أيام مع السادات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٠٢، ٢٠ فبراير ٢٠١٣ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات) (حمى "أيام مع السادات" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أيام مع السادات

عمر التلمساني

دار الاعتصام

مقدمة

يطيب لي دائما أن أكرر معلومة لا تخفى على أحد، التاريخ حق لكل الأمم. وأمة بلا تاريخ أمة عديمة المثل، تسير على غير هدى، ولذلك حرص القرآن الكريم على أن يضمن الكثير من آياته .

تاريخ من سبقنا من الأمم ، لنتبين وجه العبرة ونستفيد من العظة ، فليس من حق أحد أن يحجب، أو يمنع أحدا من الاطلاع عليه أو تدوينه إذا علم من أحداثه شيئا خاصة إذا كان سرد الأحداث مدعما بالأدلة الصحيحة المقنعة.

ويزداد التاريخ مكانة عند القارئين والباحثين، إذا خلا من الشخصيات والتجريح. وفى التاريخ أيام لا تنسى ، ولا تمحى آثارها المادية والمعنوية من الأذهان، إما لخير عم الناس، فهم على رجاء وأمل، وإما لشر دهمهم، فهم في فزع وعلى وجل.

ولقد كان يوم 3 سبتمبر 1981 والثلاثة والثلاثون يوما التي تلته، من أسود الأيام التي شهدتها مصر، فاللناس فيها ذكريات مريرة ومآسي تعيسة قام بها فرد واحد بمحض إرادته، دون اهتمام بأي تقدير لأية حق لأي إنسان في هذا الوطن. اللهم إلا ما زعم من استفتاء شعبي، الله وحده يعلم كيف جرى ؟ وكيف تم؟.

والبلد في حالة من الاضطراب النفسي لا مثيل لها. هل هناك من يصدق أن 99,45% من أي شعب في العالم، ولو كان شعب بورما يتنازل عن حقوقه وحرياته لفرد واحد أيا كانت منزلته وكفاءته ، يتصرف فيها وفق ما تمليه عليه تخيلاته أو ذكاؤه؟

أين مجالس النواب والشيوخ والدساتير؟ لماذا ضحت أمم العالم في سبيل إيجادها وإقامتها؟ لقد دهى مصر في ذلك اليوم النكد، يوم 3 سبتمبر 1981 ، ما أفزعها وأحزنها واعتصر حياة الحرية فيها، على يد السيد محمد أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية رحمني ورحمه الله في ذلك اليوم، بعد أن أطلق لخياله وغروره العنان، وسمى نفسه رب العائلة المصرية كلها؛

أجل هكذا دون استشارة ولا نقاش مستهينا بكل ما تواضع الناس على احترامه، يشتم هذا ويتهم هذا وصحفه التي تؤدى توظفها عنده في تهافت مؤلم، وخلا له الجو تماما فباض سبابا وأفرخ اتهاما واستمرأ واستنسر ، كل ذلك في زيف من حرية شكلية ومشورة وهمية، ارتضاها لنفسه من ارتضاها ، ولما تخيل أن الأيام قد هادنته وأنه السيد السند، القابض على زمام العمد، وألا راد لمشيئته أقدم على تلك الخطوة المنكرة التي كنت ممن ذاق مرارتها مائة وثمانية عشر يوما تباعا في سجن انفرادي.

ولا يتوقع القارئ أنني سأتعرض لأخلاقه أو نسبه، فليس ذلك من الدين في شيء، هذا إلى أن صلتي به عابرة، ليست كصلة من عاشروه في الكلية الحربية، ومن عاشوا معه من السياسيين في السجن، كما أنى لن أعرض لشيء مما أراد القدر أن اعرفه مصادفة، وما أكتبه هنا من تصرفات، أنقله من صحفه التي كانت تسبح بحمده وكفاءته وبطولته وحكمته ولم يكذبها أحد، وما أخالها إلا قد أصبحت حقائق عند السامعين والقارئين اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنك واسع المغفرة يا أرحم الراحمين.

3 سبتمبر سنة 1981

في باكورة يوم الخميس 3 سبتمبر 1981 حوالي الساعة السادسة صباحا، طرق باب المسكن طارق ، وفتحت الباب فإذا بى أرى ثلاثة من ضباط الشرطة، ومعهم ثمانية من المخبرين في ملابسهم المدنية ودخلوا المسكن ، وسألني رئيسهم أين غرفة مكتبك؟

فقلت ليس لي غرفة مكتب، ففتش حيث شئت والحق أنهم كانوا على درجة طيبة من اللياقة في كل تصرفاتهم وبعد التفتيش طلبوا منى أن أصحبهم، وذهبوا بى إلى قسم الظاهر، وحتى ذلك الوقت كنت خالي الذهن تماما عن سبب هذا التصرف ، خاصة وأن وزير الداخلية، كان يستعين بى مرارا في تهدئة ثائرة طلبة الكليات، فكنت أستجيب وكنت أوفق فيما طلب منى، إذ كنت موقنا بصواب الكثير من آراء الطلبة، وفى نفس الوقت من عد اقتناعي بجدوى تصرف وزارة الداخلية معهم.

ثم احتوتني سيارة شرطة، فإذا بى أنزل منها عند بوابة سجن مزرعة طره ، حيث وجدت الكثيرين من مختلف الاتجاهات قد سبقوني إلى هناك، وكأننا جميعا في الهوى سوا، وأيضا حتى تلك اللحظة لم أدرك السر في جمع هذا " التورلى" من الرجال في مطبخ الدولة الديمقراطية، وأنزلوني هناك في غرفة وجدت فيها الأخ إبراهيم شرف والأساتذة عصمت سيف الدولة وأبو الفضل الجيزاوي وكمال أحمد وأبو العز الحريري والمرحوم محمود القاضي، وآخرين لا أتذكر أسماؤهم الآن.

وهناك فقط علمت منهم أنها عاصفة ساداتية هوجاء مزاجية جمعت بين الشامي والمغربي، وكثيرا ما تضل الأهواء أصحابها. فينساقون في الضلال القائم حتى ولو كانوا لا يرون مواقع أقدامهم، وأنها قد تودي بهم على مهلكة قاصمة وقد حدث.

وكان السادات في خطبه وأحاديث، يباهى بأنه أغلق المعتقلات إلى الأبد ، ويجعل هذا التصرف من مفاخره وحبه للحرية، ولكنه كما استهان بكل أقدار الناس، ثم لم يجد ما يستهدين بت إرضاء لغروره أو أي عامل نفسي آخر، استهان بوعوده وبكل ما كان يتيه على السابقين ، وفى غفلة أو انتباهه من تهويمه، فتح أبواب المعتقلات ، في كرم بلغ حد الإسراف، دون تحرج ولا تأثم، ولا احترام لوعوده وتصريحاته المتناقضة وألقى فيها بعشرات الآلاف من أشرف رجال الوطن، وأطهر شبابه؛

بعد أن أعطى للمعتقلين اسما جديدا وهو " المتحفظ عليهم" ولسن أدرى أهو مصطلح من بنيات فؤاده، أو أشار بت عليه المتفننون في اختراع وصف تلك المدلول، فكلاهما إهدار للحرية، واعتداء على حقوق الإنسان، كما أضاف إلى ذلك جهازا جديدا سما المدعى الاشتراكي، لهذا الغرض بالذات، رغم أسبقية هذا الجهاز لتلك التصرفات.

ولعل أهم ما حمله على هذه التصرفات الهوجاء الجامحة، هو الغرور الذي ملأ أردانه، نتيجة لما أضافته عليه الصحف في الداخل والخارج من صفات الحكمة والجرأة ، حتى ظن أنه كذلك فعلا، وما ذنب البالونة الفارغة إذا راح الأطفال ينفخون فيها بأنفاسهم اللاهثة حتى أصبحت مكورة الشكل يميل بها الهواء حيثما اتجه.

حقل لقد امتلأ غرورا من كثرة ما وصف بت من آيات البطولات، وحنكة الزعامات، وإتقان اللغات، فأيقن فعلا أنه هناك فقال: " ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعباد" وهذه مكانة لا يضع نفسه فيها إلا من طار بت الخيال ، إلى أقصى دركات الوهم والخيال.. استر يا رب: وشكرا له إذا لم يقل " بظلام للعبيد" لأنها ختام الآية الكريمة بدأ بها ترديد كلماتها لأنه لو وصف نفسه بالآية كاملة الألفاظ، لقيل إنه إله في هذه الأرض ، ومع ذلك فإنه كان سيجد من يقول له " سبحانك وما أعظم شأنك" وهل يبذل في سبيل الكلام مجهود مادي أو معنوي سواء أكان الكلام تهريجا أو تهجيصا، أو تحقيقا؟ ما عليه...نسيبها له.

4 سبتمبر سمة 1981

وجاءت صحفه القومية الصادرة في يوم 4 سبتمبر 1981 ، تطالع الناس بما جرى في سواد الليل الأدكن القاتم، قالت أهرام ذلك اليوم ، وبالخط العريض وكأنها تبشر بخير طال انتظار الشعب له، قال إنه تم القبض على 553 من العناصر المحرضة على الفتنة الطائفية؛

وأن غالبية المتهمين عناصر أعماها التعصب والتطرف الديني وقلة حزبية ركبت موجة الفتنة ، 119 من ذوى السوابق، وأن المدعى الاشتراكي يتولى التحقيق مع المتهمين، وأن السادات يكشف في خطابه غدا التفاصيل المذهلة، لمؤامرة الفتنة الطائفية، وأن العناصر المتهمة تضم قساوسة ومطارنة ومن يسمون أنفسهم أمراء الجماعات الإسلامية.. انتهى.

إن هذا الهراء المتهافت الصغير، يحمل في تضاعيفه كل أدلة تكذيب هذه الادعاءات وليدة الخيال السقيم، والمجردة من كل لياقة أو حقيقة. إن الخبر وصف المقبوض عليهم، أنهم متهمون، ونحن نعرف جميعا أن المتهم من يقبض عليه متلبسا بجريمة، أو تصفه النيابة العادية بهذا الوصف ، بعد تحقيق دقيق تستمتع فيه على المقبوض عليه وشهود النفي والإثبات.

لماذا منعت النيابة من مباشرة مهمتها القانونية؟ أليس هذا المنع دلالة لا ترضى حكم السادات إذا باشرت التحقيق أجهزته الأصلية، التي أعدت له منذ عشرات السنين ؟؟ وإذا كان رئيس الدولة هو الذي يشتم ويسوق الاتهامات، فأي جهاز يقيمه للتحقيق فيما ينسبه إلى الشرفاء يصبح في حرج بالغ إذا كانت الحقيقة هي تبرئة أولئك الشرفاء .. أي نظام عادل ذلك الذي يكون فيه الحاكم الأوحد هو الخصم والحكم ؟

ما علة إنشاء هذا الجهاز اللامنطقى واللامعقول واللامقبول واللا مفهوم .. جهاز المدعى الاشتراكي ، أو جهاز المدعى الساداتي، إذا أردنا أن يعطى للمسميات أسماءها الحقيقية هذا الجهاز الذي أحاطت بت علامات الاستفهام من كل جانب.

إن هذا الشعار الزائف شعار الفتنة الطائفية، جيء بت خصيصا لأغراض كشفت عنها الأحداث. قد يقتل المسلم مسلما، وقد يقتل مسيحيا، وقد يقتل المسيحي مسيحيا وقد يقتل مسلما، في لحظات الغضب وثورة الأعصاب، ثأرا أو انتقاما لعرض أو كرامة أو مصلحة مادية، وليس في هذا كله ما يمكن أن يسمى فتنة طائفية، ولكنها الأهواء ، الأهواء التي لا تريد أن يدوم في هذا الوطن الوادع، هدوء أو استقرار.

