الإصلاح الاجتماعي عند البنا (نظرات في التربية والتعليم- الحلقة الخامسة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٥:٠١، ٥ مايو ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإصلاح الاجتماعي عند البنا (نظرات في التربية والتعليم- الحلقة الخامسة)

إعداد: طارق عبد الرحمن


المقدمة

تناولنا في هذه الحلقة السابقة رأْيَ الإمام البنا في إصلاح منهج التعليم الديني في المدارس المصرية، ونتناول في هذه الحلقة رأيَه في مستقبل الثقافة في مصر.


مستقبل الثقافة في مصر .. للحقيقة والتاريخ

الإمام حسن البنا

مذكرة الإخوان المسلمين إلى معالي وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الأكبر، شيخ الجامع الأزهر..

ليسمع الدكتور طه حسين..

بسم الله الرحمن الرحيم

تحريرًا في 16 من ربيع الآخر سنة 1357ه

سيدي صاحب.. أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله ومن تبع هداه، وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


يا صاحب.. إن من أمتن دعائم النهضة وأقوى أركانها وحدة الفكرة ووحدة العاطفة ووحدة الشعور ووحدة الآلام والآمال، وذلك كله يتمه وحدة الثقافة، لهذا كانت فكرة توحيد المدارس الدينية والمدنية إلهامًا مباركًا في هذا الوقت الذي نتهيَّأ فيه للعمل والنهوض، ولكنَّ الفكرة وحدها لا تكفي، بل لا بد من الإنفاذ والعمل، والإنفاذ وحده لا يكفي، بل لا بد من التفكير في أفضل طرقه ووسائله؛ حتى لا تنحرف بنا الطريق فتضرّ أكثر مما تفيد.. لهذا كان من واجب الغيورين أن يتقدموا بما عندهم من ملاحظات وآراء والحقيقة رهن البحث والتفكير.


إننا يا صاحب.. أمة متحدة في كل شيء إلا في شيء واحد، لعله أهم مظاهر الوحدة، هو الثقافة والتفكير، ولقد طُفت هذا القطر المصري الكريم من أقصاه إلى أقصاه، وجُبْت مدنه وقراه، واتصلت بأوساطه المختلفة وبيئاته العديدة، فوجدت الوحدة تشمل كل مظاهر حياته، من نظام معيشة وتقاليد وعادات، إلا بعض الخلاف الموضعي، الذي هو وليد الظروف الخاصة فقط، وليس هناك تخالفٌ جوهريٌّ في نظم الحياة العامة؛ فنظام حياة الطبقة الوسطى مثلاً في أسوان هو نظام حياة هذه الطبقة في القاهرة وفي طنطا وفي الزقازيق، وفي غيرها شرقًا وغربًا، فالمأكل واحد، والمشرب واحد، والملبس يكاد يكون واحدًا، وهكذا، ولكن الخلاف الصارخ الخلاف العظيم في التفكير والثقافة والآمال والآلام، ولهذا لا تكاد تلتقي وجهات النظر إذا دار بحث قضية من القضايا في مجتمع من مجتمعاتنا المصرية.


هذا الخلاف طبيعي بالنسبة للظروف التي اجتازتها الأمة قديمًا وحديثًا، ولخطوات التطور التي نخطوها، ولعصر الانتقال الذي نجتازه؛ مما جعل ثقافة الأمة ذات طابعين متميِّزَيْن تميزًا تامًّا لا يكاد يلتقي أحدهما بالآخر وإن أخذا يتقاربان، فلقد أتى على مصر زمان كانت ثقافتها فيه تدور حول محور واحد هو فروع الدين، وتنحصر في معهد واحد هو الأزهر وفروعه؛ ففي الأزهر يتخرَّج العلماء والأئمة والوعاظ والقضاة والحاكمون، وأبناء الأزهر هم الذين يثقِّفون الأمة، ويطبِّعونها بالطابع الذي يريدون.


واستمر ذلك وقتًا رسخت فيه أصول هذه المدرسة وثبتت دعائمها، ثم جاء دور الاتصال بأوروبا والنقل عن أوروبا في أطواره المختلفة، فأنشئت المدارس المدنية إلى جوار الأزهر، وعَدَت على اختصاصاته واحدًا فواحدًا حتى حصرته في نطاق ضيق هو نطاق الفكرة الروحية، وأخذت منه كل المظاهر العملية تقريبًا، وتعددت أنواع التعليم وتكاثرت وتكررت التجارب، فإذا بنا نرى سلسلتَيْن من أنواع المدارس: فهناك الأزهر وأقسامه وفروعه من الابتدائي والثانوي والكليات وأقسام التخصص ويلحق به في مهمته مدارس المعلمين الأولية والمدارس الأولية إن شئت ذلك.


