الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية
"19361949"

دراسات في تاريخ الحركة الإسلامية

بقلم: د/ صفوت حسين

محتويات

مُقَدِّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

{لا يَسْتَوي الْقَاعِدونَ مِنَ الْمُؤمْنِينَ غَيْرُ أُولِي الضِّرَرِ والْمُجَاهِدِونَ في سَبيل اللهِ بأمْوَالِهمْ وَأنْفُسهمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدينَ بأمْوَالِهمْ وَأنْفسِهمْ على الْقاعِدينَ دَرجَةً وكُلاّ وَعد اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلى القاعدين أجْراً عظيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرة وَرَحْمَةّ وكان اللهُ غَفُوراً رَحيماً}.(النساء: 95 ، 96)


نشأت الحركة الصهيونية في أحضان الاستعمار الغربي، ووجدت في بريطانيا الملجأ والملاذ لتحقيق أهدافها، وقد عملت الحركة الصهيونية بدأب وإصرار على تحقيق أهدافها منذ مؤتمر بال عام 1897 مستغلة في ذلك احتضان الإمبراطورية البريطانية لها، وحالة الضعف التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية صاحبة السيادة الشرعية على فلسطين.

وبالرغم من كثرة الكتابات عن القضية الفلسطينية، واستحواذها على كثير من الأبحاث والدراسات إلا أنه من الملاحظ أن هناك العديد من الكتابات والآراء الشائعة عن هذه القضية التي لم تستوعب حقيقة الحركة الصهيونية، ويمكن إجمال بعض الملاحظات عن هذه الكتابات والآراء فيما يلي:

1- تجاهل حقيقة الحركة الصهيونية كحركة استعمارية نشأت مع ظهور الحركات القومية والاستعمار الأوروبي، وإن تسترت بمزاعم الحق التاريخي والديني لتحقق أطماعها الاستعمارية.

2- إن الحركة الصهيونية كانت أداة في يد الاستعمار البريطاني لتحقيق أهدافه في المشرق العربي، وقد استمرت هذه الأداة في يد بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية حين ولت الحركة الصهيونية شطر نحو الولايات المتحدة الأمريكية القوة البازغة المتطلعة لوراثة الاستعمار القديم لتصنع نفسها في خدمة المصالح الأمريكية، وتقوم بنفس الدور الذي قامت به في خدمة المصالح البريطانية، ولا يزال الكيان الصهيوني يقوم بنفس الدور حتى الآن.

ومن المهم التوقف في هذه النقطة حول حقيقة العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، إن أكثر الآراء شيوعاً في عالمنا العربي ترجع التأييد الأمريكي القوي للكيان الصهيوني إلى قوة اللوبي الصهيوني والصوت الانتخابي اليهودي داخل الولايات المتحدة بل تلجأ هذه الآراء إلى تصوير الإدارة الأمريكية وقد وقفت عاجزة أمام الضغوط الصهيونية المتزايدة عليها، والتي تتعارض أحياناً مع المصالح الأمريكية ذاتها.

إن هذه الآراء تعطي للوبي الصهيوني قوة كبيرة، وتعطي في نفس الوقت المبرر للإدارة الأمريكية لتبرير مواقفها المنحازة للكيان الصهيوني بحجة تعرضها للضغوط الصهيونية، وحاجتها للأصوات اليهودية.

إن هذه الآراء تختزل هذه القضية في عامل واحد، وتتجاهل حقيقة الحركة الصهيونية والوظيفة التي تقوم بها منذ إنشائها كأداة للدول الاستعمارية لتحقيق أهدافها، وهي الوظيفة التي يؤديها الكيان الصهيوني لمصلحة الولايات المتحدة في المنطقة، ولعل ما يبرز هذه الصورة بوضوح هي التساؤلات التي ثارت داخل مراكز صنع القرار الأمريكية حول أهمية الكيان الصهيوني للمصالح الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفيتي.

إن هذه التساؤلات في حد ذاتها توضح الدور الذي يلعبه الكيان الصهيوني ككلب حراسة لخدمة المصالح الأمريكية.

ومن هنا يأتي الخطأ في تصوير حقيقة العلاقة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، والتركيز على قوة اللوبي الصهيوني وتصوير الولايات المتحدة على أنها رهينة في يد اللوبي الصهيوني الذي يحركها لتحقيق مصالحه حتى لو تعارضت مع مصالح الولايات المتحدة.

إن القوة التي يتمتع بها اللوبي الصهيوني تنبع أساساً من حقيقة الدور الذي يلعبه الكيان الصهيوني في خدمة المصالح الأمريكية، وهو الدور الذي يعطي اللوبي المجال الخصب للتحرك والتأثير وإن كانت لغة المصالح هي الأساس التي توضح حقيقة العلاقة بين أمريكا والكيان الصهيوني فإن هذا بطبيعة الحال لا يعني تجاهل العوامل والمؤثرات الأخرى مثل دور اللوبي الصهيوني والصهيونية غير اليهودية والعوامل الثقافية وغيرها من المؤثرات الخرى.

3- إن الكثير من الكتابات وبصفة خاصة من بعض المنتمين للاتجاه الإسلامي تتسم بالمبالغة الشديدة، في الدور الذي يقوم به اليهود على مسرح الأحداث العالمية، والنظر إليهم باعتبارهم المحرك الرئيسي لهذه الأحداث، وهي نظرة فيها مبالغة شديدة فضلاً عن افتقادها الكثير من المصداقية، وهناك الكثير من الكتابات التي تنسب الكثير من الأحداث العالمية لليهود كالثورة الفرنسية، والثورة الشيوعية والتي يطلق عليها البعض الثورة اليهودية، وانقلاب حركة الاتحاد والترقي ضد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني 1908 ، وهذه الكتابات تعطي دوراً كبيراً لليهود، وتخدم المخططات الصهيونية- بدون قصد في أغلب الأحوال- في خلق هالة من القوة والنفوذ على اليهود، وإذا تأملنا هذه الأحداث بصفة عامة نجد أنها نبعت من ظروف داخلية، وأن دور اليهود فيها لا يتعدى محاولة استغلال هذه الأحداث لتحقيق أهدافهم( ).

لقد استطاعت الحركة الصهيونية أن تكلل جهودها بالنجاح بالحصول على وعد بلفور عام 1917، والذي كان حجر الأساس في إنشاء الكيان الصهيوني، وعملت بريطانيا من خلال انتدابها على فلسطين أن تمكن للحركة الصهيونية، وأن تعمل بكل الوسائل على تهيئة الظروف لتأسيس الكيان الصهيوني، وفي الوقت الذي كانت تسير فيه المخططات الصهيونية بنجاح كانت مصر تعاني من الاحتلال البريطاني، وكذلك النزعة القومية التي كانت تتبناها الأحزاب والقوى السياسية المصرية وعلى رأسها حزب الوفد، والتي تنطلق من شعار (مصر للمصريين) وعلى هذا الأساس لم تلق القضية الفلسطينية الاهتمام الكافي على المستوى الرسمي إلا في مرحلة متأخرة، وبعد توقيع مصر معاهدة 1936 وبصورة لم تكن تزيد عن إبداء التعاطف مع عرب فلسطين.

أما على المستوى الشعبي فقد برز الاهتمام بالقضية الفلسطينية في مرحلة مبكرة سواء على مستوى الشخصيات العامة سواء ذات التوجه العربي أو الإسلامي، أو على مستوى الهيئات الإسلامية، وكان على رأس هذه الهيئات جماعة الإخوان المسلمين.

والمتتبع للكتب والدراسات العديدة التي تحفل بها المكتبة العربية عن القضية الفلسطينية يلاحظ قلة الدراسات التي تتعرض لدور الجماعات والهيئات الإسلامية في القضية الفلسطينية التي لم تنل الاهتمام إلا في مرحلة متأخرة ومن هذه الدراسات دراسة صلاح حسن المسلوت بعنوان (موقف التيار الإسلامي في مصر من القضية الفلسطينية) (1936- 1948) والتي تتناول موقف التيار الإسلامي من تطورات القضية الفلسطينية منذ ثورة 1936 حتى نكبة فلسطين، وقد عنت الدراسة بموقف كافة القوى المنطوية تحت مسمى التيار الإسلامي وهي: الأزهر، والإخوان المسلمون، وجمعية الشبان المسلمين، وجماعة شباب محمد، وحزب مصر الفتاة من القضية الفلسطينية.

كما تناول إبراهيم البيومي غانم موقف الإخوان من القضية في أحد فصول دراسته للماجستير عن الفكر السياسي للإمام حسن البنا ، ويعد هذا الفصل دراسة تطبيقية للفكر النظري لحسن البنا الذي تناوله المؤلف بالتفصيل في دراسته.

كما تناول عبد الفتاح محمد البيومي في دراسته "تصور الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية" الإطار الفكري الذي دفع الإخوان للإهتمام الكبير بالقضية الفلسطينية.

وتنصب هذه الدراسة على دراسة موقف الإخوان من القضية الفلسطينية في الفترة من 1936 حتى 1949، بالرغم من أن اهتمام الإخوان المسلمين بدأ قبل عام 1936، بل يمكن القول أن هذا الاهتمام بدأ من جانب حسن البنا مؤسس الجماعة قبل تأسيسها عام 1928 ، ولكن آثرت تحديد فترة الدراسة بداية من عام 1936، وهو العام الذي اندلعت فيه الثورة في فلسطين والتي امتدت حتى عام 1939 ، لأن هذه الثورة فرضت نفسها على الساحة العربية واستقطبت الأضواء، وأبرزت موقف الإخوان بجلاء ووضوح سواء على الجانب النظري أو التطبيقي من القضية الفلسطينية.

والملاحظ أن معظم الدراسات التي تناولت موقف الإخوان من القضية الفلسطينية سواء بالتفصيل أو عرضاً قد انصبت على الإشادة بمواقف الإخوان ، والإشارة إلى دورهم في إرسال المتطوعين إلى الحرب عام 1948، وهو ما نلاحظه في الجانب الحربي، ومرت مروراً عابراً على جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية منذ نشأة الجماعة حتى فترة ما قبل الحرب.

وفي اعتقادي أن الجهاد السياسي والإعلامي والدبلوماسي الذي قام به الإخوان في الفترة من 1936 إلى 1939 لا يقل في الأهمية عن الجهاد الحربي للإخوان عام 1948، وإن ثورة 1936- 1939 مثلت الأساس والركيزة لانطلاق متطوعي الإخوان إلى فلسطين عام 1948.

لقد انقسم دور الإخوان في القضية الفلسطينية إلى مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: تمتد من 1936- 1939 وتركزت على الجانب السياسي والإعلامي.

المرحلة الثانية: من 1945 - 1949 وتركزت على الجانب الحربي بالإضافة إلى الجوانب الأخرى.

لقد ركز الإخوان في المرحلة الأولى على العمل على إيجاد رأي عام مناصر للقضية الفلسطينية خاصة في ظل السلبية واللامبالاة السائدة على المستوى الرسمي تجاه هذه القضية نتيجة التركيز على قضية الجلاء، وكذلك النظرة القومية الضيقة والتي ركزت على القضايا المصرية، وقد كانت جهود الإخوان عاملاً رئيسياً في الاهتمام بهذه القضية، وتنمية التوجه العربي في مصر، وقد كانت لسرعة انتشار الإخوان في مصر واكتسابهم المزيد من الأعضاء وافتتاح المزيد من الشعب عاملاً رئيسياً في تركيز الأضواء على هذه القضية وعدم قصرها على العاصمة أو المنتديات والمؤتمرات الثقافية.

أما المرحلة الثانية 1945 - 1949 فبالإضافة للجهود السياسية والإعلامية فقد ركز الإخوان على الجانب العسكري وتمثل ذلك في مساعدة الفلسطينيين على جمع السلاح من مخلفات جيوش الحلفاء في الصحراء الغربية، وشراء الأسلحة من التجار، ثم كان الدور الأكبر للإخوان في إرسال المتطوعين إلى فلسطين عام 1948.

ولابد من التوقف عند مذكرات الإخوان التي تناولت موقف الإخوان من القضية الفلسطينية، ويأتي على رأسها مذكرات كامل الشريف " الإخوان المسلمين في حرب فلسطين " وكامل الشريف من إخوان العريش وقد تسلل إلى فلسطين أواخر عام 1947 حيث شارك في الجهاد هناك وقد انضم إلى قوات الإخوان بعد دخولها فلسطين وتولى قيادتها، وقد أجبر على البقاء خارج مصر بعد الصدام بين الإخوان وعبد الناصر حيث أسقطت عنه الجنسية، وقد عاش – وما يزال - في الأردن حيث تولى وزارة الأوقاف الأردنية، ويعد كتابه عن حرب فلسطين أكثر الكتب شمولاً في هذا الصدد حيث حاول استقصاء جميع المعارك التي شارك فيها الإخوان سواء كان مشاركاً فيها أم لا، ويستمد كتابه أهميته بالإضافة إلى ذلك من ناحيتين: الأولى: أنه كتب مذكراته عن الحرب أثناء تواجده في فلسطين، والثانية: أن الكتاب صدر مبكراً وبعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.

ويظهر الكتاب مدى الخبرة التي اكتسبها الإخوان من حرب فلسطين، ويتضح ذلك من خلال الآراء والتحليلات التي عرضها كامل الشريف في كتابه بالرغم من أنه كان مدنياً ولم يكن عسكرياً.

ويوجد عدد من المذكرات لبعض الإخوان الذين شاركوا في الحرب منها مذكرات على صديق "الإخوان المسلمون بين إرهاب فاروق وعبد الناصر"، ومذكرات حسن الجمل "جهاد الإخوان المسلمين في القناة وفلسطين" وقد صدرت عام 2000 وقد نشرت بعد وفاة صاحبها حسب وصيته، ومذكرات علي مصطفى نعمان "[[شاهد على جهاد الإخوان المسلمين في حرب فلسطين 1948]] " وهي أحدث المذكرات في هذا الصدد وصدرت عام 2002 ، كما تناول محمود الصباغ في كتابه "حقيقة النظام الخاص " بالتفصيل دور الإخوان في حرب فلسطين وإن كان لم يشارك في الحرب، وإن كان له دور في عملية جمع السلاح للفلسطينيين بالإضافة إلى أنه قاد أول فوج من الإخوان إلى العريش حيث عسكر الإخوان قبل دخولهم فلسطين.

وهذه المذكرات ركز أصحابها على ما شاهدوه بأنفسهم في الحرب بالإضافة إلى رواية بعض الأحداث التي لم يشاركوا فيها نقلاً عن الإخوان المشاركين فيها، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه المذكرات قد اعتمدت على كتابة أصحابها لها أثناء الحرب أو بعدها مباشرة، وإن كان يبدو أنها لم تعتمد على كتابات مبكرة لهم وذلك نظراً لتعرضهم للاعتقال والسجن لفترات طويلة وهو ما يرجح فقدانهم لمثل هذه الكتابات إن وجت في ظل الحملات البوليسية التي تعرضوا لها.

ويلاحظ على هذه المذكرات وجود بعض الاختلافات في تفاصيل العمليات العسكرية، وهو أمر يبدو طبيعياً في ظل كتابة هذه المذكرات بعد فترات طويلة من كتاباتها، وإن كان معظم هذه الاختلافات في التفاصيل وليس في جوهر المعارك والأحداث، وقد أوردت بعض تفاصيل هذه الاختلافات في الهوامش إن كانت الضرورة تدعو إلى ذلك، وأعرضت عن ذكر البعض الآخر لعدم أهميتها في تناول الأحداث كما يبدو من هذه المذكرات أن أصحابها جعلوا قوات الإخوان محور الأحداث في هذه الحرب وهذا يبدو- أيضاً- طبيعياً في كتابة مثل هذه المذكرات التي تنطلق من دوافع ذاتية ورؤى شخصية، وهنا يأتي دور الباحث في وضع دورهم في الحرب في إطاره الصحيح من الأحداث في ظل الرؤية العامة للأحداث، وجوانبها المتعددة.

وقد حاولت في هذه الدراسة اختبار مدى مصداقية ما أورده الإخوان في مذكراتهم عن عملياتهم العسكرية في حرب فلسطين بالرغم من بعض الصعوبات في هذا الصدد نظراً لأن بعض العمليات العسكرية من الصعب تواجدها في مصادر أخرى غير المصادر الإخوانية نظراً لاقتصار بعض العمليات العسكرية على قوات الإخوان ، كما أن معظم الإخوان كانوا ضمن القوات التابعة لجامعة الدول العربية والتي كان يشار إليها بقوات المتطوعين أو القوات خفيفة الحركة والتي كانت تشمل الإخوان وغيرهم.

كما أن وثائق الحرب الرسمية لم تشر إلى اسم الإخوان إلا قليلاً في العمليات التي شاركوا فيها مع الجيش المصري حيث اقتصرت يوميات الحرب على عمليات الجيش والمتطوعين التابعين لجامعة الدول العربية لذلك لا يوجد إشارة إلى عمليات حرب العصابات التي قامت بها قوات الإخوان الحرة.

ولكن في المقابل نجد بعض المصادر الأخرى التي أكدت الكثير مما جاء في مصادر الإخوان ويأتي على رأس تلك المصادر شهادة قواد الجيش المصري في فلسطين اللواء المواوي، واللواء فؤاد صادق في قضية السيارة الجيب وقد جاءت هاتان الشهادتان مؤيدتين بصفة عامة لما جاء في مصادر الإخوان ، فقد أشاد القائدان بالدور الذي لعبه الإخوان بصفة عامة وذكروا بعض المواقع المحددة التي كان للإخوان دور فيها مثل استرداد عسلوج ومعركة التبة 86 ومعارك العريش، كما أشار المواوي إلى قيامهم بعمليات حرب العصابات ضد الصهاينة .

كما أشار مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني وبعض الفلسطينيين في شهاداتهم في نفس القضية إلى دور الإخوان في جمع السلاح للفلسطينيين كما تناولت الصحف المصرية- خاصة أخبار اليوم التي استطاع مراسلوها دخول فلسطين- إلى بعض العمليات التي قامت بها قوات المتطوعين وعلى رأسها البطل أحمد عبد العزيز ، وقد أشادت الصحيفة بأحد الإخوان الذي دمر مستعمرة تل بيوت وأطلقت عليه الصحيفة لقب "بطل تل بيوت".

وقد أشار القائد الأردني عبد الله التل إلى دور المتطوعين في معركة جبل المبكر، والتي كان يقود القوات فيها قائد الإخوان محمود عبده .

كما أشارت يوميات حرب فلسطين التي نشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل إلى بعض العمليات العسكرية التي شارك فيها الإخوان ، وأوضحت الطلبات المتكررة لمختلف الجبهات لإرسال متطوعي الإخوان إلى الجبهة عندما تأزم الموقف العسكري للقوات المصرية.

كما أوضحت وثائق الجيش عن حرب 1948 مشاركة الإخوان في بعض العمليات العسكرية، وأشادت بدورهم.

أما فيما يتعلق بدور الإخوان في فترة 1936- 1939 فأبرز المصادر التي تناولتها كتاب محمود عبد الحليم "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ"؛ حيث يعتبر أكثر الكتب تعرضاً لتلك الفترة الهامة بالتفصيل حيث أوضح دور الإخوان في مساعد القضية الفلسطينية وبث الوعي بها في أنحاء القطر المصري وتناول الوسائل التي لجأ إليها الإخوان لتحقيق هذا الهدف.

كما تناول حسن البنا في مذكراته "مذكرات الدعوة والداعية " موقف الإخوان من القضية الفلسطينية بعد الثورة عام 1936، والقرارات التي اتخذها الإخوان لمساندة الثورة، وأورد صوراً لبعض الرسائل التي بعث بها الإخوان إلى بعض الشخصيات مثل الأمير عمر طوسون وبطريرك الأقباط لحثهم على دعم الثورة الفلسطينية، وكذلك الرسائل التي بعث بها الإخوان إلى بعض القيادات الفلسطينية، ورسالة الإخوان إلى السفير البريطاني في مصر وغيرها من الرسائل في هذا الصدد.

كما تعتبر الصحف والمجلات التي أصدرها الإخوان مرجعاً هاماً في توضيح رؤية الإخوان للقضية الفلسطينية، وموقفهم من التطورات السياسية التي مرت بها هذه القضية، ولهذه الدوريات أهمية كبيرة في تحديد مدى وعي الإخوان بحقيقة الحركة الصهيونية ومدى إدراكهم المبكر لحقيقة الصهيونية من خلال تتبع كتاباتهم عنها وتواريخ هذه الكتابات.

وبالإضافة إلى هذه المذكرات يوجد بعض الكتب للإخوان والمنتمين إليهم عن دور الإخوان في فلسطين، ولكن هذه الكتابات يغلب عليها الطابع الدِّعائي، وتفتقد المنهج العلمي في البحث.

ومن المهم الإشارة إلى أهمية إنشاء مركز لدراسة تاريخ الحركة الإسلامية يقوم بجمع الوثائق والمراجع المختلفة عن تاريخها ويأتي على رأس المهام العاجلة لمثل هذا المركز تسجيل شهادات أعضاء الحركة الإسلامية، وبصفة خاصة أعضاء جماعة الإخوان ، وهو أمر ينبغي المسارعة بتنفيذه نظراً لرحيل عدد كبير من أعضاء جماعة الإخوان ، وتقدم السن بمن بقى على قيد الحياة، ومن المهم قيام باحثين متخصصين بهذه المهمة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة العلمية، وسد العديد من الثغرات التي يقف الباحث أمامها حائراً لندرة المادة العلمية.

كما يأتي على رأس مهام مثل هذا المركز جمع البيانات والقرارات التي أصدرها مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية للإخوان ، وتصنيفها حسب كل موضوع، وتيسير الإطلاع عليها أمام الباحثين الذين يجدوا مشقة في الوصول إلى هذه البيانات المتناثرة في العديد من الدوريات المختلفة.

وقد قسمت البحث إلى: مقدمة وفصل تمهيدي وأربعة فصول وخاتمة، وقد تناولت في الفصل التمهيدي نشأة الحركة الصهيونية وعلاقاتها بالقوى والجهود التي قامت بها الحركة الصهيونية حتى حصولها على وعد بلفور، والدور الذي قامت به بريطانيا لتدعيم جهود الصهيونية في فلسطين، وموقف شعب فلسطين من الحركة الصهيونية، والانتفاضات التي قام بها العرب ضد الصهيونية حتى ثورة 1936، وقد تناولت هذه الأحداث بشيء من التفصيل لتوضيح حقيقة الصهيونية ومدى إدراك الإخوان لها عند التعرض لرؤيتهم للقضية الفلسطينية.

الفصل الأول بعنوان: رؤية الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية:

ويتناول العوامل التي دفعت الإخوان للاهتمام بالقضية الفلسطينية، وهي عوامل متعددة نبعت من الرؤية الفكرية للإخوان بالإضافة لعوامل الأمن القومي لمصر والتهديد الصهيوني للوحدة العربية والإسلامية والعامل الديني، كما تناول الانتقادات الموجهة للإخوان ورؤيتهم للقضية الفلسطينية.

الفصل الثاني بعنوان: جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينيةمن 1936- 1939:

ويتناول جهود الإخوان في مساندة القضية الفلسطينية على صعيد النواحي السياسية والإعلامية والدبلوماسية والمالية والعسكرية، وأثر تلك الجهود التي قام بها الإخوان لدعم القضية الفلسطينية، كما تناولت بشئ من التفصيل الموقف الرسمي في مصر من القضية الفلسطينية وذلك لمقارنته بموقف الإخوان المسلمين.

الفصل الثالث بعنوان: جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية من 1945 - 1948:

ويتناول جهود الإخوان في دعم القضية الفلسطينية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والتي تسارعت فيها جهود الصهيونية لتحقيق أهدافها، وقد برز الجانب العسكري للإخوان خلال تلك الفترة من خلال إمداد الفلسطينيين بالسلاح بالإضافة للجهود السياسية والإعلامية والدبلوماسية ودخول قوات الإخوان إلى فلسطين قبل دخول الجيش النظامي بأكثر من شهرين، وإلتحاق متطوعي الإخوان بمعسكر الهايكستب التابع لجامعة الدول العربية ، ودخولهم فلسطين تحت قيادة "أحمد عبد العزيز ".

الفصل الرابع بعنوان: الدور الحربي للإخوان ف حرب فلسطين 1948- 1949:

ويتناول الدور العسكري للإخوان في حرب فلسطين وبالرغم من أن الإخوان بدءوا عملياتهم العسكرية مبكراً وقبل دخول القوات المصرية النظامية إلا أنني تناولت هذه العمليات في هذا الفصل حيث تشكل هذه العمليات وحدة واحدة، وقد تناولت بكثير من التفصيل هذه العمليات الواردة في مذكرات الإخوان ومحاولة مقارنتها بالمصادر الأخرى.

ثم تناولت الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها البحث وأود أن أشير إلى أنني تناولت بعض الأحداث بإسهاب لأن هذه الدراسة تأتي في إطار سلسلة تتناول تاريخ الحركة الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان ، كما أنني تعرضت لبعض الأحداث باقتضاب نظراً لتداخلها في موضوعات أخرى سيتم التعرض لها في دراسات لاحقة مثل تقييم دور النظام الخاص في حرب فلسطين ومدى مشاركته فيها وكذلك عمليات العنف التي قام بها الإخوان ضد المنشآت الصهيونية التي أشرت إليها سريعاً ولم أتعرض لتفصيلاتها أو تقييمها حيث سيتم تناولها في دراسة لاحقة عن النظام الخاص.

وفي الختام أدعو الله أن يتقبل هذا العمل وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

( ربنا تقبل إنك أنت السميع العليم )

صفوت سيد أحمد حسين

القرين – محافظة الشرقية

الاثنين 4 ربيع الأول 1424 هـ

5 مايو 2003 م

d-safout-housin2002 [email protected]

فصل تمهيدي

يعتبر عام 1897 الميلاد الرسمي للحركة الصهيونية كحركة سياسية منظمة وذلك حين عقد مؤتمر "بال" بسويسرا برئاسة تيودور هرتزل، وقد شكل هذا المؤتمر الميلاد الرسمي للحركة الصهيونية.

إلا إن الفكرة الصهيونية أقدم من ذلك بكثير، حيث تعود إلى القرن السادس عشر، وقد نشأت الفكرة الصهيونية في أحضان الاستعمار الأوروبي خاصة إنجلترا وفرنسا، وكذلك من خلال الصهيونية المسيحية أو غير اليهودية، وقد أدت حركة الإصلاح الديني في القرن 16 إلى تغير النظرة إلى اليهود، وفكرة احتمال عودتهم إلى فلسطين، فقبل حركة الإصلاح لم يكن هناك مكان لأية فكرة عن عودة اليهود إلى فلسطين، أو أي فكرة عن وجود الأمة اليهودية، وكان القساوسة الأوائل يرفضون التفسير الحرفي للتوراة، ويلجأون للتفسيرات المجازية فيما يتعلق بالفقرات الواردة في التوراة، والتي تشير إلى عودة اليهود إلى وطنهم، وبصفة عامة لم تكن أوروبا قبل عهد الإصلاح الديني تعتبر اليهود الشعب المختار الذي قدر له أن يعود للأرض المقدسة، وكان اليهود يعتبرون مارقين، ويوصمون بأنهم قتلة المسيح.

إلا إن المبادئ البروتستانتية التي وضعتها حركة الإصلاح الديني في القرن 16 أدت إلى تغيير هذه النظرة، فقد رفضت البروتستانتية فكرة التفسير المجازي للتوراة، والذي قادهم للاعتقاد بتحقيق نبوءات عن عودة اليهود إلى فلسطين، وأن هذه العودة مقدمة للأعتقاد بعودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض والتي ستدوم ألف عام.

وقد ترتب على هذا الاعتقاد ظهور العديد من الكتابات التي تتحدث عن بعث اليهود وعودتهم إلى فلسطين في انجلترا وغيرها من الدول الأوربية، وهو الأمر الذي مهد الطريق للأفكار الصهيونية عن الأمة اليهودية، وتعزيز فكرة العودة اليهودية إلى فلسطين(1).

وكانت فرنسا أول من طرح بشكل جدي فكرة توطين اليهود في فلسطين، فقد أعدت حكومة الإدارة الفرنسية عام 1798 خطة سرية لإقامة "كومنولث يهودي في فلسطين"، حال نجاح الحملة الفرنسية في احتلال مصر والمشرق العربي، وذلك مقابل تقديم الممولين اليهود قروضاً للحكومة الفرنسية، والمساهمة في تمويل الحملة الفرنسية على مصر وأن يتعهد اليهود ببث الفوضى وإشعال الفتن وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها.

وكان أول وعد يمنح لليهود، هو الوعد الذي منحه نابليون بونابرت عام 1799 أثناء حصاره لمدينة عكا، والذي خاطب فيه اليهود بأنهم ورثة فلسطين الشرعيين ودعاهم لمؤازرته طالباً منهم العمل على "إعادة احتلال وطنهم" وبالرغم من فشل مشروع نابليون إلا أنه أظهر بوضوح إن محاولات التوسع الاستعماري الغربي في الشرق العربي بعد نابليون، ستتخذ من مشاريع توطين اليهود في فلسطين ذريعة للتدخل في مصير هذا الجزء من العالم، والعمل على إيجاد كيان يهودي ليكون أداة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي(2).

وقد أصبح الوجود اليهودي في فلسطين خلال القرن 19 قضية سياسية بالنسبة للدول الأوربية التي كانت تصبو إلى التوسع فيما وراء البحار، وإقامة الإمبراطوريات، وأصبحت السلطات الدينية والدنيوية تتاجر بالأفكار الصهيونية نظراً لجدواها المحتملة في الوضع السياسي السائد، وقد وجدت فكرة توطين اليهود في فلسطين اهتماما كبيراً في بريطانيا خاصة مع محاولات محمد علي إقامة إمبراطورية عربية قوية، وهو الأمر الذي كان يتعارض مع السياسة البريطانية القائمة على المحافظة على ممتلكات الدول العثمانية.

وقد سعت بريطانيا لإيجاد طائفة تعتمد عليها في بلاد الشام وذلك لحماية مصالحها، وقد رأت في اليهود أقلية يمكن الاعتماد عليها في فلسطين، وقد قامت بريطانيا في يوليو 1838 بافتتاح أول قنصلية لها في القدس، وأعلنت أنها أنشأت قنصليتها بهدف رعاية مصالحها في فلسطين والتي من ضمنها " تقديم الحماية لليهود هناك عامة".

يعتبر "بالمرستون" من أشد المتحمسين لفكرة توطين اليهود في فلسطين منذ توليه وزارة الخارجية عام 1830 وحتى بعد تسلمه رئاسة الوزراء فيما يعد، حيث عبر مراراً عن اعتقاده بأن بعث الأمة اليهودية سيعطي القوة للسياسة الإنجليزية وقد مارس بالمر ستون ضغوطا شديدة على الدولة العثمانية للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي فيها، ففي أغسطس عام 1840 أرسل تعليمات إلى السفير البريطاني في الأستانة يدعوه فيها إلى حث السلطان العثماني على السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وإقامة مستوطنات لهم فيها، وفي سبتمبر من نفس العام أرسل مرة أخرى للسفير البريطاني في الأستانة يدعوه لمتابعة طلبه للباب العالي بالسماح لليهود بالعودة إلى فلسطين وبالرغم من فشل بالمر ستون في إقناع السلطان بالتخلي عن رفضه السماح لليهود بالهجرة الاستيطانية إلى فلسطين، فقد ظلت قضية توطين اليهود في فلسطين أحد أهداف السياسة البريطانية في الشرق العربي(3).

وهكذا يتضح أن فكرة توطين اليهود في فلسطين، والعمل على إنشاء كيان لهم قد ظهرت ونمت في ظل الأطماع الاستعمارية خاصة من جانب فرنسا وبريطانيا، وإن كانت بريطانيا قد استطاعت أن تحسم الأمر لصالحها في عام 1917 بإصدار وعد بلفور.

أما على الجانب اليهودي فإن فكرة الاستيطان في فلسطين قد بدأت بصورة جدية في أوسط الثلاثينيات من القرن 19، أما قبل ذلك التاريخ فالصلة بين اليهود وفلسطين كانت في غالبيتها مجرد صلة عاطفية(4).

ويعتبر تيودور هرتزل المؤسس الأول للصهيونية السياسية، وكان هرتزل قد أصدر عام 1896 كتابه "الدولة اليهودية" والذي دعا فيه إلى تأسيس دولة لليهود وإن لم يحدد لها مكاناً معيناً، وإن اعتبر فلسطين الوطن التاريخي الذي تهفو إليه قلوب اليهود بشدة وقد تمكن هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة "بال" بسويسرا عام 1897، حيث تدارس المؤتمر موضوع إنشاء وطن قومي واستقر رأي الأغلبية على اختيار فلسطين، وعندئذ أطلق على حركة اليهود السياسية هذه اسم الحركة الصهيونية ربطاً لها بفلسطين وصهيون.

وقد حدد المؤتمر غاية الصهيونية في "إقامة وطن لليهود في فلسطين يعترف به القانون العام"، كما حدد المؤتمر وسائل تحقيق هذه الغاية عن طريق العمل على استعمار فلسطين بالعمال الزراعيين والصانعين اليهود وتنظيم الصهيونية العالمية وربطها بمنظمات محلية ودولية تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل بلد، وتقوية الشعور والوعي القومي اليهودي وتغذيته، وبذل المساعي من أجل كسب تأييد الحكومات لتحقيق أهداف الصهيونية وهكذا تبلورت الفكرة الصهيونية في هذا المؤتمر الذي أسس الصهيونية السياسية والذي دعا إلى إنشاء دولة خاصة باليهود في فلسطين يحتشدون فيها من أرجاء العالم، وبذلك انطلق المؤتمر في نظرته لليهود بأنهم يشكلون وحدة دينية عنصرية، وأنهم شعب بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وأن اليهودية تشكل قومية وليست ديانة.

وقد علق هرتزل على أعمال مؤتمر بال قائلاً " لو أردت أن ألخص أعمال مؤتمر بال في كلمة واحدة – وهذا ما لم أقدم على الجهر به- لقلت: في مدينة بال أوجدت الدولة اليهودية.

ولو جهرت بذلك اليوم لقابلني العالم بالسخرية...... في غضون خمس سنوات ربما وفي غضون خمسين عاما بالتأكيد سيراها الجميع. إن الدولة قد تجسدت في إرادة الشعب لإقامتها(5).

لم تمض فترة وجيزة على المؤتمر الصهيوني في بال حتى تم إنشاء العديد من المؤسسات والمنظمات بهدف تمويل عملية استعمار فلسطين وتنظيمها وربطها بالجهود الصهيونية الشاملة لتنفيذ أهداف مؤتمر بال، ووضعها موضع التنفيذ مثل المؤتمر الصهيوني واللجان الاستشارية والمصرف اليهودي للمستعمرات، ولجنة الاستعمار، والصندوق القومي اليهودي(6).

لقد كان مؤتمر بال البداية الفعلية لتأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين، لكن من المهم التوقف عند دوافع هرتزل الحقيقية، فالبرغم من حديث هرتزل وغيره من الصهيونيين عن شعب الله المختار، وأن فلسطين الوطن القومي التاريخي لليهود، وإن منطقتنا: "من النيل إلى الفرات"، فإن المحرك الأساسي للصهيونية هي الأهداف الاستعمارية، ولم يخف هرتزل نفسه أن الصهيونية السياسية كانت مشروعاً استعمارياً فيذكر "إن مشروعي للاستعمار يحتاج إلى دراسة متعمقة" وأعلن هرتزل هدفه من الدولة الصهيونية أن تكون "حصنا متقدما للحضارة الغربية في مواجهة بربرية الشرق" وهناك العديد من النصوص والكتابات لهرتزل الذي تكشف حقيقة الصهيونية كمشروع استعماري وارتباطه بالاستعمار الغربي، ولذلك اتجه هرتزل إلى الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا لتسويق مشروعه الاستعماري، وإيضاح مزاياه في حماية مصالح هذه الدول.

ومن المهم الإشارة إلى أن المشروع الصهيوني لم يرتبط بإنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين سواء قبل مؤتمر بال أو بعد المؤتمر بعدة سنوات، وقبل أن يستقر الأمر على ضرورة إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين، وقد حاولت الصهيونية إقامة العديد من المشاريع الاستيطانية في مناطق مختلفة من العالم مثل أرض مدين في شمال الحجاز، وفي سيناء والجبل الأخضر في ليبيا والبحرين والإحساء، وقبرص وأوغندا والأرجنتين وغيرها من المناطق.

لقد اتخذت الصهيونية من الأساطير الدينية وسيلة لخدمة أهدافها الاستعمارية، فعملت على توظيف هذه الأساطير، واستغلالها إلى اكبر حد ممكن لتحقيق مخططاتها، بالرغم من أن هرتزل مؤسس الصهيونية السياسية لم يكن متديناً، ويذكر في مذكراته أنه "مراعاة للدوافع الدينية فقد ذهبت إلى المعبد، يوم السبت قبل المؤتمر".(7)

لقد جوبهت الصهيونية بمعارضة معظم الفئات اليهودية، ولم يكن اليهود بمجموعهم راغبين في الصهيونية ولم يؤمنوا بها ويتضح من تحليل تيارات الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتي بدأت عام 1882 أن توافد اليهود إلى فلسطين على مدى سبعين عاما كان متصلا بعوامل خارجية مثل اضطهاد اليهود في روسيا، والظروف الاقتصادية السيئة، وسياسة الإبادة الجماعية لليهود التي اتبعها النازيون في ألمانيا، أما الدعاية الصهيونية بين اليهود، ودعوتهم إلى العودة إلى أرض الأجداد فكانت أقل العوامل التي ساعدت على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ويتضح ذلك من خلال إحصائيات الهجرة اليهودية، فخلال الفترة من 1881- 1931 هاجر إلى فلسطين 120 ألف يهودي فقط، أي أقل من عدد المهاجرين إلى أمريكا بـ 27 مرة(8).

كان على هرتزل التحرك لدي الدولة العثمانية صاحبة السيادة الشرعية على فلسطين للحصول على موافقتها على السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وقد بذل العديد من المحاولات مع الدولة العثمانية طوال الفترة من 1896 وحتى عام 1902 للحصول على موافقتها، إلا إنه اصطدم بمعارضة السلطان عبد الحميد (1876- 1909) القوية بالرغم من كل العروض التي قدمها هرتزل لمساعدة الدولة العثمانية ماليا وإنقاذها من الإفلاس.

لقد رأى السلطان عبد الحميد إنه إذا سمح لليهود بالتوطن في فلسطين فإنهم سيتمكنون في وقت قليل جداً من جمع وسائل القوة في أيديهم، وفي هذه الحالة "نكون قد وقعنا قراراً بالموت على إخواننا في الدين" ويقصد بذلك فلسطين(9).

والملاحظ أن السلطان عبد الحميد قد وقف موقفا قويا واضحاً منذ البداية من المحاولات الصهيونية فقد أعلن في يونيو 1896 وقبل عقد مؤتمر بال "لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحداً من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وقد غذّوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا.

قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا .... لا أستطيع أبداً أن أعطي أحداً أي جزء منها ليحتفظ اليهود ببلايينهم فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل إنما لن تقسم إلا على جثثنا ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان"(10).

وهكذا فشلت محاولات الصهيونية مع الدولة العثمانية، والتي أخذت تركز في تحقيق مشروعها الاستعماري الاستيطاني على بريطانيا وقد ساعدت الظروف الدولية على التقاء الطرفين لتحقيق المشروع الصهيوني، ففي بداية القرن العشرين بدأ المد الاستعماري لألمانيا يشكل قلقاً وتهديداً لبريطانيا، ورأت بريطانيا ضرورة إيجاد جبهة استعمارية موحدة لإيجاد نوع من التعاون بين كل الدول الاستعمارية، وتحاشي التنافس والصدام بينهما وبين الدول الاستعمارية الأخرى.

ومع وصول حزب الأحرار إلى الحكم في بريطانيا شكل رئيس الوزراء البريطاني "كامبل بنرمان" لجنة تشمل ممثلي الدول الاستعمارية ضمت خبراء في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والنفط والزراعة والاستعمار لدراسة أسباب انهيار الإمبراطوريات، وكيفية المحافظة على وضع الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة والمحافظة عليها، وقد انتهت اللجنة إلى وضع خطة للمستقبل تضمنها تقرير اللجنة والذي عرف بتقرير كامبل وكان أهم ما تضمنه التقرير أن الخطر على الإمبراطوريات الاستعمارية يكمن- في البحر المتوسط وفي شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص- حيث يعيش شعب واحد تتوافر له كل مقومات التجمع والاتحاد- وأن هذا التجمع لو تم فسيشكل ضربة قاضية للإمبراطوريات الاستعمارية وقد انتهى التقرير إلى ضرورة درء هذا الخطر عن طريق فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئه الآسيوي، ولذلك اقترح التقرير إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أسيا بإفريقيا ويربطهما بالبحر المتوسط، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة(11).

وقد وجد الطريق لتنفيذ هذا المخطط خلال الحرب العالمية الأولى، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات البريطانية تقتحم فلسطين، كانت المفاوضات قائمة على قدم وساق بين الساسة البريطانيين وزعماء الحركة الصهيونية، والتي تمخضت عن إصدار وعد بلفور نسبة إلى جيمس آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك في 2 نوفمبر 1917، وقد جاء الوعد على شكل رسالة وجهها إلى اللورد روتشيلد الزعيم الصهيوني الكبير في بريطانيا، وجاء فيه "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم بوضوح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التي يتمتع بها اليهود في البلدان الأخرى".

لقد كان العامل الجوهري وراء إصدار هذا القرار مصالح بريطانيا الاستعمارية بالإضافة إلى عوامل أخرى فبلفور الذي كان يبدي عطفاً شديداً على الحركة الصهيونية هو نفسه الذي أصدر عام 1905 عندما كان رئيسا للوزراء قانون الهجرة الذي حدد بمقتضاه هجرات يهود شرق أوروبا إلى بريطانيا مبررا ذلك "بالخوف من الأخطار والشرور التي بدأت تتعرض لها بريطانيا من توافد المهاجرين الذين كانوا في غالبيتهم يهوداً"(12).

لقد اتسمت سياسة بريطانيا بالخداع والنفاق والازدواجية، ففي الوقت الذي كانت تمنح في الحكومات الصهيونية هذا الوعد، كانت القوات العربية تقاتل إلى جانب بريطانيا ضد القوات التركية بناء على المراسلات التي تمت بين الشريف حسين بن علي شريف مكة والسير "آرثر مكماهون" المندوب السامي البريطاني في مصر خلال عامي 1915، 1916 والتي تعهدت فيها بريطانيا بالاعتراف بقيام دولة عربية مستقلة مقابل ثورة العرب ضد الترك، وقد طالب الشريف حسين بدولة عربية تشمل شبه جزيرة العرب (ماعدا عدن) وفلسطين وسوريا والعراق(13).

وبالرغم من تحفظ بريطانيا على حدود الدولة العربية المقترحة إلا أن تحفظات بريطانيا لم تشمل فلسطين التي كانت داخل داخلة ضمن الحدود التي أقرت بها بريطانيا، وهو الأمر الذي أثبتته الوثائق بالرغم من ادعاء مكماهون – فيما بعد – أن فلسطين لم تكن ضمن حدود الدولة العربية المقترحة.

وفي إطار سياسة الاتفاقات والمعاهدات والتسويات لما بعد الحرب عقدت اتفاقية "سايكس- بيكو" بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام أملاك الدولة العثمانية بين الدولتين في 16 مايو 1916، وكانت هذه المعاهدة تمثل الجزء الخاص التنفيذي لمعاهدة "بطرسبرج" التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية خلال مارس 1916، وقسمت بمقتضاها أملاك الدولة العثمانية بين الدول الثلاثة.

وفيما يخص فلسطين فقد نص الاتفاق على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا، وأن تكون بقية فلسطين منطقة تخضع لإدارة دولية، وعلى الرغم من أن الصهيونيين قد اعتبروا أن اتفاقية "سايكس- بيكو" قد تجاهلتهم إلا أن هذا الاتفاق كان خطوة أولى لزحزحة فرنسا عن فلسطين تمهيداً لسيطرة بريطانيا وحدها عليها بعد أن يتم وضعها تحت إدارة دولية خاصة، وذلك بالاستعانة بالصهيونية(14).

وهكذا مضت بريطانيا في سياسة الخداع، وعقد الاتفاقيات ومنح الوعود المتناقضة، والغريب هو استمرار الشريف حسين في حسن ظنه ببريطانيا، وانخداعه بالتفسيرات البريطانية لوعد بلفور ومعاهدة "سايكس –بيكو" بعد افتضاح أمرها بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917.

لقد كان تصريح بلفور هو الوثيقة التي أرست حجر الأساس في مأساة فلسطين، لذلك حرصت بريطانيا على إدراج وعد بلفور في جميع الوثائق الهامة التي تتعلق بفلسطين، سواء الوثائق ذات الصفة الدولية أو التي صدرت من المنظمات الدولية مثل عصبة الأمم أو الوثائق الدولية الخاصة بفلسطين(15).

فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عقد الحلفاء مؤتمر الصلح في "فرساي" بفرنسا في يناير 1919 وانتهى المؤتمر في يونيو 1919 بالتوقيع على ميثاق عصبة الأمم الذي تضمن معاهدات الصلح مع الدول المهزومة، وقد تنكر المؤتمر لكل مبادئ الحرية وحقوق الشعوب الذي كان ينادي بها الحلفاء أثناء الحرب، والتي اتضح أنها لم تكن إلا تصريحات للاستهلاك المحلي لضمان مساعدة الشعوب للحلفاء في الحرب، وقد اتضحت المطامع الاستعمارية لدول الحلفاء من خلال المسمى الجديد للاستعمار وهو نظام الانتداب، والذي تضمنه ميثاق عصبة الأمم تحت زعم أن شعوب هذه البلاد التي فرضوا عليها الانتداب لا تزال غير قادرة على الوقوف وحدها في الحياة، وأن الطريقة المثلى للنهوض بهذه الشعوب أن يعهدوا بها إلى الأمم الراقية التي تمكنها مواردها وخيراتها من القيام بهذا العمل منتدبة عن عصبة الأمم.

وقد اعترفت المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم بأن بعض الجماعات التي كانت تابعة للإمبراطوريات العثمانية قد بلغت من التقدم درجة يمكن معها الاعتراف بها كأمم مستقلة على أن تتولى إبداء النصح والمشورة لها دولة منتدبة، إلى أن يحين الوقت الذي تصبح هذه الجماعات قادرة على الوقوف بمفردها، وعلى أن يكون لرغائب هذه الجماعات اعتبار رئيسي في الدولة المنتدبة.

ولكن برغم ذلك فإن هذه المادة لم تجد طريقها للتنفيذ فقد اجتمع مجلس الحلفاء الأعلى في شكل مؤتمر في "سان ريمو" وقرر وضع كل من سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وكل من العراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني دون مراعاة لرغبات شعوب هذه البلاد، وكان هذا الإجراء يتفق والتخطيط الاستعماري الصهيوني الذي تمخض عن التحالف بين الاستعمار البريطاني والصهيونية، فقد تركت بريطانيا سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي حتى تتمكن بريطانيا من السيطرة على مقدرات العراق وفلسطين، وحتى تستطيع أن تفي بوعدها للصهيونية في فلسطين.

وقد بحث مجلس الحلفاء الأعلى مشروع الانتداب على فلسطين وعرضت بريطانيا على عصبة الأمم المشروع كما وضعته المنظمة الصهيونية فأقرته عصبة الأمم في يوليو 1922. ويتكون صك الانتداب من مقدمة وثمان وعشرين مادة، وتنطق مقدمة الصك وبنوده بأهداف الاستعمار البريطاني في تنفيذ المخططات الصهيونية، وإنشاء الدولة الصهيونية كحاجز فاصل بين عرب آسيا وعرب أفريقيا عن طريق تمكين الصهاينة من فلسطين وتوفير كل السبل للسيطرة الصهيونية عليها.

فقد أشير في مقدمة الصك إلى وعد بلفور وموافقة دول الحلفاء على إنشاء الوطن القومي اليهودي، ومسؤولية الدولة المنتدبة في إنشاء هذا الوطن، ومن أهم مواد الميثاق التي تفضح مخططات تهويد فلسطين والتخلص من شعبها:

المادة الثانية:- تكون الدولة المنتدبة مسئولة عن جعل البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن اليهودي.

المادة الرابعة:- يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشئون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان واليهود في فلسطين ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد على أن يكون ذلك خاضعاً دوماً لمراقبة الإدارة.

المادة السادسة:- على إدارة فلسطين- مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق، ووضع فئات الأهالي الأخرى- أن تسهل هجرة اليهود في أحوال ملائمة وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية المشار إليها في المادة الرابعة- حشد اليهود في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية(16).

الإدارة البريطانية في فلسطين المحتلة:-

عمل "هربرت صموئيل" الذي عين مندوباً سامياً بريطانيا في يوليو 1920 بعد استبدال الإدارة العسكرية البريطانية بإدارة أخرى مدنية على تنفيذ خطط تهويد فلسطين وتنفيذ المخططات الصهيونية. ويعد "صموئيل " من أقطاب الحركة الصهيونية العالمية، وعضوا في المنظمة الصهيونية البريطانية، وقد أسهم بدور كبير في إصدار وعد بلفور، وفي معظم المشروعات الصهيونية منذ بدء قيام الحرب العالمية الأولى، ويذكر "صموئيل" في مذكراته: "لقد كنت الأول من الشعب اليهودي الذي قدر له أن يحتل مقعداً في الوزارة البريطانية، ولعل الفرصة قد سنحت أمامي لتنفيذ أماني الشعب اليهودي القديمة وإعادة إنشاء دولة يهودية فيها، وإني أعتقد أن النفوذ الإنجليزي يجب عليه أن يقوم بدور هام في تأسيس مثل هذه الدولة، لأن وضع فلسطين الجغرافي وقربها من مصر، يجعل صداقتها لإنجلترا أمراً له أهميته للإمبراطورية البريطانية.(17)

وقد عمل "صموئيل" بكل نشاط على تهيئة فلسطين لقيام الوطن القومي اليهودي، وتهويد الإدارة، فقام بتعيين جميع رؤساء الدوائر الحكومية من اليهود أو الإنجليز المتعصبين للصهيونية، وسلم دائرة التشريع وإعداد القوانين، ودائرتي التجارة والمهاجرة إلى صهيونيين معروفين، واعتبر العبرية لغة رسمية، وأعلن استقلال اليهود بإدارة مدارسهم وشئون التعليم والمعارف، وعمل على تسليم موارد الثروة الرئيسية في البلاد وتقديم الامتيازات لهم دون حساب، كما عمدت السلطات البريطانية إلى زيادة الضرائب والرسوم على الواردات مما تنتجه الصناعة اليهودية، والى تخفيض أو إعفاء الضرائب والرسوم عما تحتاجه الصناعة اليهودية لتشجيع المصانع اليهودية، وبصفة عامة فقد عمدت السلطات البريطانية في فلسطين إلى اتخاذ كل ما من شأنه تنفيذ المخططات الصهيونية في فلسطين(18).

