال عبد الناصر كان في صفوف الإخوان وفي تنظيمهم السري لسنوات طويلة بينما الهضيبي لم ينتظم في صفوف الإخوان إلا بعد أن أصبح مرشدا؟ إنني أرجح أنهما كانا يريدان قول أي شيء لوقف التيار المعادي لجمال عبد الناصر داخل الإخوان حتى لو كان قولهما مخالفا للحقيقة. وربما كانا يعطيان الأهمية الأولى لإصلاحات الثورة في سنتها الأولى، سيما وأن تلك الإصلاحات كانت من أهم مطالب الإخوان.

والذي أميل إلى تأكيده هنا ثانية أن فكر حسن العشماوي الإخواني قد تغير نتيجة لتعرفه على جمال عبد الناصر ووقوعه تحت تأثير شخصيته الطاغية ابتداء من عام 1951م. وهذا التغير واضح من كلام حسن العشماوي نفسه، إذ صار حسن ينظر إلى جماعة الإخوان وشعاراتها وأفكارها على اعتبار أنها مجرد شعارات عاطفية لا تستوعب الواقع ولا تستطيع التعامل معه، وتفتقر إلى القدرة الأساسية اللازمة لتغييره.

ومن المرجح أنه توصل إلى هذا الفهم من خلال حواره مع جمال عبد الناصر، وبتأثيره ، وربما اتفق معه أيضا على تنفيذ كثير من الإصلاحات التي نفذتها الثورة في بداية عهدها، مما نادى به الإخوان قبل الثورة وانتظروه طويلا. ولا تثريب على حسن العشماوي في شيء من ذلك، فتغير الأفكار والقناعات من طبيعة الإنسان، ولا يمكن أن يلام الإنسان على شيء موجود في فطرته، وكثيرون هم الذين تغيرت أفكارهم وتقديراتهم بالنسبة لحركة الإخوان، ففقدوا إيمانهم بأهليتها لما ينتظر منها.

بيد أن حسن العشماوي- وربما صلاح شادي أيضا- يلام أشد اللوم لإصراره على لبس الثوبين ، الإخواني والناصري، في آن واحد، ومحاولته إقناع الإخوان بإخوانية جمال في الوقت الذي كان يعرف أن جمال منهمك في تنفيذ مخططه لتصفية الإخوان.

أما اتهام حسن العشماوي لجمال عبد الناصر بالخيانة فإنه لا يعدو كونه اتهاما عاطفيا وبغير مضمون. ولست أقول هذا دفاعا عن عبد الناصر، فقد ظللت في صف له طوال مدة حكمه، ولكني أقول هذا لأن العشماوي آخر من يحق له اتهام عبد الناصر بالخيانة، لأن درجة التفاهم والتعاون التي كانت بين الرجلين- كما بينتها كتابات العشماوي نفسه- تكشف لنا أنهما كانا شريكين في معظم المواقف، وأن حسن كان الشريك والتابع الأصغر، وأن جمال عبد الناصر كان يفضي إليه بنواياه تجاه الإخوان، كما أن جمال قد تصرف بوضوح عندما أبعد عبد المنعم عبد الرءوف من لجنة الضباط الأحرار قبل الثورة بستة أشهر، كما تصرف بوضوح عندما قال للمرشد العام المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي – يوم 30 تموز( يوليو) 1952م- إنه لا يقبل وصاية أحد على الثورة .

ومع ذلك حرص عبد الناصر على التعاون واستمر كثيرون من الإخوان في وهمهم أن الثورة ثورتهم وأن جمال ورفاقه من أفرادهم، فانساق عدد كبير معه وضمن تياره، بينما رأى آخرون أن عليه أن يأتمر بأمر قيادتهم.

إن كلا من جمال عبد الناصر وحسن العشماوي في دار البقاء الآن، عند مليك مقتدر، وأيم الله لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا النقد لسلوك حسن العشماوي وصلاح شادي، ولكن التردد زال عندما راجعت نفسي وتذكرت أنني لم ألق أيا منهما في حياتي، ولم تكن لي بهما أية علاقة خاصة أو عامة- لا من قريب ولا من بعيد- سوى أننا اعتنقنا فكرة الإخوان في فترة من حياتنا. ولذا فليست هناك مظنة الرغبة في الإيذاء. إن القضية التي أكتب عنها قضية عامة أكبر من الأشخاص المكتوب عنهم وأكبر من الكاتب، وأن مصلحة الأمة أولى بالرعاية والتقدير.

ومما لا يحتاج إلى بيان أن أحكامنا- نحن الذين ما زلنا أحياء- على من هم في دار البقاء لا يمكن أن تؤثر عليهم لا من قريب ولا من بعيد، لأنهم في رحاب رب كريم، ينتظرون قضاء أعدل العادلين. لقد كان حسن العشماوي وصلاح شادي من أبرز العناصر المتحركة الفاعلة المؤثرة في المجموعة القيادية في فريق الشرعية لذي استند إليه المرشد العام، الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله.

وكان المرشد العام يعتمد عليهما اعتمادا كبيرا، فإذا أضفنا إلى ذلك حالة الضعف الجسماني للمرشد الذي كان قد وصل إلى سن التقاعد قبل اختياره للمنصب، فضلا عن حالته المرضية، إذا عرفنا كل هذا أدركنا مدى خطورة الثغرات التي عانى منها صف الإخوان والمتمثلة في مواقف وسلوك حسن العشماوي وصلاح شادي وأتباعهما، فضلا عن انشقاق وفصل عدد كبير آخر انضم فريق منهم إلى صف عبد الناصر.

ومما يبعث على الدهشة والعجب أن يلجأ شطر من قيادات الإخوان إلى جمال عبد الناصر ، منهم صلاح عشماوي – الوكيل السابق للجماعة، أي الرجل الثاني في القيادة- وعبد الرحمن السندي، قائد الجهاز السري، ومعهم مجموعة كبيرة من القيادات الفكرية والحركية، لينقذهم من فريق المرشد الجديد- الذي كان في نظرهم دخيلا على الدعوة- ثم نجد في قيادة فريق المرشد أيضا من يخدم مخطط جمال عبد الناصر في تكتم وسرية.

أما حسن الهضيبي نفسه فلم يكن له اتصال بالقواعد الواسعة للإخوان. وعندما اكتشف حقيقة العلاقة بين الإخوان والثورة أصدر توجيها مشددا بأن التعاون بين الجانبين ينبغي أن يكون محددا باعتبار أن الثورة ليست إخوانية ولا إسلامية، بل هي مجرد حركة وطنية إصلاحية على أحسن الفروض. غير أن حسن العشماوي وصلاح شادي تجاهلا هذا التوجه. ولم يكن المرشد بقادر على المتابعة نظرا لسنه ، وحالته الصحية، ولضعف صلته بالقواعد الواسعة للإخوان. وهكذا ظل الرجل الفاضل في الظلام، لا برغبته، ولكن بمخادعة بعض القيادات الإخوانية له، ممن كان يفترض أنهم معاونوه الأمناء.

قصر نظر قائل

إن كل هذا الذي سردناه يبين لنا بجلاء كم كانت الجبهة الإخوانية ضعيفة ومهلهلة في معركة اختبار القوة مع جمال عبد الناصر ، ثم في معركة الحسم التي اندلعت في التاسع والعشرين من آذار ( مارس) 1954م.

إن أبسط درجات الفطنة كانت تحتم على الإخوان المسلمين أن يغمدوا أسلحتهم ويطووا راية الحرب، وأن يفعلوا كل ما طاقاتهم لتجنب الاصطدام، مهما كلف ذلك من تضحيات، لكي يتمكنوا من رأب الصدوع والانهيارات التي أوهنت بناءهم وهدمته، وهذا ما سعى إليه محمود عبد الحليم وبعض القيادات الإخوانية التي اتفقت معه غير أنت مسعاه اصطدم بصخرة الفريق المتشدد، كما أشرنا من قبل. وهكذا اختار الإخوان الاستمرار في التحدي وإظهار العزم على استخدام القوة المسلحة في أي صدام.

ومما يدعو للدهشة أنه بعد أن نجح الفريق الموالي للمرشد بطرد صالح عشماوي وأنصاره من مبنى المركز العام بالقوة عمدوا إلى وضع حراسة مسلحة على المبنى للتصدي لما يحتمل أن تقوم به الحكومة. ويخبرنا عن ذلك صلاح شادي بقوله: " وكنا في هذا الوقت عاجزين عن إدراك ما تنويه الحكومة تجاهنا، ففرضنا حراسة دائمة على المركز العام" رتبها يوسف طلعت، الرئيس الجديد للنظام الخاص. ولا شك عندي في أن هذا المضي في التحدي- على الرغم من كل مظاهر الضعف التصدع الذي عانى منه بناء الإخوان- كان من أكبر الأخطاء في المسار السياسي للإخوان المسلمين، وقد دفعوا ثمنه غاليا.. غاليا جدا.

لقد كانت المعركة التي انساق إليها الإخوان منذ أواخر سنة 1953م مواجهة بين طرفين غير متكافئين ، لا من حيث عناصر القوة المادية ولا من حيث عناصر القوة المعنوية. لقد كان جمال عبد الناصر يعد للمعكرة ومعه مجلس الثورة، وكان يتحرك استنادا إلى الشرعية الجديدة التي ساهم الإخوان أكبر مساهمة في إعطاءه إياها.

ولقد دفع الإخوان بسلوكهم كثيرا من رجال الأحزاب ورجال السياسة ورجال الفكر إلى تأييد الحكومة ضدهم. ولا مراء في أن ذلك التأييد كان له قدر من التأثير على الرأي العام. فقد أيد الإخوان خطوة الحكومة في حل الأحزاب وإلغائها نهائيا، وذلك حسب اعتراف حسن العشماوي، كما أنهم أيدوا الإجراءات القمعية التي اتخذت ضد خصومهم في مطلع الثورة من غير سند قانوني. ثم أنشأ عبد الناصر هيئة التحرير لتكون الحزب الوحيد، حزب الدولة بديلا لكل ما عداها من الأحزاب.

وقد عرف المصريون المهتمون بالسياسة أن حسن البنا كان قد نادى قبل سنوات طويلة، بحل الأحزاب جميعا وإدماجها في حزب واحد، ورأوا حكومة الثورة تحل الأحزاب بالتفاهم مع الإخوان، وتستثني الإخوان من الحل، ثم تؤسس حزبا حكوميا واحدا ووحيدا. فإذا جاءت الحكومة- بعد ذلك- لتضرب الإخوان لم يكن لأحد أن يتوقع أن تقف الأحزاب والجماعات والقوى السياسية الأخرى لتناصرهم وتدافع عنهم.

والأهم من ذلك أن جمال عبد الناصر كان بيده الجيش وقوى الأمن والشرطة، وأجهزة الإعلام ، وأموال الدولة، وقد صفى الجيش من معارضيه، بما في ذلك الضباط الذين شاركوا في الثورة، فضلا عن الضباط الأقوياء ذوي الشعبية الواسعة في صفوف الجيش، والضباط الذين كانوا أعلى منه رتبة في السلك العسكري. فإذا أضفنا غلى كل هذا تمزق الصف الإخواني وتعاون قطاع هام وفعال منه مع جمال عبد الناصر إذن لأدركنا الخبل المتمثلة في الإصرار على المضي في المعركة.

لكن الإخوان كانوا عاجزين- بحكم تكوينهم العاطفي وبسبب تربيتهم الضيقة الأفق- عن أن يجدوا في رصيدهم أدنى قدر من المرونة التي تساعدهم على المناورة، أو على الكر والفر، بالتعبير العربي، أو أن يكون مدى رؤيتهم أبعد من أنوفهم، وهكذا انساقوا إلى المسلخ وعيونهم معصوبة بعصابات وضعوها هم أنفسهم. لقد انساق عدد كبير منهم إلى الموت والعذاب والسجون، وساقوا حركتهم إلى النفي والحصار والتجريح والتلويث.

ثورة 23 يوليو ، نظرة تقويمية

وقبل أن نختتم هذا الفصل يبدو أن من اللازم أن نلقي نظرة تقويمية سريعة لتلك الثورة في مرحلتها الناصرية. ثورة 23 يوليو لم تكن انقلابا عسكريا فحسب، على الرغم من أنها كانت قد بدأت بانقلاب مجموعة من العسكر ضد نظام الحكم القائم. والفرق بين الثورة والانقلاب يتلخص في أن الانقلاب العسكري يحدث بغرض الاستيلاء على السلطة فحسب، حتى لو صحبته بعض التزيينات أو ( الماكياج) أما الثورة فتتميز بإحداث تغييرات عميقة في حياة الشعب المعني، سواء في نظام الحكم، أو في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

ومعروف أن الثورة في مصر عزلت الملك بعد ثلاثة أيام من قيامها، ورتبت انتقال السلطة والسيادة الرمزية إلى ولي العهد، الطفل أحمد فؤاد، وكان ذلك إجراء مؤقتا، أو فترة انتقالية بين مرحلتين، ثم ما لبثت أن ألغت النظام الملكي وأنشأت نظاما سمي جمهوريا.

وقد ألغت الأحزاب السياسية وحاولت إنشاء حزب واحد. أما فيما يتعلق بالوجود البريطاني فقد دخلت في مفاوضات مكثفة انتهت إلى اتفاقية لإنهاء الاحتلال وخروج القوات البريطانية خلال سنتين، وتم ذلك سنة 1956. وبجانب ما ذكرنا فقد حاولت تنمية اقتصاد البلاد، فأقدمت على تحديد الملكية الزراعية بحد أعلى مائة فدان، ووزعت ملكيات على صغار الفلاحين الذين لم يكونوا يملكون، وأممت بعض الشركات التي كانت تملكها بريطانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر، فأدى ذلك إلى قيام الدولتين بغزو مصر، بمشاركة إسرائيلية.

أما بالنسبة للمشاريع الإنشائية فقد كان أكبرها بناء السد العالي، وبجانب ذلك إنشاء عدد من الصناعات ، وإن كانت متواضعة النتائج. وفي السياسة الخارجية نشطت في تحريك الوضع الراكد في العالم العربي، وساندت الثورة الجزائرية ( 1954- 1962) ، كما ساندت الثورة اليمنية التي انطلقت سنة 1962م، واختارت موقفا داعما لقضية الشعب الفلسطيني، ورعت إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وإن كانت ههذ الرعاية قد ظهرت خلال التنافس والصراع البيني العربي، مما جعلها مشوبة ببعض الشكوك.

وعلى الصعيد الدولي حاولت القاهرة أن تختط لنفسها مسارا ومواقف حيادية بين القطبين الدوليين، وكانت عضوا مؤسسا في حركة عدم الانحياز. ومن الخطأ أن يحاول الإخوان تجريد جمال عبد الناصر من أي درجة من الإخلاص لبلده، حتى مع استبداده وأنانيته وعنفه ودمويته في تعامله معهم.

بيد أن قيادة الثورة- ومع كل ما سبق من إيجابيات- سقطت سقطات مشينة، خاصة عند انخراطها في تصفية العناصر القوية التي شاركت في الثورة أو ساندتها مساندة مهمة في شهورها الأولى، مثل العقيد رشاد مهنا الذي تولى منصب رئيس مجلس الوصاية الثلاثي بعد رحيل الملك فاروق، وكان مهنا مشهورا بتدينه وشعبيته الواسعة بين ضباط الجيش من غير أن يكون من الإخوان المسلمين، كما كان ممن أبعدوا أيضا العقيد يوسف صديق، الضابط اليساري، الذي ساهم بدور عسكري كبير في ليلة 23 يوليو 1952م، ثم اللواء محمد نجيب الذي تولى منصب رئيس الجمهورية، وكان أول من شغل ذلك المنصب الجديد.

وقد كان من أهداف عبد الناصر- كما يبدو للباحث والمؤرخ – أن يحمي مركزه من منافسة الأقوياء، ليظل القائد الأوحد. وقد أحل محل العناصر القوية التي أزاحها ضباطا ضعافا ومن رتب متدنية، وكان على رأس هذا الفريق الصاغ ( الرائد) عبد الحكيم عامر ، حيث رقاه حتى أوصله إلى رتبة مشير، وجعله المتحكم في الجيش عمليا، ثم شمس بدران، وغيره.

وقد ظهرت نتيجة هذه السياسة في عجز وضعف قدرا عبد الحكيم وزمرته، وضعف التزامه بأداء الواجب حتى بالحد الأدنى من المعقولية، من الناحيتين الإدارية والعسكرية، خاصة في أحداث سنتي 1956 و 1967م. إن اختيار عبد الناصر لعبد الحكيم عامر وإغضاءه عن تعيين الأخير لشمس بدران وإعطاءه حرية التصرف في مقدرات الجيش وملاحقها، مع ما عرف عنه وعن شمس بدران من ضعف وفساد وانحراف ، كل ذلك يحمل عبد الناصر مسئولية كبيرة.

ومن ناحية أخرى فقد كان لهذه السياسة وما اتسمت به من صراع بيني، ومن حرص على إبقاء السلطة بيد العسكريين دون المدنيين، وبيد فرد واحد ، كان لذلك أثر كارثي على مشروع وحدة وادي النيل. فعلى أثر قيام الثورة انتعشت آمال أغلب السودانيين بالاتحاد مع مصر، وانضمت الأحزاب والتكتلات السياسية المناصرة للوحدة فشكلت الحزب الوطني الاتحادي، وما لبث هذا الحزب أن فاز في الانتخابات العامة وحصل على أغلبية كبيرة في سياق موجة شعبية عارمة تأييدا للوحدة مع مصر.