وهناك كذلك المدارس المدنية من رياض الأطفال والابتدائي والثانوي والجامعة، ويلحق بها المدارس الخصوصية والفنية من زراعية وصناعية وتجارية، إن شئت ذلك، وهناك معهدان حائران بين القسمَيْن، هما: دار العلوم، ومعهد التربية.


لكل من هاتين السلسلتين أثرٌ بالغٌ في نفوس قسم من أقسام الأمة، وكل نوع من هذه المدارس يهيمن على عقول وأفكار توجهها كثيرًا ما يكون بعيدًا عن توجيه القسم الآخر، وفي ذلك ما فيه من الخطر على أمة ناهضة لا سناد لها إلا الوحدة، وإذن لا بد من أن نبحث في وحدة الثقافة، ولا بد من أن نعمل على تحقيقها.


يظن كثير من المدنيين أن في مقدور الحكومة وفي مقدور الصحف وغيرها من دعاة الفكرة المدنية القضاء على آثار الفكرة الإسلامية، وتخليص الأمة منها، وصبغ كل شيء بالصبغة المدنية البحتة، ويحتجون لذلك بما فعلته بعض الأمم الشرقية في هذا السبيل، وهم يتحمَّسون لفكرتهم هذه، ويوجهون إليها الشعب بمختلف الوسائل والدعايات، وفاتهم أن الحال في مصر غيره في البلاد الأخرى..


فقد امتزج الإسلام بدم كل مصري، وتغلغل في قلبه وروحه ودمه وعروقه، وآمن به إيمانًا هو أبقى على الزمن الباقي من الزمن، فكل محاولة في سبيل هدم هذا الإسلام في نفوس المصريين محاولة فاشلة، إن أخفت مظاهرها حينًا فلن تقضي عليه، وإنها لتظهر بأقوى مجاليها في أحيان أخرى كثيرة، والواقع أعدل شاهد على ذلك، فقد ظن الناس في وقت قريب أن الإسلام قد وهن في نفوس الشعب حتى عجز عن حماية نفسه، وإذا بهذا الإسلام ينتفض فتتحطَّم باسمه هيئاتٌ راسخةٌ، وتتغلب باسمه حكومات وطيدة ويهرم الدهر بعد ذلك والإسلام إسلام.


ويظن كثير من الدينيين أن هذه المظاهر المدنية شرٌّ كلها، وأن تخليص الأمة من شرورها وآثامها هيّن ممكن، فهم يتحسَّسون لفكرتهم بدورهم، ويدعون الناس إليها بمختلف الوسائل والأساليب، وإن كانت أجهزتهم أضعف وأسلحتهم أقل، ولكنهم يجدون من الشعب تعزيزًا وتأييدًا، وهؤلاء متغالون كذلك؛ فإننا لن نستغني أبدًا عن هذه القوة المادية، ولن نتغلب على أعدائنا، إلا إن سبقناهم في ميادين علومهم ومعارفهم، وأعددنا أنفسنا بمثل ما يعدُّون لنا إن لم يكن في الكم ففي الكيف على الأقل.


وإذن فلا محيص من المزج بين الفكرتين، وبخاصةٍ أن الإسلام دينٌ مَرِنٌ فسيحٌ، يساعد على الإصلاح، ولا يقف في طريقه، ويحض على التعلم ولو بأقصى الأرض، ويأخذ الحكمة وهي ضالة المسلم، ولا يبالي من أي وعاء خرجت، ويجعل طلب العلم فريضةً على كل مسلم ومسلمة، وذلك هو واجبنا لتوحيد الفكرة والقضاء على هذه الفوضى وتكوين الأمة القوية العزيزة الموحدة الأهداف والغايات هو الذي يجعلنا نستقبل فكرة توحيد المدارس الدينية والمدنية في الدور الابتدائي والثانوي بسرور وفرح واستبشار؛ ولهذا يتقدم الإخوان المسلمون بهذه الملاحظات، معتقدين أنها ستلقى من عنايتكم ما يتكافأ مع الغاية التي أملتها والشعور النبيل الذي أوحى بها:


أولاً:

نرجو ألا يكون ذلك على حساب الفكرة الإسلامية، وألا يكون معناه تقليد الغرب في سلخ مناهج التعليم عن الفكرة الدينية والعدول بها إلى العلمانية البحتة بالتدريج، بل لا بد أن يكون المقصود بذلك تكوين الطالب في أدوار فعلية تكوينًا صالحًا تتكافأ فيه معلوماته الدينية ومشاعره الروحية وتربيته الخلقية مع ثقافته العلمية.


