التعلق بين المربي والمتربي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التعلق بين المربي والمتربي

بقلم : السيد رامي أحمد ملحم

المقدّمة

نَحوَ فَهمٍ لِظَاهِرَةِ

التَّعلُّقِ بَينَ المُرَبّي وَالمُتَرَبّي

م.رامي أحمد ملحم

قال الله سبحانه وتعالى:

} وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِيْنَ {

سورة الأعراف / آية 145.

أنّي ما كنتُ أكْتُبُ للنّاسِ لأُعْجِبَهُم، بل لأنْفَعَهُم ، ولا ِلأسْمَعَ مِنْهُم : أنتَ أحْسَنْتَ ، بل لأجِدَ في نُفُوسِهم أثَرَاً ممّا كَتَبْتُ .

مصطفى المنفلوطي

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على خير الخلق محمّد وعلى آله وصحبه والتّابعين ومن اقتدى بسنّته إلى يوم الدّين. اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا ولا فقه لنا إلا ما فقهتنا ولا أدب لنا إلا ما أدبتنا، اللهم أنت وليّ ذلك والقادر عليه وأهله، وبعد.

منذ سنوات ستٍّ خلين بدأت بكتابة هذه الفصول حول ظاهرة التّعلّق بين المربّي والمتربّي، وأسميتها: نحو فهمٍ لظاهرة التّعلّق بين المربّي والمتربّي. وكان الدّافع لبحث هذا الموضوع والكتابة فيه أربعة أمور هي:

أوّلها، إنّ التّعلّق بين المربّي والمتربّي من القضايا الحاضرة في السّاحة التّربويّة الإسلاميّة، لذا ليس بدٌّ من دراستها وتجليتها والوقوف عليها؛ شأنها شأن غيرها من قضايا التّربيّة المختلفة؛ إذ أيّ ظاهرةٍ في التّربيّة ينبغي أن تدرس وتستوعب ولا تبقى نهباً لتجارب فرديّة وآراء غير منضبطة.

ثانيها، إنّي لم أقف على أيّ دراسة لا لمحدثين أو لمتأخّرين تناقش هذه القضيّة، إنّما وجدت بعض المقالات المتفرّقة عن هذه الظّاهرة، كما وقعت على كتاباتٍ عديدةٍ عن آداب العالم والمتعلّم وحقوقهما وواجباتهما، وعن آداب المحدّث وراوي الحديث، وأحكاماً فقهيّةً متناثرةً في التّعامل مع الصّبيان والمردان، وقصصاً تنقل عن الصّوفيّة في العلاقة بين الشّيخ والمريد. وكلّ هذا لا يأتي على القضيّة ولا يعالج موضوعها.

ثالثها، إنّ هناك خلطاً في الفهم و في التّعامل مع الظاهرة والنّظر إليها، ولا يخلو ذلك من إفراطٍ أو تفريطٍ؛ فالبعض يتحسس من أيّ علاقة قويّة بين مربٍّ ومتربٍّ؛ خوفاً من الوقوع في مشكلة التّعلّق، والبعض يشجّع تقوية العلاقة وتمتينها بالغاً ما بلغت.

رابعها، قناعةٌ عندي بضرورة الاهتمام بالتّربية الإسلاميّة وقضاياها وإعطائها أولويّة في الدّراسة والبحث خصوصاً في هذا الزّمن الذي أضحينا بأحوج ما نكون لها؛ إذ هي أسّ التّغيير المأمول وركيزته.

وجزّءت الكتاب إلى أربعة فصول، الفصل الأوّل الذي تحدّثت فيه عن معنى التّعلّق وعرّفته بما يخرجه عن اللبس والغموض، والفصل الثّاني والذي استغرق طويلاً وهو علامات التّعلّق ويتضمّن مبحثين أوّلهما: علامات تعلّق المربّي بالمتربّي. والآخر: علامات تعلّق المتربّي بالمربّي. أمّا ثالث الفصول فكان للتّفصيل في أسباب التّعلّق وتضمّن مبحثين أيضاً أوّلهما: أسباب تعلّق المربّي بالمتربّي، وثانيهما: أسباب تعلّق المتربّي بالمربّي. وختمته بالفصل الأخير الذي يتحدّث عن الوقاية من الوقوع في التّعلّق وهو حتى لا نقع في التّعلّق.

وأود التّنبيه على مجموعةٍ من الملحوظات أراها مهمّة للقارئ الكريم وهي:

(1) إكثاري من استخدام الشّعر مع حذفي لكثيرٍ مما كنت أثبتّه؛ أخذاً بتوجيه غير ناقدٍ حريصٍ؛ وذاك لأنّ الشّعر يسجّل تجربة الإنسان، ويتأبّط الحياة الحسّية الشّعوريّة لكثيرين، ويحمل رسالة السّابق للاحق، وفيه من المعاني والقيم والآراء الكثيرة. فينطق العربي بما يعلم ويقول ما يفهم، ويصوّر ما يرى، ويحدّث عمّا تمثّل في نفسه حديثاً صادقاً لا تكلّف فيه ولا تعمّل؛ لأنّ كل ما هو محيطٌ به من هواء وماءٍ وأرضٍ وسماءٍ، وطعامٍ وشرابٍ، ومرافق وأدوات، على الفطرة السّليمة الخاصّة، فأحرى أن يكون شعره كذلك. ذلك معنى قولهم: الشّعر ديوان العرب؛ لأنّه صورة حياتهم الاجتماعيّة والأدبيّة، ومثال خواطرهم الحقيقيّة والخياليّة.(1)

والحقّ أنّه أسعفني كثيراً في الدّفاع عمّا أراه، والاستشهاد به فيما أرومه، علماً أنّي أعرضت عن الاستشهاد بشعر الغزل والنّسيب بين الرّجال والنّساء إلا نادراً وفيما ينسجم مع خصوصيّة ظاهرة التّعلّق ولا يفسدها، لذا آمل أن لا تُترك قراءته ويزهد فيه. علماً أنّي اجتهدت أن أستشهد بشعر الشّعراء الملتزمين، ولم أحد عن ذلك إلا نادراً ولا غضاضة إن شاء الله تعالى.

(2) لم أستشهد بحبّ الصّحابة الكرام – رضي الله عنهم - للنّبيّ – عليه الصّلاة والسّلام – أو حبّهم لبعضهم البعض، ولم أنقل قصصاً – مع كثرتها – لعلامات حبّهم للنّبيّ الكريم، أو لمعاملته – عليه السّلام – لصحابته، أو حبّهم لبعضهم بعضاً؛ وذلك لأنّي لا أرى أنّ علاقة الصّحابة الكرام مع نبيّنا – عليه السّلام – أو علاقتهم فيما بينهم– رضي الله عنهم – تعلّقاً.

(3) أنّي استشهدت أحياناً بالحديث الضعيف – ولا ضير في ذلك – إذ أنّ المقام ليس مقام العقائد والأحكام، والحافظ العراقيّ يقول : (( وأمّا غير الموضوع فجوّزوا التّساهل في إسناده وروايته من غير بيانٍ لضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في التّرغيب والتّرهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، أمّا إذا كان في الأحكام الشّرعيّة من الحلال والحرام وغيرهما أو في العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز ويستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التّساهل في ذلك، وممن نصّ على ذلك من الأئمة عبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعبدالله بن المبارك وغيرهم وقد عقد ابن عدي في مقدّمة الكامل والخطيب في الكفاية باباً لذلك .))(2).

(4) اعتمدت كثيراً على كتاب الإمام ابن حزم الظاهريّ – رحمه الله تعالى -: طوق الحمامة في الألفة والألآف، كما هو الحال على كتاب الإمام ابن قيّم الجوزيّة – رحمه الله تعالى -: روضة المحبّين ونزهة المشتاقين. خصوصاً في الفصل الثّاني في الحديث عن علامات التّعلّق. بل الحقّ أنّ الفصل ما نهض إلا على كتابيهما. لذلك يمكنني أن أنقل أفكاراً لهما ولا أشير إليه في الحاشية.

(5) لا يُخدعنّ القارئ فلا يتصوّر المربّي إلا ذلك الشّاب والمتربّي هو ذلك الفتى القابعان في مسجدهما، بل إنّ المربّي قد يكون عالماً أو أميراً أو مدرّساً أو .... ، كما قد يكون ذكراً أو أنثى، شابّاً أو كهلاً. والمتربّي قد يطلق على الطّالب والجنديّ و... ، وأيضاً قد يكون ذكراً أو أنثى، أو شابّاً أو كهلاً.

وكما أشرت سابقاً إنّ ظاهرة التّعلّق بين المربّي والمتربّي كانت لمّا تبحث بعد. و ما أشقّ أن يكتب المرء فيما لا يجد ما يعتمد عليه في أصل موضوعه. ومن المتوقّع أن يجد القارئ الكريم وما لا يتّفق ورأيه، لذا أرجو من كلّ فاضلٍ حريصٍ أن لا يبخل عليّ بنصحٍ أو توجيه.

والله – تعالى - أسأل أن يجعل في هذه الأسطر فائدة ترتجى، وأدعوه -تعالى - أن يتقبّل ما كتبت ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عن الزّلات .

} وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنّا للغيب حافظين { (3)

الرّياض في : 5 جمادى الآخرة 1423هـ

14 آب 2002 م

(1) مصطفى لطفي المنفلوطي المجموعة الكاملة (بتصرّف) / ص233.

(2) فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث / ص137. للزيادة يراجع : المقنع في علوم الحديث / ج1 / ص104 . وللاطلاع على شروط العمل بالضّعيف وروايته يراجع : الوسيط في علوم الحديث ومصطلح الحديث / ص277.

(3)سورة يوسف / آية (81).

الفصل الأوّل

التّعريف بظاهرة التّعلّق

لم أقف على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لظاهرة التّعلّق كظاهرة تربويّة،. لذا سأقترح تعريفاً لها وسأجريه محدوداً بجنسٍ وقيودٍ. لكنّي أجد من المناسب قبل أن أعرّف الظّاهرة أن أنقل بعض تعريفات لغويّة للتّعلّق :

فمثلاً يقول الشّيخ أحمد رضا: اعتلقه: أحبّه، وتعلّق الشّيء: علقه من نفسه، وفلانة: أحبّها(1) . ويقول محمد الباشا: عَلِق – عَلَقاً وعُلُوقاً وعلاقَة الشّيء الشّيء وبه: نشب فيه واستمسك به. – فلانٌ فلاناً وبه: تمكّن حبّه من قلبه(2). ويقول حسن سعيد الكرمي: تعلّق يتعلّق تعلّقاً: الولد بأبيه عند الفراق: أمسك به وتشبّث، وتعلّق الرّجل المرأة أو بها: أحبّها، وتعلّق الشّوك بالثّوب: تشبّث، وتعلّق الثّوب على الشّجرة: سقط عليها وعلق.

ويقال: هذا الكلام يتعلّق بما سبق قوله: أي يتّصل بعلاقةٍ ومناسبةٍ، وتعلّق قلبه امرأة: أحبّها، ومنه قول امرئ القيس:

تعلّق قلبي طفلة عربيّة

تنعّم بالدّيباج والحليّ والحُلل.

ويقول: التّعلّق: هو النّسبة بين شيء وآخر كالعلاقة بين العالم والمعلوم وبين التّابع والمتبوع في معادلة جبريّة، والتّعلّق في العربيّة: هو نسبة الفعل إلى غير الفاعل. والمتعلّق: هو الذي يتعلّق والمتعلّق هو الذي يأكل اليسير ويكتفي به ولا يتشرّط ومنه قولهم : ليس المتعلّق كالمتأنّق(3)(4).

أمّا تعريفي لظاهرة التّعلّق فهو: تمكّن الحبّ من القلب، وتأثيره على السّلوك بوجهٍ مخصوصٍ.

فجنس التّعلّق: إنّما هو التّمكّن، وهو الاستحكام والاستحواذ والأخذ بمجامع القلب والسّيطرة عليه. والتّمكّن غير الامتلاء؛ فبالتّمكّن يخرج غيره كالحبّ القليل أو الكثير غير المسيطر.

أمّا قيوده:

فالأوّل: هو الحبّ المتمكِّن من القلب، فخرج بهذا القيد غيره من الأمور التي قد تتمكّن من القلب أيضاً كالرّضا أو الإيمان.

والثّاني: هو القلب المتمكَّن منه، فالحبّ متمكّن من القلب لا من الجوارح أو العقل أو غيرهما.

وأمّا الثّالث: تأثيره على السّلوك، فخرج به الحبّ الذي لا يؤثر على السّلوك وهو كثيرٌ.

والأخير: أنّه بوجّهٍ مخصوصٍ، أي أنّ لهذا التّأثير علاماته وأماراته وأسبابه الذّاتية. وغالب التّأثير هو تأثيٌر سلبيٌّ غير محمودٍ في التّربية .

إذن فتعلّق المربّي بمتربيّه هو تمكّن حبّ المتربّي من قلب المربّي، وتأثيره على سلوك المربّي بوجهٍ مخصوصٍ. وأمّا تعلّق المتربّي بمربّيه فهو تمكّن حبّ المربّي من قلب المتربّي، وتأثيره على سلوك المتربّي بوجهٍ مخصوصٍ.

والتّعلّق ظاهرة سلبيّة - مع أنّه ليس هناك شرٌّ محضٌ - في التّربية والتّعليم؛ لأنّه يؤثّر على سلوك الشّخص بوجهٍ سلبيٍّ؛ الأمر الذي يؤثّر على أهداف العمليّة التربويّة ومخرجاتها و على سلوك عنصريها الرّئيسين وهما المربّي والمتربّي.

وهنا أودّ الإشارة إلى الفرق الكبير بين التّعلّق وبين الأخوّة الإسلاميّة، وهو في التّأثير بالوجه المخصوص السّلبيّ. فالأخوة مع ما فيها من تمكّن للحبّ من القلب إلا أنّها يجب ألا تؤثر سلباً على سلوك المربّي أو المتربّي بل إيجاباً بإذن الله تعالى. فالمتعلّق لا يرى إلا بعين حبّه أمّا الأخ المحبّ فيرى بعين الدّين والعدل ويحكم بحكمهما حتى لو اصطدم بحكم هواه وعاطفته .

والأخوّة الإسلاميّة بالغاً ما بلغ عمقها هي علاقةٌ مطلوبةٌ محمودةٌ، وإن كانت قد تبدو في بعض حقوقها وواجباتها تتشابه مع علامات التّعلّق فلا ضير في ذلك.

و لا بدّ أن لا يتوجّس المربّي أو المتربّي من قوّة العلاقة وعمقها ما دامت في سياقها المتّزن الصّحيح، بل إنّ قوّة العلاقة أمرٌ مطلوبٌ إذ أنّ التّربية لا تنهض إلا على حبّ المربّي لمتربّيه وحبّ المتربّي لمربّيه. بل كيف سيتمكّن المربّي من تغيير المتربّي نحو الأفضل من غير دافعٍ من حبٍّ و ودٍّ !! ، أليس دافعاً مهماً للصّبر والتّعب على المتربّي هو حبّه والحرص عليه؟!. بل كيف سيتقبّل المتربّي ممن لا يحبّه؟! وهل يقدر أن يصارح مربّيه بمشاكله وهمومه من غير حبٍّ؟! .

إنّ صورة الإفراط والتّفريط في العلاقة بين المربّي والمتربّي هي صورة قبيحة، فكم من مربٍّ تراه لا يحرص على توثيق علاقته مع من يربّيهم، بل إنّه يعتبر في سطحيّة العلاقة مغنماً وفي قوتها مغرماً؛ فلا تراه معهم إلا عابساً واجماً، لا يسأل عن أحوالهم ولا يؤاكلهم أو يمازحهم لأنّ في ذلك إفساداً للتربية ولا بدّ من هالة للمربّي لا يخترقها الحبّ أو يمسّها الودّ. وكم من آخرٍ، يتجاوز في علاقته، حتى لا يبقي حدوداً بينه وبين من يربّيهم، فيهدم بتفريطه شخصيّته وينعدم تأثيره ويقع في التّعلّق المذموم.

ولعلّ الفصول القادمة فيها ما يوضح هذه الظّاهرة بإذن الله تعالى.

(1) معجم متن اللغة / ج4 / ص188.

(2) الكافي / ص705.

(3) الهادي إلى لغة العرب / ج3 / ص256 ، 257 ، 258.

(4) للمزيد ينظر : المحيط معجم للغة العربية /ج2 / ص880 ، والمعجم الوسيط /ج2/ ص662 ، والقاموس المحيط / ص276 .

الفصل الثّاني - علامات ظاهرة التّعلّق

المبحث الأول: علامات تعلّق المربّي بالمتربّي

إذا تعلّق المربّي بمتربّيه بانت لذلك علامات وأمارات؛ وليس ذلك بالغريب فاللحبّ آيات وعليه دلائل، وإن كان لا يلزم أن تظهر كلّ هذه العلامات بل قد يظهر معظمها أو بعضها؛ وذلك بحسب درجة التّعلّق وتمكّنه من القلب، وقد قيل:

دلائل الحبّ لا تخفى على أحدٍ

كحامل المسك لا يخلو من العبق

ومن هذه العلامات:

(1) إدمان النّظر إلى المتربّي ؛ فترى المربّي كثير النّظر إلى متربّيه، مشغولة عيناه؛ تنتقل بتنقّل المتربّي وكأنّه شَرَك الأبصار وفتنة النّظّار، والعين باب من أبواب النّفس ودليل من أدلّة القلب، فتراه يعطي من النّظر إلى من يتعلّق به أكثر مما يعطي بقيّة المتربّين، كان ذلك في مسجد أو شارع أو درس أو ملتقى. وممّا يؤثر عن الحكماء قولهم: العين باب القلب، فما كان في القلب ظهر في العين. ويصوّر الشّاعر هذه العلامة؛ فيقول:

فليس لعيني عند غيرك موقـف

كأنك ما يحكون من حجـر البهت

أصرّفها حيث انصرفت وكيفما

تقلّبت كالمنعوت في النحو والنعت.

بل إنّ العين قد تكون أبلغ دالّة على ما في القلب، متجاوزة اللسان ومدحه، واليد وعطائها. وقديماً قيل: العينان أنمّ من اللسان.

وقال آخر:

كلّ ما تطوي جوانحه

فهو في الـعـينين مـكتوب.(8)

وفي بداية الأمر ينظر المربّي إلى متربّيه فإذا لاحظ أنّ الحاضرين انتبهوا من كثرة نظره و طول تحديقه صرف نظره منتظراً السّوانح. أمّا إن تمكّن التّعلّق فإن العين لا تستطيع مفارقة المتربّي حتى لو لاحظ الحاضرون وليس سهلاً صرف الطّرف عن الحبيب؛ ولذا نجد أنّ المربّي لا يطيق فراق متربّيه وقلة لقياه –كما سيأتي ذكره-.

(2) الإقبال بالحديث واستنطاق المتربّي؛ فما يكاد يقبل إلاّ على ما يتعلق به، وما أن يراه ويلتقيه لم يدع سؤالاً إلا سأله ولا طرفة إلا حدّث بها؛ رغبة بالأنس باستماع المتربّي وإنصاته؛ وطمعاً بحديثه و تعليقه.

وهذا يقود المربّي إلى حسن انتقاء العبارة والحرص على تخيّرها وجاذبيتها. و التّكلّف بالحديث واستنطاق المتربّي؛ ذا إذا تعلّق المربّي بمتربّيه نجد أنّ حديثه معه يخرج من حديث الخير والنّصح إلى اللغو والسّفاسف. ومن الإقبال على المتربّي بالحديث كثرة الاتصال به بالهاتف أو بأيّ شكلٍ من أشكال التّواصل المختلفة .

وللجعد بن ضمام بيت يقول فيه:

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلاً.(9)

بل إنّ كثيراً من السّؤال يبعث عليه شدّة الشّوق والتّعلّق، ويقود إليه استحكام التطلّع والتّوق، دون جهالة توجب القول به، وقلّة معرفة تحمل على الاستعمال له. وكثيرٌ من الجواب تعليل للسّائل، دون جهالة بحقيقة ما يطلبه، وتأنيس له، فالإنسان إذا اشتاق إلى شيء سأل عنه مع علمه به، وهذا من تمام الإقبال بالحديث.

(3) الإنصات لحديث المتربّي إذا حدّث إنصاتاً لا يكون لغيره مثله ؛ فترى أنّ الحواسّ مشدودة إليه تنتظر اللسان ليجود بالكلمات، وحتى لو كان من عادة المربّي وطبعه مقاطعة المتحدّث أو كثرة الحديث فتراه هنا مستمعاً جيداً. فالأذن يطربها سماع صوت المتربّي ويسعدها حديثه.

(4) بهتٌ يقع وروعةٌ تبدو على المربيّ عند رؤية متربّيه فجأة، وطلوعه بغتة ؛ ويظهر تبدّل شكل المربّي، وقد يكون على حالةٍ من غمٍّ وحزنٍ فينقلب مسروراً جذلاً عند رؤية متربّيه. ولا يخفى أنّ المربّي النّاجح هو أولى النّاس أن يلقى متربّيه بوجهٍ طليقٍ باسمٍ، إلاّ أنّ المتعلّق يبدو على غير سجيته وطبيعته.

و يصف أبو العلاء المعرّي هذا الحال فيقول:

علامة من كان الهوى في فؤاده

إذا لقي المحبوب أن يتغيرا.

وأبلغ ما تتجلّى به هذه الصّفة حينما يكون اللقاء بعد انقطاعٍ وامتناعٍ، وللأديب الرّافعي – رحمه الله تعالى - وصفٌ جميلٌ لحال من لقي حبيبه بعد انقطاع وامتناع يقول فيه: (( أرأيت مرّة عاشقاً جفاه الحبيب وامتنع عليه دهراً لا يراه، وصارمه مدّة لا يكلمه، فتر عنه نومه من ليله، وراحته من نهاره، ودنياه من يده، وبلغ به ما بلغ من السّقم والضنى، ثمّ بينا هو يمشي إذ باغته ذلك الحبيب منحدراً من الطريق؟. إنّك لو أبصرت حينئذٍ قلب هذا المسكين لرأيته على زلزلة من شدّة الخفقان …، ولو نفذت إلى حسّ هذا البائس لرأيته يشعر مثل شعور المحتضر أنّ هذه الدنيا قد نفته منها!.ولو اطّلعت على دمه في عروقه لأبصرته مخذولاً يتراجع كأنّ الدّم الآخر يطرده.

إنها لحظة يرى فيها المهجور بعينيه أنّ كلّ شهواته في خيبة، فيردّ عليه الحبّ مع كلّ شهوة نوعاً من الذّل، فيكون بإزاء الحبيب كالمنهزم مائة مرّة أمام الذي هزمه مائة مرّة. لحظة لا يشعر فيها المسكين فيها من البغتة والتّخاذل والاضطراب والخوف إلاّ أنّ روحه وثبتْ إلى رأسه ثم هوت فجأةً إلى قدميه. ))( 10).

(5) الإسراع بالمسير نحو المكان الذي يكون فيه ؛ والتّعمّد للقعود والدّنو منه، واطراح الأشغال الموجبة للزّوال عنه والزّهد فيها والرّغبة عنها، والتّباطؤ في المشي عند القيام عنه، وإذا استحكم التّعلّق قد يصل الأمر إلى الاستهانة بكلّ خطبٍ جليلٍ داعٍ إلى مفارقته. والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها: أن يحرص المربّي على الصّلاة قريباً من موضع صلاة المتربّي في المسجد –إن كانا يصلّيان في نفس المسجد-، أو أن يُكثر من الصّلاة في مسجد متربّيه وإن لحقه الجهد والمشقّة، وتقصّد ملاقاة المتربّي وهو عائدٌ من مدرسته أو جامعته أو عمله أو زيارته، وهو في ذلك يحاول أن يُبدي التّلاقي محض صدفةٍ(11) وما هو بذلك؛ ولذا يحرص المربّي على معرفة أماكن تواجد المتربّي مع الأوقات.

وفي هذا يقول الشّاعر:

نعم، أسعى إليك على جفوني

تدانى الحيّ أو بعد الطّريـق

إذا كـانـت تحنّ لك المطايا

فماذا يفعل الصبّ المشوق.