بيد أن تلك الموجة ما لبثت أن انكسرت وتردت على أثر ما كان يصل إلى السودانيين مكن أخبار الصراعات دخل الثورة بالصورة التي أوردنا لمحات عنها. وكان من نتيجة ذلك أن استنكف السودانيون عن الوحدة مع مصر في ظل ممارسات النظام الحاكم، واختاروا الاستقلال، فنشأت جمهورية السودان، وتولى رئاستها إسماعيل الأزهري، زعيم الحزب الاتحادي الذي كان متحفزا لإتمام الوحدة مع مصر، لإقامة وحدة وادي النيل التي كانت حلما لكلا الشعبين. ولو أن ذلك الحلم تحقق لكان له شأن كبير وآثار إيجابية واسعة للبلدين، وللعالم العربي والإسلامي، ولأفريقيا كلها.

والذين يتعرضون لهذه المشكلات قد يلتزم بعضهم بالموضوعية والحياد، وقد ينحاز آخرون تعصبا لهذه الجهة أو تلك فيفقد الموضوعية والحيادية. ولسنا نستطيع أن ندخل في مثل هذا الجدل، بيد أنني أود القول إن ممارسات الثورة لم تكن كلها صوابا ولا خطأ ، بل كان فيها من هذا وذاك. والمنحازون للثورة قد يبالغون في ادعاء النجاح، بينما بعض المعارضين الناقدين ربما يبالغون في التهوين من شأنها، بل ويحاولون سلبها كل رمزية وينفون إحرازها أية درجة من النجاح، أو الفائدة، ولا يترددون في أن ينسبوا لها التخريب والتسويء فقط، دون أية إيجابيات ، مهما صغرت.

الفصل السابع

فكر الإخوان المسلمين: منابعه ، وروافده، وتطوره

المنابع والروافد:

يمكننا أن نحدد المنابع والروافد التي استمد منعا عامة الإخوان المسلمين فكرهم بما يلي:

1- القرآن الكريم.

2- الحدي النبوي الشريف.

3- الأفكار العامة السائدة في المجتمع الإسلامي التقليدي المتدين في القرن العشرين،

4- التراث الفكري الذي ضمته مؤلفات الفقهاء القدامى عبر القرون ، ومؤلفات الأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم،

5- الفكر الإنهاضي الذي بثه جمال الأفغاني وتلامذته ومدرسته،

6- فكر المؤسس ، الإمام حسن البنا رحمه الله كما ورد في تراثه المطبوع المنشور، وما تركه من أثر على من تتلمذوا عليه مباشرة أثناء حياته،

7- الفكر القطبي ، أعني فكر المرحوم سيد قطب، والأستاذ محمد قطب وتلاميذهما

8- ما تسرب إلى العقول من عناصر الفكر والحضارة الغربية المعاصرة، بما فيها الإيجابي والسلبي .

تلك كانت المنابع والروافد الرئيسية وسنلقي عليها نظرة سريعة .

لا مراء في أن حسن البنا رحمه الله قد صاغ فكر الحركة بشكل عام عندما بدأ بتأسيسها، وبالقدر الذي تصوره مناسبا ، وأن صياغته تلك ظلت تنمو ببطء طوال العشرين سنة التي قاد فيها الدعوة حتى استشهاده سنة 1949م، غير أن إنتاجه في هذا المجال لم يكن المصدر الوحيد، بل إن كل المتابع والروافد الثمانية التي عددناها تدخل فيما اكتسبه أفراد الإخوان، مع اختلاف في المقدار، ومدى الفهم والاستيعاب والتأثر والاستخدام.

فإذا انتقلنا إلى من دون حسن البنا ممن انتسبوا إلى دعوة الإخوان فإننا نفترض أنهم قرؤوا ما كتبه حسن البنا وما كتب ونشر من خطبه وأحاديثه، وكانت حظوظهم من القدرة على الفهم والاستيعاب متفاوتة بطبيعة الحال. وقد كان منهم أناس ممن تخصصوا في " العلوم لدينية" ، في الكليات والمعاهد والجامعات، في الأزهر وغيره.

وهؤلاء نهلوا من مصادر كثيرة أخرى، أكبر حجما، وأكثر في تعدد الموضوعات وطريقة علاجها مما قرؤوه عند حسن البنا رحمه الله. ثم إن غير خريجي المعاهد الإسلامية قرؤوا كثيرا من المصادر والمراجع الإسلامية وغير الإسلامية، وكل هؤلاء وأولئك استمعوا إلى آلاف من خطب الجمعة، والأحاديث والدروس الدينية الإسلامية من أشخاص كثيرين يستحيل إحصاؤهم أو تحديد مستوياتهم الثقافية.

وهنا نجد أن المنابع ، التي مثلتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قد عززتها، وربما زاحمتها " المعرفة" – أو " شبه المعرفة" – التي تدفقت ضمن هذه الروافد الكثيرة المتمثلة في الدراسة في الجامعات والكليات الإسلامية، والاستماع إلى الخطب والدروس والمواعظ، وكذلك من مطالعة الكتب الإسلامية قديمها وحديثها، والكتب والمصادر غير الإسلامية كذلك.

بيد أن الروافد التي صبت في نهر العلم والفكر والثقافة الإسلامية لم تبق متجانسة ، بل بدأت تصب فيها- من وقت مبكر- قنوات تحمل معها كثيرا من العناصر الغربية، التي قللت من نقاوتها دون أن تلحق بماء النبع ضررا وأذى للشاربين، بجانب عناصر أخرى ضارة بدرجات متفاوتة أيضا . وقولنا " من وقت مبكر" يعني القرن الهجري الأول ، حيث بدأ الحديث عن " الإسرائيليات" والتأثير المتشرب من الثقافات القديمة، والإغريقية والهندية وغيرها ، ففيها أمثلة كثيرة واضحة وموثقة وقوية الدلالة.

وفضلا عن ذلك فإن العصر الحديث حمل لنا سيولا قوية وجارفة من المؤثرات الفكرية والثقافية، حيث أصبحت الشعوب الإسلامية في أرض منخفضة، أو مرتبة أدنى في معظم نواحي الحياة الراهنة، فتدفقت السيول من الأرض المرتفعة إلى المنخفضة، أي من الأعلى مرتبة إلى الأدنى، فانجرف البعض ، وتشبث البعض الآخر بكل جذع شجرة وبكل صخرة، ونصف هؤلاء الذين تشبثوا وامتنعوا على الانجرار أو الغرق، حافظوا على حالة الصحو بدرجات متفاوتة، بينما أغمض كثير من المتشبثين الآخرين عيونهم، وضعفت أدوات الحس كلها عندهم، فكانت مقاومتهم وردود فعلهم واهنة أو عمياء أحيانا.

وقد تلقى منتسبوا الإخوان – من مختلف الشرائح المجتمعية- كل ذلك مباشرة، ومما انتقل إليهم من آبائهم وأجدادهم، فكان هذا زادهم، أو بعض زاده. وصار الغالب على فكر الإخوان عامة هو هذا الموروث الثقافي المتعدد المنابع والروافد والمصادر، والمتناقض أحيانا كثيرة. وفي القرن التاسع عشر أخذت المؤثرات الثقافية القادمة من أوربا تتسرب إلى عقول الشريحة العليا الطافية على السطح في عدد من البلاد الإسلامية، وفي مقدمتها مصر. وكان من أهم ردود الفعل على ذلك ظهور مدرسة جمال الدين الأفغاني.

أثر جمال الدين الأفغاني ومدرسته

يعتبر فكر الإخوان المسلمين والتيار الذي نشأ عنه امتدادا وتطورا لما بدأه السيد جمال الدين الأفغاني في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتابعه فيه تلامذته ومن نسج على منوالهم، خاصة الشيخ محمد عبده والسيد محمد رشيد رضا. وهذا القول ليس مجرد افتراض ، أو حتى استنتاج ، بل إنه يستند إلى تنويه صريح من مؤسس حركة الإخوان نفسه. فقد ذكر الأستاذ البنا رحمه الله أنه أصدر مجلة شهرية سماها "الشمس" وهو بعد ما زال طالبا بمدرسة المعلمين بدمنهور، قبل دخوله دار العلوم، وأن من دوافعه لإصدار تلك المجلة التشبه" بمجلة المنار التي كنت كثير المطالعة فيها". وأثناء دراسته في دار العلوم كان حسن البنا يتردد على دار المنار، كما كان يحضر " في بعض مجالس الأستاذ السيد رشيد رضا ونلقي فيها الكثير من الأعلام الفضلاء" .

وبعد وفاة رشيد رضا حرص حسن البنا على استمرار المنار في الصدور، وعندما تعثرت وتوقفت مرة ثانية " عز على الإخوان أن يخبو ضوء هذا السراج المشرق بالعلم والمعرفة من اقتباس الإسلام الحنيف، فاعتزموا أن يتعاونوا مع ورثة السيد رحمه اله على إصدار المنار من جديد.. وصدر العدد الخامس من السنة الخامسة والثلاثين في غرة جمادي الآخر سنة 1358هـ الموافق 18 يوليو 1939م، أي قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بعدة أشهر، وتلاه خمسة أعداد أخرى تمت بها السنة الخامسة والثلاثون من المجلة، ثم أصدر أمر الحاكم العسكري في حكومة حسين سري باشا بإلغاء الترخيص . وكان حسن البنا قد اضطلع بنفسه بإصدار المنار والإشراف عليها على الرغم من كثرة أعبائه في قيادة حركة الإخوان.

فكر ورؤية حسن البنا

الغرب يسيطر على العالم الإسلامي، مصر ترزح تحت الاحتلال البريطاني، المستغربون من علية المصريين ومثقفيهم يدعون إلى الالتحاق بحضارة الغرب واستبعاد الإسلام وآثاره من حياتنا، من هنا جاء منطلق دعوة الإمام البنا لرفض الغرب وهيمنته، سيطرته العسكرية وسيطرته الثقافية. ويتمثل جوهر الدعوة في العودة إلى الإسلام والاعتزاز به والتمسك بتعاليمه. الإسلام هو العروة الوثقى هو الأساس المكين لحياة أمتنا، إن قطعت ارتباطها به أصبحت ريشة في مهب الريح ليس لها قرار ولا مكانة ولا هوية ولا احترام.

ولقد كان واضحا في ذهن حسن البنا منذ البداية أن الإسلام " جاء للناس فكرة سامية، تحدد الأهداف العليا، وتضع القواعد الأساسية، وتتناول المسائل الكلية ولا تتورط في الجزئيات، وتدع بعد ذلك للحوادث الاجتماعية والتطورات الحيوية أن تفعل فعلها وتتسع لها جميعا، ولا تصطدم بشيء منها".

وأدرك حسن البنا أن الأمة الإسلامية التي تواجه عدوانا شاملا وأعداء مسيطرين لا تستطيع أن تنغمس في الخلافات المذهبية، ولذا أكد على الدعاة من تلامذته ومريديه أن من أهم خصائص الدعوة " البعد عن مواطن الخلاف" ومعنى ذلك أن يظل حديثهم ومحاوراتهم مع غيرهم من المسلمين في إطار العقائد الأساسية والمبادئ العامة المتفق عليها.

وهذا الخيار الذي حدده المشد العام قصد به تجنيب الحركة الاصطدام بأتباع الفرق والمذاهب والتيارات الإسلامية القائمة ليتسنى لها استقطاب جميع هذه الكيانات وحشدها تحت قيادة الإخوان. وإذ ذاك تتمكن من مواجهة أعداء الوطن والأمة في وقت غير بعيد.

ودعوة الإسلام وتعاليمه شاملة تنظم شئون الناس في الدنيا والآخرة.. " فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بذلك ويعتبره من لب الإسلام" لقد استمع الإخوان إلى مرشدهم يحدد مهمتهم بقوله: " إننا نريد أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية حتى تنحسر عن أرضنا.. بل سنلاحقها في أرضها ونغزوها في عقر دارها .."

وتناول حسن البنا مشكلة الوجود البريطاني في مصر مشددا على مطلبي الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم بين أن المفاوضات والتحكيم والوسائل السلمية لم تعد مجدية لحمل الإنجليز على الاستجابة لمطالب مصر الوطنية، وخلص إلى القول بأنه " لم يبق إذن إلا ( النبذ على سواء) بأن نعلنهم بالخصومة الصريحة السافرة، ونقرر في صراحة إلغاء ما بيننا وبينهم من معاهدات واتفاقات ونعلن اعتبار أمة الوادي معهم في حلة حرب ( ولو سلبية) وننظم حياتنا على هذا الاعتبار.. " ولاحظ الأستاذ البنا أن غير مصر من بلدان العالم الإسلامي تتعرض لنوع أو آخر من العدوان والقهر الاستعماري. " إن كل دولة اعتدت على أوطان المسلمين دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها، ولابد أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرانها".

وحين تعرض حسن البنا للمشكلة الاقتصادية استنكر الاستغلال الأجنبي الاقتصادي للثروات الوطنية ونادى بتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن، وتخليص المرافق العامة.. من يد غير أبنائها، فلا يصح بحال أن تكون الأرض والبناء والنقل والماء والنور والمواصلات الداخلية، والنقل الخارجي ، حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني.. سوى البؤس والحرمان " . كما أشار بألم إلى غنى مصر بثرواتها الطبيعية ووجود الفقر المدقع.

ولذا دعى إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية بتحرير الاقتصاد الوطني من السيطرة الأجنبية والكشف عن منابع الثروة وتحريم الاستغلال والكسب غير المشروع ، والتقريب بين الطبقات واختصار الملكيات الكبيرة،مع تعويض أصحابها، وتشجيع الملكيات الصغيرة وتوزيع أملاك الحكومة على صغار المزارعين. ثم دعا إلى سياسة نشر الصناعات الصغيرة وتشجيعها وترشيد الإنفاق على المستوى الشعبي. وقد حاول الإخوان المشاركة العملية في تطبيق هذه المقترحات فأنشئوا عددا من الشركات الصغيرة كان العمال فيها من أصحاب الأسهم.

ومع هذا الموقف الواضح ضد التسلط الغربي وضد الصداقة المزعومة مع الغرب نادى حسن البنا بالاستفادة من خبرات الغرب، سواء في النواحي السياسية والتنظيمية والإدارية أو في النواحي العلمية والصناعية. وعلى ذلك فقد أشار بوضوح إلى أنه يعتبر أن مبادئ الحكم الدستوري" تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم" ومضى إلى القول بأن " نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام" وأعلن صراحة أنه " ليس في قواعد النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو – بهذا الاعتبار- ليس بعيدا عن النظام الإسلامي ولا غريبا عنه" وما دام الإخوان يعملون من أجل " تكوين جيل من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة.. " فإن التربية ضرورية لتحقيق هذا الهدف.

و"يجب أن تكون التربية دعامة النهضة، فتربي الأمة أولا وتفهم حقوقها تماما، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربي على الإيمان بها.. وذلك يستدعي وقتا طويلا، لأنه منهج يدرس لأمة، فلابد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل.. يجب أن تعد البلاد التي تود النهضة مدرسة طلبتها كل المواطنين ، وأساتذتها الزعماء وأعوانهم، وعلومها الحقوق والواجبات العامة.. ومن أجل ذلك يجب أن ينظم أمران مهمان هما: المنهج والزعامة. فأما المنهج فيجب أن تكون موارده قليلة بقدر الإمكان، عملية بحتة ملموسة النتائج، مهما قلت . وأما الزعامة فيجب أن تختار وتنتقد ، حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة أطيعت وأوزرت".

وأكد حسن البنا على محبة الإخوان المسلمين لوطنهم مصر وحرصهم على بذل النفس والنفيس دفاعا عن حريتها أو أمنها ومصالحها، كما أعلن حرص الإخوان على الوحدة العربية والوحدة الإسلامية، واستعداد الإخوان للدفاع عب البلاد الإسلامية والبذل في سبيل عزتها ، أسوة بمصر. ولا مراء في أن حديث مرشد الإخوان ومؤسس حركتهم عن القومية وعن الوحدة، سواء على المستوى المصري أو العربي إنما كان من منظور إسلامي، وفي الإطار الإسلامي.

ولم يفت حسن البنا أن يتناول فكرة العالمية، بمعنى الإحساس والاعتراف بترابط دول العالم واعتمادها بعضها على بعض، وضرورة شيوع الإيمان بالأخوة الإنسانية والتعاون الدولي. وقد بين حسن البنا أن الإخوان يؤيدون هذه الفكرة ويعملون على نجاحها، انطلاقا من أن الإسلام دعوة عالمية. وأن البشر في ميزان الإسلام سواء ، كلهم لآدم وآدم من تراب، لا يتفاوتون إلا بالعمل الصالح.

ولم تكن لحسن البنا ثقة بالأحزاب السياسية في مصر، ولذا فقد دعا إلى حلها أكثر من مرة، مبررا دعوته بانعقاد " الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساسا الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنه ليست أحزاب حقيقية". وقد أتبع حسن البنا دعوته تلك بدعوة لتبني نظام الحزب الواحد، الذي يجمع قوى الأمة كلها ويصهرها في بوتقة واحدة.

ملاحظات حول ملامح فكر حسن البنا

أول ما نلاحظه من خلال استعراضنا للأفكار التي صاغت برنامج عمل حسن البنا، وكذلك من خلال تطور مسيرة الإخوان، أن حسن البنا فكر على أساس أنه والإسلام والمسلمين في معركة ضد أعداء طغاة متفوقين. وكان يرى أن الهجوم على ا لأمة الإسلامية يأتي من عدة اتجاهات، ويستهدف كل جوانب حياتها. ولذلك كان الهم الأول هو المواجهة، ورد الهجوم وتفشيل خطة الأعداء، والعمل على منعهم من تحقيق أهدافهم. وكان الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى هو تحرير أرض الوطن من الاحتلال.

وفي ضوء ذلك اقتضى الموقف التركيز على كل ما يجمع الأمة، للوقوف صفا واحدا في وجه الأمواج العاتية، وبذل النفس والنفيس في سبيل الدفاع عن الوطن، وكنس الاحتلال الرابض على صدره.