إلا أن أكبر دعامتين في تنفيذ المخطط الصهيوني تركزت في الهجرة اليهودية، وتملك الأراضي، وقد عملت الإدارة البريطانية بالتعاون والتنسيق مع المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية لإزالة العقبات، وتيسير كل السبل أمام الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والى تملكهم أكبر قدر ممكن من الأراضي في فلسطين.

ففي مجال الهجرة عملت الإدارة البريطانية على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وليس أدل على تحيز الإدارة البريطانية الصارخ للصهيونية العالمية من أمرين:-

1- كان يرأس إدارة الهجرة في فلسطين يهودي، وكان اليهود – دون غيرهم- يشغلون جميع الوظائف في هذه الإدارة طوال فترة الانتداب.

2- وضعت السلطات البريطانية في فلسطين قانوناً لتيسير تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وقد بدءوا في تنفيذ هذا القانون عام 1920 قبل صدور صك الانتداب، وقد أصدرت السلطات البريطانية العديد من القوانين التي استهدفت تيسير السبل أمام الهجرة اليهودية، وجعلت للوكالة اليهودية الكلمة الأولى في السماح لليهود بالهجرة.

وبصفة عامة لم ينقطع تيار الهجرة اليهودية إلى فلسطين طوال عهد الانتداب البريطاني، وإن كان هذا التيار يشتد أحيانا ويضعف أحيانا طبقا للأوضاع الداخلية والدولية، وهي الأوضاع التي كانت تجبر بريطانيا أحياناً على تقييد الهجرة اليهودية لبعض الوقت.(19).

وتوضح الإحصائيات التزايد الرهيب في معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين بعد الانتداب البريطاني عليها، ففي عام 1882 كان عدد اليهود في فلسطين 24 ألف، وقد شهدت الفترة من عام 1882 إلى عام 1914 هجرتين يهوديتين إلى فلسطين:-

الأولى: من عام " 1882- 1903 " ووصل تعدادها حوالي 25 ألف مهاجر يهودي.

الثانية: من عام " 1904- 1914 " ووصل تعدادها حوالي 40 ألف مهاجر يهودي.

ولكن مع الأخذ في الاعتبار العوامل الطبيعية، وعدد اليهود النازحين عن فلسطين، فقد قدر عدد اليهود في فلسطين عام 1918 ما يقرب 56.671.(20)

وفي عام 1921 كان مجموع السكان 757.182 نسمة (590.000 مسلم و 83.794 يهوديا و73.014 مسيحيا و90.474 من فئات أخرى)، وفي إحصاء 1931 كان عدد السكان 1.035.821 (759.712 مسلمات و 174.610 يهودي، و 91.398 مسيحيا، و 10.101 من فئات أخرى) وقدر عدد السكان في عام 1944 بـ 1.764.000 (1.79.000، عربي، و 554.000 يهودي، و32.000 من فئات أخرى).

وفي منتصف مايو عام 1948 يمكن تقدير عدد السكان بـ 2.056.000 نسمة (1.415.000 و650.000 يهودي). ويتضح أن نسبة اليهود من مجموع السكان قد ارتفعت من 8٪ عام 1918 إلى حوالي 12٪ عام 1922، إلى 17٪ عام 1931، والى 31٪ عام 1944 ومنتصف مايو 1948(21).

أما الدعامة الأساسية الثانية التي ارتكز عليها المشروع الصهيوني في فلسطين، فهي العمل على تملك أكبر قدر من الأراضي، وقد عملت الصهيونية بتأييد ودعم ومباركة سلطات الانتداب البريطاني على منح اليهود أكبر قدر من الأراضي في فلسطين بكافة الوسائل والطرق القانونية وغير القانونية، واستناداً إلى المادة 6 من صك الانتداب البريطاني، والتي سبق إيرادها.

ومن المهم التوقف عند موضوع تملك الأراضي نظراً للفرية التي يرددها البعض سواء بوعي أو بدون وعي في معظم الأحيان، والتي تصب في مصلحة الكيان الصهيوني، وتخدم مخططاته، والتي تشكل دعوة للنكوص والسلبية في مساعدة الفلسطينيين تحت دعم أنهم قد باعوا أرضهم لليهود وهي الفردية التي يردده الكثيرون دون بينة أو دليل.

لقد عملت الإدارة البريطانية على تهيئة كل السبل أمام اليهود لتملك الأراضي ومن ذلك:-

1- إصدار العديد من التشريعات التي تطلق يدها في التصرف في الأراضي الأميرية في فلسطين، وقد أعطى دستور فلسطين الصادر عام 1922 المندوب السامي البريطاني سلطات واسعة في إعطاء اليهود الأراضي العمومية عن طريق الهبة أو الإيجار، كما أصدرت الحكومة البريطانية عام 1926 قانون نزع الملكية لتسهيل استيلاء اليهود على الأراضي.

2- اتخاذ السلطات البريطانية العديد من الإجراءات لإكراه العرب على بيع أراضيهم منها:

أ- فرض ضرائب باهظة على الأرض، فقد كانت نسبة الضرائب ترتفع إلى 35٪ من دخل المزارع العربي حيث كان يعمل الفلسطينيون بالزراعة، بينما كان يعمل اليهود في مجالات الصناعة والتجارة.

ب- حظر تصدير المنتجات الزراعية إلى الخارج مما أدى إلى عجز المزارع الفلسطيني عن تسديد الديون والضرائب، ففي الوقت الذي تم فيه فتح الباب لاستيراد السلع التي تخدم اليهود.

ج- تصفية البنك الزراعي العثماني في فلسطين وتحصيل معظم ديونه قسراً من صغار المزارعين مما أضطرهم إلى بيع أراضيهم لسداد الديون.

د- وضع العقبات أمام المزارع الفلسطيني للحصول على الأسمدة والبذور وغيرها من مستلزمات الزراعة.

3- قيام عائلات عربية سورية ولبنانية كانت تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي في فلسطين ببيع أراضيها لليهود بدلا من بيعها للفلسطينيين.

4- الجهود الصهيونية لشراء الأراضي عن طريق الإغراءات المالية والسماسرة، فقد أسست الصهيونية شركتين يهوديتين أسهم في تمويلها يهود أمريكا وبريطانيا لشراء الأراضي في فلسطين، وكانت الإدارة الفعلية لهاتين الشركتين في يد الوكالة اليهودية، وقد نص في قانون هاتين الشركتين على "أن ما يشتري من الأراضي في فلسطين من العرب يحتفظ به ملكاً ثابتاً للشعب اليهودي لا يمكن انتقاله إلى أيدٍ أخرى، وإنه يحرم استخدام غير اليهودي للعمل في تلك الأراضي في جميع الأحوال سواء كانت إصلاحاً أم زراعة."

وبالرغم من كل هذه الإجراءات والتدابير فإن مجموع ما امتلكه اليهود حتى عام 1948 لم يزد عن 7٪ من الأراضي الزراعية بفلسطين، والتي تبلغ مساحتها 27 مليون دونم (الدونم ألف متر مربع = ربع فدان تقريباً) وتوضح الإحصاءات أن اليهود قد امتلكوا 650 ألف دونم أثناء الحكم العثماني لفلسطين وقبل الاحتلال البريطاني، وقد ارتفع حجم الأراضي الزراعية المملوكة لليهود بعد الاحتلال البريطاني عن طريقين رئيسين هما: الأراضي الأميرية التي منحتها الإدارة البريطانية لليهود، والأراضي التي باعتها الأسر العربية غير الفلسطينية لليهود، أما الجزء الأصغر فقد باعه الفلسطينيون نتيجة للضغوط عليهم وعجزهم عن تسديد الديون المتراكمة عليهم وكذلك تحايل بعض السماسرة وقيامهم بشراء الأراضي منهم ثم بيعها لليهود بأثمان باهظة، كما باع البعض أراضيهم نتيجة للإغراءات اليهودية.

وتوضح الإحصائية الآتية مجموع ما امتلكه اليهود حتى عام 1948، والمصادر التي حصلوا منها على هذه الأراضي:-

650 ألف دونم أثناء الحكم العثماني

679 ألف دونم من الإدارة البريطانية سواء مجاناً أو بأجر رمزي

678 ألف دونم من الأسر غير الفلسطينية كأسرة آل سلام وآل سرسق والتيان والتوني والقباني وشمعة والقوتلي..... وغيرها من الأسر.

68 ألف دونم تملكها اليهود من ارض فلسطين بالاغتصاب والقوانين

المجموع: 2.075.000

ويتضح من هذه الإحصائية أن ما ملكه اليهود من عرب فلسطين مباشرة لا يتعدى 68 ألف دونم وأن الكثير منها اغتصب عن طريق الأوامر وقوانين نزع الملكية وغيرها من وسائل الضغط والتحايل، وإن الجزء الصغير من هذه الأراضي والذي لا يتعدى بضعة آلاف هو الذي باعه أهل فلسطين وهو قدر –كما يرى صالح مسعود أبو بصير- يقل جدا عما يباع للأجانب في بلد عربي آخر.(22)

وقد عمل الفلسطينيون على مواجهة ظاهرة انتقال الأراضي لليهود، والتي كانت احد أسباب انتفاضة الفلسطينيين عام 1933، وقد لجأت القيادات الفلسطينية وعلى رأسها مفتي القدس محمد أمين الحسيني إلى أسلوب الإقناع لمحاولة وقف جهود سماسرة الأراضي عن طريق إقناع أهالي القرى بمنع بيع أراضيهم إليهم، والتمسك بها، كما لجأ إلى عقد الاجتماعات لعلماء الدين لاستصدار الفتاوى بتحريم بيع الأرض لليهود، وقد اصدر مؤتمر علماء فلسطين في عام 1935 فتوى دينية بتحريم بيع الأراضي لليهود وتحريم الصلاة والدفن في مقابر المسلمين على البائع والسمسار والوسيط، ودعت الفتوى إلى نبذهم ومقاطعتهم، كما أصدر العديد من كبار العلماء من خارج فلسطين الفتاوى المماثلة، ومنها فتوى الشيخ رشيد رضا الذي جاء فيها "أن من يبيع شيئا من أرض فلسطين وما حولها لليهود أو للإنجليز فهو كمن يبيع المسجد الأقصى وكمن يبيع الوطن كله." كم تم تأسيس "صندوق الأمة" لجمع التبرعات والاشتراكات لتكوين رأس مال عربي لشراء الأراضي المهددة بالبيع، حيث تم إنقاذ بعض الأراضي التي كانت معروضة للبيع(23).

كما لجأ الشباب الفلسطيني إلى استخدام العنف ضد البائعين والسماسرة مما أدى إلى اغتيال عدد من الخونة، بينما غادر البعض الآخر فلسطين إلى الدول العربية المجاورة لينجوا بما حققوه من أموال وثروات(24).

ومن الدعامات التي قام عليها المخطط الصهيوني تهريب الأسلحة لليهود في فلسطين فقد عملت الإدارة البريطانية على تسليح المنظمات اليهودية وتدريبها، وقامت بتوزيع السلاح على المستعمرات اليهودية، وباتت عملية تسليح اليهود ومستعمراتهم من الأهداف الرئيسية للصهيونية في تلك الفترة، وغضت السلطات البريطانية الطرف عن عمليات تهريب السلاح إلى اليهود في فلسطين من الخارج، والتي كان يتم تهريبها على شكل بضائع مرسلة باسم الشركات الصهيونية.

وكانت المستعمرات اليهودية في فلسطين بمثابة ثكنات عسكرية وقد جاء إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى أكثر أعضاء الفيلق اليهودي الذي شارك في الحرب، وكان عدده 5000 ليكون نواة الهاجاناه(25).

والملاحظ أن عمليات التهريب الأسلحة بدت مبكرا ففي احتجاج قدمته الجمعيتان الإسلامية والمسيحية بحيفا للمندوب السامي البريطاني بشأن تهريب الأسلحة لليهود في 20/12/1921 جاء فيه "أنتم أدرى يا سعادة المندوب السامي بما اكتشف مؤخرا في حيفا بالقضاء والقدر من كميات كبيرة من مسدسات الموزر وسائر الأسلحة مما يكفي لإجراء الدماء سيولا".

وقد طالبت المذكرة بتشديد العقوبة على تهريب الأسلحة وتفتيش كل واردات الصهيونية لمنع تسريب الأسلحة واسترداد الأسلحة التي سلمت إلى الصهيونيين(26).

جهود الفلسطينيين لمواجهة المخططات الصهيونية:

افتقد عرب فلسطين لوجود جهاز سياسي وطني مع احتلال بريطانيا لفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن في عام 1918 تنبه العرب إلى أهمية ضرورة التجمع من أجل مواجهة الخطر الذي بدأ بمظاهرة ضد البعثة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين في إبريل 1918 برئاسة الزعيم الصهيوني وايزمان، وقد تمثل ذلك التنظيم فيما عرف باسم "الجمعيات الإسلامية المسيحية" والتي تصورت أن عدوها الأول هو الصهيونية وأن بريطانيا ستساعدهم على التخلص من الصهيونية.

وقد اعترض عرب فلسطين على تصريح بلفور والذي عرفوا به عن طريق الصحف العربية والتركية وقبل أن يبلغوا به رسمياً في 20/2/1918 عن طريق الحاكم العسكري العام البريطاني.

وقد تميز كفاح عرب فلسطين في السنوات الأولى بمقاومة تصريح بلفور، وسياسة الوطن القومي اليهودي، وكان الخطر الصهيوني هو الخطر المباشر الذي يشعر به المواطن العادي، ولم تكن الفكرة الاستعمارية واضحة لدى الجماهير، وقد حافظ الزعماء العرب عموما على الموقف السلمي مع بريطانيا، وعدم إظهار العداء لها بل المعارضة بطريقة شرعية، حيث كان الكثير منهم يعتقدون أن بريطانيا لن تجعل فلسطين يهودية، وأن بريطانيا لن تقدم على اغضاب ملايين المسلمين الذين تضمهم الإمبراطورية البريطانية(27).

وقد تجمعت في موقف عرب فلسطين عوامل قوة وعوامل ضعف وكان أبرز عوامل القوة الوحدة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، أما أبرز عوامل الضعف فكان التنافس الشديد بين الأسر الفلسطينية وعلى رأسها أسرتا الحسيني والنشا شيبي، وقد عمل الاستعمار على إذكاء جذوة هذا التنافس بضرب الأسر الكبيرة بعضها ببعض(28).

وقد اتخذ نشاط الحركة الوطنية الفلسطينية شكل المؤتمرات الوطنية وقد عقدت سبعة مؤتمرات سياسية حتى نهاية العشرينات، وقد اقتصرت مهمة المؤتمرات في إصدار القرارات، ورفع الاحتجاجات وتقديم المذكرات إلى الهيئات السياسية والصحف، وإذاعة البيانات على عرب فلسطين في المناسبات المختلفة، دون أن تضع خططا للحفاظ على الكيان العربي أو الاحتفاظ بالأراضي أو لتنفيذ المشروعات الاقتصادية المختلفة(29).

كما لجأت القيادة الفلسطينية إلى سياسة إرسال الوفود إلى بريطانيا لشرح وجهة النظر العربية للحكومة وللرأي العام البريطاني، والمطالبة بإلغاء وعد بلفور، ووقف الهجرة الصهيونية وانتقال الأراضي إلى اليهود، وقد سافرت العديد من الوفود الفلسطينية دون أن تحقق أي نتائج إيجابية(30).

ولم تتوقف الجهود عند النضال السياسي فقد قام عرب فلسطين بالعديد من الانتفاضات والتحركات ضد المخططات الصهيونية من أبرزها انتفاضة عام 1920، وانتفاضة يافا 1921 وثورة 1929(31).

وبصفة عامة فإن الحركة الوطنية لم تتجه في بادئ أمرها ضد الانجليز مباشرة، ولم يتخذ النضال القومي صفة الكفاح المسلح ضد الاستعمار، وقد اتسمت الثورات والاضطرابات التي وقعت في فلسطين بين عامي 1918و 1929 بروح المقاومة ضد الصهيونية في الدرجة الأولى(32).

أما الحكومة البريطانية فقد اتخذت من سياسة لجان التحقيق والكتب البيضاء والقرارات وسيلة لإخفاء نواياها وأهدافها وخداع بعض الذين كانوا يعلقون الآمال على عدالة بريطانيا، فعلى إثر كل انتفاضة فلسطينية، كانت بريطانيا تسارع إلى تأليف لجنة تحقيق وإصدار البيانات والكتب البيضاء التي تظهر حرصها على حقوق العرب، ثم لا تلبث بعد هدوء الأحوال إلى العودة إلى سابق عهدها بالتآمر وتنفيذ إجراءات التهويد(33).

وقد كان لثورة 1929 أثر كبير في إدراك عرب فلسطين لحقيقة دور بريطانيا في تنفيذ المخططات الصهيونية، وضرورة اللجوء إلى القوة لقتال الإنجليز والصهيونيين.

وقد اندلعت ثورة 1929 المعروفة "بثورة البراق" في شهر أغسطس عام 1929 حيث قام اليهود في 5 أغسطس بمظاهرة ضخمة في القدس حتى وصلوا منطقة البراق والتي يطلقون عليها "حائط المبكى" ورفعوا العلم الصهيوني وأخذوا ينشدون نشيدهم الوطني، مما آثار العرب الذين قاموا بمظاهرة كبرى مضادة في اليوم التالي، وبعد أسبوع انفجرت الاضطرابات في 23 أغسطس حيث كان الجو مشبعا بالتوتر، واشتد نطاق هجمات الثوار في معظم أنحاء فلسطين(34).

وحائط البراق، هو الجدار الغربي للحرم الشريف، وقد عرج منه الرسول عليه السلام إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج، وقد ربط به البراق في تلك الليلة، وقد أوقف الملك الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي وقفاً عرف بوقف أوحى أو حارة المغاربة على الجانب الغربي من المسجد الشريف، وقد شكل الجدار للمسجد الحد الشرقي لهذا الوقف، ومنذ القرن 19 بدأ اليهود يتحركون، وأخذوا يتوجهون إلى الجدار الغربي للمسجد، حيث اختاروا خمسة مداميك من أسفل الجدار وزعموا أنها من حجارة الهيكل الذي دمره الرومان، وأنها بقية جدار الهيكل، وكانت البداية البكاء أمام هذه الأحجار الخمسة ثم تكرر حضور اليهود والوقوف أمام هذه الأحجار، حتى أصبح حضورا دائما ليلا ونهارا، وتطور الأمر فأصبح هناك رصيف يقفون عليه عرضه 4 أمتار وطوله 30 متراً وقد حاولوا خلال سيطرة محمد علي باشا على بلاد الشام التقدم بطلب للسماح بتبليط الرصيف ولكن الطلب رفض، وجاءت الخطوة التالية في عام 1911 حينما حاول اليهود إحضار كراسي على الرصيف حتى يجلسوا عليها أثناء البكاء، وحاولوا إقامة ستار بين كراسي الرجال وكراسي النساء، وقد أدى ذلك إلى رفع ناظر المغاربة شكوى أكد فيها أن الرصيف وقف المغاربة، وأنه يؤدي إلى موقف البراق في رحلة الإسراء والمعراج وطالب بإيقاف جلب الكراسي وإلا سيدعي اليهود ملكية الرصيف ومربط البراق، وقد تمت الاستجابة لشكوى ناظر الوقف.

بعد صدور وعد بلفور، بدأ اليهود يطلقون على حائط البراق اسم حائط المبكى، وهو الاسم الذي تردده وسائل الإعلام العربية دون وعي، وقد حاول اليهود شراء أرض الوقف دون جدوى، وقد أدت محاولات اليهود إلى هياج عرب فلسطين، الأمر الذي دعي لندن لإغلاق هذا الموضوع، ولكن المحاولات الصهيونية لم تتوقف الأمر الذي أدى لاشتعال ثورة البراق(35).

وقد أكدت اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم لتحقيق في الأمر على ملكية المسلمين للحائط الغربي (للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا من ساحة الحرم الشريف التي هى من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة) (بحارة المغاربة) المقابلة للحائط لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير)(36).

كان من النتائج المترتبة على ثورة البراق انعقاد المؤتمر الإسلامي العام في القدس في ديسمبر عام 1931، فقد أدركت القيادات الفلسطينية وعلى رأسها مفتي القدس محمد أمين الحسيني أهمية الاتجاه نحو العالم الإسلامي لمساندة عرب فلسطين، وتجلى ذلك في المؤتمر الإسلامي العام، الذي شارك فيه ممثلين لـ 22 بلدا عربيا وإسلاميا، على رأسها الكثير من العلماء والقيادات الإسلامية، وقد اتخذ المؤتمر عدة قرارات على رأسها، إنشاء جامعة إسلامية في القدس، والمطالبة بوقف الهجرة اليهودية، وتأسيس شركة زراعية لإنقاذ الأراضي الفلسطينية من الوقوع في يد اليهود، وبالرغم من أهمية هذه القرارات إلا أنه كان من الصعب أن تجد طريقها للتنفيذ العملي في ظل السيطرة البريطانية التي كانت تعمل بكل جدية على تهيئة السبل لتسليم فلسطين للصهيونيين (37).

ومع بداية الثلاثينيات ازداد الوعي العربي، وأدركت اللجنة التنفيذية العربية التي تولت قيادة عرب فلسطين أن وسائلها لم تحقق أي شئ، وأن سياسة التعاون مع الحكومة البريطانية، وإقناعها بتغيير سياستها غير مجدية، في ظل تزايد أعداد المهاجرين من اليهود، وانتقال الأراضي الفلسطينية إلى اليهود، ولذلك رأت اللجنة تغيير سياستها، وقررت البدء بالقاطعة الاجتماعية، وإقامة المظاهرات كبداية لسياسة التحدي(38).

وفي إطار هذه السياسة الجديدة تم وضع برنامج للقيام بسلسلة مظاهرات يصاحبها إضراب عام، والامتناع عن دفع الضرائب وإضراب الموظفين بالإضافة إلى سلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات الشعبية التي تعقد في جميع المدن والقرى لتوعية الشعب، وبناء على هذا البرنامج اندلعت سلسلة من المظاهرات في القدس ويافا ونابلس والخليل وقد امتنعت الجماهير طيلة مدة هذه الانتفاضة عن دفع الضرائب على نطاق واسع كما أضرب الموظفون، وتدفق تأييد الشعوب العربية للانتفاضة، فقد امتدت الانتفاضة ستة أسابيع نظمت فيها مظاهرات رغم الحظر الحكومي وقد أظهرت الانتفاضة بسالة الشعب الفلسطيني بالرغم من إخماد الانتفاضة(39).

لقد كانت انتفاضة 1933 تعني في حقيقة الأمر إعلام الحكومة البريطانية إدراك العرب لحقيقة السياسة البريطانية في تنفيذ مخططات الصهيونية وأنهم سيوجهون كفاحهم ضد هذه السياسة بدلا من توجيهها ضد الصهيونية وحدها.

وقد أوضح تقرير حكومة الانتداب لعام 1933 على تغير نظرة العرب إلى حكومة الانتداب، فقد حرص العرب خلال تلك الانتفاضة على عدم إصابة أحد من اليهود على عكس ما كان يحدث في الانتفاضات السابقة وذلك لتأكيد معنى توجيه عدائهم إلى الانتداب بشكل أساسي(40).

عز الدين القسام

ولد الشيخ " عز الدين القسام " عام 1882 في بلدة جبلة قضاء اللاذقية في سوريا، وأرسله والده في سن الرابعة عشرة إلى مصر لتلقي العلم في الأزهر الشريف، حيث تتلمذ على يد كبار العلماء وعلى رأسهم الإمام محمد عبده وبعد عودته إلى سوريا عام 1903 عين إماما وخطيبا في جامع المنصوري في بلدته جبلة، حيث استطاع القسام أن يلفت إليه الانتباه بخطبه ومواعظه. وكانت أول ممارسة جهادية القسام عندما حاصر الأسطول الإيطالي السواحل الليبية عام 1911، حيث قام القسام بإثارة الجماهير وقيادة المظاهرات، وجمع التبرعات والمساعدات لمساعدة الليبيين. وتوجه إلى ليبيا حيث التقى بالمجاهد العظيم "عمر المختار" الذي جمعت بينهم العقيدة والجهاد في سبيل الله، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا، بادر القسام مع رفاقه إلى رفع راية الجهاد ضد الفرنسيين، وأخذ في شن الهجمات عليهم منطلقا من الجبال والوديان. وتم إصدار حكم الإعدام عليه غيابيا عام 1920. وأمام الوضع المتردي في سوريا آثر القسام الانتقال إلى فلسطين ومتابعة الجهاد في مكان آخر، حيث استقر في حيفا وعمل مدرسا وإماما لجامع الاستقلال، كما عمل مأذونا شرعيا لمدينة حيفا، وأسس في عام 1928 جمعية الشبان المسلمين في حيفا وانتخب رئيسا لها، ومن خلال هذه المهام المتعددة مارس القسام نشاطه الجهادي ضد اليهود والانجليز بعد أن آمن أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لإفشال المخططات الصهيونية.

لقد شكلت ثورة القسام نقلة نوعية هامة في تاريخ الكفاح للحركة الوطنية الفلسطينية، فقد كانت حركة القسام أول حركة تعتمد المواجهة المسلحة الجريئة مع السلطات البريطانية، على عكس القيادات الفلسطينية والتي كانت لا تخلو من روابط وصلات ومصالح مع السلطات البريطانية، الأمر الذي كان يحول بينها وبين اعتماد الكفاح المسلح، فبالرغم من وضوح الموقف البريطاني المؤيد للمخططات الصهيونية، وجهود السلطات البريطانية لتهويد فلسطين، إلا أن القيادات الفلسطينية بالرغم من إدراكها لذلك في مطلع الثلاثينيات إلا أن أقصى ما لجأت إليه هو سياسة التظاهر والإضرابات كما مر بنا

لقد أدرك القسام بتاريخه الجهادي الحافل أن العدو الرئيسي الذي يجب مقاومته هو الاستعمار البريطاني وكان هذا الإدراك أهم ما يميز حركة القسام عن القوى الوطنية الأخرى التي كانت ما تزال تعول على المفاوضات مع البريطانيين، وكان القسام يردد كثيرا مقولته المشهورة "بريطانيا أصل الداء، ورأس البلاء، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".

كما حذر القسام من الخطر الصهيوني "لو كنتم مؤمنين حقا لكان عندكم نخوة المؤمن، وعزته وكراكته، أين عزتكم وكرامتكم؟، وخنازير الشيطان- اليهود- تسرح وتمرح في بلادكم المقدسة، ومنازل الأنبياء، التي استودعها الله بين أيديكم وفي أعناقكم أمانة أفلا تستأمنون على وديعة الله؟ أفلا تكونوا جديرين بالحفاظ على عهد الله وعهد أنبيائه؟".

كما شن حملة قوية على سماسرة الأراضي والقلة التي باعت أرضاً لليهود "كيف لا تخجلون من الله ومن أنبيائه أيها الفلسطينيون وأنتم تبيعون اليهود أراضيكم ومعاملكم وبيوتكم بدراهم بخسة، كيف تبيعون منازل الأنبياء وأرض الإسراء والمعراج؟"(42).

لقد آمن القسام بوجوب الثورة المسلحة ضد الانجليز والصهاينة وقد حدد القسام للجهاد والثورة ثلاثة أهداف هي:

- طرد الاستعمار البريطاني من فلسطين.

- منع إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

- إقامة دولة عربية إسلامية تعمل على تحقيق الوحدة الإسلامية بين الدول العربية.

وقد اتبع القسام سياسة المراحل لتنفيذ الثورة، وكانت المرحلة الأولى:-

هي مرحلة التنبيه إلى الخطر الصهيوني والعودة إلى الجهاد ضد الاستعمار، فقد أخذ القسام منذ وصوله من سوريا إلى حيفا عام 1920 يحذر من خطر الاستعمار والصهيونية في خطبه ودروسه وجولاته في فلسطين.

المرحلة الثانية:-

هي مرحلة الإعداد والتهيئة النفسية للثورة حيث شرع في اختيار الصالحين من تلاميذه ومريديه وإعدادهم لإنقاذ فلسطين.

المرحلة الثالثة:-

وهي اختيار العناصر الطليعية للحركة وقد بدأت هذه المرحلة في عام 1925 باختيار طلائع الحركة وأعضائها، وكان يشترط في العضو أن يقتني سلاحا على حسابه من ماله الخاص وأن يدفع الاشتراك الشهري البالغ عشر قروش، وأن يتبرع بما يستطيع من دخله وكان كل خمسة أعضاء يكونون خلية سرية، ويذودون بالمعلومات والخبرات الدينية والعسكرية وكانت كل خلية لا تعرف عن الأخرى شيئا كما كان لكل عضو اسم حركي، كما تم تكوين وحدات جهادية وكان لكل وحدة وظيفة محدودة توزعت بين شراء السلاح والتدريب والاستخبارات وجمع المال والدعاية، وقد قامت خلايا القسام بالعديد من العمليات العسكرية ابتداء من إبريل عام 1931 وحتى ديسمبر عام 1932 حيث تم إيقاف العمليات العسكرية بعد انكشاف أسرار التنظيم وتشديد الرقابة على القسام.

المرحلة الرابعة: مرحلة إعلان الثورة:

فالبرغم من عدم اكتمال الاستعدادات للقيام بثورة مسلحة شاملة إلا أن الظروف التي كانت تمر بها فلسطين عجلت بخروج القسام وإعلان الثورة وتمثلت هذه الظروف في تصاعد وتيرة الهجرة اليهودية وتشديد الرقابة على القسام وتهريب الأسلحة لليهود، الأمر الذي دعا القسام للقول "إذا لم نهاجم اليهود فسوف يهاجموننا" وانطلق القسام مع تسعة عشر من رفاقه عازما على الطواف على القرى وتسليحهم واستكمال الاستعدادات لإشعال الثورة، وتوجه القسام إلى منطقة جنين ولكن عيون الانجليز كانت تراقب تحركات القسام ورفاقه، وكانت الملحمة الأخيرة في حياة القسام في قرية "يعبد" التابعة لقضاء جنين بالقرب من نابلس حيث حاصرت قوة من الشرطة البريطانية والعربية بلغت في أقل التقديرات 150 فردا القسام ورفاقه وفي صباح 20 نوفمبر 1935 اندلعت المعركة غير المتكافئة بين الطرفين وانهال الرصاص على القسام ورفاقه والذين قاتلوا ببسالة ورفضوا الفرار كما رفضوا الاستجابة لدعوة الضابط البريطاني لهم بالاستسلام وصرخ القسام "لن نستسلم.... هذا جهاد في سبيل الله" وهتف في رفاقه "موتوا شهداء" واستشهد القسام وهو يردد:

"في الجبن عار وفي القتال مكرمة
والمرء بالجبن لا ينجوا من القدر."

وانتهت المعركة باستشهاد القسام واثنين من رفاقه وجرح وأسر الباقين، وتم نقل جثمان الشهداء إلى حيفا... حيث تحولت جنازاتهم إلى مظاهرة وطنية لم تشهد لها حيفا مثيلا من قبل

لقد استشهد القسام بعد أن وجه الحركة الوطنية الوجهة الصحيحة لإنقاذ فلسطين من المخططات الصهيونية، عن طريق القوة المسلحة، وبعد أن وجههم إلى أصل الداء ورأس البلاء وهم الإنجليز وإن كان القسام لم يستطع أن يحقق الهدف من خروجه على الانجليز واشعال الثورة ضدهم إلا أن استشهاده كان الوقود الذي أشعل ثورة 1936 بعد شهور قلائل من استشهاده، وبعد أن ترسمت الطريق الذي سلكه القسام في جهاده، لتبدأ مرحلة جديدة في كفاح الحركة الوطنية الفلسطينية، ولتأخذ القضية الفلسطينية موضعها الصحيح في بؤرة الاهتمامات الشعبية والرسمية في الأقطار العربية.

د صفوت حسين

مدرس التاريخ الحديث والمعاصر

كلية التربية – جامعة دمنهور

Dsafouthousin2002 [email protected]

هوامش التمهيد:

(1) ريجينا الشريف: الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، عالم المعرفة، الكويت، 1985، صفحات 24- 44 لمزيد من التفاصيل عن ميلاد الصهيونية المسيحية – انظر: رجاء جارودي: " فلسطين أرض الرسالات الإلهية "، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار التراث، القاهرة، 1986، ص 221- 245.

(2) أمين عبد الله محمود: مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عالم المعرفة، الكويت، 1984 ص 14- 16. ولمزيد من التفاصيل حول وعد نابليون لليهود انظر السيد فهمي الشناوي: " وعد نابليون لليهود سبق وعد بلفور بـ 118 سنة "، مجلة الدوحة، عدد 116، أغسطس 1985، ص 34- 37.

(3) أمين عبد الله محمود: المرجع المذكور، ص 17- 23. لمزيد من التفاصيل انظر- ريجينا الشريف-: المرجع المذكور، ص 116- 126. وانظر نص رسالة بالمرستون إلى السفير البريطاني في الأستانة بخصوص توطين اليهود في فلسطين بتاريخ 11 أغسطس 1840 ورسالة أخرى في فبراير 1841 في علي محمد علي: "ملف وثائق وأوراق القضية الفلسطينية"، مركز دراسات الشرق الأوسط، وثيقة رقم 12 و13.

(4) أمين عبد الله محمود: المرجع المذكور، ص 57.

(5) محمود صالح منسي: تصريح بلفور، دار الفكر العربي، القاهرة، 1970، ص 22- 24 محمود شيب خطاب: أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية، سلسلة البحوث الإسلامية، القاهرة، 1970، ص 12-14. "تيودور هرتزل" ولد في مدينة بودابست عام 1860 حيث درس في مدرسة يهودية ابتدائية ثم التحق بمدرسة ثانوية ثم انتقلت أسرته إلى فينيا حيث درس القانون، وقد اشتغل لبعض الوقت بالمحاماة ثم في الصحافة، وكتب عدة قصص ومسرحيات، وانتهى به تفكيره في المسألة اليهودية إلى إنشاء دولة صهيونية، ويعتبر مؤسس الصهيونية السياسية، وقد مات في يوليو 1904. انظر عصام شريح: هكذا تكلم هرتزل عن اليهود، مجلة الدوحة، عدد 97، يناير 1984.

كلمة "صهيونية" مشتقة من صهيون، وهو جبل يقع على المشارف الجنوبية لمدينة القدس القديمة، وقد وردت كلمة صهيون في التوراة عند التعرض للنبي "داود" الذي أسس مملكة إسرائيل وحكمها في الفترة من 1000 إلى 960 ق.م.

وقد ارتبطت صهيون بداود ومملكته وعاصمته فظلت صهيون في نظر اليهود رمزا لمجدهم. انظر حسن صبري الخولي سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن لعشرين، المجلد الأول، دار المعارف، القاهرة، 1873، ص5-6.

(6) محمود شيت خطاب: المرجع المذكور، ص 14.

(7) جارودي: المصر المذكور، ص 439- 454. عن مشروعات الاستيطان المختلفة، انظر: أمين عبد الله محمد: المرجع المذكور، ص 189- 238.

(8) رشاد عبد الله الشامي: الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية عالم المعرفة، الكويت، 1986، ص 83- 88.

(9) ليلى عبد اللطيف أحمد: موقف الدولة العثمانية من مطامع اليهود في فلسطين، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 1987، ص 37. وعن محاولات هرتزل مع الدولة العثمانية انظر أمين عبد الله محمود: المرجع المذكور 116- 174.

(10) علي محمد علي: المرجع المذكور، وثيقة 28.

(11) شفيق الرشيدات: فلسطين تاريخا وعبرة ومصيرا، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1968، ص 36- 45.

(12) عن وعد بلفور ودوافع إصداره، والنقد الموجه إليه. انظر: أمين عبد الله محمود، المرجع المذكور، ص 269- 272، ريجينا الشريف: المرجع المذكور، ص 172- 174، جارودي: المرجع المذكور، ص 334- 340، منسي: المرجع المذكور، ص 77- 107. وعن دور روتشيلد في دعم المخططات الصهيونية وإصدار وعد بلفور انظر السيد فهمي الشناوي: "قصة مليونير يهودي غامض"، مجلة الدوحة، عدد 111، مارس 1985.

(13) جورج كيرك: موجز تاريخ الشرق الأوسط من ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر، ترجمة عمر الأسكندري، القاهرة 1957، ص 193- 194، منسى: المرجع المذكور، ص 68 – 70، جارودى: المرجع المذكور، ص 342 – 346.

(14) محمد فيصل عبد المنعم: "فلسطين والغزو الصهيوني"، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1970، ص 70، منسي: المرجع المذكور، ص 74- 76، شفيق الرشيدات: المرجع المذكور، ص 64- 65، سميت الاتفاقيات باسم "سايكس – بيكو": نسبة إلى مارك سايكس ممثل بريطانيا في المفاوضات، وجورج بيكو ممثل فرنسا.

(15) حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، مقدمة عبد العزيز الشناوي للكتاب ص 15.

(16) محمود صالح منسي: الشرق العربي المعاصر، القسم الأول الهلال الخصيب، القاهرة، 1990، ص 259- 261، شفيق الرشيدات: المرجع المذكور، ص 71- 85، انظر صك الانتداب في ملف وثائق وأوراق القضية الفلسطينية، جـ1، وثيقة 100.

(17) حسن صبري الخولي، المرجع المذكور، ص 416- 417، محمد فيصل عبد المنعم، المرجع المذكور، ص 77.

(18) شفيق الرشيدات: المرجع المذكور، ص 19- 93.

(19) حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، ص 493- 500.

(20) رشاد عبد الله الشامي: المرجع المذكور، ص 86، محمد فيصل عبد المنعم: المرجع المذكور، ص 94.

(21) إبراهيم العابد: "دليل القضية الفلسطينية أسئلة وأجوبة"، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1969 ص 17- 18. ويوجد تباين في التقديرات ولكنها ليست كبيرة، وربما يعود ذلك للاختلاف في تقدير عدد المهاجرين غير القانونيين.

(22) صالح مسعود أبو يصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، دار البيادر للنشر والتوزيع، 1988، ص 264- 502، حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، ص 501- 503، ومقدمة عبد العزيز الشناوي للكتاب، ص 22- 28، إبراهيم العابد: المرجع المذكور، ص 19- 21.

ويوجد اختلاف في بعض المصادر فيما يتعلق بالمصادر التي حصل منها اليهود على الأراضي، وإن كانت لا تختلف في الحجم الإجمالي الذي كان يمتلكه اليهود عام 1948 وهو 2.075.000 دونم، فيذكر أميل الغوري أن توزيع مصادر هذه الأراضي كالآتي:

650 ألف دونم ـــــــــــــــ قبل الاحتلال البريطاني .

500 ألف دونم ـــــــــــــــ من الحكومة البريطانية.

625 ألف دونم ـــــــــــــــ باعها غير الفلسطينيين.

300 ألف دونم ـــــــــــــــ باعها الفلسطينيين.

2.075.000

بينما يذكر محمد أمين الحسيني أن مجموع ما امتلكه اليهود في 1984، 2 مليون دونم أي 7٪ من أراضي فلسطين، وأن ما تم شراؤه من أيد عرب فلسطين من هذين المليونيين لا يزيد عن 250.000 أي الثمن (حوالي 62 ألف فدان مصري). ومن الملاحظ أن الخلاف بين الإحصائيات ينحصر بصفة أساسية في مجموع ما باعه عرب فلسطين، وليس في الحجم الإجمالي لما امتلكه اليهود عام 1948، وإن كان الحسيني قد نزل بحجم ما امتلكه اليهود من 2 مليون و 750 ألف إلى 2 مليون فقط. وفي كل الأحوال فإن مجموع ما حصل عليه اليهود من عرب فلسطين في أعلى الإحصائيات وهو 300 ألف دونم لا تشكل نسبة كبيرة في ظل الظروف والضغوط التي تعرضوا لها، والتي سبق الإشارة إليها، انظر أميل الغوري: المؤامرة الكبرى لاغتيال فلسطين ومحق العرب، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، 1955، ص 45- 50.

محمد أمين الحسيني  : حقائق عن قضية فلسطين، الهيئة العربية العليا لفلسطين، 1954، ص 10- 12.

ويبدو أن الإحصائيات التي ذكرها صالح أبو يصير، والذي قدر الأراضي التي باعها عرب فلسطين بـ 68 ألف دونم الأقرب للصحة نظرا لاعتماده على الوثائق والمستندات التي توضح حركة بيع الأراضي الزراعية خلال فترة الانتداب البريطاني.

(23) حسني أدهم جرار: شعب فلسطين أمام التآمر البريطاني والكيد الصهيوني، 1920- 1933، دار الفرقان، عمان، 1922، ص 85- 87. حسن صبري الخولي: المرجع المذكور ص 578.

(24) كامل الشريف ومصطفى السباعي: "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين" دار التوزيع والنشر، القاهرة، 1986، ص 22- 23.

(25) حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، ص 574- 575. حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 70.

(26) علي محمد علي: المرجع المذكور، وثيقة رقم 107.

(27) عادل غنيم: الحركة الوطنية الفلسطينية من ثورة 1936 إلى الحرب العالمية الثانية، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1980، ص 4-7.

(28) مقدمة عبد العزيز الشناوي لكتاب حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، ص20.

(29) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص7.

(30) حسني أدهم الجرار: المرجع المذكور، ص30.

(31) علي أبو الحسن: "فلسطين العربية في ظل الاحتلال الصهيوني"، دار الفاروق، بيروت، 1991، ص 20- 23.

(32) أميل الغوري: المرجع المذكور، ص70.

(33) شفيق الرشيدات: المرجع المذكور، ص 94.

(34) منسي: "الشرق العربي"، ص 266- 267. انظر تفاصيل ثورة البراق في حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 24- 62.

(35) السيد فهمي الشناوي: مؤامرة صهيونية على حائط البراق، مجلة الدوحة، عدد 126 يونيو 1986 ص 6- 8.

(36) علي محمد علي: المرجع المذكور، وثيقة 174.

(37) أبو يصير: المرجع المذكور، ص 176- 177.

(38) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص 12.

(39) انظر تفاصيل انتفاضة 1933 في حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 69-80.

(40) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص 12.

(41) سميح حمود: "الوعي والثورة. دراسة في حياة وجهاد الشيخ عز الدين القسام 1882- 1935، دار الشروق، عمان، 1986، ص 59.

ولد الشيخ "عز الدين القسام" عام 1882 في بلدة جبلة قضاء اللاذقية في سوريا، وأرسله والده في سن الرابعة عشرة إلى مصر لتلقي العلم في الأزهر الشريف، حيث تتلمذ على يد كبار العلماء وعلى رأسهم الإمام محمد عبده وبعد عودته إلى سوريا عام 1903 عين إماما وخطيبا في جامع المنصوري في بلدته جبلة، حيث استطاع القسام أن يلفت إليه الانتباه بخطبه ومواعظه. وكانت أول ممارسة جهادية القسام عندما حاصر الأسطول الإيطالي السواحل الليبية عام 1911، حيث قام القسام بإثارة الجماهير وقيادة المظاهرات، وجمع التبرعات والمساعدات لمساعدة الليبيين. وتوجه إلى ليبيا حيث التقى بالمجاهد العظيم "عمر المختار" الذي جمعت بينهم العقيدة والجهاد في سبيل الله، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا، بادر القسام مع رفاقه إلى رفع راية الجهاد ضد الفرنسيين، وأخذ في شن الهجمات عليهم منطلقا من الجبال والوديان. وتم إصدار حكم الإعدام عليه غيابيا عام 1920. وأمام الوضع المتردي في سوريا آثر القسام الانتقال إلى فلسطين ومتابعة الجهاد في مكان آخر، حيث استقر في حيفا وعمل مدرسا وإماما لجامع الاستقلال، كما عمل مأذونا شرعيا لمدينة حيفا، وأسس في عام 1928 جمعية الشبان المسلمين في حيفا وانتخب رئيسا لها، ومن خلال هذه المهام المتعددة مارس القسام نشاطه الجهادي ضد اليهود والانجليز بعد أن آمن أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لإفشال المخططات الصهيونية. وقد استشهد في 20 نوفمبر 1935.

عن حياة القسام، انظر عبد الوهاب زيتون: من ثورة المجاهد عز الدين القسام إلى ثورة أبطال الحجارة، دار المعرفة، دمشق، 1993. سميح حمود: المرجع المذكور. حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 91- 145. صفوت سيد أحمد حجازي: "عز الدين القسام مجاهد يقاتل من قبره"، آفاق عربية، عدد 561، 12 يونيو 2002 .

(42) عبد الوهاب زيتون: المرجع المذكور، ص 67- 70.

(43) عن تفاصيل ثورة القسام انظر حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 91- 145، سميح حمود: المرجع المذكور، ص 34- 129. عبد الوهاب زيتون: المرجع المذكور، ص 56- 98.

الفصل الأول: رؤية الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية

" فلسطين وطن لكل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام وباعتبارها مهد الأنبياء وباعتبارها مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله "

حسن البنا

" إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا"

صالح عشماوي

رؤية الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية

اهتم الإخوان المسلمون اهتماماً كبيراً بالقضية الفلسطينية، ولعبوا دوراً كبيراً في دعم هذه القضية بكافة الوسائل والأساليب ابتداء من التوعية والدعاية وانتهاء بالقتال الفعلي على أرض فلسطين.

ولا يمكن التطرق إلى دور الإخوان وجهودهم في سبيل القضية الفلسطينية دون التعرض لرؤيتهم حول هذه القضية، التي توضح المنطلقات الفكرية التي دفعت الإخوان للاهتمام بها.

عوامل اهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية:

أولا: المنطلقات الفكرية والسياسية للإخوان المسلمين: ويأتي على رأس هذه المنطلقات، الذي يمثل أحد ثوابت الجماعة مفهوم الوطن أو الأمة عند الإخوان فقد رفض الإخوان المفهوم الضيق للوطنية، والذي يحصرها في نطاق التخوم الأرضية والحدود الوطنية، حيث اعتبر الإخوان أن حدود الوطنية العقيدة وليست الحدود الجغرافية، وقد أكد على هذا المعنى مراراً الشيخ حسن البنا في رسائله ومقالاته " أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول لا اله إلا الله محمد رسول الله وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، كل المسلمين عندنا في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم".

فالإسلام في نظر حسن البنا "لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا يعتبر الفوارق الجنسية الدموية، ويعتبر المسلمين جميعا أمة واحدة، الوطن الإسلامي وطنا واحداً مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده، وكذلك الإخوان المسلمون يقدمون هذه الوحدة ويؤمنون بهذه الجماعة ويعملون لجمع كلمة المسلمين وإعزاز إخوة الإسلام، وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله"(1).

وإذا كان حسن البنا قد رفض فكرة الوطنية بالمفهوم الضيق الذي يحصرها داخل حدود التخوم الجغرافية إلا أنه أكد على المعاني الإيجابية للوطنية كحب الوطن والعمل على تحريره واستقلاله، وتقوية الروابط بين أفراد الوطن.

ويوضح حسن البنا موقف الإخوان من الوحدة القومية والوحدة العربية والوحدة الإسلامية، ويرد على الذين يوجهون الانتقادات للإخوان معتبرين تمسكهم بالفكرة الإسلامية مانعاً لهم من الإخلاص للناحية الوطنية فيذكر أن الإسلام قد فرض على كل إنسان أن يعمل لخير بلده، وأن يتفانى في خدمته، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه وأن المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعاً لمواطنيه، وأن الإخوان المسلمين أشد الناس حرصاً على خير وطنهم "فالمصرية أو القومية لها في دعوتنا مكانها ومنزلتها وحقها في الكفاح والنضال، أننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض التي نبتنا فيها ونشأنا عليها.... وكيف يقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام، إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب عاملون له مجاهدون في سبيل خيره... إننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام"(2).

فحسن البنا يعتبر انتماء الإنسان لوطنه الذي نشأ فيه والإخلاص له الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، ثم ينتقل للحلقة الثانية وهي الوحدة العربية فيذكر أن الإسلام نشأ عربياً ووصل إلى الأمم عن طريق العرب وإن القرآن نزل بلسان عربيي مبين، وأنه كما جاء في الأثر "إنه إذا ذل العرب ذل الإسلام"، وان هذا المعنى قد أكدته أحداث التاريخ وأن العرب هم، "عصبة الإسلام وحرسه".

كما نبه حسن البنا إلى أن الإخوان يعتبرون العروبة اللسان كما جاء في الحديث "ألا إن العربية اللسان ألا إن العربية اللسان" ويرى أن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة مجد الإسلام "ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية"(3).

ثم ينتقل حسن البنا إلى الحلقة الثالثة فيؤكد على أن الإسلام "يعتبر المسلمين جميعاً أمة واحدة، ويعتبر الوطن الإسلامي وطناً واحداً"(4).

فالانتماء السياسي لدى الإخوان يقوم على ثلاثة حلقات الحلقة الأولى الانتماء الوطني الإقليمي، ثم الحلقة الثانية الانتماء للوحدة العربية، ثم الحلقة الثالثة الانتماء للوحدة الإسلامية، ويوضح حسن البنا حدود الوطن في نظر الإخوان فيقسم الوطن إلى الوطن الصغير والكبير والأكبر، ويقصد بالوطن الصغير وادي النيل بشماله وجنوبه وأنه يعتبر مصر هي السودان الشمالي والسودان هي مصر الجنوبية.

أما الوطن الكبير فيقصد به حسن البنا الوطن العربي ويحدده بأنه من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، أما الوطن الأكبر فهو الوطن الإسلامي أو من جاكرتا على المحيط الهادي إلى رباط الفتح على المحيط الأطلسي"(5).

