الإخوان المسلمون والتنظيم السري

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والتنظيم السري

بقلم د.عبد العظيم رمضان

محتويات

مقدمة

يرجع الفضل فى ظهور فكرة هذه الدراسة إلى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية حين نظم رئيسه الدكتور أحمد محمد خليفة فى عام 1979 أى فى أعقاب اغتيال الشيخ الذهبي حلقة علمية مقفلة؛

دعا إليها عددا محدودا جدا من علماء الاجتماع والقانون والين والتاريخ لمناقشة ما بدا أنه أخطر قضية تطل برأسها فى ذلك الحين وهي قضية الحركات الدينية المتطرفة العنف وكان صاحب هذا القلم أحد أعضاء هذه الحلقة .

وقد دارت فى هذه الحلقة مناقشات على جانب عظيم من الخصوبة والأهمية حتي لقد بدا الكثيرين أنها أخطر مناقشات دارت حول قضية من القضايا فى الحقبة التاريخية الأخيرة !..

ومن سوء الحظ أن الصفة السرية القصوي للحلقة قد منعت تسجيل مناقشتها بالوسائل العلمية الحديثة ونشرها على جماهيرنا وبالتالي تمنعني من إذاعة ما قمت بتسجيله من ملاحظات.

على أن المحصلة التى انتهت إليها الحلقة هي أن العنف الصادر عن الجماعات الدينية المتطرفة سوف يلعب دورا رئيسيا فى تشكيل الأحداث فى بلادنا فى المستقبل القريب مالم تتخذ الاحتياطات لتوقي حدوثه سواء من جانب السلطات الدينية والجماعات الدينية المعتدلة؛

أو من جانب السلطات الرسمية ولم يخطر ببال أشد المتشائمين فى هذه الحلقة وكنت أحدهم أن هذا العنف سوف يودي بحياة رئيس الدولة نفسه وهو مالم يحدث فى طول التاريخ المصري وعرضه !

ولما كان البحث الذى قدمته لهذه الحلقة هو عن جماعة الإخوان المسلمين والعنف وقد حددت دور الجماعة ودور الدولة فى نشأة العنف فقد تراءي لى وأنا ممن يؤمنون بأن التاريخ لا يدرس لذاته وإنما يدرس لكي يوضع نتائج تحقيقاته فى خدمة المجتمع أن أبادر بتوسيع نطاق الدراسة ومد آفاقها والتوفر على تحقيق المزيد من تفصيلاتها

ثم نشر نتائجها على جماهيرنا لتكون بمثابة جرس إنذار ينبه المجتمع المصري والجماعات الدينية المتطرفة والدولة إلى أن العنف من واقع التجربة التاريخية لا يجدي وأنه لا يحقق أى تغيير جذري وأنه يعود على مرتكبيه من الجانبين بأوخم العواقب!

وعندما طرأت لى هذه الفكرة وشرعت فى تنفيذها ولم أكن أدرج جماعة الإخوان المسلمين الحالية فى سلك الجماعات الدينية المتطرفة بعد انهيار التنظيم السري على يد عبد الناصر فى عام 1954 وتصفيته للتنظيم الجديد فى عام 1965

وإدراكا مني أن القيادات الأخيرة للإخوان هي قيادات وعت درس العنف جيدا منذ أوائل الخمسينيات وكانت تعارض التنظيم السري علنا قبل حادث المنشية وإن كان قد سبق لى أن تنبأت فى مقال كانت قد طلبته مني جريدة " اللومند دبلوماتيك " الفرنسية

ونشر فى عدد أغسطس 1977 بحتمية حدوث مواجهة بين الإخوان المسلمين والسلطة فى أقرب فرصة إذا رفضت السلطة مطلبهم فى الوجود الشرعي وقلت بالحرف الواحد أنه:

وعلى كل حال فإن هذا ما جعلني أحرص على أن أصدر هذه الدراسة عندما نشرت فى شكل مقالات فى مجلة روز اليوسف القاهرية وجريدتي "الهدف" الكويتية و" الاتحاد" بأبي ظبي بعبارة صادقة تنص على أن " هذه الدراسة تنصب على أحداث الماضي ولا صلة لها بالحاضر إلا تلك الصلة الضرورية التي يستخلصها الحاضر من عبرة الماضي ودورس التجربة؛
وبالتالي فمن الخطأ الفادح أن تعدها أية هيئة حالية سياسية كانت و دينية أو يعدها اى فرد يعيش الآن محاولة للإدانة أو الهجوم . فذلك أبعد ما يكون عن أغراض الدراسة العلمية الحقيقية".

على أنه رغم هذه العبارة لم تكد تنشر فصول الدراسة فى الصحف السالفة الذكر حتي انهال سيل من الهجوم والطعن على الكاتب فى البلاد التى نشرت فيها الدراسة وفى غيرها من جانب الدوائر الدينية الإسلامية التى اعتبرت الدراسة موجهة ليس فقط ضد جماعة الإخوان المسلمين بل وضد الإسلام أيضا !!.

وبلغ الأمر حد استخدام منابر المساجد والجوامع فى شن الهجوم والطعن .. وأفلح الضغط فى إيقاف نشر الدراسة فى جريدة " الاتحاد" التى تصدر بأبي ظبي بعد نشر اثنتين وعشرين حلقة منها ... ومن المؤسف أن كثيرا من الهجوم الذي تعرض له الكاتب باسم الدين لم يلتزم بالقواعد التي رسمها الدين الحنيف للحوار والجدل فيما بين المسلمين أو حتي المسلمين والمشركين !!

على أن هذا لم يمنع قيام حوار مثمر بيني وبين الأستاذ صلاح شادي داعية الإخوان الكبير وأحد من لعبوا دورا هاما فى أحداث الدراسة على صفحات جريدة الوطن الكويتية استمر قرابة ثلاثة أشهر نشر فيها أحد عشر مقالا مطولا ورددت عليه بست مقالات لم ينشر السادس منها لقفل باب الحوار .

ورغم أن الخلاف لم يحسم لاختلاف مواقعنا إلا أني رأيت أنه سوف يكون مفيدا لقارئ هذه الدراسة بعد نشرها فى كتاب متابعة هذا الحوار الخصب للتعرف على رؤية أحد زعماء الإخوان المسلمين للأحداث خصوصا وكان من زعماء التنظيم السري والحكم على هذه الرؤية فى ضوء ما استندنا إليه من مصادر سوف يجدها القارئ ملحقة بالكتاب فضلا عن الحواشي التى حرصت على إثباتها فى نهاية كل صفحة .

لذلك استأذنت الأستاذ صلاح شادي الذي ربطتني به رابطة الود والاحترام أثناء الحوار وقد طوقني بفضله حين حرص على رؤيتي عند زيارته للندن فى عام 1981 حيث أكلنا معا خبرا وملحا فى نشر مقالاته بين ملاحق هذه الدراسة فقيل مشكورا .

وسيري القارئ الخطابين المتبادلين بيننا فى هذا الشأن فى ملاحق الدراسة مشفوعة بردودي عليه فى نفس جريدة الوطن الكويتية ونظرا لأنه طلب مني " عدم إضافة شئ لم ينشر فى ذلك الحين " فقد أحترمت رغبته ولم أشا الرد على ما أثاره من نقاط لم تتح لى الفرصة للرد عليه فى حينه وإن كنت أبحث لنفسي نشر ردي السادس عليه رغم أنه لم ينشر لأنه سبق لى أن أرسلته إليه بعد طلبه مني فى إحدي مكالماتنا التليفونية فهو يدخل فى إطار علمه .

كذلك رأيت نشر الرد الذى كتبه صديقي الدكتور فؤاد زكريا فى جريدة الوطن تعليقا على بعض أحداث الدراسة وأرفقته بردي عليه فى نفس الجريدة كما نشرت ردين هامين أحدهما نشر بمجلة روز اليوسف مع الحلقة الرابع عشرة لمواطن يدعي فاروق حافظ والثاني فى شكل خطاب ورد إلى من الدكتور محمد فؤاد منير وهو طبيب بالإسكندرية بتاريخ 7 ديسمبر 1980؛

وهما يحويان معلومات تاريخية مجهولة للآن عن المجموعة التي ارتكبت حوادث الهجوم على تجمعات الإنجليز فى الإسكندرية فى يوليو 1946 وقد اتفقنا على استبعاد الإخوان المسلمين من مسئولية ارتكاب هذه الحوادث ولا أملك إلا أن أوجه إليهما الشكر لهذه المعلومات الجديدة.

وقد رأيت الاكتفاء بهذا القدر من الردود التى أثارتها الدراسة دون نشر بقية الردود التى أغفلت الحد الأدني لقواعد الجدل والنقاش حرصا على المستوي العلمي للكتاب كما اني لم أر فائدة من نشر الردود الأخري التي تحمل أراء شخصية لا تقدم ما يدعمها من وثائق او مستندات لأن ضرر مثل هذه الردود أكثر من نفعه .

وإن كنت لا أملك إلا أن أشكر الجميع لإسهامهم بقدر جهدهم فى النقاش . على أني نشرت تعليقي الأخير على هذه الردود الذي نشرته لى مجلة روز اليوسف مع الحلقة الأخيرة للدراسة الصادرة بعدد 13 أبريل 1981 تحت عنوان :" أكن لجماعة الإخوان المسلمين احتراما كبيرا ".

وأخيرا فإن ردود الفعل العنيفة لصدور هذه الدراسة ونشرها على أوسع نطاق فى الصحف اليومية ليست سوي أنموذج لبعض المتاعب التي يمكن أن يتعرض لها مؤرخ التاريخ المعاصر حيث الأحداث لا تزال ساخنة والأفراد الذين لعبوا دورا فى هذه الأحداث لا يزالون أحياء يرزقون !!

ومثل هذه المتعب قد تقعد الكثيرين عن معالجة مثل هذه الموضوعات المعاصرة ولكن بالنسبة لى تعد تحديا لا مفر من قبوله لأنه فى نهاية الأمر امتحان كبير لقدرة الوثائق على إعادة تركيب الحدث التاريخي قديما كان أو وسيطا حديثا كان أو معاصرا وفق المنهج العلمي السليم؛

ولذلك فأعتقد أنني سوف أمضي بمشيئته تعالي فيما اعتزمه من استكمال دراسة الحركات الدينية المتطرفة والعنف بمجرد توافر الوثائق الكافية التى أجد فى جمعها بكل مثابرة تصميم وأملي أن أضع نتائج هذه الدراسات أمام بني وطني فى اقرب فرصة إن شاء الله . والله ولي التوفيق

مصر الجديدة فى 25 يناير 1982
د.عبد العظيم رمضان

تمهيد

فى تمام الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء يوم الثلاثا 26 أكتوبر 1954 كان جمال عبد الناصر يقف خطيبا فى حفل أقيم بميدان المنشية بالإسكندرية بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا .

ولم تكن قد مضت دقائق قليلة على بدء خطابه وكان يتحدث عن ذكريات اشتراكه فى العمل الوطني ووصل إلى فقرة يقول فيها:

" بدأت كفاحي من هذا الميدان فى الإسكندرية وكنت شابا صغيرا فى عام 1930 حين بدأت لأول مرة أهتف مع إخواني أبناء الشعب للحرية واليوم أشكر الله فقد أثمر كفاح آبائكم وأجدادكم وجميع الشهداء الذين استشهدوا فى هذا السبيل ".

وفى هذه اللحظة بالذات دوت ثماني رصاصات متتالية أطلقها محمود عبد اللطيف العضو فى التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين على جمال عبد الناصر لم تصبه ولكنها أصابت جماعة الإخوان المسلمين بكارثة فظيعة لم يشهد لها تاريخ الحياة السياسية فى مصر مثيلا .

كان شعور جماهير الإسكندرية عند إلقاء عبد الناصر خطابه معبا ضد اتفاقية الجلاء مع بريطانيا التى عارضتها كل القوي السياسية فى مصر وضد عبد الناصر الذى وقعها وضد نظام الحكم الاستبدادي الذى أرساه وعندما أقيم سرادق الاحتفال فى ميدان المنشية احتلته جماهير الإسكندرية وأخذت هتافاتها تتعالي بالحرية وسقوط الظلم؛

مما اضطر السلطات إلى إخلاء السرادق من هذه الجماهير فى الخامسة مساء وإعادة ملئه من جديد بجماهير مأجورة تتكون من عشرة آلاف عمال مديرية التحرير الموالية وكانت هذه الجماهير هى التي تسرب محمود عبد اللطيف من بينها ليجلس فى الصفوف الأمامية على بعد عشرين مترا من منصة الخطباء والضيوف وأطلق منها الرصاص على جمال عبد الناصر .

على أن عبد الناصر لم يسقط لقد سقط المحامي أحمد بدر الذي كان يقف على بعد ربع متر إلى جوار عبد الناصر برصاص محمود عبد اللطيف وأصيب ميرغني حمزة وزير السودان شظايا مصباح كهربائي فى المنصة أصيب بالرصاص .

وساد هرج ومرج شديدان ولكن عبد الناصر كان صامدا فقد طلب إلى الجماهير القبض على الجاني فأمسكته وأوسعته ضربا شديدا بينما كان عبد الناصر يطالب الجماهير بالثبات فى مواقعها بعبارات متهدجة من فرط التأثر أعلن فيها أن دمه فداء لمصر وأن حياة مصر لن تكون معلقة بكفاح عبد الناصر بل هى معلقة بكفاح شعب مصر .

وقد جرت فى أعقاب ذلك أأكبر حملة اعتقال للإخوان المسلمين شهدتها مصر حتي وصل الأمر إلى حد إعطاء المعتقلين بطاقات يسجلون فيها أسماءهم وعناوينهم لتدون فى كشوف وقد وصل عدد المعتقلين إلى أكبر مداه 24 أكتوبر 1955 أى بعد عام من الاعتداء حتي وصل إلى 2943 معتقلا .

وقد بدأ الأمر باعتقال هنداوي دوير رئيس محمود عبد اللطيف فى التنظيم السري الذيى سلم نفسه للبوليس امبابة فى اليوم التالي مباشرة للاعتداء.

وفى يوم 30 أكتوبر قبض على الهضيبي فى الإسكندرية بعد أن عثر على عنوانه عن طريق ورقة بها أرقام تليفونات عثر عليها مع صلاح شادي الضابط الإخواني الذي قبض عيه فى الإسكندرية وكان بها رقم تليفون المنزل الذي يقيم فيه الهضيبي كذلك قبض على محمد نصيري وسعد حجاج .

وفى يوم 6 نوفمبر أعلنت الحكومة فى الصحف عن طلب القبض على يوسف طلعت رئيس التنظيم السري وحسن العشماوي وإبراهيم الطيب وعبد المنعم عبد الرؤوف .

وفى نفس اليوم سقط فى يد السلطة كل من عبد القادر عودة وصالح أبو رقيق ومنير دلة وكمال خليفة ومحمد فرغلي وحسين كمال الدين . وفى اليوم التالي تم اعتقال أعضاء الجهاز السري فى الإسكندرية .

وفى 11 نوفمبر ألقي القبض على محمد خميس حميدة وكيل الجماعة .وبعد أربع أيام أى فى 15 نوفمبر سقط يوسف طلعت فى يد البوليس وكانت الحكومة قد رصدت مكافأة للقبض عليه قدرها 2000 جنيه وهو مبلغ ضخم بمعيار ذلك الوقت .

وبعد ثلاثة أيام أخري أى فى 18 نوفمبر ألقي القبض على عمر التلمساني وسيد قطب والضابط الإخواني حلمي أبو كرم كما ألقي القبض على خمسة عشر آخرين وفى 19 نوفمبر ألقي القبض على صالح عشماوي وفهمي أبو غدير ولكن تم الإفراج عنهما بأمر المباحث العامة وتسابقت أنباء القبض على الخلايا فى الوجهين البحري والقبلي ومحافظات القطر .

وفى 22 نوفمبر نشرت الصحف أسماء المعتقلين من أعضاء مكتب الإرشاد وهم:

محمد خميس حميدة وكمال خليفة وعبد القادر عودة ومنير دلة وصالح أبو رقيق وحسين كمال الدين ومحمد فرغلي ومحمد حامد أبو النصر وعبد العزيز عطية وأحمد شريت؛
وكان قد تم القبض فى اليوم السابق على طاهر الخشاب وبعد خمسة أيام أى فى 27 نوفمبر القي البكباشي زكريا محيي الدين بيانات فى الصحف ذكر فيها أنه تم اعتقال 70% من أعضاء الجهاز السري البالغ عددهم سبعمائة.
ومن الغريب أنه فى كل هذه الاعتقالات التي تمت لأفراد الجهاز السري لم تحدث مقاومة إلا فى حالة واحدة وقعت يوم 14 نوفمبر بين قوات البوليس وبين ثلاثة من الإخوان هم: عبد العزيز العراقي وأحمد حسين ومحمد شاكر خليل وقد قتل الأولان فى المعركة التي دارت بالمدافع الرشاشة وأصيب الثالث إصابات جسيمة شفي منها وقدم للمحاكمة .
وقد أثارت محاولة الاغتيال كثيرا من العطف على عبد الناصر الذي كان فى ذلك الحين مدانا ن القوي الوطنية الديمقراطية والتقدمية فلم تكن قد برزت بعد إمكانياته النضالية فى خدمة قضايا الأمة العربية
وقد خطب الشيخ أحمد حسن الباقوري يندد تنديدا قويا بالحادث فى خطاب ألقاه فى نفس اليوم أشاد فيه بعبد الناصر وذكر أنه خلص البلاد من العار وأخذ من الأغنياء وأعطي للفقراء بقانون الإصلاح الزراعي:فما ذنب جمال لكي يلقي هذا الجزاء .

أن ذلك يذكرني بقول الشاعر:

أريد حياته ويريد قتلي
عزيرك من خليلك من مراد

ولكن عبد الناصر لم يلبث أن فقد العطف الذى كسبه بالحادث سريعا ففي يوم التالي وجهت السلطة مظاهرة لحرق المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية وقد أعادت هذه المظاهرة إلى الإخوان ما فقده من عطف بحادث الاعتداء لأنها ذكرت المصريين بالانتهاكات السابقة التى ارتكبتها الثورة ضد الحريات .

وجاءت حملات المطاردة والاعتقالات لتثير الخوف والفزع فى النفوس فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين جماعة واسعة الانتشار بين الشباب ولم تكن تخلو أسرة مصرية تقريبا من شاب من أبنائها ينتمي إلى الجماعة انتماء يتفاوت بين الانضمام الكامل والتعاطف عن طريق التبرعات وحضور اللقاءات وقد عاشت هذه الأسر فى حالة ذعر لأن الاعتقالات لم تفرق بين متبرع عابر سجل اسمه فى كسف التبرعات وبين عضو ملتزم أصيل.

وقد جاءت المحاكمات لتضيف إلى عنصر الرهبة والخوف . ففي يوم أول نوفمبر أصدر مجلس قيادة الثورة أمرا بتشكيل محكمة مخصوصة برياسة قائد الجناح جمال سالم نائب رئيس مجلس الوزراء وعضوية مكل من القائم مقام أنور السادات وزير الدولة والسكرتير العام للمؤتمر الإسلامي ومدير عام دار التحرير والبكباشي أركان حرب حسين الشافعي وهم أعضاء فى مجلس قيادة الثورة .

وقد نص قرار تأليف المحكمة على إنشاء مكتب للتحقيق والادعاء يلحق بمقر قيادة الثورة ويلحق به نواب عسكريون أعضاء من النيابة العامة وتولي رياسة هذا المكتب البكباشي زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة وفى عضويته كل من البكباشي محمد التابعي والبكباشي إبراهيم سامي جاد الحق والبكباشي سيد جاد وهم نواب أحكام والأستاذ عبد الرحمن صالح عضو النيابة

وقد تولي هذا المكتب التحقيق ورفع الدعوي والادعاء بالمجلس والأمر بالقبض على المتهمين وحبسهم احتياطيا وقد نص فى القرار أيضا على عدم جواز المعارضة فى هيئة المحكمة أو أحد أعضائها .

وأمر مجلس قيادة الثورة بأن يلحق بالمكتب كل من مصطفي الهلباوي رئيس نيابة أمن الدولة الذي تولي الادعاء أمام محكمة الثورة وعلى نور الدين وكيل أول نيابة أمن الدولة .

وفى 28 نوفمبر تألفت ثلاث دوائر فرعية لهذه المحكمة التي أطلق عليها ابتداء من 6نوفمبر اسم " محكمة الشعب " فكانت رابع محكمة من هذا النوع تشكلها الثورة بعد الجالس العسكرية ومحكمة الغدر ومحكمة الثورة

وقد تألفت الدائرة الأولي برئاسة اللواء صلاح حتاتة والثانية برئاسة القائم مقام محفوظ ندا والثالثة برئاسة قائد الجناح عبد الرحمن شحاتة عنان وقد عقدت جلسات هذه الدوائر الثلاث فى مبني الكلية الحربية, بينما عقدت جلسات محكمة الشعب الرئيسية بمبني قيادة الثورة بالجزيرة .

وقد عقدت أول جلسة لمحكمة الشعب صباح يوم الثلاثاء 9 نوفمبر 1954 أى بعد أسبوعين تماما من حادث الاعتداء واستمرت إلى يوم 2 ديسمبر 1954 لتستأنف المحاكم الفرعية مهمتها ابتداء من 5 ديسمبر

وقد حوكم أمام محكمة الشعب الرئيسية برياسة جمال سالم كبار أعضاء الجماعة والتنظيم السري وهم بالإضافة إلى محمود عبد اللطيف حسن إسماعيل الهضيبي المرشد العام ويوسف طلعت رئيس التنظيم السري وهنداوي دوير رئيس منطقة إمبابة فى التنظيم السري وإبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة ومحمد خميس حميدة وكيل الإخوان والشيخ محمد فرغلي عضو مكتب الإرشاد وعبد القادر عودة نائب المرشد..

والدكتور حسين كمال الدين وكمال حليفة ومنير دلة وصالح أبو رقيق ومحمد حامد أبو النصر والشيخ أحمد شريت وعمر التلمساني وعبد العزيز عطية وعبد الرحمن البنا والبهي الخولي وعبد المعز عبد الستار وكان الثلاثة الأخيرون مفرجا عنهم.

وفيما عدا محاكمة محمود عبد اللطيف التي استمعت فيها المحكمة إلى كثير من الشهود من أعضاء الجهاز السري وقيادات الإخوان السياسية واستمرت بالتالي وقتا طويلا إذ استمرت إلى يوم 20 نوفمبر فأن بقية المحاكمات لم تستغرق وقتا يذكر فلم تستغرق قضية الهضيبي سوي ثلاثة أيام وانتهت فى 25 نوفمبر واستغرقت محاكمة يوسف طلعت يوما,هو يوم 27 نوفمبر؛

وفى يوم 29 نظرت قضيتا كل من هنداوي دوير وإبراهيم الطيب وفى يوم 30 نوفمبر نظرت خمس قضايا لكل من محمد خميس حميدة ومحمد فرغلي وعبد القادر عودة وحسين كمال الدين وكمال خليفة؛

كما نظرة قضايا منير دلة وصالح أبو رقيق ومحمد حامد أبو النصر وأحمد شريت وعمر التلمساني وعبد العزيز عطية فى يوم واحد وهذا كله يبين صورية المحاكمة ومدي الضمانات التى كان يتمتع بها المتهمون!. لقد كانت جلسات للتشهير لا للحكم والقضاء والفصل كما يحدث فى المحاكمات الحقيقية !.

وكأن الأمر فى الدوائر الفرعية لمحكمة الشعب من المهازل الكبري نظرا للإعداد الضخمة من قضايا المتهمين التي كانت تنظرها كل منها فى اليوم الواحد وعلى سبيل المثال ففي يوم 9 ديسمبر نظرت قضايا 38 متهما وفى 11 ديسمبر نظرت 21 قضية وفى 12 ديسمبر نظرت 13 وفى يوم 13 نظرت قضايا 48 متهما وفى 28 منه نظرت 42 قضية وفى 9 فبراير أعلنت الصحف عن محاكمة 69 إرهابيا (كما كانت تطلق على المتهمين)

أما الدائرة الأولي وقد حوكم أمام الدائرة الثالثة وحدها مائة وستة وعشون متهما فى مدي شهر ونصف فقط و أدين منهم مائة وسبعة وبرئ تسعة عشر وقد حكمت هذه الدوائر بأحكام كثيرة بالإعدام والمؤبد والأشغال الشاقة لمدد متفاوتة؛

ولكن أحكام الإعدام خففت إلى المؤبد وكان من بين المحكوم عليهم بالإعدام أمام هذه الدوائر صلاح شادي الذي كان الوحيد من بين المتهمين الذى حوكم فى جلسة سرية ثم خفف الحكم عليه كما حوكم كل من عبد المنعم عبد الرؤوف وأبو المكارم عبد الحي وحكم عليهما بالإعدام رميا بالرصاص.

وقد كان اختيار جمال سالم لرئاسة محكمة الشعب من أسوأ الأخطاء التي ارتكبها عبد الناصر فى حياته السياسية فلا يوجد فى تاريخ القضاء العسكري فى مصر رئيس محكمة هبط بمستوي المحاكمات إلى مثل ذلك الدرك الأسفل ولم تسمع قاعات المحاكم فى مصر ما سمعته ن العبارات النابية والتهجم على المتهمين والسخرية منهم وإرهابهم والدخول فى " قافيات" معهم كما سمعت من جمال سالم .

ولقد اتهم الإخوان المسلمون جمال سالم بأنه كان الخصم والحكم وأطلقوا عبارة: "خصومنا قضاتنا" ولكن الدراسة المتأنية لنصوص المحاكمات وما صدر عن جمال سالم تثبت أنه لم يلعب سوي دور الخصم ولم يلعب أبدا دور الحكم .

وهذا أمر محزن حقا فما أتعس الحكام الذين ينسون أن التاريخ محكمة تفوق قوة وأن الأحكام التي تصدرها محكمة التاريخ هى الباقية وأحكامهم فانية .وككل حدث تاريخي فادح الأثر فإن الآراء تفترق فيه .

فقد أنكر الإخوان المسلمون بصفة قاطعة ارتكابهم هذا الحادث ووصفه صالح أبو رقيق بأنه " تمثيلية فاجرة " دبرتها الحكومة لاتخاذ مزيد من الإجراءات المضادة لحرية الجماهير ولحماية نفسها جر إليها محمود عبد اللطيف بتدبير محكم وقبر سره مع رفات هنداوي دوير .

وأضاف قائلا:

" عندنا أكثر من اثني عشر دليلا على براءة الإخوان المسلمين من هذا الحادث المفتعل وقد طالبت وما زلت أطالب بإعادة التحقيق فى هذا الحادث الذي دبرته مراكز القوي ".

وقد استشهد صالح أبو رقيق بحسن التهامي ودعاه إلى أن يجلي الحقيقة فى هذا الحادث المشئوم ويظهر الحق لعباد الله ويقول: من أطلق الثماني رصاصات فى الهواء الطلق ؟ وقال:أنه ثابت من التحقيقات ان المرشد الأستاذ الهضيبي كان قد أصدر أمرا مشددا قبل حادث المنشية بنحو من شهر ليوسف طلعت رئيس النظام الخاص بعدم اغتيال أحد وقال له :" أني برئ من كل دم يسفك".

ومادام قائد الجماعة قد أصدر هذا الأمر فعلي الكل السمع والطاعة وتكون الجماعة غير مسئولة عن أى عمل يقوم به فرد غرر به وعلى ذلك فالإخوان المسلمون أبرياء من حادث المنشية المشئوم ".

وقد قادت مجلة الدعوة التي تصدرها جماعة الإخوان المسلمين ابتداء من يوليو 1976 حملة فى هذا الصدد تنكر فيها قيام الإخوان المسلمين بحادث المنشية واستدلت بأن يوسف طلعت رئيس الجهاز السري كان فى منزل أحد أشقائه عند وقوع الحادث وعندما سمع به قال :" عملها عبد الناصر ونجح وغدا سيلصقها بالإخوان المسلمين ".

وحين أذاعت الإذاعة المصرية اسم مرتكب الحادث محمود عبد اللطيف سأل يوسف شقيقه " هل تعرف هذا الشخص" فأجابه بالنفي . وقد علق شقيقه على ذلك قائلا :" لو كان الإخوان وراء الحادث لعلم يوسف كل شئ فقد كان رئيسا للنظام الخاص ".

وأوردت المجلة نقلا عن أحد المقربين ليوسف طلعت قوله:

"ذهبت إليه يوم 26 أكتوبر ليلا فى منزل أخيه كان يستمع إلى الراديو وسألته : ما هذا ؟ فكان جوابه بالنفي والاستنكار .
وأكد أن الإخوان قد التقوا من يوم نشأتهم وعلى رأسهم المرشد العام . على سياسة ليس فيها ذلك التصرف ولا مثله .وسوف تثبت الأيام أن الإخوان المسلمين لم يكونوا فى يوم من الأيام من المتآمرين فى الظلام ".

وقالت المجلة أن يوسف طلعت كان يعذب بين جلسات المحاكمة ولكنه:

"رغم التعذيب والعذاب وقف وقفة السابقين من السلف فما وهن وما ضعف وكانت مكافأته على جهاده وبذله وتضحياته الحكم عليه بالإعدام شنقا وتقبلها راضيا فرحا مستبشرا".

وفى عدد آخر تحدثت " الدعوة " عن الحادث فقالت:

" كان عبد الناصر يبحث عن السبل التي ينفذ منها لضرب الحركات الإسلامية والقضاء على الانتفاضات الشعبية لينفرد بالسلطة ويستحوذ على الحكم والسلطان .
فظل يعمل فى الخفاء للخلاص من هذا والقضاء على ذلك حتي كانت المعاهدة بينه وبين الإنجليز التى رأي فيها الإخوان قيودا تكبل الأمة وتنتقص من حريتها فدبر لهم حادث المنشية واتهمهم بإطلاق الرصاص عليه وعاد الإخوان إلى المعتقلات والسجون وشكلت لهم المحاكم الحكم فيها هو الخصم والقانون فيها من شرعة الغاب والمتهمون الأبرياء محرومون من حق الدفاع والتعذيب أشكال وألوان ".

وفى عدد مارس 1977 كتبت المجلة مقالا عن إبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة فى التنظيم فوصفته بأنه "شهيد الحق والحرية " ووصفت حادث المنشية بأنه " مسرحية "..

دبرها عبد الناصر تدبيرا "على طريقة الجستابو" وألصقها بالإخوان المسلمين وفاجأ بها الأبرياء واستشهدت بموقف إبراهيم الطيب فى المحاكمة فقالت أنه جئ به إلى محكمة جمال سالم مكسور الذراع مشوه الجسم ولكنه " وقف شامخا كالطود ثابتا كالبنيان . أنكر ذاته وقال كل شئ يريده".

وفى عدد ديسمبر 1978 وبمناسبة مرور ربع قرن على إعدام المتهمين فى حادث المنشية نشرت "الدعوة " صور شهدائها عند تنفيذ حكم الإعدام ومنهم محمود عبد اللطيف .

وكان هنا التنفيذ قد تم فى جلسة واحدة بمعدل رأس شهيد يسقط كل نصف ساعة وكان محمود عبد اللطيف أول من تقدم إلى المشنقة وهو يتلو آيات القرآن الكريم .

وكانت كلمات إبراهيم الطيب عند لقائه الموت: "خصومنا كانوا قضاتنا " وقال عبد القادر عودة:" إن دمي سيكون لعنة على رجال الثورة ". بينما طلب يوسف طلعت من الله أن يسامحه ويسامح أيضا من عذبوه وأساءوا إليه وتقدم محمد فرغلي إلى حبل المشنقة وهو يقول :" أنا على استعداد للموت . مرحبا بلقاء الله ".

وقد استجاب حسن التهامي لنداء صالح أبو رقيق فقدم ما ذكر أنه شهادته للتاريخ فى حادث المنشية وبها كشف لأول مرة بشكل علني قصة القميص الواقي من الرصاص الى وصل إلى عبد الناصر من الولايات المتحجة قبل الحادث وقصة الخبير الأمريكي الذي نصح باختلاق مثل هذا الحادث من قبل ارتكابه .

وقد ورد فى شهادة حسن التهامي ما يلي:

" أما بالنسبة لحادث إطلاق الرصاص على عبد الناصر فى ساحة المنشية بالإسكندرية فلم أكن معه أثناء إلقاء هذه الخطبة كما لم أصحبه فى العديد فى مثل تلك المناسبات الخطابية وزياراته للمحافظات وعلمت بنبأ إطلاق الرصاص على عبد الناصر وان الحديث مذاعا فى الراديو يومها وقد كان من بين إجراءان تأمين عبد الناصر وقتها محاولة إقناعه بارتداء قميص واق من الرصاص يرتديه على صدره .
وكان القميص قد ورد فعلا من أمريكا قبل هذا الحادث ببضعة أسابيع وكان مودعا عنده فى بيته بمنشية البكري أرسلناه إليه فى نفس الليلة فوصله فى الصباح الباكر اعتقادا منا بأن فشل المحاولة الأولي قد يعقبه تكرار المحاولة طالما هو ما زال بالإسكندرية؛
وعندما رآه فى الصباح وكان معه العديد من الزملاء يهنئونه على نجاته ضحك كعادته وقال :" كل شئ انتهي" يقصد بذلك أن المحولة انتهت ولا داعي للقميص . وكان تركيز جهات الأمن يومها حول محاولة معرفة التنظيم الإخواني الذي هو خلف هذه المحاولة ".

ثم روي حسن التهامي قصة الخبير الأمريكي . فذكر أنه

" قد شد نتباهنا وقتها أن خبيرا أمريكي الجنسية فى الدعاية والإعلام ومن أشهر خبراء العالم وقتها فى الدعاية كان قد حضر إلى مصر .
وكان من مقترحاته غير العادية والتي لم تتمس مع مفهومنا وقت اقتراحها هو مقترحاته غير العادية والتي لم تتمش مع مفهومنا وقت اقتراحها هو اختلاق محاولة لإطلاق الرصاص على عبد الناصر ونجاته منها
فإن هذا الحادث بمنطق العاطفة والشعور الشعبي لابد وأن يزيد فى شعبية عبد الناصر أكثر من أى حملة دعائية منظمة ويوصله إلى القيادة الشعبية من أقرب الطرق العاطفية وبالنسبة لنا كان مرادفة هذا الحادث لهذه الفكرة وحدوثها بعد الاقتراح بشهور قليلة جدا مثار دهشة كنا قد فسرناها وقتها بأنها " توارد أفكار عجيب ومصادفة غير عادية ".

ويلاحظ على هذه الرواية لحسن التهامي أنها تثير الشبهات حول وجود مؤامرة وراء الحادث من وجهين :

الأول: مسألة الخبير الأمريكي فى الدعاية الذي اقترح اختلاق محاولة لإطلاق الرصاص على عبد الناصر
والثاني: مسالة القميص الواقي من الرصاص الذي جلبه عبد الناصر من أمريكا قبل الحادث ببضعة أسابيع التهامي لم يقل أن عبد الناصر لبس هذا القميص ليلة الحادث ولكنه أتاح للإخوان المسلمين الاعتماد على هذا القميص فى اتهام الحكومة بتدبير المؤامرة .

على أن اجتهادا خاصا لأحد الكتاب برز بعد ذلك ينسب فيه الحادث إلى المخابرات الأجنبية وخاصة المخابرات الإسرائيلية ويري أن الحادث أكبر من أن يكون قدتم على يد محلية سواء من الإخوان أو من حكومة عبد الناصر وأن إسرائيل كانت موجودة فى تلك الفترة بعملائها فى فضيحة لافون التى أعلن عنها يوم 6 أكتوبر ثم هجومها على غزة بعد ذلك .

" فهل كانت إسرائيل موجودة فى دفع محمود عبد اللطيف لإطلاق الرصاص"؟ ويستطرد الكاتب قائلا:

" بكل تأكيد لم يكن الهضيبي ولا أى قيادة للإخوان أصدرت أمرا بالاغتيال والإخوان معروفون بالطاعة العمياء يقسمون بها لرؤسائهم فهل كان محمود عبد اللطيف أداة يد خبيثة ".

فأين الحقيقة فى كل هذا؟

أن اعتمادنا الرئيس فى هذا التحقيق التاريخي سوف يكون بالدرجة الأول على أقوال الإخوان المسلمين أنفسهم سواء فى مذكراتهم الشخصية أو أقوالهم المنشورة فى الصحف وشهاداتهم واعترافاتهم فى المحاكمات الطنية وهي شهادات واعترافات لم تتعرض للتكذيب مكن جانب الإخوان .

فقد وصفت مجلة الدعوة يوسف طلعت بأنه رغم التعذيب والعذاب وقف أثناء المحاكمة "وقفة السابقين من السلف فما وهن وما ضعف " ومعني ذلك أنه قال الصدق أثناء المحاكمة كما وصفت إبراهيم الطيب بأنه وقف أثناء المحاكمة " ثابتا كالبنيان وقال كل شئ يريده " وهذا الوصف يشع كثيرا على الاعتماد على أقواله .

ثم محمود عبد اللطيف الذى نشرت الدعوة صورته جنبا إلى جنب مع شهدائها الآخرين: عبد القادر عودة،وهنداوي دوير ،وإبراهيم الطيب ،ومحمد فرغلي ويوسف طلعت .

وبطبيعة الحال فإننا لا نثبت فى هذا البحث التاريخي إلا ما ثبتت لدينا صحته بإتباع أدوات البحث التاريخي واستخدام المنهج العلمي من ناحية الرجوع دائما إلى المراجع الأصلية والتحقق من صحة الوثيقة والمقارنة والناقضة أصول الاستقرار والاستنباط ... الخ وكل ذلك فى محاولة جادة وأمينة للوصول إلى الحقيقة التاريخية بقدر الإمكان .

ولكن هذا كله لن يتسني فهمه إذا نحن روينا القصة من خاتمتها ومنبته الصلة ببدايتها وسياقها التاريخي فحادث المنشية يجب أن يوضع فى إطاره الصحيح وهو طبيعة حركة الإخوان المسلمين كحركة ذات طابع خاص لم تشهد له مصر مثيلا حركة تختلف عن كل الأحزاب الليبرالية التى شهدتها مصر منذ مطلع الحركة الوطنية؛

كما تختلف عن كل الجماعات الماركسية التى ظهرت فى تلك الفترة بل تختلف عن الحركة الفاشية التي ظهرت فى الثلاثينيات حركة تعتمد على إيديولوجية دينية وسياسية تتناقض فى أهدافها ووسائلها مع أهداف ووسائل كل هذه الأحزاب والجماعات وتستند فى تحقيق أهدافها على جيش سري قوي مدرب ومجهز ومعروف باسم " النظام الخاص" ومعني ذلك اعتماد العنف وسيلة لتحقيق غاياتها.

إطار دراستنا إذن هو "الإخوان المسلمون والعنف" وعلينا أن نجيب على هذه الأسئلة حتى فكرة استخدام العنف فى أيديولوجية الإخوان؟ وهل بدأت مع نشأة الجماعة أم طرأت على مسيرتها؟

ومتي نشأ التنظيم السري للإخوان المسلمين وما هو تطوره وما هو الدور الذي لعبه فى السياسة المصرية قبل ثورة 23 يوليو وما هي علاقته بثورة 23 يوليو حتي وقوع حادث المنشية؟ وهل ارتكب الحادث أم لم يرتكبه

وما هي مسئولية الإخوان المسلمين عن الحادث؟. كل هذه أسئلة يجب أن نجيب عنها من واقع الوثائق التاريخية وصولا إلى الحقيقة التاريخية.

الفصل الأول:نشأة وتطور حركة الإخوان المسلمين

يمكن تحديد نشأة فكرة العنف والاستيلاء على السلطة بالقوة عند جماعة الإخوان المسلمين بنشأة ما عرف باسم :" فرق الرحلات " ومن الثابت من الأدلة لدينا أن الشيخ حسن البنا عندما بدأ فى تكوين جماعته لم تكن فكرة العنف واردة فى ذهنه أصلا وغنما كانت الفكرة هي نشر الدعوة بوسيلة " الحب والإخاء والتعارف " كما كتبت جريدة الإخوان المسلمين فى 5 شعبان 1352 .

ولكن مع نجاح الحركة وانتشارها أخذ البنا يعمل على تحويل جماعته من جماعة مدنية إلى جماعة شبه عسكرية وينتقل من وسيلة " الحب والإخاء والتعارف " إلى مرحلة الاستعداد لتنفيذ الأهداف بالقوة فأخذ فى بناء جيش كبير تحت اسم برئ هو " فرق الرحلات ".

وقد نشأت جماعة الإخوان المسلمين أصلا كرد فعل سلفي لحركة التغريب فى المجتمع المصري وهي التي تبدت فى ذلك الحين فى نبذ المرأة المصرية الحجاب وإقبالها على التعليم ونزولها إلى ميدان العمل بل وإلى ميدان السياسة وتنديدها بتعدد الزوجات والمناداة بإلغاء المحاكم الشرعية

وإقبال الرجل المصري على أساليب الحياة العصرية فى زيه وعادته وتفكيره وانصراف الشباب المصري عامة عن التعليم الديني فى الأزهر إلى العلوم الحديثة وظهور تيار التحرر العقلي الذيى تبدي فى إعادة النظر فى الأفكار والتقاليد القديمة وتناولها بمفهوم جديد.

وكان الغزو الاستعماري الأوربي للشرق الإسلامي قد أسهم فى ظهور تيار كبير وليس فقط فى مصر وإنما فى العالم الإسلامي بأسره خصوصا تركيا يدعو إلى تبني الحضارة الغربية باعتبارها الحضارة التي أثبتت تفوقها وهزمت حضارة الشر؛

وكان هذا الرأي يري

" أن السبيل إلى الوصول إلى ما وصلت إليه الحضارة الغربية لا يكون إلا بأخذنا بأسباب هذه الحضارة الغربية فى مادتها وروحها أما أن نتخذ من الحضارة الغريبة عدوا لدودا فأنا نسير إلى الاضمحلال لا محالة فقد كان فى الشرق حضارة عمته وامتد سلطانها إلى الغرب فوقفت الحضارتان وجها لوجه ودام النزاع بينهما قرونا وهانحن نري الغلبة للحضارة الغربية؛

وكان هذا التيار يري فى اليابان الحديثة أنموذجا للدولة التي استطاعت الوقوف فى وجه الغرب عندما أخذت بأسباب حضارته فى مادته وروحها وتمكنت من الوقوف معه على قدم المساواة كما كان يري فى تركيا الكمالية انموذجا آخر لا يقل أهمية وخطورة .

على أن هذا التيار المتغرب لقي معارضة شديدة من التيار الديني الإسلامي الذي رفض حركة التغريب رفضا باتا واعتبرها حركة من حركات الانحلال ومن الطبيعي ان العوامل الثقافية والبيئية ذات الثقافة الدينية ن خريجي الأزهر ودار العلوم والطرق الصوفية وتلاميذ الشيخ رشيد رضا فى صف المعارضة لتيار التغريب بينما وقفت العناصر ذات الثقافة العلمانية وعلى رأسها الجامعة المصرية فى صف التغريب .

ويمكن القول بكثير من الثقة أن العناصر ذات الثقافة الدينية كانت تنحدر فى غالبيتها من أصول فلاحية وعماليه وبورجوازية صغيرة التي عجزت عن تحمل المصروفات الباهظة التى فرضها الاحتلال على جميع مراحل التعليم فاضطرت إلى الإقبال على نوع التعليم الوحيد المجاني فى ذلك الوقت؛

وهو المتمثل فى مدارس المعلمين والمعلمات ودار العلوم والأزهر وهذه العناصر بحكم ابتعادها عن أسباب الاحتكاك بالحضارة الأوروبية يشتد فيها الشعور الديني وتسودها فكرة الجامعة الإسلامية وتختلط الفكرة القومية عندها لحد كبير بالفكرة الإسلامية .

ويعتبر حسن البنا الذي نشأ فى أسرة دينية عريقة أنموذجا فريدا لفريق الشباب المتدين الرافض لتيار التغريب فقد تلقي تعليمه الابتدائي والاعدادي فى المحمودية والتحق بمدرسة المعلمين بدمنهور وانتقل إلى القاهرة للإلحتاق بمدرسة دار العلوم؛

وكان من الطبيعي بالنسبة لشباب تصطبغ أيديولوجية فى الحياة على هذا النحو ألا يستلفت نظره من ألوان الحياة والكفاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري الدائر فى القاهرة فى العشرينيات سوي ما يتعلق بما أسماه " بالتحلل الأخلاقي " وما اعتبره موجة من موجات "الإلحاد والإباحية "

ويعني بذلك الانفتاح على الحضارة الغربية والأخذ بالديمقراطية الليبرالية واعتناق الأفكار الاشتراكية كما كان من الطبيعي أن يتردد على مجالس ما أسماه بمعسكر الإسلامية الفاضلة وقصد به معسكر الأزهر والجمعيات الإسلامية ومدرسة المنار للشيخ رشيد رضا حيث التقي بكثير من الإعلام والفضلاء .

وفى عام 1927 حصل البنا على دبلوم دار العلوم وعين فى وظيفة مدرس بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية واستقر بمدينة الإسماعيلية وهو فى الحادية والعشرين من عمره .

وقد نشط على الفور لإبراز شخصيته فى المجتمع الذي يعيش فيه كداعية من طراز جديد فلم يتوجه إلى جمهور المساجد بل اختار عدة مقاة كبيرة فى المدينة ورتب فيها درسا فى الأسبوع وبعد ستة أشهر أثمرت خطته ففي مارس 1928 زاره بمنزله ستة من أصدقائه هم: حافظ عبد الحميد وأحمد الحصري وفؤاد إبراهيم وعبد الرحمن حسب الله وإسماعيل عز وزكي المغربي؛

حيث تمت بينه وبينهم بيعة على أن يعملوا للإسلام وللمسلمين وعندما أرادوا أن يطلقوا على أنفسهم اسما: جمعية أو ناد أو طريقة أو نقابة . رفض البنا هذه الأسماء كلها قائلا :" دعونا من الشكليات والرسميات وليكن أول اجتماعنا أساسه الفكرة نحن أخوة فى خدمة الإسلام فنحن إذا" "الإخوان المسلمون" وكانت تلك بداية أخطر حركة فى تاريخ مصر الحديث.

يتضح من ذلك أن حركة الإخوان المسلمين لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا الاستقلال والدستور أو رفض النظام القائم وإنما دفعت إليها أفكار سلفية تعارض تيار التغريب .

أما فكرة العنف والسعي للوصول إلى الحكم بالقوة فلم تكن واردة فى رءوس أصحابها وإنما العمل السلمي المتمثل فى إصدار الجرائد الإسلامية والوعظ والإرشاد وتأليف الجمعيات غيرها من الوسائل .

على أنه مع انتشار الدعوة ومرور الوقت كان لابد أن تحدد الجماعة موقفها الفكري من القضايا الإسلامية والسياسية العامة وعندئذ برزت لها إيديولوجية متكاملة واضحة المعالم تختلف عما بدأت به أو تتميز عما بدأت به وتشير الدلائل إلى أن البنا استقي هذه الإيديولوجية من مدرسة المنار فقد حضر مجالس رشيد رضا وكان كثير لمطالعة فى مجلة المنار حسب قوله .

وقد قامت هذه الإيديولوجية على دعائم بسيطة ولكنها خطرة فى نفس الوقت من حيث أنها تخالف وتتناقض مع إيديولوجية النظام السياسي القائم وتتمثل فى الأتي:

أولا: شمول الإسلام بمعني شموليته للدين والدنيا ووجوب عدم الفصل بينهما وقد شرحت مجلة النذير هذا المعني فى العدد الأول الذي صدر منها فى مايو 1938

فكتب البنا يقول:

"الإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة،وروحانية وعمل وصلاة وجهاد،وطاعة حكم وصحف وسيف لا ينفك واحد من هذين عن الآخر . وإن " الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن ".

وفى خطابه فى المؤتمر الخامس فى نفس العام كرر هذا المعني بحرفه قائلا:

" إن الذين يظنون أن تعاليم الإسلام تتناول الناحية العبادية أو الروية دون غيرها من الواحي مخطئون فى ذلك فالإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد وطاعة وحكم ومصحف وسيف لا ينفك واحد من هذين عن الآخر .
ثانيا: الرجوع بالإسلام إلى تعاليمه الأولي بعد أن التبس على الناس الدين الصحيح بما نسب إليه ظلما وجهلا "
وقد خطب البنا يقول: يجب أن تستقي النظم الإسلامية من معين السهوة الأولي وأن تفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح وان نقف عند هذه الحدود النبوية حتي لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا به الله"
ثالثا: الجامعة الإسلامية فقد عين البنا بوضوح لا يقبل الشك أن " كل قطعة أرض ارتفعت فيها راية الإسلام وهي وطن لكل مسلم يحتفظ به ويعمل له ويجاهد ف سبيله " والإسلام كما هو عقيدة وعبادة وهو وطن وجنسية ويعتبر المسلمين جميعا أمة واحدة ويعتبر الوطن الإسلامي وطنا واحدا ".
رابعا: التمسك بفكرة الخلافة . وهي مرتبطة بالفكرة السابقة وقد أوضح البنا ذلك فى خطابه فى المؤتمر الخامس عام 1938 فذكر أن "الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام؛
وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فى أمرها والاهتمام بها والأحاديث التى وردت فى وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالا للشك فى أن من اجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير فى أمر خلافتهم . والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها فى رأس منهاجهم.
خامسا: الحكومة الإسلامية. وقد أعلن البنا بوضوح أن الإخوان المسلمين يتجهون فى جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم نحو الحكومة الإسلامية " بعد مضي فترة تنتشر فيها مبادئهم وتسود "

وقال:

"إن الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على إرشاد وقد جعل النبي الحكم عروة من عري الإسلام والحكم معدود فى كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع فالإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم كما هو قانون وقضاء لا ينفك واحد منهما عن الآخر ".

كانت هذه هى دعائم أيديولوجية الإخوان المسلمين وهي تتناقض تناقضا بينا كما هو واضح مع فلسفة النظام السياسي والاجتماعي الجماعة بدلا من الحكومة المدنية التى تحكم ولم يعد دستور 1923 المدني بصالح لحكم المجتمع الإسلامي وتنظيم علاقاته

وأما الإطار القومي المحدود الذى يعمل من خلاله الوطنيون المصريون فلم يعد هو الإطار الوحيد بل الإطار الإسلامي العريض بما يشمله من فكرة الجامعة الإسلامية الخلافة وفضلا عن ذلك فلم تعد الجماعة تكتفي بالعمل فى إطار الناحية العبادية أو الروحية بل امتدت بعملها إلى الناحية السياسية فالإسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وطاعة وحكم ومصحف وسيف لا ينفك واحد من هذين عن الآخر .

النزول إلى ميدان العمل السياسي

ويمكن تحديد بدء اشتغال جماعة الإخوان المسلمين علانية بالعمل السياسي بعام 1938 ففي مايو من هذا العام أصدر البنا مجلة النذير

سياسية أسبوعية وصدر العدد الأول منها يحمل فى افتتاحه:

"اتجاه الإخوان المسلمين الوطني وابتداء اشتراكهم فى الكفاح السياسي فى الداخل والخارج " على حد قول البنا

وفى هذا المقال التاريخي الهام يكتب البنا يقول:

" منذ عشر سنوات بدأت دعوة الإخوان المسلمين خالصة لوجه الله . مقتفية أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم متخذة منهاجها تتلوه وتقرؤه وتتفحصه وتنادي به وتعمل له وتنزل مصر علي حكمه وتوجه أنظار الغافلين عنه من المسلمين وغير المسلمين ...
وكانت مصر يوم أن نبتت هذه الدعوة المجددة لا تملك من أمر نفسها قليلا ولا كثيرا يحكمها الغاصبون ويستبد بأمورها المستعمرون وأبناؤها يجاهدون فى سبيل استرداد حريتها والمطالبة باستقلالها ولم يخل الجو من منازعات حزبية وحزازت سياسية تذكيها مآرب شخصية؛
ولم يشأ الإخوان المسلمون أن يزجوا بأنفسهم فى هذه الميادين فيزيدوا خلاف المختلفين ويمكنوا للغصبين ويلوثوا دعوتهم وهي فى مهدها بلون غير لونها ويظهروها للناس فى صورة غير صورتها فتقلبت الحكومات وتغيرت الدولات؛
وهم يجاهدون مع المجاهدين ويعملون مع العاملين منصرفين إلى ميدان مثمر هو ميدان تربية الأمة وتغيير العرف العام وتزكية النفوس وتطهير الأرواح.. وأعتقد أنهم نجحوا فى ذلك إلى مدي يحمدون الله عليه ويسألونه المزيد منه ". هذه مرحلة من مراحل الإخوان التي اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها وطبق التصميم الذي رسمه توفيق الله
" والآن أيها الإخوان قد حان وقت العمل وآن أوان الجد ولم يعد هناك مجال للإبطاء فإن الخطط توضع والناهج تطبق ولكنها متأرجحون سننتقل من دعوة الكلام وحسب إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وكافة حكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه ,سندعوهم إلى مناهجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا ...
فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة وتستروا حزب أو هيئة والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير فى الطريق لاستعادة كلمة الإسلام ومجد الإسلام سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة حتي يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين .
"إلى الآن أيها الإخوان لم تخاصموا حزبا ولا هيئة كما أنكم لم تنضموا إليهم كذلك .. كان ذلك موقفكم أيها الإخوان سلبيا هكذا فيما مضي أما اليوم وإما فى هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك .ستخاصمون هؤلاء جميعا فى الحكم وخارجه خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا سيرون عليه ويعملون له فأما ولاء وأما عداء .
"ولسنا فى ذلك نخالف خطتنا أو ننحرف عن طريقنا أو نغير مسلكنا بالتدخل فى السياسة كما يقول الذين لا يعلمون ولكنا بذلك ننتقل خطوة ثانية فى طريقنا الإسلامي وخطتنا المحمدية ومنهاجنا القرآني ولا ذنب لنا ان تكون السياسة جزءا من الدين وأن يشمل الإسلام الحاكمين والمحكومين فليس فى تعاليمه:أعط مالقيصر لقيصر ومالله لله. ولكن فى تعاليمه قيصر ومالقيصر لله الواحد القهار "
ثم حذر البنا من أنه سيكون من نتائج هذه الخطوة الجديدة تعرض الإخوان لاضطهاد وما فوق الاضطهاد والسجون وما هو أشق من السجون ولتبلون فى أموالكم وأنفسكم .
فمن كان معنا فى هذه الخطوة فليتجهز وليستعد لها ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الجهاد سواء أكان شعبة من شعب الإخوان أم فردا من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف قليلا وليدع كتيبة الله تسير ثم فليلقنا بعد ذلك فى ميدان النصر إن شاء الله .
واختتم كلمته بإبداء أمل الإخوان فى جلالة الملك المسلم أملا محققا وفى الشعب المصري ومعه الشعوب الإسلامية المتآخية بعقيدة الإسلام .

والسؤال الذى يطرح نفسه: ما الذى دفع بحسن البنا إلى ميدان السياسة؟. فى الواقع أن نمو القوة الذاتية لجماعة الإخوان المسلمين عامل أساسي فى هذا التحول ففي ذلك الحين كان الإخوان قد انتقلوا بفضل نشاط البنا وديناميكيتة من مجرد جماعة صغيرة محصور فى ميدينة الإسماعيلية يقل عددها عن المائة إلى جماعة تنتشر مساحتها على ما يزيد على خمسين بلدا فى النذير يعلن أن الإخوان قد أصبح لهم " دار فى كل مكان ودعوة على كل لسان وأكثر من ثلاثمائة شعبة تعمل للفكرة "

ولكن هل نستطيع اعتبار هذا السبب وحده كافيا لنزول البنا إلى ميدان السياسة فى الواقع أن اختيار البنا لهذا العام بالذات لنزول إلى السياسة يعد اختيارا مشبوها فهذا العام يعد عام الرجعية دون ريب

ففي ختام العام السابق كان الملك فاروق قد تمكن من إقالة وزارة الأغلبية وأصبح يهيمن على مصير البلاد عن طريق وزارة محمد محمود باشا التي ضمت أقطاب الأقلية وفى هذا العام ارتفع المد الفاشي إلى ذراه تحت قيادة أحمد حسين زعيم مصر الفتاة الذى أخذ يهاجم الأحزاب علنا ويطعن فى الدستور والمناداة بالملك فاروق خليفة للمسلمين وهل كلها شعارات كانت تخفي الزمنية والدينية بين يديه باسم الخلافة .

فى هذه الظروف نزل البنا إلى ميدان السياسة لا ليقف إلى جانب القوي الديمقراطية وإنما ليقف إلى جانب القوي الرجعية ممثلة فى القصر الذى كان يدبر دفنه على ماهر باشا .

وربما يرجع جزء من السبب فى ذلك إلى أن هذه القوي ككل قوي رجعية فى البلاد النامية تحرص على استخدام شعارات الدين ضد خصومها لاجتذاب صفوف الجماهير المتدينة كان القصر فى ذلك الحين يلوح بهذا السلاح فى جرأة حتي على حساب الوحدة الوطنية زعما بأن حكومة الوفد تسيطر عليها العناصر القبطية (مكرم عبيد باشا) بينما كان الشيخ المراغي الذى كانت علاقته بالقصر معروفة يبدي خشيته من قيام "ورداني" جديد

ولكن من كان يستخدم الآخر ؟ هل كان البنا يستخدم القصر أم كان القصر يستخدم البنا من العسير الإجابة على هذا السؤال والأرجح أن كلا من الطرفين كن يستخدم الأخر .