إنها المكائد التي تحرص على زرع بذور الشقاق والتناحر بين أفراد هذه الأمة المسالمة. حتى ولو فاتهم هذا المجال ، فهم لا يعجزون عن إثارة النزاع بين الشافعية والمالكية مثلا، أو بين الحنابلة والأحناف، كي ينشغل المواطنون بعضهم ببعض، وينفرد أعداء الإسلام في الداخل والخارج، بالقضاء على كل مقوماته في غيبة المخلصين، ولكن الله قضى في سابق علمه أنه لن يصلح عمل المفسدين.

إننا نرى المئات من المسلمين في عيادات ومكاتب، الدكاترة والمحامين المسيحيين ونرى الكثير من المسيحيين في عيادات ومكاتب الدكاترة والمحامين المسلمين ، فأين هو التعصب والديني؟ وأين هي الفتنة الطائفية المدعاة أو المبتغاة؟؟ ولكن عين الله لا تنام.

كيف سمح السادات لنفسه أن يقول عن السادة فؤاد سراج الدين أو إبراهيم شكري أو حلمي مراد أوميلاد حنا وأمثالهم، أنهم مجرمون.. مضللون .. متعصبون.. من هم إذا العقلاء المتزنون ؟؟ ولكن من يستطيع أن يقول " يا جندي عطى ذقنك؟؟ ولكن الله " من ورائهم محيط".

إن أكبر الظن في هذه الأجهزة التي أبدعت واخترعت أخيرا، لم يقمها السادات ألا ليتصرف من خلالها، كما يشاء في غلاف شفاف لا يستر من الشرعية المصنوعة وهو في حقيقة الأمر يتصرف تصرفا مزريا لا يكفى في ستره أي رداء مصنوع ولو من شجر الجميز .. ودون أن أريد لإساءة إلى أحد، أجدني في حيرة متعبة، لماذا يقبل البعض شغل هذه الأجهزة وهو يعلم السبب من إيجادها.. إن لله في خلقه شئونا.. هذا بعد أن أقام السادات من نفسه رئيسا للسلطة القضائية التنفيذية والتشريعية على السواء .

سمك لمك تمر حنا يا لبن ...بل ورئيسا لكل منشأة ذات بال في هذا البلد الذي كان من سوء طالعه، أن يحكم بمثل هذه الأفكار والتصرفات غير الشرعية، ورغم كل ما لف فيه مصر من استبداد.

لم يتحرج برهة عن التغني بالحرية .. حرية الفرد وكرامته وأمته، والله والناس جميعا يعلمون أين الحرية والكرامة والأمان من تصرفات السادات، وليس هذا هو العجيب في هذا الموقف ، ولكن الأعجب أن يتولى بعض رؤساء التحرير والكتاب الدفاع عن هذا الانحراف الدستوري، متبارين أيهم يأتي للسادات بمبرر أقوى، أو مسوغ أدق لعل الشعب يصدق بعض هذا الزيف، ولكننا نحمد الله أن الوعي المصري في الشارع قد أصبح على مستوى المسئولية في الحكم على تلك المبررات بما هي أهله من " بذنجان وكوسة وسلطة خيار باللبن الرايب"

في نفس صحيفة الأهرام 4 سبتمبر 1981 يكتب رئيس تحريرها اللوذعي النحرير الحلاحل، وفى صدر الصحيفة محبذا هذه الإجراءات الخانقة للحرية ، المهدرة للكرامة، والمنهكة لكل معنى نبيل. لقد نسوا شيئا كان يجب ألا ينسوه ، أنهم قد يكونون يوما من الأيام ضحية ما يزمرون لهم اليوم.

وتساهم الأخبار بنفس التاريخ في تلك المهزلة، فتكتب بالخط العريض، وفى غير ما تحرج أنه قد تم التحفظ على كل أمراء الجماعات الإسلامية في جميع المحافظات، وتضيف على ذلك وبنفس الخط العريض أن جميع المتهمين اشتركوا وساعدوا بطريق مباشر أو غير مباشر ، في إثارة الفتنة الطائفية ..

هكذا ، وقبل أن يقوم دليل واحد أو قرينة أو شبهة ضد أي متحفظ عليه، يتبرع رئيس التحرير المعروف بإلقاء التهم وتلويث السمعة متحديا حتى وضع المدعى الاشتراكي ومعاونيه ، وكأنه يقول للمدعى الاشتراكي ومعاونيه إن رئيس الجمهورية يعتبر أن من تحفظ عليهم قد اشتركوا وعاونوا وساعدوا بطريق مباشر أو غير مباشر في تلك الجرائم، فماذا أنت فاعل بعد أن قال رئيس الهيئة القضائية كلمته في هذا الموضوع ؟ هل رأيت لكل معنى كريم وللسلطات مثل هذا الامتهان؟.. غير أن هذا هو الذي حصل، ولله الأمر من قبل ومن بعد " ومن طوبة لدحدورة يا قلبي لا تحزن" .

إذ أضفت إلى هذا الطوفان ، أن رئيس الجمهورية قد سحب كل رخص الصحف والمجلات الدينية الحرة.. الدعوة والاعتصام والمختار الاسلامى والشعب والأهالي والكرازة ووطني، أيقنت أن رئيس الجمهورية، وضع المدعى الاشتراكي وضعا لا يحسد عليه، وكأنه بذلك يحرج حتى الأجهزة التي أنشأها هو نفيه، مستندا في كل ذلك على الجيش والشرطة وألمن المركزي، إنه القهر والطغيان الذي تستسيغه بعض النفسيات بلا حدود ثم بعد هذا كله يترنم بالحرية والكرامة ، ويا لها من حرية متحشرجة وكرامة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

والغريب في الأمر أن الذين حققوا مع التحفظ عليهم باسم المدعى الاشتراكي، هم أنفسهم الذين يعملون مع النائب العام، في كل اختصاصاته ولكن الفقه القانوني الحديث سماها تحقيقات سياسية، مع أن مثل هذه الاتهامات كانت تباشرها النيابة العادية، في كل العهود الماضية ولكن هكذا شاءت إرادة الحاكم الفرد، الذي لجأ إلى تدعيم تفرده بالحكم تحت ستار من القوانين التعسفية والاستفتاءات إياها ..

كلما أراد أن يضيف على سلطته سلطات أخر، حرمت كل جهاز أصيل من بعض اختصاصاته ، وإعطائها لجهاز جديد مصنوع وفق مزاج الحاكم الفرد، وبهذا قضت مصر فترة من حياتها تحت حكم استبدادي في ظل قوانين ما أنزل الله بها من سلطان.

ومن عجائب حكمة الله التي يجب أن يتعظ بها الناس ، أن هذه القوانين التي أعدها السادات للتنكيل بخصومه، والتشنيع عليهم وكتم أنفاس كلمة الحق طبقت أول ما طبقت على أشقائه هو وأولادهم وأسرهم، وكثير ممن كانوا يزينون له ما فعل وأعانوه عليه ، وهكذا الباني طالع والفاحت نازل، والظلم مرتعه وخيم " وما ربك بظلام للعبيد" ولعل أحكام تلك الأجهزة التي أعدت للإيقاع بالأبرياء، فأدانت عائلة السادات بينت للناس ، من هم المستغلون الانتهازيون، والمتاجرون بمصالح الشعب في سبيل الكسب غير المشروع والذي حرمه الله.

ومن السخافات الصفراء أن تنشر الأخبار في 4 سبتمبر 1981 أنه قد أعدت صحيفة اتهام خاصة بكل واحد من المتحفظ عليهم. إذا فهناك تخطيط سابق وليست المسألة فتنة أو إثارة أو سفالة أو رذالة أو بذاءة، ولكنها نية مبيته للتخلص من كل من لا يسبح بأمجاد المغوار وعلى سبيل التسلية سواء أردت أن تتسلى، أو على غير استعداد للتسالي، اعرض عليك صحيفة اتهامي ،التي قدمتها المباحث للمدعى الاشتراكي، وبلغ عدد صفحاتها خمس عشرة صفحة من الفولسكاب .

نسبت إلى المباحث أنني منذ سنوات ألقيت محاضرة عن الحرية، في نقابة المحامين . وهذه جريمة في نظر حكم السادات عاشق الحرية والمتيم في هواها، وتهمة أخرى أنني قلت إن الولايات المتحدة وروسيا تعاديان دعاة الإسلام، وروسيا والولايات المتحدة لم ينكرا على هذا الاتهام، ولم يحدثني أحد منهما فيه، ولكن المباحث وجزاها الله خيرا ، قد أقامت من جهازها محاميا عنهما وأنها تهمة يتحفظ على من أجلها، وأقدم بسببها إلى المدعى الاشتراكي، ليحقق معي في هذه التهمة الرهيبة.

مصري يتهم مصري دفاعا عن دولتين أجنبيتين ، موقفهما معروف من فلسطين وإسرائيل. إنها تهمة أسأل الله أن يجزيني عنها بما هو أهله. وتهمة ثالثة أنني أطالب بعودة الخلافة.. أرأيت؟ أجهزة السادات تعتبر المطالبة بعودة الخلافة جريمة يقدم من يطلبها إلى المدعى الاشتراكي مقبوضا عليه.. أليست حالة تلبس من نوع جديد..

إذا كانت الإشتراكية تنادى بالحرية وتكافؤ الفرص وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان فكلها مستمدة من الإسلام الذي ننادى بتطبيقه، بيد أن الإسلام يتفرد بميزة رائعة.. الرقابة الإلهية في السر والعلن، وقد ظل السيد المحقق يحقق معي في خمس جلسات تحقيق مكبلين بالأصفاد التي لا تفك عن أيدينا إلا أمام غرفة المحقق. وكانت كل هذه المظالم تجرى في حكم السادات ، وهو يبتسم للقضاء عل مخالفيه في الرأي ويصفو له الجو وينفرد بالسلطان، ولكنها فرصة ما تمت أخذها الغراب وطار.

لا أريد أن أتحدث باستفاضة عما لقيته في الحبس الانفرادي بمستشفى طره من يوم 3 سبتمبر 1981 يوم القبض على إلى يوم 12 نوفمبر 1981 يوم انتقالي على معتقل مستشفى القصر العيني.

وضعت في حجرة كان يقيم بها شمس الدين بدران أثناء سجنه، وضعت فيها منفردا وعلى بابها جنديين كي لا أكلم أحد ولا يكلمني أحد مبالغة في الإعنات وحرمت من الصحف والمجلات والكتب إلا المصحف الشريف الذي كان أنس وحدتي، وشريك خلوتي ولا راديو ولا تليفزيون ولكل أن تتصور قسوة الوحدة وفى سجن، وكانت هذه السبعين يوما كفيلة بإنقاص وزنى من 96 ك إلى 82 ك ، نتيجة سوء التغذية؛

فقد كانت تمر الأربع وعشرون ساعة دون إيصال طعام إلى، ولا أريد أن أقول إنه كان تصرفا متعمدا، فكثرة المعتقلين وتوالى إدخالهم إلى السجن تشغل كل أوقات مدير السجن ومعاونيه من الضباط.

وفى بعض الأيام تقدم لي وجبة واحدة، ولم يخرج طعامي طوال تلك الأيام عن عدس ممزوج بالحصى والرمال وفول استنفذ السوس ما فيه من بروتين ولا ندرى أهو فول سوس أو سوس فول، ولكن الجوع جعله من أشهى ما يتناوله الإنسان من طعام.