ولا يرى حسن البنا تعارض بين هذه الحلقات، وأنها تكمل بعضها البعض، وتحقق الغاية منها، ومن الواضح أن هذا التصور صحيح في ضوء المعني الذي حددها حسن البنا لمفاهيم القومية والوحدة العربية فهو قد جرد هذه المفاهيم من المعاني السلبية التي كان من الممكن أن توجد تعارض بينها، فقد نبذ كل معاني التعصب التي تحملها هذه المفاهيم حسب رؤية الآخرين لها.

بل نجد حسن البنا لا يقف عند حدود هذه الحلقات الثلاثة بل يذهب إلى أن الإخوان "ينادون بالوحدة العالمية هذا هو مرمى الإسلام وهدفه ومعنى قول الله تبارك وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)"(6).

فحدود الوطنية عند الإخوان تقوم على أساس العقيدة ويدعم هذا التصور لديهم مفهوم الإخوة الإسلامي، فالكثير من الآيات والأحاديث ناطقة بهذه الإخوة، وهذا الرباط الوثيق الذي يجمع بين المسلمين في كافة أنحاء الأرض بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم يقول تعالى (إنما المؤمنون إخوة).

وقد شبه الرسول عليه السلام المسلمين بالجسد الواحد فقال عليه السلام "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري ومسلم.

ويمكن القول بأن مفهوم الإخوان للأمة الإسلامية كان عاملاً حاسماً وأساسيا في مناصرة الإخوان لقضايا العالم الإسلامي على امتداد هذا العالم، وقد تعددت وسائل الإخوان في مناصرة هذه القضايا(7).

وإذا طبقنا هذا المفهوم على القضية الفلسطينية لوجدنا الكثير من كتابات الإخوان التي تناولت هذه القضية قد ركزت على هذا المعنى، وإن كان من المهم الإشارة إلى أنه برغم أهمية نظرة الجماعة للأمة الإسلامية في تأييد القضية الفلسطينية إلا أن هناك عوامل أخرى متعددة- كما سنرى- قد عملت على تأكيد وترسيخ هذا الدعم والتأييد من جانب الإخوان للقضية الفلسطينية.

فقد أكد حسن البنا في خطاب إلى السفير البريطاني في القاهرة على "أن قضية فلسطين قضية كل مسلم"، وتؤكد جريدة الإخوان المسلمين على أن "فلسطين قطعة من الجسد الإسلامي العام، ولبنة قيمة من بنيان الكيان الإسلامي فكل قطعة لا تتألم لألم فلسطين ليست من هذا الجسد، وكل لبنة لا تختل لاختلال فلسطين فليست من هذا البنيان".

ويؤكد الإخوان أن مسالة فلسطين تخص سائر الأمم الإسلامية جميعاً، وليس الفلسطينيون وحدهم كما قد يظن البعض ففلسطين "جرح دام في وطننا الإسلامي الذي كلفنا من قبل الله بالمحافظة عليه إذ كل شبر من الأرض فيه إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وطن للمسلمين جميعاً".

ويؤكد عبد الرحمن الساعاتي (شقيق حسن البنا ) على أن فلسطين تعنينا وأن "من قال غير ذلك فليس بمسلم ولا عربي إذ المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً والعربي لا تكون صلته بذوي رحمه وقرباه تجافيا ولا نقضاً والإسلام والعروبة لازمان لا يفترقان، وكلمتان يحدد معناهما الإسلام بأنه البلاد التي تحدها كلمة التوحيد الخالصة وليس هو ما يعرف حدوده الجغرافيون بمواقع جهات اليابس والماء"(8).

ولعل هذه الكتابات المختلفة لبعض الإخوان تؤكد على العامل الهام الذي لعبه مفهوم الأمة الإسلامية في موقف الإخوان من القضية الفلسطينية، وهو المفهوم الذي كان يتعارض مع مفهوم الوطنية بالمعنى الضيق الذي كانت تعتنقه الأحزاب السياسية في ذلك الوقت وعلى رأسها حزب الأغلبية الوفد، والذي لا يتعدى حدود مصر الجغرافية.

ولعل ما يوضح رسوخ هذا المفهوم لدى الإخوان المسلمين، وغرابته بالنسبة لغيرهم ما أورده عباس السيسي من تحقيق وكيل النيابة معه ومع بعض الإخوان بعد قيامهم بمظاهرة في رشيد عام 1938 تأييداً لقضية فلسطين واحتجاجاً على تصريح رئيس الوزراء المصري الذي جاء فيه "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيساً لوزراء فلسطين".

فقد سال وكيل النيابة أحد الإخوان ويعمل صياداً "مالك ومال فلسطين دي دولة واحنا دولة؟" فكان الرد أن فلسطين دولة عربية ومسلمون وتربطنا بهم صلة الجوار، وصلة الإسلام والقرآن يقول لنا (إنما المؤمنون إخوة).

وعندما سئل طالب آخر من الإخوان عمن أصدر إليه الأمر بعمل مظاهرة لفلسطين أجاب بأن الإسلام يأمرنا بالتعاون والتساند ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول لنا "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" وعندما عاد وكيل النيابة وذكر له أن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرهم أجاب بأن فلسطين جارة لنا وهي أقرب إلينا من أسوان ولابد الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذرنا الله منهم.

وقد أكد عباس السيسي على ذات المعاني عندما سئل عن أسباب قيامهم بالمظاهرة فأكد أنهم قاموا بها تأييداً لكفاح شعب فلسطين المسلم حيث أن عقيدة المسلم تفرض عليه مساعدة أخيه المسلم أينما كان(9).

ومن المفاهيم التي جعلت الإخوان يولون اهتماماً كبيراً للقضية الفلسطينية مفهوم الجهاد، وقد أولى حسن البنا مفهوم الجهاد اهتماما كبيرا وجعله الركن الرابع من أركان البيعة العشرة "وأريد بالجهاد: الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، والمقصود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم" من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة الجاهلية " وأول مراتبه إنكار القلب وأعلاها القتال في سبيل الله"(10).

وقد أفرد حسن البنا رسالة عن الجهاد أوضح فيها فرضيته وثواب المجاهدين والشهداء، وأورد الكثير من آيات الجهاد في القرآن والسور التي تحدثت عن القتال وساق أكثر من ثلاثين حديثاً وأوضح حكم الجهاد عند الفقهاء وذكر "إن الجهاد فرض كفاية على الأمة الإسلامية لنشر الدعوة، وفرض عين لدفع هجوم الكفار عليها والمسلمون الآن كما تعلم مستذلون لغيرهم محكومون بالكفار قد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم، وتحكم في شئونهم خصومهم وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم فوجب وجوباً عينياً لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم وأن ينطوي على نية الجهاد، وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة ويقضي الله أمراً كان مفعولاً"(11).

وقد أوضح البنا أن الحرب ضرورة اجتماعية وشر لابد منه، وأن الأصل في الحياة هو السلام والاستقرار وقد حدد خمسة أغراض للحرب في الإسلام(12).

1- رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين.

2- تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتونهم عن دينهم.

3- حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعاً ويتحدد موقفهم منها تحديداً واضحاً لأن الإسلام رسالة اجتماعية إصلاحية شاملة إلى الناس كافة.

4- تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التي تتمرد على أمر الله وتأبى حكم العدل والإصلاح.

5- إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين.

وإذا طبقنا رؤية الإخوان للجهاد نجد أن الأغراض الخمسة للجهاد التي حددها حسن البنا تنطبق على فلسطين وبذلك أصبح الجهاد لتحرير فلسطين "فرض عين على كل مسلم"، وعليه تكون فلسطين بالنسبة للإخوان "السوق والذي تربح فيه الصفقة مع الله وتفوز فيه بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة" وقد أفتى الشيخ السيد سابق أحد فقهاء الإخوان أثناء حرب 48 بتأجيل أداء فريضة الحج وتقديم المال للجهاد في فلسطين(13).

وتؤكد كتابات الإخوان على مفهوم الجهاد في فلسطين ووجوب الجهاد في سبيلها " إن قضية فلسطين هي قضية العالم الإسلامي من مصر إلى بغداد ومن المغرب إلى فارس ومن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأن المسلمين في آفاق الأرض لا يفرطون في شبر من هذه الأرض المقدسة ولا يتركون الدفاع عن القبلة الأولى، ولئن أفتى علماء العراق بوجوب الجهاد في سبيل فلسطين فقد صدرت عن دار الإخوان المسلمين في مصر الفتوى ذاتها(14).

ويؤكد الإخوان على إن الجهاد أصبح فرض عين على كل مسلم "أيها الإخوان لقد أصبح الجهاد في سبيل فلسطين فرض عين على كل مسلم فأيكم يؤثر الحياة الدنيا وزينتها على الجهاد في سبيل الله تظفرون فيه بإحدى الحسنيين نصر تعلو بعده كلمة الله أو شهادة لا جزاء لها ورب الكعبة إلا الجنة"(15).

وأثنى الإخوان على جهاد الفلسطينيين في ثورة 1936- 1939 "أيها الفلسطينيون البواسل من شباب محمد وحماة بيت المقدس صبرا جميلاً ولقد ربحتم كثيراً ولو لم يكن من نتائج ثورتكم المباركة الحقة إلا أن كشفتم غشاوات الذلة وحجب الاستسلام عن النفوس الإسلامية وأرشدتم شعوب الإسلام إلى ما في صناعة الموت من لذة وجمال وروعة وربح لكنتم الفائزين"(16).

لقد اعتبر الإخوان المسلمين البلاد الإسلامية أمة واحدة تجمعها رابطة العقيدة، وأن أي عدوان يقع على واحدة منها أنها على أي فرد من الأمة الإسلامية يعتبر عدوان على المسلمين جميعاً، ويذكر البنا أنه قرأ حكماً في أحد كتب الفقه يقول "امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على المغرب تخليصها وافتداؤها ولو أتى ذلك على جميع أموال المسلمين" ويخلص البنا من هذا الحكم إلى حقيقتين:-

الأول: إن الوطن الإسلامي واحد لا يتجزأ، وأن العدوان على جزء من أجزائه عدوان عليه كله.

الثانية: أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم سادة في أوطانهم " ومن هنا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة اعتدت وتعتدي على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها، ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها"(17).

وهكذا جمعت القضية الفلسطينية بين مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم الجهاد لدى الإخوان ، لذلك ذكر حسن البنا بأن حل القضية الفلسطينية سيكون بالوحدة والجهاد(18).


ثانياً: المكانة الدينية لفلسطين في الإسلام

لفلسطين منزلة كبيرة في الإسلام فبيت المقدس هو أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أن المسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة الذي يشد إليها الرحال كما روي عن الرسول عليه السلام "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" رواه البخاري ومسلم.

كما وصف الله سبحانه وتعالى أرض فلسطين بالأرض المباركة وذلك في أكثر من موضع، بالإضافة إلى أنها مهبط كثير من الأنبياء، وسكنها الكثير من الصحابة، وورد العديد من الأحاديث في فضل بيت المقدس وفلسطين بصفة عامة وبفضل هذه المكانة اهتم الإخوان اهتماما كبيرا بالقضية الفلسطينية وقد ركزت كتاباتهم على المكانة المقدسة لبيت المقدس" إن الأرض التي بارك الله حولها وأسرى رسوله الكريم صلوات الله عليه وسلامه إليها وقام فيها المسجد الأقصى ومنه عرج النبي الأمين إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى لهي عزيزة على نفس كل مسلم وتراث خالد لكل مؤمن يفتديه بالمال والنفس"(19).

وتحث "النذير" على التطوع لإنقاذ فلسطين مؤكدة على أنها "بقعة مقدسة من وطنكم الإسلامي التي مزجت أرضه الطاهرة بدماء الصحابة الأطهار الذين استلوه من أيدي الكفر والطغيان وبسطوا عليه راية الإسلام، والذي أذن في ربوعه بلال وكبر فيه أبو عبيدة، وهلل فيه خالد....... ودحر فيه صلاح الدين عالم الكفر... فلسطين مسرى رسول الله أولى القبلتين وثالث الحرمين"(20).

ويذكر حسن البنا أن "فلسطين وطن لكل مسلم باعتبارها من ارض الإسلام وباعتبارها مهد الأنبياء، وباعتبارها مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله"(21).

ويذهب عبد الرحمن الساعاتي عام 1935 إلى فلسطين موفداً من الإخوان ويرى عن قرب الخطر الصهيوني على الحرم فيقول "أما بعد فلو سار المسلمون كما سرنا إلى أرض فلسطين ولو وقفوا أمام الحرم ومشوا في شوارع بيت المقدس ورأوا أسراب الرجال والنساء، ونظروا كتائب اليهود المنظمة، وجيوش الصهيونية الظالمة التي تفد على فلسطين من سائر بقاع الأرض، ثم لو نظروهم كيف يجتمعون عند الحرم ويقفون عند البراق الشريف فينفخ أحدهم في البوق خلافاً لكل عرف ونظام فيجيبه جمهور اليهود (في العام المقبل يا إسرائيل)، لو نظر المسلمون ذلك وفهموا ما يرمي إليه اليهود من ورائه لتجافت جنوبهم عن المضاجع وسارعوا لإنقاذ الحرم قبل أن يأتي الوقت الذي يريدون فيه الصلاة فلا يستطيعون)"(22).

ونظراً للمنزلة الدينية لفلسطين "فإن الإخوان المسلمين يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن فلسطين جزء من العقيدة الإسلامية وأن أرضها وقف إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة، لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يفرط أو يتنازل ولو عن جزء صغير جداً منها، ولذلك فهي ليست ملكاً لفلسطين أو العرب فحسب بل هي ملك للمسلمين جميعاً ... فعلى المسلمين في كل مكان أن يساهموا عملياً في تقديم المال والدم للدفاع عنها)"(23).

كما ارتبطت المكانة الدينية لبيت المقدس والأحاديث عن القتال بين المسلمين واليهود وانتصار المسلمين بمفهوم الجهاد عند الإخوان فقد جاء في الحديث "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من يغزوهم قاهرين لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قيل يا رسول الله: وأين هم، قال ببيت المقدس". رواه البخاري ومسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" رواه البخاري ومسلم.

وقد أدت هذه الأحاديث التي تبشر بالنصر للمسلمين على اليهود إلى إعطاء مفهوم الجهاد في فلسطين صفة ومكانة خاصة تجلي ذلك في تساؤل صالح عشماوي "الدرس: عداوة اليهود للمسلمين، وتنبؤ الرسول صلى الله عليه وسلم بما سيحدث في فلسطين نظريا وعمليا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجاهدون اليهود كما جاهدهم ويقاتلونهم كما قاتلهم ويجلونهم عن الأرض المقدسة مقر المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، كما أجلاها أسلافنا الأولون عن جزرة العرب"(25).


ثالثاً: تهديد المشروع الصهيوني للأمن القومي المصري

لم تقتصر الدعاوي الصهيونية الزائفة على فلسطين فقط بل امتدت أطماع الصهيونية لتشمل العديد من الأقطار العربية، فحدود فلسطين كما تريدها الصهيونية هي من النيل إلى الفرات.

وأطماع الصهيونية في مصر بدأت بصورة مبكرة، وكما قال هرتزل "إن سيناء والعريش هي أرض اليهود العائدين إلى وطنهم".

وقد سبق الإشارة إلى بعض المحاولات الاستيطانية الصهيونية والتي كان من ضمنها العريش وسيناء(26).

كما كان من ضمن المشاريع الاستيطانية الصهيونية مشروع توطين اليهود في أوغندا، وهو المشروع الذي أعقب فشل مشروع الاستيطان الصهيوني في العريش وسيناء، وتقع الأراضي التي وقع عليها الاختيار لتوطين اليهود فيها في كينيا وإن عرف المشروع خطأ بمشروع أوغندا، والنقطة المهمة في هذا المشروع، والتي أشارت إليه بعض الآراء أن الهدف من محاولة الاستيطان في هذه المنطقة هو العمل على التحكم في منابع نهر النيل، واستغلال ذلك للضغط على جميع الأطراف التي عارضت محاولة الاستيطان الصهيونية في العريش وسيناء لإرغامهم على التخلي عن معارضتها"(26).

ويرى طارق البشري أن هذا المشروع الصهيوني كان تهديداً لمصر نظراً لموقع الوطن المقترح لليهود، والذي يتحكم في منابع النيل وقد ذكر مندوب بريطانيا في أوغندا عام 1894 أن أوغندا أقوى دول شرق أفريقا لسيطرتها على منابع النيل وأن "موقفنا في أوغندا ومصر موقف واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر لأن من ملك أعالي النيل يتصرف بمصر على هواه ومشيئته ويكون باستطاعته أن يقضي على مصر (27).

فهل فطن الإخوان إلى أطماع الصهيونية في مصر وتهديدها للأمن القومي لمصر؟

من الواضح من كتابات الإخوان إنهم قد فطنوا إلى الخطر الذي تمثله الصهيونية على مصر، وأن نجاح المخططات الصهيونية في فلسطين يشكل تهديداً خطيراً لمصر ليس فقط على المستوى الأمني بل في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ولذلك نجد الكثير من الكتابات التي تعبر عن هذا الخطر، ومن الواضح أن هذا الإدراك قد جاء مبكراً ويتضح ذلك من تواريخ مقالات كتابات الإخوان .

ففي عدد النذير بتاريخ 2 شعبان 1357هـ / 1938 م أكثر من مقال تعرض للخطر الصهيوني على مصر "إن فلسطين هي خط الدفاع الأول والضربة الأولى نصف المعركة فالمجاهدون فيها إنما يدافعون عن مستقبل بلادكم وأنفسكم وذرا ريكم كما يدفعون عن أنفسهم وبلادهم وذراريهم".

"إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا فإلى الذين يؤمنون بأن مصر فرعونية أقول لهم إن استقلال مصر أمس في خطر الزوال بقيام دولة يهودية في فلسطين".

"أيها الإخوان المسلمون: لا تنسوا أن لليهود في مصر ذكريات كما لهم في فلسطين فإن مكن لهم هنالك رنوا بأعينهم إلى مصر حيث مولد موسى ومهده وحيث بثت رسالته وحيث موعدته ومناجاته، ومن أولى بموسى ومواطن ذكرياته منهم فيما يزمعون"(28).

كما حذر حسن البنا المصريين في نفس العام بأن عدم مساندة الثورة في فلسطين يعني أنهم سيضطرون إلى أن يدفعوا عن أنفسهم في المستقبل غائلة الخطر اليهودي الصهيوني بعد أن ترسخ قدمه على بعد خطوات من الحدود المصرية وحينئذ لا تنفع الجهود ويصدق علينا المثل القائل (أكلت يوم أكل الثور الأبيض).

ويؤكد حسن البنا على هذا المعنى بصورة أكثر وضوحاُ في سبتمبر 1945 " نريد أن نؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية، ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد. نحن نطالب بهذا لأنه تأمين لحدودنا ومصلحة مباشرة لنا". كما حذر حسن البنا الحكومة المصرية عام 1946 من الأطماع الصهيونية في سيناء وطالب بالإسراع بنقل الجمرك من القنطرة إلى رفح وإقامة منطقة صناعية على الحدود بالإضافة إلى إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش كما اعتقد الإخوان أن قيام دولة يهودية في فلسطين سيهدد موقف مصر الاقتصادي وسيغرق الأسواق المصرية بالمنتجات اليهودية، هذا بالإضافة إلى سيطرة اليهود المصريين على الحياة الاقتصادية في مصر، مما سيؤدي بالتالي إلى أننا "سنفقد استقلالنا الاقتصادي"(29).

ومن الواضح من هذه الأقوال والكتابات إدراك الإخوان لحقيقة ارتباط الأمن القومي المصري ببلاد الشام وأن الأمن القومي المصري من جهة الشرق لن يتحقق إلا بتأمين هذه البلاد، وهو الأمر الذي أكدته حقائق التاريخ فمن الحدود الشرقية لمصر جاءت معظم الغزوات التي تعرضت لها مصر على مدار تاريخها، ولذلك عمل كل حكام مصر منذ الفراعنة وعلى مدار كل العصور على تأمين الجهة الشرقية لمصر عن طريق ضم بلاد الشام لمصر.

بل نجد حسن البنا في عام 1945 يؤكد على ما يسمى الآن "نظرية الأمن القومي المصري" فيرى أن صيانة الحقوق الوطنية لوادي النيل تتطلب تأمين حدود مصر من جميع الجهات فمن الجهة الغربية رأى أن الأمر يتحقق "يوم تسلم ليبيا لأهلها العرب الذين جاهدوا في سبيلها عشرات السنين... وتقوم فيها حكومة عربية مستقلة وتظل وطناً موحداً حراً مستقلاً".

ومن الجهة الشرقية لا يتحقق الأمر إلا "بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد".

أما من الجهة الجنوبية فقد رأى أن تأمين حدود هذه النيل يكون "بأن تحفظ حقوقنا في الأرتريا ثم زيلع ومصوع وهرر وأعالي النيل..."

ومن الواضح مما تقدم إدراك البنا لحقيقة أن الأمن القومي المصري لا يتحقق على حدود مصر فقط بل بتأمين البلاد المجاورة لمصر من الشرق بحل قضية فلسطين واستقلاله ومن الغرب باستقلال ليبيا ومن الجنوب بتأمين أعالي النيل وعودة الأماكن التي فتحتها مصر وقامت بإعمارها "ثم اغتصبت من جسم الوطن ظلماً وعدواناً" ويؤكد البنا على تأمين الحدود المصرية بتأمين الأنظمة المجاورة لمصر من مختلف الجهات "ومن واجبنا أن لا نتلقى حدود بلدنا عن غيرنا وأن نرجع في ذلك إلى تاريخنا لنرى أي ثمن غال دفعناه من الدماء والأرواح في سبيل تأمين حدودنا لا لمطامع استعمارية ولا لمغانم جغرافية ولكن لضرورات حيوية لا محيص منها"(30).

إن هذا التصور الشامل لأبعاد الأمن القومي المصري يوضح إدراك الإخوان للخطر الصهيوني على مصر، وأن مقاومة المخططات الصهيونية والدفاع عن قضية فلسطين هو دفاع عن المصلحة الوطنية المباشرة لمصر، وهو الأمر الذي يؤكد عليه طارق البشري ردا على الذين يتحدثون عن التضحيات التي قدمتها مصر دفاعاً عن قضية فلسطين، ويؤكد وهو يتحدث عن الصهيونية في مصر أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن المصلحة الوطنية المصرية بالمعنى الضيق إذا استبعدنا أي اعتبارات أخرى كالواجب العربي أو الإسلامي، ويأخذ على الحركة الوطنية المصرية أنها لم تضع الخطر الصهيوني في بؤرة الإدراك الوطني المصري وأن النزوع التقليدي للحركة الوطنية المصرية كان مقصوراً على قضية الجلاء ووحدة وادي النيل حتى الحرب العالمية الثانية، وأن حزب الوفد لم يكن قادراً على استيعاب هذا الخطر على عكس التنظيمات الشعبية التي تصدت لهذا الخطر وعلى رأسها جماعة الإخوان التي " كانت أكثر التنظيمات الشعبية إدراكها لهذا الأمر وتصدياً له ... وأن وضع المسألة الفلسطينية في بؤرة الأهداف الوطنية من شأنه وجوب إعادة تقدير دورهم ودور غيرهم السياسي"(31).

ولذلك يمكن القول:- إن اهتمام الإخوان بالقضية الفلسطينية كان في أحد جوانبه ينطلق من دافع مصري تتطلبه المصلحة الوطنية العليا المصرية، وعملاً في نفس الوقت لصالح القضية المصرية(32).

رابعاً: أخطار المشروع الصهيوني على الوحدة العربية والإسلامية

أدرك الإخوان خطورة المشروع الاستيطاني الصهيوني على الوحدة العربية والإسلامية مثلما أدركوا خطورته على مصر، وقد أدركوا أن هذه الخطورة لا تتوقف عند الأخطار السياسية بل تتعدى ذلك إلى الأخطار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها من المجالات وبذلك كان المشروع الصهيوني تهديداً للحلقات الثلاثة لدى الإخوان .

وقد أدرك الإخوان طبيعة الحركة الصهيونية كحركة سياسية استعمارية وارتباطها بالدول الاستعمارية وعلى رأسها في تلك الفترة بريطانيا ثم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد عبر حسن البنا وغيره من الإخوان عن هذه الأفكار في الكثير من الكتابات فيذكر حسن البنا " إن العرب حين يذودون عن فلسطين ويطالبون بحقها يشعرون من أعماق قلوبهم أن صميم وحدتهم وسلامة أوطانهم وحقيقة استقلالهم كل ذلك مرهون بهذا الجزء من أرضهم وبأن يظل لهم فلا تقوم فيه دولة لسواهم فدفاعهم عن فلسطين دفاع عن صميم كيانهم فضلاً عن الاعتبارات الدينية والخلقية الأخرى والعرب يدركون هذه الحقيقة فهم لا يجاملون أهل فلسطين ولكنهم يحافظون على وجودهم وعلى أرضهم"(33).

كما أدرك الإخوان المطامع الاستعمارية للحركة الصهيونية، وأن مطامعها لا تقف عند فلسطين بل ستمتد لتشمل ما جاورها من الأقطار من الفرات إلى النيل ففي عام 1936 يكتب البنا محذراً من مطامع الصهيونية "فهم لا يقتصرون على فلسطين لكنهم سيتحيفون الأرض من كل جانب، وهم خطر على وحدة العرب في الشرق لأنهم لا يعيشون إلا في جو التفريق".

وفي عام 1948 يوجه البنا بيناً للشعوب العربية يحذر فيه من الخطر الصهيوني وأن "دولتهم الخيالية التي يعبرون عنها بجملتهم المأثورة (ملك سليمان إسرائيل من الفرات إلى النيل) في عرفهم ما هي إلا نقطة ارتكاز تنقض منها اليهودية العالمية على الأمة العربية دولة فدولة ثم على المجموعة الإسلامية أمة بعد أمة(34).

كم أدرك الإخوان أن إنشاء كيان صهيوني في فلسطين يعني تنفيذ المخططات الاستعمارية في البلاد العربية، وأن هذا الكيان سيشكل قاعدة للدول الاستعمارية ويعمل على فصل الدول العربية عن بعضها ويهدد كيان العرب فقضية فلسطين "كارثة خطيرة تهدد كيان العرب ووجودهم لا في فلسطين وحدها بل في جميع البلاد العربية إذ لم يعد خافياً أن الصهيونيين لا يطمعون في فلسطين وحدها بل في جميع البلاد العربية" وأن مصلحة أمريكا وانجلترا السياسة أن يثبتوا شوكة يهودية في جسم الدول العربية حتى يأمنوا جانبها وحتى يهددوا هذا الجسم العربي بالانحلال السريع"(35).

ولعل حديث الإخوان عن تثبيت أمريكا وإنجلترا للكيان الصهيوني كشوكة في جسم الأقاليم العربية يوضح إدراك الإخوان للمخططات الاستعمارية في المنطقة، والعمل على زرع هذا الكيان الصهيوني كحاجز بين جناحي الأمة العربية كما جاء في تقرير كامبل، كما اعتقد الإخوان أن قيام الكيان الصهيوني سيؤدي إلى خلق مشاكل وأخطار لا نهاية لها تشغل العرب وتستنفذ قوتهم وتخلق مشاكل داخلية في كل بلد عربي من قبل الجاليات اليهودية التي تعيش فيها والتي ستشكل طابوراً صهيونياً خامساً سيكون ولاؤه للدولة الصهيونية(36).

وبالإضافة إلى الأخطار السياسية المترتبة على الدول العربية فقد أدرك الإخوان خطر الصهيونية على العالم الإسلامي وأن الخطر الصهيوني يهدد "العالم الإسلامي كله والعدو الصهيوني يعتبر نفسه مخلب قط لكل القوى الأجنبية التي لها مطامع في أي بلد عربي أو إسلامي(37).

كما اعتقد الإخوان أن قيام الكيان الصهيوني ينذر العالم الإسلامي بالاضمحلال الروحي ويهدده من ناحية العقيدة والإيمان حيث الخطر الصهيوني الذي يستهدف الأماكن المقدسة في بيت المقدس والمتمثل بحلم اليهود بهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان مكانه(38).

كما تنبه الإخوان للأخطار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي تهدد العالم العربي والإسلامي من جراء المشروع الصهيوني وقد ركز الإخوان على الخطر الاقتصادي على الشرق الأوسط نتيجة صغر مساحة فلسطين مما سيدفع كبار الممولين اليهود المهاجرين إلى فلسطين إلى محاولة استثمار أموالهم في البلاد العربية المجاورة وتصريف منتجاتهم في دول الشرق الأوسط مما سيؤدي إلى "خراب اقتصاد واضطراب مالي" كما حذر الإخوان من الخطر الاجتماعي المترتب على قيام الكيان الصهيوني حيث ستلجأ الصهيونية إلى نشر الإباحية والإلحاد وقد عبر البنا عن هذه الأخطار بقوله "أنه لن تقوم في أي دولة صناعة ناجحة ولا تجارة رابحة وستقضي المنافسة الصناعية والتجارية على كل أمل لهذه الأمة العربية والإسلامية في التقدم والنهوض هذا فضلاً عن الفساد الاجتماعي الذي تحمله جراثيم هذه الرؤوس اليهودية الطريدة من كل دولة مما يشيع في هذه المجتمعات الكريمة أسوأ ما في الإباحية والإلحاد والتحلل، وكل خلق فاسد مرذول"(39).

من هذا العرض لرؤية الإخوان للقضية الفلسطينية يتضح أن هناك عوامل متداخلة سواء دينية أو سياسية أو فكرية قد أدت إلى الاهتمام الكبير من جانب الإخوان بالقضية الفلسطينية، وأن الإخوان كانوا على وعي بطبيعة المشروع الصهيوني وأخطاره على مصر والعالم العربي والإسلامي، وأن هذا الوعي قد تشكل لدى الإخوان بصورة مبكرة قياساً بالقوى الأخرى كما سنرى.

ومن الواضح من تتبع تواريخ كتابات الإخوان عن القضية الفلسطينية أن الإخوان كانوا على وعي تام بالمشروع الصهيوني وأخطاره خلال فترة الثورة الفلسطينية 1936- 1939 .

أهم الانتقادات الموجهة لرؤية الإخوان للقضية الفلسطينية:-

يعد أهم انتقاد موجه لرؤية الإخوان للقضية الفلسطينية هو القول باعتبارهم الصراع في فلسطين صراع بين اليهودية والإسلام وما يترتب على ذلك من تهديد للوحدة الوطنية(40).

وأن الإخوان ساهموا في إذكاء مشاعر عنصرية ضد اليهود المصريين وحاولوا تحويل المعركة من عرب ضد استعمار وصهيونية إلى مسلمين ضد يهود(41).

وأن نغمة العنصرية تترد في أغلب كتابات صحيفة الإخوان خصوصاً عند التحدث أو الإشارة إلى الصهيونية واليهود "إن الصهيونية أقذر شعب وجد على ظهر الأرض وهم مجموعة من الخونة والمخربين" وأن الخلط يبدو واضحاً بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية في معظم كتابات صحيفة الإخوان "كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي"(42).

هذه الآراء والانتقادات التي توجه للإخوان يبدو في كثير منها الخلط وعدم تحديد المعاني بصورة واضحة، فضلاً عن تجاهل المبررات التي ساقها الإخوان لتبرير بعض آرائهم وبصفة خاصة فيما يتعلق بعدم التفريق بين اليهودي والصهيوني.

ففيما يتعلق باعتبارهم الصراع في فلسطين بأنه صراع بين اليهودية والإسلام، فنجد حسن البنا يقرر بوضوح "أن الأنبياء جميعاً مبلغون عن الله تبارك وتعالى، وأن الكتب السماوية جميعاً من وحيه وأن المؤمنين جميعا في أية أمة كانوا هم عباده الصادقين الفائزين في الدنيا والآخرة، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده".

فالمسلم يجب عليه أن يؤمن بكل نبي سبق ويصدق بكل كتاب نزل، ويحترم كل شريعة مضت ويثنى بالخير على كل أمة من المؤمنين خلت والقرآن يفترض ذلك ويعلنه ويأمر به النبي وأصحابه (قْولُوا آمَنَّا باللهِ وَمَا أنْزلَ إلَيْنَا وَمَا أنْزلَ إلىِ إبْرَاهِيمَ وَإسمْاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقوب وَاْلأسْبَاطِ وَمَا أوتِيَ مُوسَى وَعيسَى وَمَا أوتِيَ النَّبيُّونَ مِنْ رَبِّهمْ لا نُفرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136).

إن القرآن يثني على الأنبياء جميعاً فموسى نبي كريم (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (الأحزاب: من الآية 69). وعيسى عليه السلام (رسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهً ألْقاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء: من الآية 171). والتوراة كتاب كريم (إنَّا أنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدىً وَنُورٌ) (المائدة: من الآية 44)، والإنجيل كذلك كتاب كريم فيه هدى ونور وموعظة (وَآتَيْنَاهُ اْلإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاًً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظة للْمُتَّقينَ) (المائدة: من آية 46)، وهما والقرآن معهما مصابيح الهداية للناس (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأنْزَلَ التَّوْرَاة واْلإِنْجِيلَ) (آل عمران: 3).

وبنو إسرائيل أمة موسى أمة كريمة مفضلة ما استقامت وآمنت (يَا بَنِي إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ عَليْكُمْ وَأنِّي فضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ). (البقرة: 47)

وأمة عيسى عليه السلام أمة فاضلة طيبة ما أخلصت وعملت (وَجَعَلْنَا فِي قلُوبِ الَّذيِنَ اتَّبَعُوهُ رَأفة وَرَحْمَة وَرَهْبَانِيَّة ابْتَدَعُوهَا) (الحديد: من الآية 27)(43).

إن هذه الأقوال لحسن البنا توضح بجلاء أن الإخوان المسلمين لم ينظروا للصراع في فلسطين على أنه صراع بين اليهودية والإسلام، بل نظروا لليهودية كدين سماوي، والتوراة ككتاب منزل رغم ما أدخل عليه من تحريف وتبديل وأن المسلم مطالب بأن يؤمن بالكتب والرسل السابقة قبل رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.

وإذا كان هذا موقف الإخوان من اليهودية كدين فما هو موقفهم من اليهود؟ لقد أوضح حسن البنا موقف الإخوان من غير المسلمين بصفة عامة من أهل الكتاب "المسيحيين واليهود" أو غيرهم وفق القاعدة القرآنية (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلمْ يُخْرجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ أنْ تَبَرَّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إليهْمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمْقسِطين  إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِياركُمْ وَظاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فأولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة 8, 9).

فالتعامل بين المسلمين وبين غيرهم من أهل العقائد والأديان يقوم على أساس المصلحة الاجتماعية والخير الإنساني، ومن الملاحظ أن الآية تأمر بالبر والإحسان ولا تقتصر على الحماية فقط، كما إنها حددت تحديداً دقيقاً "من يحق لنا أن نناوءهم ونقاطعهم ولا نتصل بهم". ويؤكد الإخوان على الوحدة الوطنية وإنهم ليسوا دعاة تفريق عنصري بين طبقات الأمة، وقد أوصى الإسلام بإنصاف الذميين وحسن معاملتهم "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

"نعلم كل هذا فلا ندعو إلى فرقة عنصرية ولا إلى عصبية طائفية، ولكننا إلى جانب هذا لا نشتري هذه الوحدة بإيماننا ولا نساوم في سبيلها على عقيدتنا ولا نهدر من أجلها مصالح المسلمين، وإنما نشتريها بالحق والإنصاف والعدالة وكفى، فمن حاول غير ذلك أوقفناه عند حده وأبنا له خطأ ما ذهب إليه"(44).

وقد حرص الإخوان على الالتزام بهذا الإطار الفكري من خلال رؤيتهم لموقف الإسلام من غير المسلمين، وقد اتسم موقف جماعة الإخوان من الأقباط بصفة عامة بالاعتدال، كما حرص حسن البنا على طمأنة المسيحيين، واتخذ عدة خطوات في هذا الصدد للتدليل على حسن نوايا الإخوان نحوهم(45).

وإذا كان موقف الإخوان واضح بهذا الوضوح رؤيتهم للأقليات فلماذا اتسم موقفهم بالعداء نحو اليهود في مصر؟.

إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب الإلمام بوضع اليهود في مصر وموقفهم من الحركة الصهيونية، حتى تتضح حقيقة دوافع الإخوان من اليهود، وإنها لم تنطلق من خصومة دينية كما قد يظن البعض فالقاعدة القرآنية التي التزم بها الإخوان تنطبق على أهل الكتاب سواء من المسيحيين أو اليهود، بل إن الآية تتسم بالعموم وتشمل غير المسلمين أيا كان دينهم وملتهم، فالإخوان لم ينطلقوا في عدائهم ضد اليهود في مصر من منطلق الخصومة الدينية.

وقد عبر عن ذلك حسن البنا بوضوح: "إن خصومتنا لليهود ليست دينية لأن القرآن الكريم حث على مصافاتهم ومصادقتهم، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن يكون شريعة قومية، وقد أثنى عليهم وجعل بيننا وبينهم اتفاقاً (وَلا تُجَادَِلُوا أهْلَ الْكِتَابِ إَّلا باَّلتِي هِيَ أحْسَنُ) (العنكبوت: من الآية 46) (46).

فالعداء بين الإخوان واليهود جاء على خلفية القضية الفلسطينية، وموقف يهود مصر المساندة للحركة الصهيونية، ولم ينبع من خصومة دينية، بل إن من الأشياء الطريفة التي يرويها حسن البنا في مذكراته أنه كان يقيم بالإسماعيلية في منزل من ثلاثة أدوار كان يستأجر الدور الأوسط مجموعة من المواطنين المسيحيين اتخذوا منه ناديا وكنيسة، وفي الدور الأسفل مجموعة من اليهود اتخذوا منه ناديا وكنيسة، بينما كان يقيم حسن البنا ورفيقه في الدور الأعلى حيث اتخذوا من هذا السكن مصلى، فكان المنزل يمثل الأديان الثلاثة وكانت "أم شالوم" سادنة الكنيسة تدعو البنا ورفيقه كل ليلة سبت ليضئ لها النور ويساعدها في "توليع وابور الجاز".

"وكنا نداعبها بقولنا: إلى متى تستخدمون هذه الحيل التي لا تنطلي على الله؟ وإذا كان الله قد حرم عليكم النور والنار يوم السبت كما تدعون؟ فهل حرم عليكم الانتفاع أو الرؤية؟ فتعتذر وتنتهي المناقشة بسلام"(47).

وضع اليهود في مصر:

تمتع اليهود في مصر بوضع متميز خلال فترة ما قبل ثورة 1952، وقد استطاعت مجموعة من العائلات اليهودية التحكم في توجيه الاقتصاد المصري مثل عائلة رولو ومصيري وعدس وقطاوي وشيكوريل ومزراحي ومنشه، وغيرها من العائلات(48).

وقد بلغ من تغلغل اليهود في الاقتصاد المصري أن بعض المصانع والمشاريع الاقتصادية في مصر كانت الإدارة فيها من المدير إلى ضارب الآلة الكاتبة من اليهود، ولعل بعض الإحصاءات توضح مدى هذا التغلغل فقد كان 98٪ من رجال البورصة في مصر من اليهود بالإضافة إلى سيطرتهم على 103 شركة مصرية من مجموع شركات مصر البالغ عددها 308 شركة إلى جانب مساهمتهم غير المباشرة في بقية الشركات المصرية، ويمكن القول أن اليهود كانوا يمثلون بالنسبة للاقتصاد في مصر "الشرايين بالنسبة للجسم".

وبالإضافة إلى سيطرة اليهود على مختلف مجالات النواحي الاقتصادية، فقد امتدت سيطرتهم على مجال الصحف فقد أصدروا العديد من الصحف المختلفة، وبلغات متعددة، إلا أن الأهم من صحفهم هو التحكم في الصحف الأخرى، ومحاولة التأثير عليها من خلال سيطرة اليهود على مجال الإعلانات من خلال شركة الإعلانات الشرقية فقد كانت هذه الشركة تستولي على معظم الإعلانات حيث أن معظم المحال والبنوك والمؤسسات كانت بيد اليهود وكان مدير الشركة يهودياً وكذلك كان معظم مديري الإعلانات في الصحف الكبرى من اليهود.

كما كان اليهود يشرفون ويديرون العديد من فروع الشركات الأجنبية في مصر، وكانت إعلانات هذه الشركات والمؤسسات تجد طريقها إلى شركة الإعلانات الشرقية التي ترسلها إلى الصحف حسب موقفهم من اليهود وبذلك كان لهذه الشركة تأثير كبير على الصحف المصرية(49).

وفي المجال السياسي فقد عرفت مصر وزيراً يهودياً هو يوسف قطاوي الذي تولى وزارة المالية عام 1924، وقد علق كاتب يهودي على توليه الوزارة بالقول " أنه منذ تعيين يوسف الصديق وزيراً لفرعون مصر لم تعرف مصر وزيراً يهودياً إلا في القرن العشرين اسمه يوسف أيضاً.. هو يوسف قطاوي باشا" كما احتل عدد من كبار الرأسماليين اليهود مقاعد في مجلس النواب والشيوخ(50).

ومن الملاحظ أن هذا النفوذ الكبير لليهود في تلك الفترة لم يكن متناسباً بأي حال من الأحوال مع نسبتهم العددية فطبقاً للإحصاءات الرسمية فإن عدد اليهود بلغ في عام 1917، 59 ألف، وفي عام 1927 بلغ 64 ألف، وفي عام 1937 بلغ 63 ألف، وفي عام 1947 بلغ 66 ألف وهو أكبر رقم وصل إليه اليهود في تلك الفترة ومع ذلك فإن هذا العدد لا يمثل نسبة تذكر من مجموع سكان مصر الذي كان يبلغ في عام 1947، 18 مليوناً و 967 ألف نسمة(51).

ومن المفارقات أنه في نفس الوقت الذي كان زعماء الطائفة اليهودية في مصر يستولون على مساحة كبيرة من النفوذ في الطبقات العليا كان شباب اليهود يستولون بالكامل على الحركة الشيوعية في مصر فقد كانت زعامة الحركات الشيوعية الثلاثة الفاعلة والنشطة في مصر في ذلك الوقت خاضعة لليهود وهي: الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروفة باسم "حدتو"، ويتزعمها هنري كوريل وهو يهودي من أصل أجنبي وحركة "اسكرا" وتعني الشرارة، وهي اسم جريدة "لينين" الشهيرة، ويتزعمها هيلل شوارتز وهو يهودي من أصل ألماني، وحركة "طليعة الطبقة العاملة" ويتزعمها ريمون دويك، وهو يهودي مصري وقد رأت الأحزاب الشيوعية الثلاثة في حرب فلسطين تحالف رأسماليات يهودية صهيونية مع رأسماليات إسلامية عربية تتآمر معا على الطبقة العاملة هنا وهناك تحاول تعظيم أرباحها بدفع الطرفين إلى قتال بعضهما مع أن فلسطين تتسع بالسلام لدولة يهودية، على العرب التقدميين القبول بها والتعاون معها لصالح السلام العالمي، وانتصار للأممية تحت الرايات الحمراء للشيوعية الدولة(52).

وإذا كانت الأحزاب الشيوعية قد أيدت التقسيم وإنشاء دولتين إحداهما عربية وأخرى يهودية فإنه من الصعب الجزم بأن هذا الموقف راجع فقط إلى تأثير اليهود وزعامتهم لهذه الأحزاب بل يجب مراعاة للدقة العملية مقارنة موقف الحركة الشيوعية العالمية من القضية الفلسطينية وكذلك موقف الأحزاب الشيوعية العربية الأخرى من هذه القضية مع موقف الأحزاب المصرية وكذلك تحليل مواقف زعماء الحركة الشيوعية في مصر وكتابتهم بهذا الصدد، وهو أمر خارج سياق هذه الدراسة.

ومن هذا العرض السريع لوضع اليهود في مصر يتضح ما بلغه اليهود من قوة وازدهاراً في تلك الفترة، في كثير من المجالات، وبصفة خاصة المجال الاقتصادي، إلا إنه ينبغي الإشارة إلى أن ما حققه اليهود في مصر من قوة اقتصادية يعود في بعض أسبابه إلى استفادتهم من الامتيازات الأجنبية حيث أقبل اليهود على التجنس بجنسيات الدول الأجنبية التي كانت تتمتع بهذه الامتيازات في مصر، وقد ساعدت هذه الامتيازات على تزايد النفوذ الاقتصادي لليهود بالإضافة إلى ارتفاع نسبة التعليم بين يهود مصر وتشجيع السلطات الحاكمة في مصر لهم، وتوثيق اليهود في مصر لعلاقتهم بالمؤسسات التجارية في الخارج، هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى خاصة بالمجتمع المصري.

وقد أدى احتكار اليهود في مصر للنشاط الاقتصادي إلى الإضرار بالمصريين ومع ذلك لم يتضرر المصريون من ذلك إلا في الأربعينيات، ولم تجرؤ أية صحيفة على الشكوى من اليهود إلا في فترة متأخرة، فقد لجأت المؤسسات اليهودية إلى تخفيض مكافآت العمل المصريين، والى فصل العمال بدون أي مبرر، والتهرب والتحايل على الحقوق التي أعطاها القانون للعمال.

ومن الملاحظ أنه لم يحدث أي اضطهاد أو معاملة سيئة من جانب المصريين في مصر ضد اليهود إلا خلال فترة الأربعينيات مع تزايد الوعي بخطورة المشكلة الفلسطينية، وقد تزايد كره المصريين وبغضهم لليهود مع احتدام مشكلة فلسطين كما كان للعامل الاقتصادي دور كبير في هذه الكراهية نظراً لسيطرة اليهود على الاقتصاد المصري(53).

النشاط الصهيوني في مصر:

كانت مصر مركزا هاما وبؤرة للنشاط الصهيوني، وقد بدأ النشاط الصهيوني في مصر متواكبا مع الحركة الصهيونية ففي عام 1897 وهو نفس العام الذي عقد فيه مؤتمر "بال" تم تأسيس أول جمعية صهيونية في القاهرة حملت اسم "باركوخابا"(54).

وقد تصاعد النشاط الصهيوني منذ ذلك الحين، وأصبحت القاهرة مركزاً هاماً للنشاط الصهيوني، وليس هدف هذا البحث التعرض بالتفصيل لهذا النشاط وإنما توضيح فقط أهم ملامح هذا النشاط وخطورته، وتقويم الدور الذي قام به اليهود في دعم الصهيونية.

ففي عام 1917 استطاع "ليون كاسترو" أن يؤسس أول فرع للمنظمة الصهيونية العالمية تحت اسم "منظمة الصهيونيين بمصر"، وفي عام 1918 أصدرت "المجلة الصهيونية"، كما تم افتتاح العديد من الفروع لهذه المنظمة في المدن المصرية بهدف نشر المبادئ الصهيونية بين الجماهير اليهودية في مصر، والمساعدة في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وقد استقبل اليهود في مصر تصريح بلفور بابتهاج وفرح شديد، وأقاموا الاحتفالات في الإسكندرية وطنطا والتي حضرها العديد من يهود مصر وقد ساعد على تزايد النشاط الصهيوني في مصر رفع حزب الوفد لواء القومية المصرية، وشعار الوحدة الوطنية والتسامح الديني، ورفض أية محاولة للتفريق بين جماهير الشعب على أساس الدين، وقد استفاد اليهود من ذلك وبادر بعضهم للانضمام إلى حزب الوفد والتغلغل بين صفوفه لدرجة أن ليون كاسترو مؤسس المنظمة الصهيونية في مصر أصبح السكرتير الخاص لسعد زغلول وصحبه في مفاوضاته إلى أوربا، وقد أدى ذلك لاستفادة الحركة الصهيونية، فقد كان صداقته لسعد زغلول تعني عدم تعارض النشاط الصهيوني مع النضال الوطني المصري، وبالتالي حرية الحركة للصهيونيين وإضفاء المظهر الوطني عليهم(55).

وقد تردد العديد من قادة الحركة الصهيونية العالمية على مصر، الأمر الذي كان له اثر كبير في مضاعفة النشاط الصهيوني، ومن أبرز القادة الصهيونيين الذين ترددوا على مصر "حاييم ويزمان"، و"ناحوم سوكولوف" و"موسى شرتوك" الذي تولى رئاسة وزراء الكيان الصهيوني- وقد اشتمل برنامج هذه الزيارات على عقد الاجتماعات وإلقاء المحاضرات ولقاء كبار الرأسماليين اليهود وحاخام اليهود، وبعض السياسيين المصريين، ومن ذلك لقاء سولوكوف في فبراير 1933 للملك فؤاد بقصر عابدين، وكمثال على محتوى هذه الزيارات ما قام به ويزمان أثناء زيارته لمصر 1935 حيث أقيم احتفال حضره كبار المشتغلين بالحركة الصهيونية من يهود مصر تحدث فيه ويزمان منوهاً بمساعي الحاخام الأكبر حاييم ناحوم من أجل مؤازرة كبار أعيان الطائفة في مصر للصهيونية، وقد تحدث ناحوم وأعلن رغبته الأكيدة في الاشتغال بالحركة الصهيونية في مصر وقد كان لهذه الزيارات أثر كبير في مضاعفة النشاط الصهيوني في مصر، ومسارعة اليهود إلى التبرع، وإنشاء فرع للصندوق القومي لليهود لجمع التبرعات وإرسالها إلى الوكالة اليهودية في فلسطين لشراء الأرض(56).

ومن مظاهر النشاط الصهيوني قيام اليهود في مصر بإنشاء مستعمرة في فلسطين باسمهم وإهداءها إلى المهاجرين المستوطنين وقد تكلفت هذه المستعمرة 30 ألف جنيه مصري وافتتحت رسمياً عام 1933 وأطلق عليها اسم "كفار جوديا" أي القرية اليهودية(57).

وخلال الحرب العالمية الثانية شهدت مصر نشاطاً واسعاً وعميقاً للنشاط الصهيوني حيث كانت تعج جيوش الحلفاء في مصر باليهود الذين ملأت الأفكار الصهيونية المتعصبة عقولهم ولقد تلقفتهم المنظمة الصهيونية في مصر ويسرت لهم سبل الالتقاء بالطائفة اليهودية لرسم الخطط من أجل التعاون وتحقيق الأهداف الصهيونية، وقد أسست المنظمة عام 1941 لجنة باسم "اللجنة اليهودية للترفيه عن البحارة والجنود والطيارين" مهمتها إقامة النوادي الترفيهية للجنود اليهود وكان على رأس اللجنة الرأسمالي اليهودي الكبير أوفاديا سالم وقد أصبحت هذه النوادي مركزاً للنشاط الصهيوني(58).