ثانيًا:

نرجو أن يكون هذا التوحيد فاتحةَ تعديلٍ تامٍّ في مناهج التعليم تعديلاً يجعلها غذاءً صالحًا للعقول والأرواح في كل المعاهد، ويبعد بها عن الحشو واللغو، ويربط سلسلة التعليم بعضها ببعض، فيتكون نظام المعاهد في مصر على النحو الآتي مثلاً:


أ- التعليم التحضيري أو الأولي، ومنه رياض الأطفال، ويكون إجباريًّا ذا منهاج يتناسب مع مدارك الطفل في هذه السن ومع مطالبه النفسانية.


ب- التعليم الابتدائي، ويستمد من سابقه، وتحذف منه اللغات الأجنبية بتاتًا، وتضاف دروسها إلى اللغة الوطنية والعلوم الإسلامية الخلقية، وهذا الرأي- وهو حذف اللغات الأجنبية من المدارس الابتدائية- يقول به معظم حضرات رجال المعارف المختصين بالتربية ودراسة علم النفس، وقد نادوا به من قبل وهو المعمول به في كل الأمم الأجنبية؛ حيث يخصص هذا الدور من التعليم بإتقان لغة البلاد.


ج- التعليم الثانوي، ويستمد من سابقه، وتُدرَس فيه لغتان أجنبيتان: لغة شرقية ولغة غربية بدلاً من لغتين غربيتين، وذلك هو المتفق مع نهضتنا وآمالنا ومطامحنا وصلتنا بالشرق، ويُعنَى فيه بالدروس الإسلامية والخلقية وتاريخ الإسلام والتربية الوطنية، ويلحق بهذا التعليم ويكمله أو يبنى عليه التعليم الفني والخصوصي ومدارس المعلمين الصغيرة بعد تخصص في التربية وعلم النفس.


التعليم العالي أو الجامعي، ويستمد من سابقه، وتتفرع الجامعات فيه إلى الجامعة الأزهرية بأقسامها الحالية بعد تعديل وزيادة بحسب حاجة الأمة ومقتضيات الأحوال، والجامعة المصرية بأقسامها بعد تعديل كذلك، والجامعات الأخرى التي ستتطلبها النهضة، ويلحق بهذا القسم المدارس العسكرية ومدارس المعلمين الراقية بعد تخصص في التربية وعلم النفس كذلك، أو تكون هذه الدراسة في كليات جامعية مع توحيد الدرجات وتحديد الاختصاصات في كل الكليات، ويُعنَى في جميعها بالدراسات الإسلامية وتاريخ الإسلام على تفاوت يتناسب مع مهمة كل منها؛ بحيث يخرج الطالب وقد حذق تعاليم الدين والعقائد، وبذلك تتم مراحل التعليم العادية في الأمة، ويفتح المجال أمام من أراد الاستزادة من عبادات ومعاملات.. إلخ بما رأوا في إطالته.


وحبَّذا لو فكَّر في اختيار طائفة من خريجي الكليات الإسلامية والعربية المقترحة في متانة من الخلق وغنى من الثروة، يحتلون هذا المسجد العتيق (الأزهر) ويتفرغون للبحث والتنقيب والكتابة والتأليف وإمداد العالم الإسلامي، بما هو في حاجة إليه من فتاوى ونظم وأحكام، وتجرَى عليهم أرزاق كافية ويكونون بعيدين كل البعد عن تقلبات السياسة وعواصف الحكومات وتحكم الملوك والأفراد، يخدمون العلم للعلم، ويقولون الحق للحق، ويتمكنون من دراسة دين الله، ويختصون بهذه البحوث في شريعته، ويختارون من بينهم شيخهم فيكون هو شيخ الإسلام، وبذلك ينفصل منصب شيخ الإسلام عن منصب مدير الجامعة الأزهرية، وحبَّذا لو انفسح صدر هذا المجمع الإسلامي للعلماء من الأقطار الإسلامية الأخرى على اختلاف أقطارهم ومذاهبهم فوسعهم وتعاونوا على إحقاق الحق وتقريب وجهات النظر وجمع شتات المسلمين ودعوتهم جميعًا إلى الخير.


