إسحاق موسى الحسيني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الدكتور إسحاق موسى الحسيني
19041990

إعداد:مهند راشد مشاقي

راجعه:د. غانم مزعل

النشأة والتكوين العلمي

لم يدون إسحاق الحسيني كما فعل كثيرون غيره، وقد طلب منه تلامذته ومريدوه ذلك مرارا، ولكنه اعتذر محتجا بأن ذلك يشغله عن دقة القراءة والتأليف.

وبالرغم من ذلك فإننا نجد شذرات متعددة من مذكّراته وأخبار طفولته وظروف دراسته منثورة في الكتب والمجلات.

ومن خلال اللقاءات مع بعض أفراد أسرته المعروفة بالحسينية ومن خلال بعض المراجع التي تناولت امورا كثيرة عن حياته نستطيع أن نكتب عن هذا الاديب الفلسطيني البارز.

وبداية نود أن نستعرض نشأته:

يتحدّر الدكتور إسحاق موسى الحسيني من أسرة عريقة الأصل وهي أسرة الحسينية، وقد ولد الأديب إسحاق بن موسى بن صالح بن عمر الكبير الحسيني في حارة السعدية ببيت المقدس سنة 1904م ونشأ في بيت تجمعت فيه الوطنية والإرشاد والعلم والأدب.

اصل اسرته

ينتسب الحسينيون إلى بني هاشم من قريش، وهم الأشراف الحسينيون، ولذلك كان لهم في بيت المقدس منذ قرون طويلة حضور ديني متمّيز، فقد تولى أجداده بدءا من سنة 1800م نقابة الاشراف في القدس وظل هذا المنصب الديني المرموق منحصرا في أفراد العائلة إلى عهد قريب.

فاول من استوطن القدس من عائلته تاج الدين أبو الوفا محمد بن علي بن أحمد بن داود بن عبد الحافظ بن محمد بن بدر الدين بن محمد بن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطر بن سالم بن محمد بن زين العابدين بن الحسن بن المرتضى الأكبر عوض بن زيد بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك سنة 782هـ، وكان مقام آبائه في بلدة شرفات ولهم فيها مقام يزاز، وقد اشترى تاج الدين بيتا في القدس تحول فيما بعد إلى زاوية صوفية.

التكوين العلمي للدكتور إسحاق

حين فتح الحسيني عين الوعي الاول، وخطا في سن التميز وجد إلى جانبه أباه التقيّ الورع الذي كان من خلال اندماجه في الطريقة الرفاعية الصوفّية، زاهدا في الدنيا، عازفا عن بهارجها ومظاهرها الخادعة، وقد رغب الوالد أن يوجه ابنه وجهة دينية صالحة، وينمي في نفسه روح التدين الأصيل، فأدخله الكتاتيب ليتعلم القرآن، وكان أول كُتّاب دخله كتاب جامع الشيخ لولو في مدخل باب العمود، ثم دخل كتّاب الشيخ ريحان الذي لم يمكث فيه سوى فترة قصيرة لأن والده توفي في سنة 1911م، وآثرت والدته أن تنقله إلى المدارس النظامية بعد أن عانى ما عاناه من عصا الشيخ وقسوته في المعاملة.

وقبل نهاية الحرب العالمية الاولى درس الدكتور إسحاق في عدد من المدارس الثانوية فالتحق بالمدرسة الرشيدية وعمره لم يتجاوز عشر سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة بلوز سلطان سليم وتعلم فيها العبرية والتركية؛

ثم التحق بالكلية الصلاحية التي أعاد تأسيسها القائد التركي أحمد جمال باشا سنة 1915م وجعلها شبيهة بالجامع الأزهر في القاهرة وذلك بسعي من صديق والده الشيخ عبد القادر المظفر، وقضى فيها سنتين درس فيهما التربية الإسلامية واللغة العربية وبعض مبادئ الفارسية.

غير أن هذه الكلية أغلقت بقرار من سلطات الاحتلال البريطاني سنة 1917م، فاضطر الدكتور إسحاق إلى مواصلة تعليمه الثانوي، فدخل مدرسة الفرير الفرنسية التبشيرية في القدس، وقضى فيها سنتين أيضا، ثم التحق ثانية بالمدرسة الرشيدية، وكان مديرها آنذاك أديب العربيّة محمد إسعاف النشاشيبي، غير أنه تركها بعد فترة وجيزة ليلتحق بالكلية الإنكليزية "كلية الشباب" وفيها التقى الأستاذ نخلة زريق فدرس على يديه اللغة العربية وشجعه على تخصص "اللغة العربية".

وفي خريف عام 1923 سافر الدكتور إسحاق إلى القاهرة لمواصلة تعليمه الجامعي، وكان الطلبة الوافدون آنذاك لا يعدلون عن الأزهر، غير أن الدراسة عند الدكتور الحسيني انتظمت في الجامعة الامريكية، ومن ثم في الجامعة المصرية.

وفي القاهرة أخذ يستزيد من العلم ويوسع آفاق معرفته عن طريق الدراسة النظرية المنتظمة من جهة، ومن خلال مجالسة العلماء والأدباء وحضور ندواتهم من جهة أخرى، وهنا أتيح له الالتقاء ببعض الرموز الأدبية مثل: طه حسين، ومنصور فهمي وعباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات والتقى ببعض المستشرقين مثل نلينووجويدي وغيرهما.

ومكث في القاهرة مدة سبع سنوات حصل خلالها على شهادة من قسم الصحافة في الجامعة الامريكية وعلى درجة الليسانس بامتياز من الجامعة المصرية سنة 1930م.

ثم سافر إلى لندن والتحق بمعهد الدراسات الشرقية ونال درجة البكالوريوس بدرجة شرف، عام 1932م ثم درس اللغات السامية في المعهد ونال دبلوم مقارنة اللغات السامية ثم حصل على درجة الدكتوراه سنة 1934م.

بعد ذلك عاد الدكتور إسحاق بعد اتمام دراسته إلى مسقط رأسه في القدس الشريف بعد أن تزود بقسط وافر من الثقافة الأدبية واللغوية والاجتماعية، وبعدها بدأ حياته الوظيفية أستإذا للغة العربية في الكلية العربية في القدس "19341946م" ثم مفتشا أول للغة العربية في حكومة فلسطين إلى سنة 1948م، وقد انتدبته إدارة المعارف الفلسطينية ليمثلها في المؤتمر الثقافي الأدبي الذي عقد في مصيف بيت مري في لبنان أوائل أيلول 1947م.

وقد أسهم في إنشاء لجنة الثقافة العربية في فلسطين عام 1945، وقد شغل منصب السكرتير العام لها، وبعد حلول النكبة عام 1948م غادر الدكتور إسحاق مسقط رأسه قاصدا مدينة حلب، ثم غادرها إلى بيروت، وقد عين في العام نفسه أستإذا للأدب العربي في الجامعة الامريكية "19491955م" وقد أعارته الجامعة سنة 1952 إلى جامعة مكجيل في كندا حيث عمل أستإذا زائرا للأدب العربي ومحاضرا لمادة الحضارة الإسلامية والاتجاهات الفكرية المعاصرة في العالم الإسلامي.

وفي عام 1955م عاد إلى القاهرة وعمل أستإذا في معهد الدراسات العربية العالية، كما تولى رئاسة قسم البحوث الفلسطينية في المعهد وأسهم في تأسيس لجنة القدس للأبحاث والدراسات واصبح رئيسا لها.

وعمل في اثناء اقامته بالقاهرة أستإذا للأدب العربي بالجامعة الامريكية حتى عام 1963 وحاضر في عدد من الجامعات الامريكية منها كلية "هافرفورد" في بنسلفانيا وكلية سميث في ولاية ماسشوستش سنة 1969م.

من أجل ذلك حظي الدكتور بمكانة مرموقة في الاوساط الجامعية والثقافية في الاقطار العربية والغربية التي عمل بها، وكان من ثمرات هذا التقدير انتخابه عضوا عاملا في مجمع اللغه العربية في القاهرة سنة 1961م وقد ولج اليه من عدة ابواب:

اديبا، ناقدا، باحثا، لغويا، وناشدا للعلم والمعرفة، واقبل على أعماله باخلاص المؤمنين وتواضع العلماء، وقد كان خبيرا في لجنة اللهجات مغذيا أياها بالعديد من الدراسات والأبحاث.

ولقد اختير الدكتور إسحاق الحسيني عضوا في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف سنة 1963م، وعضوا في المجمع العلمي العراقي سنة 1971م، وعضوا في مؤسسة آل البيت لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان، وشارك في أعمالها وندواتها، كما اشترك في العديد من المؤتمرات والندوات مثل: مؤتمر الأدباء العرب ومؤتمر الكتاب الآسيوين والافريقين، ومؤتمر تاريخ الأديان الدوري في اليابان.

لقد كان الدكتور إسحاق جيلا كاملا من الثقافة والمعرفة ولذلك قدره بنو قومه حق قدره، فمنح وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى في جمهورية مصر العربية سنة 1983م ومنحه أبناء شعبه الفلسطيني قلادة الضاد ودرع فلسطين، وبأيعه الأدباء والكتاب الفلسطينيون عميدا للأدب العربي الفلسطيني، وألف بعض تلامذته كتابا تذكاريا بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره تضمن بعض نشاطات الدكتور في الدراسات الأدبية والنقدية، وجوانب فكرة الصلاحي والتربوي.

وقد أسهم الدكتور في تأسيس كلية جامعية ومركز للأبحاث الإسلامية، وقد كان تلامذته وزملاؤه يجدون منه ما طاب من حديث في دقائق العلم ممزوجا بحسن معشر وطيب سحر، ونزعة انسانية صافية وشفافية روحية من خلال تعامله مع الآخرين، كما نلمسها في كتاباته وفي ذلك الدعاء الذي يردده في كل مناسبة

"يا الهي أشكو إليك ضعفي أني أهجم على لجة البحر متحديا مصأولا، ولكني أغرق في ملء ملعقتي ماء، يا إلهي اغفر لي يا إلهي، إني فكرت أن ابرأ من بني قومي فوجدت أني أبرأ من نفسي، وعندئذ عزمت على أن أحمل ذنوبهم بشجاعة".