كما كان لجهاز مخابرات المنظمة العسكرية الصهيونية "الهاجاناه" المعروف باسم "علياه بيت" شبكة في مصر وكان مهمتها الحصول على شئ من احتياطي السلاح الكبير الذي كان يكدسه الحلفاء في مصر، وكذلك الحصول على المعلومات وقد قام عملاء الهاجاناه بتأجير فيلا خارج الإسكندرية كمنتجع صحي لجنود الحلفاء في الظاهر ولكنها كانت في الحقيقة قاعدة لعمليات تهريب وتسهيل هجرة اليهود لفلسطين(59).

ولم يتوان زعماء الصهاينة في مصر عن جمع المزيد من المال وإرسال حصيلته أولا بأول إلى فلسطين ومع صدور قرار التقسيم في نوفمبر 1947 وقرب قيام الكيان الصهيوني ازداد حماس يهود مصر وأخذوا يعبرون عن ذلك مطالبين الإنجليز بسرعة الجلاء لإتمام قيام دولتهم وتسهيل هجرة يهود مصر والعالم إليها(60).

ومع تصاعد الأحداث وظهور نذر الحرب فإن الوجود اليهودي شبه العسكري كان ما يزال يدب على أرض مصر خصوصاً في عمليات تجنيد وتدريب شباب من اليهود تحت إشراف منظمات نشطة. كما اخترق اليهود في مصر القصر الملكي وكانت قرينة يوسف قطاوي زعيم الطائفة اليهودية في مصر كبيرة وصيفات القصر الملكي في مصر أيام الملكة نازلي وحتى 1948، وكانت تقوم بجمع التبرعات والمساعدات لنجدة اللاجئين اليهود ومساعدتهم على الذهاب إلى فلسطين كما كان الملك على علاقة بيهودية هي ايرين كيونيللي ويهودية أخرى تدعي يولندا هامر(61).

وفي الوقت الذي كان يقوم فيه يهود مصر بدعم الصهيونية وتحقيق أهدافها فقد قاموا بمحاولات متعددة لإبعاد مصر عن الصراع في فلسطين فكتبت الصحف اليهودية تعبر عن هذا الاتجاه وعملت على تشجيع التقارب بين مصر واليهود في فلسطين في جميع النواحي كما عمل اليهود على التأثير على شركة الإعلانات الشرقية بالإضافة إلى ملكية اليهود لمعظم المحال والمتاجر فكان اليهود يلجأون إلى منح ومنع الإعلانات حسب اتجاهات الصحف منهم، وقد حاول اليهود استخدام هذا السلاح مع أحمد حسين عن طريق منح العديد من الإعلانات لصحيفة مصر الفتاة للتأثير على موقفها من اليهود، كما ذكر الصحفي حافظ محمود أن جريدة السياسة الأسبوعية تعرضت للعديد من الصعوبات في الحصول على ورق وحبر الطباعة بعد نشرها مقالاً مناهضاً للصهيونية وأن أصابع الصهيونية كانت وراء ذلك.

كما عملت الهيئات اليهودية في مصر على متابعة ما يكتب في الصحف المصرية عنهم وتصحيح ما يرون أنها معلومات خاطئة تمسهم، وتشجيع الصحف التي تظهر عطفاً عليهم كما لجأ اليهود للتغلغل في الصحف التي وجدوا صعوبة في التحكم فيها وتغير اتجاهاتها ولذلك نجد العديد من اليهود تولوا مناصب في الكثير من المؤسسات الصحفية في مصر خاصة منصب مدير الإعلانات(62).

ومن المهم التوقف عند شخصية الحاخام حاييم ناحوم الذي تولى منصب الحاخام في مصر عام 1921 بعد أن انتقل إليها من تركيا حيث كان يشغل منصب حاخام اسطنبول وقد أصبح حاييم ناحوم بعد شهور من وصوله مصر صديقاً ومستشاراً للملك فؤاد، وتم تعينيه عضواً في مجلس الشيوخ، ثم عضواً في مجمع اللغة العربية وصديقاً مؤثراً على النخبة السياسية والفكرية في مصر داخل القصر الملكي وخارجه ويرى محمد حسنين هيكل أن من المرجح أن ناحوم كان يعارض فكرة إقامة دولة يهودية وأنه لم يكن لديه صورة حقيقية عن مطالب الصهيونية الحديثة بينما نجده في كتاب المفاوضات السرية يطرح تساؤل "هل كان يهود مصر من دعاة إنشاء إسرائيل لتكون وطناً قومياً لليهود؟، وهل كان في خيالهم أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من علاقات مع مصر؟".

ويرى في الإجابة على هذا السؤال أنه ربما كان الأقرب للحقيقة هو القول بأن يهود مصر كانوا متعاطفين مع فكرة هجرة اليهود إلى فلسطين، ولكنهم كانوا يحبون حياتهم في مصر، ولا يريدون استبدالها بأي حياة أخرى، وأن من المحتمل أن بعض اليهود المصريين لم يجدوا تضاربا في الولاء بين رغبتهم في قيام دولة يهودية، وبين حياتهم في مصر التي تمتعوا فيها بحياة يصعب عليهم أن يجدوها في مكان آخر، وأن الحاخام ناحوم كان يقر بحق اليهود في تأسيس دولة لهم في فلسطين، إلا إنه ينصح كل الأطراف بالحذر، لدرجة أنه طلب موصيري باشا أن يلفت نظر ممول يهودي كبير هو "ليون كاسترو" أن يهدأ قليلا في جمع التبرعات للحركة الصهيونية لتجنب إحراج اليهود في مصر "وهو أمر لا لزوم له الآن".

بل إن ناحوم في لقاء مع الملك فاروق حاول أن يقنع الملك بأن القدس حق لليهود وأن " المسيحيين تركوا القدس وذهبوا إلى روما، والمسلمين غيروا توجههم إليها وتحولوا إلى مكة، وأما اليهود فقد بقوا طول العمر يبكون ضياعها"(63).

ومن الواضح من العرض السابق للنشاط الصهيوني ليهود مصر أنهم عملوا على إنشاء دولة لليهود في فلسطين، وأنهم دعموا المشروع الصهيوني، أما عن عدم رغبة اليهود في مصر في الهجرة منها واستبدالها بأي حياة أخرى، فهو أمر يمكن تصوره نظرا لموقعهم المتميز في الحياة المصرية، ولكن في النهاية فإن مساندتهم للحركة الصهيونية وإنشاء دولة لليهود في فلسطين كان يعني اتخاذ موقف عدائي لمصر وتهديدا لأمنها القومي.

ومن المهم الإشارة إلى أن النشاط الأيديولوجي لليهود في مصر لم يكن قاصرا على الصهيونية فقط، فقد انقسم النشاط الفكري لليهود إلى قسمين:

القسم الأول: يتجه إلى أقصى اليمين "الصهيونية".

القسم الثاني: يتجه إلى أقصى اليسار "الشيوعية".

وكانت العناصر التي تقوم بالنشاط الصهيوني هي العناصر الرأسمالية، بينما كانت العناصر التي تقوم بالنشاط اليساري تتألف من عناصر عمالية وثقافية(64).

وإذا كان الاتجاه الصهيوني يعمل على إنشاء دولة يهودية فإن اليساريين لم يكن يروا هناك مشكلة ليهود فلسطين، وأن المشكلة خلقتها الصهيونية خلال فترة نشاطها، وأن حل المشكلة ينبع في الكفاح المشترك بين اليهود والعرب للتخلص من الاستعمار الأنجلو أمريكي متمثلاً في الحركة الصهيونية وقد أدى الخلاف بين الاتجاهين إلى قيام الاتجاه اليساري بتكوين الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية، والتي هدفت للكفاح ضد الدعاية الصهيونية والعمل على توثيق العلاقة بين يهود مصر والشعب المصري، وقد اقتصرت عضوية الرابطة على اليهود فقط لأنها تعتبر نفسها حركة يهودية تعمل بين الجماهير اليهودية فقط، ولم تستمر هذه الرابطة سوى أسابيع حيث قامت حكومة النقراشي بحلها بدعوى الحفاظ على النظام والأمن العام، ويبدو أن الهدف من حلها منع أي نشاط يساري في مصر لمنع انتشار الأفكار الشيوعية في البلاد.

وقد أدى تكوين الرابطة إلى وقوع صدام بين الصهيونيين بزعامة كليمان شيكوريل ومجموعة من اليهود المعارضين للصهيونية والذين كانوا يسيطرون على النادي المكابي بالقاهرة، حيث استطاع شيكوريل تعيين مجلس إدارة لهذا النادي من الصهيونيين.

وهكذا وبالرغم من وجود يهود معارضين للحركة الصهيونية في مصر إلا أنهم كانوا أقلية من حيث الكم، بينما كانت الصهيونية يساندها اليهود الرأسماليون أصحاب النفوذ في البلاد فضلا عن أن المعارضين للصهيونية لم يقدر لهم الاستمرار في معارضتهم نظرا لانحسار المعارضة في اليهود اليساريين(65).

ومن الواضح ضآلة عدد اليهود المعارضين للصهيونية وانحسارها في اليهود اليساريين، والذين تزعموا وانضموا للحركة الشيوعية، كما أن تصورهم للمشكلة الفلسطينية لم يكن تصورا صحيحا أو عمليا ولم يختلف موقفهم في النهاية عن موقف الصهيونية فقد أيدت الأحزاب الشيوعية والتي كان يسيطر عليها اليهود مشروع التقسيم وإنشاء الدولة اليهودية.

وهكذا يتضح مدى النفوذ الذي بلغه اليهود في مصر خاصة في المجال الاقتصادي والجهود التي قاموا بها لتأييد ومساندة الصهيونية بحيث كانت مصر مركزاً هاماً للنشاط الصهيوني، ومن الملاحظ أن هذا النشاط استمر وتزايد منذ بدايته حتى عام 1948، وإن كان من الممكن تلمس العذر لهذا النشاط في البداية حيث كان موقف مصر الرسمي غير واع بخطر الصهيونية فإنه ليس هناك مبرر لهذا النشاط بعد تبني مصر سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي للقضية الفلسطينية.

وهناك سؤال يطرح نفسه وهو هل كان الإخوان على وعي بالنفوذ اليهودي والنشاطات الصهيونية لليهود المصريين؟.

من الواضح من كتابات الإخوان الوعي بخطر اليهود في مصر ونشاطهم الصهيوني، كما أن إنشاء النظام الخاص في الجماعة والذي كان يحتوي على قسم للمخابرات أتاح للجماعة فرصة الوقوف على نشاط اليهود في مصر من خلال تتبع ومراقبة هذا النشاط، وقد قام النظام الخاص بدور كبير في عملية حصر وجرد لليهود بمصر "إذ لم يكن ولاؤهم للحركة الصهيونية محل شك".

وقد احتوت الأوراق التي وقعت في أيدي البوليس في قضية "الجيب" على كثير من التقارير التي احتوت على أسماء المصانع والمتاجر التي كان يملكها اليهود، أو كان يرأس مجلس إدارتها مصري بينما كان أعضاء مجلس الإدارة من اليهود، كما احتوت الأوراق على تقارير حول تحركات اليهود واجتماعاتهم(66).

لقد اتخذ الإخوان موقفا عدائيا من اليهود في مصر فهل كان هذا الموقف نابعا من عدم إدراك الفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية؟

إن أهم انتقاد يوجه للإخوان أنهم لم يدركوا الفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية، وأنهم اعتبروا كل يهودي صهيوني، وقد تفرع من ذلك انتقادات أخرى للإخوان كالعنصرية والدعوة للحرب الدينية ضد اليهود.

إن الكتابات المختلفة للإخوان توضح أتهم أدركوا الفرق بين اليهودية والصهيونية، وكما مر بنا فقد أدرك الإخوان حقيقة الصهيونية كحركة سياسية وعلاقتها بالاستعمار، وقد أوضح ذلك حسن البنا بوضوح خلال حديثه أمام لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية عام 1946 حيث ذكر "أن خصومتنا لليهود ليست دينية... "ونحن حين نعارض بكل قوة الهجرة اليهودية نعارضها، لأنها تنطوي على خطر سياسي اقتصادي، وحقنا أن تكون فلسطين عربية".

وقد عرف الإخوان الصهيونية اليهودية بأنها حركة سياسية استعمارية غايتها طرد العرب من ديارهم باستعمار أرضهم وهدم وحدتهم وتأسيس ملك لليهود فوق أطلال ملكهم وأنها ثمرة تدابير "اليهودية العالمية" التي تهدف إلى تسخير العالم كله لحكم مسيح صهيون ومصلحة اليهود(67).

ولكن إذا كان الإخوان قد فرقوا بين اليهود كأصحاب ديانة واليهود كصهاينة ينتمون لحركة سياسية فما الذي دفعهم إلى اتخاذ الموقف العدائي من اليهود المصريين؟

يبدو أن موقف الإخوان من اليهود في مصر جاء تطبيقا للقاعد القرآنية (إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّين وَأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ وَظاهَرُوا عَلى إخْرَاجِكُمْ أنْ توَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فأولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 9).

فقد كان للموقف العدائي لليهود في مصر ودعمهم للمشروع الصهيوني بكافة الوسائل دافع للإخوان لاتخاذ موقف عدائي منهم وقد أوضح حسن البنا أن "اشتراكهم الفعلي في مد العصابات الصهيونية بفلسطين بكل صنوف المساعدة" جعل الإخوان يطبقون عليهم الشطر الثاني الخاص بغير المسالمون وهو "فمن اعتدى علينا منهم رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عدوان المعتدين"(68).

وقد أخذ الإخوان يحذرون من خطر اليهود في مصر فنشرت مجلة النذير سلسلة من المقالات للشيخ مصطفى الرفاعي اللبان تحت عنوان "خطر اليهود في مصر" حذر فيها من سيطرة اليهود الاقتصادية على الذهب والفنادق الكبرى والعقارات والأملاك، ونبه للدور الخطير الذي تقوم به شركة الإعلانات الشرقية، من خلال تحكمها في الإعلانات، وقيامها بمنح ومنع الإعلانات حسب اتجاه الصحف وموقفها من اليهود" ومن الظواهر الدالة على ذلك ما نشاهد من إحجام الصحف عن نصرة الحق الإسلامي مادام يتعارض مع مصلحة اليهود"(69).

لقد أدت رؤية الإخوان لطبيعة الحركة الصهيونية كحركة استعمارية إلى الطلب من المسيحيين المصريين الوقوف مع أهل فلسطين في قضيتهم، وكذلك الطلب من حاخام وكبار الطائفة اليهودية في مصر الإعلان عن مشاركتهم لمواطنيهم من أبناء الأمة المصرية في كفاحهم القومي الذي اتخذوه مسلمين ومسيحيين لإنقاذ فلسطين(70).

ففي رسالة موجهة من حسن البنا إلى بطريرك الأقباط عام 1936 يدعوه لمساعدة الفلسطينيين بما تبقى من أموال لجنة مساعدة الحبشة، يذكر البنا "أن فلسطين الشقيقة العزيزة مهد الشرائع والأنبياء قد بطشت بها القوة الغاشمة، فانسالت دماء أبنائها من المسلمين والمسيحيين على السواء"، ويوضح البنا أن هدف اليهود الاستيلاء على بيت المقدس، والأماكن المقدسة "التي أجمع المسلمون والمسيحيون على تقديسها وإكبارها والذود عنها"(71).

وتخاطب مجلة الإخوان "كل مسيحي حر أن يبادر أيضا بتقديم كل عون إلى عرب فلسطين الذين حافظوا بأمانة وشرف على كنيسة القيامة وعلى بيت لحم، وإن ألد أعداء المسيحيين "اليهود"- لو كانوا يعملون- إننا نوجه الخطاب إلى كل مسلم والى كل مسيحي أن يبادر بالعمل بأي صورة على إحباط مشروع الصهيونية"(72).

وقد حرص البنا على مخاطبة المواطنين المسيحيين من أجل العمل من أجل فلسطين، وقد شارك المسيحيون في المظاهرة الكبرى لتأييد فلسطين في ديسمبر 1947، والتي أعد لها الإخوان ، ونشرت جريدة الإخوان صورة تجمع بين العلماء المسلمين ورجال دين أقباط(73).

أما اليهود في مصر فقد دعاهم الإخوان لمشاركة مواطنيهم المسلمين والمسيحيين في موقفهم من قضية فلسطين، وتوضح كتابات الإخوان التي تناولت "موقف اليهود" حقيقة موقفهم من يهود مصر.

ففي مقالة مطولة لصالح عشماوي عام 1938 بعنوان "اليهود في مصر وموقفهم من قضية فلسطين" يتحدث عن إن اليهود يسكنون العالم العربي في سلام ويحتكرون التجارة والمال، ويتشبثون بالبلاد التي يقطنون بها.

ومع ذلك فقد بقوا جامدين لا يتحركون أمام الجرائم التي ترتكب في فلسطين بل إنهم مغتبطون لهذه الجرائم ويرسلون التبرعات وإن تظاهروا بالوقوف على الحياد وأن الاستثناء الوحيد من هذا الموقف الغامض كان موقف يهود العراق الذين أعلنوا صراحة تأييدهم للأمة العراقية في موقفها من قضية فلسطين ولا يعنينا أن يكون اليهود قد فعلوا ذلك جبناً أو عقيدة فالعقيدة مكانها القلب والقلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء ثم يتحدث عن يهود مصر الذين ينعمون بالثروة والرخاء، وأن المسلمين والأقباط قد ثاروا وعقدوا الاجتماعات والمؤتمرات من أجل فلسطين بينما لم يتحرك اليهود "أروني يهودياً حضر اجتماعاً أو ساهم في مؤتمر فلسطين ودلوني على يهودي سار في مظاهرة أو أرسل احتجاجاً على الأعمال الإجرامية في فلسطين واذكروا لي يهودياً جمع مالاً أو تبرعا للمجاهدين العرب في فلسطين".

ويذكر أن أحدا لم يتحرك، وأن كل ما حدث عندما خاف اليهود على مصالحهم في مصر كان قيام قطاوي باشا بإرسال خطاب إلى علوبة باشا يذكر فيه أن موقف اليهود في مصر سيكون مماثلاً لموقف الحكومة المصرية، ثم تحدث صالح عشماوي عن الموقف الواضح للحكومة المؤيد للقضية الفلسطينية وأنه لم يبق عذر لقطاوي باشا في عدم تحديد موقفهم، وأن البيان الذي نشرته الصحف لأحد المحامين اليهود في الإسكندرية وهو زكي العريبي والذي جاء فيه أن اليهودية شئ والصهيونية شئ آخر، فالأولى دين والثانية مذهب سياسي، وأن يهود مصر لا يعرفون لهم وطنا غير مصر، بيان غير كافٍ، وأن الجرائد اليهودية الناطقة بالفرنسية في مصر قد حملت على البيان وصاحبه، وذكرت أنه لا يمثل إلا نفسه، أما البيان الذي صدر في الصحف بإمضاء "طلبة الجامعة اليهود" فهو غير كافٍ – أيضا- حيث لا يوجد توقيعاً بأسمائهم كما إن طلبة الجامعة لا يمثلون اليهود وفي نهاية المقال يطلب من اليهود تحديد موقفهم بوضوح وأن يتخذوا موقفا واضحا وصريحا لتأييد الفلسطينيين "لا يا سادة لا نريد عبثا ونفاقا، لا نريد خداعا وتمويها. نريد من زعماء اليهود دينيين ومدنيين ومن رؤساء العشائر منهم أن يعلنوها كلمة صريحة يتنصلون فيها من الصهيونية، ويعلنون انضمامهم إلى المصريين في المطالبة بإنصاف العرب وحل القضية الفلسطينية على الوجه الذي يرضيهم، وأن ينشروا هذا الإعلان على صفحات جرائدهم اليهودية في مصر فضلا عن الجرائد الأخرى وأن يبلغوا الحكومة الانجليزية والى المركز الرئيسي للجمعيات الصهيونية.. ويطالبهم بتقديم دليل عملي بالتبرع بما يتناسب مع ثروتهم ... وبهذا وحدة تبرأ ذمة اليهود في مصر فإذا لم يفعلوا كان لنا الحق أن نعتقد في أنهم صهيونيون يؤيدون الإنجليز في فظائعهم في فلسطين" ثم يتحدث بعد ذلك عن إرسال اليهود التبرعات للصهاينة ويطالبهم بالمبادرة بإعلان موقفهم وإلا "فسنقاوم الانجليز واليهود في مصر وفي فلسطين"(74).

إن هذا المقال الذي تعمدت عرض فقرات مطولة منه يوضح بجلاء موقف الإخوان من اليهود في مصر، والعوامل التي جعلتهم يأخذون موقفا عدائيا منهم.

وفي مقال آخر عام 1945 يؤكد فيه الإخوان على نفس المعاني وأنه يجب على اليهود في البلاد العربية أن يتنصلوا من الصهيونية ويستنكروها بالأفعال لا بالأقوال حتى يتضح إذا كانوا صهيونيين أم عربا، لأنه كلما اشتدت الأزمة تظهر أصوات خافتة مكبوتة من بين اليهود تذكر أنهم مصريون ولا شأن لهم بالصهيونية، بينما الواقع يؤكد أنهم لا يقدمون أي مؤازرة في الملمات، ويذكر الكاتب على سبيل المثال أنه تم تأليف لجنة في يونيو (1945 ) لإغاثة منكوبي سوريا ولبنان برئاسة علي ماهر، فأحجم اليهود عن مساعدتها بل قال بعضهم – كما يذكر الكاتب- لبعض أعضاء اللجنة من الإخوان عندما طلبوا منهم التبرع "أتريدون أن نعطيكم مالا لتبتاعوا سلاحا تضربوننا به في فلسطين"(75).

وفي أواخر عام 1947 يرسل حسن البنا خطابا إلى حاخام وكبار الطائفة الإسرائيلية ونظرا لأهمية هذا الخطاب، وتعبيره عن موقف الإخوان من يهود مصر ننقل نصه كاملا:-

"فقد قرأت بجريد (أخبار اليوم) وجريدة (الزمان) أمس أن الحكومة المصرية فقد اتخذت التدابير اللازمة لحماية ممتلكات اليهود ومتاجرهم ومساكنهم..... الخ. فأحببت أن أنتهز هذه الفرصة لأقول أن الرابطة الوطنية التي تربط بين المواطنين المصريين جميعا على اختلاف أديانهم في غنى عن التدبيرات الحكومية والحمايات البوليسية ولكن نحن الآن أمام مؤامرة دولية محكمة الأطراف تغذيها الصهيونية لاقتلاع فلسطين من جسم الأمة العربية وهي قلبها النابض. وأمام هذه الفورة الغامرة من الشعور المتحمس في مصر وغير مصر من بلاد العروبة والإسلام، لا نرى بدا من أن نصارح سيادتكم وأبناء الطائفة الإسرائيلية من مواطنينا الأعزاء بأن خير حماية وأفضل وقاية أن تتقدموا سيادتكم ومعكم وجهاء الطائفة فتعلنوا على رؤس الأشهاد مشاركتكم لمواطنيكم من أبناء الأمة المصرية ماديا وأدبيا في كفاحهم القومي الذين اتخذوه - مسلمين ومسيحيين - لإنقاذ فلسطين، وان تبرقوا سيادتكم قبل فوات الفرصة لهيئة الأمم المتحدة والوكالة اليهودية ولكل المنظمات والهيئات الدولية والصهيونية التي يهمها الأمر بهذا المعنى وبأن المواطنين الإسرائيليين في مصر سيكونون في مقدمة من يحمل علم الكفاح لإنقاذ عروبة فلسطين.

يا صاحب السيادة:

بذلك تكونون قد أديتم واجبكم القومي كاملا وأزلتم أي ظل من الشك يريد أن يلقيه المغرضون حول موقف المواطنين الإسرائيليين في مصر وواسيتم الأمة كلها والشعوب الإسلامية في أعظم محنة تواجهها في تاريخها الحديث ولن ينسى لكم الوطن والتاريخ هذا الموقف المجيد"(76).

إن هذه الكتابات توضح بجلاء أن الإخوان كانوا على وعي تام بالدور الصهيوني ليهود مصر والذي سبق الحديث عنه وأن موقف يهود مصر قد اتسم بالغموض والمراوغة من الناحية الرسمية فلم يتخذوا موقفاً واضحاً ولو ظاهرياً مؤيداً لعرب فلسطين وأن الإخوان قد حرصوا على دعوة اليهود لمشاركة أبناء الأمة المصرية جميعا في جهودهم لإنقاذ فلسطين. ولكن يهود مصر لم يستجيبوا لهذه النداءات، وهو الأمر الذي رسخ الشكوك التي انتابت الرأي العام في مصر حول حقيقة موقفهم وتأييدهم للصهيونية وبدلا من أن يتخذ اليهود خطوت واضحة لإثبات انتمائهم وولائهم لوطنهم لجأوا بدلا من ذلك إلى رفع شعار التفرقة بين الصهيونية كحركة سياسية واليهودية كدين.

وقد ذكرت إحدى صحفهم في يناير 1948 ردا على غضب الرأي العام في مصر نحوهم "لقد عمدت بعض الصحف إلى إعلان حرب سافرة على يهود مصر تمشيا مع الحملة القائمة على الصهيونية ولم تقبل تلك الصحف التفريق بين الصهيونية كحركة سياسية واليهودية كدين وراحت نلك الصحف تتهم كل جمعية إسرائيلية في مصر ولو كانت خيرية بأنها تعمل للصهيونية وترسل ملايين الجنيهات إلى الصهاينة ونتساءل كيف اكتشفت تلك الصحف أن يهود مصر صهاينة في هذه الأيام وما لها كانت صامتة كل تلك السنوات".

وتطالب الصحيفة بإخراج يهود مصر من هذا الصراع حتى لا تكون هناك عنصرية لا تتفق ونظام الحكم كما حاولت الصحيفة اليهودية نشر الإحساس بأن المخاطر التي يقابلها يهود مصر والعالم العربي يتردد صداها في الخارج(77).

إن بعض الكتابات للإخوان التي تتحدث عن اعتبار كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي يجب أن ينظر إليها في سياق النشاطات الصهيونية ليهود مصر فضلا عن تدفق اليهود على أرض فلسطين، والجهود التي كانت تقوم بها الوكالة اليهودية في هذا الصدد مع ملاحظة أن هذه الوكالة أطلقت على نفسها لقب اليهودية لا الصهيونية.

ويمكن القول بأن الإخوان المسلمين قد عرفوا الفرق بين اليهودي كصاحب دين واليهودي الصهيوني المنتمي لهذه الحركة السياسية من الناحية النظرية، ولكنهم لم يجدوا فرقا بين الاثنين من الناحية العملية لصعوبة وجود فواصل واضحة بين اليهودي والصهيوني كما وضح ذلك من خلال موقف يهود مصر المساند للصهيونية والذين كانوا يرفعون في نفس الوقت شعار التفريق بين اليهودي والصهيوني، ويبدو أن التعميم الذي وقع فيه بعض الإخوان باعتبار كل يهودي صهيوني كان متأثرا بموقف اليهود في مصر ولهذا جاء موقفهم نابعا من اعتبار عملي أكثر منه اعتبار فكري بدليل كتابات حسن البنا التي توضح بجلاء الفرق بين اليهودية والصهيونية.

ولعل ما يوضح صعوبة التفرقة بين اليهودي والصهيوني الاختلاف في تقييم بعض الشخصيات اليهودية الشهيرة كأينشتاين وحقيقة صهيونيته وهل كان متحمسا للصهيونية أو معارضا لها؟... فيرى البعض أنه لم يكن صهيونيا وأن أفكاره كانت مناهضة للصهيونية وللكيان الصهيوني(78).

ومع ذلك يروي محمد حسنين هيكل أنه قابل اينشتاين عام 1952 بعد قيام الثورة في مصر وقد سأله أينشتاين عن معرفته ببعض شباب ضباط الثورة وعندما أجابه أنه إلى حد ما يعرف بعضهم قال له أينشتاين (هذا ما أريد أن أسألك فيه هل تعرف ما الذي ينوون عمله بأهلي؟) وعندما لاحظ أينشتاين دهشة هيكل أضاف (أهلي من اليهود--- هؤلاء الذين يعيشون في "إسرائيل").

وقد حاول أينشتاين تبرير اهتمامه باليهود والكيان الصهيوني بأنه من باب الدافع الإنساني (كنت أشاركهم حلم الوطن- أن يكون لهم وطن لا يضطهدهم فيه أحد) ويضيف أنه لا يريدهم أن يضطهدوا أحدا وأن عرب فلسطين لهم حق في الوطن الوحيد الذي عرفوه وأن ما جرى عام 1948 هو صراع بين حقين(79).

ومع ذلك فمن المؤكد أنه ليس كل يهودي صهيونياً وأن هناك يهودا يعارضون الصهيونية كحركة سياسية أيا كانت أسباب ودوافع هذه المعارضة ولذلك من الخطأ التعميم وإطلاق حكم عام في هذا الصدد.

أما عن اتهام الإخوان بالعنصرية ضد اليهود والصهاينة والدعوة لحرب دينية بين اليهود والمسلمين فمن الواضح أن هذه الاتهامات قامت على تفسير غير صحيح لمفهوم الحرب الدينية، وكذلك لحديث الإخوان عن اليهود وموقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية.

أما حديث الإخوان عن الحرب الدينية وما يذكره البعض أن الإخوان حولوا المعركة في فلسطين إلى صراع بين المسلمين واليهود فمن الواضح أن مفهوم الحرب الدينية الذي رفعه الإخوان لم يكن موجها إلى اليهود في فلسطين كيهود بل كمغتصبين ومعتدين وقد أوضح حسن البنا خمسة أغراض للحرب في الإسلام والتي سبق ذكرها والتي تنطبق على حالة الحرب مع الصهاينة لرد عدوانهم ودفاعا عن النفس فمن الممكن أن تكون الحرب الدينية ضد فئة من المؤمنين وقد أوضح البنا من أغرض الحرب في الإسلام قتال الفئة الباغية التي تتمرد على أمر الله وتأبى حكم العدل والإنصاف مصداقا لقول الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (الحجرات: 9).

وقد أوضح حسن البنا بجلاء أن "خصومتنا ليست دينية لأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم".

أما حديث الإخوان عن تاريخ اليهود فمن الواضح أن الإخوان قد ركزوا على ما ذكره القرآن من صفاتهم المرزولة، والحديث عن عدواتهم للرسول عليه السلام كقول الله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) (المائدة: 82).

وقد استخلص البنا في ضوء سيرتهم في الماضي والحاضر "أنهم أبناء آبائهم أحلاس فتنة، ومواقد شرور، وطعام ثورات، يعادون الإيمان، وينفرون من دعوة الخير...... ويقفون حجرة عثرة في سبيل التقدم البشري....".

وقد حفلت صحافة الإخوان بالحديث عن تاريخ اليهود ومؤامراتهم ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومكائدهم منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى العصر الحديث، ويؤكد الإخوان بأن "على المسلمين جميعا أن يتدبروا هذه الآيات والأخبار، وأن يلقنوها لأولادهم ويذكروا لهم معانيها، ويلقنوها لكل فرد من المسلمين كبارا وصغارا، ورجالا ونساء بواجب دفع كيد اليهود وبغضهم ورده إلى نحورهم".

وبسبب هذه الخلفية، فإن الإخوان المسلمين يعتقدون بأن "اليهود أعداء المسلمين التاريخيين وأشد الناس كراهية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم "(80).

لقد لجأ الإخوان إلى استدعاء الجانب الديني المتمثل في العديد من السور والآيات التي تناولت بني إسرائيل. والجانب التاريخي المتمثل في عدائهم للإسلام والمسلمين على مر التاريخ وذلك لمواجهة الادعاءات الدينية للصهاينة التي اتخذوها ستارا لتغطية حركتهم الصهيونية، فالبرغم من أن الصهاينة - كما سبق الإشارة إلى ذلك- هي حركة سياسية إلا أنها تدثرت برداء الدين، ولجأت إلى توظيف النصوص الدينية للتوراة سواء كانت محرفة، أو في أفضل الأحوال أسئ تفسيرها لخدمة المخططات الصهيونية السياسية مثل الحديث عن شعب الله المختار والعودة إلى أرض الميعاد والوعد الذي منحه لهم الرب بأن يعطيهم أرض فلسطين.

ومن المهم الإشارة إلى الموقف الذي اتخذه الإسلام من أهل الكتاب، فالبرغم من حديث القرآن عن اليهود واعتقاداتهم الخاطئة، وكذلك الأمر بالنسبة للنصارى إلا إن الإسلام فصل بين هذه الاعتقادات الخاطئة، وهي أمور تمس العقيدة أي أنها قضية إيمان وكفر، وبين معاملة النصارى واليهود فقد سماهم القرآن بأهل الكتاب وكفل لهم العيش بأمان في ظل الدولة الإسلامية، ولذلك رغم كثرة السور والآيات التي تتحدث عن اليهود ومواقفهم من أنبيائهم ومن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عاشوا في أمان في ظل الدولة الإسلامية ولم يتعرضوا للاضطهاد والتعذيب مثلما حدث لهم في أوربا بل وتولوا العديد من المناصب في الدولة الإسلامية، وعندما تعرضوا للاضطهاد ومحاكم التفتيش في الأندلس بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك لم يجدوا الأمن إلا في ربوع العالم الإسلامي.

فالحديث عن اليهود وعدائهم للإسلام وهو المخزون الذي استدعاه الإخوان لمواجهة المخططات الصهيونية والادعاءات الدينية المزعومة، وتوضيح خطورة اليهود كان سلاحا لمواجهة اليهود المعتدين من صهاينة أو مؤيدين لمخططاتهم ولم يكن موجها كدعوة عنصرية ضد اليهود بصفة عامة.

ولذلك فإن الحديث عن نزعة عنصرية ضد اليهود استدلالاً بحديث الإخوان عن اليهود وعدائهم للإسلام أو مهاجمة الإخوان للصهيونية بعبارات قاسية استدلال غير دقيق وعلى سبيل المثال فإن عواطف عيد الرحمن تستشهد عن عنصرية الإخوان بما جاء في صحيفتهم من أن "الصهيونيين أقذر شعب وجد على ظهر الأرض، وهو مجموعة من الخونة والمخربين "فمثل هذا القول من الواضح أنه موجه للصهاينة الذين يريدون أن يقتلعوا شعبا من أرضه بالعنف والإرهاب، فماذا ينتظر أن تصف الصحيفة الصهيونية بغير هذه الأوصاف؟!

وبالرغم من حرص بعض الكتابات الإخوانية على استخدام لفظ الصهيونية والصهيونيين إلا أننا نجد كتابات أخرى تتحدث عنهم باستخدام لفظ اليهود، ومن الواضح أن استخدام كلمة اليهود كان ينصب على اليهود في فلسطين أو اليهود المعتدين المساندين للفكرة الصهيونية، وربما يوضح ذلك ما حدث في قضية السيارة الجيب عندما كان محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان يدلي بشهادته في القضية وتحدث عن دور المتطوعين في القتال ضد اليهود فتدخل المحامي زكي عريبي- وهو محامي يهودي كان ضمن هيئة الدفاع عن الإخوان في القضية- قائلاً " بلاش تسمية اليهود قل الصهيونيين "فما كان من محمود لبيب إلا أن قال " صحيح الصهيونيين استغفر الله "(81).

من العرض السابق لحقيقة موقف الإخوان من اليهودية والصهيونية يتضح الآتي:-

  • إن الإخوان قد فرقوا بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كحركة سياسية وأنهم ميزوا بين اليهودي كصاحب دين والصهيوني المنتمي لحركة سياسية.
  • أن الإخوان مع أنهم ميزوا بين اليهودي والصهيوني على الصعيد النظري إلا أن بعض كتاباتهم اعتبرت كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي، وقد جاء ذلك انطلاقاً من اعتبار عملي نابع من موقف اليهود خاصة في مصر المساندة للصهيونية، والذين كانوا يرفعون في نفس الوقت شعار التمييز بين الصهيوني واليهود للتغطية على نشاطهم الصهيوني.
  • إن الإخوان تعاملوا مع اليهود انطلاقا من قول الله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة: 8، 9).

وقد رأى الإخوان أن اليهود في مصر بتأييدهم للنشاط الصهيوني قد ظاهروا المسلمين بالعداء.

  • أن الحرب الدينية التي دعي لها الإخوان في فلسطين هي حرب ضد معتدين ومغتصبين يهود وليس ضد اليهود كأصحاب دين.
  • أن تركيز الإخوان على إبراز الجانب الديني في الصراع ينطلق من الوضع الديني لبيت المقدس بصفة خاصة وفلسطين بصفة عامة كذلك رداً على مزاعم اليهود الدينية في القدس والحديث عن إعادة هيكلهم المزعوم.
  • أن الإخوان قد استعملوا كلمة الصهيونية والصهيونيين في كتاباتهم كما استعملوا كلمة اليهود ومن الواضح أن استعمالهم كلمة اليهود كان يعني اليهود في فلسطين وبصفة عامة كان المقصود بها اليهود الصهاينة والمساندين لهم.

هوامش الفصل الأول

(1) حسن البنا : مجموعة رسائل الإمام حسن البنا ، دار الشهاب، القاهرة، د: ت، رسالة دعوتنا، صـ19، رسالة المؤتمر الخامس، صـ176.

(2) حسن البنا : رسالة تحت راية القرآن، صـ112- 113، رسالة المؤتمر الخامس، صـ175- 176.

(3) رسالة المؤتمر الخامس، صـ176.

(4) نفس المرجع والصفحة.

(5) يوسف القرضاوي: مذكرات يوسف القرضاوي "ابن القرية والكتاب ملامح سيرة ومسيرة"، آفاق عربية، السنة السابعة، عدد (555)، 2 مايو 2002 .

(6) رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، صـ178.

(7) راجع ذلك في كتاب الإخوان المسلمين وثورة اليمن 1948.

(8) حسن البنا : مذكرات الدعوة والداعية ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1986، صـ260، وقد نشرت رسالة الإخوان المسلمين إلى سفير بريطانيا في جريدة الإخوان المسلمين، السنة الخامسة، عدد 22، 5 نوفمبر 1937، وانظر في نفس العدد مقال محمد عبد الحميد: خواطر في فلسطين، عبد الرحمن البنا: ثورة الدم، القاهرة 1951، صـ23، وقد نشر مقالة "فلسطين تعنينا" في جريدة الإخوان المسلمين، السنة الرابعة، عدد 22، 8 سبتمبر 1936.

(9) عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، جـ1، د.ط، 1986، صـ23- 24.

(10) حسن البنا : رسالة التعاليم، مجموعة الرسائل، صـ273.

(11) نفس المرجع: رسالة الجهاد، صـ248- 264.

(12) حسن البنا : السلام في الإسلام، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1990، صـ52- 59.

(13) عبد الفتاح محمد العويسي: تصور الإخوان المسلمين للقضية

(14) الفلسطينية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1990، صـ50.

(15) عبد الرحمن البنا: المرجع المذكور، صـ86- 91.

(16) النذير: السنة الأولى، عدد 18، 2 شعبان 1357هـ.

(17) نفس المصدر والعدد.

(18) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، صـ183- 184.

(19) عبد الفتاح محمد العويسي: المرجع المذكور، صـ52- 53.

(20) صالح عشماوي: اذكروا فلسطين، النذير، السنة الأولى، عدد 18، 2 شعبان 1357هـ.

(21) محمد عبد الحميد أحمد: إلى الجهاد أيها المسلمون لإنقاذ فلسطين الإسلامية، النذير، السنة الأولى، عدد 18، 2 شعبان 1357هـ، صـ21- 23.

(22) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، صـ184.

(23) عبد الرحمن الساعاتي: لبيك يا فلسطين المسلمة، الإخوان المسلمون، السنة الثالثة، عدد 30، 5/1/1935.

(24) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ38- 39.

(25) نفس المرجع، 52- 53.

(26) محمود شيت خطاب: المرجع المذكور، صفحات 15، 27- 34.

(27) أمين عبد الله محمود: المرجع المذكور، 215- 217.

(28) طارق البشري: المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، دار الوحدة، بيروت، 1982، صـ574- 575. انظر لنفس المؤلف: سعد زغلول يفاوض الاستعمار، لهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1977، صـ130- 131.

(29) النذير: السنة الأولى، عدد 18، 2 شعبان 1357هـ.

(30) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ55- 57.

(31) إبراهيم البيومي غانم: الفكر السياسي للإمام حسن البنا ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1992، صـ430- 431.

(32) طارق البشري: المرجع المذكور، صـ586- 587.

(33) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ57.

(34) حسن البنا : هبى ريح الجنة، الإخوان المسلمين النصف شهرية، السنة الثالثة، عدد 76، 3/ 11/ 1945 .

(35) إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، صـ478- 479.

(36) توفيق الشاوي: بدء العمل، الإخوان المسلمين النصف شهرية، السنة الثالثة، عدد 76، 3/11/1945 .

(37) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ58.

(38) توفيق الشاوي: مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي 1945 - 1995، دار الشروق، القاهرة، صـ12.

(39) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ60.

(40) نفس المرجع، صـ58- 59، إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، صـ479.

(41) طارق البشرى: الحركة السياسية في مصر 1945 - 1952، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ص 251، سهام نصار: اليهود المصريون بين المصرية والصهيونية، دار الوحدة بيروت، 1980، صـ35، عواطف عبد الرحمن: مصر وفلسطين، عالم المعرفة، الكويت، 1980، صـ318- 319.

(42) رفعت السعيد: حسن البنا متى وكيف ولماذا؟، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1999، صـ203.

(43) عواطف عبد الرحمن: المرجع المذكور، صـ297.

(44) حسن البنا : السلام في الإسلام، صـ23- 26.

(45) نفس المرجع، صـ27-28، حسن البنا : الرسائل، رسالة دعوتنا، صـ19- 20، رسالة نحو النور، صـ69- 70، رسالة إلى الشباب، صـ89.

(46) لمزيد من التفاصيل حول علاقة الإخوان بالمسيحيين انظر زكريا سليمان بيومي: الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية 1928 -1948، مكتبة وهبة، القاهرة، 1979، صـ311، 314، عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ30- 33.

(47) محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، جـ 1، دار الدعوة، الإسكندرية، 1978، صـ409- 410.

(48) حسن البنا : مذكرات، صـ81- 82.

(49) أحمد محمد غنيم وأحمد أبو كف: اليهود والحركة الصهيونية في مصر 1897- 1947، دار الهلال، القاهرة، صـ51.

(50) سعيدة محمد حسني: اليهود في مصر 1881- 1948، الهيئة العامة للكتاب، 1993، صفحات، 35- 36، 143- 146.

(51) أحمد محمد غنيم وأحمد أبو كف: المرجع المذكور، صـ27- 28.

(52) مصلحة الإحصاء والتعداد: الإحصاء السنوي للجيب لإقليم مصر. القاهرة، 1959، صـ12.

(53) محمد حسنين هيكل : المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الكتاب الأول، ط6، دار الشروق، القاهرة، 1996، صفحات 158، 162، ولنفس الكاتب: العروش والجيوش أزمة العروش صدمة الجيوش،ج2، دار الشروق، القاهرة، 2000، صـ93- 94.

(54) سعيدة محمد حسني: المرجع المذكور، صفحات 36- 47، 67- 70.

(55) نفس المرجع، ص 169، 170.

(56) سهام نصار: المرجع المذكور، صـ13-35.

(57) سعيدة محمد حسني: المرجع المذكور، صـ181- 183.

(58) محمد حسنين هيكل : المفاوضات، صـ155.

(59) أحمد محمد غنيم وأحمد أبو كف: المرجع المذكور، صـ88- 89.

(60) سهام نصار: المرجع المذكور، صـ28.

(61) نبيل عبد الحميد سيد أحمد، اليهود في مصر بين قيام إسرائيل والعدوان الثلاثي 1948-1956، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1991، صـ40- 41.

(62) محمد حسنين هيكل : العروش والجيوش، صـ111- 112، ولنفس المؤلف: المفاوضات السرية: صـ161.

(63) سهام نصار: المرجع المذكور، صـ37- 44.

(64) محمد حسنين هيكل : ملفات السويس، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1986، صـ103، وكتاب المفاوضات السرية، صـ151- 161.

(65) عبد العظيم رمضان: صراع الطبقات في مصر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1997، صـ49.

(66) سعيدة محمد حسني: المرجع المذكور، صـ190- 194.

(67) أحمد عادل كمال: النفط فوق الحروف الإخوان المسلمون والنظام الخاص، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1989، صـ152- 162.

(68) عثمان عبد المعز رسلان: التربية السياسية عند جماعة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1990، صـ352، صالح حسن المسلوت، موقف التيار الإسلامي في مصر من القضية الفلسطينية 1936- 1948، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، 1994، صـ18-19، إبراهيم البيومي غانم، المرجع المذكور، صـ476.

(69) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ33.

(70) وقد نشرت النذير هذه السلسة ابتداء من العدد 19 في شعبان إلى العدد 35 في 17 ذو الحجة 1357 وقد جمعت هذه السلسلة في كتاب يحمل نفس الاسم.

(71) عثمان عبد المعز رسلان: المرجع المذكور، سـ353.

(72) حسن البنا : مذكرات، صـ242.

(73) الإخوان المسلمون النصف شهرية، السنة الخامسة، عدد 174، 25/10/1947.

(74) عثمان عبد المعز رسلان: المرجع المذكور، صفحات، 282- 283، 348- 385.

(75) النذير، السنة الأولى، عدد 24، 15 رمضان 1357هـ.

(76) يعقوب الخوري: مطامع الصهيونية - فلسطين هي خط الدفاع الأول للبلاد العربية، مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، السنة الثالثة، عدد 76، 3/11/1945 .

(77) انظر نص الخطاب في عباس السيسي: المرجع المذكور، صـ151-152.

(78) نبيل عبد الحميد سيد أحمد: المرجع المذكور، صـ42.

(79) مجلة الدوحة، عدد 111، مارس 1985، 138- 140.

(80) محمد حسنين هيكل : زيارة جديدة للتاريخ، ط6، القاهرة، 1987، صـ200- 202.

(81) عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صـ33- 35، إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، صفحات 477، 492.

(82) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ج2، صـ227.

(83) انظر على سبيل المثال جمال عبد الهادي: الطريق إلى بيت المقدس، ج2، دار الوفاء، المنصورة، صـ195- 196، عبد الفتاح العويسي: المرجع المذكور، صفحات 36، 33، 39.


الفصل الثاني: جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية 1936- 1939

"أيها الفلسطينيون لو لم يكن من نتائج ثورتكم إلا أن كشفتم غشاوة الذلة وحجب الاستسلام عن النفوس الإسلامية وأرشدتم شعوب الإسلام إلى ما في صناعة الموت من لذة وجمال وروعة وربح لكنتم الفائزين."

مجلة النذير

" أيها الفلسطينيون إن الله اسقط عليكم فريضة الحج إلى مكة مادامت بلادكم في خطر.عليكم اقتناء سلاح والذخائر فإن هذا عند الله أعظم أجر ا من توجه الحجيج إلى بيته الحرام."

عز الدين القسام

جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية

منذ مؤتمر بال 1897م أخذت الصهيونية تكثف جهودها لتحقيق هدفها بإنشاء دولة يهودية، وأخذت تبحث عن مكان لهذه الدولة إن تعذر إنشاؤها في فلسطين، كما أخذت تبحث عن دولة استعمارية تتبنى المشروع الصهيوني وتدعمه لتحقيق مصالح الطرفين.

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه محاولات الصهيونية الدءوبة لتحقيق أهدافها، كيف كان الموقف في مصر؟ وهل كانت هناك وهي بالمخططات الصهيونية وأثرها على مصر والمنطقة العربية بصفة عامة؟.

لعل ما سبق ذكره عن النشاط الصهيوني في مصر يقدم الرد الواضح عن هذه الأسئلة وأن الوعي بأخطار الصهيونية كان مفتقداً في مصر، وأن ما كان يجري في فلسطين لم يجد له صدى ملحوظاً في مصر قبل اندلاع الثورة الفلسطينية 1936م/ 1939 م.

يذكر محمد حسن هيكل أن البلاد العربية والإسلامية ومنها مصر كانت تعطف على عرب فلسطين أشد العطف، ولكنها كانت تقف من هذه المشكلة موقفاً سلبياً بحتاً، وكان ساسة مصر يرون في هذا الموقف السلبي غاية الحكمة، لأن توجيه الجهود نحو فلسطين سوف يعمل على إضعاف موقف مصر في السعي إلى تحقيق استقلالها الكامل عن بريطانيا، وأن سعد زغلول وغيره من ساسة مصر كانوا يعلنون ذلك صراحة، وان لم يمنعهم ذلك من العطف على فلسطين والأسف للسياسة المتبعة فيها، ولكن توقيع مصر لمعاهدة 1936م، وقيام الثورة الفلسطينية في نفس العام، جعل التفكير الرسمي يتخذ اتجاهاً جديداً، وإن لم يبد لهذا الاتجاه أثر قبل عام 1938(1).

ولعل ما يوضح الموقف السلبي في مصر سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي مما يجري في فلسطين مما ذكره الصحفي الفلسطيني في مصر محمد علي طاهر (عندما أخذت أدعو إلى قضية فلسطين في منتصف العشرينيات كان بعض الناس في مصر لم يسمعوا حتى باسم فلسطين لدرجة أن البعض كان يسألني "فلسطين تبقى مين؟" ،"من تكون فلسطين هذه؟"، وأن البعض الآخر كان يعتقد أنها اسم أجنبي أو غربي فيطرح علي السؤال "من هو هذا الخواجة فلسطين؟".

أما عن الصهيونية فيذكر "وعندما كنت أتحدث عن الصهيونية كان البعض يفهم أني أتحدث عن امرأة قاسيت من شرها ما جعلني أفيض حقداً وحنقاً عليها فكان السؤال "ماذا عملت معك هذه المرأة؟".

أما الذين كانوا يعرفون شيئاً عن الصهيونية، فكانوا يرون أن الدعوة لقضية فلسطين يجب ألا تتجاوز حدود فلسطين، ويرمون من يدعوا إليها بالتعصب الأعمى ضد اليهود، وكانت بعض الجرائد ترفض النشر عنها حتى لا تغضب الانجليز واليهود والبعض الآخر كان يلجأ إلى التوازن فتنشر مقالاً عن فلسطين مرفقاً بعرض وجهة نظر اليهود، وكانت بعض الجرائد العربية التي تزعم الانفتاح ترى في الصراع بين العرب واليهود صراعاً طائفياً يجب الإمساك عن الخوض فيه، بينما كانت صحف أحرى تتحاشى الحديث عن جهاد العرب في فلسطين حرصاً على إعلانات الشركات اليهودية(2).