وحبَّذا لو تمَّ مشروع توحيد مناهج التعليم في الأقطار الإسلامية، فيسهل بذلك على الطلاب من كل قطر إسلامي أن ينتسبوا رأسًا إلى كليات الجامعة الأزهرية.


بقي أمامنا مشكلة لا بد من علاجها في وضوح وجرأة وصراحة؛ تلك هي مشكلة تحفيظ القرآن الكريم.. فقد درجت المناهج في مصر وتقرر في أذهان الناس أن تحفيظ القرآن جزء من مناهج التعليم لأول أدواره؛ إذ إن هذه السن هي وقت قوة الحافظة والذاكرة، ولا يتيسر حفظه فيما بعد ذلك، وصار هذا عرفًا يجد الناس في مخالفته كثيرًا من الحرج، ويخيل إليهم أن ذلك ضياعًا لكتاب الله.


وترى من جانب آخر أن اشتغال الطلبة بحفظ القرآن كله في هذه السن يفوِّت عليهم كثيرًا من استخدام مواهبهم العقلية، ويعطِّل كثيرًا من قواهم النفسانية، ويرسم القرآن في عقولهم وقلوبهم ألفاظًا لا معنى لها، ويعوِّدهم القراءة بدون تفكير ولا تدبُّر في مستقبل حياتهم، فهذه الطريقة إن خرَّجتهم أوعية القرآن فقد حرمتهم لذة تدبره وثمرة التفكير في معانيه ومقاصده، والمشكل قديم، وقد عالجه "أبو بكر بن العربي"، وأشار إليه، وأبان أن التحفيظ ابتداءً طريقة المشارقة، ونقد هذه الطريقة نقدًا مرًّا، وزكَّى طريقة المغاربة والأندلسيين في البدء بتعليم اللغة وتذوق الأدب.


ثم يأتي دور دراسة القرآن بعد ذلك، ونحن نريد أن نوفق بين حفظ كتاب الله والمحافظة عليه وبين الانتفاع بكل القوى والمواهب في الطفل وتربيتها جميعًا تربية متناسقة؛ بحيث يقوِّي بعضها بعضًا، ويمدُّ بعضها بعضًا، ولنجمع بين الفائدتين نقترح أن يوزع حفظ ثلث القرآن على الأدوار الثلاثة من أدوار التعليم السابقة الأولى والابتدائي والثانوي، فيحفظ التلميذ في مدة دراسته التحضيرية أو الأولية جزءًا واحدًا فقط، وفي دراسته الابتدائية أربعة أجزاء مع استذكار الماضي، وفي دراسته الثانوية خمسة أجزاء مع استذكار ما سبق؛ وبذلك يكون كل متعلم في الأمة قد حفظ شيئًا من كتاب الله، ويكون كل من تخرج من المدارس الثانوية قد حفظ ثلث القرآن.


وفي دور الدراسة العالية يحفظ كل طالب في كليات الأدب أو الدراسات الإسلامية الثلثين الباقيين؛ بحيث لا يجاز بشهادته إلا إذا أدَّى امتحانًا دقيقًا تامًّا في القرآن كله، ويحفظ كل طالب في الكليات الأخرى خمسة أجزاء ليتم بذلك حفظه نصف القرآن، ولا يعطَى شهادته كذلك إلا بامتحان دقيق في كتاب الله، وللتغلب على صعوبة اختلاف الأديان في المدارس يكلف غير المسلمين من الطلبة حفظ محفوظات مختارة من جيد النظم والنثر تحل درجاتها محلَّ درجة القرآن الكريم في الشهادات والامتحانات المدرسية.


ويلفت دائمًا نظر الكلية إلى أن القرآن شيء يتعبد به؛ فهو للعلم، وهو للعبادة، فعليهم أن يقرأوه دائمًا كذكر لله، يطلب به ثوابه، ويتقرب به إليه حتى يدوم تعلقهم به، وتستمر ملازمتهم له، ويستذكرونه عن رغبة وإجلال، لا عن عنف وإرهاق، وبذلك نخدم كتاب الله، ويكثر عدد الحفاظ المتفقهين، ونقضي على الاحتراف بالقرآن الذي ما نزل إلا ليكون نورًا وهدايةً للناس جميعًا، وتنحل مشكلة تحفيظ القرآن على أفضل وجه ولا يختص بدراسته قوم دون قوم.