المؤثرات الثقافية التي أسهمت في تكوين شخصيته

هناك مؤثرات كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته من النواحي النفسية والفكرية والوطنية منها اسرته التي غرست في نفسه الحسّ والقيم الاخلاقية الرفيعة، ونمت فيه حب الخير والتمسك بالمبادئ الإنسانية، فقد كان والده تقيا ورعا زاهدا مناصرا ومحبا للفقراء عطوفا عليهم، رحيما بهم.

اما والدته فقد كانت من أسلم الناس فطرة، وأحناهن على ولد، وقد تعلم منها الصبر وتحمل المشاق وتعلم منها التنظيم والتدبير والاقتصاد في العيش.

ومنها _ البيئة العلمية والدراسية التي نشأ فيها والمعلمون والشيوخ الذين نموا استعداده وتعهّدوه بالرعاية والتوجيه، ومن هؤلاء الشيخ حسن نور الدين وكذلك الأستاذ محمد اسعاف النشاشيبي، وقد تفاعل الدكتور إسحاق الحسيني مع مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية والثقافية المعاصرة بحكم احتكاكه بالحضارة الغربية ودراسته على أيدي المستشرقين، فقد كان التفاعل من كلا الاتجاهين مفيدا وكان حريصا على أن يحقق لنفسه ضربا من التوافق والانسجام بين ما يرد إليه من تيارات فكرية وافدة من جهة ومع الأرضية الراسخة للفكر والقيم العربية الاصيلة من جهة أخرى.

وكان ينوه بجهود بعض المستشرقين، وخاصة أستاذه في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن "هملتون جيب" في تطوير الدراسات العربية المعاصرة، وفضلهم في تحقيق الكثير من المخطوطات، وتطوير نشر امهات الكتب التراثية العربية بمنهجية علمية ترتكز على الاستقصاء الدقيق والإحاطة الشاملة.

وقد كان يقول:

"كنت اقرأ النص الأدبي على الأستاذ متباهيا بمعرفتي، مغترا بسليقتي، فما أن يرد اسم نبات أو شجر أو طير أو حيوان أو مكان حتى اقف ويتناهى علمي، فكنت اجد من علم أستاذي ما يبصرني بعيوني ويفتح عيني على نواح جديدة ويرشدني إلى طرائق البحث الجديدة".

ومن العوامل التي اثرت في تكوين شخصيته:

نشأته في القدس الشريف، المدينة المقدسة الخالدة، والوهج المشع على مر العصور الذي يجذب النفوس ويسلب العقول، مهبط الأنبياء واولى القبلتين وميدان الصراع ورمزه بين العرب والمسلمين من جهة، وموجات الغزو الخارجي من جهة اخرى.

لقد كانت القدس بالنسبة له هاجسا مؤرقا ومصدر ألم مستديم، فكرّس لها من جهوده ومؤلفاته الشيء الكثير وعني بها عناية فائقة، يردد ذكرها ويسبح بحمدها ويصف محاسنها ويذكر اسماءها وتاريخها وعلماءها وادباءها ومساجدها، وكنائسها ولا غرو فهي كما وصفها "مسقط رأسه وموطن آبائه وأجداده، ليس في العالم كله مدينة تحاكيها فيما اجتمع فيها من آثار مقدسة منذ اربعة آلاف سنة إلى اليوم، ولا ما تثيره في اعماق النفس من مشاعر الاجلال والتقديس ولا في ما تبعثه في القلب من أنس وبهجة".

ومن العوامل التي أسهمت في تكوين شخصيته انضمامه غلى مجمع اللغة العربية في القاهرة، وكان للعضوية فيه تأثير كبير لا سيما في مسيرته العلمية ونمط تفكيره، ولا أنسى الاثر الكبير لقرينته السيدة الفاضلة علوية الحسيني "ام حاتم" في حياته، فقد كانت له نعم الزوج في وفائها وإخلاصها وتفانيها في الوقوف إلى جانبه، ومشاركته تبعات حياته وأحداثها الجسام، ولذلك كان الدكتور يذكرها في كل مناسبة مشيدا بفضلها، منوها بجهودها ودأبها على توفير جو عائلي مفعم بالطمأنينية والاستقرار النفسي، بل كان الدكتور الحسيني يحجم عن نشر أي إنتاج دون أن يطلعها عليه لتبدي رأيها فيه لثقته منه بذوقها العالي وبصرها السديد.

حياتـه وأدبـه

كانت حياة الدكتور خصبة حافلة، صنعها بفكره وقلبه، وسخّرها لنفع وطنه وامته، وأعماله وفيرة لا تتسع الصحائف الكثيرة لاستقصائها، فلم يكل يوما عن الفكر والعمل، ولم تفتر همته عن البذل والعطاء في مختلف الميادين.

وللدكتور الحسيني رأي في الأدب مؤداه:

"أن الأدب رسالة إنسانية قوامها المشاعر النبيلة والأحاسيس الصادقة والأفكار السامية والصياغة اللغوية المتأنقة، فهو بالنسبة للفرد ضرورات الحياة، وللامة سجلها الذي يحتفظ بنبضات قلبها واشواق روحها واشراق عقلها".

وأسلوب الحسيني في كتاباته الأدبية أسلوب مرسل واضح العبارة مأنوس الالفاظ يمتاز بعذوبة وخفة تجعله لا يبحث عن الكلمات، بل أنها تنساب في يسر وسهولة على سن يراعه وألفاظه مفصلة على قدر معانيه دون حشو أو تكراز أو عسر في التعبير، يجعل قارئه يحسّ أنه يعاني شيئاً من المشقّة في الإبانة عن أفكاره وتوصيلها.

والدكتور الحسيني حفيّ بالشعر شغوف به فهو يقرضه وينظمه على قلة، شعره سلس عذب يمتاز بالبساطة وصدق العاطفة والبعد عن الغريب، وأغلب ما نظمه لا يعدو كونه خطرات هي اقرب إلى النظر الفلسفي والاجتماعي ذات صلة بلزوميات المعري التي أعجب بها ونثر بعضها على غرار ما فعل الدكتور طه حسين في "صوت أبي العلاء"، فمن خطراته التي كان ينشر بعضها في جريدة القدس – هذه الأبيات التي يحث فيها على التمسك بالوطن والتعلق بترابه والالتصاق به .. وقد نشرت الخطرات في كتاب بعد وفاته سنة 1991، يقول بعنوان خواطر العمر:

أحبب بلادك وأعشق ريح تربتها

فالروح من ريحها والجسم من ترب

طوفت في الأرض لم أعثر على بلد

يحكى محاسنها في الشرق والغرب

ويقول:

إلصق بأرضك وارو تربها عرقا لا الجاه يغنيك عنها لا ولا الذهب

وهو ناقد حصيف، شارك في مسيرة النقد العربي الحديث، وله في تاريخ النقد جهود قيمة تستحق الثناء والتقدير، ومباحث "عادت بالضوء الباهر إذ كشفت ظلمات مدلهمة تحير في آفاقها الباحثون، وهي على أيجازها المركّز ذات رسم نافع، وقد كانت نقطة انطلاق لمن تلاه من الدارسين، إذ رسم لهم الدكتور الحسيني الطريق، فمضوا فيه مهتدين" استطاع أن يرسم للأدب طريقه الصحيح، وأن يوجهه الوجهة الصائبة في الاتجاه الخصب الاصيل الذي يرقى بالأدب إلى المستوى الانساني النبيل، ويسمو به صعدا إلى آفاق فنية رفيعة تكرس معاني الجمال والخير والحق.

وقد كان ضليعا في اللغة العربية متمرسا بقضأياها وعلومها المتشعّبة، وله في هذا مباحث تدل على ان لديه ذهنية واعية وعقلية متحررة، تنزع إلى الاجتهاد، وتأبى التقليد، والوقوف على اثار السابقين.

وقد تبنى الدعوة إلى تجديد اللغة وتطويرها حتى تجاري الحضارة الحديثة وتسأير روح العصر.

على أن للتجديد في رأيه حدودا لا ينبغي تجاوزها، لئلا تسود الفوضى، وتعم البلوى، ويشيع التعصب الذميم بين الناس.

وقد دعا إلى معاودة النظر في قضأيا النحو ومسائله المختلفة بغية تيسيرها على الناشئة المتعلمين، وذلك بعد أن ضاق النحو بنفسه بتعقيد أبوابه وغموض مسائله، وهو الذي كان يرى ان النجاح لن يحالفنا الا إذا استعنا بعلم اللغة الحديث من جهة وعلم التربية والتعليم من جهة اخرى.

وقد وقف في وجه كل من تطرف في الدعوة إلى تسهيل العربية عن طريق استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية أو عن طريق استبدال اللغة الفصحى باللهجة العامية لصعوبة قواعدها وعسر التعليم فيها.

وقد عمل الدكتور الحسيني في مجال التربية والتعليم، فعمل مدرسا ومفتشا وأستإذا جامعيا فترة تزيد على ربع قرن، استطاع خلالها أن يربي جيلين كاملين كان لهما دور بارز في النهضة المعاصرة، وقد كان باحثاً مدققا ومفكرا بعيد النظر عميق التحليل يتحلى بالأخلاق العلمية من اتزان وتواضع وحيوية وصبر.

وقد كان من أبرز شمائله شغفة بالعلم والاستزادة من المعرفة ولم يكن يداهن أويتزلف لصاحب منصب أو سلطة. وقد كان متفائلا حتى في أحلك الشدائد، فالحق في رأيه لا بد أن ينتصر، وهو مؤمن بالنشء الجديد وبقدراته الخلاقة الصلبة في مواجهة الأزمات، ولديه يقين لا يتزعزع بأن الانسان الفلسطيني ذو طاقة هائلة، وأنه إذا ما تيسر له الصقل والمران يبدع كأحسن ما يكون الابداع.

وقد كانت طيبة قلبه تتناسب مع قوة خلقه وكمال مرءته وتعلقه بالمثل الاخلاقية الرفيعة، وهذه النزعة الإنسانية المتأصلة في نفسه جعلت منه عاشقاً للحرية، متيما بها، فكانت خطاه في كل ما سعى شواطئ مفتوحة للريح والشمس ورائحة البحر الواسع، وكان مرشده وهاديه في كل الآفاق التي ارتادها الحديث النبوي الشريف: "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو احق بها "وهو شعار يجدر كما قال الدكتور الحسيني بابناء امتنا ان يسيروا على هديه ويتبنّوه حتى يبلغوا شاو ما بلغته الامم المتحضرة في مختلف المجالات. مؤلفاته العلمية وكتاباته الابداعية

لقد وقف الحسيني حياته منذ صباه المبكر على التعلم والتعليم والبحث والدرس في تجرّد الزهاد وصبر المجاهدين، ضالته الحقيقة حيثما وجدها التقطها مهتديا بقول الشاعر:

إذا مر بي يوم ولم اصطنع يدا ولم استفد علما فما ذاك من عمري

وكانت خلف معاه: تأليفا وأبداعا بصيرة واعية مدركة، وفكر ناقد على درجة عظيمة من الدقة والمرونة والمقدرة، فإذا ما عالج موضوعا حقق ودقق، واستقرأ ورتب وبوّب، ثم ذكر الرأي مشفوعا بدليله، في تسلسل منطقي، وأحاطة شاملة تعنى بالجزئيات والظواهر الفرعية عنأيتها بالكليات والظاهر العامة.