(6) الاهتمام الزّائد بشؤون المتربّي الخاصّة ؛ اهتماماً يُخرج المربّي عن همّه الأصيل وواجبه النّبيل؛ حتى يصل إلى التّدخّل في الطّعام والشّراب والرّغبات تدخّلاً يبلغ حدّ الإملاء والإجبار. ولاحظ ذلك الإمام أبو حامد الغزاليّ – رحمه الله تعالى - فقال: (( فإنّ المشاهدة تدلّ على أنّ الحبّ يتعدّى من ذات المحبوب إلى ما يُحيط به ويتعلّق بأسبابه ويناسبه ولو كان من بعد، ولكنّ ذلك من خاصيّة فرط المحبّة فأصل المحبّة لا يكفي فيه، ويكون اتّساع الحبّ في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه ويحيط به ويتعلّق بأسبابه بحسب إفراط المحبة وقوّتها ))(12).

(7) كثرة لقيا المربّي بالمتربّي والقرب منه وزيارته وضرب مواعيد إضافيّة ؛ يبرّرها بأنّها مهمّة لحلّ مشكلةٍ خاصّةٍ أو ما شابه، ولكنّها في الحقيقة ليست لحاجات التّربية وإنّما لرؤية المتربّي وحده والحديث معه. و المشي معه و لساعاتٍ طويلةٍ وفي أوقاتٍ غير مناسبة. وممّا يؤسف القول إنّ بعض المربّين لا يكاد يفارق متربّيه إلا قليلاً، وفي ذلك يُقال:

ولي فؤادٌ إذا لجّ الغــرام بـــه

هـام اشـتياقاً إلى لقيا معذّبه

وقد قال الشّاعر في زيارة المحبوب :

فما زرتك عمداً ولكن ذا الهوى

إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرّجل.(13)

ويؤكد أنّ المحبّ يزور من يهواه وإن كان بعيداً منه قولُ المتنّبي في رثاءِ محمّد بن إسحاق التنوخيّ:

يممت شاسع دارهم عن نيّة

إنّ المحبّ على البعاد يزور.(14)

وبعض المربّين يصطنع الأسباب لرؤية المتربّي وملاقاته، ويختلق الحجج والعلل لتبدو اللقيا أنّها شرعيّة ولحاجة تربويّة، ويعبّر عن ذلك يزيد بن الطّثرية فيقول:

وكنت إذا ما جئت جئت بعلّةٍ

فأفنيت علاّتي فكيف أقول.

وهذه الخلطة الزّائدة عن الحاجة تؤدّي إلى اللهو غير المباح، فتضيع الأوقات، وتهدر الطّاقات، ويتشتّت الخير (15)، وهذا غالب الحال، فمتحدّث الخير والنّصح يمسي متحدّث اللهو والسّقط.

(8) الانشغال في المسجد بالحديث مع المترّبي؛ ولو كان ذلك عقب الصّلاة مباشرةً، ولو كان على حساب التّسبيح وقراءة الأدعية المأثورة. والمسجد هو المحضن الأساس للتّربية؛ لذا يقضي المربّي مع المتربّيين فيه وقتاً كبيراً. والانشغال مع المتربّي علامة بيّنة، ما أسهل أن يلحظها المراقب. وقد قال بعض البلغاء: إنّ القلب إذا عَلِقَ، كالرّهن إذا غَلِق(16).

(9) كثرة ذكر اسم المترّبي واللهج به باللسان ومدحه في حضرته وغيبته؛ فترى المربّي كثير الذّكر لمتربّيه، عظيم المدح له، دوماً يتحدّث عن محاسنه وفضائله، ويسترسل في الكلام عن صفاته ومكارمه؛ ومن أحبّ شيئاً أكثَرَ من ذكره بقلبه ولسانه، ولهذا أَمَرَ الله سبحانه وتعالى عباده بذكرهِ على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوفَ ما يكونون، فقال تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تُفلحون{ (17) (18).

وسرائر القلب يظهرها حديث الفم، وما الألسن إلاّ مغارف للأفئدة، تماماً كما رآها يحيى بن معاذ – رحمه الله تعالى - على حقيقتها، فوصفها، ونبّه إلى أنّ: ((القلوب كالقدور في الصّدور؛ تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها. فانتظر الرّجل حتى يتكلم، فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه، من بين حلو وحامض، وعذبٍ وأجاج، يُخبرك عن طعم قلبه: اغتراف لسانه)). تشبيه قد يبدو ساذجاً لأول وهلةٍ، لكنّ فيه روعة حقيقية وصدق الوصف؛ اغتراف اللسان يذيق طعم القلب [19]، وقد قال أبو تمّام الطّائي :

ومما كانت الحكماء قالت

لسان المرء تـبـع للفـؤاد.

وفي ذكر المحبوب يقول القائل:

إن كنت لست معي فالذّكر منك معي

يرعاك قلبي وإن غُيّبت عن بصري

العـين تُـبصـــــر من تهــوى وتـفقـده

ونـــاظر القلب لا يخـلـو مـن النّظر.

ومن الرّقيق قول من قال في ذكر المحبوب والثّناء عليه بظهر الغيب:

فإن يك عن لقائك غاب وجهي

فلـــم تغب المودة والإخـاء

ولم يـغب الـثّـناء علــيك مـنّي

بظـهر الغيب يتبعه الدّعـاء

وما زالـت تـتوق إليـك نفسـي

على الحالات يحدوها الوفاء.(20)

والحقّ أنّ اللسان يظهر ما في القلب، ويكشف السّر والسّرائر، وصدق الشّاعر حين قال:

فمّي تحدّث عن سرّي فما ظهرت

سرائر القلب إلا من حديث فمي

(10) اضطراب المربّي وضجره عند غياب متربّيه ؛ وبالأخصّ حينما يتكرر التغيّب، فقلبه موصول به مشغول، وينفد التعلّقُ الصبورَ صبره عن الحبيب، ويُقال في هذا:

والصبر يُحمد في المواطن كلّها

ونحو الحبيب فإنّه لا يُحمد.

و قد يبدو حال المربّي غريباً غير مألوف أو مفهوم من انزعاجه واضطرابه؛ فيعذره في ذلك الأبله البغدادي إذ يقول :

لا يعرف الشّوق إلاّ من يكابده

ولا الصّبابة إلاّ من يُعانيها.(21)

ويروي ابن رشيق القيرواني في زهرالآداب وثمر الألباب أنّ أبا العبّاس قال: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخّر عنه أياماً، فقال: ما ينقضي يوم من عمري لا أراك فيه إلاّ علمت أنّه مبتورُ القَدْر، منحوس الحظّ، مغبون الأيام. فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إليّ بحضورك سرور لا أجده عند غيرك، وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد به الحواس به بغيتها، وتستوفي منه لذّتها، فنفسك تألف منّي مثل ما آلفه منك.

قال مخارق: لقيَني أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صبٌّ بك، ولوعٌ إليك، معمور القلب بشكرك، واللسان بذكرك، متشوّفٌ إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيّام على ما أعدّ به نفسي من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك. فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورني أم أزورك!

قلت: جعلني الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلاّ الانقياد إلى أمرك، والسّمع والطّاعة لك، ولولا أن أسيءَ الأدب في أمرٍ بدأت فيه بالفضل لقلت إنّ كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندي من الشّوق إليك، والشّغف بك، دون ما حرّك هذا القول منّي، فوجبت لك به من المنّة عليّ، وأنا بين يديَك، فاثنِ عناني إلى ما أردت، وقدني كيف شئتَ تجدني، كما قال القائل:

ما تشتهيه فإنّي اليوم فاعله

والقلب صبّ فما جشّمته جشما. (22).

ويصف المتنبّي شدّة الهجر على نفسه؛ فيقول:

والهجر أقتل لي مما أراقبه

أنا الغريق فما خوفي من البلل.(23)

ولله درّ أقوام قلوبهم معمورةٌ بذكر الحبيب، ليس فيها لغيره حظّ ولا نصيب، إن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فبقربه، وإن ترحوا فبعتبه، أقواتهم ذكر الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة، وأنشدوا:

حياتي منك في روح الوصال

وصبري عنك من طلب المحال

وكيف الصّبر عنك وأيّ صبـر

لـعطشـان عــن الــماء الــزّلال

إذا لعب الرّجـال بكلّ شـيء

رأيـت الحبّ يلعب بالرّجال (24).

ويصف الشّاعر أنّ شدّة الصّبر لا طاقة للحبيب عليه؛ فيقول:

ذُكِرَ الهوى فتنفّس المشتاق

وبـدا عليـه الـذل والإطــراق

يـا مـن يصبّرني لأصبر بعـده

الصبر ليس يُطيقه العشّاق.

(11) تغيّب المربّي عن مواعيده؛ حتى ما كان منها مهماً لانشغاله أشدّ الانشغال بمتربّيه، والاعتذار عن ذلك بوجود مشاكل مثلاً لا بدّ من حلّها، وعقباتٍ قد تضطره للتّأخّر والتغيّب، وحواراً لا بدّ من استكماله حرصاً على المصلحة، ويُجري أعذاره على سبيل التّورية. وقد ينخدع المربّي ذاته بأوهامه ويخيّل إليه أنّ هناك من الأمور المتعلّقة بالمتربّي ما يستوجب أن تُلغى لأجلها المواعيد، ويجب على الآخرين ممّن هم حوله أن يقتنعوا بذلك ولا يستهجنوه، وهو في هذا مثله مثل صاحب الثّوب الذي لا يراه إلاّ العقلاء(25)، وهومستعدٌّ للتّضحية بأيّ شيء في سبيل البقاء مع متربّيه، حتّى لو كان ذلك لأتفه الأسباب وأوهى الدّواعي. بل إنّ المربّي قد ينشغل عن ما هو أعظم من مواعيده والتزاماته، كانشغاله عن عبادته أو عمله أو أهله، ويقول الشّاعر في ذلك:

شغلت نفسي وقلبي في مودّتكم

لا خلّص الله روحي من محبتكم

ما قد غضبت على نفسي لأجلكم

حتى جفوت حياتي بعد جفوتكم.(26)

(12) الاعتراض وعدم الرّضا إلى وضعٍ قد يصل إلى الاحتداد إذا شعر المربّي أنّ أحد المربّين الآخرين قد أظهر اهتماماً –حتى لو كان عادياً- بمتربّيه ؛ كسؤاله عن درسه أو أحواله الخاصة مثلاً، وقد يرتبط مربيّ آخر بالمتربّي بصلة من قربة أو جوار أو غيرهما من الصّلات، فيكون من المألوف أن يظهر هذا المربّي اهتماماًَ بالمتربّي، وجزى الله خيراً من قال:

إذا رأيتَ الهوى في أمّةٍ

فاحكم هنالك أنّ العقل قد ذهبا.

(13) استشاطته غضباً إذا عوقب المتربّي ولو على خطأ فعله ؛ أو إذا انتقده أحدٌ على تصرّفٍ ما. وتأوّله لأسباب الخطأ تأوّلاً بعيداً غير مقبول بحال؛ فهو يرى أنّ العقاب والنّقد في حقّ متربّيه انتقاصٌ من شأنه لا تربيةً له وتقويماً. وإن طُلب إليه مراجعة المتربّي أو معاتبته لسببٍ ما، تلقاه يلاحي ويماطل، وإن راجعه أو عاتبه فما يقوم بذلك إلا رفعاً للعتب وقضاءً للمهمّة ومن دون رضا، وقد قال ابن الرّوميّ:

فـعذرك مـبسـوط لـذنبٍ مـقدِّمٍ

وودّك مقبولٌ بأهـلٍ ومرحبِ

ولو بلّغتـني عنك أذني أقمتها

لـديّ مُقام الكاشح المتكذّب

فلست بتقليب اللسان مصارماً

خليلاً إذا ما القلب لم يتقلّب.(27)

(14) حديث المربّي عن نفسه وتجاربه وماضيه لمتربّيه والبوح له بأسراره الخاصّة؛ مع أنّه لا غضاضة أن يتحدّث المربّي أحياناً عن نفسه وتجربته، بل قد يُستحسن أو يتوجّب(28)؛ إذ في ذلك التّوريث والنّصح والتّوجيه، مع التّنبيه إلى أنّ الأولى أن يختفي شخص المربّي وراء التّجربة؛ حتى يتأثّر المتربّي بالحدث والتّجربة، وحرصاً أن لا يرتبط المترّبي ارتباطاً سلبيّاً بشخص المربّي. وهناك آداب وقواعد يجب أن يُعنى بها حين الحديث عن النّفس والتّجارب ليس المقام لتفصيلها.

(15) التّضايق والضّجر إذا قطع أحدٌ خلوة المربّي بالمتربّي ؛ فلا شيء أحلى للمربّي المتعلّق من الخلوة والتفرّد بمتربّيه؛ ليجالسه وينظر إليه ويحادثه، فهو مذهب قلبه ووجهة نفسه. و للإمام ابن القيّم – رحمه الله تعالى – إشارة لطيفة لمعنى جليل إذ يقول في روضة المحبّين ونزهة المشتاقين: (( ومنها: حبّ الوحدة والأنس بالخلوة والتفرّد عن الناس، وكأنّ المحبة قد ثبتت على ذلك، فلا شيء أحلى للمحبّ الصّادق من خلوته وتفرّده، فإنه إن ظَفر بمحبوبه أحبّ خلوته به وكره من يدخل بينهما غاية الكراهية، ولهذا السرّ – والله أعلم- أمر النّبيّ – صلى الله عليه وسلّم - بردّ المارّ بين يديّ المصلّي حتى أمر بقتاله، وأخبر أنّه لو يدري ما عليه من الإثم لكان وقوفه أربعين خيراً من مروره بين يديه، ولا يجد ألم المرور وشدّته إلاّ قلبٌ حاضرٌ بين يديّ محبوبه مقبل، قد ارتفعت الأغيار بينه وبينه، فمرور المارّ بينه وبين ربّه بمنزلة دخول البغيض بين المحبّ ومحبوبه. فهذا أمرٌ الحاكم فيه الذّوق، فلا ينكره إلاّ من لم يذُق. ))(29).

(16) المبالغة في قراءة الشّعر والقصص، والمطالعة في كتب الحبّ والألفة وسماع النّشيد على وجهٍ يُخالف المعتاد. ومردّ هذه العلامة إلى أنّ المتعلّق يحتاج دوماً لتغذية ميله وعاطفته، والدّفاع عن تعلّقه وحبّه، وليجد ما يداعب ويمازح به متربّيه من جميل النّثر والشّعر.

(17) غمّ المربّي وحزنه وبكاؤه إذا رحل متربّيه وفارقه أو انتقل إلى منطقةٍ أخرى أو مسجدٍ آخر. فالفراق له ترحة، كما التّلاقي له فرحة، وهذا الغمّ يزداد كلّما كان الفراق أطول والتّواصل أعسر، وحاله حال المتنبّي حينما عاتب سيف الدّولة، فقال:

يا من يعزّ علينا أن نفارقهم

وجداننا كلّ شيءٍ بعدكم عدم.(30)

ويكشف شدّة فرقة الأحباب على النّفس قول قيس بن ذُرَيح:

وكلّ مصيبات الزّمان رأيتها

سوى فرقة الأحباب هيّنةَ الخطْبِ.(31)

وهذا عبد العزيز الماجشون - وهو من فقهاء المدينة المنوّرة - يقول: (( قال لي المهدي: يا ماجشون، ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين:

لله بـاكٍ عــلى أحـبابــه جـزعـــاً

قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا

ما كـان والله شؤم الدهر يتركني

حتى يجرّ عني من بعدهم جرعا

إنّ الزمان رأى إلف السرور لنــا

فـدبّ بالبين فيما بيننا وســعى

فليصنع الدّهر بنا ما شاء مجتهداً

فلا زيادة شيءٍ فوق ما صنعا (32).

و الفراق مرّ، وقد قيل في قول الله – سبحانه وتعالى – على لسان سيّدنا سليمان – عليه السّلام - متوعداً الهدهد: }لأعذّبنّه عذاباً شديداً{ (33)؛ أي لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وهذا أشدّ العذاب (34).

ويقول أبو الطّيّب المتنبّي:

ماذا الوداع وداع الوامق الكمد

هـذا الوداع وداع الرّوح للجسد

إذا السّحاب زفته الريح مرتفعاً

فـلا عدا الرّحلة البيضاء من بلد.(35)

ومن أرقّ ما وَصف حال المفارق ابن المعتزّ؛ إذ قال:

ومتيّم جرح الفراق فؤاده

فالدّمع من أجفانه يترقرق.

(18) الجزع الشّديد، والحُمرة المقطّعة تغلب عندما يرى المربّي إعراض متربّيه أو انشغاله عنه ؛ إذ قلبه لا يحتمل إعراض الحبيب؛ فصورته لا تفارقه، وابتسامته تلازمه، وطيفه يناجيه ويسامره، والشّوق إلى المحبوب يسابقه. وأحياناً بدافع الذّوق والأدب لا يكثر المتربّي من التردّد على مربّيه، أو أنّه لا يشعر بما في قلب مربّيه وأستاذه من الوجد والشّوق، فيكون بابتعاده أشدّ الألم وأوجعه والذي يظهر على الوجه والجوارح حمرةً وجزعاً، والشّاعر يقول:

جميل الصّبر مسجونٌ

ودمع العين مسفوح.

(19) احتكار المتربّي والتشبّث به ؛ أي محاولة الاستئثار به لنفسه؛ حتى يبقى قرير العين طَرِبَ الفؤاد أَنِسَ الوجد بمتربّيه؛ وذلك على نحوٍ من التّالي :

الأوّل: محاولة تأخيره في الانتقال من مرحلةٍ تربويّةٍ إلى أخرى.
الثّاني: التّضييق وعدم السّماح بالعمل في المواقع التي لا تكون تحت إشرافه أو أنّ له عضويةً فيها.
الثّالث: محاولة إعاقة نقل المتربّي إلى مربٍّ آخر بحججٍ أوهى من بيت العنكبوت.

(20) تعلّق المربّي بأهل المتربّي وحبّهم، وحبّ قرابته وخاصّته وكثرة السّؤال عنهم وزيارتهم والاتّصال بهم ، حتّى يكونوا أحظى لديه من نفسه وأهله وإخوانه، والمبالغة في خدمتهم وقضاء حوائجهم؛ فلأجل عينٍ ألف عينٍ تكرم، حتّى يبلغ ذلك بأهل المتربّي إذا احتاجوا إلى المحقّرات من الحاجات والخدمات أن يسألوا مربّي ابنهم قضاءها.

ويصبح المربّي يهتمّ بما لا يهمّ من أحوال وأخبار المتربّين وذويهم عادةً، وتدقيقه على معرفة كلّ جديدٍ بشأن الأهل، والعُتبى الشّديدة إذا لم يُعْلَمْ بمستجدات متربّيه وأهله وإقحام نفسه بذلك. وهذا الحال قد يجرّ المربّي إلى أمورٍ أخرى أخطر، لا يحسب لها حساباً ولا يلقي لها بالاً؛ إذ هو يلقي بنفسه في مرامي الشيطان الذي وعد باستزلال الإنسان وإضلاله.

ويصدق فيه قول المتنبّي في قصيدته التي مدح فيها كافوراً سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمئة حين قال :

فؤاد كلّ محبّ في بيوتهم

ومال كلّ أخيذ المال محروب.(36)

وهنا أودّ الإشارة إلى قصةٍ طويلةٍ إلاّ أنّي أراها أصلٌ في هذا المقام؛ إذ توضّح جليّاً كيف أنّ الاهتمام البرئ بالمتربّي وأهله حين لا يوزن جيّداً يمكن أن يورد صاحبه المزالق. وأحداث هذه القصّة حدثت في بدايات أربعينات القرن الماضي، وتعدّ في سياق الفتنة الدّاخليّة الثّانية في دعوة الإخوان المسلمين حينما زوّج الإمام حسن البنّا – رحمه الله تعالى - شقيقته الكبرى لعبد الحكيم عابدين.

وأنقل القصّة من كتاب الأستاذ محمود عبد الحليم الإخوان المسلمون أحداثٌ صنعت التّاريخ؛ إذ كتب جزاه الله خيراً : (( وسأعرض الآن لواحدةٍ من هذه المحاولات، كان مبعثها مبعثاً شخصيّاً، وقد بدأت هذه المحاولة منذ كانت الدعوة في ميدان العتبة وبدأ الطّلبة يُقبلون علينا وكنّا نُحسن استقبالهم ونوليهم كلّ ما نستطيع من اهتمامٍ وعنايةٍ، وكان من هؤلاء الطلبة طالبٌ في كليّة الآداب اسمه (ع.س.أ.)...، استقبلناه كغيره من الطّلبة، ولكنّي رأيته مقبلاً بشكلٍ ملحوظٍ على عبد الحكيم عابدين ممّا جعلني أرتاب فيه، ولكنّ هذا الشعور لم يجعلني أُقصّر في حقّه، فكنت أعامله كما أُعامل زملاءه.

غير أنّي رأيت عبد الحكيم يوليه من العناية أضعاف ما يولي زملاءه –وعبد الحكيم كما قدّمت كله عاطفة-(37)، فما كاد يشعر بإقبال هذا الطّالب عليه حتى غمره بسيلٍ من عواطفه، فكان كلّما قابله قابله بالعناق، وكنت أفتقد عبد الحكيم فإذا لقيته سأتله أين كنتَ بالأمس، فيقول لي كنت عند الأخ (ع) في بيتهم. وقد أوسع عبد الحكيم له في مجلة النّذير فكان يكتب المقالات تمجيداً في الإخوان المسلمين وإشادةً بهم.

لم يكتفِ عبد الحكيم بأسلوبه العاطفيّ الذي يتعامل به مع هذا الأخ، بل جاء يُعاتبني في عدم إقبالي عليه بنفس أسلوبه وأخَذ يذكر لي مزايا هذا الأخ الأدبيّة وحماسه المُتأجج للدّعوة وأسلوبه في الكتابة، وأخذت أُذكّره بما سبق أن قلته له من قبل منذ كنّا في دار شارع الناصرية، وبما حذّرته منه من شعور البداوة الذي نشأ عليه، والمبنيّ على حسن الظنّ المُطلق بكل النّاس وفي كلّ الظروف، ومن مظهر هذا الشّعور من البدوي التّغالي في الحبّ والعناق في كلّ لقاء، وإباحة بيتك لكلّ من أحببته يدخله في غيابك وحضورك، ودخولك بيوتهم كأنّها بيتك، ومعاملتك أهليهم كأنّهم أهلك، وقلت له: كلّ ذلك لا أرضاه، وقد أرضاه إذا ضمنتَ لي أنّك تعيش في بيئةٍ أو مجتمعٍ من الملائكة المنزّهين عن الأهواء، المطهّرين من كلّ سوء الظنّ أو سوء النيّة...، أمّا المجتمع الدنيوي الذي نعيش فيه فهو يضمّ الطّيّب والخبيث، وقد ينقلب الطّيّب خبيثاً، وقد ينقلب الخبيث طيّباً، فلا ينبغي أن ننطلق في عواطفنا انطلاقاً لا حدود له مهما سمت هذه العواطف، وذكّرته بوصيّة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - في ذلك: } أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما { (38).

واشتدّ الحوار بيني وبين عبد الحكيم ورماني في نهايته بأنّ معاملتي (الرّسميّة) للإخوان لا سيما الجدد منهم -من أمثال هذا الأخ- تنفّرهم من الدّعوة، فقلت له: إنّني لا أعامل أحداً معاملةً رسميّةً كما تدّعي بل إنّني أُعطي كلّ إنسانٍ حقّه من حسن اللقاء، وكلّ ما أحاوله هو أن أقتصد في عواطفي، فالمصافحة عند اللقاء تكفي، والعناق عند الرّجوع من السّفر أو بعد الغياب الطّويل لا بأس به، والزّيارة في البيوت بدعوةٍ ملحّةٍ من صاحب البيت، كما يقولون:} زُرْ غِبّاً، تَزْدَدْ حُبّاً {(39)، وكرّرت تحذيري متمسّكاً بطريقتي في المعاملة .

وغادر عبد الحكيم الغرفة التي كنا نتلاوم فيها في المركز العام، وهو مصرٌّ على أنّه يسلك الطّريق الإسلاميّ الأقوم...، وشابٌّ ذو نفسٍ شاعرة نشأ في بيئة بدويّة، ثم تلقّفته الصّوفيّة بأشدّ طرقها تصفيةً للنّفس، ثم اتّصل بدعوة الإخوان المسلمين التي تضع مرتبة الأخوّة في الدّعوة فوق مرتبة الأخوّة في الدّم، شابٌ كهذا قلّما يعدل عن خطته في الاندفاع بعواطف الأخوّة والحبّ التي تتأجّج بين جوانحه إلاّ بكارثة.