ومن ناحية البنا فلعله كان يري فى شعارات الدين التي يرفعها القصر ما يقرب تنفيذ فكرة الحكومة الإسلامية والخلافة فضلا عن أنه كان يشترك مع القصر فى رفض الأحزاب وعلي كل حال فلم يكن ينتمي إلى المعسكر القومي الليبرالي الممثل فى الوفد ولما كان الوقوف على الحياد عسيرا فقد بدا موقفه إلى جانب قوي القصر محتوما.

أما من ناحية القصر المنعزل عن الجماهير المصرية فقد كان فى حاجة إلى الاستفادة من قوة الإخوان المسلمين الشعبية المتزايدة . فى محاربة الوفد والقضاء عليه وهذا الاتجاه إلى الاستفادة من قوة الإخوان المسلمين اتجاه قديم بدا من وقت انتقال المركز العام إلى القاهرة .

فتذكر البنا فى مذكراته أنه فى ذلك الحين بينما الدعوة لا تزال ناشئة والأحوال فى مسيس الحاجة إلى المال والإسماعيلية لا تزال تمدهم بمساعدة شهرية عرض عليهم أن يروجوا للوضع السياسي القائم وهو حكومة صدقي باشا بما أرادت من دستور وانتخاب ولكن الإخوان رفضوا هذا العرض وأخفقت كل المحاولات لحملهم على ذلك .

على أن البنا مع ذلك لا يفسر انتشار الدعوة فى عهد الانقلاب حتي ارتفع عدد فروع الجمعية ن عشرة قبل انتقال البنا إلى القاهرة إلى خمسين بعد عام واحد ثم ثلثمائة فى عام 198 ؛

وإذا كان هذا مفهوما بالنسبة لفترة حكم الوفد لالتزامه بالخط الدستوري الديمقراطي فهو غير مفهوم فى عهد الانقلاب الذى لم يتردد فى مطاردة جماعة مصر الفتاة فى أوائل ظهورها تحت ذريعة خطة التهييج التي اتبعتها حتي تحالفت معه وعملت فى خدمته وعلى كل حال تبقي هذه الملاحظة صحيحة وهي أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تزدهر دائما أبدا فى العهود الرجعية حتي وقع الانشقاق بينهما وانفض التحالف عام 1948.

أنكر البنا قيام أى اتفاق بين جماعته وعهد صدقي ولكنه لم يستطع إنكار علاقته بعلي ماهر والعهد الرجعي الذى بدأ بانقلاب 30 ديسمبر 1937. وفى الحقيقة أن علاقة الجماعة بعلي ماهر قد توطدت إلى الحد الذي كاد يوقع الانشقاق فى صفوفها وكانت المناسبة حين عاد على ماهر باشا من مؤتمر فلسطين فى لندن (المائدة المستديرة)

فقد ذهب وفد من الإخوان لاستقباله وعلى رأسه أحمد السكري وعندما وصل الباشا هتف أحمد السكري بحياته وأمر الإخوان أن يهتفوا بحياته كذلك فهتف بعضهم وامتنع الآخرون وعادوا ثائرين ورفعوا إلى البنا

كما يقول احتجاجا عنيفا ذكروا فيه أن الإخوان المسلمين ليسوا هتافين وأنهم لم يهتفوا لأشخاص وإنما يذكرون الله وحده

" فطيبت خاطرهم بأن هذه تحية المسافر وأننا لا نحي شخصا ولكن نحيى عمله لفلسطين فاحتسبوها عند الله فى سبيل فلسطين العربية وفى الحق لقد أعتبر الإخوان المسلمين وزارة على ماهر . التي خلفت وزاره محمد محمود باشا. وزارتهم أو ما هو أشبه بذلك هذا على الرغم من مخاصمتهم الأحزاب.
وقد بلغ من توثق صلتهم بعلى ماهر أن أرادوا الوثوب فى عهه إلى قيادة الجيش المرابط والسيطرة على وزارة الشئون الاجتماعية (وكان على ماهر باشا قد أنشأهما فى بداية حكمه) بحجة أن " الإخوان المسلمين قد مارسوا المهنتين ممارسة فعلية منذ سنوات طويلة ".

وقد أدرك البنا ما سوف تثيره مثل هذه السيطرة من اعتراضات فكتب إلى على ماهر قائلا:

" سيقول أناسي أن الرجعيين يريدون أن يهيمنوا على نهضة البلد . ويمدوا أصابعهم فى كل شئ سيري هؤلاء القائلون بعد طول المطاف وكثرة أصابعهم فى كل شئ سيري هؤلاء القائلون بعد طول المطاف وكثرة التجارب أن نصرة هذا البلد وإعزازه وتوفير الخير له سيكون على أيدي هؤلاء الرجعيين"

الفصل الثاني:نشأة جيش الإخوان وتكوين الجهاز السري

في تلك الأثناء وكما تشير الأدلة كان البنا يعمل على تحويل جماعة الإخوان المسلمين من جماعة مدنية إلى جماعة شبه عسكرية والانتقال من مرحلة الاعتماد على وسيلة "الحب والإخاء والتعارف" فى نشر الدعوة إلى مرحلة الاستعداد لتنفيذ أهدافها بالقوة . فأخذ فى بناء جيش كبير تحت اسم برئ و " فرق الرحلات ".

ويذكر البنا أن هذه الفرق

"قد أنشئت عقب نشأة الدعوة وكانت تلازم أول شعبها وجودا وقد ألفت بنفسي أول فرقة وكنت أزاول تدريبها بشخصي على بع التمرينات الرياضية التي كنا نزاولها بالمدارس .
وفى عام 1934 تبلورت فكرة تعميم فرق الرحلات فى الشعب الأخرى فى مشروع كبير باسم " مشروع فرق الرحلات " عرض على المؤتمر الثالث لمجلس شوري الإخوان فأقره كما أقر لائحة أعدت له قامت بتعديلها لجنة خاصة .
وفى هذا المؤتمر أعيد تنظيم عملية الانضمام إلى الإخوان بحيث تصبح على ثلاث مراتب حسب ارتقائها كالآتي :" الانضمام العام ويسمي الأخ فيه أخا مساعدا والانضمام الأخوي ويسمي العضو فيه أخا منتسبا ثم الانضمام العملي ويسمي العضوية فيه أخا عاملا وفى هذه المرحلة الأخيرة وحدها يحق للعضو العامل الانضمام إلى فرق الرحلات كما أنشئت مرتبة رابعة يسمي العضو فيها أخا مجاهدا .

وقد ذكر البنا أن الفكرة فى تأسيس فرق الرحلات هو الثائر بفكرة الجهاد الإسلامي وتحقيقا لنيته وتنفيذا لأمر الإسلام وتحرجا مما جاء فى الحديث الشريف " من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مت ميتة جاهلية".

فكرة الجهاد والغزو أو نية الغزو إذن كانت وراء إنشاء أو تطوير فرق الرحلات بالشكل الذي انتهت إليه وفى الفترة من عام 1934 إلى 1937 كانت هذه الفرق قد نمت إلى الحد الذي قرر فيه البنا أن يقيم عرضا للقوة القوة فى خدمة القصر وليس فى خدمة القوي الديمقراطية

وكان ذلك بمناسبة قدوم الملك فاروق إلى القاهرة فى يوليو 1937 فقد قرر الاشتراك فى هذه المناسبة ووصفت مجلة الإخوان المسلمين هذا الاشتراك وصفا مثيرا تحت عنوان :" حشد لم يسبق له نظير فى تاريخ مصر الحديثة " وفي هذا الوصف أطلقت الجريدة على " فرق الرحلات" اسم " الفرق العسكرية " أول مرة !

وقد ورد به الآتي:


" لم يكد يعلن المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة الشعب النابعة له بالأقاليم عن هذا الحشد ويصدر الأوامر إلى فرقة العسكرية بالزحف إلى القاهرة حتي انهمر سيل الإخوان ...
كانت سارية اللواء تبلغ حوالي أربعة أمتار وصف متر وعليها رقعة فسيحة من القطيفة الخضراء وقد رسم عليها المصحف فى نصف هلالية وكتب فى أعلاها:" الله أكبر ولله الحمد " ومن تحتها:" الإخوان المسلمون". وقد حمل اللواء السيد نصير بطل العالم فى حمل الأثقال بعد أن أعتنق مبادئ الإخوان المسلمين.

وانتظمت فرق الرحالة فى اثر العلم

وفى ساحة عابدين انتظم الإخوان على باب القصر رافعين أعلامهم يهتفون :" الله أكبر ولله الحمد الإخوان المسلمون يبايعون الملك العظم نبايعك على كتاب الله وسنة رسوله "

ومن الطريف أنه حين أعيد طبع "مذكرات الدعوة والداعية" عن "دار الشهاب" فى عام 1977 حذفت منها هذه الواقعة مما يحمل فى حد ذاته إدانة دامغة لها.

وفى عام 1938 قرر البنا النزول إلى ميدان السياسة كما ذكرنا وفي نفس العام قرر إعادة هذه الفرق وعين لهذه المهمة على خليل مدرب فرقة أبو صوير و الذي أصبح مشرفا عاما على الفرق؛

وفى العام التالي صدرت توجيهات مكتب الإرشاد فى منشور دوري إلى جميع الشعب تتضمن تخصيص يوم في الأسبوع يسمي يوم المعسكر:يقدم فيه الإخوان المسلمون عرضا عسكريا يتدربون فيه وورد الإخوان المسلمون كل العناية فيه يتكون الجيش الإسلامي وبه يستطيع أن يحقق الأمل ويرفع اللواء عاليا .

ولم تلبث الحرب العالمية الثانية أن نشبت فى 3 سبتمبر 1939 لتنقل التنظيم العسكري للإخوان المسلمين إلى طور جديد ففي العام التالي 1940 وحتي يتغلب البنا على العقبات التي قد تثور فى وجه فرق الرحلات فى ظروف الحرب قرر الانضواء رسميا تحت تشكيل النظام العام لجمعية الكشافة؛

حتي يستفيد الإخوان من التسهيلات والمزايا التي تستفيد بها الفرق من تسجيلها رسميا بالجمعية والاستفادة أيضا من وجود بعض شباب الإخوان الذي يعمل رسميا بالجمعية أو خارجها فى محيط الحركة الكشفية وقد تكون مجلس أعلي للجوالة من سبعة أعضاء وعلى رأسهم حسن البنا وعين الصاغ محمود لبيب مفتشا عاما وهو ضباط بالجيش .

ولم يلبث المجلس الأعلي للجوالة أن افتتح مدرسة للمدربين خرجت 35 مدربا بعد شهرين على أيدي صفوة من رجال الكشف . وتكونت المجموعات فى محيط القاهرة مبدئيا وأشرف عليها هؤلاء المدربون .

وبعد نجاح المشروع فى القاهرة بدئ بتنفيذه فى الإسكندرية ثم أخذ ينتشر فى أحضان الريف وتحت هذا الأستاذ المشروع بلغ تعداد الجوالة عند نهاية الحرب 45,000 جوال .

ومن الأمور ذات المغزي أن قانون الكشافة كان يحظر حظرا باتا على الكشافة أن تنتمي إلى جماعات سياسية أو دينية كما أن القانون الذي أصدره محمد محمود باشا فى 8 مارس 1938 كان يحظر الجمعيات أو الجماعات التي يكون لها سواء من حيث تأليفها أو عملها أو من حيث تدربت أعضائها أو نظامهم أو زيهم أو تجهيزيهم صورة التشكيلات شبه العسكرية .

ومعني ذلك بوضوح أن جوالة الإخوان المسلمين كانت ضد القانون العام والخاص على السواء ومع ذلك فقد سمح ببقاء هذا الجيش وقت الحرب فى الوقت الذى طبق فيه هذا القانون على فرق القمصان الزرقاء وفرق القمصان الخضراء لمصر الفتاة وكانت جوالة الإخوان المسلمين تملأ مصر من أقضاها لأدناها تسير فى كل مكان وفى كل مدينة وقرية وهي تكبر وتهلل تظهر قوتها .

ولقد كانت الخطوة الطبيعية التالية هي الحصول على الأسلحة وهناك شاهد عيان على أن هذه العملية كانت تتم فى المراحل الأولي من الحرب هو أنور السادات فقد أورد أن حسن البنا كان فى ذلك الوقت المبكر يجمع السلاح ويشتريه ويخزنه ولكنه لم يكن يطلع عليه أقرب الناس إليه من كبار الإخوان المسلمين وإنما كان يستعين فى هذه العمليات بإخوان من الشبان الصغار .

وقد ذكر أنه عرف ذلك حين كان يجلس مع البنا فى يوم من الأيام فدخل عليه جندي متطوع يحمل فى يديه صندوقين مغلقين ولما رآه أجفل ولكن البنا أمره بأن يفتحهما وكان فيهما عشرات من أنواع المسدسات .

ولكن لم كل هذا التسليح من جانب البنا ؟. هل كان لأسباب وطنية تتعلق بإخراج الإنجليز من مصر أم كان لأسباب داخلية تتعلق بالاستيلاء على الحكم عند اللزوم؟.

بالنسبة للسبب الأول فمن الثابت أن الإخوان المسلمين لم يتورطوا فى أى دور من أدوار المقاومة السرية ضد الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية وعندما أعد أحمد حسين رئيس مصر الفتاة خطة عمل ضد الإنجليز عند شروع الألمان فى الهجوم على الجزر البريطانية كما كان متوقعا وحاول الاستعانة بحسن البنا وجماعته رفض البنا ذلك .

وكان مما قاله له:ر

" أنا لا نبحث عن مغامرة قد تخيب وتفشل وإنما نعد أنفسنا لعمل قوي ناجح لأن الفشل يكون كارثة لاعلى حركتنا او مصر فحسب بل على العالم الإسلامي كله ".

أما بالنسبة للسبب الثاني ففي الحقيقة أن البنا لم يخف أن الحكم كان طلبه الرئيسي منذ قرر النزول إلى ميدان السياسة بل لقد اعتبر قعود الإخوان عن طلب الحكم " جريمة إسلامية " لا يكفرها إلا " النهوض واستخلاص قوة التنفيذ " ولكن المسألة فى رأيه تتطلب عدو مراحل تقطعها الدعوة قبل أن تنضج للحكم.

ففى خطابه فى المؤتمر الخامس عام 1938 رد على من يتساءلون هل فى منهاج الإخوان المسلمون أن يكونوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم وما وسيلتهم إلى ذلك ؟

فقال :

" إن المصلح الإسلامي أن رضي لنفسه أن يكون فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله و ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره. فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة فى واد ونفخة فى رماد .

قال:

قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذا لأحكامه وإيصالا لآياته وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم؛
أما والحال كما نري: التشريع الإسلامي فى واد والتشريع الفعلي والتنفيذي فى واد آخر فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيد الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف
وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا لعبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده و أنصاره وأعوانه وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله ".

على أنه فى الوقت نفسه بين أن

"الإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال فلابد من فترة تنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وقد شرح الشيخ حسن البنا فى رسالة التعاليم مني إلى إخوان الكتائب ثلاث مراحل يجب أن تمر بها دعوة الإخوان:

الأولي مرحلة التعريف: وتقوم على أساس استخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وتجميعها ويكون نظام الدعوة فيها صوفيا بحتا من الناحية الروحية وعسكريا بحتا من الناحية العلمية وشعار هاتين الناحيتين دائما أمر وطاعة من غير بحث ولا مراجعة ولاشك ولا حرج ولا يتصل بهذه المرحلة إلا من استعد استعداد حقيقيا لتحمل أعباء الجهاد الطويل المدي وتحمل التبعات وأول بودار هذا الاستعداد كمال الطاعة .
أما المرحلة الثالثة وهي مرحلة التنفيذ فهي الدعوة فى طور جهاد لا هوادة فيه وعمل متواصل فى سبيل الوصول إلى الغاية وامتحان وابتلاء وعلى ذلك يمكن القول أن البنا فى ذلك الحين كان فى " مرحلة التكوين " استعداد لمحلة التنفيذ .

المحنة الأولي وتكوين النظام الخاص

على أن الأقدار فى ذلك الحين تعد لأول صدام بين السلطة والإخوان المسلمين فى ظروف لم تكن قد نضجت لها قوة الإخوان ففي عهد حسين سري باشا وبطلب من السلطات البريطانية تمت مصادرة مجلتي التعارف والشعاع الأسبوعيتين والغي ترخيص مجلة المنار الشهرية التى أعاد الإخوان المسلمون إصدارها بالتعاون مع ورثة الشيخ رشيد رضا؛

ومنع طبع أى رسالة من رسائلهم أو إعادة طبعها وأغلقت مطبعتهم ومنعت اجتماعاتهم وحظر على الصحف نشر أخبارهم وفى 19 أكتوبر 1941 اعتقلت الحكومة حسن البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين وأودعوا معتقل الزيتون وبذلك تعرضت الدعوة لأول خطر حقيقي تشهده منذ ظهورها .

على أن القصر لم يلبث أن تحرك لإنقاذ الإخوان واضطر حسين سري إلى الإفراج عن حسن البنا وأحمد السكري فى 13 نوفمبر أى قبل مضي شهر واحد على الاعتقال ما أفرج عن عبد الحكيم عابدين وحتي يكن البنا على علم بصاحب الفضل فى هذا الإفراج فقد زار حامد جودة وزير التموين السعدي لشيخ حسن البنا فى معتقله قبل الإفراج عنه بأيام وجلس معه ساعات وأعلمه أنه يعمل على الإفراج عنه .

على هذا النحو انتهت المحنة الأولي سريعا ولكن بعد أن خلفت أثرين فى خطة البنا:

الأول: تحاشي الاصطدام مع البريطانيين بأى ثمن تفاديا لإجهاض دعوته.
ثانيا: بناء التنظيم السري .

وبالنسبة للبريطانيين فيقول البعض أن اتفاقا صامتا قد تم بينه وبينهم على التعاون لمحو أسطورة الحاج محمد هتلر فى الجوامع والامتناع عن أى نشاط معاد لهم فى مقابل التغاضي عن نشاط الإخوان فى المدن والقرى والمدارس .

وكان البريطانيين بعد نجاح القصر فى إطلاق سراح البنا ورفاقه قد أثروا الاتفاق مع الإخوان فاتصلوا بهم وجري حوار حول أفكار الجماعة وبرنامجها عرض فيه ممثل السفارة "مساعدة الجماعة على تحقيق أهدافها"

وقد اختلفت المصادر حول قبول و عدم قبول هذه المساعدة فبينما ذكر البعض أن البنا أبدي استعدادا للتعاون وقبول نوع من "الدعم المالي " أنكرت مصادر الإخوان نية البنا فى قبول " أموال الفكرة ".

وسواء قبل الإخوان دعما من بريطانيا أم لم يقبلوا فمن الثابت أنهم امتنعوا عن القيام بأى نشاط ضد البريطانيين بعدها فلم يكن لهم دور فى مظاهرات إلى الإمام ياروميل التى جرت فى أول فبراير 1942 أى بعد شهرين من الإفراج ولم ينسب إليهم أى دور بعد ذلك .

ويدخل فى هذا الإطار إطار مهادنة السلطة البريطانية أثناء الحرب مهادنة الإخوان لحكومة الوفد التي تألفت فى 4 فبراير 1942 فحين أ‘ترض النحاس على ترشيح البنا نفسه لعضوية البرلمان؛

وعرض عليه إطلاق يده فى الشئون الدينية فى مقابل الامتناع عن الاشتغال بالسياسة قبل البنا ذلك لا لأنه كان ينوي التنفيذ الفعلي وإنما لأن هذا الاتفاق كان يتيح له استكمال "مرحلة التكوين" تحت شعار النشاط الديني وبناء قوته العسكرية؛

وكان هذا النشاط يحرج حكومة الوفد التي عمدت إحدي المرات إلى إغلاق جميع شعب الإخوان ما عدا المركز العام والتضييق عليهم فى الاجتماعات والمطبوعات ولكن ليبرالية الوفد كانت تتغلب فتطلق يدهم مرة أخري (محمد شوقي زكي) يتخذ هذا الكتاب موقفا نقديا شديدا من حكومة الوفد يخفي فيه الحقائق..

فقد صورها فى صورة الانضياع للضغط البريطاني على أن هذا الموقف نفسه كان موضع إشادة من جانب الجماعة فى بيانهم ردا على حل النقراشي باشا للجماعة فى 8 ديسمبر 1948

فقد ذكر البيان أن السفارة ضغطت على النحاس باشا لحل الجماعة ولكنه رفض واكتفي بإغلاق الشعب وأبقي المركز العام (انظر فهمي أبو غدير :قضيتنا آخر ما كتب الإمام الشهيد قبل اغتياله (ص 29 – 40)

ومن المؤكد على كل حال أن علاقة الصداقة بين الإخوان والوفد أفادت حركة الإخوان فائدة كبري لأنها أكسبهم عطف الجماهير الوفدية الغفيرة التي لم ير بعضها ما يحول دون الجمع بين انتمائه الوفدي وانتمائه الإخوان .

بناء التنظيم السري

كانت النتيجة الثانية لاصطدام السلطة بالشيخ حسن البنا تكوين النظام السري أو النظام الخاص كما ذكرنا وقد حدد محمد خميس حميدة نائب المرشد العام للإخوان المسلمين تاريخ نشأة هذا النظام بأنه:

" حوالي سنة 1942 أو قبل كده" وهو تاريخ يناسب مجري الأحداث التي نحن بصددها يضاف إلى ذلك أن الصاغ محمود لبيب الذى كشفت محاكمات الإخوان عام 1954 أنه صاحب الفكرة فى تكوين هذا النظام كان فى تلك الأثناء مفتشا عاما للجوالة .

وكما ذكرنا فإن الالتحاق "بفرق الرحلات" التي تحولت إلى فرق الجوالة كان قاصرا على " الإخوان العاملين" وهي المرتبة الثالثة من مراتب العضوية فى الجماعة وكانت هذه المرتبة تمهد للمرتبة التالية لها وهي مرتبة "الإخوان المجاهدين" وقد حدد المؤتمر الثالث لمجلس شوري الإخوان شروط العضوية فى هذه المرتبة الأخيرة بأنها من حق الأخ العامل الذى يثبت لمكتب الإرشاد محافظته على واجباته السابقة "

وقد كان نظام الجوالة فى البداية نظاما اختياريا بالنسبة للأخ العامل ولكن صدرت بعد ذلك تعليمات تنص على أن " يعتبر كل أخ عامل جوالا ويجب أن يدرب تدريبات الجوالة وعلى كل جوال أن يكون أخا عاملا .. ولا يقبل فى صفوف الجوالة إلا من كان على هذه الصفة " .. ثم صدرت نشرة إدارية تقضي باعتبار نظام الجوالة " نظاما أساسيا" لا تكميليا .

وقد ورد بهذه النشرة:

"إذا كان الإخوان فى إدارة الشعب لا يزالون يعتقدون أن الجوالة نظام تكميلى فإن عليهم أن يغيروا هذا الاعتقاد تماما .. فإن نظام الجوالة نظام أساسي رئيسي فى فكرة الإخوان يراد به تدريب الأعضاء وتحقيق نية الجهاد "

وقد وضع البنا نظاما يعرف باسم " نظام الأسر " يعتبر المجال العملي للتربية الروحية فى الإخوان وكان نظام الأسر كما يقول محمد شوقي زكي يسمي فى أول أمره نظام الكتائب وعندما نظمت عضوية الإخوان إلى مراتب :" إخوان مساعدين" و"عاملين" و" مجاهدين" أصبح دخول نظام السر قاصرا على " الإخوان العاملين "

وكانت كل أسرة تتكون من عدد يتراوح ما بين خمسة وعشرة أعضاء وتقوم على أساس طبقي أو فئوي فكانت تتكون أما من طلبة أو موظفين أو عمال ومن تعاليم نظام الأسر أن يعرف كل فرد فيها جميع شئون أعضاء اجتماعا أسبوعيا فى منزل أحد الأعضاء وليس فى مقر الشعبة لزيادة التآلف وتدارس النواحي الدينية .

كما كان من برامجها القيام برحلات وحضور "اجتماعات روحية" مع أشخاص أكثر علما بشئون الدعوة وفهما لها.ولم يلبث نظام السر أن تحول إلى نظام لتخريج "الأخوة المجاهدين" وهم خاصة الإخوان وأرقي مراتب العضوية فيهم .. بدليل أن الشيخ حسن البنا حين أصدر رسالته:" نظام الأسر ورسالة التعاليم"

وجه الخطاب فى هذه الرسالة أركان البيعة بعشرة على النحو الآتي:

الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة وقد عرف " الجهاد" بأنه :" الفريضة الماضية إلى يوم القيامة والمقصودة بقول رسول الله :" من مات ولم يغزو ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية"

وقال أن أولي مراتب الجهاد هى إنكار القلب وأعلاها القتل فى سبيل الله وبين ذلك جهاد اللسان والقلم واليد وفسر التضحية بأنها " بذل النفس والمال ،والوقت والحياة ،وكل شئ فى سبيل الغاية " وفسر الطاعة بأنها امتثال الأمر وإنفاذه توا فى العسر واليسر والمنشط والمكره وفسر الثقة بأنها اطمئنان الجندي إلى قائده فى كفاءته وإخلاصه اطمئنانا عميقا .

وقد أطلق البنا على هؤلاء المجاهدين اسم "رجال الكتائب" ومن هنا جاء عنوان رسالته :رسالة التعاليم إلى "إخوان الكتائب " ونجد فى شهادة عبد المجيد حسن قاتل النقراشي باشا تفسيرا لهذا الاسم ..

فقد أورد أن البنا كان يعتقد لهم اجتماعات ليلية للدراسات الروحية يبيتون فيها معه فى المركز العام أو إحدي الشعب إلى الصباح وكان يطلق على هذه الاجتماعات اسم "الكتائب " فرجال الكتائب إذن يقصد بهم رجال هذه الاجتماعات من خاصة الإخوان الذين يعدهم البنا للجهاد ... وكانت هناك كتائب للطلبة وأخري للموظفين وثالثة للعمال .

وفى الحقيقة أن هذه الأسر أصبحت مدخلا لنظام الخاص (التنظيم السري) باعتباره المجال العملي للجهاد (الأسرة هى المجال الروحي) فقد روعي فى نظامها أن ينقل العضو إلى "النظام الخاص" انتقالا تدرجيا وطبيعيا

وقد صور عبد المجيد حسن هذا الانتقال التدريجي تصويرا جيدا فى محاكمته بقوله:

"أحب أن أذكر أنني دخلت هذه الجمعية السرية على اعتبار أنها كنظام الأسرة ونظامها يشبه نظام الأسرة ولابد لكل شخص من أعضاء ف جميع الأنظمة ويثبت أخلاصه للدعوة وذلك دون أن يشعر بأنه دخل هذا النظام الجديد أى الجمعية السرية "

وقد شرح كيفية انتقاله إلى النظام الخاص فذكر أن أحد الأعضاء فى "أسرته" صحبه لمقابلة من يدعي أحمد حجازي وطلب إليه أن " يثق فى كل كلمة يقولها " لأنه من الإخوان الموثوق فيهم "..

وقد بدأ حجازي يسرد دعوة الإخوان المسلمين قائلا أنه لا ينقصها لتصير شبيهة بالدعوة المحمدية إلا استعمال السلاح .. وان الإخوان لم ينسوا هذا الباب وسيقومون بتنفيذه " وعرض على عبد المجيد حسن قبول الانضمام معهم فى هذا النظام"

فوافقت على الدخول فى هذا النظام باعتباره نظاما كنظام الجوالة ونظام الأسر ولكنه يختلف عنهما بأنه مقصور على الإخوان الذين يثبت أنهم مخلصون لدعوة الإخوان تماما والدليل على هذا أن هذا النظام لا يوجد له اسم خاص وكان معروفا بين الإخوان باسم النظام الخاص بينما كان نشاط الإخوان معروفا باسم:"المحيط العام "

وقد بين عبد المجيد حسن أوجه التشابه بين نظام الأسرة ونظام لجمعية السرية فقال أن كلا منهما كان يتفق فى "التدقيق في الحياة اليومية لكل عضو اجتماعيا وأخلاقيا وإثبات ذلك فى جدول أعمال خاص به من حيث تلاوة القرآن المأثورات الدينية والقيام بالألعاب الرياضية ".

أما أوجه الاختلاف فإن كل عضو فى الجهاز السري كان يرمز له برقم خاص وبالحروف الأولي من اسمه وكان يخضع لنظام مراقبة دقيق صارم فقد كانت كل تحركاته وسكناته ترصد ويحاسب عليها حسابا عسيرا وكان كل عضو يعرف أنه مراقب ويتوقع الموت جزءا لأية خيانة .

وكانت كل مجموعة مكونة من خمسة أشخاص وكانت هناك ثلاث مراحل يرتقبها العضو داخل النظام الخاص وقد ذكر عبد المجيد حسن أن أحمد حجازي كان يعطي المجموعة دراسات فى الوطنية وفى النواحي الدينية كما كان يعطينا دراسات خاصة باستعمال السلاح وأخري فى القانون والإسعافات الأولية وكنا نؤدي امتحانا فى هذه الدراسات ويتضح مما ذكره أن التدريب على السلاح كان يتم فى المناطق الصحراوية فى أماكن عديدة فى أنحاء البلاد .

وعند نجاح العضو كان يؤخذ لحلف اليمين على الطاعة والكتمان وقد رسم عبد المجيد حسن صورة تحفها الرهبة لحلف اليمين فذكر أنه توجه إلى أحد المنازل بالصليبية "

وهنا عند الباب قابلنا شخص اسمه عبد الرحمن السندي وصعدنا إلى الطابق الثاي ودخلنا غرفة مظلمة ثم أدخلنا غرفة أخري فردا فردا وكان فى الغرفة شخص ملثم هو الذي تلقينا عنه البيعة وكان أمامه مصحف ومسدس قال عنهما أنهما الوسيلة الوحيدة لنصرة الإسلام وأنه يجب على الطاعة والقسم على تلك .

وأن الذي يفشي سرا من أسرار هذا النظام الخاص فجزاؤه الموت فى أى مكان يحتمي به وقد ذكر لى عبد الرحمن السندي أن هذا الشخص هو الصلة بيننا وبين الأستاذ حسن البنا وقد أراد بذلك أن يثبت أن هذا النظام خاضع للنظام العام وقد عرف عبد المجيد حسن من صوت الشخص الملثم وحجمه وهيئته العامة أنه صالح عشماي وكيل جماعة الإخوان المسلمين ومدير جريدتها .

وقد رسم "قانون التكوين" كيفية "النظام الخاص" على نظام الخلايا من هيئة قيادة وأركان حرب وجنود .. كما حدد واجبات كل فرد واختيار والشروط التى يلزم توافرها فيهم وكيفية ترشيح الأفراد وطرق تكوين وإعداده بعد قبول الترشيح .

وقد نص هذا القانون على أن يكون لكل خلية "أمير" مهمته تلقي العضو بعد قبول ترشيحه وتعريفه بنوع العمل وإقناعه بشرعيته وتوصيته بالكتمان والطاعة والصمت وتعليمه كيفية التصرف فى المواقف وعدم التورط والثبات عند تأدية العمل؛

وأن يكون طبيعيا عندما يحمل شيئا أو يقوم بشئ وتهيئة ذهنه لاحتمال قيامه بعمل قريب ثم اختباره بتكليفه بإحدى المهام ومراقبته إلى قبيل الموعد ثم إلغاء التنفيذ وفى حالة نجاح العضو يقدم للبيعة فى القاهرة وفى حالة الرسوب يلحق بإحدى الأسر أو بعض الأعمال العامة .

كما أوجب القانون على الأعضاء الطاعة "لأميرهم" بعد البيعة ونظم مسائل التحقيق مع المقصرين بحيث يكون عن طريق مجالس تحقيق تشكل حسب الأحوال من أمير الجماعة مندوب الأقاليم ومدير الأقاليم ومندوب القاهرة فى الأقاليم ومدير القاهرة وتصل عقوبة الخيانة أو إفشاء السر عن حسن قصد أو سوء نية إلى الإعدام أو إخلاء الجماعة سبيل العضو .

كما صدرت تعليمات تحدد تكاليف البيعة من طاعة وخضوع للقيادة ولأمراء الجماعات وصدرت لائحة عامة تضمنت واجبات أفراد الجماعة وحقوق رؤسائهم والتحقيق مع المقصرين وحق أمير الجماعة فى توقيع العقوبات الأدبية والمادية التى أخفها الصيام وزيادة الطوابير والسير على ألأقدام لمسافات بعيدة .

وقد جهز التنظيم الخاص بجهاز مخابرات إخواني على جانب كبير من المهارة بحيث تكون القيادة على علم بكل صغيرة وكبيرة عن خصومها وأصدقائها على السواء .

وكان نطاق جهاز المخابرات واسعا يمتد ليشمل جميع الأحزاب المصرية الموجودة فى ذلك الحين:

الوفد والسعديين والأحرار الدستوريين والكتلة الوفدية والحزب الوطني ومصر الفتاة وحزب العمال وحزب الفلاح الاشتراكي وجبهة مصر والشبان المسلمين والشبان المسيحيين والجماعات الشيوعية فضلا عن النقابات والجمعيات المختلفة .

وكانت هناك مخابرات فى كل وزارة وفى الجامعة والأزهر والمدارس .وكانت تقدم تقارير عن القائمين بالأعمال فى أقسام البوليس وقواتها والمحال الصناعية اليهودية والأجنبية والمصرية .

وقد حددت التعليمات الشروط الواجب توافرها فى أفراد جهاز المخابرات من الصحة الجيدة والمهارة والتنظيم الذاتي والمكر والقدرة على " التذؤب مع الذئاب" كما تناولت طرق إعدادهم إعدادا رياضيا وفنيا وتدريبهم على الكهرباء واللاسلكي والتصوير والاختزال والتمثيل وعمل المكياج وتغيير الزي وقيادة وسائل المواصلات؛

وكان الإعداد يشمل أعمال الفدائيين وحرب العصابات والتدريب على قنابل مولوتوف وتخريب المواصلات والسكك الحديدية واستخدام المفرقعات والألغام والأسلحة النارية وغيرها وهم برنامج طموح كما هو واضح .

وقد جهز هذا الجيش السري بالرءوس المفكرة والعقول المدبرة والمال الوفير والأسلحة والمفرقعات, والذخائر ووسائل النقل وأدوات التراسل والإذاعة فضلا عن الأوكار فى مختلف الجهات فى المدن والريف .

وكان الهدف أن يتمكن هذا الجهاز السري من الحصول على بيانات مفصلة عن منشآت الحكومية من وزارات ومحافظات ومديريات وأقسام ومراكز ونقط البوليس والسجون ومكاتب التلغراف والتليفون والبريد وغيرها وعن المواصلات من سكك حديدية وترام وطرق زراعية وخطوط الأوتوبيس .

على أن جزءا هاما جدا من الإعداد كان يتمثل فى الإعداد الروحي والديني لإقناع العضو بمشروعية الأعمال التي يقوم بها فقد نقلنا عن المجيد حسن أنه قرر الالتحاق بالنظام الخاص بعد أن أقنعه أحمد حجازي بأن " الدعوة لا ينقصها لتصير شبيهة بالدعوة المحمدية بتنفيذه "

ويقول:

" كنا ندرس فى النظام الخاص بجمعية الإخوان دراسات مختلفة منها القانون وكنا نتعلم أن مثل هذه الأعمال لا تخالف الدين لأن هذا هو الجهاد ".

وفيما يبدو أن فكرة الجهاد فى أذهان أفراد الجهاز السري كانت منصرفة فى البداية إلى الإنجليز وتحرير بلادهم أو هكذا أوحي بها رؤسائهم أو أمراؤهم .

ثم جري تحويل أفكارهم إلى الداخل تدريجيا فقد أورد عبد المجيد حسن فى اعترافاته أنه بينما كان يحضر أحد الاجتماعات فى بيت جمال فوزي:

" تلا علينا أوراقا مطبوعة على الآلة الكاتبة على ما أذكر تتضمن قصصا وروايات حدثت فى صدر الإسلام ومما ذكر أن قتل المسلمين الذين يثبت أنهم يعاونون الأعداء مقرر فى الشريعة الإسلامية فى عهد سيدنا محمد
وكانت هذه أول مرة يشير فيها النظام الخاص إلى تبرير قتل احد من المسلمين لأنه لم يكن معروفا لدي جميع الأفراد أن من تعاليم هذا النظام شيئا من هذا وكانت هذه أول مرة أسمع فيها مثل هذا الحديث وبأن الإسلام يجيز قتل المسلم الخائن إذا ثبت ذلك"

وقد ذكر أن أشد وسائل التأثير وقعا عليه كانت:الدراسات الروحية والبيعة والاعتقاد بمشروعيته الأعمال .

وتتمثل أهمية هذا العنصر من عناصر التأثير ليس فقط فى دفع عبد المجيد حسن إلى اغتيال النقراشي دون أحجام أو تردد وكما رسم له وإنما تتمثل فى أن زوال هذا العنصر فيما بعد قد دفع عبد المجيد حسن إلى الاعتراف بكل ما صدر عنه .

فقد استطاعت حكومة السعديين بذكاء استصدار بيان من الشيخ حسن البنا يظهر فيه أسفه على حادث اغتيال النقراشي وفيه معني استنكار الجريمة ونشر هذا البيان فى الصحف يوم 11 يناير 1949.

وقد أطلع النائب العام عبد المجيد حسن على هذا البيان . فكان له أثر كبير فى حملة على الاعتراف . فمع تمسكه فى البداية بالإنكار إلا أن مفعول البيان ثم بيان هيئته كبار العلماء وقتذاك قد دفعه إلى التفكير ثم الاعتراف .

يقول:

" أطلعني النائب العام فى أحد أيام التحقيق على بيان نشره الأستاذ حسن البنا نفي فيه أنه يعلم شيئا عن الجريمة وانه يبرأ منها ومن مرتكبها مستندا فى ذلك إلى أحاديث وآيات فعجبت لذلك كل العجب؛
كما أني علمت أن هيئة كبار العلماء أصدرت بيانا عن هذا الحادث فأطلعت عليه وعقب ذلك أردت أن أعلن جميع أفراد النظام الخاص بأنه قد غرر بنا جميعا ولست أنا وحدي وأن نفس التأثير الذى كان واقعا على كان أيضا واقعا عليهم .

وهذا الكلام معقول لأن مثل تلك التربية الدينية وذلك الإعداد والتدريب الروحي والخلقي الكبير لعبد المجيد حسن ما كان ليحمله بأى ثمن ولو كان حياته على أن يشتري ديناه بآخرته ولكن زوال التأثير كان له مفعول فى دفعه إلى الاعتراف .

على كل حال فإن هذا الإعداد للجهاز السري ما كان ليتم بين يوم وليلة وإنما استغرق وقتا طويلا وقطع مراحل كثيرة وإن كانت الأدلة تشير إلى أنه قد بلغ درجة عالية من الاكتمال قبل حرب فلسطين فقد أنشئت الخلايا وحصل التدريب وحشدت المعدات .

وقد تضخم جيش الجوالة فى تلك الأثناء ففي عام 1942 كان تعداده 2000 جوال وفى العام التالي وصل إلى 15000 جوال حيث بدأت الفكرة تنتعش فى الريف وفى سنة 1945 وصل إلى 45,000 جوال وفى العام التالي وصل إلى 60 ألفا . وفى نهاية 1947 بلغ تعداد الجوالة 75,000 وظل الرقم ثابتا قرار الحل .

وقد تغلغلت تنظيمات الإخوان فى الجيش والبوليس وكانت تعد تنظيمات سرية بحكم طبيعة عمل الضباط فعندما سئل حسين أبو سالم أمام محكمة الشعب عما إذا كان يعرف أن هناك تنظيما عسكريا بجان التنظيم الخاص السري أجاب:

"الإخوان اللي فى الجيش أو فى البوليس دائما من يوم ما أصبح فيه إخوان فى الجيش والبوليس تنظيمهم يعتبر بالنسبة للجماعة تنظيم سري لأن طبيعة عملهم كضباط فى الجيش أو البوليس تجعله يتردد على شعب الإخوان"

وكان التنظيم السري يتبع المرشد العام مباشرة ولكن ليس معني ذلك أنه كان يدي شئونه بنفسه وإنما كان يديره بواسطة جهاز خاص . وكان أول رئيس لهذا الجهاز هو عبد الرحمن السندي وكان يعاونه مجموعة من الإخوان عرف منهم أحمد زكي وأحمد عادل ومحمود الصباغ ويلي هؤلاء رؤساء المناطق وهم غير رؤساء مناطق الشعب وهكذا .

وكان للجهاز الخاص ميزانية مستقلة عن ميزانية النشاط العام للإخوان التى كانت تتكون من الاشتراكات وقد بدأ جمع الاشتراكات من النظام الخاص فى سنة 1944 أو 1945 وكانت تنفق على التسليح ومتطلبات الجهاز السري ونظرا لصغر حجم الجهاز السري بالنسبة للتنظيم العلني؛

فأغلب الظن أن الميزانية العامة كانت تسد العجز فى الميزانية الخاصة وكانت هذه الميزانية العامة ضخمة فقد كان متوسط الاشتراك الشهري للفرد عشرة قروش وإذا صدق الرأى الذي يقول أن عدد الأعضاء كان يبلغ نصف مليون عند حل الجماعة فى ديسمبر 1948؛

فإن المبلغ الشهري المحصل كان يبلغ 50,000 جنيه أما إذا كان العدد مائتي ألف طبقا لما أورد حسين أبو سالم فإن المبلغ المحصل يبلغ 20,000 جنيه هذا طبعا عدا ميزانية النظام الخاص والمبالغ الأخري التي يتبرع بها الأثرياء من أعضاء الجماعة .

وقد اعتمد البنا فى تكوين الجهاز السري عل عناصر عمالية وبورجوازية صغيرة تتكون من موظفين وحرفيين وطلبة وقد استلفتت هذه الملاحظة نظر رئيس نيابة أمن الدولة مصطفي الهباوي فى مرافعته أما محكمة الشعب فقال:

"ولعلكم يا حضرات القضاة لاحظتم على الشهود أن هذه الجمعية كانت حريصة كل الحرص على أن تختار فى نظامها السري او الخاص طائفة من الفقراء .
فقد شهدتم الحداد،والمطبعجي،والسمكري ،والعامل فى وزارة الصحة ولعل هدفها فى اختيار هؤلاء الفقراء أنها أرادت بذلك أن تستغل عامل الفقر فى هؤلاء الناس فسلكتهم فى هذا النظام السري الفدائي الإرهابي لتثير فيهم غريزة الحقد على هذا المجتمع؛
وهي غريزة تجعلهم أكثر تعصبا للمبادئ المخرية السفاكة وفى جلسة 13 نوفمبر 1954 أبدي رئيس محكمة الشعب جمال سالم سخريته من هذا التكوين الاجتماعي للنظام السري قائلا :" يعني الحمد لله كل الجهاز السري خردواتية وسمكرية وموظفين فى الدرجات الصغيرة مالقتش مهندس ولا واحد مدير إدارة"

الفصل الثالث:الإخوان المسلمون والعنف 1944–1948

رأينا كيف أن فكرة النظام الخاص قد نشأت فى أعقاب الاصطدام بالسلطة وذلك لحماية الدعوة والدفاع عنها عند اللزوم وذكرنا دور القصر والسعديين فى إخراج حسن البنا ورفاقه من المعتقل وقد سقط حكم القصر بعد الإفراج بشهرين , وتولت حكومة الوفد وحدث التهادن بين الفريقين .

وفى ظل الحكم الليبرالي لوزارة الوفد لم تنشأ الحاجة بالإخوان لاستخدام العنف فمع أن الوزارة أغلقت جميع الشعب فيما عدا المركز العام فى نهاية عام 1943 إلا أن الموقف تغير فى بداية العام التالي؛

فقد قامت مجموعة من أعضاء الوفد البارزين معظمهم من الوزراء بزيارة المركز العام وعادت العلاقات إلى التحسن وعند نهاية حكم الوفد كانت حركة الإخوان قد بلغت درجة من القوة دفعت البنا إلى الاعتقاد فى إمكانية الوصول إلى الحكم عن طريق الانتخابات البرلمانية عند سنوح الظروف المناسبة .

على أن القصر لم يلبث أن يمكن فى أكتوبر 1944 من أحداث انقلاب دستوري كبير أخرج الوفد بمقتضاه من الحكم وأتي بعهد جديد يتلخص برنامجه فى شئ واحد هو الانتقام من الوفد لموقفه فى حادث 4 فبراير والقضاء عليه قضاء مبرما والإعفاء على أثره نهائيا وقد تولي رياسة الوزارة الانقلابية الجديدة احمد ماهر باشا زعيم الحزب السعدي .

ولم يغفر القصر أو الحزب السعدي للإخوان مهادنتهم للوفد فقد رشح البنا نفسه لعضوية مجلس النواب فى دائرته الإسماعيلية كما رشح خمسة من زملائه أنفسهم فى دوائر أخري ولكن الجميع سقطوا فى الانتخابات؛

وكان البنا قد نجح فى انتخابات الدور الأول ولكن أعيد الانتخاب بينه وبين منافسه لفروق يسيرة مفتعلة بين الأصوات واسقط رغم التأييد الساحق له من أهالي الإسماعيلية .

وكان ذلك أول تحد للإخوان فى دورهم الجديد وقوتهم التي وصلوا إليها وقد قبلت الجماعة التحدي فحين أعلن أحمد ماهر باشا عن عزمه على إعلان الحرب على المحور عارضه الإخوان وكتبوا إليه بالعدول عن ذلك

واتفقوا فى ذلك منع الوفد والعناصر الوطنية الأخرى ولكن أحمد ماهر مضي قدما فى عزمه وألقي بيانا يوم السبت 24 فبراير 1945 وافق فيه على إعلان الحرب ولم يكد ينتهي من الإدلاء ببيانه حتي أطلق عليه محمود العيسوي الرصاص بينما كان يجتاز البهو الفرعوني فأودي بحياته .

ويعتبر دور الإخوان فى هذا الحادث ما يثير مناقشات كبيرة فقد أعترف القاتل بانتمائه للحزب الوطني وبناء عل هذا الإصرار أطلق سراح البنا والسكري وعابدين وبعض الإخوان الذين اعتقلوا بتهمة الاشتراك فى الاغتيال .

ولكن بعض الآراء تؤكد أن محمود العيسوي كان من الإخوان المسلمين ومن غلاتهم وأنه تستر تحت الحزب الوطني حتي لا يضر جماعته فقد روي محمد على أبو طالب أنه سمع من الأستاذ خالد محمد خالد أن الشيخ سيد سابق

وهو من زعماء الإخوان والتنظيم وقد أفتي بمشروعية اغتيال النقراشي باشا فيما بعد قد أخبره بعد مقتل أحمد ماهر باشا بأن محمود العيسوي كان من صميم الإخوان المسلمين ولم يكذب خالد محمد خالد أو الشيخ سيد سابق هذا اللام .

وقد استدل أبو طالب على رأيه بأنه وزارة أحمد ماهر كان فيها وزيران من الحزب الوطني هما:حافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني وزكي على باشا وهو من زعماء الحزب منذ نشأته وكان أولي أن يحاسبا على اشتراكهما فى هذا الجرم وهو ما لم يحدث .

ولمناقشة هذه القضية لدينا للملاحظات الآتية:

  1. أن الكثيرين من المصريين كانوا يجمعون فى ذلك الحين بين انتماءين الانتماء لحزبهم والانتماء للإخوان المسلمين بل يذكر أحمد حسين أن رؤساء الأحزاب وأقطاب السياسة والحكومة أقبلوا على تأييد الجماعة والتشرف بالانتساب إليها فمرة حامد جودة ومرة المرحوم صبري باشا وفؤاد سراج الدين وثالثة صدقي ومن ثم فإن انتماء محمود العيسوي إلى الحزب الوطني لا يحول دون إنتمائه إلى الإخوان المسلمين .
  2. لم يكن الحزب الوطني فى ذلك الحين حزبا ثوريا بل رجعيا فقد كان من أحزاب القصر وقد باع زعماؤه ورؤساؤه مبادئهم فى سبيل الحكم منذ اشتركوا فى برلمان صدقي باشا الرجعي .وقد تسببت مواقف وزعمائه فى انفصال شبابه عنه وألفوا تحت رئاسة فتحي رضوان اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني.

وعندما قام فاروق بانقلابه الذي أتي بوزارة أحمد ماهر إلى الحكم اشترك فى هذه الوزارة رئيس الحزب الوطني حافظ رمضان باشا ومع أنه قدن استقالته إلى الدكتور أحمد ماهر عندما عرف بعزمه على إعلان الحرب إلا أن ذلك لم يكن باعترافه نفسه ناجما عن شعوره بأن إعلان الحرب سوف يلحق ضررا بمصر وإنما لأسباب شخصية محضة ألا يتناقض مع ماضيه .. ففي شهادته أمام المحكمة العسكرية فى قضية اغتيال الدكتور أحمد ماهر باشا سأله الدفاع عن أسباب استقالته فقال :" ما كنتش شايف خطر ولكني كنت أعتقد أن مافيش مصلحة وما أردتش أن أتناقض مع موقفي السابق فقدمت استقالتي من الوزارة . وقد سألته المحكمة:هل هناك خطر أو ضرر أصاب مصر من إعلان الحرب فكرر كلامه قائلا :" لا وكنت أعلم أنه لا يوجد ضرر وإنما أردت فقط ألا أتناقض مع ماضي " بل لقد سحب محمد حافظ رمضان استقالته بعد اغتيال أحمد ماهر باشا وقال فى تبرير ذلك للمحكمة " وجدت أن من الواجب أن أبقي فى الوزارة من باب استنكار الحادث وخصوصا أنني موش شايف خطر من دخولنا الحرب ".ومثل هذا الحزب المتواطئ مع القص والذي أكتفي منذ زمن بعيد بالكفاح الشكلي لم يكن ليجتذب شابا ملتهب الحماسة والوطنية مثل محمود العيسوي أو يلهمه فكرة اغتيال أحمد ماهر باشا والأقرب للتصديق أن يستلهم محمود العيسوي هذه الفكرة من تنظيم يعد لهذا العمل وهو الإخوان المسلمون الذين أعلنوا معارضتهم الصريحة لإعلان الحزب ,ويملكون جيشا سريا بلغ درجة طيبة من التنظيم ولعل انتساب محمود العيسوي إلى الحزب الوطني جاء من أنه قضي مدة ترينه كمحام فى مكتب عبد الرحمن الرافعي . وفيما يبدو فإنه لم يكن محل رضا او تقدير من رؤسائه فقد وصفه عبد الرحمن الرافعي بأنه :" شاب رقيق الحال غير ناجح فى المحاماة ولا ملتفت لعمله مع أنه كان يحمل دبلوم القانون الخاص ودبلوم القانون العام وكان يعد رسالة لنيل الدكتوراه فى الحقوق وهذا يدل على أن انتهاء محمود العيسوي للحزب الوطني كان انتماء صوريا يخفي انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين .

  1. إن تاريخ الاغتيالات السياسية قد دل على أنها لا تنبع عادة من فرد وإنما من تنظيم هكذا حدث فى اغتيال بطرس غالي باشا ومقتل ومحاولات قتل إسماعيل صدقي باشا فى المدة من 1930–1934 ثم محاولة اغتيال مصطفي صدقي باشا على يد أحد أعضاء مصر الفتاة فى نوفمبر 1937 واغتيال أمين عثمان باشا سنة 1946 ثم حوادث الاغتيال التى قلم بها الإخوان عامي 1948و1949.
  2. من الثابت أن البوليس فى مصر حتي حل الإخوان المسلمين فى 8 ديسمبر 1948 لم يكن قد اتخذ أى إجراء وقائي ضد نشاط الإخوان المسلمين وبالتالي فلم تكن لديه أية سجلات لأعضاء الإخوان ولم يكن يعرف من فيهم المتطرف وغير المتطرف وعلى ذلك فلم يكن فى وسعه إثبات إنتماء محمود العيسوي للإخوان المسلمين وقد استفادت الجماعة من غفلة البوليس الذي كان مشغولا بالجماعات الشيوعية والأحزاب السياسية الأخري فى إنشاء جيشهم العلني وجهازهم السري .

وعلى كل حال إذا صح أن اغتيال أحمد ماهر باشا كان من تدبير الإخوان المسلمين فإن هذه تكون المرة الأولي التي يستخدمون فيها العنف وفى الفترة التالية كانت حركة تسير فى بحر هائج مضطرب للسباب الآتية:

أولا: كان انتهاء الحرب فى مايو 1945 قد فتح باب الكلام فى القضية الوطنية واستنفر كافة القوي الوطنية فى مصر للنضال الوطني وكان لابد أن تقحم القضية نفسها على حركة الإخوان التى كانت تكرس نفسها للحكومة الإسلامية فلم يعد فى وسعهم فى وسط المد الوطني العالي الذى أعقب الحرب شغل بال الرأي العام بالحديث عن الحكومة الإسلامية كما كان الحال قبل الحرب؛
وإنما كانت قضية التحرر الوطني مقدمة فى ذلك الحين على الحكومة الإسلامية ولما كان الإخوان قد آثروا موقف السلامة منذ المحنة الأولي وطوال مدة الحرب وامتنعوا عن أى نشاط ضد الإنجليز فإن دخولهم المعترك الوطني كان يعمل معه خطر الإضرار بمسيرة الدعوة وتعريضها للهزات السياسية قبل أن تنضح تماما للقفز على الحكم وبالتالي كان على الشيخ حسن البنا اتخاذ موقف سياسي حذر يضمن حماية الدعوة من الأخطار .
ثانيا: المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على مصر بعد الحرب ونقلت النضال الوطني فيها إلى مستوي جديد فإن ظروف الحرب كانت قد مكنت الرأسمالية المصرية من توسيع نشاطها فى كافة المجالات وأثارت شهيتها للمزيد من الربح والاستغلال فى الوقت الذى تردت فيه أوضاع الفلاحين المعدمين والعمال الزراعيين والصناعيين والبورجوازيين الصغار بصورة كبيرة .
وقد أعطي ذلك للنضال الوطني بعدا اجتماعيا خطيرا لم يسبق له مثيل فلم تعد قضية التحرر الوطني تعني فى نظر الجماهير المصرية التحرر من الإنجليز بل أصبحت تعني أيضا التحرر الاجتماعي وضرب مصالح القصر والطبقة الإقطاعية والرأسمالية الملتفة حوله.
ثالثا: كان من الطبيعي أن تفر هذه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قوي سياسية جديدة لم يكن لها نشاط فعلي على طول الفترة السابقة منذ نشأة حركة الإخوان عام 1928 وهي القوي الشيوعية فحين ظهرت حركة الإخوان فى ذلك العام كانت الحركة الشيوعية المصرية قد ضربت بقسوة وصفيت تقريبا منذ عام 1925
وبالتالي لم تكن حركة الإخوان تحس بأى خطر من هذه الناحية وطوال الثلاثينيات سيطر المد الفاشي الذى كانت حركة الإخوان المسلمين أحد روافده فى الوقت الذى أقفزت فيه ساحة العمل الشيوعي تحت عوامل الخيانة وتتبع البوليس ولم يكن أمام الإخوان من القوي السياسية سوي القوي الليبرالية الممثلة فى الوفد الذى شاهدنا علاقاتها به فيما سبق؛
ولكن ظروف الحرب هيأت الفرصة لحركة شيوعية عارمة تمتاز بغلبة العنصر الوطني وسيطرته فيها بعد أن استبعدت ظروف الحرب العناصر الأجنبية وكان على رأس هذه الحركة جماعة "الفجر الجديد" التى عرفت بموقفها التحالفي النقدي من الوفد وصلتها بالطلة الوفديين و"الطليعة الوفدية"
وجماعة الحركة الشيوعية القوية تمثل بالنسبة للإخوان ما كان يمثله معسكر الإلحاد والإباحية عند نشأة هذه الجماعة وهو المصطلح الذى كانت تطلقه على معسكر التغريب والعلمانية .
رابعا: لم تكن حكومة السعديين قد اغتفرت للإخوان ما اعتبرته تحالفا من جانبهم مع حكومة الوفد الأخيرة ولم تكن لترضي منهم بأقل من الخصومة الصريحة للوفد وتنكرهم له إذا ساءوا الاستمرار فى نشاطهم ولم تكن الاستجابة لهذا الطلب هينة إذ كان معناها أن تخسر الجماعة الجناح اليميني فى الوفد الذى ساعدهم أثناء الحرب وتغاضي عن نشاطهم فى أسوأ الظروف وكانت فى الجماعة أصوات قوية تحذر من هذا الاتجاه على رأسها أحمد السكري.
كل هذه الظروف الاجتماعية الاقتصادية والسياسية كانت تدفع بالشيخ حسن البنا إلى أحضان معسكر القصر فلم يكن يجمعه بمعسكر الوفد والشيوعيين من نقاط الالتقاء سوي المطالب الوطنية فى الوقت الذي كان يجمعه بمعسكر القصر العداء الشديد للشيوعية وكراهية الدستور والحياة النيابية.
فضلا عن ذلك فإن الدخول فى تحالف مع الوفديين والشيوعيين ضد الإنجليز والقصر يعرض الحركة للحل والتصفية أما التحالف مع القصر الذي كان فى ذلك الوقت يقف موقفا معتدلا من الإنجليز فيمكن أن يضمن للحركة الوقت الكافي والفرصة المطلوبة لبلوغها درجة القوة التي تعتمد فيها على نفسها وتحقق غاياتها.