والحق أن انجازاته وجهوده في الكتابة والتأليف أكبر من ان يلم بها حديث موجز أو عرض مبتسر، فعطاؤه الواسع والمتشعب يحتاج إلى نقص وتصنيف وهنا في هذا البحث سنتناول بعض مؤلفاته ونقيم بعضها.

مؤلفاته الابداعية ودراساته الأدبية والنقدية

1. الكتب

ابن قتيبة "حياته وآثاره"

وهي دراسة مركزة لا تتجاوز المئة صفحة، نال بها الحسيني درجة الدكتوراه من معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن سنة 1934م.

هذه الدراسة تعد إسهاما رائدا في الدراسات النقدية، وهي تقدم صورة صادقة عن منهج الحسيني وأسلوبه في البحث العلمي وطريقته في معالجة الظاهرة الأدبية النقدية، وقد كان للحسيني يد سبّاقة النقد الأدبي القديم حين كتب دراسته العلمية عن ابن قتيبة، فكان أول تقدير نقدي للجهود الأدبية التي بذلها صاحب الشعر والشعراء وادب الكاتب وعيون الاخبار، وقد اكتشف ان ابن قتيبة صاحب مذهب فقهي مثل ابي حنيفة والشافعي، وهو توجيه طيب إلى دراسة الاثر الفقهي لعالم اشتهر بالتعمق في علوم اللسان.

2. مذكرات دجاجة

وقد فازت بالجائزة الاولى بما يشبه الاجماع في الاستفتاء الذي اجرته دار المعارف بالقارة لقراء العربية حول افضل ما نشر في سلسلة اقرأ، وقد ترجمت إلى اللغة الفرنسية وقد عدها بعض الباحثين والنقاد من الاعمال الرائدة في الرواية، والتي تعبر عن واقع مرحلة حرجة من تاريخ القضية الفلسطينية، ورأى آخرون أنها تخلو من أي بعد رمزي يتعلق بجوهر القضية الفلسطينية، وأنها لا تعدو كونها، من الأدب الجميل الذي يحمل فكرة فلسفية في قالب قصصيّ معبر.

وقد كانت القصّة بنظر الدكتور إسحاق لا تعدو ان تكون وصفا واقعيا مباشرا لدجاجة عاشت في بيته. وهي تصف حياتها: "وقد وقع بيني وبينها ألفة ومحبة فكنت أطعمها بيدي وأراقب حياتها يوميا والاحداث التي نرويها وقعت لها بالفعل ولو قدر لصديقتي الدجاجة ان تتكلم بلغة الاناسي لما قالت غير ما تقرأ، وانا في الواقع اترجم ما أوحت به الي، اما عنصر الخيال فضئيل، وهو لا يعدو أن يكون تعليقا على هامش الحياة أو تحليقا في عالم المثل العليا".

وقد المح الدكتور الحسيني إلى أن المذكرات: كانت أكبر تحدّ يواجه به الانتداب البريطاني حين كان موظفا في الحكومة.

3. سلسلة طرائف للاطفال

شاركه في تأليفها محمد العدناني، واحمد سليم سعيدان، وفأيز الغول، ونشرتها مكتبة الاندلس في القدس عام 1947م.

وقد كان الهدف من اصدار هذه السلسلة تقديم ثقافة متطورة للطفل تمده بقيم تتفق مع عالمنا الجديد، وتنمي مداركه ووعيه وتصله بماضيه المجيد، وتراثه الخالد.

4.هل الأدباء بشر

كتيب صغير يضم خواطر ومقالات متفرقة كتبت في أوقات مختلفة سبقت النكبة.

وهو يتحدث فيه عن بعض الظواهر النفسية والاجتماعية في حياة الأدباء متكئا على التحليل النفسي والنظرة الاستبطانية المتعمقة، ويتطّرق في بعضها الآخر إلى الحديث عن الحركة الأدبية في فلسطين بقصد تأصيل هذه الحركة وابراز معالمها واحياء لذكرى اعلامها.

5.المدخل إلى الأدب العربي المعاصر

هذا الكتاب يضم بحوثا موسعة تعالج قضأيا في الأدب العربي المعاصر، قد كان مؤدي الكتاب عرض الأدب المعاصر بحسب فنونه من شعر ومسرحية وقصة وسيرة، وقد صدر الكتاب عن معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة سنة 1963، وعدد صفحاته 73 صفحة.

6.الأدب والقومية العربية

يحتوي الكتاب على محاضرات القاها الدكتور الحسيني على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة بقصد تثقيفهم ثقافة أدبية عامة واطلاعهم على كل ما ينبغي ان يطلع عليه كل مثقف من شؤون الأدب واللغة، ويتناول موضوعا حول العلاقة بين الأدب والقومية العربية وقضية استبدال العامية بالفصحى، بالاضافة إلى اهمية الوطن من الناحية الجغرافية والسياسية والاقتصادية.

7.النقد الأدبي المعاصر في الربع الاول من القرن العشرين

يتحدث عن تأثر الأدباء بالفكر الاوروبي.

الأبحاث والمقالات المنشورة

للحسيني ابحاث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

- مإذا قالت الدجاجة.

- حول مذكرات دجاجة.

- الحياة الأدبية في فلسطين.

- خليل السكاكيني.

- قصائد تاريخية.

- قرية بيت صفافة.

مؤلفاته في الفكر والحضارة الإسلاميين

الكتب

1-الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية

وقد صدر في طبعتين، الاولى عام 1952م والثانية عام 1954م، وقد قال الحسيني حول هذا الكتاب: "لم يكتب هذا الكتاب للأخوان ولا عليهم، وإنما كتب لتاريخ الدعوة تاريخا علمياً محضا منذ بدأيتها إلى الوقت الحاضر، ويقتضي التاريخ العلمي ذكر الحسنات والسيئات على السواء لأنه تصوير للواقع كما هو دون تحسين أو تقبيح من الخارج".

وقد ذكر الحسيني أن دعوة الإخوان المسلمين تستحق هذا التاريخ لعدة اسباب، منها: ان الحركة تركت اثرا في التاريخ الحديث لا يجوز أن يهمل، وان الحركة جزء من التاريخ الحديث، وان هذه الحركة لها اصول في التاريخ الإسلامي، وهي تشبه إلى حد كبير الحركة الوهابية والحركة السنوسية، وهي متأثرة بالمدرسة السلفية الحديثة التي تزعمها الشيخ رشيد رضا في مصر، ومدرسة ابن تيمية المتوفّى سنة 737 هـ.

ويتحدث عن الظروف التي أسهمت في ظهور حركة الإخوان المسلمين وتطورها وشخصية مؤسسها مع عرض لأهم مبادئها وأعمالها في ميدان السياسة وتنظيمها داخل مصر وخارجها، وفي الفصل الاخير من الكتاب الذي يضم تسعة فصول يقوم بتقديم عرض تحليلي نقدي مفصل لمنهج الدعوة ولطبيعة عملها، فهو يرى ان حركة الإخوان يميزها الشمول والتنظيم الدقيق والتقنية والتفاعل مع الاحداث المحلية، ويؤكد أن سبب جماهيرية هذه الحركة هو رأيها في الحكومة الدينية، وموقفها من الحضارة الغربية مع ما تفرزه من أنماط حياتية مستحدثة ومواقف فكرية مثيرة للجدل.

2-الإسلام في نظر الغرب

هو مجموعة مقالات لكتاب عرب واجانب كتب باللغة الإنجليزية، ونقلها الدكتور إسحاق إلى اللغة العربية، وأسباب جمعه لهذه المقالات هي:

- حرصه على أن يطّلع المسلمون في المشرق والمغرب على اراء طائفة من الباحثين الغربييّن في الإسلام والمسلمين التي لا تخلو في مجملها من آراء تستفز الشعور وتجانب الحق.

- رغبته في لفت انتباه القراء إلى أهمية العالم الإسلامي وموقعه في العالم الذي يشبه موقع الحزام من الوسط للانسان.

- الإهابة بالباحثين من عرب ومسلمين إلى معالجة هذا الموضوع الجليل بأسلوب علمي رصين، كي تكون الصورة المعروضة على الغرب اقرب إلى الصحة والصواب.

- فليس من المقبول في رأيه أن يغوص نفر من الباحثين الغربييّن في جوهر الإسلام وفي قدس أقداس المسلمين، وفي صميم حياتهم العقلية والاجتماعية، في حين أن الباحثين المسلمين أنفسهم يعيشون على هامش الحياة، لا يكادون يدركون خطر دينهم وبلادهم وشعوبهم وطبيعة المشاكل التي تواجهها بلادهم، ومبلغ عناية الغرب والشرق بشؤونهم لصالحهم أو لطالحهم.

3-أبحاث في ماضي المسلمين وحاضرهم

يضم بحوثا تتناول أوجه الحضارة الإسلامية قديما، والسبل الكفيلة برفعة المسلمين وارتقائهم سلم التمدن في العصر الحديث.

الأبحاث والمقالات

- حول مدارس بيت المقدس ومعاهدها.

- شخصية الرسول في القرآن الكريم.

- الإسلام ماضيه وحاضره.

- الثقافة الإسلامية في البلاد العربية والافريقية.

- نظام الحسبة في الإسلام.

- الآثار الإسلامية في بيت المقدس بعد الفتح العمري، بحث رقم (1).

- الآثار الإسلامية في بيت المقدس بعد الفتح العمري، بحث رقم (2).

- مكانة بيت المقدس في الإسلام.

- فضائل بيت المقدس.

- تحقيق وثيقة الشيخ محمد الخليلي.

- الجانب الإسلامي في القضية الفلسطينية.

- مادة "مسجد"، دائرة المعارف البريطانية.