وانتقلت الدّعوة إلى الحلمية الجديدة، واستمرّ عبد الحكيم في اندفاعه الذي كان يجد له تجاوباً من الطّرف الآخر، ولا أدري لِمَ كان هذا التّجاوب الذي لا أجد له مبرراته متوفّرةً في هذا الطّرف، بل كنت أرى فيه معنى التصنّع وأشمّ منه رائحة الاستدراج، وظللت كعادتي أسأل عن عبد الحكيم في بيته فلا أجده المرّة تلو المرّة، ثم أقابله فيخبرني بأنه كان في بيت هذا الأخ.

ومرّت الأيام وأُعلنت خطوبة عبد الحكيم لشقيقة الأستاذ المرشد، فكان هذا الإعلان بمثابة إعلان حربٍ لا هوادة فيها على عبد الحكيم أو قُلْ في الحقيقة على الدّعوة نفسها، ولكن اتُخذ عبد الحكيم قميصَ عثمان، وانقلب هذا الأخ الذي أشرت إليه انقلاباً فجائياً على عبد الحكيم وخاصمه بغير مقدماتٍ، واتّهمه بأنّه اتّخذ صداقته له وأخوّته معه وسيلة إلى مداعبة شقيقته... .

وبغير مقدّمات أيضاً، هذا الأخ يُعلن مقاطعته للمركز العام وتبرّؤه من الدّعوة ما لم يُبتر منها عبد الحكيم... ، جاءني عبد الحكيم وهو يكاد يموت غمّاً وقال لي: لقد فهمت الآن أنّك كنت على حقٍّ، وأنّك كنت أبعد منّي نظراً، وإنّني لم أكن إلاّ أبله لا أدري ما يُراد بي ولا ما يُدبّر لي، لقد خالفتك وأخلصت لهذا الأخ وجعلت له من نفسي وقلبي ما لم أجعله لأشقّائي، فكان يدعوني إلى منزلهم وعرّفني بوالده ووالدته وإخوته وأخواته، كما دعوته إلى بيتي كما تعلم، وتوالت دعواتهم لي حتى إنّ والديه يدعوانني دونه، وكنت أعتبر والديه والديَّ وإخوته وأخواته إخوتي وأخواتي... ومرضت شقيقته الكبرى مرضاً خطيراً، ولمّا كانوا يعرفون عن صلتي بالأطباء –كان لعبد الحكيم صداقة وطيدة مع أشهر أطباء القاهرة وكان محبّباً إلى نفوسهم إلى الحدّ الذي كانوا يستجيبون له إذا طلبهم بليلٍ أو نهارٍ حيث كان، وإنّما كان يطلبهم لعلاج من يلجأ إليه من الإخوان-، استغاثوا بي وطلبوا إليّ أن أستدعي لهم طبيباً كبيراً معيّناً ففعلت.

واستمرّ العلاج ولكن المرض قد استفحل حتى صارت الفتاة هيكلاً عظميّاً بلا لحمٍ ولا دمٍ، وعلا وجهها شحوب الموت حتى أنّ أمّها وأخواتها عافوها وابتعدوا عنها، وشعرت الفتاة بذلك فصارت تبكي وتنعي نفسها، وهنا اضطررت أن أجلس بجانبها، مع أنّني كنت أحاول أن أرفع من روحها، وأعيد إليها ثقتها في الحياة، ولقد كان والداها وإخوتها وأخواتها –ومنهم هذا الأخ- يشكرونني على هذه الخدمات الإنسانيّة التي عجزوا هم عن أدائها.

قال عبد الحكيم: وبتفاني أصدقائي الأطباء في علاجها، وبما اتّبعته من أساليب لرفع معنويّاتها تحسّنت حالتها، ودبّت فيها الحياة من جديد. وحتى آخر يومٍ كنت موضع إجلالهم جميعاً، ولا حديث لهم إلاّ حول اعترافهم بجميلي عليهم، وبإنسانيتي التي فاقت ما عرفوه من إنسانيّة.

قال: وفي اليوم التّالي ذهبت كالمعتاد لزيارتهم فرأيت وجوماً على وجوههم حتى خُيِّلَ إليّ أنّ الفتاة ماتت، ولكنّني رأيتها بخير، وحاولت أن أعرف سبب الوجوم فلم أستطع، فخرجت وأنا في حيرةٍ من هذا التبدّل المفاجئ، واستعرضت كلّ تصرفاتي معهم لعلي أذكر شيئاً بدر مني فأغضبهم فلم أجد إلاّ تقديراً منهم لكلّ كلمةٍ قلتها أو تصرّفٍ أتيته، فعزمت أن أسأل نجلهم الأخ (ع) حين ألقاه ليلاً بالمركز العام كالمعتاد فلم أجده حضر، ولكنّني سمعت قالةَ سوءٍ توجّه إليّ منسوبة إليه، ولا يرددّ هذه القالة شخص واحدٌ بل تردّدها مجموعة معيّنة بطريقةٍ تشعر بأنّها مبيّتةٌ ومدبّرةٌ... .

ولم أُصدّق أنّه هو قائلها في أول الأمر لكنّني تبيّنت أنّه هو مصدرها وأنه هو الذي باء بإثمها، وإنّني لم أكن حتى تلك اللحظة إلاّ سادراً في حسن ظنّي متجللاً برداء غفلتي ولم أتنبّه من غفلتي إلاّ الآن، فإنّ اليوم الذي مساؤه قلبوا لي ظهر المجنّ هو نفس اليوم الذي أُعلن في صباحه نبأ خطوبتي لشقيقة الأستاذ المرشد، وما كنت منتظراً منهم إلاّ أن يقابلوني بالبِشر والتّهاني والتّبريك... .

وعبد الحكيم المشبوب العاطفة، المتصوّف، البدويّ؛ لم تكن هذه الصّدمة قذفت به على الطّرف الآخر البعيد؛ فإذا به يقرّر أن يعتزل النّاس لأنّه فقَد الثّقة فيهم؛ فانقطع عن المركز العام وعن غشيان أيّ مكانٍ آخر ما سوى بيته وعمله، وهجر أصدقاءه وأحبّاءه ومعارفه حتّى أهله، وعكف على الصّيام المتّصل والقيام بالليل تكفيراً عن زلّته بإفراطه في حسن ظنّه بالنّاس.

ولمّا طال انقطاعه ومضى أكثر من شهرٍ زرته في بيته أو بمعنى أدقّ في معتكفه، وعاتبته على هذا الأسلوب، فقال لي: ما كنت أعتقد إلاّ أنّك آخر من يعاتبني في ذلك؛ فالذي أفعله الآن ما هو إلاّ تكفيرٌ لمخالفتي نصيحتك. قلت: ولكنّ التّكفير لا يكون بالانتقال من النّقيض إلى النّقيض، وانقطاعك عن المجتمع لا يقلّ ضرراً عن انهماكك فيه مندفعاً بلا حدود، ولكنّ المطلوب هو التزام الوسط في كلّ الأمور… وما زلت به حتى أنهى اعتكافه وصومه ورجع إلى المجتمع ولكن بعد بضعة أشهرٍ قطع خلالها شوطاً بعيداً في حفظ القرآن أو لعلّه أتمّ حفظه.))(40).

ومع أنّ عبد الحكيم عابدين منارةٌ من منارات الدّعوة الإسلاميّة المعاصرة إلاّ أنّ الأسلوب أخطأه، والعاطفة أودت به في تلك الحادثة. ولنتنبّه إلى أنّ التّعلّق بالمتربّي قد يُطمع أهله بالمربّي خصوصاً إن كان مميّزا؛ً كطمعهم بتزويجه بنتاً من بناتهم، أو مشاركته في عملٍ أو غير ذلك. وقد يبني أهل المتربّي على ذلك آمالاً وأحلاماً عراضاً والمربّي لا يشعر بذلك أو يعبأ به؛ فإن عُرِضَ عليه ورفض؛ تكن القطيعة والبغض، وهذا ما أثبتته القصّة السّابقة.

(21) أن يجود ببذل كلّ ما كان يقدر عليه ممّا كان ممتنعاً به قبل تعلّقه ؛ كأنّه هو الموهوب له والمسعيّ في حظّه. ومن هذا البذل تقديم الجهد العظيم لإنجاز حاجات المتربّي والإكثار من الهديّة ودعوات الطّعام والشّراب والحلوى على حالٍ لم يكن من قبل، والتّكلّف بالعطاء ولو فيه مشقّة ظاهرة كدعوته إلى مطعمٍ أسعاره مرتفعةٌ أو إهدائه هدايا غالية، ومنحه هباتٍ نفيسةٍ مع فقر المربّي أو إعدامه، وكإباحة البيت للمتربّي يدخله متى شاء في حضوره وغيبته، والإذن له بالزّيارة في أيّ وقتٍ أراد، وإباحته مكتبته الخاصّة يستعير منها ما اشتهى من كتبٍ وأبحاثٍ وأشرطة وغيرها وبكمّيات كبيرةٍ.

وإذا تمكّن التعلّق من قلب المربّي يصبح البذل سؤالاً وتضرعاً كأنّه يأخذه من المتربّي، حتى إنه يبذل ماله وحظّه ونفسه دون متربّيه. ويصوّر هذا الحال الشّاعر بقوله:

ولي فــؤادٌ إذا لـجّ الـغـرام بــه

هام اشـتياقـاً إلى لـقيا معذّبه

يفديك بالنفس صبّ لو يكون به

أعزّ من نفسه شيءٌ فداك به.

وفي هذا المعنى يُقال:(( إنّ يد الأنس طويلة بكلّ ما بلغت، منبسطةً بكلّ ما أدركت، من حيث يد الحشمة قصيرة عن كلّ ما حمت، مقبوضة دون ما أمّلت؛ لأنّ باب القول مطلق لذوي الخصوص، محظور عند ذوي الهموم، ولتمكِّن ما بيننا عاطيتك من لطفي ما لا دونه قلّة، ثقة منك بأنّه يردّ على ما لا فوقه كثرة.))(41). وللأمام أبي حامدٍ الغزاليّ –رحمه الله تعالى- في إحيائه إشارةٌ فريدةٌ في البذل والعطاء للمحبوب إذ يقول: (( وقد يكون الحبّ بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعضٍ، كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثِلثه أو في عِشره، فمقادير الأموال موازين المحبّة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلاّ بمحبوبٍ يترك في مقابلته، فمن استغرق الحبّ جميع قلبه لم يبقَ له محبوبٌ سواه فلا يمسك لنفسه شيئاً ))(42).

(22) تغيّر أحوال المربّي، وبالأخصّ ما كانت من طبائعه تغيّراً ملفتاً؛ كأن يكون بخيلاً فيكرم، وقطوباً فيطلق، وغليظ الطّبع فيضحى ليّن الجانب، إلى غير ذلك من تحوّلات، ويبلغ التحوّل ذروته في حضرة المتربّي أو في حدود ما يمكن أن يعلم المتربّي عن حال مربّيه.

ويشير الشّاعر إلى شدّة تأثير الهوى عليه واصفاً أنّه غيّر فيه مالم تغييره الأيّام أو السّيف أو القلم؛ فيقول:

ألآن مني الهوى ما لا يليّنه

صرف الليالي وبأس السّيف والقلم.

ويشتدّ التّأثير ويبلغ منتهاه حتى إنّ الأمور المختلفة من الجمادات والأحياء تتساوى مع المتربّي؛ فيمكنه أن يحبّ دياراً لم يكن يحبّها من قبل، وعلى استعداد أن يعتبر كلّ النّاس إخوانه ما دام في رفقة حبيبه ومتربّيه، وقد قيل:

كلّ الديار إذا فكرت واحدة

مع الحبيب وكلّ الناس إخوان.

ويقرّر مصطفى الرّافعي في وحي القلم قوّة الحبّ ويده الطّولى على نفس المحبّ ونظرته إلى الأمور، وقابليّته للتغيير بالتّالي؛ فيقول: (( إنّ في هذا القلب الإنساني شرارة كهربائيّة متى انقدحت زادت في العين ألحاظاً كشّافة، وزادت في الحواسّ أضواءً مدركة؛ فينفذ العاشق بنظره وحواسّه جميعاً إلى حقائق الأشياء، فتكون له على النّاس زيادة في الرّؤية وزيادة في الإدراك يعمل بها عملاً فيما يراه وما يدركه، وبهذه الزّيادة الجديدة على النّفس تكون للدّنيا حالة جديدة في هذه النّفس،ويأتي السّرور جديداً، ويأتي الحزن جديداً أيضاً. ))(43).

(23) تصديقه وإن كذَب؛ وهذه من العلامات البارزة والأمارات البيّنة، وبالأخصّ حينما يسمع دعواه مع غيره من المتربين في خصومةٍ أو شهادةٍ أو …غيره، فيحكم القلب ويسدر العقل في غيّه؛ ومردّ ذلك أنّ المتعلّق لا يرى عيوب من يتعلّق به. و لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبياتٌ تفضح حكم الودّ والحبّ؛ فيقول:

ولـست براء عـيب ذي الودّ كله

ولا بـعض مـا فيه إذا كنـت راضيا

وعين الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ

ولكنّ عين السخط تُبدي المساويا

إذا كـــان الـمــحبّ قلــيــل حـــظٍّ

فــمـا حــسـنـاتـه إلاّ عــيـوبــــــــا.

وشبيه منه قول القائل:

وعين البغض تبرز كلّ عيبٍ

وعين الحبّ لا تجد العيوبا.

ومما قاله المتنبّي موضحاً أنّ الهوى يتفرّد بالأحكام عند المحبّيين، حتّى إنّ المحبّ يستحسن كذب محبوبه:

تفرّد بالأحكام في أهله الهوى

فأنت جميل الخُلْف مستحسن الكذب.(44)

(24) موافقته والدّفاع عنه إن ظَلَمَ أو أخطأ؛ وهذه من أخطر العلامات وأوضحها، والظّلم فاضحٌ لأهله، و الله عزّ وجلّ حرّمه على نفسه وعلى جميع مخلوقاته عامةً عاقلها وبهيمها. فنجد المربّي يحكم جوراً إن كان ذلك بقضاءٍ أو رأي مُغَيّباً العدالة والإنصاف، ناظراً بعين الرّضا والحبّ لا غير، ويبرّر لمتربّيه الأخطاء الجليّة ويتغاضى عنها حتى ما ظهر منها عياناً، فهو لا يرى ولا يسمع إلاّ من قلبه، وحتى لو كان الظّلم والخطأ في حقّ المربّي ذاته؛ فالعذر مبسوط والذّنب مغفور. وممّا يؤثر عن العرب قولها: إنّ الهوى شريك العمى(45).

ويؤكد هذه العلامة قول بشّار بن برد:

وما تُبصر العينان في موضع الهوى

ولا تسمع الأذنان إلاّ من القلب.

وحال المربّي هنا يصوّرها الشّاعر بقوله:

أأتركـه والـقلب من فـرط حبّه

أسيرٌ بما تطوي عليه الأضالع

أأسمع فيه العذل والوجد حاكمٌ

فما يغنيني بالعذل ما أنا سامع

(25) الشّهادة له وإن جار؛ وهذه الشّهادة هي وليدة الظّلم وتغييب العقل وهيمنة العواطف؛ فترى المربّي يحابي متربّيه بالشّهادة حتى لو كان محقوقاً ظالماً، وهذه علامة تكشف المتعلّق وتسفر عن مكنونات النّفس والوجد.

(26) تمييزه تمييزاً واضحاً بتقليده الأعمال والمناصب التي ليس أهلاً لها و مع وجود الأكفياء؛ أو كتعينه أميراً على مجموعة أو نائباً عنه عند غيبته مع وجود الأكفاء مثله، و الإسراع في نقله من مرحلةٍ إلى التي بعدها، أو إعلامه بما لا يجب أن يعلمه من معلومات خاصّة، والإسرار له برأيه عن بعض المتربّين، وأخذ رأيه دون غيره، أو ككتابة الرّسائل والعبارات الخاصّة له، واستحسانه فعلاً يقبح من غيره، وصدق القائل:

ويقبح من سواك الفعل عندي

وتفعله فيحسن منك ذاكا(46)

وصور التّمييز متنوعة ولعلّ جميع علامات التّعلّق السّابقة هي صور من صور التمييز. ولله درّ الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى -فمع صدق مودّته لتلميذه محمد بن عبدالحكم إلا أنّه آثر العدل على الهوى؛ فقد كان الإمام الشّافعي –رحمه الله تعالى- آخى محمّد بن عبد الحكم وكان يقرّبه ويُقبل عليه، ويقول: ما يُقيمني بمصر غيره. فاعتلّ محمّد فعاده الإمام الشّافعي -رحمه الله تعالى-، فقال:

مـرض الحبـيـب فعـدته

فمرضت من حذري عليه

وأتـى الـحبيب يـعـودني

فـبـرئـت من نـظري إليـه.

وظنّ النّاس لصدق مودتهما أنه يفوّض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشّافعي في علّته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمّد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال الشّافعي: سبحان الله أَيُشكُّ في هذا، أبو يعقوب البويطي؟! فانكسر لها محمّد ومال أصحابه إلى البويطي مع أنّ محمّداً كان قد حمل عنه مذهبه كلّه، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع. فنصح الشّافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ولم يؤثر رِضى الخلق على رضا الله تعالى (47).

وصدق الشّاعر حين قال:

صَرْفُ الهوى عن ذي الهوى عزيز

إنّ الهوى ليس له تمييزُ.(48)

وفيه دلالة على أنّ وفرة الحبّ في القلب تبدّلها ليس بالأمر الهيّن.

والعلامات الأربع السّابقة من أوضح العلامات وأكثرها دلالة على وجود التّعلّق، وهي سلوكٌ سلبيٌّ جليٌّ خطير، ونتيجة حتميّة لطاعة الهوى والانقياد لحكمه، وللفقيه الوزير العبّاسي ابن هبيرة الدوريّ نصيحة جليلة يؤكّد فيها خطر الشّهوات عموماً؛ فيقول: (( احذروا مصارع العقول عند التهاب الشّهوات ))(49). وسُئِل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليسٌ ممتعٌ، وأليفٌ مؤنسٌ، أحكامه جائزة(50)، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنّفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.

وسُئلت أعرابيّة عن الهوى، فقالت: لا مُتِّع الهوى بملكه، ولا مُلِّي بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائرٌ لا يُنصف في حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصد في ظلم، ولا يرعوي للوم، ولا ينقاد لحقّ، ولا يُبقي على عقلٍ ولا فهمٍ، لو ملك الهوى وأُطيع لردّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها (51).

ويقول أبو الفتح البستيّ منبّهاً إلى نتيجة تحكّم الهوى بالإنسان:

من مدّ طرفاً لفرط الجهل نحو هوى

أغضى عن الحقّ يوماً وهو خزيان.

وقد قال أحد الشّعراء عن شدّة بأس الحبّ:

ذو العشق يعميه الهوى ويُصمّه

فيصير فيه العبد وهو السيّد.

وقال سعيد بن حميد في حكم الحبّ:

ولم أرَ مثل الحبّ أسقم ذا الهوى

ولا مثل حكم الحبّ كيف يجور.(52)

ومن أروع ما يحتجّ به لذنب الحبيب قول القائل:

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ

جاءت محاسنه بألف شفيعِ.

وأبدع الإمام ابن القيّم – رحمه الله تعالى - حين قال: (( إنّ القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسناً منه ومن معشوقه، كما في (المسند) مرفوعاً: }حبّك الشيء يعمي ويُصمّ { (53)، فهو يُعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، والرّغبات تستر العيوب، فالرّاغب في الشّيء لا يرى عيوبه، حتّى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه، فشدّة الرّغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشّيء على ما هو به، كما قيل:

هويتك إذ عيني عليها غشاوة

فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها.

والدّاخل في الشّيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلاّ من دخل فيه ثمّ خرج منه، ولهذا كان الصّحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيراً من الذين وُلدوا في الإسلام. قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: (( إنّما تنتقض عُرى الإسلام عروة عروة، إذا وُلد في الإسلام من لم يعرف الجاهليّة)).(54)

ومن لطيف ما قيل أيضاً في تأثير الحبّ، قول الشّاعر:

أبــى حـبّــكـم إلاّ مـلازمـة الـقـلــــب

فـأهـلاً بـه يـا حـبّـذا هـو مـن حــبّ

رمـيـت لـكـم نفـسـي فـهـذا زمـامها

خـذوه إليكم واحملـوهـا مع الركب

مـحاسـنكـم غطّت على بصري فـمـا

أمـيـل بـنـفـسي نحو لوم ولا عتب

إذا لـم يــكـن ذنبي سـوى أنّـني لـكم

محبّ ومشتاق فلا تبت من ذنبي.(55)

ويروى أنّه كتب رجلٌ إلى صديقٍ له: الله يعلم أنّي أحبّك لنفسك فوق محبّتي إياك لنفسي، ولو أنّي خيّرت بين أمرين: أحدهما لي وعليك والآخر لك وعليّ، لآثرت المروءة وحسن الأحدوثة بإيثار حظّك على حظّي، وإنّي أحبّ وأبغض لك، وأوالي وأعادي فيك (56).

وإذا استحكم سلطان التعلّق وتمكّن؛ فقد نجد من العلامات:

(27) غلبة الشّرود الذّهني (السّرحان) وحديث النّفس (أحلام اليقظة )؛ إذ يكون للمربّي عالمه الفكريّ والنّفسيّ الخاصّ الذي يختلي فيه باستمرار، فغالباً ما يُرى مطرقاً منهمك التّفكير شارد الذّهن، ويقضي في ذلك الوقت الطّويل، ومن يتأمله يظنّ أنّ هموماً طباقاً نزلت قلبه حتى لا يستطيع لها فكاكاً.

كما أنّه يطيل التّأمّل بالمتربّي وأحواله وصفاته أو لقاءاتهما السّابقة وما جرى فيها من أحاديث وتقييمه لها، والتّحضير للقاءات القادمة؛ فيتخيّل وكأنّه يجلس اللحظة مع متربّيه ويحدّثه ويناجيه ويسامره ويتصوّر المتربّي وابتسامته وأدبه، أو استحظاره لذكرياتهما بما فيها من عذبٍ وأجاجٍ.

إنّها خلوة عزيزة على نفس المربّي، فكلّما حيل بينه وبين الظّفر بمتربّيه وجد في حديثه مع نفسه والإبحار مع الأحلام والذّكريات نعم الملجأ والعوض. والبعض لا ينام الليل وهو يحدّث نفسه وحديثٌ يفضي لآخر.

(28) البكاء ؛ والبكاء من علامات التّعلّق بالآخر، والنّاس يتفاضلون به؛ فمنهم غزير الدّمع ومنهم عزيزه. وهو تعبيرٌ لا يسلكه الجميع، ومع أنّه رسالة بادية الضّعف إلا أنّه أمارة حبٍّ لا مراء فيها. ويكون البكاء غالباً حين يختلي المربّي بنفسه وذكرياته؛ فيتذكّر متربّيه وصفاته السّنيّة وكلامه وحركاته والأنس به وعذب حديثه؛ فتجود العينان بالعبرات، وإن بلغ التّعلّق مبلغه فيمكن أن يكون البكاء في حضرة الغير، وكما قيل: إذا قرح الجنان بكت العينان(57)، وفي ذلك يُقال:

دليل الأسى نارٌ على القلب تلفح

ودمعٌ على الخدّين يحمي ويسفح

إذا كـتـم المشـغـوف سـرّ ضـلـوعـه

فإنّ دموع العين تُبدي وتفضح

إذا ما جنون العين سالت شؤونها

فـفـي القـلـب داءٌ للغـرام مبرّح.

ويقول الإمام ابن القيّم الجوزيّة مقرراً أنّ الحبّ يُبكّي العين ((إنّ من أحبّ شيئاً غير الله عُذِّبَ به، كما قيل:

فما في الأرض أشقى من محبّ

وإن وُجد الهوى حلوَ المذاق

تـراه بـاكـيــاً فـي كــلّ حـــيــــنٍ

مخــافـة فـرقـة أو لاشـتـيـاق

فـيـبـكي إن نـأوا شـوقــاً إليهم

ويبكي إن دنوا حذر الفراق

فـتـسخن عـيـنـه عـنـد الــفـراق

وتسـخن عينــه عند التّلاقي.

والعشق وإن استعذبه صاحبه، فهو من أعظم عذاب القلب. حتّى أنّه يبدّل الحال ويبكي العين خوفاً وشوقاً))(58).