ونتيجة لذلك، وانسجاما مع هذا التوجه فإن الإصلاح الفكري لم يكن موضوعا مما اعتنى به المرشد الأول بشكل خاص، سوى إشارته السريعة لتربية الأمة، لقد انصب اهتمامه آنذاك على النجاة من براثن الأعداء أولا، وتحرير الوطن من كابوسهم البغيض. ومن ناحية أخرى فقد اعتقد أن عرج القضايا الفكرية قد يفتح بابا للخلافات والمشاحنات بينما العدو يجثم على صدر الأمة، ولذا كان ترك القضايا الفكرية جانبا، والاكتفاء بالشعارات التجميعية ومعها الإيماءات السريعة للخيارات الإصلاحية وأصالتها وأهدافها العملية، باعتبار ذلك أعون على تحقيق وحدة المسلمين تحت راية الجهاد، حسب الوضع الذي كانت تقتضيه المرحلة الراهنة عندئذ.

ومن هنا كان غياب مشروع الإصلاح الفكري الشامل، إذ أن ظروف المرحلة- والمرحلة التي يمثلها- أن الإسلام الذي دعا إليه هو هذا الإسلام العام الذي تضمنته مصادر التراث الإسلامي بمجملها من قرآن وسنة وتفاسير وكتب فقه تعد بالآلاف وغير ذلك من متونها وشروحها وشروح شروحها، ومذاهبها، من غير انتقاء أو انحياز رغم التعدد الكثير، والتناقض البين فيما حفظه لنا التراث الإسلامي العام من اجتهادات وآراء متباينة لمذاهب وفرق كثيرة.

ومع ذلك فقد رأينا أن الإمام البنا أطلق لمحات قصيرة المدى أشارت إلى إدراكه المجمل للجوانب التي تحتاج الإصلاح، سواء في ميدان الاقتصاد، والتربية، والسياسة. إن ما أبداه المرشد الأول من تقدير للدستور والنظام النيابي يؤكد أنه شخص مختلف عن كثيرين من العلماء والمشايخ، اختلافا يجعله موضع التقدير والاحترام، على الرغم من أنه لم يتوقف طويلا عند تلك الموضوعات ، حيث اكتفى بالإيماءات السريعة على ما ذكرنا، نظرا لاهتمامه بجهاد الأعداء الجاثمين على صدر الأمة، المهددين لوجودها وشخصيتها، كما أنه لم يتعرض لمسألة الحرية السياسية بالنسبة للفرد والمجتمع، حتى في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بيد أنني – ومع هذا الانتقاد- لابد أن أنوه بأن فكر حسن البنا في لمحاته السريعة المقتضبة، بدت فيه عناصر من فكر عامة الإخوان الذين عاصروه وصحبوه، بل وما زالت أعمق وأوسع أفقا من تفكير أكثرية منهم حتى الآن، بعد ستين سنة من وفاته.

رفض الأحزاب والحزبية

ولابد من الإشارة هنا إلى نفوره من الأحزاب، ودعوته لنظام الحزب الواحد. إنني أعتقد أن هذا كان مجرد رد فعل حاد لسوء سيرة الأحزاب المصرية في أيامه. وفكرة توحيد الأمة في حزب احد، واتجاه واحد، فكرة جميلة من الناحية النظرية، دون شك، إلا أنها ليست أكثر منحلم وخيال، ولا تتحقق إلا في فترات قصية وغير عادية من عمر الشعوب، في ظل فورة عارمة تتحفز فيها مشاعر الأمة لتحقيق هدف ملح، غير أن هذه الفورة لا تلبث أن تنطفئ بسرعة عندما تهدأ العواطف، وتعود جماهير الأمة إلى الوضع العادي الذي يتميز بالخلافات في وجهات النظر. إن غضب حسن البنا لسوء المسارات والتصرفات الحزبية أمر طبيعي ، بيد أن تصوره لإصلاح ذلك الخلل جانب الصواب.

لقد كان رد فعل خاطئ بطبيعة الحال، لأن ألأحزاب أداة ضرورية للعمل السياسي، وعندما كانت الأحزاب- بمفهومها الحديث- غير معروفة في عالم الإسلام كانت هنا شيعة على، وشيعة معاوية، وشيعة بني العباس، ولفظة الشيعة تعني" الأنصار والمؤيدين". ثم ظهرت الفرق الدينية والمذاهب، وصار زعماؤها وقادتها يستنصرون بالسلطة السياسية، أو يناصروها, لقد كانت الأحزاب موجودة تحت مسميات أخرى. وكما هي ضرورة في الحراك السياسي الحديث كانت تظهر بحكم الواقع المعاش في القرون الماضية.

وينبغي أن يوازي هذه الضرورة – ضرورة وجود الأحزاب- العمل المشترك على رفع مستوى الأنشطة والحركات الحزبية وتهذيب التنافس والصراعات فيما بينها، وإنشاء القواعد المنظمة للنشاط السياسي والمحددة لأخلاقياته. وتلك عملية تستغرق وقتا، وتحتاج صبرا، وروادا، وحراسا من مفكري الأمة وقادتها.. إن الاختلاف في وجهات النظر، وفي الاجتهادات والقدرات، والاختلاف في طلب المصالح والمنافع، العامة منها والذاتية، كل ذلك، يعتبر من مكونات الفطرة التي فطر الله الناس عليها. هكذا خلق الله الإنسان ، هو " الدفع" والتدافع الذي نوه به الله سبحانه وتعالى إيجابيا، باعتبار أنه شرط لاستمرار الحياة.. هو معنى وفحوى الحيوية التي تختلط فيها نماذج من الهدوء والأناة التي تقترب بها من رجة السكون، ونماذج أخرى تتميز بالأخذ والرد، وتتصاعد حدتها بين الأفراد والجماعات، لتصل إلى الجدال الحاد والشجار والصراع والحروب المدمرة. وفي ذلك قال الله سبحانه وتعالى للناس، للإنسان بمجموعه ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض .." وفي آية أخرى نبهنا – جل شأنه – بقوله " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا .." وهناك من فسر كلمة الـ " دفع" بأنها القتال، الصراع الحربي المسلح بين الجماعات والأمم، وحصرها في هذا الإطار، وهذا خطأ مؤكد، لأن الدفع يبدأ بالخلاف في الرأي بالنسبة للمواقف التي تظهر في حياة الأفراد والجماعات، والخلاف بشأن المصالح المادية والمعنوية ، ثم بتصاعد التعبير عن الخلاف حتى يصل إلى مستوى الحرب العالمية ، الأولى منها والثانية.

ويبدو أن حسن البنا وهو يكتب مكابدا حرقة الألم لما كان يشهده من تردي مستوى الصراعات الحزبية نسي أهمية التدافع وضرورته باعتباره سنة من سنن الله في الحياة البشرية ، بكل ما يتخلله من صعود وهبوط في أنواع الأهداف والأطماع التي تحركه، وغاب عن باله أن " الدفع" والتدافع صفة بشرية لازمة لا تنفك عن الإنسان الفرد ما دام حيا، وعن أي كيان إنساني جمعي ما دام الحياة، وهكذا انساق حسن البنا من غير قصد إلى تصور إمكان استبعاد حالات الدفع والتدافع من حياة المجتمع المصري ، للوصول إلى حياة تتألق فيها صور الحياة الموحدة في كل مظاهرها، دون اختلاف أو جدل أو صراع.

وعلى الرغم من كل هذه الظروف التي بررت لحسن البنا خياره إزاء تغييب قضية الإصلاح الفكري الشامل في حياة الأمة ، فإننا لا نستطيع إلا أن نسجل أنه ترك حركته تعاني من فراغ فكري واضح عند استشهاده، وهذا الفراغ هو الذي فتح الباب للانحرافات الفكرية اللاحقة. لكننا- من ناحية أخرى- لابد أن نستحضر في أذهاننا أن حسن البنا لم يقطع مسيرة عمله التأسيسي باختياره، لقد عاش مع الحركة التي أنشأها عشرين سنة فقط، وانتهت حياته في الثانية والأربعين من عمره.

ولقد كان من الممكن- حسب المألوف في حياة ا لناس- أن يقود الدعوة ثلاثين سنة أخرى، فيما لو امتد به الأجل، وربما كان سيلتفت لما غيبه أو وضعه على قائمة الانتظار في جدوله، وأعني بذلك قضية الإصلاح الفكري الشامل. إنني مقتنع تماما بأن انشغال حسن البنا بكل جزئيات العمل الدعوي والحركي، صغيرها وكبيرها، وضعف الهيئات والتشكيلات القيادية التي ذكرناها في فصل المسار التنظيمي، كل ذلك بدد طاقات هذا القائد المؤسس، ولم يترك له وقتا لإعطاء كثير من الجوانب المهمة ما تحتاجه من عناية فكرية وتنظيمية، مع ندرة المساعدين المؤهلين، هذا بجانب قصر المدة التي خاض فيها تجربة الدعوة، ومعاناة التجربة والخطأ التي تصقل الخبرة إلى حد كبير.

فكر الإخوان المسلمين بعد حسن البنا

ظلت أفكار حسن البنا الرئيسية التي ركز عليها بقوة، تهدي مسيرة الإخوان المسلمين طوال حياته، على الرغم من ظهور كتاب من الإخوان نشروا بعض مؤلفاتهم قبل رحيله، مثل الشيخ محمد الغزالي، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ السيد سابق، والشيخ البهي الخولي والشيخ عبد الله السمان وغيرهم، رحمهم الله جميعا، أحياء وأمواتا. ومضى حسن البنا إلى جوار ربه شهيدا عندما اغتاله- خارج دائرة القانون والقضاء- رجال الملك فاروق أثناء المحنة القاسية التي حمل وزرها رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي.

ثم أخذت هذه المحنة تنقشع ابتداء من سنة 1950م، ونشط الإخوان من جديد، وظهر على منابرهم الثقافية أديب ألمعي، ذو قلم سيال وأسلوب أخاذ، يزخر بعاطفة صادقة وحيوية غير عادية، ذلكم هو المرحوم سيد قطب إبراهيم. " ولا شك أن حداثة عهد.. ( سيد قطب) بالاتصال بالإخوان- حيث انضم إليهم عام 1953م- لم تتح له فرصة الدراسة الوافية لفكر حسن البنا ومنهجه، من خلال رسائله، أو من خلال رسائله، أو من خلال معايشة الجماعة في ظروف حياتها العادية، وإنما دخلها في فترة عصيبة وعايشها في السجون، ودخلها وهو ذو فكر مستقل ناضج بحكم مكانته الأدبية والفكرية القديمة، وله قلمه ومؤلفاته الإسلامية المعروفة. ولا شك أنه وجد في الجماعة حقلا صالحا للعمل الإسلامي.. ".

الفكر القطبي

ولم يكن في إنتاج سيد قطب- في المرحلة المبكرة من ظهوره- ما يتعارض مع القواعد والأفكار الرئيسية لتي نقلناها ولخصناها من كتابات الشهيد حسن البنا. ويذهب الدكتور فريد عبد الخالق أنه كانت هناك " نقاط التقاء بين فكر.. ( سيد قطب) وفكر الجماعة، ونقاط اختلاف بينهما أيضا، بحيث يمكن أن يقال – إن لم يتيقن – أن له رؤيته الخاصة للموقف الذي ينبغي أن تقفه الحركة الإسلامية،لا سيما في ضوء هذه التجربة الأخيرة، ( محنة 1954- 1965) ، الذي تكون من مجموعة من شباب الإخوان، وتولي هو منهم مكانة الإشراف والقيادة.." ولقد اتخذ إنشاء ووجود ذلك التنظيم" وإن لم يقم بشيء، ذريعة لتسديد الضربة الثالثة للإخوان المسلمين فكانت أكثرها شناعة وأشدها بطشا، وفجرت معها فكر التكفير .." ولكن عام 1854م جاء إلى الإخوان بمحنة جديدة فاقت كل ما سبقها في اتساعها وشمولها وعنفها وقساوتها واستمرارها وآثارها البعيدة، وكان سيد قطب ممن اكتووا بنارها وعانوا مراراتها، وأثرت في وجدانه وعقله أعمق التأثير.

ومن هنا خرج على الملأ بمنحى فكري جديد ، وغير كثيرا من أفكاره السابقة المنشورة في كتبه عندما أعيدت طباعتها معلنا تأثمه من تلك الاتجاهات السابقة، فغدت الأفكار الجديدة مبثوثة في ثنايا كتبه كلها، بما في ذلك كتاب في " ظلال القرآن " أما الكتاب الذي ركز فيه هذه الأفكار الجديدة وعرضها بصورة متكاملة فهو كتاب " معالم في الطريق" ،الذي نشره أول مرة سنة 1964م، وقد علمت من أحد الإخوان الذين كانوا في المعتقلات آنذاك أن مسودات الكتاب كانت تقرأ في السجن بين الإخوان منذ سنة 1962م، وقد اشتدت الخلافات حولها فأحدثت انقساما في صفوفهم وأنشأت بينهم قطيعة وخصومات حادة، هذا بجانب أن نفرا من الإخوان أخذوا تلك الأفكار بحرفيتها وحاولوا تطبيقها عمليا فضلوا وأضلوا.

ونظرا لخطورة الآراء التي نشرها صاحب المعالم فقد عمد المؤلف الحالي إلى تناولها بالنقد والتصويب في سلسلة من المقالات منذ ما يقرب من خمس وثلاثين سنة، وإن لم تتح الفرصة لإكمال دراسته حول الموضوع إذ ازور أناس وضغطوا على إدارة تحرير مجلة ا لشهاب البيروتية فامتنعت عن مواصلة نشر الموضوع، بينما اختار آخرون أسلوب التجريح والإهانات والشتائم.

ولقد كان لذلك التحول الذي طرأ على فكر سيد قطب أنه صاغ منهجه الجديد " وهو يعيش ظروفا بالغة القسوة ويستهدف لاضطهاد بشع. ولقد استثارت فيه هذه الاضطهادات أعنف أنواع التحدي، واشد حالات الرفض، وقد عبر عن هذه الأوضاع النفسية بعواطف مشبوبة.

وبأسلوب أدبي، وبيان أخاذ" وأنه رأي إخوانه معه وحوله في المعتقلات والسجون يتعرضون لأضعاف ما تعرض له، وإذا كان له بعض العذر فيما قال وكتب، فمن المؤسف أن لا يدرك الأكثرون أن ما يقوله الإنسان أو يكتبه في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون معبرا عن حقيقة رأيه فيما لو عاش ظروفا طبيعية هادئة" وهذا الذي كتبته ونشرته أواخر سنة 1972م وأوائل سنة 1973م كتب ونشر مثله – في مضمونه- الأخ الدكتور فريد عبد الخالق سنة 1987م ، أي بعد أربع عشرة سنة، دون أن يثير ضجة أو يتعرض للهجوم والتجريح، لأن كثيرين من الإخوان أدركوا بالتدريج أن مقولات المرحوم سيد قطب في هذا الشأن كانت نفثات عاطفية جانبت الموضوعية، رغم أنها كانت تعبيرا صادقا عن مشاعر صاحبها.

وكانت خلاصة هذا الفكر القطبي الجديد الذي سيطر على عقول كثيرين من الإخوان كما يلي:

1- " الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات.. مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي.. المجتمع الإسلامي هو الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاما وخلقا وسلوكا. والمجتمع الجاهلي هو الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه. ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسا ممن يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام".

2- " إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية .. نحن اليوم في جاهلية كالتي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية وتفكيرا إسلاميا.. هو كذلك من صنع الجاهلية.. وأخيرا تدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة.. وموقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة، إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات وشرعيتها في اعتباره ".

3- والجاهلية في مصطلح سيد قطب لا تعني الانغماس في المعاصي أو عدم التقيد بحدود الإسلام وآدابه فحسب، بل إنه يسميها الكفر والخروج من دائرة الإسلام وهذا هو نص أقواله.

4- " لا ينبغي أن تقوم في نفوس أصحاب الدعوة إلى الله تلك الشكوك السطحية في حقيقة الجاهلية وحقيقة الإسلام.. إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام ولا تقوم فيها شريعته .. وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية، وليس بعد الحق إلا الضلال ..والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام.. إن الناس ليسوا مسلمين – كما يدعون- وهم يحيون حياة الجاهلية .. ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسا ممن يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست قانون هذا المجتمع ، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام".

الدعوة إلى العزلة

إن " الأفراد المسلمين نظريا الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتما للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام في تجمع حركي عضوي منذ اللحظة الأولى.. منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه .. وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر، فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع، مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي.. وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وجد فعلا. والثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مائة، والمائة يصبحون ألفا، والألف يصبحون اثنى عشر ألفا، ويبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامي.

وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد، الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته ، وانفصل بوجوده وكينونته عن المجتمع الجاهلي الذي أخذ منه أفراده، وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع".

قطع الوشائج من الأهل والأقارب

وبعد الدعوة إلى العزلة، بالوجود والكينونة، ثم غلى الانقضاض على المجتمع وهدمه بعد أن تصل كتلة المجتمع المراد إنشاؤه إلى اثنى عشر ألف، مضى سيد قطب خطوة أبعد، عندما عاد أفراد التنظيم الحركي إلى ضرورة قطع الصلة مع الأهل والأقارب: " جاء الإسلام إلى هذه البشرية بتصور جديد لحقيقة الروابط والوشائج.. جاء ليرد الإنسان إلى ربه.. جاء ليقرر أن هناك وشيجة واحدة تربط الناس في (كذا) الله، فإذا انبتت هذه الوشيجة فلا صلة ولا مودة.. ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق، فتتصل من ثم بالرحم.. ولا يمنع هذا من مصاحبة الوالدين بالمعروف ما لم يتفقا في الصف المعادي للجبهة المسلمة، فعندئذ لا صلة ولا مصاحبة ".