ولكن ما السبيل إلى التقارب مع القصر يذكر " ميتشل" أن زملاء البنا المقربين أكدوا أن من بين أحلامه الكبيرة وقتذاك أن يستقبل فى الحضرة الملكية وقد أورد أنور السادات هذه الرغبة الملحة فى مذكراته المنشورة تحت عنوان :" صفحات مجهولة ".

فقد ذكر أنه بعد هربه من المعتقل فى نوفمبر 1944 عاود اتصاله بالشيخ حسن البنا شعورا منه بأن قوة الإخوان هي القوة الوحيدة القادرة فى الميدان وقد تبسط معه البنا "بصورة لم يسبق لها مثيل " حسب قوله "

وأفاض كثيرا وشرح لى متاعبه التي تأتي من ناحيتين:

ناحية الملك وناحية الأجانب وقال لى أن الملك قد بدأ يشعر شعورا قويا بخطورة دعوة الإخوان ولما كان يسمعه من أن دعوتهم تقوم على أن يكون الملك بالمبايعة لا بالوراثة وقال لى أن الملك يدبر أمره ليبطش بهذه الحركة وأنه يخشي أن يضرب الملك ضربته والحركة لم تبلغ بعد أوج قوتها .

واستطرد بعد ذلك إلى ذكر طرف آخر من متاعبه وكان هذا الطرف هو موقف الأجانب من الدعوة فقد بدأ يشعر بأن الأجانب يرهبون دعوته ويعتقدون أنها إذ تقوم على وجوب الأخذ بشريعة الإسلام ستتعرض حتما لأعمالهم وأموالهم وحرياتهم الممنوحة لهم بمقتضي لقانون السائد والدستور .

" وقال لى أن هذه النظرة الموحدة إلى دعوته من جانب الملك ومن جانب الأجانب تجعل الدعوة فى خطر جسيم فما أيسر أن تتحول النظرة الموحدة إلى تحالف عملي للقضاء على الدعوة وعلى الجماعة التي تدعو إليها ويومئذ لا يعرف من أين تصوب إليه الضربات وقال لى أنه يريد أن يضع حدا لهذه المتعب وأنه يعتقد أن الأجانب يمكن أن يطمئنوا إلى الدعوة لو اطمأن إليها الملك .

ونظر فى عيني طويلا وهو يقول:

"أنا أستطيع أن أكسب طمأنينة الملك لو تقابلت معه وكان وجهه ينبئ فعلا عن الثقة الكبيرة وهو يصف لى كيف يستطيع أن يزيل من نفس الملك جميع الشكوك والأوهام لو تيسرت له مقابلته مرة واحدة ثم أوضح لى أنه لا يريد أن يبدأ مع الملك سياسة وفاق أو تعاون ولكنه يريد أن يشيع جوا من الطمأنينة فى نفس الملك يجنب به سفينة الإخوان أية عقبات تعترض الطريق وقصد رحمه الله إلى هدفه بعد ذلك مباشرة فقال لى:أنت تعرف يوسف رشاد قلت:نعمأعرفه وبيني وبينه صداقة كبيرة ومودة "

فقال:

"ويوسف اليوم ذو حظوة فلو استطعت أن تشرح هدفي وأن تفهمه أني لست خطرا على الملك ولا أريد أن أكون خطرا لأمكنه إقناع الملك بمقابلتي" وأجبته فناقشني فيها ثم وافق على أن يلعب الدور وعندما رأيت يوسف رشاد بعد ذلك قال لى:
" لقد فاتحت الملك فى هذا الأمر فى محادثة تليفونية بيني وبينه وإذا به يقطع حديثي قطعا ويوجهه وجهة أخري وقابلته بعد ذلك فقال لى : كيف تكلمني تليفونيا فى أمر كهذا؟ ألا تعلم أن حسن رفعت يراقب التليفونات؟".

ثم يقول السادات أنه عاود الإلحاح على يوسف رشاد وفي هذا المرة استطاع يوسف الحصول من الملك على إذن بأن يقابل هو أولا حسن البنا ويستمع إليه وينقل حديثه إلى الملك ليري رأيه .

ولكن فاروق عاد فطلب منه إلغاء هذا الإذن بشأن مقابلة البنا ويئس السادات وأبلغ البنا بيأسه ومرت الأيام وسقطت الأحكام العرفية ( فى 4 أكتوبر 1945) وكان السادات ببيته بعزبة النخل فى إحدي الليالي حيث زاره البنا ومعه محمود لبيب وأخذ البنا يتحدث عما يمكن أن تجنبه البلاد إذا هدأت شكوك الملك فى الإخوان .

وفهم السادات أنه يريد منه إعادة الكرة فتحدث ثانية مع يوسف رشاد وكان فى الإسكندرية إلى جوار الملك وأقنعه بمعاودة المحاولة ولكنه أبلغه ان الملك غضب منه وأقصاه عن صحبته عشرة أيام وعندما عاد يقربه قال له:

" إياك أن تفاتحني مرة أخري فى هذا الموضوع على أن فاروق عاد فطلب إلى يوسف رشاد الاتصال بحسن البنا والاستماع إليه فالتقي به وتحدث معه ثلاث ساعات وخرج من المقابلة مقتنعا تماما بخلوص نية البنا نحو الملك ولكنه عندما عاد أبلغ الملك بذلك ضحك وقال له:" حسن البنا ضحك عليك "

ثم يقول السادات أنه بعد أعوام من ذلك قال له يوسف رشاد أن الملك فى أواخر عهد إبراهيم عبد الهادي قال له :" إحنا غلطنا فى ضربة الإخوان وحقنا نرجع لسياستنا القديمة "... وسأله السادات :" ما هي السياسة القديمة ؟ فرد عليه يوسف رشاد قائلا:صدقني أنا لا أدري . ولكن يبدو أن صلة أخري قد حدثت بين حسن البنا وبين الملك عن طريق غير طريقي وأن الملك اتخذ لفترة قصيرة خلال عام 1946 موقفا معينا من الإخوان ثم عدل بعد حرب فلسطين "

على أنه يملك تفسير تغير موقف فاروق وقبوله التصالح مع البنا بتغير موقف البنا وبرهنته عمليا فى اتجاه العداء مع الوفد وفى اتجاه تقبل عهد الانقلاب وتأييده ففي ذلك الحين كانت الجامعة قد أصبحت مسرحا للصراع بين الوفد والإخوان .

وكانت قد انقسمت إلى معسكرين:معسكر الوفد والشيوعيين فى جانب ومعسكر الإخوان والحزب الوطني ومصر الفتاة فى جانب آخر .

وقد بدأ الصراع حين دعت مجموعة من الطلبة فى أواخر صيف 1945 إلى مؤتمر لبحث القضية الوطنية وتحديد ما يقصد بالجلاء الذي تريده مصر:هل جلاء عسكري فحسب أم هو جلاء سياسي واقتصادي وعسكري ؟.

وكيف يكون التخلص من الاستعمار:هل يكون بسياسة المفاوضات أم يكون بكفاح يشترك فيه الملايين ؟.على أن الإخوان سارعوا إلى عقد مؤتمر يوم 6 أكتوبر تحت قيادة لنبا قرر إعطاء الحكومة النقراشية الفرصة لمعالجة القضية الوطنية وتأييدها تأييدا تاما .

كما قرر رفع مذكرة إلى النقراشي تحد الحد الأدني من المطالب الوطنية وعندما عقد الطلبة مؤتمرهم فى اليوم التالي 7 أكتوبر أراد مندوب الإخوان الحصول على موافقتهم على مقررات مؤتمر الإخوان يوم 6 أكتوبر والاكتفاء بذلك .

ولكن الطلبة قرروا الاستمرار فى دراسة القضية مما أدي إلى انسحاب الإخوان من المؤتمر وجاء قرار الطلبة مختلفا عن قرار مؤتمر الإخوان أن ورد به أن الطريق الكفاح الشعبي المصري والسوداني وان الاستقلال الصحيح ليس هو مجرد الجلاء العسكري وإنما الاستقلال الذي تنال مصر من ورائه نهضة اقتصادية ونهضة اجتماعية .

وقد كانت أهمية هذا الموقف من جانب الإخوان بالنسبة للقصر تتمثل فى أنه يعد تعبيرا صريحا عن ثقتهم وتأييدهم لحكومة النقراشي باشا فى الوقت الذي كان الوفديون والشيوعيون يشكون فى قدرة هذه الحكومة على حل القضية الوطنية ويطالبون بإجراء انتخابات جديدة حرة ومعني ذلك تأييد الإخوان لعهد الانقلاب الذي قام به فاروق وعزمهم على العمل فى ظله.

وقد كان هذا هو عربون التقارب العملي ومزيل الشكوك فى ولاء الإخوان للعرض على أن استهانة الإنجليز بحكومة النقراشي التي تبدت فى مذكرة 26 يناير 1946 التي وردت بها على المذكرة المصرية فى 20 ديسمبر 1945 وإبداء عزمها على الإقلال من شأن القضية الوطنية عن طريق إرسال سفيرها إلى مصر لإجراء محادثات تمهيدية وإصرارها على سياستها الاستعمارية..

قد أدي إلى استنكار جموع الأمة وسخطها وفى هذا المناخ الوطني العارم طرح الطلبة خلافاتهم الحزبية وحشدوا صفوفهم وقرروا عمل مؤتمر عام يوم 9 فبراير فى الجامعة أسفر عن قرار بتسيير مظاهرة سمية إلى قصر عابدين

وكانت قيادة هذا اليوم للإخوان المسلمين وأراد النقراشي باشا تلقين الطلبة درسا حتى يمتنعوا عن القيام بأية مظاهرات فى المستقبل فأصدر أوامره للبوليس باعتراض المسيرة علي كوبري عباس. وانتهي اليوم بإصابة 84 من الطلبة بإصابات بليغة.

وشعر فاروق بحماقة الإجراء الذى اتخذ وكان على النقراشي أن يدفع الثمن فزار فاروق الجامعة فى اليوم التالي ودعا الطلبة إلى زيارته بالقصر حيث لمح إلى إقالة النقراشي باشا . وفى اليوم التالي كان مصطفي مؤمن زعيم الإخوان فى الجامعة يقود مظاهرة للإخوان خرجت من الجامعة إلى القصر تحت حماية البوليس هذه المرة وفى اليوم التالي سقطت وزارة النقراشي باشا وخلفه إسماعيل صدقي باشا.

كان تعيين صدقي باشا صاحب التاريخ الأسود فى الحياة السياسية المصرية على رأس الوزارة الجديدة صدمة كبري للقوي الوطنية فيما عدا الإخوان المسلمين ... بل ينقل ميتشل رواية تذهب إلى أن البنا قد أخذ رأيه فى تعيين إسماعيل صدقي باشا فى فبراير 1946 وهي مبالغة غير مقبولة .

على أن الشئ المحقق أنه فى الوقت الذى استقبلت جماهير الأمة وقواها الوطنية بالجزع والتشاؤم عهد " جلاد الشعب " وبطل العنابر وقاهر العمال بطل المنصورة والبداري وحلوان وأخطاب ومزيف إرادة الأمة بنسبة 67% من مجموع الناخبين سنة 1931 وفى الوقت الذى انكشف للأمة المضون الطبقي للنضال الوطني الامبريالي الرأسمالي فى مصر وتأكدت أهمية البعد الاجتماعي للنضال لوطني فى هذا الوقت انفرد الإخوان المسلمون بالتحالف مع إسماعيل صدقي باشا .

فقد زار صدقي باشا مركز الإرشاد وبادر الإخوان إلى تأييده وروحوا لما قاله فى البداية عن عزمه على خدمة بلاده وعدم استعمال العنف وعلق زعيم الإخوان فى الجامعة على وعد إسماعيل صدقي باشا بأية من القرآن:" وأذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ".

وقد حصل الإخوان على ثمن التحالف مجموعة من التسهيلات الرسمية التي ينقل ميتشل منها

" التي بدأت تصدر من مايو 1946 وامتيازات فى شراء ورق الطباعة بالسعار الرسمية مما يعني توفير ما بين 20 و30 فى المائة من أسعار السوق السوداء ثم امتيازات للجوالة تتمثل فى استخدام المعسكرات والتسهيلات الحكومية ومنحها قطعا من الأرض لإقامة المباني اللازمة فى المناطق الريفية فضلا عن الإعانة المالية التي كان يتم تمريرها عن طريق وزارتي المعارف والشئون الاجتماعية بوصفها مساهمات وإعانات حكومية مشروعة للخدمات التعليمية والاجتماعية.

وفى الفترة التالية كان منحي الإخوان فى العمل السياسي هو الوقوف فى وجه الشيوعيين والوفديين ومعارضة المجتمعات الطلابية التى تنتمي لهذين الفريقين وهو منحني يشكل مباشر هدف القصر فى تمزيق القوي الوطنية فحين تكونت

" اللجنة التنفيذية العامة للطلبة" بالانتخاب ألف الإخوان " لجنة الطلبة التنفيذية العليا فى المركز العام لتحطيم قرارات اللجنة المنتخبة ومهاجمة نشراتها بحجة أنها شيوعية تتضمن مصطلحات روسية مثل "" الكفاح التحريري" و" المطالبة بالجلاء الاقتصادي " و" الكفاح الشعبي " و " يحيا اتحاد الطلبة والعمال " .

وعندما أنشئت " اللجنة الوطنية للعمال والطلبة وقادت مظاهرات يوم الجلاء 21 فبراير بادر الإخوان إلى تشكيل " اللجنة القومية منهم ومن شابا مصر الفتاة وحزب الفلاح الاشتراكي وجبهة مصر لعلي ماهر والحزب الوطني وعين صدقي باشا محمد حسن العشماوي وزيرا للمعرف ممثلا للحكومة فى اللجنة .

وعندما أرادت هذه اللجنة القومية تحت ضغط شباب مصر الفتاة والحزب الوطني مواجهة صدقي باشا وتحذيره من تسويف الإنجليز الذي قصدون به تفويت فرصة عرض قضية مصر على مجلس الأمن ومطالبته بالحريات العامة انفصلت جماعة الإخوان عن اللجنة وأعلنت أن مهمتها كانت محدودة بالدعوة إلى اعتبار يوم 4 مارس يوم حداد عام؛

وقد انتهت هذه المهمة بانتهاء هذا اليوم وفى يوم 21 مارس أصدر مكتب الإرشاد بيانا أعلن فيه أنه يعتذر عن عدم الاشتراك مع أية هيئة أو حزب او جماعة فى تشكيلات أو لجان لا تحمل طابع الوحدة التامة الحقيقية لجميع الهيئات التي تمثل الشعب .

وسرعان ما تصاعدت الاحتكاكات بين جماعة الإخوان والوفديين وشهد عام 1946 أعنف الاشتباكات ولم يتردد الإخوان المسلمون فى استخدام الوسائل الفاشية والهجوم على الشباب والطلبة بالعصي والخناجر وكان طبيعيا كما ذكر أحمد حسين أن تقف الحكومة إلى جوار الإخوان المسلمين فى كل صدام يقع بينهم وبين الوفد؛

بل كانت تحميهم وتشد من أزرهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ففي يوم 6 يوليو 1946 وقع اصطدام فى مدينة بور سعيد بين أعضاء الجمعية وخصومهم استخدمت فيه القنابل والأسلحة وأسفر عن قتل أحد خصومهم وإصابة آخرين؛

وقد حاصرت الجماهير الوفدية الشيخ حسن البنا فى أحد المساجد لم ينجح فى الإفلات من الخطر إلا بأعجوبة وأحرقت دار الإخوان ببور سعيد وقد أورد أحمد عمار بك وكيل وزارة الداخلية نماذج من هذه الاشتباكات فأشار إلى حادث مدرسة شبين الكوم الذى بدأ الإخوان فيه بالهجوم على الوفديين؛

كما أشار إلى قضية ألقيت فيها قنابل من جماعة الإخوان فى الإسماعيلية وحكم فيها بإدانتهم وأورد أحمد حسين إحدي الوقائع التي تبين سطوة الإخوان فى عهد الانقلاب فذكر أن بعض التعليمات كانت قد صدرت من الحكومة بمنع سير أية طوابير أو مواكب فى الشوارع؛

وقد أورد مأمور قسم الخليفة تطبيق هذه التعليمات على جوالة الإخوان فخرج بعسكره وجنوده ليحولوا بينهم وبين السير أبوا ووقع صدام خطير ترتب عليه أن عوقب مأمور الخليفة على موقفه واصطدامه بالإخوان وسوي الموقف بإقامة احتفال ضخم لجوالة الإخوان أمام قسم الخليفة كمظهر لانتصار الإخوان المسلمين وسلطانهم .

بل لقد ذلل أحمد حسين على مدي نفوذ الجماعة فى ذلك الحين فذكر أن البنا كان يتصرف فى ذلك الحين كأنه "وزير الداخلية " وأورد ورقة مضبوطة من أوراق الجماعة موجهة من شعبة المحجر إلى المرشد تخطره فيها باعتزامها الاجتماع كل خميس فى دار الشعبة تطلب منه اتخاذ الإجراءات لكفالة حرية هذا الاجتماع وقد أشر عليها الشيخ حسن البنا بإخطار المحافظة وبوليس قسم الخليفة باعتماد شعبة المحجر كي لا يتعرض أحد لاجتماعها "

وقد علق أحمد حسين على ذلك قائلا:

" ماذا تكون الصولة أكثر من هذا؟ وماذا يكون النفوذ فى ذروته العليا أكثر من هذه التأشيرة التي تشبه أن تكون تأشيرة وزير الداخلية .وكان من الطبيعي أن تسئ أعمال العنف بين الإخوان والوفدين فضلا عن مظاهر التحالف بينهم وبين إسماعيل صدقي باشا صاحب التاريخ المعروف إلى سمعة الإخوان المسلمين خصوصا عندما بدأت تظهر النتائج الهزيلة لمفاوضات صدقي بيفن .
ولم تلبث أن أخذت تثور الاعتراضات داخل صفوفهم من جانب الفرق الذي كان على صلة بالجناح اليميني من الوفد أثناء حكومته الأخيرة وعلى رأسه أحمد السكري .

فقد كان من رأي أحمد السكري أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن تصبح قوة ذات شأن أكبر فى مصر فى حالة واحدة وهي أن تدخل فى وحدة عضوية مع الوفد وأنه إذا أرادت الجماعة أن تمارس وجودا انتخابيا نقل أو تمسك بالسلطة فعليها أن تعمل من خلال الوفد أو تستند إليه؛

وقد تصور السكري دور الإخوان المسلمين على أن يحقق التأمل الروحي للوفد كذلك رأي فى نفسه الزعيم السياسي للإخوان المسلمين بينما رأى فى حسن البنا مرشدهم " الروحي" حيث يعملون جميعا كجزء من وحدة لا تقاوم باعتبارهما معا حزبي الشعب كما اعترض السكري على سيطرة البنا الطلقة على الجماعة وتحكمه التعسفي فى مصيرها السياسي .

وفى خلال عام 1946 كان الخلاف بينه وبين الشيخ حسن البنا مكتوبا لا يعرفه إلا الخاصة ولكنه تفجر فى ربيع العام التالي وأسفر عن طرد السكري من الجماعة.وقد عين صالح عشماوي رئيس التنظيم السري خلفا لأحمد السكري .

وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى الربط بين هذه الأزمة وهذا التعيين وبين اكتمال التنظيم السري فى ذلك الوقت وفى الواقع أن اكتمال التنظيم السري إنما سمحت به علاقة التحالف القائمة بين الإخوان والسلطة واعتقاد هذه السلطة أن نشاط الإخوان إنما لخدمة الأهداف المشتركة وهي ضرب الوفد .

وهذا ما تؤكده شواهد كثيرة فيذكر عبد المجيد حسن قاتل النقراشي باشا أنه ذهب يتدرب فى جبل المقطم مع آخرين على استخدام الأسلحة وهي بنادق ومسدسات وقنابل وكان يدربهم السيد فايز الذى كان يرتدي ينطلونا كاكي اللون وقميصا كاكي اللون أيضا ينصف كم وقبعة تشبه قبعات جنود الجيش البريطاني (أى زي شبه رسمي) ووجد فى الجبل أسلحة وذخائر فى بعض الخيام؛

وقد علم بعد يومين من زملائه أنه قد قبض على السيد فايز ومعه أفراد يتدربون فى الجبل على استعمال السلاح ولكن لم يلبث أن أطلق سراح المقبوض عليهم بعد يومين بدعوي أن هذا لا يخالف القانون وأن هذه الأعمال التي يقوم بها الإخوان تتفق وتعاليم الإسلام واستدل على ذلك بأن " هذا التدريب كان تحت سمع الحكومة وبصرها ".

قد ذهب إلى حد القول بأن الإخوان كانوا يضعون القنابل فى الجامعة فروي أنه:

"قبيل ليلة عيد الميلاد سنة 1946 ذهبت أنا وحسين عبد السميع إلى الجامعة وكانت محاصرة وتمكنا من تسلق سور كلية الزراعة وقصدنا إلى الدواليب الخاصة وأعطاني عبد السميع مفتاحا لاحتفظ به وفتح هو بمفتاح آخر أحد هذه الدواليب ونظر فيهم كما نظرت أنا أيضا فشاهدت تسع أو عشر قنابل ".

وقد اتهم أحمد حسين السلطة بأنها كانت تشجع الإخوان المسلمين على المزيد من ارتكاب الجرائم فقال :

" إنهم عقب كل حادثة من هذه الحوادث كانوا يلقون تشجيعا وتأييدا لأنها كانت تظهر ما توصلوا إليه من القوة وأنهم صالحون كل الصلاحية للمهمة التى يراد منهم القيام بها وهي كما قلت القضاء على حزب يراد القضاء عليه بأى ثمن من الأثمان (الوفد) ولو حساب القانون وعلى حساب الأمن والسلام.
وقد كان الستار الذي يخفي تحته الإخوان المسلمين تدريبهم واستعدادهم وتخفي الحكومة بدورها تغاضيها عن هذا التدريب والاستعداد هو قضية فلسطين وقضية فلسطين هي شعار حقيقي بالنسبة للإخوان ولكنه ستار مزيف بالنسبة للحكومة صدقي باشا وحكومة النقراشي باشا التي خلفتها .

بمعني أن هذه القضية كانت تتقدم بالنسبة لشباب الإخوان محورا إسلاميا مثاليا يستقطب اهتمامهم ومجالا حقيقيا للجهاد تفرغ فيه شحنة حماستهم ولا يستطيع أحد أن ينكر إخلاص شباب الإخوان المسلمين لقضية فلسطين وضغطهم على قيادتهم للسماح لهم بالجهاد فى فلسطين

وقد عبر عبد المجيد حسن عن ذلك تعبيرا قويا فقال:

"بدأ مشكلة فلسطين تأخذ دورا جديا واعتقدت كما أعتقد جميع أفراد "النظام الخاص" أن وقت الجهاد من أجله نعد وندرب قد جاء و أنا سنرسل جميعا إلى فلسطين للقتال هناك .

وكانت القيادة تبلغنا أن الوقت سيأتي قريبا للجهاد وأن الغرض من إعداد الفرق هو أن نجاهد فى فلسطين بعد تدريب أفرادها على استعمال السلاح ليس السلاح بمعناه فقط إنما كانت هناك إجراءات العصابات وحقول الألغام وكانت القيادة دائما تماطل فى كثرة طلباتنا بالذهاب إلى فلسطين.

والظاهر أن أفراد المجموعة قد فكروا فى الخروج على النظام ورغبوا فى القتال فى فلسطين ولما شعرت القياد بشدة الضغط عليها قالت لنا:إن الجهاد ليس مقصورا على فلسطين وأن الصهيونيين ليسوا فقط فى فلسطين وإنما هم موجودين أيضا داخل البلاد المصرية وأن على "النظام الخاص" أن يوجه إليهم نشاطه وجهاده "

لا نستطيع إذن أن ننكر على شباب الإخوان المسلمين حماسهم وإخلاصهم لقضية فلسطين ولكن لا نستطيع فى الوقت نفسه إنكار أن التدريب علي السلاح أما بالنسبة للحكومة فمن المحقق أنها اتخذت من قضية فلسطين شعارا تخفي تحته تغاضيها عن استعدادات الإخوان لاستخدامهم فى محاربة الوفد .

وقد كان فى وسعها منع هذا النشاط ومطالبة الإخوان بممارسة تدريباتهم فى الأماكن الرسمية التي حددتها لهذا الغرض وهذا ما عبر عنه عبد الرحمن عمار بك وكيل وزارة الداخلية فى شهادته أمام المحكمة فى قضية مقتل النقراشي باشا

فقد قال:

" إن جماعة الإخوان كانوا على أثر كل حادث يتمسحون بقضية فلسطين وكنت متوقنا أن هذا التمسح باطل ولا أساس له لأنهم إ1ذا كانوا يقصدون حقا خدمة فلسطين لتوجهوا إلى مكان التدريب الذى أعدته الحكومة فى "هاكستيب" ظاهرين لا متخفين لا أن يذهبوا غلى جبل المقطم فنعرف شخصياتهم أو نياتهم "

كانت الحكومة إذن تعرف تمسح الإخوان المسلمين فى قضية فلسطين من أجل التدريب والاستعداد باطل ولكنها كانت تتغاضي لأغراض أخري غير قضية فلسطين ولذلك حين قبض على جماعة المقطم التي ورد ذكرها حفظت النيابة الدعوي ضد أفرادها

وكان مما ورد فى قرار الحفظ:

وحيث أنه فيما يتعلق بتهمة إحراز السلاح والذخيرة المنسوبة إلى الأشخاص المضبوطين فالتهمة ثابتة قبلهم من اعترافهم الصريح غير أنه من ناحية أخري فإن الغرض الذى من أجله اجتمعوا وأنفقوا من أموالهم إنما هو غرض نبيل دعت إليه ضرورات الحالة فى فلسطين فى ذلك الوقت فدفعتهم نخوتهم الوطنية وشعورهم العربي إلى نصرة إخوانهم فى فلسطين مجاهدين بأموالهم وأنفسهم؛

فضلا عن أن الظروف السياسية قد تطورت فيما بعد واندفعت الدولة بجيوشها وأفرادها ودخلت فى معترك حرب نظامية مع عصابات اليهود فالتقي غرض الأفراد مع هدف الدولة نري مع الموافقة لذلك:

أولا: حفظ جناية الشروع فى القتل قطعيا لعدم الجناة .
ثانيا: حفظ جنحة إحراز الأسلحة والذخيرة قطعيا لعدم الأهمية".

يتضح من ذلك أن علاقات التحالف بين جماعة الإخوان وعهد الانقلاب قد هيأت لهم المناخ الملائم لإتمام تدريبهم واستعدادهم فضلا عن تطوير الجهاز السري وفيما يتصل بالسلاح فإن الحكومة قد منحت للإخوان فرصة العمر للتسليح حتي أسنانهم من خلال قضية فلسطين

ويشرح ذلك أحمد حسين فيذكر أنه عندما تطورت قضية فلسطين استقر رأي الحكومات العربية فى البداية على عدم التدخل السافر وأن تقوم به الجامعة العربية كهيئة مستقلة تعتمد على الهيئات والجماعات الشعبية واتخذت الهيئة العربية العليا مصر مقرا لها؛

ونظم الأمر بين الهيئة والإخوان تحت إشراف الحكومة وموافقتها على أن يتولي الإخوان جمع السلاح لحرب فلسطين وأعطي مندوبو الإخوان التصريحات اللازمة لجمع السلاح فذهبوا إلى الصحراء الغربية بمعاونة رئيس أركان مصلحة الحدود وجمعت الأسلحة وحشدت وكان ذلك عملا قانونيا بحتا فى ذلك الوقت وكانت الهيئة العليا تتريث النقل!

وأحيانا كانت تكلف الإخوان بمهمة إصلاحها وجعلها فى حالة جيدة! ولقد فتح الإخوان ورشا للسلاح للقيام بهذا العمل وكان تحت سمع الحكومة وبصرها "

ولم ينكر الإخوان ذلك, بل كان من وسائل دفاعهم عن أنفسهم عندما صدر قرار الحل . فقد ورد فى بيانهم تحت عنوان :" قضيتنا" أن الإخوان المسلمين " كانوا هم الهيئة العاملة النشيطة التي ساعدت الهيئة العربية العليا فى الحصول على أسلحة من مختلف الأماكن وساعدت إخوان فلسطين عند حضورهم إلى مصر لمشتري السلاح بكل ما استطاعت من مساعدة وساعدت الجامعة العربية رسميا فى هذا السبيل وجهزت معسكرا كاملا باسم الإخوان فى السويس ثم فى النصيرات وفى البريج "

وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الجهاز السري فقد اكتمل هيكلة فى ذلك الوقت ووضعت القواعد التي تحدد مهامه وطرق إصدار الأوامر وتسلسلها والسلطات والمسئوليات والشفرة الملائمة والمعدات وازداد عدده زيادة ملحوظة من خلال عملية التجنيد عبر ضباط الجيش وكانت علاقة البنا بالتنظيم فقد انتقلت من صالح عشماوي إلى عبد الرحمن السندي . ثم تولي البنا الاتصال المباشر فى النهاية

ولم تلبث تطورت القضية الفلسطينية أن دفعت بالإخوان إلى قلب المعركة فقد أرسل المركز بمائة متطوع إلى معسكر قطنة بسوريا كما أقاموا بإذن الحكومة معسكرا خاصا بالقرب من العريش يمارسون فيه التدريب؛

وكان يتسع لما يزيد على مائتي منهم يمدهم المركز العام بكل ما يحتاجون إليه من أدوات وتموين وسلاح وعتاد وفى مارس 1948 دخلوا فلسطين واحتلوا هناك معسكر النصيرات جنوبي غزة وقد رابط الإخوان فى " صور باهر " وفى " بيت لحم" وعلى مشارف القدس واقتحموا " راما تراحيل " فى جبهة الوسط واحتلوا معسكر النصيرات والبريج ونسفوا مستعمرة " ديروم"

واشتركوا فى معارك " عسلوج" وحاصروا " المستة وبيروت إسحق" وترددت نقطهم الثابتة والمتحركة فى كل مكان فى جبهة الجنوب واستشهد منهم قرابة المائة وجرح نحو ذلك وأسر بعضهم وكانوا مثال البسالة وحب الاستشهاد .

وهناك دلائل على أن هذه الخسائر لم تؤثر على جيش الجوالة أو التنظيم الخاص فيري البعض أن رؤساء الجمعية كانوا حريصين على ألا يتطوع من جماعة الإخوان إلا الأعضاء المنتمون للنظام الظاهري وإلا يبعثوا من أعضاء النظام السري إلا قلة أن يحتفظوا بالكثرة منهم لما أسموه بالجهاد الداخلي؛

ويؤيد البنا نفسه هذا الرأى دون وعي ففي مذكرته ردا على مذكرة عبد الرحمن عمار ما يفيد بأنه دفع بالآف من الإخوان للتدريب فى معسكر الحكومة فقد ذكر أنه حين أعدت الحكومة معسكرها بهاكستيب لتدريب المتطوعين تقدم إليه أكثر من ألف خانتخب منهم أكثر من ستمائة على دفعات جهزتهم الحكومة ودخلوا مع القوات النظامية وواضح أن هذا العدد الذى أرسل للتدريب لم يسبق له التدريب وإنما تنتمي غالبية للإخوان المتحمسين الذين لم يشتركوا فى الجيش العلني (الجوالة) أو السري للإخوان .

على أن البنا لم يكن ليستطيع الاحتفاظ بالنظام الخاص بعيدا عن المعركة فكرسه للاعتداء على اليهود المصريين خصوصا بعد الغارات الجوية الإسرائيلية على مصر ويعترف عبد المجيد حسن بذلك فيقول أنه بعد دخول الجيش المصري فلسطين بثلاثة أو أربعة أيام أبلغ ان النظام سيبدأالعمل "؛

وفى شهر رمضان سنة 1948 وكان فيه غارات جوية كثيرة من الطائرات الصهيونية تقرر أن نقوم بمهاجمة محال اليهود فى مصر ردا على الغارات الجوية وقد بدأت الحوادث ومنها حادث نسف محل شيكوريل ولم تنكر مذكرة الإخوان إنكارا باتا مسئولية الإخوان عن هذه الحوادث ولكنها أنكرت مسئولية قيادة الهيئة .

وعللت السبب بأنه يرجع إلى موقف المواطنين الإسرائيليين (أى اليهود المصريين) الجامد من مساعدة كثير من العناصر اليهودية فى مصر لصهيونيين فى فلسطين مساعدة كبري كان لها أثر بالغ فى ترسيخ أقدامهم وتنظيم مستعمراتهم وإمدادهم بالسلاح والمال هي أسباب صحيحة فى مجملها .

وفى الفترة من يونيو إلى نوفمبر 1948 تركز نشاط الجهاز السري على الممتلكات اليهودية ففي 20 يونيه 1948 وقع انفجارا نفى حارة اليهود

وفى 20 يوليو حدث انفجار لغم فى الممر الواقع بين محلات " أركو"و" شيكوريل" أمام سينما مترو بول وفى 28 يوليو حدث انفجار بمحل داود عدس للأقمشة بشارع عماد الدين؛

وفى أول أغسطس حدث انفجار آخر بمحلات بنزايون بشارع محمد فريد وبعد يومين أى فى 3 أغسطس انفجرت عبوة شديدة بمبني شركة أراضي الدلتا المصرية بالمعادي؛

وفى 22 سبتمبر حدث انفجار آخر بحارة اليهود وبعد أسبوع واحد أى فى 29 سبتمبر حدث انفجار بمخزن محلات شيكوريل بحلمية الزيتون وكان أقسي الانفجارات وأشدها ضررا ما وقع بشركة الإعلانات الشرقية يوم 22 نوفمبر مما ترتب عليه تصدع وتخريب جميع العمارات والمنازل والحوانيت فى مكان الحادث والمناطق المجاورة .

وفى تلك الثناء كان الشباب المصري يجرفه الحماس الوطني ويجذبه العمل السري للنضال ضد الإنجليز خصوصا بعد يوم الشهداء 4 مارس 1946 فى الإسكندرية الذى دعت إليه اللجنة القومية التى ألفها الإخوان وقتل الجنود البريطانيون فيه 28 وجرحوا 342؛

وفى خلال أسبوع واحد من يوليو 1946 ارتكبت أربعة حوادث ضد الجنود البريطانيين فى سياراتهم وأماكن لهوهم باستخدام القنابل والمسدسات والبنادق أسفرت عن إصابة 128 شخصا وقبض على أحد عشر متهما فر منهم ثلاثة من سجن الحد راء من خلال ثغرة فتحوها فى نافذة السجن فى شهر أكتوبر 1946..

وجرت محاكمتهم أمام محكمة مشكلة برياسة القاضي أحمد الخازندار الذي كان قد سبق له أن حاكم قاتلا عرف باسم " سفاح الإسكندرية" وحكم عليه بالسجن سبع سنوات ولكنه حكم على المهتمين بأحكام قاسية تراوحت بين العشر والثلاث سنوات .

ولم يكن أحد المتهمين ممن ينتمون إلى التنظيم الخاص فى جماعة الإخوان المسلمين ولكن بعد ثمانية أشهر من الحكم أى فى يوم 22 مارس 1948 قتل القاضي أحمد الخازندار بواسطة اثنين من شباب الإخوان المسلمين انتقاما للحكم الذي أصدره فى قضية القنابل

وقد أنكرت قيادة الإخوان مسئوليتها عن هذا العمل ولكنها ذكرت ما يبرره قائلة:

" جاءت أحكام الخازندار بك رحمه الله على الطلاب ع الذين ألقوا القنابل على أندية الإنجليز بالإسكندرية صارمة قاسية .
إذ حكم على كل طالب منهم بعشر سنوات مع أنه أصدر على "حسن قناوي" سفاح الإسكندرية مثلا حكما بسبع سنوات وكان الطلبة يتصورون أنهم يستطيعون بحركاتهم هذه أن يحققوا أهداف الوطن ويزعجوا الإنجليز فلا يتشددون مع المفاوضين المصريين ومثل هذه الأحكام فى عرفهم تعوق نشاط الحركة الوطنية فيما يعتقدون "

على كل حال ففى أواخر سنة 1948 كان الإخوان المسلمون قد أصبحوا أشبه بدولة داخل دولة بأسلحتها وجيشها ومصانعها وشركاتها ومدارسها ومستشفياتها ولم يبق سوي القفز على السلطة ولكن فى 8 ديسمبر 1948 اصدر محمود فهمي النقراشي باشا قرار بحل الجماعة وانتقض بالاعتقال والمصادرة على أعضائهم ومنشآتهم وأموالهم فانتهت صفحة حافلة من نشاط الإخوان المسلمين وبدأت صفة أخري .

والسؤال الذى يطرح نفسه: ما هي دوافع حل جماعة الإخوان المسلمين لدينا فى هذا الصدد نوعان من الدوافع ..الدوافع التي قدمتها حكومة النقراشي باشا والدوافع التي أفترضها الإخوان .

وفيما يتصل بدوافع الحكومة فتقوم طبقا لمذكرة الحل على أربعة أقسام من التهم التهمة الأولي أن الجماعة كانت تهدف إلى قلب النظم السياسية للهيئة الاجتماعية متخذة فى ذلك طرقا إرهابية بواسطة فريق من أعضائها دربوا تدريبا عسكريا وأطلق عليهم فريق الجوالة

والتهمة الثانية الاشتباكات التى جرت بين الجماعة وخصومها وأعمال العنف الممثلة فى إلقاء القنابل فى عدة أماكن بالقاهرة يوم 24 ديسمبر 1946 وفى الإسماعيلية سنة 1947 والتهمة الثالثة تتعلق بوقائع تدريب الجماعة على السلاح وصنع القنابل والمفرقعات ..

وتخزين السلاح بعزية محمد فرغلي الذى عثر عليه يوم 22 أكتوبر 1948 أما القسم الرابع من الفهم فيتعلق بقيادة الإخوان فى الريف واتخاذها موقفا معاديا وتحريضا ضد كبار الملاك.

ويتضح من ذلك أن مذكرة الحل قد استبعدت حوادث العنف التي ارتكبتها الجماعة ضد اليهود والإنجليز والتى أشرنا إليها أما حوادث العنف التي أشارت إليها والتى تتصل بإلقاء القنابل يوم 24 ديسمبر 1946 فلم تثبت إدانة الإخوان فيها؛

حادث إلقاء القنبلة بفندق الملك جورج بالإسماعيلية سنة 1947 ثبت أن المتهم فيه غير مسئول عن عمله وسقط الاتهام ضده وأما مخزن السلاح فى عزبة محمد فرغلي فالثابت أن محمد فرغلي كان رئيس معسكر النصيرات أولا ومعسكر البريج ثانيا بجوار غزة..

وكان رئيسا لمتطوعي الإخوان فى المنطقة وأقرته قيادة الجيش المصري كما كا ممن سهلوا لعبد القادر الحسيني الحصول على ما يريد من السلاح وقد سألت النيابة الشيخ بعد اكتشاف السلاح بعزبته وأفرجت عنه .

كذلك فإن المذكرة فى إثباتها سعي الجماعة لقلب نظام الحكم لم تستند إلى أدلة حديثة اكتشفتها وإنما استندت إلى تحقيقات قديمة خاصة بشراء السلاح من المحور وقد برئ فيها الإخوان.

أما التهمة الخاصة بالاشتباكات مع الوفد فلا يمكن أن تكون حكومة النقراشي حادة فيها لأنها وحكومة صدقي باشا قبلها كانت المحرضة الأساسية فى هذه الأعمال ولم تكن العلاقة تحسنت بينها وبين الوفد على نحو يضع تلك المسألة فى اعتبارها عند التفكير فى حله .

بقيت التهمة الخاصة بموقف الإخوان من كبار الملاك وتقوم على ثلاث وقائع حرق أحطاب لأحد الملاك بناحية كفر بداري وهي فى يوم 18 يناير 1948 والثانية فى 3 فبراير 1948 وهي تحريض أهالي كفر البرامون على التظاهر لزيادة أجورهم وإرغام تفتيش أفيروف الذى يقع بزمام القرية على تأجير أراضيه مقسمة على الأهالي بإيجار معقول؛

وحدث اشتباكات مع رجال البوليس عند محاولة قمع الفتنة والثالثة فى 16 يونيه 1948 وهي تحريض عمال تفتيش زراعة محلة موسي التابع لوزارة على التوقف عن العمل والمطالبة بتملك أراضي التفتيش .

وقد فند الشيخ حسن البنا ما جاء بخصوص الواقعتين الأوليين . فقد ذكر أن أساس النزاع فيها أن كلا من عمدة كفر بداري ومنية البراموني كن يريد ألا تقوم فى القرية أية جماعة يكون لها مظهر وكيان وكلا العمدتين صهر لخر وخطتهما فى ذلك واحدة

وقد كان الإخوان هدفا لاضطهادهما اضطهادا قاسيا ومعني ذلك بوضوح أن النزاع لم يكن لأسباب اجتماعية تتعلق بالنظام الاجتماعي وعلاقات الإنتاج فى الريف؛

وإنما كان لأسباب حزبية أما الواقعة فتتصل بأراضي تابعة للدولة لا للأفراد وبالتالي فهي بعيد عما يمكن أن يكون موقفا متطرفا من الملكية الفردية من جانب الإخوان تتخوف منه حكومة النقراشي باشا ومن الطريف مع ذلك أن اعتبر الإخوان فيما بعد هذا الاتهام فى الواقعة الثالثة التى لم يتعرض لها البنا فى تنفيذه عملا من أعمال محاربة الإقطاع يفاخرون به بعد ثورة 23 يوليو .

يتضح من ذلك كله أنه لا يوجد من الأسباب التى قدمتها حكومة النقراشي باشا سبب واحد مقنع يمكن أن يدفعها إلى إنهاء لتحالف بينها وبني جماعة الإخوان والانقضاض عليها وحلها ومحاولة تصفيتها وبقي علينا أن نبحث فى الرأي الأخر رأي الإخوان أنفسهم .

لقد أقام الشيخ حسن البنا رأيه فى دوافع حل جماعته على افتراض أساسي هو التدخل الأجنبي ... ففي رده على مذكرة عبد الرحمن عمار بك عن جماعة الإخوان قال إنه:

" مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه فى مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام وهو مالم يقم عليه دليل ولا برهان ولكت الدافع الحقيقي فيما نظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث مع مع اضطراب السياسة الدولية؛
وقلق الموقف فى فلسطين وتردد سياسة مصر بين الأقدام والأحجام فشددوا الضغط على الحكومة وقد صرح بذلك سعادة عمار بك نفسه وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا فى فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا فى صراحة بأنه لابد من حل الإخوان المسلمين "

وقد أورد بيان الجماعة بعنوان:" قضيتنا "

إيضاحات أكثر فى هذا الصدد فذكر أن عبد الرحمن عمار أقر بنفسه للأستاذ المرشد العام أن مذكرة قدمت إلى النقراشي باشا من سفير بريطانيا وسفير فرنسا والقائم بأعمال سفارة أمريكا بعد أن اجتمعوا فى فايد فى 6 ديسمبر تقريبا يطلبون فيها المبادرة بحل الإخوان المسلمين وعقد بيان الجماعة مقارنة بين موقف الاستجابة من جانب النقراشي باشا لهذا الطلب والموقف الذي وقفه مصطفي النحاس باشا فى عام 1942 ."

فقد طلبت السفارة من رفعة النحاس باشا فى سنة 1942 والحرب العالمية على أشدها والألمان على الأبواب حل الإخوان المسلمين وتعطيل نشاطهم فأبي أن يجيبها إلى ذك واكتفي بإغلاق الشعب كلها مع بقاء المركز العام إلى حين .

وقد أضاف بيان الجماعة أربعة دوافع أخري على النحو الآتي:

أولا: التمهيد للمفاوضات المنتظرة بين الحكومة والإنجليز بحل الإخوان وشغلهم بأنفسهم عن مجريات الأمور وتقلبات الأحوال .
ثانيا: الخوف من ردود فعل الإخوان إزاء فشل الحكومة فى حل قضيتي فلسطين والسودان والخوف من القيام بثورة لهذا السبب وعلى حد قول البيان :" تعلم الحكومة تمام العلم معرفة الإخوان الدقيقة ببواطن الأمور وأسباب هذا الفشل وتشعر بأنهم سيشددون عليها الحساب . فأرادت أن تسبقهم إلى ذلك ولكن الإخوان لم يكن منهم إلا ضبط الأعصاب ".
ثالثا: الخوف من مواجهة الإخوان فى الانتخابات القادمة خصوصا والقائمون فى الحكم " يعلمون مدي تغلغل فكرة الإخوان فى نفوس الشعب ومختلف طبقاته بخاصة فى القري والريف فكان طبيعيا أن يحسبوا حساب منافستهم فى هذا الميدان وأن يحاولا بمثل هذه الضربة أن يباعدوا بينهم وبين بعض الجمهور ويشوهوا جهادهم ".
رابعا: تحالف اليهودية العالمية والشيوعية الدولية والدول الاستعمارية وأنصار الإلحاد والإباحية على الدس للإخوان لدي الحكومة لأنهم يرون فى الإخوان ودعوتهم " السد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يريدون من تحلل وفوضي وإفساد "

وإذا صرفنا النظر عن السبب الأخير الذى لا يستحق الوقوف عنده بالمناقشة وتناولنا التدخل الأجنبي فإن المقال الذى كتبه شمس الشناوي فى مجلة الدعوة يحتوي على معلومات مختلفة بعض الشئ لما ورد فى بيان الإخوان

فقد ذكر أن اجتماع السفراء الأجانب الذى قرروا فيه اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل الجماعة الإخوان كان فى 10 نوفمبر 1948 وليس فى 6 ديسمبر كما ورد فى البيان؛

وقد أضاف أنه فى 20 نوفمبر 1948 أرسل رئيس المخابرات البريطانية إلى قائد القوات المسلحة البريطانية فى مصر أن خطوات دبلوماسية ستتخذ لحل جماعة الإخوان المسلمين وأخطرت السفارة البريطانية النقراشي بهذا القرار مشفوعا بتبليغ شفوي أنه إذا لم تحل جماعة الإخوان فستحتل القوات البريطانية القاهرة والإسكندرية .

وقد ذكر الشناوي أن الصورة الزنكوغرافية لقرار السفراء موجودة لديه ولكنه لم ينشرها بمقالة على أن عبد الرحمن عمار وهو الذي أسند إليه بيان الإخوان الاعتراف بالتدخل الأجنبي وأنه مصدر خبره أنكر هذه الواقعة إنكارا باتا ففي أثناء المحاكمة فى قضية مقتل النقراشي باشا..

سئل عما إذا كان يعلم أن هناك اجتماعا عقده سفراء دول فرنسا وانجلترا وأمريكا فى فايد قرروا فيه مطالبة الحكومة بحل الإخوان فى مذكرة طبعوها ووزعوها سرا ليوهموا الناس بأن النقراشي باشا حين قرر حل الإخوان كان تحت تأثير أجنبي وهذه واقعة لا ظل لها من الحقيقة".

ومع ذلك فلم نكن لنستبعد واقعة التدخل الأجنبي خصوصا بعد انهيار الأمن والنظام فى مصر على النحو الذى ذكرناه لولا أن مذكرة الحل التي استندت إليها الحكومة قد خلت كما رأينا من الحوادث التي يمكن وحدها أن تدفع السفراء إلى اعتبار الإخوان مسئولين عن انهيار الأمن والتدخل من ثم لحل جماعتهم؛

أما وقد أغفلت مذكرة الحل هذه الحوادث فمعناه الوحيد أن السفراء لم يكونوا يملكون أدلة على دور الإخوان فى هذه الحوادث ويكونوا قد فقدوا المبرر لمطالبة بهذا الحل وعلى كل حال فلم أجد فى الوثائق البريطانية أثناء غقامتي فى لندن وترددي على الأرشيف البريطاني ما يؤكد هذا التدخل .

أما مسألة التمهيد للمفاوضات كدافع لحل الجماعة فما نظن أن هذا السبب كاف فلم يرفض الإخوان منذ البداية مبدأ التفاوض بل لقد طالبوا بإتاحة الفرصة للنقراشي باشا فى حكومته الأولي لمعالجة القضية الوطنية عن طريق التفاوض؛

كما طالبوا بالوقوف وراء صدقي باشا لنجاح المفاوضات التى كان يجريها فى الوقت الذى كان الوفد يرفض تمثيل النقراشي وصدقي للشعب المصري فى المفاوضات وعندما عرف الإخوان يعزم النقراشي على رفع القضية إلى مجلس الأمن بعد فشل مفاوضات صدقي باشا عدلوا عن مبدأ المفاوضات ودعوا فى جريدتهم إلى عرض القضية على مجلس الأمن؛

وقد استمرت علاقتهم طيبة بحكومة النقراشي باشا فساندوا النقراشي فى مجلس الأمن نظموا له الاستقبالات عند عودته وظلت علاقتهم بالنقراشي طيبة وأسندت إليهم مهمة التعاون مع الهيئة العربية العليا وجمع السلاح لحرب فلسطين وكانت تدريباتهم واستعداداتهم وتخزينهم للسلاح يتم تحت بصر حكومة النقراشي باشا تحت ستار قضية فلسطين .

ومن ثم فلم تكن حكومة النقراشي لتخشي مواجهة معهم لو قررت المفاوضات فتسارع بحل جماعتهم قبل القيام بها.بقيت مسألة خوف حكومة النقراشي من ردود فعل الإخوان إزاء فشلها فى حل قضيتي فلسطين والسودان وإدراكها معرفة الإخوان الدقيقة ببواطن الأمور وأسباب هذا الفشل؛

وهذا السبب يمكن قبوله فقط لو أن الإخوان قد اثبتوا أنهم يعرفون بالفعل بواطن الأمور وأسباب الفشل ولكن الثابت تاريخيا أنهم لم يلعبوا أى دور هام فى الكشف عن فضائح معركة فلسطين وإنما الذى حمل لواء هذا الكشف عما حدث من تلاعب فى صفقات الأسلحة والذخائر للجيش هم السعديون والأحرار الدستوريين أنفسهم الذين كانت تتألف منهم حكومة النقراشي التي قامت بحل الجماعة بالإضافة إلى دور اليسار والمستقلين الأساسي فى فضح هذه الصفقات على الرأى العام والذى قاده أحمد بهاء الدين وإحسان عبد القدوس فى مجلة "روز اليوسف"

بقي السبب الأخير وهو خوف القصر وحكومة النقراشي باشا من تزايد قوة الإخوان المسلمين فى الحياة السياسية وهو الدافع الحقيقي قد تزايدت إلى الحد الذى لم يعد يمكنه السيطرة عليها وان سماحة لها بالنمو إلى مالا نهاية سوف يجعله فى النهاية أول ضحاياها؛

بل لقد شعر بأنه فى رغبته فى ضرب الوفد ساعد على تنمية قوة هي أخطر بكثير من الوفد فالوفد فى نهاية الأمر هو حزب ليبرالي لا يلجأ إلى الأساليب الفاشية فى التعامل مع الخصوم أما الإخوان فإن استخدامهم لهذه الوسائل لا حدود لها وفى حالة الاحتكام إلى الأمة مرة أخري فإن القصر يمكنه التغلب على الوفد بتزييف الانتخابات؛

كما يفعل مرارا ولكن بالنسبة لقوة مسلحة كقوة الإخوان المسلمين فإن استخدام التزييف سوف يؤدي إلى صدام وكارثة وعلى هذا النحو وشيئا فشيئا وهكذا يستبدل القصر بخصم مجرد من السلاح مثل الوفد خصما مدججا بالسلاح مثل جماعة الإخوان .

ولكن كيف تنقض الحكومة على جماعة الإخوان دون أن تتعرض لانتقام جهازها السري لا تعلم عن أسراره شيئا؟هنا تظهر أهمية حادثة ضبط سيرة الجيب بطريق الصدفة فى يوم 15 نوفمبر .

ففي خلال وقت وجيز بعد الواقعة كانت السلطة قد وضعت يدها على اثنين وثلاثين من قادة الجهاز السري وعلي رأسهم عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز .

ومن خلال مجموعة الأوراق والوثائق التي عثر عليها فى السيارة الجيب والحافظة الجلدية وملف المذكرات والأجندة ومحافظ الجيب والسجلات الشخصية الأخرى التي عثر عليها فى منازل المقبوض عليهم تبنيت فى وضوح لأول مرة معالم التنظيم السري و وأمكن تقويض شبكة الاتصالات فى التنظيم تماما كما قوضت كل وسائل الانضباط .

وبلغ من ثقة النقراشي باشا فى السيطرة على الأمور وعزل البنا عن التنظيم أنه رفض اعتقاله فيمن اعتقل من أعضاء مكتب الإرشاد وكانت إجابة النقراشي باشا :" لا خطر منك بعد أن قصصنا أجنحتك"

وقد بلغ من أهمية وثائق قضية الجيب أن حاول الإخوان التخلص منها بعد ذلك بطريقتهم الخاصة فأعدوا شحنة ناسفة وضعت فى محكمة الاستئناف يوم 13 يناير 1949 لإتلاف أدلة الاتهام ضدهم ولكن أمكن ضبطها وإبعادها حدث انفجرت خارج المحكمة وأصابت 25 مواطنا بجروح مختلفة .

على كل حال فلم تكد تمضي عشرون يوما على ضبط سيارة الجيب حتى انتهز النقراشي باشا فرصة القلاقل التي وقعت فى الجامعة يوم 4ديسمبر ومصرع سليم زكي حكمدار القاهرة بقنبلة ألقيت عليه من سطح كلية الطب بقصر العيني فاتهم الإخوان المسلمون بقتله وبعد صدور الاتهام صدر الأمر صحيفة الجماعة وفى يوم 8 ديسمبر كان قد صدر قرار حل الجماعة .

وهكذا انتهي التحالف بين الإخوان والقصر نهاية مأساوية وصدقت الحكمة التي تقول بأن الأخطاء التي ترتكب فى حق الديمقراطية تقتص لنفسها من فاعليها.

وقد سارت الأمور بعد ذلك فى طريقها المحتوم فقد نشبت الحرب بين الحكومة الإرهابية للقصر وبين الحكومة الإرهابية السرية للإخوان فعلي الرغم من أن التنظيم السري كان مضروبا إلا أنه تمكن من الانتقام من النقراشي باشا؛

وتقاضي منه حياته ثمنا للحل يوم 28 ديسمبر أى بعد عشرين يوما فقط وقد ردت حكومة القصر الإرهابية بقتل الشيخ حسن البنا بمحاولة قتل إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الحكومة يوم 5 مايو 1949 أى بعد ثلاثة أشهر فقط ولكن الاعتداء وقع على رئيس مجلس النواب حامد جودة الذى نجا بأعجوبة وهكذا غاب القانون وسادت شريعة الغاب .

الحصاد المر للعنف

والسؤال الذى يطرح فى نهاية هذه الصفحة من صفحات العنف فى مصر ما هو حصاد هذه الفترة ؟

والرد أن هذا الحصاد خسارة محققة أصابت مصر فبفضل التخطيط الأخرق لحوادث العنف التى ارتكبها التنظيم السري لجماعة الإخوان ضد اليهود والإنجليز كانت الغالبية الساحقة من الضحايا من المصريين وليسوا من اليهود أو الإنجليز .

فقد كانت المتفجرات توضع فى المحلات الكبرى والسينمات والمباني والشركات المملوكة لليهود أو الإنجليز ولكنها كانت تغص بالمصريين فتتخرب بعض الجدران وتزهق أرواح المئات من الأبرياء ويتشوه الكثيرون .

ولو أن هذه العمليات كانت تتم ضمن عملية كبري للاستيلاء على السلطة وإقامة الحكومة الإسلامية لكان لها ما يبررها ولكانت ثمنا بخسا لهدف أسمي ولكنها قامت لغير غرض ثوري حقيقي ففقدت قيمتها النضالية واتسمت بالطيش والاستخفاف بأرواح الناس وعدم المسئولية وكان من حسن حظ مصر أنها لم تحكم بهذه العقلية التخريبية .

وكما أن العنف الذى استخدمه الإخوان أصاب الجماهير المصرية فإن العنف الذى استخدمته حكومة القصر أصاب الجماهير المصرية أيضا فقد لجأت حكومة إبراهيم عبد الهادي إلى استعمال اشد أساليب الضغط على الحريات وفتحت المعتقلات ومارست أبشع أنواع التعذيب والإرهاب والتخويف؛

ولأول مرة تعدي اضطهاد المعتقلين من الإخوان إلى ذويهم وأقاربهم وعائلاتهم فكانت سابقة مشئومة اتبعها فيما بعد زبانية ثورة 23 يوليو وقد استغلت الحكومة مناخ الإرهاب فى ضرب القوي الوطنية التقدمية وإجهاض الحركة الوطنية وتصفية حركة المقاومة ضد الإنجليز فكانت فترة قمع لم يسبق له مثيل .

وهكذا يختلف العنف الثوري ن العنف غير الثوري فالعنف الثوري فيه نفحة من بناء ولكن العنف غير الثوري ليس فيه سوي الهدم والتخريب والعنف الثوري يصيب أعداء الجماهير ولكن العنف غير الثوري لا يصيب سوي الجماهير فى الصميم.