- مادة "وهابية" دائرة المعارف البريطانية.

مؤلفاته التربوية

الكتب

1-رأي في تدريس اللغة العربية.

وضع بأسلوب تعليمي لطلاب المرحلة الابتدائية، ووضع لارشاد المعلمين وتوجيههم في تدريس العربية بجميع فروعها في المرحلة الابتدائية.

2-العروض السهل للصفوف الابتدائية:

وضع لتعليم طلاب المرحلة الابتدائية علم العروض.

3-فن إنشاد الشعر العربي:

وهي رسالة ألفت بالفرنسية، وقد ترجمها إسحاق الحسيني إلى العربية بالاشتراك مع الأب إسطفان.

4-الاساس في قواعد اللغة العربية:

وهو كتاب مدرسي نحا فيه نحوا جديدا في تقويم القواعد وربط ابوابها وتيسير صعابها.

5-اساليب تدريس اللغة العربية في الصفوف الابتدائية.

الأبحاث والمقالات

1-نادي الطالب الفلسطيني

2-البعثات العلمية

3-التربية أولا

4-تقريب التعليم العالي الجامعي

5-وصية لابي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة إلى ولدأيه رحمة الله عليهما.

مؤلفاته في التاريخ والتراجم

الكتب

1- عروبة بيت المقدس

2-أديب العربية محمد إسعاف النشاشيبي: وهو سلسلة محاضرات القيت على طلبة معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة عام 1956م.

3- خليل السكاكيني الاديب المجدد.

الأبحاث والمقالات

- أبو العلاء المعلم

- أديب العربية محمد اسعاف النشاشيبي.

- برقة الدولة العربية الثامنة.

- خليل السكاكيني.

- لم نخسر شيئا.

- الامام محمد عبده.

- رجل يخرج من فمه النور.

- الياس طعمه أبو الفضل، شاعر القومية العربية في المهجر.

- فلسطين وإسرائيل.

- مصير بيت المقدس.

- موسوعة أعيان القرن الثالث عشر.

- من ذكريات العمر.

مؤلفـاته الفكـرية والقـومية

الكتب:

1-علماء المشرقيات في انجلترا.

2-عودة السفينة

يدور حول عدة موضوعات منها المرأة، التعليم، الاقتصاد، الأخلاق فالدكتور الحسيني يعتقد أن ابناء الامة العربية الذين يستقلون سفينتها قسمان: متفائلون ومتشائمون حول قدرتها على أن تنجو بنفسها من العواصف الهوجاء، وهذا الكتاب يشتمل على وصف واقعي لحياتنا الاجتماعية، وبما يشيع فيه من حرص على امتنا ومستقبلها وغيرة صادقة على تطورها وارتقائها مدارج الرقي والتمدّن بهدف إلى خلق جيل واع قوميا صحيحا، يرتكز على الفهم الصحيح لشؤون الحياة والمجتمع.

3-أزمة الفكر العربي

يعالج الحسيني في فصوله المتعددة ازمة الفكر العربي، فيعرض مظاهرها ويناقشها مثل: الحيرة والارتجال وفقدان العقلانية، وفقدان الجرأة والحرية الفكرية ونقد الذات واحترام القيم إلى درجة التقديس، وكذلك بحث العروبة والاراء المتضاربة حو استبدال الحروف العربية بحروف لاتينية.

ويختم الكتاب بفصل "تعريب العرب" الذي يرى فيه تثقيف سكان البلاد العربية ثقافة موحدة تزيد من شعورهم بقوميتهم ووحدتهم.

4-الاستشراق، نشأته وتطوره وأهدافه

5- معالم القضية الفلسطينية.

6-عروبة بيت المقدس.

7- قضأيا عربية معاصرة: يشمل فصولا تعالج قضأيا ومشكلات يعاني منها الوطن العربي.

المقالات والأبحاث

- امراضنا الاجتماعية.

- أكاذيب بعضها فوق بعض.

- الاستقلال أو الموت.

- أخي الانسان.

- العنصرية اساس قيام إسرائيل.

مؤلفاته اللغوية

1- الكتب الاساس في قواعد اللغة العربية

الأبحاث والمقالات

- معجم القرآن الكريم.

- مصطلحات النقود في البلاد العربية.

- المقطعية في اللغة العربية.

- ألفاظ معربة.

- أسماء بيت المقدس.

- الزط.

- اختصار الكلمات

وجدير بالذكر أن جميع هذه المقالات والأبحاث نشرت في مجلة مجمع اللغة العربية" بالقاهرة.

وقد شهدت مدينة القدس حفلا تكريميا لشيخ الأدباء في فلسطين العميد الأستاذ الدكتور إسحاق موسى الحسيني بمناسبة بلوغه الثمانين من عمره.

وكان ذلك حدثا ثقافيا وفكريا متميزا، وذلك في اليوم السادس عشر من شهر شباط سنة الف وتسعمائة وست وثمانين، وقد جرى هذا الحفل برعاية مركز إحياء التراث في الطيبة، وبمبادرة منه، واقيم مهرجان حافل حضره حشد كبير من تلامذة الدكتور الحسيني ومحبيه ومقدري فضله.

وقد شاركت عشرات الهيئات والمؤسسات والمراكز والجامعات الفلسطينية في هذا المهرجان، وشارك كذلك أهلنا من الأراضي المحتلة عام 48 وشاركت جامعة النجاح الوطنية التي مثلها في المهرجان الدكتور أحمد حامد.

كما شاركت في المهرجان بعض المؤسسات العربية الأجنبية وهي: جامعة مكجيل (كندا) ومعهد الدراسات الإسلامية.

وقد تناولت الكلمات في معظمها أفضال الدكتور إسحاق موسى الحسيني على الأدب العربي الفلسطيني خاصة والأدب العربي عامة.

وقد تناولوا كذلك اهمية الأدباء واهمية الأدب والابداع في فلسطين، وقد ألقى الدكتور أحمد حامد بصفته احد اصدقاء الدكتور الحسيني وعميد كلية الآداب في جامعة النجاح كلمة تناول فيها دور الشعراء والكتاب والمؤرخين الذين شاركوا بأخلاص في بناء تراث الامة وإحياء امجادها، فكان منهم الغزي والصفدي والتابلسي والمقدسي والرملي، وذكر الدكتور أحمد حامد أنه ليس من الغرابة في شيء أن تنجب بيت المقدس علما شامخا من اعلام الفكر العربي بعامة، هو الأستاذ الدكتور إسحاق موسى الحسيني، وذكر الدكتور أحمد حامد أنه كان يعرف الدكتور الحسيني عن قرب، حيث كان مشرفا على أطروحة الماجستير التي أعدها حول شخصية مرموقة في التربية واللغة والأدب هي شخصية خليل السكاكيني.

وقد ذكر الدكتور أحمد حامد في كلمته أنه إنسان أديب خلوق إلى أبعد الحدود، وقد رأى فكر الحسيني أنه يشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية، حيث كان من رواد الأدب الأوائل الذين حاولوا إحياء شخصيات الأدب العربي وإظهار آثارهم ونشاطهم الفكري.

وبرز في مجال التاريخ، ومارس التعليم حيث ودعا إلى نشره في جميع البيئات وشملت كلمته حديثا عن نظرة الحسيني للمرأة وحقوقها والحرية الفكرية وكذلك النظرة الصادقة إلى دراسة اللغة العربية.

جولة مع تراث الحسيني

اقدم مقال كتبه الدكتور اسحاق موسى الحسيني بخطه هو مانشره في جريدة الصباح المقدسيّة عام 1921م والمقال بعنوان "ارحموا لغتكم أيها الشبان" وجاء فيه:

"من طالع صفحات التاريخ يرى أن الامم المتحضرة المتمدنة العظيمة التي نالت قصب السبق في المعارك قد اعتزت بلغتها وامتدت بامتداد سلطتها، لأن اللغة هي الصوت الرهيب بل الالة الفعالة التي تنقل صدى صوت قومها إلى اقصى البلاد، وتجعل لهم مركزا ساميا بين الامم.

أن اللغة لسان حال الامة، فهي روحها التي عليها مدار الحياة، فإن فقدت الروح فالجسم لا محالة هالك.

واآسفاه مع ما نرى من تأثير اللغة على الامة نرى بعض شبأنها العاملين يقودنها خطوات عديدة إلى الوراء.

انني بكل أسف أذكر هنا بعض ما سمعته كثيرا مما آثار عواطفي، وطعنني في احشائي طعنات عديدة عديدة: سمعت طبيبين " لا حاجة لذكرهما" هذا ما قاله الدكتور الحسيني حرفيا في مقاله "يتحادثان، فقال احدهما: لمإذا لا تزورنا يا عزيزي؟ فأجابه: لأن علي business? كثير، فأرجوك العفو.

فقال: وهل ذلك يؤخرك عن زيارتك لأصدقاء لك.

قال: نعم، وعلينا اليوم أيضا doctors meeting for all the وكثيرا ما سمعت من إخواني التلامذة أبناء الامة يتحدثون ويستعملون كلمات غريبة، وهي طعنة في جسد لغتهم العربية المقدسة، ككلمة No بدلا من كلمة لا، أو thank you بدلا من شكرا أو اشكرك، وغير ذلك، مما يشوه الحديث، وتنفر منه الإذان، فكان لغتهم التي فاقت غيرها من اللغات بالبلاغة والاتساع تضيق عن التعبير بكلماتهم هذه، فاتئدوا قليلا، وارحموا لغتكم أيها الشبان.

ارحموها كي ترحمكم والا فالذنب ذنبنا، ولا رحمة على المذنب، والسلام."

جريدة الصباح، القدس سنة 1921

هل ظهر في فلسطين أدب وأدباء (بتصرف)

السيد/ إسحاق موسى الحسيني

الظاهر ان فلسطين لم تكن في تاريخها القديم وحدة مستقلة عن شقيقاتها المجاورات ومنذ الفتح الإسلامي إلى العصر العثماني وهي تتصل اتصالا وثيقا بقطر من الاقطار المجاورة ولذا كان ادباؤنا يتنقلون من قطر لآخر، واكثرهم قصد مصر، واتخذها وطنا ثانياً حتى عدّ من ادبائها.

وأشار الحسيني إلى بعض الأدباء الذين ظهروا في عصور متعاقبة وهم من شواهد الصدق على ان التربة الفلسطينية لم تكن مجدبة في عصر من العصور.