وليعلم الناس أنها كانت مذبحة حرية فعلا، فقد حفظت كل هذه التحقيقات والاتهامات مما أثبت أنها كانت باطلة كلها، وأن المحققين كانوا يقومون لمجرد تأدية الواجب، وإلا لو كان منها شيء واحد صحيح لاستمر التحقيق ولانتهى إلى نتيجة إيجابية أو سلبية .

والأعجب من هذا أنه بعد وفاة السادات ساد هدوء عجيب وكأنه وحده رحمني ورحمني الله كان المصدر الوحيد لكل هذه المآسي المحزنة، أكان ذلك لشيء في طبيعة تكوينه أم أنه كان مرغما عليه؟ هذه إحدى صور تلك الفترة التعسة التي دامت بعد وفاته إلى ما يقرب من الأربعة أشهر أو تزيد مع بعض المقبوض عليهم، وهكذا فارق السادات هذه الدنيا وكراهية حكمه تملأ القلوب،وتدمى المشاعر.

5 سبتمبر سنة 1981

ويصل بنا استقراء الأحداث إلى يوم 5 سبتمبر 1981 ، فنقرأ في صحف ذلك اليوم الصحف التي يسمونها قومية لأنها صحف حكومية حزبية، تنطق بما يريده الحزب الحاكم، رغم ما قيل عن الانتخابات التي جاءت بذلك الحكم، الصحف تردد ما يقوله الفرد الحاكم، هذا إن لم تسبقه إلى ما يريد، وكأنها تستطلع أفكاره جاءتنا بما هو أدهى وأمر ، إنها تغفل التعرض المروع لكل صاحب رسالة ودين؛

تقول جريدة الأهرام بالخط العريض في صدر صفحتها الأولى:

أن السادات يكشف في خطابه للشعب التفاصيل المذهلة.. خللي بالك.. التفاصيل المذهلة لمؤامرة الفتنة الطائفية، وتمخض الخبر فولد هراء، وبات الناس ليلتهم على وجل رهيب بعد أن علموا أن عدد المتهمين قد ارتفع إلى ألف ومائة .. وما خفي كان ألعن..

وياله من شعب بائس تعس هذا الذي يقبض على ألف ومائة من أبنائه في ليلة واحدة، لمجرد مزاج حاكم فرد متسلط، بتهم واهية كسيحة تتهاوى ولا تمشى وأدخل من هذا في باب الدهشة أن السادات يلقى خطابا غير مكتوب يعنى كلام طايح من ذاكرته، لا ضابط له ولا دقة ولا حقائق معه، إن السادات في خطابه هذا يلقى كلاما من ذاكرته الخيالية بكل استنكار لكل من يناقشه الحساب، وهو على تلك الحال من التصورات الخيالية غير المنسجمة من واقع الأحداث؛

إنه يعتمد على ذاكرته الحالمه في شتم الأطهار والنيل من كرامتهم هذه الذاكرة التي خانته في التعبير عن أحد العلماء " بأنه مرمى في السجن زى الكلب" إني واثق بأن السادات رحمني ورحمه الله لو كان مسيطرا على لسانه لما قال ما قال ولو كان غيره قال هذا فلربما أسقطنا حسابه، ولكنه رئيس جمهوريتنا الذي كنا نتمنى أن يعف عن مثل هذا السباب الذي لا يليق بالمهذبين من الناس، فما بالكم وهو رئيس الجمهورية الذي لا يبدل القول لديه؟

ولكن من ذا الذي كان يباح له في تلك الأيام أن يمكن من التعبير عن رأيه. لقد طاف بخاطري قول شاعر ظريف حيث قال في مثل هذا المجال.

يا لك من قبرة بمصر

خلا لك الجو فبيضى واصفرى

ونقرى ما شئت أن تنقرى

وسواء أكان هذا يليق أو لا يليق فهو ما فعله السيد الرئيس رقيق الأحاسيس المحلق في جو العتاريس ، من غير تحرج ولا تميس، ونسى رب العائلة الحسيس أن أحدا من أفراد عائلته كالكلب أمر يسيء إليه قبل أن يسيء المشتوم، إذ ما قيمة حاكم يحكم شعبا أفراده مثل الكلاب، غاب هذا عن خيال السادات ناسيا أن الله بالمرصاد حقا إن هذه الشتائم ومن مطلق إلى مقيد، حال تشمئز منه قيم المهذبين الشرفاء ولكن المرء مخبوء طي لسانه؛

ورغم معرفة الكثيرين منا للأسر والعائلات من مختلف الطبقات فما رأينا رب عائلة من هذه العائلات رضي لنفسه أن يصف أفراد عائلته بمثل هذا الطوفان، من الصفات التي لا تشرف كبير العائلة نفسه. ولكن السادات رضي لنفسه هذا لأنه أعرف بنفسه من غيره.

ترى .. هل ستكشف لنا الأيام عمن أعطى الماريشال السادات.. الفاتح.. الغازي، من الذي منحه صفة كبير العائلة؟ وإن كان الملايين من بني مصر لا يرضون أن يكون جنابه ربا لعائلتهم كائنا ما كان الوضع الذي يشغل .. من يدرى؟ لعلها إيماءة من إيماءات التصور المحلق في جو الخيال المنبسط، ظن سيادته وهو في هذا الجو الشاعري الحالم أن هناك أسرة وأنه رب السلام وبطل الحرب وبطل الحرية وبطل الرخاء .. الرخاء الذي بشرنا بها عاما بعد عام طوال تلك السنين العجاف من حكمه الوهاج وبطل الشعارات وبطل السلطات كلها التي تنازل وقبل رئاستها ؟

وبطل الانفتاح الاستهلاكي دون الانتاجى .. وبطل الوعود المعلعلة التي لم يتحقق منها وعد واحد .. لماذا لا يضم إلى كل هذه البطولات الدون كيشوتية لقب بطولة ربوبية العائلة المصرية الفخيمة وحمدا لله أنه اقتصر على العائلة المصرية وحدها، ولم يضم إليها العائلات العربية في كافة أنحاء العالم، وإلا كانت الطاقة فوق احتمال قرون الثور الذي يحمل الأرض على قرنه، من فوق عالم البهموت .. إننا لا نسألك رد القضاء ولكننا نسألك اللطف فيه.

وعز على صحيفة الأخبار في ذلك اليوم ألا تنافس زميلتها الأهرام " ومحدش أحسن من حد" في التصفيق والترحيب بتلك الإجراءات والتصرفات التعسفية الظالمة، راحت الأخبار تولول وتلطم الخدود وتشق الجيوب في ذلك المأتم الحزين، مأتم الحرية والإنسانية وكل ما يعتبره الشرفاء، فوق مستوى التطاول والبهتان ، فاضت صفحات الأخبار بأسماء من استكتبهم عن الفتنة الطائفية متسائلين عما يريده المتحفظ عليهم، غمزا ولمزا وهمزا وكان جديرا بها وبمن يغمز تحريرها، عما يريدون هم من دماء العصف بالحريات وأمن المواطنين ، التي أهدرت وديست وامتهنت بلا ضابط ولا رقيب.

ولكن ألم تقرؤا المثل القديم " القوى عايب " ما كنا نحب لأحد أن يغتر بقوته، فدوام الحال من المحال لأن دوام القوة والقدرة لله وحده لا شريك له فيها وليست لأحد سواه مهما ظن أن الأيام سالمته، وأن الأمر قد انتهى إليه وأنه لا راد لمشيئته وأنه لن يرحم مع الرحمة من صفات الرحمن، ولن تنزع إلا من قلب شقي من ضراعتنا ألا يكتب أحدا في سجل الأشقياء المطرودين من رحمته التي وسعت كل شيء.

6 سبتمبر سنة 1981

ونتابع أيام الهول والفزع في كل بقعة من بقاع مصر، فتشرق علينا شمس أخبار يوم 6 سبتمبر 1981 بعناوين رهيبة مخيفة وبالخط العريض: أخطر استغلال للدين، دور العبادة تستغل لتحقيق أغراض سياسية، ضرب الوحدة الوطنية، التحفظ على 1536 شاركوا واستغلوا أحداث الفتنة الطائفية حل بعض الجمعيات المشهرة التي عملت ضد الوحدة ، التحفظ على أموال الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية ، نقل 64 من هيئات التدريس بالجامعات والمعاهد العليا، فصل 67 من العاملين بالصحافة والإذاعة والتليفزيون ، لجنة من خمسة أساقفة للقيام بالمهام البابوية ، إلغاء القرار الجمهوري بتعيين الأنبا شنودة.

تصرفات جائحة واجتراء مستهتر وافتراء مكشوف واستهانة بكل المقدسات في عنجهية واستعلاء ، بالأمس كان العدد ألفا واليوم 1536 متحفظا عليهم .. " كده بالكوم وألهبوللى" بالكوم لا بميت أبو الكوم، ولا بميت أم الكوم وكلمة " الكوم" يعرف الناس أنها تستغل لمعنى معين لا يشرف ولا يسر .. ما معنى خطر استغلال الدين؟ أو دور العبادة لتحقق أغراض سياسية وضرب الوحدة الوطنية؟؟

إن هذه التعمية وهذا التعميم المتعمد يحرم معه النطق بأية كلمة دينية ، حتى إذا قلت الله أكبر ولله الحمد، قيل لك أنك تستغل الدين وإذا قلت سبحان الله قيل لك سبحان الله في طبعك وإذا قرأت في المسجد " لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا" قيل لك إنك تستغل المسجد لأغراض سياسية وإذا قرأت " ألا لعنة الله على الظالمين" قيل لك إنك تقصد معنى معينا ..

وبذلك يتحتم على من يدخل المسجد، ألا يفتح فمه وأن يؤدى صلاته بالإيماء والإثارة لينجو من عيون البسابس في ظلام الليل.. فهل رأى الناس حربا سافرة للدين، أوضح من قرارات الرئيس المؤمن محمد أنور السادات؟ وياله من إيمان ضل عنه الأولون والآخرون..

وإذا سلمنا جدلا بحل الجمعيات الدينية لأنها " حشرية " وتضع أنفها في كل شيء، فلماذا تحل الجمعية الطبية الإسلامية في هذا المعمعان، أليست حربا ضد كل شيء يمت إلى الإسلام ولو بصلة الاسم فقط، ما القصد من هذا كله؟ ولحساب من تتخذ تلك الخطوات الرعناء.. ولماذا التحفظ على أموال الإخوان المسلمين والجمعيات الإسلامية بالذات دن التحفظ على أموال غيرهم من المتحفظ عليهم؟؟

ألا تعطيك هذه التفرقة إيماء بفهم معين؟ يا سلام على ذكاء أهل زمان .. واحد يختبر ذكاء واحد آخر ، يقول له: لو عرفت ما في جبتي أعطيك منها اثنين تصنع منهم عجة؟ ما تزال العقول بحمد الله تعي وتفهم.

ولا بأس من أن نستعرض معا، خطاب السادات أمام مجلس الشعب والشورى وطائفة أخرى من الذين يحضرون في مثل هذه المناسبات الهائلة، نستعرضه لنرى مدى مطابقة ما جاء فيه لحقيقة الأحداث، ولنرى مدى تجنى رئيس الدولة على أبناء الدولة، مع أنه أحق الناس بإنصافهم والترفق بهم، بدلا من هذا التعسف في سرد الوقائع خاصة وهو كبير العائلة الأوحد كما يقول .