الفصل الرابع :الصراع بين الهضيبي والسندي

انتهت تجربة العنف من جانب الإخوان بحل جماعتهم وقيام عهد إرهاب على يد حكومة السعديين وانتهاء التحالف التاريخي بينهم وبين القصر ولكن نضال القوي الوطنية الديمقراطية فى تلك الأثناء قدم للإخوان خدمة عظيمة فقد حقق انتصاره على القصر؛

واضطره إلى إنهاء حكم السعدين وجاءت النهاية فى 2 يوليو 1949 بعد أن استر ستة أشهر فتألفت وزارة ائتلافية برياسة حسين سري باشا اشترك فيها الوفد تمهيدا لعودة الحالة إلى مجاريها الطبيعية عن طريق إجراء انتخابات حرة وقد أفرجت هذه الوزارة عن معظم لمعتقلين السياسيين ومنهم الإخوان المسلمون وفى يوم 3 يناير 1950 فاز الوفد بأغلبيته المعهودة وشكل الحكومة الجديدة فى 12 يناير 1950.

وقد استأنفت قيادة الإخوان نشاطها سريعا عقب الإفراج تحت قيادة صالح عشماوي نائب البنا ورئيس التنظيم السابق وبدأ البحث عن مرشد جديد لجماعة وظهرت تجمعات:

الأول: متطرف وعلي رأسه صالح عشماوي
الثاني: محافظ وعلى رأسه عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا
الثالث:معتدل وعلى رأسه أحمد حسن الباقوري

واستقر الرأى حلا للنزاع ومنعا للانقسام على اختيار عضو من خارج مكتب الإرشاد والجمعية التأسيسية ليكون مرشدا وكان هذا المرشد الجديد هو حسن إسماعيل الهضيبي الذى عمل بالقضاء نحو سبع وعشرين سنة واتصل بالشيخ حسن البنا حوالي سنة 1942 وبقيت علاقته به حتي مصرعه .

لم يكن اختيار حسن الهضيبي مرشدا عاما لجماعة الإخوان بعيدا عن الصراع التقليدي الدائر بين القصر والوفد وكان الوفد قد توهم أن النكبات التي أصابت الجماعة على يد حلفاء الأمس سوف تدفعهم إلى إعادة النظر فى سياستهم فأخذت جريدة المصري منذ ترك إبراهيم عبد الهادي باشا رئاسة الوزارة فى يوليو 1949 تتبني قضية الإخوان؛

وتحسنت بالفعل العلاقة بين الوفد والجماعة وأعلن صالح عشماوي المتحدث باسم الجماعة انه ليس هناك تنافس بين الجماعة والوفد وجرت المفاوضات بين الحزب والجماعة حول إعادة الإخوان إلى الحياة الشرعية؛

وكان مثل الوفد هو رئيس الجناح اليميني فؤاد سراج الدين باشا وممثل الإخوان مصطفي مؤمن على أن الصيغة التوفيقية التي تم التوصل إليها لم تلق تأييدا من الجماعة وخصوصا من الجناح المتطرف الذي يتزعمه صالح عشماوي الذي كان ما يزال يدير شئون الجماعة قبل تعيين الهضيبي؛

وكانت هذه الصيغة تقوم على السماح للجماعة قبل تعيين الهضيبي وكانت هذه الصيغة تقوم على السماح للجماعة بأن تستأنف نشاطها بصورة غير رسمية وتحت اسم جديد حتي يتم رفع الأحكام العرفية فتستأنف نشاطها رسميا وتستخدم اسمها القديم وكان الاسم الذى اقترحه مصطفي مؤمن للجماعة هو:"النهضة الإسلامية"

ولم يكن هذا الخلاف بين صالح عشماوي ومصطفي مؤمن فى ذلك الحين إلى صبغ الجماعة بالصبغة الديمقراطية وفى نهاية عام 1951 استطاع صالح عشماوي استصدار قرار من مكتب الإرشاد بطرد مصطفي مؤمن من الجماعة على أساس أنه انحرف عن مبادئ الإخوان

كان رفض المصالحة مع الوفد من جانب الجماعة فى ذلك الحين استمرارا لموقفها التقليدي من الصراع الدائر بين الوفد والعرش والذي كانت تجد نفسها فيه فى معسكر واحد مع القصر فلم يكن يجمعها بالوفد من أوجه الالتقاء كما ذكرنا غير الأهداف الوطنية أما القصر فكان يجمعها به العداء الشديد للشيوعية الديمقراطية الليبرالية .

فضلا عن ذلك فإن حكم القصر مديد طويل أما حكم الوفد قصير لا يكاد يعد فى تاريخ الحياة النيابية فقد حكم فى الفترة التي مارس فيها الإخوان حياتهم ونشاطهم منذ نشأتهم فى عام 1928 حتي أوائل عام 1950 وهي مدة 22 عاما خمسة أعوام فقط وبالتالي فإن التحالف معه لا يعول عليه إذ سرعان ما يعود الحكم إلى القصر بانقلاب من الانقلابات الدستورية التي شهدتها الحياة السياسية فى مصر منذ صدور دستور 1923.

يضاف إلى ذلك أن التحالف مع الوفد يعني استمرار القيادة للوفد وأسوأ من ذلك الالتزام بالأساليب الليبرالية فى الممارسة السياسية واحترام الدستور ودعمه؛

أما التحالف مع القصر فيطلق المجال للأساليب الفاشية والممارسة غير الديمقراطية التي يقوم عليها نظام الجماعة ويهز الاستقرار السياسي ويتيح الفرصة للانقلاب على الحكم وإقامة الحكومة الإسلامية ولابد أن نأخذ فى الاعتبار فى هذا التحليل؛

إن هذا الموقف من الوفد والحياة الليبرالية الذي اتخذه الإخوان طوال الفترة قبل وصول الوفد إلى الحكم فى عام 1950 ثم اتخذوه فى فترة حكمه من 12 يناير 1950 إلى 26 يناير 1952 سوف يتخذونه أيضا بعد قيام ثورة 23 يوليو وخلع فاروق..

فسيقفون فى وجه عودة البرلمان الوفدي المنحل ودستور 1923 ويساندون النزعة الدكتاتورية للثورة ويشجعونها حتي تعصف بهم فى 14 يناير 1954 ومع ذلك لا يستفيدون من الدرس ويعودون بشكل مذهل إلى الوقوف إلى جانب الدكتاتورية فى أزمة مارس 1954 ويتخلوا عن القوي الديمقراطية التقدمية .

وقد أكدت جريدة الإخوان فى أكتوبر 1951 موقفها من الحياة الدستورية فى مصر فكتبت تقول:

"إن المشكلة هى فى نظام الحكم المتبع فى مصر لقد جربت مصر كل النظم منذ سنة 1924 حتى الآن وفشلت كل النظم فى سد الثغرات المفتوحة فى نظام الحكم كما فشلت فى منع تسرب الفساد ولقد حكمت مصر حكومات تستند إلى البرلمان وحكومات ألغت البرلمان وأوقفت الدستور وحكومات ألغت الدستور وجاءت بدستور جديد.
وأخذت مصر نظم الحكم من فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا .ولكن شيئا واحدا لم يتغير ولن يتغير ذلك هو الفساد الذي تغلغل واشتد فى جميع المرافق ... بقي دواء واحد لم يجربوه وهو التشريع الإسلامي ونظام الحكم الإسلامي"

والمغالطة الواضحة فى هذا الكلام هي الإخفاء المتعمد لدور القصر فى إفساد الحياة النيابية وبالتالي دور من ساعد القصر على هذا الإفساد وقبل التحالف معه ضد القوي الديمقراطية وفيهم نفس جماعة الإخوان !.

والأسوأ من ذلك أن الإخوان كانوا فى ذلك يغالطون أنفسهم ويتخلون عما كانوا يحاجون به جماعة مصر الفتاة فى عام 1938 من صلاحية النظام البرلماني القائم لقيام التشريع الإسلامي

فقد ذكروا أنه:

" إذا اجتمع تحت قبة البرلمان نواب مسلمون أمكن القضاء على كل منكر بقوة القانون وحكم النظام " .

ومعني ذلك أن مساندة الدستور ودعم الحياة النيابية يمكن أن يأتي بغالبية إسلامية إلى البرلمان تفرض التشريع الإسلامي ولكن هذا كان قبل نظام الرحلات إلى نظام الجوالة وقبل نمو قوة الجوالة لتصبح جيشا شبه عسكري للجماعة؛

وقبل إنشاء النظام السري أى قبل أن تستكمل الجماعة أدواتها غير الديمقراطية لعرض الحكومة الإسلامية على كل حال فإن رفض المصالحة مع الوفد وفصل مصطفي مؤمن كان يحمل معني التلميح للقصر بالاستعداد للتعاون وكان تحسن العلاقات المؤقت بين الجماعة والوفد قد بث الرعب فى قلب فاروق وجعله يحسن بعواقب ضربة الإخوان .

وفى ذلك يروي أنور السادات روايته التي يذكر فيه أنه سمع من يوسف رشاد أن الملك فى أواخر عهد إبراهيم عبد الهادي قال له :" إحنا غلطنا فى ضربة الإخوان وحقنا نرجع لسياستنا القديمة ".

وهناك عدة أسماء ترويها المصادر لعبت أدوارا فى تحسين العلاقات بين فاروق والإخوان منها مزراحي باشا محامي الخاصة الملكية الذي ذكرت جريدة "اللواء الجديد " أنه لعب دورا فى تحسين العلاقات بين الملك والجماعة وهناك محمد حسن العشماوي المستشار الملكي والسيد نجيب سالم ناظم الخاصة الملكية وصهر الهضيبي .

وفيما يبدو فإن مجال التنازل من جانب الإخوان فى مقابل عودتهم إلى الشرعية وعودة أموالهم المصادرة كان فى تعيين مرشد جديد يحظي برضاء الملك وتأييده وتتفاوت الروايات حول دور فاروق فى هذا التعيين فتذهب أكثر الروايات تطرفا إلى أن فاروق قد

" رفض التعيين وتذهب رواية أخري إلى أن الملك أيد التعيين بينما تذهب الرواية الثالثة إلى أن الإخوان كانوا يرغبون فى إرضاء الملك وبث الطمأنينة فى نفسه عن طريق تعيين صهر ناظر الخاصة مرشدا عاما لهم وكان صالح عشماوي وجماعته يرددون أن فاروق كان له دور فى التعيين "

ومن سوء حظ الإخوان أن علاقات الهضيبي بالقصر بعد تعيينه مرشدا عاما لا تدع للباحث مجالا لنفي هذه الروايات على أسس سليمة فقد أينا من رواية أنور السادات كيف سعي الشيخ حسن البنا سعيا شاقا لمقابلة فاروق

وكيف فشل فى ذلك ولكن الأمر أختلف بالنسبة للهضيبي فلم يكد يمضي شهر واحد على تعيينه حتى كان يركب عربة ملكية فى يوم 14 نوفمبر 1951 فى طريقه إلى القصر الملكي للقاء فاروق قد روي بنفسه فى مقابلة صحفية بعد الثورة إن هذا اللقاء تم باستدعاء من فاروق .

وفى هذا اللقاء طلب فاروق من الهضيبي تطهير الجماعة من العناصر الثورية واتخاذ خطة المهادنة والسلام مع الإنجليز كما ذكره بوعد حسن البنا إلى كريم ثابت سنة 1948 بأن تتخذ الجماعة خطة المعاداة للشيوعية.

وقد تكررت زيارات المرشد للملك بعد ذلك فى فترة كان الشعور الوطني يقف فيها موقفا معاديا بدرجة لم يسبق لها مثيل لفاروق حتي كان يوم 16 يناير 1952 حين توجه الهضيبي إلى القصر الملكي مهنئا بمولد ولي العهد أحمد فؤاد .

وقد حرص الهضيبي على مجاملة فاروق فى تعيين الوقت الذي استقبلت فيه القوي الوطنية هذا التعيين باعتباره تآمرا من جانب القصر على الحركة الوطنية وأخذت المظاهرات العدائية تتجمع وتسير فى الشوارع منذ يوم 25 ديسمبر ضد فاروق وأخذت الهتافات العدائية ضده تسمع لأول مرة مدوية فى فناء الجامعات وفى الشوارع والميادين أرسل الهضيبي إلى حافظ عفيفي برقية يهنئه فيها بتوليه منصبه.

وتؤكد بعض أقوال الإخوان أن بعض زيارات المرشد للملك فاروق كانت سرية . فقد ذكر عبد العزيز أحمد حسن أمام محكمة الشعب أن الهضيبي زار فاروق " وجاء وقال أن المقابلة لم يعرفها أحد واتفقوا على أن غرضها يكون سريا وقال أنها زيارة كريمة لملك كريم".

وقد حدد الهضيبي موقفه من النضال الوطني والعنف فى إطار هذه العلاقة مع الملك فقد أعلن لمجلة "الجمهور المصري " يوم 15 أكتوبر 1951 أى بعد أسبوع واحد من إلغاء المعاهدة بان أعمال العنف لا تخرج الإنجليز من البلاد :" هل تظن أن أعمال العنف تخرج الإنجليز من البلاد ؟".

إن واجب الحكومة اليوم هو أن تفعل ما يفعله الإخوان المسلمون من تربية للشعب وإعداده فلك هو الطريق لإخراج الإنجليز وخطب فى عشرة آلاف من شباب الإخوان المسلمين قائلا :" اذهبوا واعكفوا على تلاوة القرآن الكريم " وقد رد عليه خالد محمد خالد فى روز اليوسف بمقال تحت عنوان :" أبشر بطول سلامة يا جورج"

قال فيه:

" الإخوان المسلمون كانوا أملا من آمالنا لم يتحركوا ولم يقذفوا فى سبيل الوطن بحجر ولا طوية !. أفي مثل هذه الأيام يدعي الشباب للعكوف على تلاوة القرآن الكريم ؟
ومرشد الإخوان يعلم أولا يعلم أن رسول الله وخيار أصحابه معه قد تركوا صلاة الظهر وصلاة العصر من أجل معركة ويعلم أو يجب أن يعلم أن رسول الله نظر إلى أصحابه فى سفره فإذا بعضهم راقد قد أعياه الصوم وبعضهم مفطر قام بنصب الخيام فابتسم لهم ابتسامة حانية راضية
وقال:" ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله".فلقد وجد الوطن قبل أن يوجد الدين وكل ولاء للدين لا يسبقه ولاء للوطن فهو ولاء زائف ليس من روح الله ".

وكتب إحسان عبد القدوس يوم 27 نوفمبر 1951 أثناء اشتداد معركة القنال تحت عنوان:

"الإخوان إلى أين وكيف" ينعي عليهم عدم مشاركتهم فى معركة القنال ويقول أن هذه هى أيام امتحان الأول للإخوان عقب محنتهم فإما أن يكونوا أقوياء بإيمانهم وإما فقدتهم مصر؛
وفى نفس العدد كتبت المجلة تشير إلى مقابلة ملكية بين الهضيبي وفاروق وقد أعترف محمد فرغلي بأن الذى يشترك فى معركة القنال من الإخوان " عدد بسيط" كما هو متمثل فى مواجهة جماهيرية عامة مع جنود الاحتلال وبين العنف الإجرامي الذى تمثل فى دس القنابل والمتفجرات بين الجماهير المصرية.

وللأمانة التاريخية فإن هذه التصرفات من جانب الهضيبي قد عزلته عن قاعدته الجماهيرية المكونة من شباب الإخوان المتدين والمتحمس للجهاد فى سبيل قضية بلده كانت مجلة الدعوة تعبر فى إطار إيديولوجيتها عن هذه القاعدة الجماهيرية

فقد أيدت النحاس باشا فى إلغائه معاهدة 1936 وشاركت فى المطالبة بالكفاح المسلح ضد الإنجليز والوقوف ضد أعداء الشعب وعندما عين الملك حافظ عفيفي رئيسا للديوان كتبت تهاجم هذا التعيين .

وقد تسببت هذه السياسة فى تبرؤ الهضيبي منها علانية فقد أذاع عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة بعد مهاجمة الجريدة لحافظ عفيفي بيانا نصه:يقرر المركز العام للإخوان المسلمين أن مجلة الدعوة لا تصدر عنه ولا تنطق بلسانه ولا تمثل سياسته وأنها صحيفة شخصية تعبر عن آراء صاحبها ولا تتقيد دعوة الإخوان المسلمين بما ينشر فيها".

وقد قابل الهضيبي حماسة شبابا الإخوان بالتثبيط. فعندما أصدر بعض شباب الإخوان من طلبة الجامعات والمعاهد العليا عدة قرارات تقضي بتجريم العودة إلى المفاوضات .

وتحريم التعاون مع الإنجليز وقطع العلاقات الاقتصادية والسياسية معهم علق الهضيبي على هذه القرارات لجريدة الجمهور المصري بأنها لا تلزم الجماعة:

" لا قيمة لقرارات تصدر من غير المركز العام للإخوان المسلمين "

وقرر أن الكفاح العملي قد يأخذ صورا مختلفة غير مقاطعة الإنجليز وعندما سرت الإشاعات بأن جماعة الإخوان قد طلبت إلى الحكومة تدريب 16 ألف شخص من الإخوان على حمل السلاح نفي الهضيبي أن فى نية الجماعة التقدم بمثل هذا الطلب وأعلن أن القوة التي يدعو إليها الإخوان هى القوة الروحية " أما " القوة المادية " فهي من اختصاص الحكومة , فإذا قصرت فى ذلك , فنحن لا نستطيع أن نفعل شيئا أكثر من مطالبتها بالقيام بالواجب".

ولقد كان من الطبيعي أن تدفع هذه السياسة التي يقودها الهضيبي إلى مواجهة بينه وبين التنظيم الري وطبقا لما ذكره فإنه حين تولي قيادة الإخوان فى أكتوبر 1951 لم يكن يعلم بأ، هذا التنظيم ما يزال قائما " لما جيت فى الإخوان المسلمين فى سنة 1951 تبين لى أن عندهم شئ اسمه " النظام الخاص "

فأنا سألت:

" أيه الغرض من هذا النظام ؟" وأيه مرماه؟ وإيه تعملوا بيه؟ خصوصا بعد ما ثبت أنه ارتكب جرائم قبل ذلك فى السنوات 1946، 1947، 1948 وكل هذه الجرائم التى ارتكبت طبعا انحراف وخروج عن الغرض الأصلي ن هذا النظام وهو إعداد الفرد المسلم إعدادا صالحا للدفاع عن الوطن الإسلامي"

ثم يقول الهضيبي أنه أراد

" تصفية هذه المسألة ويعرف الأعضاء فى هذا النظام وهو إعداد الفرد المسلم إعدادا صالحا للدفاع عن الوطن الإسلامي" ثم يقول الهضيبي أنه أراد " تصفية هذه المسألة يعرف الأعضاء فى هذا النظام "

"فما أمكناش نتوصل لحاجة وأقول لك يمكن السبب أن بعض الإخوان بتوع النظام ما سثقوش فى طبعا وهم ناس يعني يمكن يفتكروا أنهم مجاهدين أكثر شوية وأنا راجل كبير "

وعلى هذا النحو بدأ الصراع على التنظيم السري الذي استمر إلى ما بعد ثورة 23 يوليو وكان له أخطر الآثار على حركة الإخوان .

ومع أنه لا توجد معلومات كافية عن تطورات هذا الصراع إلا أن ما هو متاح من هذه المعلومات يكفي لتقرير حقيقة هامة هي أن الهضيبي لم يكن طرفا وحيدا فى هذا الصراع فى مواجهة التنظيم السري بل كانت تؤيده غالبية قيادات الهيئة التأسيسية الذين ألقوا على عاتق التنظيم السري مسئولية النكبات التى ألحقت بالجماعة.

وبالتالي فإن سياسة الهضيبي تجاه القصر والنضال الوطني والعنف . لم تكن سياسته وحده بل تشترك معه فيها هذه القيادات.

وقد شرح محمد خميس حميدة هذه المسألة شرحا جديا فقال:

" لما جاء الأستاذ الهضيبي جه معاه الأستاذ عبد القادر عودة وكيل الجماعة .وكنا أمام وضعين:الدعوة ككل وجهاز بذاته قائم فيها وهذا الوضع كان بيتعب الجماعة إذ كان فيه ثنائية وقد رأي الإخوان أعضاء الهيئة التأسيسية أن هذا الوضع ما يكونش موجودا أصلا؛
ولابد أن الدعوة تبقي توجيه واحد وسياسة واحدة ومنهاج وتفكير واحد وقد حاول الأستاذ عبد القادر عودة فى الفترة الأولي أن يعالج هذه المشكلة ويظهر أنها أخذت فترة طويلة وما عولجتش فالأستاذ الهضيبي بعت لى جواب يقول إن المشكلة أن الدعوة كبيرة وفيها ثنائية والجماعة فيها اضطراب ".

ثم يذكر محمد خميس حميدة أن هذه المشكلة لم تكن جديدة مع مجئ الهضيبي وإنما ترجع إلى ما قبل تعيينه فقد كان فريق من الإخوان يري أنه لا داعي لهذا الوضع ولا النظام السري ولا التشكيلات لأن مالهاش أصل فى دعوة الإخوان المسلمين؛

ويكتفي بأن الإخوان أنفسهم بالتربية المتكاملة ولما تيجي أى حاجة أو أى حركة عامة يبقي يندب لها من الجماعة واللي يتطوع يتطوع وفريق يري أنه لا مانع من أن الإخوان اللي يعرفوا تدريب يبقوا قائمين بأسلحتهم؛

وإذا كان فيه حاجة يبقوا يروحوا وده لتحقيق فكرة الجهاد أن الحوادث التي حصلت جعلتهم يقولوا:

إيه يكون وضع الجماعة إذا حصل أن بعض الشبان تورطوا ويورطوا الجماعة ويعرضوها لهزات وإذا دعت الحاجة إلى تطوع الأفراد يبقي يتطوعوا زي الأفراد الآخرين (من غير الإخوان) وعلى ذلك فإن هذا الفريق كان ير يمنع التربية العسكرية وأنه من المستحين التربية فقط مطلق التربية أما بعد بعض الشباب إعدادا عسكريا فلا داعي له .

ويتضح من ذلك أن الصراع بين الهضيبي والنظام الخاص كان يعكس انقساما داخل الجماعة من قبل مجيئه واشتد بعد مجيئه بين فريقين:أحدهما يريد إنهاء هذا النظام والآخر يتمسك به؛

ومن الواضح أن الفريق المعتدل كان يمثل الغالبية بدليل أنه نجح فى تعيين الهضيبي مرشد عاما مخالفا فى ذلك كل القواعد القانونية التى وضعتها الجماعة لتعيين المرشد؛

وبالتالي فإن سياسة الهضيبي تجاه القصر والحركة الوطنية والعنف لم تكن كما ذكرنا سياسته وحده بل كانت تعبيرا عن رأي ذلك الفريق وها يفسر ان الهضيبي عند ذهابه إلى قصر عابدين فى زيارته الأولي تبعه ثلاثون ن أفراد الجماعة سجوا أسماءهم فى سجل التشريفات فكانت زيارة باسم الجماعة .

فى ذلك الحين كان على رأس النظام الخاص عبد الرحمن السندي يعاونه أربعة هم : أحمد حسنين ومصطفي مشهور ومحمود الصباغ وأحمد زكي حسن وقد جري الصراع بين هذه المجموعة وبين الهضيبي

وكما يقول محمد فرغلي:

فى الوقت الذى كان الهضيبي لا يريد أن يكون النظام موجودا وقف عبد الرحمن السندي فى وجه المرشد باعتبار أن هذا الجهاز هو خلاصة الجماعة ولا يمكن بحال من الأحوال أن يلغي هذا النظام ولابد من بقائه واستمراره

وقد ذكر محمد خميس حميدة أن عبد الرحمن السندي " من أول قيام الأستاذ الهضيبي كمرشد " حدثت بينه وبين الهضيبي " بعض الأمور " وأنه كان هناك " نفور باستمرار" فقد كان السندي يري أن الهضيبي " ما كناش يجب أن يكون مرشدا " لأنه " موش من الجماعة وما كانش متصل بيها فى يوم من الأيام ومجيئه موش من الناحية القانونية "

وقد علق محمد خميس حميدة على ذلك قائلا:

"وكان ده أي كثيرين" يسبب لها متاعب "وأنه " كانت له أخطاء فى الماضي ... من أيام حكاية الخازندار ... أخطاء من غير شك كان وجودها خطأ فى الجماعة .
وكان من الطبيعي ان ترتب على هذا العداء بين الهضيبي والسندي أن فقد الهضيبي سيطرته على التنظيم السري إذ لم يعد عبد الرحمن السندي ينفذ أوامر المرشد العام

وعلى حد تعبير محمد فرغلي:

" عبد الرحمن السندي كان يري فى نفسه سلطة عليا فكان مرة يخضع للمرشد ومرة أخري يخرج عنه وسنري أن هذا الوضع قد ترتب عليه نتائج بالغة الخطورة بعد ثورة 23 يوليو.
على كل حال فإن الخلاف بين الهضيبي والسندي كان لابد أن يكون له آثاره داخل الجهاز السري نفسه فانقسمت قياداته إلى قسمين:فريق عبد الرحمن السندي ومعه أحمد حسنين ومصطفي مشهور ومحمود الصباغ وأحمد زكي حسن وفريق آخر على رأسه خميس حمدي ويوسف عبد المعطي ورفيق سالم .
ولمعالجة هذه الأوضاع والانقسامات كون الهضيبي لجنة مكونة من محمد خميس حميدة وعبد العزيز كامل والدكتور حسين كمال الدين وأخذت هذه اللجنة فى دراسة المشكلة من جميع جوانبها وسرعان ما اكتشفت تعذر حل التنظيم السري لارتباطه بفكرة الجهاد من جهة ولأن طبيعة التنظيم تجعله مما يخشي باسه .
لذلك فقد توصلت إلى حل وسط يتمثل فى محاولة إزالة " الثنائية " بين التنظيم العام والتنظيم الخاص عن طريق إدماج الأسر التي تنتمي إلى التنظيمين فى قسم واحد يسمي باسم " قسم الأسر " يخضع لتوجيه واحد وأوامر واحدة تصدر من مكتب الإرشاد .
كما اتفقت اللجنة على إزالة السرية تدريجيا عن النظام الخاص عن طريق إدخال أكبر عدد ممكن من الإخوان فيه وكان ذلك اقتراح الدكتور حسين كمال الدين ونظرا لعجز اللجنة عن إخراج عبد الرحمن السندي
فقد بقي فى التنظيم السري وعين حلمي عبد المجيد رئيسا للجهاز وقد اضطر الهضيبي إلى قبول هذه الصيغة وإقرار السندي داخل التنظيم ..

وفسر هذا القبول تفسيرا بسيطا جدا قائلا:

" إحنا جاهدنا إننا نخرج الناس اللي ارتكبوا أو قبل أنهم كانوا فى الجهاز السري فما عرفناش كما استمر الجهاز السري بالبوليس على رأسه صلاح شادي والجهاز الخاص بالجيش وعلى رأسه أبو المكارم عبد الحي .
وبقيت مسألة الأسلحة الموجودة لدي الجهاز الخاص ولم يكن فى وضع اللجنة أن توصي بشئ بشأنها إذ لم تكن تستطيع تسليمها لحكومة القائمة فضلا عن أن النظام السري ظل قائما فبقيت فى حوزة الجهاز وكان جزء من هذه الأسلحة قد نقلته الجماعة من ثكنات وبيوت الضباط الأحرار يوم حريق القاهرة قد بقي فى مكانه من عزبة حسن العشماوي حتي أخرجه عبد الناصر منها بعد محاولة اغتياله يوم 26 أكتوبر 1954 واتخذ قرينه ضد الجماعة.
على كل حال يتضح من هذه التعديلات التى أدخلتها اللجنة على النظام السري أنها لم تكن بذات قيمة كبيرة فقد بقي التنظيم بكامل تسليحه وبقي السندي فيه بل عاد إلى قيادته بعد فترة كما زاد عدده تحت فكرة أن زيادة العدد تزيل السرية كما زادت حدة الثنائية بسبب الخلافات التى استمرت بين الهضيبي وعبد الرحمن السندي وبقيت التشكيلات الخاصة بالبوليس والجيش تحت قيادتها دون مساس
على أنه لما كانت القيادة السياسية للإخوان قد وقعت فى يد المعتدلين وعلى رأسهم حسن الهضيبي فإن هذا يفسر هذه الظاهرة التى لم تحدث فى عهد الشيخ حسن البنا...
وهي ظهور شخصيات شابة إلى جانب الهضيبي تعوض الضعف الكامن فيه وتملك القدرة على التكيف بين الاعتدال والتطرف داخل الجماعة وفى يد هذه العناصر الشابة وقعت كل الاتصالات بين الجماعة والقوي السياسية الخارجية العلنية والسرية وكان أبرز هذه العناصر صالح أبو رقيق وحسن العشماوي الذين كان يملكان كما يقول محمد فرغلي تأثير على الهضيبي .
وقد كان من خلال هذين العضوين أن أقيمت جسور العلاقة بين الإخوان وحركة الضباط الأحرار فقد كان حسن العشماوي حسب قوله أحد سبل الاتصال بين الضباط الأحرار والإخوان فى أمور معارك قناة السويس؛
والسبيل الوحيد فى غيرها من الأمور ومن خلال هذه الصلة كانت الجماعة تشتري السلاح من الضباط الأحرار ويتم التعاون بينها وبينهم فى بعض العمليات القليلة التى اشترك بها الإخوان فى معركة القنال كما فى حالة اللغم البحري الذي أذن فؤاد سراج الدين وهو وزير خارجية حكومة الوفد الأخيرة بنقله بالقطار إلى القنطرة لتفجيره فى إحدي ناقلات البترول أو بوارج البحرية البريطانية .
وقد جري التعاون بين هذه المجموعة الشابة من الإخوان وبين الضباط الأحرار أثناء حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952 حين اتصل عبد الناصر بصالح أبو رقيق لإبلاغه بانه سوف يجري تفتيش مكاتب الضباط فى المعسكرات؛
حيث توجد أسلحة مخبأة وطلب المساعدة فى نقل هذه الأسلحة فأرسل عربات لنقلها سارت بها وسط شوارع القاهرة المحترقة ووضعت فى جراج بين حسن العشماوي ثم نقلت إلى عزيته فى مديرية الشرقية بعد أن أحضر عبد الناصر تصميما هندسيا لمخزن الذخيرة.
وقد كان من خلال هذه الصلة بين صالح أبو رقيق وحسن العشماوي وبين تنظيم الضباط الأحرار أن قبل الإخوان مساندة حركة الضباط للثورة وكان الرأى منقسما داخل الجماعة تجاه هذه المسألة

وكما يقول حسن العشماوي:

" فإن بعض الزملاء الذين لم نسمع لهم يومئذ! رفضوا إلى آخر لحظة قيام الجيش بحركة عسكرية كخطوة نحو الثورة العامة لأنهم لا يثقون فى حركات الجيوش أما المحتمسون منا ومن غيرنا المؤلمون كثيرا فى مستقبل الحرية فلم يستمعوا إلى الزملاء الذين أشرت إليهم ورأوا مخاطر مشاركة العسكريين فى الثورة أهون من بقاء النظام القائم فى مصر".
وكان صالح أبو رقيق أول من علم بميعاد الثورة قبل وقوعها ففي صباح اليوم السابق على الثورة مباشرة

كما يقول كمال الدين حسين:

"ذهبنا الرئيس الراحل (عبد الناصر) وأنا إلى السيد صالح أبو رقيق وكان من قادة الإخوان المسلمين وأخطرناه حسب اتفاقنا المسبق بموعد الثورة بهدف كسب تأييدهم لثورتنا؛
كما اتفقنا معه على أن تقوم قوات من متطوعي الإخوان بالمعاونة مع وحدات الجيش للسيطرة على طريق السويس لصد أى هجوم انجليزي محتمل أن يتحرك نحو القاهرة صباح يوم الثورة؛

وقد اتصل صالح أبو رقيق بالهضيبي فى الإسكندرية حسب قوله لى وحصل على موافقته على مساندة الحركة وبذلك بدأت صفحة جديدة فى تاريخ الإخوان .

الفصل الخامس:الإخوان والثورة

عندما أيد الإخوان المسلمون الضباط الأحرار " فى القيام بثورة 23 يوليو كانوا يتصورون أن هذه الثورة قامت لحسابهم وأنهم سوف يحققون من خلالها التغيير المنشود؛

ويرجع السبب فى هذا التصور إلى أنهم اشتركوا فى قيامها على نحو لم يسبق له مثيل فى أى انقلاب من انقلابات القصر وهذا ما دعاهم إلى الوقوف بكل قوة فى وجه فكرة عودة البرلمان الوفدي الأخير إلى الاجتماع التى كانت مطروحة على بساط البحث فى الأيام الأولي بعد ممثلي الشعب قبل أن تخلب لب الضباط وبعضوا عليها بالنواجذ وهو ما حدث بالفعل .

فقد سارعوا فى يوم أول أغسطس إلى إصدار بيان عن الإصلاح المنشود في للعهد الجديد هاجموا فيه الحياة النيابية السابقة هجوما شديدا وأعلنوا أن التجارب الدستورية التى سلفت دون استثناء " لم تقدم نيابة صالحة ولا تمثيلا صحيحا "

وأن الحياة البرلمانية " فى كافة العهود الحزبية" انتهت إلى أن أصبحت أداة تعطي شهوات الحكام ومظالم السلطان صيغة قانونية.

ومع أنهم طالبوا بإلغاء الأحكام العرفية وسائر القوانين الرجعية المنافية للحريات إلا أنهم أعتبروا دستور 1923 "لا وجود له من ناحية الواقع ولا من ناحية الفقه" وطالبوا بإسقاطه والمسارعة بعقد جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد " يستمد مبادئه من مبادئ الإسلام الرشيدة فى كافة شئون الحياة ".

وبعد أسبوع واحد من هذا البيان كان سيد قطب يوجه رسالة أخري فى جريدة الأخبار إلى اللواء محمد نجيب يطالب فيها بإقامة "دكتاتورية عادلة نظيفة "؛

وقصر الحرية السياسية على " الشرفاء " فقط وحرمان " الملوثين" وكانت حجته أن الشعب قد احتمل " دكتاتورية طاغية باغية شريرة مريضة مدى خمسة عشر عاما أو تزيد أفلا يحتمل دكتاتورية عادلة نظيفة ستة شهور؟" ولم يذكر سيد قطب بطبيعة الحال دور الإخوان فى التحالف مع تلك الدكتاتورية الطاغية الشريرة المريضة ّ.

وللحقيقة التاريخية فإن سيد قطب أعتبر الشيوعيين من " الشرفاء" فى ذلك الحين ففي مؤتمر الإخوان المسلمين الصحفي بشأن المسجونين السياسيين طلب للشيوعيين الحرية " كغيرهم ممن كانوا يكافحون الطغيان " ووصفهم بأنهم " من الشرفاء الذين ينبغي أن نقارعهم الرأي بالرأي والحجة بالحجة ولا نلقاهم بالحديد والنار".

وللحقيقة التاريخية أيضا فإن سيد قطب ما لبث أن عدل عن هذا الرأي فى الشيوعيين بعد ثلاثة أيام فقط بمناسبة حوادث كفر الدوار فقد سارع بإلصاقها بالشيوعيين دون تحقيق وكتب مقالا مؤثرا ذكر فيه أنه كان يحترم الضمير البشري من أن يكون من الدنس إلى حد أن يحارب عهدا كالعهد الذي أشرق فجره منذ أيام ولكن كم يخطئ الإنسان فى تقدير مدي الدنس الكامن فى بعض قلوب الناس ".

على أن تطور العلاقات بين الإخوان والثورة لم يلبث أن دفع بالإخوان وبضميرهم البشري إلى الوقوع فى " الدنس" نفسه الذى أعتقد سيد قطب أن الشيوعيين وقعوا فيه دنس محاربة العهد الجديد.

فلم يكد يمضي وقت طويل حتي تبنيت الجماعة أن الثورة لا تنوي أن تمضي إلى جيوبهم أو تخضع لهيمنتهم وإنما تؤثر الحكم لحسابها الخاص وكانت المناسبة عند ظهور مشروع الإصلاح الزراعي .

فمع أن الإخوان طالبوا فى بيان أول أغسطس السالف الذكر بتحديد الملكية بعبارات لا لبس فيها لا غموض إلا أن الحد الأدنى وضع وهو مائتا فدان لم يلق منهم قبولا فقد كانوا يرون كما قال لى صالح أبو رقيق أن يكون الحد الأقصي خمسمائة فدان ويتولي حق الإرث تفتيت هذا الحد فيما بعد على أن عبد الناصر رفض هذا الطلب فى المقابلة التي جرت بينه وبين الهضيبي فى بيت صالح أبو رقيق.

وهنا أوضح المرشد فى صراحة أنه لكي يؤيد الإخوان الثورة فإنه يري عرض الأمور التى تتخذها الثورة عليها قبل إقرارها.

ولكن عبد الناصر رد بأن يعني وضع الثورة تحت وصاية الجماعة وأنه يقبل فقط التشاور فى السياسة العامة "مع كل المخلصين" من أهل الرأي دون التقيد بهيئة ن الهيئات.

كان معني هذه الواقعة للإخوان أن الدكتاتورية التي كانوا يطمعون فى أن يصيبوا بها الوفد أو الشيوعيين والأحزاب الأخرى سوف تكون دكتاتورية عامة تشمل الجميع وعندئذ انقسم الرأى فى الجماعة فقد رأى البعض أن تتحفظ الجماعة فى إظهار تأييدها للثورة؛

حتي لا تتيح لها الفرصة للاستفادة من هذا التأييد فى توطيد أقدامها ثم الاستدارة إليها فى النهاية إما البعض الآخر فرأى ضرورة استمرار الجماعة فى إظهار تأييدها للثورة حتي تبقي على الدوام قريبة منها وحتي لا تترك لها الفرصة لطلب التأييد من غيرها .

وقد حانت الفرصة لاختيار قوة هذين الرأيين حين أطاح مجلس قيادة الثورة بوزارة على ماهر وأسند رئاسة الوزارة إلى اللواء محمد نجيب ففي 7 سبتمبر 1952 قرر المجلس اشتراك الإخوان المسلمين فى الوزارة الجديدة واتصل عبد الناصر تليفونيا بحسن العشماوي يدعوه لمقابلته فى إدارة الجيش فى الصباح الباكر .

وفى هذا اللقاء وعلى حد قول العشماوي:

" أبلغني اعتقال ثلاثة وسبعين شخصا من رجال السياسة والقصر الملكي وعرض على اشتراك الإخوان فى الوزارة على أن أكون أنا أحد الوزراء وقد تركت مسألة دخول الإخوان الوزارة ليقررها كتب الإرشاد... وكان من رأيي الموافقة على أن يدخل الإخوان الوزارة حتي يكونوا على بينة من سير الأمور وحتي لا نترك الانتهازيين والمنافقين يلتفون حول عبد الناصر وزملائه يوجهونهم إلى السيطرة والاستبداد.
وفيما يبدو أن الهضيبي لم ينتبه لخطورة الاشتراك فى الوزارة عندما اتصل به عبد الناصر تليفونيا فى حضور حسن العشماوي يطلب إليه ترشيح ثلاثة للوزارة فقد رشح له بصفته الشخصية كلا من منير دلة وحسن العشماوي ومحمود أبو السعود
وكان القائم مقام يوسف صديق حاضرا هذا الحديث فشكك فى أهلية الإخوان للوزارة فاستدل حسن العشماوي بالشيخ حسن الباقورئ على وجود كفاءات فى الإخوان فقبله عبد الناصر على الفور وتحمس له فأصبح مرشحا أساسيا على أن الهضيبي الحصيف لم يشأ البت فى هذه المسألة الخطيرة بمفرده فأحالها إلى مكتب الإرشاد .

وقد تغلب الرأى المعارض داخل المكتب بصورة حاسمة لمسألة الاشتراك على أساس أن الاشتراك يقوي الثورة ويضعف الإخوان أما أنه يقوي الثورة فلأنه يعطيها لون إسلاميا يبرر مكانتها وسط الجماهير المصرية المسلمة ويمنحها ولاء الإخوان فى كل مكان وأما أنه يضعف الإخوان فلان الاشتراك بهذا العدد القليل يضع سلطة القرار فى يد الضباط ويحمل الإخوان أخطاء الثورة وأوزارها؛

وقد عبر محمد خميس حميدة عن ذلك فى استحياء أمام محكمة الشعب فذكر أن ما قاله مكتب الإرشاد وقتذاك هو أن "وجود الإخوان فى الوزارة قد يثير أشياء ما فيش داعي لها فقد يقول البعض ان الإخوان مشتركين فى الحكم أو أ، الثورة طلعت ليس لها لون خاص وربما وجود الإخوان فيها يعطيها لونا خاصا " وقد بلغ من اقتناع مكتب الإرشاد بهذا القرار أنه حين قبل الشيخ أحمد حسن الباقوري الوزارة قرر فصله .

كانت تلك أول مواجهة علية بين الإخوان والثورة فقد سحبوا من الثورة الصبغة التى كانت تود أن تستند إليها فى مواجهة القوي السياسية الأخري وهى الصبغة الإسلامية ورفضوا تحمل تبعات الحكم؛

وقد أدركت جماعات داخل الإخوان أن الثورة لن تغفر هذا الموقف فبرز رأى يري أنه طالما أن الثورة تتجه نحو الانفراد بالحكم وإقامة دكتاتورية ليست عادلة ولا نظيفة غير إسلامية فمن الأفضل القضاء عليها قبل أن تسيطر .

وكان هذا الرأى يستند إلى أن الجماعة لا تزال فى وضع يمكنها من هذه الضربة فقد كان طريق السويس ومناطق القنال مخفورة بمجموعة من الفدائيين كما كانت السفارات الأجنبية والمراكز الحساسة فى القاهرة والأقاليم ومنازل عبد الناصر وزملائه وأشخاصهم يحرسها مجموعات من الإخوان فى زي مدني ليدفعوا عنها أى اعتداء من جانب المتطرفين .

على أن هذا الرأى كان يلقي الاعتراض من حسن العشماوي ومن معه ممن كانوا يثقون فى عبد الناصر وهو ما ندموا عليه بعد ذلك ندما بليغا .

فيقول

" لقد علمتني الأيام كم كنت مخطئا فى تقدير أهمية وزارة الرئيس نجيب كنقطة تحول لثورة 23 يوليو 1952 ولو كنت ممن يندمون على الماضي لندمت على أني لم أستمع إلى قول الناصحين لى أن على تلك المجموعة قبل أن تسيطر؛
وكنا وقتذاك قادرين على ذلك ولكني لم أقبل أى محاول للقضاء على عبد الناصر وزملائه ووقفت ومن يري رأيي ندفع عنهم أى أذي واستمر عبد الناصر فى خطته يصفي الجيش من منافسيه ويصفي جبهة الشعب من معارضيه مستعينا بكل منهم على الآخر .
فى ذلك الحين لم يكن عبد الناصر فى الحقيقة هو الذى يسيطر على الحكم بل كان مجلس قيادة الثورة إذا كانت القرارات تتخذ بأغلبية الأصوات وكانت عناصر أخري مدنية تدفع الثورة دفعا فى طريقها الدكتاتوري وعلى رأسها سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة؛
الذى كان بحكم انتمائه إلى الحزب الوطني يكن كراهية والحقد للوفد ويعمل على القضاء عليه ولم يكن الضباط يمانعون كثيرا فى الانصياع لرغبات أعداء الوفد وقبول خدماتهم التي يتطوعون بها طالما أنها تمكن لهم فى الحكم وكان من المشروعات التي تفتق عنها ذهن سليمان حافظ وقتذاك لضرب الوفد هو قانون تنظيم الأحزاب السياسية رقم 179 لسنة 1952 الذى قصد به أن يكون مقدمة لحل الوفد.

على أن هذا القانون ما لبث أن أصاب الإخوان بإصابة مباشرة ورد فى الفقرة الثانية من المادة الأولي منه أنه:

" لا يعتبر حزبا سياسيا الجمعية أو الجماعة التي تقوم على محض أغراض عملية اجتماعية أو ثقافية أو دينية وبذلك ترك لجماعة الإخوان المسلمين حق اختيار أن تعلن نفسها جماعة دينية بحتة وبذلك تكون قد فقدت الحق فى مزاولة النشاط السياسي ولا تكون فى حاجة من ثم إلى تقديم أخطار بإعادة تكوينها أو الإفصاح عن صفتها السياسية بصورة علنية ويكون ذلك بتقديم أخطار بإعادة تكوينها طبقا للقانون .

وقد انقسمت الجماعة قسين فبينما كان رأى المرشد حسن الهضيبي عدم تقديم أخطار لإعادة تكوين الجماعة واعتبارها جمعية بعيدة عن مزاولة النشاط السياسي كما معظم أعضاء الهيئة التأسيسية يعارضون وقد استقر الرأى على حل وسط يتيح للجماعة مزاولة النشاطين..

وهو فصل العمل الديني عن العمل السياسي فتحتفظ الجماعة بصفتها الدولية كجماعة دينية وتتولي بهذه الصفة العمل الديني ويتولي العمل السياسي شطر منها كحزب أو هيئة سياسية تقدم الأخطار باسمها وتنفيذا لهذا الرأى سارع حسن الهضيبي فى أواخر سبتمبر 1952 بتقديم أخطار عن إيداع مالية الهيئة البالغ قدرها 7935 جنيها بالبنك العربي المصري قبل أن يبلغ عن قانون الهيئة أو نظامها أو أسماء الأعضاء المؤسسين .

على أن هذا الحل لم يلبث أن آثار صعوبات أو جدت كثيرا من الجدل بين أعضاء الجماعة فطبقا لما أوردته جريدة الأخبار فى ذلك الحين فإن هذه الصعوبات كانت تتمثل فى الآتي:

أولا: الموظفون المحرم عليهم الاشتغال بالحزبية يؤلفون الجزء الأكبر من قاد الإخوان فالسكرتير العام وأمين الصندوق ستة آخرون من أعضاء مكتب الإرشاد والبالغ عددهم إثنا عشر عضوا موظفون .وتطبيق القانون الجديد عليهم معناه استبعادهم من مركز القيادة واعتبراهم أعضاء غير مؤسسين .
ثانيا: الأموال التى أودعها المرشد للإخوان فى البنك وأبلغ عنها وزير الداخلية هى أموال " الجماعة " الدينية وأموال " الهيئة" السياسية معا ولكن إذا انفصلت " الجماعة" عن " الهيئة" كما يقضي القانون فإنها ستنفصل دون أن يكون لها مال لأن هذه الأموال أودعت باسم الهيئة وباسم الشطر السياسي منها دون سواه .
ثالثا:الطلبة والجوالة يكونون جزءا كبيرا من قاعدة الإخوان المسلمين فى نشاطهم السياسي والغالبية العظمي من هؤلاء لا تزيد أعمارهم على واحد وعشرين عاما مما يقتضي أبعادهم عن النشاط السياسي الأمر الذى يؤثر فى قوة الأحزاب كحزب.

وقد أثارت تلك الصعاب كثيرا من الجدل بين أعضاء مكتب الإرشاد فى القاهرة ورؤساء المناطق فى الأقاليم ومن أجل ذلك دعيت الجمعية التأسيسية للهيئة للانعقاد لحسم الموضوع .

وقد تم عقد الجمعية التأسيسية للإخوان مرتين ولم يسفر الاجتماعان إلا عن تمسكها باعتبار الإخوان هيئة سياسية. فبالإضافة إلى أن هذا الحل يمنع الازدواجية فإنه يتفق مع فكرة الإخوان وفهمهم للإسلام وهو أنه لا يفرق بين الدين والدولة..

ولذلك حين حدث فى الاجتماع الثاني أن تغيب المرشد لمرضه انتهز بعض أعضاء مكتب الإرشاد الفرصة ليصروا على تقديم الأخطار جامعا شاملا للجماعة كلها كحزب ولما كانوا أغلبية فقد أرسلوا الأخطار فى اليوم التالي (يوم 8 نوفمبر 1952).

وقد كان عدد الأعضاء المؤسسين الذين تضمنهم الأخطار ثلاثة فقط اختارهم مكتب الإرشاد من أعضائه وهم:السيد محمد حسني عبد الباقي وقد اعتبر ممثلا للقاهرة والدكتور محمد خميس حميدة ممثلا للوجه البحري ومحمد فهمي أبو غدير المحامي ممثلا للوجه القبلي؛

ولم يتضمن الأخطار المرشد وبقية أعضاء المكتب وقد سبق فى تفسير ذلك أن مكتب الإرشاد العام حينما أراد اعتبار أعضائه جميعا هم المؤسسون أتضح له أن المرشد العام غير مقيد فى جداول الانتخابات البرلمانية وأنه لا مفر من عدم وضع أسمه بين أسماء المؤسسين طبقا للقانون الذي كان يشترط لتقييد فى جداول الانتخابات فى عضو الهيئة التأسيسية؛

وقد خشي المكتب أن يؤدي وضع أسماء أعضائه جميعا دون اسم المرشد فى قائمة المؤسسين إلى تصديق إشاعة أن هناك خلافات داخل الهيئة فاتفق المؤسسين على الاكتفاء باختيار ثلاثة من الإخوان القدامي ممن لم يقترن أسماؤهم فى الصحف بأنباء الإخوان .

على أن هذا الذى أراده الإخوان من إخفاء معالم الخلاف لم ينجح لأن المرشد لم يكد يعلم بالأخطار حتي امتنع فى منزله وقرر الاستقالة ما لم تعدل الهيئة التأسيسية عن قرارها وقد اتفق معه بعض الإخوان على دعوة الهيئة مرة ثالثة لإعادة النظر !

ولكن الآخرين صارحوه بأنه بعد أن اتخذت الهيئة قرارها مرتين فلا داعي لإعادة النظر ولم تلبث أن جرت اجتماعات لبعض كبار الإخوان لاختيار مرشد جديد فى حالة إصرار الهضيبي على الاستقالة؛

بل أن البعض كان يحبذ فى الحقيقة اتخاذ هذا الإجراء لو تيسر ذلك فعلي حد قول أحد كبار الإخوان فى ذلك الحين:

" إن كثيرا من زملائه يرون أن استمرار الدعوة التي يقوم بها الإخوان تتطلب أن يكون لهم مرشد لا يفكر فى الاستقالة من حين لآخر ولا يلوح بها على أن المسألة انتهت بسفر عبد القادر عودة وكيل الإخوان إلى الإسكندرية لمقابلة الهضيبي ثم عودته منها ليصرح بأن " المرشد باق ... باق "!

على كل حال فقد عبر الإخوان فى أخطارهم الذي قدموه طبقا للقائمين عن رأيهم فى الاشتغال بالسياسة فى صراحة تامة فقد أعلنوا أن " أهداف الإسلام وغاياته تشمل شئون الحياة لها والإسلام لا يفرق بين الدين والدولة "

والإخوان المسلمون حيثما يزاولون نشاطهم المتعدد الألوان ليس لهم الخيرة فيما يأخذونه وما يدعون فإذا اشتغل الإخوان بسياسة مصر الداخلية والخارجة فيما يشتغلون فإنما يشتغلون بأمر الإسلام وينزلون على حكم الدين ويمارسون نشاطا دينيا محضا هو فرض على كل مسلم مهما كانت صفته .

فإن لم يكن بد من إخضاع نشاطنا السياسى لقانون الأحزاب فإننا نقدم إليكم وجهة نظرنا مصحوبة بالقانون الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين بأسماء الإخوان المؤسسين.

وقد صدر القانون الأساسي بمقدمة ورد بها أنه فى 8 سبتمبر 1945 وافقت الجمعية العمومية للإخوان المسلمين على قانون النظام الأساسي للهيئة؛

وأصبح نافذا من هذا التاريخ ولما تطورت الدعوة واتسعت ميادين نشاطها وعلى ضوء التجارب التى مرتبها خلال هذه الفترة رأى المرشد العام للإخوان المسلمين أن يقترح على الهيئة التأسيسية المنعقدة فى أوائل عام 1948 إدخال بعض التعديلات فوافقت الهيئة على ذلك وأقرت تأليف لجنة من الأساتذة طاهر الخشاب وصالح عشماوي وعبد الحكيم عابدين لإجراء هذا التعديل وتمت الموافقة عليه 21 مايو من السنة نفسها .

وقد تضمن القانون الأساسي ثمانية أبواب وصفت فيها الهيئة نفسها بأنها " هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف وما تيصل بهذه الأغراض "

وذكرت من هذه الأغراض نشرح دعوة القرآن الكريم شرحا يردها إلى فطرتها وشمولها ويعرضها عرضا يوافق روح العصر وتقريب وجهات بين الفرق الإسلامية المختلفة وتنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها والعمل على رفع مستوي المعيشة تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي لكل مواطن والمساهمة فى الخدمة الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير .

وتحرير وادي النيل والبلاد العربية جمعاء والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي ومساعدة الأقليات الإسلامية فى كل مكان وتأييد الوحدة العربية تأييدا كاملا والسير إلى الجامعة الإسلامية وقيام الدولة المصلحة التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه وتحرسها فى الداخل وتبلغها فى الخارج ومناصرة التعاون العالمي.

ويلاحظ فى هذا البرنامج أنه يحمل أيديولوجية الإخوان فى الرجوع بالإسلام إلى تعاليمه الأولي:

"رد دعوة القرآن الكريم إلى فطرتها وعرضها عرضا يوافق روح العصر " وشمولية الإسلام قيام الدولة الصالحة التى ينفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليا " والجامعة الإسلامية: فهي نهاية المطاف بعد الوحدة العربية ولكن البرنامج يخلو من شئ عن " الخلافة من علاقات الإنتاج فلا شئ أكثر من " تحقيق العدالة الاجتماعية " وهو نص مائع وهو يتحدث عن " تحرير الثروة القومية " ولا يحدد المغتصب ولا الوسيلة .

وقد حدد القانون الوسائل التي يعتمدها الإخوان لتحقيق البرنامج السالف الذكر وتتلخص فى الدعوة بطريق النشر والإذاعة وتجهيز الوفود والبعثات فى الداخل والخارج وتربية الإخوان وتكوينهم تكوينا صالحا بدنيا بالرياضة وروحيا بالعيادة وعقيلا بالعلم والتوجيه عن طريق وضع المناهج الصالحة فى كل شئون المجتمع والعمل وذلك بإنشاء مؤسسات اقتصادية واجتماعية ودينية وعلمية وإقامة المساجد والمدارس والمستوصفات والملاجئ ولم يتحدث عن السعي إلى الحكم.

وفضلا عن ذلك فقد حدد القانون الهيئات الإدارية الرئيسية للإخوان على النحو الآتي:

أولا المرشد العام وهو الرئيس العام لهيئة مكتب الإرشاد وللهيئة التأسيسية ثانيا مكتب الإرشاد العام وهو الهيئة الإدارية العليا للإخوان المسلمين والمشرف على سير الدعوة والموجة لسياستها وإداراتها ثالثا التأسيسية وهي مجلس الشوري للإخوان والجمعية لعمومية لمكتب الإرشاد وقد حتم القانون على المرشد الدعوة إلى مؤتمر عام كل سنتين من رؤساء شعب الإخوان للتفاهم فى الشئون المختلفة التي تتصل بالدعوة واستعراض خطواتها

على هذا النحو كون الإخوان قد عبروا عن تصميمهم على التحول إلى حزب سياسي والدخول فى المعترك السياسي بكل ما يحمله ذلك من معان ونتائج على أن وجود الجناح المؤيد للثورة داخل الجماعة قد أنقذها من الخضوع لقرار حل الأحزاب؛ فقد تم الاتفاق على أن تطلب وزارة الداخلية من الجماعة تفسيرا عما إذا كانت أهدافها ستعمل على تحقيقها عن طريق.

أسبا الحكم كالانتخابات وإن يكون رد الإخوان بالنفي ويعترف حسن العشماوي بدور عبد الناصر فى هذا الشأن فيقول:

"وقد بذل عبد الناصر فى هذا السبيل جهدا لا أنكره برغم معارضة بعض زملائه له وبرغم ما وجد فى هذا السبيل من متاعب من الإخوان أنفسهم الذين لم يكن لزاما على أن أبلغهم بما أسره إلى عبد الناصر "

وعلى كل حال فإن الجماعة كانت قد احتاطت لذلك فى قانونها الأساسي كما ذكرنا فلم تذكر شيئا عن عزمها على تحقيق برنامجها عن طريق الحكم واكتفيت بإضافة عبارة تقول :" وعلى وسيلة أخري مشروعة " فصار نص الفقرة :" يعتمد الإخوان المسلمون فى تحقيق هذه الأغراض على الوسائل الآتية وعلى كل وسيلة أخري مشروعة ".

على كل حال ففي ذلك الحين كانت الثورة قد فقدت تأييد جميع القوي السياسية فى مصر فيما عدا الإخوان ففي يوم 10 ديسمبر أعلنت سقوط دستور 1923 وفى 16يناير صوبت ضربتها إلى الوفد بقانون حل الأحزاب وفى يوم 18 يناير أصدرت مرسوما بقانون باعتبار التدابير التى اتخذها " رئيس حركة الجيش " من أعمال السيادة العليا أى لا تخضع لرقابة القضاء وفى يوم 10 فبراير أعلنت دستور الانتقال الذى أكملت به استيلاءها على السلطة من الناحية القانونية .