واول من ذكر منهم: الكاتب الشاعر أبو الفتح محمود بن الحسين كشاجم الرملي، نسبة إلى الرملة البيضاء الواقعة قرب مدينة يافا، المتوفى في حدود سنة 350 هـ، وقد قسم أيامه بين القدس والرملة وحلب، وكان شاعرا لأبي الهيجاء ولابنه سيف الدولة الحمداني.

- وظهر في غزة ابو إسحاق الغزيّ المتوفى سنة 524 هـ وقد جاب بلاد الشام إلى ان ادركته المنية في بلخ.

- ولعل اكبر شخصية عرفتها البلاد الفلسطينية هي شخصية القاضي الفاضل المولود في عسقلان سنة 529 هـ.

- وقد ولد في صفر سنة 696 هـ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، وطلب العلم في دمشق وكان صديقا للذهبي والسبكي والف خمسمائة مجلد منها الضخم "النفيس الوافي بالوفيات "في ثلاثين مجلدا.

- ومن الأدباء الفقيه شيخ الإسلام شهاب الدين الرملي المتوفى سنة 881 هـ وقد أقام في الرملة وبيت المقدس ويافا حيث عمر برجا على جانب البحر.

- ومنهم ابو أيمن عبد الرحمن بن محمد بن محير الدين العليمي المولود في بيت المقدس سنة 860 هـ صاحب "الانس الجليل بتاريخ القدس والخليل."

- ومنهم مرعي بن يوسف الكرمي نسبة إلى طولكرم من قرى نابلس.

- وولد ببيت المقدس سنة 1281 هـ باحث اديب هو روحي بك بن محمد بن ياسين الخالدي الذي طلب العلم في باريس والاستأنه وقد كان قنصلا للحكومة العثمانية في بوردو فنائبا في مجلس المبعوثين في الاستانة.

- ومن الأدباء خليل الخالدي الذي قدم خدمة جليلة في جمع المخطوطات العربية.

وعرفت البلاد في تاريخها الحديث عددا من الشعراء منهم علي الريماوي، ابو الاقبال اليعقوبي وكذلك الشاعر ابراهيم طوقان ابن مدينة نابلس الذي تفرد بالشعر.

فالبلاد كما ذكر الدكتور الحسيني لم تكن عقيمة في دور من ادوار حياتها، وان فلسطين هي بلد العلم والحضارة والصراع، وهي من البلاد العربية التي تزخر بالاباء والكتاب والعلماء والفقهاء.


"الحياة الأدبية في فلسطين"

بقلم الدكتور إسحاق موسى الحسيني

اظهر مساوئ التاريخ القديم اعتماده في تاريخ الحياة العامة على الحياة السياسية بأضيق معانيها، ولذلك لا يجد المطالع في التاريخ سوى اشباح الامم السالفة.

فمعالم الامم أو اعراقها النابضة بالحياة تكاد تكون مخفية عن الانظار.

لقد وهم بعض الناس ان هذا القطر الصغير بمساحته وعدد سكأنه، الكبير بمقامه الديني والسياسي، لم ينتج ادبا في العصور الخوالي. وهو وهم تنقضه طبيعة الحياة بقدر ما ينقضه الواقع.

فمنذ الفتح الإسلامي إلى يومنا هذا والأدباء يتعاقبون بلا انقطاع. ولكن هناك بعض الحقائق لا بد من ذكرها:-

- ان فلسطين لم تكن وحدة مستقلة بل كانت جزءا من "ديار العرب" ولم يستقل بحكم أرضها امير محدد فهي اما تابعة أو متبوعة.

- أنها لم تكن مركزا للخليفة أو للسلطان مدة طويلة من الزمن حتى تجذب اليها الشعراء والكتاب أو تحفظ لها المواهب الأدبية في بيئتها وتحول دون انتقالها إلى بيئات اخرى وقد كانت فلسطين ممثلة بالرملة والقدس خاصة عاصمة لديار العرب، وهي بهذه الفترة القصيرة لم يتح للحياة الأدبية ان تزدهر بفلسطين نفسها.

- ان البلاد لم تشتهر بالرخاء الاقتصادي الذي كانت تنعم به العراق والشام ومصر والاندلس، فليس عجيبا ان يتوجه ابناؤها إلى مراكز السلطان والرخاء يلتمسون الدواعي لفتق المواهب.

طريقة أوصى بها الدكتور الحسيني لاستعمالها في تدريس الابجدية

هذه الطريقة التحليلية، وهي تسير من الصورة إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الجملة بتدرّج حسب الترتيب والأسلوب التالي:

- ترسم صورة دار على ورق مقوى، وتكتب كلمة دار على ورقة اخرى، ثم تعرضان على الطلاب حتى ترتسم الصورتان، الكلمة ومدلولها في اذهأنهم.

- تعدد هذه الصور والكلمات في التدريج على ان تكون الكلمات مؤلفة من مقاطع يسيرة النطق والرسم.

- يوضع امام الطلاب عدد من الصور والكلمات، ويكلفون بالبحث عن الكلمة الدالة على صورة معينة.

- يكلف الطلاب برسم الكلمة أو رسم الصورة ورسم الكلمة بأسفلها، وهذا الضرب من الرسم محبب إلى الطلاب ومدعاة إلى تركيز اذهأنهم.

- تؤلف من بضع صور جملة، ويكلف الطلاب بانتقاء الكلمات الدالة على هذه الصور، وعندما يستمر الطلبة بهذه الطريقة فترة من الزمن ترسخ الكلمات في أذهأنهم ويعتادون رسمها وقراءتها بسهولة.

ثم يعطون _ أي الطلاب _ حروفا منفصلة، كل حرف على حدة، ليؤلفوا منها بعض الكلمات، ومن المفروض ان يقوم المعلم باختيار الكلمات بحيث تدل على اشياء مألوفة في حياة الطالب في تلك الفترة، الكتابة مع القراءة جنبا إلى جنب، ثم يبدأ الطلاب، ويشجعوا على قراءة قصص قصيرة مصورة قراءة صامتة، ثم إجراء محادثة حول القصة، حيث إن القراءة الصامتة مقدمة على القراءة الجهرية.

ويذكر ان للدكتور الحسيني طريقة اخرى في تدريس الابجدية.

مصطلحات النقود في البلاد العربية في نظر الدكتور اسحاق موسى الحسيني

إسحاق موسي الحسيني

لهذا المبحث ثلاث نواح: ناحية تاريخية، وناحية اثرية، وناحية لغوية، وقد ترد في كتب التاريخ، وفي الوثائق التاريخية: كسجلات المحاكم الشرعية والمعاملات والمراسلات، وعلى السنة الناس، اسماء نقود.

والمعاجم القديمة كالقاموس المحيط ولسان العرب وتاج العروس لا تذكر من هذا المصطلح الا النادر كالدينار والدرهم والفلس، وقد ورد الدينار في القرآن الكريم:" ومن اهل الكتاب من إن تامنه بقنطار يؤده اليك، ومنهم ان تامنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما "وقد ورد الدرهم بصيغة الجمع: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة".

ويذكر الدكتور الحسيني أنه لا يوجد معجم أو كتاب وعى جميع الاسماء، وربما كان كتاب "النقود العربية وعلم النميات " للأب انستاس ماري الكرملي الصنيع الفرد في هذا الباب، فقد توسع، وعدد من الاسماء النقدية ما كان وصفا لها.

ورب سائل يقول: أيحسن ان تدخل اسماء النقود المعجم وكلها دخيل غير عربي؟

إذا كان القصد من المعجم الأعجام وحل الرموز والمشكلات فدخولها ضروري، والمعاجم الغربية تفخر في طبعاتها المتوالية باضافة ألفاظ مستحدثة في مختلف العلوم.

واسماء النقود العربية دخلت كتب التاريخ ووردت في الوثائق.

ولا يضير العربية ان استعارت اسماء النقود من مختلف اللغات، فالحضارة العربية تعتز باقتحامها جميع الميادين، وبوقوفها موقفا أيجابياً من الحضارة الإنسانية، تاخذ وتعطي، تدين وتستدين، فعل المقدام الواثق بنفسه، الحريص على أن يقف في طليعة الركب.

وكانت الدول قديما تتعامل بالدينار والدرهم، واولهما لاتيني من كلمة عشرة، وثانيهما يوناني من كلمة درخم بمعنى قبض أو تناول، ولم يكن الاصطلاح على كلمة تنسب إلى العشرة بالامر العسير على لغة الضاد، ولا كانت مادة القبض والتناول مغلقة على العربي المستعير منها، كما استعار منها اليوناني، وجاراه الروماني والفارسي والجرماني وغيرهم من أبناء القرون الخالية.

ولو اخذنا بالمقاصة بيننا وبين أبناء اللغات العالمية لاسترددنا من معجماتهم اضعاف ما يستردونه من معجماتنا في باب المعاملات وحدها، فلا يحق لهم ان يدينونا بالجنيهات والريالات الا إذا ادناهم بالبنك والحوالة والرزق، بل بارقام العدد نفسها، وبالصفر من حساب ما بعد العشرات والمئات.

وقد تناول الدكتور إسحاق موسى الحسيني عددا كبيرا من المصطلحات تجاوزت الثمانين مصطلحا، فقد استعمل العرب في أبان مجدهم الدينار الذهبي، والدرهم الفضي، ثم دار الزمان دورته المنحوسة، فتشت شملهم، وتولى الاعاجم شملهم وامرهم، ويوم ذاك ظهر البرغوث، والسحتوت، والزلطة، والمتليك، وقد عرفت هذه النقود" بالنقود المغشوشة".

فن انشاد الشعر عند العرب

عرف الانسان فن الانشاد من قديم الزمان كما عرف الموسيقى والرقص والرسم وسائر الفنون الجميلة، بوحي الفطرة، قبل ان يكون لها قواعد مقررة، أو أن يحاول هو ان يستنبط منها اصولا ثابتة. فالفن سبق العلم في كل نواحي المعارف الإنسانية، والعلم هو قواعد نظرية لمادة سبقت له في الزمن.

وهكذا عزف على الآلات الموسيقية قبل أن يعرف الرموز، وقد نظم الشعر قبل أن يعرف مختلف البحور.

وقد عرف الانسان الشعر في الوقت الذي عرف فيه الموسيقى، وكان يرسل شعره الحانا شجية منبثقة من أعماق النفس. ولم يكن قد عرف الكتابة ليتخذها وسيلة لنقل عواطفه وشجونه إلى أولئك الذين يود أن يبلغهم صوته، ولذلك كان اللسان قلمه، والاذن صحيفته. وقد كانت لغته اقرب إلى الغناء منها إلى الكلام المألوف في هذا العصر.