ووافقه الشّاعر حين قال:

شـوقٌ أضـرّ بمهـجـة الأشـواق

فجرت سوابق عبرة الأشواق

لـعبت يد العــبرات في وجـناته

وكـذا به لعبـت يد الأشـواق.(59)

ومن جميل ما يُقال في أنّ البكاء يفضح ما في القلب ويظهره:

ظهر الهوى مني، وكنت أُسرّه

والـحبّ يكتمـه المـحبّ فيظهر

زعمت دموعي أنّها لا تنقضي

حتى تبوح بما أُسـرّ وأُضـمــر.(60)

(29) الانشغال والإعراض عن بقيّة المترّبين والضّيق بهم؛ فإنّك تلمس أنّ اهتمامه منصبٌّ على متربّيه منشغل به معرض عن غيره، فهو جمامة البال وراحة النّفس وسلو اليوم، فإن حضر ما فقد من غاب عنه، وصوّر الطّائيّ هذه العلامة فقال:

إذا جئـت لـم أحـزن لبعـد مفـارق

وإن غبت لم أفرح بقرب مقيم

فيا ليتني أفديك من غربة النّوى

بكــلّ أخ لــي واصــل وحـمـيـم.

وأصل هذا – والله أعلم - من قول مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: (( ما أشتاق للغائب إذا حضرت، ولا أنتفع بالحاضر إذا غبت. ))(61).

ويشعر بقيّة المتربّين بأنّ شيخهم يميّز ذلك المتربّي عنهم، و أنّه بوجود الحبيب لا يحفل بهم ولا يأنس بوجودهم ويعاملهم بلا روحٍ؛ فيغدو التّناجي فيما بينهم ديدنهم ، والشّكوى لغيرهم من متربّين ومربّيين سلاحهم، ولسان حالهم هو قول الشّاعر:

فيالك بحراً لم أجد فيه مشرباً

على أنّ غيري واجدٌ فيه مسبحاً(62)

(30) استدعاء سماع اسم المتربّي، واستلذاذ الكلام في أخباره وعن ذكرياتهما؛ فمن أحبّ شيئاً أطال ذكره، كما يذكر المؤمن ربّه سبحانه وتعالى في كلّ حالٍ، وصدق القائل:

خيالك في عيني وذكرك في فمي

ومثواك في قلبي فأين تغيب.

وترى المربّي مستلذّاً مستمتعاًً بالحديث عن المتربّي وصفاته وإيجابيّاته، بل هو يطلب الحديث عن المحبوب طلباً؛ إذ الحديث عنه هدفٌ يرتجى للمربّي، ويقول عمر بن الفارض:

أدِرْ ذكــر مـن أهــوى ولــو بملام

فـإنّ أحـاديـث الحبـيـب مرامي.

ومن أشهى الحديث وأعذبه عند المربّي الكلام عن ذكرياته مع المتربّي؛ ففي ذلك تجديدٌ للهوى، وأشار إلى ذلك أبو الطّيّب المتنبّي حين مدح الحسين بن علي الهمداني؛ فقال:

أُسرُّ بتجديد الهوى ذكر ما مضى

وإن كان لا يبقى له الحجر الصّلد.(63)

(31) ومنها علاماتٌ متضادةٌ، وهي تحتاج للخبير والمتفحصّ؛ إذ لا تبدو للوهلة الأولى أنّها علامة حبٍّ وتعلّق، بل نفورٍ وصدودٍ، وهي على قدر الدّواعي والعوارض الباعثة، والأسباب المحرّكة، والخواطر المهيّجة، والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادّها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها، تشابهت، قدرةٌ من الله تضلّ فيها الأوهام؛ فهذا الثّلج إذا أُمن حبسه في اليد فَعَلَ فِعْلَ النّار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغمّ إذا أفرط قتل، والضّحك إذا كثُر واشتدّ سال الدّمع من العينين، وهذا في العالم كثير.

فنجد المحبّين إذا تكافيا في المحبّة وتأكّدت بينهما تأكّداً شديداً، أكثر بهما جدّهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمّداً، وخروج بعضهما على بعضٍ في كلّ يسيرٍ من الأمور، وتتّبع كلّ منهما لفظةً تقع من صاحبه، وتأولها على غير معناها، كلّ هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كلّ واحدٍ منهما لصاحبه.

والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادّة المتولّدة عن الشّحناء و التّشاجر سرعة الرّضا؛ فإنّك بينما ترى المحبيّن قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا يُقدّر أبداً، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصّحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مراراً.

وإذا رأيت هذا من اثنين، فلا يخالجك شكٌّ ولا يدخلنَّك ريبٌ البتّة، ولا تتمار في أنّ بينهما سرّاً من الحبّ دفيناً، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف. ودونكها تجربة صحيحة وجيزة صادقة، هذا لا يكون إلاّ عن تكلّفٍ في المودّة وائتلافٍ صحيحٍ، وقد رأيته كثيراً (64).

ويؤيّده قول علي بن عبيدة الرّيحاني: العتاب حدائق المتحابّين، وثمار الأودّاء، ودليل الظنّ، وحركات الشّوق، وراحة الواجد، ولسان المشفق. وقال بعض الكتّاب: العتاب علامة الوفاء، وخاصة الجفاء، وسلاح الأكفاء (65).

(32) ومن أشدّ العلامات: الجهر بحّبه والمرض لمرضه والفرح لفرحه وحبّ من يحبّ وبغض من يبغض؛ بحيث يوافقه موافقةً، ولو بلغ ذلك التطبّع بخلاف الطّباع. وقلّة النّوم، والتوجّع وعدم الاهتمام بالعذول والنّاصحين. وفي وصف حال من استحكم سلطان التعلّق في نفوسهم يقول الشّاعر:

فـمـنــهــم كــاتــم مـحـبـتــــــه

قـد كفّ شـكـوى لسـانـه وقـطع

ومــنـهــم بــائـحٌ يـقـــــول إذا

لام عـــــذول ذرِ الــــمـلام ودع

أليــس قـلـبي مـحـلّ مـحـنـتـه

وكـيف يخفـى ما فيه وهـو قـطع

أيـن المحـبّـون والمحـــب لهم

وأيـن مـن شـتـّت الهـوى وجمع

لـهـم عيـون تبـكي فوا عــجباً

لـجـفــن صــبّ إذا هـمــا ودمـع

قـد حــرّمـوا النوم والـمتيّم لا

هجـوعــاً إذا الــخــلـــيّ هــجــع

بـالـبـاب يبــكـون والبــكاء إذا

كـــان خــلـيــاً مـن النّفـاق نفـع

تشـفـع فـيهـم دمـوعـهـم وإذا

شــفـع دمـع المتـيـمــيـن شفع.(66)

ومن هذه العلامات – أيضاً- اضطرابٌ يبدو على المربّي عند رؤية من يشبه متربّيه، أو عند سماع اسمه فجأةً. والانبساط الكثير الزّائد، والتّضايق الزّائد لغير سبب جديرٍ بذلك. والميل بالاتّكاء، وتعمّد لمس اليد عند المحادثة أو لمس ما أمكن من الأعضاء الظّاهرة، أو إظهار أنّ اللمس غير مقصود إنّما هي زلقة يدٍ على غير انتباهٍ، ومنها الضمّ والتّقبيل، أو القرب الزّائد؛ فترى المربّي يتعمّد الدّنو من المتربّي بجسمه أو وجهه حتّى إنّه ليسمع لسع أنفاسه؛ وطلباً لذلك يمكن أن يطلب المربّي من متربّيه إعانةً في رفع منضدةٍ أو تسوية كرسيٍّ؛ فيدنو بذلك منه حتى يكاد يلمسه. وشمّ رائحة جسمه، وإنّها لأفتن من كلّ عطور الدّنيا وطيبها، واستلام ولمس وشمّ كلّ ما يلامسه كقلمٍ أو كرسيٍّ وغير ذلك، وقد يصل الأمر إلى الوقوع بالفواحش.

ويُذكر من أشدّها الموت لموته، وممّا يدلّ على هذا ما أثبت في مصارع العشّاق من أنّ أبا حمزة قال: (( رأيت مع محمّد بن قطن الصّوفي غلاماً جميلاً، فكانا لا يفترقان في سفرٍ ولا حضر، فمكثا زمناً طويلاً، فمات الغلام، وكمد عليه محمّد بن قطن حتى عاد جلداً وعظماً. فرأيته يوماً وقد خرج إلى المقابر، فاتّبعته، فوقف على قبره قائماً يبكي، وينظر إليه والسماء تمطر بالمطر، فما زال واقفاً من وقت الضّحى إلى أن غربت الشّمس لم يبرح ولم يجلس ويده على خدّه، فانصرفت عنه، وهو كذلك واقفاً. فلمّا كان من الغدّ، خرجت لأعرف خبره وما كان من أمره، فصرت إلى القبر، فإذا هو مكبوبٌ لوجهه ميّت، فدعوت من كان بالحضرة فأعانوني على حمله، فغسّلته وكفّنته في ثيابه ودفنته إلى جانب القبر. ))(67).

وأبلغ العلامات وأشدّها على الإطلاق الموت لفراقه أو بعده، وممّا أثبته مصطفى المنفلوطي في نظراته قوله: (( وشقاء سعد الورّاق بحبّ عيسى النّصرانيّ، حينما علم أنّ أهله قد بنوا له ديراً بنواحي الرقّة، ليترهّب فيه، ويحتجب عن النّاس، فضاقت عليه الدّنيا بما رحبت، وأحرق بيته، وفارق أهله وإخوانه، ولزم صحراء الدّير علّه يجد السّبيل إلى الوصول إليه، فامتنع عليه ذلك بعد ما ذلّ للرّهبان، وتخضّع، وتأتّى لهم بكلّ سبيل فلم يُجدِه ذلك شيئاً، فصار إلى الجنون، وحرق ثيابه، وأصبح عرياناً هائماً لا شأن له إلا أن يقف بكلّ طائرٍ يراه على شجرة، فيناشده الله أن يبلّغ رسائله إلى عيسى، حتى رآه بعض النّاس في بعض الأيام ميّتاً إلى جانب الدّير.))(68).

(8) العقد الفريد (طباعة دار الأرقم) / ج2 / ص341، 342.

(9) إحياء علوم الدين / ج1 / ص161.

(10) وحي القلم / ج3 / ص119 ،120.

(11) لا بأس باستخدام هذه اللفظة مع يقين القلب أنّ ذلك ما حصل إلا بقضاء الله وقدره.

(11)روضة التعريف بالحب الشريف / ص276.

(12) إحياء علوم الدين / ج2 / ص234.

(13) أدب الدنيا والدين / ص139.

(14) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج2 / ص134.

(15) مسافر في قطار الدعوة / ص117.

(16) أدب الدنيا والدين / ص35.

(غَلِقَ)-الباب، غَلَقاً: عسر فتحه. و-الرهن، غَلَقاً وغُلُوقاً: لم يقدر راهن على تخليصه من يد المرتهن في الموعد المشروط فصار ملكاً للمرتهن، وكان ذلك في الجاهلية فأبطله الإسلام. انظر المعجم الوسيط / ج2 / ص659.

(17) سورة الأنفال / آيــ(45)ــة .

(18) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (بتصرّف) / ص226.

[19] العوائق ، بتصرّف / ص109.

(20) أدب الدنيا والدين / ص202. مفسدات الأخوة / ص56.

(21) عصر الدول والإمارات / ص387.

(22) زهر الآداب وثمر الألباب / ج1 / ص191 ، 192.

(23) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج3 / ص76.

(24) بحر الدموع / ص64.

(25) يروى أنّ لصّاً ذكيّاً قبض عليه وأودع السّجن، فوجد بلاهة وضعف عقلٍ في المسجونين و السّجانين؛ فقرر أن يحتال مستفيداً من ذلك، فكان يمضي يومه في حياكة ثوبٍ وهميّ من غير أدوات، فلم يهتم لأمره رفقاؤه أو سجّانوه؛ ظنّاً منهم أنّ به جنون أو مس، ولكن طال عمله و بدا جدّه في الحياكة والتفصيل؛ حتى أقنع من حوله أنّ الأمر جدّ لا هزل. فلمّا سألوه، قال: إنّي أحيك ثوباً لكن لا يراه إلا العقلاء، وغيرهم لن يروه. فمخافة أن لا يوصفوا بالحماقة وضعف العقل، قالوا: متظاهرين برؤية الثّوب ما أجمله من ثوبٍ وما أتقنها من حياكة وما أروعه من تصميم، وسلمت يداك. حتى وصل أمر هذا اللص وثوبه إلى الملك، فأمر الملك أن يصنع له اللص ثوباً ووعده إن فعل أن يطلق سراحه، وفعلاً بعد أيّامٍ كان اللّص قد أنهى ثوب الملك – الوهميّ -؛ فلمّا عرض على الملك ولم يكن هناك شيءٌ خجل الملك أن يقول: أين الثّوب؟ إذ من لا يرى الثّوب ليس بعاقل، فقال الملك: ما أجمله من ثوبٍ، والتفت إلى حاشيته طالباً رأيهم فأجابوه: بأنّهم ما رأوا له شبيهاً، فقرر الملك أن يلبسه يوم العيد وأن يطلق سراح اللّص. وبذلك خرج اللّص من السّجن وخرج الملك يوم العيد مرتدياً الثّوب الذي لا يراه إلا العقلاء!!! ...

(26) لطائف الوعظ / ص4.

(27) أدب الدنيا والدين / ص254.

(28) كما يقوم بعض الدّعاة والعلماء بكتابة مذكّراتهم الشّخصيّة.

(29) روضة المحبّين ونزهة المشتاقين / ص241.

(30) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج3 / ص370.

(31) شرح ديوان الحماسة / ج3 / ص1251.

(32) المستطرف في كلّ فنٍ مستظرف / ج2 / ص21.

(33) سورة النمل / آيـ(21)ـة.

(34) يراجع : مفاتح الغيب / ج12 / ص189 ، روح المعاني / ج19 / ص183 ، معالم التنزيل / ج6 / ص153.

(35) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج2 / ص16.

(36) ديوان أبي الطّيب المتنبّي ( بشرح أبي البقاء العكبري ) / ج1/ ص168.

(37) كان الكاتب قد تحدّث عن شخصيّة الأستاذ عبدالحكيم عابدين في موضع سابقٍ من الكتاب.

(38) أخرجه الترمذي (1997)، من حديث أبي هريرة، وقال غريب. ويقول الحافظ العراقي عنه في الإحياء: (( رجاله ثقات رجال مسلم ))، لكنّ الراوي تردّد في رفعه.

(39) هذا حديث نبويّ شريف؛ فالأجدر أن يقال كما روي عن النّبي عليه الصّلاة والسّلام لا كما كتب المؤلف، والحديث مرويّ في صحيح ابن حبّان، من رواية عبد الملك بن أبي سفيان عن عطاء.

(40) الإخوان المسلمون، أحداث صنعت التاريخ / ج1 / ص 272 - 275.

(41) زهر الآداب وثمر الألباب / ج4 / ص1075.

(42) إحياء علوم الدين / ج2 / ص235.

(43) وحي القلم / ج3 / ص117.

(44) ديوان أبي الطّيب المتنبّي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج1 / ص48.

(45) مجمع الأمثال / ج1 / ص135.

(46) حدائق ذات بهجة / ص130.

(47) إحياء علوم الدين / ج2 / ص266،267.

(48) أدب الدنيا والدين / ص30.

(49) العوائق / ص282.

(50) وفي رواية أخرى: (جائرة).

(51) زهر الآداب وثمر الألباب / ج3 / ص780.

(52) زهر الآداب وثمر الألباب / ج3 / ص867.

(53) أبو داود، رقم (5310)، وأحمد (5/194)و(6/45)، ومن حديث أبي الدّرداء – رضي الله عنه - ، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني الشامي وهو ضعيف، وقد رُوي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أشبه. انظر (ضعيف الجامع) رقم (2687).

(54) الجواب الكافي / ص261 .

(55) روضة التّعريف بالحبّ الشريف / ص337.

(56) عيون الأخبار / ج3 / ص13.

(57) مجمع الأمثال / ج1 / ص133.

(58) الجواب الكافي (بتصرّف) / ص 259 ، 260

(59) مصارع العشّاق / ج1 / ص201.

(60) مصارع العشّاق / ج1 / ص203.

(61) زهر الآداب وثمر الألباب / ج4 / ص1092.

(62) مصطفى لطفي المنفلوطي المجموعة الكاملة / ص145.

(63) ديوان أبي الطّيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج2 / ص3.

(64) طوق الحمامة في الألفة والألآف (بتصرّف).

(66) زهر الآداب وثمر الألباب / ج2 / ص471.

(67) بحر الدموع / ص7.

(68) مصطفى لطفي المنفلوطي المجموعة الكاملة / ص21.

المبحث الثّاني - علامات تعلّق المتربّي بالمربّي

إنّ غالبيّة ما ذُكر سابقاً من علامات في المبحث الأول تصلح أن تكون علامات تشير إلى تعلّق المتربّي بمربّيه؛ فيستطيع القارئ الكريم أن يتخيّل في المبحث الأوّل المربّي متربّياً والمربّي متربّياً مع مراعاة الفرق والخصوصيّة لكلٍ منهما، فمثلاً إقبال المتربّي المتعلِّق بالحديث على مربّيه ليس كما هو إقبال المربّي المتعلِّق على متربّيه، فما يتاح أن يحدّث به المتربّي مربّيه يختلف عمّا يمكن أن يحدّث به المربّي متربّيه، ويضاف إليها العلامات التّالية:

(1) مدحه المفرط إلى حدٍّ قد يصل إلى التّقديس؛ والتّغني به وبأعماله؛ وكأنّها مجدٌ غابر. والغلوّ في تقرير الإيجابيّات والتّساهل في إيراد السّلبيّات، وتضخيم إنجازاته وقدراته وتحقير ضعفه وأخطائه؛ فتجد المتربّي ينعت شيخه بالألقاب الضّخمة ويصفه بالصّفات الجليلة، وإن تحدّث عنه فما تخاله إلا يتحدّث عن أوحد زمانه وفريد أترابه، وكم وقع في هذا بعض مريدي الصّوفيّة والفرق الباطنيّة مع شيوخهم أو الشّيعة حين مدحوا أئمّتهم. وكان معظم هذا المدح مدح المحبّ المتعلّق، وهذا أكثر من أن يحصى. ومن هذا المدح ميميّة الفرزدق –وكان متشيّعاً لآل البيت- في مدح زين العابدين عليّ بن الحسين في حضرة هشام بن عبد الملك، وقال في مطلع القصيدة:

هـذا ابـن خـيـر عــبـاد الله كلّـهم

هـذا الـنّقي الـتّقي الطـّاهر الـعَلَم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتـه

والـبـيـت يعـرفـه والـحلّ والحرم

إذا رأتــه قــريـش قــال قــائـلها

إلـى مـكـارم هـذا يـنـتـهي الكـرم.

ومن المدح المرفوض والمبالغ فيه والذي يبلغ التّقديس كقول النّمري في مدح الهادي:

إنّ المكارم والمعروف أوديةٌ

أحـلّــك الـلـه مـنهـا حيث تّتسـع

إذا رفـعت امـرءاً فالله يـرفعه

ومن وضعت من الأقوام متضع.(69)

أو كما مدح أبو دلامة المنصورَ حين قال:

لو كـان يُـقعـد فـوق الشمس من كرم

قـوم لقيـل اقـعـدوا يا آل عبّاس

ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا

إلى السماء، فأنتم سادة الناس.(70)

ولأبي الطّيّب المتنبّي بيتين رقيقين في مدح سيف الدولة عام ( 345 هـ )، يقول فيهما:

يا مـن يُـقتِّل من أراد بسـيفه

أصبحتُ من قتلاك بالإحسان

فإذا رأيتك حار دونك ناظري

وإذا مدحتك حار فيك لساني.(71)

ومن هذا المدح قول الشّاعر:

وإذا رأيت الكائنات بعينهم فجميع ما يحوي الوجود مليح.[72]

(2) اتّباعه و التّعصّب له وتنبنيّ آراءه والدّفاع عنها. واختصار الحقّ في شخص المربّي، وهذا ممّا يقع فيه كثيرون، إذ أنّك تجد المتربّي كالأسير ينقاد مع آسره كيفما شاء؛ إذ يتعطّل العقل عن التّفكير وتتجمّد الحواسّ عن العمل. وتراه يتعصّب للمربّي ولآرائه تعصّباً شديداً، وكأنّ رأي غيره ضلالٌ أو فسقٌ، وما أكثر ما وقع هذا عند أتباع المذاهب المختلفة. حتّى أنّ المتربّي يغدو أشدّ تمسّكاً بالرّأي والدّفاع عنه من صاحبه، وقد يتراجع المربّي عن رأيه ولا يتراحع المتربّي عن تعصّبه. ولا يسمح لرأيٍ موضوعيٍّ أو نقاشٍ جادٍّ فهو يرى ذلك ملامة ولجاجة في حقّ مربّيه. وصدق الشّاعر:

ذو العشق يعميه الهوى ويُصمّه

فيصير فيه العبد وهو السيّد.

وكما قال أبو الطّيّب المتنبّي في قصيدةٍ أمره بإجازتها سيف الدولة لأبي ذر سهل بن محمد الكاتب:

أحبّه وأحبّ فيه ملامة ؟

إنّ الملامة فيه من أعدائه.(73)

ويقول في بيت آخر من ذات القصيدة يؤكّد تبعيّة المحبّ للمحبوب:

ما الخلّ إلاّ من أودّ بقلبه

وأرى بطرف لا يرى بسوائه.

وقديماً أكّد المأمون أيضاً أنّ للهوى سلطة حتّى على أهل الحسب، وأنّ له قدرة على إتباع المحبّ للمحبوب:

كـلّ مـن يـهــوى وإن عــلــت بـه رتـبـة الملـوك لمـن يهـوى تبع.(74)

ويشير الشّاعر إلى أنّ الخيريّة منقادة إلى هوى النّفس وميلها وليس لاعتباراتٍ وحيثياتٍ؛ فيقول:

خير المواطن ما للنّفس فيه هوىً

سمّ الخياط مع الأحباب ميدان.

والحبّ كما يثير القلب والعواطف يعبث بالعقل ويذهبه؛ فيغدو المحبّ وكأنّه بلا عقلٍ يحكّمه، إنّما عاطفة تقوده –كما مرّ بيانه في الفصل الأوّل -، يؤيّد هذا قول الشّاعر:

إنّ ذكر الحبيب هيّج قلبي

ثم حبّ الحبيب أذهب عقلي.(75)

(3) تقليده بأفعاله واهتماماته وحركاته ومحاولة محاكاة وتقمّص شخصيّته؛ فهو يرى الكمال في شخص المربّي، فيجهد في تقليده ومشابهته في جميع شأنه وعموم اهتماماته كالأكل وطريقة المشي وأسلوب الحوار واللباس والمهارات والهوايات وغير ذلك. وبعض المتربّين يتعمّد هذه المحاكاة، والبعض الآخر يقوم بذلك عفويّاً؛ إذ مع كثرة الاحتكاك والإعجاب بالمربّي تنطبع حركاته وكلماته وسلوكه في نفس المتربّي فيقلّده. وهذا أمرٌ ملموسٌ محسوس، وكثرة الخلطة من شأنها أن تكسب المتربّي بعض صفات المربّي.

(4) طاعته وعدم عصيان أمره، وتقبّله من دون نقاشٍ أو تفكيرٍ، حتّى ما بدا خطؤه للمتربّي، فهو يرى الحقّ والصّواب من ذاتيّات مربّيه؛ فالحقّ - عنده - بالمربّي يعرف. وحتّى لو كان ذلك على خلاف قناعته وهواه، ويوضّح هذه العلامة جليّاً أبو الطّيّب المتنبّي إذ يمدح كافوراً فيقول:

رضيت بما ترضى به لي محبّة

وقدت إليك النّفس قود المٌسَلِّم

ومثلك من كان الوسيط فؤاده

فــكـلّمه عــنّـي ولــم أتـكـلّــم.(76)

وبعض المتربّين يبلغ به التّعلّق النّزول عند رغبات متربّيه، وتحميل نفسه ما لا يطيق في سبيل طاعة المربّي ورضاه، وصدق القائل المحبّ: ما تشتهيه فإنّي اليوم فاعله والقلب صبٌّ فما جشّمته جشما

(5) إزدراء غير مربّيه من المربّين وإظهار معايبهم، وشدّة انتقاد آرائهم؛ وكأنّه يرى بذلك احتراماً لشيخه وزيادةً في تقديره. ويزداد الإزدراء مع المخالفين للشّيخ ويقلّ مع الموافقين القريبين.