ولم يكن لدي الإخوان ما يدفعهم لمعارضة هذه القرارات والقوانين جميعها لأنها كانت تسير وفق مصلحتهم فى التخلص من أعدائهم القدامي:

الوفديين والشيوعيين ولقد اعتبرت الجماعة فترة السنوات الثلاث لدستور الانتقال فترة:
" معقولة لعمل الإجراءات التطهيرية اللازمة قبل الوصول إلى أوضاع برلمانية سليمة ونظيفة وكان أكبر ما يهم الإخوان فى هذه الإجراءات هى أنها تترك لهم الساحة لفرض شروطهم على الثورة مقابل التأييد وهو ما سارعوا إليه بعد اعتقال عدد من ضباط المدفعية يوم 15 يناير بدعوي تدبير مؤامرة لاغتيال ضباط الثورة .
فقد حضر إلى مكتب عبد الناصر كل من صلاح شادي ومنير دلة وطلبا إليه : تكوين لجنة من هيئة الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافقة عليها ".

ولكن عبد الناصر وفقا لرواية الرسمية رد قائلا:

" لقد قلت للمرشد سباقا أننا لن نقبل وصاية وأنني أكررها اليوم مرة أخري فى عزم وإصرار وقد برر منير دلة هذا المطلب بأنه كان رأيا شخصيا وما كان يمثل أى الجماعة ".

وفى الفترة التالية كان الصراع يدور بين أضلاع مثلث جدلي يقف فى جانب منه الإخوان وفى الجانب الثاني الثورة وفى الجانب الثالث الإنجليز؛

ففى الوقت الذى كانت الثورة تسعي حثيثا لحصول على مكسب سياسي فيما يتعلق بالقضية الوطنية عن طريق التفاوض مع الإنجليز تعزز مركزها فى الجبهة الداخلية اتجه الإنجليز إلى القوة السياسية الوحدة الباقية فى الساحة الشعبية وهى قوة الإخوان للحصول منها على ما عجزت عن تحصيله من الثورة وسحب السجادة من تحت أقدامها وفى الوقت نفسه كانت الثورة تستغل الخلافات داخل الإخوان لأحداث انشقاق بينهم على اعتبار أن كل قوة تنتقص منهم تضاف لحسابها .

وبالنسبة للمفاوضات بين الإنجليز والإخوان فكما هى العادة فى كل مفاوضات لا تستند إلى جبهة داخلية قوية فإن الصراع المكتوم بين الثورة والإخوان كان له تأثيره فى موقف الاعتدال الذى وقفته الجماعة أثناء المفاوضات خوفا من الحرب فى جبهتين:

جبهة الثورة وجبهة الإنجليز فقد وافقت الجماعة على ما قبله عبد الناصر فى اتفاقية الجلاء بعد ذلك بعام وهو بقاء خبراء انجليز فى قاعدة قناة السويس وحق عودة القوات البريطانية إلى القناة واستخدام القاعدة فى حالة وقوع هجوم مسلح من دولة من الخارج على أى بلد يكون طرفا فى معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية وعلى تركيا والتشاور على العودة فى حالة خطر الحرب .

وقد أدرك الإنجليز من خلال هذه المفاوضات أن الإخوان ليسوا بالتطرف الذي كانوا يخشون فقد قبلوا التفاوض معهم كما قبلوا الأسس السالفة الذكر للإنفاق .

واثبتوا بذلك أنهم أكثر اعتدالا من الوفد الذى ألغي معاهدة 1936 ونص فى برنامجه عقب قيام الثورة على :" نبذ المفاوضة و نبذ النواة ونبذ الدفاع المشترك ومشروع قيادة الشرق الأوسط" .

وكان الإخوان يسعون فى الحقيقة إلى ترك هذا الانطباع لدي الإنجليز فقد ذكرنا أن موقف قيادتهم أثناء معركة القناة سنة 1951–1952 كان موقفا متخاذلا فقد تبرأت تماما من كل شبهة تتعلق بالاشتراك فى العمل الوطني وتبرأت من دعوة شباب الإخوان إلى مقاطعة الإنجليز؛

وتبرأت من استخدام القوة أو نية استخدامها وتبرأت من مجلة الدعوة حين هاجمت تعيين حافظ عفيفي لضرب الحركة الوطنية وفى الفترة التي أباح فيها بعض علماء الدين مثل الشيخ أبو العيون سكرتير عام الأزهر والشيخ على الخفيف دماء العنف كوسيلة لإخراج الإنجليز .

وقد كان قبول قيادة الإخوان المسلمين لأسس الاتفاق السالفة الذكر مقصودا به إقناع الإنجليز بمزايا الإخوان وقد عبر الهضيبي عن ذلك فى صراحة تامة قائلا :" أنا على ثقة من أن الغرب سيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين وسيكف عن اعتبارهم شبحا مفزعا كما حاول البعض أن يصورهم "

والتبرير الذى نراه لهذا المسلك هو أن إقامة الحكومة الإسلامية كان الهدف الاسمي للإخوان المسلمين وكانوا على استعداد لتقديم كثير من التضحيات فى سبيل الوصول إليه بدليل أن نفس قيادة الإخوان رفضت معاهدة الجلاء التى أبرمها عبد الناصر رغم موافقتهم على أسسها لأنها تمت لحساب دكتاتورية عبد الناصر وليست لحساب الحكومة الإسلامية

الفصل السادس:الصراعات الداخلية بين الإخوان المسلمين

رأينا كيف كان الصراع يدور بين أطراف مثلث جدلي يقف فى جانبيه الإخوان وفى الجانب الثاني الثورة وفى الجانب الثالث الإنجليز .

وفى ذلك الحين وبينما كانت نذر الصراع على السلطة نظهر بين الإخوان المسلمين والثورة أخذ عبد الناصر فى ضرب الإخوان من الداخل باستغلال الصراعات التى تفاقمت بينهم بين جماعة حسن الهضيبي وجماعة صالح عشماوي من جهة أخري؛

وكان قد نجح حسب قول حسن العشماوي فى أن يضم إلى صفة كثيرا ممن لا أنكر إخلاصه وفضله ولكن الظروف كانت مواتية لخروجهم عن وحدة الصف وقد قدر للصراع الثاني ان يفجر الصراع الأول على نحو لم يسبق له مثيل .

فقد رأينا كيف دب الصاع بين عبد الرحمن السندي والمرشد العام حسن الهضيبي منذ اليوم الأول لتعيينه مرشدا وكيف عجزت اللجنة التي تشكلت من محمد خميس حميدة وعبد العزيز كامل والدكتور حسين كمال الدين عن معالجة المشكلة علاجا جذريا..

وانتهت إلى إنشاء قسم الأسر لإزالة السرية تدريجيا وكان من الطبيعي أن تثبت هذه المعالجة عدم جداولها فقد استمر النزاع بين الهضيبي والسندي وأصبح الهضيبي معزولا تماما عن التنظيم لا يدري شيئا عنه وهذا ما يؤكده محمد خميس حميدة؛

فقد ذكر أنه بعد أن انتهت مهمة اللجنة عاد إلى المنصورة وكان ذلك قبل الثورة وفى فبراير 1953 جاء إلى القاهرة وانتدب نائب مرشد ووجدت الحالة متحسنش والاضطراب قائم فى صفوف الجماعة ومشكلة النظام " السري" ما زالت متعسرة وماتمتش حاجة كما يجب أن يكون .

فقابلت عبد الرحمن السندي وقلت له:

" أن وضع الجماعة بهذا الشكل مقلق وإحنا بنلتقي جميعا على الدعوة العامة وما بنلتقيش على أفراد لازم تحل هذا الوضع لأن الإخوان مرتبطين بك ارتباك كبير".

فوافق على الاشتغال فى قسم الرياضة ومشيت الأمور مدة حوالي شهرين وبعدين حصل اضطراب وجه عبد الرحمن السندي : وقال " إن حسن الهضيبي بيعمل نظام جديد فسألت الهضيبي:فيه نظام جديد بيتعمل؟ فقال:أبدا ولكن عبد الرحمن قال لى أن فيه استحالة ولا يستطيع أن يسير فى العمل أو يتعاون مع المرشد .

كان تنحي عبد الرحمن السندي عن رئاسة التنظيم والاشتغال فى قسم الرياضة هزيمة لفريق التعاون مع عبد الناصر الذى كان قد استطاع اجتذاب السندي إليه .

وانتصارا لفريق الهضيبي الموالي لفكرة الوصاية على الثورة . لذلك هب عبد الناصر يطالب الإخوان بحل تنظيمهم السري حماية لحركة الجيش .

فقد استدعي محمد خميس حميدة والسيد سابق والباقوري ومحمود عبد اللطيف (سكرتير وزير الأوقاف) إلى مجلس قيادة الثورة فى الجزيرة؛

وحضر الاجتماع فى مجلس قيادة الثورة جمال عبد الناصر وأنور السادات وصلاح سالم وكمال الدين حسين وتناول عبد الناصر فى حديثه موقف الإخوان فى رحلة الصعيد وقال إن للإخوان تشكيلات فى الجيش وهو لا يريد هذه التشكيلات لأن وجودها يؤدي إلى اضطرابات ما يصحش أنها تكون موجودة كما أنه لا يريد وجود تشكيلات فى البوليس كذلك ثم تناول النظام السري بشكل عام وقال : "إن التنظيم السري ما يكونش موجود "

على أن مطالبة عبد الناصر بحل التشكيلات الإخوانية والتنظيم السري لم تلق إلا استجابة شكلية فقد أبلغ محمد حميدة المرشد العام ما دار من حديث مع عبد الناصر فى هذا الشأن ولكن المرشد رد بأنه لا توجد تشكيلات خاصة للإخوان فى الجيش " إلا أننا نعطي فكرة إسلامية للجنود "

وقد رد عليه محمد خميس حميدة قائلا:" طيب دي موش محتاجة لتشكيلات" أما بخصوص تشكيلات البوليس فقد كان يقوم بها صلاح شادي وقد تعهد يمنعها "ولكن بعد فترة ظهر أن فيه تشكيلات فى الجيش وتشكيلات فى البوليس ".

وفى الواقع أن الصراع على التنظيم السري بين عبد الرحمن السندي والهضيبي كان قد اشتد فى تلك الفترة فقد قبل عبد الرحمن السندي كما رأينا التنحي عن رئاسة التنظيم والاشتغال فى قسم الرياضة على أساس ما قيل له من أن فيه الجماعة متجهة إلى حل التنظيم وقد حل محله زميله محمود الصباغ .

ولكنه ما لبث بعد فترة وجيزة أن تبين له أن الهضيبي يقوم بتكوين تنظيم جديد من أنصاره وأنه يعمل فى الوقت نفسه للتخلص منه وهنا التقي بالمرشد وواجهه وخرج من المقابلة بانطباع أنه " لا فائدة وأنه من المستحيل التعاون مع المرشد "

وقد جرت الأمور بعد ذلك فى طريق تصادم دموي فإن الهضيبي كان قد استطاع أن يضم إليه المهندس السيد فايز وهو الرجل الثاني فى التنظيم فأتيحت له بذلك الفرصة للنفاذ إلى أسرار الجهاز السري ومعرفة أفراده ولكن فى يوم 19 نوفمبر 1953

أى فى اليوم الذي كان مقررا أن يتسلم فيه من السيد فايز تقريرا يشمل تفاصيل وبيانات الجهاز السري تلقي السيد فايز طردا من الديناميت فى شكل هدية من الحلوي بمناسبة مولد النبي انفجر فيه وفى شقيقه .

وقد كان هذا الحادث ذروة الصراع بين عبد الرحمن السندي والهضيبي وضربة موجهة إلى الأخير وفريقه ولما كانت كل الجهود التي بذلت إلى ذلك الحين لقطع الصلة بين السندي والتنظيم السري قد أثبتت عدم جدواها سبب سيطرة السندي على التنظيم بواسطة مجموعته فقد بدا أن الطريق لإبعاد السندي هو طرده ومجموعته من الجماعة بأسرها؛

ولما كان مثل هذا القرار لا يصدر إلا عن مكتب الإرشاد ففي نفس يوم الحادث دعا الهضيبي إلى عقد اجتماع لمكتب الإرشاد لاتخاذ قرار بطرد السندي ومجموعته ويقول ميتشل أن الأصوات كانت متساوية أى خمسة إلى خمسة وقد حسم صوت الهضيبي الأمر وصدر قرار مكتب الإرشاد بفصل كل من عبد الرحمن السندي ومحمود الصباغ وأحمد زكي وأحمد عادل .

ويفهم من كلام يوسف طلعت رئيس التنظيم السري الجديد بعد عبد الرحمن السندي أنه كانت هناك لجنة عليا تشرف على الجهاز السري مكونة من الشيخ سيد سابق والشيخ محمد فرغلي والدكتور محمد خميس حميدة ومحمود الصباغ وأحمد زكي وأحمد عادل وعبد الرحمن السندي؛

وهذه اللجنة تؤدي بالنسبة للتنظيم السري نفس الدور الذي تؤديه الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين وقد جري خلاف داخل اللجنة فقد كان البعض يري أن عبد الرحمن السندي هو مؤسس هذا النظام؛

بينما كان البعض الآخر خصوصا محمد فرغلي ينكر ذلك وقد انتهي الخلاف بفضل السندي ورفاقه وقد دار نقاش حول من يخلف السندي واستقر الرأى على اختيار يوسف طلعت وهو تاجر حبوب كان على صلة بحسن الهضيبي قبل أن يكون مرشدا وعمل على انتخابه مرشدا عاما رئيسا للتنظيم فعين بعد موت السيد فايز بيومين .

وقد فجر فصل عبد الرحمن السندي ورفاقه الثلاثة أكبر انقسام وقع فى الإخوان المسلمين إلى ذلك الحين فقد انتهز خصوم الهضيبي ظروف فصل هؤلاء الأعضاء دون تحقيق أو حيثيات فصل لتحريك القاعدة الشبابية للإخوان ضد الهضيبي مطالبة بإجراء تحقيق فى أسباب هذا الفصل .

وقد أحرج الهضيبي ولم يجد ما يقوله إلا أن " للمكتب أن يصدر ما يشاء من قرارات ولا يسأله أحد عن الأسباب والإسلام لا يعرف قداسة لمخلوق".

وبذلك تحولت قضية الصراع على التنظيم السري إلى قضية صراع على الديمقراطية داخل الإخوان وتلك كانت الصورة التي خرجت بها إلى الرأي العام فى أواخر نوفمبر وديسمبر 1953.

فقد وصف صالح عشماوي رئيس تحرير مجلة الدعوة المناهضة للهضيبي الأربعة المفصولين بأنهم:

"من صفوة الإخوان العاملين الذين لهم سبقهم وبلاؤهم فى الدعوة وروي ما حدث فذكر أن بعض الإخوان حاولوا الاستفهام من أعضاء مكتب الإرشاد أو الهيئة او المرشد العام عن أسباب فصل هؤلاء الأربعة فلم يفلحوا
" وكانت النتيجة أن ضاقت السبل ببعض المنكرين فاتجهوا إلى المركز العام واعتصموا وأعلنوا أنهم لن يخرجوا حتي تصحح الأوضاع وتسير الأمور فى مجراها الطبيعي"

وكانت المطالب التى تقدم بها المعتصمون فى ذلك الحين تقضي باعتبار قرار فصل الأعضاء الأربعة وقفا مؤقتا تشكيل لجنة للتحقيق ووقف مكتب الإرشاد حتي الهيئة التأسيسية فى أمر وجوده مستقبلا وإنشاء لجنة من هؤلاء الأعضاء أنفسهم لإدارة التنظيم لحين اجتماع الهيئة التأسيسية .

وفى المساء توجه إلى مكان الاعتصام عدد من أعضاء الهيئة التأسيسية على رأسهم صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال وسيد سابق وعبد العزيز كامل وطاهر الخضري وعبده قاسم ومحمد سليمان ومحمد الخضري وعبد القادر عودة وذلك للتفاهم مع المعتصمين.

وبطبيعة الحال فإن موقف الثلاثي صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز كان منحازا لمطالب المعتصمين فقد أوردت مجلة الدعوة أن

"الوفد الذى توجه إلى المركز العام حاول التفاهم مع المعتصمين وعدهم بأن تنظر ظلامه أى متظلم وتبرئة كل غير ذى ذنب ومعاقبة كل مسئ تقاليدنا الإسلامية وآدابها ".

وسرعان ما تطور الموقف حين أرسل الأعضاء الموجودون فى المركز العام وفدا منهم إلى بيت المرشد لمناقشة الموقف معه وكان هذا الوفد مكونا من محمد الغزالي وأحمد عبد العزيز وعبد القادر عودة وطاهر الخشاب ومحمد سيلمان؛

ولم يكن المرشد موجودا ولكن بيته كان يغص بأنصاره وعلى رأسهم:

صالح أبو رقيق وحسين كمال الدين وعمر الأميري وهارون المجددي وفريد عبد الخالق وعبد البديع صقر؛
وهناك فى هذا الجو المحموم بالصراع أخذت الأمور تمضي فى شكل مواجهة بين أنصار الهضيبي وأنصار خصومه من المعتصمين فقد أبدي بعض أنصار الهضيبي استعداده للزحف بجمع أكبر على المركز العام أخذ البعض يصدر الأوامر لتجميع شباب الإخوان من الشعب .
وعندما تبين صالح عشماوي ورفاقه عجزهم عن إقناع مجموعة الهضيبي بخطورة الموقف عملوا على إصدار بيان إلى الإخوان المسلمين يعلنون فيه دعوة الهيئة التأسيسية فى اقرب فرصة للفصل فى النزاع وإلزام الفريقين بقرار فى الوقت الذى توجه فيها عبد العزيز كامل إلى المعتصمين وطلب إليهم الانصراف فانصرفوا قبل الفجر على وعد منه " بتسوية الأمر كما يحبونه ".
وعلى هذا النحو كشف صالح عشماوي ورفاقه موقفهم علنا فى جبهة المفصولين وأصبح الصراع بذلك سافرا بينهم وبين الهضيبي ومجموعته وفى الفترة التالية أعلنت مجلة الدعوة الحرب على الهضيبي وأنصاره؛
فقد وصفت قرار فصل الجماعة بأنه " بشع معيب" ووصفت الخلاف الدائر بأنه ليس خلافا على أشخاص وإنما " لمعالجة أوضاع خاطئة" وفى يوم 8 ديسمبر كتب صالح عشماوي " ما كان الإسلام أبدا" وهو القائم على أساس الشوري دين استبداد ولكن قرار الفصل الأخير جاء فريدا فى نوعه وسابقة خطيرة فى تاريخ الجماعة ليس لها مثيل .ولهذا قام الإخوان يطالبون بتصحيح الأوضاع "

وفى 15 ديسمبر شبه خصومه " بالميكروبات" وأعتبر ما حدث فى الإخوان نوعا من " الصدمة القوية " أو " الحرارة العالية " وقال إنه

" كان من أثر هذه الصدمة أن زالت الغفلة ودبت اليقظة وانتشر الوعي ولم يبق إلا أن تسلط الأضواء على الوقائع والأحداث حتي تنكشف على حقيقتها وتبدو الأشخاص عارية على طبيعتها وعندئذ ستموت الميكروبات فى أماكنها وفى يوم 8 ديسمبر وصف محمد الغزالي خصومه بأنهم "يريدون أن يبرزوا يحبون بجنون أن يظهروا وكيف يتم لهم هذا على أنقاض الآخرين .
فليهدموهم وليلحوا فى هدمهم وليدأبوا ما استطاعوا على الكيد لهم ونسي أولئك النفر أن هدم الأقوياء لن يضفي لى الضعاف أى لون من ألوان القوة ".

وكان من الطبيعي أن يضعف هذا الانقسام من فريقي الإخوان وأن يكون هذا الضعف لحساب عبد الناصر فقد أحس فريق الهضيبي يتفوق خصومه الذين كانوا يملكون جهازا إعلاميا ضخما ممثلا فى مجلة الدعوة فضلا عن " التنظيم السري" الذى كان ما يزال تحت سيطرة السندي رغم خروجه منه فالتجأ الشيخ محمد فرغلي والسعيد رمضان مندوبين عن مكتب الإرشاد إلى عبد الناصر طلبا للتدخل ضد الفريق الأخر .

ولم يكن عبد الناصر الحصيف ليبلغ الطعم ويتدخل ضد فريق يحتج على فصل عبد الرحمن السندي وأنصاره سياسة التعاون مع الثورة فى التنظيم السري وطبقا للرواية الرسمية فإنه أبدي رأيه بأنه لا يستطيع التدخل بالقوة حتي لا تتضاعف النتائج وأنه يري أن يتصالح الفريقان ويعملا على تصفية ما بينهما؛

فطلب محمد فرغلي منه التوسط وأن يجمعه بصالح عشماوي وجاء صالح عشماوي ومعه الشيخ سيد سابق وكان من الطبيعي أن يقف عبد الناصر فى صف صالح عشماوي وفريقه فتم الاتفاق على تشكيل لجنة تحقيق يوافق على أعضائها صالح عشماوي تبحث فيما نسب إلى الإخوان الأربعة المفصولين على ألا يعتبروا مفصولين بل تحت التحقيق".

وقد فوجئ فريق الهضيبي بهذا الاتفاق . ورفض الاعتراف به فوقفا لما رواه صالح عشماوي فإنه استدعي فى اليوم التالي لمكتب عبد القادر عودة وأخبره هذا أن الشيخ محمد فرغلي قال أنه لم يحدث اتفاق على شئ وأن الأستاذ عبد الحكيم عابدين قال إن المسلمين يسعي بذمتهم أدناهم وأنه لو ثبت أن الأستاذ فرغلي وافق على هذا الاتفاق سينكره المكتب .

على أن قيادة الجيش أصدرت مؤيدا حدوث اتفاق على تكوين لجنة تحقيق فلم يعد مفر أمام الهضيبي من تكوين هذه اللجنة ولكنه فى نفس الوقت كان يوجه ضربة كبيرة لصالح عشماوي وفريقه ففي يوم 9 ديسمبر 1953 أذاع مكتب الإرشاد قرار لمجلس العضوية بفصل صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال .

وقد سارع الأعضاء الثلاثة إلى تقديم طلب للحضور أمام الهيئة التأسيسية لشرح قضيتهم وفى الاجتماع المذكور وقف صالح عشماوي يغمز الهضيبي فى ظروف تعيينه ويشرح كيف أراد الأستاذ منير دلة تعيين مرشد عام للجماعة؛

واقترح اسم الهضيبي الذي لم يكن معروفا لأحد من الإخوان فى ذلك الوقت إلا لعدد قليل وكيف ساق فى مزايا هذا الحل أنه يجمع شمل الإخوان ويمنع تنازعهم وكيف " ذكروا اعتبارات أخري ومزايا لهذا الاختبار لا محل لذكرها الآن !"

وكان صالح عشماوي هنا يلمح إلى إرضاء القصر فقد كان يردد هذه المسألة على مسامع بعض قيادات التنظيم السري وقد ذكر محمود الحواتكي أنه سمع من صالح عشماوي وجماعته أن الملك كان له رأي فى تعيين الهضيبي .

ثم وقف أحمد عبد العزيز جلال يتهم أنصار الهضيبي الذين كانوا فى بيته يوم الاعتصام بالاستهانة ومحاولة تعريض الجماعة للكوارث بدعوتهم إلى مواجهة المعتصمين بالقوة وكيف لاحظ أن بعض الإخوان المسئولين فى المناطق أخذوا يرسلون فى جميع بعض الإخوان من بيوتهم وأنكر أنه ورفيقته صالح عشماوي ومحمد الغزالي قد دروا المظاهر بالمركز العام وتكلم محمد الغزالي فأعلن أنه يحتقر التهم المنسوبة إليه !"

وهنا قام عبد العزيز كامل وهو من مجموعة صالح عشماوي وكان قد قدم استقالته من رياسة لجنة العضوية وأجري مناورة ماهرة فقد اقترح " النظر فى موقف كل واحد من الثلاثة على حدة" وفطن أنصار الهضيبي للمناور وطبقا لما ذكرته الدعوة فقد ثار فى وجهه صالح أبو رقيق وعبد البديع صقر وعبد المعطي بهجت وأسكتوه عن الكلام كما ثار الهضيبي قائلا : يجب أن يفصل الجميع.

وقد حاول حلمي نور الدين تأييد رأى عبد العزيز كامل فثار فى وجه فريق الهضيبي وسحبوا منه الكلمة وفى أثناء هذه الجلسة كان الشيخ محمد فرغلي ينتقل بين صفوف الإخوان القادمين من الأقاليم كما وقف فى الاجتماع يهاجم صالح عشماوي ويحمله مسئولية ما حدث من شباب الإخوان فى المركز العام .

وفى وسط هذا الجو المحموم وقف الهضيبي ودعا بصورة تهديد حسب رواية الدعوة من لا يوافقون على الفصل بالوقوف !. فطلب أنصار عشماوي أخذ الرأى بالطريقة السرية فقامت عاصفة من المقاطعة وتتابع المعترضون على الفصل حتي بلغوا 28 عضوا؛

وكان عدد الحاضرين عند التصويت فى تلك الساعة المتأخرة من الليل ستين عضوا ومنهم أعضاء مكتب الإرشاد ولجنة العضوية وعددهم تسعة عشر وقد لاحظ الدكتور كمال خليفة أن هؤلاء يجب إسقاطهم فلم يسمع له أحد فدعا إلى أخذ الرأي بالطريقة السليمة وهى أن يقف الموافقون على قرار الفصل .

ولكن الهضيبي لم يوافق اكتفاء بما جري من تصويت وتقول " الدعوة " أن الواقفين حول المرشد تعالت أصواتهم بأنهم أخذوا السماء الذين عارضوا قرار الفصل وأن كل من يظهر عطفا على المفصولين سيحال إلى لجنة العضوية والتحقيق ويؤخذ بمنتهي الشدة.

على كل حال فبعد هذا الانتصار الكبير لجناح الهضيبي بفضل عبد الرحمن السندي ورفاقه أولا وبفصل صالح عشماوي ورفيقيه ثانيا أخذ يمارس سيطرته على التنظيم السري فأقام جهاز إشراف على التنظيم مكونا من " إبراهيم الطيب مسئولا عن القاهرة وأحمد حسنين مسئولا عن الأقاليم وبقي صلاح شادي مسئولا عن البوليس وأبو المكارم عبد الحي مسئولا عن الجيش وأما الهيئة العليا القديمة التى كانت تشرف على الجهاز فاستبدل بها" "اللجنة العليا للجهاد " التي تمثل السلطة العليا للتنظيم؛

وكانت تتكون من الشيخ محمد فرغلي ومحمود عبده وصلاح شادي وأبو المكارم عبد الحي والدكتور محمد خميس حميدة ويوسف طلعت وعبد المنعم عبد الرؤوف وكان صالح أبو رقيق ومنير دلة والدكتور حسين كمال الدين من أعضاء مكتب الإرشاد الذين لهم صلة بالجهاز .

ولم يلبث المسرح السياسي أن أخذ يتهيأ لصدام خطير بين الثورة والإخوان فلم يعد فى وسع عبد الناصر بعد انتصار الهضيبي أن ينتظر حتي يعيد تنظيم جهازه السري ليضرب به الثورة .

ويقول حسن العشماوي أن عبد الناصر قد صارحه أكثر بعزمه على حل الإخوان وأنه " يحس من الإخوان بجفوة نحوه ونحو سياسته "" دعاني أكثر من مرة إلى التعاون معه بعيدا عن نطاق الجماعة فلم يجد مني قبولا وكانت أحاديث طويلة وقف كل منا فيها موقفه ولم يبد أى تقارب بيننا"

وفى ذلك الحين كانت ظروف الصراع بين عبد الناصر ومحمد نجيب تقرب بين الأخير وبين الإخوان تطبيقا لما رواه الصاغ حسين محمد حمودة وهو من ضباط الإخوان الذين كلفوا بتكوين شعب فى القوات المسلحة؛

ففي أواخر ديسمبر 1953 أو أوائل يناير 1954 استدعي لاجتماع عقده المرشد الهضيبي فى أحد بيوت الإخوان وحضره كل من الصاغ صلاح شادي وخليل نور الدين والدكتور غراب؛

وأبلغ الهضيبي الحاشرين أن اللواء نجيب اتصل به عنر طريق كل من محمد رياض ياروه الخاص, وحسن العشماوي عن الإخوان وأن اللواء نجيب قد أفهمه أنه " مطرشق" من أعضاء مجلس قيادة الثورة بسبب الحكم الدكتاتوري فى البلاد وأنه يرغب فى إقامة حكم نيابي دستوري حسب رغبة الهيئات الشعبية ومنها الإخوان .

وأنه يريد " الاستعانة بالأستاذ الهضيبي وجماعة الإخوان المسلمين لعمل أى ترتيب للتخلص من هذا العهد" ثم قال الهضيبي:

" وأنا جبتكم باعتبار أنكم ضباط فى الجيش ومن الإخوان لأن أبو المكارم كان فى المستشفي والصاغ صلاح شادي مسئول عن البوليس ويوسف طلعت مسئول عن المدنيين وأنا ما أدخل شفى التفصيلات والمسائل دي عليكم بحثها وابقوا بلغوني بالنتيجة".

وقد اجتمع حسين حمودة مع أبو المكارم وخليل نور وصلاح شادي ويوسف طلعت فى بيت أبو المكارم لبحث الموضوع ولكن يوسف طلعت أبدي رأيه بتعذر عمل فى ذلك الظروف .

نظرا لأن عبد الرحمن السندي كان معاكسا فى تسليم الناس ويشرع فى تعبئة ناس تانيين وأنه لا يمكن عمل إجراء إلا بعد سنة حيث يتوقع أن يكون لديه عشرة آلاف من الإخوان كذلك ذكر صلاح شادي أن كل من عنده من الضباط هم تسعة عشر ضابط بوليس وبعضهم متفرق فى المديريات ويتعذر عمل شئ .

وبالنسبة للجيش قيل أن عدد الضباط فى الجيش قليل وفى الوقت نفسه " ما نقدرش نفاتح كل واحد لأن دي مسائل عايزة ثقة" . وعلى ذلك أسفر الاجتماع عن قرار بتعذر اتخاذ أى إجراء فى هذا الشأن .

وقد أورد اللواء محمد نجيب فى مذكراته مزيدا من التفصيلات عن هذه الاتصالات وأن ذكر أن الإخوان هم الذين حاولوا الاتصال به عن طريق محمد رياض الذي اتصل به حسن العشماوي ومنير دله فى ديسمبر 1953 وطلبا إليه تدبير مقابلة سرية مع محمد نجيب لكن محمد نجيب رفض المقابلة السرية واقترح مقابلة علنية فى منزله أو مكتبه فاعتذروا عن ذلك وطلبوا تفويض مندوب عنه لمفاوضتهم فعين محمد رياض الذى اجتمع بحسن العشماوي ومنير دله عدة مرات .

وكانت شروط محمد نجيب للتعاون تتلخص فى إنهاء الحكم العسكري وعودة الجيش إلى ثكناته وإقامة الحياة الديمقراطية البرلمانية وعودة الأحزاب وإلغاء الرقابة على الصحف .

ولكن الإخوان رفضوا ذلك وطالبوا ببقاء الحكم العسكري القائم وعارضوا إلغاء الأحكام العرفية وطالبوا باستمرار الأوضاع كما هي على أن ينفرد محمد نجيب بالحكم ويتم إقصاء عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة وأن تشكل حكومة مدنية لا يشترك فيها الإخوان ولكن يتم تأليفها بموافقتهم .

وأن يعين رشاد مهنا قائدا عاما للقوات المسلحة وأن تشكل لجنة سرية استشارية يشترك فيها بعض العسكريين الموالين لمحمد نجيب وعدد مساو من الإخوان المسلمين وتعرض على اللجنة القوانين قبل إقرارها كما يعرض عليها السياسة الرئيسية للدولة وكذلك يعرض عليها أسماء المرشحين للمناصب الكبري

ويقول محمد نجيب أنه رفض هذه الاقتراحات جميعها لأنها حسب قوله تؤدي إلى سيطرة الإخوان المسلمين على الحكم دون أن يتحملوا المسئولية وانتهت هذه المفاوضات بالفشل .

ونلاحظ أن رواية محمد نجيب تتفق تماما مع ما نعلمه عن سياسة الإخوان التى جري شرحها فيما سلف والتي تقوم على معاداة عودة الوفد وإيثار قيام دكتاتورية عادلة نظيفة أى لحسابها وعدم المشاركة فى الحكم علنا وإيثار التحكم فيه من وراء ستار تحاشيا للمسئولية.

إلى كل حال ففي تلك الظروف التي جرت فيها اتصالات محمد نجيب بالإخوان أبلغت المخابرات المصرية بعودة الاتصالات بين الإخوان والإنجليز استنادا إل رؤية سيارة أوستن أمام منزل المستر كرزويل المفوض البريطاني ببولاق الدكرور .

مرتي فى يوم 10 يناير 1954 وكان حسن العشماوي يملك مثل هذه السيارة وسواء أكان صحيحا هذا الاستنتاج من جانب المخابرات المصرية أم أن الصحيح هو رواية الإخوان عن أن هذه السيارة قد ثبت فيما بعد أنها لسكرتيرة المستر كرزويل!

فقد حسمت هذه المسألة الأمر فبعد ثلاثة أيام فقط أى فى يوم 14 يناير 1954 صدر قرار مجلس قيادة الثورة باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حزبا سياسيا يطبق عليها أمر مجلس قيادة الثورة الخاص بحل الأحزاب السياسية؛

وفى اليوم السابق 13 يناير كانت السيارات تقطع شوارع القاهرة تجمع الإخوان من بيوتهم وكانت القطارات قادمة من الأقاليم تحمل المعتقلين من الإخوان .

وهكذا وكما دفع الإخوان فى 8 ديسمبر 1948 ثمن مساندتهم لدكتاتورية القصر دفعوا فى 14 يناير 1954 ثمن مساندتهم لدكتاتورية الثورة أنهم لم يتعلموا أن الأطباء التى ترتكب فى حق الديمقراطية تنتقم من فاعليه ؟.

الفصل السابع:الإخوان بين أزمتي فبراير ومارس 1954

أصبح الإخوان المسلمون فى السجون مرة أخري بعد خمس سنوات من حل جماعتهم الأول فى عام 1948 . ولكن الانفجار الذى وقع فى مجلس قيادة الثورة بين اللواء محمد نجيب والضباط الصغار وعلى رأسهم عبد الناصر أتاح لهم الفرصة ليلعبوا دورا جديدا.

ففي يوم 23 فبراير كانت سلسلة التجاهلات والتحديات من جانب مجلس الثورة للواء محمد نجيب قد بلغت درجة من الإثارة دفعت اللواء إلى تقديم استقالته ورج من مقر القيادة تاركا الضباط يواجهون أخطر أزمة تهدد الثورة؛

وانقسم الرأي فى المجلس إلى قسمين: فينما رأى البعض قبول الاستقالة رأى البعض الآخر الإقالة وإعلان ذلك على الناس . وتغلب الرأى الأول وقرر المجلس تعيين جمال عبد الناصر رئيسا لمجلس الوزراء ورئيسا لمجلس قيادة الثورة .

ولكن الموقف انفجر فى سلاح الفرسان عندما وصل إليهم نبأ تنحيه محمد نجيب وأصر الضباط على عودة محمد نجيب بلا سلطة كرئيس لجمهورية برلمانية .

واضطر عبد الناصر إلى الإذعان وأوصي مجلس قيادة الثورة بإسناد الوزارة إلى خالد محيي الدين وتوجه الأخير إلى اللواء فى وفد بتكليف من مجلس الثورة واستطاع الحصول على موافقته على العودة على هذا الأساس .

ولكن نبأ تصفية الثورة صدم ضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار فى الأسلحة الأخرى الذين تمتعوا بالسلطة وخشوا أن تفلت منهم مع انتصار محمد نجيب وأعطي إسناد الوزارة إلى خالد محيي الدين المعروف بميوله الماركسية انطباعا بأن سلاح الفرسان قد دبر انقلابا شيوعيا فأخذت أعداد هؤلاء الضباط تتوافد على مبني القيادة بكوبري القبة ليعلنوا تشبثهم بالثورة

واتخذ الأمر شكل مواجهة حادة بين سلاح الفرسان من جانب وبقية الأسلحة الأخرى من جانب آخر وانقلبت كفة الميزان مرة أخري لصالح الدكتاتورية وواجه خالد محيي الدين ومحمد نجيب الاعتداء والاعتقال.

على أن الجماهير التي خاب أملها فى الثورة وثار سخطها ومرارتها لحكمها الدكتاتوري تحركت فى هذه اللحظات الحرجة لتقلب الموقف مرة أخري فى اتجاه الديمقراطية .

ففي الوقت الذى كان مجلس قيادة الثورة يناقش مصير اللواء محمد نجيب وخالد محيي الدين كانت جموع هائلة تتحرك من قواعد الإخوان المسلمين والوفد والحزب الاشتراكي تطالب محمد نجيب أو الثورة إلى السجن يا جمال إلى السجن يا صلاح (سالم).

ولقد كانت هذه المظاهرات هى التى رآها صلاح سالم وهو يتوجه إلى بيت أحد أصدقائه ليستريح عنده بض ساعات تهيئا للعودة إلى مجلس الثورة لاتخاذ قرار فى شأن محمد نجيب فعاد بسرعة إلى عبد الناصر الذى كان قد حصل على تفويض من زملائه بإتخاذا أى قرار قد تقتضيه الظروف أثناء غيابهم وأبلغه بالحشود اتى رآها فى ميدان عابدين وابدي رأيه بضرورة عودة محمد نجيب .

فلم حير عبد الناصر جوابا . وعندئذ قام صلاح سالم بوصفه وزيرا 1954 يعلن فيها عودة محمد نجيب وفى اليوم التالي 28 فبراير خرجت مظاهرات الابتهاج إلى عابدين تطالب محمد نجيب بالإفراج عن المعتقلين ولكنها اصطدمت اصطداما دمويا بالبوليس عند كوبري قصر النيل واضطر محمد نجيب إلى الاستعانة بعبد القادر عودة لتهدئة الجو وصرف المتظاهرين وأى دور لعبته قواعدهم ؟.

بالنسبة لقيادات الإخوان السياسية وحتى نفهم حقيقة الدور الذي لعبوه ينبغي أن نعرف هذه الحقيقة هى أن الثورة على الرغم من قيامها بحل الإخوان فى يوم 14 يناير 1954؛

إلا أن أملها فيهم لم ينقطع تماما . كما أن أمل الإخوان فى الثورة لم ينقطع . لقد كان يجمع بين الفريقين عامل هام مشترك هو العداء للديمقراطية والأحزاب الليبرالية والشيوعية .

وهى نفس العوامل التى كانت تجمع بينهم وبين فاروق قبل الثورة فضلا عن الخلافات التى وقعت بينهم وبين الثورة كانت من نوع الخلافات التي وقعت بينهم بين حكومة السعديين والقصر فى عام 1948 أى الخلافات بين الحليفين حين يحس أحدهما بأن قوة الآخر قد استفحلت إلى حد بات يهدده بالخطر ولكن كلا منهما كان يحس بحاجته إلى الآخر لأنه ليس له حليف سواه .

هذا يفسر الموقف الذى وقفه عبد الناصر من الجماعة بعد إعلان حلها : فلم يعمل على تصفيتها وإنما استمرت مجلة الدعوة فى الظهور ولم يعتقل من الإخوان سوي 450 فقط أفرج عن 20 منهم فى الحال .

وأما المسجونون فلم يتعرضوا للتنكيل الذي عرف به عهد عبد الناصر فيما بعد وعلى حد قول حسن العشماوي:" مرت الأيام ولا أحد يسأل عنا ولا أحد يحقق معنا ولا يعكر صفونا شئ إلا الشعور بأننا سجناء .

وأخذت اتجاهات عبد الناصر إزاء الجماعة تتكشف مع الوقت . فقد تركزت الحملة الصحفية التى أوعزت بها الحكومة على الهضيبي وأنصاره وأطهاره فى مظهر الخلف السئ لسف صالح .

واتضح الغرض جليا حين انتهز عبد الناصر فرصة الذكري الخامسة لاستشهاد البنا فى 12 فبراير 1954:" أشهد الله أني أعمل وكنت أعمل لتنفيذ هذه المبادئ وأفني فيها وأجاهد فى سبيلها ".

وقد كان معني ذلك بوضوح أن عبد الناصر كان يستهدف بالحل إسقاط مجموعة الهضيبي المناهضة للثورة وبين عبد الناصر لإعادة الجماعة من جديد واشترط عبد الناصر ثلاثة شروط:

  1. الابتعاد عن النشاط السياسي .
  2. إيقاف نشاط الإخوان داخل صفوف الجيش البوليس .
  3. حل التنظيم السري.

وقد كان عبد القادر عودة على استعداد للتفريط فى التنظيم السري ولكنه لم يكن على استعداد للتفريط فى الناشط السياسي. ويفهم مما ذكره أمام محكمة الشعب أنه كان يسمي لإقناع عبد الناصر بإبقاء هذا النشاط لصالح الثورة

وأن محاولة تصفية هذا النشاط لن تكون مجدية ولذلك كان من رأيه حسب قوله التعجيل بعودة الجماعة " ليمكن توجيه الإخوان والاتصال بهم لأن عدم الاتصال بهم قد يجعل الإشاعات توجههم توجيها غير سليم "

ثم يقول:

" وقد تكلمت معه فى هذا آخر مرة يوم أن على قبر الشيخ حسن البنا والرئيس جمال عبد الناصر قال لى أنه مسافر برج العرب بكرة .
فاتصلوا بالصاغ صلاح سالم واللي تتفقوا عليه أنتم الاثنين أنا أمشيه لكم فتقابلت معه فى وزارة الإرشاد وأبديت له الحجة فى إعادة الجماعة والسماح لى بالاتصال وعقد الاجتماعات العامة فوافق على فكرتي من الناحية المنطقية
وقال:أنا حأثير هذه المسألة فى مجلس الثورة فى الاجتماع المقبل ولكن لا أضمن أن يأخذ الأغلبية وفعلا اتصلن ببعض حضرات الأعضاء الذين يمكنني أن أتصل بهم وكان من الذين اتصلت بهم اللواء محمد نجيب .
فطلبت مقابلته فى ديوان رئيس الوزراء فقال: مافيش مانع عندي من إعادة الجماعة بس بشرط ألا يكون الهضيبي على رأسها فقلت: أرجو أن يكون هذا شرطا تتركوه لنا ونحن قادرون على تحقيقه فيما بعد "

يتضح من ذلك أن الاتفاق كان وشيكا بين الإخوان وعبد الناصر لولا الانفجار داخل مجلس قيادة الثورة بين محمد نجيب والضباط الصغار الذي فجر الشعور العام المضغوط دفع الجماهير إلى الشوارع يوم 27 فبراير غاضبة مطالبة بسقوط الدكتاتورية .

فهل كان لقيادات الإخوان دور فى تدبير هذه المظاهرات ؟. إن العرض السابق للمفاوضات بين عبد القادر عودة وعبد الناصر يستبعد عبد القادر والقيادات السياسية للإخوان من تدبير هذه المظاهرات . وفى الحقيقة أن الاتصالات بين الطرفين ظلت قائمة إلى يوم 27 فبراير.

فيذكر عبد القادر عودة أنه فى عصر يوم 27 فبراير علم من اليوزباشي محمد نصير بما حدث فى مجلس الثورة

" فاتصلت بجمال عبد الناصر فى بيته فقال: أحنا قدمنا استقالة والوزارة استقالت وعلمت من محرر فى المصري أن الإنجليز عند الكيلو 55 وأن الرئيس محمد نجيب بيعمل مشاورات علشان الحالة وقال لى:تروح دلوقت ربما يحتاج إليكم فى حاجة ".

وفى يوم 28 فبراير كان عندي قضية فى مجلس الدولة وخلصت منها ورحت المكتب فجاني واحد وقال إن فيه مظاهرة فى عابدين وأن التظاهرين أطلقوا النار فى قصر النيل وأن الإخوان عاملين هيصة .

فقلت له:روح شوف المسئول من الإخوان وخلوه يصرفهم فقابل شخص اسمه كمال السنانيري ولكن الإخوان مارضيوش ينصرفوا . فاتصل بى وقال لى:إعمل معروف تعال اصرفهم وذهبت لفض المظاهرة فوجدتهم يقولون إن اللواء محمد نجيب سيتكلم إليه .

وإذا كانت القيادات السياسية مستبعدة من تدبير هذه المظاهرات فهل قام التنظيم السري بتدبيرها؟ فى الواقع أن التنظيم السري كان له من الأسباب ما يدفعه للعمل ضد الثورة .

فقد كان حله مطلبا من المطالب الأساسية لعبد الناصر كما رأينا لإعادة الجماعة إلى الشرعية ومن الثابت من مذكرات عبد اللطيف البغدادي أن معلومات كانت قد وصلت إلى علم مجلس الثورة تتصل دون ريب بمظاهرات يوم 28 فبراير وليس بمظاهرات اليوم السابق التي فاجأت مجلي قيادة الثورة كما ذكرنا

وأجبرته على إعلان عودة محمد نجيب ,ونحن نري أن التنظيم السري كان له دور فى هذه المظاهرات الأخيرة دون ريب فإن كمال السنانيري الذي أشار إليه عبد القادر عودة فى كلمته السابقة كان رئيس فصيلة فى التنظيم السري .

ولكن كان غير مستبعد. فمن الثابت أن عبد القادر عوده لم يكن له صلة بهذا التنظيم وكان من أنصار فكرة حله . على أساس أنه يؤدي إلى وجود قيادتين فى الجماعة .

وفى هذه الحالة يكون الجهاز أو من بقي خارج السجن من أفراد الجهاز قد انصرفوا على مسئوليتهم الخاصة دون أوامر من عبد القادر عودة الذي كان يشرف وقتها على الجماعة بدلا من الهضيبي.

وأغلب الظن أن مظاهرات 27 فبراير كانت بوحي القواعد الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين والوفد وبعض أجنحة من الحزب الاشتراكي وهي نفس العناصر التي اشتركت فى مظاهرات اليوم التالي ابتهاجا بانتصارها وعودة محمد نجيب بالنسب الآتية التى تمثلها أعداد المقبوض عليهم وهي : 45 من الإخوان المسلمين و20 من الحزب الاشتراكي المنحل و5 من الوفديين و42 آخرين طبقا لما أعلنته البيانات الرسمية .

على أنه منذ يوم 28 فبراير يبدأ دور جديد لعبد القادر عودة فقد توجه إلى المظاهر التي يزخر بها ميدان عابدين لفضها بناء على استدعاء كمال السنانيري ولكن وجوده وسط الجماهير أشعل حماسها كما أن حماس المتظاهرين أشعل حماسه فإذا به فوق أكتاف الجماهير !.

وقد كان هذا هو الوضع الذي وجده عليه محمد نجيب حين خرج إلى شرفة القصر فكتب فى مذكراته يقول:

" كانت هتافات الاحتجاج على الأعداء تتصاعد فطلبت من عبد القادر عودة أحد أقطاب الإخوان والذى كان محمولا على الأكتاف أن يصعد إلى الشرفة وقد ساعد ذلك فى تهدئة الجو وانصراف المتظاهرين بعد أن أخبرتهم بأني أمرت النيابة بالتحقيق فى الحوادث التي وقعت .
ولكن أثناء محاكمة عبد القادر عودة أمام محكمة الشعب تكشف النيابة عن الخطبة التى ألقاها عبد القادر عودة فى المتظاهرين من شرفة القصر فيذكر أنه خطب فى الجماهير قائلا :" حدث اليوم أن أطلق الرصاص على طلبة الجامعة وهو مظهر من مظاهر الدكتاتورية أن الإسلام وراء القضبان وأن المسلمين معتقلين ومسجونين فأفرجوا عنهم ".

وتثير هذه العبارة أشجان رئيس المحكمة جمال سالم . فيخاطب النيابة قائلا :" أنا حافظها من يوم 28 فبراير حافظها وموش مضطر إني أسمع كلامه !".

على هذا النحو وبفضل الروح الثورية التى انتقلت من الجماهير إلى عبد القادر عودة انتقل فجأة من موقع التعاون مع عبد الناصر إلى موقع التأييد لمحمد نجيب

ويقول عبد اللطيف البغداي:

" علمنا ونحن فى اجتماع مجلس الوزراء بأن عبد القادر عودة وهو أحد زعماء الإخوان المسلمين كان يخطب أيضا فى تلك الجماهير هو ومحمد مالك من الإخوان كذلك .
وكانا يهاجمان جمال عبد الناصر فى خطابيهما وكان على عبد القادر عودة أن يدفع الثمن غالبا ففي مساء اليوم نفسه أعتقل ومعه خمسة وأربعون من الإخوان المسلمين ووقفوا على أرجلهم فى السجن الحربي من الرابعة صباحا حتي السابعة يضربهم ضباط السجن وعساكره فى وحشية .

الإخوان وأحداث مارس 1954

على كل حال فقد أصبحت معظم قيادات الإخوان الآن داخل السجون وبذلك انعزلت عن الأحداث التالية التى وقعت فى مارس ولم تشارك فى النضال التاريخي الذي خاضته القوي الديمقراطية والتقدمية ضد الدكتاتورية .

وفى يوم 25 مارس كان هذا النضال الشعبي قد أجبر مجلس قيادة الثورة على اتخاذ قراراته المشهورة بالسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية انتخابا مباشرا حرا تكون لها السيادة الكاملة والسلطة الكاملة؛

وتكون لها سلطة البرلمان كاملة وتكون الانتخابات حرة وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو 1954 باعتبار الثورة قد انتهت وتسلم البلاد لممثلي الأمة وتنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها .

وعندئذ تهيأت الفرصة للإخوان للانضمام بكل قوتهم إلى الجماهير الديمقراطية والإجهاز على الدكتاتورية فقد جري التسابق بين عبد الناصر ومحمد نجيب على كسب تأييدهم وطبقا لم أورده صالح أبو رقيق فإن عبد الناصر أرسل إليهم فى السجن الحربي وفدا مكونا من الأستاذ محمد أحمد والمرحوم فؤاد جلال .

الذي ولي وزارة الشئون الاجتماعية فى حكومة محمد نجيب وبعدها وزارة الإرشاد القومي فى تعديل 9 ديسمبر 1952 والمرحوم "محيي الدين أبو العز " للتفاهم معنا على تعاون بيننا وبينه من أجل الصالح الوطني؛

وقلنا لهم:

"كيف ذلك وقد أصدرت الحكومة بيانا تتهمنا بمؤامرة وباتصالات كاذبة وبحيازة أسلحة للتآمر بعزبة حسن العشماوي مع أنها أسلحة عبد الناصر نقلناها بطلب منه من مكاتب فى الثكنات لرفع الحرج عنه ووضعناها فى عزبة حسن العشماوي بعلم وبرأي منه فكيف نخرج فى ظل اتهامات الحكومة أدري الناس ببطلانها وكذبها ؟.

وعرض الأستاذ محمد أحمد الأمر على عبد الناصر فاقترح أن يزور المرشد فى بيته ومعه كل الإخوة الذين جاء ذكرهم فى بيانات الحكومة وذلك بمجرد خروج المرشد فورا إلى بيته وحرصا على المصلحة قلنا :" لا مانع نتهم بالأمس بالخيانة ونطالب اليوم بمد أيدينا تعاونا وباسم المصلحة العامة "

وفعلا وصل السيد جمال عبد الناصر ومعه السيد صلاح سالم إلى بيت المرشد بعد خروجه من المعتقل ونقلت الإذاعة والصحف أخبار هذه الجلسة"

يتضح من ذلك أن شروط الإخوان كانت قاصرة على إطلاق الحرية لهم ورد اعتبارهم دون أية شروط أخري تتصل بعودة الديمقراطية وقد أوردت جريدة المصري أسس الاتفاق الذي تم بين الإخوان وعبد الناصر فى السجن الحربي بما لا يخرج كثيرا عما ذكره صالح أبو رقيق

وهي:

  1. تعود الجماعة إلى سابق نشاطها وكيانها بدون أى حد من حريتها إعادة أموالها المصادرة وشعبها ومركزها العام .
  2. الإفراج فورا عن جميع المعتقلين من الإخوان المسلمين مدنيين وعسكريين مع إعادة من فصل منهم إلى الخدمة العسكرية .
  3. أن يصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يوضح فيه حقيقة الأسباب التى أ‘تبرها داعية إلى حل الإخوان ويكون هذا البيان نهاية فصل الختام فى هذه المسألة المؤسفة .

وقد سارع عبد الناصر لبعد الإفراج عن الهضيبي إل زيارته بمنزله بعد منتصف الليل وصرح الهضيبي بأن الإخوان المسلمين سيكونون " عونا للحكومة " على الإنجليز ورد إعتداءتهم .

على هذا النحو يكون عبد الناصر قد سبق اللواء محمد نجيب إلى الإخوان وقد أدرك الأخير هذه الحقيقة حين أراد الاتصال تليفونيا بحسن الهضيبي فى بيته فقيل له أنه " فى الحمام"

وكان يتوقع أن يرد الهضيبي على اتصاله ليشكره على سؤاله عنه:

"هنا وضح لى تماما أن جمال عبد الناصر قد اختار فى هذه المرحلة أن يمضي فى طريق الإخوان المسلمين وأنه اشتري صمتهم بإعادة جماعتهم وقد أغراهم ذلك على التهادن كفرصة انتهازية للقضاء تماما على فككرة عودة الأحزاب الحياة البرلمانية ثم الانفراد بالسلطة وهم لا يدرون أن هذه المهادنة كانت موقفا تكتيكيا لضمان سكوتهم فى محاولة القضاء على الديمقراطية وعلى شخصيا ثم تعد خطة جديدة للانقضاض عليهم بعد ذلك.
على أن محمد نجيب لم ييأس فقد عاود الاتصال مرة أخري تحت تأثير قائد حرسه محمد رياض .ويقول :
" اقترح محمد رياض الاتصال بالإخوان المسلمين الذين وقفوا بجانبي عند استقالتي فحذرته من ذلك لفقداني الثقة فى اتجاه بعض زعماء الإخوان ومعارضتهم قيام الأحزاب والحياة البرلمانية.
وعاد إلى محمد رياض فى اليوم التالي يبلغني أنه أرسل رسولا إلى حسن الهضيبي هو رياض سامي الذي أصبح بعد ذلك سفيرا لمصر فى إحدي الدول الإفريقية يستفسر عن حقيقة موقف جماعة الإخوان وقال حسن الهضيبي أنهم لم يتدبروا أمرهم بعد أنهم يفضلون الانتظار والهدوء حتي يتم الإفراج عن كافة المعتقلين ".

وواضح أن الإخوان فى هذا الموقف كانوا يراهنون على حصانهم المفضل وهو الدكتاتورية مدفوعين فى ذلك بكراهيتهم للوفد والحياة الليبرالية ولم يخف الهضيبي ذلك بل أعلنه بصراحة تامة فى المؤتمر الكبير الذى عقدته الجماع عقب الإفراج يوم 30 مارس 1954

قائلا:

" لقد ظهر رأى ينادي بعودة الأحزاب القديمة إلى الوجود مرة أخري وأني لفي عجب شديد من هذه الجرأة وهذا المنطق وأن الأحزاب والهيئات النيابية السابقة عانت منها الدولة أشد العناء فقد كان والدهم الفساد والمحسوبية وتفشي فيهم حب الذات
فلم يكن عملهم لوجه الله ولكن كان عملا لوجه الشيطان أفهم أن شخصا ينادي بعودة الحياة النيابية ولكن لا ينادي بعودة الأحزاب القديمة كى تباشر مهامها فنحن إذ نطالب بالحياة النيابية فإنما نطالب بحياة نيابية نظيفة سليمة مكفولة فى ظلها حرية الصحافة وحرية الاجتماع وحرية القول ".

ولم يتمكن أحد فى ذلك الحين من أن يسأل الهضيبي هذا السؤال كيف يمكن بناء حياة نيابية نظيفة سليمة إذا كان الحكم على الأحزاب القديمة ينزع من يد الشعب ويوضع فى يد هيئة مخاصمة لها مثل جماعة الإخوان؟.

وإذا كان فى وسع هيئة حزبية مثل الإخوان سلب هذا الحق من الشعب وفرض وصاية عليه بالتحالف مع العناصر الدكتاتورية فى ثورة 23 يوليو ألا تكون تلك هى الدكتاتورية الطاغية الباغية الشريرة التى تحدث عنها سيد قطب ونسبها إلى فاروق ؟.

وإذا كان السجن الحربي الذى عاش فيه الإخوان شهرين كاملين لم ينزع أوهام قيادات الإخوان فى إمكان قيام دكتاتورية عادلة نظيفة تحت اسم حياة نيابية نظيفة فهل يلومون إلا أنفسهم إذا قدر عليهم أن يدخلوا السجن بعد عدة أشهر لسنوات أطول ؟.

الفصل الثامن:عودة الصراع بين الإخوان والثورة

انتهت أزمة مارس بسلسلة من الإضرابات والاعتصامات السلطوية المدبرة التي قامت بها الطبقة العاملة بالدرجة الأولي وخاضت غمارها كشريك لا أداة وانهال عبد الناصر بالقمع والتصفية على كافة القوي الديمقراطية التقدمية التى خاضت ضده غمار الصراع.

فضرب الصحافة باسم تطهير الصحافة وقام بحل مجلس نقابة الصحفيين بحجة أن سبعة من أعضائه البالغ عددهم اثني عشر عضوا تقاضوا مبالغ من المصروفات السرية فى العهد الملكي . ولم يذكر فى قرار الحل بطبيعة الحال لماذا ترك هؤلاء دون إجراء طوال الفترة السابقة منذ ثورة 23 يوليو!.