ومن متمِّمات هذا البحث أن نصارح بأنه لا بد من التفريق بين منهاج التعليم وأماكنه بين البنين والبنات في غير الدور التحضيري، فليس تكوين البنت كتكوين الغلام، وليست مهمتها كمهمته، ولا بأس بأن تتعلم ما تشاء وترقى في درجات التعليم إلى ما شاءت؛ ولكن في حدود ما يناسب تكوينها ومهمتها، وفي بعد تام عن الفتيان بعد سن التعليم الأولى، ولا يعتذر عن ذلك بقلة الأماكن أو قلة الأموال، فإن صيانة أخلاق الأمة وكيانها الأدبي أمرٌ واجبٌ لا يكثر في سبيله إنفاق، وقد جرَّبنا مضار هذا الاختلاط واكتوينا بناره وحسبنا هذه التجارب، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.


تلك بعض المقترحات الإصلاحية نضعها بين يديكم؛ لمناسبة التفكير في إصلاح مناهج التعليم، وتوحيد أنواعه، رجاءَ دراستها وإنفاذها، وهي نقطة إجمالية ليس هنا موضع تفصيلها، والإخوان المسلمون على استعداد للتقدم بالتفصيل إذا طلب إليهم ذلك، وصحت العزيمة على العمل، كما أنهم على استعداد كذلك لأن يقاوموا بكل ما أوتوا من قوة كل نظام وكل توحيد وكل منهاج يراد به سلخ البقية الباقية من المظاهر الإسلامية في أية ناحية من نواحي حياة الأمة السياسية أو الاجتماعية أو التشريعية أو الثقافية؛ فنحن أمة مسلمة قبل كل شيء لا تعدل بتعليم الإسلام شيئًا، ونريد أن نستعيد ما فقدنا من إسلامنا، لا أن نفقد ما بقي منه بين أيدينا، وسنعمل لذلك مهما كان الثمن الذي سندفعه غاليًا، ومهما كانت التضحية التي نبذلها عزيزة كريمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


هكذا يدرسون في المدارس الأجنبية في مصر

صورة الخطاب الذي وجهه مكتب الإرشاد العام إلى رفعة رئيس الحكومة ووزير الداخلية ومعالي وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الكبير شيخ الجامع الأزهر

حضرة صاحب..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد..

فقد وقع في يدنا جريدة طليانية اسمها "الدومنكان"، وقد رسم في الصفحة الخامسة من العدد 7 السنة الثانية والأربعين اسم كتب عليه باللغة العربية "محمد" وكتب عنه مقال فيه قدح في مقام الرسول- صلى الله وعلى آله وصحبه وسلم- والصورة مع ذلك بشعة لا تليق بجلال النبوة، وفي هذا التصوير مهما كان ما فيه من العدوان على مقام الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.


وكذلك وقع في يدنا كتاب اسمه "غاية الأرب من لغة العرب" وهو موضوع لتعليم اللغة العربية وتدرسه المدارس الإيطالية بمصر، وفيه في صفحة 281: "وبالجملة يمكننا القول بأنه حيثما حلَّ العرب أكرهوا شعوب تلك البلاد على اعتناق الدين الإسلامي، فكان الفضل الأعظم في هذا الانتشار السريع العجيب راجعًا للسيف لا إلى الحجة والبرهان على حدِّ قول شاعرهم أبي الطيب المتنبي "المجد للسيف ليس المجد للقلم".


وفي صحيفة 282 عن القرآن: "لو سألت أحد علماء الإسلام عن حقيقة القرآن وجلية أمره لأجابك على الفور بأنه الكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على أشرف أنبيائه محمد، وبأنه آخر الكتب المنزلة، ناسخ لجميع الكتب قبله، وحكمه باقٍ ليوم القيامة، لا يمكن أن يلحقه تغيير ولا تبديل، وبأنه أعظم آية على نبوة محمد؛ لكونه آية عقلية باقية مدى الدهر، بلغ في الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق الإنسان، فدل على أنه ليس من كلام البشر بل كلام خالق القوى والقدر، وربما بالغوا في إطرائه إلى أن جزموا بأنه ليس من وضع البشر، ولم يكتب في وقت من الأوقات، بل كان وجوده منذ الأزل، كما ذهب إلى ذلك غير واحد في أيام المأمون.." إلى آخر ما هناك من الأقوال الواهية التي لا ثبات لها على محكِّ الجدل، بل هي أقوال من شأنها تمويه الحقيقة وإبعادها عن روامها، فلا غرو إذا ما خالفناهم فيما ذهبوا إليه وقلنا كلمة الحق؛ وهي أن القرآن كتاب كبقية الكتب وثمرة من ثمار العقل البشري، نادى به بطريقة التبشير أولاً، ثم جمعه على صورته الحالية بعد موت النبي أحد تلامذته زيد بن ثابت.