وقد استشهد سيد على صحة رأيه هذا بالآية الكريمة: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ، أو أبناءهم ، أو إخوانهم أو عشيرتهم.." وآيات أخرى كثيرة. بيد أن التوجيه الذي أعلنته الآية جاء بشأن اتصال بعض المسلمين بقريش في مكة قبل فتحها ثمان هجرية، أي أن الآية تتعلق بالاتصال بالعدو ومعاونته بالمعلومات في حالة حرب ظاهرة ومعلنة، مع عدو بأرضه وأهدافه الشاملة، وليس في نزاع واجتهادات مختلفة ضمن مجتمع المسلمين.

إعلان الحرب على المجتمع

عندما دعا سيد قطب إلى عزلة التنظيم الحركي الإسلامي العضوي عن المجتمع الجاهلي كان أحد التعليلات التي ساقها أن وجود أعضاء التنظيم الإسلامي ضمن بنية المجتمع الجاهلي " لا يمكن أن يؤدي إلى وجود فعلي للإسلام" ، مهما كثر عدد أفراد التنظيم " لأن الأفراد المسلمين نظريا الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتما للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. سيحركون طوعا أو كرها، بوعي أو بغير وعي- لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد المسلمين نظريا سيظلون يقومون فعلا بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون نظريا لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد، وسيعطونه كفايتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيي بها ويقوى، وذلك بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الإسلامي" أي أن لدعوة إلى العزلة تهدف إلى حرمان المجتمع المراد هدمه من أي خدمة أو منفعة أو خير يمكن أن يقدمها له أفراد المجتمع الإسلامي الثوري الناشئ، هي عملية تهدف إلى تسريع هدم المجتمع المكروه.

وإذ ذاك ينتقل سيد قطب إلى الخطوة التالية في المنهج، وطريقة الحياة التي يرسمها لأعضاء تنظيمه الجديد، المجتمع الإسلامي الوليد- حسب رأيه- وهي : إعلان الوطن الذي يسكنه أفراد التنظيم العضوي دار حرب بالنسبة لهم: " جاء الإسلام إلى هذه البشرية بتصور جديد.. جاء ليقرر أن .. هناك دارا واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة الإسلامية ، فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها دار حرب، علاقة المسلم بها: إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين.." وطن المسلم" هو دار الإسلام، الدار التي تسيطر عليها عقيدته، وتحكم فيها شريعة الله وحدها.. والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام، ولا تحكم فيها شريعته هي دار الحرب بالقياس إلى المسلم.. يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره وفيها أمواله ومنافعه. وكذلك حارب محمد صلى الله عليه وسلم- مكة وهي مسقط رأسه، وفيها عشيرته. " وهذا يعني بوضوح لا لبس فيه أنه: إذا فشل أصحاب الدعوة في تعليم المجتمع وتربيته وتنويره بالكلمة الطيبة، والحسنى والأسوة والقدوة الخيرة، فإن عليهم أن ينسحبوا من هذا المجتمع ويعملوا على تدميره بالقوة، وكل وسائل العنف والقتل والدماء ليحلوا مكانه المجتمع الذي تخيله سيد قطب، رحمه الله وغفر له.

إخضاع الدول والشعوب غير الإسلامية

أما الخطوة الأخيرة في ترتيبات سيد قطب النظرية، التي دعا" مجتمعه الإسلامي" المثالي لتحقيقها فتتلخص في ضرورة فرض الحكم الإسلامي، والنظام الإسلامي على الشعوب والدول غير الإسلامية، على دول وشعوب العالم كلها، بالقوة القتالية إن هي لم تستجب لذلك طوعا عند دعوتها لقبول الإسلام. لقد اعتبر سيد قطب- غفر الله له- أن ذلك من أهم أهداف الجهاد. وقد رفض المبدأ القائل بأن الحرب الشرعية في الإسلام هي الحرب الدفاعية إجمالا، وأن الإسلام لا يسمح بأي نوع آخر من الحرب إلا لمقاومة الظلم وإزالته.

لقد رفض سيد قطب هذا الموقف، وهذا الفهم، ووصف من يتبنونه ويعلنونه بأنهم: " المهزومون روحيا" والمتأثرون بالوضع الراهن: حالة الهزيمة التي تعيشها الشعوب الإسلامية، وكرر صاحب المعالم هذا الوصف وهذه التهمة ثلاث مرات على الأقل، وهذه بعض عباراته بنصها:

" والذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين ولا يراعون هذه السمة (الواقعية الحركية ذات المراحل) .. يخلطون خلطا شديدا.. ذلك لأنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون وهم مهزومون روحيا وعقليا تحت ضغط الواقع البائس.. إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخيله عن منهجه . وهو:

إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد، لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة، بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها ، والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها. بكامل حريتها.

" والمهزومون روحيا وعقليا ممن يكتبون عن الجهاد.. يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه.. إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد- ومن العبودية لهواه أيضا.." .

لكن التوجيه الإلهي القرآني يختلف عما قاله وفهمه سيد قطب ،إذ أن هذا الفهم القطبي المغلوط انزلقت به الحماسة والعاطفة لدرجة أنسته أن الله سبحانه وتعالى قال : " لا إكراه في الدين " ولم يقل " لا إكراه في العقيدة ".

الله سبحانه وتعالى قال في كتابه : " لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي .. " ( سورة البقرة/ آية 256)، ولم يقل " لا إكراه في الدين " لقد تحدث سيد قطب كثيرا عن لفظة : "الدين" في غير واحد من كتبه عدا عم معالم في الطريق، خاصة في كتاب المستقبل لهذا الدين، قال الأستاذ سيد رحمه الله تعالى:

" الإسلام منهج حياة، يشمل التصور الاعتقادي.. ويشمل النظام والتنظيمات الواقعية التي تنبثق منه.. كالنظام الأخلاقي.. والسلطة .. والنظام السياسي .. والاجتماعي.. والاقتصادي ، ونظام العلاقات الدولية.

وهذا الدين – بهذا الاعتبار – ليس مجرد عقيدة وجدانية منعزلة، وليس مجرد شعائر تعبدية يؤديها المؤمنون .. فرادى أو مجتمعين . وهذا الدين من الوضوح في هذا المعنى- ومن العمق والقوة كذلك، بحيث يتعذر تصويره في صورة العقيدة الوجدانية المنعزلة.كل دين منهج حياة: إن كل دين هو منهج حياة.. أن كل منهج للحياة هو دين ، فدين جماعة من البشر هو المنهج الذي يصرف حياة هذه الجماعة.."

إذن ، سيد قطب يؤكد هنا أن كلمة دين تعنى منهج الحياة لمجتمع معين في كل نواحي الحياة، بحيث يشمل النظام الأخلاقي إلى آخر سلسلة الأنظمة التي سطرها بقلمه. وحين ينادي بفرض منهج الحياة الإسلامي على الشعوب غير المسلمة بالإكراه فإنه – في حقيقة الأمر- يفرض الدين، ويكره الناس على قبول الدين رغما عنهم، ويغيب عن باله مدى ومجال مبدأ : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" ويبدو أنه شعر بالتناقض بين تصوره وبرنامجه لتحطيم الأنظمة، ولفرض سيطرة الدولة الإسلامية ونظامها على الدول والشعوب الأخرى ليكون حكمها وحياتها وفق النظام الإسلامي، وبين المبدأ الذي أنشأته الآية الكريمة بأن لا إكراه في الدين ، ولذا ، ولكي يزيل هذا التناقض. فقد لجأ إلى استخدام عبارة " لا إكراه في العقيدة الوجدانية" ونعيد التذكير والتأكيد هنا بأن القرآن الكريم لم يذكر العقيدة الوجدانية بهذه اللفظ إطلاقا، وأرجح أن سيد لم يفعل ذلك عن وعي، لكن عقله الباطن حاول أن يزيل التناقض باستخدام تلك العبارة.

وثمة عبارات أخرى لسيد قطب لا يجوز تركها دون تعلق، وذلك عندما قال:

" إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو : بالتعبير القرآني الكريم: ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله .. "

" انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله.." هذه الألفاظ اللغوية تعني أن فئات من الناس تجرأت وتمكنت من اغتصاب سلطان الله. والاغتصاب يعني أخذ شيء رغما عن صاحبه، وعجز صاحبه عن حمايته، كما تعني أن " المجتمع الإسلامي الجديد" الذي تخيله سيد قطب، سوف يتمكن من " انتزاع سلطان الله ممن اغتصبوه ثم يرده إلى الله ومثل ذلك يمكن أن يقال عن : " تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض" أو بالتعبير القرآني: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" ، وذلك يعني ضمنيا ( من الناحية اللغوية) " إن وجود مملكة البشر واستمرارها قائمة يعني أنها تمنع قيام مملكة الله، ولتحقيق قيام مملكة الله لابد من أن يقوم تنظيم سيد قطب بإزالة مملكة البشر، لكي يتحقق مضمون النص القرآني" وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" لأن البشر الذين أقاموا مملكتهم في الأرض منعوا قيام مملكة الله فيها.

هذه عبارات لا تليق أثناء الحديث عن الله عز وجل، إن الله ليس بحاجة إلى البشر لاستعادة ملكه الذي يشمل الكون كله، ما نعرف وما لا نعرف وليس مملكته في الأرض وحدها. ومع ذلك فإني أعتقد أن عبارات سيد قطب مجرد نفثات حماسية انطلقت من قلب شاعر يذوب ألما وغيرة على الإسلام وضياعه، وأن سيد قطب رحمه الله لم يقصد معناها الحرفي. ومثل ذلك يمكن القول عن عبارة " تعبيد الناس لله.. تعبيدهم لرب العباد" وكأن الله تعالى عاجز عن تعبيدهم لذاته تبارك وتعالى اسمه، وقد أخبر الله رسوله والمسلمين : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟) ويجمل بنا هنا- القاريء والكاتب- أن نلاحظ مدلول الأسلوب الاستنكاري في الآية.

المنهاج والدراسات والتشريعات والنظم

تناول سيد قطب مراحل تطور المجتمع الإسلامي الأول، فوصف كيف ركز الإسلام في المرحلة المكية على قضية الإيمان وحدها، ولم يعن آنذاك بتقديم تشريعات أو نظم تغري الناس بأتباعه، وكيف انتقل الإسلام إلى المرحلة التالية بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وإذ ذاك بدأت التشريعات تتنزل لمجتمع مستسلم لإرادة الله ولأوامره، تنزلت لتواجه مشكلات عملية.

واعتبر أن هذا التطور يمثل منهج الإسلام الذي تتابعت مراحله عند ظهور الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، وهو المنهج ذاته الذي ينبغي أن تلتزمه دعوة الإسلام في العصر الحديث. وحيث أن سيد قطب زعم أن العالم كله يعيش في جاهلية، وأن المجتمعات المعاصرة التي " تسمى مجتمعات إسلامية" إنما هي في حقيقتها – حسب وهمه- مجتمعات كافرة فقد أسس على ذلك : أن هذه المجتمعات ينبغي أن تستسلم أولا لحاكمية الله وتنبذ حاكمية غيره من البشر، فإذا تم ذلك عندئذ فقط تأتي النظم والتشريعات لتعالج المشكلات الواقعية التي يواجهها المجتمع الإسلامي ، أما قبل ذلك فلا يحق لهذه المجتمعات أن تطالب التنظيم الإسلامي الحركي بأي منهاج للحكم أو للإصلاح في أي مستوى من المستويات، بل إن عليها أن تستسلم أولا.

كيف يكون الاستسلام إلى حكم الله من الناحية العملية التنفيذية؟ لو حاولنا أن نتصور هذه الكيفية فلن نجدها إلا في صورة استسلام لقيادة التنظيم الإسلامي، أو " المجتمع الإسلامي" ، الذي تصوره سيد قطب، وهو الذي يبدأ بشخص واحد، ثم بثلاثة ، وينمو بعد ذلك حتى يصل إلى اثنى عشر ألفا، ويتم ذلك الاستسلام كله تحت التهديد.

تناقض فكر سيد قطب مع فكر حسن البنا

لا مراء في أن سيد قطب رحمه الله قد ناقض فكر المرشد المؤسس حسن البنا، فالآراء التي أدخلها على فكر الإخوان المسلمين ومفاهيمهم تمثل انقلابا بعيد المدى وعميق الأثر، وربما لا يتضح مدى أبعادها وأعماقها، إلا إذا قابلنا بالأفكار والمفاهيم التي طرحها الإمام الشهيد حسن البنا في مختلف مراحل حركته: فبينما يذهب سيد قطب إلى أن مجتمعاتنا جاهلية، وأن من يسمون أنفسهم مسلمين ويصومون ويصلون ويحجون البيت الحرام جاهليون أيضا ما داموا يقبلون بالحكومات والأنظمة التي لا تعتمد الإسلام هاديا، وأن كل أولئك كفار يجب اعتزالهم بالشعور وبالوجود والكينونة، كما يجب عدم معاونة تلك المجتمعات والأوطان أو تقويتها أو الدفاع عنها، بل يجب هدمها واعتبارها دار حرب لا يصح أن يحمل المسلم لها الولاء، بينما نادى سيد قطب بكل هذا، نجد حسن البنا يخاطب المسلمين جميعا قائلا " ونحب.. أن يعلم قومنا- وكل المسلمين قومنا- أن دعوة الإخوان بريئة نزيهة.. ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب لهذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم فيها الفداء.."

والناس عند حسن البنا لا يعدون أصنافا أربعة: مؤمن، ومتردد، ونفعي، ومتحامل، والبنا يدعو المؤمن للانضمام للإخوان، ويدعو المتردد إلى المزيد من الدراسة لهم ولفكرتهم والتعرف عليهم حتى يطمئن إلى سلامة نهجهم، وهو يرجو للنفعي أن ينكشف غطاؤه فيرضي بما عند الله وينضم للإخوان الفقراء، أما إن أصر على نفعيته فلا حاجة للإخوان به.

وأما المتحامل : " فهذا ندعو الله لنا وله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.. ندعوه إن قبل الدعاء.. وهذا سنظل نحبه ونرجو فينه إلينا واقتناعه بدعوتنا، وإنما شعارنا معه ما أرشدنا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل : " الله اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ." إن كل المسلمين في الأقطار الإسلامية " أهلنا وإخواننا نهتم لهم، ونشعر بشعورهم، ونحس بإحساسهم .. الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه إن يعملوا لحمايتها وإسعادها.."

وقد تحدث حسن البنا عن حب الوطن فقال:

" فالمصرية أو القومية لها في دعوتنا ومنزلتها وحقها من الكفاح والنضال . إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة في الأرض.. ومصر بلد مؤمن تلقى الإسلام تلقيا كريما وذاد عنه.. والعروبة : أو الجامعة العربية لها في دعوتنا كذلك مكانها البارز، وحظها الوافر ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى.. إن من الإسلام أن يحب الإنسان الخير لبلده وأمته ويضحي بالنفس والنفيس دفاعا عنه.. ومن هنا كانت وحدة العرب أمرا لابد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه- ومن هنا وجل على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها. وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية..".

وفيما يتعلق بنظام الحكم القائم في مصر قال البنا رحمه الله : " إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب، ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات- هذه الأصول كلها يتجلى للباحث إنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم .

ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاما آخر. لكن تبقى مسألة صياغة المبادئ في قالب قانوني، ومسألة التطبيق وهو التفسير العملي للمبادئ. " فنحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة، بل مستمدة من نظام الإسلام، وإنما ننقد الإبهام وطرائق التنفيذ..".

ولو أننا استحضرنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنستطلع من خلالها تطور طريقة تعامله مع غير المسلمين فسنجد أن مخاطبته للمجتمع فير المسلم قد بدأت بالدعوة السلمية الرفيقة. ورغم الصد والعنف فقد استمر الداعية الأول وتلاميذه يتحملون الأذى والاضطهاد والقهر طوال ثلاث عشرة سنة، حتى لقد اضطروا إلى الهجرة من بلدهم مكة، وبعد ذلك فقط بدأوا الصراع القتالي ، لأنهم أخرجوا من بلدهم بغير حق. وقد تخلل هذه المرحلة حالات من الهدنة والاتفاقات التي كان الأعداء ينقضونها من حين لآخر وباستمرار، كما وصفهم القرآن الكريم بأنهم: " .. الذين ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون" ( سورة الأنفال، الآية رقم 56) . هؤلاء الذين كانوا ينقضون عهدهم في كل مرة كانوا مصممين – دون أي احتمال في التراجع- على القضاء على الإسلام والمسلمين واستئصالهم.

لا مراء في أن إتباع سنة الرسول ركن مهم من العقيدة الإسلامية ، لكن الإتباع لا ينحصر في تقليد المرحلة الأخيرة، والخطوة الأخيرة، بل إن سلسلة تتابع الأحداث هي التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار : الدعوة السلمية، والتمسك بها، وتحمل الأذى والسعي لحل الصراع سلميا، ثم الانتقال إلى رد العدوان فقط، فإن استمرار العدوان.. عند ذلك يصبح القضاء على قوة العدو وإخضاعه ، أو تدميره هو الهدف.

لقد كان هدف العدو في كل المراحل من حياة الرسول، هو القضاء على الإسلام والمسلمين واقتلاع وجودهم تماما، ذلك كان موقف مكة قبل الفتح، وذلك كان موقف القبائل في الجزيرة العربية بين هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وفتح مكة، أو حتى وفاته، ثم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حيث انفجرت حركة الردة، وذلك كان موقف الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية.

وأية حالة حرب يكون فيها هدف الفريق (أ) القضاء على الفريق(ب) واستئصاله، عند ذلك يصير هدف (ب) المعتدى عليه أن يرد بنفس القوة والتصميم، لأن العدو لم يترك أي أمل بإمكان التعايش السلمي. ومثل هذا هو القاعدة في علاقات الدول والشعوب، قديما وحديثا، إلا أن يكون الفريق(ب) ضعيفا وعاجزا شاعرا بعجزه. ومع ذلك فإن الإسلام في رده لم يوصد الباب تماما، ولم يذهب إلى أقصى الغاية، بل قبل ترك العد إن استسلم وكف عن الحرب نهائيا، ودفع الجزية دليلا على تغيير موقفه.