ولعل هذه الصورة التي رسمها محمد علي طاهر للموقف في مصر من القضية الفلسطينية في تلك الفترة توضح عدم الوعي بمخططات الصهيونية وأخطارها.

وعندما صدر وعد بلفور فإن صداه في مصر كان خافتاً لأن مصر كانت تهدر بمقدمات ثورة 1919م، كما اعترفت مصر بالانتداب البريطاني على فلسطين بناء على طلب بريطانيا في فبراير 1926م ولم يرد في اعتراف مصر بالانتداب البريطاني إشارة إلى وعد بلفور مع أن الانتداب البريطاني على فلسطين كان من ضمن مهامه تنفيذ وعد بلفور، وعندما وصل وايزمان إلى مصر عام 1924م للدعوة إلى تأييد وعد بلفور، وطلب مساعدة مصر في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، قابله الملك فاروق، وكذلك سعد زغلول(3).

كما أرسلت الجامعة المصرية ممثلاً عنها للمشاركة في الاحتفالات الخاصة بافتتاح الجامعة العبرية في القدس في إبريل 1925، وهو الأمر الذي أثار ضجة عنيفة في الصحف الفلسطينية وبين الفلسطينيين والعرب المقيمين بمصر. فقد أرسلوا احتجاجهم واستنكارهم لسماح الحكومة المصرية بالمشاركة في حفلة "إعدام الأمة الفلسطينية الشقيقة". وقد حاول أحمد لطفي السيد مدير الجامعة المصرية، وممثلها في حفل افتتاح الجامعة العبرية تبرير مشاركته في حفل الافتتاح، وأصدر بياناً يوضح حقيقة الموقف، وقد أوضح فيه أن الجامعة اعتذرت عن تلبية الدعوة، وأن الجامعة وجهت الدعوة للحكومة المصرية التي وافقت على الدعوة لأنها " ترى واجباً عليها فوق القيام بنشر العلم في بلادها أن تعضد العلم في كل مكان على العموم وفي بلاد الشرق المجاورة لها على الخصوص" وقد كلفته الحكومة بتمثيل الجامعة المصرية في حفل الافتتاح، وأنه حرص بعد أن شعر بأن الحفل ينطوي على ترويج للدعوة الصهيونية على زيارة المجلس الإسلامي الأعلى مقابلة المفتي، وزيارة المعاهد العلمية العربية، وأنه لم يذكر في خطابه أي كلمة تضر بالعنصر العربي.

ويتضح من بيان أحمد لطفي السيد أنه كان على وعي بالحقوق العربية، ولكنه لم يكن يرى أن أسلوب المقاطعة هو الأفضل، ولكن كل هذه المبررات لم تقنع المعترضين الذين كانوا يرون أنه يجب على الحكومة أن تحذو حذو مفتي مصر الذي رفض دعوة المشاركة في افتتاح الجامعة، وقال عندما حاول بعض يهود مصر إقناعه بتلبية الدعوة أنه "لا يحضر حفلة تسئ إلى أهل فلسطين وهم في حالة حداد بسبب هذه الجامعة"(4).

ولم يقف هذا الأمر عند هذا الحد بل أن الحكومات المصرية على اختلاف انتماءاتها الحزبية اتخذت مواقف معادية للفلسطينيين المقيمين في مصر والذين كانوا يمارسون نشاطا سياسيا وصحفيا للدعوة للقضية الفلسطينية، ففي عام 1925 أمر إسماعيل صدقي الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية، باعتقال الوطنيين الفلسطينيين في مصر الذين هتفوا ضد بلفور أثناء مروره على مصر لحضور الاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية، كما أمر عام 1930 عندما تولى رئاسة الوزراء بإغلاق جريدة الشورى الفلسطينية، في حين أبقى على جريدة "إسرائيل" الصهيونية(5).

كما اشتركت حكومة صدقي في معرض تل أبيب الصهيوني الذي أقيم في ربيع 1933م متجاهلاً تحذيرات ونداءات العرب فلسطين، وقد عادت المعروضات إلى مصر دون أن يباع منها أي شئ، وذكر ممثل مصر في تقريره عن معرض تل أبيب أن أسباب الكساد "أن أهل فلسطين وهم يمثلون 80٪ من السكان قد قاطعوا ذلك المعرض مقاطعة تامة" (6).

كما أمر إسماعيل صدقي وزارة الأوقاف أن تمنع خطباء المساجد من ذكر اسم فلسطين أثناء الصلاة، ويرجع أسباب الموقف الذي اتخذه إسماعيل صدقي إلى ارتباطه بمصالح اليهودية الاقتصادية في مصر، حيث كان إسماعيل صدقي من كبار الرأسماليين في مصر، وتربطه علاقات اقتصادية قوية مع الرأسماليين اليهود، كما كان يرى أن اقتراب مصر من العرب يضر مصالح الطبقة الرأسمالية فأخذ يعضد فكرة الانعزالية المصرية(7).

هذا فضلاً عن العوامل الأخرى التي اشترك فيها مع باقي الساسة المصريين ولم يقتصر الأمر على إسماعيل صدقي أو حكومات الأقلية، بل نجد حزب الأغلبية الوفد يتخذ مواقف مشابهة ففي عام 1930م وبعد انتفاضة البراق حضر إلى مصر المجاهد الفلسطيني حسن صدقي الدجاني لبث الدعاية للقضية الفلسطينية، وقد دعا الدجاني كبار النبلاء ورجال السياسة في مصر إلى اجتماع وقد حاولت حكومة النحاس فض الاجتماع متعللة بأن تلك الاجتماعات تؤذي شعور الأقليات في مصر وخاصة الأقلية اليهودية، وأشار رئيس الحكومة إلى أنه "لا نستطيع أن نسمح ببث أي دعاية لفلسطين ضد اليهود في مص إذ أن اليهود أقلية ونحن نحافظ على شعور الأقلية في بلادنا".

وقد حاول مكرم عبيد سكرتير عام الوفد تبرير موقف النحاس بالقول للدجاني "إنكم تخطأون ببث الدعاية لفلسطين في البلاد العربية، إذ أن في ذلك ما يخيف الغرب ويدعه يعتقد أن الشرق يرغب في أن يوجد كتلة موحدة للخلاص منه وفي هذا خطر كبير علينا وعليكم"(8).

موقف الأحزاب المصرية من قضية فلسطين

موقف حزب الوفد:

شهدت مصر في بداية القرن العشرين بصفة خاصة صراعاً بين الفكرة الإسلامية، والفكرة القومية، وكان الحزب الوطني يتبنى الفكرة الإسلامية، بينما تبنى حزب الأمة الفكرة القومية، ورفع أحمد لطفي السيد شعار "مصر للمصريين". ومع اشتعال ثورة 1919 كانت الغلبة للفكرة القومية التي تبناها حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول. وبالرغم من ثقافة سعد الأزهرية لم يحاول الوفد أن يلحق بالحركات الوطنية في المنطقة العربية ليعمل معها في مواجهة الاستعمار، وكان للوفد مواقف معادية للحركة الوطنية العربية، وأبرز دليل على ذلك رفض حكومة سعد زغلول إيواء اللاجئين الليبيين الوطنيين الهاربين إلى مصر من الإرهاب الايطالي في ليبيا، وقد نبع موقف سعد زغلول من إيمانه بفكرة القومية المصرية، ولذلك كان سعد من المعارضين لفكرة الوحدة العربية وكان يرد على من يدعو لها بأن صفر + صفر يساوي صفر، وأنه لا يمكن إقامة الوحدة العربية وبلادنا محتلة، وأنه لابد من الاستقلال أولاً ثم الاهتمام بما هو خارج حدود بلادنا.

كما رفع حزب الوفد شعار الوحدة الوطنية والتسامح الديني ورفض أية محاولة للتفريق بين الجماهير على أساس الدين. وقد استفاد اليهود في مصر من هذا الموقف في ممارسة نشاطهم الصهيوني على نطاق واسع لدرجة أن "ليون كاسترو" مؤسس المنظمة الصهيونية في مصر أصبح السكرتير الخاص لسعد زغلول وصحبه في مفاوضاته إلى أوربا كما سبق الإشارة إلى ذلك.

وقد كانت هذه الرؤية الفكرية لحزب الوفد وزعيمه سعد زغلول القائمة على فكرة القومية المصرية، والانشغال بتحقيق الاستقلال، والحفاظ على الوحدة الوطنية وسياسة التسامح الديني خاصة مع اليهود هي الرؤية المسيطرة على الأحزاب السياسية في تلك الفترة (9).

موقف حزب الأحرار الدستوريين:

كانت الرؤية الفكرية لحزب الأحرار الدستوريين مطابقة لرؤية حزب الوفد، ولذلك لم يبد الأحرار الدستوريين أي اهتمام بالقضية الفلسطينية، واقتصرت مبادئهم على القضية المصرية بالرغم من أن بعض أعضائه تحولوا إلى الاهتمام بالقضايا العربية وبصفة خاصة الفلسطينية - كما سنرى - بل نجد أن صحيفتهم السياسية كانت تروج للدعوة إلى التفاهم بين العرب واليهود وأن حل المشكلة الفلسطينية يكمن في تحقيق التفاهم من أجل إقامة الوطن المشترك، وقد دعا رئيس تحريرها محمد حسين هيكل إلى تأليف لجنة عربية يهودية للتفاهم بين العرب واليهود، بل إن صحيفة السياسة قامت باستعداء السلطات ضد الفلسطينيين المقيمين في مصر مهددة إياهم بالطرد، واتهمتهم بإثارة الطائفية في مصر بسبب النشاط الدعائي الذي قاموا به لتوضيح الحقائق بعد أحداث البراق، كما أن محمد محمود رئيس الحزب كان يبدي تعاطفاً قوياً تجاه اليهود ويعتبرهم عناصر فعالة يمكن أن تفيد البلاد(10).

أما باقي الأحزاب الأخرى الصغيرة كحزب الإتحاد وحزب الشعب، وهما من الأحزاب التي أنشأتها السراي، فقد كانا يتخذان بطبيعة الحال موقف السراي التي كانت على علاقة وثيقة باليهود. وقد مر بنا موقف إسماعيل صدقي الذي كان يرأس حزب الاتحاد من الفلسطينيين في مصر(11).

وهكذا كانت الأحزاب السياسية في مصر، وعلى رأسها حزب الأغلبية الوفد، تقف موقفاً سلبياً من القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى عدم الوعي بالمخططات الصهيونية وأخطارها، ولذلك أبدت تسامحاً كبيراً مع النشاط الصهيوني في مصر.

وقد بدأت نظرة الأحزاب والحكومات المصرية تأخذ منحنى جديداً مع اشتعال ثورة فلسطين عام 1936، ويمكن القول بأن نقطة البداية التي لفتت الأنظار في مصر إلى القضية الفلسطينية كانت أحداث البراق عام 1929؛ وقد اشتركت مصر في المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931، وقد شارك حزب الوفد في المؤتمر وألقى عبد الرحمن عزام ممثل الوفد كلمة مصطفى النحاس زعيم الحزب، وانتخب ممثل الوفد في عضوية اللجنة التنفيذية والسكرتارية العامة للمؤتمر. وقد كان اشتراك الوفد المصري في المؤتمر يعني اقتراب حزب الوفد من القضايا العربية(12).

وقد اشترك في المؤتمر بعض الشخصيات ذات الاتجاه العربي من حزب الأحرار الدستوريين مثل محمد علي علوبة وممثلين للملك فؤاد، وكان الملك فؤاد يخشى أن تثار في المؤتمر قضية الخلافة الإسلامية، والتي كان الملك فؤاد يتطلع إليها، وقد سارع المفتي إلى القاهرة حيث قابل الملك ورئيس الوزراء إسماعيل صدقي وأكد لهما أن موضوع الخلافة مستبعد تماما ولن يثار في المؤتمر، وصرح المفتي بعد مقابلة إسماعيل صدقي: "يمكنكم أن تتأكدوا بصريح العبارة أن سوء التفاهم قد انتهى، إذ تفاهمنا على كل المسائل"(13).

وهكذا جاء اشتراك مصر في المؤتمر وقد تدخلت عوامل داخلية في السياسة المصرية في تمثيل وفد مصر في المؤتمر، فالملك كان يخشى إثارة موضوع الخلافة، وكذلك كان يخشى إسماعيل صدقي رئيس الوزراء من اشتراك أعضاء من حزب الوفد – حزب الأغلبية - وحزب الوفد حريص على المشاركة في المؤتمر ليجد له متنفساً في ظل بطش ديكتاتورية إسماعيل صدقي.

لقد عملت أحداث البراق واشتراك بعض المصريين في المؤتمر على إثارة بعض الاهتمام الشعبي، ولفت نظر الأحزاب إلى القضية الفلسطينية ولكن يجب الإشارة إلى أن اشتراك مصر في المؤتمر وما أحاط بها من ظروف كانت خطوة محدودة في اتجاه الاهتمام بالقضايا العربية، بدليل أن أبحاث مؤتمر الوفد الذي انعقد في يناير 1935، وتحدث فيه كبار رجال الوفد عن سياسة الحزب الداخلية والخارجية، لا يوجد فيه أي إشارة إلى القضايا العربية أو الفلسطينية، وكذلك لم تثر مثل هذه القضايا في خطبة النحاس في 13 نوفمبر بمناسبة عيد الجلاء(14).

وحتى بعد اشتعال ثورة 1936 في فلسطين، والتي هزت بأحداثها الشعور العام في الأقطار العربية، نجد أن موقف مصر الرسمي اتسم بالسلبية، فلم تشارك في حملة التبرعات التي قامت بها بعض الدول العربية، وقد أدى ذلك إلى قيام قنصل مصر العام في القدس إلى كتابة تقرير إلى الحكومة لفت نظرها فيه إلى مساوئ هذا الموقف السلبي، وأوضح أن مصر قامت بدور كبير في تكوين لجان التبرعات عام 1935 لمساعدة الحبشة أثناء الغزو الإيطالي لها، وأن الحكومة ساهمت بمبلغ 5 آلاف جنيه، وأمرت بإرسال بعثات طبية بالإضافة إلى الحملات الصحفية الشديدة التي قامت بها الصحافة المصرية ضد الغزو الإيطالي، وأشار القنصل في تقريره إلى الحملة التي شنتها الصحف الفلسطينية العربية ضد مصر بسبب التراخي في مسألة التبرعات (15).

ومع اشتداد الثورة التي استمرت ثلاث سنوات، ومع توقيع مصر لمعاهدة 1936 مع بريطانيا، أخذت مساحة الاهتمام بالقضية الفلسطينية تزداد على صعيد الساحة السياسية المصرية، ولكن في النهاية فإن مصر لم تكن تستطيع أن تقدم الكثير على المستوى الرسمي، ولم يزد الأمر على إظهار العطف ومناشدة بريطانيا النظر بعين الاعتبار إلى حقوق العرب ومصالحهم في فلسطين.

وفي فترة الأربعينيات، ومع تأكيد التوجه العربي لمصر، وإنشاء جامعة الدول العربية كان موقف مصر الرسمي أكثر قوة ومناصرة للقضية الفلسطينية ووضح ذلك بجلاء سواء على الصعيد الدبلوماسي أو في مواقف مصر في الأمم المتحدة.

ولكن مع ذلك يبقى سؤال هام في هذا الصدد، وهو هل كان هناك وعي وإدراك كامل لطبيعة الحركة الصهيونية؟.

يرى محمد حسنين هيكل أن دوائر الحكم في مصر متمثلة في القصر الملكي ومعظم الأحزاب السياسية لم تكن تعرف ما فيه الكفاية عن الحركة الصهيونية، وكانت معظم المعلومات لدى دوائر الحكم من "حاييم ناحوم" حاخام اليهود في مصر، "وأصلان قطاوي" أبرز أفراد الجالية اليهودية في مصر، واللذان كانا يصوران الحركة الصهيونية على أساس أنها مجرد تنظيم ليهود لاجئين من جحيم النازي، يبحثون عن مأوى يستطيعون فيه العيش بسلام.

وكان لقاء المسئولين المصريين الكبار بالعديد من زعماء الحركة الصهيونية أمراً شائعاً، وقد قابل "إلياهو ساسون" – الذي كان يشغل منصب مستشار الشئون العربية في الوكالة اليهودية- في صيف عام 1946 العديد من الساسة المصريين وعلى رأسهم إسماعيل صدقي رئيس الوزراء والنقراشي ومصطفى النحاس، وكذلك كان مقابلة الساسة المصريين لزعماء الصهيونية أثناء زيارتهم إلى فلسطين أمراً شائعاً، وهو الأمر الذي يؤكد على عدم الوعي بالحركة الصهيونية عند معظم الأحزاب السياسية المؤثرة.

ويمكن القول أن مصر حتى صدور قرار التقسيم لم تكن تعرف ما فيه الكفاية عن المشروع اليهودي الصهيوني في فلسطين، وكان كثيرون – حتى بين قادة الفكر والسياسة- لا يرون في الحركة الصهيونية سوى المستعمرات الزراعية والمعاهد العلمية والمراكز الثقافية والمستشفيات؛ وبالتالي فإن الصهيونية بدت لهم حركة تقدم أوروبي يستحق المتابعة والتشجيع.

وعندما سئل رئيس الوزراء النقراشي أوائل 1948 عن إمكانية تدخل مصر لحماية الأمن في فلسطين قال: "أن الأمن في مصر هو الموضوع الذي يشغلني عما سواه مع تمسكي بأهداف التضامن العربي بحكم عضوية مصر في جامعة الدول العربية (16).

لقد كان كثير من الساسة المصريين ينطلق في مواقفه من عدم الوعي، وأحيانا الجهل بحقيقة الصهيونية وأخطارها وليس أدل على ذلك من تصريح الأمير محمد علي (والذي تولى ولاية العهد في مصر مرتين)، أن المشاكل في فلسطين سببها رغبة اليهود في الوصول إلى حائط المبكى "البراق"، وأن حل المشكلة يتلخص في أن يبيع المسلمون في فلسطين الحائط لليهود بمبلغ 100 ألف جنيه وبذلك يريحوا أنفسهم، ويريحوا إخوانهم اليهود(17).

ويشارك الأمير محمد علي كرئيس للوفد المصري في مؤتمر المائدة المستديرة بلندن أوائل عام 1939 ، ويطلع على كثير من الحقائق ويطلب من الفلسطيني "عزت طنوس" – الذي كان يتولى رئاسة المركز العربي الذي كان يقوم بالدعاية للقضية الفلسطينية في لندن- أن يمده بكل المعومات عن قضية فلسطين بل ويقول له "اعترف لك بأني لا أعرف الكثير عن تفاصيل القضية وأريد منك أن تنورني عنها. وأرجو أن تأتي فتحدثني عن قضية فلسطين بالقدر الذي تستطيع". ويعد الأمير بمساعدة المركز العربي بمبلغ 150 جنيه شهريا مساهمة من الحكومة المصرية(18).

موقف الإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية 1928 - 1935:

لقد بدأ الاهتمام المصري بالقضية الفلسطينية من المدخل الإسلامي وكان حادث البراق عام 1929 هو الحادث الأول الذي أثار الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية وقد تجلى الاهتمام بالقضية الفلسطنية في مواقف بعض الشخصيات ذات التوجه العربي والإسلامي مثل محمد علي علوبة وشيخ العروبة وأحمد زكي، وعبد الحميد سعيد وصالح حرب والذين توجهوا إلى القدس بعد حادث البراق للدفاع عن ملكية العرب لحائط البراق أمام لجنة التحقيق الدولية، كما لعبت جمعية الشبان المسلمين التي تأسست في نوفمبر 1927 دوراً كبيراً في مساندة القضية الفلسطينية(19).

لقد كانت فكرة القومية المصرية تحول دون اتخاذ موقف من القضية الفلسطينية، ولذلك كان من الطبيعي أن يهتم بالقضية الفئات الإسلامية، والشخصيات ذات التوجه العربي والإسلامي، ولذلك تواكب الاهتمام الرسمي بالقضية الفلسطنية مع تقلب الاتجاه العربي في مصر، والتي لعبت القضية الفلسطينية ذاتها دوراً كبير في تدعيم هذا الاتجاه، وقد تأكد هذا الاتجاه في الأربعينيات، واتخذ صورة رسمية بإنشاء الجامعة العربية، ومع هذا الاتجاه أصبحت القضية الفلسطينية محل اجماع وطني في مصر، حيث كانت القضية الفلسطينية محل اهتمام الفئات العربية والإسلامية على السواء.

وقد أكد حسن البنا أن الهيئات السياسية والأحزاب في مصر انصرفت عن مناصرة القضية الفلسطينية بصورة جدية بحكم النعرة الوطنية، والتي لم تكن تطورت إلى ذلك الشعور الدفاق "بحق العروبة ورابطة الإسلام"، وأن الهيئات الإسلامية كانت المحرك الرئيسي للقضية الفلسطينية(20).

وقد بدأ اهتمام الإخوان بالقضية الفلسطينية مبكراً، وإن كانت ثورة 1936 شكلت نقطة انطلاق للإخوان على الساحة السياسية في مص، أبرزت دور الإخوان في مساندة القضية الفلسطينية، إلا إنه من الواضح أن الاهتمام بفلسطين قد بدأ لدى حسن البنا حتى قبل أن يؤسس جماعة الإخوان .

ففي 1927 وقبل تأسيس جماعة الإخوان بعام أرسل البنا رسالة إلى أمين الحسيني ، عبر فيها عن اهتماماته الإسلامية بالقضية الفلسطينية، وكانت هذه الرسالة أول اتصال بين حسن البنا ومفتي القدس، وكانت بداية توثيق العلاقات بين الرجلين (21).

كما نبه حسن البنا إلى الخطر اليهودي في فلسطين من خلال مقالاته في مجلة الفتح، والتي كان يكتب فيها بصورة غير منتظمة، ففي عام 1929 يكتب منددا بالهجمة الاستعمارية على مختلف أقطار العالم الإسلامي، منبها إلى مطامع اليهود "إن اليهود تتنبه مطامعهم أمام غفلة المسلمين".

وفي مقال آخر عام 1931 أعرب فيه عن عدم رضائه عن ردود فعل المسلمين في مواجهة التحدي الاستعماري لأنها "لم تزد عن كتابة الاحتجاجات "وأكد أن هذا لا يكفي "لأن الخصم هو الحكم" في مختلف الأقطار، ومنها فلسطين حيث "أمة تزاحم إخوانا لنا على معايشهم وفي أوطانهم، وتقيم خطتها على طرد ذوي الأملاك إلى الصحراء والاستحواذ على أملاكهم بالقوة(22).

ويبعث حسن البنا رسالة إلى المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1931، وقد تضمنت الرسالة عدة مقترحات كان أهمها توضيح خطورة قيام اليهود بشراء وتميلك الأراضي الفلسطينية، وإن واجب المؤتمر معالجة هذه المشكلة وقد رد مفتي القدس على رسالة حسن البنا بخطاب جاء فيه "أما بعد فقد تلي بيانكم في مكتب المؤتمر الإسلامي العام، وكان موضع التقدير والاعتبار، وستهتم اللجنة التنفيذية بما جاء فيه بكل اهتمام".

وفي عام 1933 اندلعت ثورة المظاهرات في فلسطين فتجاوبت معها جماعة الإخوان ، وعبرت جريدة الإخوان عن هذا الاهتمام من خلال نشر الأخبار والمقالات المتعلقة بهذه الثورة، ومن ضمن هذه المقالات مقال بعنوان "فلسطين الدامية" جاء فيه " هل أتاك حديث فلسطين الدامية؟ وهل أتاك ما فعلته بها اليد الطاغية؟ وهل أتاك ما قام به العربي الكريم دفاعا عن حقه الهضيم ووطنه النظيم".

وكتب حسن البنا مقالا بعنوان "فلسطين المجاهدة" طالب فيه بوقف الهجرة الصهيونية لفلسطين وحث العالم الإسلامي على تقديم المعونات العملية ومنها جمع الأموال وإرسالها إلى فلسطين(23).

لقد أوضح حسن البنا في هذا المقال دور بريطانيا في العمل على دعم الهجرة اليهودية دون أن تبالي "بظلم العرب واغتصاب أرضهم وإخراجهم من أرضهم ....... وزاد الطين بله تدفق هذه السيول المهاجرة بعد طرها من ألمانيا" وأوضح أن " على المسلمين واجبا مقدسا يجب أن يضعوه نصب أعينهم دائما أن يتذكروا أن مطلب العرب الأسمى يتلخص في وقف الهجرة الصهيونية وتحقيق وعود حكومة الانتداب التي قطعتها على نفسها للعرب إبان الحرب العالمية الأولى في حكم أنفسهم بأنفسهم "وطالب حسن البنا الفلسطينيين ومن ورائهم العالم الإسلامي بالتحرك متخذين كل وسيلة مشروعة لتحقيق هذا المطلب، وفي نهاية المقال أوضح "أن الإخوان المسلمين يضمون أصواتهم إلى أصوات إخوانهم في آفاق الأرض في مطالبتهم بحقوق العرب الأمجاد في نصرة فلسطين المجاهدة"(24).

وفي 27 رجب من عام 1933 احتفل الإخوان بذكرى الإسراء والمعراج، وذكروا المسلمين فيها بواجبهم نحو فلسطين، واستمر إحياء هذه المناسبة كل عام، كما نادى حسن البنا في مارس 1935 في مجلس الشورى العام الثالث لإخوان بجمع الأموال لمساندة قضية فلسطين ونبه إلى خطورة الوضع هناك(25).

وفي 3 أغسطس 1935 توجه عبد الرحمن الساعاتي، ومحمد أسعد الحكيم إلى فلسطين وسوريا ولبنان كمبعوثين للإخوان المسلمين، وذلك لنشر الدعوة في تلك الأقطار، وقد وصل المبعوثان بيت المقدس يوم 4 أغسطس، حيث تقابلا مع مفتي القدس أمين الحسيني ، وقد عملت هذه الزيارة على توثيق صلة الإخوان المسلمين بأمين الحسيني ، ويتضح ذلك من ثناء عبد الرحمن الساعاتي على مفتي القدس "رجل لقيناه في إدارة حكمة، وقلعته الإسلامية المنيعة التي تخفق عليها راية الإسلام مظفرة ويرتفع من أعلاها صوت سماحته داويا أن اعملوا لحماية الوطن الإسلامي المقدس، واحذروا خطر الصهيونيين الذين تجمعوا حول أسواركم يريدون هدمها .... رجل ذكرنا له الإخوان فقال أهلا بالإخوان المسلمين وشرحنا له ما حضرنا من أجله فقال مرحبا بالمجاهدين العاملين، وقال لقد قرأت عقيدتكم فما وجدت أجمع منها، ورأيت جريدتكم فما أعجبت بمثلها، سمعت حديثكم فسمعت قولا عجبا، ثم كان من حديث سماحته لنا "إن مصر لا تنجو إلا بفكرتكم ولا نجاة لمصر إلا بفكرة الإخوان المسلمين"(26).

وعند تأمل نشاط الإخوان المسلمين في الفترة من 1928 إلى 1935 يلاحظ الوعي لدى حسن البنا بالخطر الصهيونية على فلسطين، ودور بريطانيا في تدعيم النفوذ اليهودي، وقد تنبه إلى الخطر الشديد المتمثل في الهجرة اليهودية المتزايدة خاصة بعد وصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا، وكذلك خطر شراء اليهود في فلسطين الأراضي الفلسطينية، ولذلك طالب بوقف الهجرة اليهودية، ومعالجة مشكلة شراء الأراضي الفلسطينية، واعتبر أن مطلب وقف الهجرة اليهودية، وتنفيذ وعود بريطانيا للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى بحكم أنفسهم بأنفسهم مطلب العالم الإسلامي كله وليس الفلسطينيين فقط.

والملاحظ تصاعد الاهتمام من جانب الإخوان بالقضية الفلسطينية مع تصاعد نمو قوة الجماعة فخلال فترة تأسيس الجماعة في الإسماعيلية عام1928 وحتى انتقالها إلى القاهرة عام 1933 نجد التعبير عن موقف الجماعة ليس قوياً نظرا لحداثة تأسيس الجماعة وعدم وجود منبر إعلامي خاص بها، ولكن بعد الانتقال إلى القاهرة، وبداية زيادة عدد الأعضاء والشعب برز الاهتمام بالقضية الفلسطينية من جانب الجماعة خاصة مع إصدار جريدة الإخوان المسلمين، والتي أتاحت للإخوان التعبير من خلالها عن موقفهم من القضية الفلسطينية، وقد تجلى الاهتمام الكبير المتزايد من خلال بعثة الإخوان إلى فلسطين وسوريا ولبنان، وهو ما يبرز اهتمام الإخوان بالقضية الفلسطينية، والحرص على توثيق الصلات بمفتي القدس أمين الحسيني الذي كان يتولى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، والذي كان يقود الجهاد الفلسطيني.

موقف الإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية 1936- 1939 :

جاءت ثورة 1936 في فلسطين تعبيراً عن السخط واليأس من تحقيق المطالب العربية بالطرق السلمية، اعتمادا على بريطانيا والتفاوض معها، لاسيما مع ازدياد معدل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وازدياد مساحة الأراضي التي حصل عليها اليهود من أراضي فلسطين وتدفق السلاح بكافة الوسائل عليهم.

كما لعبت ثورة القسام دوراً كبيراً في العمل على إشعال الثورة في فلسطين، فقد كان استشهاده نقطة الانطلاق الحقيقية للثورة، بعد أن رسم الطريق الصحيح لنيل الفلسطينيين مطالبهم العادلة ووجههم الوجهة الصحيحة للعدو الذي يجب أن يوجه إليه السلاح وهو الانتداب البريطاني.....

أحداث الثورة الفلسطينية 1936- 1939

بدأت أحداث الثورة في 15 إبريل 1936 حين تصدى ثلاثة من المجاهدين العرب لقافلة سيارات يهودية، وقتلوا يهوديين وجرح ثالث، وفي اليوم التالي قام اليهود بعدة هجمات على العرب وقتلوا عربيين، وتوالت أعمال القتال بين العرب واليهود، وفي 20 إبريل تم الدعوة إلى إضراب عام في جميع أنحاء فلسطين، وقد لقت الدعوة استجابة سريعة، حيث عم الإضراب جميع مرافق فلسطين، وقد استمر الإضراب لمدة تقرب من ستة شهور.

وبعد الإضراب بنحو أسبوع، وفي 25 إبريل عقد رؤساء الأحزاب الفلسطينية اجتماعا برئاسة الحاج أمين الحسيني ، وقد تمخض الاجتماع عن قرارين رئيسيين:-

1- تشكيل قيادة عامة لشعب فلسطين باسم "اللجنة العربية العليا" برئاسة أمين الحسيني ، وقد ضمنت اللجنة جميع أحزاب فلسطين بما فيها الأحزاب المعارضة.

2- الدعوة إلى استمرا الإضراب إلى أن تبدل الحكومة البريطانية سياستها المتبعة في فلسطين وذكرت اللجنة في بيانها مطالبها الأساسية وهي:-

أ- منع الهجرة اليهودية منعاً باتاً.

ب- منع انتقال الأراضي الفلسطينية لليهود.

ج- إنشاء حكومة وطنية مسئولة أمام مجلس نيابي.

وقد استمر الإضراب في التصاعد وامتد إلى كل البلاد، وشارك فيه جميع فئات الشعب الفلسطيني وتحولت الثورة إلى العمل المسلح في مطلع مايو 1936، وتصاعدت أعمال القتال، وتدفق المتطوعين من العراق والأردن وسوريا ولبنان على فلسطين للمشاركة في الثورة، وردت القوات البريطانية بإعلان الطوارئ وحشد قواتها ولجأت إلى الوسائل الوحشية لإخماد الثورة ولكن دون جدوى، وأمام فشل بريطانيا في القضاء على الثورة لجأت إلى أسلوب الخداع والمراوغة، فأعلنت أنها قررت إيفاد لجنة ملكية لتحقيق في قضية فلسطين، ووضع التوصيات لحل القضية حلا عادلا، كما لجأت إلى بعض الحكام العرب لإقناعهم بوقف الثورة، ولكن هذه الأساليب سواء السياسية أو العسكرية لم تثن الفلسطينيين عن مواصلة الثورة المسلحة، والتي عجزت بريطانيا عن التصدي لها أو إيقافها. وأمام هذا الموقف عملت بريطانيا على تكثيف اتصالاتها بملوك وأمراء العرب لحثهم على التدخل لإقناع الفلسطينيين بوقف الثورة، وقد استجابت اللجنة العربية العليا للضغوط العربية بالرغم من المعارضة الشعبية لوقف الثورة، وفي 9 و10 أكتوبر 1936 صدرت ثلاثة نداءات لوقف الثورة موقعة من الملك عبد العزيز آل سعود ملك السعودية، والملك غازي ملك العراق، والأمير عبد الله أمير شرق الأردن، وقد جاء في النداءات والتي كانت موحدة الصيغة:-

إلى أبنائنا عرب فلسطين:

"لقد تألمنا كثيرا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم إلى الإخلاد إلى السكينة حقنا للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم" وعقب صدور هذا البيان أصدرت اللجنة العربية العليا بيانا دعت فيه إلى إنهاء الإضراب والإضرابات ابتداء من يوم 12 أكتوبر 1936، وقد لقي البيان استجابة كبيرة وتوقفت جميع الأعمال العسكرية على الفور، وبعد أن مضى على هذا الإضراب 176 يوما، وعلى الثورة المسلحة 164 يوما(27).

وبذلك انتهت المرحلة الأولى من الثورة الفلسطينية بعد مضي ما يقرب من ستة شهور، بذل فيها الفلسطينيون أرواحهم وكل ما يملكون دفاعا عن وطنهم، وبعد أن وضعوا أيديهم على الطريق الصحيح لانتزاع حقوقهم المشروعة، ولكن للأسف كان تدخل القادة العرب هو العامل الذي أوقف الثورة- ولو إلى حين- بهذا البيان الذي أصدروه وهو بيان جدير أن يقابل بالسخرية والامتهان وأن يقرن بروح الضعف وقلة الحيلة والواقع المرير إذ اتخذ وسيلة لوقف ثورة عجزت بريطانيا عن إخمادها (28).

توقفت الثورة ووصلت إلى فلسطين اللجنة الملكية البريطانية المعروفة بلجنة بيل في 11 نوفمبر 1936 والتي انتهت بعد دراسة الأوضاع إلى إصدار تقرير في 7 يوليو 1937 نص لأول مرة على تقسيم فلسطين، وإنشاء دولتين دولة عربية، وأخرى يهودية مع وجود منطقة انتداب بريطاني تشمل الأماكن المقدسة(29).

وتعتبر لجنة بيل من أهم لجان التحقيق التي تعرضت لقضية فلسطين في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وليس أدل على ذلك من أن الأمم المتحدة أخذت من حيث المبدأ بتقسيم فلسطين التي اقترحته لجنة بيل بعد عشر سنوات من تقديم تقريرها(30).

وقد رفضت اللجنة العربية العليا قرار التقسيم، ودعت إلى مقاومته، وعمت المظاهرات والصدامات أنحاء فلسطين، ومن الجدير بالذكر أنه بالرغم من وقف الثورة بصفة رسمية في 12 نوفمبر 1936، إلا أن أعمال المقاومة المسلحة لم تتوقف تماما أثناء تواجد اللجنة في فلسطين حيث جرى اغتيال العديد من عملاء الاستعمار، وكبار المسئولين البريطانيين وكانت أهم عمليات الاغتيال، اغتيال حاكم لواء الجليل لويس أندروز، الذي كان يتخذ مواقف قاسية ضد عرب فلسطين، وذلك في 26 سبتمبر 1937، وقد اتخذت بريطانيا من مقتله مبرراً لتدمير القيادة الفلسطينية، واعتبرت أميناً الحسيني مسئولا عن الحادث، وعن إشعال نار الثورات، قامت بحل اللجنة العربية العليا، وعزلت المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، فقامت بمحاولة اعتقاله، وقامت بتشديد الحصار على الحرم الشريف حيث كان يقيم، ولكنه استطاع الخروج سرا من المسجد الأقصى، وتمكن من مغادرة فلسطين في 14 أكتوبر 1937 متوجها إلى بيروت(31).

وبوصول المفتي إلى بيروت في 17 نوفمبر 1937 انتهت المرحلة الثانية من مراحل الثورة الفلسطينية لتبدأ المرحلة الثالثة والتي بدأت في نوفمبر وانتهت في شهر سبتمبر 1939 حيث اشتعلت الثورة المسلحة في كل أنحاء فلسطين، ووقعت العديد من المعارك العسكرية الكبيرة التي كان بعضها يستمر بضعة أيام مع الجيش البريطاني واضطرت بريطانيا للعدول عن مشروع التقسيم، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن والذي عقد في فبراير 1939 للبحث في الوصول إلى حل في القضية الفلسطينية، كما اضطرت بريطانيا للاعتراف باللجنة العربية العليا لفلسطين، ودعوتها للاشتراك في المؤتمر(32).

وقد شاركت الدول العربية المستقلة في ذلك الوقت وهي مصر والسعودية والأردن واليمن والعراق في المؤتمر والذي انتهى في منتصف مارس بالفشل بعد رفض الوفد الفلسطيني والوفود العربية وكذلك الوفد الصهيوني الموافقة على المقترحات البريطانية التي عرضت على المؤتمر، وقد قامت الحكومة البريطانية بعد فشل المؤتمر بإصدار الكتاب الأبيض في 17 مايو 1939 ، نتيجة تدهور الأحوال في أوربا، واقتراب نذر الحرب العالمية الثانية، وخوفها على مصالحها في المنطقة العربية في حالة اشتعال الحرب وحاجتها على تأييد العرب، وأهم ما تضمنه الكتاب الأبيض، إقامة دولة فلسطينية يشترك في حكومتها كل من العرب واليهود ترتبط بمعاهدة مع بريطانيا، والسماح بهجرة 75 ألف يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات مع موقف الهجرة بعد ذلك، وإعطاء المندوب السامي سلطات لتنظيم بيع الأراضي بحيث تكون هناك أماكن يسمح فيها ببيع الأراضي بحرية، وأخرى ينظم فيها بيع الأراضي، ومناطق يحرم فيها بيع الأراضي.

وقد رفض العرب الموافقة على الكتاب الأبيض وكذلك زعماء الصهيونية، وقد جاء اعتراض العرب نتيجة عدم إغلاق باب الهجرة نهائيا، ومنح سلطات واسعة للمندوب السامي فيما يتعلق بتنظيم انتقال الأراضي العربية إلى اليهود وكذلك لتمسك بريطانيا بمبدأ الوطن القومي لليهود، أما الصهاينة فقد رفضوا الكتاب الأبيض احتجاجا على تقييد الهجرة وانتقال الأراضي(33).

شهد عام 1939 انخفاض وتيرة الثورة، وبدأت الثورة بالانحصار، وهبط معدل العمليات العسكرية وتوقفت الثورة في شهر سبتمبر، وهو نفس الشهر الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الثانية ويرجع انتهاء الثورة إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، والإنهاك الذي تعرض له شعب فلسطين من جراء العمليات المسلحة والتي استمرت أربع سنوات بالإضافة للإجراءات العسكرية التي اتخذتها بريطانيا ضد الثورة الفلسطينية، وكذلك الإجراءات السياسية مثل عقد مؤتمر لندن والتضييق على الزعماء الفلسطينيين المقيمين في سوريا ولبنان من قبل السلطات الفرنسية مما اضطرهم إلى مغادرة سوريا، والتضييق على المفتي الذي انتقل في غفلة من الفرنسيين إلى العراق وبذلك وضع قيام الحرب العالمية الثانية النهاية للثورة الفلسطينية(34).

جهود الإخوان المسلمين في مناصرة الثورة الفلسطينية:

كان اشتعال الثورة في فلسطين عام 1936، وما صاحبها من عمليات عسكرية، نقطة انطلاق للإخوان للعمل على مساعدة الفلسطينيين، والدعوة للقضية الفلسطينية بكافة الوسائل والأساليب، وقد تحرك الإخوان للعمل للقضية الفلسطينية على أربع محاور أساسية هي:

المحور الإعلامي

فقد وجه حسن البنا الدعوة إلى أعضاء الإخوان بالقاهرة للاجتماع في 16 مايو 1936، حيث أوضح لهم ما حل بالعرب في فلسطين "الذين تربطنا بهم روابط من الدين واللغة والعروبة" وناشدهم العمل على تقديم المساعدة إلى إخوانهم الفلسطينيين، وتكوين لجنة من بينهم لتنظيم المساعدة وبث الدعاية، وجمع التبرعات، وقد انتهى الاجتماع بالموافقة على تشكيل لجنة من الإخوان لتنفيذ المقترحات الآتية:(35)

1- نشر نداء من اللجنة إلى الأمة المصرية والمسلمين عامة.

2- نشر مشروع تكوين هذه اللجنة في الصحف.

3- إرسال برقيات الاحتجاج إلى المندوبين الساميين في مصر وفلسطين، ونشر صور منها في الصحف وإرسال برقية أخرى منها إلى فضيلة المفتي بصفته رئيسا للجنة العربية العليا.

4- إذاعة بيان من اللجنة إلى عموم الإخوان والشعب.

وتنفيذا لهذه المقترحات أرسل حسن البنا رسالة إلى الأمير عمر طوسون باسم اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين التابعة لجمعية الإخوان المسلمين، وقد أوضح فيها "ما يعانيه الإخوان المجاهدون أبطال فلسطين من آلام الموت والفاقة التي أنزلتها بهم القوى الغاشمة" وأن الإخوان قد شكلوا اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين وتفرع عنها لجان للخطابة في المساجد، وجمع ما يجود به المسلمون وبث الدعاية الواسعة للقضية، وتمني حسن البنا من الأمير عمر طوسون بأن "تجد فلسطين الجريحة من بركم وعطفكم ما وجدته الحبشة الآسي الرقيق والبلسم الشافي" كما طالب الأمير بصفته أحد رئيسي لجنة مساعدة الحبشة بإرسال ما تبقى من الأموال التي جمعت لمساعدة الأحباش ضد الغزو الايطالي، إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين.

كما أرسل حسن البنا رسالة مماثلة إلى الأنبا يؤنس بطريرك الأقباط الأرثوذكس بمصر بصفته رئيس لجنة مساعدة فلسطين بجمعية الإخوان المسلمين تحدث فيها عما تتعرض له فلسطين الشقيقة مهد الشرائع والأنبياء، وأن اليهود يعملون على الاستيلاء على الأماكن المقدسة التي بها "والتي أجمع المسلمون والمسيحيون على تقدسيها وإكبارها والذود عنها" وطالب حسن البنا من الأنبا يؤنس إمداد أبناء فلسطين بإرسال ما تبقى من أموال لجنة الأحباش إلى اللجنة العربية العليا بالقدس "وإذا رأيتم فضلا عن ذلك أن تتكرموا بدعوة المحسنين من المصريين بالتبرع لهذا الغرض النبيل فهو العهد بكم والمأمول فيكم، وكان لكم الشكر مضاعفاً... (36).

وكانت قد تكونت في مصر لجنة بإيعاز من بريطانيا لمساعدة منكوبي الحبشة، وذلك عندما غزاها الايطاليون عام 1935، وكان الأمير عمر طوسون أحد رؤسائها، وقد جاء رد عمر طوسون على رسالة حسن البنا ليوضح بجلاء عدم الوعي بالصراع الدائر في فلسطين، فقد اعتبر الأمير القضية الفلسطينية قضية إسلامية تهم المسلمين فقط، وإن تبرعات الحبشة ساهم فيها المسلمون والمسيحيون والانجليز والفرنسيون مما يحول دون إرسالها إلى فلسطين، وقد رد الإخوان أن معظم هذه الإعانات التي أرسلت للحبشة كانت مصرية، ولذلك فإن المتبقي لابد من تقديمه إلى فلسطين لأنه من أموال حكومة مسلمة وهي الحكومة المصرية(37).

وكما سبق الإشارة فقد أشار القنصل المصري العام في القدس إلى الموقف السلبي للحكومة المصرية في عدم اشتراكها في حملة التبرعات لضحايا ثورة 1936، وقارن بين هذا الموقف وبين موقف مصر من الحبشة، وإن الحكومة ساهمت بمبلغ 5 آلاف جنيه لمساعدة منكوبي الحبشة، وغير ذلك من المساعدات.

وكان عبد الرحمن الساعاتي قد أجرى هذه المقارنة بين تقاعس المسلمين عن نصرة فلسطين، وما حدث أثناء الغزو الايطالي للحبشة، في مقال بتاريخ 5/11/1935؛ أي قبل ثورة 1936، حيث تحدث أن قلوب المسلمين قد دقت بعد أن دقت نواقيس الكنيسة في مصر، وأن المسلمين هبوا لنصرة الضعيف، وجمعوا الأموال للبلد الضعيف الحبشة، وقال "لئن أغار ذوو القمصان السود على الحبشة فإغارة ذوي القلوب السود على فلسطين أشد وأنكي، ولئن أعلن الايطاليون خطة هجومهم فما تخفيه الصهيونية من خطط الهجوم المباغت على الوطن الإسلامي اضر وأقسى، ولئن استوجب سكان الحبشة عطف مصر ومعونتها فأهل فلسطين العربية المسلمة بعطف مصر المسلمة العربية معونتها أحق وأولى"(38).

ويشن صالح عشماوي حملة على تقاعس الأحزاب وتخاذلها، والجمعيات الإسلامية ذات الجهد القليل، ويقارن بين ما حدث للحبشة من تحرك حيث "رأينا أميرا جليلا يتحرك ويرأس الاجتماعات ويجمع التبرعات ورأينا نبيلا يمتشق الحسام ويسافر إلى بلاد خط الاستواء على ما بها من أمراض ووباء. فأروني أميرا تحرك مجاهدا في سبيل الله والدين؟ في القضية الحبشية رأينا رئيس جمعية إسلامية يشد الرحال إلى الحبشة على رأس بعثة طبية ليضمد الجرحى ويواسي أهل القتلى فأروني رئيس جمعية إسلامية شد الرحال إلى المسجد الأقصى"(39).

وقد شنت صحيفة الإخوان المسلمين حملة إعلامية لمناصرة القضية الفلسطينية، وبث الوعي بحقيقة الصراع الدائر في فلسطين، ومتابعة أخبار الثورة الفلسطينية، والتعليق عليها.

وتنتشر صحيفة المقطم خبر سفر ثلاثة أفواج من العمال والسفرجية والطباخين، وبعض الرديف لخدمة الجيش البريطاني بفلسطين، وإن عددهم ستمائة في كل فوج مائتين، وإنهم سيبقون هناك إلى أن تنتهي الحرب بين بريطانيا وعرب فلسطين، كما قد يسافر أفواج أخرى، وإن العدد ربما يبلغ ألفين، فتشن "الإخوان المسلمون" حملة عنيفة عليهم وتبدي أسفها على الذين يظهارون العدو على الصديق الذين باعوا الدين وانضموا إلى الأعداء "أمن أجل ثلاثة جنيهات في الشهر يكفر المسلم بربه، ويحارب دينه ويقتل أخاه ويخفر ذمته ويخون عهده، وينكص على عقبيه، وينقلب على وجهه قد خسر الدنيا الآخرة؟ ......... سيقول أهل مصر وصمنا صاحب المقال بوصمة شائنة، ورمانا باتهام خطير، وأقول ستبقى الوصمة أظهر ما في الجبين ما لم تقم الحكومة بتحريم هذه الهجرة السافلة، وإيقاف هذه الهجرة عند حدها، ويقم الأزهر بواجبه كأكبر صوت إسلامي يزلزل أركان الدنيا، أما الإخوان المسلمون فقد أفتى علماؤهم بردة كل من انضم إلى هذه الفئة الخاسرة"(40).

وتستحث "الإخوان المسلمون" المصريين على العمل لنصرة فلسطين، التي هي قطعة من الجسد الإسلامي العام وتتعجب من الرأي العام، وموقفه اللين مما يجري في فلسطين "لقد تمثل لي عمل الإخوان المسلمين لفلسطين في مصر كإشعال النار في الماء، حتى سمعت مخلوقا مسلما يدهش لحركتنا، ويقول شوام يألمون لوطنهم فعلمت أنه إشعال النار في الثلج، إن هذا المخلوق المتعجب شعور مجسم دقيق وتعبير صادق مخلص، وصورة مادية حقيقية للرأي المصري العام نحو فلسطين"(41).

وتشيد "الإخوان المسلمون" بمفتي فلسطين، وتنشر تحت عنوان "مفتي فلسطين الأكبر يقلد الرسول الأعظم هذا يهاجر إلى يثرب وذاك يهاجر إلى لبنان" ، قصة خروج المفتي من فلسطين برغم حصار القوات البريطانية له في الحرم "وفي الليلة التي أراد الخروج فيها يقول الراوي أنه واظب الليل كله على تلاوة سورة يس حتى اللحظة التي برح فيها المسجد والجنود الانجليزية محاصرة بشدة وتحرص الحرص كله على عدم تمكنه من الإفلات، ولكن الله أعمى أبصارهم فخرج عليهم، وهو يتلو سورة يس، ثم كان يقول شاهت الوجوه"(42).

وتنشر الصحيفة مقالا لمحمد حسين هيكل قال فيه "إنني لأعلم أن قوما من بني وطني سينكرون هذا الذي أكتب يرون فيه سوء سياسة إزاء إنجلترا الحليفة الصريحة وقد يكونون في هذا على حق، وقد يرون من المصلحة أن نحطم الأقلام التي تكتب دفاعا عن فلسطين، أو غير فلسطين ضد انجلترا، فليفعلوا إن شاءوا، أما أنا فأعتقد أن الرجل الذي يرى الظلم ولا ينكره لا يمكن أن يكون من بني الإنسان، ولا يمكن أن يكون له عقل يعي أو روح تشعر"(43).

وهذا المقال له دلالة هامة، ويدل على التحول الذي طرأ على الأحزاب السياسية فمحمد حسين هيكل كان رئيس تحرير جريدة "السياسة"، وهي جريدة حزب الأحرار الدستوريين والذي سبق الحديث عن موقفه من القضية الفلسطينية.