(6) تجرّوء المتربّي على مربّيه، وذلك لكثرة الخلطة واستحكام الحبّ ولين الجانب؛ فتنفلت الضّوابط وتسقط الحواجز بينهما. ومن صور التّجرّؤ أن ينادي المتربّي شيخه باسمه مجرداً، والمزاح معه، وعدم التّأدّب في الحديث معه؛ كمقاطعته ورفع الصّوت، وعدم التّأدّب في الجلوس بين يديه، وعدم مراعاة الذّوقيّات والأدبيّات المرعيّة والمعلومة عرفاً مع المربّين؛ كزيارته من غير موعدٍ وفي أوقاتٍ غير مناسبة، وغيره كثير.

(7) تعظيم صورة المربّي والآثار المتعلّقة به ، كتعليق صورة الشّيخ، أو وضعها في مكانٍ بارزٍ في غرفته، والبعض يتخذ لها إطاراً فاخراً، وتقبيلها . وتعظيمه لهدايا الشّيخ ورسائله وكافّة متعلّقاته .

(8) هروبه من المحاضن التّربويّة الجادّة وتغيّبه عن الأنشطة التي لا يشارك فيها مربّيه ؛ إذ يكفيه ويشبعه ويمتعه لقاؤه الخاصّ بمربّيه أو زيارته أومماشاته أو مسامرته. ومن هذا الهروب تغيّبه عن الأنشطة العامّة والتي لا يشارك فيها مربيّه.

(69) الأغاني / ج13 / ص147.

(70) العصر العباسي الأول / ص297.

(71) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج4 / ص185.

[72] الفوائد / ص171.

(73) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج1 / ص4.

(74) أدب الدّنيا والدّين / ص 118.

(75) بحر الدّموع / ص 91.

(76) ديوان أبي الطّيّب المتنبّي ( بشرح أبي البقاء العكبري ) / ج4 / ص142.

الفصل الثّالث - أسباب ظاهرة التّعلّق

المبحث الأوّل أسباب تعلّق المربّي بالمتربّي

المطلب الأوّل - أسباب ترتبط بالمتربّي

فصلنا هذا عن الأسباب والدّواعي المؤدّية لظاهرة التّعلّق بين المربّي والمتربّي، وأرجو من الله – عزّ وجلّ – أن أوفّق في توضيح ذلك. والحقّ إنّ دراسة أسباب الظّواهر عموماً من أهم ما يوضح حقائقها ويجلّي بواطنها؛ إذ هي ردٌّ للأمور إلى أنصبتها وإدراكٌ لأصل الأفعال.

وإنّ تعلّق المربي بمتربيه يرجع لثلاث مجموعاتٍ من الأسباب، وهي:

  • أسبابٌ ترتبط بالمتربّي.
  • أسبابٌ ترتبط بالمربّي.
  • أسبابٌ ترتبط بالمحيط العام.

ولا يلزم أن يرجع التّعلّق إلى سببٍ واحدٍ، بل كلّما ازدادت الأسباب وتعددت كان تحققّ الظّاهرة أولى. وفي الأغلب تتوفّر زمرة متنوعة ومتداخلة من الأسباب والدّواعي من المجموعات سالفة الذّكر؛ لتؤمّن بيئة تشكّل التّعلّق. والتّفصيل يأتي لاحقاً إن شاء الله تعالى.

المطلب الأوّل: أسباب ترتبط بالمتربّي...

وهذا يعود إلى سببين أساسيين، وهما: جمال الظّاهر وجمال الباطن. أمّا جمال الظّاهر فهو حُسن المظهر والجسد والخِلقة عموماً وما يختصّ بذلك من لباسٍ وزينةٍ، أمّا جمال الباطن فهو أجمل الجمال وأجذبه وهو ما يتعلّق بصفات الشّخصيّة والنّفس من رجحان العقل وصفاء النّفس إلى غير ذلك مما سيأتي توضيحه -إن شاء الله تعالى-:

أوّلاً: جمال الظّاهر ...

لجمال الظّاهر أثرٌ كبير في ميل النّفوس وألفتها، والإنسان مفطور على حبّ الجمال ونبذ القبيح كان ذلك اعتقاداً أو مشرباً أو مأكلاً أو خَلقاً أو خُلُقاً. وهذا الجمال يتعلق بـ :

(1) الجمال الحسّيّ:

وهو جمال المظهر والهيئة وتناسق الأعضاء وجاذبيّتها، وهو أمرٌ يهبه الله لمن يشاء من عباده لا دخل للإنسان فيه. والجمال من حيث هو محبوبٌ للنّفس قريبٌ إليها، تقرّ له العين ويأنس له الفؤاد وترتاح له الجوارح؛ و لذا لم يبعث الله – عزّ وجلّ – المرسلين والأنبياء إلا على صورٍ حسنةٍ وهيئاتٍ جميلة؛ لتمام القبول والتّأثير في النّاس . وقد رُويَ عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه - أنّه قال: (( لم يبعث الله نبياً إلاّ جميل الصّورة، حسن الوجه، كريم الحسب، حسن الصّدق)).

وكان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يستحبّ أن يكون الرّسول الذي يُرسل إليه حسن الوجه حسن الاسم، وكان يقول: } إذا أبردتم إليّ بريداً فليكن حسن الوجه حسن الاسم { (77). وكان النّبي - صلى الله عليه وسلّم - أجمل خلق الله وأحسنهم وجهاً، وقد قال واصفه: لم أرَ قبله ولا بعده مثله(78).

وكان سيّدنا يوسف – عليه السّلام – أيضاً من أجمل النّاس خلقاً، وفي الصّحيح عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - : } أنّه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أُعطيَ شطر الحُسن { (79)، وقال سيّدنا عبدالله ابن مسعود – رضي الله عنه -: كان وجه يوسف مثل البرق، وكان إذا أتته امرأة لحاجةٍ غطّى وجهه.(80)

والحقّ أنّ الصّورة الجميلة تشغل مكاناً من القلب والعين، والحبّ يندفع إلى صاحبها اندفاع الماء إلى الحدور، وتنجذب إليه النّفوس إنجذاب الحديد إلى المغناطيس. وصدق القائل:

فصورته هيولى كلّ جسمٍ

ومغناطيس أفئدة الرّجال(81)

ومن دليل تأثّر الإنسان بالجمال أنّه يُروى أنّ عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه - كان يعسّ بالليل فسمع صوت امرأة تغنّي وتقول:

هل من سبيل إلى خمرٍ فأشربها

أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج.

فقال: أمّا وعمر حيّ فلا، فلمّا أصبح بعث إلى نصر بن حجّاج فإذا رجلٌ جميلٌ، فقال: أخرج ولا تساكنّي المدينة(82).

وقديماً قيل:

ذي طلعة سبحان فالق صبحه

ومعاطف جلّت يمين الفارس.

وقال آخر:

ذو صــورةٍ بـشــريــّة قـمـريـّـة

تستـنـطـق الأفـواه بالتّسبـيح.

وتحسن الإشارة إلى أنّ النّظرة إلى الجمال نسبيّة بين البشر، فواحدٌ قد يراه بلون البشرة وآخر بالطّول أوالحجم وآخر بجمال الطّلعة والابتسامة وآخر بتناسق الأعضاء وآخر يراه مركباً من صفتين أو أكثر.

ويقول الإمام أبو حامدٍ الغزاليّ – رحمه الله تعالى - ((أنّ الإنسان قد يُحَبّ لذاته لا لفائدة تُنال منه في حالٍ أو مآلٍ، بل لمجرد المجانسة والمناسبة في الطّباع الباطنة والأخلاق الخفيّة. ويدخل في هذا القسم الحبّ للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشّهوة، فإنّ الصّور الجميلة مستلذّة في عينها، وإن قدّر فقد أصل الشّهوة حتّى يستلذّ النّظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار والتّفاح المشرّب بالحمرة وإلى الماء الجاري والخضرة من غير غرض سوى عينها. وهذا الحبّ يدخل فيه الحبّ لله بل هو حبّ بالطّبع وشهوة النّفس ))(83).

ويفصّل الإمام أبو حامدٍ الغزاليّ في موضعٍ آخر؛ فيقول: (( أن يحبّ الشّيء لذاته لا لحظٍّ ينال منه وراء ذاته، بل تكون ذاته عين حظّه، وهذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه، وذلك كحبّ الجمال والحسن، فإنّ كلّ جمالٍ محبوبٍ مدرك الجمال وذلك لعين الجمال، لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللذّة، واللذّة محبوبة لذاتها لا لغيرها.

ولا تظننّ أنّ حبّ الصّور الجميلة لا يتصوّر إلاّ لأجل قضاء الشّهوة، فإنّ قضاء الشّهوة لذّة أخرى قد تُحَبّ الصّور الجميلة لأجلها، وإدراك نفس الجمال أيضاً لذيذ فيجوز أن يكون محبوباً لذاته، وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء وتؤكل الخضرة أو ينال منها حظّ سوى نفس الرّؤية؟ وقد كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يعجبه الخضرة والماء الجاري(84)، والطِّباع السّليمة قاضية باستلذاذ النّظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان، الحسنة النّقش المتناسبة الشّكل، حتى إنّ الإنسان لتنفرج عنه الغموم والهموم بالنّظر إليها لا لطلب حظّ وراء النّظر، فهذه الأسباب ملذّة، وكلّ لذيذ محبوب وكلّ حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذّة، ولا أحد ينكر كون الجمال محبوباً بالطّبع، فإن ثبت أنّ الله جميل كان لا محالة محبوباً عند من انكشف له جماله وجلاله، كما قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -: ) إنّ الله جميل يحبّ الجمال ((85). ))(86).

وممّا أنشده بعض الكلابيين عن أثر حسن الصّورة:

يا من برائع حسـن صـورتــه

تـثـنـي إليه أعـنّــة الـحـدق.(87)

و يقول الشّاعر عن وقع الجمال الحسّيّ في النّفس:

وقد كان لا يصبو ولكنّ عينه

رأت منظراً يصبي القلوب فَرَاقَها.

والعين من أعظم الأعضاء جمالاً وجاذبيّة، ويُقال في تأثيرها:

هي اللواحظ أفنتني فلا عجب ٌ ومن يعترض للسّهام الرّاميات رمي.

ويقول العماد الأصفعاني الكاتب:

وأحور يسـبي بطرفٍ يـكِّل

وتخجل منه الظّبى والظّباء

نجديه من حسنه والشّباب

تجمع ضدّان : نــارٌ ومــاء

وفي مـقلـتيـه وقـد صـحّتـا

كمـا صحّتا سـقـم وانتشـاء(88)

ويقول أبو الطّيّب المتنبّي في مدح سيف الدولة، مشيراً إلى أنّه ليس ممّن يميل إلى اللهو والغزل، ولا ممّن يميل إلى العشق قلبه، ولكنّ جفون عين سيف الدولة فتنته فأدخلت العشق في قلبه:

لعينيك ما يلقى الفؤاد ومــا لقِي

وللحبّ ما لم يبقَ مني وما بقي

وما كنت ممن يدخل العشق قلـبه

ولكـن من يبصـر جفونك يعشـق.

(2) جمال المنطق واللسان:

لا يقلّ تأثير جمال المنطق والحديث عن جمال الشّكل الحسّيّ، بل أحياناً قد يكون لجمال اللّسان والمنطق تأثير أعظم من جمال الجسد والصّورة؛ فالإنسان الملموس إمّا جسم أو قول أو اعتقاد - ويدخل في الاعتقاد الخلق والفضائل-. ويدخل في جمال المنطق والحديث جمال الفصاحة والبلاغة وقوّة البيان و الصّوت و اللهجة وأسلوب الحديث. ومدى تأثيرها يختلف باختلاف النّاس؛ فالبعض يرى الجمال في الفصاحة والبيان، وآخرون يعجبهم من الحديث اللهجة و الصّوت.

وكان نبيّ الله داود – عليه السّلام - أجمل النّاس صوتاً وكان لصوته تأثيرٌ عظيمٌ في نفوس الخلائق جميعها إنسها وجنّها، حيواناتها وجماداتها، وقال الإمام الأوزاعيّ – رحمه الله تعالى -: حدّثني عبد الله بن عامر، قال: أعطيَ داود من حسن الصّوت ما لم يعطَ أحدٌ قط، حتى إنّ الطّير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشاً وجوعاً، وحتى إنّ الأنهار لتقف! وقال وهب بن منبه: كان لا يسمعه أحد إلاّ حجل كهيئة الرّقص، وكان يقرأ الزّبور بصوتٍ لم تسمع الآذان بمثله، فيعكف الجنّ والإنس والطّير والدّواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعاً[89].

وهذا ممّا يوضّح أثر الصّوت في النّفس وأنّ لجماله وقع آسر عليها، وهذا مقرّرٌ مشاهَدٌ في واقعنا؛ فكم من محاضرٍ وخطيبٍ يأسر السّامع بجميل بيانه وقوة أخذه و رصانة سبكه مع قلّة علمه وضعف إدراكه للأمور. وكم من محاضرٍ عالمٍ خبيرٍ تملّه الأسماع لسوء سبكه ورداءة حديثه. وكم من ذميم الخلقة له منطق جذّاب يأخذ بالألباب وتعلق بعه القلوب، وكم من حسن الصّورة سيّء المنطق تمقته النّفس وتمجّه.

ولهذا الأثر – والله أعلم - أُمرت أمّهات المؤمنين بعدم الخضوع بالقول كما منعت منه النّساء والإماء، قال تعالى: } ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض { (90)؛ لذا كانت بعض نساء الصّحابة الكرام يتخشّنّ في الحديث مع الرّجال.

ويبلغ التّأثير أوجه إذا كان المتربّي جمّ الأدب رقيق العبارة يوقّر مربّيه ولا ينطق اسمه إلاّ وقال الشيخ كذا أو الأستاذ كذا أو شيخي أو ... فهذا إن صاحب جمال الصّوت والمنطق له تأثير فتّان أخّاذ. كما أنّ للهجة أثرها في النّفس؛ فكلّ يأنس بلهجة دون أخرى، مع أنّ لهجة المدن عموماً أكثر جذباً من غيرها.

وللجاحظ إشارةٌ فريدةٌ في أحد كتبه إلى أنّ المعاني مبثوثة في الطّرقات يستطيع كلّ واحد أن يصل إليها، ولكنّ الأسلوب لا يستطيع كلّ واحد أن يصله. وجمال المنطق من جمال الأسلوب، ومهما كان المعنى جميلاً لن يتمّ جماله إلا إذا قدّم وشُفع بأسلوبٍ جميلٍ.

وكان العرب يسمّون الكلام الجميل بالسّحر الحلال؛ وذلك لقوّة أثره في نفوسهم، ويقولون: اللفظ الجميل من إحدى النّفثات في العقد. وذكر بعض الرّواة أنّه لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى - قدم عليه وفود أهل كلّ بلدٍ؛ فتقدّم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأبّ منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلّم من هو أسنّ منك! فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه؛ فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أنّ الأمور بالسنّ لكان هاهنا من هو أحقّ بمجلسك منك.

فقال عمر: صدقت، تكلّم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنّا قد أمنّا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! ، فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.

وقد رُوي أنّ محمد بن كعب القرظيّ كان حاضراً، فنظر في وجه عمر قد تهلّل عند ثناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإنّ قوماً خدعهم الثّناء، وغرّهم الشّكر، فزلّت أقدامهم، فهووا في النّار. أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ!

وأخذ قول عمربن عبد العزيز: هذا السّحر الحلال أبو تمّام، فقال يعاتب أبا سعيد محمّد بن يوسف الطائي:

إذا ما الحاجة انبعثت يداهـا

جعلـت المنـع منك لها عقالاً

فـأين قصائـدٌ لـي فيـك تأبى

وتــأنف أن أُهــان وأن اذالا

هي السّحر الحلال لمجتليـــه

ولم أرَ قبلها ســــحراً حلالا.(91)

وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – إذ يقول: } إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشّعر لحكمة { (92).

ويقول ابن عبد ربّه في العقد الفريد : (( وزعم أهل الطّبّ أنّ الصّوت الحسن يسري في الجسم ويجري في العروق، فيصفو له الدّم، ويرتاح له القلب، وتهشّ له النّفس، وتهتزّ له الجوارح، وتخفّ له الحركات. ))(93).

وقال بشّار بن برد العقيلي في وصفه لتأثير الكلام الرّخيم وأنّه ممّا يدخل العشق في القلب:

لئن عشقت أُذني كلاماً سمعته

رخيماً، فقلبي إذاً لا شكّ باللحظ أعشق

وكيف تناسى من كان كلامـــه

بـأذنـي ولـو عُــرِّيــت قُــرْط مــعـلّــق.

ويصرّح المتنبّي أنّ ممّا دعاه إلى الإقبال على محدّثه جمال كلامه.

دعاني إليك العلم والحلم والحجا

وهذا الكلام النظم والنائل النثر.(94)

(3) جمال الحركات:

إنّ الإنسان يتكوّن من جسدٍ وعقلٍ وقلبٍ وروحٍ ونفسٍ؛ فأمّا الجسد فهو مجموع الجوارح والأعضاء من رأسٍ ورجلين ويدين وغير ذلك. وأمّا العقل فهو العضو المتحكّم بالجسد؛ فلا يتحرّك أيّ عضوٍ من أعضاء الجسد إلا بإذن العقل وأمره.

أمّا القلب فهو مكان الصّلاح أو الخراب، مكان الإيمان أو الكفر، مكان الفضيلة أو الرّذيلة، وهو المسيطر والمسيّر للعقل؛ فالعقل يأمر اليد أن تتحرك ولكنّ القلب يأمر العقل أن تتحرك اليد لتعطي مسكيناً صدقة أو لتبطش أو تعتدي على ضعيفٍ؛ فصلاح الفعل وفساده مرتبط ابتداءً بأمر القلب وتوجيهه. و هذا يفهم من قول النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم -: } ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه؛ ألا وهي القلب { (95)؛ فصلاح الجسد مرهونٌ بصلاح القلب.

ويوضّح دور القلب في الإنسان قول الإمام الحسن البصريّ – رحمه الله تعالى – موصياً رجلاً: (( داوِ قلبك فإنّ حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً(96) ليس فيه إلاّ إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلاّ فيما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه وكنت عمّا يكرهه، وعمّا يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك ))(97).

وما أردت من هذا الاستطراد إلاّ تأكيد معنى أنّ القلب هو محل الخير والشرّ. وأماّ الرّوح فهي سبب الحياة وبموتها يموت الإنسان بالكلّيّة، والنّفس(98) هي نزوات الإنسان وشهواته.

فالحركات إذن تعبيرٌ عن العقل والقلب؛ فجمال الحركة ووداعتها فيه جمال العقل والقلب ووداعتهما. وفي جمالها تعبير عن سهولة النّفس وأُنسها. والظّرافة غالباً ما تتعلّق إمّا باللسان وإمّا بالحركة؛ لذا نجد أنّ العين ترتاح لجمال الحركة وتناسقها.

فإذا كان المتربّي جميل الحركة خفيفها فهذا أدعى إلى ميل نفس مربّيه إليه. ومن جمال الحركة تناسق الهيئة عند المشي أو الجري، ومنه أيضاً حركة اليد وتقاطيع الوجه عند الحديث والنّقاش وأسلوب الضّحك والغضب...الخ.

ومن أدلّ البيّنات على أثر هذا الجمال في النّفس البشريّة أنّ النّاس يجذلون عند رؤية القرد والفرس والغزال ويتغنّى الشعراء بجمال حركة هذه الحيوانات. ويقول الشّاعر واصفاً جمال حركة محبوبه ، وأثرها في نفسه:

يسبي العقول بدَلِّــهِ

والطّرف منه إذا نظـر

فــإذا رنـا وإذا مشى

وإذا شــدا وإذا سـفـر

فـضــح الـغـــزالــة والـغـمــامــة

والـحـمـــامـــة والـقـمـــر.

(4) اللباس والتزّيين:

لا شكّ أنّ اللباس من حاجات الحياة التي تنزل منزلة الضّروريّات، والزّينة من التّحسينات، واللباس وُضع أساساً لستر العورة واتّقاء الحرّ والبرد والمحافظة على الجسم من العوامل البيئيّة المختلفة، و قد يُضاف إلى هذه المقاصد الأساسيّة مقصداً آخر وهو التّجمّل والتّزيّن.

وللباس في الشّريعة الإسلاميّة الغرّاء شروطٌ وآدابٌ تحفظ على المسلم مقصده وتميّزه، وإذا فقد اللباس بعضاً من شروطه وآدابه كان مثاراً للفتنة والسّفور والابتذال.

و لجمال اللباس والزّينة أثره في نفس الإنسان، وهو موجبٌ لتحريك العاطفة والوجد؛ لذا كانت المرأة مأمورة بالتزيّن والتّجمّل لزوجها. وكان المسلمون جميعاً مطالبون بالتزيّن عند الصّلاة وعند كلّ مسجدٍ وعند الاجتماع مع بعضهم البعض، احتراماً لله عزّ وجلّ ولبيوته الطّاهرة ولإخوانهم المسلمين.

ولا يُخالف بأنّ اللباس من جمال الظّاهر الذي قد يكون باعثاً من بواعث التّعلّق، وبالأخصّ إن كان اللباس جميلاً ومناسباً لجسم المتربّي وذا ألوانٍ زاهيةٍ متناسقة. وما أكثر الألبسة في هذا الزّمن و التي تفنّن صانعوها في تصاميمها المغرية، والمظهرة للعورات والمفاتن؛ والتي هي مظنّة إعجاب وبغية الشّباب. وبعض حديثي التّديّن يتساهلون في لبس مثل هذه الملابس.

والزّينة عموماً محبّبة للنّفس، وهي اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحسّن الصّورة البشريّة ويجمّلها. ومن التّزيّن العناية بالشّعر وإكرامه وتهذيبه ومشطه، و التّعطّر والتّطيّب، و... وغيره. وكلّما بالغ المتربّي بحسن لباسه وزينته كلّما كان ذلك أدعى لتعلّق مربّيه وحبّه.

ثانياً: جمال الباطن ...

وهو كما أراه مجموع من فضائل خلقيّة، ومواصفات فطريّة، ومواصفات مكتسبة. وهو أجمل الجمال وأجذبه ومقدّمٌ – عند الأغلب - على جمال الظّاهر. وأحببت أن أبدأ بنقل كلام نفيسٍٍ مفيدٍ لحجّة الإسلام في عصره الإمام أبي حامد الغزاليّ – رحمه الله تعالى – في إحياء علوم الدّين عن جمال الباطن؛ إذ يقول: (( فاعلم أنّ الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات، إذ يُقال: هذا خلقٌ حسن، وهذا علمٌ حسن، وهذه سيرة حسنة، وهذه أخلاق جميلة، وإنّما الأخلاق الجميلة يُراد بها العلم والعقل والعفّة والشّجاعة والتّقوى والكرم والمروءة وسائر خلال الخير.

وشيء من هذه الصّفات لا يدرك بالحواسّ الخمس بل يُدرك بنور البصيرة الباطنة، وكلّ هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطّبع عند من عرف صفاته، وآية ذلك وأنّ الأمر كذلك: أنّ الطّباع مجبولة على حبّ الأنبياء –صلوات الله عليهم- وعلى حبّ الصحابة –رضيَ الله تعالى عنهم- مع أنّهم لم يُشاهدوا، بل حبّ أرباب المذاهب، مثل الشافعيّ وأبي حنيفة ومالك وغيرهم؛ حتى أنّ الرّجل قد يجاوز به حبّه لصاحب مذهبه حدّ العشق، فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذبّ عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه، فكم من دمٍ أُريق في نصرة أرباب المذاهب، وليت شعري من يُحبّ الشافعيّ - مثلاً- فلمَ يحبّه ولم يُشاهد صورته؟ ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحبّ هو لصورته الباطنة لا لصورته الظّاهرة، فإنّ صورته الظّاهرة قد انقلبت تراباً مع التّراب، وإنما يُحبّه لصفاته الباطنة من الدّين والتّقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدّين وانتهاضه لإفادة علم الشّرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يُدرك جمالها إلاّ بنور البصيرة، فأمّا الحواس فقاصرة عنها.