نقلا عن جريدة الأخبار بتاريخ 6 سبتمبر قال سيادته " بعد أن قرأت قرار النيابة كان لابد أن أضع الصورة أمامكم كاملة" أنه يتهم فريقا من رعاياه بأبشع التهم ويقذفهم بأقذع الألفاظ، التي يجب أن يترفع عنها من كان فى مثل موقعه، كل ذلك بناء على قرار اتهام لم يسأل فيه الكثيرون ممن هاجمهم.

على أبسط الفروض أن يتلو قرار النيابة وهو يقف منا موقف الخصومة؟ حتى يرى الناس مدى مطابقته لما جاء فى شتائمه؟ هل كان فى قرار النيابة مع ما حرص سيادته على عدم التعرض له؟ أما كان من أبسط قواعد حرية الدفاع، أن يترك لمن جاءت أسماؤهم على لسانه، أن يدافعوا عن أنفسهم بأدلتهم أو شهودهم؟ قبل أن يشنع بهم هذا التشنيع الذى لا يليق برئيس دولة؟

أما كان من صور سيادة القانون التي يتحدث عنها دائما ، أن يعطوا فرصة تنقية صفحاتهم؟ قبل التشهير بهم؟ أم أن القوانين وسلطات القضاء، يغفل شأنها إذا ما أراد السادات أمرا وما أكثر ما يريد؟ .. كيف يمكن أن يطمئن مواطن على نفسه إذا ما اختلف رأيه، مع رأى رئيس الجمهورية وهذا من حقه المشروع ؟ إلى من يلجأ المواطنون لحمايتهم من مثل هذا الحال المقلوب؟

وإذا افترضنا أن هذا الأمر رفع إلى القضاء وكان الحكم بالبراءة فماذا يكون موقفه ؟ وماذا يقول الناس عنه بعد ذلك؟ لقد رفع المدعى الاشتراكي التحفظ على جميع من ساقتهم شرطته إلى المعتقلات؟ لقد ثبت أن ما وجه إليهم غير صحيح، ومحض افتراء؟ أي إحراج وأية ظلال داكنة لحقت بتاريخه؟

ماذا يقول العالم عن وطن هذا مدى حرص رئيس دولته على سلامة المواطنين ؟ أما كان الأليق أن يؤجل اتهاماته هذه حتى يقول القضاء كلمته ؟ بعيدا عن كل المؤثرات والاحراجات، ولكن ما حيلتنا وقد أراد سيادته أن يضع نفسه هذا الموضع، الذي لا يسر عدوا ولا حبيبا؟

يقول سيادته في نفس الخطاب:

" لما قلت له خليهم خمسين قلت له أنا لا أستأذن حد، علشان أقول له والنبي أدى الأب شنوده كان؟ أنا صاحب القرار في هذا البلد"

أيمكن أن يحتقر أحد أحدا مثل احتقار السادات للشعب؟ إنه بهذا التحدي يكشف عن واقع الديمقراطية في مصر، أثناء حكم؟ إنه وحده صاحب القرار؟ وأنه لا يستأذن أحد في فعل ما يريد.. وإذا كان هذا هو حال الديمقراطية عنده، فأين مجلس الشعب ؟ ومجلس الشوري؟ والمسئولية والوزارية؟

ورأى الشعب الذي يستفتيه في كل ما ودب وقال يا رب؟ أين سيادة القانون؟ أين احترام الدستور الذي أقسم على احترامه؟ أم أن هذا القسم كان في ساعة من ساعات التجلي الساداتية؟ الله أعلم؟ أقول له إيه ،أعيد لك إيه؟ خللى الطابق مستورا.

ويقول سيادته في نفس الخطاب " لاحق لجماعة الإخوان المسلمين في إصدار جريدة الدعوة" لعله غاب عن علم سيادته الواسع، أن مجلة الدعوة صدرت في الخمسينات ، ولم تصدر في السبعينات أثناء حكمه السعيد وصاحب امتياز مجلة الدعوة الحاج صالح عشماوي ما يزال حيا يرزق، ويصدر مجلته من الخمسينات إلى اليوم دون توقف.. أي أن جماعة الإخوان المسلمين ؛

سواء قبل الحل أو بعده لم تصدر مجلة الدعوة وأن سيادته لا فضل له ولا دخل في إصدار هذه المجلة ولكن ماذا نقول وماذا نفعل إذا لم يراع الدقة في سرد الأحداث الثابتة ثبوتا قطعيا رسميا لا يغير من واقعه أحد حتى ولو كان رئيس الجمهورية نفسه، الذي لم يرد أن يكون ذكورا . وبمناسبة حل جماعة الإخوان المسلمين ، أحب أن اذكر القارئ أن هذه الجماعة مكونة من عنصرين

  1. عقيدة .
  2. تشكيل .

أما التشكيل فقد التزمت الجماعة قرار الحل مكرهة غير راضية، فليس هناك جمعية عمومية ولا هيئة تأسيسية، ولا مكتب إرشاد ولا مرشد ، وهذا الذي يحاسبنا عليه القانون الوضعي.

أما العقيدة فليس لإنسان عليها من سلطان، ولو كان خاقان البرين والبحرين ولن يقدر إنسان على انتزاع شعرة منها، وهم بفضل الله في هذا المقام، وسيظلون بعون الله كذلك، وسيتحدث الناس عنهم بهذا الاسم ، مهما طال الزمان وأتعب الخصوم أنفسهم في النيل من الجماعة.

وكل من يدعى أن هذه الجماعة قامت دينية ثم اشتعلت بالسياسة، فهو إما جاهل أو متجاهل، لأن المبدأ الأول والأخير الذي من أجله قامت هذه الجماعة هو المطالبة الدائبة بتطبيق شرع الله. وكل من لا يعرف أن شئون الحكم من شرع الله ، فهو الجاهل المطبق الجهل بشرع الله العليم الخبير مهما ادعى اللوذعية والألمعية.

وفى مقابلتي لسيادته بناء على طلبه في ديسمبر 1979 باستراحته الفاخرة بالقناطر الخيرية طلب منى أن أقابل السيدة آمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية، فأدركت ما يهدف إليه وهو أن يخضع جماعة الإخوان المسلمين لسلطان وزارة الشئون الاجتماعية ولم أذهب لأن مطلبنا الذي لا نساوم عليه هو عودة الجماعة كما كانت يوم أن قرروا حلها.

ولما قلت له أنني ما تعودت بحث مثل هذه الأمور مع سيدات قهقه عاليا وقال طيب روح يا سيدي لنبوي أو منصور حسن. ولم أذهب طبعا بعد أن تبينت القصد من إعادته للجماعة، على الصورة التي كانت في مخيلته.

إن هذه الجماعة ذات التاريخ المجيد والمواقف الإسلامية الرجولية والأثر الفعال في كل أحداث المنطقة والعالم الاسلامى كله والتي سجلت مواقفها الخالدة صفحات الزمن أحرفا من نور يهدى الحيارى ونارا تحرق المبطلين هل يحل لمن يحمل اسم هذه الجماعة السامية، أن يقبل إخضاعها لأهواء الوزراء يحلونها وقت ما يشاءون ويشكلون مجالس إدارتها كما يريدون ؟ كيف يتحدث هؤلاء الناس؟ وكيف يفكرون ؟ وما ظنهم بالإخوان المسلمين ؟

لقد يلوناهم واحدا واحدا، فما اهتزت قلوبنا فرقا لأنهم لا يملكون منا إلا هذا الجسد الفاني، ينالون منه بالظلم والإعنات والتعذيب والقتل والتشريد، ولسنا نبالي حين نقتل مسلمين على أي جنب كان في الله مصرعنا لا شجاعة ولا بطولة ولكن بتثبيت من الله وحده صاحب الفضل علينا في كل شيء؛

أما قلوبنا المتعلقة بحب الله والعمل في سبيله فهي الحصون التي لم يفلح أي طاغية في اقتحامها حتى اليوم ، والتي نسأل الله صباح مساء أن يجعلها ممنعة على الطغاة الظالمين إنه الاسم الذي اختاره الله لنا " إنما المؤمنون إخوة" ، " هو سماكم المسلمين من قبل.." ولقد سمى الله المجاهدين جند الله " وإن جندنا لهم الغالبون " ولم يحل هذا الاسم بينهم وبين أن يكونوا مسلمين هذا إلى أننا لم ندع مرة في حياتنا أن من ليس من الإخوان فليس من المسلمين .

بل أننا لنقر أنه قد يكون من غير الإخوان، من هو أعمق منهم إيمانا وأصدق يقينا فهل تبلغ منا البلاهة والتنكر لمن استشهدوا تحت راية الشجاعة (في سبيل الجماعة) أن نساوم على هذا الاسم الجليل المجيد الكريم؟ إن كانت قوى الأرض تمنيهم بمثل هذه الأحلام الهبائية فإننا مع الله الذي لا يقع في ملكه إلا ما يريد " ولله عاقبة الأمور" .

وفى نفس الخطاب يقول (سيادته) التلمساني لما جانى كان عندي فكرة أدخله مجلس الشوري باعتبار أن لنا فيه جزءا بالتعيين، يبقى فيه أقباط معينين وأعين أيضا التلمساني علشان داخل المجلس تبقى الناس تعرف بعضها " شايف اللماحية" أي أن الناس لا تعرف بعضها إلا داخل مجلس الشوري.

إنني أعرف من المواطنين الأقباط ورؤساء ديانتهم أكثر مما يعرف سيادته ثم ما تقييم سيادته لمجلس الشوري هذا ؟ أهو عشة فراخ؟ يدخل فيها من يشاء بلا ضوابط ولا موازين إلا ليعرف الناس يعضهم كما يقول؟ إن مجلس الشوري في تقييمي له فوق هذا الظن بكثير، ولا يدخله الناس ليتعرفوا إلى بعضهم البعض، إنه في تقديري دار ندوة ورأى لا تدخله إي كفاءات معينة، أوتيت من العلم والخبرة ما تقدره من مصلحة للوطن، أما التعيين فيه وفق الهوى الذي قد يكون فيه زعيط ومعيط ونطاط الحيط ؟

فأمر لا يرد على بال العاملين المخلصين ولكن هذا الذي حصل كما يفسره لنا السادات " يبقى الناس يعرفوا بعض " يا للمهزلة هذه الملايين التي يتحملها الشعب من أجل هذا المجلس كل الغرض منها عند السادات أن يعرف الناس بعضهم البعض .. إيه.. هو نادي الجزيرة واللا قهوة فنحاص بن باعوراء ؟

وهذا الذي قاله سيادته عن تعييني في مجلس الشوري ، غير صحيح وتنقضه الوقائع التي لا يزال شهودها على قيد الحياة ولا يمنعني من ذكر أسمائهم إلا حرصي على عدم الإحراج، ولأنهم كانوا سببا في نجاتي من هذه المنة الكبرى التي كان سيادته يردي إغداقها على ..

إن السادات لم تكن عنده فكرة في تعييني بهذا المجلس، بل عرض على وألح في العرض وصممت على الرفض وأقرني على السبب ولولا أمانة المجلس وانتقاله إلى رحمة الله، لبينت ما جرى بيني وبينه بهذه الخصوص ، من حوار يشرفني فيه كل ما قيل، ولكنى لست من هواة المديح ولست من طالبي الزعامة أو الشهرة أو الاتجار بالدين كما شاء أن يقول إننا لا نطمع إلا في رضاء الله ونضرع إليه أن يكتبه لنا.