كما أصدر قرارا بحرمان السياسيين الوفديين والأحرار الدستوريين والسعديين الذين تولوا الوزارة فى السنوات العشر السابقة على الثورة من 6 فبراير 1942 إلى 23 يوليو 1952 من كافة الحقوق السياسية وتولي الوظائف العامة وتولي مجال إدارة النقابات والهيئات واستدار إلى الجامعة فنح سلطات للمسئولين فيها لضمان انتظام الدراسة فيها جري الفصل والتنكيل بأستاذة الجامعات الذين اشتركوا فى النضال من أجل الديمقراطية أثناء الأزمة .

وهكذا لم يبق فى الساحة السياسية سوي الإخوان المسلمين وطبقا لطبيعة الأشياء فى مثل هذه النظم الدكتاتورية فإن الصدام بين الطرفين كان مسألة وقت .

ويتضح من المعلومات التى بين أيدينا أن أول صدام بين الفريقين كان حول المعتقلين فقد ذكرنا أن النقطة الثانية من نقاط الاتفاق بين عبد الناصر والجماعة فى السجن الحربي كانت تتضمن " الإفراج فورا عن جميع المعتقلين من الإخوان المسلمين مدنيين وعسكريين مع إعادة من فصل منهم إلى الخدمة العسكرية "

وقد أفرج عبد الناصر عن الإخوان المدنيين أما العسكريين فقد ماطل فى الإفراج عنهم وكان على رأس هؤلاء رؤساء الجهاز السري الإخواني فى الجيش وهم: البكباشي أركان حرب أبو المكارم عبد الحي وقائد اللواء الجوي عبد المنعم عبد الرؤوف والصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ أركان حرب معروف الحضري .

وكان هؤلاء الضباط قد قبض عليهم فى أوائل مارس وكانت وجهة نظر الحكومة فى عدم تنفيذ هذا الشرط أن عدم محاكمة هؤلاء الضباط. وعودتهم إلى الخدمة العسكرية من نشأته أن يؤدي إلى إتاحة الفرصة لهم لإعادة التشكيلات فى الجيش؛

وكانت تعتبر الحاح الجماعة فى المطالبة بالإفراج عن هؤلاء الضباط وإعادتهم إلى وظائفهم العسكرية واعتبارها هذا الإجراء شرطا للتعاون بينها وبين الحكومة علامة على رغبتها فى تعزيز الجهاز السري وتقويته وقد ألغت الجماعة لجنة للالتقاء برجال الحكومة والتقاهم معهم على هذه المسائل ولكنها وجدت أعراضا .

ولم تلبث الثورة أن قدمت الضباط عبد المنعم عبد الرؤوف إلى المحاكمة وقد طلب من هيئة الحكمة العسكرية استدعاء محمد نجيب وعبد الناصر كشهود دفاع .

ولكن المحكمة رفضت طلبه فأعد خطة للهرب من سجنه ونفذها بنجاح ,قد قدر لهذا الضابط أن يلعب دورا هاما فى تطوير الجهاز السري مما سنتناوله فى حينه .

كانت المسألة الثانية التي وقع حولها الخلاف وأوجدت الشك فى نفوس الجماعة خاصة بالبند الثالث من بنود الاتفاق الذي تم فى السجن الحربي وهو الذي ينص على أن " يصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يوضح فيه حقيقة الأسباب التى اعتبرها داعية إلى حل الإخوان "

وكانت أهمية إصدار هذا البيان جسيمة للجماعة لأنه يعد بمثابة إعلان حسن نوايا من جانب عبد الناصر إذ يقطع عليه الطريق لضربة جديدة يوجهها للإخوان على نفس أسباب الحل القديمة وقد ماطل عبد الناصر فى إصدار هذا البيان مما كان يعني أنه يدخر الأسباب القديمة لضربة جديدة .

وكما هى العادة مثل هذه الظروف حين يتبين أجحد الشركاء فى النظام الدكتاتوري أنه لا يسير لصالحه فيتذكر على الفور مزايا الديمقراطية فإن المرشد العام حسن الهضيبي سارع فى يوم 4 مايو إلى إرسال خطاب إلى عبد الناصر بهذا المعني فقد أشار فيه أولا إلى أسس الاتفاق الذى تم بينهما على بدء عهد جديد من التعاون

" وقد سلمتم يومئذ بوجوب الغاء قرار حل جماعة الإخوان المسلمين وبالإفراج عن جميع المعتقلين وبرفع الأثر الذي ترتب على بيان الحل رفعا صريحا يغنينا عن التعرض لمناقشة البيان "

وقال:

" وبصرف النظر عن أن هذه المسائل الخاصة بالجماعة لم ينته الرأى فيها إلى ما اتفق عليه فإن مصلحة الوطن تقتضينا أن نبذل من رأينا فى مشاكله ما ري أنه يدعو إلى اطمئنان الناس ويحقق الاستمرار "

وطالب الهضيبي بثلاثة مطالب هي:

  1. إعادة الحياة النيابية باعتبار أنها " الأساس السليم لك حكم فى العصر الحاضر والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية فى فترة الانتقال وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل ".
  2. إلغاء الإجراءات الاستثنائية الأحكام العرفية .
  3. إطلاق الحريات وخصوصا حرية الصحافة وحريات المعتقلين وبعض المحكوم عليهم من المحاكم الاستثنائية وقد وجد هذا الخطاب طريقة إلى الشراع المصري فى شكل منشور مما كان يعني عودة الصراع العلني .

على أن عبد الناصر كان يواجه الإخوان بأنهم إذا كانوا مخلصين فى دعوتهم إلى الحكم الديمقراطي بل إن مطالبة الإخوان بالديمقراطية كانت محل سخرية واستنكار نظرا لأن نظامهم الداخلي كان يقوم على أسس دكتاتورية بحتة فقد كانت هيئتهم التأسيسية وهي برلمان الجماعة قائمة على التعيين وليس الانتخاب؛

وكان جزء من مكتب الإرشاد المنبثق من الهيئة التأسيسية بالتعيين وفى الوقت نفسه لم يكن رأيه ملزما للمرشد الذي كان فى إمكانه الأخذ به أو تركه كما كان فى إمكانه اتخاذ أى قرار دون الرجوع إلى مكتب الإرشاد وإذا كان الأمر كذلك فإن جماعة الإخوان آخر من يصلح للمطالبة بالديمقراطية فى رأي عبد الناصر .

ولم تلبث الخلافات التى دبت داخل الجماعة بالنسبة للموقف من الثورة وقسمتها إلى ثلاثة أقسام:

قسم على رأسه البهي الخولي ويري الاستمرار فى تأييد الثورة وقسم على رأسه الهضيبي ويري أنه لا يمكن التعاون مع الثورة ولن يمكن التوصل إلى تعاون معها .
وقسم ثالث يحاول التوفيق بين الاتجاهين وعلى رأسه محمد خميس حميدة وكيل الإخوان ويمكن القول أن الهضيبي كان قد فقد ثقته تماما فى الثورة بعد أن أخلف عبد الناصر وعوده التى قدمها له فى السجن الحربي فيما يختص بكل من الإفراج عن العسكريين وإصدار بيان يبري ساحة الإخوان من التهم التى تضمنها قرار الحل ولذا يذكر محمد خميس حميدة عنه أنه كان يري أنه " موش ممكن أن نصل إلى تفاهم " و" موش عاوز تعاون مع الحكومة"

وعندما اشتد الخلاف فى الجماعة رأى الهضيبي أن يقوم برحلة إلى البلاد العربية يفسح فيها السبيل لأنصار التفاهم مع الثورة .

وفى ذلك يقول:

"أنا رحت علشان قبل أن الإخوان عايزين يتفقوا مع الحكومة ويظن أني واقف عقبة فى سبيل الاتفاق . قلت لهم:أنا ماشي وأنتم تعرفوا شغلكم على أن الهضيبي يدعي أنه كان يري أنه " لا يجد سببا للخلاف مع الحكومة " وهو أمر غير معقول يتناقض مع قوله السابق فلو كان صحيحا أنه لم يجد سببا للخلاف مع الحكومة لما اعتبر بحال عقبة فى سبيل الاتفاق ولما وجد نفسه فى حاجة إلى السفر ليفسح الطريق للاتفاق .

على كل حال فإن سفر الهضيبي قد أفسح السبيل بالفعل لفريق محمد خميس حميدة للسعي إلى تفاهم مع الثورة وكان محمد خميس حميدة قد تولي الإشراف على الجماعة بعد سفر المرشد باعتباره وكيل الإخوان

ففي نفس الشهر الذى غادر فيه الهضيبي مصر يونيه 1954 توجه محمد خميس حميدة ومعه عبد الرحمن البنا لمقابلة عبد الناصر للتباحث معه فيما اسماه " الأمور المعلقة "

ويقصد بها قرار الحل ومشكلة ضباط الجيش والإفراج عنهم وضباط البوليس وعودتهم للخدمة وقد رد عبد الناصر بأنه لا يمكن إقامة حكومة ديمقراطية مع وجود أجهزة سرية ترهب المواطنين وترهب الحكومة وترهب الرياسات القائمة عليها؛

ومن ثم فلابد من حل هذه الأجهزة وإذا كان الإخوان يريدون إثبات حسن نيتهم فهذا يأتي على ثلاث خطوات:تهادن فتفاهم فتعاون ووعد بإرسال خطاب بإلغاء الحل والتصرف فى مسألة الضباط

ويقول محمد خميس حميدة:

" خرجنا من عند الرئيس باستعداد كامل بأن نسير بهذا الوضع تهادن فتفاهم ثم تعاون وبدأنا نخطو خطوات فى هذا السبيل وكانت فرصة أن المرشد غائب فى سوريا ".

على أنه فى يوم 27 يوليو وقع عبد الناصر ع الإنجليز بالأحرف الأولي المبادئ الرئيسية لاتفاقية الجلاء ولم يكن حتي ذلك الحين قد بر بوعده فى تنفيذ بنود اتفاق السجن الحربي فكانت تلك هى الفرصة التى سنحت للإخوان لتحويل الصراع بينهم وبينه إلى قضية وطنية فقد أعلن الهضيبي من سوريا رفضه للأسس التى بينت عليها الاتفاقية مؤكداأن

" أية اتفاقية بين مصر وحكومة أجنبية ينبغي أن تعرض على برلمان منتخب بإرادة حرة بحيث تمثل إرادة الشعب المصري وعلى صحافة متحررة من الرقابة وتملك حرية المناقشة ".

وقد نشرت جريدة الهدف البيروتية هذا التعليق يوم 31 يوليو 1954

وهكذا استعار الهضيبي تكتيك الوفد الفضالي الذي استخدمه عام 1930 لإيقاف مشروع محمد محمود هندرسون حين رفض النحاس إبداء رأيه فى المشروع " إلا تحت قبة البرلمان المنتخب انتخابا صحيحا ".

على أن الإخوان فى الحقيقة كانوا آخر من يدينون مثل هذه الاتفاقية بين عبد الناصر وانجلترا لأنه سبق لهم أن قبلوا الأسس التى قامت عليها أثناء مفاوضاتهم مع إيفانز ولذلك حين ركز الهضيبي هجومه بعد ذلك؛

على أن الاتفاقية قد أعطت للإنجليز حقا فى العودة إلى القناة واعترفت للإنجليز بقناة السويس كقاعدة عسكرية يديرها عسكريون فى شكل مدنيين وربطت مصر والدول العربية بالمعسكر الغربي اعتبر عبد الناصر هذا الهجوم عملا من أعمال التضليل للرأي العام وأخذ يتصرف على هاذ الأساس فأخذ فى مصادرة نشاط الجماعة بكل ألوانه؛

واعتقل خطباء المساجد الذين هاجموا الاتفاقية وجري تفتيش بيوت الإخوان وإعتقال بعضهم وبذلك دخلت العلاقة بين الفريقين فى شكل صدام يتربص فيه كل منهما بالآخر وبلغت الأمور ذروتها حين عاد الهضيبي من سوريا يوم 22 أغسطس وحضر اجتماعا غاضبا للإخوان فى لقاء الثلاثاء الأسبوعي

و ارتفعت فيه صيحات تنادي:

" الموت للخونة" وتلا ذلك مهاجمة بيت المرشد أثناء غيابه ثم اختفاؤه فى بيت بمصر الجديد كان قد سبقه إليه حسن العشماوي وبعض زملائه وعمد كثيرون آخرون من الإخوان إلى الاختفاء فى أماكن متفرقة ومنذ ذلك الحين انتقل نشاط الإخوان الرئيسي من العلانية إلى السرية وتحولت الجماعة إلى جهاز سري كبير.

الفصل التاسع:التشكيل الجديد للتنظيم السري

فى ذلك الحين كان التنظيم السري تحت قيادة يوسف طلعت قد تعرض لتغييرات وتطورات هامة وكان يوسف طلعت قبل توليه رئاسة الجهاز بعد من الأعضاء المعروفين من قديم عن الشيخ حسن البنا؛

وكان يتولي باعترافه رئاسة النظام السري فى الإسماعيلية كما كان على صلة وطيدة بالهضيبي على الرغم من أن الأخير قد أنكر أمام محكمة الشعب معرفته به؛

فقد سعي كما يقول محمد فرغلي لاختيار الهضيبي مرشدا وسافر إلى الإسكندرية أكثر من مرة لإقناعه بقبول المنصب كما سعي لدي كثير من الإخوان ليطلبوا ترشيحه لمنصب المرشد؛

مع ذلك عندما أراد الهضيبي تعيينه لرئاسة الجهاز السري استشار محمد فرغلي رئيس منطقة الإسماعيلية التى كان يوسف طلعت محمد خميس حميدة وكيل الإخوان فوافق على اعتبار أن يوسف طلعت " كان من اللي راحوا فلسطين ومعروف فى الإخوان ومعروف فى النظام (الخاص)

ومعني ذلك بوضوح أن مكتب الإرشاد لم يكن بعيد الصلة عن تعيين يوسف طلعت وإنما أخذ رأيه فى تعيينه وفى ذلك يقول الهضيبي:

" لما جبنا يوسف طلعت جبناه على اتفاق بيننا وبين مكتب الإرشاد "

على أن هذا الكلام لا يجب أن يكون معناه أن مكتب الإرشاد كان يملك الحق فى تعيين يوسف طلعت فقد كان تعيين رئيس الجهاز من حق المرشد وحده كما يقول محمد خميس حميدة وأغلب الظن أن ظروف فصل عبد الرحمن السندي ورفاقه فى أعقاب حادث مصرع المهندس السيد فايز

بما اقتضته من تدخل مكتب الإرشاد فى هذا الفصل باعتباره صاحب الحق فى ذلك نظرا لأن فصله كان من الجماعة بأسرها وليس من الجهاز السري وحده هي التي أتاحت لمكتب الإرشاد مناقشة موضوعات الجهاز السري وكان بعيد الصلة عنها فى أيام الشيخ حسن البنا ولا يعلم بتفاصيل هذا الجهاز كما يقول إبراهيم الطيب.

على كل حال فبتعيين يوسف طلعت رئيسا للنظام الخاص تكون الفرصة قد سنحت للهضيبي لتنفيذ سياسته فيما يتعلق بهذا النظام وهي أن يتحقق الغرض الذي أنشئ من أجله وهو " إعداد الفرد المسلم إعدادا صالحا للدفاع عن الوطن الإسلامي "

وفى ذلك يقول:

" اتفقنا على أنه لا يجوز البتة ارتكاب أى جريمة من الجرائم ولا عمل أى عمل إرهابي " وقد أكد يوسف طلعت هذا اللام فذكر أن الهضيبي بعد أن عينه رئيسا للجهاز قال له:" مش عايز روح العصابة تهمين على الأفراد والتزمت والسرية".

على أن المهمة لم تكن بهذه السهولة فقد كانت روح السندي تهمين على الجهاز وكان أنصاره يمثلون الأغلبية فيه وفى ذلك يقول يوسف طلعت:

" كان عندي أمل أني أرتفع بهذا الجهاز إلى المعني الإنساني الصحيح ولكني وجدت فيه "جو مش طعم" لقيت فيه عناصر مش من الإخوان المسلمين عناصر لم يتربوا على دعوة الإخوان .
وأنا أحب أسجل دي وأقول أنه دخل فى الجهاز السري ناس مش من الإخوان المسلمين ولما جيت استلم الجهاز ده مش كله سلم أو كل الناس اللي فيه سلمت نفسها ناس سلمت نفسها وناس لا وظلت بعيدة وتهدد بالالتزام بالنظام والتزام الوضع القديم".

بل لقد وصل إلى حد بعض أنصار السندي أخذوا يتربصون بيوسف طلعت ومنهم محمد على أحمد وأحمد عادل وكمال يحيي وآخرون وقد تربصوا به ليروا خطته هل سيحل الجهاز ويصفيه أم سيبقي عليه كثرات موروث من عهد الشيخ حسن البنا! حسب قولهم ويقول يوسف طلعت " كنت تسمع كلام أنت خاين ! أنت عايز تسرح الجهاز !"

وهذا يثير حقيقة هامة هى أنه كان من المتعذر بالفعل حل الجهاز السري أو تصفيته حتى لو أراد الهضيبي ذلك أو مكتب الإرشاد وهذا ما اعترف به الهضيبي فقد ذكر أنه حين عين يوسف طلعت رئيسا للجهاز

" جبناه على اتفاق أنه يسير بالنظام نحو التصفية ولكن التصفية ليس معناها أننا نيجي نقول حلينا النظام فهذا لا يؤدي بنا إلى حاجة ولكن قلنا إننا نوجه الإخوان الوجهة الصحيحة من جهة ومن جهة أخري نكثر من عدد الذين يدخلون فى النظام حتى نذهب عنه صفته السرية ".

وقد قرر هذه الحقيقة أيضا محمد فرغلي فعندما سئل عن أسباب صعوبة حل الجهاز قال :" الصعوبة أن الجهاز يشمل عددا كبيرا من الشبان المتحمسين فى الإخوان فحله يثيرهم على من قام بهذا الحل "!

وقد سأله الدفاع:

"هل يفهم من هذا أن طبيعة الأنظمة السرية هي التصدي لمن يتعرض لها و يخرج عليها" فرد قائلا:" أعتقد ذلك "

وكان مقتل المهندس سيد فايز على يد أنصار عبد الرحمن السندي فى ذاكرة أعضاء الجهاز الموالين للهضيبي ويوسف طلعت فعندما سئل محمود الحواتكي وهو مدرس كيمياء وكان رئيسا لفصيلة سرية بالجيزة عما إذا كان "يتوقع أشياء تهدده لو أنه خرج على النظام " أجاب قائلا " أشياء تهددني؟ لا!"

ولكن عندما سئل عما إذا كان مطمئنا إلى أن خروجه من الجماعة لن يؤثر عليه؟ أجاب قائلا:

" مسألة الاطمئنان لم تكن متوفرة لى مائة فى المائة لسبب هو أن هناك إشاعات تقول أنهم قتلوا سيد فايز لأنه كان يحارب جبهة معينة فى النظام فإذا كان الأمر كذلك فيجوز يوجد من يفعل هذه الفعلة !"

وقد حاول محمود الحواتكي أن يفسر مسألة إرهاب النظام للخارجين عليه تفسير نظريا فذكر أن هناك فرقا بين " جماعة المؤمنين " و" جماعة الإرشاد" فإذا كانت جماعة الإخوان مثل " جماعة المؤمنين" فإن الأمر الذي يصدر منها يصبح ملزما أما إذا كانت " جماعة إرشاد" فأمرها لا يكون ملزما .

وقال إن الخارج على " جماعة المؤمنين " جزاؤه القتل فى الإسلام ولكن الخارج على " جماعة الإرشاد" لا يقتل وقد ذكر أن هذا التفكير لم يكن واضحا لدي التنظيم السري القديم ولكنه أوضحه للتنظيم الجديد.

ومع أنه من الصحيح أن الجهاز السري الجديد فى عهد يوسف طلعت لم يتركب حوادث ضد الخارجين إلا أن الروح القديمة هى التي كانت متأصلة باعتراف يوسف طلعت ولذلك يذكر محمد خميس حميدة أنه عندما وقع الخلاف بعد ذلك بين مجموعة الهضيبي ومجموعة محمد خميس حميدة وصلت تهديدات من الجهاز السري لبعض المعارضين للهضيبي مثل السيد حلمي المنياوي والسيد عبده قاسم كما اتخذ الأمر صورة مراقبة على بيوت بعض أعضاء الجماعة .

على كل حال ففي تلك الظروف التى عين فيها يوسف طلعت رئيسا للتنظيم السري جري اتصال محمد رياض ياور محمد نجيب بحسن العشماوي فى أواخر ديسمبر 1953 أو أوائل يناير 1954 طلبا لتحالف بين محمد نجيب والإخوان وقد جمع الهضيبي قادة الجهاز كما ذكرنا.

وقد أعتذر يوسف طلعت وقتذاك " لأنه" وفقا لكلام الضابط حسين حمودة لسة مستلم الجهاز جديد وعبد الرحمن السندي معاكس فى تسلمي الناس " وأنه أى يوسف طلعت بيشرع فى تعبئة ناس ثانية من الدعوة العامة ولو انتظرتم على سنة حيبقي عندي عشرة آلاف من الإخوان ".

على أنه لم ينقضي أسبوعان على هذا الاجتماع حتي كان عبد الناصر ينزل ضربته بالإخوان بقرار الحل فى 14 يناير 1954 وقام بحملة اعتقالات واسعة النطاق شملت كثيرا من أعضاء كما قبض على البكباشي أبو المكارم عبد الحي والصاغ معروف الحضري وقائد اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف فى أوائل مارس .

وإزاء هذه المصيبة التى ألمت بالجماعة أخذت صفوفها تلتئم من جديد فنلاحظ أنه عندما خرج الهضيبي وعبد القادر عودة وعبد الحكيم عابدين وغيرهم من المعتقلين بالسجن الحربي يوم 25 مارس 1954 كان من بين الذين زاروا المرشد لتهنئته خصومه الذين طردهم من الجماعة؛

وهم: صالح عشماوي ومحمد الغزالي وعبد الرحمن السندي وأحمد زكي وأحمد عادل كمال ومحمود الصباغ وقد ذكرت الصحف أنهم زاروه مهنئين بالعودة ومجددين للبيعة"

ومع استئناف الجماعة نشاطها استأنفت أيضا إعادة تنظيم جهازها السري ولكن فى ظروف ملائمة هذه المرة لأن عبد الرحمن السندي وجماعته كانوا قد دخلوا فى مصالحة مع الهضيبي وبالتالي كفوا لحد ما عن مضايقاتهم ليوسف طلعت وتشير الأدلة إلى أن يوسف طلعت استأنف إعادة تنظيم جهازه السري فى أوائل أبريل أى غداة الخروج من المعتقل!

وهذا ما ذكره إبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة وأكبر معاوني يوسف طلعت فقد قال:

" الذى حدث أننا أخذنا فى دور الإعداد والتكوين من بعد مارس 1954 وظل هذا الإعداد من الناحية التنفيذية ومن ناحية تجميع الأفراد وإعدادهم الإعداد الثقافي والروحي " وحدد توقيت إعادة التنظيم بأنه كان فى " أوائل أبريل. وقد أكد يوسف طلعت هذا قائلا أن إعادة التنظيم كانت " بعد الإفراج على طول "

والسؤال المطروح:هل حل يوسف طلعت القديم وأقام تنظيما جديدا ؟. أن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تشتمل على أمرين:

الأول: التشكيلات والثاني الأفراد.
وبالنسبة للتشكيلات فإن التشكيل القديم للتنظيم السري كان يقوم على أساس الخمسات أى المجموعات التى تتكون من خمسة أفراد يرأسها واحد وتتدرج فى شكل هرمي بحيث يكون رؤساء الخمسات مجموعة أعلي يرأسها واحد يكون بدوره عضوا فى مجموعة أعللا يرأسها واحد حتي تصل إلى رئاسة عبد الرحمن السندي .

وبمعني آخر وإذا تناولنا النظام من أعلي إلى أسفل فإن عبد الرحمن السندي كان على رأس التنظيم يليه رؤساء هم:أحمد زكي وأحمد عادل ومحمود الصباغ ويلي هؤلاء رؤساء مناطق يليهم رؤساء آخرون وهكذا حتي يصل إلى الخلية الأولي؛

وكانت الشعبة المهمة بها عدة جماعات كما كان معظم النظام فى القاهرة وكان هناك فصل بين رؤساء الشعب ورؤساء النظام السري بمعني أن رؤساء الشعب لم يكن لهم اتصال تنظيمي برؤساء الجهاز الموجودين فى شعبهم .

ويرجع الفضل فى تغيير هذا التشكيل إلى الضابط عبد الرءوف وهو أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار الأوائل الذين فصلوا قبل 23 يوليو لإصراره على الولاء لجماعة الإخوان المسلمين؛

وكان عبد المنعم عبد الرؤوف قد تقلي محاكمة عسكرية كما ذكرنا طلب فيها الاستماع إلى شهادة محمد نجيب وعبد الناصر كهود دفاع وعندما رفض طلبه هرب من سجنه وتوجه إلى المركز العام للإخوان طالبا إخفاءه؛

وقد كلف إبراهيم الطيب بهذه المهمة فنقله إلى بيت أحمد عيد بشبرا حيث استقر عنده مدة طويلة ثم نقل إلى بيت هنداوي دوير فى إمبابة وانتقل بعد ذلك إلى بيت مصطفي الزرقاني فى إمبابة أيضا وفى تلك الأثناء كان يجتمع به يوسف طلعت وإبراهيم الطيب.

وفى فترة اختفاء عبد المنعم عبد الرؤوف وضع خطة التشكيل الجديد للجهاز السري على أساس أن ينقسم إلى سبعات بدلا من خمسات وكل سبعة منها يطلق عليها اسم مجموعة ويتكون من كل ثلاث مجموعات فصيلة يضاف إليها مجموعة خدمات فيصير مجموع الفصيلة ثمانية وعشرين فردا يضاف إليهم رئيس الفصيلة "رديفة" (وكيله) فيكون مجموع الفصيلة ثلاثين فردا .

وتتكون من هذه الفصائل " المنطقة" التي قد يمون بها فصيلة أو اثنان أو ثلاث ويكون رئيسها المباشر إذا كان فى المنطقة فصيلة واحد أو اثنان وهناك ضباط اتصال فنيون يتبعون رئاسة الجهاز السري ويكونون صلة بينها وبين رئيس المناطق وهو إبراهيم الطيب وبينه وبين رؤساء الفصائل .

وهذا بالإضافة إلى ضباط اتصال إداريين ويتكون من المناطق الأقسام القطرية الكبري فقد قسم القطر المصري إلى ثلاثة أقسام:القاهرة ويرأسها إبراهيم الطيب والأقاليم ويرأسها أحمد حسنين ثم الإسكندرية.

كان هذا التنظيم على نسق نظم الجيوش النظامية التى كانت تتكون من فصائل منها قائد وتتكون كل منها من مجموعات تتسلح بمختلف أنواع الأسلحة وقد قبله يوسف طلعت على الفور لأنه مع الرغبة فى فتح التنظيم وإزالة السرية التى كان يكفلها نظام الخمسات القديم وقد شرح يوسف طلعت هذه المسألة فقال:إن النظام القديم كان "واخذ شكل التزمت شكل السرية" .

وقد قال لى الأستاذ الهضيبي:

ما تزمتهاش أفتح العملية دي . فقابلني عبد المنعم عبد الرؤوف وعرض على نظام الفصائل فأنا رأيت أن هذا النظام يفتح الحكاية المقفولة يفتح العملية شوية والتزمت الموجود ينحل. بعد كدة قابلت إبراهيم الطيب وأحمد حسنين وقلت لهم الفكرة دى كويسة أننا نعمم هذا المعني ".

هذا التشكيل الجديد للنظام السري لم يلبث أن حدد مسألة الأفراد فحتي ذلك الحين كان هذا النظام مقصورا على أفراد التنظيم القدامي ولكن التشكيل الجديد فتح الباب لدخول أفراد جدد من أعضاء النظام العام وفى ذلك يقول يوسف طلعت: إنه عندما تحدث مع إبراهيم الطيب وأحمد حسنين فى الأخذ بالتشكيل الجديد قالا له:

" طيب دي تبقي على أد نظام الإخوان" أى فى نطاق أفراد النظام القائم ولكنه رد قائلا :" أبدأ موش لازم كل راجل مسلم وعنده استعداد للجهاد خلاص يخش جوة الفصائل دي "

ومعني ذلك أن النظام الجديد أخذ يتكون من أفراد النظام القديم ومن أفراد النظام العام وبطبيعة الحال فقد أختار يوسف طلعت من النظام القديم الأعضاء الذين كانوا على خلاف فقد اختار يوسف طلعت من النظام القديم الأعضاء الذين كانوا على خلاف مع عبد الرحمن السندي ومجموعته .

ولذلك حين سئل السيد حسين أبو سالم رئيس منطقة وسط القاهرة فى التنظيم الجديد ومن أعضاء التنظيم القديم عن أسباب اختياره رغم أنه من "أعضاء جهاز عبد الرحمن السندي" رد قائلا "أنا ما كنتش من أتباعه !.أنا كل أمر يصدر من عبد الرحمن السندي كنت لازم أناقشه وده كان سبب سوء التفاهم بيني وبين السندي "

ومعني هذا الكلام أن النظام القديم الذي أقامه عبد الرحمن السندي فى عهد الشيخ حسن البنا قد حل بالفعل وأقيم مكانه نظام جديد . وهذا ما أثار ثائرة أعضاء الجهاز السري على يوسف طلعت بعد التحسن الذي طرأ على العلاقات بين السندي والهضيبي بعد خروج الأخير ورفاقه من السجن الحربي

وهذا ما يرويه يوسف طلعت قائلا:

" الجماعة القدام كانوا بيعتقدوا ومنهم عبد الرحمن (السندي) أننا بنعمل على تسريح هذا النظام وكانت التهم تترامي علينا لدرجة أن واحد قال لى : أن نظام الفصائل ده معناه تسريح النظام وأفتكر أن واحد اسمه يحيي عبد الحليم حط صباغة فى عيني وقال أنتم جماعة عايزين تعملوها جمعية دفن موتي وقال:أنتم عايزين تسرحوا دعوة الإخوان ".

على كل حال فقد هب يوسف طلعت لإعادة بناء الجهاز السري على أساس التنظيم الجديد وأخذ يجند أفرادا من النظام القديم وأفرادا من النظام العام على حد سواء ويمكن للنماذج الآتية التى نرويها على السنة أصحابها أن ترسم لنا صورة كافية لهذه العملية الفريدة؛

فقد روي محمد عبد المعز وهو من أفراد الجهاز السري القديم وكان قد جنده أحمد عادل أيام السندي زارني فى البيت صديق يدعي صلاح العطار ومعه يوسف طلعت وقالا :إحنا عارفين أنك كنت مع أحمد عادل كمال وفيه ناس تانيين كمان ودول إحنا عاوزين نضمهم إلى النظام الجديد. فقلت لهم لما استشرهم .. وفعلا قلت (لزملائي) على الحكاية فقالوا لى: اتركنا شوية .

فتركتهم شوية وبعدين حدث حل الإخوان الأخير وبعد حل الإخوان حضر لى إبراهيم الطيب فى البيت و قال لى:إحنا كلمناك علشان تشتغل ثاني فى التنظيم الجديد أننا سنعمل على أسس سليمة ونحاول أن نتفادى كل الأخطاء .. وعلى هذا الأساس قلت له:حاضر حأقول للإخوان وبعدين اتصلت به وقلت له أن الإخوان وافقوا على أنهم يعملوا فى النظام الجديد على الأساس السليم "

كما روي حامد عبد الفتاح نويتو أنه حتي مارس 1954 كان عضوا عاديا فى جماعة وبعدين مصطفي الورداني نائب الشعبة أداني ميعاد أروح له البيت فلقيت حلمي وحسن عبد العظيم ويوسف السيد وجه بعد كدة حسن عبد المنعم .

وقال لنا مصطفي الورداني أن فيه نظام عندنا فى الإخوان ننقي من الإخوان العاديين إخوان نحطهم فى جماعات وندربهم على أسلحة ونخليهم لوقت الحاجة أخذنا ميعاد من حسن عبد المنعم ورحنا فى يوم معين عنده فى البيت وكنت أنا ويوسف وحسن عبد العظيم وحلمي عرفة واجتمعنا فقال:

قبل أى حاجة لازم نقوي روحنا المعنوية ونحفظ سورة آل عمران وتفسيرها ونأخذ سيرة ونخش فى البرنامج الروحي ده فى الأول ومشينا على كده أربع اجتماعات وبعدين انضم سامي الكومي وهو وكيل نيابة وعبد الحي وأحمد حجازي,قال:دول حيبقوا معاكم فى الجماعة "

كما روي حلمي عبد السلام هلال قصة تجنيده فى الجهاز السري فذكر أنه التحق بالجماعة قبل أربع سنوات من محاكمته وعندما صدر قرار الحل " قفلنا الشعبة وما بقاش فيه حاجة خالص ومن مدة شهر ونصف وكان يوم جمعة بعد ما صلينا الجمعة رجعت على البيت وأثناء نومي فى البيت جاني واحد اسمه صلاح الدين عباس خليل وهو طالب وقال لى إيه رأيك؟

عاوزين نعمل مجموعة فقلت له إيه المجموعة دي ؟ فقال لى:أنت حاتتدرب وتحفظ قرآن وتتدرب على السلاح . قلت:علشان إيه؟. قال علشان يقوم كفاح شعبي .

وبعد 15 يوم بعثوا لى للحضور فى بيت واحد اسممه عبد القادر سيد حنفي سيلمان ولقيت هناك صلاح وعلي نويتو وثلاثة أربعة .. وكانت مجموعتي مكونة من:حلمي عبد السلام وصلاح خليل ومحمد محمود الشقيري وصفوت مسلم وعبد القادر حنفي ومحمد رهوني ويوسف غنام

كما روي محمد على نصيري مناسبة تجنيده فى الجهاز السري فذكر أنه اشترك فى المظاهرات التى خرجت أيام طرد محمد نجيب ولما طلعنا إلى قصر النيل البوليس أطلق علينا الرصاص وقتل اثنين من زملائنا فقلنا أن هذه يبقى شئ خطير وثارت ثورة الجامعة فواحد صاحبي أسمه حسين عرفني بهنداوي دوير

وطلب مني أن أنضم إلى مجموعته قلت:

ما اقدرش لأني ما دخلتش امتحان الدور الأول لأني كنت مريض وبعيدن دخلت المجموعة قبل الدور الثاني " ثم ذكر أن مجموعته كانت تتكون من السيد عواد وأحمد الفيومي وعلى شاهين ويوسف عليان وطلعت دلوقت " وقد اختير محمد على نصيري بعد ذلك لاغتيال عبد الناصر كما سيرد فى حينه .

وقد روي محمود الحواتكي أنه دخل النظام السري عن طريق يوسف هارون بعد خروجه من الاعتقال فقد

" قابلني الأستاذ يوسف هارون رئيس منطقة الجيزة ودعاني لأن اشترك فى النظام الخاص بالجيزة وكنت أنا قد سمعت عن هذا النظام فى سنة 1948" ثم ذكر أن النظام فى الجيزة شكل بعد الاعتقال بحوالي شهرين " فقد حدثني يوسف هارون فى هذا الأمر واحنا فى مارس يبقي فى أوائل يونيه أو منتصف يونيه"

ومعني ذلك أن الاتصال لإعادة بناء التنظيم الجديد بدأ فى مارس عقب الإفراج وتكون فى الجيزة بعد شهرين وقد ذكر محمود الحواتكي أن النظام فى الجيزة " شكل بأن اختير الإخوان الذين يفهمون الإسلام كما نظن فهما سليما " وذكر أن من الشروط التى كانت واجبة فى العضو أن يكون " عاقلا غير متهور وأن يكون فوق 21 سنة وأن يكون مستعدا للجهاد فى القضايا العامة وقت أن تكون البلاد فى حاجة إليه ".

وقد روي صلاح الدين أبو الخير وهو مهندس معماري كيف دخل الجهاز السري فذكر أنه كان نقيب أسرة عادية فى الإخوان وفى يوم جاءه محمود الحواتكي وقال له إحنا حنكون نظام جديد وحنكون حذرين علشان ما نقعش فى الأخطاء القديمة فأيه رأيك ؟.

فقلت له: ما فيش مانع فملكني مجموعة وإداني أسماء سبعة وقال : دول تجتمع معاهم فى أى مكان . وربطني بهم علشان نعمل مجموعة وكان البرنامج بتاعنا فى النظام له ناحيتان: ناحية تربية روحية ودراسات إسلامية وناحية عسكرية وهى تدريب على التشكيلات العسكرية والأسلحة لمن لم يتدرب وكان معظمنا مدرب فى الحرس الوطني"

كان أهم ما فى التنظيم الجديد إلى جانب تكوينه من أعضاء قدامي وأعضاء عاديين من النظام العام هو الربط بين النظام الخاص والنظام العام.

فحتي ذلك الحين كان هناك فصل تام بين رؤساء الجهاز العلني ورؤساء الجهاز السري بمعني أن رؤساء النظام العام لم يكونوا يعلمون شيئا عن النظام الخاص أو عن رؤسائه فى مناطقهم ولكن فى التنظيم الجديد أصبح رئيس المنطقة هو رئس جهازها السري؛

ومعني ذلك أن الجماعة قد تحولت إلى جهاز سري أو أن العمل السري قد أصبح جزءا من نشاط الجماعة العلني وهذا التطور يجعل الجماعة أخطر بكثير مما كانت أثناء حياة الشيخ حسن البنا حيث لم يعد هناك فصل بين العمل السري والعمل العلني واتسعت اختصاصات رئيس الجهاز السري لتشمل رؤساء الجهاز العلني .

وهذا ما تكشف أثناء محاكمات الإخوان فى حادثة المنشية فعندما سئل محمود الحواتكي عما إذا كان يعرف أن هنداوي دوير رئيس منطقة إمبابة هو رئيس جهازها السري أجاب قائلا :" طبعا ! رئيس المنطقة هو رئيس الجهاز السري " وقد سأله جمال سالم قائلا :" هل هذه قاعدة أتوماتيكية؟" فرد بالإيجاب قائلا :" نعم" .

وعندما سئل محمد عبد المعز عن وظيفته فى جماعة الإخوان قال:

قائم بأعمال رئيس منطقة شرق القاهرة .

فين؟ فى النظام السري وإلا فى النظام العلني ؟

فى النظام السري والنظام العلني ".

وقد عبر عبد العزيز أحمد وهو من الأعضاء القدامي ورئيس منطقة الفسطاط عن هذه النقطة تعبيرا بليغا فعندما سأله جمال سالم عما إذا كان " المسئول عن إخوان المنطقة يعتبر هو المسئول عن الجهاز ؟" أجاب قائلا:" أيوه لأن اللي ما ينفعش لرياسة الجهاز ما ينفعش لرياسة المنطقة !".

وهذا الكلام يظهر حقيقة أخري لا تقل أهمية هى أن إعادة بناء النظام الخاص قد ترتب عليها إعادة بناء النظام العام بحيث يتطابق مع النظام الخاص .

كما ترتب عليها أيضا تغيير قيادات النظام العام إذ استبعدت القيادات التى لا تصلح لرئاسة الجهاز السري وحلت محلها قيادات صالحة لرئاسة النظامين ففي منطقة إمبابة على سبيل المثال كان رئيسها الدكتور حسن الباشا وهو مدرس بكلية الآداب وكان لا يعلم شيئا عن النظام السري وكان المنطقة هنداوي دوير فأصبح هو رئيس الجهاز السري...

واستقال الدكتور حسن الباشا وأصبح هنداوي دوير رئيس المنطقة وفى منطقة الفسطاط عين لها عبد العزيز أحمد ويقول:" لما كلفت برياسة على صديق وأخري برياسة فتحي البوز وأن هذه الفصائل هى التي تعتبر هذا النظام " وهكذا .

ووفقنا للتنظيم الجديد للجهاز السري فإن القاهرة قد انقسمت إلى عشر مناطق يرأسها إبراهيم الطيب وهو محام يبلغ من العمر 32 سنة:

  1. منطقة وسط القاهرة. وقد عين لها السيد حسين أبو سالم وهو مأمور ضرائب يبلغ من العمر 30 سنة وكان رديفه (وكيله) فريد عوض وكانت هذه المنطقة تشتمل على ثماني شعب بولاق والتوفيقية وعابدين ودرب سعادة والجمالية والدراسة والموسكي والأزبكية وكان بها فصيلة من ثلاث مجموعات من أفرادها:عثمان عبد الله وإسماعيل عبد المعطي وصالح عطا ومحي محمد إبراهيم ومحمد محمود أحمد وفؤاد حجاج وصالح الحديدي ونجدي صالح وعلى قناوي ورفعت حسين .
  2. منطقة الفسطاط وكان يطلق عليها اسم منطقة الروضة قبل ضم حلوان إليها وقد عين لها عبد العزيز أحمد يحمل دبلوم الأقسام الصناعية السيارات وعمره 36 سنة وكانت تشتمل على شعب:حلوان وطره والمعادي ومصر القديمة وجزيرة الروضة وكان بها فصيلتان إحداهما برياسة على صديق والأخري برياسة فتحي البوز وكل فصيلة تتكون من أربع مجموعات يصل عددها إلى 30 عضوا .
  3. منطقة الجيزة وقد عين رئيسا لها يوسف هارون ومن بعده محمود الحواتكي ثم إسماعيل محمود يوسف وكان بها فصيلة يرأسها محمود الحواتكي مكونة من أربع مجموعات يرأسها صلاح أبو الخير وتوفيق شلبي وعبد الفتاح موسي والرابعة لم يكن رئيسها ثابتا.
  4. منطقة شرق القاهرة . وقد عين لها عبد المعز وهو معاون فني بوزارة الصحة متخرج من مدرسة الصناعات الزخرفية وعمره 32 سنة وكان بها ثلاث فصائل برئاسة كل من وائل شاهين وعبد المنعم إبراهيم وعبد الرحمن البنان وكانت الفصيلة الأخيرة مكونة من شعب سراي القبة وحمامات القبة ومصر الجديدة.
  5. منطقة جنوب القاهرة ويرأسها كمال السنانيري وكان السنانيري ممن قادوا ماهرات 28 فبراير 1954 .
  6. منطقة شمال القاهرة ويرأسها محمد شديد .
  7. منطقة المرج ويرأسها محمود يونس .
  8. منطقة عرب جهينة يراسها محمود يونس أيضا وكان قائد الفصيلة السيد عبد الله الريس وهو طالب بكلية الآداب ورديفه محمد الديب وكان قائد المجموعة الأولي سيد ناصر وقائد الثانية محمد سليمان الهضيبي وقائد الثالثة أحمد الصاقوري وقائد مجموعة الخدمات إمام حجر . وقد استبدل بسيد ناصر فيها بعد أمين درويش .
  9. منطقة بين السرايات ويراسها على الفيومي .
  10. منطقة إمبابة. وكان على رأسها هنداوي دوير. وقد كون هنداوى فصيلة مكونة من ثلاث مجموعات ومجموعة مخابرات وكانت المجموعة الأولي مجموعة وراق العرب ويرأسها صلاح عباس ومعه عبد القادر سليمان وحلمي عبد السلام وعبد الحميد البنا (عامل) ومحمود الفوتيري ويوسف همام ومحمد رءوف .

أما المجموعة الثانية فيرأسها علي نويتو وتتكون منه ومن مصطفي الورداني وعبد رب النبي عباس وسعد حجاج وعبد المنعم حفني ومحمد نجيب راغب وكانت المجموعة الثالثة مكونة من محمود الصياد وعبد العزيز شميس (خردواتي) وعبد المنصف البحيري.

وأما المجموعة المخابرات فكانت مكونة من يحيي سعيد وعبد القادر سليمان ومحمود عبد اللطيف ومحمد زكي وقد ذكر على نوتيو وهو موظف بالمساحة أنه كانت هناك مجموعة أخري على رأسها حسن عبد المنعم ومعه يوسف السيد وحامد نوتيو (مجلد) وحلمي عرفة (موظف) وعبد القادر سليمان (موظف).

ويتضح من كلام هنداوي دوير رئيس منطقة إمبابة أن هذا الجهاز كان مجرد تشكيل كونه مؤخرا ولم تتح له الفرصة للتدريب وقد ذكر أن السبب فى ذلك يرجع إلى كونه مؤخرا ولم تتح له الفرصة للتدريب وقد ذكر ان السبب فى ذلك يرجع إلى أنه كان لابد أولا من اختيار صلاحية الأفراد؛

"فإذا أثبت الشخص أن عنده استعداد نديله تدريبات عسكرية وبعد هذا إذا ثبتت صلاحيته نفهمه أنه فى النظام وبعدين نديله تدريبات عملية وهذه المراحل كلها لم تطبق فى إمبابة, وكل ما طبق أننا شكلناهم وعملناهم جماعات"

وعلى ذلك فإن المجموعة العاملة بالفعل كانت تتكون منه ومن محمود عبد اللطيف فقط بدليل يذكره وهو أنه حين تقرر اختيار واحد آخر ليقوم بنفس عمل محمود عبد اللطيف تم اختيار محمد على نصيري وهو من خارج المنطقة .

ونلاحظ فى هذا الصدد أن محمود عبد اللطيف الذى قام بمحاولة اغتيال عبد الناصر قد أضاف إلى ما ذكره هنداوي دوير من أعضاء مجموعته عضوا ثالثا اسمه سعد حجاج.

هذا فيما يختص بتنظيم القاهرة أما الأقاليم فكان يرأسها أحمد حسنين وقد عرف من أقسامها أقاليم الشرقية وشرق منطقة القنال والغربية والمنوفية والبحيرة وبني سويف وأسيوط والمنيا .

وكانت هناك فصيلتان فى كل من الإسماعيلية ،السويس ،والشرقية ،والغربية والمنوفية، وبني سويف. وكانت مجموعتان فى أسيوط ومجموعة فى كل من الفيوم والمنيا.

على كل حال فإن هذا الجمع بين رئاسة النظام العلني ورئاسة النظام السري قد أتاح الفرصة لرئيس التنظيمين لتسخير إمكانيات النظام العلني فى خدمة النظام السري . فوفقا لما ذكره إبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة , كان كل رئيس منطقة يتبعه عدد من نواب الشعب يبلغ تسعة نواب يجتمعون معا ولهم ضابط اتصال بينهم وبين القاهرة .

وكانت مهمة نواب الشعب إعطاء معلومات لرئيس المنطقة وترشيح أسماء الصف الأول فى الشعب للنظام الخاص . وفى ذلك ذكر محمد عبد المعز رئيس منطقة شرق القاهرة أنه بعد إسناد المنطقة إليه طلبوا منا تكوين الصف الأول وجمع معلومات بعدد أفراده فى المنطقة .

فجمع الصف الأول وبعد ذلك قالوا لنا: عاوزين نكون الجماعة دول فى مجموعات من سبعات وكل أربع سبعات تكون فصيلة فقمنا بعمل هذا التنظيم وجمعنا المعلومات المطلوبة من نواب الشعب وكونا ثلاث فصائل فى منطقة شرق القاهرة .

وقد وضع نظام اتصال بين يوسف طلعت وإبراهيم الطيب و وبين إبراهيم الطيب ورؤساء الفصائل عن طريق ضباط اتصال فنيين يتبعون يوسف طلعت منهم : إسماعيل عارف ومهدي عاكف وكان هناك ضباط اتصال إداريون منهم:محمد عبد المعز وحسين شعبان.ويفهم مما رواه إسماعيل عارف أنه كان مسئولا عن الاتصال بأربع فصائل فقط .

فقد ذكر أن يوسف طلعت أخبره بأنه سيكون حلقة اتصال بينه وبين إبراهيم الطيب ثم قام بتوصيله بإبراهيم الطيب الذى صله بدوره بأربعة رؤساء فصائل لتوصيل الرسائل إليهم وتلقي رسائلهم .

أما هؤلاء الأربعة فهم: محمد يوسف زرئيس فصيلة السيدة زينب وفصيلتين أخرتين وعلي نويتو رئيس فصيلة إمبابة وفصيلتين أخرتين ومحمد عثمان عبد الله المسئول عن وسط القاهرة وعبد الرءوف (لم يذكر بقية اسمه) وكان هناك اتصال دوري تم كل أسبوع ومعني هذا الكلام أن ضباط الاتصال كانوا مكلفين بالاتصال بفصائل معينة .

وقد أقيم قسم قائمبذاته للمخابرات يرأسها صلاح عبد المعطي ويتبع يوسف طلعت مباشرة وكانت مراقبة أعضاء الجهاز وتقديم تقارير عنهم ليوسف طلعت تشتمل على زياراتهم واجتماعاتهم وملاحظة ما يطرأ على حالاتهم النفسية .

وقد ذكر صلاح الدين أبو الخير (مهندس معماري) ورئيس مجموعة فى فصيلة الجيزة أن هذه المخابرات كانت تتجسس على الشيوعيين وقال أنه يعرف أن الإخوان " ضبطوا خلايا من مدة " وقد سأله الدفاع قائلا :" هل كل الإخوان يحاربون الشيوعية؟" فأجابه قائلا :" طبعا لأنها ضد مصلحة البلد".

تسليح الفصائل

كانت الخطة الأساسية أن تزود مجموعات الفصائل بسلاح يكفي لأدائها المهام الموكولة إليها وهذا السلاح وفقا لرواية يوسف طلعت فى حدود :" مجموعة برن وثلاثة بنادق واستن. على أن محمد عبد المعز الذي قام بعمل رئيس منطقة شرق القارة ذكر أن إبراهيم الطيب أبلغه أن تسليح المجموعة سيتكون من:مسدس لرئيس المجموعة وثلاث بنادق ومدفعين استن.

وقد ذكر عبد العزيز أحمد رئيس منطقة الفسطاط أن تسليح المجموعة كان يتكون من 4 بنادق ومدفعين أستن ومدفع برن وقنبلتين لكل فرد وهذا التسليح يتفق مع عدد أفراد المجموعة فيحمل أربعة منهم بنادق ويحمل اثنان مدفعين "استن" ويحمل السابع مدفع برن؛

هذا بالإضافة إلى قنبلتين لكل فرد وكان تسليم السلاح يتم مباشرة بين أمين مخازن السلاح وقادة الفصائل وكان السيد عبد الله الريس وهو طالب بالآداب هو أمين مخازن السلاح وقد روي قصة تكليفه بهذه المهمة من قبل إبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة فذكر أنه كلمه

" بأن أجرد الأسلحة الموجودة لدي الإخوان . فجردت الأسلحة الموجودة فى عرب جهينة وكفر حكيم والدقي وكلفت بنقل أسلحة إلى حلوان والمعادي فنقلتها فعلا"

ويلاحظ أن حلوان والمعادي كانت تتبعان منطقة الفسطاط ولذلك يذكر عبد العزيز أحمد رئيس المنطقة أنه شاهد السيد الريس يتصل بعلى صديق رئيس إحدي الفصليتين بالمنطقة و"ويتحدث معه فى الأسلحة" وكيفية إحضارها.

وكانت التعليمات بتوزيع السلاح تصدر من إبراهيم الطيب إلى السيد عبد الله الريس عن طريق ضباط الإتصال إسماعيل عارف . وهذا ما كشفه الأخير فقد ذكر أن إبراهيم الطيب " كان يوصلي أوراق أوصلها للسيد الريس علشان يوصل أسلحة إلى جهات معينة بالتعاون مع فؤاد مكاوي ".

وقال إن البيانات التي كانت فى الأوراق كانت تقضي بإرسال أسلحة إلى شبرا وحلوان ومصر القديمة . وقد وصل لشبرا ومصر القديمة 16 بندقية وعدد من القنابل وربما جلجنات وكانت مئولية السيد عبد الله الريس تتجاوز عملية توزيع السلاح إلى التفتيش عليه والتحقيق من صلاحيته للإستعمال .

ومع ذلك ففيما يبدو أن مسئولية السيد عبد الله الريس عن توزيع السلاح كانت قاصرة على بعض المناطق دون الأخري فقد ذكر محمود الحواتكي رئيس فصيلة الجيزة أن المسئول الأول والأخير عن السلاح كان محمد مهدي عاكف (وهو ضابط اتصال فني يتبع يوسف طلعت كما مر بنا)

وأن المفروض ان يكون الاتصال به وحده كما ذكر أن الاتصال بالسيد الريس كان محظورا وقال أن محمد مهدي عاكف كان يزور بعض الجماعات فى الجيزة وفى أماكن أخري .

وكان مخزن السلاح الرئيس الذي تجمع فيه الأسلحة الخاصة بمنطقة القاهرة وتوزع منه على مختلف الفصائل هو مخزن عرب جهينة وكان مقره مقابر أسرة المرشد حسن الهضيبي وكان أمين هذا المخزن هو إسماعيل الهضيبي ابن عم الهضيبي.

على أنه كان من الضروري أن يكون لكل منطقة مخزنها الخاص الذي كان غالبا ما يكون شقة فى أحد المباني ففي إمبابة حيث كان هنداوي دوير رئيسا للمنطقة كان هذا المخزن عبارة عن شقة كما ذكر علي نويتو؛

وقد ذكر أن هنداوي أتي له فى إحدي المرات بشيلة فيها قوالب ت.ن.ت وقنابل فاضية ولفة ثانية لا أعرف فيها إيه وهذه أول مرة وثاني مرة بعث شنطة وقال لى:" شيلها فى المخزن الذي كان عبارة عن شقة ساكن فيها عبد الحميد البنا "

وقد شرح السيد عبد الله الريس المسئول عن توزيع الأسلحة كيف كان يتم نقلها وتوزيعها على الفصائل فقال:

نقلت مرتين اثنين: المرة الأولي نقلت 16 بندقية فى أربع لفات كل بندقية فيها أربعة وعشرون مشعل مولوتوف وكل عشرة فى ربطة علشان نوديهم لفصيلة مصر القديمة وفصيلة حلوان وصلنا بعربة وكنا قد قمنا من عرب جهينة ومعنا محمد فؤاد مكاوي والسواق وكان منتظرنا واحد عند مصر القديمة اسمه محمود فقلت له:أنا حاقابل على صديق وبعدين رحنا وديناهم عند واحد اسمه السعدني فى حلوان.
وفى المرة الثانية قلت لمحمد فؤاد مكاوي تستني عند صديق فى مصر القديمة علشان تودي السلاح لعلي صديق فانتظرني وبعدين رحنا المعادي وطبيعي الأنواع كلها أنا لا أعرفها بالضبط وإنما على صديق طلع صندوق ذخيرة 303 وأخذ قنبلتين".

وكان التديب يتم فى بداية الأمر فى معسكر كرداسة وكان يقع على حدود الزراعة وجبل كرداسة وقد ذكر محمد عبد المعز رئيس منطقة شرق القاهرة أنه زار هذا المعسكر وعاينه هو وإبراهيم الطيب وكان يتولي التدريب فيه واحد اسمه الخضري وقد هاجم البوليس بعد ذك معسكر كرداسة؛

ولكنه لم يتمكن من القبض على أحد على أه يبدو أنه كان لكل منطقة أو عدة مناطق مدرب مسئول فقد ذكر محمود الحواتكي قائد فصيلة الجيزة أن محمد مهدي عاكف كان هو المسئول عن التدريب وقد ذكر يحيي سعيد أن عبد المنعم عبد الرؤوف قد تولي التدريب أيضا فى معسكر كرداسة قبل مهاجمته .

وتشير الأدلة إلى أن عبد المنعم عبد الرؤوف لم يكن يكتفي بالتدريب الفعلي بل كان يشرح لرؤساء الفصائل التكتيك العسكري فقد روي يحيي سعيد وكان عضوا فى منطقة إمبابة التي كان يختفي فيها عبد المنعم عبد الرؤوف أنه ذهب فى إحدي المرات فى رفقة علي نويتو إلى منزل مصطفي الورداني بالمنيرة وكان غائبا فى بلدته فوجدت شخصا متوسطا حليقا وقاعد يشرح على ترابيزة بعلب كبريت مناورات حربية وبيدرس فيها .

فقال لى علي نويتو هذا عبد المنعم عبد الرؤوف وقعدت معهم أكثر من ساعة وكان بيشرحها لأربعة أعرف منهم حسن عبد المنعم وعلي نويتو واثنين تانيين موش متذكر حقيقة من هم ".

وكانت مشكلة توفير السلاح اللازم للجهاز السري قد طرحت على بشاط البحث بين عبد المنعم عبد الرؤوف ويوسف طلعت عندما تقرر الأخذ بنظام "الفصائل" التى تتكون من سبعات فيذكر يوسف طلعت أنه قال لعبد المنعم عبد الرؤوف:" أجيب لك التسليح ه منين " وقال " التسليح لازم يكون كده"!. وقعدنا نراجع كشوف التسليح الموجودة عند الإخوان وهل التشكيل اللي عملناه ينفعه التسليح الموجود ويكفيه .

لقيناه ما يكفيش قال:" لازم تسعي لتسليح هذه المجموعات".

ويقول يوسف طلعت أنه تم شراء سلاح عن طريق الاكتتابات وجمع الأموال وضرب بعض الأمثلة ففي القاهرة عمل إبراهيم الطيب اكتتابا جمع منه بعض الأموال التي اشتري بها 18 مدفع برن وفى الإسماعيلية جمع يوسف طلعت بعض الأموال اشتري بها خمسة مدافع أستن وكذلك فقد صدرت أوامر لبعض المناطق بإعداد الزجاجات الفارغة لتعبئتها كقنابل مولوتوف.