وقد كنت كتبت ونشرت كلاما مثل هذا في مؤلف لي صدر في بيروت منذ عشين سنة، بعنوان" الإسلام : رسالته.. حضارته.. مستقبله" سنة 1988، وقد قلت آنذاك إن إتباع السنة لا يعني حصر الإتباع في الخطوة الأخيرة فقط، بل إن السنة تقتضي إتباع الخطوات بنفس الترتيب ، إن استمر تتابع أحوال العلاقة مع العدو بنفس الترتيب أيضا، مع قدر من المرونة، للظروف المتغيرة بطبيعة الحال.

ذلك أن هذه الحالة الأخيرة ليست هدفا يسعى الإسلام لفرضه على الدول والقوى المسالمة غير المحاربة، وغير الظالمة، فمع هذه القوى تكون العلاقة السلمية هي الأصل، والإمام ابن القيم لم يقل عكس ذلك. وحتى لو قال ابن القيم مثلما ظن سيد قطب فإن قوله لا يعدو أن يكون اجتهادا لأحد علماء المسلمين، مهما علت منزلته، وهو يحتمل الصواب، كما يحتمل الخطأ . والمجتمعات الإسلامية التالية بعد جيله في حل من أمرها إن اختارت أو توصلت إلى اجتهاد آخر.

ولعل من الضروري أن أؤكد هن أن موقف الإسلام في العلاقات الدولية لا يحتاج منا إلى مثل هذه المناقشة الطويلة لتأكيد الخيار السلمي المبدئي، فالإثبات يتضح من مراجعة آي القرآن الكريم، إذ نجد أن الله سبحانه وتعالى خاطب رسوله بقوله: " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونو ا مؤمنين ؟" مع ملاحظة الأسلوب الاستنكاري : أفأنت تكره الناس .." ، وفي آية أخرى نقرأ : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم.." وهاتان الآيتان تذكر أن بقدرة ا لله على حمل الناس على الالتزام بنمط واحد متماثل في أنظمة حياتهم وفي إيمانهم، بيد أنه – سبحانه- لم يرد ذلك، كما أنه لم يرد للشعوب أن تعيش في بحار وأنهار من الدماء دائمة التدفق لكي تنوب عن الله في إجبار الناس على الإيمان بما أرشدهم إليه. إنه لا يحتاج إلى دولة قوية لتفرض التشريع الإلهي، فهو قادر بنفسه على فرضه لو شاء.

ذلك هو هدى القرآن ، وهدي رسول الله صلوات الله عليه. دعونا نتصور عالما تعقد فيه كل دولة قوية أنها مفوضة ومكلفة بأن تفرض سيطرتها ومبادئها على كل دول العالم الأخرى بالقوة لحمل كل الشعوب على الخضوع لها وإتباع أسلوب حياتها ونظمها وقوانينها- ولقد حدث هذا بالفعل في العصر الحديث عندما ادعت الدول الاستعمارية الغربية أنها تريد تحضير العالم المتخلف .. سيكون هذا العالم عندئذ غابة تتصارع فيها الوحوش دون توقف، وهي وحوش أنيابها ومخالبها من الصواريخ بعيدة المدى وقصيرته، ومن القنابل الذرية والهيدروجينية التي تستطيع تدمير كرة الأرض بكاملها عدة مرات.. أما إن تجنبت الوحوش التدمير الشامل للأرض كلها فستكون الحياة جحيما للجميع، لأن كل فريق يعتقد أن ما لديه هو الحق، وما عداه هو الباطل، ويمكن أن نجد أمثلة كثيرة تؤكد ذلك، حتى في حياتنا المعاصرة، في القرن العشرين، بل وفي الحادي والعشرين. بل إن كل فرقة من الفرق الإسلامية، سنة، شيعة إمامية، شيعة علوية، شيعة إسماعيلية، أحزاب وحركات ومنظمات إسلامية حديثة، ومنظمات قومية أو يسارية، قد تعتقد بعضها أن من حقها فرض رأيها على الجماعات والأحزاب والمذاهب، وعلى الشعوب، والدول المسلمة بالقوة، وذلك ما سيقود إلى الفناء مسبوقا بالشقاء. والقرآن لم ينزل من عند الله من أجل شقاء البشرية: " طه ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى.." , ولا من أجل التدمير الذاتي وإنما خلق الإنسان ليعمر الأرض.

المرشد الثالث عمر التلمساني

أما الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، فقد كان يؤمن هو الآخر بأن لا حاجة للمناهج والدراسات والتخطيط، ومن خلال إيمانه هذا قال في أواخر عام 1982م: " .. أنا عايز منهاج ليه.. عاوز تخطيط ليه.. ما هو أمامي الكتاب اللي الرسول (ص) قال.. ما إن تمسكت بكتاب الله وسنتي فلن أضل أبدا. ثم شاء الله أن يتفضل علينا بجهابذة من العلماء وضحوا لنا كثيرا في كتب التفسير والكلام عن الأحاديث والأحكام التي تستمد، ولم يتركوا شيئا إلا أوضحوه لنا.. فإذا أصبحنا جميعا عاملين بما في كتاب الله وسنة رسوله لن نعود بعد ذلك في حاجة لشيء أبدا، بالمرة.."

وبعد أربع سنوات 1986م يعود الأستاذ التلمساني رحمه الله إلى الموضوع نفسه، وهو يقدم كتابا ألفه الأستاذ الشيخ يوسف كمال – وهو أحد شيوخ الإخوان- حيث يحدثنا الأستاذ التلمساني بقوله:

" حفلت السنوات الأخيرة بفريق من الكتاب المسلمين، لهم علمهم وذكاؤهم، ركزوا جهودهم على مخالفة الأئمة الأعلام السابقين، وأعطوا أنفسهم حق الاجتهاد تفسيرا وتأويلا وتمحيصا، وقالوا: إن السابقين رجال وهم رجال.. ورغبة منا في إحقاق نرى أنهم ليسوا أصحاب المكانة فيه، لأنهم لن يصلوا إلى مرتبة السابقين علما وفهما وذكاء وإحاطة ولغة.. أعان الله أخانا يوسف كمال على هذا الرد المبسط ، مبينا الخطأ فيما ذهبوا إليه.."

ومن الواضح من هذه المقتطفات المقتبسة من مقدمة المرشد العام التلمساني أنه يؤيد ويشايع السيد يوسف كمال فيما كتبه من أفكار، ولم يكتف بمجرد الثناء على جهده في التأليف والمساهمة بفكره ورأيه، بل نوه بتأييده لموقفه في الرد على ما اعتبره الخطأ، ومضى خطوة أخرى فقلل من شأن الكتاب المشار إليه، باعتبار أنهم لن يصلوا إلى مستوى العلماء السابقين.

والأستاذ يوسف كمال بدأ بالإدانة من الصفحة الأولى : " مذهب جديد بدأ في مطلع هذا القرن.. وهو في جوهره إحياء لآراء الخوارج والمعتزلة تولى أمره رجال أريد لهم الصدارة.. هذه الآراء تظهر وتختفي في حرص وحذر.. بدأ أصحابها يتشجعون فجأة بعد أن كسبوا أنصارا، أو حققوا سلطانا أو جمعوا أموالا.." وعبارات الشيخ يوسف كمال هذه لا تقتصر على النقد وإعلان عدم الموافقة، بل إنها تنطوي على اتهامات بإتباع الفرق القديمة المذمومة، بجانب تلميحات تتهم ضمنيا بالتآمر، والمتاجرة بالمبدأ. ومما يثير الدهشة أن قائمة الكتاب المتهمين تشمل عددا من أبرز الكتاب الإسلاميين الإصلاحيين، بما في ذلك الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والأستاذ فهمي هويدي، والدكتور محمد عمارة، وغيرهم.

لكن الأسباب التي حملت عمر التلمساني على نفي الحاجة غلى منهاج أو تخطيط أو دراسات غير الأسباب التي ساقها سيد قطب تبريرا لرفضه فكرة المناهج والتخطيط والدراسات ، التلمساني اعتبر أن ما لدينا من مفردات التراث الإسلامي في مجموعها لم تدع لنا حاجة إلا وسدتها وأغنتنا عن أية جهود، عدا الإتباع ، أما سيد قطب فقد علل الرفض بأن المطالبين بالمهاج يريدون إحراج الإسلاميين فقط.

ومما لا يحتاج إلى تنويه أن فكر التلمساني بالنسبة لهذا الموضوع يتناقض مع فكر حسن البنا، خاصة عندما نجد الإمام البنا يؤكد فيما اقتبسناه من عباراته، على أن الإسلام جاء فكرة سامية تحدد الأهداف العليا، وتضع القواعد الأساسية، ولا تتورط في الجزئيات، وتدع للحوادث الاجتماعية معالجة المستجدات التفصيلية.

ومن ضمن ذلك أيضا مناداة حسن البنا بتمصير الشركات، واختصار الملكيات الكبيرة وتعويض أصحابها، وتشجيع أصحاب الملكيات الصغيرة، وتوزيع الأراضي الحكومية على من لا أملاك لهم من الفلاحين، وإنشاء وتشجيع الصناعات الصغيرة، هذا فضلا عن حديثه عن الدستور ومبادئ الحكم الدستوري واستمداد السلطة من الأمة، وتأكيده بأن تلك المبادئ تتطابق مع مبادئ الإسلام، وكذلك حديثه عن العالمية، وتأييده لفكرتها، ولمبدأ الأخوة الإنسانية، وهذه أمور ومبادئ لم يتناولها العلماء الأقدمون ولم تخطر على بالهم، بل الذي قالوه ودرجوا عليه أن البيعة لمنصب الخلافة تتم بشخص واحد، أو اثنين ، أو ثلاثة، الخ..، وأن من استولى على الخلافة بالسيف واستقرت في يده صار خليفة لا يجوز عصيانه أو الخروج عليه، وأن الفاسق لا يجوز خلعه، خشية الفتنة، وغير ذلك من الاعتقادات والإقرارات المضلة التي سار فيها الفقهاء، خلف السلطات المستبدة المتصارعة على المنصب والثروة، وجعلوا تصرفاتها المنحرفة مصدرا للتشريع ، حتى عندما قام الطغاة بتوريث مناصبهم لأولادهم ، ولم يروا دافعا لإبداء الاعتراض ، أو مجرد النصح والتحذير من عقاب الله ، أو من خراب بنية الأمة ووحدة أراضيها. هذا عن مواقف القيادات الإخوانية.

أما عامة الإخوان، فلم يخطر ببالهم أن تكون هناك ثمة حاجة للتغيير، أو بأن قصورا كبيرا وأخطاء ذاتية خطيرة كانت هي المسئولة – بالدرجة الأولى- عما حل بالجماعة من مصائب، وعما حصدته من فشل ذريع. لقد اكتفوا بأن نحوا بالملائمة على الاستعمار، ومؤامرات الاستعمار، وسهل عليهم ذلك أن يتهموا كل خصومهم بأنهم أدوات للاستعمار ، يحدد لهم طريق العمل، ويصدر لهم الأوامر فيمتثلون دون تردد. وقد رأينا أن هذا اللون من التفكير والتعليل والتفسير قد عبر عنه أخ رفيع المستوى بالنسبة للإخوان ، وكان من الشخصيات القيادية المهمة منذ عهد حسن البنا، وهو الأستاذ محمود عبد الحليم، وذلك حين تعرض لحادثة إقدام رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي على حل جماعة الإخوان المسلمين.

وعندما نستطيع آثار هذه الطرح الحماسي التنظيري الذي ابتدعه سيد قطب رحمه الله نجد أن هذه الجرثومة التي أحاطها سيد من قلمه وأسلوبه الأدبي العاطفي بجو مشحون بالدفء والحرارة والحماسة، أن تكاثرت وفرخت انحرافات أكثر وضوحا وتطرفا.

وقد ذكر لي أحد الأخوة الذين قضوا فترة في معتقل طره مع الإخوان، وهو أستاذ في إحدى الجامعات في القاهرة ، ذكر أن المجموعة التي جمحت في تطرفها كانت صغيرة الحجم في البداية ، كانت جمهرة الإخوان في معتقل طرة حوالي ستة آلاف، ومن بين هذا العدد تميزت المجموعة القطبية التي تزعمها الأستاذ محمد قطب، وهي التي حملت لواء التطرف.

ثم انشقت عن هذه المجموعة فئة تزعمها شكري مصطفى، وتوالت الانشقاقات بعد ذلك، فقد انسحب من فريق شكري مصطفى شخصان كونا من نفسيهما مجموعة منفصلة عن الآخرين، تتبرأ منهم وتكفرهم، وكان أحدهما- قبل اعتقاله- مدرسا للكيمياء التحليلية في كلية الصيدلة، وقد ذهب إلى أن المرتبات التي يتقاضاها الموظفون الحكوميون حرام، وأن من يقبل أن يأخذ مرتبا من الحكومة فهو كافر، وأن من لا يكفر الكافر ويقاطعه يغدو كافرا مثله.

وانسجاما مع مبادئه هذه صمم على الاستقالة من وظيفته الحكومية رغم وجوده في الاعتقال، ولذا كتب خطاب الاستقالة وطلب من زوجته- عندما زارته- أن توصله إلى الإدارة المختصة. لكن الزوجة ركنت الخطاب جانبا نظرا لحاجتها وأطفالها إلى المرتب، بيد أن صاحبنا لم يستسلم، فقد كتب خطابا آخر وحمله إلى من أوصله إلى وجهته.

ولقد كان في نيته أن يطلق زوجته لأن زواجه منها تم قبل اعتناقه لأفكاره الجديدة، أي في عهد الجاهلية ، وذلك على نية أن يعيد زواجه منها على أساس اعتناقهما للأفكار المتطرفة، فلما تلكأت في موضوع استقالته أراد أن يختبرها قبل إعادة الزواج، ولذا طلب منها أن لا تعيش في كنف أبيها وأن لا تقبل منه أي مساعدة مالية باعتباره كافرا، لأنه يأخذ راتبا حكوميا. وحيث افتقدت السيدة وأطفالها أي مورد- خاصة بعد استقالته وتوقف صرف مرتبه- فقد رفضت الامتثال لرغبته، فما كان منه – عندئذ – إلا أن طلقها طلاقا نهائيا على غير نية المراجعة.

ولدينا شهادة أخرى مطبوعة ومنشورة بقلم واحد من كبار قادة الإخوان المسلمين:

يتحدث الدكتور فريد عبد الخالق عن التكفيريين في المعتقلات والسجون بأنهم بعد أن عزلوا عدة أشهر " في زنازين خاصة بهم، تباحثوا خلالها في أفكارهم ومفاهيمهم.. حتى أوصلهم الأمر إلى أن حكموا بكفر أقوام ليسوا بكافرين. ولما أخرجوا من معزلهم واختلطوا بالإخوان الذين عارضوهم في فكرهم، رموهم بالفكر، لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر، وكفروا الحاكم والمحكومين.

ولأن المجتمع جاهلي فقد وقعت المأساة داخل علاقاتهم الأسرية، إذ أن تكفير المجتمع أدى بهم إلى كفر آبائهم وأمهاتهم وزوجات المتزوجين منهم". وبعد أن سيق مجموع كبير ممن انتهت محكومياتهم إلى ليمان طرة ليحتجزوا به حتى عام 1971م – حيث بدأ الإفراج عنهم- دار بين أولئك الإخوان صراع فكري ساخن بشأن التكفير ، وفي هذه الظروف ناقشهم المرشد حسن الهضيبي رحمه الله، بصبر وأناة فعاد كثيرون منهم إلى رشدهم، بينما ظل آخرون سادرين في انحرافهم." وقد أصدر المرشد العام .. بحثا ضافيا وموثقا في الموضوع تحت عنوان : " دعاة لا قضاة " تناول فيه هذا الفكر بالرد والتحليل وبيان حكم الإسلام فيما أثاره هذا الشباب، معبرا في ذلك عن فكر الجماعة ومنهجها. وقد أحدث هذا الكتاب أثرا محمودا، وأدى إلى عدول كثير من الأفراد عن هذا الفكر، وإلى انقسام في صفوف أفراد هذا الفكر.."

وما لبث الفكر المنحرف والمتطرف أن انتشر خارج السجون والمعتقلات في مصر، وخارج مصر، يغذيه تزايد الشعور بالقهر والعجز في نفوس الإخوان، وتؤجج جذوته وتنفخ في ناره كتابات سيد قطب الملتهبة بالعواطف، وبدأ الإحساس بنمو جرثومة الانحراف الفكري عند عدد أكبر من الإخوان، لكنهم اقنعوا أنفسهم بالسكوت عنها بشتى الأعذار والمبررات.

ثم تشبعت المجموعات المتطرفة ونمت لدرجة الظهور على المسرح السياسي بعد إفراج أنور السادات عن الإخوان في السبعينات. وقد عملت أجهزة القمع التي تعتمد عليها السلطة، عملت على أن تستخدم هذه المجموعات المتطرفة ضد تنظيم الإخوان التقليدي. وكانت قد مارست ذلك أثناء فترة الاعتقالات في الستينات ثم واصلت هذه الممارسة بعد الإفراج عن الإخوان.