إن من بين ما اتهمني بت سيادته في خطابه ذاك، أنني من الذين اعتادوا الشحن الطائفي ضد المسيحيين وها هي مقالاتي في مجلة الدعوة لا تحمل واحدة منها كلمة شحن واحدة. هذا إلى ما بيني وبينهم من صلات طيبة منكل منا عرف من المسيحيين .

إن الشقاق بين أصحاب الديانات المختلفة ليس من طبيعة دعوة الإخوان المسلمين القائمة على كتاب الله الكريم، إن إسلامنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون ثم توفى كل نفس ما كسبت يوم الحساب ن بين يدي اعدل العادلين هذا إلى أن الله سبحانه سمى معتقداتهم دينا " لكم دينكم ولى دين " ولقد رضي واكتفى بأنه واجهني في تلك الليلة، بما سماه اخطائى فلم أستطع أن أنكر عليه هذا؟

إنه رئي جمهورية ويحظى من حكومات الغرب وإسرائيل وصحفهم وجامعاتهم بثناء لم ينل مثله أحد من حكام المسلمين؟ ولا علم لي بأن كان هذا الثناء مما يشرف أولا يشرف؟ هذا إلى أنه حاكم فرد يفخر بأنه لا راد لمشيئته وأنه لا يستأذن أحدا فيما يفعل أو يقول؛

مع أن سيدي وسيده رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما معناه " ما خاب من استخار ولا ندم من استشار" وأن الله قال له صلى الله عليه وسلم على سبيل الأمر الذي خرج على مخرجه " وشاورهم في الأمر " فهل هو أعلى قدرا؟ وأوسع علما؟ وهو المسلم أو المؤمن كما يقولون؟

أليس في هذا تناقضا واضحا؟ واجتراء على الله سبحانه وتعلى الذي " أحاط بكل شيء علما" وبرسوله الذي أعطى جوامع الكلم " وما ينطق عن الهوى" أيها الراقصون في أحفال السادات ما رأيكم في هذا؟ أهو تصديق أو غير تصديق؟ أهو إسلام أو غير إسلام؟ أفتونا مأجورين..

إن العالم كله بما فيه المصريون الذين صفقوا لهذا التحريف في هذه الواقعة، قد سمعوا ورأوا ما دار بيني وبينه عن طريق التليفزيون، الذي قربوه إلى لأرد عليه. وقد سمعوني وأنا أنكر عليه كل شيء مما قاله عنى، وسمعوني أقول في ختام كلامي " لو أن غيرك قال لي ما قلت أنت لشكوته إليك أما وأنت محمد أنور السادات رئي جمهورية مصر العربية فإني أشكوك إلى الله"

وقد رأى الناس اضطراب البايب بين شفتيه وسمعوا تعقيبه بأنه لم يقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر بعد أن كان من كلامه يا عمر .. يا عمر .. يا عمر، وأنا في عمر والده وأنه لم يقصد الإساءة إلى الإخوان المسلمين ؟ إذا ماذا كان يقصد في كل ما أساء بت إلينا من تهم ؟ دردشة؟ أم فرفشة؟ أم مداعبة؟ أم ملاطفة؟ أم ثناء ؟ يا للمعذرة .

ولقد سمعه العالم هو يطلب منى سحب شكواي على الله، كما سمعوني أرفض سحبها بعد أن رفعت إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، والذي لم يسمعه العالم ورآه الحاضرون ، أنه بعد انفضاض الجلسة أرسل إلى الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف والأستاذ منصور حسن يبلغاني أنه لم يقصد الإساءة إلى ، وأنه سيحدد مقابلة لي معه ، هذه المقابلة التي ما سعيت لها لا من قبل ولا من بعد .. إن الذي يطلب لقاء الله لا يطلب لقاء العبيد.

ولما اتهمني بأنني كتبت في مجلة الدعوة أن مصر تتلقى أوامر من الولايات المتحدة لضرب الحركة الإسلامية عدت على مقالاتي فلم أجد أثرا لما ادعاه وكل الذي حصل أنني نشرت وثيقة جاءتني في البريد ، منسوبة إلى أحد رجال مخابرات الولايات المتحدة خاصة بالحركة الإسلامية ، وقد جاءني المستشار الصحفي للسفارة الأمريكية بالقاهرة يطلب تكذيب نسبة هذه الوثيقة على أحد رجال مخابراتهم نشرت له ما طلبه بكلماته وحروفه.

فهل أنا كتبت ما قاله أمام المصفقين له مهما فعل وقد أثبتت الأيام أن كل ما جاء في تلك الوثيقة كان صحيحا ، خاصة بعد أن نشرت إحدى الصحف العربية التي تصدر خارج مصر، تخطيطا حررته أقلام بعض كبار المسئولين الرسميين المصريين خاصا بالقضاء على الإخوان المسلمين ، ولم يكذب أحد في مصر ممن نسب إليهم ذلك التخطيط الشيطاني الوضيع..

لقد ذهب كل أولئك ليلقوا مصيرهم الأثيم، وبقى الإخوان المسلمون، وهكذا ينقطع الشر بفناء أتباعه وحامليه ويبقى الخير يحمله الخيريون ومن يرثهم في ميدان العمل لرب العالمين " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال" ولكن قضت حكمة الله أن الأمثال لا يعقلها ألا العالمون .

فهل كانوا من العالمين ؟ لقد أثارت تلك الوثيقة حضرته.. فأخرجته عن كل ما يجب أن يكون عليه من كان في مثل موقعه. لقد كان نشرها سببا لاعتقالي في سبتمبر 1981.

وكم كنت أتمنى أن ينشر المقال كله الذي قال عنه أنني أستعدى فيها العرب على مصر .. الحقيقة التي ترضى ربنا أن السادات كان ذا خيال خصيب إذا ما حلق في عالم الأوهام .إن المقال بحمد الله مسجل في مجلة الدعوة، وملخصه أنهم لم يعارضوا معاهدة السلام مع إسرائيل إلا كلاما وشعارات، كانت تصفق له إسرائيل بحرارة 100% لأن كل ما كانت تأمله من تلك المعاهدة، الوقيعة بين حكام البلاد الإسلامية، كي لا يجمعوا ضدها على أمر؛

وقد تحقق لها ما أرادت وزيادة بفضل معاهدة السلام المنكود، قلت أن رفضهم الكلامي يزيد الأمر سوءا على سوء، وطالبتهم أن يتحركوا عملا يوقف إسرائيل عند حدها، وأن مهاجمتهم مصر بسبب هذه المعاهدة التي عارضتها ليست هي العلاج إنما العلاج أن يتكاتفوا على منع الإضرار وألا يكتفوا بمهاجمة مصر لأن هذا الهجوم يزيد الأمر تعقيدا.

أهذا الكلام يعتبر استعداء للعرب على مصر؟؟ لماذا هذا الخيال الجامح ؟ أم أن الهدف " واكلك واكلك" أنه لم يكن يدرى بعد أن لحمنا مرا. أن الله معنا.

ليس هناك من لا يعلم أن أكثر الجماعات الإسلامية ، هاجمت الإخوان المسلمين ورمتهم بالكفر وأدخلتهم في زمرة الملحدين ، فكيف يكون الإخوان جماعات تشتمهم وتتهمهم بالكفر؟ إن الإخوان درجوا منذ نشأتهم على أن يصلوا إلى تحقيق هدفهم، وهو تطبيق الشريعة الإسلامية ، عن طريق الفهم والفكر والوعي والحوار المنطقي بعيدين كل البعد عن وسائل العنف.

إن كل من انتسب إلى الإخوان فترة ثم لم يجد في دعوتها لون من ألوان العنف خرج من صفوفها وكون جماعة ترضى اندفاعات الشباب .

وكان من الأدلة على ذلك ما صرح بت الرئيس مبارك، من أن الإخوان بعيدين عن حادث المنصة، وما صرح بت السيد حسن أبو باشا وزير الداخلية من أن هذه الجماعات لم تخرج من تحت عباءة الإخوان ، وأن لها اتجاهات غير اتجاهات الإخوان.

وأؤكد عن يقين أن بعض هذه الجماعات أقامتها جهات معروفة بقصد عرقلة دعوة الإخوان المسلمين ، وتعطيل مسيرتها، فينشغل المسلمون بعضهم ببعض فيخلوا الجو لعدو الاثنين ، فكيف إذا يشكل الإخوان من بينهم من يخالف منهاجهم وأسلوبهم ويعرقل نشاطهم، بما يسببه من متاعب ؟ اللهم إنك تعلم ومن أنرت بصائرهم يعلمون بطلان هذا الادعاء إن الحق أبلج وإن الباطل لجلج .. لا يلجأ إليه إلا من يبهره ضوء النهار، أو مهاجمة الشرطة في الأوكار .

ما استعديت يوما أحدا على مصر وليس هذه من خلقي بل ولن يدور بخاطري . إني أهبت بهم أن يقدموا البديل العلمي لهذه المعاهدة. ولكن ما عساى أن أقول وميدان النزال خلا من الأبطال ، فصال غيرهم وجال وطال واستطال ، حتى ظن أنه قمة من قمم الجبال وقاتل الله الخبال وما يفعله بألباب الرجال؛

أما الحديث عن حكام البلاد الإسلامية فلسنا بمبتدعيه ولكنهم هم أنفسهم الذين اتهموا بعضهم البعض بالخيانة والعمالة والتبعية، فلماذا ينسب إلينا ولسنا بالخائضين فيه، وإن كنا ناقلين وناقل الكفر ليس بكافر أما ما وصف بت السادات نفسه ، فشيء متروك تقديره لمعاشريه ومخالطيه منذ الرياسة وهم أحق من يتحدث عنه ، أما نحن فقد برأنا صلى الله عليه وسلم من تتبع عورات الناس . قالوا لنا أيام الدراسة إن الحطيئة كان شاعرا شتاما مقذعا فلما لم يجد من يشتمه نضر إلى نفسه في المرآة وقال :

أرى لي وجها قبح الله شكله
فقبح من وجه وقبح حامله

وإذا رجع القراء إلى مرافعة النيابة، وحيثيات حكم المصادرة للعدد الأخير المصادر والذي أثار ثائرة سيادته، لرأوا أن المرافعة والحيثيات موضوع إنشاء عن الفتنة والإثارة ومخالفة القانون، دون أي دليل واحد يثبت هذا الاتهام، لقد خلا الحكم تماما من جملة واحدة في المقال يرتكز عليها. أن كل إنسان يستطيع أن يقول ما يشاء، ولكن ليس كل إنسان بمقدوره أن يقنع الناس بصحة ما يقول لفقدان الدليل.

تعرض سيادته في خطابه ذاك الخطاب الرائع المهول، الذي قالت عنه صحفنا القومية إن كل دول العالم عكفت على دراسته قال إيه؟ إذا لم تعكف دول العالم على دراسة خطاب السادات لتتعلم منه الكثير، فهل تعكف على دراسة خطب ريجان وتاتشر وميتران؟

يا أخي الناس مقامات فسبحان الذي أعطانا هذه المكانة التي شغلت دول العالم عن مشاكلها لتعكف على دراسة المدرسة الجديدة في عالم الخطب والأحاديث، ولا حرج على فضل الله .. تعرض سيادته لمسألة الاستراحات الفاروقية الساداتية لأن لها أثرا في نفوس الشعب،وهو يريد تبرير استخدامه لها ولم أتعرض لهذه الاستراحات ومن يشغلها لأن أمرها لا يعنيني ، فالكل في الهوا سوا.