وقد قدر محمد خميس حميدة عدد أفراد الجهاز السري عند تولي يوسف طلعت رئاسته بأنه كان " فى حدود ألف أو ألفين "... وقال:فى تقديري أن اشلبان الذين دربوا على السلاح فى حدود ألفين ولا يزيدون على هذا وهذا هو العدد الذى أعلمه وأنا أتكلم عن التقدير العام وكانت خطة يوسف طلعت الارتفاع بهذا العدد إلى عشرة آلاف كما ذكرنا .

وقد ذكر إبراهيم الطيب رئيس مناطق القاهرة ومساعد يوسف طلعت أنه علم من الأخير أن هناك قوات للإخوان موجودة فى إقليم الشرقية وشرق منطقة القنال وأنها مستعدة للقيام بحرب عصابات ضد الإنجليز فيما لو فكروا فى التدخل أثناء الاشتباك بين الإخوان والحكومة؛

وقال إن خطة عرقلة التدخل كانت تقوم على القيام بحرب عصابات ونسف طرق المواصلات والمنشآت التى يحتلونها وتقطيع إمدادتهم وعندما تشكك جمال سالم فى قدرة الإخوان على ذلك

ذكره إبراهيم الطيب بمساعدة الإخوان للثورة عند قيامها قائلا:

" بمجرد ما قامت الثورة كان فيه تقديم لقوات الإنجليز ولذلك الإخوان تقدموا ليكونوا تحت تصرف الثورة .

المجلس الأعلي للجهاد

والسؤال الآن: من كان المسئول الأعلي عن الجهاز السري هل كان المسئول الأعلي هو الهضيبي كما كان الحال أيام البنا أم كان ما أسماه يوسف طلعت فى ذلك الحين المجلس الأعلي للجهاد؟.

إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة كما تبدو ويرجع السبب فى ذلك إلى تضارب الآراء فيها إلى حد كبير جعل منها أشبه بلغز من الألغاز؟.

وكان يوسف طلعت هو الذي أثار هذه المسألة حين سئل عمن كان يدير شئون الجهاز وممن كان يتلقي أوامره ولمن كان يتبع؟ فقد ذكر أنه أبعد أن اختير لرئاسة الجهاز دعاه الشيخ محمد فرغلي إلى بيته للقاء لجنة مكونة منه أى من يوسف طلعت ومن الشيخ محمد فرغلي إلى بيته للقاء لجنة مكونة منه أى من يوسف طلعت ومن الشيخ محمد فرغلي والأستاذ محمود عبده وأبو المكارم عبد الحي وصلاح شادي

وذكر أن الشيخ محمد فرغلي قال فى هذا الاجتماع:

" أننا نعتبر اللجنة العليا للجهاد فى دعوة الإخوان وهذه اللجنة هي التي تنسق قوي الإخوان "

واستطرد قائلا انه عقد هذا الاجتماع الأول حتي "يقول كل واحد اللى عنده".

وكان من رأى الشيخ محمد فرغلي أنه يجب ألا يقتصر عمل اللجنة على مصر و وإنما يجب أن تمتد أعمال الجهاد إلى أى بلد آخر ." وكانت أيامها حكاية مكراكش زادت شوية ".

ثم قال يوسف طلعت أن هذه اللجنة " كانت معمولة علشان آخر الأوامر منها " وحدد الوقت الذي تشكلت فيه هذه اللجنة بأنه كان فى أواخر مارس أوائل أبريل 1954 أى بعد الإفراج عن الإخوان بعد الحل الأخير .

وقد أيد إبراهيم طلعت مساعد يوسف طلعت ورئيس مناطق القاهرة وجود هذا المجلس فقد ذكر أنه كان للجهاز السري مجلس أعلى مكون من يوسف طلعت وصلاح شادي والشيخ محمد فرغلي والدكتور محمد خميس حميدة؛

وأن هذا المجلس كان يخضع مباشرة للمرشد العام ويتعاون معه فى إدارة الجهاز وقال إن هذا المجلس كان يتلقي الخطط العامة للعمل من المرشد فإذا استقر على خطة لابد موافقة المرشد على تنفيذها ثم ذكر أن هذا المجلس كان مستقلا تمام الاستقلال عن مكتب الإرشاد .

كذلك تحدث محمود عبده عن اجتماع دعاه إليه الشيخ فرغلي بمنزله بعمارة وهبة فى أغسطس وكان معه يوسف طلعت وأبو المكارم وصلاح شادي. على أن محمد فرغلي أنكر مسألة المجلس الأعلي للجهاد إنكارا قاطعا .

فحين تحدث عن النظام السري أوضح أن التشكيلات الخاصة بالبوليس والجيش والمدنيين كانت تتبع المرشد رأسا وأن رئيس كل تشكيل كان يتصل بالمرشد رأسا ويتبعه رأسا ولا يخضع لأى هيئة أخري من هيئات الجماعة وعندما سئل عما إذا لم يكن هناك بين رؤساء هذه التشكيلات وهم الصاغ صلاح شادي وأبو المكارم عبد الحي يوسف طلعت مجلس أعلى أو لجنة عليا؟ أجاب:" هؤلاء الثلاثة هم المسئولون عن الجهاز, ويعتبرون لجنة عليا ويرأسهم المرشد ".

وعندما ووجه بكلام إبراهيم الطيب بأنه كان مع الدكتور محمد خميس حميدة وصلاح شادي ..الخ . أعضاء فى اللجنة العليا للجهاز السري؟

قال بصورة قاطعة :" هذا غير صحيح فأنا لست عضوا فى هذه اللجنة ولا أعرف أن هناك لجنة عليا للجهاز السري أو النظام ألا من ذكرت" وقد سأله المدعي :"ولماذا يقول إبراهيم الطيب هذا القول؟ وما اذلي دعاه إلى أن يذكره ؟"

فرد قائلا :" لا أدري ما الذي يدعوه إلى هذا الإدعاء . وأنا أقول أن هذا كذب وغير صحيح وأقطع بذلك فيما يختص بنفسي "!

كذلك أنكر محمد خميس حميدة عضويته بالمجلس الأعلي للجهاد فقد سأله جمال سالم:

قرر إبراهيم الطيب أن هناك رئاسة عليا لنظام الجهاز السري , زى مجلس إدارة الشركات . منم يكونون مجلس إدارة الشركة ؟..
محمد خميس حميدة: الذي أعرفه هو يوسف طلعت . وهو يتصل مباشرة بالمرشد .فإذا كان المرشد قد عمل مجلسا فيكون هذا خاصا بالمرشد والذي أعلمه أن صلاح شادي ويوسف طلعت يتصلون مباشرة بالمرشد .
جمال سالم: قرر إبراهيم الطيب فى اعترافاته أن اللجنة العليا التي تترأس الجهاز السري مكونة من الاثنين ومن الشيخ فرغلي وسيادتك خميس حميدة.
محمد خميس حميدة: الذي أقوله عن نفسي أنى لست مسئولا لا عضوا أعلى ولا عضوا أصغر فى هذه التشكيلة وأشهد وأعترف بأنه ليس لى اتصالا بهذه اللجنة العليا و اللجنة غير العليا".
وفى موضع آخر أنكر الدكتور محمد خميس حميدة وجود مجلس أعلي للإشراف على النظام قائلا :
" ليس للنظام مجلس أعلي إنما هو يوسف طلعت فى نظامه وصلاح شادي فى نظامه كل واحد يتبع حسن الهضيبي مباشرة ".

ويتضح من ذلك أنه فى حين يعترف محمد فرغلي بوجود مجلس أعلي أو لجنة عليا للإشراف على الجهاز مع إنكار عضويته فإن محمد خميس حميدة ينكر وجود المجلس الأعلي أو اللجنة العليا أصلا ويقرر أن اتصال رؤساء الفروع الثلاثة للتنظيم السري كان بالمرشد بشكل مباشر .

وإزاء هذا الخلاف فإن شهادة حسن الهضيبي تعد ذات أهمية كبيرة . فقد ذكر أنه عندما اقر مكتب الإرشاد إقصاء عبد الرحمن السندي عينا ثلاثة من الإخوان علشان يبقوا متصلين بالنظام .

ووجه الصلة بينهم يعني اللي يتصل بهم عن طريق الشيخ محمد فرغلي. وأن الدكتور حسين كمال الدين لأن اللجنة مكونة من حسين كمال الدين وكمال خليفة والشيخ محمد فرغلي علشان بيقوا يلاحظوا هذه المسألة والشيخ محمد فرغلي عضو فى مكتب الإرشاد ويتصل بهم .

كما أني تركت العمل فيه للدكتور محمد خميس حميدة وترجمة هذا الكلام أنه تعينت لجنة من الدكتور حسين كمال الدين وكمال خليفة ومحمد فرغلي للإتصال بالنظام وكان ضباط الاتصال بين اللجنة والنظام هو الشيخ محمد فرغلي باعتباره عضو فى مكتب الإرشاد وكان محمد خميس حميدة مفوضا فى إدارة شئون الجهاز .

وفى موضع آخر سئل بواسطة رئيس النيابة:

  • هل حددتم أمام من يكون المسئول (يوسف طلعت) عن التنفيذ وكيفيته؟.
الهضيبي يوسف طلعت عين بقاله سنة وكسور ولم تحدث أى حادثة !.
  • رئيس النيابة وكان مسئول أمام مين ؟.
الهضيبي خميس وفرغلي .
  • رئيس النيابة بس ؟.
الهضيبي ويمكن أنا مش فاكر يمكن حسين كمال الدين .
  • رئيس النيابة فرغلي وخميس معا قررا أن المسئول الأول والأخير عن الجهاز السري هو المرشد العام
الهضيبي:قانونا كده صح ولكن عملا هم كانوا بيشوفوا كل حاجة "

وفى موضع ثالث بواسطة جمال سالم :

  • هل اطلعتم على الجهاز السري وتفاصيله؟
الهضيبي:ده موكول لخميس يشوفه هو وفرغلي .
الهضيبي:مسئول قانونا ولكن فعلا هم المسئولين .
  • جمال سالم:هل المسئول قانونا يزاول حقه القانوني أم لا ؟
الهضيبي:أنا لم أزاوله . وأنا قلت لك أنه صعب على أن أباشر جماعة الإخوان .

هذا الكلام للمرشد العام حسن الهضيبي يؤكد مسئولية الدكتور محمد خميس حميدة والشيخ محمد فرغلي عن الجهاز السري ولكنه لا يشير أية إشارة إلى المجلس الأعلي للجهاد بالصورة التى رواها يوسف طلعت وإبراهيم الطيب ومحمود عبده؛

وإنما يشير إلى لجنة للإتصال بالنظام عن طريق محمد فرغلي مع تفويض محمد خميس حميدة فى إدارة الجهاز ومعني هذا الكلام أن محمد فرغلي ومحمد خميس حميدة كانا مسئولين عن النظام بهذه الصفة وليس بوصفهما عضوين فى مجلس الجهاد الأعلي وأن الهضيبي لم يعين مجلسا أعلي للجهاد بالشكل الذي تحدث عنه يوسف طلعت ومحمود عبده وإبراهيم الطيب.

وإذا كان الأمر كذلك فهل كان مجلس الجهاد الأعلي من اخلاق الثلاثة ولا أساس له من الحقيقة؟. فى الواقع ان الأمر ليس كذلك وإنما كان مجلس لاجهاد الأعلي موجودا بالفعل ولكن الذي أنشه لم يكن الهضيبي؛

وإنما محمد فرغلي ومحمد خميس حميدة المسئولان عن النظام وبالتالي لم يكن له صفة رسمية بمعني أنه لم يكن فى تنظيم الجهاز السري لأن الذى يملك قانونا إنشاء مثل هذا المجلس هو الهضيبي الرئيس الأعلي للنظام الخاص؛

وعلى ذلك فإن إنكار محمد فرغلي ومحمد خميس حميدة كان منصبا على الشكل القانوني للمجلس بينما كان اعتراف يوسف طلعت وإبراهيم الطيب ومحمود عبده منصبا على الواقع الفعلي أما الهضيبي فإن إنكاره كان صحيحا لأنه لم يعين مجلسا بهذا الإسم ولم يكن التنظيم يحوي مجلسا بهذا الإسم .

وفى الواقع أن محمد فرغلي ومحمد خميس حميدة كان لابد أن يكون لهما دور فى الجهاز السري فقد كانا عضوين فى اللجنة القديمة التى كانت تشرف على النظام الخاص أيام عبد الرحمن السندي والتي كانت تتكون من:الشيخ سيد سابق ،والشيخ محمد فرغلي والدكتور محمد خميس حميدة ومحمود الصباغ وأحمد عادل ،وعبد الرحمن السندي . وهي التى كانت "تحل وتربط فى هذا النظام وكانت تتحك فيه " كما يقول يوسف طلعت.

وقد كان للدكتور محمد خميس حميدة دور فى إقصاء عبد الرحمن السندي عن التنظيم كما سبق أن ذكرنا حين نشب الخلاف بينه وبين الهضيبي قبل الثورة وكون الهضيبي لجنة من محمد خميس حميدة وعبد العزيز كامل والدكتور حسين كمال الدين لدراسة المشكلة فقررت تعيين حلمي عبد الرحمن رئيس للجهاز بدلا من عبد الرحمن السندي .

كما لعب محمد فرغلي دورا آخر لا يقل أهمية فى طرد عبد الرحمن السندي كلية من الجماعة بأسرها بعد مقتل سيد فايز . وقد كشف الهضيبي عن هذا الدور فذكر أن الشيخ محمد فرغلي عرض على مكتب مسألة إقصاء عبد الرحمن السندي من الجماعة؛

بجميع الظروف التي أحاطت بها وأفهمه أنه هو الذى ارتكب الحوادث فى الأول وأنه ما دام موجود فى الجماعة فإن اتصاله بالإخوان حتي ولو تنحي ظاهريا فإنه ما يديناش اطمئنان كافي على أننا ننفذ الخطة اللي إحنا عايزينها وبناء على ذلك أقر الإرشاد إقصاء عبد الرحمن السندي.

نحن إذن أمام عضوين غير عاديين من أعضاء الجماعة يملكان نفوذا وسيطرة فى النظام الخاص وفى النظام العام على السواء وقد أشرنا إلى تعيين يوسف طلعت رئيسا للجهاز السري وقلنا أنه لم يتم إلا بعد استشارتهما وموافقتهما باعترافهما وبإعتراف الهضيبي ولذلك فقد كان أمرا طبيعيا للغاية أن يكون لهما دور قيادي فى التنظيم السري الجديد برئاسة يوسف طلعت .

وهذا ما هب الشيخ محمد فرغلي للقيام به وممارسته بعد خروج الجماعة من السجن الحربي فى آخر مارس 1954 فقد روي يوسف طلعت كما ذكرنا أن الشيخ محمد فرغلي دعاه وكلا من صلاح شادي ورئيس تشكيل البوليس وأبو المكارم عبد الحي رئيس تشكيل الجيش وقال:" أننا نعتبر اللجنة للجهاد فى دعوة الإخوان ودى اللجنة العليا لجهاد ".

وقد كان هذا الكلام لمحمد فرغلي تعبيرا عن الواقع الفعلي وسواء سمي هذا الأمر باللجنة العليا للجهاد أم لم يسم على الإطلاق لأن رئاسة الجهاز السري الفعلية كانت فى يد رؤساء التنظيم الثلاثة المسئولين عن البوليس والجيش والمدنيين وفى يد محمد فرغلي خميس حميدة الموكل إليها من قبل المرشد شئون هذا الجهاز قد ضم محمد فرغلي محمود عبده رئيس مكتب إداري القاهرة إلى هذه اللجنة للإستعانة بخبرته فى هذا الميدان .

وعلى كل حال فقد أعترف محمد فرغلي بدوره فى رئاسة الجهاز بصورة حاسمة دون أن يدري حين تعرض للإتصالات التى جرت بين الإخوان والثورة فى أعقاب الإفراج عنهم من السجن الحربي للقيام بنشاط فى القنال ضد الإنجليز؛

وكان عبد الناصر قد شعر بحاجته إلى مثل هذا النشاط فى القناة بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية فى 23 مارس 1954 قطع المفاوضات مع مصر حتي تتخذ السلطات المصرية الإجراءات الكفيلة بحماية أرواح البريطانيين وممتلكاتهم

فيقول محمد فرغلي:

" أردنا أن نتعاون مع بعض رجال الثورة حينما كان يراد القيام بحركة فى القنال واتصلت أنا بأحد الضباط القائمين على هذا الأمر وكان هناك ضباط موجود ونفى المنطقة كل واحد يختص بجهة معينة فأنا اتصلت بالهضيبي وقلت له:
أننا فى منطقة القنال لابد أن نتعاون مع رجال الثورة فى أى عمل يطلب منا فى مقاومة الاستعمار وطلبت من يوسف طلعت بالذات أن يختار من كل منطقة من المناطق اللي معين فيها ضابط من ضباط الثورة شخص مسئول (من الجهاز السري) ليتصل به (بالضابط) ويتعاون معه فيما لو طلب ذلك؛
وفعلا تم هذا واختار الأسماء وقدم لى هذه الأسماء ودعونا هؤلاء الأشخاص فعلا واجتمعوا فى إدارة الحرس الوطني بحضور الصاغ كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة وبعض الضباط وجاء مندوب من كل منطقة ممن المناطق . فعرفت هؤلاء المندوبين وعرفت أنهم مسئولون لهم صلة بأوضاع النظام فى هذه المناطق ".

وهذا الكلام حاسم فى إثبات دور محمد فرغلي فى رئاسة الجهاز السري حيث قد اعترف بانه أصدر التعليمات ليوسف طلعت للإتصال بندوبيه فى مناطق القنال للتعاون مع ضباط الثورة وبا، يوسف طلعت قدم له الأسماء وهذا لا يحدث إلا إذا كان محمد فرغلي فى وضع يسمح له بإصدار التعليمات لرئيس الجهاز السري وإلا لأصدر الهضيبي هذه الأوامر مباشرة إلى يوسف طلعت باعتباره الرئيس المباشر .

سلطة اتخاذ القرار فى الجهاز السري

يتضح من ذلك أن الهضيبي قد فوض بالفعل اختصاصاته ف إدارة شئون الجهاز السري الإدارية لمحمد حميدة ومحمد فرغلي ولكن يلاحظ من الثال السابق أن محمد فرغلي لم يصدر تعليماته ليوسف طلعت إلا بعد أن حصل نفسه على موافقة الهضيبي وهذا يثير قضية من فى يده سلطة إصدار القرار فى الجهاز السري؟

لقد ذكر محمد فرغلي ومحمد خميس حميدة أن سلطة اتخاذ القرار كانت فى يد الهضيبي بصورة قاطعة فقال محمد فرغلي:" رئيس هذا النظام( يوسف طلعت) مسئول مسئولية مباشرة أمام المرشد العام ويتلقي منه الأمر مباشرة ولا يتلقي من أى شخص آخر "

وفى موضع آخر سأله جمال سالم:

  • من الذي على رأس النظام السري؟
يوسف طلعت؟
بأمر المرشد.
نعم.

وفى موضع ثالث سأله المدعي:

  • هل إذا أقر المجلس الأعلي لهذا أمرا أراد تنفيذ هل تبت هذه اللجنة فى هذا الأمر ثم تأمر بالتنفيذ دون الرجوع إلى المرشد الرئيس الفعلي لتأخذ موافقته؟
أعتقد لابد من الرجوع إلى المرشد.
  • ليه؟
لأنه الرئيس الأعلي .

وقد أكد محمد خميس حميدة أيضا سلطة الهضيبي فى إصدار الأمر فقد سأله وكيل النائب العام عمن يرأس يوسف طلعت فقال:

المرشد.
  • هل يستطيع يوسف طلعت أن يتصرف من غير موافقة المرشد؟
لا.
  • يعني لابد أن المرشد يوافق علشان يعطي الأمر وينفذ؟
أيوه.
  • أعد الكلام من فضلك
رئيس الجهاز السري هو يوسف طلعت ولا يمكن لرئيس الجهاز السري أن يتصرف إلا أخذ أمرا من المرشد .

وفى موضع آخر القضية بصورة حاسمة قائلا:

لايمكن أن ينفذ شئ فى الجهاز إلا إذا صدر به أمر من رياسة الجهاز.
حميدة يعني حسن الهضيبي يدي ليوسف طلعت وده يدي للمسئول اللي بعده منه وهو إبراهيم طلعت رئيس منطقة القاهرة وده يدي لرؤساء الفصائل .

على أن الهضيبي أنكر تماما مباشرته لهذا الدور وكانت عبارته فى هذا المجال :" أنا لا أباشر التنفيذ".

بل لقد أنكر صلته بيوسف طلعت فى رئاسة التنظيم فعندما سئل:

ما تجهتش له . ما أعرفش يوسف طلعت معرفة دخائل ما أعرفش إيه فى نفسه واحد حجه علشانيكون ئيس لقسم:ده ينفع قالوا : ايوه ينفع.
  • إذا قال لك كلام تثق فيه أم لا ؟
ما جربتوش فى أى شئ وما كنت محتاج أني أجربه .

وقد برز الهضيبي عدم مباشرته سلطته فى إدارة الجهاز بقوله:

" أنا ما كنتش قادر على تنفيذ اختصاصات الرئيس السابق . ولو بحثت الحقيقة تجد أنه فى سنة 1951 كنت مريض وأصبت بالشلل وأنا فى محكمة النقض والإبرام.... ولكن الإخوان الحوا على فى أن أقبل (منصب المرشد) وقالوا:احنا موش عايزين منك حاجة .
احنا نجيب لك الأوراق واللي يعجبك تمضيه واللي ما يعجبكش ما تمضهش فقبلت على هذا الشرط . ولكن بعد ذلك وجدت أن الذي وعدوني به من انجاز العمل باسطتهم لم يتحقق ... وبعد خمسة أو ستة أشهر رأيت أن العمل وقف فى الإخوان وبعض الأعضاء يوجهون اللوم للمرشد قلت لهم طيب يطلع المرشد !
فما رضيوش فجبت الدكتور خميس علشان يتولي التنظيمات الإدارية والأعمال الإدارية ومن وقتها وأنا لا أجد فى كل شهر جواب امضيه وبس وإنما كانت مهمتي قاصرة على زيارة البلاد واستقبال اناس ومراسلي الصحف "

ولكن ما هي رواية يوسف طلعت فى هذا الشأن وهو الذي يستطيع أن يحسم الأمر ويحدد ممن كان يتلقي أوامره؟ وهناك روايتان ليوسف طلعت بهذا الصدد:الأولي وتؤيد رواية الهضيبي والثانية وتؤيد رواية محمد خميس حميدة ومحمد فرغلي !.

  • وبالنسبة للرواية الأولي فقد سئل بواسطة الدفاع: هل قابلت المرشد بعد تعيينك ؟
أيوه.
  • قال لك أيه؟
قال:" موش عايز روح العصابة تهيمن على الأفراد والتزمت والسرية عايز دي تنشال .
  • هل قابلت المرشد تعرض عليه حاجة خاصة بالجهاز بعد هذه التنظيمات؟
تفصيلات؟
  • أيوه.
لا.
  • أمال كنت تتكلم مع مين فى شئون الجهاز الذى توليت رئاسته؟.
  • كنت بتقدم حساب للمرشد عن الجهاز فى المأمورية التى كنت مكلفا بها ؟.
حساب إيه؟ أفراد واللا سلاح؟
  • يعني كنت له تقارير عن تنظيم ،تسليح ،حساب الأفراد الاشتراكات مقدار تقدم التدريب؟
مرة قلت له علشان حكاية الاختلافات وقلت له ربنا يسهل
  • كنت تتصل بالدكتور خميس في هذا الشأن؟
الأول، لغاية ما زعلنا من بعض.
  • هل كان هو الواسطة بينك وبين المرشد؟
أيوة ( )

أما الرواية الثانية ليوسف طلعت، فكانت ردا على سؤال لرئيس المحكمة:

حسن الهضيبي كان مرشد الإخوان ... يعني لو انشال وجبنا واحد تاني ابقى تبعه. النظام والعرف كده.
  • هل يمكن أن تعمل حاجة بالجيش بتاعك من غير ما تأخذ موافقة من المرشد؟
موش ممكن.
  • يعني في أي عمل كبير: تروح تحارب في فلسطين مثلا مش لازم تأخذ موافقته؟
أيوة ( )

هاتان الروايتان اللتان أدلى بهما يوسف طلعت، وتبدوان متعارضتين، ولكنهما ليستا كذلك عند إمعان النظر، فقد أنكر يوسف طلعت أنه يعرض التفصيلات على الهضيبي، وهو ما يتفق مع رواية الهضيبي التي روى فيها أنه ليس على صلة وثيقة بيوسف طلعت، وكان نص عبارته: "أنا ما ليش صلة به كثير، أنا لا أباشر التنفيذ".

كما تتفق مع رواية محمد خميس حميدة التي روى فيها أن يوسف طلعت لا يستطيع أن يتصرف بدون أمر من المرشد، ومعنى ذلك أن الهضيبي لم يكن يرجع إليه في التفصيلات، وإنما في الخطوط العريضة أو الجليل من الأمور، حيث لم يكن يوسف طلعت يستطيع التصرف فيها بدون أمر أو موافقة المرشد. وفي ذلك إثبات لمباشرة الهضيبي اختصاصاته، وأنه إليه وحده الأمر في اتخاذ القرار.

وهذه النتيجة معقولة تماما ولا يتصور عكسها، بدليل أن الذي أتى بيوسف طلعت إلى رئاسة التنظيم السري، إنما هو الخلاف الذي حدث بين الهضيبي وعبد الرحمن السندي بسبب عدم خضوع الأخير لأوامر المرشد، صحيح أن الخلاف بدأ بسبب رغبة الهضيبي في إلغاء النظام؛

ولكن بعد أن قبل بقاءه استمر الخلاف أيضا لرفض عبد الرحمن السندي الخضوع له، فقد قرر محمد فرغلي أن المدة التي قضاها عبد الرحمن السندي، وهي أكثر من سنة، كانت "تتخللها فترات خلاف وفترات وفاق، وفي فترة الوفاق كان يستجيب فيها عبد الرحمن السندي للهضيبي".

ثم قال:

"إن أوضاع الجماعة تقتضي أن رئيس النظام خاضع للمرشد، فإذا اختلف رئيس النظام مع المرشد، يجب أن يتنحى رئيس النظام، بقطع النظر عن بقاء النظام ذاته" ( )

وعلى ذلك فإن إنكار المرشد مسئوليته عن مباشرة التنفيذ، لا يعني أنه قد تخلى عن مسئولية اتخاذ القرار، أو أن رئيس النظام السري يوسف طلعت كان يستطيع أن يتصرف بالجهاز كما يشاء دون الرجوع للمرشد.

ولقد باشر محمد خميس حميدة في الفترة الأولى شئون الجهاز مع يوسف طلعت باعتباره واسطة بينه وبين المرشد، ولكن بعد أن دب الخلاف بينهما، توقف هذا الاتصال وقد عبر يوسف طلعت عن ذلك بقوله إنه كان يتصل بالدكتور خميس: "لغاية ما زعلنا من بعض".

ولكن هذا الخلاف بينهما لم يكن خلافا شخصيا، وإنما كان انعكاسا للخلاف بين فريقين في الإخوان: فريق على رأسه الهضيبي، وفريق على رأسه محمد خميس حميدة وقد انحاز الجهاز السري إلى فرق الهضيبي كما سوف نرى.

الفصل العاشر:انتقال الإخوان إلى العمل السري

في تلك الأثناء كانت العلاقات بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر قد تطورت بعد التوقيع على المبادئ الأساسية لاتفاقية الجلاء، عندما اعتزمت الجماعة تحويل الخلاف بينها وبين الثورة إلى قضية وطنية، وعندئذ أخذ عبد الناصر في معاقبة الجماعة

على النحو الذي يرويه الهضيبي في خطابه إلى الإخوان المسلمين يوم 9 سبتمبر 1954 قائلا:

"عدت من رحلتي إلى البلاد العربية، فوجدت الأمور أكثر تأزما، ووجدت الشائعات تقول إن الإخوان المسلمين لا يتعاونون مع رجال الانقلاب، وتهديدات بحلهم، وتنقلات للموظفين (من الإخوان) بالجملة، واتهامات باطلة، ومصادرة لجميع ألوان النشاط حتى الرياضي، ومنع لصلاة العيد في فضاء المدينة، واعتقال لخطباء المساجد، وتفتيش بيوت الإخوان، واعتقال بعضهم، ووجهت إلينا حملة صحفية ظالمة؛
ولم يسمح لنا لا بالكتابة، ولا بالقول في محافلنا، وكنا قد أصدرنا مجلة الإخوان المسلمين، فضيق عليها وشطبت منها المقالات والتعليقات والأنباء، حتى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فأوقفناها مضطرين لأنها أصبحت لا تعبر عن شئون الدعوة في قليل أو كثير؛
وكان مما وقع منهم في محافلهم أن جعلوا يحرضون بعض الناس على الإخوان المسلمين، ويغرونهم بهم، وأخذت الجرائد، وهي لا تكتب إلا ما تبيح الحكومة بنشره، تشكك الناس في الإسلام وحكم الإسلام، ودأب خطباؤهم في محافلهم على مثل ذلك متمثلين ببعض الدول التي تدعي الحكم بالإسلام، وهي أبعد ما تكون عنه ...
هذا ما وجدته عند عودتي، ولا أظن إنسانا عنده مسحة من عقل يستطيع أن يحمل الإخوان المسلمين تبعة ذلك، ولا أن يجد مبررا له عند رجال الحكومة. ( )

في تلك الظروف فاجأ الهضيبي الحكومة والإخوان باختفائه عن الأنظار، واختفى معه عدد من قادة الجماعة، ومنذ ذلك الحين بدأت صفحة جديدة فهل كان هذا الاختفاء تمهيدا لعمل جديد، أم كان اختفاء اضطراريا تحت ضغط الإرهاب الحكومي؟

أغلب الظن أن السبب الأخير كان وراء الاختفاء، فقد ذكر حسن العشماوي في مذكراته أن ما دعا الهضيبي إلى الاختفاء هو ما تأكد له

"وما تأكد لنا من أنه قد صدر أمر بالقبض عليه نتيجة اجتماع عام عقده في المركز العام للإخوان، ورد فيه على اتهامات جمال عبد الناصر" ( )

وقد روى محمد خميس حميدة ما يؤيد هذا الرأي، فقد ذكر أن "رجال البوليس راحوا سألوا عن المرشد في البيت، فظن أنه مطلوب للاعتقال أو القبض عليه، فقال: أنا حاسلم نفسي للبوليس" ( )

وروى محمد فرغلي أن الهضيبي صارح بعض الإخوان الذين زاروه في مخبئه بأنه

"يخشى على نفسه الاغتيال، وأنه اختفى حتى لا يحمل الجماعة تبعة ذلك، ومن جانب آخر ليعطي بعض الإخوان الذين يريدون التفاهم مع الحكومة فرصة لهذا التفاهم" ( )

وقال محمد فرغلي أنه زار الهضيبي مع بعض الإخوان "وسألناه عن سبب الاختفاء، فقال: أنا اختفيت لأنه بلغني أخبار يقين بأني مهدد بالاغتيال" ( )

وقد اعترف الهضيبي بهذا السبب نفسه، فعندما سئل عن سبب اختفائه، قال:

"قيل لي إن الحكومة تريد اغتيالي" وقد سئل عمن أبلغه ذلك فقال: "يمكن عبد القادر، يمكن خميس ... موش متحقق" ( )

وإذا كان هذا هو سبب الاختفاء، فهل كان الهدف منه الاستعداد للمعركة أم الانسحاب من المعركة؟

يقول الهضيبي أنه أراد من اختفائه "الاعتزال" ويذكر السبب في ذلك فيقول إنه حين عاد من سوريا وجد أن الإخوان يتكلموا كثيرا، ولا يتفقون على شيء، "وإكمالا للخطة بتاعتي من البعد عنهم حتى لا يظن أني مؤثر فيهم، اعتزلت" ( )

على أن رواية محمد خميس حميدة في هذا الشأن تنقض هذا الكلام، فقد ذكر أنه ذهب إلى الهضيبي في مكان اختفائه لمطالبته بأن يترك لمكتب الإرشاد التصرف في كل ما يتعلق بالجماعة، "فقال لي: أنا حر، أدي اللي عاوز أديله، أنت وكيل في غيابي فقط، وأنا موجود" ( )

وقد يكون مفيدا في إلقاء الضوء على هذه المسألة أن نذكر أن الهضيبي لم يختف وحده، فقد سبقه إلى الاختفاء يوسف طلعت بفترة وجيزة ( )

كما اختفى معه كل من صلاح شادي، ومحمود عبده، وحسن العشماوي، وكمال عبد الرازق، وصالح أبو رقيق، ومنير دلة، وعبد القادر عودة ( )

ولما كان عبد المنعم عبد الرؤوف مختفيا قبل ذلك منذ هروبه، فمعنى ذلك أن رؤساء تشكيلات التنظيم السري كانوا في الاختفاء، وكان هؤلاء بالإضافة إلى القادة الآخرين السالف ذكرهم هم الذين أخذوا كما يقول محمد خميس حميدة يديرون سياسة الإخوان في تلك الفترة ( )

ومعنى هذا الكلام بوضوح أن الجماعة انتقلت من العمل العلني إلى العمل السري، وتحولت من جماعة علنية إلى جماعة سرية، وهذا ما يصوره لنا حسن العشماوي في مذكراته، فيذكر أنه في فترة اختفاء الهضيبي في القاهرة "اجتمع مع زملائه أعضاء مكتب الإرشاد مرتين، فضلا عن اجتماعات تكميلية تمت مع من أراد الاجتماع بهم من الأعضاء".

وهذه الاجتماعات تمت في سرية تامة، حيث

"كان الأستاذ الهضيبي في المرتين يحدد لنا الموعد في الليلة السابقة مباشرة على الاجتماع، تاركا لنا تحديد مكانه، وعلينا ألا نخبر أحدا بمكان الاجتماع أو زمانه، إلا قبله بدقائق".

وقد بلغ من أحكام السرية:

"أننا أنفسنا، يا من كنا نقوم بتنظيم الاجتماع، لم نكن نستطيع أن نعلم مكانه تحديدا إلا قبله بساعات قلائل، لأننا كنا ننتهز الفرص لنعثر على مكان مناسب يتم فيه الاجتماع، ثم نعتبر هذا المكان بعد ذلك منطقة مكشوفة محرمة علينا أن نرتادها، وكنا نجمع الأعضاء في مكان الاجتماع أولا، ثم ننقل الأستاذ الهضيبي، تحت العيون التي لا تغفل، من مكان سكناه إلى مقر الاجتماع، ونرجع به قبل أن يغادر المكان غيره" ( )

ولا شك أن المسئول عن هذه النتيجة، وهي تحول الجماعة من العمل العلني إلى العمل السري، هو النظام الديكتاتوري الذي فرضه عبد الناصر بعد انتصاره على القوى الديمقراطية والتقدمية في أزمة مارس، والذي منع فيه جماعة الإخوان من إبداء رأيها في المعاهدة في إطار ديمقراطي..

واعتبر نشاطها في معارضة هذه المعاهدة نشاطا يستحق من يقوم به الاعتقال والتنكيل، فمن المحقق أنه كان لجماعة الإخوان الحق في معارضة المعاهدة، وممارسة هذه المعارضة علنا بكل الوسائل المشروعة، دون أن يترتب على ذلك أي صدام مع الحكومة؛

فهذا هو المفروض في النظم الديمقراطية التي تؤمن بحرية الشعب في ممارسة الحكم، وكان في وسع عبد الناصر الدعاية للمعاهدة بكل ما يملك من وسائل الإعلام، وما يسخره من أقلام، وفضح قبول الإخوان للمبادئ التي قبلها هو أساسا للمعاهدة؛

ولكن عبد الناصر لم يكن يؤمن بالأساليب الديمقراطية في ممارسة الحكم، مما اضطر الإخوان للنزول تحت الأرض ومباشرة نشاطهم بشكل سري، وقد كان على الإخوان في ذلك الحين أن يدفعوا ثم وقوفهم إلى جانب الدكتاتورية، وأن يدركوا أن نيران الدكتاتورية لا يمكن أن تقتصر طويلا على خصومهم الوفديين والشيوعيين، وإنما لا بد أن يصل لهبها إليهم ليحرقهم.

ومن المثير أن الإخوان عرفوا هذه الحقيقة متأخرا حين أخذ الخلاف بينهم وبين عبد الناصر يأخذ شكل صدام خطير، فقد روى سيد قطب، الذي كان في تلك الفترة يرأس تحرير جريدة "الإخوان المسلمون" التي صدر العدد الأول منها في مايو 1954 ( )

أنه توجه إلى بيت الهضيبي في الأسبوع الأول من عودته من سوريا أي في أواخر أغسطس "وأعدت عليه الاقتراح الذي كنت أقترحه دائما، وهو أن على الإخوان المسلمين أن يقوموا بواجبهم في المطالبة برد الحريات الشعبية، وخاصة الضمانات القانونية؛

كنت أود، وكنت أدفع الجماعة أن تكون جماعة شبابية، أي أن تطالب بقضايا الشعب مطالبة علنية، وتؤدي دورها في هذا باعتبارها أكبر جماعة في البلاد، ومن واجبها ألا تترك قضية أو مظلمة من مظالم الشعب إلا وتتبناها وتدافع عنها، وتخرج إلى الطريق، إلى الناس، وتذكر لهم أغراضها، وتقود الحركة الشعبية ( )

على أن أجهزة الرقابة في نظام عبد الناصر وقفت بالمرصاد لجريدة الإخوان المسلمين حين أرادت أداء هذا الدور، حتى أنها كما ذكر الهضيبي في خطاب 9 سبتمبر "كانت تشطب آيات القرآن والأحاديث النبوية"

وبذلك أصبحت الجريدة "لا تعبر عن شئون الدعوة في قليل أو كثير"، وعندئذ قرر سيد قطب إغلاقها، وعلى حد قوله: "أغلقت الجريدة باختياري، لأني لم أستطع أن أنشر فيها ما أريد بسبب الرقابة" ( )

حرب المنشورات

في ذلك الحين، تركز نشاط الجماعة في المنشورات، لتعبئة الرأي العام ضد المعاهدة، وكان يقوم على هذا النشاط الجهاز السري بقيادة يوسف طلعت، الذي كانت أجهزته المنبثة في القطر تتولى توزيع المنشورات على أوسع نطاق ممكن.

وسلاح المنشورات لم يبرز في الحقيقة مع عملية اختفاء الهضيبي وكبار قادة الإخوان، وإنما برز أثناء حل الجماعة في 14 يناير 1954 وفترة الاعتقال بالسجن الحربي، وفي ذلك يقول محمد خميس حميدة: "وإحنا في المعتقل كان فيه منشورات يوسف طلعت" ( )

وفي ذلك الحين صدرت نشرة منتظمة بلغ عدد الأعداد التي صدرت منها حتى فبراير 1954 خمسة.

وكانت هذه النشرات والمنشورات تستخدم لغة الدين في إثارة روح الحماسة والتضحية والفداء في نفوس الإخوان، وعلى سبيل المثال، فقد صدر في العدد الخامس من نشرة الإخوان المسلمين في فبراير 1954، تحت توقيع حسن الهضيبي ما يلي:

  • "يا شباب الإخوان، تعالوا نشتري الجنة بسياط العذاب وبرصاص أعداء الله.
  • تعالوا نرق الدم المسفوك والدم الساخن، ليكون أوسمة نحلي بها صدور الشهداء
  • تعالوا نشم أريج الجنة، فداء لله وللدين.
  • وتعالوا ننعم النظر إلى جمال الله وصحبة رسول الله.
  • تعالوا إلى ما وعد الله في كتابه الكريم: "وجوه يومئذ راضية"، و "بشر المؤمنين".والله أكبر ولله الحمد" ( )

وقد توقفت المنشورات بعد الإفراج عن الجماعة، لتستأنف مرة أخرى عندما عاد الخلاف مع عبد الناصر، وأخذت الرقابة تمنع جريدة "الإخوان المسلمون"، التي يديرها سيد قطب، من نشر ما لا يتفق مع رأي النظام؛

فقد أصدر النظام السري مجلة سرية بعنوان: "الإخوان في المعركة"، تشير الدلائل إلى أنها كانت تصدر في وجود المجلة العلنية قبل إغلاقها، وتنشر فيها ما لا تجيز الرقابة نشره فيها، فقد ورد على لسان محمد خميس حميدة، في معرض تدليله على معارضة مكتب الإرشاد لهذه النشرات: "إحنا قلنا إن اللي يصلح (من المقالات) ننزله في الجريدة، وننزله إحنا يا مكتب الإرشاد، ليه نطلع منشورات؟" ( )

على أن الهضيبي كان موافقا تماما على هذه النشرات، ويشجع على صدورها، بل لقد كان صاحب فكرة طبع المقالات التي تصادرها الرقابة وتمنع نشرها في المجلة العلنية، في شكل منشورات؛

فقد روى سيد قطب أنه زاره بعد عودته من سوريا، وشكا إليه من أنه لا يستطيع أن ينشر في الجريدة ما يريد بسبب الرقابة، وأنه بقيت لديه تعليقات كثيرة لم يسمح الرقيب بنزولها، وأننا لا نستطيع أن نوصل صوتنا إلى الشعب"!

وقد رد عليه المرشد قائلا:

"إن مكتب إداري القاهرة (ويرأسه محمود عبده) () له إمكانيات، ويطبع منشورات الإخوان، فيمكن أن يطبع هذه المقالات والتعليقات التي تقف الرقابة دونها"،

ويقول سيد قطب إنه ذهب بعد ذلك إلى رئيس مكتب إداري القاهرة لهذا الغرض، فأخبره بأنه لا يملك سوى "ماكينة صغيرة"، فعاد إلى المرشد، الذي أمر فورا بصرف ثمن ماكينة رونيو جديدة لهذا الغرض بلغ ثمنها 180 جنيها ( )

ومع تصاعد الصراع بعد هجوم المرشد على توقيع مبادئ اتفاقية الجلاء، أخذت المجلة السرية تتجاوز حدودها الموضوعية في النقد والهجوم، فقد احتوى أحد هذه الأعداد، إلى جانب الهجوم على المعاهدة، على اتهام لعبد الناصر بأنه قد أثث بيته بمفروشات من القصور الملكية المصادرة عن طريق لجنة جرد القصور، وكان هذا الاتهام باطلا باعتراف محمد خميس حميدة نفسه الذي ذكر أنه يعرف أنه لا يوجد في بيت عبد الناصر من الأثاث "سوى العفش اللي كان فيه أيام زواجه" ( )

وقد أزعج هذا التجاوز الكثيرين داخل مكتب الإرشاد، ولما كان محمد خميس حميدة ينوب عن المرشد في الإشراف على الجماعة أثناء غيابه في البلاد العربية، فقد استدعى يوسف طلعت "وقلت له: ازاي العدد ده ينزل؟ وكيف تنزل أشياء من غير أن ترسلها لمكتب الإرشاد ويوافق عليها؟

قال: أنا آخذ أوامري من الهضيبي رأسا مش منك، وأنا مش بآخذ منك أي شيء، قلت له: المرشد مش موجود هنا الآن، وأنا قايم بعمل المرشد مع مكتب الإرشاد، قال: "ولو، إحنا نتصل به في سوريا" ( )

وكان حميدة قد علم بالعدد قبل صدوره، وطلب عدم إصداره، وفوجئ بنزوله.وقد اعترف يوسف طلعت بهذه الواقعة، فقد روى أن محمد خميس حميدة كلمه في مسألة نشرة "الإخوان في المعركة"، وقال له: "دي ما تنزلهاش، قلت له: يا دكتور، دي نزلت!

فقال لي: ازاي تنزلها من غير إذني؟ وبعدين قال لي: "لما أقول لك ما تنزلهاش تبقى ما تنزلهاش". فأنا قلت له: "هي المسألة مسألة رأي، وأنا وزعت النشرة" ... وحصلت مناقشة، وقال: "انصرف" وسيبنا الموضوع. ( )

في ذلك الحين كان سيد قطب يرأس تحرير مجلة "الإخوان في المعركة" السرية، وهذا ما يفهم من كلام يوسف طلعت، فقد روى أنه كان يتلقى من سيد قطب "شوية مقالات" وعندما سأله رئيس المحكمة جمال سالم عمن يقوم بتحرير الأخبار، تهرب يوسف طلعت قائلا:

موش فاكر حاجة من الأخبار، ويعني حتهمك حقيقة هذه الأخبار؟
أيوة يا فندم ( )

على كل حال، فقد استمرت مجلة "الإخوان في المعركة" في الصدور بعد مجيء الهضيبي، باعتراف حميدة، الذي يذكر أنه عرض على الهضيبي قصة الخلاف بينه وبين يوسف طلعت بخصوص المجلة، فرد عليه قائلا: إن "الإخوان متضايقين منك في الوضع ده، لأنك مش مريحهم، وسياستك مش عاجباهم"

وقد سأله وكيل النائب العام:

  • سياسة إيه؟
سياسة المهادنة مع الحكومة" ( )


ولم يلبث نشاط المنشورات أن ازداد بعد اختفاء الهضيبي ومساعديه، يقول حميدة: "في الفترة الأخيرة، المنشورات كانت بتنزل من غير ما نعرف والأمور كانت تدار دون علمنا"

وقد سأله جمال سالم:

  • من الذي كان يديرها؟
المرشد مع الإخوان المختفين معه ( )

كان أبرز المنشورات التي ظهرت في ذلك الحين، المنشور الذي صدر باسم اللواء محمد نجيب، رئيس الجمهورية، ضد المعاهدة، وقد ذكر محمد نجيب أنه كتب آراءه في المعاهدة في مذكرة أرسلها، ولكن هذه المذكرة " وصلت إلى الإخوان المسلمين، الهيئة الوحيدة المنظمة والمصرح بوجودها، عن طريق لا أعرفه، فقاموا بطبعها، وتوزيعها منشورا" ( )

وقد روى إبراهيم طلعت، رئيس مناطق القاهرة، أنه وجد مذكرة محمد نجيب مع عبد القادر عودة، في شكل "ورقة مكتوبة بالرصاص، مسودة بدون توقيع".

وقد سأله عبد القادر عودة عما إذا كان يعرف مكانا يستطيع فيه طبع هذا الكلام، فأخبره بأن "فيه بعض الإخوان الذين يستطيعون القيام بطبع هذا الكلام، وفعلا أخذنا هذه الورقة، وقمنا بطبعها، ووزعت على رؤساء المناطق، فقاموا بتوزيعها( ) وكان نقد الرئيس نجيب قائما إلى مصر واستغلال الموانئ والمطارات ( )

أما المنشور الثاني، فكان بقلم سليمان حافظ، وكان سليمان حافظ، الذي كان يشغل منصب وكيل مجلس الدولة عند قيام الثورة، قد لعب دورا أسود في تحويل مسارها إلى الطريق الدكتاتوري منطلقا في ذلك من موقف حزبي متعصب ضد الوفد، حيث كان من رجال الحزب الوطني قبل الثورة.

وقد وضع خبرته القانونية في خدمة النزعة الدكتاتورية لضباط الثورة، وقد تخلص عبد الناصر منه كما تخلص من غيره من رفاق الطريق ممن أدوا أدوارا ضد الوفد وضد الديمقراطية، ولكنه عاد في ذلك الحين يتذكر الديمقراطية ويبحث عن دور جديد يكفر به عن خطاياه، وكانت اتفاقية الجلاء هذه المناسبة المختارة، وكان المنشور في الأصل حديثا للنشر في جريدة "الإخوان المسلمون" ثم تحول إلى منشور بعد تعذر نشره وتوقف الجريدة، وصدر تحت عنوان: "حديث وزير سابق" ( )

وفيما عدا هذين المنشورين، فقد اتبعت المنشورات الأخرى نفس أسلوب استخدام لغة الدين في تعبئة المشاعر ضد النظام استعدادا للإطاحة به عند سنوح الظروف المناسبة، ففي منشور بعنوان:"مناجاة"، ورد به الآتي:

"اللهم إنك تعلم أن أعداءك قد فجروا في الأرض، وألحدوا في أسمائك وحاربوا قرآنك، وعطلوا قيوده، وفتنوا المؤمنين من عبادك.
"اللهم أزل دولتهم، واكسر شوكتهم، وفرق جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، وانصرنا عليهم يا خير الناصرين.
"اللهم إنك ترى أن السجون قد غصت بعبادك المؤمنين، وأنت وحدك سبحانك تعلم سرهم ونجواهم، وهم عبادك يعملون لدعوتك ..." ( )

وقد صدر منشور من المرشد العام مؤشر عليه في 5 أكتوبر 1954، يحمل نفس النبرة، نبرة الإثارة الدينية، ويدعو إلى الاستعداد لحمل السلاح قائلا:

"إلى جنود الله في أرضه، يأمرنا الله في كتابه العزيز بقوله تعالى:
"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم".
"فيا أيها الأخ الكريم، قد جاء يومك، وعليك أن تستعد وتتأهب .. فأمامنا أعداء وليس عدوا واحدا، ألا وهم: الكفرة، والفجرة حكام هذا الوطن العزيز .. هؤلاء الذين ليس في قلوبهم مسة من الرحمة أو ذرة من شفقة، وهذا الشعب البائس، الذي يحكمه الطغاة، لا يصح أن يعيش في هذه الذلة والمسكنة.
"ألا تعلم أيها الأخ أنهم يشردون أطفالك باعتقالاتهم الجنونية، وربما يحتاج الأمر إلى استعمال القسوة في معاملتهم، فعلى كل أخ يعتز بدعوته أن يستعد بكل ما عنده من مال وسلاح، إلى أن يحين اليوم الموعود" ( )

الاتصالات بين الإخوان المسلمين والشيوعيين

في تلك الأثناء كانت الظروف قد أخذت تجمع بين أقصى اليمين وأقصى اليسار ممثلين في الإخوان المسلمين والشيوعيين، فقد جرت اتصالات بين الفريقين لتنسيق التعاون بينهما في إسقاط نظام عبد الناصر.

ولم تكن هذه الاتصالات هي الأولى، فقد سبقتها اتصالات أخرى في العام السابق 1953، حين أخذ التنظيم الشيوعي "حدتو" (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) في إنشاء جبهة وطنية ديمقراطية على مستوى الطلبة لمحاربة حركة الجيش، وجرى الاتصال بالإخوان المسلمين عن طريق عبد الحفيظ الصيفي الذي كان يحمل اتجاهات تقدمية، وقد قبل الإخوان الدخول في الجبهة بطريقتهم الخاصة في عدم التورط؛

فقد أبدوا تعذر إصدار بيان بانضمامهم إلى جبهة من الشيوعيين والوفديين، ولكنهم سمحوا لمندوبي الجبهة بالاتصال بشباب الإخوان المسلمين من الطلبة .. وجرى التنسيق بالفعل بين الجبهة وهؤلاء الشباب والطلبة، الذين يذكر منهم زكي مراد فتحي البوز ( ) وهو من أعضاء الجهاز السري كما مر بنا.

وقد عبر الهضيبي بعد ذلك عن موقف متغير من الشيوعيين، فقد أعلن في تصريح له أن " الشيوعية لا تقاوم بالعنف والقوانين"، وقال إنه "لا مانع لديه من أن يكون لهم حزب ظاهر، والإسلام كفيل بضمان وسلامة الطرق التي تسلكها البلاد" ( )

وقد كانت الظروف في صيف عام 1954 شبيهة تماما بظروف صيف عام 1953، من حيث أن جميع القوى الوطنية والديمقراطية كانت مضروبة وكانت علاقات الإخوان المسلمين بالثورة تشبه لحد كبير علاقتها بها قبل عام مضى، من ناحية أنها كانت تسير في طريق صدام محتوم، وبذلك تهيأت الفرصة للقاء بين الإخوان والشيوعيين مرة أخرى.

وتشير الأدلة إلى أن الخطوة الأولى في سبيل هذا اللقاء كانت من جانب الحزب الشيوعي، ففي 19 يونيو 1954 أعلنت جريدة "راية الشعب"، لسان حال الحزب الشيوعي المصري، الذي كان يرأسه الدكتور فؤاد مرسي أن المقاومة ضد الثورة تقودها قوتان رئيسيتان هما: الحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين، وأوصى نفس المقال بوجوب بذل الجهد المشترك من أجل إسقاط حكومة عبد الناصر، وقد تجدد العرض في شهر يوليو التالي ( )

وفي نفس الوقت تقريبا كانت العلاقات بين الطلبة الشيوعيين والطلبة من الإخوان في الجامعة تسير في طريق تحالف .. فقد جرت اتصالات بينهم لعقد مؤتمر عام في الحرم الجامعي، وافق فيه الطلبة الإخوان على الاشتراك فيه باعتباره فرصة سانحة للإعراب عن شعورهم بعد إعلان الطلبة الشيوعيين تضامنهم معهم في هذا الشأن، وكان ممثل الطلاب الإخوان هو الطالب محمد علي نصيري، وهو أحد أعضاء الجهاز السري كما مر بنا.

وفي يوليو 1954 جرى أول اتصال بين مندوب عن الحزب الشيوعي وسيد قطب، رئيس تحرير جريدة "الإخوان المسلمون" وكان يرمز إليه في هذه الاتصالات بحرفي س . ق . ووفقا لتقرير مندوب الحزب الشيوعي الذي أجرى الاتصال، وهو بتاريخ 16 يوليو 1954، فإن النقاش دار حول الأهداف المشتركة للجماعتين، وقد اتفق فيه على أن معارضة ارتباط البلاد بمعاهدة أحلاف مع الأعداء، وإسقاط الحكومة يمثلان هدفا مشتركا للجماعتين، أو على حد التعبير الذي

ورد في التقرير:

"إن الوطني الآن هو الذي يعارض أن ترتبط بلاده بمعاهدة أو حلف مع الأعداء، والوطني هو الذي يكافح من أجل إسقاط الحكومة التي وضعها الأعداء على نفوسنا لتربطنا بعجلته وحروبه".

كما كان من رأي الحزب الشيوعي الدعوة إلى قطع المفاوضات وإلغاء الأحكام العرفية وغيرها مما يقيد الحريات، وهو ما وافق عليه سيد قطب "من حيث المبدأ موافقة تامة".

وقد جرى الحديث عن أن

"هناك نفرا من الإخوان الخونة الذي يسيرون وفق خطط الاستعمار، وقد أعلمني رسول الإخوان المسلمين أن المرشد قد ترك مصر للخلاف الذي بينه وبين دعاة التعاون مع الحكومة".

وكان من رأي الحزب الشيوعي أن

"الطريقة الوحيدة لإسقاط الحكومة لا يمكن أن تنجح إلا إذا قامت الحركة من خارج الجيش، وعلى الشعب أن يقاوم لإسقاط الحكومة الحاضرة".

وقد جرى اتصال آخر تضمنه تقرير بتاريخ 20 أغسطس 1954، لدراسة الأعمال التمهيدية اللازمة لتجميع القوى، وتناول الحديث سلاح المنشورات، فأوضح مندوب الإخوان أن الجماعة أصدرت عشرة آلاف منشور وستصدر غيرها؛

وقد بين مندوب الحزب الشيوعي أن هذا السلاح لا يكفي بل يجب أن تكون هناك أعمال إيجابية لتشجيع الجماهير على التجمع في عمل نهائي حاسم، وقد نوقشت فكرة المظاهرات كوسيلة لعمل مشترك، وكان رأي مندوب الإخوان أن الاشتراك فيها يعرض الجماعة لحل سريع؛

وأن "علينا أن نرتب عملا مشتركا مدروسا"، بينما كان من رأي مندوب الحزب الشيوعي أن انسحاب الإخوان من الاشتراك في المظاهرات يعرضهم أمام الجمهور لموقف سيء، وقد أبدى رسول الإخوان المسلمين إمكان الاشتراك في المظاهرات، على ألا تستعمل هتافات الإخوان المعروفة، وهي: الله أكبر ولله الحمد ( )

ويلاحظ على هذين التقريرين أنهما يحملان بالفعل وجهة نظر الحزب الشيوعي المصري في الحركات التي تقوم بها الجيوش، وهي وجهة نظر تتسم بالشك، فحين سئل رأيه من قبل قيام ثورة 23 يوليو في حركة يقوم بها الضباط، أبدى حذره وتخوفه على أساس أن الجيش لا يضمن ..

وبعد قيام الحركة في 23 يوليو، خاطبها مخاطبة ودية لمدة ثلاثة أيام، ثم هاجمها في اليوم الرابع أي في يوم 26 يوليو 1952 في منشور مشهور باسم "الخدعة الكبرى" وصفها فيه بأنها "انقلاب عسكري له طبيعة فاشية" ( )

كذلك يلاحظ أن المعلومة التي وردت في التقرير الأول والخاصة بأن المرشد قد ترك مصر إلى البلاد العربية للخلاف بينه وبين دعاة التعاون مع الحكومة، هي معلومة صحيحة اعترف بها الهضيبي نفسه فيما بعد أثناء محاكمة الإخوان في حادث المنشية، كما مر بنا.

وعلى كل حال، فقد أكد لي الدكتور فؤاد مرسي، وهو رئيس الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، هذا الاتصال الذي تم بين الحزب وسيد قطب، وذلك في أحد لقاءاتنا.