لقد عرفه الرومان واليونان قبل ان يعرفه العرب، ولكن متى وضعت لفن الانشاد قواعد؟ فاول من وضع العروض العربي الذي يلقي بعض الضوء على فن الانشاد هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي عاش في القرن الثاني للهجرة.

وقد كان العرب في ذلك الحين يجهلون الرموز الموسيقية (النوط) ولا يعرفون أشارات خاصة بالضغط الصوتي، لم يقيدوا فن الإنشاء تقييدا تاما، وظلوا يعتمدون في الانشاد الصحيح على الرواية فحسب.

والذين يتتبعون انشاد المنشدين في مختلف البلدان العربية يلحظون اختلافا بينا يرجع إلى:-

- تطور الاصوات: فهناك اصوات انحرفت عن مخارجها، كالاصوات التي تخرج من بين الاسنان، واصوات اخرى قد فقدت بعض خصائصها، كال ق، ط، ج، ظ، فالقاف اليوم مهموسة، وهي في كتب القدامى مجهورة، والجيم اليوم معطشة، وقد كانت مجهورة كما تبدو في النطق المصري.

- عدم ادراك جل المنشدين المعاصرين لطبيعة المقاطع، اطويلة هي ام قصيرة، ومقدار طول كل مقطع. فبعضهم يخطف المد، وبعضهم يطيله، دون الرجوع إلى قواعده العامة:

- فقدان الضغط على المقاطع المعروفة في اللغات الاوروبية الحديثة Accent.

- وقد فقد الانشاد اهميته اليوم لاعتماد اكثر الشعراء على نشر شعرهم دون القائه في الاسواق الأدبية والاندية العامة، وهذا انحراف يكاد يودي بفن الانشاد، ويضعف الشعر نفسه، فالشعر دعامته الصوت لا الصورة، والموسيقى عنصر ذو شأن في الشعر نفسه لا تقل اهميته عن أي عنصر من عناصره الاخرى كالخيال والعاطفة.

- لقد كتبت الاوساط الأدبية الفلسطينية كثيرا عن المرحوم الدكتور إسحاق موسى الحسيني واوضحوا اراء كثيرة له في مختلف الامور الأدبية:

- فقد كتب د. جورج قناع من جامعة حيفا عن الدكتور إسحاق الحسيني والوصأيا العشر، وقد تحدث عن مؤلفات الحسيني التي تتصل مباشرة بدراسته العلمية وعمله كأستاذ للغة العربية في القدس والقاهرة وبيروت، وان هذه المؤلفات تعكس نظرات فكرية شمولية للدكتور الحسيني.

- فقد ورد في كتابه عودة السفينة "ان الامة منتهية لا مبتدئة، منتهية من مراحل التطور المختلفة، يدل ذلك على أنها وصلت إلى قمة التطور، ولكنها لم تبق في القمة لأن ذلك من المستقبل.

لقد عبر المفكرون في الغرب عن مراحل التطور في حياة الامم والأفراد بعجلة الحظ التي تدور باستمرار، وكل من يتعلق بها يصل إلى القمة حتما، ولكنه لا يستطيع ان يبقى هناك اذ ان عجلة التطور هذه دائبة الحركة، فالوصول إلى القمة معناه بداية النزول أو التراجع، من هنا فالامة العربية ليست في نقطة البداية، انما هي في وضع التراجع الذي طغى، فنسيت حالها وعلمها وأدبها وفلسفتها حتى جار عليها قوم، وحكموا عليها بأنها مبتدئة، والناسي تحتاج إلى بعض وقت ليستذكر دروسه القديمة، ومع شيء غير قليل من الجلد والجهد يعود إلى حيث إنتهى".

- وحول المرأة قال الدكتور الحسيني قولته المشهورة.

"اننا لا يمكن ان نكون امة إلا أعدنا لهذا المخلوق المهيض الجناح حقوقه الطبيعية كاملة "فهو يريد من المرأة العربية ان تتمتع بحقوقها الطبيعية كاملة، على أن يتم ذلك بطريق علمية مدروسة، ويكون ذلك باخراج قضيتها من دائرة الجدل والسفسطة إلى علم الاجتماع، وهو لا يريد انصاف المرأة لدوافع انسانية فحسب، بل لأن لها دورا اساسيا في تقدم ورقي الامة، وحل قضية المرأة وهذا معناه حل قضية عسيرة تجابه المجتمع العربي، طاقة كاملة يجدر استغلالها، من اجل المصلحة العامة.

- وقد دعا الدكتور الحسيني في "مذكرات دجاجة" إلى رفض المادة، لأنها زائلة، ولأنها من أخطر الضلالات على المخلوقات، ودعا في مقابل ذلك التمسك بالروح لأنها خالدة، ولكنها دعوة مثالية من الصعب أن تتحقق، ولكن كان في ذهن الحسيني ان المثالية ستتحقق في المستقبل البعيد "حتى يسمو الانسان، ويعتبر المادة وسيلة لا غاية في المثل العليا والخير المطلق، لا بد لنا من ان نقيم بيتنا الصغير على اسس اقتصادية قويمة".

ولقد قدم الدكتور محمد السعدي فرهود رئيس جامعة الأزهر بالقاهرة بحثا حول الدكتور الحسيني والنقد المعاصر، فقد صدر عن فلسفة خاصة بالنقد، واهتم بمن تأثروا بالفكر الاوروبي، وأفادوا منه افادة اضافت الجديد إلى ما حققته رجال التراث الأدبي الخالص، وقد اتجهت دراسته إلى من تلاقت في جداولهم تيارات المشرق والمغرب، وقد أوجز الدكتور مقدمة كتابه في النقد بأبرز خصائص الحسيني "واولها تتبع الرعيل الاول من نقاد المرحلة مع أيضاح العوامل التي اهابت بهم إلى اعادة النظر في القيم الأدبية المألوفة، وثانيهما عرض النظريات التي أتى بها النقاد مع تحليلها وردها إلى اصولها، وثالثها بيان اثر النقد في الأدب المعاصر، وآخرها الالمام بالنقد الأدبي المعاصر كما يظهر في أهم آثاره واشهر اعلامه ".

ومن ابرز ما قال في مجال النقد:

"ان ثمة علاقة بين بلاغة القول والاعجاز وبين عزة سلطان الامة، وزمن فتوتها، وان معين الحكمة وحسن البيان مع الأيجاز ما زالا يجريان مع الدولة صعودا وارتقاء وانبساطا حتى إذا اتى دور التقهقر والانحطاط أخذ اللسان وحسن البيان وتلك البلاغة والفصاحة في السقوط والسخافة وفساد التركيب وسقم المعاني، وسوء الاختيار للألفاظ لدرجة التعذر على الغالب معها فهم المراد."

وتحدث الدكتور الحسيني عن نجيب حداد وروحي الخالدي وسليمان البستاني وقسطاكي الحمصي قبل أن يتحدث عن العقاد والمازني وميخائيل نعيمة وهيكل لان هؤلاء الآخرين قد اشتهرت آراؤهم حتى لا تجد مجالاً لدارس.

وقد كتب نجيب حداد دراسة تحت عنوان " مقابلة بين الشعر العربي والافرنجي" رآها الدكتور الحسيني ذات اثر بعيد في التوجيه الأدبي، فاحتضنها بمكان بارز في كتابه وبالنسبة لكتاب "منهل الوأرد في علم الانتقاد "لقسطاكي الحمصي فهو برأي الدكتور إسحاق أول كتاب افرد للنقد الأدبي المعاصر في العصر الحديث حيث اشتغل مؤلفه بموضوعه مدة ستة عشر عاما متتبعا سيره، مكبا على مطالعة ائمته الفرنسيين.

وهذا ما نقوله عن اثر الحسيني في تاريخ النقد المعاصر، اما آثاره في النقد الأدبي ذاته فتشهد بها مؤلفاته الكثيرة، وتلاميذه الذين وردوا منهله، وانتفعوا بتوجيهه، ولذلك، فالدكتور الحسيني جمع بين النقد والأدب بشقيه الشعر والنثر، ولم يترك شيئا بلغة الا وضعه في ثنأيا الكتب والأبحاث والمقالات التي اصدرها وكتبها في اكثر من موقع في العالم العربي خاصة والعالم بشكل عام.

رأيه في الأدب الحديث

يقرر الحسيني ان هذا الأدب قد خطا في السنوات العشرين الأخيرة خطوة واسعة نحو الحياة التي يحياها تمثيلا كاملا، ولم يتغلغل إلى البيئات العربية المختلفة، ولم تتوفر له وسائل التعبير الشاملة بحيث يمكن ان نسميه أدبا حديثا مستقلا عن الأدب القديم، ثم يذكر الدكتور أركانا ثلاثة لا بد منها حتى يستطيع الأدب العربي الحديث ان يحقق ما يراد منه من تمثيل للحياة العقلية والاجتماعية والروحية تمثيلا صحيحا.

الركن الاول: اكتشاف التراث العربي القديم، واستيفاء حياته يكون عهد الاحياء اساسا راسخا يرتكز عليه الانتاج الجديد.

الركن الثاني: اللغة والمفردات العربية بحيث نتمكن من وصف ما تقع عليه عيوننا كل يوم في مختلف نواحي الحياة.

الركن الثالث: الثقافة الحديثة الواسعة القائمة على الاتصال المباشر بأحدث النظريات العلمية، لان الأدب الحديث خال، إلى حد كبير، من الفكر العميق والنظر الدقيق والانسجام الفني.

ويقول الدكتور إسحاق: "ان جهل الاديب ببعض معارف زمنه كان مثار نقد في الزمن الاول، وان ابن قتيبة مثلا يحمل على كتاب عصره الذين يجهلون أوائل المعارف.

ولهذا نقول "شتان بين العصين "عصر طغى فيه العلم والأدب، وان كان الكاتب في ذلك العصر ملزما بالألمام بمعارف عصره، فكاتبنا اليوم اشد حاجة إلى الأحاطة بمعارف زمنه، ولم يكتف الحسيني بالتاريخ للأدب ودراسته قديما وحديثا بل شارك في مسيرة الابداع في مجال القصص، ففي بداية الحرب العالمية الثانية، وقبل ان تحل النكبة في البلاد، كتب مذكرات دجاجة.