انتقد عبد الناصر فاروقا بسبب سوء استعمال الباخرة المحروسة "اليخت الملكي" فلما استقر له الأمر ، فعل ما فعل فاروق ناسيا كل ما ذكره عن السرف والإسراف والتبذير في أموال الشعب وكذلك فعل السادات في أمر الاستراحات ويا قلبي لا تحزن، فالتناقض أمر في طبيعة البشر ، إننا نؤمن بأنهم بشر ولم نخرجهم إلى عالم الحيوانية كما فعلوا بغيرهم لأننا لسنا زعماء ولا أبطال ولا " دياولوا " ومن عجب أن يكون المعترضون على استعماله لهذه الاستراحات كما قال سيادته في خطابه، من بين خمسة وأربعين مليون مواطنا ، ثم يضيق بهم سيادته إلى هذا الحد فيصفهم بالبذاءة والسفالة .. لا شك أن كلمة الحق تقف دائما في الزور.

كم كنت أتمنى إشفاقا على وضعه في وطني، أن تكون هذه لفته في الكلام عن الشرفاء الأطهار..من الذي يتناول الناس بمثل هذه الألفاظ ؟ تقدر تقول لي؟ وإلا " بلاش" وكفى الله الآذان شر مثل هذا الجواب.

تناولني سيادته كذلك في موضع اجتماعات المعارضة، وقال إنني مربوط بهم، تعجبك كلمة مربوط هذه .. ما علينا . وليس في هذا ما يخدش كرامتي لو صح، فأنا يرضيني أن التقى بالسادة فؤاد سراج الدين وإبراهيم شكري وخالد محيي الدين وأمثالهم.

ولكن الذي يعلمه سيادته علم اليقين ، أنني رفضت الانضمام إلى جبهة تكونها المعارضة. لا ترفعا ولا تعاليا ، لأن من يظن أنه فوق مستوى الناس، فهو دونهم ولا شك ، ولكن سبب الرفض إيماني بأن الإسلام أقوى جبهة تقف ضد الظالمين ،وهى أجدر أن ينضم إليها المعارضون جميعا، حتى الحزب الوطني الديمقراطي إذا أراد.

والذي حضر من الإخوان تلك الاجتماعات من المشتغلين بالصحافة أمثال الأستاذين الفاضلين صالح عشماوي ومحمد عبد القدوس، لأن من مهمة الصحفي حضور تلك الاجتماعات ولو كان على غير رأيها، إن رؤساء تلك الأحزاب لهم قدرهم وعلمهم وخلقهم ، فما من عيب في الالتقاء بهم؛

وكما ذكرت آنفا أنني دون المتحفظ عليهم جميعا وضعت في مكان انفرادي بمستشفى ليمان طرة وهى نفس الغرفة التي يشغلها شمس الدين بدران قبل خروجه من مصر؛ أثناء تقضيته فترة من الحكم الذي حكم عليه بت، ورغم قسوة الحبس الانفرادي، والانقطاع عن العالم بأسره، لا صحيفة ولا كتاب ولا مذياع فقد كانت رحمة الله بالغة بعد ما سمعته من أحداث حدثت بين المتحفظ عليهم في سجن الاستقبال.

وكان من بين من أثار السادات علينا في خطابه الركيك، أننا رفضنا القوانين الوضعية، وطالبنا بتطبيق الشريعة الإسلامية ، ويا له من ذنب عند السادات فظيع. ولسن أدرى، بل أننا نطالب على وجه الاستمرار بتغيير هذه القوانين القاصرة عن إسعاد الناس وطالبنا بتطبيق الشريعة الإسلامية.وهناك فرق شاسع بين المطالبة بتغيير قانون وضعي وبين الخروج عليه.

ولم يثبت في يوم من الأيام أن الإخوان المسلمين المطالبين بتطبيق شرع الله منذ بدء دعوتهم لم يحصل أبدا أنهم خرجوا على تلك القوانين ، فمن الخروج عن دائرة الحق والصواب أن يتهمهم رئيس دولتهم بأمر لم يقدموا عليه.

ولكن ما حيلتنا والسادات كلما صفا خياله، ورق انسجامه تنفس مع الهواء الخارج من طاقتي أنفه بتهمة تصور أن الإخوان المسلمين اجترحوها ، وأما إن كان يسوءه أن يطالب الإخوان المسلمون بتطبيق الشريعة الإسلامية فإنها تهمة كان يسوءه أن يطالب الإخوان المسلمون بتطبيق الشريعة الإسلامية فإنها تهمة لا ننفيها وشرف نسأل الله أن يفيض علينا، لقد استجاب الشعب إلى هذا المطلب؛

وكذلك الأزهر ومجلس الشعب إلى هذا النداء وأيدوه، ففي الاستفتاء على الدستور الدائم، طالبت الأغلبية الساحقة من الشعب أن يكون شرع الله قانونهم الذي يقضى بينهم وجاء نص المادة الثانية من الدستور الدائم، محققا لهذه الرغبة الكريمة وبادر الأزهر مشكورا بتقديم مشروع لهذا التقنين الاسلامى، ومن أراد الاطلاع عليه فليبحث عنه في أدراج رياسة مجلس الشعب؛

كذلك شكلت في مجلس الشعب لجانا للوصول إلى هذه الغاية منذ سنوات، دون أن تفعل شيئا رغم أن السيد رئيس المجلس كان يعد في بدء كل دورة للمجلس بالانتهاء من هذه المهمة في تلك الدورة، ومع هذا فلا المجلس انتهى من بحثه، ولا رئيسه نفذ وعوده المتكررة ولعل له عذرا ونحن نلوم فليس إذا في المطالبة بشرع الله جريمة ولا ما يؤاخذ الإخوان عليه، ويدهشني حقا خيال السادات الخطيب في ابتداع هذه الاتهامات ولكن الانسجام غرام.

أما الجرائم التي عددها في خطابه هذا ، ونسبها إلى الإخوان فلا تعدو أن تكون طبخة على فحم كيروتى يوقد بالهشين العنتبلى لقد ثبت من تحقيق النيابة وأحكام القضاء ألا علاقة للإخوان المسلمين بأية جريمة من تلك الجرائم التي ألصقها السادات بهم.

فهذا أقطع دليل على بعد الإخوان المسلمين عن تلك الجرائم ولو كان القتل من وسائل الإخوان لما انفصل عنهم هؤلاء . وهكذا ينفى العقل والمنطق والدليل والعدل والإنصاف ، بأن الإخوان المسلمين بعيدين كل البعد عن كل ما يجرمه القانون الوضعي والسماوي على السواء.

إن هذه المحاولات المستميتة المستديمة في الزج باسم الإخوان المسلمين في كل مصيبة تلحق بهذا الوطن، جهد ضائع أن لم يكن رغبة ملحة في القضاء على الإخوان المسلمين ، بأية صورة من الصور ومهما أوتى الحريصون على هذه الرغبة ، رغبة التخلص من الإخوان المسلمين من براعة وذكاء ودهاء، فلن يصلوا إلى مبتغاهم لأنه لا يصلح في هذه الدنيا إلا الصحيح..

أما ما عدا ذلك فمثله " كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما، وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" وهكذا نرى أنه كلما فشلت محاولة ضد الإخوان المسلمين عمدوا إلى القول بأن أية جريمة ترتكبها أية جماعة مسلمة، إنما السبب فيها الإخوان المسلمون لأنهم يطالبون بتطبيق شرع الله في الأرض .

وعلى هذا النمط الخيالي اللذيذ ، سار هذا الخطاب العجيب في كل فقراته، عند التعرض لأية جماعة من الجماعات الإسلامية ، مع أن بعض هذه الجماعات يرمى الإخوان بالكفر، وبعضا يتهم الإخوان بالقعود عن الجهاد، والبعض يرميها بممالأة الحاكم الذي رمى الإخوان بكل داهية، إن تمسك الإخوان المسلمين وإشعارهم له لم يترك لهم صديقا من بين الغرضين ومن يتابع المحن التي أنزلها الظالمون بالإخوان المسلمين ، بغية القضاء عليهم، يرى أن الإخوان يخرجون من المحنة تلو المحنة، اصلب عودا وأش تمسكا بدعوتهم ويزداد عددهم على الأيام.

إن البعض يزعم أن من ضرب الإخوان المسلمين على خدهم الأيمن أدراوا له خدهم الأيسر، وكأنهم يستمتعون بقسوة اللطمات. وهذا صريح جهل ومحض افتراء. لأن الذي يسلم خده المعتدين. والناس يعلمون والتاريخ يشهد، أنهم لم يلقوا سلاح الدعوة حتى وهم في أعماق السجون.

فقد كنت أقوم بدرس الثلاثاء وأنا في منافي الواحات، دون وجل ولا تهيب متحدثا عن دعوة الإخوان المسلمين وأهدافها ووسائلها التي من أجلها أودعوا أعماق السجون ، وأنا أعلم ما سيترتب على ذلك ومضيت لا شجاعة ولا استبالا ولكن وفاء ببيعة مع الله ولن ننكث بعون الله وقوته، لقد اعترفت دول العالم بتمسك الإخوان المسلمين بدعوتهم، واحتمال كل ما ينزل بهم من بلاء بسببها؛

حتى رأوا في بعض مؤلفاتهم أنه يجب العدول عن استعمال القوة معهم، وإغرائهم بالدنيا وجاهها وزخرفها ومتعها، ومع ذلك فلم يحل الظلم دون تمسكهم بدعوتهم ولا الإغراء يصرفها عنها، وبذلك يرى الشائنون أننا لم ندر خدنا الأيسر لم صفعنا على خدنا الأيمن، ولكننا نحتمل كل رزية كي لا نحمل السيف في وجه مسلم، مهما قال أو فعل إيمانا منا بأن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله مؤمنا بها قلبه لن يخلد في النار، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل عالم بدين الله يجرم الثأر ويحرمه؛

فكيف نقدم على ما حرمه الله، ونحن نسوق المسلمين إلى حماه إننا لسنا ضعافا وإلا لقبعنا في بيوتنا ولسنا بجبناء وإلا لتركنا دعوتنا ، ولكنن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحوار الهادف الأمين ، فليقل عنا من يشاء ما يشاء فما ضر السحاب عواء الذئاب ، سنمضى في طريقنا بعون الله ثابتي الخطى مطمئني القلوب محتسبين ما يصيبنا عند من لا تضيع عنده الودائع.

إننا نسر قدما يهدينا كتاب ويتزعمنا ويرشدنا فحول ويثبتنا وعد مأمول ولو أن ما أصاب الإخوان المسلمين أصاب أية دعوة أو رسالة لما بقى لها من قرار، ولكن من تكن بكتاب الله نصرته، إن تلقه الدنيا بأسرها انحسرت عن هزيمته وتذهب المظالم والفاعلون لها وتبقى كلمة الله ما بقيت الدنيا إلى أن يشاء الله " ولينصرن الله من ينصره" ويتهمنا البعض بأنه لا تخطيط لنا ولو رجعوا إلى رسائل الشهيد حسن البنا وما كتبه الإخوان المسلمون لعلموا أننا ما تركنا شاردة ولا واردة في مشاكل الحياة إلا وعرضنا لها بحل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وكل الذي لا يعرف دعوة الإخوان المسلمين وما تهدف إليه، إن الولايات المتحدة وحلفائها، وإسرائيل ومن يناصرها والشيوعية ومن يدعو إليها، لعلى يقين كامل بما تهدف إليه الإخوان المسلمين ، ويعرفون ما يصيب اقتصادهم من كساد لو مكن لدعوة الإخوان المسلمين ، ولذلك لا يركزون جميعا ولا يتفقون إلا على غاية واحدة هي القضاء على دعوة الإخوان المسلمين ..