وتواصل الصحيفة نشر النداءات للعالم العربي والإسلامي للتدخل لمساعدة الفلسطينيين، ومد يد العون المادي إليهم، وتنشر أسماء الأشخاص الذين يتلقون التبرعات في القاهرة ودمشق، كما حرصت على نشر البيانات التي كانت تصدرها اللجنة العليا لفلسطين من حين لآخر(44).

وأصدر الإخوان مجلة النذير، وصدر العدد الأول منها في 30 ربيع الأول 1357هـ/ 30مايو 1938، وقد احتلت القضية الفلسطينية مساحة كبيرة من أعدادها، وأفردت عددا خاصا عن فلسطين وكتب حسن البنا مقالا بعنوان "صناعة الموت" حيا فيها جهاد الشعب الفلسطيني، وثورته المباركة التي أرشدت "شعوب الإسلام إلى ما في صناعة الموت من لذة وجمال وروعة" وأوضح أن قضية فلسطين هي قضية الإسلام، وأهل الإسلام جميعا، وأنه لا مجال للأقوال والخطب "ولكن الساعة ساعة العمل احتجوا بكل مناسبة وبكل طريق، قاطعوا خصوم القضية الإسلامية مهما كانت جنسياتهم أو نحلهم- تبرعوا بالأموال للأسر الفقيرة والبيوت المنكوبة البواسل، تطوعوا إن استطعتم- لا عذر لمعتذر فليس هناك ما يمنع عن العمل إلا ضعف الإيمان ولا يهلك على الله إلا هالك، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"(45).

وأصدرت اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين نداء للجهاد في سبيل فلسطين، وأن الجهاد أصبح فرض عين على كل مسلم "فأيكم يؤثر الحياة الدنيا وزينتها على جهاد في سبيل الله، تظفرون فيه بإحدى الحسنيين؛ نصر تعلوه كلمة الله، أو شهادة لا جزاء لها ورب الكعبة إلا الجنة"(46).

ويكتب صالح عشماوي العديد من المقالات الحماسية الثائرة، منددا بالمواقف الحكومية ومواقف الأحزاب، والموقف الضعيف للهيئات الإسلامية "في مصر أزهر وللأزهر شيخ والأزهر معقل الإسلام والشيخ إمام المسلمين، فماذا فعل الأزهر وماذا الشيخ فعل؟ أما الأزهر فقام بمظاهرة صامتة في عصر نطق فيه الحديد وتحرك الجماد؟ وأما الشيخ فأرسل احتجاجا فاترا إلى رئيس الوزراء لعله من باب "سد الخانة" ثم هدأ مستريحا كأنه أرضى بذلك الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ثم جمع هيئة كبار العلماء فحبسنا أنفاسنا وانتظرنا القرارات ثم تمخض الجبل فولد فأرا، فإذا بالأمر لم يخرج عن حد احتجاج لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به قراراً آخراً خطيراً، وهو الدعاء بنصرة عرب فلسطين. أيها الضعفاء هلا قرأتم ما قرر علماء العراق من إعلان الجهاد المقدس؟......... وفي مصر حكومة إسلامية بل وصلت إلى الحكم باسم الإسلام يعلن رئيسها أنه "رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين"(47).

وتدعو النذير إلى إعلان الجهاد لإنقاذ فلسطين الإسلامية "هيا أيها المسلمون إلى الجهاد في سبيل الله والتطوع لإنقاذ فلسطين الإسلامية التي هي بقعة مقدسة من وطنكم الإسلامي"(48).

وتحاول النذير أن تستثير الشباب الغافل فتكتب عن رسالة من آنسة مؤمنة إلى المرشد العام للإخوان المسلمين، تأثرت بالفظائع في فلسطين، وتتمنى لو كانت شابا لكانت قائدة المصريين إلى الجهاد في سبيل الله، وتدعو إلى الجهاد، وترى النذير أن "دم فتاة يتقد حماسا والشبان في غفلة نائمون"(49).

ويجيب حسن البنا عن سؤال حول جواز دفع الزكاة إلى مجاهدي فلسطين تحت قول الله تعالى "وفي سبيل الله"، بأنه من الجائز صرف جزء من زكاة المال لمجاهدي فلسطين البواسل وإن نقل الزكاة في هذه الحالة جائز للضرورة المتمثلة في حاجة المجاهدين إلى المال(50).

وبصفة عامة فإن صحيفة الإخوان المسلمين والنذير قد قامت بدور هام من خلال المقالات والتحليلات ونشر أخبار الثورة في فلسطين، في نشر التوعية بين أفراد الشعب بحقيقة القضية الفلسطينية، وإثارة الاهتمام بها، وبأنها قضية لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل إنها قضية المسلمين جميعا.

حملات الدعاية في المساجد والقرى:

إلى جانب الدور الذي قامت به صحف الإخوان في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية، لجأ حسن البنا إلى أسلوب أكثر عملية لنشر الدعوة للقضية الفلسطينية، عن طريق الاتصال المباشر بأفراد الشعب عن طريق إرسال الإخوان إلى المساجد يوم الجمعة، لشرح ما يحدث في فلسطين، والأخطار التي يتعرض لها بيت المقدس، ودور الانجليز في دعم اليهود، والدعوة إلى التبرع لإخوانهم في فلسطين، فكان يتوجه إلى كل مسجد اثنين من الإخوان يقوم أحدهم بعد الصلاة بشرح القضية الفلسطينية للمصلين، بينما يقوم الآخر بتلقي التبرعات في صندوق معه، وقد أدت هذه الطريقة إلى إيقاظ الروح الإسلامية في الشعب المصري، وإحاطة الناس بما يجري في فلسطين، وتوعية الناس بحقيقة الانجليز كأعداء لهم وللإسلام، وكشف الحكومات المصرية، وأنها مهما كان لونها أو حزبها فهي خادم ذليل للمستعمر الغاصب، هذا بالإضافة إلى جمع مبالغ لصالح القضية الفلسطينية.

وقد أوضح محمود عبد الحليم أثر ما قام به الإخوان في المساجد من خلال بعض الأمثلة التي شارك فيها بنفسه في مسجد الرفاعي ومسجد قنطرة الدكة بالقاهرة، وكيف تأثر الناس بحديث الإخوان بعد الصلاة عما يجري في فلسطين من انتهاكات وعدوان على فلسطين، وقيام اليهود والانجليز باقتحام البيوت وتمزيق المصاحف، وقد تجلى تأثر الناس في الإقبال على التبرع، وحماية الإخوان من عمال وأئمة المساجد، حيث كانت التعليمات لأئمة المساجد بمنع الإخوان من الخطابة في المساجد لأنهم يهاجمون الانجليز، وقد عبر أحد أئمة المساجد عن ذلك بعد أن ألقى به المصلون خارج المسجد بعد أن حاول منع أحد الإخوان من إلقاء خطبته، بالقول "لا تخربوا بيتي إنه يشتم الانجليز".

وإن كان المصلون في بعض المساجد قد حالوا بين أئمة المساجد ومنع الإخوان من الحديث، فإن في بعض المساجد الأخرى، تم استدعاء رجال الشرطة بناء على طلب الإمام، وتم إلقاء القبض على الإخوان ، وجرهم حتى أقسام البوليس(51).

لقد كان هذا الطريق الذي سلكه الإخوان باللجوء إلى المساجد أقصر الطرق للوصول إلى الناس والحديث إليهم مباشرة، خاصة في ظل الأمية التي كانت منتشرة، وضعف توزيع صحف الإخوان رغم كل الجهود التي كانوا يبذلونها لتوزيعها، وقد أثمر هذا الأسلوب في زيادة الوعي، وإيقاظ الروح الإسلامية، وجمع التبرعات التي كانت تحمل معنى التجاوب والمشاركة، والتأثر بما سمعوه، كما ذكر محمود عبد الحليم ، وإن كان ما ذكره عن إقامة الدليل على أن الحكومات المصرية مهما كان لونها أو حزبها خادم ذليل للإنجليز لا يمكن التسليم به، فلا شك أنه كانت هناك حكومات وطنية مصرية، فضلا على أنه من الخطأ تعميم الأحكام، وإصدارها بشكل مطلق.

ومن وسائل الدعاية التي لجأ إليها الإخوان إرسال بعثات صيفية من طلبة الإخوان المسلمين إلى القرى والريف للدعوة إلى الفكرة الإسلامية، ومساعدة فلسطين، خلال إجازة الصيف.

كما دعا مكتب الإرشاد الأمة إلى القنوت من أجل فلسطين، واقترح أن يقنت المسلمون في الركعة الأخيرة من كل صلاة بعد الركوع داعين الله بالنصر لأهل فلسطين، وخذلان أعدائهم ومناوئيهم واقترح مكتب الإرشاد الصيغة التالية للقنوت "اللهم غياث المستغيثين وظهير اللاجئين ونصير المستضعفين انصر إخواننا من أهل فلسطين، اللهم فرج كربتهم وأيد قضيتهم واخذل أعداءهم وإشدد الوطأة على من ناوأهم واجعلها عليهم سنين كسني يوسف وارفع مقتك وغضبك عنا يا رب العالمين، وصلي الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم"(52) .

طبع وتوزيع المنشورات والكتب عن القضية الفلسطينية:-

لجأ الإخوان إلى طبع المنشورات التي تهاجم الانجليز، وتشرح ما يقومون به في فلسطين من مظالم، وتوضح خطر اليهود، وكان يتم توزيعها في الكليات والمصالح الحكومية والمحلات والمقاهي، وفي أقاليم مصر المختلفة.

كما قام الإخوان بنشر الرسائل والكتب التي تتحدث عن فلسطين، وأهمها كتاب "النار والدماء في فلسطين" التي قامت بطبعه اللجنة العربية العليا لفلسطين، ويتحدث عن الفظائع والأعمال الوحشية التي ارتكبها الانجليز ضد مجاهدي فلسطين، وقد احتوى الكتاب البالغ عدد صفحاته 80 صفحة على أكثر من خمسين صورة توضح ألوان التعذيب والفظائع التي ارتكبها الانجليز ضد مجاهدي فلسطين.

وقد استطاع الإخوان عام 1938 وخلال ثلاثة أيام توزيع عشرات الآلاف من الكتاب في القاهرة وأنحاء الأقاليم المختلفة، وقام البوليس بتفتيش المركز العام للإخوان المسلمين، وتم التحفظ على النسخ المتبقية من الكتاب وعددها 750 كتاب، وتم التحقيق مع المرشد العام حسن البنا الذي اعترف أمام وكيل النيابة بأنه صاحب الكتاب، وقد جاء التحقيق على النحو التالي:-

س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة حليفة وصديقة بحكم المعاهدة؟.

جـ: أعلم ذلك وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.

س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟.

جـ: أعلم وأنا لا أمانع في إحالتي إلى القضاء لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.

وأمر وكيل النيابة بحبس حسن البنا على ذمة القضية، ولكن تم الإفراج عن حسن البنا بسرعة، وحفظ التحقيق بناء على تدخل السفير البريطاني- كما يذكر محمود عبد الحليم - الذي أدرك ما يرمي إليه حسن البنا من اعترافاته، ورغبته في إثارة القضية، والعمل على نشرها على أوسع نطاق، واستغلال محاكمته لهذه الغاية، وقد كتب حسن البنا رسالة للحكومة المصرية استنكر فيها هذا الموقف الذليل من قضية فلسطين(53).

وقد لفت حسن البنا نظر الإخوان بعد هذا الموقف "أن دعوتهم عدوة للاستعمار، فهو لها بالمرصاد، وعدوة للحكومات الجائرة الظالمة فهي لن تسكت على القائمين بها، وعدوة للمستهترين والمترفين والأدعياء من كل قبيل فهم سيناهضونها"، كما أدرك البنا أن أي حل لقضية فلسطين لابد من تضامن إسلامي شامل، وكذلك إعداد القوة المسلحة(54).

الدعوة إلى مقاطعة المحلات اليهودية:-

قام الإخوان المسلمين بحملة لمقاطعة المحلات التجارية اليهودية، وكما مر بنا فقد كان اليهود يسيطرون على الحياة الاقتصادية في مصر وكانت معظم المتاجر يملكها اليهود، وكانوا يدعمون النشاط الصهيوني بكافة الوسائل، ومنها التبرعات المالية، فقام الإخوان بطبع كشف بأسماء المحلات اليهودية وعناوينها، وأسماء أصحابها، وقد زيلت الكشوف بالعبارة الآتية: "إن القروش التي تدفعها لمحل من هذه المحلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحا يقتلون به أخوانك المسلمين في فلسطين".

كما أصدر الإخوان كتيباً يضم أسماء الصحف اليهودية التي تصدر في أنحاء العالم واسم البلد التي تصدر فيه، وتم توزيع الكشوف والكتيب على أوسع نطاق في القاهرة والأقاليم، وهو الأمر الذي أحدث دويا هائلا خاصة أنه مس العصب الحساس لدى اليهود، وهو المال، كما أثار الصحف البريطانية التي استعدت الحكومة على مصدري هذه المنشورات وقد فشلت الحكومة في مصادرة هذه المنشورات، حيث قام الإخوان بطبعها في أماكن بعيدة عن مراكزهم، وكان يتم توزيعها على المحلات والمدارس والمعاهد، كما كانت توضع على مكاتب كبار موظفي الدولة(55).

لقد كانت الدعوة إلى مقاطعة المحلات اليهودية، وما قام به الإخوان في سبيل نشر هذه الدعوة، يعني تهديدا لليهود في مصر، ولفتا للأنظار لحقيقة وضعهم الاقتصادي، ونشاطهم الصهيوني، وهو الأمر الذي أثار مخاوفهم، ولعل ما رواه عباس السيسي عن المظاهرة التي قام بها طلبة الإخوان بإحدى مدارس الإسكندرية، واخترقت شوارع الإسكندرية، وتدخل البوليس لفضها عند اقترابها من شارع فرنسا المزدحم بالمحلات اليهودية، التي قد تضر بالمصالح اليهودية، ما يوضح أثر نشاط تحرك الإخوان على اليهود في مصر(56).

ومن الواضح أن دعوة المقاطعة كان لها تأثير معنوي أكثر منه مادياً، فقد أثارت مخاوف اليهود في مصر، كما لفتت الأنظار إلى حقيقة اليهود في مصر، ونشاطهم الصهيوني، أما من الناحية العملية فلا يوجد ما يوضح أثر هذه الدعوة للمقاطعة على المحلات اليهودية، وتأثيرها على حركة المبيعات بها، ويبدو من استقراء الوضع الاقتصادي لليهود في مصر وسيطرتهم على النواحي الاقتصادية، أن هذه الدعوة لم تؤثر بطريقة عملية على المحلات اليهودية، وأن تأثيرها في الغالب اقتصر على الجانب المعنوي.

عقد المؤتمرات الشعبية:-

في إطار نظرة الإخوان المسلمين للقضية الفلسطينية كقضية عربية إسلامية، عمد الإخوان إلى توثيق علاقاتهم بالبلاد العربية، وإعطاء القضية البعد العربي، فقام الإخوان عام 1937 بالدعوة إلى عقد مؤتمر عربي لدراسة مشكلة فلسطين، وقد استجاب الكثير من الشخصيات العربية للدعوة، وعلى رأسها أحد كبار رجال السياسة في سوريا وهو فارس الخوري وكانت مشاركته -وهو مسيحي الديانة- تجسيداً لرؤية الإخوان للقضية الفلسطينية التي سبق الحديث عنها، وقد عقد المؤتمر بالمركز العام للإخوان بالعتبة، حيث تعاقب الخطباء من مختلف البلاد العربية للحديث عن القضية الفلسطينية، وانتهي المؤتمر بقرارات تطالب الحكومات العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الانجليزية اليهودية(57).

وقد قدم الإخوان في المؤتمر تصورهم لمواجهة مشكلة تملك اليهود للأراضي الفلسطينية واقترحوا إنشاء " صندوق عالمي إسلامي أو شركة لشراء أرض فلسطين المستغنى عنها من أصحابها..... حتى لا تتسرب إلى أيدي اليهود فيصير لهم حق الملكية فيقوى مركزهم ويزيد عددهم"(58).

المؤتمر البرلماني للبلاد العربية والإسلامية للدفاع عن فلسطين 1938:-

ترتب على عقد المؤتمر الشعبي العربي الذي عقده الإخوان تزايد الاهتمام بالقضية الفلسطينية على المستوى العربي، وتوافد على المركز العام للإخوان رجال كثيرون من زعماء الدول العربية والإسلامية وكان منهم الأمير فيصل بن عبد العزيز والأمير أحمد بن يحيى بن إمام اليمن، وقد تمخض التفاهم بين زعماء البلاد العربية والإسلامية والإخوان عن وسيلة لإبراز التضامن العربي الإسلامي مع القضية الفلسطينية بعيدا عن الحكومات العربية الرازخة تحت الاستعمار، واستقر الرأي على توجيه الدعوة إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين(59).

وتذكر بعض المصادر أن فكرة عقد المؤتمر جاءت بناء على اقتراح بعض نواب مصر وشيوخها أن محمد علي علوبة أرسل رسائل إلى برلمانات الدول العربية بشأنه، بينما ذكرت صحيفة عراقية أن العراق هو صاحب فكرة المؤتمر، وأن رئيس المجلس النيابي في العراق وجه خطابا إلى رئيس مجلس النواب المصري يقترح فيه العمل على مناصرة قضية فلسطين، والذي أحال الأمر إلى لجنة برئاسة علوبة باشا، ومن هنا نشأت فكرة عقد المؤتمر البرلماني، بينما يذكر علوبة أنه صاحب فكرة عقد هذا المؤتمر.

وقد وجهت الدعوة لحضور المؤتمر إلى جميع أعضاء البرلمانات والدول العربية، والى الشخصيات البارزة في البلاد العربية التي ليس فيها مجالس برلمانية، كما تلقى علوبة رسائل تأييد لفكرة عقد المؤتمر من كثير من الشخصيات العربية والإسلامية مثل ملك العراق، وأمير الكويت وأمير اليمن(60). ولم تقتصر المشاركة على الدول العربية بل امتدت إلى مشاركة مندوبين عن المسلمين في بعض البلاد الإسلامية، فقد شارك في المؤتمر وفود عن مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والمغرب والهند والصين ويوغسلافيا وبلاد المهجر بأمريكا.

وقد عقد المؤتمر بسراي آل لطف بالقاهرة، وقد فاجأ محمد علي علوبة رئيس "اللجنة البرلمانية المصرية للدفاع عن فلسطين" المؤتمر بالإعلان عن ترأس محمد بهي الدين بركات رئيس مجلس النواب المصري للمؤتمر، يعاونه مولود مخلص رئيس مجلس نواب العراق، وفارس الخوري رئيس مجلس النواب السوري، وهو الأمر الذي أضفى على المؤتمر صفة شبه رسمية.

وقد أعلن المؤتمر عدة قرارات أهمها:-

1- اعتبار تصريح بلفور باطلا ولا قيمة له.

2- منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

3- رفض تقسيم فلسطين.

4- إصدار عفو شامل عن المعتقلين السياسيين.(61)

وبعد هذا المؤتمر أول مؤتمر عالمي يعقد من أجل فلسطين، كما استمد هذا المؤتمر أهميته من مشاركة مندوبين عن المسلمين في بعض البلاد غير الإسلامية، كما صبغ القضية الفلسطينية بالصبغة الإسلامية(62).

وقد رحب الإخوان بأعضاء الوفود، وتوجهت مجموعات منهم إلى محطة السكة الحديد بالإسكندرية لتحية الضيوف قبل توجههم إلى القاهرة، كما أعلن الإخوان تأييدهم للمؤتمر، وأرسلت بعض الشعب برقيات تأييد وترحيب بالمؤتمر.(63) كما أقام الإخوان احتفالا بالمركز العام بالعتبة لتكريم أعضاء الوفود العربية التي حضرت المؤتمر البرلماني خطب فيه حسن البنا (64).

المحور السياسي:

اهتم الإخوان بمتابعة تطورات الثورة الفلسطينية، وتوثيق صلتهم بالمجاهدين والزعماء الفلسطينيين، ومخاطبة الحكومات المصرية للعمل على نشر الوعي بالقضية، ولفت اهتمامهم إليها، كما لجأ الإخوان إلى مخاطبة السفير البريطاني في مصر للتنديد بالموقف البريطاني الممالئ لليهود في فلسطين، وكذلك مخاطبة الزعماء في العالم العربي والإسلامي تستحثهم لنصرة القضية الفلسطينية، كما لجأت إلى تسيير المظاهرات للضغط على الحكومات المصرية، وإيجاد رأي عام في مصر مؤيد للفلسطينيين.

ومن الواضح تداخل الناحية السياسية والإعلامية في النشاط الذي قام به الإخوان لنصرة القضية الفلسطينية، وصعوبة الفصل بينهم.

فبعد اندلاع الثورة الفلسطينية أرسل حسن البنا برقية في مايو 1936 إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين أعرب فيها عن تأييده للقضية الفلسطينية، ورد عوني عبد الهادي سكرتير عام اللجنة العربية العليا بإرسال رسالة إلى حسن البنا أعرب فيها عن تقدير اللجنة العربية لموقفه تجاه القضية الفلسطينية.

كما أرسل مفتي القدس رسالة إلى الإخوان أعرب فيها عن شكره للجهود المشكورة التي يقوم بها الإخوان لمناصرة فلسطين(65).

كما كان يتردد على المركز العام للإخوان المسلمين مفتي القدس، والكثير من الفلسطينيين القادمين إلى القاهرة أو المقيمين بها، والذين كانوا يجدون من الإخوان كل دعم وتأييد للقضية الفلسطينية، ويذكر محمد صبري عابدين أمين سر الهيئة العربية العليا إنه على أثر الثورة زار مصر وتعرف على الشيخ حسن البنا ، الذي أكد له أن قضية فلسطين هي قضية المسلمين والعرب أجمعين ويجب عليهم أن يقاوموا بكل قوتهم، عدوان الانجليز واليهود(66).

وبمناسبة وعد بلفور، أرسل الإخوان رسالة إلى السفير البريطاني في 2 نوفمبر 1937، ويبدو أن هذه الرسالة تعتبر أول مكاتبة بين مكتب الإرشاد العام للإخوان والسفارة البريطانية بالقاهرة.

وقد تضمنت الرسالة تذكير بريطانيا بوقوف العرب إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى اعتمادا على وعود بريطانيا للعرب بالاستقلال، ولكن بريطانيا أصدرت وعد بلفور بالمخالفة لهذه الوعود، ثم أقدمت بريطانيا على مشروع تقسيم فلسطين، وهو ما يعني القضاء على حقوق العرب كلها "ولن يخطر ببال عربي واحد أن يفكر فيه فضلا عن أن يقبله" ، ثم أقدمت بريطانيا على اتخاذ إجراءات قاسية ضد العرب "وأمام هذا يرى الإخوان المسلمون أنهم مضطرون إلى أن يسجلوا احتجاجهم الصارخ على هذه السياسة الجائرة".

وطالب حسن البنا في رسالته إلى الحكومة البريطانية بإطلاق سراح المسجونين، وإعادة الزعماء المنفيين، وعودة المجلس الإسلامي الأعلى بكل حقوقه وسلطته، وأكد على المطالب الفلسطينية العادلة المتمثلة في وقف الهجرة والاستقلال التام على أساس يضمن حقوق العرب، ويعامل فيه اليهود معاملة الأقليات في جميع البلدان.

ويؤكد حسن البنا في ختام رسالته أن فلسطين قضية كل مسلم، ويحذر من أنه "لابد من الانفجار يوما للشعور المكبوت فتخسر إنكلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد" (67) .

وعندما تعدل بريطانيا عن مشروع التقسيم، وتدعو إلى عقد مؤتمر لند، يعرب الإخوان عن رفضهم دعوة اليهود إليه لأنهم ليسوا طرفا في القضية، ولكنهم نزلاء مغتصبون، وأن المشكلة بين العرب أصحاب فلسطين والانجليز، وأن دعوة اليهود والقبول بذلك قد يعني قبول العرب بوجود حق لليهود، كما أبدى الإخوان اندهاشهم من محاولة بريطانيا إبعاد مفتي القدس من حضور المؤتمر، وطالبت بدعوة المفتي وأعضاء اللجنة العربية العليا، كما حذر الإخوان مندوبي الحكومات العربية التي دعتهم بريطانيا للمؤتمر من الوقوع في أحابيل السياسة الانجليزية، ومجاملة بريطانيا على أساس جزء كريم من أرض الوطن والإسلام.

ويرسل الإخوان مذكرة إلى السفير البريطاني بشأن مؤتمر لندن ودعوة المفتي، انتقدوا فيها إعلان وزير المستعمرات البريطاني عدم دعوة المفتي لحضور المؤتمر، وطالبوا بعدم توليه أعمال مؤتمر فلسطين نظرا لمواقفه المتحيزة للصهيونية، كما أعلنوا أن عرب فلسطين سطروا جدارتهم للحرية الكاملة لا بحقوقهم المشروعة فحسب، ولكن بدماء زكية أراقها شهداؤهم، وأوضحت المذكرة أن "الإخوان المسلمون يقفون في المحنة القاسية التي تجتازها فلسطين إلى جانب إخوانهم عرب القطر المجاهد، فإن أنصفتهم الحكومة البريطانية فذاك وإلا فسيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين عربيا وإسلاميا حتى يرث الله الأرض ومن عليها...."(68).

ويرسل الإخوان المسلمون مذكرة إلى وزير فرنسا المفوض بالقاهرة تتضمن شكر الإخوان على المعاملة الحسنة لمفتي القدس التي لقيها من ممثل الحكومة الفرنسية بلبنان، ويطلبون عدم وضع قيود على حريته في التنقل والحركة والعمل(69).

وتناشد جماعة الإخوان الحكومات المصرية المختلفة التدخل والعمل من أجل القضية الفلسطينية فيرسل الإخوان في ذكرى وعد بلفور في 2 نوفمبر 1937، رسالة إلى رئيس الوزراء جاء فيها "العالم العربي ينتظر من حكومة مصر عملا جديا لحل قضية فلسطين وإيقاف الظلم والعدوان الواقع على أهل فلسطين المجاهدين، والمكتب العام للإخوان المسلمين بمناسبة ذكرى وعد بلفور الجائر يرجو أن يكون الوقت قد آن، فاعلموا والله معكم"(70).

وينتقد الإخوان رئيس الوزراء محمد محمود والذي صرح في باريس وهو في طريقه إلى بريطانيا في يوليو 1938 ردا على سؤال لأحد الصحفيين عما سيفعله تجاه تصرفات الانجليز الظالمة في فلسطين" إني رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين".

ويكتب صالح عشماوي "كان تأثير هذا التصريح اشد من القنبلة، إن لفلسطين أبطالا مجاهدين وليس من العدل ولا من الإنصاف أن نجعلهم موضع مقارنة مع أي زعيم ووزير مصري حتى ولو كان رئيس وزراء مصر"(71).

وفي 3 فبراير 1939 يعقد المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، والذي يعد من أهم مؤتمرات الإخوان ، والذي حدد فيه حسن البنا بوضوح موقف الجماعة من كافة الهيئات، كما حدد أهداف ووسائل الإخوان وخصائص دعوتهم، وفي هذا المؤتمر الذي انعقد قبل 4 أيام من افتتاح مؤتمر المائدة المستديرة في لندن أعلن حسن البنا أن فلسطين "دين على انجلترا للمسلمين لا تهدأ ثائرتهم حتى توفيهم فيه حقهم، وانجلترا تعلم ذلك العلم، ذلك ما حداها إلى دعوة ممثلي البلاد الإسلامية إلى مؤتمر لندن، وننتهز هذه الفرصة فنذكرها بأن حقوق العرب لا يمكن أن تنقص، وبأن هذه الأعمال القاسية التي يدأب ممثلوها على ارتكابها في فلسطين ليست مما يساعد على حسن ظن المسلمين بها، وخير لها أن تكف هذه الحملات العدوانية عن الأبرياء والأحرار. وإنا لنبعث لسماحة المفتي الأكبر من فوق هذا المنبر أخلص تحيات الإخوان المسلمين وأطيب تمنياتهم، ولن يضر سماحته، ولن يضر آل الحسين أن تفتش دورهم ويسجن أحرارهم، فذلك مما يزيدهم شرفا إلى شرفهم وفخارا إلى فخارهم، ونذكر الوفود الإسلامية بمكر انجلترا وخداعها وبوجوب القيام بحقوق العرب غير منقوصة"(72).

وكان من ضمن قرارات هذا المؤتمر "تحية المفتي الأكبر والمجاهدين الكرام في فلسطين المباركة وأعضاء اللجنة العربية العليا وفضلاء أعضاء الوفود الإسلامية الأمجاد بمؤتمر لندن مع إرسال برقية لسماحة المفتي بمقره بلبنان، ولسمو رئيس وفد مصر بلندن بالمؤتمر ولوزير خارجية انجلترا بتأييد المطالب العربية بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين"(73).

وعندما توجه علي ماهر ومعه عبد الرحمن عزام إلى مؤتمر فلسطين بلندن، ودعهما الإخوان "أحر وداع" ، كما ذهب وفد من الإخوان على رأسه أحمد السكري إلى المحطة لاستقباله، حيث هتف بحياته، وأمر الإخوان أن يهتفوا بحياته، وهو الأمر الذي أثار انقسام بين الإخوان ، فهتف بعضهم، وامتنع الآخرون، وقدموا احتجاجاً إلى حسن البنا ذكروا فيه أن الإخوان ليسوا هتافين، وقد احتوى حسن البنا الموقف، واعتبر أنها تحية المسافر "وأننا لا نحيي شخصا ولكن نحيي عمله لفلسطين، فاحتسبوا عند الله في سبيل فلسطين العربية"(74).

وعندما تصدر بريطانيا الكتاب الأبيض، يسارع حسن البنا بإرسال خطاب إلى رئيس الوزراء في 21 مايو 1939 ، يستنكر فيه ذلك الكتاب الذي أطلق عليه "الكتاب المشئوم"، واستنكر الإهانة القاسية لزعماء المسلمين بصدور هذا الكتاب "ولقد كان للحكومة من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب "وأوضح أن الإخوان وقفوا موقف المساعدة للثورة الفلسطينية، وكان الأمل أن تصل الحكومات العربية إلى حل للقضية يحقق أمال العرب "ولقد كنا متوقعين برغم ذلك طوال تلك الفترة العصيبة أن الانجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم، ولكن تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتى لا يكون لأحد حجة علينا أن اضطرتنا الحوادث فيما بعد أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا "ويطالب بأن يبذل كل مسلم ما وهبه الله من روح ومال حتى يكون جديرا بالاسم الذي يحمله بعد أن جاهر الانجليز واليهود في كل أنحاء العالم المسلمين بالعداء، كما أنه "من الواجب على الحكومة المصرية وقد لحقت بها هذه الإهانة البالغة أن تحافظ على كرامتها- وكرامتها من كرامة الشعب- وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصي أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتى لا تتعاون مع الانجليز في الوقت الذي تلعب فيه السياسة الانجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز "كما أرسل حسن البنا خطابا إلى السفير البريطاني في مصر يندد بالسياسية الانجليزية في فلسطين، ويشجب الكتاب الأبيض، ويعلن الثورة الإسلامية على تصرفات الانجليز(75)*.

ويستمر الإخوان في حث الحكومات المصرية على العمل من أجل القضية الفلسطينية فيرسل حسن البنا مذكرة إلى رئيس الوزراء علي ماهر في أكتوبر 1939 ، بعد إعلان الحرب العالمية الثانية، يوضح فيها رأي الإخوان في موقف مصر الدولي، والإصلاح الداخلي، وذكر فيها "وفلسطين يا رفعة الرئيس لن ينسى المسلمون في مصر وغير مصر آلامها وأملها وحقوقها، ولقد سبق إليكم فضل التطوع في خدمة قضيتها. والظروف الحالية فيما نعتقد ملائمة لإعادة الكرة من جديد، وليس على الحليفة (بريطانيا) من ضير أن تريح ضمائر حلفائها بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في فلسطين والسماح بالعودة للمهاجرين والاعتراف لهذا الوطن العربي الباسل الكريم بكامل حقوقه غير منقوصة(76).

وعندما تقرر الحكومة تقديم إعانة لمنكوبي فلسطين يكتب حسن البنا رسالة إلى – رئيس الوزراء علي ماهر يشكر الحكومة "أن تنبهت لهذا الواجب الذي تأخر به الزمن لديها كثيرا" ويطالب بإسراع الحكومة بإرسال المعونات التي خصصتها لأسر المجاهدين، وبقبول أبناء الأسر الفلسطينية في المدارس والمعاهد المصرية بالمجان" متى ثبت أن عائليهم قد استشهدوا في سبيل الله والوطن الإسلامي المحبوب".

ويلفت حسن البنا نظر الحكومة إلى أمرين:-

1- ضمان وصول الإعانات إلى المستحقين من أبناء المجاهدين، وأن يكون ذلك التوزيع بمعرفة الهيئات العربية الصميمة كاللجنة العربية العليا.

2- إن المسعى الإنساني المشكور ليس هو كل شئ في القضية، فالمسعى السياسي لحل قضية فلسطين أهم بكثير من هذا المسعى الإنساني مع أهميته.

ويرى حسن البنا أن الظروف الحالية - ويعني بها اشتعال الحرب العالمية الثانية - هي أنسب الظروف لإعادة النظر في القضية الفلسطينية "وليس عليكم يا رفعة الرئيس إلا أن تكاشفوا الساسة البريطانيين بوضوح وجلاء بحقيقة الموقف وتطلبوا إليهم حل القضية الفلسطينية على هذه القواعد.

ويحدد أسس الحل في النقط الآتية:-

1- إيقاف الهجرة اليهودية سواء كانت قانونية أو غير قانونية.

2- إصدار عفو شامل عن كل المعتقلين والمبعدين والمهاجرين، والسماح بالعودة للمهاجرين وعلى رأسهم مفتي فلسطين.

3- إظهار عطف الحكومة الفلسطينية (حكومة الانتداب) على أسر المهاجرين بمنحهم الإعانات والتسهيلات على ما فقدوه من أرواح وأموال.

4- اعتراف الحكومة البريطانية باستقلال فلسطين عربية مسلمة والتعاقد معها تعاقداً شريفاً على نحو ما حدث في مصر والعراق(77)*.

ومن الملاحظ أن رسائل حسن البنا إلى علي ماهر عن القضية الفلسطينية جاءت بعد انتهاء الثورة واندلاع الحرب العالمية الثانية التي كان من الطبيعي أن تلفت الانتباه والأنظار إليها، ولكن حسن البنا كان يرى ضرورة استغلال هذه الفرصة لحل القضية الفلسطينية، ومع تأكيده على أهمية الجهود الإنسانية لمساعدة المجاهدين الفلسطينية وأسرهم، وكذلك معالجة الآثار السلبية التي ترتبت على الثورة من اعتقال وإبعاد، إلا أنه أكد على أهمية السعي السياسي لحل القضية حلا عادلا يحقق المطالب العربية وعلى رأسها استقلال فلسطين عربية مسلمة.

وفي الوقت الذي كان حسن البنا يرسل المذكرات والرسائل سواء احتجاجا على السياسة البريطانية أو مواقف الحكومات المصرية، أو لرفع مطالب، وتقديم مقترحات الإخوان لحل القضية، فإنه في ذات الوقت كان حريصا على استغلال أي مناسبة لمخاطبة زعماء العالم الإسلامي للتأكيد على التضامن الإسلامي الشامل لحل القضية، ومن ذلك المذكرة التي قدمها حسن البنا إلى رئيس وزراء إيران أثناء زيارته لمصر(78)*.

تنظيم المظاهرات العامة:

لجأ الإخوان إلى تنظيم المظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية، والتي كانت تهدف إلى التوعية بهذه القضية، ولفت أنظار الشعب إليها، كما كان لها جانبها السياسي في تحقيق نوع من الضغط على الحكومات لاتخاذ موقف إيجابي من قضية فلسطين. وقد نظم الإخوان في 19 أكتوبر عام 1937، مظاهرات في أنحاء القطر المصري اعتراضا على مشروع التقسيم، وقد انطلقت المظاهرات في القاهرة من الجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة مباشرة، حيث توجهت المظاهرة إلى قصر عابدين لتقديم احتجاج إلى الملك باسم الإخوان على السياسة البريطانية، وقد تمكن المتظاهرون من الوصول إلى قصر عابدين وتقديم الاحتجاج رغم محاولة البوليس تفريق المظاهرة(79)*.

كما نظم الإخوان مظاهرات عامة صاخبة في ذكرى وعد بلفور شملت جميع شعب الإخوان في مصر، وقد انطلقت في يوم واحد، وقد ردد المتظاهرون خلالها هتافات موحدة، وقد كانت هذه المظاهرات دليلا على تصاعد قوة الإخوان ، كما لفتت انتباه الانجليز وأثارت غضب الحكومة التي أمرت بإلقاء القبض على مدبريها، وتعتبر هذه المظاهرات أول تنبيه لأذهان الشعب المصري في القرى والمدن نحو قضية فلسطين، بعد أن كان التنبيه مقتصرا على القاهرة، كما أنها أول مظاهرة تقام في أقاليم مصر بوجه عام منذ مظاهرات 1919.

وكان من هتافات المتظاهرين (فلسطين عربية إسلامية) (شلت أيدي غاصبيك يا قدس) (تسقط بريطانيا حليفة اليهود ويسقط وعد بلفور) (الدمار لأعداء الإسلام)، كما قام المتظاهرون برشيد بكتابة عبارة (فلسطين تحترق فتنبهوا أيها المسلمون) على الحوائط والأماكن البارزة في المدينة، وقد القي القبض على حوالي عشرة من شباب الإخوان ما بين الطالب والصياد والعامل، وقد أكدوا في التحقيقات على عروبة وإسلامية القضية الفلسطينية- وقد سبق الإشارة إلى هذه التحقيقات في الفصل الأول- وقد تكرر الأمر في البلاد الأخرى حيث ألقي القبض على كثير من الإخوان في القاهرة والأقاليم، وقد ذهب حسن البنا لزيارة الإخوان المقبوض عليهم في قسم شرطة دمنهور، حيث شكر مأمور القسم على حسن معاملة للإخوان (80)*.

ويبدو أن هذه المظاهرات كانت الأشمل والأقوى والأكثر انتشارا في الأقاليم، ولذلك أكد عليها محمود عبد الحليم مع أن مظاهرة 9 أكتوبر 1937 أيضا عمت أنحاء القطر المصري أو بمعنى أدق المناطق التي يوجد بها شعب للإخوان كما ذكرت صحيفة الإخوان المسلمين.

وقد اكتسبت هذه المظاهرات أهميتها من أنها أول مظاهرات تقام في أقاليم مصر بوجه عام منذ ثورة 1919، وهو أمر له دلالته فمنذ ثورة 1919 لم تحدث مثل هذه المظاهرات العامة ضد الانجليز حتى قيام هذه المظاهرات كما أن قضية فلسطين لم تكن على أجندة الأحزاب السياسية في تلك الفترة، والتي كان تركيزها على قضية الاستقلال ووحدة وادي النيل، فكانت هذه المظاهرات بداية لوضع القضية الفلسطينية على قائمة المطالب الوطنية، وهو الأمر الذي كان يتعارض مع فكرة القومية المصرية الذي كانت تتبناه الأحزاب السياسية وعلى رأسها حزب الوفد كما كانت هذه المظاهرات تدعيماً للفكرة العربية التي بدأت تأخذ طريقها إلى هذه الأحزاب حتى تبلورت رسمياً مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولم تقتصر المظاهرات التي قام بها الإخوان على هذه المظاهرات الكبرى فيذكر عباس السيسي قيام طلبة مدرسته بالإسكندرية بمظاهرة في ذكرى وعد بلفور دون أن يحدد العام وقد سبق الإشارة إليها كما تحدثت مجلة النذير في عددها في 21 ربيع الثاني 1357، يوليو 1938 عن مظاهرات لمساندة ثورة فلسطين، وكان من هتافات هذه المظاهرات، (عاشت فلسطين العربية- النصر لفلسطين والموت للصهاينة- فلسطين العربية لن تتجزأ- دماء الشباب فداء العروبة)(81).

المحور المالي:

اهتم الإخوان بجمع التبرعات لمساندة الثورة الفلسطينية، وقد سبق الحديث عن إرسال أعضاء الإخوان إلى المساجد للحديث عن القضية الفلسطينية، وجمع التبرعات في صندوق كان يحمله أحد الإخوان .

كما طالب الإخوان من خلال اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين والتي كان يرأسها حسن البنا من الأمير عمر طوسون، ومن الأنبا يؤنس بطريرك الأقباط توجيه الأموال المتبقية من لجنة مساعدة الحبشة إلى فلسطين.

وقد استجابت شُعب الإخوان إلى نداء اللجنة المركزية، والنداءات التي كان يصدرها الإخوان للعرب والمسلمين بالتبرع لدعم الثورة الفلسطينية، ويتضح ذلك من قيام الإخوان في الإسماعيلية بجمع التبرعات، وكذلك في المنصورة حيث قرروا توزيع طوابع على الأهالي لمساعدة فلسطين وإرسالها إلى اللجنة المركزية بالقاهرة (82).

كما طرح الإخوان مشروع "قرش فلسطين" وفي أوائل سبتمبر عام 1938 قرروا تنظيم أسبوع خاص بفلسطين ابتداء من ليلة الإسراء 22 سبتمبر 1938 على أن يوزع فيه قرش فلسطين، كما قرروا إصدار نداء إلى المسلمين بالتبرع في هذا الأسبوع من مالهم كي يكون ذلك رمزاً لتضافر مصر وتعاونها مع مجاهدي فلسطين، كما تعاونت جماعة الإخوان مع الهيئات الإسلامية الأخرى في يناير 1939 وأصدروا طابع قرش فلسطين، وتكونت منهم هيئة عرفت باسم "جمعية القرش لإعانة منكوبي فلسطين"(83).

وقد حث الإخوان الشعب على التبرع لفلسطين "ولقد أقام الإخوان المسلمون لفلسطين في مصر أسبوعاً يطوف فيه المتطوعون من جنودهم على الناس فيقولون حرام أن تشبعوا ويموت إخوانكم في فلسطين قتلا وجوعا يقطعون فيه عواصم القطر ومدنه وقراه طولا وعرض ويقولون لقد جاءت ليلة الإسراء ودنت ساعة الفداء وجرت أنهار الدماء فمن ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا .... على أيديهم (شارة) نصفها اسود يقول يا فلسطين صبرا ولك العزاء، ونصفها احمر يقول يا مصر نهوضا فقد جرت في فلسطين أنهار الدماء "يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"(84).

وطالب حسن البنا الإخوان ببذل جهودهم في توزيع "القرش الموحد" الذي اتفقت عليه الهيئات الإسلامية، والذي حل محل كل الطوابع المختلفة لكل الهيئات كما طالبهم بتصفية ما قد يكون موجودا لديهم من حساب الطوابع القديمة، وإعادتها إلى مكتب الإرشاد لإعدامها (85)*.

ولكن يبدو مع كل هذه المجهودات فإن حصيلة التبرعات لم تكن كبيرة فرغم كل الجهود التي بذلها الإخوان في رشيد والبلاد المجاورة لها، ومقابلة العمد والأعيان لتوزيع طوابع التبرع فإن المبلغ الذي تم جمعه في حدود أسبوع لم يزد عن خمسين جنيها (86)*.

وفي الوقت التي انهالت فيه التبرعات على اليهود في فلسطين من يهود مصر وبلاد العالم، لم تزد التبرعات التي استطاعت اللجنة العليا التي شكلت في القاهرة لإغاثة منكوبي فلسطين جمعها عن بضعة آلاف من الجنيهات، واقتصر التبرع على عدد قليل من الأفراد، ولم يجد كبار القوم من أصحاب الثروات والألقاب الضخمة مانعا من أن يتبرع أحدهم بمبلغ صغير لا يزيد عن عشرة أو العشرين جنيها(87).

ويذكر محمود عبد الحليم أن جمع المال لم يكن مقصودا لذاته بل كان وسيلة للتعبير عن المشاركة الوجدانية، ولقياس مدى تأثر الناس بما سمعوه عن القضية الفلسطينية وما يجري في فلسطين، وأن المجاهدين الفلسطينيين كانوا في غير حاجة إلى هذه التبرعات، وأن الأغنياء من أهل فلسطين كانوا يساندون المجاهدين بالأموال، كما يذكر أن المبالغ التي كانت تجمع لم تكن ترسل إلى المجاهدين بل تصرف في شئون الدعاية للقضية، وأن اللجنة العربية العليا كانت ترسل أموالا لإضافتها إلى ما تم جمعه للإنفاق على الدعاية، والتي كانت اللجنة تعتبرها لا تقل أهمية عن الجهاد المسلح في فلسطين "وإلا لما كان للإخوان وهم لا زالوا في مهدهم أن ينهضوا بمهام الدعاية المجلجلة التي أقضت مضجع الإمبراطورية البريطانية والتي تحتاج إلى إنفاق واسع النطاق"(88)*.

وما ذكره محمود عبد الحليم فيما يخص الغاية من جمع التبرعات يمكن تقبله في نطاق الحملة الإعلامية التي قام بها الإخوان للتبرع بالقضية، أما بخصوص عدم إرسال أموال إلى فلسطين فما ذكره محل نظر حيث يوجد دلائل لا شك فيها عن إرسال الإخوان لمبالغ مالية إلى فلسطين من جملة التبرعات التي جمعوها، وقد أكدت على ذلك جماعة شباب محمد، والتي تكونت من بعض شباب الإخوان الذي خرج على الجماعة، وكان من ضمن مأخذهم على الجماعة أنه تم خلال عام أو أكثر جمع مبلغ 570 جنيها مصريا لمساعدة فلسطين في محنتها، وإنه لم يصل من المبلغ سوى 465 جنيه فقط وأن باقي المبلغ أنفق جزءاً كبيراً منه في شؤون الجماعة الخاصة وقد رد حسن البنا على هذا الاتهام بأن أعمال الدعاية لقضية فلسطين وجمع هذه المبالغ وصلت إلى أكثر من 124 جنيه ما بين مطبوعات وبرقيات وسفر مندوبين وشارات إلى غير ذلك من أعمال الدعاية(89)*.

ويتضح مما ساقته جماعة شباب محمد، ومن رد حسن البنا أن أموال التبرعات كانت ترسل إلى فلسطين، وهو ما أكد عليه الطرفان، وأن الخلاف ينحصر في جزء من المبلغ ترى جماعة شباب محمد أنه صرف في شئون الجماعة ولم يرسل إلى فلسطين، بينما نفي حسن البنا ذلك، وأكد أن المبلغ الذي لم يرسل قد تم صرف أكثر منه من أموال الجماعة لعمل الدعاية للقضية ولجمع التبرعات.

وهناك بعض المصادر التي تعرضت للخلاف بين جماعة شباب محمد والإخوان المسلمين، وما يعنينا في هذا البحث ما يخص مسألة أموال فلسطين التي أثارتها جماعة شباب محمد كأحد أوجه الخلاف الذي أدرجته ضمن مآخذها على الإخوان وذكرته تحت بند "التلاعب المالي" وقد ذكر ريتشارد ميتشل أن معظم أعضاء جماعة الإخوان قد قبل وجهة نظر البنا بأن إنفاق بعض أموال فلسطين على شعب الجماعة في مصر يجعل الجماعة أكثر فعالية، وأن ذلك لا يلحق الضرر بالفلسطينيين بل يساعدهم بطريقة أخرى، بينما يذكر Thomas mayr أن جزء من أموال فلسطين استخدمت في نمو الجماعة، أما ذكريا سليمان فقد أورد ما ذكرته جماعة شباب محمد كما أورد ما ذكره ميتشل بهذا الصدد(90).

ومن الملاحظ أن هذه الآراء قد استندت على ما ذكرته جماعة شباب محمد، وتجاهلت رد حسن البنا على ما أثارته، وقد سبق الإشارة إلى رد حسن البنا عليهم في هذه النقطة وبأن هذا المبلغ وأكثر منه صرف على الدعاية للقضية الفلسطينية، والذي نفي وجود تلاعب فيما يجمع من أموال "وإذا كان كل ما جمع معروفاً بالمليم وكل وما صرف كذلك بدليل ما أوردتم من أرقام فأين التلاعب المزعوم؟".

ولم يذكر ميتشل المصدر الذي استند إليه فيما أورد - إلا إذا اعتبر أن اقتطاع تكلفة الدعاية لفلسطين التي قام بها الإخوان من الأموال التي تم جمعها يعتبر إنفاق على شؤون الجماعة- عن وجهة نظر البنا في صرف جزء من أموال فلسطين على شعب الجماعة، بل إن رد حسن البنا لا يحمل هذا المعني الذي أورده، ومن المهم الإشارة إلى أن رد حسن البنا على ما ذكرته جماعة شباب محمد قد صدر في نشرة خاصة، وذلك لعدم وجود أي صحيفة للإخوان في ذلك الوقت، بعد أن خرج صاحب ترخيص مجلة النذير عن الجماعة، التي أصبحت لسان حال جماعة شباب محمد، وقد أورد عباس السيسي رد حسن البنا على ما أثارته جماعة شباب محمد، في كتابه عن حسن البنا وقد كان يمكن التماس العذر بعدم الاطلاع على رد حسن البنا بالنسبة لما ذكره ذكريا سليمان، ولكن بالرغم من عدم نشر هذا الرد، فإن جماعة شباب محمد قد وصلتها النشرة التي تحمل رد حسن البنا على ما أثارته وقامت بالرد عليه في مجلة لنذير، تحت عنوان "تشويه الحقائق في بيان الإخوان المسلمون" وقد حوي الرد الذي أوردته جماعة شباب محمد ما ذكره حسن البنا في الرد على ما أثارته من قبل، ومنها ما يتعلق بفلسطين، وقد استعان ذكريا سليمان في بحثه برد جماعة شباب محمد على حسن البنا كما هو وارد بهوامش الكتاب، وهو ما يعني علمه بما ذكره حسن البنا ردا على اتهام جماعة شباب محمد بخصوص أموال فلسطين، والذي يتعارض مع ما نقله عن ميتشل، ومع ذلك تجاهل عرض وجهة نظر حسن البنا كما أن الجماعة في هذا العام التي أثيرت فيه هذه القضية 1939 كانت بلغت قدراً كبيراً من الانتشار، وكان لها مئات الشعب، كما أنها لم تكن تعاني من أزمات مالية، بل إن أعضاء الجماعة قد برهنوا في مواقف متعددة على حماس كبير، في التبرع بمبالغ كبيرة للجماعة(91).