وكان فيها كاتبا ينتمي للمدرسة المثالية، حيث إنه لم يجعل همه التقاط مواقف الظرافة في المشاهد، لكنه اتخذ فلسفته الوجدانية وسيلة لدرس شؤون مجتمعه السياسي والاجتماعي في تعمق وتدبر، في أسلوب شعري ممتع يصور به كثيرا من المشاعر والعواطف التي يرتبط بها أفراد المجتمع، واتخذ الرمز إطارا ليعرب به عما لا يستطيع ان يعرب عنه، بحكم الظروف السياسية والاجتماعية التي تتجسس على الافواه والقلوب والعقول، ولكنه رمز طبيعي.

ونلمس من هذا ما نلمسه لدى الأخلاقيين من جمال الخطوط والألوان والظلال والأنغام والحركات، ومن طلبه للحقيقة بانمياز الكذب عن الصدق، والزيف عن الاصالة، ولؤم النفس عن طيبها، والتعقل عن الغباء، ومن تلمس للخير بطريق تلمس للحب والاصالبة والبطولة والالم والعزة والتضحة.

وفيما تقدم، نرى ان الحسيني كان كاتبا مثاليا متعقلا في مذكرات دجاجة التي صدرت سنة 1943م، وفيها قال الدكتور طه حسين: "هذه دجاجة عاقلة جد عاقلة.

مإذا اقول؟ بل هي دجاجة متفلسفة تدرس شؤون الاجتماع بتعمق وتدبر للرأي، فتصل إلى استكشاف بعض الادواء الاجتماعية وتصف لها الدواء.

الدكتور اسحاق الحسيني والشعر

في الواقع ان الشعر لم يكن ملكته، بل كان معاناه بالنسبة له، وكان يعتقد ان الشاعر يجب أن يكون موهوبا حتى يقول الشعر ويجيده، وان الشاعر لا يستطيع ان يقول الا وهو هادئ خالي الذهن، وان اعتقد البعض ان هناك من يقول وهو يشرب الكاس أو متوتر الاعصاب.

فالشعر بالنسبة له معاناة، ولم يكن يقول الشعر الا في أوقات السرور الشديد والحزن الشديد، فالسرور بما يبهج العقل ويفرح القلب، والحزن مرده إلى الاوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ بداية القرن الحالي. وقد كان يحب أولاده وأحفاده فنظم فيهم الاشعار، وقد نظم اشعارا لبعض اصدقائه، ومنهم:

الدكتور ممدوح العكر من مدينة نابلس، والدكتور شوقي حرب من مدينة رام الله.

وقد تحدث بنبرة حزينة ولوعة جارفة عن الم القدس وعذابها تحت وطأة الاحتلال قائلا:

يا قادما للقدس تلثم تربها

هلاّ علمت بأن قدسك باكية

الشمس لا تعلو وراء جبالها

لا نورها نور، ولا هي حانية

والطير اغلق بابه كيلا يرى

أحدا يجوس خلال أرض غالية

والغصن ألوى عنقه متواريا

في صدره آثار جرح دامية

والحقل غادره بنوه ممزقا

يستبدلون به دراهم بالية

ومساجد الله التي قدستها

ثكلى تنوح على ديار خاوية

مإذا اقول؟ اسامع انت ام

الدمع همى يبكي نفوسا عانيه

لم أقصد الأيلام يا خلي ولم

ابغ سوى وصفي عوادي عادية

أنظر حواليك وطف في

بلدة كانت وكنّا في حياة راضية

ثم اختفى النجم وحلت

ليلة ظلماء في أعقاب ريح عاتية

يا ليت قومي يسمعون وليتهم

يتفكرون بكل نفس واعية

هكذا كانت القدس في قلب اديبنا الدكتور إسحاق موسى الحسيني، فيا ليت قومي يحافظون عليها، وبالبيت قومي يقدرون ليلة الاسراء.

XXX

ونثبت هنا حوارا فكريا اجراه أسعد عويس مع الدكتور إسحاق موسى الحسيني عندما كان يمد التراث بأدبه أثناء حياته، لأهميته القصوى، وقد جرى الحوار في المنتدى الفكري العربي.

  • المنتدى: ما هو تصورك للعلاقة بين العروبة والإسلام، اهي علاقة تكاملية ام تبادلية؟
د. إسحاق: العلاقة بين العروبة والإسلام تكاملية وليست تبادلية، بمعنى أن العربي ينتمي إلى قومية عربية، ولكن عقيدته هي العقيدة الإسلامية، ولا يستطيع احد مطلقا أن ينكر أثر الإسلام في الحضارة العربية، فالعرب لم يظهروا على الساحة التاريخية الا بفضل الإسلام والإسلام هدفه العالمية وليس القبلية أو الفردية أو القومية.
  • المنتدى: اذن كيف توفق بين دعوة القومية وبين مبدأ يدعو إلى العالمية؟
د. إسحاق هذا الصراع بين القومية والإسلام هو طرح حديث كما لا يخفى عليك، ولكن لابد أن يستقر الوضع على حال، حيث إنه منذ انفصال العالم العربي عن الدولة العثمانية ظهرت القوميات، وتجدر الأشارة إلى أن ظهورها كان لغير مصلحة العرب والمسلمين حيث إنها ادت إلى تفتيت الدولة الإسلامية.
  • المنتدى: هل تقصد أن ظهور الدعوة القومية لم يكن نتيجة تطور طبيعي بل كانت هناك قوى خارجية ساعدت على بروز هذه الدعوات؟
د. إسحاق: نعم كانت هناك عوامل غير طبيعية، حيث كانت هناك الدول الغربية التي تهدف إلى الاستيلاء على اشلاء الامبراطورية الإسلامية، وعندما تم عزل البلاد العربية عن الدولة العثمانية ظهرت القوميات، وظهورها لم يؤد إلى استقلال البلاد العربية وتحررها، بل استولى عليها المستعمر الغربي، ربما كان بالمقدور ان تكون الدعوة القومية ظاهرة أيجابية صحيحة لو كانت في جدول الدعوة اللامركزية، والعلاقة بين العروبة والإسلام كالعلاقة بين الجسم والروح، فالتوفيق بينهما ممكن.
الا أنه تجدر الأشارة إلى ان الإسلام دعوة عالمية "الحمدلله رب العالمين" وليست دعوة لجنس معين أو قومية معينة.
  • المنتدى: يرى بعض المفكرين ان هناك إشكالية في الهوية العربية فالانسان العربي على حد قولهم مواجه بعدة انتماءات وولاءات والتي قد تكون احيانا متعأرضة ومتضاربة فما رأيك؟
د. إسحاق أومن بأن هذه أي ظاهرة تعدد الانتماءات والولاءات، طبيعية، وليست مفروضة، ولا سيما في العصر الحديث، حيث تتنازع العربي تيارات مختلفة تؤثر في اتجاهه الفكري، ولا يستطيع الانسان أن يتخلى عن جذوره القديمة ولكن، وفي نفس الوقت لا يستطيع إلاّ أن يتفاعل مع الأفكار الإنسانية الحديثة.
  • المنتدى: كيف تفهم دعوات التحديث والتجديد في التراث العربي؟
د. إسحاق: أومن بأن التجديد في الحياة امر صحي وضروري، ولكن لا ينبغي، بنفس الوقت، ان ننفصل عن التراث، وانني اشبه هذه العملية بأن يقيم الانسان بيتا ذي عدد من الطوابق فهو لا يستطيع ان يبنيه دون أساس متين، فعلينا أن نستفيد من الحضارة الإسلامية التي هي ماضينا استفادة تغني الامة غناء عظيما، فهي ثروتنا، وهي التي تعطينا العزة بالنفس والشعور بالعظمة والقوة، والامكانية كبيرة، فلا يجب علينا ان نفرط بها، ولمإذا ولمصلحة من نفرط بها؟.
انني اقرأ عن اليابان وتجربتها العظيمة، فإذا بي أرى ان في كل مصنع أو مخزن كبير مكانا صغيرا للعبادة "للديانة اليابانية" فهؤلاء يجعلون الانسان يحافظ على انتمائه وتراثه.
انني افرق بين الإسلام والرجعية، فالإسلام ليس فيه رجعية ابدا، وهو عبارة عن قيم روحية وخلقية وانسانية رفيعة تملأ الانسان بالقوة والكرامة والعزة، ولست مستعدا لان افرط بها، ولكن ظاهرة التعصب الأعمى ظاهرة رجعية وظاهرة غير صحية.
  • المنتدى: عند الحديث عن التجربة اليابانية في التحديث، نرى نموذجا رائعا استطاع ان يحقق التقدم التكنولوجي والاقتصادي، ولكنه استطاع مع ذلك أن يحافظ على تراثه، بعض المفكرين يعتقدون أن العالم العربي لا يستطيع ان يستفيد من ثمار التكنولوجيا الغربية دون تبني التيارات الفكرية والفلسفية الغربية، فما رأيك؟
د. إسحاق: هؤلاء المفكرون يحكمون علينا بمقياس الغرب الذي لم يتقدم الا عندما تبنى العلمانية، اما العرب فلم يتقدموا الا بالإسلام، وهذا هو الفرق بيننا وبين الغرب.
فمفهوم الدين في الغرب كان غير حضاري، حيث كان رجال الدين في الغرب يمارسون اشياء يغلب عليها طابع الكبت الفكري والقهر الاجتماعي، اما الإسلام فهو دعوة إلى العلم وإنشاء للحضارة والتامل في الطبيعة والتعرف على أسرار الكون، حيث ميز الإسلام بين العالم والجاهل.
وخلاصة القول ان الإسلام فيه عناصر جيدة لا تتوفر لغيره من الأديان، كالشمولية والاعتدال والحزم والعالمية والزمنية والمكانية ولهذا أعتقد أنه بامكاننا التقدم حضاريا وتكنولوجيا مع المحافظة على العقيدة والتراث.
  • المنتدى، وهو السؤال الاخير: هل تعتقد ان العلمانية تصلح كاطار فكري للمجتمعات العربية والإسلامية؟
د. إسحاق: لا تصلح، لأنها تعالج الجسم دون أن تعالج الروح، وقد تطورت، كما أوضحت، في ظل الظروف والاوضاع المختلفة تماما عن أوضاع مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

x x x

وهذه معلومات حصلت عليها من بعض أقارب الدكتور إسحاق موسى الحسيني بتاريخ 22/11/1993 وقد كتبتها على شكل حوار دار بيني وبين الدكتور فخري الحسيني وهو ابن أخت الدكتور إسحاق، وذلك في بيت الدكتور إسحاق:

  • س1: هل بامكانك ان تعطيني فكرة عن شخصية الدكتور إسحاق؟
د. فخري:- لقد كان رجلا متواضعا، يأخذ الامور بتفكير عميق، تنسجم بكلامه حيث إنه واسع العلم والمعرفة، تشعر وكأنك تجلس مع انسان يحاول ان يثبت لك قدر الامكان أنه ليس اكبر أو اقدر أو افضل منك بحكم مستواه العلمي والأدبي.
  • س2: كيف كانت معرفتك الشخصية به؟
د. فخري: لقد كانت معرفتي به من خلال زياراتي المتكررة له بحكم أدبه أولا، وبحكم رابطة القرابة ثانيا.
  • س3: ما هي أهم الموضوعات التي كانت تشغله؟
د. فخري: كان يتكلم دوما عن القدس، وقد كان يربطها لي دائما بالأراضي الحجازية المقدسة، وكان يردد لي ويشرح سورة الاسراء، وقد كان يعرفني على مراكز التراث الإسلامي بالقدس، ويحدثني عن املاك الآباء والأجداد.
كان يربط حضارة القدس بأعرق حضارات العالم، لاهمية القدس، ومكانتها الدينية، وقد كان يرى ان هواء القدس من انظف الهواء في العالم من حيث النقاء، وقد وجد في القدس الشفاء من كل علة.
  • س4: هل له اية صلات بالسياسة؟
د. فخري: لقد تحدث مرارا وقال: "السياسة أوجعت قلبي، واصابتني بشرور كثيرة في شبابي، وقد كان يرى أنه لا حقيقة في السياسة، فهي من فنون اللعب على الحبلين، وأما بالنسبة للسلام مع اليهود، فقد قال بالحرف الواحد "كيف تسالم من يصادر أرضك" وكان يكررها ويشير إلى طبيعة إسرائيل التي تسالم باليمين وتصادر بالشمال.
  • س5: هل كانت علاقاته متميزة ام أنها كانت عامة؟
د. فخري: بما أنه تعرّف على هموم ومشاكل وتفكير أفراد المجتمع وهموم البلد فمن الطبيعي أنه تعرف على جميع فئات المجتمع، فقد كان مترفعا عن الصغائر، وكان يردد دوما ويقول "الوعاء الكبير يحتوي ويتسع لكل الاوعية الصغيرة".
  • س6: هل انتسب إلى تنظيم معين أو أيده؟
د. فخري: في الحقيقة كان تنظيمه الوحيد هو الاستقلال، فهو أديب أولا وأخيرا ولكن كان يتحدث بألم عن الفرقة التي تصيب الشعب الفلسطيني، وقد كان هدفه وحدة الشعب الفلسطيني تحت المظلة العربية والإسلامية، فتحرير القدس لا يأتي عبر هذا التنظيم أو ذاك، وقضية القدس هي قضية كل المسلمين، ولقد كان همّه الوحيد المحافظة على التراث الأدبي والتاريخي والإسلامي والجغرافي لفلسطين العروبة والإسلام، وقد كان يتنبأ بدثر جميع الآثار العربية الفلسطينية خاصة، لأنها الشاهد الوحيد على وجود آثار عربية ضخمة في فلسطين.
  • س7: فيصل الحسيني أحد اقرباء إسحاق الحسيني، فهل كان يؤيد ما كان يطرحه فيصل حول العملية السلمية؟
د. فخري: في الحقيقة أنه لم يؤيد، كما أنه لم يعأرض، ولكن كانت كتاباته تفسر أفكاره حول قضية القدس، ومن ثم أود أن أوضح لك أنه لم يكن بينه وبين الأستاذ فيصل الحسيني علاقات حول هذه القضأيا، فالسياسة في واد، والأدب في واد آخر، واعتقد ان حديثه وحبه لمدينة القدس وربطها بالاماكن المقدسة في الحجاز هو موقفه من الطروحات السلمية، ومع ذلك لم يتدخل مطلقا بما كان يطرحه أو يلتزم به الأستاذ فيصل الحسيني بصفته من انصار منظمة التحرير الفلسطينية.
  • س8: هل كان يلتقي بالأدباء الإسرائيليتين؟
د. فخري: إنه كأديب فلسطيني مشهور في أكثر من موقع في العلم كان يلتقي بالكثير من الأدباء الإسرائيليين، وكذلك التقى ببعض الكتاب في أكثر من دولة: في كندا، في لبنان، في مصر، في بريطانيا، وقد كان يتعرف على الأدب الإسرائيلي بشكل عام، ويستفيد من الأدب الإسرائيلي حول ما يدور".
لقد أشار الدكتور فخري الحسيني أنه كان يتنقل بين كثير من الجامعات العربية، وقد ذكرت السيدة ميسون الحسيني مديرة دار الطفل العربي في بيت المقدس أنه: كان أكثر ما يتحدث عن حبه للوطن حين يعود من الغربة، فالغربة هي مرض بحد ذاتها حسب رأيه.
وأشارت إلى أنه كان يكره المحسوبية والبيروقراطية.

وذكرت أنه كان يتنبأ بحدوث كارثة لاطفال فلسطين على الجسر، وقد قال "أغلقوا الجسر فقد ضج البشر".

ومن اطرف ما حدثتني به أنه اضرب عن حلاقة ذقنه لمدة عام كامل، لأنّ اليهود صادروا ماكينة الحلاقة منه على الجسر أثناء العبور إلى فلسطين، حيث إنه كان حساسا للغاية، من الاحتلال.

وقد سألت السيدة ميسون الحسيني إذا ما كانت له هواية معينة ام لا؟ فقالت: لقد كان يمشي بعد الساعة الخامسة مساءً على رؤوس الجبال في القدس لمدة تستغرق 2-3 ساعات.

وقد حدثتني عن علاقته بزوجته فقالت:

لقد كان متعلقا بها لأنها كانت الزوجة الفاضلة، الوفية، المثالية، الصابرة والمتواضعة التي أزرته في أفراحه وأحزأنه، وفي تشاؤمه، ولم تتخلّ عنه لحظة واحدة، حتى ان ذلك دفعه لأن لا يخرج أي مقال أو كتاب أو بحث قبل أن يعرضه عليها ويأخذ رأيها فيه.

وقد كان يقول: "وراء كل رجل ناجح امرأة، وانا ورائي زوجتي "هكذا كانت العلاقة بينه وبين زوجته، يسودها جو من المحبة والمودة والرعاية لأولادهما الثلاثة، ومن التالف والتعاون عليه ومواجهة الصعاب.

الخاتمة

من خلال ما تقدم نلاحظ أن الدكتور الحسيني عمل في عدة مناصب سواء في الدول العربية أو الأجنبيّة، وقد ساعده هذا على أن يأخذ صورة واضحة عن الدول العربية والأجنبية.

وأما تجاربه في الحياة فقد ساعدته على تأليف عدد لا بأس به من المؤلفات التي تبقى مرجعنا في الحاضر والمستقبل، لأن كتاباته تتميز بالواقعية والموضوعية.

ونرى أيضا أنه يهدف في مؤلفاته، دائما، إلى خدمة الناس والوطن، هكذا كان الدكتور إسحاق موسى الحسيني. لقد قضي سنيّ عمره الست والثمانين وهو يعطي في كل الميادين الثقافية، ولا ينقطع هذا العطاء، بل يمتد ويتسع نطاق علمه، أنها سنة الله في عباده العلماء " لا يدعون جهدا، ولا يتركون فراغا في الناس في أهله ووطنه، أنه الابن البار للمدينة المقدسة الذي ملك عليه الانتماء اليها قلبه وعقله ونفسه، وقد شغله البحث حتى جاس خلال التاريخ الحضاري لهذه المدينة في الماضي والحاضر، ومضى ببصره يمد يده إلى الآفاق الآتية.

كان لسان حاله يقول: "إذا أردنا أن نكون أمة تحيا حياة عقلية راقية فلا بد من نشر التعليم في جميع البيئات، في المدن والقرى ومضارب البدو، لتجتمع الامة الواحدة على وحدة التفكير، ووحدة الثقافة، ليظهر بيننا كتاب ومؤلفون يخلفهم قراؤهم في بيئتهم التي يعيشون فيها".

وفاته

  • رحل عن عالمنا بعدما قدم لدينه الكثير وكان مثالا للتربوي الذي ترك في نفوس الجميع بصمات حيث توفي في 17/ 12/ 1990م الموافق 29 جمادى أول 1411هـ

مصادر هذه السيرة

  1. هل الأدباء بشر.
  2. اساليب تدريس اللغة العربية في الصفوف الابتدائية.
  3. فن انشاد الشعر العربي من.
  4. الحياة الأدبية في فلسطين.
  5. مصطلحات النقود في البلاد العربية.
  6. موسوعة أعيان القرن الثاني عشر الهجري.
  7. مجموعة بحوث ومقالات حول شخصية الدكتور إسحاق.
  8. ديوان شعر للحسيني "الدكتور حسن عبد الرحمن السلوادي".
  9. الدكتور عبد الرحمن السلوادي بين الوفاء والذكرى.
  10. مختارات من الموسوعة الفلسطينية الجزء الثالث.
  11. كتاب أعلام الفكر في أرض السلام.
  12. حوار مخطوط مع منتدى الفكر العربي.
  13. لقاء مع د. فخري الحسيني وكذلك سمير ظاهر سمير أحد اقرباء د. الحسيني القدس، وبعض طالبات كلية الآداب للبنات القدس وكذلك السيدة ميسون الحسيني دار الطفل العربي.

ألبوم الصور

ألبوم صور: الدكتور إسحاق موسى الحسيني
 

إسحاق موسي الحسيني

إسحاق موسى الحسيني

اسحق-الحسيني-عام-1935م

إسحاق موسى الحسينى


للمزيد عن الإخوان في فلسطين

أعلام الإخوان في فلسطين

العمليات الجهادية لكتائب القسام منذ تاريخها مقسمة حسب الشهر

المواقع الرسمية لإخوان فلسطين

مواقع إخبارية

الجناح العسكري

.

الجناح السياسي

الجناح الطلابي

الجناح الاجتماعي

أقرأ-أيضًا.png

كتب متعلقة

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

وصلات فيديو

تابع وصلات فيديو

.