وذكر أحد المنشقين نبذة عن تعدد تلك المجموعات في النصف الثاني من عقد السبعينات تعطينا فكرة تقريبية: قال عبد الرحمن أبو الخير: " في ليمان أبي زعبل ظهرت الطبيعة العملية لهذه الجماعة، فقد كان الليمان يضم في قفصه الحديدي الكبير شيوعيين ومسلمين:

( جماعة التكفير والهجرة) و( جماعة التكفير بالإسكندرية) , ( جماعة العزلة الشعورية) ، ورفاعي سرور ، وعناصر إخوانية المنزع، وفلولا من قضية الفنية العسكرية .." كذلك ذكر السيد أبو الخير " تجمع حرب العصابات، أي تجمع يحي هاشم الذي استشهد في جبل من جبال الصحراء الشرقية بقنا سنة 1975م ، في نفس الوقت لذي بدأت الصحف تضع فيه جماعة الشيخ شكري في إطار الضوء" وذكر فضلا عن ذلك " منشقين عن جماعة التكفير والهجرة" أو مرتدين عنها.

أما المنشقون عنها فهم الأفراد الذين ظلوا محتفظين بولائهم للمنهج العقائدي للجماعة، ولكنهم شقوا عصا الطاعة لقيادتها، أو أن قيادة الجماعة قد عزلتهم لاختلاف في وجهات النظر ، أو عدم السمع والطاعة لأمر صدر إليهم. وأما المرتدين فهم الذين ارتدوا عن الجماعة عقيدة وسلوكا، وانغمسوا في نقائضها، أو لم ينغمسوا إيثارا للسلامة الشخصية أو إتباعا للهوى والشهوات.

ولقد لمست عظمة الواقع العملي لأفراد الجماعة في الضبط الإداري والسمع والطاعة، لقد صدرت إليهم أوامر بـ : عدم مخاطبة المرتدين والجماعات الأخرى، فالتزم الجميع بذلك عمليا.. ( وأضاف أبو الخير) وكنت أرى البعض يتخاطب مع الشيوعيين ولا يتخاطب مع الجماعات الأخرى. وكان تفسير ذلك أن هذا التخاطب مصلحي. ثم صدر أمر بعدم مخاطبة الشيوعيين.

ولكن جريمة مخاطبة الشيوعيين كانت أهون من جريمة مخاطبة المأخوذين بسبب الإسلام في حملة تصفية النشاط الديني واستثماره تحت عنوان التكفير والهجرة" والمرتدون في اصطلاح ( التكفير والهجرة) هم الذين انضموا إلى تلك الجماعة ثم تغيرت قناعتهم فتركوها. وقد أباح قادة التكفير لأنفسهم قتل هؤلاء، وقد قتلوا من استطاعوا قتله منهم فعلا، حيث قام شكري مصطفى وجماعته بهجوم " على مجموعة المرتدين عنه بالمعصرة، وعلى حسن الهلاوي وتجمع الفنية العسكرية بالهرم وعلى المنشقين عنه بالإسكندرية.."

وقد ذكر بيان نشرته جماعة التكفير والهجرة، أو " جماعة المسلمين " – كما تسمى نفسها- أن السلطة اعتقلت منهم 469 عضوا في سبتمبر 1981 م على أثر اغتيال أنور السادات- وأكد بيان الجماعة" أن من صميم ما تؤمن به.. ألا دخل لها بالسياسة الداخلية أو الخارجية للمجتمعات التي تعيش فيها، ما دامت ستهجر الأرض، وقال إن علاقة الجماعة بالآخرين تقوم على أساس من الدين الحنيف الذي يأمر بحسن الخلق وإحسان الجوار.. وأن حادث العنف الوحيد الذي نسب إليها – عام 1977م – قد عوقبت عليه بمنتهى القسوة والجور البين، فلا يجوز أن تعاقب عليه مرتين ".

ولا مراء في أن الأفكار التي تضمنها هذا البيان تمثل تراجعا أو تخفيفا للمبادرات العدوانية في سلوك تلك الجماعة. والذي نرجحه أن ما ذاقته من ألم المطاردة والتعذيب والقهر والضغط المستمر أجبرها على تأجيل عملية هدم المجتمع والمبادرة بشن الحرب عليه أو مناوأته بالأسلوب العنفي إلى حين أن يتيسر لها امتلاك عناصر القوة اللازمة لذلك.

ومن خلال استعراضنا الموجز لآراء حسن البنا في القضايا نفسها التي تعرض لها سيد قطب في محاولته رسم منهاج العمل الإسلامي من خلال كتابه " معالم في الطريق" يتبين لنا مدى وشمول الانقلاب الذي أحدثه الفكر القطبي في عقول كثيرين من الإخوان المسلمين .

والذي حملنا على الاهتمام بآراء سيد قطب على هذا النحو هو أنها سيطرت على فكر جمهرة الإخوان المسلمين إلى ما بعد منتصف عقد السبعينات تقريبا، وغدت مصطلحات نظريته هي المصطلحات الرائجة في كتابات الإخوان، في صحفهم، وكتبهم، وخطبهم، بل وفي أحاديثهم العادية. وأصبحت هذه الآراء عند الأكثرين هي الحجة والمعيار الذي يقاس به كل قول أو يرجع إليه عند أي خلاف.

موقف القيادات الفكرية الإخوانية: ومع ذلك فإن عددا من الإخوان ، مفكرين وقادة وغيرهم، كانت لهم على آراء سيد قطب تحفظات منذ البداية، وقد سبق أن أشرنا إلى الانقسام الذي أحدثته هذه الأفكار بين الإخوان في السجون، كذلك أشرت إلى أنني كنت قد تصديت لهذه الأفكار في وقت مبكر عندما عارضت ادخال كتاب " معالم في الطريق" في المناهج التربوية للإخوان سنة 1967م ، بل ودعوت إلى استبعاد " في ظلال القران " أيضا، وعندما اعترضت بشدة على مقترح ترجمة كتاب المعالم إلى اللغة الإنجليزية الذي طرح في اجتماع المطلب التنفيذي لقيادات الإخوان المسلمين في البلاد العربية سنة 1967م ، ثم جاء رفضي العلني لهذه الأفكار المذكرة، وذلك بسبب جنوح بعض المعترضين إلى أسلوب التجريح والإهانات والشتائم، بجانب الضغوط الشديدة التي تعرضت لها إدارة المجلة فتوقفت عن نشر الموضوع بعد ظهور الحلقة السادسة كما أشرت من قبل.

ورغم صدور كتاب المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي " دعاة لا قضاة" الذي رد فيه برفق شديد على فكرة التكفير فإن التيار المعارض لنشر أي نقد لهذا الفكر المنحرف ظل قويا. إني أعرف نفرا من الإخوان البارزين كانوا يخالفون سيد قطب رحمه الله فيما عرضه من أفكار بيد أنهم آثروا الامتناع عن ممارسة النقد لأن الجماعة كانت تئن تحت وطأة محنة قاسية في سني الستينات، وبعضهم رأى دم سيد قطب ما زال ساخنا ولم يستحسن الشروع في النقد، وقد وجدت على الدكتور يوسف القرضاوي- مع حبي وتقديري له- لأنه اختار أن يكون من هذا الفريق.

أما غير هؤلاء فقد حاولوا تأويل كلام سيد قطب على نحو يبرئه من تهمة التكفير، ويبرئ مقولاته من الخطأ والغلو. وكم تمنيت لو أنهم لم يتخذوا هذا الموقف السلبي ، وقد انبثقت رغبتي هذه من الاعتبارات التالية:

إن ترك منتسبي التيار الإسلامي من الشباب نهبا للتوجيه المنحرف يجعلهم منحرفين ويدفعهم للتصرف دون وعي، وبذلك يرتكبون أخطاء، بل جرائم قاتلة، في حق أنفسهم وفي حق الاتجاه الذي يمثلونه. والنتيجة الحتمية لذلك:

• تشوه صورة الإسلام واسم الحركة الإسلامية عند عامة الناس.

• أن السلوك المنحرف والأعمال المنحرفة تقدم للسلطة الحجة التي تتستر بها عندما تقدم على ضرب المنادين بالإسلام وتزعم أنها تقمعهم لحماية المجتمع من التطرف المنحرف ، ومن إرهاب المنحرفين المتعصبين.

إن الواجب الإسلامي الشرعي يلزم كل من عف الحق أن يصدع به متى تأكد أن الرأي المنسوب إلى جهة توصف بالتطرف صحيح النسبة. وقد كان الحال كذلك بالنسبة لآراء المرحوم سيد قطب، وآراء الذين أخذوا أقواله بحرفيتها وحاولوا تطبيقها. ولم يكن مطلوبا منا أن نردد اتهامات السلطة لهم بالرجعية أو العمالة أو شيء مما دخل في هذا المعنى، بل كان يلزمنا أن نوضح ما نرى من الحق بالنسبة للانحرافات الفكرية الخطيرة، مع إنصاف أصحاب تلك الأفكار من حيث التنويه بجهادهم وتعرضهم للظلم والتنكيل.

مزيد من الانعطافات

ولم تقتصر الانعطافات في فكر الإخوان على الانحرافات التي أطلقتها كتابات المرحوم سيد قطب، بل ظهرت انعطافات وتحولات أخرى، بعضها لا يقل خطورة عن تلك وأهمها:

• موقف الإخوان من العروبة والقومية العربية.

• موقف الإخوان من الإصلاح الاقتصادي.

إن كل من عاش مع الإخوان في فترة ما قبل منتصف الخمسينات ، أي في الحقبة الأولى من ظهور حركتهم، وكل من درس كتابات حسن البنا، ثم عايش الإخوان وقرأ أدبياتهم في الحقبة الثانية، أي بعد سنة 1954م لابد وأن يحس بهذا التغير. ولقد بدأ كاتب هذه السطور يلمح هذه التوجهات الجديدة ويحس بإرهاصاتها، ليس في كتابات الإخوان فقط، بل وفي تفكير وأحاديث الأفراد العاديين منهم وفي تعبيراتهم العاطفية عما يضطرب في عقولهم، بيد أنه كان واحدا منهم.

فبالنسبة للنقطة الأولى أخذ الإخوان – منذ عام 1954م- يعلنون أنهم يطالبون بحرية الرأي وحية التعبير ، الأمر الذي يعني التعدد الحزبي أيضا. وقد نسبت المصادر الإخوانية هذه المواقف إلى المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي وإلى المرحوم سيد قطب.

وهذا الاتجاه يتفق مع التكوين الفكري لحسن الهضيبي الذي أمضى عمره في رحاب القانون والقضاء قبل أن ينضم إلى الإخوان ويصبح مرشدا بعد بلوغه سن التقاعد بسنوات، وهو يتفق كذلك مع التكوين الفكري لسيد قطب في تلك المرحلة المبكرة من انضمامه لحركة الإخوان، إذ اشتهر عنه قبل ذلك أنه كان ليبراليا ، وعقاديا دافع عن أدب العقاد بكل حماسة وولاء. وأنا لا أظن أن الموقف بالنسبة لحسن الهضيبي وسيد قطب كان مجرد رد فعل لبوادر الحكم الفردي التي أخذت تلوح في الأفق آنذاك.

أما جمهرة الإخوان فإنني أعتقد- من خلال احتكاكي بكثيرين منهم – أن القضية لم تكن في بؤرة تفكيرهم، وإنما كانت في موقع هامشي. وفي ظني أنهم كانوا أميل إلى حجب الحرية عن مخالفيهم من الشيوعيين وسواهم من الملحدين ودعاة الإباحية. ومن المؤكد أنه كان هناك أفراد بين الإخوان ممن يفضلون حرية الرأي بمعناها الديمقراطي. ولكن هذا الاتجاه في تفكيرهم كان وليد ذلك الجزء غير الإخواني من مصادر ثقافتهم وتعليمهم وتربيتهم.

وأعتقد أن جمهرة الإخوان كانت – وما زالت- تقبل مبدأ حرية الفكر في إطارها الإسلامي، بمعنى أن تعطي تيارات الفكر الإسلامي المخالفة للإخوان حرية التعبير. وهذا أقصى ما يمكن أن تذهب إليه جمهرة الإخوان حسب تكوينها الفكري المعروف، ولا يخرج عن هذا الحكم سوى نسبة قليلة منهم.

وأما بالنسبة للموقف من القومية فقد كان أيضا رد فعل للممارسات التي أنزلت بهم كثيرا من الأذى وأرادت أن تجعل شعار القومية بديلا للإسلام. ولقد كان على الإخوان أن يتمسكوا بموقفهم الفكري المبدئي الذي أعلنه حسن البنا تجاه القومية والعروبة، وأن يميزوا بين حقيقة العروبة والقومية التي تحدث عنها جسن لبنا وبين ما حاول بعض دعاة القومية إلصاقه بالعروبة من معاداة للإسلام وتبن للأفكار الماركسية، عدا عن فلتات تقترب من العنصرية.

بيد أن الإخوان تصرفوا من خلال ردود الفعل العاطفية البعيدة عن الوعي، والتي لا تليق بحركة كبرى كحركتهم تنادي بأنها تضطلع بإصلاح العالم. لقد حاربهم جمال عبد الناصر باسم العروبة وباسم القومية العربية، وحاربهم البعثيون والقوميون تحت الشعار نفسه فكان رد فعلهم أنهم صاروا يضيقون ذرعا بأي حديث عن العروبة أو القومية، ويسارعون بالتشكيك والتحقير وإظهار العداوة بشكل عام.

وجاء التحول الثالث ليمس موقف الإخوان من الإصلاح الاقتصاد، فبينما شدد حسن البنا على عدد من الإصلاحات الاقتصادية، منها تحديد الملكية عن طريق استيلاء الدولة على ما زاد عن الحد الأعلى من الملكيات- مع تعويض أصحابها- وكذلك وضع حد للسيطرة الأجنبية على الاقتصاد، ومنع الاستغلال ، نجد أن الاتجاه الإخواني فيما بعد منتصف الخمسينات يتحول إلى معاداة أي حديث عن الاشتراكية والتأميم، ويركز على حماية الملكية الفردية.

وبينا أصدر عدد من الإخوان – أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات – مؤلفات ذات توجه غير عدائي نحو الاشتراكية، مثل كتاب " الإسلام والمناهج الاشتراكية" للشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، وكتاب " معركة الإسلام والرأسمالية" ، لسيد قطب رحمه الله، ولم يواجهوا بأي نقد، بل كانت كتاباتهم تلك موضع رضا وإعزاز، فقد لقي كتاب الدكتور مصطفى السباعي بعنوان " اشتراكية الإسلام" نقدا شديدا، رغم أن المرحوم السباعي كان المراقب العام للإخوان في سوريا، وكان نائب المرشد العام للإخوان المسلمين عامة، وكان يحظى باحترام كبير.

من هنا فإننا نرى أن التحولات التي حدثت في فكر الإخوان حيال الحرية السياسية والاشتراكية والقومية إنما كانت نوعا من رد الفعل ضد الممارسات والشعارات التي ذاقوا باسمها أنواع التنكيل وليس نتيجة لحسابات طبقية.

أثر المنهاج التربوي والتثقيفي

لا مراء في أن المنهاج التربوي والتثقيفي للإخوان المسلمين سهم ويساهم بأكبر نصيب في تكوينهم الفكري. ولذا فإننا نلفت اهتمام القارئ إلى ضرورة التمييز بين حقيقتين فيما يتعلق بمشكلة المنهاج: الحقيقة الأولى هي مادة المنهاج الفكرية المدونة في الكتب، والحقيقة الثانية هي التكوين الفكري والعقلي الناتج عن ذلك المنهاج بالنسبة لأفراد الإخوان العاديين، أي جمهرتهم. وما يلده ذلك التكوين من توجهات ومواقف وجدانية تؤثر في علاقاتهم بالناس من حولهم أفرادا وجماعات وشعوب.

فمن الطبيعي أن تكون كتابات حسن البنا هي العنصر الأول والأهم من مكونات منهاج الإخوان التربوي ، بجانب القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف. ونحن لا ننظر إليها هذه النظرة لأن الإخوان يقدمونها على ما عداها، على القرآن الكريم، أو الحديث الشريف. إنهم لا يفعلون ذلك ولا يمكن أن يخطر مثل هذا الخاطر على بال أحد منهم.

ولكننا ننظر إليها هذه النظرة باعتبارها العنصر الجديد الذي طرأ على حياة جمهرة الإخوان من الناحية الفكرية والعقلية فميزتهم عن غيرهم، بينما القرآن والحديث كانا معهم وبين أيديهم وأيدي آبائهم وأجدادهم من قبلهم. أي أننا معنيون هنا بالتجديد الذي طرأ على فكر هذه الجماعة من المسلمين فجعل أفرادها تنحاز جانبا وتتجمع في إطار واحد، وترفع لنفسها شعارات وتضع أهدافا وتحدد واجبات وتضحيات.

وقد جاء هذا كله وليدج العنصر الجديد الذي ساقهم لفهم توجيهات القرآن والسنة على نحو جديد، فكان هذا التميز. ويستطيع أي قارئ متفحص ن يلاحظ السمات التي تميز كتابات حسن البنا وتحدد ملامحها ومنطلقاتها ومن هذه السمات:

1- النبرة العاطفية.

2- التركيز على إثارة الحماسة والاندفاع لدى السامعين والقارئين.

3- البقاء في إطار العموميات وتجنب الدخول في التفاصيل، خاصة عندما يتعلق الحديث بالقضايا الكبرى.

4- استعمال العبارات الخطابية التي تتسع لأكثر من معنى حتى ولو كانت المعاني متغايرة . ولست أعني إنه كان يلتزم ذلك دائما دون استثناء، بل أعني أن هذه سمة غالبة فقط.

5- السرعة والاقتضاب في المرور على الأفكار الرئيسية والمشكلات الكبرى.

6- الحرص على تأكيد الارتباط بالكتاب والسنة، وأقوال السلف ، والصدور عنها.

7- وقد ركز حسن البنا دعوته ، خطابة وكتابة وحركة، على إقناع المسلمين وحملهم على مواقف ثلاثة:

• رفض الهيمنة الغربية، في صورتها العسكرية، وفي صورتها الثقافية التي تؤدي إلى سيطرة الأفكار والمفاهيم والمقولات الغربية وغلبة العادات ومظاهر السلوك الغربية على حياة الناس الاجتماعية. • بعث الاعتزاز بالإسلام وبالشخصية الإسلامية، على مستوى الفرد.