ذلك إلى ما فيه من أمثلة كثيرة تنتصر للطلينة وتنال من شعور كل مسلم، فبما لكم من سلطان في مراقبة هذه المطبوعات، ودفع ضررها عن الأمة؛ نطلب إليكم مصادرة هذه الجريدة ومنعها من التداول، ومصادرة هذا الكتاب الجارح، ومنع مدارس الجالية الإيطالية في بلدان المملكة المصرية من تدريسه مراعاة للقومية وصيانة، لعقيدة من عساهم أن يكونوا بهذه المدارس من المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله.


من أهداف الدعوة


إصلاح التعليم

حول تقرير معالي وزير المعارف المصرية

الروح العالمي، الاتجاه الديني، ماذا يجب أن يكون؟

كتب معالي وزير المعارف المصرية تقريره الهامّ عن إصلاح التعليم في مصر، وقد تلقته الأوساط الرسمية والهيئات الاجتماعية المعنية بالنهضة الحديثة في مصر والبلاد العربية والإسلامية باهتمام عظيم، بل جاوز هذا الاهتمام حدود هذه البلاد الغربية، فكان لهذا التقرير صداه في صحفها وعلى ألسنة وزرائها وعظمائها.


وليس ذلك الاهتمام بغريب، فإن الموضوع في ذاته عام يستحق أن نوجه إليه كل عناية واهتمام، والكاتب رجل مسئول، بل هو المسئول الأول عن شئون التربية والتعليم في مصر، ولتصريحاته واتجاهاته قيمتها العملية في توجيه معاهد التعليم ومدارسه، والتقرير في ذاته- مهما قيل عنه- تقرير عظيم، بل هو ثورة فكرية إصلاحية على النظم البالية التي ترددت الشكوى منها في كل مكان.


ولقد أشار هذا التقرير في وضوح إلى عميق أثر التعليم في توجيه نهضة الوطن، ونقل كلمة الحكومة الإنجليزية التي صدَّرت بها كتابها الأبيض عن شئون التعليم بعد الحرب: "على تعليم الشعب في هذه البلاد يتوقف مصير الوطن"، كما نقل عن لجنة حزب المحافظين قولها في تقريرها: "إن التعليم هو النشاط الأساسي للدولة، ولا يجوز أن يحول دون انتشاره وإتقان وسائله أي اعتبار..".


وتناول التقرير بعد ذلك كثيرًا من الموضوعات والآراء القيمة، وتجلَّت فيه الرغبة الأكيدة في تجديد شامل يتناول سياسة التعليم العامة وطرقه ووسائله ودوره ومعاهده، وتتوفر به الفرصة لكل طالب علم حتى يتعلم، ولسنا نريد أن نناقش في هذه الكلمة ما جاء في هذا التقرير من آراء، ولعلنا نستطيع أن نوفق إلى ذلك في كلمات متتابعة إن شاء الله، مقدِّرين لوزير المعارف المصرية قوله في نهاية تقريره: "نحن من أجل هذا كله نرحِّب أصدقَ الترحيب وأخلصَه بكل ما يوجه إلى ما في هذا التقرير من نقد، واثقين بأن الذين يبتغون المصلحة العامة لا يكرهون النقد ولا يشفقون منه"، ولكنا أردنا أن ننبه الأذهان إلى بعض الأمور الأساسية التي يجب أن يهتموا لها بمناسبة هذه الموجة العالمية التي ستتناول نظم العالم كله جميعها بالتغيير والتبديل، وبمناسبة هذه الرغبة الأكيدة من وزير التعليم في الإصلاح والتعديل.


تعليم عالمي

وجَّهت الحرب القائمة أذهان زعماء الشعوب وقادة الأمم وجهةً إنسانيةً، بعد أن كشفت لهم عن مبادئ العصبية الجنسية وما تبث في النفوس والرءوس من خطأ وقسوة وفساد، فانطلقوا ينادون بوجوب التفكير في وضع قواعد السلام المنتظر على أسس عالمية تتساوى فيها الأمم، ويشعر كل شعب بحق غيره في الحياة والمدنية والتقدم، ويشيع بها في كل نفس معنى الشعور بوجود الآخرين وحقهم، وأنه لا فضل لأحد على أحد، ولا لشعب على شعب، إلا بمقدار ما يلزم الجماعة الإنسانية من خدمات نافعة، وتبعًا لذلك انطلقت الصيحات بوجوب مراعاة ذلك في كل الشئون الحيوية للأمم وأخصها التربية والتعليم، وتبعًا لذلك أيضًا ظهر تقرير وزير المعارف يحمل هذا الطابع الإنساني الجميل، ويساير هذه النهضة الاجتماعية المناسبة.