وكذلك من يُحبّ أبا بكر الصدّيق - رضي الله عنه - ويفضّله على غيره، أو يحبّ علياً - رضي الله عنه - ويفضّله ويتعصّب له، فلا يحبّهم إلاّ لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدّين والتّقوى والشّجاعة والكرم وغيره، فمعلوم أنّ من يحبّ الصدّيق - رضي الله عنه - مثلاً ليس يُحبّ عظمه ولحمه وجلده وأطرافه إذ كلّ ذلك زال وتبدّل وانعدم، ولكن بقيَ ما كان الصدّيق به صدِّيقاً، وهي الصّفات المحمودة التي هي مصادر السّير الجميلة، فكان الحبّ باقياً ببقاء تلك الصّفات مع زوال جميع الصّور.

وتلك الصّفات ترجع إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقَدرَ على حمل نفسه عليها بقهر شهواته، فجميع خلال الخير يتشعّب على هذين الوصفين، وهما غير مدركَيْن بالحسّ، ومحلّهما من جملة البدن جزء لا يتجزّأ فهو المحبوب بالحقيقة. وليس للجزء الذي لا يتجزّأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوباً لأجله؛ فإذن الجمال موجود في السّير، ولو صُوّرت السّيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبّاً، فالمحبوب مصدر السّير الجميلة، وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشّريفة، وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوبٌ بالطّبع وغير مدرك بالحواسّ، حتى إنّ الصّبيّ المخلّى وطبعه إذا أردنا أن نحبّب له غائباً أو حاضراً حيّاً أو ميتاً لم يكن لنا سبيل إلاّ بالإطناب في وصفه بالشّجاعة والكرم والعلم وسائر الخصال الحميدة.

فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر ألاّ يُحبّه، فهل غلب حبّ الصّحابة –رضي الله تعالى عنهم- وبغض أبي جهل وبغض إبليس –لعنه الله- إلاّ بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تُدرك بالحواس؟ بل لمّا وصف النّاس حاتماً بالسّخاء ووصفوا خالداً بالشّجاعة أحبّتهم القلوب حبّاً ضروريّاً، وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظٍّ يناله المُحبّ منهم، بل إذا حُكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وإفاضة الخير غلب حبّه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبّين لبعد المزار ونأي الدّيار.

فإذن ليس حبّ الإنسان مقصوراً على من أحسن إليه، بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان لا ينتهي قط إحسانه إلى المحبّ، لأنّ كلّ جمال وحسن فهو محبوب، والصّورة ظاهرة وباطنة والحسن والجمال يشملها، وتدرك الصّور الظّاهرة بالبصر الظّاهر، والصّور الباطنة بالبصيرة الباطنة؛ فمن حُرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذّذ بها ولا يُحبّها ولا يميل إليها، ومن كانت الحواس الباطنة أغلب عليه من الحواس الظّاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظّاهرة، فشتّان بين من يحبّ نقشاً مصوّراً على الحائط لجمال صورته الظّاهرة، وبين من يحبّ نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة. ))(99).

والشّواهد على أنّ جمال الخلال والشّمائل مقدّم على جمال الظّاهر كثيرة، ومن ذلك قول العبّاس بن مرداس السّلميّ:

وما عظم الّرجال لهم بفخر

ولكن فخرهم كرم وخير.

وقول الفرزدق:

ولا خير في حسن الجسوم وطولها

إذا لم يزن حسن الجسوم عقول.

وقول أبي العتاهية:

وإذا الجـمـيل الوجه لم

يأت الجمـيـلَ فـما جماله؟!

وكقول دعبل:

وما حـسن الوجوه لهـم بزين

إذا كانت خلائقهم قـباحاً.

ومعبرٌ قول المتنبّي المشير إلى أنّ العاقل إنما يُحبّ من يحبّه على صفاء الودّ والذي هو من جمال الباطن، وأنّه يبغض البخيل حتى لو كان أخوه، والجاهل يحبّ على جمال الصّورة والرّسم .

يحبّ العاقلون على التّصافي

وحبّ الجاهلين على وسام

وآنـف مـن أخــي لأبـي وأمّـي

إذا مـا لـم أجده من الكرام.(100)

ويوضّح الأستاذ مصطفى السّباعي – رحمه الله تعالى - قيمة جمال الباطن؛ فيقول: (( الجمال الذي لا فضيلة معه كالزّهر الذي لا رائحة فيه. ))(101)، وله في موضع آخر: (( لا يأسرني جمال الصّورة كما يأسرني جمال النّفس في الإنسان، ولا يستهويني جمال اللون كما يستهويني جمال العبير في النّبات، وتؤنسني وداعة الحيوان وتعجبني قوّته. ))(102).

ويقول الأديب مصطفى الرّافعيّ في حكم العقل و القلب وهما النّاظرين إلى جمال الباطن: (( وليست العين وحدها التي تؤمّر في أيّ الشيئين أجمل، بل هناك العقل والقلب، فجواب العين وحدها إنما هو ثُلث الحق. ومتى قيل: ثلث الحقّ، فضياع الثّلثين يجعله في الأقلّ حقّاً غير كامل.ٍ فما نكرهه من وجهٍ ، قد يكون هو الذي نحبّه من وجهٍ آخر، إذا نحن تركنا الإرادة السّليمة تعمل عملها الإنسانيّ بالعقل والقلب.))(103). وهو - كما أسلفت - مجموع من جمال كلٍّ من:

(1) الفضائل الخلقية والأدب والذّوق:

يدخل فيها عموم الأخلاق والفضائل والأدب، كالصّدق والأمانة والتّواضع وصفاء النّفس ودماثة الطّبع. ويمكن أن تعرّف على أنّها مجموعة التّصرفات والسّلوكات الحميدة التي تنبعث ذاتياً من الفرد المسلم بقصد نيل الأجر من الله تعالى دون سواه(104).

وقد أجمل الإمام الغزاليّ – رحمه الله تعالى – تعريف حسن الخلق بقوله: (( هو أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، قليل الزّلل، قليل الفضول، برّاً وصولاً، وقوراً صبورا ً، شكوراً رضيّاً، حليماً رفيقاً، عفيفاً شفيقاً، لا لعّاناً ولا سبّاباً، ولا نمّاماً ولا مُغتاباً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا بخيلاً ولا حسوداً، بشّاشاً هشّاشاً، يُحبّ في الله، ويُبغض في الله، ويرضى في الله، ويغضب في الله، فهذا هو حسن الخلق. ))(105).

وهو من دواعي الحبّ والإعجاب؛ فالنّفس تأنس إلى الخلق الجميل والطّبع السّليم والأدب الجمّ والتّعامل الرّاقي، وكم وفّق الإمام الماورديّ – رحمه الله تعالى – حين قال: (( فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه، وقلّ معادوه، فتسهّلت عليه الأمور الصّعاب، ولانت له القلوب الغضاب. ))(106).

بل إنهّ من أهم موجبات القرب إلى النّفوس والألفة، وهو من كمال الإيمان، وذلك تصديقاً لما يروى عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم – أنّه قال: } أَكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً الموطّئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف{ (107). ويروى عنه عليه الصّلاة والسّلام قوله: } إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم، فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق { (108)، دلالة بيّنة على أثر بسط الوجه وحسن الخلق في النّاس. كما يروى أيضاً عنه – عليه السّلام – في تقرير مكانة ذوي الأخلاق الرّفيعة: } إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً{(109).

وهذا سيّدنا عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه - يقول: (( خالطوا النّاس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال )). وقد أُثر عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه - أنّه قال: إنّ الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلاً بينه وبينكم، فحسب الرّجل أن يتّصل من الله تعالى بخلق منها (110). ويروى أنّ سيّدنا معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – قال لخالد بن المعمّر: كيف حبّك لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه -؟ قال: أحبّه لثلاث خصالٍ: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى وفائه إذا وعد(111).

ويروى عن الإمام الفضيل بن عياض – رحمه الله تعالى - قوله: (( لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيّء الخلق. ))(112). وصدق الجنيد – رحمه الله تعالى - حين قال: (( أربع ترفع العبد إلى أعلى الدّرجات، وإن قلّ عمله وعلمه: الحلم، التّواضع، السّخاء، حسن الخلق وهو كمال الإيمان. )).

ويقول الأستاذ عباس السيسي في رسالة الحبٍّ، واصفاً عواطفه ومشاعره تجاه شبابٍ لقيهم، أثر عميقاً فيه خلقهم وصفاتهم وطبعهم؛ فيقول: (( كما أنيّ تعرفت في هذا المحيط الهادي بإخوة من الشّباب من مختلف الطّبقات على أحسن الأخلاق، وأنبل الصّفات، وأشرف الغايات، تفيض نفوسهم رقّة وعذوبة، ومشاعرهم أُنساً ومودّة، فاستحوذوني وأسرّوني، وكانت تلك من موحيات الحبّ وموجباته، فتأججت عواطفي وتألّقت روحي وكتمت أشواقي ومحبّتي، ونَطَقَتْ يومئذٍ حواسّي المطمورة الغائبة التي لم أكن من قبل قد اكتشفتها، ولا أعرف سرّها ولا خطرها. ))(113). فهذه آثارٌ وأخبار تدلّ على أثر حسن الخلق وأنّه سببٌ للقرب، حاصلة به المودّة والخلّة.

وأنشد الزّبير بن بكّار أبياتاً رقيقةً في معالي الأخلاق وأنّها ممّا يحبّه:

أحــبّ مـعـالي الأخـلاق جـهــــدي

وأكـره أن أعـيـب وأن أُعـابـا

وأصفح عن سباب النّاس حلماً

وشرّ النّاس من حبّ السّبابا

وأتــرك قـائـل الـعـوراء عــمــداً

لأهــلـكــه ومـا أعـيــا الجـوابا

ومــن هـاب الـرّجــال تـهيّـبــوه

ومن حقر الرّجال فلن يُهابـا.(114)

ويقول المتنبّيّ مؤكداً على أثر الفضائل وأنّها التي دعته إلى محدّثه؛ بقوله:

دعاني إليك العلم والحلم والحجا

وهذا الكلام النّظم والنائل الّنثر.(115)

ويُشير في موضع آخر إلى أنّه يحبّ من الفتيان كلّ كريمٍ، يغشى الناسُ بيتَه للقرى، نجيب طويل، كصدر المقوّم الشّديد، بقوله:

وأهوى من الفتيان كلّ سميذع

نجيبٍ كصدر السمهريّ المقوّم.(116)

ويشير في قصيدة بليغةٍ أخرى يمدح فيها سيف الدّولة سنة (345 هـ) إلى أثر الإحسان والذي يفعل كفعل السّيف، بقوله:

يا من يقتِّل من أراد بسيفـه

أصبحت من قتلاك بالإحسـان

فإذا رأيتك حار دونك ناظري

وإذا مدحتك حار فيك لساني.(117)

يتبيّن ممّا سبق عظيم أثر الخلق الحسن والأدب الجمّ في النّفس الإنسانيّة، فكيف إن كانت هذه النّفس هي نفس مربٍّ، لهي أشدّ تأثّراً وأعظم ميلاً للخلق والأدب والذّوق.

(2) المواصفات الفطريّة:

وهي قدراتٌ ومِنَحٌ وطباعٌ أنعمها الله – تبارك وتعالى - على عباده، ويتمايز البشر بوجودها واختلافها، وهي من حيث الابتداء هباتٌ لا يد للإنسان فيها؛ وإن كان بالإمكان تغيير بعضها أو تحسينه.

وكلّما توفّرت عند المتربّي مواصفاتٌ فطريّة مميّزةٍ كلّما كان ذو شخصيّة محبوبةٍ تتعلّق بها النّفوس؛ إذ هي مجبولةٌ على حبّ الطّباع الكريمة والصّفات الرّاقية. وهي تتفرّع إلى مواصفاتٍ نفسيّةٍ وعقليّةٍ وبدنيّةٍ.

والمواصفات النفسيّة والعقليّة هي بالكليّة داخلة ضمن جمال الباطن الذي هو محطّ اهتمامنا هنا. أمّا المواصفات البدنيّة فهي من جمال الظّاهر، وقد تمّ بسط الحديث عنه بحمد الله آنفاً.

أ / المواصفات النّفسيّة:-

وهي مواصفات كثيرة، أذكر منها:

  • يقظة الرّوح وسرعة استجابتها لما حولها.
  • صحوة الوجدان والمشاعر وغيرتها على الحقّ.
  • الطّموح إلى المُثل العُليا في كلّ شيء وعدم الرّضى بما دونها، وعلوّ الهمّة؛ والهمّة هي الطّاقة الكامنة في الإنسان التي تحرّكه لفعل الأشياء سواء كانت في مجال الخير أو في مجال الشّرّ؛ فعلى ذلك تكون الهمّة العالية هي ذاتها الطّاقة الكامنة في الإنسان والتي تحرّكه لفعل عظائم الأمور التي يعجز عنها من يماثلونه في العمر والظّروف، إمّا عجزاً كاملاً أو يأخذون في إتمامها الوقت الطّويل مع ما يصاحبهم من الملل والضجر(118).
  • قوّة الإرادة.
  • الحسّ المرهف إزاء تذوّق الجمال والقُبح، والإدراك الصّحيح للصّواب والخطأ.

ب/ المواصفات العقليّة:-

وهي ما منح الله - سبحانه وتعالى - من قدرات وميزاتٍ عقليّة، ويمكن أن نذكر منها ما يلي:

  • القدرة على استخدام الخبرات السّابقة لمواجهة الجديدة بنجاح.
  • القدرة على تكوين أنماط سلوكيّة جديدة لمواجهة موقف جديد، أو تعديل الأنماط السلوكيّة القديمة لمواجهة موقف جديد.
  • القدرة على إدراك العلاقات بين الأشياء وإدراك متعلقات هذه الأشياء.
  • القدرة على الحكم على النّاس والأشياء حكماً صائباً أو قريباً من الصواب.
  • القدرة على النّقد والموازنة والتعرّف على العناصر اللازمة لذلك.
  • القدرة على التّحليل.
  • القدرة على الابتكار.(119)

ويُنسب إلى سيّدنا عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – قوله في وصف قيمة العقل وأثره على النّاس:

وأفـضــل قـسـم الـلـه لـلـمـرء عـقـلـه

فليس من الخيرات شيء يقاربه

إذا أكـمـل الـرّحـمـن لـلـمـرء عـقــلــه

فـقـد كـمـلـت أخـلاقـه ومــآربــــه

يعيش الـفتـى فـي النّاس بالعقــل إنّه

على العـقـل يجري علمه وتجاربه

يزيّن الفتى في الناس صحّـة عــقلـه

وإن كان محظوراً عليه مكاسـبـه

يشين الفـتى فـي النّـاس قلـّة عـقـلــه

وإن كـرمـت أعـراقـه ومـنـاصـبـه

ومـن كــان غــلاّبــاً بـعـقـل ونـجــدة

فذو الجدّ في أمر المعيشة غالبه.

ويُنسب إليه أيضاً:

لـيــس الـجـمــال بـأثـــوابٍ تـزيّـنـنــا

إنّ الجمـال جمال العقل والأدب.(120)

ويقول الشّاعر في أثر الذّكاء، والذي معناه تمام الفطنة:

ســهـم الـفـــؤاد ذكـــاؤه مـا مـثـله

عـنــد الـعــزيـمة في الأنام ذكاء.(121)

و العقل هو أسّ الجمال وينبوعه؛ إذ جعله الله تعالى للدّين أصلاً وللدّنيا عماداً، فأوجب التّكليف بكماله، وجعل الدّنيا مدبّرة بأحكامه. ويروى عن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -: } ما اكتسب رجلٌ مثل فضل عقلٍ يهدي صاحبه إلى هدىً و يردّه عن ردىً وما تمّ إيمان عبدٍ ولا استقام دينه حتّى يكمل عقله { (122). وقال سيّدنا عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه -: (( أصل الرّجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خُلُقه))، وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجوّ، والجهل أنكى عدوّ.

وقال بعض الشّعراء في جمال العقل وإنّه زينة لأهله:

ألم ترَ أنّ العقل زيّن أهله

ولكنّ تمام العقل التجارب.

فإن مثل هذه المواصفات الفطريّة إن توفّرت في المتربّي؛ فهي من دواعي تعلّق المربّي وإعجابه؛ إذ أهل التّربية والعلم نفوسهم إلى مثل هذه الصّفات مائلة؛ بل هي بغية أصليّة يرجونها في تربيتهم وتعليمهم.

(3) المواصفات المكتسبة:

وهي تلك المواصفات التي تكتسب ببذل الجهد والتّعلّم والخبرة والتّدريب والتّفاعل مع الحياة والتّوريث من الغير وغيرها من أدوات الاكتساب المختلفة. وقد تكون نتاج ذلك كله أو بعضه، وهي تتظافر وتتفاعل مع المواصفات الفطريّة لتشكّل شخصيّة الإنسان ونمطه السّلوكيّ وهذه المواصفات هي:

أ / العلم :

وهو يعرّف على أنّه إدراك الشّيء بحقيقته، كما يطلق أيضاً على مجموعة مسائل وأصول كليّة تجمعها جهة واحدة كعلوم الدّين المختلفة من فقهٍ وحديثٍ و تفسيرٍ وغيرها، وكعلوم الدّنيا من طبٍّ وهندسةٍ وأدبٍ وعلم النّحو والأرض وغيرها (123). فأيّ علمٍ من هذه العلوم إذا حذقه المتربّي وتميّز به كان ذاك سببٌ لتعلّق الآخرين به. فالنّفس تحبّ العلم؛ فكيف إن كانت نفس المربّي لهي للعلم أميل، وبالأخصّ إن كان العلم دينيّاً محضاً من علوم الشريعة الإسلاميّة الغرّاء .

ويلفت الشّاعر إلى أنّ العلم أغلى ما يدّخره الإنسان؛ فيقول:

العلم أنفس شيء أنت داخره

من يدرس العلم لم تدرس مفاخره.(124)

ويقول صالح اللخمي مشيراً إلى جمال العلم :

تعلم إذا ما كنت لست بعالـم

فمـا العـلم إلا عند أهـل التّعلّــم

تعلّـم فـإنّ العـلم زين للفتى

من الحلّة الحسناء عند التّكلّـم.(125)

ويقول الإمام الماوردي – رحمه الله تعالى -: (( اعلم أنّ العلم أشرف ما رغبّ به الرّاغب، وأفضل ما طلب وجدّ فيه الطّالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب؛ لأنّ شرفه يثمر على صاحبه، وفضله ينمي عند طالبه؛ قال الله تعالى: } قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون { (126)، فمنع سبحانه المساواة بين العالم والجاهل، لما قد خصّ به العالم من فضيلة العلم. وقال الله تعالى: } وما يعقلها إلا العالمون { (127)، فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمراً، أو يفهم منه زجراً.))(128).

ب/ المهارات و المواهب :

إنّ المهارة هي ما يحذقه المرء ويحكمه(129)، وهي مكتسبة بالكليّة كقيادة السّيارة والرّمي بالنّبل وغيرها. أمّا الموهبة فهي الاستعداد الفطريّ لدى المرء للبراعة في فنٍّ معيّنٍ؛ كالاستعداد(130)الصّوتي في النّشيد ونحوه؛ وإن كانت الموهبة فطريّة إلا أنّ علاماتها تظهر بعد الولادة ببضع سنواتٍ، ممّا يدع مجالاً للبيئة أن تؤثّر فيها تطويراً أو تخريباً؛ فيكون للاكتساب دوراً في المواهب.

على أيٍّ، فإن المتربّي صاحب المهارات المتنوّعة بالذّات ما يرتبط منها بفنون التّعامل ومهارات الاتّصال والقدرة على حلّ المشكلات، وصاحب المواهب المتعدّدة، خصوصاً موهبتي النّشيد والتّمثيل، له منزلة خاصّة وحبٌّ أكيدٌ في نفس مربّيه. وتجمّل المهارات والمواهب المختلفة الإنسان في أعين الآخرين.

جـ/ العبادة :

وهي كلّ عملٍ يرضي الله - سبحانه وتعالى - من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ وجهادٍ وغيرها، فهي كما يراها شيخ الإسلام ابن تيميّة – رحمه الله تعالى -: (( اسمٌ جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظّاهرة: كالصّلاة، والزّكاة، والصّيام، والحجّ، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والجهاد للكفّار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدّعاء، والذّكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حبّ الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدّين له، والصّبر لحكمه، والشّكر لنعمه، والرّضا بقضائه، والتّوكل عليه، والرّجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك؛ هي من العبادات لله ))(131).

والعبادة مؤثّرة في نفس الإنسان وقد تكون من أسباب تعلّق غيره به؛ والعابد بعبادته جميلٌ تحبّه القلوب وتمدحه الألسنة وترقبه الأعين. ومن المفروض أن يكون هدفاً أساسيّاً عند المربّي الوصول بمتربّيه إلى متانة العبادة وصحّتها؛ فإن آنس المربّي ما يرومه كان ذلك داعياً لحبّ متربيّه والتّعلّق به.

وكما أسلفت أن العبادة اسمٌ جامعٌ لما يحبّ الله – عزّ وجلّ -، إلا أنّي سأتطرّق إلى مجموعةٍ من الجوانب في العبادة أرى أنّ لها تأثيراً أكبر في نفس المربّي وهي:

  • البعد عن البدع: وهذا جانب في العبادة في غاية التّأثير؛ فكثيرٌ مِنَ النّاس مَنْ تخالط عبادته البدعة إما تساهلاً أو جهلاً أو عناداً، و في الابتعاد عن البدع تميّزٌ تحبّه النّفوس وصاحبه أدعى أن تتعلّق به القلوب.
  • القيام بالفرائض وخصوصاً الصّلاة: وذلك لكثرة مشاهدتها وتكرارها، وما ينطبق عليها ينطبق على غيرها من سائر الفرائض. والقيام هو حسن الأداء، وفرقٌ بين الأداء و حسن الأداء؛ فإنّ لحسن الأداء جمالٌ تدركه الأذواق الرّفيعة العاشقة للإتقان المتطلّعة للكمال؛ فإن كان من دأب المتربّي – مثلاً - في صلاته أن يسبغ الوضوء ويطمئنّ في ركوعه وسجوده ويعتدل في وقفته ويتمثّل هيئآتها ويراعي سننها وآدابها ويؤدّيها حاضرةً مع الجماعة في المسجد، كان محبوباً من النّاس محترماً.
  • الحرص على اتّباع الدّليل: وإن كان اتّباع الدّليل من المواصفات الفكريّة العلميّة إلا أنّي أتحدّث عن أثره وهو التّطبيق. والنّاس إما مجتهدٌ - وقلّة من المتربّين مجتهدين في العادة -، أو مقلدٌ - والأغلب كذلك -، أو متّبعٌ؛ والمتّبع هو المقلّد على بصيرة الذي يجدّ في الاطّلاع على الدّليل وفهمه وفهم مظانه ومناطه، فهو حينما يقلّد لا يقلّد كالعامّة بل بعد تقليبٍ وسؤالٍ وبحثٍ، وهذه الفئة من المتربّين ممّن يتّبعون ولا يقلّدون تكون لها الحظوة والقرب من قلب المربّين.
  • التّقرب إلى الله - عزّوجلّ - بالنّوافل: وذلك بفعل عموم الطّاعات والقربات والسّنن من غير الفرائض من الصّلوات أو الصّيام أو الصّدقة أو غيرها. فالاستزادة من النّوافل تسعد المربّي وتدني إليه تلميذه؛ إذ أنّها دلالة على صحو القلب ويقظته واتّصاله بمولاه – عزّ وجلّ -، وكان سيّدنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنهما - يحبّ ولده سالماً حبّاً مفرطاً لدوام عبادته وطاعته لله – تعالى - فلامه النّاس في ذلك، فقال:

يلومونني في سالمٍ وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم

وقال: إنّ ابني سالماً ليحبّ الله حبّاً لو لم يخفه ما عصاه. (132)

د / القدرة على الاتّصال والدّعوة :

إنّ القدرة على الاتّصال بالآخرين ودعوتهم إلى الخير هي من الصّفات المكتسبة والتي يمكن اعتبارها من جمال الباطن. والاتّصال يعرّف بأنّه عمليّة تفاعل اجتماعي تهدف إلى تقوية الصّلات الاجتماعيّة في المجتمع عن طريق تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر؛ التي تؤدّي إلى التّفاهم والتّعاطف والتّحابب أو التّباغض.