ولعل ما ذكره محمود عبد الحليم عن الهدف من جمع التبرعات، وأنها لم تكن ترسل إلى فلسطين وأنها كانت توجه لأعمال الدعاية للقضية الفلسطينية- بالرغم من تأكد إرسال جزء كبير من المال إلى فلسطين - يؤكد ما ذكره حسن البنا من توجيه جزء كبير من المبلغ للصرف على أعمال الدعاية لفلسطين، وربما- وهذا مجرد ظن- أن يكون ما ذكره محمود عبد الحليم في مرحلة مبكرة لثورة فلسطين وكانت جماعة شباب محمد في ردها على بيان حسن البنا ردا على ما أثارته من اتهامات قد أكدت على أن حسن البنا قد صرف من أموال التبرعات الخاصة بفلسطين على شؤون جماعة الإخوان المسلمين، وأن الأموال التي صرفت على الدعاية أقل مما ذكر وأنها صرفت من أموال فلسطين، وليست من أموال الجماعة كما ذكر حسن البنا (92).

وقد كان بيان جماعة شباب محمد هو البيان الأخير في هذا الصدد، ولا يوجد ما يشير إلى إصدار الإخوان بيان آخر بهذا الخصوص، ولم تقدم جماعة شباب محمد دليلا على صدق أقوالها بخصوص أموال فلسطين بالرغم من التفصيلات والأسماء التي أوردتها كشهود على ما ذكرته ولا يوجد أي مصدر خارج نطاق جماعة محمد أكد ما ذكروه من تفصيلات، أو تقدم أياً من الأسماء التي ذكروها لتأكيد ما ذكروه ويبدو من استقراء تاريخ جماعة الإخوان ، وما قدمته للقضية الفلسطينية وضآلة المبلغ محل الخلاف- مع ملاحظة أن الأرقام التي استندت إليها جماعة شباب محمد هي الأرقام التي أوردها حسن البنا نفسه - وما ذكره محمود عبد الحليم أن ما أورده حسن البنا في رده هو الأقرب للصحة.

المحور العسكري:

بالرغم من أن الناحية الإعلامية كانت محور عمل الجماعة من أجل القضية الفلسطينية، في تلك الفترة فإن جماعة الإخوان لم تهمل تقديم المساعدة العسكرية للثورة الفلسطينية في حدود إمكانيات الجماعة في تلك الفترة.

ومن المهم الإشارة إلى مشاركة العديد من المتطوعين من البلاد العربية في القتال إلى جانب الفلسطينيين، فقد تطوع الكثير من شباب العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن في صفوف المجاهدين، واستشهد عدد منهم على ثرى فلسطين(93).

والملاحظ أن معظم الكتابات الفلسطينية التي تحدثت عن المتطوعين من البلاد العربية، وبعض أسماء قادة المتطوعين لم تشر إلى وجود متطوعين من مصر، وربما يبدو ذلك طبيعيا نظرا لأن الموقف المصري على المستوى الرسمي لم يتجاوز حدود التعاطف أما على المستوى الشعبي فقد توجهت الجهود نحو الناحية الإعلامية وجمع التبرعات، وقد كان الموقف المصري سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الحكومي الذي أخذ بالتدريج يتبني القضية الفلسطينية موضع تقدير الفلسطينيين بالنظرة إلى الموقف السلبي للحكومة المصرية قبل اندلاع الثورة الفلسطينية، ولكن مع ذلك فيبدو أنه كانت هناك مشاركة من الإخوان في المجال العسكري سواء على مستوى المتطوعين أو تقديم الأسلحة والذخائر ففي مجال الأسلحة والذخائر فقد أكدت الوثائق البريطانية أن الإخوان المسلمين "أرسلوا التبرعات المالية والأسلحة للثورة الفلسطينية وصنعوا لهم القنابل اليدوية وقاموا بالدعاية للثورة، واتضح أن معظم المنشورات التي ظهرت في الأسواق عن فلسطين كتبها الإخوان المسلمين(94).

أما على مستوى المتطوعين فمن الملاحظ عدم وجود أسماء محددة لإخوان شاركوا في القتال إلى جانب فلسطين في ثورة 1936، ولا تشير المذكرات وكتب الإخوان التي بين يدي إلى أسماء محددة لمن شاركوا في القتال أو استشهدوا فيه بالرغم من حديث بعض المصادر عن مشاركة متطوعين من الإخوان في الثورة.

والوحيد الذي ذكر اسما لأحد المتطوعين هو الباقوري الذي تحدث عن "مسارعة بعض الشباب إلى مشاركة المجاهدين في فلسطين مع أخ لهم لا يعرف كثير من الناس أنه من طلائع دعوة الإخوان المسلمين هو الشهيد عز الدين القسام وكان من الإخوان الذين لا يشق لهم غبار فقد قتل تحت لوائه في فلسطين شاب مصري من خيرة شباب الإخوان وهو الأخ أحمد رفعت" (95)*.

ويذكر مصدر أخر أن حسن البنا أرسل مجموعة من شباب الإخوان مع المجاهد محمود عبده للمساهمة في تدريب عصبة القسام، ولما قامت ثورة 1936، أخذ الإخوان يمدون المجاهدين بما يقع في أيديهم من مال وسلاح، كما نجح عدد من شبابهم في التسلل إلى فلسطين والاشتراك مع الثوار في الجهاد خاصة في مناطق الشمال حيث عملوا مع جماعة المجاهد الشيخ عز الدين القسام، ويذكر نقلا عن الشيخ عبد المعز عبد الستار وهو أحد قادة الجماعة- وكان له دور في فتح شعب الإخوان في فلسطين كما سنرى- "كان الإخوان يجمعون السلاح للمجاهدين في فلسطين ويقدمون لهم الخبراء لإصلاح السلاح وكان الشهيد يوسف طلعت يقوم بمهمة توصيل الأسلحة إلى الثورة، وكثيرا ما كان يقوم بتهريبها بنفسه عن طريق الإسماعيلية وسيناء ويعرض نفسه للمخاطر من أجل هذا العمل الشريف"(96).

ويذكر كامل الشريف - الذي تولى قيادة الإخوان في حرب 1948، أن عددا من شباب الإخوان قد شارك مع الثوار بعد ثورة 1936، وأنهم عملوا مع المجاهد العربي الكبير الشيخ عز الدين القسام(97). كما تحدث مصادر أخرى عن مشاركة متطوعي الإخوان في الثورة(98) وتشير هذه المصادر إلى ثلاثة أمور:

1- إمداد الإخوان للمجاهدين الفلسطينيين بالسلاح، وقد أكدت الوثائق البريطانية ذلك، وحددت المصادر الإخوانية اسم الذي كان يتولى عملية تهريب السلاح وهو يوسف طلعت.

2- نجاح عدد من الإخوان في التسلل إلى فلسطين، والقتال مع جماعة الشهيد عز الدين القسام، وإن كامل الشريف قد ذكر أنهم عملوا معه بعد قيام ثورة 1936، وهذا غير دقيق من الناحية التاريخية حيث استشهد عز الدين القسام في نوفمبر 1935، والأرجح أنه كان يعني إنهم عملوا مع تنظيم القساميين الذي أسسه عز الدين القسام قبل استشهاده، والذي كان له دور كبير في العمليات العسكرية للثورة الفلسطينية 36- 1939 وقد تحدثت بعض كتب ومذكرات الإخوان عن مشاركة شباب الإخوان في الجهاد مع الشيخ عز الدين القسام، وفي الأرجح أنهم نقلوا ذلك عن كامل شريف، وإن كانوا قد ذكروا التاريخ الصحيح لثورة القسام وهو 1935(99).

بل إن أحد هذه الكتب تذكر أن أول شهيد على أرض فلسطين كان من إخوان مصر(100).

3- علاقة عز الدين القسام بالإخوان ، إلى جانب ما ذكرته بعض المصادر الإخوانية عن مشاركة الإخوان في الجهاد مع القسام، نجد الباقوري يذكر أن القسام كان من "طلائع دعوة الإخوان المسلمين"، ويذكر حسني أدهم جرار أن البنا أرسل مجموعة من شباب الإخوان مع المجاهد محمود عبده للمساهمة في تدريب عصبة القسام، ومن الواضح أنه يعني أن ذلك التدريب كان في حياة القسام لأنه تحدث بعد ذلك مباشرة عن مشاركة عدد من شباب الإخوان في القتال مع جماعة القسام عندما قامت ثورة 1936.

ولم يشير جرار إلى المصدر الذي استقى منه ما يخص تدريب الإخوان لعصبة القسام، ومن المحتمل أن يكون ذلك نقلا عن أحد الإخوان حيث أورد بعد ذلك ما ذكره له الشيخ عبد المعز عبد الستار عن جهود الإخوان في مساندة الثورة.

أما عن علاقة الشيخ القسام بالإخوان ، فما ذكره الباقوري من أن القسام كان من طلائع الإخوان فهو قول لا دليل عليه، ولا يوجد ما يثبت اتصال مباشر بين القسام والإخوان ، وحتى عندما زار عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم فلسطين في أغسطس 1935، لم يثبت التقاؤهم بالقسام على عكس ما ذكر أحد المصادر الإخوانية من التقاؤهم بالقادة والزعماء الفلسطينيين وخاصة الشيخ عز الدين القسام(101).

وإذا كان القسام لم يكن منتميا للإخوان إلا أن الشئ المؤكد أن فهمه للإسلام يتطابق مع فهم الإخوان ، وسجل حياته- الذي سبق الإشارة إليه سريعا - يؤكد هذا الفهم والتطابق المشترك حيث مثلت حياته الجهادية العملية صورة مختلفة عن عالم الدين التقليدي الذي تنحصر مهمته في نواحي الشعائر التعبدية وإقامة الفرائض الدينية، وإن كان القسام في مواقفه ورؤيته الإسلامية سابقا على قيام جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

ويرى عوني جدوع العبيدي أن القسام كان على علاقة وثيقة بحركة الإخوان المسلمين ويدلل على ذلك من خلال ثلاثة عوامل (102)

1- علاقة الإخوان الوثيقة بمفتي القدس وعلاقة المفتي الوثيقة بالقسام.

2- التوافق الزمني بين تنظيم القسام، وتنظيم الإخوان 1938- 1935.

3- التشابه بين تركيب التنظيمين الذي لا يمكن أن يكون من قبل الصدفة.

والمتأمل في هذه الدلائل يجد أنها لا تؤيد وجود مثل هذه العلاقة، فعلاقة الإخوان الوثيقة بمفتي القدس، ووجود علاقة بين المفتي وبين القسام- مع أن هناك آراءً، ترى أنه لم يكن هناك تعاون بين المفتي والقسام- لا تعني بطبيعة الحال دليلا على وجود صلة بين الإخوان والقسام، خاصة أن علاقة المفتي بالقسام كانت غير مباشرة بل كان الاتصال يتم بينهم عن طريق طرف ثالث، فليس من المتصور أن تتم مثل هذه العلاقة الوثيقة عن طريق المفتي ثم عن طريق طرف ثالث، فضلا على أن المفتي لم يشر في مذكراته إلى أي صلة من هذا القبيل وكذلك قادة الثورة الفلسطينية وزعمائها سواء المحيطين بالمفتي أو القسام.

أما ما ذكره عن التوافق بين التنظيمين فلا يوجد أي صلة بين توقيت قيام التنظيمين فنشأة الإخوان في مصر وتنظيم القسام في فلسطين كان لكل منها أسبابها الموضوعية كما ارتبطت بظروف كل قطر، وبالنسبة للقسام فمنذ وصوله إلى حيفا في 1920 بدأ الإعداد للثورة التي مرت بعدة مراحل سبق الحديث عنها، فتنظيم القسام بدأ في العشرينات بمرحلة التنبيه والإعداد وانتقل إلى مجال التدريب على السلاح وتشكيل القيادة في عام 1930، وكانت أول عمليات لعصبة القسام في إبريل 1931، واستمرت عملياتهم حتى أواخر 1932، حيث توقفت العمليات، أما حسن البنا فأسس جماعة الإخوان عام 1928 بالإسماعيلية، ثم انتقل المركز العام إلى القاهرة عام 1932، ومن الواضح من هذا الموجز أنه لا يوجد أي صلة تربط نشأة التنظيمين أو وجدود علاقة بين الرجلين..، فجماعة الإخوان في الإسماعيلية كان انتشارها محدودا، ويكاد يتركز في منطقة القناة، ولم يكن لها أي صحيفة، ولم يكن ينظر لها في تلك الفترة سوى أنها جمعية دينية مثلها مثل العديد من الجمعيات، فالتوافق الزمني لا يفيد في إثبات وجود علاقة بين الحركتين، خاصة أن تنظيم القسام كان تنظيما سريا.

أما عن التشابه بين التنظيمين حيث يطلق الإخوان والقساميون اسم "الأسرة" على الحلقة التنظيمية، وكذلك اسم النقيب على الشخص الذي يدير هذه الأسرة، والتشابه في عدد أفراد كل تنظيمين حيث لا يتجاوز في الغالب خمسة أشخاص، وكذلك فإن الإخوان وحركة القسام كانوا يشكلون عدة مجموعات لتنظيم عمل محدد كنشر الدعوة والاتصال بالناس، وكذلك التشابه في إطلاق اسم الكتائب، فإن ذلك لا يقوم دليلا على قيام اتصال مباشر بين البنا والقسام، فضلا عن سرية تنظيم القسام، كما أن بعض التنظيمات المتشابه مثل تشكيل مجموعات عمل أمر يقتضيه أي تنظيم، كما أن نظام الكتائب قام في الإخوان عام 1937، ونظام الأسر 1943، وكان لكل من النظامين أهدافه ووسائله المختلفة، وبصفة عامة فإن تنظيم القسام كان مرتبطا بالقضية الفلسطينية والجهاد ضد الانجليز واليهود، على عكس جماعة الإخوان التي كان لها أهدافها الأوسع والأشمل(103).

لذلك فإن القول بوجود علاقة وثيقة بين القسام والإخوان ، قول لا يقوم على أدلة حقيقية وإن كان هذا لا يمنع من وجود علاقة غير مباشرة خاصة بعد انتقال حسن البنا إلى القاهرة وإصدار صحيفة الإخوان المسلمين التي كانت تصل إلى فلسطين، والتي كانت أهدافها تتفق مع حركة القسام.

ولذلك فالقول بإرسال الإخوان مجوعة لتدريب عصبة القسام من الصعب القبول به لعدم وجود دليل على ذلك، ولأن حركة الإخوان كانت في بدايتها الأولى، ولا يوجد ما يثبت وجود عناصر من الإخوان في تلك الفترة المبكرة من عمر الجماعة يملكون مهارات التدريب العسكري.

أما عن تسلل شباب من الإخوان للعمل مع القسام، وقتالهم معه، فمن المؤكد يقينا أن هذا لم يحدث، حيث لم يتعد عدد الذين كانوا مع القسام في معركته الأخيرة على أرجح الروايات 11 رجلا، وقد أوردت المصادر الفلسطينية أسماؤهم، ولم يكن غرض القسام الاشتباك المباشر مع الانجليز بل الخروج إلى القرى وحثها على الجهاد، وتجميع الرجال والسلاح، لمهاجمة الانجليز، ولكن انكشف خروج القسام واشتبك مع الانجليز واستشهد- كما سبق الإشارة إلى ذلك- ومن هذا يتضح أن ثورة القسام لم تتعد المعركة التي استشهد فيها، ولكن خروج القسام واستشهاده كان له أبعد الأثر في توجهات الحركة الوطنية الفلسطينية، ولذلك لم تمتد ثورة القسام لفترة طويلة، ولم يكن هناك مشاركة فيها من خارج فلسطين إلا لعناصر كانت مقيمة فيها منذ سنوات.

ومن هؤلاء أحد المصريين ويدعي حنفي عطية أحمد- والذي كان أول الشهداء في معركة يعبد- وقد استقر في حيفا من عام 1913 حيث عمل في جمرك حيفا، وقد استشهد وترك خلفه زوجته وثلاث بنات صغيرات وأختا وحماة، بالإضافة إلى أسرة أخيه الذي توفي بالقاهرة عام 1934 فضمها إلى أسرته وقد دفن في حيفا مع الشيخ القسام(104).

وتشير بعض المصادر إلى مصري آخر هو محمد أبو العيون والذي كان يساعد القسام في التدريب العسكري لأعضاء منظمة القسام في عام 1928 ، وكان يتولى وحدة التدريب العسكري في عصبة القسام الشيخ جلادات وهو ضابط سابق في الجيش العثماني(105).

وما تقدم يتضح بصورة مؤكدة عدم اشتراك عناصر من الإخوان في ثورة القسام 1935، وكذلك عدم وجود عناصر منهم للتدريب ولم ترد في أي من المصادر أسم محمود عبده - وهو أحد قادة الإخوان في حرب 1948 كما سنرى- كمدرب عسكري سواء في حياة القسام أو في أثناء ثورة 1936، أما أحمد رفعت الذي ورد ذكره في مذكرات الباقوري فهو أحد طلبة الإخوان المتحمسين، وقد اعترض على سياسة الجماعة في بعض الأمور، ومنها موضوع فلسطين حيث كان يرى ضرورة أن يتطوع الإخوان للعمل مع الثوار في فلسطين، ولا يقف الأمر عند حد الدعاية وجمع المال فقط.

ويذكر محمود عبد الحليم أن حسن البنا قد اتصل بشأن قضية فلسطين بمفتي فلسطين، وأن المفتي بعث بخطاب لحسن البنا ذكر فيه أن المجهود الذي بذله الإخوان في الدعاية لقضية فلسطين في مصر هو القدر المطلوب والذي نحن في أمس الحاجة إليه ولا يستطيعه غيرهم، ولسنا في حاجة إلى متطوعين وقد قرأ البنا الخطاب في اجتماع ضم أحمد رفعت وبعض رموز الإخوان ، ولم يقتنع أحمد رفعت بردود الإخوان عليه سواء في موضوع فلسطين أو غيره من الموضوعات الأخرى، وانتهى الأمر بخروجه من جماعة الإخوان ، حيث قرر السفر إلى فلسطين لينضم إلى المجاهدين هناك، وقد رفض أحمد طلب حسن البنا بالحضور لتجهيزه بالمال والسلاح، وتسليمه إلى مجموعة من المجاهدين الفلسطينيين الذين كانوا على اتصال بالإخوان لتأمين الطريق له، وحتى لا يظنونه جاسوس عليهم، وقد سافر أحمد وحده حيث لقي مصرعه على أيدي المجاهدين الفلسطينيين(106).

وما ذكره محمود عبد الحليم يوضح أن الإخوان لم يساهموا بمتطوعين للقتال في ثورة 1936، وقد برر حسن البنا عدم إرسال متطوعين بعدم حاجة الفلسطينيين إلى متطوعين واستند في ذلك إلى رسالة من المفتي، كما يؤكد من ناحية أخرى على الصلات الوثيقة بالمجاهدين الفلسطينيين بدليل طلب البنا من أحمد رفعت الحضور لتزويده بالمال والسلاح وتأمين الطريق له، إلا أن ما ذكره محمود عبد الحليم لا ينفي تسلل بعض الإخوان للجهاد في فلسطين كما ذكر كامل الشريف ، ولعل أقوى دليل على ذلك شهادة مفتي فلسطين في قضية الجيب- وهي أشهر قضايا الإخوان - عندما سئل عن مشاركة الإخوان في حرب فلسطين حيث ذكر أن الإخوان شاركوا بأنفسهم في سنة 1936 أثناء الجهاد هناك، وجمعوا أسلحة وذخيرة وذهب نفر منهم إلى الجهاد هناك، كما ذكر المفتي في مذكراته عند الحديث عن ثورة 1936، أن المصريين كانوا من الذين تطوعوا للجهاد في فلسطين(107).

ويبدو أن الإخوان اشتركوا بمتطوعين في ثورة 1936- 1939 ، ولكنه كما يرى إسحاق الحسيني كان اشتراكا ضئيلا نسبيا بالقياس باشتراكهم في القتال عام 1948 (108).

آثار جهود الإخوان في مساندة القضية الفلسطينية (1936- 1939 ):

قبل التحدث عن آثار الجهود التي قام بها الإخوان لابد من الإشارة إلى أمرين هامين:

1- أن الساحة الشعبية المصرية قد شهدت نشاطا ومجهودا مؤيدا للقضية الفلسطينية من الفئات الإسلامية والشعبية الأخرى كجمعية الشبان المسلمين والأزهر وحزب مصر الفتاة وغيرها، وان كانت جهود الإخوان قد تميزت بالانتشار والتأثير وذلك لطبيعة رؤية الجماعة للإسلام كدين شامل، والتي لم تحصر نفسها في مجال من المجالات مما جعل الاهتمام بالقضية الفلسطينية والعمل من أجلها جزء من تصورها للإسلام، كما أن انتشار شعب الإخوان المتعددة بالإضافة لبعض الوسائل التي تميزوا بإتباعها وأدت بهم إلى الاتصال المباشر بالشعب، في كافة أنحاء القطر المصري الذي تواجدت فيه وشعب الإخوان ، ولم يقتصر نشاطهم على القاهرة أو المدن الكبرى فقط.

لقد تكامل النشاط التي قامت به الفئات الأخرى مع النشاط الذي قام به الإخوان المسلمون، ولذلك عند الحديث عن أثر جهود الإخوان لابد من الأخذ في الاعتبار جهود الفئات الأخرى، وإن كان هنا الحديث مقتصرا على دور الإخوان لأن البحث مقصور على دراسة دورهم فقط.

2- أن بعض الآثار من الصعب ردها إلى عامل واحد، بل تعود إلى عدة عوامل متداخلة، ولذلك يجب الأخذ في الاعتبار بعض العوامل الأخرى التي عملت على تكوين هذه الآثار، وعدم قصرها على عامل واحد، وإن كان هناك عامل له تأثير أقوى من غيره.

وإذا نظرنا إلى الآثار المترتبة على جهود الإخوان لمناصرة القضية الفلسطينية نجد أن الإخوان كان لهم تأثير كبير في بعض هذه الآثار، كما كانوا أحد العوامل الهامة في البعض الآخر كما انعكست الجهود التي قاموا بها على نمو الجماعة وانتشارها.

الآثار التي ترتبت على جهود الإخوان هي:

 نشر الوعي السياسي بأهمية القضية الفلسطينية وتحريك الشارع المصري لأول مرة للتعاطف مع هذه القضية التي كانت غائبة تماما عن اهتماماته، ولعل ما يوضح هذا الوعي بالقضية الفلسطينية والاهتمام الشعبي بها، المظاهرات التي قادها الإخوان ، واشتركت فيها كافة فئات الشعب المصري في 2 نوفمبر 1945 ، والتي تميزت بالشمول والعنف، والتي جاءت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي شهدت انحسارا في الأداء السياسي بصفة عامة سواء على صعيد القضية الوطنية أو القضية الفلسطينية، نظرا لانشغال العالم بالحرب.

 تخلي الحكومات والأحزاب المصرية عن السلبية، ودعمها للقضية الفلسطينية، ولابد من التوقف بشيء من التفصيل عند هذه النقطة لإيضاح الفارق بين الموقف السلبي السابق على ثورة 1936، والتغيير الذي حدث بعد هذه الثورة، حيث تولى رئاسة الحكومة أثناء الثورة الفلسطينية ثلاثة رؤساء للوزارة هم:

1- مصطفى النحاس 9مايو 1936- 30 ديسمبر 1937.

2- محمد محمود 30 ديسمبر 1937- 18 أغسطس 1939 .

3- علي ماهر 18 أغسطس 1939 - 27 يونيو 1940.

وقد تركزت أعمال الثورة في عهد النحاس ومحمد محمود حيث تولى علي ماهر الوزارة في نفس الشهر الذي قامت فيه الحرب العالمية الثانية، كما أنه كان قد تولى رئاسة الوزارة قبل النحاس في الوقت الذي شهد بداية الثورة.

لقد أدى اشتعال الثورة والجهود التي قام بها الإخوان لدعمها إلى تخلي الحكومات المصرية عن سلبيتها، وبالرغم من أن الموقف الرسمي لها لم يكن بالقوة المطلوبة إلا أنه يعتبر تقدما كبيرا بالنسبة للموقف السلبي بل - المعادي أحيانا للثورة الفلسطينية، كما أن هذا التغيير كان نقطة تحول، وعادة ما تكون بدايات التغيير بطيئة ولكنها تصل في النهاية إلى الغاية منها وهو ما حدث مع الحكومات والأحزاب المصرية التي أيدت جميعا دخول الحرب عام 1948.

وإذا نظرنا إلى موقف حزب الوفد الذي كان يتولى الحكم وقت اشتعال الثورة، فإن مصطفى النحاس بالرغم من أنه لم يعلن موقفاً رسمياً في البداية تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك التزم الصمت تجاه مشروع التقسيم، إلا أن الوثائق البريطانية تشير إلى أن النحاس أبدى رغبته للمسئولين البريطانيين للتوسط لتسوية المسألة الفلسطينية، وذلك خلال وجوده في لندن صيف 1936 لإجراء المفاوضات حول القضية الوطنية(109).

كما وجدت القضية الفلسطينية طريقها إلى البرلمان المصري، حيث قدم محمد حسين هيكل أحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين، استجواب لمصطفى النحاس في يوليو 1937 حول سياسة لحكومة من الوضع الجديد في فلسطين، وبالرغم من سحب الاستجواب، والاكتفاء ببيان ألقاه رئيس الوزراء مصطفى النحاس، إلا ان مجرد تقديم استجواب حول القضية الفلسطينية ومن جانب أحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين كان أمرا له دلالته النسبة لتطور الموقف في مصر من القضية الفلسطينية، كما أدى الاستجواب إلى إعلان موقف الحكومة الرسمي من القضية الفلسطينية فقد أعلن النحاس اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وأنه أجرى مناقشات مع الحكومة البريطانية حولها، وأن اتصالات الحكومة المصرية لم تنقطع بهذا الصدد "ويهمني أن يثق المجلس الموقر بشديد عنايتي بالعمل على صيانة حقوق العرب ومصالحهم في هذه البلاد التي تشمل الأماكن المقدسة التي تربطنا بها ذكريات دينية وتاريخية مجيدة، وفي رأيي أن هذا هو السبيل السوي الجدي لخدمة قضية العرب في فلسطين، ومن أجل ذلك كله لا ترى الحكومة مصلحة وطنية أو مصلحة لفلسطين نفسها في جعل هذه الموضوعات مجالا للمناقشة(110).

ولكن لم تلبث أن أعلنت الحكومة المصرية عن رفضها لمشروع التقسيم، وذلك في اجتماع عصبة الأمم في 18 سبتمبر 1937، حيث ألقى وزير الخارجية المصري واصف غالي خطابا قويا عن قضية فلسطين دافع فيه عن حقوق العرب، وطالب بحل مشكلة فلسطين على أساس قيام دولة مستقلة مرتبطة مع بريطانيا بمعاهدة، وحفظ حقوق اليهود الموجودين بها(111).

أما حزب الأحرار الدستوريين فقد اتخذ مواقف إيجابية للتعبير عن تأييد مصر للقضية بالرغم من تصريح رئيسه أنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين، وكذلك مصادرة كتاب "النار والدمار" الذي تم في عهده، وكما سبق الإشارة فقد قدم محمد حسين هيكل استجوابا حول فلسطين، كما أرسل محمد محمود وهو في المعارضة برقية إلى مفتي فلسطين يعلن فيها تضامن حزبه مع الفلسطينيين ورفضه مشروع التقسيم.

كما دعا محمد محمود أثناء توليه رئاسة الوزراء أعضاء المؤتمر البرلماني العربي إلى حفلة، ألقى فيها خطابا رسميا أيد فيه مطالب العرب، وأبدى فيه صادق الرغبة في أن توفق الحكومة البريطانية في إيجاد حل عادل ينصف أبناء هذه البلاد(112).

كما أرسل محمد محمود رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني ذكر فيها أن سياسة التقسيم غير عملية، وطالب بمنح الأهالي شكلا من أشكال الحكم الذاتي، والتوقف عن استخدام وسائل العنف والقمع ضد الثورة الفلسطينية لأنها ليست حلا للمشكلة(113).

كما أثار محمد محمود أثناء زيارته للندن في يوليو، القضية الفلسطينية مع المسؤلين البريطانيين وأوضح لهم الأخطار التي تنجم عن عدم احترام حقوق العرب، كما كان له دورا في الإفراج عن المعتقلين من الزعماء الفلسطينيين، وقبول بريطانيا بحضور كل من يمثلون الرأي العربي في مؤتمر لندن بما فيهم المفتي، بالرغم من تصريحه المثير عن أنه ليس رئيس وزراء فلسطين والذي أدلى به في باريس وهو في طريقه إلى بريطانيا، ويبدو أنه كان يرغب في مناقشة الأمر مع البريطانيين بعيدا عن الناحية الإعلامية(114).

وبصفة عامة فإن الثورة الفلسطينية والجهود التي قامت بها الهيئات الإسلامية والشعبية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، قد عملت على التأثير في الحكومات والأحزاب المصرية.

دعم الفكرة العربية. فقد شكلت الثورة الفلسطينية، وأفكار جماعة الإخوان الداعية للوحدة العربية، كخطوة في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية، دافعا قويا نحو التوجه نحو الفكرة العربية، وكانت جهود الإخوان لمناصره القضية الفلسطينية تدعيما لهذا الاتجاه من خلال التأكيد على البعد العربي للقضية الفلسطينية، وكذلك المؤتمر الذي عقده الإخوان ودعوا له العديد من كبار الشخصيات العربية، وتوثيق الإخوان صلاتهم ببعض الزعماء والشخصيات العربية وعلى رأسها مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني ، وقد أسهمت هذه الجهود في دعم توجه مصر نحو الفكرة العربية، وقد انتشرت الدعوة للفكرة والتوجه العربي في الثلاثينيات، وكان الإخوان أحد عوامل انتشار هذه الفكرة عمليا بتبني مصر لها رسميا في الأربعينيات بتأسيس جامعة الدول العربية ، ويكفي للتدليل على سيادة الفكرة العربية قيام مصطفى النحاس زعيم الوفد- وهو الحزب الذي كان يتبنى فكرة القومية المصرية- بمشاورات الوحدة العربية، وتوقيع بروتوكول الإسكندرية في 7 أكتوبر 1944، والذي تمخض عنه إنشاء جامعة الدول العربية .

أما عن أثر الجهود التي قام بها الإخوان على الجماعة ذاتها فيمكن إجمالها في الآتي:

أتاحت القضية الفلسطينية، وما قان به الإخوان من جهود، الفرصة للإخوان للعمل بنشاط، واكتساب المزيد من الأنصار، والانتشار في كافة أنحاء القطر، ومن المهم التوقف عند مدى انتشار الجماعة في مصر خلال هذه الفترة لمعرفة المدى الذي وصلته قوة الجماعة في تلك الفترة وانعكاس ذلك على مدى تأثير الجماعة بالنسبة للقضية الفلسطينية، مع الأخذ في الاعتبار أن العمل لمناصرة القضية في تلك الفترة كان أحد العناصر التي ساعدت على انتشار الجماعة في مصر بل وخارج مصر أيضا كما حدث من إرسال بعثة الإخوان إلى فلسطين عام 1935، وكما سيحدث من افتتاح فروع للجماعة في فلسطين فيما بعد كما سنرى.

فمع انتشار دعوة الإخوان في الإسماعيلية- قبل انتقال حسن البنا وبالتالي المركز العام للقاهرة عام 1932-، كان انتشار فروع الجماعة محدودا ويتركز في منطقة القناة، بالإضافة إلى شعبتين في شبرا والمحمودية بالبحيرة وبعد انتقال حسن البنا للقاهرة في أكتوبر 1932 فإن عدد الشعب كان في مايو 1933 خمس عشرة شعبة، وفي عام 1934 كان عدد الشعب خمسين شعبة وفي عام 1938 بلغ عدد الشعب أكثر من ثلاثمائة شعبة، وفي فبراير 1940 بلغ عدد الشعب 500 شعبة(115) .

ويجب الأخذ في الاعتبار أن هذه التقديرات لعدد شعب الإخوان مصدره حسن البنا نفسه، فضلا عن أن عدد الشعب لا يعطي تصوراً لعدد الإخوان في تلك الفترة، حيث كانت الشعبة أحيانا في بداية تأسيسها من الممكن أن تتكون من فرد واحد من الإخوان ، ويوجد تقرير للأمن العام يقدر عدد الإخوان في مايو 1936 بــ 800 عضو وهو تقدير محل نظر في ظل حقيقة أساسية وهي أن الإخوان كانوا يكتسبون كل يوم أعضاءً جدداً، بالإضافة إلى افتتاح المزيد من الشعب وهو ما يتضح من خلال تنامي عدد الشعب، وقد تحدث حسن البنا في مذكراته عن اجتماع لانتخاب نائب له في الإسماعيلية وأن عدد الإخوان كان خمسمائة، وهذا العدد طبقاً لتقدير حسن البنا - أيضاً- كان في الغالب عام 1932 عندما خشى الإخوان في الإسماعيلية من انتقال حسن البنا إلى القاهرة وليس من المتصور أن يكون عدد الإخوان في عام 1936، 800 عضو فقط، أي أن عدد الإخوان قد زاد 300 عضو فقط خلال أربعة سنوات، وهو أمر من الصعب القبول به مع مراعاه أن عدد الإخوان الذي ذكره حسن البنا كان خاص بالإسماعيلية فقط.

ويبدو أن قلة عدد الإخوان في هذا التقرير راجع إلى ضعف عدد الإخوان في القاهرة في تلك الفترة كما يتضح من مذكرات محمود عبد الحليم الذي قدر عدد أعضاء المركز العام في القاهرة بما لا يزيد عن 40 عضواً، حيث كان الإخوان يتركزون في منطقة القناة والمحافظات المجاورة لها، ويوضح تنامي عدد الإخوان في القاهرة تقدير حسن البنا لعددهم في فبراير 1940 بألف عضو(116).

ولعل هذا التنامي في قوة الإخوان يعطي دلالة على مدى تأثير جهود الإخوان في التنبيه ونشر الوعي بالقضية الفلسطينية كما يعطي من جانب آخر دلالة على استفادة الإخوان كجماعة من نشاطهم لدعم القضية الفلسطينية.

بروز الجانب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، فقد كانت جهود الإخوان في دعم القضية الفلسطينية أول ظهور سافر للإخوان في مجال العمل السياسي، وبالرغم من وجود آراء ترى أن جماعة الإخوان بدأت كجمعية دينية عادية ثم تحولت إلى العمل السياسي بعد ذلك، إلا أن من الواضح أن هذا التصور غير صحيح- وهذا ما سنناقشه بالتفصيل في دراسة قادمة - ويمكن القول أن حسن البنا إتباعاً لسياسة المراحل التي كان يتبعها، عمل على إخفاء الطابع السياسي للجماعة في بدايتها الأولى، حتى يشتد عود الجماعة، ومع ذلك فإن بعض أنشطة الجماعة ومقالات الإخوان كانت تحتوي مضامين سياسية في تلك المرحلة، وكانت القضية الفلسطينية هي التي أتاحت الفرصة لإبراز الجانب السياسي للإخوان بصورة واضحة وجلية، وقد قسم حسن البنا مراحل الدعوة إلى ثلاث مراحل:-

مرحلة الدعاية والتعريف ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار، ثم مرحلة التنفيذ والإنتاج(117).

وقد استمرت المرحلة الأولى من عام 1928 حتى 1938 عندما أعلن حسن البنا تدشين المرحلة الثانية وذلك في 30 مايو 1938 وفي افتتاحية العدد الأول من مجلة النذير حيث تحدث عن نشأة الإخوان منذ عشر سنين وانصرافهم خلال تلك الفترة "إلى ميدان مثمر منتج هو ميدان تربية الأمة وتنبيه الشعب وتغيير العرف العام وتزكية النفوس وتطهير الأرواح وإذاعة مبادئ الحق، والجهاد، والعمل والفضيلة بين الناس.......... هذه مرحلة من مراحل الإخوان التي اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها، وطبق التصميم الذي رسمه توفيق الله".

ويعلن حسن البنا انتقال الدعوة إلى مرحلة العمل "سنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد، وزعمائه ووزرائه، وحكامه، وشيوخه، ونوابه، وأحزابه وسندعوهم إلى مناهجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا........." ويعلن البنا بصراحة ووضوح "ولا ذنب لنا أن تكون السياسة جزءً من الدين، وأن يشمل الإسلام الحاكمين والمحكومين، فليس في تعاليمه أعط ما ليقصر لقيصر وما لله لله، ولكن في تعاليمه قيصر وما لقيصر لله الواحد القهار"(118).

ثم جاء المؤتمر الخامس في يناير 1939 ليعلن حسن البنا بوضوح وجلاء أهداف الإخوان المسلمين ووسائلهم، وأن فكرة الإخوان المسلمين تضم كل المعاني الإصلاحية، ومن ضمنها أنها "هيئة سياسية"(119).

إن إعلان حسن البنا الجانب السياسي بوضوح وجلاء سواء في افتتاحية النذير، أو بشكل رسمي في المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، يعطي دلالة على وصول الإخوان إلى قدر من القوة جعلت حسن البنا يقدم على هذا الإعلان، بالرغم من إدراكه للمصاعب المترتبة على هذا الإعلان، والذي نبه الإخوان إليها في مقاله بالنذير "وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد دوما فوق الاضطهاد منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد، وأن يتعرض الأحرار منك للمعاكسة وأكثر من المعاكسة وأن يدعى المترفون والمترفهون إلى السجن وما هو أشق من السجون ولتبلون في أموالكم وأنفسكم" (120).

لفتت جهود الإخوان نظر السفارة البريطانية إليهم، وقد ذكر محمود عبد الحليم أن الانجليز بدأوا يهتمون بحسن البنا منذ توزيعه كتاب "النار والدمار في فلسطين"، وتؤيد الوثائق البريطانية ما ذكره محمود عبد الحليم من نجاح حسن البنا في إخفاء حقيقة جماعة الإخوان عن الانجليز حتى قيام الثورة الفلسطينية 1936، فيذكر تقريراً للمخابرات البريطانية خلال السنوات الثماني الأولى أي منذ عام 1928 وحتى 1936 لم تحظ حركة الإخوان باهتمام سلطات الأمن البريطانية، وفي مايو 1936 بعث المندوب السامي البريطاني في مصر لامبسون إلى لندن صورة من تقرير الأمن العام لعدد أعضاء الإخوان المسلمين- والتي سبق الإشارة إليه-، ومع تصاعد الثورة الفلسطينية بدأت السفارة البريطانية في متابعة أنشطة الإخوان فتتحدث عن إرسالهم التبرعات المالية والأسلحة للثوار الفلسطينيين، وقيامهم بالدعاية للثورة، وتذكر السفارة البريطانية "جعلت أنشطة الإخوان في فلسطين الجماعة محط أنظار المخابرات البريطانية والألمانية"(121).

أدت أنشطة الإخوان لصالح القضية الفلسطينية، وتصاعد قوة الجماعة إلى لفت نظر الحكومات والأحزاب والقوى السياسية المصرية لها، خاصة بعد عملية مصادرة كتبا "النار الدمار في فلسطين"، والقبض على المتظاهرين من الإخوان وكذلك استدعاء حسن البنا للتحقيق معه للمرة الأولى، وقد شكلت هذه الحوادث بالرغم من محدوديتها أول صدام بين الإخوان والحكومة المصرية.

تقييم جهود الإخوان في مناصرة الثورة الفلسطينية 1936- 1939

لقد قام الإخوان بجهود كبيرة لمناصرة القضية الفلسطينية، وتوفر لديهم وعي مبكر بحقيقة الصهيونية، وطبيعة الصراع الدائر في فلسطين، وامتلكوا رؤية واضحة محددة تبلورت بصورة متكاملة أثناء الثورة الفلسطينية 1936- 1939 ، من خلال كتابات الإخوان المختلفة وعلى رأسها كتابات حسن البنا . وقد عمل الإخوان على أرض الواقع من خلال هذه الرؤية لمواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني المتحالف مع الاستعمار البريطاني، والهادف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وإحلال كيان صهيوني ذو طبيعة استعمارية توسعية يشكل تهديدا للمنطقة كلها، ولذلك عمل الإخوان بحماس وبكافة الإمكانيات التي كانوا يملكونها في ذلك الوقت للتنبيه لهذا الخطر، وبث الوعي بحقيقة الصراع في فلسطين، واستغلوا كل الوسائل المتاحة والممكنة وعلى كافة الأصعدة الإعلامية والسياسية والمالية والعسكرية لمساندة القضية الفلسطينية، وإيجاد رأي عام مؤيد لها.

هوامش الفصل الثاني

(1) محمد حسنين هيكل : مذكرات في السياسة المصرية، جـ3، دار المعارف، القاهرة 1990، صـ15- 16.

(2) عبد الهادي أبو طالب: ذكريات شهادات ووجوه، جـ1، الشركة السعودية للأبحاث والنشر، 1992، صـ383- 384. محمد علي الطاهر صحفي فلسطيني أقام في مصر هرباً من الحكم العثماني، وقد استقر بالقاهرة حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، والذي أختلف معها وغادر القاهرة إلى لبنان حيث توفي هناك، وقد أصدر جريدة الشورى للدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان له نشاط سياسي كبير في القاهرة وقد اعتقل أكثر من مرة ومن أشهر كتبه، "معتقل هايكستب" والذي يحتوي على مشاهداته في هذا المعتقل أثناء اعتقاله في عهد وزارة إبراهيم عبد الهادي عام 1939 . انظر فتحي رضوان: محمد علي الطاهر كاتب وطني ومناضل حر لا يهدأ، الدوحة عدد 113، مايو، 1985، صـ67- 69.

(3) محمد حسنين هيكل : العروش، جـ2، صـ67.

(4) عايدة سليمة: مصر والقضية الفلسطينية، دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة، 1986، ص21- 23.

(5) سهام نصار: المرجع المذكور، صـ35، طارق البشري: الحركة السياسية، صـ238- 241.

(6) عواطف عبد الرحمن: المرجع المذكور، صـ110.

(7) عايدة سليمة: المرجع المذكور: صـ25.

(8) عايدة سليمة: المرجع المذكور: صـ24.

(9) نفس المرجع، صـ21- 25، سهام نصار: المرجع المذكور،صـ34.

(10) عواطف عبد الرحمن: المرجع المذكور، صـ128، سهام نصار: المرجع المذكور، صـ35.

(11) سهام نصار: المرجع المذكور،صـ35.

(12) طارق البشري: الحركة السياسية، صـ 242.

(13) محافظ عابدين، محفظة رقم (357)، الأزهر، دار الوثائق القومية، محمد عزة دوروزة، المجلد الأول، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1993، صـ705- 716.

(14) عواطف عبد الرحمن: المرجع المذكور، صـ111.

(15) عايدة سليمة: المرجع المذكور: صـ28- 29.

(16) محمد حسنين هيكل : ملفات السويس، صـ 103، المفاوضات السرية، صـ216- 217، العروش والجيوش، صفحات 68- 70، 111.

(17) حسنين هيكل: العروش، صـ68.

(18) عزت طنوس: الفلسطينيون ماض مجيد ومستقبل باهر، مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية، 1982، صـ238.

(19) عواطف عبد الرحمن: المرجع المذكور، صـ7، صالح المسلوت: المرجع المذكور، صفحات 51، 60.

(20) حسن البنا : مذكرات، ص239.

(21) حسن الجمل، جهاد الإخوان المسلمين في القناة وفلسطين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000، ص14، جابر رزق: الإمام الشهيد حسن البنا بأقلام تلامذته ومعاصريه، دار الوفاء، المنصورة، 1986، ص 150.

(22) إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، ص 487- 488.

(23) حسن الجمل: المرجع المذكور، ص 14- 15.

(24) انظر نص المقال في عبد الحليم الكناني: موسوعة الشهداء، دار البشير، طنطا 1994، صـ64.

(25) فؤاد الهجرسي: الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية، دار الكلمة للنشر والتوزيع، المنصورة، 2001، صـ37- 38.

(26) جريدة الإخوان المسلمين، السنة الثالثة، عدد 18، 13 أغسطس 1935، وعدد 19، 20 أغسطس 1935.

(27) انظر تفاصيل المرحلة الأولى من ثورة 1936 في حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، صـ 147- 234، جمال عبد الهادي: المرجع المذكور، صـ92- 103، محمد فيصل عبد المنعم: المرجع المذكور، صـ117- 124.

(28) صالح محمود أبو يصير: المرجع المذكور، صـ227.

(29) انظر تقرير لجنة بيل في وثائق وأوراق القضية الفلسطينية، جـ3، وثيقة (265).

(30) حسن صبري الخولي: المرجع المذكور، المجلد الأول، صـ602.

(31) عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية للدراسات العربية للدراسات، بيروت، 1973، صـ333- 336، حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، صـ243- 261، عزت طنوس: المرجع المذكور، صـ192- 193.

(32) عن نشاط الثورة في مرحلتها الثالثة، انظر حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، صـ263- 310.

(33) محمود حسن صالح منسي: تاريخ العرب الحديث والمعاصر، القاهرة، 2002 ، صـ 222- 224، ولنفس المؤلف: الشرق العربي، صـ272- 284.

(34) حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، صـ 309- 315، عبد الوهاب الكيالي: المرجع المذكور، صـ359.

(35) حسن البنا : مذكرات، صـ 240.

(36) نفس المرجع، صـ 240- 242.

(37) عادل غنيم: المرجع المذكور، صـ446، عايدة سليمة: المرجع المذكور: صـ 97.

(38) عبد الرحمن البنا: المرجع المذكور، صـ66، ونشر المقال بمجلة الإخوان ، السنة الثالثة، عدد 30، 5 نوفمبر 1935.

(39) صالح عشماوي: اذكروا فلسطين، النذير، السنة الأولى عدد 18، 2 شعبان 1357. صالح عشماوي (1918- 1983) أحد كبار الإخوان المسلمين، ويعتبر رائد الصحافة الإسلامية وقد التحق بجماعة الإخوان عام 1931، وتولى رئاسة تحرير معظم صحف الإخوان ، وعين وكيلا عاما لجماعة الإخوان المسلمين عام 1947، انظر ترجمته في عبد الله العقيل: من أعلام الحركة الإسلامية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2002 ، صـ187- 191.

(40) عبد الرحمن البنا: المرجع السابق، صـ44-50، ونشرت في الإخوان المسلمين السنة الرابعة، عدد 25، 29 سبتمبر 1936.

(41) الإخوان المسلمون: السنة الخامسة، عدد 22، 5 نوفمبر 1937.

(42) الإخوان المسلمون: السنة الخامسة، عدد 23، 12 نوفمبر 1937.

(43) نفس المرجع والعدد "هل مات ضمير الإنسانية".

(44) الإخوان المسلمون: السنة الخامسة، عدد 30و 31و 36و 42و 42، وعام 1938.

(45) النذير السنة الأولى، عدد 18، شعبان 1357.

(46) نفس المصدر والعدد.

(47) نفس المصدر والعدد.

(48) نفس المصدر والعدد.

(49) النذير، السنة الأولى، عدد 24، 15 رمضان 1357 هجرية.

(50) النذير، السنة الأولى، عدد 19، 9 شعبان 1357 هجرية.

(51) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ 1، ص 89 - 93. كان من ضمن حملات الدعاية التي قام بها الإخوان ، وحازت على شهرة كبيرة الحملة التي قام بها الإخوان في مسجد السيد البدوي بطنطا، وكان الكاتب والأديب الإسلامي مصطفى صادق الرافعي أحد المصلين بالمسجد وقد كتب مقالا عما قام به الإخوان من دعاية وجمع تبرعات في المسجد، حمل اسم "قصة الأيدي المتوضئة" انظر نفس المرجع، 93 - 97.

(52) حسن البنا : مذكرات، صـ 244 - 245.

(53) محمود عبد الحليم ، المرجع المذكور، جـ 1، ص 173- 176، عباس السيسي: المرجع المذكور، ج1، ص28، حسن الجمل، المرجع المذكور، ص17.

(54) إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، ص 499.

(55) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ج1، ص 173- 174.

(56) عباس السيسي: المرجع المذكور، ص 34- 35.

(57) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ج1، ص 179- 181.

(58) إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، ص 498.

(59) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ج1، ص 181.

(60) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص363- 364.

(61) خطب حفل الافتتاح الكبرى للمؤتمر البرلماني العالمي للبلاد العربية والفلسطينية للدفاع عن فلسطين المنعقد في القاهرة 13 شعبان 1357 هجرية، 7 من أكتوبر 1938، القاهرة 1938، صفحات6، 126، 139، 145.

(62) لمزيد من التفاصيل عن هذا المؤتمر انظر حسن صبري: المرجع المذكور، المجلد الأول، صـ 726- 730.

(63) عباس السيسي: المرجع المذكور، جـ1، صـ 36- 37، النذير، السنة الأولى، عدد 20، 16 شعبان 1357هـ.

(64) محمد علي طاهر: معتقل هايكستب، القاهرة، 1950، صـ 60- 61، إسحاق موسى الحسيني الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية، الحديثة، بيروت، 1952، صـ84.

(65) انظر نص الرسالتين في حسن البنا : مذكرات، صـ243- 244.

(66) محسن محمد: من قتل حسن البنا ؟، دار الشروق، القاهرة، 1987، صـ270، محمد عبد الله الخطيب: الإمام حسن البنا داعية....... مجاهدا....... شهيدا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1999، صـ78- 79، محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ1، صـ88- 89، محمد علي طاهر: المرجع المذكور، صـ 60- 61.

(67) انظر نص الرسالة في حسن البنا ، مذكرات، صـ259- 261، الإخوان المسلمون، السنة الخامسة، عدد 22، 5 نوفمبر 1937.

(68) "النذير" السنة الأولى، عدد 27، 13 شوال 1375، وعدد 30، 4 ذي القعدة 1375.

(69) الإخوان المسلمون: السنة الخامسة، عدد 22، 5 نوفمبر 1937.

(70) حسن البنا : مذكرات، صـ 261، الإخوان المسلمون: السنة الخامسة، عدد 22، 5 نوفمبر 1937.

(71) محسن محمد: المرجع المذكور، ص 270، عباس السيسي: المرجع المذكور، ص22، محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ1، صـ89. ويذكر محمود عبد الحليم أن الإخوان هم الذين كلفوا صحفيا من الإخوان بتوجيه السؤال إلى رئيس الوزراء.

(72) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، ص184.

(73) حسن البنا : مذكرات، ص274.

(74) نفس المرجع، 303.

(75) محمد عبد الله الخطيب: المرجع المذكور، 89- 91.