• توجيه الأفكار والهمم والاندفاع الشبابي نحو الجهاد بمفهومه القتالي لتحقيق أهداف الإسلام، على الصعيد الوطني، ثم الصعيد الإسلامي العام.

وليس ثمة شك في أن جميع هذه السمات التي تميز أعمال حسن البنا ، وجميع التوجهات والأهداف التي سعى إليها لا تخرج عن نبل المقصد، ولا ترمي إلا إلى الأهداف الخيرة، والمسالك البعيدة عن الشبهة ، والانحراف.

بيد أن الذي نود تسليط الأضواء عليه واختيار مدى ملاءمته لتحقيق الأهداف المرجوة، هو صوابية التوجه من الناحية العملية، لا من الناحية الشرعية، هو ملائمة النهج للظروف التي يستخدم للعمل خلالها. وبعبارة أخرى فإن التساؤل هنا لا يدور حول النيات والأهداف الأساسية، وإنما يدور حول الأساليب والوسائل والخيارات في نطاقها، وحول النتائج.

ولا يفوتنا أن نذكر بأن مسيرة جماعة الإخوان المسلمين امتدت – حتى الآن – أكثر من ثمانين سنة، وأن هذه الحقبة الطويلة قد شهدت تطورات وتبدلات هائلة على كل صعيد، محليا- أي في مصر- وإقليميا، على النطاق العربي والإسلامي، وعالميا، كما أن التغيرات قد شملت مناحي حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. ولعل التبدلات السياسية كانت أكثر الجوانب مساسا بنشاط دعوة الإخوان المسلمين، ولذا فهي الميزان الأكثر حساسية فيما نحن بصدده.

فبين سنتي 1928م – التي ظهرت فيها حركة الإخوان- و 1936م كانت مصر من الناحية لعملية ، عبارة عن محمية بريطانية، على الرغم من تصريح 28 فبراير 1922م الذي أعلن إلغاء الحماية . وجاءت معاهدة سنة 1936م لتغير ذلك الوضع إلى الأفضل، وإن لم تصل إلى درجة الاستقلال الكامل، بيد أن الحكومات المصرية أصبحت في وضع أفضل مما كانت عليه في الفترة السابقة وأصبح من الممكن أن يقال إنها تستطيع أن تمارس عملية بناء الاستقلال الوطني، سياسيا واقتصاديا، وفي حدود معقولة, وقد كانت هذه القناعة هي التي رسمت مواقف معظم العناصر ذات الوعي السياسي والنشاط السياسي في شعب مصر.

ولا مراء في أن ظروف الحرب العالمية الثانية قد جمدت كل الطموحات الوطنية المصرية التي ما لبثت أن أعلنت عن نفسها صارخة بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها. قبل معاهدة 1936م كانت الغالبية العظمى من المصريين مستعدة للاستجابة لنداءات الحماسة والتحشد لمقاتلة المحتلين، وكان النضال ضد المحتل قضية واضحة لا اختلاف عليها.

أما بعد المعاهدة فقد صارت للمصريين حكومات وطنية تمارس عملية البناء وتضطلع بمهمة استخلاص حقوق البلاد من الأجنبي. وليس معنى ذلك أن مبدأ القتال قد أستبعد نهائيا ، بل إنه ظل قائما ولكنه أصبح يستلزم أن يصاحبه قدر كبير من تنسيق التحركات وعقلنتها. أي أن النبرة العاطفية الصارخة، والتركيز على إثارة الحماسة، والاكتفاء بالأفكار العامة والعبارات المطاطة، لم تعد تصلح لأن تكون الإطار الذي ينطلق العمل السياسي والجهادي من خلاله.

ولقد أصبح من الخطأ الذي ينطوي على خطر كبير حشد أعداد ضخمة من الشباب المتحمس وليس لها إلا هذا الزاد، وليس يرشد سيرها إلا هذه الأطر. وقد أكدت الأحداث ذلك، حيث عجزت القيادات الإخوانية عن ضبطها وتصريف طاقاتها في الأعمال البناءة دون غيرها، ولم يكن يتوفر لهذه الحشود الإخوانية من الوعي ما يعينها على تقنين وتصويب مسارها، وعلى التعامل مع الظروف والقوى المحيطة بها بطريقة معقولة.

وهكذا انفجرت موجات التصرفات الطائشة ضد القوى الخارجية- أعني خارج الجماعة وادخل الوطن- وتلتها انفجارات الصراع والعنف داخل بنية الجماعة. ومهما قيل عن أثر المؤثرات المحبوكة بأيد أجنبية فإن ضررها لم يكن ليبلغ معشار ما بلغ لو أن الجماعة عدلت من أساليبها التربوية والتوجيهية في وقت مبكر.

وجاءت أحداث عام 1948م و1949م لتعطي الإخوان درسا قاسيا حيث انصبت عليهم أول محنة شاملة لم يروا شيئا يماثلها فيما سبق. وبعد أن انقشعت تلك المحنة- التي امتدت حوالي سنتين فقط- نهضت منها حركة الإخوان كبيرة بحجمها وبما كانت تمثله من طاقة بشرية وزخم اندفاع وحماسة واستعداد للبذل والفداء.

وفي هذه الفترة ( 1950- 1952م ) بدا واضحا أن درجة استقلال مصر قد تحسنت غلى حد كبير عما كن عليه الوضع بين توقيع معاهدة 1963م وانتهاء الحرب العالمية الثانية، وذلك بفعل التطورات التي شهدتها الساحة العالمية، خاصة إرهاصات انتهاء حقبة الاستعمار المباشر التي خضعت لها شعوب آسيا وأفريقيا.

كذلك فقد بدا واضحا تماما أن تيارا عارما يفيض اعتزازا بالإسلام قد بدا يصبغ الحياة المصرية، على الصعيد الشعبي على الأقل، بلون إسلامي ظاهر. وهكذا زالت الأسباب التي بررت التركيز على العواطف والإثارة والانفعال والرفض، وغدا من اللازم أن تختط الحركة الإسلامية لنفسها منهاجا جديدا. كان ينبغي أن تتوقف الأساليب والتجميع السريع، والتركيز على الجهاد القتالي. ومرة أخرى نؤكد أن ليس المقصود هو إلغاء الجهاد القتالي كأداة للدفاع أو ردع الظلم، بل إن المقصود هو أن الظروف أصبحت تستلزم إعطاء الأولوية لأساليب أخرى.

لقد أصبحت الظروف المستجدة تستلزم أن تركز الحركة في مهجها التربوي والتثقيفي على إيجاد التيار الإسلامي الواعي الذي يستوعب بعقله آفاق المبادئ الإسلامية الواسعة لمواجهة جميع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المحلية والإسلامية والعالمية بالتعامل العاقل، وبالوعي البعيد عن الإثارة والتخبط والقفز بدوافع ردود الفعل. لكن النهج الأول ظل سيد الموقف، وظل التركيز حتى في دراسة القرآن الكريم على سورتي الأنفال والتوبة، وكأن الإسلام ليس فيه سوى القتال، ومهما قيل عن ظهور كتابات أخرى لمؤلفين من الإخوان فإن التركيز ظل مسلطا على الإثارة والحشد الشريع، والتصرفات الانفعالية العفوية، والقتال والاستشهاد.

وقد يعتذر بأن المحن المتعاقبة لم تترك لقيادات الحركة فرصة لإجراء التغيير المطلوب بيد أن مثل هذا الاعتذار لا يستند إلى دليل منطقي، ذلك أن الظروف التي أحاطت بالجماعة منذ سنة 1953م وما تخللها من لطمات ساحقة بين الحين والآخر كانت قمينة بأن تحمل كل عنصر قيادي، وكل عنصر على مستوى من العلم والفكر ، تحملهم على مراجعة المقدمات والنتائج.

لقد كان يستطيع هذا الكثيرون وهم داخل السجون، فقد كان لديهم فراغ طويل للتأمل، وقد كانوا يستطيعون عقد لقاءات ومناقشات يبحثون فيها أمور حركتهم، وقد ألفت كتب ومذكرات في داخل السجون والمعتقلات، ومنها كتاب " معالم في الطريق" ، لكن عملية المراجعة التي تعيد إرساء البناء على قواعد جديدة لم تتم في هذا الإطار.

كذلك فقد كان في مقدور كثير من العناصر التي بقيت خارج السجون ، أو خارج مصر، سواء من المصريين أو من غير المصريين من الإخوان المسلمين ، كان في مقدورها أن تقوم بعملية المراجعة، مراجعة المقدمات والنتائج، وتقويم أحوال الجماعة واختطط نهج جديد، ولكن ذلك لم يحدث. والذين قاموا بالمراجعة فعلا كانوا بين رجلين: رجل سيطرت عليه خيبة الأمل فيما كن ينتظره من حركة الإخوان المسلمين ، فآثر العافية، وانعطف ليعيش لنفسه وخصوصياته، ورجل حامل الإصلاح- بطريقة صائبة أو خاطئة- فأخذ على يده، وأوصدت كل الأبواب في وجهه، فانسلخ من هذه الحركة على أمل أن يتمكن من أن يقوم وهو خارجها بما لم يستطع القيام به من الداخل، وكان ذلك شأن القلة النادرة. ومن هذه القلة النادرة كان الأستاذ الدكتور حسان حتحوت.

لقد أجمل الدكتور حتحوت رؤيته لأخطاء الحركة الإسلامية المسببة لعجزها، ونبه إلى ضرورة تلافيها وتبني نقائضها في تسع صفحات من الحجم المتوسط، وكانت هذه الصفحات مترعة وفياضة بلمحات الإدراك العميق للسبب والنتيجة والعلاج.

لقد كان محور عرضه ونقده يتركز في مبدأ الحية، ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مميزا بالقدرة على الإدراك العقلي التحليلي، وإرادة الفعل والاختيار، وحدد له المبادئ القيمة الصالحة، وحفره بوعده بالرضا الإلهي والثواب والعقاب. وأهم نقطة في هذا التشكيل هي الحرية. وممارسة الحرية تنمي القدرات للتفكير والإبداع، ومن غير حرية تضعف أدوات القدرة وتتلاشى. ولقد تمنى الدكتور حتحوت لو أن الحركة الإسلامية راجعت مسيرتها ودرست مواضع الصواب والخطأ، وأسباب النجاح والفشل، وفي ضوء إدراكها لعجزها الفكري واستعانت بمن يقوم بهذه الدراسة بروح حيادية، أو حتى استأجرت متخصصين محايدين " ولو من خارج صفوفها ومن خارج صفوف أعدائها كذلك، مع شيء من التواضع من القيادات إن لم تكن ذات دراية بالدراسات التاريخية أو التحليل السياسي، ومع الإخلاص والحكمة اللازمين لمواجهة النتائج( نتائج الدراسة) والاستفادة منها".

وفي أواخر سنة 1972م كتبت ونشرت أول مقال انتقادي لحركة الإخوان المسلمين في ضوء ما كانت قد وصلت إليه آنذاك. وكان المقال بعنوان: لحركة الإسلامية في الدوامة" ، وقد أتبعته بخمس مقالات أخرى تحت نفس العنوان ، ظهر آخرها في منتصف آذار ( مارس) 1973م . لكن هذه المقالة لأخيرة لم تنشر كاملة، إذ تعرضت المجلة لضغوط، وتحل الحوار" غلى النقد الشخصي والتجريح" مما حدى بالمجلة إلى تلخيص القسم الأول من المقالة، مع الإشارة إلى هذا الخروج عن أدب الحوار، ثم نشرت الجزء الأخير من المقالة، وقررت إغلاق الموضوع. وقد كان مما كتبته في المقال الأول:

" من أصعب الأمور على الإنسان أن يعترف بالضعف، وكثيرا ما يلجأ إلى عزو أسباب فشله ، أو عجزه، إلى جهات أخرى، ويظل يكابر دون الاعتراف ويكابر ، بيد أن المكابرة ستنتهي عند حد..

" .. ويبدو أن الحركة الإسلامية أصبحت تعيش هذه المرحلة.. فهل وصلت الحركة إلى طريق، مسدود؟

لقد سمعت إخوة يتحرقون ألما لما وصل إليه وضع حركتهم حيث صاروا يطرحون فكرة تغيير اسم الحركة.. والحقيقة أن القضية ليست مشكلة تغيير الاسم، لأن مجرد تغيير الاسم ، مع بقاء العلل والخلل المتأصل في بنية الحركة لا جدوى من ورائه.. لقد عاش كاتب هذه السطور في حيرة فترة طويلة، ينازعه الإشفاق على أولئك الشباب الأوفياء الذي ربطوا حياتهم وكيانهم وسعادتهم بالحركة من أن يفجأهم ويفجعهم ويصدمهم..

" لقد عاش فترة تنازع بين شعور الإشفاق هذا وبين الشعور بالواجب.. واجب إعلان الحقيقة مهما كانت مرة، وتلك هي الأمانة، وتلك هي النصيحة..

" إن السكوت خيانة، وحركة الأحداث المتسارعة لا تنتظر زحف السلاحف، والواجب يقتضي أن نقول: إن الحركة وصلت- منذ زمن- إلى طريق مسدود، وقد أخفقت كل محاولاتها للخروج من هذا الطريق لأنها ظلت تكابر الخلل العضوي".

وفي فصول وصفحات كتابي هذا- الذي بين يدي القاريء- أوضحت كثيرا من مظاهر وحقيقة الخلل العضوي. وقد بدأت بتأليف هذا الكتاب منذ أواخر السبعينات في القرن الماضي، فنشر جزء منه سنة 1986، بينما تأخر هذا الجزء الذي كان ينبغي أن ينشر أولا، وكان التأخير رغم إرادتي، وقد ذكرت كتابة قبل ثلاث سنوات أنه سيصدر بعد فترة قصيرة ( خلال شهرين) بيد أن الظروف نفسها ظلت مانعة. فلعله يصدر هذه المرة قيل نهاية 2013م بإذن الله.

فصل مجهول في مسار حركة الإخوان

وبعد سبعة وثلاثين عاما من نشر أول مقال من سلسلة موضوع" الحركة الإسلامية في الدوامة" وجدتني أقرأ مقالا بعنوان " المأزق التاريخي للإخوان المسلمين" ، للأستاذ أحمد منصور، الصحفي والإعلامي المحقق اللامع. وعنوان " المأزق التاريخي" قريب من معنى " الطريق المسدود" ، كما أنه قريب من كون " الحركة الإسلامية في الدوامة" والأستاذ أحمد منصور ليس من جيلي. وكان مما قاله : " إن هناك أزمة داخلية طاحنة تعيشها جماعة الإخوان المسلمين ( في مصر) .. " وقد أظهرت الأزمة أن في داخل الإخوان فريقين يحاول كل منهما هزيمة الآخر وإقصاءه، على رأس أحدهما الدكتور محمد حبيب، النائب الأول للمرشد، وعلى رأس الفريق الثاني الدكتور محمود عزت، الأمين العام للجماعة.

وهنا أجد من الضروري أن أعلق على وظيفة ومنصب ( الأمين العام) للجماعة. إن هذا المنصب لم يكن موجودا ولم يرد له أي ذكر في الفصول السابقة. لقد ورد ذكر منصب " وكيل الجماعة، ونسب مرة إلى أحمد السكري، ومرة غلى صالح العشماوي، باعتبار أن كلا منهما كان الرجل الثاني بعد المرشد في حينه. ولذا فإن من المنطقي أن نبحث عن سبب ظهور هذا المنصب في الفترة التي ظهر فيها، سيما وأن الأحزاب والحركات السياسية التي تستخدم تسمية ( الأمين العام) إنما تستخدمها للإشارة غلى أعلى المسئولين مكانة وأشملهم سلطة، إلى الرجل الأول. وهذا ما يجعل أي دارس يتأكد من أن ابتداع منصب ( الأمين العام) داخل الإخوان إنما كان الحزن والأسف لأنه منبع الشرور، ويشير غلى وجود حزب سري داخل الجماعة يعمل ضد قيادتها المعلنة والشرعية المعترف بها.

ولقد انفجرت الأزمة- كما قال أحمد منصور- عندما طلب المرشد العام محمد مهدي عاكف تصعيد القيادي- الدكتور عصام العريان إلى عضوية مكتب الإرشاد، ورفض المكتب ذلك. ولقد ظهر أحمد منصور على شاشة التلفاز يوم الأربعاء السادس عشر من ديسمبر 2009، في برنامجه المشهور: بلا حدود، مستضيفا الدكتور محمود عزت، لكنه عجز " عن استخراج أية معلومة نافعة منه، بعد ساعة مرهقة من المغالبة لم يخرج منها بطائل" حسب ما أخبرنا أحمد منصور نفسه. لكن الدكتور عزت أعلن في نهاية الحلقة أن مجلس الشورى قرر اختيار مكتب إرشاد ومرشد جديد للجماعة قبل الثالث عشر من يناير القادم، وهو موعد انتهاء ولاية المرشد الحالي (آنذاك) محمد مهدي عاكف. وهكذا أبعد النائب الأول المرشد، كما أبعد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

وفي نفس المقال أشار الأستاذ أحمد منصور إلى أن مكتب الإرشاد ومجلس الشورى وباقي الهيئات الإدارية للجماعة " تدور في إطار ما يخططه ويرتبه رجال النظام الخاص الذين وصل أبرزهم- المهندس مصطفى مشهور- إلى منصب المرشد العام، فيما بقي الآخرون يديرون أمور الجماعة من وراء ستار" .