ومن الأمثلة على الاتّصال: الحديث والبيع والشّراء والتّعليم والمحاضرة والنّدوة والمؤتمرات والاستماع للإذاعة ومشاهدة التّلفاز وقراءة الكتب وما إلى ذلك من نشاطات اجتماعيّة مختلفة من شأنها أن تقوي الصّلات الاجتماعيّة (133). وتظهر بعض الدّراسات أنّ 70% من الاتّصال يتمّ عبر لغة الجسد والباقي عبر الكلمة وغيرها.

أمّا الدّعوة إلى الله – تعالى – فهي شكلٌ خاصٌّ من أشكال الاتّصال هدفها الهداية إلى الخير والصّلاح عن طريق رعاية المدعوّ بما يناسبه من وسائل. والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ركنين أساسيين في عمليّة الدّعوة.

ومن وسائلها المؤثرّة في النّفس والتي تجعل من صاحبها شخصيّة محبوبة ومقدّرة عند الآخرين، والتي حدثنا القرآن الكريم عنها بقوله – عزّ من قائل – } ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين { (134):

  • الحكمة: وهي بمعنى إصابة الحقّ بالعلم والعقل.
  • الموعظة الحسنة: وهي التّذكير بالخير فيما يرق له القلب.
  • الجدال بالتي هي أحسن: وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، ولكن بالطّريقة التي هي أحسن[135].

ومن يوفق إلى مثل هذه الخبرات والقدرات عن طريق التّعلم والتّدريب واستثمار طاقته وعلمه لهو جدير بحبّ مربّيه.

هـ/ مواصفاتٍ حركيّة :

وهي تلك المواصفات المتعلّقة بالمسير نحو الأهداف المرجوّة، والتي لا غنى عنها لداعيةٍ أو طالب علمٍ أو جنديٍّ أو مسؤولٍ. وهي من أجمل ما يميّز المتربّي ويقرّبه من شيخه أو قائده؛ فلن تجد مربيّاً إلا وهذه المواصفات الحركيّة لها في نفسه أعظم الأثر، ومن أهمّها:

  • السّمع والطّاعة: وهما صفتان متلازمتان وتعبران عن انقياد وحبّ المتربّي، وهما صفتان جميلتان يحبّهما القائد ويقدّرهما كثيراً وتؤثّران فيه، والنّفس مفطورة على حبّ من يطيعها ويأتمر بأمرها. والطّاعة المقصودة هي ما أشار لها الإمام الشّهيد حسن البنّا – رحمه الله تعالى - بأنّها: (( امتثال الأمر وإنفاذه توّاً في العسر واليسر والمنشط والمكره. ))(136).
  • القدرة على التّنفيذ الجيّد: وهي أن يُخرج المتربّي ما خطر له أو لغيره فكرةً إلى أرض الواقع عملاً وتحركاً على أحسن صورة وضمن الموارد والإمكانات المتاحة وفي الزّمن المحدّد. وهي صورة من صور الإحسان والإتقان ودلالة انتماءٍ وحرصٍ.
  • العمل المتواصل: وهي ثمرة من ثمرات النّشاط والإيمان بالفكرة؛ فإذا أوكلت له المهمات يجهد لإنجازها بعمل دؤوبٍ وجهدٍ موصولٍ.
  • احترام الموعد: وهي من أدلّ الصّفات على الجدّية والانضباط والتحمّس؛ فلا يفوّت موعداً إلا بسبب أشدّ الأعذار الموجبة لذلك. وإن اضطرّ للتّغيّب عن موعدٍ يكن منه الاعتذار المبكّر.

و / مواصفات إداريّة وقياديّة :

وهي مجموع الفنون التي تعنى بحسن استخدام المتربّي للإمكانات المتاحة واستثمارها ماديّة كانت أو معنويّة والتّعامل معها بفاعليّة. وحسن معاملة الطّبيعة البشريّة والتّاثير في السّلوك البشري وتوجيهه نحو هدفٍ معيّنٍ وبطريقة تُضمن بها طاعته وثقته واحترامه(137).

ومن هذه الفنون – على سبيل المثال -: القدرة على التّنظيم والتّخطيط والمتابعة والتّقويم والتّفويض والتّفاوض والتّحدث والكتابة وحل المشكلات واتّخاذ القرارات وإدارة الوقت والاستماع الجيّد والقدرة على الاستقطاب والاستيعاب والتّوجيه والتّوريث وغيرها. فالمتربّي المكتسب لهذه المواصفات قريبٌ إلى الافئدة، بل هو موضع ثقة مربّيه؛ له توكل المهمّات الدّقيقة ويعتمد عليه في الظّروف الحرجة.

(77) أخرجه البزّار (1985) من حديث بُريدة بإسناد رجاله ثقات، ليس فيه إلاّ عنعنة قتادة فإنّه مدلّس.

(78) وقال البراء بن عازب – رضي الله عنه - وقد سُئل: أكان وجه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - مثل السّيف؟ قال: لا بل مثل القمر. أخرجه البخاريّ (3552) من حديث البراء. حتّى أنّ السّيّدة عائشة – رضي الله عنها - نظرت إليه يوماً ثم تبسمت، فسألها ممَ ذاك؟ فقالت: كأنّ أبا كبير الهذليّ إنّما عناك بقوله:

ومبرّاءٍ من كـــلّ غير حيضـــةٍ

وفســـاد مرضعةٍ وداء مقبـل

وإذا نـظرت إلـى أسـرّة وجـهـه

برقت كبرق العارض المتهلّل.

(79) أخرجه مسلم (162) من حديث أنس بن مالك، مطوّلاً.

(80) وقال غيره: كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه النّاس. ولهذا لمّا قام عذر امرأة العزيز في محبّتها لهذا المعنى المذكور، وجرى لهنّ وعليهنّ ما جرى من تقطيع أيديهنّ بجراح السّكاكين، وما ركبهنّ من المهابة والدّهش عند رؤيته ومعاينته. يراجع قصص الأنبياء / ص 210 ، 211.

(81) الرّحيق المختوم / ص 107.

(82) قصة نفي عمر- رضي الله عنه - لنصر بن حجّاج مشهورة، إلاّ أنّ إسنادها ضعيف.

(83) إحياء علوم الدين / ج2 / ص231.

(84) حديث: كان يعجبه الخضرة والماء الجاري ... أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عبّاس أن النبي – صلّى الله عليه وسلّم - كان يحبّ أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري ، وإسناده ضعيف.

(85) حديث: ) إنّ الله جميل يُحبّ الجمال(، رواه مسلم (91/147) في أثناء حديثٍ لابن مسعود.

(86) إحياء علوم الدين / ج2 / ص 413 ، 414..

(87) زهر الآداب وثمر الألباب / ج1 / ص47.

(88) نهاية الأرب في فنون الأدب / ج2 / ص 227.

[89] قصص الأنبياء / ص420.

90 سورة الأحزاب / آيـ(32)ـة.

(91) زهر الآداب وثمر الألباب / ج1 / ص40،41.

(92) روي عن عبد الله بن عباس –رضوان الله عليهما- قال: وفد إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - الزّبرقان بن بدر وعمرو بن الأدهم؛ فقال الزّبرقان: يا رسول الله! أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم، والحجاب منهم، آخذ لهم بحقهم، وأمنهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك –يعني عمراً-. فقال عمرو: أجل يا رسول الله؛ إنه مانع لحوزته، مطاع في عشيرته، شديد العارضة فيهم.

فقال الزّبرقان: أما إنّه والله قد علم أكثر ممّا قال، ولكنه حسدني في شرفي! فقال عمرو: أما لئن قال ما قال، فوالله ما علمته إلاّ ضيق العطف، زمر المرؤة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى.

فرأى الكراهة في وجه رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لما اختلف قوله ؛ فقال: يا رسول الله ؛ رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية‍‍! ، فقال رسول الله : ) إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكمة (

حديث أنّ رجلاً أثنى على رجل عند رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -، فلمّا كان من الغد ذمّه … وفيه : فقال - صلّى الله عليه وسلّم -:

) إنّ من البيان لسحراً … (، أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك من حديث أبي بكرة، إلاّ أنّه ذكر المدح والذمّ في مجلسٍ واحدٍ لا يومين. وأمّا حديث ابن عبّاس هذا فقد رواه الحاكم (3/613) بسند ضعيف ورواه الترمذي (2028)، وقال حسن صحيح. انظر تخريج العراقيّ لأحاديث الإحياء.

(93) العقد الفريد (طباعة دار الأرقم) / ج6 / ص6.

(94) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج2 / ص157.

(95) رواه البخاري في الإيمان (باب من استبرأ لدينه) رقم (15) و (البيوع). ورواه مسلم في البيوع (باب أخذ الحلال وترك الشبهات) رقم (1599)، من حديث النعمان بن بشير – رضي الله عنه -.

(96) يقول الإمام ابن رجب الحنبليّ – رحمه الله تعالى -: (( القلب السليم - الصّحيح - هو السالم من الآفات والمكروهات كلّها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته، وخشية ما يباعد منه )).

(97) جامع العلوم والحكم / ص65 ، 66.

(98)وإن كانت النفس والروح تستخدمان لإعطاء معنىً واحد وهو معنى الروح .

(99) إحياء علوم الدين / ج4 / ص415 ،416 .

(100) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج4 / ص142.

(101) هكذا علّمتني الحياة / ص22.

(102) هكذا علّمتني الحياة / ص111.

(103) وحي القلم / ج1 / ص 156 ، 157..

(104) ممرات الحقّ / الممر الأول / ص248.

(105) إحياء علوم الدين / ج2 / ص 105.

(106) أدب الدنيا والدين / ص177.

(107) صحيح الجامع الصّغير ، رقم 1231 .

(108) رواه البزّار وأو يعلى والطبراني.

(109) رواه أحمد والطبراني.

(110) أدب الدنيا والدّين / ص168.

(111) العقد الفريد (طباعة دار الأرقم) / ج2 / ص258.

(112) أمسك عليك هذا / ص55.

(113) رسالة الحبّ في الله / ص8.

(114) زهر الآداب وثمر الألباب / ج4 / ص1052.

(115) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج2 / ص157.

(116) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج4 / ص136.

(117) ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري) / ج4 / ص185.

(118) المصفّى من صفات الدعاة / ج2 / ص23.

(119) وسائل التربية عند الإخوان المسلمين (بتصرّف) / ص199 ،200.

(120) ديوان الإمام علي / ص19.

(121) الأذكياء / ص15.

(122) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث / ج2 / ص 801.

(123) المعجم الوسيط / ج2 / ص624.

(124) المستطرف في كلّ فن مستظرف / ج1 / ص34.

(125) المستطرف في كلّ فن مستظرف / ج1 / ص35.

(126) سورة الزمر / آية 9.

(127)سورة العنكبوت / آية 43.

(128) أدب الدنيا والدين / ص23.

(129) المعجم الوسيط / ج2 / ص 889.

(130) المعجم الوسيط / ج2 / ص 1059.

(131) العبودية / ص1، ولمعرفة تعريفاتٍ أخرى يراجع : جامع العلوم والحكم / ص16 ، و العبادة في الإسلام / ص32.

(132) العقد الفريد (طباعة دار الأرقم) / ج5 / ص250.

(133) الاتّصال الإنساني ودوره في الّتفاعل الاجتماعي / ص 17، 19، 20.

(134) سورة النّحل / آية 125.

[135] وسائل التربية عند الإخوان المسلمين / ص204.

136 مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنّا / ص397.

(137) انظر (مشكلات الدّعوة والدّاعية) / ص75.

المطلب الثاني: أسباب ترتبط بالمربّي

وهي ثلاثة أسباب: المشاكلة والموافقة، والظّروف الاجتماعيّة، وعدم تحقيق الحد المقبول من صفات المربّي. وبيانها كما سيأتي ذكره بإذن الله – تعالى -.

أوّلاً: المشاكلة والموافقة(138) ...

إنّ التّشابه والتّوافق في الصّفات والطّباع والأفكار والأهداف من دواعي تعلّق الأشخاص بعضهم ببعض، ويقرّر هذا الدّاعي رسولنا الكريم – عليه الصّلاة والسّلام – إذ يقول: } الأرواح جنودٌ مجنّدةٌ ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف{ (139). ويؤكّده الإمام أبو حامد الغزالي – رحمه الله تعالى – في إحياء علوم الدّين؛ حين يقول: (( إذ رُبّ شخصين تتأكد المحبّة بينهما لا بسبب جمالٍ أو حظٍّ ولكن بمجرد تناسب الأرواح ))(140).

ويشرح الإمام ابن حزم – رحمه الله تعالى – هذا السّبب من أسباب الألفة والتّعلّق؛ فيقول في طوق الحمامة: وقد علمنا أنّ سرّ التّمازج والتّباين في المخلوقات إنّما هو الاتّصال والانفصال، والشكل دأباً يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس، وتأثير مشاهد، والتّنافر في الأضداد، والموافقة في الأنداد، والنّزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنّفس وعالمها العالم الصّافي الخفيف، وجوهرها الصّعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتّفاق والميل والتّوق والانحراف والشّهوة والنّفار.

كلّ ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرّف الإنسان فيسكن إليها،…، ومن الدّليل على هذا أيضاً أنّك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة، واتّفاق الصّفات الطّبيعية، لا بدّ من هذا وإن قلّ، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة، وتأكّدت المودّة، فانظر هذا تراه عياناً، وقول رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - يؤكده } الأرواح جنود ... {(141)، وقولٌ مروي عن أحد الصّالحين أنّ: (( أرواح المؤمنين تتعارف )).

ويضيف الإمام ابن حزم – رحمه الله تعالى -: ولهذا ما اغتمّ أبقراط حين وُصِف رجلٌ من أهل النّقصان بحبّه، فقيل له في ذلك، فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه. وذكر أفلاطون أن بعض الملوك سجنه ظلماً، فلم يزل يحتجّ عن نفسه حتى أظهر براءته، وعلم الملك أنّه ظالم، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه إليه: أيها الملك، قد استبان لك أنّه بريء، فمالك وله؟ فقال الملك: لعمري مالي إليه سبيل، غير أنّي أجد لنفسي استثقالاً لا أدري ما هو، فأدّى ذلك إلى أفلاطون، قال: فاحتجت أن أفتّش في نفسي وأخلاقي شيئاً أقابل به نفسه وأخلاقه مما يشبهها. فنظرت في أخلاقه فإذا هو محبّ للعدل كاره للظّلم، فميّزت هذا الطّبع فيّ، فما هو إلا أن حركت هذه الموافقة، وقابلت نفسه بهذا الطّبع الذي بنفسي، فأمر بإطلاقي وقال لوزيره: قد انحل كل ما أجد في نفسي له. (142)

ويروي ابن قتيبة في عيون الأخبار: (( كتب بعض الكتّاب إلى صديقٍ له: إنّي صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمودٍ على الانقياد لك، لأنّ النّفس يتبع بعضها بعضاً .

قال حدّثني محمد بن داود قال حدّثنا يزيد بن خلف عن يعقوب بن كعب عن بقيّة بن صفوان بن عمرو بن شريح عن أبي عبيد قال: كتب أبو الدّرداء إلى سلمان: إن تكن الدّار من الدّار بعيدة فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطير السّماء على إلفه يقع.

وقال أبو العتاهية مشيراً إلى ذات المعنى:

يقاس المرء بالمرء

إذا ما هو ماشاه

وللقلب على القلب

دليلٌ حين يلقاه

وللشّكل على الشّكل

مقاييس وأشباه (143)

وهذه المشاكلة والموافقة قد تكون في الطّبائع والأخلاق، أو المهارات والمهن، أوالقدرات، أو بالرؤى والأحكام، أو بالعلاقات؛ فالإنسان يميل بطبعه إلى شبيهه. وبالأولى إن كان هذا الشّبيه هو المتربّي، فإن مشاكلة المتربّي وموافقته لمربّيه لها عظيم التّأثير في الميل إلى المتربّي، وهذا مجربٌ؛ إذ نجد أنفسنا نميل إلى من يشبهونا.

ثانياً : ظروف اجتماعيّة ...

وهي ماضي وحاضر المربّي الاجتماعيّ؛ كأن لا يكون عند المربّي أبناء أو إخوة فيميل إلى بعض طلابه طلباً وتفريغاً لعاطفة الأبوّة أو الأخوّة المفطور البشر عليها؛ فتراه يتعامل كما يتعامل الأب مع أبنائه أو الأخ مع إخوانه. ومن هذه الظّروف أن يعيش المربّي طفولته محروماً من أحد أبويه أو كلاهما؛ فينعكس ذلك على سلوكه مع طلابه خصوصاً من يعيش نفس الظّرف؛ إذ يغدو التّساهل والقرب الزّائد والعلاقات المشرّعة سمات بارزة في تعامله؛ ممّا قد يودي به إلى التّعلّق.

أو أن يحيا المربّي طفولةً قاسيةً بسببٍ ماليٍّ أو اجتماعيٍّ أو غير ذلك؛ فإن كان في طلابه من يعاني ممّا عاناه وجدنا لهذا الطّالب وضعاً خاصّاً مميّزاً عند مربّيه، وإن لم يوجد فَيُدفع بتأثير الماضي إمّا إلى أسلوبٍ قاسٍ أو إلى علاقةٍ متساهلة - مع النّاس - فمثل هذه التجارب يُتوقّع أن تسحب صاحبها إلى اضطرابٍ عاطفيٍّ. فهذه الأمثلة وغيرها قد تؤثّر في علاقة المربّي مع متربّيه، وقد يكون التّعلّق نتيجة متوقّعة.

ثالثاً : عدم تحقيق الحدّ المقبول من صفات المربّي ...

وصفات المربّي كثيرة إلا أنّها تختلف وتتباين لاختلاف الواقع والمتربّين؛ فما هو مطلوبٌ من مواصفاتٍ ممّن يربّي تلميذ المدرسة ليس كما هو ممّن يربي أساتذة الجامعات أو المهنيين.

إلا أن هناك مجموعة من الصّفات والشّروط ثابتة بالكلّ للمربّي، ولست هنا بصدد الحديث عن هذه الصّفات إذ ليس المقام مقامه والحديث عنها طويل متشعّب، إلا أنّه تجدر الإشارة إلى أهميّة وجود مجموعة من الصّفات الفطريّة الموروثة في النّواحي النّفسيّة والجسديّة والعقليّة، وأخرى مكتسبة متعلّمة كتوفّر المواصفات الثّقافيّة والعباديّة والسّلوكيّة والفنيّة التّربويّة و ..، والتي تمكّنه من العمل كمربّي.

والمربّي إذا لم يحقق حدّاً مرضيّاًَ من الصّفات التي تؤهله لموقع التّربية يُتوقّع منه الزّلل، ومن أدقّ الزّلل وأخفاه مصالح النّفوس في الحبّ والكره والقرب والجفاء. وسيكون الانزلاق وعدم الاتّزان سهلاً عليه في علاقاته مع طلابه.

(138) على الرّغم أنّ هذا السّبب مشتركٌ بين المربّي والمتربّي ؛ إلا أنّي جعلته من الأسباب التي ترتبط بالمربّي ؛ وذلك أنّ المربّي أقدر على اكتشاف التّشاكل والتّشابه من المتربّي .

(139) متفق عليه.

(140) إحياء علوم الدين / ج4 / 416.

(141) تقدّم تخريجه.

(142) طوق الحمامة في الألفة والألاّف / ص10 ، 13.

(143) عيون الأخبار / ج3 / ص8.

المطلب الثّالث: أسبابٌ ترتبط بالمحيط العام

وما أقصده بالمحيط العام هو كل ما يؤثّر في العمليّة التّربويّة غير المربّي والمتربّي، إلا أنّي سأركّزّ الحديث على الأسباب المرتبطة بالجهة التي من صلاحيّاتها تعيين المربّي ومتابعته وتأهيله وتدريبه؛ وذلك أنّ غيرها من أسبابٍ قد يَتعذّر التّعامل معها أو تجاوزها أو الحدّ منها؛ وحتّى استيفاؤها أمرٌ متعذّرٌ. ومن هذه الأسباب:

أوّلاً : ضعف المراقبة والمتابعة .

فلا يخفى على ذي لبٍّ أنّ المراقبة والمتابعة من ركائز النّجاح المهمّة في العمليّة التربوية واتّزان العلاقة بين المربّي والمتربّي، خصوصاً مع المربّين الجدد؛ إذ هم أحوج من غيرهم لدوام التّدقيق على عملهم. وكثيرة هي المشكلات التي لو وَجدت المتابعة والرّصد منذ البدايات لهان حلّها وبسط التّعامل معها، ولكن إن لم تجد المسؤول الفطن استفحل أمرها كالدّاء العضال، وبالأخصّ – كما أسلفت - إن كان المربّي حديث العهد بالتربية، أو إن ظهرت منه بعض الهنات والزّلات، أو إن توفّرت فيه أو في المتربّي بعض الدّواعي الباعثة على التّعلّق .

ثانياً : ضعف التّأهيل والتّدريب .

إنّ المربّي محتاجٌ إلى التّأهيل قبل البدء بعمله التّربويّ؛ ليقوم بمهمّته على بصيرةٍ وبإتقان؛ فتستبين له الوسائل والأهداف والمراحل والتّحدّيات، وكلّما بُذل جهدٌ في تأهيل المربّي، كلّما كان أقدر على القيام بعمله.

وبما أنّ المربّي يحتاج دوماً إلى استكمال نقصه وإقالة عثرته وتخوّله بالنّصيحة والتّوجيه؛ كان لا بدّ من التّدريب الموصول أثناء أدائه لعمله خصوصاً فيما يعرض من مستجدّات. والعناية به عناية له ولغيره؛ فإغفال التّأهيل والتّدريب يجعل المربّي فريسة أخطائه وتجربته الشّخصيّة؛ ممّا قد يسهّل على المربّي أن يقع في الأخطاء والمشكلات التي قد يكون أحد أمثلتها التّعلّق بمن يربّيهم .

ثالثاً : عدم مراعاة اختيار المربّي المناسب .

لا بدّ على الجهة المسؤولة عن عملية اختيار المربّي أن تكون واعية مدركة لضرورة ملائمة المربّي ومناسبته لمن يربّيهم؛ فقد يصلح أحدهم لتربية متربٍّ أو مجموعةٍ ولا يصلح لمتربٍّ آخرٍ أو مجموعة أخرى؛ فسوء الاختيار قد يكون سبباً من أسباب التّعلّق وفساد العلاقات.

رابعاً : التّهاون في حلّ مشكلات التّعلّق السّابقة .

إذ التّهاون في حلّ المشكلات السّابقة واستئصالها؛ قد يضفي عليها المشروعيّة؛ فيغرى الضّعاف بالوقوع فيها، أو قد يعتبر البعض أنّ عدم الحلّ والاستئصال إنّما هو دليل السّعة.

خامساً : الفساد العامّ.

إن انتشار الفساد العامّ في الإعلام والأسر والمجتمعات والملابس والمدارس والجامعات وكافّة المرافق، وعدم تهيئة المحاضن التّربويّة الأمينة منذ الطّفولة، وضعف المُناخ الإسلاميّ، من شأنه التّأثير على سلوك المربّي والمتربّي؛ إذ هما جزء من المجتمع يتأثّران به ويؤثّران فيه؛ ممّا قد يتسبب في مشكلة كالتّعلّق.

المبحث الثاني - أسباب تعلّق المتربّي بالمربّي

إنّ ما تمّ تقريره من أسباب في المبحث الأوّل يجوز أن تكون أسباباً لهذا المبحث أيضاً، ويمكن أن يضاف إليها :

أوّلاً : سابقة المربّي وماضيه .

إنّ آداب الإسلام تفرض علينا أن نحترم أهل السّبق ونقدرهم؛ أن نقدر فيهم عمرهم المبذول في سبيل الله وجهادهم وصبرهم وما قدموا من عطاءٍ، و الله –عزّ وجلّ– قد قضى في كتابه الكريم بالتّفريق بين من آمن قبل الفتح ومن آمن بعده، وظلّ المهاجرون يفخرون بأنّهم من أهل الهجرة وبعضهم من أهل الهجرتين ويتفاضلون بذلك.

فقد يَهِم بعض المتربّين فيظنّون أنّ هذه السّابقة وهذا الماضي سبباً للتّعلّق بالأشخاص وبآرائهم وعدم معارضتهم والإغضاء عن الزّلات والأخطاء .