ونحن- العرب والمسلمين- أعرق الناس في الشعور بهذا المعنى العالمي وتقديسه واعتقاده وإعلانه للناس والتعامل معهم على أساسه، يوم أن لم يكن يشعر به أحد، أو يجرؤ على إعلانه إنسان، أو يدين الناس لغير شريعة القوة والجبروت، فخلقنا العربي هو المساواة والنصفة والإيثار، وديننا الإسلامي هو الإنسانية الكاملة في أروع صورها وأجمل مظاهرها وأبهاها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء)، فاتحة سورة النساء، ولقد جاءت رسالة نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- رسالةً عالميةً في حدودها وتعاليمها ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)﴾ (الفرقان).


فهذا الشعور الجديد على الناس عريق فينا ولله الحمد، ونحن لهذا نفرح ونهش له، ونرجو أن يكون الذين يهتفون به الآن صادقين في حديثهم عنه، عازمين على العمل به والنزول على حكمه حين تزول غاشية الحرب، وترفرف حمامة السلام، ولكنا مع هذا نحب أن نقول يجب ألا يفهم الناس أن معنى هذا الاتجاه العالمي أن تنسى الأمم مقوماتها الذاتية ومشخصاتها الخاصة بها، فإن لكل أمة ولا شك صفاتها وخصائصها، وعليها أن تحتفظ بهذه الخصائص والمشخّصات، حتى تحفظ بذلك كيانها ولا تفنى في سواها، وأن تستخدم هذه الخصائص نفسها في جلب الخير للجماعة الإنسانية، وبذلك تخدم القومية العالمية، وتجني الشعوب والأمم أفضل ما في الشعورَين من خير وفائدة.


وإذا كنا نطالب الأمم القوية بأن تنزل قليلاً أو كثيرًا عن هذا الاعتزاز البالغ بأجناسهم ومميزاتهم وخواص شعوبهم؛ فذلك لأن لهم من قوتهم سياجًا آخر يحفظون به وجودهم وينالون به حقوقهم، أما الأمم الناشئة فلا حصن لها ولا سياج إلا أن تعتز بوجودها وتستمسك بخصائصها ومشخصاتها.


اتجاه روحي

ولقد وجهت هذه الحرب كذلك أذهان زعماء الشعوب وقادة الأمم إلى الناحية الروحية، وجعلتهم ينادون بوجوب الرجوع إليها والاعتماد عليها في تكوين عالم فاضل، يحب الخير، ويشعر بالرحمة، ويعمل للسلام، ويعترفون بأن ذلك لن يكون إلا عن طريق الخلق والدين، بل إنهم ليعترفون بأن الجيل الماضي- وقد قام صرح عظمته على المادة وحدها- كان جيلاً فاشلاً، لم تثمر حياته للناس إلا العلقم والصاب (5) والدماء والدموع والعرق والبلاء المحيط الذي غرقت الدنيا فيه للأذقان، وهم لهذا يتواصون بوجوب تطعيم المدارس والمعاهد بالدين؛ قواعده، وعقائده، وعباداته، وشعائره، ولقد عرض تقرير وزارة المعارف المصرية لهذا المعنى في موضعين.. قال في أولهما عن الكلام على التعليم الإلزامي- وقد أجمع الباحثون على أن تعليم الدين يكون له شأن كبير في هذه المدارس- والواقع أن جميع الإصلاحات الحديثة أو المعتزمة بعد الحرب ترمي إلى العناية بشأن الدين وتعليمه؛ باعتبار أنه تربية الروح، ورفع مستوى الأخلاق من عناصر التعليم الهامة، وأن كثيرًا من المصائب التي يرزح العالم تحتها يرجع إلى عدم تربية الروح، وقال في الموضع الثاني تحت عنوان "التعليم الديني في المدارس" طالب اللوردات في مجلسهم بجعل الدين مادة أساسية لا مادة إضافية في منهاج مزدحم.