وهيهات" قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا" ستمضى القافلة .. وئيدا ؟ نعم .. فالعبء ثقيل والعون قليل والطريق طويل وعند الصباح يحمد القوم السري. " اللهم آتنا نصرك الذي وعدتنا.." وأقول للعاملين سيروا على بركة الله " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى" ولئن فاتكم ألا يكون النصر على أيديكم ، فلن يفوتكم الأجر ولكل امرئ ما نوى.

ومما سهل للطغاة فرص المهاجمة والاتهام تعرض البعض لتفسير القرآن على غير علم، وحسب الهوى وهو الأمر الذي طهر الله منه الإخوان المسلمين ، ذلك أنهم لم يتلقوا تفسيرا معينا عن إمامهم الشهيد حسن البنا، ولا عن غيره وكل عمدتهم في التفسير ما حوته كتب التفسير المعتمدة كابن كثير والقرطبي والفخر الرازي والطبري والألوس والكشاف ، ومن على هؤلاء الفحول الأعلام؛

وبهذا كان يأمرهم الإمام الشهيد حسن البنا ، ولكن ما حيلتنا فيمن لم ير في الورد عيبا فقال له يا أحمر الخدين وفى اللقاء الذي تم بيني وبين السادات، أثنى ثناء جما مستطابا عن الإخوان ونشاطهم وإخلاصهم . ترى ما الذي حمله على تغيير رأيه في وفى الإخوان المسلمين ؟ وما كان لي أن أفترى عليه، وهو في دار الخلود والله على ما أقول شهيد ، ومع كل فليس هذا رأى السادات وحده، ولكن كل مسئول يشهد لهم بهذا وإن كانت السياسة تحمله على أن يظهر غير ما يبطن . وما تبطن تظهره الأيام..

إن مبايعة الإمام على الطاعة أمرا لا يأباه الشرع، ما دامت الطاعة في غير معصية لله سبحانه وتعالى، ولم يأت الإمام الشهيد بجديد أوحدث أو بدعة. إن البدعة أن يأتي الإنسان بشيء جديد ليس في شرع الله ، ولهذا عرف الناس أن كل بدعة ضلالة وأن كل ضلالة في النار.

وبهذا التحديد يعرف المسلمون البدعة الضالة المضلة ، ولكن من يقف عند هذا الحد ، فهو جاهل كل الجهل بالشرع والسنة، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث شريف صحيح " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك شيء من أجورهم" وإذا فهناك سنة حسنة لمن سنها أجر مضاعف ، وهناك سنة سيئة من أحدثها فعليه وزرها ووزير من عمل بها ، وهذه هي البدعة التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منها.

هذا إذا قلنا إن بيعتنا مع إمامنا بدعة، وهى ليست كذلك على التحقيق ، فلماذا يجهد خصوم الدعوة أنفسهم في محاولة لن يصلوا معها إلى شيء؟ ألا تعلم أن كل ملوك العالم وأمرائه ورؤساء جمهورياته ووزرائه وأعضاء مجلس نوابه يقسمون قبل مباشرة أعمالهم على احترام الدستور وتنفيذ أحكامه؟

هذا في دساتير يصنعها البشر لأنفسهم كلها ثغرات ومنافذ للعابثين ، فإذا كان هذا حال البشر فيما يقتنونه لأنفسهم ، فكيف يؤاخذ مسلم بايع مسلما على العمل بكتاب الله ؟ إن الذين يشتمون الناس لا ينالون من كرامتهم، ولكنهم يعرفون الناس بأنفسهم ومستواهم.

لن ينال من كرامة المرء إي ما يفعله هو، وأما تطاول الناس عليه، فالكرام يعتبرونه ذبابا يعيش على الفضلات ، علويها وسفليها : إن كلمة " إخونجى" التي حلى بها السادات خطابه الساخر، لن تضير الإخوان في شيء ولكننا لا نرضاه لمن تفوه بها، ضنا بموقعه في الوطن. أننا ى نقر أحدا على أن يقول برأيه في القرآن.

أن التفسير له ضوابط وشروط، لا تتوافر في أبناء هذا الجيل أيا كان وضعهم في المجتمع ، ولهذا طالما أنكر الإخوان المسلمون ، ولا يزالون ينكرون على أي إنسان، أن يفسر القرآن ما لم تتوافر الشروط الواجب توافرها عند كل من يعرض للقرآن بتفسير . ولم يدع الإخوان بتوفرها فيهم.

وكان الإنصاف إن كان له وجود بعد هذا الوباء الذي أصابه يقضى بألا يربط من يعطى نفسه أهلية التفسير وبين الإخوان المسلمين ، لبعد ما بين الفريقين من فهم ومنهاج وأسلوب . والواقع وتاريخ الإمام الشهيد يقطعان أنه ما ادعى لنفسه شيئا من هذا ، وكان يرشد الإخوان إلى كتب التفسير التي يقرؤونها .

كان دائما ملتزما لرأى الجماعة والجمهور من السلف الصالح وهى من مصادر التشريع في هذا الدين الحنيف. فلا صلة إذا بالمرة بين رأى الإمام الشهيد والإخوان ، وبين رأى هذه الجماعات، في أية ناحية من نواحيها وأكرر مرة أخرى إن كل ما جاء في هذا الخطاب النفيس أنيس الجليس عن تكفير الناس وتفسير القرآن بالرأي وما إلى هذه التجاوزات لا شأن للإخوان المسلمين بت ولم يعرف عنهم فى يوم من الأيام .

إنهم لا يكفرون أحدا بمعصية ، ولا يفسرون القرآن على هواهم ، ولا يهدرون دم أحد. هذا فهمهم وهذا شأنهم وهذا منهاجهم ، فمن أراد أن يلصق بهم ما ليس فيهم، فأمرنا فيه لله وهو خير الفاصلين.

أما ألأحكام التي صدرت بتأييد قرارات مصادرة الصحف والمجلات ، فإني أرتك للقضاة خاصة ولكل ذي رأى عامة أننا جماعة نحترم القضاة والقضاء، وندعو لهم بالرشد ومراقبة من لا تخفى عليه خافية. إني أدعو الناس على مراقبة الذي لا يتغير ولا يتبدل، ولا تعجبني كلمة مراقبة الضمير، لأن الضمير قد يتغير ويتبدل لا وفق الهوى ولكن تبعا للظروف والأحداث والملابسات.

وينتهي هذا الخطاب، وحيد سلطانه وفريد عصره وأوانه بتلك القرارات العنترية التي ظن صاحبها أنها لن تتغير ولن تتبدل لأنه أمسك بزمام الأيام فلا تمر ، تقف حيث وقف فلا متأخر لها عنه ولا متقدم وهكذا بدأ الخطاب بداية مفزعة كلها وعيد وتهديد كلها وعود وهدير وانتهى نهاية محزنة، كلها مآسي ومآتم جابت البلاد من أولها إلى آخرها وما كنت أرضى البداية وما كنت لأقر النهاية ، ولكن لله في أقداره حكما تخفى على البشر، مهما بلغ بهم الذكاء أو الغرور الأجوف وسبحان مغير الأحوال.

وكلما استعاد الإنسان تلك القرارات الموحشة يعجب كيف تصدر من شخص ذاق مرارة الحرمان، وثقل القيد ووحدة السجن وقسوة الظلم وخنق الحريات وتكميم الأفواه وحرقة الشوق إلى الأهل والولد وكيف يقدم على غلظة القلب وتحجر العاطفة التي شكا منه عندما تقلب على شوكها، وتجرع غصصها؟ هل هو التعويض الذي يتحدثون عنه في علم النفس؟ هل هي القوة وغرورها؟

هل كان فيه ما لا يعلمه إلا الله، مما يحمل الناس على الإيذاء بلا مبرر؟ هل هي جبلة من نوع معين ، ترغم صاحبها على الشذوذ في تصرفاته دون وعى ولا إرادة؟ هل هي نيرونية التلذذ بحرق روما، في ساعات العزف على قيثارته؟ ولئن أرغمتنا السلطة على الصمت فأين كان السادة النجب أعضاء مجلس الشعب والشورى؟ ألم يكن لأحدهم قريب من المعذبين؟ ألم يعلموا أن هذا العصف الذي أقروه مصفقين قد يحل بهم غدا نادمين؟ ولكن من يقرأ من يسمع؟ ومن يتحرك؟ ومن يتعظ؟ وتقلبات الدهر مليئة بالعظة والاعتبار وكم أقر أمثالهم أمثالها، فإذا هو أول ضحاياها بعد حين.

إن شعار خطر استغلال المساجد في الدعوة إلى الله. شعار مطاط من أجود أنواع المطاط في أندونيسيا وسيريلانكا الذي لا يقف عند حد من الشد، كلما جذبته استجاب ولكن إذا أفلت من يد الجاذب كان رد فعله خطيرا وقد يلهب الخد أو يدمى الأنف أو " يخزأ " العينين .

إنه شعار يمكن أن يحتوى كل ما لا يمكن أن يخطر على بال أشد الناس حذرا في كلامه واختيار عباراته . إذا سمح أحد رجال المباحث أو المخابرات قارئا يقرأ في مسجد " ألا لعنه الله على الظالمين" اعتبرها استغلالا للدين في الدعاء على الظالمين وأنها آية لها أهداف سياسية، وإذا سمع قارئا في مسجد " أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم" جعلها أساسا لتقرير يرفعه عن الحقد والبذاءة والسفالة وإذا سمعه يقرأ " قل موتوا بغيظكم" صورها حقدا ونقمة على الحاكمين.

وإذا سمعته يقرأ " وأما الزبد فيذهب جفاء" اعتبرها استعداء على نظام الحكم. وإذا سمعه يقرأ " إن ربك لبالمرصاد" جعلها تبشيرا من القارئ بزوال الحكم القائم . وهكذا مما لا حصر له من مثل هذه الآيات في كتاب الله إن التحفظ أشد ضررا من الاعتقال ، لأن الحاكم أشرك السلطة القضائية ليعطى ظلمه ستارا من الشرعية .

والذي أعلن مئات المرات مفاخرا بأنه أغلق المعتقلات إلى الأبد ، إنسان متناقض مع نفسه لا يحترم كلمته ولا يفي بوعوده، إذا أعادها تحت أي اسم آخر، وما بين الخيرين حساب على ماذا؟ أنا رب العائلة، أرضى عمن أشار ، وأسخط على من أشاء، لا معقب على إرادتي وإلا فكيف أكون ربا للعائلة . هذه العائلة ما دعته يوما ليرأسها ، ولا رضيت لحظة أن يكون ربا لها.

إن حل الجمعيات المشهرة ومصادرة الصحف المرخصة بجرة قلم، تنفيذا لإرادة طائشة، لا تقدر ما هي مقدمة عليه تعسف لا تعرفه الدول الدستورية، ويضع دستورنا ونوابنا في وضع لا نرضاه لهم أبدا، لأنه يحطم ثقة الناخبين فيهم، وبدلا من أن يكونوا رموزا للحرية ، إذا بهم عناوين للظلم والإعنات.

ولقد كان السادات باعتباره رئيسا للحزب الوطني الديمقراطي قد صاغ هذه القرارات بمحض إرادته وتفرده بالسلطان، فلماذا يطلب من النواب إقراراها ؟ أهو شعور منه بعدم دستورية ما يفعل ؟ أم هي رغبة في إشراكهم معه في طغيانه، وما بعد رأسي رأس على وعلى نوابي وأعضاء حزبي إني لا أحمل السادات وحده وزر ما فعل؛

ولكن أولئك النواب الذين اختارهم الشعب لحمايته، كانوا أصابع المعتدى على الحريات، ومخالب القطاط، التي لسعت النار أصابعها لتخرج الشعب من وفرة الأمان إلى سعير الطغيان إنهم أشد منه مسئولية أمام الله والتاريخ والشعب.