(76) حسن البنا : مذكرات، ص302.

(77) نفس المرجع، ص 303- 305.

(78) إبراهيم البيومي غانم: المرجع المذكور، ص 499.

(79) عايدة سليمة: المرجع المذكور، ص98، صالح المسلوت: المرجع المذكور، ص39 نقلا عن الإخوان المسلمين في 15 أكتوبر 1937.

(80) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ1، صـ 177- 178، عباس السيسي: المرجع المذكور، ص 22- 26. والملاحظ أن محمود عبد الحليم ذكر أن المظاهرات قامت يوم 17 نوفمبر، وهو يوم ذكرى وعد بلفور، دون أن يذكر العام الذي قامت فيه المظاهرات، ومن المعروف أن وعد بلفور قد صدر يوم 2 نوفمبر وليس 17 نوفمبر، أما بالنسبة للعام الذي قامت فيه المظاهرات فيبدو أنه عام 1938 حيث تحدث عن المظاهرات بعد حديثه عن توزيع كتاب "النار والدمار في فلسطين"، كما أن أحداث المظاهرات التي ذكرها، وما وقع فيها في رشيد يتوافق مع ما ذكره عباس السيسي عن تلك المظاهرات والتي شارك فيها، وإن كان عباس السيسي ذكر أن تلك المظاهرات قامت احتجاجا على تصريح محمد محمود رئيس الوزراء الذي ذكر فيه "أنا رئيسا وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، وقد ذكر تاريخ تقديمه إلى المحاكمة هو وزملائه بعد القبض عليه في جمادى الآخرة 1357 وهو ما يوافق شهر أغسطس 1938، وكان محمد محمود قد أصدر هذا التصريح في يوليو، ولكن عاد وذكر أن حسن البنا استدعى للتحقيق معه بشأن المظاهرات في شهر رمضان، وهو ما يوافق شهر نوفمبر 1938، وهو ما يستبعد معه أن تكون هذه المظاهرات قد حدثت في أغسطس لأنه ليس من المعقول أن يستدعي للتحقيق معه بشأنها بعد 3 شهور من وقوعها، ويرجح ما ذكره محمود عبد الحليم من أنها حدثت بمناسبة ذكرى وعد بلفور.

(81) عثمان عبد المعز رسلان: المرجع المذكور، ص 384.

(82) عايدة سليمة: المرجع المذكور، ص97- 98.

(83) نفس المرجع، ص 98.

(84) عبد الرحمن البنا، المرجع المذكور، ص86- 91.

(85) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، ص185.

(86) عباس السيسي: المرجع المذكور، ص28.

(87) صالح مسعود أبو يصير: المرجع المذكور، ص 180- 182.

(88) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ 1، ص174- 175.

(89) عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، دار الدعوة، الإسكندرية، 1981، صفحات 157، 152- 1580 وعن جماعة شباب محمد انظر محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ1، ص200- 213، ذكريا سليمان بيومي، المرجع المذكور، صفحات 133- 134، 275- 280 . وانظر نص اعتراضات جماعة شباب محمد على الإخوان مجلة النذير، السنة الثالثة، عدد1، 9 فبراير 1940 بعنوان " غضبة في سبيل الله".

(90) ريتشارد ب ميتشل: الإخوان المسلمون، ترجمة، عبد السلام رضوان، مكتبة مدبولي، القاهرة، مايو 1977، ص 58- 49، ذكريا سليمان، المرجع المذكور، ص 278- 279. Thomas mayer: The military force of Islam the society of the Muslim brotheren and the Palestine question 1945 - 1948. in Zionism and Arabism in Palestine and Israel, London 1980, p.101.

(91) يقدم حسن البنا عدة نماذج على ذلك، ومنها عندما طلب من الحاضرين معه أن يجمعوا خلال أسبوع مبلغ خمسين جنيها، وذلك لبناء دار ومسجد للإخوان بالإسماعيلية، وقد تم جمع هذا المبلغ في الوقت المحدد، بالرغم من ضعف الحالة المادية للإخوان وكبر المبلغ كما قام الإخوان بجمع 400 جنيه لتسديد ديون منشآت الجماعة في الإسماعيلية كان حسن البنا قد كتب بها كمبيالات على نفسه، وقد تجاوز المبلغ قيمة الديون وهي 350 جنيه، وما بقى دخل إلى خزينة الجماعة انظر حسن البنا : مذكرات، صفحات 91، 134- 135.

(92) تشويه الحقائق في بيان الإخوان المسلمين، النذير، السنة الثالثة، عدد 3، 24 فبراير 1940 كان آخر عدد للنذير كناطقة باسم الإخوان المسلمين في 3 رمضان 1358 هجرية- 16 أكتوبر 1939 ، وقد استمرت بعد ذلك في الصدور كلسان حال جماعة شباب محمد انظر شعيب الغباشي: صحيفة الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة 2000، ص52- 53.

(93) أميل الغوري: المرجع المذكور، ص157.

(94) محسن محمد: المرجع المذكور، ص69.

(95) أحمد حسن الباقوري: بقايا ذكريات، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1988، ص45.

(96) حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 163.

(97) كامل الشريف : المرجع المذكور، ص46.

(98) Thomas Mayer: Op. Cit, 101.

(99) حسن الجمل: المرجع المذكور، ص16، عبد الحليم الكناني: المرجع المذكور، ص66.

(100) فؤاد الهجرسي: المرجع المذكور، ص38.

(101) نفس المرجع، ص38.

(102) عوني جدوع العبيدي: جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وفلسطين 1945 - 1970، عمان، 1991، ص21- 25.

(103) عن نظام الكتائب والأسر انظر محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، صفحات 150- 160، 256- 257، أحمد عادل كمال: المرجع المذكور، ص65- 74، عثمان عبد المعز رسلان: المرجع المذكور، ص 462- 481.

(104) يوجد خلاف بين المصادر الفلسطينية حول اسم الشهيد المصري، وكذلك بين الجرائد المصرية انظر عبد القادر ياسين: كفاح الشعب الفلسطيني قبل العام 1948، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، 1975، ص156، عادل غنيم: المرجع المذكور، ص443- 440، سمير حمود: المرجع المذكور: ص113، عبد الوهاب زيتون: المرجع المذكور، ص96، حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 141، محمد عزة دروز: المرجع المذكور، ص863.

(105) حسني أدهم جرار: المرجع المذكور، ص 103، 108.

(106) محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، جـ1، صفحات 203- 204، 209.

(107) محمود الصباغ : حقيقة التنظيم الخاص، دار الاعتصام، القاهرة، 1989، ص172، محمد أمين الحسيني  : مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني ، إعداد: عبد الكريم العمر، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق، 1999 ، ص41.

(108) إسحاق الحسيني: المرجع المذكور، ص 131.

(109) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص448، وقد تبرع مصطفى النحاس بصفة شخصية بمبلغ أربعين جنيهاً.

(110) مجلس الشيوخ، مجموعة قضايا دور الانعقاد العادي الثاني عشر (21 نوفمبر 1936- 29 يوليو 1937)، مضبطة الجلسة 36، 20/7/1937.

(111) عادل غنيم: المرجع المذكور، ص459.

(112) أحمد زكريا الشلق: حزب الأحرار الدستوريين 1922- 1953، دار المعارف، القاهرة، 1982، ص 515- 516، محمد حسين هيكل، المرجع المذكور، ج3، ص16.

(113) محفوظات مجلس الوزراء، محفظة رقم (9) فلسطين، رسالة من رئيس الوزراء محمد محمود باشا إلى رئيس بريطانيا شامبرلين، دار الوثائق القومية.

(114) مجلس النواب، مجموعة مضابط دور الانعقاد الثاني 1938- 1939 ، مضبطة الجلسة رقم 12، جلسة 26/ 12/ 1938.

(115) محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة 1990، ص23، حسن البنا : مذكرات، ص163، عباس السيسي: حسن البنا ، ص156.

(116) حسن البنا ، مذكرات، ص133، محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ج1، ص49، [[عباس السيسي]]: حسن البنا ، ص156. Thomas Mayer: op cit, p.101

(117) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، ص 159- 161.

(118) انظر نص المقال في حسن البنا : مذكرات، ص162- 163.

(119) حسن البنا : رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة الرسائل، ص 159- 161.

(120) حسن البنا ، مذكرات، ص165.

(121) محسن محمد: المرجع المذكور، صفحات 28، 269، 270، محمود عبد الحليم : المرجع المذكور، ح1، ص 176.


Thomas Mayer: op cit, p.101, 111.

الفصل الثالث: جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية1945 - 1948

"إن اليهود قد جندت لهم الحضارة الغربية العصرية كل قواها لتجمع شتاتهم وتقفز بهم إلى أرض السلام وتحولهم بأعمالهم الإجرامية إلى قطعة من الجحيم"

"إن على الحكومات العربية والإسلامية أن تنسحب فوراً من هذه الهيئة (الأمم المتحدة) التي انتحرت بيدها وسجلت على نفسها القصور والعجز وخراب الذمة وفساد الضمير"

حسن البنا

جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية 1945 - 1948

جاءت الحرب العلمية الثانية لتضع حدا للثورة الفلسطينية، وطوال سنوات الحرب من 1939 حتى 1945 شهد الموقف بالنسبة للقضية الفلسطينية هدوءا على الجانب العربي على عكس الجانب الصهيوني الذي عمل بدأب ونشاط على استغلال الحرب العالمية لتحقيق أهدافه واستغلال المتغيرات الدولية التي نشأت عن الحرب.

فعلى الجانب العربي ساد الانقسام بين الزعماء الفلسطينيين بين من يرون ضرورة تطوع العرب في الجيش البريطاني، واعتبروا ذلك الخطوة الأولى لإنشاء جيش قوي يدافع عن فلسطين وأهلها، وقد قاد هذه الحملة حزب الدفاع الوطني، أما المفتي وأتباعه فقد رفضوا هذه الخطوة، وقد رأى المفتي ضرورة استغلال نشوب الحرب العالمية الثانية لصالح القضية الفلسطينية بطريقة مختلفة فقد غادر المفتي لبنان إلى العراق حيث ساند حركة رشيد عالي الكيلاني المعادية لبريطانيا في العراق، ولكن فشل الحركة، وقضاء بريطانيا عليها في مايو 1941 أدى إلى لجوء المفتي إلى إيران، ومنها إلى ألمانيا حيث دخل في مفاوضات باسم الزعماء العرب للحصول على استقلال البلاد العربية(1).

وقد قابل المفتي هتلر مرتين خلال إقامته في ألمانيا حيث طالب المفتي باستقلال البلاد العربية وأن تصدر ألمانيا إعلاناً بذلك، ولكن هتلر قال إنه لا يستطيع أن يصدر قرارات قبل موعدها، وفي المقابلة الثانية اقترح المفتي على هتلر تجنيد جيش من المتطوعين العرب في شمال أفريقيا لإشعال ثورة وطنية تحول دون نزول الحلفاء إلى شمال أفريقيا، ولكن هتلر رفض وجاء رده مثيراً إذ قال: "لا إنني لا أخشى الشيوعية الدولية، ولا أخشى الإمبريالية الأمريكية البريطانية الصهيونية، ولكن أخشى أكثر من كل هذا، الإسلام السياسي الدولي" وجاءت هزيمة المحور في الحرب العالمية الثانية لتضع حدا لمحاولات وجهود المفتي لخدمة القضية الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية، وانتقل المفتي من ألمانيا إلى باريس عام 1945 وبعد أن قضى في ألمانيا أكثر من ثلاث سنوات ونصف(2).

أما على الجانب اليهودي فقد عمل اليهود بحماس على تنفيذ مخططاتهم، وكان الهدف المرحلي الأول إلغاء الكتاب الأبيض 1939 ، والذي حد من الهجرة اليهودية، وبالرغم من مشاركة اليهود في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا، إلا أنه في نفس الوقت أشتد نشاطهم ومطالبتهم بإلغاء الكتاب الأبيض، والعمل على تحقيق أهدافهم.

وقد حاول الصهاينة استغلال الحرب، وطالبوا بريطانيا بتشكيل جيش يهودي، إلا أن الحكومة البريطانية رفضت الطلب، ودعت اليهود للتفاهم مع العرب، وأن باب التطوع مفتوح أمام اليهود، ولا يوجد ضرورة لإقامة جيش يهودي قائم بذاته، وأن على اليهود أن يتطوعوا إذا شاءوا في خدمة الديمقراطيات، ومن الواضح أن الحكومة البريطانية كانت تتخذ سياسة المداراة والحذر حتى لا تثير العرب في ظل انشغالها في الحرب(3).

وبالرغم من معارضة الحكومة البريطانية لتشكيل جيش يهودي، إلا أنها أذنت في بادئ الأمر بتكوين فروع وحدات يهودية متفرقة، كما زاد عدد المتطوعين اليهود في الجيش البريطاني، كما تم تسليح المستعمرات اليهودية في فلسطين، وتم تسليح الهاجاناه وتدريبها على حرب العصابات الأمر الذي أعدها لكي تقاتل بريطانيا وعرب فلسطين معا بعد انتهاء الحرب، كما تغاضت بريطانيا عن تهريب الأسلحة إلى اليهود، وفي سبتمبر 1944 استجابت الحكومة البريطانية لمطالب الوكالة اليهودية، وتقرر تشكيل لواء يهودي قائم بذاته، وكانت له أعلامه الصهيونية المميزة، وقد اعتبر الصهاينة ذلك نصرا كبيرا لمبدأ إنشاء وحدات يهودية تحارب كيهود، كما اعتبر ذلك بمثابة إعلان للدولة اليهودية(4).

ومن جانب آخر أدركت الحركة الصهيونية أحد أهم المتغيرات التي تمخضت عنها أحداث الحرب العالمية الثانية، وهو بروز الولايات المتحدة على الساحة الدولية، فقد كان دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء إيذانا ببدء مرحلة جديدة على الساحة الدولية، وبداية تراجع القوى الاستعمارية التقليدية خاصة بريطانيا.

ولذلك تركز النشاط الصهيوني خلال الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وتجلى ذلك في عقد مؤتمر بلتيمور في نيويورك بالولايات المتحدة في مايو 1942، وقد حضر المؤتمر ستمائة مندوب معظمهم من يهود أمريكا بالإضافة إلى بعض الزعماء الصهيونيين الأوروبيين، وثلاثة من أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، وعلى رأسهم حاييم وايزمان وبن جوريون، وقد انتهى المؤتمر إلى عدة قرارات:

1- إنشاء دولة يهودية في فلسطين.

2- رفض الكتاب الأبيض البريطاني.

3- إنشاء جيش يهودي.

4- إطلاق الهجرة إلى فلسطين ووضعها تحت رقابة الوكالة اليهودية.(5)

لقد جاءت القرارات أو ما أطلق عليه برنامج بلتيمور بمثابة تحول حقيقي في الصهيونية فقد كان هدفها المعلن منذ مؤتمر بال هو إنشاء وطن قومي لليهود، ولم يتحدثوا عن مسألة الدولة بصفة رسمية بالرغم من أنها كانت هدفهم الحقيقي، ولكن في هذا المؤتمر أسفرت الصهيونية عن غرضها الحقيقي بالمطالبة بإنشاء دولة يهودية في كل فلسطين، كما كان قرار إطلاق الهجرة اليهودية معناه تخطي دور بريطانيا التي خرجت منهكة من الحرب، ولذلك اختار زعماء الصهيونية في المؤتمر حاميا أكثر قوة وهي الولايات المتحدة التي كانت لها الهيمنة على العالم الغربي منذ ذلك الحين(6).

وتكشف تقارير الوزير المفوض المصري في واشنطن في أوائل عام 1943 عن تزايد النشاط الصهيوني في الولايات المتحدة، وأن الحكومة الأمريكية تميل إلى جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود تحت تأثير النفوذ والدعاية الصهيونية وأن القرار النهائي لن يصدر إلا عند نهاية الحرب، كما ذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت تعمل على عدم إعلان موقف واضح وصريح من مسألة تأييد الوطن القومي لليهود وذلك لاحتجاج الدول العربية خاصة مصر والعراق، وكذلك خوفا من تأثير الإعلان عن هذا التأييد على الوضع العسكري للحلفاء، وإثارة مشاعر المسلمين خاصة مع استغلال دول المحور الفرصة لتحريض المسلمين ضد الحلفاء، ويوضح الوزير المفوض "ولابد من التنويه هنا أن تدخل وزارة الخارجية الأمريكية إذن ليس لرغبتها في إنصاف العرب بل خشية ما تسببه تلك السياسة التي اختصتها هذه البلاد نحو مسألة الوطن القومي لليهود"(7).

ومع ذلك فقد تصاعد النشاط الصهيوني في أمريكا، واستطاعت الحركة الصهيونية الحصول على تأييد مجلس الشيوخ والنواب، وتم تقديم مشروعين لمجلس النواب والشيوخ في يناير 1944، يعلن موافقة الكونجرس على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفتح أبواب فلسطين أمام اليهود، ولكن وزارة الخارجية تدخلت وحذرت من النتائج السيئة في حالة اتخاذ الكونجرس لهذا القرار(8).

وفي يوليو 1944 ومع تصاعد حملة الانتخابات الأمريكية اتخذ الحزبان الديمقراطي والجمهوري مواقف مؤيدة للصهيونية، وأقر الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي روزفلت مبدأ أن "تكون فلسطين كومنولثاً يهودياً"، وأعلن عن تأييده لفتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية دون قيود، ووضع سياسة في فلسطين من شأنها إقامة كومنولث يهودي ديمقراطي(9).

وبالرغم من إعلان روزفلت عن تأييده للصهيونية إلا إنه في الواقع لم يتخذ أي موقف عملي لمساندة الصهيونية حتى وفاته في إبريل 1945 ، ولكن مع تولي نائبه "ترومان" الرئاسة، بدأت السياسة الأمريكية المنحازة للصهيونية تظهر بوضوح ففي أغسطس 1945 طالب ترومان من "أتلي" رئيس وزراء بريطانيا السماح لمائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين، ولكن أتلي رفض الاستجابة لهذا الطلب خوفا من إثارة القلاقل في الشرق الأوسط، وانتهى الأمر بالاتفاق بين أتلي وترومان على تأليف لجنة أنجلو- أمريكية للنظر في المسألة، وتقديم ما ترى من توصيات، وقد تشكلت اللجنة من أثنى عشر عضوا مناصفة بين الأمريكيين والبريطانيين(10).

كما أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا جماعيا في 19 ديسمبر عام 1945 يعلن "أن الولايات المتحدة سوف تستعمل مساعيها الحميدة لدى السلطة المنتدبة لجعل أبواب فلسطين مفتوحة لدخول اليهود بحرية.......... وسوف تتوفر هناك فرصة كاملة للاستعمار والتنمية بحيث تكون لهم الحرية في استئناف بناء فلسطين كوطن قومي لليهود"(11).

أما على جانب بريطانيا فقد وصل حزب العمال للحكم في 1945 ، والتي كانت سياسته مؤيدة للصهيونية وإقامة وطن قومي لليهود، وقد أكد الحزب على موقفه المؤيد للصهيونية في مؤتمره المنعقد في 1944، حيث صرح أتلي بأن الوطن القومي لليهود لن يكون له معنى إلا إذا تمكن اليهود من دخول فلسطين بأعداد تكفل لهم الأغلبية، وتشجيع العرب على ترك البلاد مع تعويضهم عن أراضيهم، وأكد الحزب في الانتخابات التي جرت في مايو 1945 وفاز بها على سياسته القائمة على إلغاء الكتاب الأبيض والسماح بالهجرة اليهودية غير المحددة، وتهجير السكان العرب.

ولكن رغم كل ذلك فإن حزب العمال بعد توليه الحكم كان عليه أن يواجه الموقف الذي خلفته الحرب العالمية فلم يكن من السهولة تنفيذ سياسة الحزب المعلنة المؤيدة للصهيونية، وشكلت لجنة لدراسة الوضع في الشرق الأوسط بوجه عام وفلسطين بوجه خاص، وبينما كانت الحكومة البريطانية تدرس الأوضاع في فلسطين، جاء طلب الرئيس الأمريكي ترومان بالسماح لمائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين، وقد انتهى الأمر-كما سبق الإشارة إلى ذلك- بتشكيل لجنة إنجليزية أمريكية مشتركة لدراسة الوضع(12).

أما على الجانب العربي فكان أهم المتغيرات التي نتجت عن الحرب هي إقامة الجامعة العربية، وبالرغم من أن الدعوة إلى الوحدة العربية كانت مطروحة على الساحة العربية إلا أنها لم تأخذ شكلاً تنظيمياً إلا خلال الحرب العالمية الثانية، وقد أعلنت بريطانيا في مايو 1941 عن عطفها على أفكار استقلال بعض الدول العربية، ترحيبها بأي عمل في اتجاه الوحدة العربية، ثم أعلن وزير الخارجية البريطاني "إيدن" في فبراير 1943 مرة أخرى عن تعاطف بريطانيا مع أي حركة تنشأ بين العرب لتعزيز الوحدة العربية والثقافية والسياسية. وكان الهدف من تأييد بريطانيا للوحدة العربية العمل على استمرار مصالحها في المنطقة، ومقاومة تسرب أي نفوذ إليها، وربط الدول العربية بعجلة سياستها الاستعمارية لتحقيق مصالحها في المنطقة عن طريق أصدقائها العرب.

وقد بدأت سلسلة المباحثات والاتصالات بين الدول العربية لإنشاء تنظيم عربي واحد، وقد قادت مصر هذه الاتصالات التي أفضت إلى بروتوكول الإسكندرية، والذي تم التوقيع عليه في 7 أكتوبر 1944، والذي تضمن المبادئ العامة التي تقوم عليها جامعة الدول العربية ، وفي 22 مارس 1945 تم التوقيع على ميثاق الجامعة العربية(13).

لقد كان إنشاء الجامعة يعني وضع القضية الفلسطينية على جدول اهتمامات الدول العربية، وذلك نظراً لطبيعة هذه القضية واختلافها عن باقي القضايا العربية، فقد كانت الكثير من البلاد العربية تعاني من الاحتلال وتطالب برحيل المستعمر بعكس الفلسطينيين الذين كانوا يعانون من الاحتلال البريطاني والمشروع الاستيطاني اليهودي الهادف إلى انتزاع الشعب الفلسطيني من أرضه بمؤازرة وتأييد بريطانيا.

وقد نص بروتوكول الإسكندرية على أن فلسطين ركن مهم من أركان البلاد العربية، وعلى تأييد العرب لقضية عرب فلسطين والعمل على تحقيق أمانيهم المشروعة وصون حقوقهم العادلة، كما تضمن ميثاق جامعة الدول العربية ملحقاً خاصاً بفلسطين، وجاء فيه أن يتولى مجلس الجامعة العربية اختيار مندوب عربي من فلسطين للاشتراك في أعماله إلى أن تتمتع فلسطين بممارسة استقلالها الفعلي.(14)

أما على الجانب الفلسطيني فقد أدت الحرب العالمية الثانية وفرار المفتي إلى ألمانيا إلى جمود الحياة السياسية لعرب فلسطين، وتجدد الخلافات بين الأحزاب الفلسطينية، ومع نهاية الحرب واختفاء المفتي في فرنسا بعد هزيمة دول المحور تجددت الخلافات مرة أخرى بين الزعماء الفلسطينيين، وتدخلت الجامعة العربية للتوفيق بين الشخصيات الفلسطينية عام 1945 وانتهى الأمر بتكوين هيئة موحدة عرفت باسم الهيئة العربية العليا، تتكون من 12 عضو تمثل اتجاهات الرأي العام للشعب الفلسطيني، وقد استمر الانقسام رغم ذلك حول منصب رئيس الهيئة، والذي ترك شاغرا احتراماً لمفتي فلسطين الذي كان مازال مختفيا(15).

جهود الإخوان في مناصرة القضية الفلسطينية من عام 1945 - 1947

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر عام 1939 ، أعلنت الأحكام العرفية، وانشغل العالم كله بأحداث الحرب، وعملت بريطانيا على مطاردة العناصر المعادية لها، والتي تبدي تعاطفا مع دول المحور أملا في استغلال ظروف الحرب العالمية لتحقيق استقلال مصر، وطلبت الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية الحد من نشاط جماعة الإخوان المسلمين، التي اتهمتهم بالعمل لحساب إيطاليا، وتم نقل حسن البنا إلى قنا في نوفمبر 1940، كما تم اعتقال حسن البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين في أكتوبر 1941، وقامت الحكومة بمصادرة مجلاتهم ومنعت مطبوعاتهم واجتماعاتهم(16).

ومع ذلك فقد شهدت تلك الفترة نشاطاً كبيراً للإخوان ، والذي تركز على نشر دعوتهم واكتساب المزيد من الأعضاء وتكشف تقارير الأمن العام النشاط الكبير للإخوان في فترة الحرب العالمية الثانية والذي تمثل في عقد العديد من الاجتماعات والمحاضرات في دور الإخوان واكتساب المزيد من الأعضاء خاصة في أوساط الطلبة، فيكشف أحد التقارير عن عقد الإخوان اجتماع لطلبة الجامعة والأزهر والمدارس في 14 نوفمبر 1940 وأن عدد الحضور كان 500 تقريبا حيث ألقيت الكلمات من ممثلي الجامعة والأزهر والمدارس الخصوصية وقد تحدث حسن البنا في ختام الحفل الذي امتد من الساعة السابعة مساء وحتى العاشرة(17).

وجاء حادث 4 فبراير والتي حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر عابدين، وأجبرت الملك فاروق على استدعاء النحاس وتكليفه بتشكيل الحكومة ليعطي دفعة قوية للإخوان بحيث يمكن القول أن الإخوان كانوا أكثر القوى المصرية التي استفادت من هذا الحادث، فقد أدى هذا الحادث- بصرف النظر عن حقيقة موقف الوفد ومصطفى النحاس من هذا الحادث وعلاقاتهم به- إلى تشويه صورة حزب الوفد الأمر الذي صب في مصلحة الإخوان الذين استطاعوا استقطاب عدد كبير من الأعضاء الجدد.

كما أدى تنازل حسن البنا عن ترشيح نفسه في الانتخابات النيابية عن دائرة الإسماعيلية عام 1942 بناء على طلب من رئيس الوزراء مصطفى النحاس مقابل إطلاق حرية الحركة للإخوان إلى ازدهار نشاط الجماعة في مختلفة أنحاء القطر، وأتاحت لهم العمل لنشر أفكارهم بكافة الوسائل الممكنة(18).

ويسجل تقرير بريطاني أنه نتيجة تحالف الإخوان مع الوفد استطاع حسن البنا أن يحقق في عام أكثر مما حققه في 12 عام فأصبح للإخوان أكثر من 1000 فرع كما تم تزويد منظمة الجوالة الإخوانية بتدريب شبه عسكري ومدها بالسلاح(19).

وقد قدر عدد الإخوان في نهاية عام 1945 ، مع نهاية الحرب العالمية الثانية ما بين 100 و 500 ألف عضو في أكثر من ألف شعبة(20).

وتجمع المصادر المختلفة على أن الإخوان قد خرجوا من الحرب العالمية الثانية أكثر قوة، واسع انتشارا وان شعبهم قد غطت أنحاء القطر المصري، وهو الأمر الذي تؤكده أيضا المصادر الإخوانية(21).

وكان انتهاء الحرب العالمية الثانية بداية لمرحلة جديدة من العمل الوطني على الساحة المصرية سواء على صعيد قضية الجلاء ووحدة وادي النيل أو على صعيد القضية الفلسطينية، وقد أدرك الإخوان المتغيرات التي شهدتها الساحة الدولية أثناء الحرب العالمية الثانية خاصة الدور الأمريكي القادم إلى منطقة الشرق الأوسط، والمؤيد للصهيونية، وقد أرسل الإخوان في يوليو 1944 مذكرة إلى الوزير المفوض الأمريكي بالقاهرة احتجاجا على تصريحات الحزب الجمهوري والديمقراطي المؤيدة للصهيونية والمطالبه بفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين، وتأييد فكرة الوطن القومي للصهيونية، وقد أعربوا في المذكرة عن استنكارهم لهذه التصريحات التي أثارت الأسى والاستياء في جميع أرجاء العام العربي والإسلامي لأن قضية فلسطين هي قضية مصر والعرب والإسلام، وأعربوا عن احتجاجهم على هذا التصريح المشئوم التي تنادي به أمريكا متحدية به شعور 400 مليون مسلم، وطلب الإخوان في مذكرتهم عدول الولايات المتحدة عن سياستها المؤيدة للصهيونية(22).

ويرحب الإخوان بإنشاء جامعة الدول العربية ، ويدعو حسن البنا اللجنة التحضيرية التي شكلت لدراسة شكل الوحدة العربية إلى دعوة ممثلين عن أبناء شمال أفريقيا وعن أبناء فلسطين ليشرحوا قضاياهم ومطالبهم(24).

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 م، وإلغاء الأحكام العرفية، بدأ الإخوان التحرك الشعبي لمناصرة القضية الفلسطينية واستعد الإخوان لإظهار تأييدهم للقضية الفلسطينية، وإظهار استنكارهم لوعد بلفور كالمعتاد في يوم صدور هذا الوعد في 2 نوفمبر، وقد تميز تحرك الإخوان في ذكرى وعد بلفور في 2 نوفمبر 1945 م بتعاون الإخوان مع جبهة الهيئات العربية والإسلامية في مصر المكونة من الإخوان والشبان المسلمين والاتحاد العربي وجمعية الوحدة العربية، حيث اتفقا على إعلان الإضراب العام لمدة ساعتين كاملتين تتوقف فيها المحال التجارية والمواصلات، وقامت سيارات النقل الثقيل التابعة للإخوان بنقل الطلاب إلى الجامع الأزهر، بينما توجه الكثير من المتظاهرين إلى المسجد سيرا على الأقدام نظرا لإضراب المواصلات.

وقد قاد حسن البنا المتظاهرين الذي قدر عددهم من 10 إلى 20 ألف من الأزهر بعد صلاة الجمعة إلى ميدان عابدين، وقد اخترقت المظاهرة شوارع القاهرة إلا أنها خرجت عن الخط السلمي المقرر لها، واندفع بعض المتظاهرين في أعمال عنف ضد المنشآت الأجنبية وممتلكات اليهود، وتم إشعال النيران في كنيسة يهودية في مدخل شارع درب البرابرة الواقع بالقرب من ميدان القبة وقد سارع رئيس الوزراء النقراشي بالوصول إلى مسرح الأحداث، بعد أن فقدت الشرطة السيطرة على الموقف، وقام رئيس الوزراء بالمساعدة شخصيا في القبض على بعض مثيري الشغب، وقد أبدى حسن البنا أسفه على أعمال الشغب التي وقعت، وناشد المسئولين عنها بالتوقف، واستطاع بعد ساعة أن ينصح المتظاهرين بالتفرق فأطاعوه وانصرفوا بنظام(25) .

وتظهر الوثائق الأمريكية مدى عنف هذه المظاهرات، والتي أصابت الكثير من المحلات البريطانية بخسائر كبيرة، وأن طلبة الأزهر وجامعة القاهرة واصلوا إضرابهم يوم 3 نوفمبر كما تلقت المفوضية الأمريكية بالقاهرة 120 تلغرافا تحتج على سياسة الرئيس الأمريكي ترومان.

وفي الإسكندرية لم يختلف الأمر كثيرا ربما كان الوضع أعنف من القاهرة فقد أوضح القنصل العام الأمريكي بالإسكندرية في برقية عن الإضراب في الإسكندرية في ذكرى وعد بلفور أن المظاهرات تحولت إلى عملية شغب واسعة، وأن عصابات من الغوغاء تحمل الحجارة والعصي قامت بالاعتداء على كل المنطقة المحيطة بمبنى القنصلية، وقد اضطر البوليس للتدخل مما أسفر عن قتل 10 أشخاص وجرح 300، ولم يستطيع البوليس السيطرة على الموقف إلا في الساعة الخامسة ظهراً، وبعد أن أصاب الدمار الكثير من المحلات اليهودية واليونانية والأرمينية وغيرها من المحلات الأوربية، ولحقت أضرار بمبنى التشهيلات الأمريكي في ميناء الإسكندرية، كما حدث اعتداء على قافلة من أربع لوريات عسكرية أمريكية، وجرح اثنان، كما تم تحطيم عيادة لطبيب يحمل جواز سفر أمريكي، وتحطيم نوافذ مبنى نادي البحارة الأمريكي(26).

وقد عزا صالح عشماوي أعمال العنف إلى بعض الرعاع والدهماء الذين استغلوا الفرصة وقاموا بهذه الاعتداءات الفردية، وأن الجرائد الأجنبية عملت على استغلال الفرصة لتشويه سمعة مصر، وبالغت في تصوير الأحداث، وذكر أنه قد ثبت أن بعض اليهود قد بدءوا بالعدوان وأطلقوا النيران على المتظاهرين في حارة اليهود بالقاهرة، وشارع التتويج بالإسكندرية، وأن التحقيقات كشفت أن بعض المحطمين للمحلات التجارية كانوا من أصحاب هذه المحلات طمعا في التعويض، وأن اليهود استغلوا الأحداث بأكثر مما استغلها الرعاع والدهماء(27).

وبصرف النظر عن صحة أو خطأ ما ذكره صالح عشماوي، فإن هذه المظاهرات العنيفة كان لها الكثير من الدلالات من أهمها أن هذه المظاهرات كانت "من السعة والشمول بما دل على تعلق بصر المصريين وقلبهم بمعركة فلسطين ضد الصهيونية"، "كان عنفها وشمولها تعبيرا عن موقف المصريين عامة من قضية البلد العربي المتاخم، كما كان مظهرا لالتحام قضية هذا البلد بالقضايا السياسية التي تشغل المصريين عامة"(28) .

كما دلت هذه المظاهرات على "إدراك الرأي العام المصري لخطورة اعتناق يهود مصر للمبادئ الصهيونية وتأييدهم فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين" كما دلت على "مدى الوعي الكامل لدى الرأي العام المصري- وبخاصة الطلبة- بخطورة الصهيونية وقيام الدولة اليهودية على كيان مصر القومي في تلك الفترة بالذات والتي يحاول فيها الساسة المصريون فتح باب المفاوضات من جديد من أجل الحصول على الاستقلال"(29).

وبالإضافة إلى تلك الدلالات العامة، فإن استهداف المصالح الأمريكية في مظاهرات الإسكندرية وكذلك البرقيات التي تحتج على سياسة الرئيس الأمريكي "ترومان" تدل على وعي الرأي العام بالدور الأمريكي المقبل في تأييد الصهيونية.

وعندما وصلت إلى مصر لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية المشتركة في إطار مهمتها لدراسة مشكلة فلسطين وتقديم الحلول لها. كان من بين الشخصيات المصرية التي استمعت إليها اللجنة "حسن البنا " وذلك في 5 مارس 1946، وقد أعلن أمام اللجنة تأييد الإخوان المسلمين لما أعلنه العرب وزعماؤهم ومندوبوهم وكذلك الجامعة العربية، وأوضح: "أن خصومتنا لليهود ليست دينية........ونحن حين نعارض بكل قوة الهجرة اليهودية نعارضها لأنها تنطوي على خطر سياسي اقتصادي، وحقنا أن تكون فلسطين عربية"، وفي ختام كلمته قال: "لقد استمعت اللجنة إلى رجال اليهود، وتركت الرجل الأول الجدير باستشهاده في قضية فلسطين وهو الحاج أمين الحسيني ، وكذلك المجاهدين المبعدين فأكون سعيدا إذا عملت اللجنة على الإفراج عنهم جميعا"(30).

وقد انتهت اللجنة إلى إصدار تقرير جماعي نشر في أواخر إبريل، وقد احتوى التقرير على عشر توصيات كان أخطرها الاستجابة إلى طلب "ترومان" بالسماح لمائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين، وكذلك إلغاء القيود على تمليك اليهود للأراضي(31).

وكان لهذا التقرير وقع سيئ في مصر، حيث خرج المصلون بعد صلاة الجمعة من مساجد القاهرة معلنين استنكارهم للسياسة الاستعمارية الغاشمة، ومعلنين تضامنهم مع إخوانهم من أبناء فلسطين، وأعلن حسن البنا في برقية إلى قصر عابدين "أن عروبة فلسطين واستقلالها لن تتأثر بقرار لجنة التحقيق الصهيونية" ، واعتبر أي اعتداء على فلسطين يعتبر اعتداء على كافة الشعوب العربية، وأنه سيقابل بكافة أنواع التضحية في سبيل هذه القضية العادلة(32).

كما أرسل الإخوان بالاشتراك مع الهيئات العربية والإسلامية المختلفة برقيات احتجاج إلى ممثلي الدول الأجنبية في مصر تضمنت رفضهم ورفض الأمة المصرية لتقرير لجنة التحقيق الذي جاء مناقضا لأدنى اعتبارات الإنسانية، واعتبر التقرير مناورة بريطانية للتحلل من الوعود والمعاهدات الرسمية التي ارتبطت بها بريطانيا مع العرب، وطالب الإخوان والهيئات العربية والإسلامية مندوبي الدول الأجنبية بإبلاغ حكوماتهم بموقف تلك الهيئات المصرية وتهديدهم باستعمال القوة والعنف إذا وضعت توصيات تلك اللجنة موضع التنفيذ(33)*.

وفي إطار التوجه العربي للملك "فاروق"، فقد دعا رؤساء وملوك الدول العربية إلى عقد اجتماع في "إنشاص"، حيث عقد الاجتماع أو القمة العربية الأولى يومي 28 و 29 مايو 1946، حيث تم مناقشة القضية الفلسطينية، وصدر بيان عن القمة تضمن رفض توصيات لجنة التحقيق الأنجلو- أمريكية والتمسك باستقلال فلسطين والحفاظ على هويتها العربية، وتشكيل هيئة وطنية تمثل كل القوى الفلسطينية(34).

كما شن الإخوان حملة قوية للمطالبة بعودة المفتي من فرنسا وقام الإخوان بإرسال عدة مذكرات للسفارات والمفوضيات الأجنبية وللملك للمطالبة بعودة مفتي فلسطين، كما أرسلت الأخوات المسلمات برقية للقصر الملكي ورئيس الوزراء والسفارة البريطانية والمفوضية الأمريكية، والى أمانة الجامعة العربية لتأييد الإخوان في مواقفهم، ومطالبهم بعودة المفتي(35).

وكلف حسن البنا أحد الإخوان الذي أرسل في بعثة تعليمية إلى باريس عام 1946 وهو توفيق الشاوي ليكون ضابط اتصال بين المفتي في باريس وحسن البنا وأصدقائه في مصر وكان هدف الإخوان مساعدة المفتي حتى يتسنى له القيام بدوره في قيادة الجهاد الفلسطيني، وقد استطاع توفيق الشاوي توثيق صلته بالمفتي في باريس، ونقل إليه رسالة من حسن البنا وقد استمر توفيق الشاوي في مهمته حتى هروب المفتي إلى مصر(36).

ولهروب المفتي إلى مصر قصة طويلة فقد لجأ فاروق في ظل سياسته واتجاهاته في ميدان السياسة العربية إلى دعوة المفتي إلى القدوم إلى مصر، وقامت السفارة المصرية بباريس بالبحث عن المفتي في باريس والتقاه السفير الذي صرح له بأن الملك فاروق يرحب به في مصر، وقد وافق المفتي على العرض، واستطاع المفتي الوصول إلى مصر بالرغم من الجهود التي قام بها عملاء الوكالة اليهودية في باريس للتخلص منه.

والغريب أن رئيس الوزراء إسماعيل صدقي لم يعرف بوصول المفتي إلا من صديقه رينيه قطاوي أحد أقطاب الجالية اليهودية في مصر وقد أثار صدقي هذا الأمر مع فاروق، ولم يكن صدقي سعيدا بهذه الخطوة التي كان يعتقد أنها يمكن أن تثير المشاكل خاصة في ظل المفاوضات التي كان يجريها مع بريطانيا، بالإضافة إلى أن هذا الأمر والاهتمام بالقضايا العربية من شأنه أن يضايق اليهود أصحاب أقوى نفوذ مالي في مصر والعالم(37).

وقد توجه المفتي إلى قصر عابدين حيث استقبله الملك فاروق، والذي كان يعرف مسبقا بقدومه إلى القصر، كما حرص فاروق بنفسه على تسريب خبر تواجد المفتي في القاهرة إلى الملحق العسكري الأمريكي الذي التقاه في إحدى الحفلات (38).

وقد أصدرت الحكومة بيانا حول لجوء أمين الحسيني إلى مصر أظهر بوضوح موقف إسماعيل صدقي من تواجد المفتي في مصر وقد جاء فيه "ولا يخفى أن مصر تجتاز مرحلة من أدق مراحل حياتها السياسية نرجو لها التوفيق والفلاح في ظل الهدوء والنظام، ولا ريب أن سماحته يقدر ذلك"(39).

وقد رحب الإخوان بالمفتي في مصر، وأشادوا بالملك فاروق واستضافته للمفتي، كما انهالت برقيات التهنئة والشكر من الإخوان والجالية الفلسطينية بمصر والدول العربية على الملك فاروق لموقفه من المفتي(40).

كما بعث الإخوان بمذكرة إلى وزير أمريكا المفوض في مصر احتجاجا على تأييد الحكومة البريطانية لطلب بريطانيا تسليم المفتي إليها لمحاكمته، وطالب الإخوان الحكومة الأمريكية العدول عن سياستها حفاظا على الصلات الحسنة بينها وبين الدول العربية(41).

كما طالب حسن البنا بريطانيا بإصدار عفو عن السجناء الفلسطينيين السياسيين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجن في جزيرة سيشل(42).

وفي إطار جهود الإخوان لمناصرة القضية الفلسطينية فقد عمل الإخوان في منتصف عام 1944 على تكثيف نشاطهم في فلسطين عن طريق افتتاح شعب للإخوان هناك وإرسال المبعوثين وكان الإخوان قد أرسلوا بعثة لفلسطين من قبل في عام 1935 كما سبق الإشارة إلى ذلك، وفي 26 أكتوبر 1945 تم افتتاح أول شعبة للإخوان في فلسطين، وقد حضر الافتتاح سعيد رمضان مبعوث الإخوان إلى فلسطين(43).

وقد نصت المادة الأولى من القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين على: في 20 من شهر ذي القعدة سنة 1946، 26/10/ 1945 "تألفت جماعة الإخوان المسلمين في القدس ومقرها بيت المقدس ومركزها الرئيسي القاهرة"(44).

وتوالى المبعوثون من الإخوان على فلسطين ففي عام 1946 أرسل الإخوان الشيخ عبد المعز عبد الستار إلى فلسطين حيث قضي شهرين يطوف بمدن فلسطين لتوحيد الصفوف، وقد حضر الاحتفال بافتتاح شعبة للإخوان في القدس في مايو 1946 وقد حضر الحفل ما يزيد عن ألفي شخص من القدس والقرى المجاورة، ومندوبي جماعة الإخوان في فلسطين وشرق الأردن، وقد تحدث عبد المعز عبد الستار في الحفل عن دعوة الإخوان وذكر أن الدعوة ليست عنصرية ولا طائفية، وقد تحدث في الحفل جمال الحسيني نائب رئيس اللجنة العربية العليا الذي ذكر أنه تمنى منذ تسعة سنوات أن تنتشر دعوة الإخوان في فلسطين، وأن أمنيته تحققت وأعلن انضمامه إلى الإخوان .

وقد اتسع نشاط الإخوان في فلسطين وافتتحت العديد من الشعب في يافا وغزة والرملة واللد ونابلس وخان يونس وبئر السبع والناصرة وعكا وسلوان وغيرها، ومن الملاحظ أن عدد الشعب الإخوانية في فلسطين كان أكبر من الشعب الإخوانية في الأردن وسوريا ولبنان في تلك الفترة، وربما يعود ذلك إلى الاتصال المبكر للإخوان بفلسطين وتبنيهم لقضيتها(45).

وقد بلغ عدد شعب الإخوان في فلسطين في عام 1947، 25 شعبة وقدر عدد الأعضاء ما بين 12 إلى 20 ألف عضو(46).

وعمل لجوء المفتي إلى مصر على زيادة توثيق الصلات بين المفتي والإخوان وشكلت بداية عمل مشتركة مباشر بين الطرفين، فبعد استقرار المفتي بمصر تولى رئاسة الهيئة العربية العليا، وهي الهيئة الوطنية التي دعا إليها الملوك والرؤساء العرب في إنشاص، وأقرها مجلس جامعة الدول العربية في اجتماع "بلودان" بلبنان في يونيو 1946، وقد اعترفت كل من الحكومة البريطانية وهيئة الأمم المتحدة باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وإن كانت الحكومة البريطانية والأمم المتحدة قد نظرتا للهيئة العربية كطرف على قدم المساواة مع الوكالة اليهودية انطلاقا من مبدأ خاطئ، وهو أن لليهود حقوقا في فلسطين مثل العرب(47).

بعد فشل لجنة التحقيق الأنجلو- أمريكية في إيجاد حل المشكلة الفلسطينية أعلن "أتلي" أن بريطانيا لا يمكن أن تتحمل وحدها المسؤولية وطالب بعون مالي أو مساعدة عسكرية أمريكية لتنفيذ ما تطالب به الولايات المتحدة من هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين، وأمام تصاعد العمليات الصهيونية في فلسطين ضد سلطات الانتداب البريطاني والخلاف بين بريطانيا وأمريكا أعلنت بريطانيا الدعوة إلى عقد مؤتمر مائدة مستديرة في لندن يتم دعوة ممثلي اليهود وعرب فلسطين والدول العربية إليه، وقد انعقد المؤتمر في سبتمبر 1946، ولم يحضر سوى ممثلي بريطانيا والدول السبع أعضاء الجامعة العربية، بينا رفض عرب فلسطين واليهود حضور المؤتمر وقد عرضت بريطانيا في المؤتمر مشروع "موريسون جرادي" وهو مشروع مشترك أعده خبراء إنجليز وأمريكيون ويقوم على أساس إنشاء كيان فيدرالي يشتمل على إقليم عربي وإقليم يهودي مع بقاء القدس والنقب تحت إدارة مباشرة يتولاها المندوب السامي، على أن تحصل فلسطين فيما بعد الاستقلال التام، فإما أصبحت دولة فيدرالية وإما انقسمت إلى دولتين منفصلتين أحدهما يهودية والأخرى عربية.

وقد رفض العرب المشروع الذي يحمل اتجاها نحو التقسيم، ويجعل بقاء الانتداب بدون أجل محدد، وتقدم العرب بمشروع مضاد يقضي بإنشاء حكومة مؤقتة من عشرة أعضاء، سبعة من العرب وثلاثة من اليهود، وانتخاب جمعية تأسيسية لإعداد دستور ديمقراطي، ووقف الهجرة اليهودية، والسماح بحرية التعليم لليهود، واستعمال العبرية باعتبارها لغة رسمية، وقد انتهت المباحثات والمؤتمر بالفشل، ولجأت بريطانيا إلى عرض الأمر على الأمم المتحدة حيث طلبت في إبريل 1947 عقد دورة خاصة لمناقشة القضية الفلسطينية(48).

وفي 28 إبريل ناقشت الجمعية العامة عضوية لجنة التحقيق المقترحة لبحث المشكلة الفلسطينية حيث تم تشكيل لجنة من مندوبي إحدى عشرة دولة، وقد وضعت اللجنة تقريرها في 31 أغسطس والذي تضمن إنهاء الانتداب واستقلال فلسطين إلا أن اللجنة اختلفت حول تنفيذ ذلك، وقد أوصت الأغلبية المكونة من سبعة أصوات بتقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة عربية وأخرى يهودية ووضع القدس تحت الوصاية الدولية، أما الأقلية المكونة من ثلاثة أصوات فأوصت بقيام دولة فيدرالية تشمل كيانين يتمتع كل منهما بالاستقلال الذاتي.

وفي 23 سبتمبر قررت الأمم المتحدة تأليف لجنة خاصة لدراسة التقرير والبحث في مختلف المشروعات التي تضمنها، وقد تألفت اللجنة من ممثلي الدول المنتمية إلى الأمم المتحدة وعددها 55 دولة، وقد حصل قرار التقسيم على أصوات أغلبية اللجنة الخاصة، وإن كانت هذه الأغلبية لم تصل إلى مقدار الثلثين وهي النسبة اللازمة لاعتماد التقرير، وقد قامت الولايات المتحدة بضغوط رهيبة على بعض الدول لتأييد المشروع أو على الأقل الامتناع عن التصويت، وقد أدت هذه الضغوط وعملية شراء الأصوات التي قامت بها إلى حصول مشروع التقسيم على أغلبية الثلثين، حيث وافق على المشروع 33 صوتا مقابل 13 صوتا وامتناع عشرة أعضاء عن التصويت، وبذلك صدر قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947(49).

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات وتشكل اللجان بعد الحرب العالمية الثانية وحتى صدور قرار التقسيم 1947 كان الصهاينة في فلسطين يعملون بدأب على زيادة قواتهم وتهريب المزيد من الأسلحة وتحصين مستعمراتهم في الوقت الذي كان العرب يعانون من قلة السلاح، وقد أدرك مفتي فلسطين أهمية شراء الأسلحة وتحصين القرى الفلسطينية، وقد أتاح تواجده في القاهرة وعلاقاته الوثيقة بالإخوان المسلمين السبيل أمامه للحصول على الأسلحة والذخائر بمساعدة الإخوان .

ومن المهم الإشارة إلى أن أحد مبررات إنشاء النظام الخاص أو الجهاز السري الذي أنشأه الإخوان المسلمين عام 1939 أو 1940 كان مقاومة المخططات الصهيونية في فلسطين(50).

وقد قام النظام الخاص بدور هام في تسليح الفلسطينيين، حيث قام الإخوان بجمع الأسلحة والمتفجرات من الصحراء الغربية، وهي الأسلحة المتخلفة عن الحرب العالمية الثانية والتي كانت توجد بكميات كبيرة، وكانت هذه المخلفات هي المصدر الأول للتسليح، أما المصدر الثاني فكان شراء الأسلحة المعروضة للبيع من تجار الأسلحة المحترفين في كافة أنحاء القطر المصري، وقد قام عدد من الإخوان بدور كبير في هذا الصدد، وكان على رأسهم محمود الصباغ أحد قيادات النظام الخاص والذي كان مسئولاً عن تسليح الفلسطينيين من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وكان بمثابة ضابط اتصال بين الإخوان والهيئة العربية العليا في شئون التسليح، وقد توثقت صلته بالقائد الفلسطيني