وفي تقرير لجنة التعليم لحزب المحافظين لوحظ أن قليلاً من الناس يحتفظون بتوازنهم الروحي من غير مساعدة المعتقدات الدينية، وحتى هذا القليل اكتسبوا هذا التوازن من تقاليد فكرية وشعور موروث في العهود التي كانت تسود فيها سلطة المعتقدات الدينية، وقد صرحت الحكومة في مجلس البرلمان أنها تعتزم الاهتمام بالتعليم الديني، وجاء في الكتاب الأبيض: أنه لا بد من الاعتراف بالمكان الخاص للتعليم الديني في الحياة المدرسية، وأنه يجب أن يكون له مكان أظهر وأبرز في حياة المدرسة وعملها، كما يجب أن يعنى بالتعبدات العملية، وما أولى مصر بأن تحذو هذا الحذو، فتهتم بتعليم الدين وبالعبادات العملية في مدارسها، ووزارة المعارف تعد بأن تجعل هذا الموضوع نصب عينيها، بل تعد بأن يكون أساسًا من الأسس التي تراعى عند إصلاح التعليم.


إن الذي يسمع هذه الأقوال يتبيَّن- ولا شكَّ- إلى أي مدى تطورت الفكرة الإنسانية الحديثة بالنسبة للدين، وتعدل موقف الغربيين منه حتى صاروا يفكرون هذا التفكير "الرجعي" البحت وإن الذين درسوا تاريخ أوروبا يعلمون مبلغ الجهود العظيمة التي بذلتها الدولة في تخليص التعليم من أدران التدين، وتطهير المدارس من كل ما يمت إلى الدين أو يتصل به، فهذا الانقلاب في التفكير الغربي "رجعية" محمودة نرحب بها- نحن المسلمين- أجمل ترحيب، ونرجو من ورائها للغرب والشرق كل خير، وإذا كان ديننا الإسلامي الحنيف وقرآننا السماوي الكريم قد رَسَم لنا أفضل المناهج في حياتنا العملية والروحية، فإن من واجبنا أن نوجه يقظة الضمير الإنساني واتجاهه هذه الوجهة الروحية لتعود إلى هدى ديننا، ولنجعل من هذا الدين القيم عمادًا للتعليم ولشئون الحياة جميعًا في نهضتنا الحديثة وسنكون بذلك الفائزين.


لا أقول إننا نطالب الحكومة المصرية أو الحكومات العربية والإسلامية بالتعليم الديني في مدارسها، فتلك نغمة ترددت حتى صارت مملولة، وليس الدين الإسلامي قواعد تستظهر، ولا ألفاظًا تحفظ وتستذكر، ولكنه روح من فيض الله، وعقيدة يمتلئ بها القلب، ويفيض بها الشعور والوجدانات، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات، وآداب، ينظم بها شأن المجتمع، ونحن نريد أن يتربى أبناؤنا في مدارسنا على هذا كله، وأن تهيمن عليهم في تصرفاتهم جميعًا روح الإسلام المشرقة، وأن تكون دعامة لذلك: القدوة الصالحة، والتوجيه الحسن، والشعور العامر الذي يفيض به جوُّ المدرسة كله ويراه التلميذ في كل شيء يقع نظره عليه فيها.


وبعد: فما الذي نتمنَّى أن يكون؟

نريد أن يتجه تفكير المصلحين المعنيين بشئون التعليم للوصول بالمدارس والنشء الجديد والجيل الجديد إلى هذه الأهداف الثلاثة:

تعليم عالمي، فالعلم لا وطن له.

وثقافة قومية، فلا حياة لأمة لا تعتز بوجودها ولا تعرف حق أمجادها.

وتربية إسلامية، فلا بقاء لشعب إلا بخلق ولا خلق بغير دين.

إلى هنا ننتهي من الحديث عن نظرات في التربية والتعليم.


المراجع

(1) النذير، العدد (6)، السنة الثانية، 6 صفر 1358ه/ 28 مارس 1939م، ص (3- 7).

(2) مجلة التعارف، العدد (7)، السنة الخامسة، 21 صفر 1359ه/ 30 مارس 1940، ص (10).

(3) كذا بالأصل، ولعل الصواب: رسم.

(4) مجلة الإخوان المسلمين، العدد (33)، السنة الثانية، 29 ربيع ثان 1363ه/ 22 أبريل 1944م، ص (3- 4، 17)، ووزير المعارف وقتها كان أحمد نجيب الهلالي باشا.

(5) الصاب بتخفيف الباء عصارة شجر مر (مختار الصحاح، 1/156).


للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.