وتبقى هذه النقطة:

هل كانت هذه الاتصالات بموافقة الهضيبي؟ والرد على ذلك أنه لا توجد معلومات كافية، ولكن قد يفيد أن هذه الاتصالات السالفة الذكر قد تمت أثناء غياب الهضيبي في البلاد العربية، وقد ذكر البعض أن كبار المسئولين في الجماعة قد نبهوا إلى حماقة التحالف مع الشيوعيين، واستحالة هذا التحالف من الناحية الإيدلوجية؛
وبالتالي فلم يتمخض من النتائج الظاهرة لهذه الاتصالات إلا التعاون بين الطرفين في مجال توزيع المنشورات، فقد قبض على اثنين من الإخوان بينما كانا يوزعان منشورات الحزب الشيوعي المصري، وقدما إلى المحاكمة أمام المحكمة العسكرية العليا ( )

الفصل الحادي عشر:التمزق الداخلي في الإخوان

بينما كانت جماعة الهضيبي تنتقل من العمل العلني إلى النشاط السري، تحت وطأة أجهزة القمع لجهاز عبد الناصر، مستعينة بالجهاز السري الذي كان يدين بالولاء للهضيبي، كانت هذه الجماعة تتعرض لعداء ومعارضة من فريقين هامين في الإخوان:

الفريق الأول، فريق محمد خميس حميدة، وكيل الإخوان ونائب المرشد أثناء اختفائه.
والفريق الثاني، فريق صالح عشماوي ورفاقه المفصولين من الجماعة. وبالنسبة لفريق صالح عشماوي، فقد كان يستمد خطورته وأهميته من مجلة الدعوة لسان حاله، التي كانت مستمرة في الصدور وقتذاك، وتمثل بكتابها وقرائها من الإخوان وغيرهم قوة ضغط رهيبة على الهضيبي وفريقه.

وكان صالح عشماوي ورفاقه المفصولون قد زاروا الهضيبي بعد خروجه من السجن الحربي يوم 25 مارس، مهنئين بالعودة ومجددين للبيعة كما ذكرنا واستأنفت الجماعة نشاطها في جو يبشر بالأمل، "وظن الجميع" كما يقول صالح عشماوي "أن الصف قد توحد، والشمل قد التأم"

وأخذ المفصولون يترددون على المركز العام للإخوان، ولكن التساؤل كان يدور بين الكثيرين عما إذا كانت قيادة الإخوان سوف تصدر قرارا بعودة هؤلاء المفصولين رسميا إلى الجماعة، ومتى يحدث ذلك؛

ثم جاءت المفاجأة في النشرة السرية للإخوان التي صدرت في ذلك الحين تحمل الإجابة على هذا السؤال، فقد ورد فيها:

"يتساءل الإخوان عن موقف بعض الناس المفصولين الذين يترددون على المركز العام، وجوابنا إلى الإخوان أن عليهم أن يقاطعوهم وينأوا بجانبهم عنهم"

وقد كانت تلك بداية معركة حامية بين مجموعة الدعوة ومجموعة الهضيبي، فقد شعر المفصولون بوقع الإهانة، خصوصا عندما تحدثت عنهم النشرة بوصفهم "بعض الناس"، وليس "بعض الإخوان" ( )

وقد قام هجوم مجلة الدعوة على نفس الأساس القديم، وهو أن جماعة الإخوان المسلمين تدار بطريقة استبدادية بواسطة نفر محدود منها، ويستأثر بالقيادة فيها "الجدد" (تقصد الهضيبي)، وأن هذا النوع من القيادة يخالف مبادئ الإسلام التي تقوم على مبدأ الشوري ( )

وقد وصف أحمد عادل كمال، المساعد السابق لعبد الرحمن السندي في التنظيم السري، أحوال الجماعة في ذلك الحين بأنها تنقسم إلى مجموعتين:

مجموعة ساخطة على القيادة لا يفتأ أفرادها يرددون في وصفها عبارات: الدخلاء، المغرضون، الماسون، الظالمون، المحدثون، الوارثون، الانحراف ... إلخ وهي مجموعة المفصولين، والمجموعة الثانية، وهي مجموعة القيادة، تكثر كما قال من
"الفصل، والاتهام، والإيقاف، والاستغناء عن الأعداد الغفيرة من الإخوان، والشك، والاتهام والمقاطعة، والخصام ... إلخ" وقال: "هذا وذاك هما شقا الرحى اللذان كنا طحنا بينهما طوال شهور تسعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ( )

وقد هاجم أحمد أنس الحجاجي مجموعة الهضيبي قائلا:

"إن السفينة في خطر، وإنكم أحدثتم فيها خروقا عدة من حيث تشعرون أو لا تشعرون، ومحال أن يكون مقصدنا التشهير والتعريض، إن دورنا معكم هو دور حارس السفينة وحاميها؛
وفي الوقت الذي كان يجب أن يكون فيه صوت الدعوة وصوت الإسلام هو صاحب الأمر، وهو القول الفصل في هذا الوقت، نرى الصف الإسلامي آخر الصفوف، وحتى مهمة النصيحة الهينة لم ندركها، وما ذاك إلا لأننا مشغلون بحرب داخلية، وإذا قال الناس عنا ذلك غضبنا عليهم وشتمناهم" ( )

في ذلك الحين طلبت "الدعوة" التحكيم فيما شجر من خلاف:

"إننا نطلب تحكيم القرآن وشرع الله، وماذا نخشى؟ ولماذا ندعي لبعض الأشخاص القداسة فلا نناقش أقوالهم، ولا يحاسبون ولا يناقشون؟" ( )

وكانت "الدعوة" تعلق آمالها في التحكيم على الهيئة التأسيسية التي أظهرت في ذلك الحين عجزا واضحا عن القيام بدورها في شئون الجماعة تحت سيطرة الهضيبي ومجموعته؛

فقد كتبت تصف الهيئة التأسيسية بأنها هي الجهة التي من شأنها أن يرد إليها كل أمر في الجماعة، وهي التي تنتخب مكتب الإرشاد العام والمرشد العام، وهي التي تناقشهم الحساب وتعرض عليها أعمالهم ( )

وقد نعت عليها أنها بعد الحل الأخير للإخوان، كانت "بعيدة عن النشاط الجبار الذي يقوم به الإخوان العاملون" وأنه "في التجربة الأخيرة التي مر بها الإخوان، وما صاحبها من فتن كقطع الليل المظلم، لم يسمع صوت الهيئة التأسيسية إلا مرة واحدة، ثم سكت الصوت ولم يسمع" ( )

ولما كان التنظيم السري برئاسة يوسف طلعت في صف الهضيبي ومجموعته، فقد تعرض لهجوم الدعوة، التي تحدثت عن نشرته السرية "الإخوان في المعركة" وفضحت بذلك سريتها، وقد استشهد ببعض ما ورد فيها، في معرض الدفاع ضد المعارضين، ووصفتها، نقلا عن بعض الإخوان، بأنها: "نشرة مدسوسة" وأن "كثيرا مما فيها لا يتفق وشرع الله" ( )

وبالنسبة للموقف من الثورة، فقد اتخذت مجموعة صالح عشماوي موقفا حاسما مؤيدا للثورة في وجه مجموعة الهضيبي، فقد أكثرت من الاعتراض على خطة الهضيبي في العداء للثورة، وكتب صالح عشماوي يقول

"إنه لن يستفيد من هذا الخلاف إلا المستعمرون والصهيونيون والشيوعيون والملكيون والإقطاعيون وكل خصم لدود لمصر والمصريين وللعرب والمسلمين" ( )

لهذا السبب رأت مجموعة "الدعوة" أن الدواء الوحيد للداء الذي تعاني منه الجماعة ينبني على التسليم بحقائق ثلاث:

الأولى: أنه يجب التئام الشمل وجمع الصفوف
والحقيقة الثانية: أنه لن يستفيد من التشاحن بين الإخوان المسلمين والثورة غير أعداء الوطن والدين
والحقيقة الثالثة: هي أن الهيئة التأسيسية في يد أعضائها كل شيء، فهي تملك إلغاء قرارات الفصل والإيقاف التي صدرت بالنسبة لأعضاء في الهيئة التأسيسية وخارجها في مختلف الشعب في القاهرة والأقاليم ( )

وحين هاجم الهضيبي اتفاقية الجلاء وهو في سوريا، لقي التنديد الشديد من صالح عشماوي، الذي رأى أن الهضيبي ما كان له أن يدلي بمثل تلك التصريحات قبل العرض على الهيئة التأسيسية؛

فكتب يقول:

"على أثر إذاعة الخطوط الرئيسية لاتفاقية الجلاء، أذاع الأستاذ الهضيبي، وكان يومئذ في بيروت، بيانا نشر في الصحف وأذيع من محطات الإذاعة المختلفة، وفيه نقد شديد لهذه الاتفاقية، وهجوم عنيف على رجال الثورة في مصر

وموقف خطير كهذا، يربط الإخوان جميعا، ويحملهم نتائج بعيدة المدى لا يملك تقريره المرشد وحده، ولا أعضاء مكتب الإرشاد مجتمعين، لأن قانون الإخوان يقضي، في مثل هذه المواقف، بدعوة الهيئة التأسيسية؛
وهي التي تمثل الإخوان وترسم سياستهم، إلى الاجتماع لبحث هذه الاتفاقية في عمق، ودراستها دراسة مستفيضة، وعلى ضوء ما يدور من مناقشات، تحدد الهيئة التأسيسية موقف الإخوان من الاتفاقية، ومن الذين قعوها، فهل حدث شيء من ذلك؟
كان الأستاذ الهضيبي في بيروت، وكان يستطيع أن يستقل أول طائرة إلى مصر، وكان يستطيع أن يدعو الهيئة في أيام بل في ساعات ولكن الأستاذ الهضيبي سارع إلى إعلان رأيه، وربط الإخوان جميعا بهذا الرأي، ثم عاد إلى القاهرة، ولكنه لم يتدارك ما فات، بل تجاهل المكتب، وتجاهل الهيئة" ( )

وعندما اختفى الهضيبي، شنت عليه الدعوة حملة شديدة، واعتبرت هذا الاختفاء حركة من الحركات البهلوانية، وأطلقت على الهضيبي اسم "المختفي الأعظم"!

وكتب أمين إسماعيل يصف هذا الاختفاء بأنه "عجز عن مواجهة الأحداث" وأنه "هرب من الذين يريدون أن يناقشوه الحساب، حساب سياسته الفاشلة التي أودت بالدعوة وبالجماعة إلى ما آل إليه الأمر من تفكك بعد ترابط، وتباغض بعد ألفة، وانحراف بعد استقامة" ثم قال

"إن الإسلام لا يقر مثل هذه الحركات البهلوانية التي يجيدها المهرجون الذين يعملون في سرك. وماذا تجني الفكرة الإسلامية من هذا الاختفاء؟ وماذا يعود على المسلمين وبلاد المسلمين من النعامة التي دفنت رأسها في الرمال فلا ترى شيئا ظنا منها أن أحدا لا يراها ما دامت هي لا ترى أحدا"؟

ثم تساءل:

"أين كان هذا الاختفاء في عهد فاروق وعهد حافظ عفيفي، الذي كان طلاب الإخوان يهتفون ضده في كل مكان، بينما كان المختفي الأعظم يقدم له أصدق التهاني في قصر عابدين في ذلك الآوان؟.
وبينما كان شباب الإخوان ينزعون رسوم فاروق وصوره ويمزقونها ويدوسونها بالأقدام، كان المختفي الأعظم ينزع رسم حسن البنا ليضع مكانه رسم فاروق؟" ()

وكتب صالح عشماوي يهاجم هذا الاختفاء ويقول:

"اختفى الأستاذ الهضيبي في مكان ما، وأخذ يقود شباب الإخوان في صراع عنيف مع رجال الثورة، فلا عجب إذا ثار كثير من أعضاء الهيئة على هذا الوضع الذي يخالف الشورى التي قررها الإسلام، والتزمت به الجماعة منذ عهد الإمام الشهيد!" ( )

وكان رأي صالح عشماوي في اتفاقية الجلاء يتناقض على خط مستقيم مع رأي الهضيبي ومجموعته وأنصاره، فقد كتب يصف هذه الاتفاقية بأنها:

"تتضمن مزايا لا ينكرها إلا مغرض، والرئيس جمال عبد الناصر وزملاؤه المفاوضون قد بذلوا أقصى ما يستطيعون للوصول إلى هذه النتيجة، وهم بهذا يستحقون الشكر والتقدير، فقد كانوا من الشجاعة بحيث صرحوا أن هذه الاتفاقية ما هي إلا خطوة، فلم يضللوا الشعب أو يخدعوه" ()

في الوقت الذي كان الخلاف يشتد بين مجموعة المفصولين ومجموعة الهضيبي، كان هناك خلاف آخر يدب داخل الجماعة بين المجموعة التي تريد التفاهم مع الثورة، والتي كان يرأسها محمد خميس حميدة، ومجموعة المعارضة للثورة برئاسة الهضيبي.

فقد تصادف في ذلك الحين وفقا لتطور الأحداث أن الفريق المعارض للثورة برئاسة الهضيبي كان قد أصبح كله تقريبا مختفيا تحت السطح، بينما كان فريق التفاهم مع الثورة يعمل فوق السطح برئاسة محمد خميس حميدة .. وعندئذ كانت المشكلة هي: من الذي يدير شئون الإخوان؟ هل يدير شئون الإخوان الفريق المختفي تحت الأرض، أم يديرها الفريق الظاهر؟

وبطبيعة الحال فإن الأمر كان يتوقف على طبيعة الاختفاء: هل هو اختفاء للعمل وممارسة النشاط بحرية، أم للانسحاب؟ فإذا كان اختفاء للعمل، انتقلت الإدارة الفعلية الى أيدي الفريق المختفي، وأصبح الفريق الظاهر مجرد ستار، وإذا كان الاختفاء للانسحاب، فإن الفريق الظاهر تقع في يده إدارة شئون الجماعة.

على أن كل فريق كان يرفض حجة الآخر، فقد كان فريق خميس يرى في اختفاء الهضيبي وفريقه انسحابا يسوغ له تولي شئون الجماعة، بينما كان فريق الهضيبي يرى في وجود المرشد، حتى ولو في الاختفاء، ما يمنع خميس وفريقه من الانفراد بالإدارة، وهكذا نشأ الخلاف.

وقد شرح محمد خميس حميدة ذلك حين ذكر كما ذكرنا أنه ذهب إلى الهضيبي بعد اختفائه، وكان في مخبئه، وقال له: "حيث إنك حتختفي ومش عاوز تطلع، فلازم الجماعة يديرها مكتب الإرشاد". فرد عليه قائلا: "أنا حر، أدي اللي عاوز أديله، أنت وكيل في غيابي فقط، وأنا موجود"

كان فريق الهضيبي وقتذاك يتكون كما رأينا من رؤساء الجهاز السري الثلاثة، وهم: يوسف طلعت، وصلاح شادي، وعبد المنعم عبد الرؤوف، بالإضافة إلى محمود عبده، وحسن العشماوي، وصالح أبو رقيق، كمال عبد الرازق، ومنير دلة، وعبد القادر عودة؛

بينما كان فريق محمد خميس حميدة يتكون من: عمر التلمساني، وعبد المعز عبد الستار وأحمد شريت، ومحمد أسعد جودة، وفتحي الأنور، وعبد السلام فهمي، وحلمي نور الدين، ومحمد الخضري، وكما كان أمل مجموعة المنفصلين معلقا على الهيئة التأسيسية، فإن أمل مجموعة الهضيبي كان معلقا بها أيضا.

وكان الاجتماع السنوي للهيئة قد تحدد له يوم الخميس 9 سبتمبر 1954، وبذلك بدا أن معركة حامية سوف تدور بين أنصار الفريقين، وبطبيعة الحال كان لا بد للجهاز السري أن يكون له دور في تأييد الهضيبي، فقد أوردت "الدعوة" قبل الاجتماع بيومين أن "هناك تدبيرا من بعض الإخوان للزج "بإخوان المناطق والشعب" لمعارضة هذا الاجتماع أو الهتاف ضد الهيئة" ( )

وقد عقد الاجتماع فعلا، ولكن الهضيبي أرسل إليه من مخبئه خطابا تلي على أعضاء الجماعة بين فيه وجهة نظره في الخلافات الدائرة بين الجماعة والثورة من جهة، ومن معارضة اتفاقية الجلاء من جهة أخرى ...

وفي هذا الخطاب الهام، أوضح الهضيبي أن ما فعله الإخوان المسلمون من معارضة كل اتفاق مع المستعمرين ليس شهوة عندهم، وإنما هو أصل دينهم، فإن أحكام الإسلام تقتضي أنه إذا وطأت أقدام العدو أرض المسلمين، وجب على كل واحد منهم صغيرا أو كبيرا أن ينهضوا لدفع العدو أيا كان" وبالتالي "فليس لنا أن نرضى بوجودهم على أرض الإسلام بمقتضى اتفاقات نعقدها معهم، ولا أن نرضى بأي ارتباط كان".

ثم ذكر الجماعة بما قدمته من مساعدات "لرجال الانقلاب" منذ بداية الحركة "حتى تماسكوا وثبتت أقدامهم" وتعرض لقرار الحل في يناير 1954، واعتقال الإخوان، وإسناد شتى التهم إليهم، ثم الإفراج عنهم من غير تحقيق ولا سؤال، واستبقاء البعض الآخر في السجون، وقال: إن من حقهم أن يفرجوا عنا بلا كلام.

ولكن وهم يطلبون منا التعاون، فإننا نرجو أن يفرج عن جميع المعتقلين، وأن يلغى قرار حل الإخوان المسلمين، وأن يذكروا كلمة تنسخ أثر الكلام الذي قيل في تبرير الحل والاعتقال".

وبعد أن تعرض الهضيبي لفشل المفاوضات بين الجماعة والثورة في تحقيق هذه المطالب، تحدث عن حملة الحكومة على الجماعة، وألوان الحرب التي شنتها عليها؛

وقال إن:

"ما ذكرناه من رأينا في المعاهدة إذ كنا بسوريا، وما أصدره المركز العام من رأي كذلك في المعاهدة، هو الذي أغضب الحكومة وجعلها تصف الإخوان بما وصفتهم به من أنهم خونة وعمال هدم وتخريب شأنهم في ذلك شأن الشيوعيين والصهيونيين.

وقال إن ما فعلته الجماعة إنما كان

"بناء على أصل ديني أخذوا به في جميع البلاد الشرقية، وأخذوا به كلما همت حكومة أن تتفق مع الإنجليز في مصر".
"وقد كنا نظن أن هذه المعارضة مما تلجأ الحكومة لاستحداثها لو لم تكن حدثت، حتى تقوى مركزها في مفاوضة لم تتم ... وإذا كانت الحكومة مضطرة فإننا لسنا مضطرين للموافقة على المعاهدة، ... وينبغي أن يكون لكل رأيه فيها كما أن للحكومة رأيها، وكل منا يتحمل تبعة رأيه، وليس علينا إلا البلاغ، وليس من حق أحد أن يقضي في مستقبل أمة دون أن يرجع إليها ويتقيد بآرائها"

ثم طلب في النهاية من الإخوان أن:

"يكونوا مستعدين للموت في سبيل دعوتكم فإن من مبادئنا: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ( )

وفيما يبدو أن قوة الحجة في هذا الخطاب، قد جعلت الهيئة تكفي بسماع الخطاب وإرجاء الاجتماع إلى يوم 23 سبتمبر وإن كان صالح عشماوي يسوق رأيا أكثر صحة وواقعية، فقد ذكر أن

"حاشية الأستاذ المرشد شعرت بالسحب التي تتجمع، فاحتالت على الهيئة بالخداع والإرهاب: أما الإرهاب، فقد تم بحشد شباب الشعب والجهاز السري لتحدي أعضاء الهيئة، وإلقاء الرعب في قلوبهم قبل الاجتماع؛
وأما الخداع، فتم في صورة عجيبة، وهي أنه قيل للأعضاء إن لجنة اتصال بالحكومة قد تكونت وبدأت عملها، وهي ترجو من الهيئة أن تفسح لها من الوقت ما يمكنها من تصفية الجو بين الحكومة والإخوان، وبذلك انتزعت الموافقة على تأجيل الجلسة لمدة أسبوعين" ( )

في ذلك الحين، كان الصدام المتوقع بين آونة وأخرى مع الحكومة، قد بدأ يلقي الرعب في قلوب الكثيرين من أعضاء الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد، خصوصا ولما تكن قد مضت أشهر قليلة على محنة الحل والاعتقال والإيذاء؛

ولذلك اقتنع كثيرون بطريقة التماس التفاهم مع الثورة بأي ثمن، وكانت مجموعة صالح عشماوي، تحت إحساس قوي بخطورة الصدام مع الثورة على مستقبل حركة الإخوان، قد أخذت تطلق أجراس إنذار عالية تدعو فيها إلى أولوية حل النزاع مع الثورة على أي شأن آخر من شئون الجماعة" ( )

بينما كانت مجموعة محمد خميس حميدة تعطي الأولوية لتعديل القانون الأساسي حتى تنتزع السلطة من الهضيبي ومجموعته، ويكون مكتب الإرشاد هو "الذي يحمل أعباء الدعوة" ( )

وقد اشتد الصراع بين الاتجاهين قبل موعد اجتماع الهيئة التأسيسية في 23 سبتمبر، وكتب صالح عشماوي يقول:

"بعد غد الخميس، تجتمع الهيئة للمرة الثانية، وفي جدول أعمالها مشروع براق هو تعديل القانون، وإني أحذر إخواني أعضاء الهيئة من الوقوع في خديعة أخرى تصرفهم عما اجتمعوا من أجله، أن تعديل القانون واجب فعلا، وطالما نادينا به؛
ولكن هذا التعديل، الذي تأخر حتى اليوم، يمكن ان يتأخر لجلسة أخرى من غير ضرر، فلم يعد موضوع الساعة، وإنما هذه الخصومة الحقيقية بين الإخوان والحكومة هي المسألة البارزة التي يجب أن تتقدم على ما عداها، وأن يبت فيها بسرعة وحزم
وسنرى بعد غد إن كانت قيادة الإخوان قد انتقلت كما قال عبد الحكيم عابدين لمراسل جريدة عبرية تصدر في تل أبيب إلى دمشق، أم أن هذه القيادة، ممثلة في الهيئة التأسيسية، ما زالت في القاهرة؟" ( )

وقد عقد اجتماع الهيئة التأسيسية يوم 23 سبتمبر، برئاسة محمد خميس حميدة، وحضره نحو مائة عضو من 147 عضوا، وكانت فيه أغلبية كبيرة تعارض سياسة المرشد وتنقدها نقدا مرا، واستمر الاجتماع 18 ساعة، كان "الإخوان القدامى" حسب تعبير "الدعوة" يسيطرون فيه على الموقف؛

ووقف العضو الحاج محمد جودة يعبر عن وجهة النظر المعارضة للهضيبي، فأوضح أن ما يقال عن رفض الثورة إلغاء قرار الحل غير صحيح، فقد تسلم من رئاسة مجلس الوزراء خطابا يعلن فيه عبد الناصر أن القرار قد ألغي من 25 مارس 1954؛

وقد سلم هذا الخطاب إلى منير دلة قبل سفره إلى لبنان للحاق بالمرشد، (يلاحظ أن الملطوب لم يكن إلغاء الحل فقط، بل بيان من الثورة ينسخ أثر المبررات التي قيلت في بيان الحل)

كما كشف النقاب عن اللقاء الذي تم بين لجنة الاتصال التي تشكلت من مكتب الإرشاد وبين عبد الناصر، وقال إن عبد الناصر في هذا اللقاء نقد بيان المركز العام الخاص بالمعاهدة، وقارنه بما قبله الإخوان في اتصالهم بالإنجليز!!

واستشهد بالدكتور خميس الذي كان حاضر وقائع الاتصال نفسها، فوافق الدكتور على كل ما قاله الرئيس أمام أعضاء اللجنة جميعا، وتعرض محمد جودة لما حدث من تصريحات عبد الحكيم عابدين في دمشق

(والتي تم على أثرها تجريده من الجنسية المصرية ومعه كل من سعيد رمضان وسعد الدين الوليلي ومحمد نجيب جويفل وكامل إسماعيل الشريف، وكلهم من الإخوان، ومحمود أبو الفتح صاحب جريدة المصري بتهمة تشويههم لسمعة بلادهم في الخارج)

وقال إن الرسميين في الحكومة اتصلوا بالمسئولين في المركز العام، وسألوا عما إذا كان عبد الحكيم عابدين مسافرا بقرار، وأنه يمثل الإخوان، فأجابوا بالنفي، فطلبوا منهم بيانا بهذا المعنى، فأبوا، وقال: "وهكذا تطورت الأمور إلى ما وصلت إليه" ( )

استمر الاجتماع مدة 18 ساعة كما ذكرنا، في مناقشات وجدل طويل، وبعد هذه المدة المنهكة للقوى والأعصاب أخذ الأعضاء يغادرون الاجتماع للاستراحة، وانتهزت مجموعة الهضيبي الفرصة ولم يبق في الاجتماع أكثر من 25 عضوا

فاتخذت قرارا باسم الهيئة، بحل الهيئة التأسيسية، وتجديد البيعة للهضيبي مدى الحياة، وتعديل قانون الجماعة فيما يتعلق بانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية، وسلطة ومسئولية مكتب الإرشاد ... وأعلن عبد القادر عودة هذه القرارات للصحافة باعتبارها القرارات التي اتفق عليها الجميع ( )

وقد كان لهذه القرارات وقع الصدمة، ليس فقط في صفوف الحكومة، بل في صفوف مجموعة صالح عشماوي، التي كانت تعلق آمالا على انتصار المجموعة المعارضة للهضيبي يعيدها إلى صفوف الجماعة من جديد، ولذلك كتب صالح عشماوي مقالا خطيرا، يعد أساس فكرة التكفير والهجرة التي اعتنقتها "جماعة المسلمين" (التي عرفت باسم جماعة التكفير والهجرة) بعد عشرين عاما وهو بعنوان "هجرة وتمييز"

وفي هذا المقال الهام اتهم صالح عشماوي دعوة الإخوان بالانحراف والفساد، وأعلن يأسه التام من إصلاحها، ودعا إلى الهجرة لتمييز العناصر الطيبة من العناصر الخبيثة، وأرجع بداية فساد الجماعة "منذ جاء الأستاذ الهضيبي مرشدا، وبعد المقابلة الملكية الكريمة!! على وجه التحديد" حيث "بدأنا نشعر بالانحراف في دعوة الإخوان، وبالفساد يدب في أوصالها".

وتعرض للخداع الذي تعرضت له الهيئة التأسيسية في اجتماعها الأخير، وكيف استطاع الهضيبي "بواسطة بطانته وأتباعه أثناء اجتماع الإخوان، أن يختلسوا قرارا بحل الهيئة التأسيسية في صورة تعديل للقانون الأساسي للجماعة".

وقال إنه لا يهدف إلى تقرير بطلان هذا القرار فحسب، لأن الأمر أخطر من هذا وأدق، وإنما أستطيع أن أؤكد أنه لم يعد هناك أمل في إصلاح الهيئة وتنحية العناصر النفعية والانتهازية، التي تلتف حول الأستاذ الهضيبي، وتزين له سياسته وإن أدت إلى تحطيم الجماعة والقضاء عليها؛

فقد دلت التجارب على أن هذه العناصر لا تتورع عن الغش، والخداع، والتضليل، كما أنها لا تتردد في إشاعة الضغط والإرهاب لتصل إلى أهدافها وتحقق مآربها الشخصية؛

كما أثبتت الحوادث أيضا أن العناصر المؤمنة الطاهرة المخلصة لا تقوى على الحياة في هذا المحيط المتعفن، ولا تستطيع أن تعمل في هذا الجو الموبوء، ولم يبق هناك بد من هجرة هذه العناصر الطيبة التي تعمل لله ودعوته، وللإسلام وشريعته، لا تبغي من وراء ذلك مغنما إلى تربة صالحة لنمو الفكرة الإسلامية وازدهار الدعوة المحمدية، ولا بد إذن من تمييز المؤمنين الطيبين عن المنافقين الخبيثين".

ثم استدل صالح عشماوي بما فعله رسول الله من هجرته إلى المدينة، ثم عودته إلى مكة معقل الكفر وقلعة الشرك يومئذ، ففتحت أبوابها، وألقت زمامها للفاتحين من المؤمنين، وقال: "هذه سيرة الدعوة الأولى، وتلك سنة الله في الدعوات، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، فلا بد من هجرة، ولا بد من تمييز، وليس وراء ذلك إلا نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين" ( )

على أن معارضي الهضيبي ما لبثوا، مع تزايد احتمالات الصدام، أن أخذوا يعدون لهجوم مضاد، في الوقت الذي جرت في أكتوبر اتصالات بين وفد مكون من محمد خميس حميدة، وأحمد شريت، ومحمد الخضري، وحلمي نور الدين وهم من أعضاء الهيئة التأسيسية، وبين عبد الناصر، للتوصل إلى اتفاق يزيل أسباب الصدام حول مسألتي اتفاق الجلاء والنظام الخاص ( )

وفي يوم 20 أكتوبر، أسفرت جهود الفريق المعارض للهضيبي عما عرف باسم "انقلاب في الإخوان المسلمين" ولم يكن في الحقيقة أكثر من انقسام، فقد عقد نحو 70 عضوا من أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة .. اجتماعا يوم 20 أكتوبر، واتخذوا فيه خمسة قرارات تقضي بالآتي:

  1. اعتبار فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي في إجازة.
  2. إلغاء مكتب الإرشاد الحالي.
  3. إلغاء قرارات الفصل والإيقاف وحل الشعب، التي صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة
  4. بطلان ما نسب للهيئة التأسيسية من اتخاذ قرارات بتعديل القانون الأساسي للجماعة (قرارات 23 سبتمبر).
  5. تكوين لجنة مؤقتة لإدارة شئون الجماعة، ريثما تجتمع الهيئة التأسيسية وتتخذ ما تراه لإقراره شئون الجماعة على أسس سليمة.

وقد وقع على هذا البيان 68 عضوا من الهيئة التأسيسية، وحمل الأستاذ البهي الخولي، عضو مكتب الإرشاد، هذه القرارات، نيابة عن الهيئة التأسيسية، إلى دار الإخوان، وأخطر بها مكتب الإرشاد.

وفي اليوم التالي، 21 أكتوبر، عقد اجتماع مشترك لمكتب الإرشاد وفي أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة تحت رئاسة الدكتور محمد خميس حميدة، في المركز العام، شهد مناقشات واشتباكات حامية بين أنصار الهضيبي المعارضين لعبد الناصر، وخصومه المؤيدين للتفاهم؛

وأسفر عن عدة قرارات أعلنها الدكتور محمد خميس حميدة تنص على ما يلي:

  1. ضم كل من محمد حلمي نور الدين، ومحمد الخضري، ومحمد أسعد جودة، ومحمد فتحي الأنور، ومحمد عبد السلام فهمي، (وهم جميعا من أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة ومن أنصار الدكتور خميس) إلى مكتب الإرشاد المؤقت.
  2. تأجيل إجراءات انتخابات أعضاء الهيئة التأسيسية إلى موعد يقرره المكتب المؤقت فيما بعد.

وقد نوقش في الاجتماع التعديل الذي يراد إدخاله في القانون الأساسي للجماعة بما يسمح بانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية، وذلك بأن يتولى مجلس إدارة الشعب انتخاب سبعة أعضاء عن كل شعبة، ويقوم ممثلو هذه الشعب باختيار 90 عضوا من أعضاء الهيئة التأسيسية التي تتكون من 120 عضوا، وتقوم لجنة العضوية التي يختارها هؤلاء التسعون عضوا بتعيين الثلاثين عضوا الآخرين. ( )

وقد كان معنى هذه التغيرات، إسقاط الحكم الفردي الذي كان يمثله الهضيبي، والذي ورثه عن المرحوم الشيخ حسن البنا، وانتقال القيادة إلى مكتب الإرشاد، الذي لم يكن له أية سلطة من قبل، وإشاعة الديمقراطية في تنظيم الجماعة عن طريق انتخاب الهيئة التأسيسية التي كانت العضوية فيها قائمة على التعيين؛

ولكن نظرا لأن هذه التغييرات قد تمت كما رأينا عما عرف باسم "انقلاب" في الإخوان المسلمين، فإنها لم تكن في الحقيقة سوى مظهر من مظاهر التمزق الذي كانت تعانيه الجماعة، والذي أفسح المجال بالضرورة للتنظيم السري للنزول إلى الميدان.

الفصل الثاني عشر:خطط الجهاز السري لإسقاط حكم عبد الناصر وحادث المنشية

رأينا مما سبق كيف انقسم الإخوان المسلمون بين مجموعتين تتنازعان الانتماء إلى الجماعة وتعلن أنه هي الإخوان المسلمون:

مجموعة الهضيبي في قيادة الجماعة، ومجموعة صالح عشماوي المطرود من الجماعة، وكيف انقسمت مجموعة الهضيبي داخليا بين مجموعتين، مجموعة متطرفة بقيادة الهضيبي نفسه، يساندها الجهاز السري
ومجموعة محمد خميس حميدة التي لا تحظى بتأييد الجهاز السري، وكان عبد الناصر يستغل بذكاء هذا الانقسام المعقد والمتعدد الأطراف، فيضرب مجموعة صالح عشماوي المؤيدة له بالمجموعتين الأخريين، ويجمع أطراف الموقف لصالحه.

كذلك رأينا احتدام الصراع بين هذه المجموعات الثلاث من الإخوان، الذي اتخذه صورة قاسية وغير كريمة من تبادل الاتهامات والاشتباكات اليدوية والاعتصامات والانقلابات، مما كان يميز الحياة الحزبية قبل الثورة التي كانت جماعة الإخوان تهاجمها بحجة أنها تمزق وحدة البلاد؛

وقد انتهى هذا الصراع الداخلي في الإخوان بانقلاب يومي 20 و 21 أكتوبر، الذي أسفر عن إسقاط الحكم الفردي والقيادة الاستبدادية التي أرسى الشيخ حسن البنا أسسها، وورثها الهضيبي؛

وانتقال القيادة إلى مكتب الإرشاد، ولكن نظرا لأن مجموعة الهضيبي لم تعترف بهذا الانقلاب، فلم يعد أن يكون مظهرا من مظاهر تمزق الجماعة، الذي أفسح المجال بالضرورة لنزول التنظيم السري إلى الميدان.

حادث المنشية

على هذا النحو كانت حركة الأحداث تدفع إلى صدام محتوم بين الإخوان وعبد الناصر، ففي ذلك الحين، وكما رأينا، كانت قيادة الإخوان المسلمين السياسية تتفسخ تحت وطأة الصراع الطويل الدائر منذ أزمة فبراير–مارس 1954؛

كما كان التنظيم العلني يتعرض لضربات قاصمة وانقلابات بتأثير السلطة، ومن الطبيعي في هذه الظروف أن يبرز دور التنظيم السري الذي أخذت الأنظار تتطلع إليه للإنقاذ والأخذ بالثأر، وهذا ما عبر عنه تعبيرا بليغا هنداوي دوير في شهادته أثناء المحاكمة

فقد ذكر أنه كان على أثر الخلاف الشديد الذي وقع في الهيئة التأسيسية، أن فقدت احترامها في نفوس الإخوان، كما فقد مكتب الإرشاد احترامه أيضا، لأنه لم يستطع أن يقوم بمهمته في توجيه الإخوان، حتى أصبحت التعليمات التي تصدر منه لا تلقى تأييد الإخوان".

"وفي هذه الفترة" كما يقول "وجدنا أن الأجهزة الإدارية في الإخوان أصبحت كلها معطلة، فيما عدا الجهاز السري في الإخوان، الذي أصبح يسيطر على الموقف، ويصدر تعليماته إلى الإخوان".

ومن الثابت من مذكرات حسن العشماوي، رغم حرصه الشديد وتجاهله حقائق الانقسام والتمزقات التي رأيناها أن فكرة استخدام العنف قد طرحت في الاجتماعات السرية لمكتب الإرشاد تحت رئاسة الهضيبي، وهذه نقطة جديدة تماما، لأن مكتب الإرشاد تنظيميا يعتبر بعيد الصلة عن الجهاز السري، ومعنى ذلك أن النشاط العلني قد أضيف لحساب النشاط السري؛

وقد وصف حسن العشماوي ذلك بقوله:

"حين نوقشت مسألة الموقف من الحكومة عموما، وما يمكن أن نقوم به وحدنا، ومتعاونين مع غيرنا، من أعمال، لتغيير الوضع القائم، ومنع استمرار الحكم العسكري المفروض على شعب مصر حين نوقشت هذه المواضيع
كان من المحزن حقا أن ينطوي على نفسه كل من يرى مهادنة الحكومة إيثارا للسلامة، أو عن اقتناع، فلم يجهزوا برأيهم في الاجتماعات الرسمية، وإن قالوه في أحاديثهم مع الأفراد في الخارج، ولذلك ظلت صور المقاومة هي وحدها مدار المناقشة".

ثم روى حسن العشماوي أنه طرحت في ذلك الحين:

"فكرة اختطاف بعض رجال البوليس الحربي والمباحث العامة، وأخذهم كرهائن مقابل من اعتقل من الإخوان، وكان الهدف من ذلك شل حركة الدولة، وإسقاط هيبتها، وجعل زملاء الرهائن أكرم معاملة للمعتقلين منا، وأكثر تحرزا في تنفيذ أوامر القبض بالجملة"
وقد أقر هذا الاقتراح بالفعل كما يقول حسن العشماوي وأعدت له وسائل تنفيذه، ثم أرجئ بعض الوقت، ثم عاد التفكير فيه بعد تزايد حملات الاعتقال وفصل الموظفين والطلبة من الإخوان، ولكن دوران عجلة الأحداث منع تنفيذه" ( )

كان التنظيم السري في ذلك الحين يقدم اقتراحاته، فقد اقترح عبد المنعم عبد الرؤوف بعد هروبه من السجن، إعداد أربع أو خمس فصائل مسلحة، ترتدي ملابس رجال البوليس الحربي، وتقوم باقتحام مجلس الوزراء، واحتلاله، وقد اعترف بهذه الخطة يوسف طلعت أثناء المحاكمة؛

فقد روى أنه عندما قابل عبد المنعم عبد الرؤوف بعد هروبه، أخبره بهذه الخطة وقال له: "عايزين ملابس عسكرية، وعايزين كام فضيلة: أربعة، خمسة مسلحة"

وقد سأله جمال سالم:

  • يعمل إيه بالفصائل؟
يقتحم مجلس الوزراء.
  • ويحتله؟
يوسف طلعت: أيوة .. لقد قال: "أعطني قوة ومالكش دعوة، أنت مني مالكش دعوة بالنواحي الفنية العسكرية".
  • رالرئيس: تنفيذا لاقتحام مجلس الوزراء، اشتريتم ملابس عسكرية؟
يوسف طلعت: أيوة يا فندم، وهم راحوا جابوها.
  • الرئيس: 42 عسكري بالبريهات الحمر؟
يوسف طلعت: أنا عارف بيريهات والا مش بريهات! أهي ملابس عسكرية وبس ( )
ثم قال: " أنا رحت لإبراهيم بركات، وقلت له: هل ممكن نشتري ملابس عسكرية؟ فقال لي : آه، ممكن. وأخذ مني 50 جنيها: مرة 10، ومرة 20 جنيه بالقطاعي" ( ) وقد تم بالفعل شراء 50 بزة عسكرية تم ضبطها بعد الحادث ( )

على أن هذه الفكرة كما يقول يوسف طلعت استبعدت، نظرا لتعذر توفير الإمكانيات، فقد جاء في قوله: "لما عجزنا عن إجابة مطالبه (عبد المنعم عبد الرؤوف)، اتسرحت الفكرة دي" ( )

وقد برزت على أثر ذلك خطتان:

الأولى، وتقوم على الاتفاق مع اللواء محمد نجيب على القيام بتحرك داخل الجيش بمساعدة القوات الموالية له، ليفرض على عبد الناصر وأعضاء مجلس الثورة الانسحاب إلى ثكناتهم، على أن يقدم له الإخوان المسلمون التأييد الشعبي اللازم.
وهذه الخطة كما هو واضح هي محاولة لتكرار ما حدث في أزمة فبراير، عندما تحرك سلاح الفرسان على أثر تنحية محمد نجيب لإعادته إلى رئاسة الجمهورية، وتحرك الإخوان المسلمون بمظاهراتهم الضخمة إلى ميدان عابدين لفرض عودته على مجلس الثورة.
وكانت هذه الخطة تلقى موافقة الهضيبي، ولكنه لم يجد طريقة لتنفيذها قبل توقيع المعاهدة، لأنه كان يعرف انصراف الجماهير، خصوصا الوفدية واليسارية، عن الإخوان المسلمين، بعد موقفهم الانتهازي في أزمة مارس، وتأييدهم لعبد الناصر ورفاقه مما مكنهم من ضرب القوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية؛
لذلك أدرك الهضيبي أنه إذا قام الإخوان المسلمون بحركتهم تحت شعار عودة الحريات، فلن يصدقهم أحد، ويكونون منفردين، على أنه بعد توقيع المعاهدة، وإجماع كل القوى السياسية على معارضتها، عاد مناخ الجبهة من جديد، وانتعش الأمل في قيام مظاهرات ضخمة كتلك التي قامت يوم 26 و 27 فبراير 1954، ولذلك أعلن الهضيبي موافقته على هذه الخطة.

وهذا على كل حال ما كشفه سيد قطب في شهادته أمام المحكمة، فقد ذكر أنه حين قابل الهضيبي بعد عودته من سوريا

"أعدت عليه (الهضيبي) ما اقترحته قبل ذلك مرات، من أن الإخوان المسلمين يجب أن يؤدوا واجبهم في المطالبة بعودة الحريات الشعبية، والضمانات القضائية، لأن هذا واجبهم الذي عليهم أن يؤدوه لله وللشعب، وكان رده في المرات السابقة قبل أن يسافر، أن الإخوان المسلمين لا يجوز أن يقوموا بحركة منفردة؛
وأنه يجب أن يكون كل الشعب معهم، وأن يكون الجيش كذلك أو أغلبيته، وأنه يجب أن يكون كل الشعب معهم، وأن يكون الجيش كذلك أو أغلبيته، ولكنه في المرة الأخيرة، أجابني بأن هناك حركة سيقوم بها الجيش لإعادة الحريات الطبيعية، ولإعادة الضمانات القضائية
وأن أغلبية عظمى في الجيش ستقوم بهذا في حركة شبيهة بما حدث في سوريا من إجبار الجيش على أن يعود إلى الثكنات، وأن يسلم البلاد للرجال المدنيين، وقال إن الإخوان سيكون دورهم أن يقوموا بالتأييد الشعبي للحركة الجديدة حتى تتم".

كما ذكر سيد قطب أنه أراد التأكد من المرشد عما إذا كان قد وضع الترتيبات اللازمة لمواجهة الولايات المتحدة التي تؤيد بقاء عبد الناصر، وكذلك بعض البلاد العربية، فأجابه بأنه وضع الترتيبات الداخلية اللازمة لذلك،

وكانت العبارة التي ساقها سيد قطب في هذا الصدد قوله:

"كانت النقطة التي أحببت أن أتأكد منها (من الهضيبي) هي عن الموقف الدولي وموقف بعض البلاد العربية، لأني كنت أعتقد أن الموقف في مصر ليس منفردا، وإنما هو متصل بالموقف الدولي، وأن أمريكا بالذات قد تكون حريصة على بقاء الأوضاع الحالية، وكذلك الحال مع بعض البلاد العربية، وقد أجاب بأن هذا قد عمل حسابه، وأن الرئيس محمد نجيب سيظل على رأس الدولة، وسيعاونه الأشخاص الذي تكمل بهم هذه الضمانات".
  • وقد سأله وكيل النائب العام:ألم تسأل المرشد عن ما هي القوات التي ستتعاون معه في هذا، سواء من الجيش أو المدنيين؟
فرد سيد قطب قائلا: فهمت أن اللواء محمد نجيب سيكون على رأس قوات الأغلبية التي ستقوم بالضغط على بقية الجيش لتحقيق فكرة الرجوع إلى الثكنات، وإعادة الحكم للمدنيين ( )

ومعنى هذا الكلام أنه جرت اتصالات بين الهضيبي ومحمد نجيب لوضع هذه الخطة موضع التنفيذ، وهو ما لم ينكره محمد نجيب في مذكراته، ولكنه أعطى الانطباع بأن هذه الاتصالات تمت مع قائد حرسه محمد رياض، فقد ذكر أن محمد رياض أحيل إلى المعاش في شهر أكتوبر 1954 (وهو الشهر الذي جرت فيه محاولة الاغتيال) ثم صدر أمر بالقبض عليه لاتهامه بمحاولة عمل انقلاب ضد جمال عبد الناصر بالاشتراك مع الإخوان المسلمين! ( )

وقد أورد إبراهيم الطيب، رئيس مناطق القاهرة، أن الخطة التي أبلغه بها يوسف طلعت كانت تقوم "على أساس الاتفاق والتفاهم القائم بين الإخوان من ناحية، وبين اللواء محمد نجيب من ناحية أخرى، واللواء محمد نجيب معه كثير من وحدات الجيش مؤيدة لرأيه".

  • وقد سأله جمال سالم: كيف عرف أن كثيرا من وحدات الجيش مؤيدة لرأيه؟
فأجاب: هذا هو الذي ذكره لي يوسف ( )

وقد اعترفت الهضيبي بصعوبة بالغة بأنه سمح بعمل مظاهرات "بشرط أن تكون من جميع عناصر الأمة".

فقد سأله جمال سالم قائلا:

  • افرض أنه كان في إمكان يوسف طلعت أن يقوم بمظاهرات، وقام بمظاهرات، تبقى الحالة إيه؟
الهضيبي: ولا حاجة! ناس عملوا مظاهرة!
الهضيبي: إذا كان ممكن يعملوها.
الهضيبي: ولا حاجة!
الهضيبي: ما أعرفش.
  • جمال سالم: ما هو الوضع الذي تصل إليه حالة الأمن عندما تقوم هذه المظاهرات؟ هل تبقى مستتبة؟
الهضيبي: إذا تعرضت لها الحكومة تكون غير مستتبة، وإذا تركت الناس يقولوا رأيهم، تبقى مستتبة وينصرف كل واحد لحاله!
  • جمال سالم: وانت كنت تعرف أن الحكومة ستتعرض لهذه المظاهرات؟
الهضيبي: أنا شخصيا ما فرضتش هذه الفروض!
  • جمال سالم: هل تعلم أن المظاهرات ممنوعة بحكم القانون؟
الهضيبي: أعرف أنها ممنوعة، ولكن سبق أننا عملنا مظاهرات في مناسبات كثيرة علشان تطالب بحاجات!
الهضيبي: في 25 مارس، وفي 28 فبراير!
  • وفقد جمال سالم أعصابه فقال: "أنا مش بقول لك تقف أمام المحكمة علشان تترافع .. أنت واقف شاهد، رد على السؤل اللي يوجه إليك!
  • ثم سأل رئيس النيابة الهضيبي قائلا: قرر يوسف طلعت صراحة أنك سمحت له بقيام مظاهرات مسلحة؟
الهضيبي: لا، هو غلطان، هاته وشوف جسمه لعل عقله مش تمام؟ ( )

هذا إذن هو قصارى ما وافق عليه الهضيبي، وهو تكرار أحداث فبراير 1954:

أي حركة جيش تساندها حركة شعبية تتكون من كافة القوى الوطنية الديمقراطية، ويقودها الإخوان، وكان هذا التفكير يعتمد على حقيقة لصالح عبد الناصر، هي أنه لن يصطدم اصطداما دمويا مع الجماهير الشعبية إذا تبين له إصرارها على عودة الحياة الديمقراطية، وهو ما حدث بالفعل في أحداث فبراير ومارس 1954.

وقد عبر إبراهيم الطيب عن هذا التفكير بعبارة واضحة بقوله:

"سبق أن كانت هناك سابقة في حوادث 25 مارس وما سبقها، فإن سعادة الرئيس جمال لما وجد اتجاها معينا، كان يسلم به، فكان برضه مفهوما لدى الناس الذين يعدون هذا الإعداد، أنه من الجائز أن نحصل على المطالب التي تقوم بها الحركة بدون أي إراقة دماء. ( )

على أنه بالنسبة للتنظيم السري كان عليه أن يضع احتمالات الصدام المسلح بين قوات عبد الناصر والمظاهرة الشعبية، ومن هنا أخذت تتطور فكرة المظاهرة الشعبية السلمية إلى مظاهرة شعبية تحرسها قوات التنظيم السري الخاص بالإخوان، فإذا وقع الصدام بالفعل مع قوات عبد الناصر، بدأت هذه القوات في حملة اغتيالات لأعضاء مجلس الثورة.

وقد شرح هذه الخطة إبراهيم الطيب قائلا:

"كانت الخطة هي أن تقوم القوات الموالية للرئيس محمد نجيب مع القوات الشعبية معا، بالمطالبة بهذه المطالب، فإذا قامت هذه الحركة، وحصلت عليها اعتداءات، فإن هذه القوات ترد هذا الاعتداء بكافة السبل.
إبراهيم الطيب: كالاغتيالات.
إبراهيم الطيب: المعارضين من أعضاء مجلس القيادة.
إبراهيم الطيب: اللي علمته أنه اغتيال المجلس كله إذا حصل اعتداء أو ضرب.
إبراهيم الطيب: عدا أفراد معينين ( )

وقد كان صاحب الفكرة في المظاهرة المسلحة هو عبد المنعم عبد الرؤوف كما اعترف بذلك يوسف طلعت أمام المحكمة .. فوفقا لكلامه:

"في يوم قابلني عبد المنعم عبد الرؤوف، وعرض علي فكرة المظاهرات المسلحة: مظاهرات تحميها قوات مسلحة، علشان لو حصل اعتداء عليها، هذه القوات ترد الاعتداء، وبعدين يعقبها اغتيالات عامة لأفراد من مجلس قيادة الثورة".
فرد عليه قائلا:لا، حيقتلوا بعض أفراد مجلس الثورة!
يوسف طلعت: ما هو أنت منهم!
وأردف يوسف طلعت قائلا:عاوز الحق، أنا أقسمت أن أقول الحق، وأنا حسبي أن أقول الحق وبس، أما النتائج فهي في يد الله تعالى، هو الذي يتصرف في أقدار الناس، وأنا فاهم أنني أتكلم للتاريخ، وحاقول كل غلطة عملتها".
ووفقا لما ذكره يوسف طلعت، فإن الخطة كانت تتضمن أن يتولى عبد القادر عودة تدبير هذه المظاهرات، ويتولى النظام السري حمايتها ... وعلى حد قول يوسف طلعت:
عبد القادر مسئول عن إخراج المظاهرات، وأنا مسئول أن أساعد عبد المنعم (عبد الرءوف).
يوسف طلعت: أيوة نجيب الأفراد اللي تحميها، أما جمع المظاهرات فهذه مش شغلتي، دي عبد القادر يعملها ( )

وقد دخلت احتمالات تدخل الإنجليز لإحباط الخطة في الاعتبار، خصوصا بعد أن أبرم عبد الناصر معهم المعاهدة، واكتسب تأييدهم لنظامه، ولذلك تضمنت الخطة الاستعدادات اللازمة لمواجهة هذا التدخل ..

فقد سأل جمال سالم إبراهيم الطيب أثناء المحاكمة قائلا:

  • "هناك قوات بريطانية مستعمرة موجودة في منطقة القنال، ما هو الاستعداد الذي اتخذتموه لمجابهة الإنجليز إذا ما فكروا في أن يدخلوا القاهرة؟
إبراهيم الطيب: أبلغني يوسف طلعت أن هناك قوات موجودة في إقليم الشرقية وشرق منطقة القنال، وهي مستعدة للقيام بحرب عصابات ضد المستعمر فيما لو فكر أن يحتل جهات أخرى؟
إبراهيم الطيب: قوات فصائل من الإخوان.
إبراهيم الطيب معترضا: لعرقلته!
  • جمال سالم: لو عندكم القوة دي ما استعملتوهاش ليه في القنال؟
إبراهيم الطيب: الإخوان اشتركوا في معركة القنال قبل حرق القاهرة!
إبراهيم الطيب: القيام بحرب عصابات، ونسف طرق المواصلات والمنشآت التي يحتلونها وتقطيع خطوط امداداتهم وتموينهم.
  • جمال سالم: لكن القوات الإنجليزية ما تتحركش في حالة نشوب معركة داخلية؟
إبراهيم الطيب: يجوز أن تتقدم هذه القوات لأي أخطار! وبمجرد ما قامت الثورة، كان فيه تقدم لقوات الإنجليز، ولذلك تقدم الإخوان ليكونوا تحت تصرف الثورة.
  • جمال سالم ثائرا: تحرقوا البلد، وتنسفوا المنشآت، وتنسفوا الطرق وتنسفوا الكباري، ما فكرتوش في الأموال وأصحاب رءوس الأموال يعملوا إيه في رءوس أموالهم؟ ... وحملة الأسهم والسندات من بورصة العقود وبورصة الأوراق المالية يحصل فيها إيه؟ ... والمواني والحركة التجارية يحصل فيها إيه؟ ... ما فكرتوش في تموين القاهرة، ما فكرتوش في البترول وحاييجي منين؟ .. ما هي الخطة التي وضعت؟ ... أو لم يكن هذا في الحسبان.
إبراهيم الطيب: كانت في الحسبان! ( )

ومن الثابت أن الهضيبي لم يوافق على استخدام العنف، ولهذا السبب كان يثور أثناء المحاكمة كلما ووجه ببعض أقوال الإخوان التي تدينه فقد سأله الدفاع قائلا:

الهضيبي: والله إذا كانوا قالوا كده، يبقوا على غير حق!
  • الدفاع: يعني كذابين؟
الهضيبي: يعني كذابين!
الهضيبي: أقسم بالله العظيم أني ما أمرت ...
الهضيبي مستدركا: هنداوي دوير جايز يكون موش كذاب ... هنداوي ناقل عن إبراهيم الطيب.
  • الدفاع: هل تقصد أن واحدا على الأقل من الاثنين كذاب؟
الهضيبي: إبراهيم وهنداوي كذابين إن كانوا نقلوا عني.
  • الدفاع: تقسم على هذا؟
الهضيبي: أقسم على هذا: والله العظيم إني لا أمرت، ولا كلمت واحدا في هذه الجريمة( )

وقد أبدى الهضيبي في موضع آخر استنكاره للإرهاب قائلا:

"أنا لا أقر الإرهاب كوسيلة لأي شيء ... وأنا قلت كده: قلت إن الإرهاب ضار بالجماعة وضار بالإسلام، وضار بمصر، وحذرت أكثر من مرة، ونشرت هذا الرأي بين الإخوان. ( )

وعلى كل حال، فقد اعترف يوسف طلعت، وهو الذي يتلقى أوامره من الهضيبي، بأن الهضيبي لم يوافق على استخدام العنف، فقد ذكر أنه حين حمل خطة المظاهرة المسلحة التي دبرها عبد المنعم عبد الرؤوف إلى الهضيبي رفض الموافقة على أكثر من المظاهرة السلمية

وقال له:

اسمع يا فلان، أنا نفسي تجزع من حكاية الاغتيالات، دي عملية تسيء لسمعتكم وسمعة الجماعة، وإذا كان تقدروا، اعملوا مظاهرات سلمية تشترك فيها الهيئات، وتحددوا المطالب بإطلاق الحريات العامة، وحرية الصحافة، والإفراج عن المعتقلين، وعمل برلمان تعرض عليه الاتفاقية.

ثم ذكر يوسف طلعت أن الهضيبي طلب إليه الاتصال بعبد القادر عودة في شأن تدبير هذه المظاهرة السلمية (مما يدل على اختصاص عبد القادر عودة بهذا النوع من المظاهرات).

وقد كلف يوسف طلعت إبراهيم الطيب بعرض هذه الفكرة على الأستاذ عودة، فقام بدوره بعرضها على لجنة خاصة بالمظاهرات، ولكن هذه اللجنة قررت إرجاءها ... ووفقا لكلام يوسف طلعت فإن إبراهيم الطيب جاء لزيارته وأبلغه بأن: "اللجنة مش موافقة على عمل أي شيء خالص بالمرة".

فقلت له: هل أفهم أنه إلغاء أم إرجاء، فقال لي: سوف أسأل عن ذلك، ثم عاد إلي وقال لي: تأجيل! وقد توجه يوسف طلعت بعدها إلى عبد القادر عودة وسأله عن سبب عدم الموافقة على المظاهرة، فطلب إليه الانتظار قائلا: "يا يوسف، طول بالك أحسن" فقلت له: طيب وانصرفت ( )

على هذا النحو، سقطت فكرة المظاهرة الشعبية، سواء في شكلها السلمي أو في شكلها المسلح الذي يعقبه اغتيالات وذلك بسبب خوف القيادة السياسية وترددها، وعندئذ أحس التنظيم السري بأنه لم يعد أمامه سوى الاعتماد على نفسه، والتصرف منفردا تبريرا لوجوده، ولما كانت فكرة المظاهرة قد استعبدت، وهي فضلا عن ذلك خارج نطاق اختصاصه فهذا يفسر الخطة الجديدة التي طرحها في ذلك الحين، والتي تقوم على البدء بالاغتيال!

فوفقا لما ذكره فتحي البوز المحامي، وهو رئيس فصيلة في التنظيم السري، فإنه تقابل مع إبراهيم الطيب قبل