ثانياً : المكانة الاجتماعيّة والوظيفيّة للمربّي.

إنّ احترام الآخرين وتقديرهم لصاحب المكانة الاجتماعيّة الزّعيم في أهله وعشيرته ومن تلتف حوله الجماهير أمرٌ معلومٌ بالبداهة يلمسه من يخالط النّاس، ويدرك أنّهم يتعلقون به ويتملّقونه حتى لو لم يكن التّملّق والتّعلّق نابعين من رضا؛ فقد يكون انسجاماً مع تعلّق الآخرين وتملّقهم، وهذا ينسحب أيضا على صاحب المركز الوظيفيّ فهو من أهل السّلطان الذين يوزع بهم ما لا يوزع بغيرهم .

ثالثاً : الوضع الماليّ الجيّد للمربّي.

إنّ المال يحرّك القلوب الضّعيفة ويوجّهها ويغري بها ويأسرها سلطانه؛ فهو من رغائب النّفس، ولمح الجاحظ ذلك فسجّلها أدباً؛ فكتب: (( اعلم أنّ تثمير المال آلة المكارم، وعون على الدّين، وتأليف الإخوان، وإنّ من فقد المال، قلّت الرّغبة إليه، والرّهبة منه، ومن لم يكن بموضع رغبةٍ، ولا رهبةٍ، استهان النّاس به، فاجهد جهدك كلّه في أن تكون القلوب معلّقة منك برغبةٍ، أو رهبةٍ في دينٍ، أو دنيا)). وقال بعض الحكماء: المال يوقّر الدّني، والفقر يذلّ السّني.

ويشير الشّاعر إلى قيمة صاحب المال، فيقول:

أجــلّك قوم حين صرت إلى الغنى

وكل غني في العيون جـلـيـــــل

ولـو كـنـت ذا عـقل ولم تجد ثروة

ذلـلـت لـديـهــم والـفقير ذليل.

ويُقال أيضا:

أرى ذا الغنى في النّاس يسعون حوله

فـإن قـال قـولاً تـابعوه وصدقوا

فـذلـك دأب الـنّـاس مـا كـان ذا غـنـى

فإن زال عنـه المال يوما تفرقوا.

رابعاً : نجاح العمليّ للمربّي.

لربّما كان التّفوق والنّجاح العمليّ في الدّراسة أو التّجارة أو المهنة أو العمل عموماً من الأسباب الموجبة إلى الميل؛ إذ أنّ النّفوس ترغب إلى الحسَن من الأعمال وتهفو إلى المتقن منها، والنّجاح العمليّ داعٍ من دواعي التّأسّي بالمربّي والسّير على خطاه والتّعلّق به.

خامساً : الشّعور بالنّقص عند المتربّي .

وهذا النّقص قد يكون عاطفةً أو علماً أو عملاً أو نجاحاً أوتمييزاً أو غير ذلك من جوانب النّقص المختلفة، فيظهر للمتربّي أنّ سدّ هذا النّقص بالتّعلّق بشخصٍ تتراءى له فيه جوانب كمالٍ وتمامٍ، وشخص المربّي من الشّخوص التي يتوقّع أن يجد مأربه فيها.

الفصل الرابع

حتّى لا نقع في التّعلّق

بعد ما ذكر آنفاً في فصليّ علامات وأسباب التعلّق، يأتي هذا الفصل ليوضّح طرق الوقاية والعلاج من الوقوع في هذه الظّاهرة، وذلك من خلال المراحل الزّمنيّة الثّلاث بالنّسبة للعمليّة التربويّة، وهي: ما قبل البدء بالتّربية، وأثناء ذلك وبعده. وبيانه على النّحو التّالي:

أولاً: قبل بدء المربّي بالعمليّة التّربويّة ...

يحتاج المربّي قبل أن يبدأ تربيته لأفراده مجموعةً من الأمور، وهذه الأمور بمجموعها تمثّل وقاية وحرزاً بإذن الله تعالى من الوقوع في هذه المشكلة. وقد يكون حسن إعداد المربّي ليخوض تجربة التّربية ومن بعد ذلك حسن الاختيار للمربّي والمتربّين، ووجود المرجعيّة التّربويّة النّظريّة على صعيد المنهاج وكافّة متعلّقات العمليّة التّربويّة، ووجود المرجعيّة العمليّة ذات الخبرة الفنّية القادرة على متابعة المربّي وتقويمه وإسناده بالخبرة والتّجربة والرّأي من أفضل ما يجنّب المربّي والمتربّين الوقوع في التعلّق وغيره من مشكلات التّربية الكثيرة. وأمّا تفصيل ذلك، فهو كما يلي:

(1) إعداد وتأهيل المربّي، إعداداً وتأهيلاً يليق بالمهمة المنوطة به، ويمكّنه من إنجازها بما يحقق الأهداف المطلوبة ويجنّبه العوائق والمشكلات، والتّدريب هو صناعة إنسانيّة، يصحّح القديم والموروث، ويكسب الخبرات والمهارات. والمجالات المطلوب تأهيل المربّي فيها هي:

أ / مجال المواصفات الشّخصيّة المطلوبة في المربّي:

يجب أن يدرك المربّي أنّ هناك مجموعة من المواصفات لا بدّ أن تتوفّر في شخصه، فيجتهد أن يحققها آنياً أو أن يستكملها في قابل أيّامه، وهي مواصفات في الثّقافة والعبادة والسّلوك والخلق ، وغيرها.

أمّا في الجانب الثّقافي فلا يطالب المربّي بأن يكون مجمعاً علمياً شاملاً، بل أن يعرف كيف يستكمل نقصه في أي موضوع يعترضه. ولكن مع ذلك يجب أن يتوفر في المربّي الحدّ الأدنى من العلوم والمعارف الشّرعيّة؛ كمعرفةٍ عامّة في الفقه والعقيدة والسّيرة والحديث والتّفسير، ومعرفة في العلوم والمعارف الدّعويّة كمعرفته بمنهج الدّعوة والدّعاة، وأهداف ومراحل ووسائل الدّعوة، ومعرفته بتاريخها ورجالها، والمنعطفات التي مرّت بها والشّبهات التي تُتهم بها وتعرض عليها، ومعرفة أيضاً بالواقع ومعطياته، وأن يتمتع بثقافة عامّة؛ فيأخذ من كلّ مايستطيع بطرفٍ.

وقد يتساءل أحدنا هل كلّ هذه مطلوبة في الجانب الثّقافي حتّى نجنّب المربّي التعلّق، فأقول إنّ القضية قضيّة تكاملٍ في مواصفات المربّي وتفكيك الكلّ إلى الأجزاء في هذا الأمر يبدو لي متعذّراً، و الجانب الثّقافي أصيلٌ في مواصفات المربّي، وهذه المواصفات ترتبط طرداً بثقافة المربّي، وإن كان هذا الجانب تحديداً قد لا يكون أساسيّاً في ارتباطه بالعاطفة والتعلّق وما شابه.

أمّا ما هو مطلوبٌ في الجانب العباديّ؛ فأن يحرص المربّي على الإخلاص وصحة العبادة والبعد عن البدع، ثمّ أن يقوم بالفرائض على أتمّ وجهٍ، ويتقرّب بالنّوافل، وأن يتّبع الدّليل ويوطّن نفسه على ذلك. وأرى أن لا يبقى هذا عامّاً بل يجب أن يوضع لذلك برنامجٌ عمليٌّ.

وفي الجانب السّلوكيّ والخلقيّ؛ لا بدّ للمربّي أن يدلّ مظهره على مخبره في لباسه وحركاته وسائر مظهره، وأن يتمتّع بفضائل الأخلاق من صدق ووفاء وأمانة وحياء و... الخ، وأن يتمتّع بسمعةٍ حسنةٍ بين النّاس، وأن يلتزم بأحكام الإسلام في سائر معاملاته، بل وأن يظهر اعتزازه بالإسلام واضحاً، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

إنّ ما ذُكر سابقاً لا بدّ للمربّي أن يعرفه قبل البدء بتربية غيره، وإن رأى قصوراً في ذلك فليعمل على استكماله .

ب/ مجال إدارة الأفراد وفنّ التّعامل معهم:

وهو من أهمّ ما يجب أن يتدرّب عليه المربّي، كيف يدير أفراده ؟، وما هي وسائله ذلك ؟. وما هي فنون التّعامل معهم؛ وهذا يتطلب منه معرفة دقيقة بخصائص المرحلة العمريّة التي يعيشها أفراده وأهم منعطفاتها. بل إنّ الأمر أعظم من ذلك فهو معنيٌّ بأن يتدرّب على كيفيّة كسب الآخرين واستيعابهم وفهمهم وما هو الأنسب لهم، وما يجب أن يُقال الآن وما الذي يحتاج إلى الإرجاء وكيف يُقال؟ وما هو التّعزيز المناسب وما هي العقوبة المناسبة. وإدارة الأفراد والتّعامل معهم علمٌ له قواعده الخاصّة و فنٌّ له أصوله وأدبيّاته.

جـ/ مجال وسائل الّتربية:

إنّ التّربية لها وسائلها العامّة والخاصّة التي ينبغي لأيّ مربٍ أن يعلمها ويعمل بها، ويتعرّف على خصائص كلٍّ منها وآدابها، ومتى تستعمل؟؛ إذ هي أدواته لبلوغ أهدافه، ومن الوسائل العامّة التي لا بدّ من التّعرّف عليها الرّحلة والمحاضرة والنّدوة والمسابقة وغيرها كثير ممّا تراكم من خبرات الدّعوة المباركة.

وأمّا الوسائل الخاصّة فهي ما يختاره المربّي من أساليب وإجراءات تتناسب وكلّ فردٍ من أفراده. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حسن اختيار الوسيلة يفضي إلى طريقٍ قريبٍ إلى الهدف المأمول بإذن الله تعالى، وسوء الاختيار غالباً ما يُوقع المربّي في العثرات والزّلل.

د / مجال المنهاج:

إنّ المربّي لا بدّ له من منهاج يسير عليه في تربيته لأفراده، وعلى المربّي أن يعلم أهداف ومقاصد المنهاج وما هي أسسه ومنطلقاته وكيف يتعاطاه، إذ أنّ لكلّ جزئيّة في المنهاج طابعها الخاص المميّز لها. وما هي طرق عرض الموضوعات المختلفة؟ وكيفيّة التّجديد في ذلك ؟

هـ/ مجال حلّ المشكلات الّتربويّة:

وهذا بابٌ عريضٌ يشكّل جزءاً مهمّاً من التّدريب التّربويّ، وأي مربٍّ يجد في كلّ فردٍ من أفراده إشكالات تربويّة مختلفة. والمقام ليس مقام التّفصيل فيها. المهمّ أنّ على المربّي أن يكسب حصيلة معرفيّة مسبقة عن منهجية حلّ المشكلات التربويّة وأسس التّعامل معها؛ كتدريبه مثلاً على تحسّس المشكلة ومعرفة الأعراض والأسباب، وما هي مواصفات الحلّ الأمثل؟وكيفيّة اقتراح الحلول؟ وكيفية تنفيذها؟ وما هي طرق المتابعة والتقييم؟.

وبظنّي إنّ ما سبقت الإشارة إليه في إعداد وتأهيل المربّي نظرياً وعملياً ليعتبر أحد أهمّ أسباب حفظ العلاقة بين المربّي والمتربّي من الخلل والاضطراب، وكما أسلفت إنّ الإعداد كليّ في ذاته، متعدد في مجالاته، لكن يبقى محوره المربّي نفسه.

(2) حسن اختيار المربّي ومراعاة مناسبته للمتربّين ؛ وهذا واقٍ كبير؛ إذ هو وضع للأمور في أماكنها اللائقة منذ البدايات. واختيار المناسب هو دوماً عامل أساس في النّجاح في كلّ جوانب الحياة.

ويجدر التّنويه إلى أنّه قد توجد صفات وطبائع في مربٍّ ومتربٍّ وتتوفّر عندهما من الأسباب والدّواعي ما يجعل ليس من المناسب ولا الصّحيح اجتماعهما ضمن محضنٍ تربويٍّ واحدٍ؛ وذاك لغلبة الظّنّ أنّ باجتماعهما قد نيسّر لإنشاء علاقة ليست محمودة؛ فيكون الزّلل.

(3) وجود المرجعيّة التّربويةّ النّظرية ( المنهاج التّربويّ). والمنهاج المعدّ ليناسب مرحلة المتربّين ويلبّي حاجاتهم خير مرجعيّة نظريّة. خصوصاً إن أُسس المنهاج معتمداً على معطيات المرحلة العمريّة وخصائصها وأهم احتياجاتها، ومنطلقاً من منطلقات شرعيّة ورؤى تربويّة صحيحة، ومقترناً مع ما ذكر سابقاً من تأهيلٍ وإعدادٍ للمربّي في مجال التّعامل مع المنهاج إدارةً وعرضاً؛ فهذا يضع المربّي في المسار الصّحيح بإذن الله تعالى.

كما يجب أن لا يُغفل وجود المنهاج العمليّ المرافق للمنهاج النّظريّ؛ وهو تلك الخطّة التّربويّة والتي تعنى بالجوانب العباديّة والسّلوكيّة المختلفة. وينبغي أن لا يترك ما يقدّم للمتربّين نتاجٌ لاجتهادات المربّي وسلباً لتجربته؛ فكم من اجتهادٍ شخصيٍّ في ما يُعطى ويقدّم للمتربّي جرّ الويلات والتأثيرات السّلبية.

(4) وجود المرجعيّة التّربويةّ العمليّة. والقريبة من ميدان التّربية، وهي مجموع خبراء ومسؤولين، وظيفتهم الإشراف على العمليّة التّربويّة. إذ لا بدّ أن يكون المربّي موصولاً بمن هم أخبر منه وأعلم؛ حتّى يعلمهم بأوضاع المتربّين ومشكلاتهم وأحوالهم ومنهاجهم. وينبغي أن يكون من صلاحيّات المرجعيّات التّربويّة سؤال المربّي ومتابعة أموره وتقييم أدائه وإنجازاه ومحاسبته، كما أن يكون من واجباتهم إمداده بالآراء والاقتراحات وإقالة عثرته وتصويب مسيرته.

ثانياً: أثناء العمليّة التّربويّة ...

وقد تكون هذه المرحلة أخطر المراحل الثّلاث؛ لتفاعلها المباشر مع ميدان التّربيّة عمليّاً، وما يُقترح في هذه المرحلة ما يلي:

(1) المتابعة المستمرة مع المناصحة والتّقويم:

إنّ جلّ ما ذُكر في المرحلة الأولى قبل بدء المربّي بالعمليّة التّربويّة يمثّل التّخطيط الجيد الفعّال والوقاية بإذن الله تعالى. أمّا المتابعة المستمرة والمناصحة والتّقويم فهي عوامل ضمانٍ أساسيّة في حسن تنفيذ هذا التّخطيط وسيره. وهي تمثّل التغذية الرّاجعة من حين لآخر؛ إذ تكون مدخلاً جديداً للمرحلة التّالية.

إنّ المربّي وهو في مسيره التّربوي يحتاج إلى رقابة واحتضانٍ ومتابعةٍ شاملةٍ له ولأفراده وللمنهاج ولما يقدّمه عموماً ولطريقته وأسلوبه وغير ذلك من قبل من هم أعلم وأخبر منه في هذا المجال ممّن لهم حقّ الإشراف والتّوجيه.

والمتابعة تقود إلى المناصحة وبيان السّلبيات ومحاولة اختزالها والإيجابيّات والعمل على تعزيزها ما أمكن، ومكاشفة المربّي بتقصيره وأخطائه؛ ليتجنّب ذلك. ويأتي التّقويم كمرحلة تراكميّة متأخّرة من مجموع متابعات ومناصحات. والتّقويم كما هو نتيجة هو مهارة إدارية مستقلّة أيضاً.

ولا بدّ من دوام التّقويم المرحليّ ليتعرّف المربّي على حقيقة الوضع وليعلم تقدّمه من تراجعه، وليتمكن أهل الإشراف من الاطلاع على أحوال المتربّين وتسديد المسيرة ورفد المربّي بالخبرة والنّصح اللازمين وفي الوقت المناسب.

فيلزم أن يتيقّظ المشرف أو المسؤول ومن البدايات لأيّ علامة من علامات التّعلّق تبدو على المربّي أو أحد المتربّين. وأظنّ إنّ كثيراً من المشكلات والأخطاء إن وجدت المتابعة المستمرة منذ بداياتها كان ذلك كفيلٌ بإذن الله تعالى بتجاوزها أو الحدّ منها.

ومن الأساليب الجيّدة والمعينة في هذا الشّأن أن يُطلب من المربّي عرض ما أنجزه مع أفراده وذلك كلّ أسبوع أو أسبوعين بحسب الحاجة؛ فيتحدث فيها عن أوضاع مجموعته وسلوكهم وما أتمّه معهم من منهاجٍ. أو أن يعبّأ نموذجاً خاصّاًً لذلك. ثمّ تتمّ مناقشة المربّي فيما يعرض وسؤاله والاستفسار عن الغامض من الأمور، ويجدر أن يُعلّق على ما يقوله المربّي تعزيزاً للإيجابيّات وتصحيحاً للسّلبيات. مع أنّه يجب أن لا يكتفى بما يقوله المربّي أو يعرضه بل لا بدّ من وجود وسائل أخرى للمتابعة والتّقويم، وكلّما كان المسؤول قريباً من الواقع التّربويّ كلّما كان أقدر على المتابعة المباشرة للمربّين والمتربّين.

(2) إعادة التأهيل :

وفائدتها التّأكيد على مجموعة من الخبرات والمهارات والتي قد يضعف اهتمام المربّي بها، وتبصيرٌ للمربّي بالمشكلات والتّحديات الحاضرة ومحاولة الإسهام في حلّها وتذليلها، ورفدٌ له بما يستجد من معارف وعلوم تفيده في عمله التّربويّ. وهي فرصة ليقف مع ذاته وعمله فيعرضهما على صحيح السّلوك والعمل؛ إذ قد يفوته معنى أو لا تُسعفه خبرته لصواب هنا وهناك فتكون إعادة التأهيل حلاً مناسباً.

ومن فوائدها أنّ المربّي في تأهيله قبل بدئه بالعمل التّربويّ يكن تفاعله مع التّدريب ضعيفاً إذ لا خبرة له، أمّا بعد مضيّ زمنٍ على عمله يكن أقدر على التّفاعل مع برامج التّدريب المختلفة. وهو سيتدرّب مع مجموعة من المربّين ذوي الخبرة والممارسة فيفيد من تجربتهم ويفيدون من تجربته.

وهي قد تأخذ شكل الدّورة أو المحاضرة أوالنّدوة أو ورشة العمل أوغير ذلك. ولكن يلزم دقّة الإعداد وحسن الاختيار للموضوعات والقضايا، والتّركيز على المهم واحتياجات الواقع والمشكلات الحاضرة. ويمكن أن يكون المربّي لم يتنبّه إلى علاقته مع المربّين أو لمّا ينضج الموضوع عنده فمع إعادة التّأهيل يمكن أن يلتفت إلى علاقته فيضبطها بإذن الله تعالى.

(3) وجود الأنشطة العامّة وبإدارات متنوّعة :

وهي تسهم في توسيع آفاق المربّي والمتربّي؛ إذ هي إخراجٌ لهما عن حدودِ علاقتهما الضّيقة إلى علاقةٍ أرحب؛ ممّا يتيح لهما أن يطّلعا على أفرادٍ من غير محضنهما. وفي الأنشطة العامّة فرصة للمسؤولين أن يتواصلوا مع المتربّي عن قربٍ وبشكلٍ مباشرٍ، خصوصاً في الرحلات والمخيّمات والاعتكافات. وحتّى قد يتاح لهم أن يلمسوا علاقاتٍ وأحوال غير مرضية في مثل هذه الأنشطة. ولهذا كلّه أثر إيجابيٌّ في العمل التّربويّ.

(4)الحراك التّربوي :

وهو التّغيير بين المربّين والمتربّين، بحيث لا يبقى متربٍ دوماً متّصلاً بمربٍ واحدٍ، فهذا يتيح للمتربّي أن يرى غير مربّيه السّابق؛ مّا يمكّنه حين يرى اختلاف الأشخاص في صفاتهم وقدراتهم وأحوالهم أن يتأثّر بالحسن من الأحوال والصّفات أكثر من تأثّره بالأشخاص .

كما أن تنوّع المتربّين وتبدّلهم بين يدي المربّي، يجعله يرى أكثر من متربٍ، فإن كانت تعجبه صفة عند أحدهم فستعجبه صفات أخرى عند آخرين حينما يتنوّع المتربّون ويتبدّلون.

كما إنّ وجود التّغيير والتّبديل كجزءٍ من الخطّة و المرتبط إمّا بزمنٍ معيّنٍ ككلّ سنة مثلاً أو الإنجاز المنهجيّ قد يشكّل حاجزاً أمام النّفس أن تتعلّق بالآخرين؛ كونها تدرك أنّ هذه العلاقة غير المتّزنة ما تلبث وتنقضي. ومع أنّ في بعض حالات التّعلّق لا يزيده الحراك الإ قوّة وتجذّراً وتشبّثاً بالآخر.

(4) التغيير الشّامل أو الجزئيّ:

وهو يختلف عن الحراك التّربوي بأنّ الأوّل طبيعيٌّ وهو جزءٌ من استراتيجيّة تربويّة، أمّا هذا التّغيير فهو مُضطرٌ إليه والأصل أن يكون آخر الأساليب استخداماً، فإذا فشل كل ما سبق في تصويب العلاقة بين المربّي والمتربّي، يأتي دور التّغيير الذي يجري إمّا على المربّي أو على بعض الأفراد أوجميعهم.

أمّا المربّي فإمّا يستبدل آخرٌ به وينقل هو إلى العمل مع أفرادٍ آخرين، أو قد يوقف مؤقّتّاً أو نهائيّاً عن العمل التّربويّ وذلك بحسب تقدير المسؤول لما يلزم. أمّا الأفراد فيمكن أن ينقل أحد المتربّين أو بعضهم ويبقى المربّي مع بقيّة المجموعة. ويمكن أن يُبتر أحد المتربّين أو بعضهم من المجموعة نهائيّاً؛ وذاك إن قُدّر أنّه بغير ذلك يمكن أن نضع العمل التّربويّ في دائرة الخطر.

لكن لا بدّ من التّنويه إلى أنّ هذا الأجراء له تبعاته النّفسيّة على المربّي وعلى المتربّي، فهو حكمٌ قطعيٌّ على المربّي بأنّ لديه مشكلة عاطفيّة متجذّرة إلى حدٍ ألجأ إلى هذا التّغيير؛ لذا يجب أن يُمهّد له ويُخرج الموضوع بصورةٍ لائقةٍ رحيمةٍ. مع أنّه ينبغي أن يُعلم المربّي بحاله وبخطئه. أمّا المتربّي فأوصي بأن لا يُعلم بسبب التّغيير الحقيقي؛ وفي ذلك الخير والله أعلم.

وفي بعض الأحيان قد لا يُتوقّع تحسّنٌ بالتّغيير، إلا أنّ المسؤول لا يملك إلا أن يفعله حرصاً على المصلحة العامّة للعمل التّربويّ والمربّي والمتربّين.

ثالثاً: بعد الانتهاء من العمليّة التّربويّة ...

المطلوب هو التّقييم النّهائي والتّراكميّ لهذه التّجربة من خلال تقييم المربّي والأفراد وللعلاقة بينهم؛ فنخرج بمجموعة ملحوظاتٍ وتوصياتٍ نستفيد منها في قابل الأيام، ونضيف رصيداً جديداً إلى خبرتنا التّربوية في هذا المجال من خلال واقعٍ تمّت معايشته. والحقّ أنّ أيّ تجربة تربويّة خصوصاً ما كتب لها النّجاح أو الفشل يجب أن يحرص على تقييمها.

وللتّقييم طرق مختلفة ليس المقام مقام تفصيلها إلا إنّي راغبٌ بالتّنبيه على ضرورة استيعاب التّجربة من جميع جوانبها، وأن يكون لعنصريها المربّي والمتربّي دورٌ بارزٌ في تقييم تجربتهم ومحضنهم.

وينبغي أن يفعّل التّقييم؛ فيؤخذ به عند البدء في عملٍ تربويٍّ مستقبليٍّ؛ إذ لا فائدة منه إن بقي قناعاتٍ مجرّدة لا يُستثمر في العمل.

وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم، والحمد لله ربّ العالمين.