وقيام رجال النظام الخاص ( الجهاز السري في مصطلحات الجهات الحكومية) بهذا الدور كان أمرا معروفا منذ عشرات السنين، وقد حدثني عنه غير واحد من الإخوان المصريين القدامى، لكن الجديد فيما قدمه الأستاذ أحمد منصور أنه وثق المعلومات بما كتبه ونشره، كما وثقها باللقاء المتلفز، وبالكتابة في صحيفة السبيل الأردنية، الناطقة باسم الإخوان المسلمين في الأردن.. ولا مراء في أن أحمد منصور كان يعرف هذه المعلومات من قبل، بيد أن الجديد الذي جاء به هو توثيقها المقروء والمشاهد على الشاشة الصغيرة.

إن هذا الانشقاق الذي ظهر على السطح في الأسابيع الأخيرة من عام 2009 م ليس جديدا، وإنما هو فصل جديد من خلاف وانشقاق ظهر في أوائل خمسينات القرن الماضي، القرن العشرين، أثناء الجهود التي كانت تبذل لاختيار مرشد عام لجماعة الإخوان، يخلف المرشد الأول حسن البنا الذي اغتيل رحمه الله في سنة 1949م . ومع قيام 23 يوليو 1952م ، وما حدث من خلاف بينها وبين الإخوان زادت به نار الانفجار الداخلي لحركة الإخوان ضراما، وسالت على جوانبه بعض الدماء، مما تعرضنا له الفصول السابقة من هذا الكتاب. ومعنى ذلك أن هذا المأزق التاريخي الذي كتب عنه أحمد منصور استمر وشغل ثلاثة أجيال من الإخوان المصريين، وما زال، والله يعلم متى يعثر الإخوان في مصر على مخرج مناسب لطي هذه الصفحات المثقلة بالضباب، والإفلات من الدوامة، والخروج من المأزق وفتح ثغرة في الطريق المسدود.

أما الدكتور عصام العريان- الذي كان في قلب العاصفة- فقد كتب ونشر بدوره مقالا علق فيه على " الأزمة التاريخية" التي ذكرها أحمد منصور، وكان مقال الدكتور العريان تحت عنوان: " الإخوان في مصر ومرحلة جديدة" ، في جريدة السبيل، الأربعاء 22 كانون الأول ( ديسمبر ) 2009م. قال الدكتور عصام العريان:

" دخل الإخوان المسلمون في مصر مرحلة جديدة بإعلان انتخابات مكتب الإرشاد الجديد، والتي تمت وسط غبار إعلامي كثيف وملاحقات أمنية متواصلة، وعاصفة من الخلافات لم تهدأ منذ شهور، كانت نهايتها خلافا شديدا بين المرشد العام وغالبية أعضاء مكتب الإرشاد في مرحلة الإعداد للانتخابات أيضا.

كان مقررا- لائحيا- أن يرحل المرشد في هدوء ويترك موقعه للنائب الأول د. محمد حبيب حتى يحل موعد الانتخابات القادمة في يوليو 2010. ولكن كان الواضح أن غالبية المكتب القديم ( مكتب الإرشاد) لا تتوافق مع النائب الأول في كثير من الملفات، وفي طريقة إدارة العمل، وتفجرت تلك الخلافات مع عيد الفطر وتطايرت الأحاديث الصحفية من أطراف الخلاف الذي ظهر للعلن في سابقة أخرى لم يعهدها الإخوان في عصرهم الحديث، وإن كانوا قد مروا بها في تاريخهم القديم والوسيط".

" .. أدت العجلة لمواجهة الموقف إلى بعض الأخطاء، ولكنها لا تقدح في مدى مشروعية الاختيار. اللوائح بها عوار ونقص، وتحتاج إلى مراجعة شاملة، والسبب الرئيسي هو عدم تفعيلها بشكل كامل ، وليس هناك أي اعتراض على هذه المراجعة التي يجب أن تتم في هدوء دون ضغوط، حتى تؤتي أكلها".

ويمكن أن نلخص ما قاله أحمد منصور والدكتور العريان في النقاط التالية:

• أن الإخوان انشغلوا بالإعداد للانتخابات طوال شهور، وأن الخلافات قد نشبت وظلت مستعرة طوال هذه المدة، ثم تركزت فكانت نهايتها خلافا شديدا بين المرشد وغالبية أعضاء مكتب الإرشاد.

• كان مقررا – حسب اللوائح التنظيمية الإخوانية- أن ينسحب المرشد محمد عاكف في هدوء عند انتهاء ولايته في شهر يناير 2010 وأن يتولى النائب الأول مباشرة مهام المرشد إلى أن يحين موعد الانتخابات الجديدة بعد ستة شهور، في يوليو 2010م.

• أدت العجلة لمواجهة الموقف( أي بسبب اشتداد الخلافات) إلى بعض الأخطاء.

• اللوائح التنظيمية بها عوار ونقص، بسبب عدم تفعيلها بشكل كامل.

• أن هناك أزمة داخلية طاحنة بين الإخوان، وأن هناك فريقين يحاول كل منهما إقصاء الفريق الآخر.

• أن المرشد اقترح رفع مرتبة الدكتور عصام العريان إلى عضوية مكتب الإرشاد ، وأن المكتب رفض ذلك.

• أن مكتب الإرشاد ومجلس الشورى وبقية الهيئة الإدارية للإخوان تدور في إطار ما يخططه ويرتبه رجال النظام الخاص.

• الدكتور محمود عزت، الأمين العام للجماعة أعلن يوم 16 ديسمبر 2009 م أن مجلس الشورى قرر اختيار مكتب إرشاد جديد ومرشد عام جديد.

لقد تطلب الالتزام باللوائح التنظيمية أن تنقضي ستة أشهر بين نهاية ولاية المرشد العام وانتخاب المرشد الذي يليه، لكن جماعة " النظام الخاص" الذين يديرون شئون الجماعة من وراء ستار شعروا وتخوفوا من أن تخرج السيطرة من أيديهم إن تولى الدكتور محمد حبيب، النائب الأول للمرشد العام، سلطة المرشد المؤقتة ستة أشهر- حسب ما تقتضيه اللوائح- حتى شهر يوليو (تموز) 2010م.

وربما رأوا أن الدكتور حبيب يختلف عن المرشد محمد عاكف الذي يستطيعون معه تسيير الأمور كما يريدونها اعتمادا على تسامحه ولينه وعاطفيته وسرعة استجابته، خلافا لما توقعوه من الدكتور محمد حبيب. ومن هنا سارعوا بإجراء الانتخابات في عهد محمد مهدي عاكف ، قبيل انتهاء ولايته، وتجاهلوا فترة الأشهر الستة التي نصت عليها اللوائح التنظيمية. ثم استبعدوا الدكتور محمد حبيب من مجلس الشورى، كما استبعدوا الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، وحالوا بين الدكتور عصام العريان وعضوية مكتب الإرشاد.

وعلى الرغم من الطعنة التي وجهت إلى الدكتور عصام العريان فإنه لم يختر مجالا للحديث إلا في الإصرار على وحدة الجماعة وجعل هذه الوحدة الهدف الأعلى: " هناك خلافات في الآراء، ولكن هناك في المقابل إصرار على وحدة الصف وقطع الطريق على الشيطان وفيروس الانقسامات " وهذا موقف عقيدي بعيد عن الشوائب والانحرافات ، يقدر للدكتور عصام، ولكن ومع كل احترامي وتقديري للدكتور العريان فإن مشكلة الإخوان ليست مجرد خلاف في الرأي، فالخلاف في الرأي جزء من خلق الله في تكوين المجتمع البشري: " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم.." وهو بعد دليل حيوية وفاعلية مثمرة، إن ظل في نطاق السيطرة، والاحترام المتبادل، والحرص على المصلحة العامة والمصير المشترك. ولكن المشكلة الكبرى هنا تتمثل بالرغبة في الاستحواذ والاحتفاظ بالسيطرة، واستبعاد الآخر الذي يفترض أنه جزء من الأنا الجمعي لحركة الإخوان المسلمين، وأن الذين اختاروا هذا الطريق ونجحوا في فرضه هم جماعة النظام الخاص، وما يزالون مصرين على الاستمرار استنادا إلى أنه يعتبرون أنفسهم هم وحدهم الذين يعرفون ويستطيعون صيانة الدعوة والحركة وحمايتها، وأنها ستضيع لو أن السيطرة انتقلت غلى غيرهم، ومعنى ذلك أن الخطر على الحركة والدعوة لا يتجسد في الاستحواذ والانفراد و الإقصاء فحسب، بل يتعدى ذلك إلى فرض دكتاتورية جماعة " النظام الخاص" وما يتبعها من موجهات السلوك التي عرضنا مشاهد وأمثلة كثيرة منها في الفصلين الخامس والسادس من هذا الكتاب.

ولست أبالغ إن قلت : إن هذه الجهور غير البريئة، الهادفة لسيطرة فريق بعينه، وقد حدثت قبل ما يقرب من سنة من الثورة، هي السبب في تشقق الصف الإخواني، وخروج حزب الوسط، وحزب مصر القوية وغير ذلك مما لا أريد إطالة القائمة بذكره.

لقد حرصت جماعة النظام الخاص على أن تحتكر السلطة والسيطرة الكاملة، مختبئة خلف أشخاص ضعاف- ربما كانوا قمة في التقوى الصدق والأمانة- ولكنهم ضعاف في الصفات القيادية ، وفي الثقافة والعلم وحسن التصرف، ولذلك حرصت على اختيارهم وعملت على استبعاد غيرهم، ممن لا تتوافر فيهم هذه الصفات المرغوبة المطلوبة: الضعف ، والغفلة، ومحدودية الثقافة والاندفاع والتهور وغياب الكوابح، مع ستارة من التقوى الحقيقية الجانحة إلى المسالمة.

أحد هؤلاء الأشخاص الضعاف نصب مرشدا عاما- ولا سبيل للطعن في تقواه وأمانته- لكن ضعفه بان عندما قرر صحفي معاد أن يستفزه، وجعله يتفوه بعبارات ما كانت لترد على لسانه في غير حالة الغضب المسرف الذي وقع أسيرا لها، من غير أن يمتلك القدرة على الكبح الذاتي، والتفكير بهدوء والرد بتؤدة وعقل بارد.

قال له الصحفي ، تعليقا على فكرة ومطلب توحيد العالم الإسلامي وإقامة الخلافة: أنا لا أقبل أن يكون على خليفة غير مصري. ومع أن فكرة الخلافة بعيدة المنال، والحديث عنها يعتبر حديثا عن الأحلام والأماني، إلا أن المرشد استشاط غضبا، ورد بألفاظ وعبارات سوقية، وشتم قائلا:" طز في مصر، وأبو مصر والي في مصر " ولا مراء في أن السيد المرشد العام يحب مصر، ويحب آباء المصريين وأجدادهم ممن عاشوا ويعيشون وسيعيشون في أرض الكنانة، كما يحب غيرهم من المسلمين في خارج مصر، وأنه لم يقصد المعنى الذي دلت عليه ألفاظه الغاضبة من غير شك، لكنه ضعف عندما وقع أسيرا لسورة الغضب، ونسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه : " .. لا تغضب ، لا تغضب ، لا تغضب" ، ثلاث مرات متتالية. والمؤمن التقي الضعيف تقواه يثاب بها لنفسه، أما ضعفه فيتحمل نتيجته المسلمون ، والمجتمع الذي نصبه ورضيه. ولا مراء في أن أي مسلم وأي عربي سوي لا يمكن أن يشتم مصر وشعبها، ولا يمكن أن يقبل ذلك من غيره، ولكنه الضعف المصاحب للانفعال بالغضب المسرف.

لم تقف القضية عند هذا الحد، فقد قدمت شكوى للقضاء المصري، وبقية القصة معروفة، ولا أحتاج أن أذكر الأسماء، وقد نشرت صحيفة الدستور الأردنية القصة بتفاصيل أوسع، كما نشرت الأسماء.

ثورة 25 يناير ( كانون القاني 2011م)

لقد تفجرت هذه الأزمة الداخلية بين صفوف الإخوان قبيل ثورة 25 يناير 2011م، ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا مستعدين لها، ورغم ذلك لم يتوانوا عن المشاركة فيها بكل قوتهم، وصار الدكتور صفوت حجازي، وهو قيدي إخواني، أمين مجلس أمناء الثورة في ميدان التحرير، وقد شهد الدكتور محمد حبيب رغم الجروح النفسية التي أصابته ، بسبب الطريقة التي استبعد بها من موقعه القيادي، شهد في مقال نشره في جريدة المصري، بأنه لولا صمود الإخوان في معركة الجمل في ميدان التحرير لتمكنت قوات مبارك من القضاء علة الثورة وتفشيلها.

مقارنة مع فكر إخوان من خارج مصر

ولعل من المفيد أن أستعرض هنا بعضا من فكر قادة حركة مجتمع السلم، الجزائرية ، وهي من امتدادات حركة الإخوان المسلمين خارج مصر، وفيما يلي اقتباس عن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، مؤسس حركة مجتمع السلم ورئيسها قبل وفاته:

" إن المعركة اليوم، على الصعيد السياسي، تتمثل في تجذير الديمقراطية ثقافة وممارسة وسلوكا في المجتمع الجزائري، دولة وحكومة وأحزابا ومجتمعا مدنيا، لأن التحول من الأحادية إلى التعددية عملية صعبة، تتطلب استحداث آليات جديدة تعتمد الحوار الهادئ، والاستفادة من تجارب الغير، والرغبة الجماعية في الوصول إلى الحقيقة وإدراك التحديات.

هدفنا في القرن القادم( الحادي والعشرين) أن تكون الكرة الأرضية مميزة بقيم السلم والتنمية، والحوار والحريات، والديمقراطية والتضامن والتعايش، والأمن والاستقرار ، وتغيب فيها الحرب والعنف والإرهاب والتلوث والأمراض والفقر والنزاعات والجوع والتخلف. إن الأرض أرضنا، ولا يرثها سوى الصالحين".

ولقد كان الهاجس الموجه لمواقف وتحركات محفوظ نحناح وحركة مجتمع السلم في السنوات الأخيرة من حياته- بالدرجة الأولى- هو حماية الدولة الجزائرية من التمزق والانهيار والسقوط، خلال فترة الفوضى التي أنهكتها منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، نتيجة للفساد والانهيار والاستبداد، وقد حافظ تلامذته على نفس التوجه بعد وفاته رحمه الله، حيث تتجلى هذه الاستمرارية فيما عملته وكتبته اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع لحركة مجتمع السلم الذي انعقد في شهر شباط ( فبراير) 2008م، ففي الكتيب الذي ضم بيانا بالمبادئ وأوراق البحث، والخطط والمشاريع التي أعدت لذلك المؤتمر، نقرأ في المقدمة التي كتبها رئيس اللجنة التحضيرية التي تكونت من خمسة عشر عضوا، بما فيهم رئيسها:

" وقد تحالفت الحركة على خدمة الشعب ، وحماية الدولة من الانهيار والانزلاق ، وإعادة الاعتبار للدور الدولي للجزائر، خاصة في قضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين، منا عملت على تطوير المشاركة السياسية خدمة للأهداف السامية.. وترسيخ الانتماء العربي الإسلامي للشعب الجزائري ، وتجسيد الإصلاح السياسي الشامل الذي يحقق التحول الديمقراطي، وإطلاق الحرياتـ في ظل المحافظة على الدولة، والثوابت الوطنية، وهي الأرضية الخصبة التي تسمح بتجميع الطاقات، وتحسين الأداءات لتحقيق المرحلية التي تأسست عليها الحركة.."

فأين هذه الاهتمامات والتوجهات التي تحرص حركة المجتمع السلم على تفعيلها والحفاظ عليها، من الانتكاسات الفكرية التي أصابت فكر حركة الإخوان، وكادت تطمس فكر المرشد المؤسس وتعفي عليه. ولعل هذا يبعث الطمأنينة إلى أن العودة إلى التقوقع السلفي ستظل معزولة، وإن تمكنت من رفع رأسها كلها اشتد ظلام الاستبداد والطغيان، وما ينتج عنه من ا لعصبية العمياء.

ومع ذلك فإنني أود أن أبين أن حركة مجتمع السلم وقعت فريسة سهلة للخديعة على أيدي جنرالات الجيش الفاشيين المفسدين، كما تعرضت لخلافات وتشقق بعد وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله.

خلاصة

وبعد هذه الجولة في فكر الإخوان المسلمين يجمل بنا أن نحدد خلاصة ما توصلنا إليه:

1- لقد تحدد أمامنا فكر الإمام الشهيد رحمه الله في ثلاث دوائر:

  • إعداد سريع لمواجهة متطلبات الواقع الراهن في أيامه، واقع الاحتلال العسكري وما توالد منه وتفرع ، ثم واقع الهجمة الثقافية الاستعمارية .
  • رأب الصد وإزالة التفرق والتمزق الذي عانت منه الأمة في الفكر والدين والسياسة ، غير أن الوسائل والأساليب المستخدمة كانت عاطفية خطابية حماسية.
  • العناية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للأمة. وأعتقد أن موضوع الإصلاح الفكري الشامل، قد غاب أو أجل عن قصد بسبب مجمل الظروف التي كانت قائمة، كما أن هذا التأجيل ربما قال على أساس مبدأ ترتيب الأولويات وتقديم الأهم على المهم، في ضوء الإمكان المادي والفعلي والزمني.

أما في الفترة التي تلت وفاة المرشد الأول المؤسس، فقد ظهرت تيارات أخرى:

2- التيار الثاني الذي يبرز قويا واستمر بعد ذلك، غلى مدى معين، هو التيار القطبي ، نسبة إلى سيد قطب.

3- والتيار الثالث فهو ذلك الذي عبر عنه المرشد عمر التلمساني رحمه الله، والشيخ يوسف كمال، والذي يتبنى الاكتفاء بالفكر الذي أورثناه السلف ويقف عنده، وهناك نسبة كبيرة من الإخوان تقبل هذا الاتجاه كما تقبل أن تحسب ضمنه.

4- أما التيار الرابع فهو الذي تجسد ويتجسد في فكر جماعة