لأنهم رضوا لشعبهم ما لا يرضاه الأبي الكريم . طبعا إنهم لم يعودونا مرة واحدة أن يخالفوه في رأى وكان الأحرار الدستوريون يسمون أعضاء مجلس النواب الوفدي.. نمرا؟ ولعلهم يقلدون النحاس باشا رحمه الله ، في موقف من المواقف من المواقف " نحن مبسوطون" وما داموا مبسوطين فعلى الدنيا السلام.

ولعلنا لم ننس بعد أن أحد أعضاء الاتحاد الاشتراكي، هاجم الإشتراكية هجوما عنيفا، وصفق له الأعضاء تصفيقا عاليا متواصلا. ولكن الصورة لم ترض عبد الناصر، فانبرى يسخف ذلك العضو ويستخف به ويهزأ من كلامه فإذا بنفس الأعضاء وفى نفس الجلسة وفى ذات الموقف ينفجرون مصفقين وهاتفين عندما أحسوا بأن الزعيم الرهيب، غير راض عن كلام ذلك العضو هذا في تقدير المصلحة العامة في تلك الأوساط وهذه مواقفهم الرائعة في المحافظة على حريات المواطنين .

هل ظلمناهم أو تجنينا عليهم لا والله ولكن النواب المحترمين لمواقفهم يكيفون ويقدرون ألا ترى أنني تدخلت في مالا يصح أن أتدخل فيه؟ أنا أعلم بمصلحته منهم حقا أخذا بلغة السادات إنني رذل اللهم أظلمنا لأخيه فأحنه الغداة .

ولكن ماذا نفعل لطول اللسان ، إذا ما رأى النواب المحترمين يصفقون في حرارة للسادات عندما أغلق المعتقلات، وأظنهم في ذلك كانوا صادقين .

ثم صفقوا وبحرارة أشد عندما أعلن فتح المعتقلات، ومصادرة الصحف والمجلات . هل كانوا في هذه المرة صادقين أيضا؟ الله أعلم ، ومن لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسبحان وهاب العقول.

كان المرحوم عبد الحميد عبد الحق أحد الوزراء الوفديين ينطق كلمة " عقول " باللهجة الصعيدية فيقول :" العجول" وإذا اعترض أحدهم قال ارجعوا إلى الجاموس، يريد القاموس " ألا يظن أولئك أنه مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين " سيعلم هؤلاء النواب إذا جرت انتخابات حرة أين هم من ثقة الناخبين. أما إذا كانت الانتخابات بالطرق إياها، فليعلموا أنهم لا يمثلون أحدا.

وإنما هم يجرون وراء مصالح عما قريب تزول. ونقل الأساتذة من مناصبهم في الكليات، والصحفيين والإذاعيين ،ألا يلفت النظر. إن غالبيتهم من ذوى الدين والمثل العليا، وإذا كان هذا الصنف من الرجال هم خصوم السادات، ألا فليهنأ بالمؤيدين المجندين على طول الخط .. ألا نلتمس الأعذار لمن تدور في أذهانهم ظنون لا ترضى سيادته متى أقام المستبدون وزنا لشعوبهم ومشاعرهم وللحريات وأضوائها ؟ حقا أنني لأهبل عبيط.

7 سبتمبر 1981

هيا واصحبني إلى صحف 7 سبتمبر سنة 1981، الصحف القومية المستحقة لكل الرضا وجزيل الخيرات وبعد رأسي ما طلعت شمس وإن جاءك الطوفان ضع ابنك تحت رجليك.. يا سلام.. ما ترك الأولون لنا من أمثال ولا عظات ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود يا بو سليمان؟ نشرت صحف ذلك اليوم ما أسمته القائمة الكاملة لأسماء 1536 مصريا تم التحفظ عليهم.

نم آمنا أيها الشعب، ففي السويداء رجال يحافظون على أمنك واستقرارك. لقد تحفظت الحكومة أو اعتقلت بلا سبب أو سجنت بلا حكم قضائي كل المشاغبين الإرهابيين المخربين ولم يعد على السطح إلا الأشراف الصالحين، الذين لا يفعلون شيئا مما حرمه الله ورسول .. نم آمنا وضع في بطنك بطيخة صيفي حمراء كاللهب..

نم آمنا على نفسك ومالك وأهلك وعرضك فلم يبق من خصوم السادات أحد من الدعاة إلى الله المتجرين بالدين الذين يدعونك إلى الإيمان بالله دون الإيمان بالأبطال الذين أرسلهم الله رحمة بك أو نقمة عليك .. يا لك من ظلوم كفار .. ألا يكفيك أن السادات رضي أن يرأس وطنك، وتنازل فشرفك بربوبية عائلتك؟ ماذا تريد أكثر من هذا هما وغما.

والهم انتظار الكوارث والغم وقوعها.. لا هذا يعجبك ولا ذاك يرضيك؟ إذا ماذا تريد؟ أن تبدى رأيك ؟ إنها وقاحة. أريد حريتك؟ إنها رذالة .. أتريد إصلاحا حقيقيا لبلدك؟ إنها سفالة .. أتريد أن تناقش قرارات رب عائلتك؟ إنها بذاءة .. أتريد المحافظة على المال العام؟؟ إنها تلامة.. أريد نظافة القلب واللسان واليد؟

إنها رجعية بادت.. أتريد أن يطبق شرع الله ؟ يا لك من زنديق كفر بذكاء رب العائلة.. الذي أتاك بما لم يأت بت الأوائل ، ولمن يستطيعه الأواخر؟ .. يا أخي حيرت رب العائلة معك ، رب العائلة الرحيم الذي لم يأمر باعتقالك ومصادرة أموالك ، واكتفى تفضلا منه وتكرما أن يتحفظ عليك حتى لا يفتك بك الشعب الذي جاء بأعضاء مجلس الشعب والشورى، أحباب السادات والقائلين له ما يشتهى، ولأم خصومه العقم والهبل. كم تفعل الغفلة عن الله بالمستبدين قتل فاروق حسن البنا،وأقام الحفلات بهذه المناسبة السعيدة المحزنة.

أسد على العزل، ونعامة أمام المسحلين. فماذا كانت النتيجة؟ قتل فاروق مسموما وأشارت الأصابع المطلقة على بواطن الأمور إلى جهات معينة بالذات. وفتك عبد الناصر بالإخوان فأذاقه الله السكر البرونزى الذي أقض حياته وفعل السادات ما فعل ودخل أمنع حصونه في يوم زينته يتهادى كالطاووس الذي ألهاه برجه المشيد عن وثبة الفجأة وظن أن لن يقدر عليه أحد، فدهمته الداهية في قلب ما ظنه عاصما له من القدر.

وكل هؤلاء تناولتهم الصحف والكتاب بما يرضى العدو، ولا يسر الحبيب.. اللهم إنك تعلم أنها ليست شماتة لأن المسلم لا يشمت ولكنه يسأل الله الرحمة والسلامة، ولكنى أكتب تاريخا يعرفه العام والخاص ولم يعد خافيا على أحد.

تناولتهم الألسن بالعمالة والارتماء في أحضان الشرق مرة والغرب مرة أخرى واتهمتهم بالتفريط في سيادة الوطن، واستغلال أهليهم وذويهم لموقعهم من الحكم والسلطان، وأمور كثيرة ليس فيها ما يشرف، أما الإخوان المسلمون، فلم يجرؤ حاكم أو كاتب على اتهامهم بما اتهم بت غيرهم، وكل ما قاله خصوم الدعوة الإسلامية عنهم أنهم يتاجرون بالدين ، وهى تهمة لامعنى لها ولا دليل عليها ، ويستطيع كل موتور أن يقول لأي إنسان إنك تتاجر بالدين ما دام لا يكلف نفسه تقديم حجة أو إقامة برهان.

أو قالوا عن الإخوان إنهم دعاة عنف وإرهاب وقد أثبتت الأيام والأحداث والأحكام القضائية أنهم لم يشهروا سلاحا إلا على الصهيونية في فلسطين، والإنجليز على ضفاف القنال وإنها لمواقف تشرفهم عند كل حر أبى نظيف، ولم يتهمهم أحد أبدا بأنهم سرقوا أموال الشعب، ولا ضيعوا مصالحه ولا فشلوا في حل أزماته.

إن ما جاءت بت صحف ذلك اليوم، كأنها بشرى ترقبها الشعب من عشرات السنين ، أقطع دليل على فساد حكم السادات وتشويه لسمعة ذلك الحكم، الذي لا يستطيع أن يتماسك إلا بمصادرة الحريات، وحبس كل صاحب رأى لا يؤيد السادات ولا يصفق له ولا يحفى قدميه جريا وراء أية سيارة أو قطار يحمل صاحب الطلعة البهية، والقبضة الحديدية. ومحروس من العين بالصلاة على الزين.

أية إساءة تهدر كرامة شعب يصور السادات مؤيدا له في فتح المعتقلات .. فهل رأى أحد شعبا يصفق ويهتف لحاكم يصدر من القرارات ما يحطم كل معنى من معاني الكرامة الإنسانية ؟ إن صحف ذلك اليوم لم تكتف بنشر قائمة بأسماء المتحفظ عليهم والذين يعتبرون تلك القائمة وثيقة تشرفهم وتعلى من قدرهم، لأنهم خصوم الظلم والاستبداد ، ولكنها أضافت قرارا بالتحفظ على أموالهم، أي أن السادات لم يقنع باعتقال عائل الأسرة ولكنه حرمه ومن يعولهم من ثمن رغيف العيش المدعم.

حقا إنها فضيحة كان يجب أن تستر لا أن تنشر، ولكن حكمة الله قضت بأنه عند إتيان السيئة ، يسلب من ذوى العقول عقولهم، لأن تلك القرارات لا عقل فيها ولا تفكير ولا منطق، إنها تصرفات هوجاء. أشبه شيء بشنبرى اهتاج وأفلت فانطلق ينطح هذا ويؤذى ذاك. حتى تتحطم قواه فيخر متعبا على الأرض حيث تدركه سكاكين الجزارين.

إن مثل هذه التصرفات الجامحة لو جرت في أية دولة تحترم دستورها، ويحترم شعبها نفسه لقامت الدنيا ولم تقعد، حتى يطاح بمن أقدم على هذه التصرفات التعسفية. ولو أن للشعب الذي يتحدثون باسمه أي اعتبار عندهم لما أقدموا على ما اجترحوه ولكن طيبة هذا الشعب ومسالمته أطمعن فيه حتى من لا يستطيع الدفع عن نفسه وسامه الخسف كل مفلس، إن من يحكم الشعب عليه أن يبغى رضاه لأن هذا الرضا هو صمام الأمن ودعائم تثبيت الحكم. والتناقض البين في هذه التصرفات ، وإنها اتخذت لأغراض أبعد ما تكون عن الأسباب التي ذكرت لإصدارها .

إن الذين اتخذوها يفاخرون بأن الأغلبية العظمى من الشعب تؤيدهم، وإن المعارضين قلة لا يؤبه لها فإن صحت هذه الأكاذيب ولن تصح فلماذا تنصب القرارات على الشعب كله. بلا تفرقة بين أقلية وأكثرية، لقد قبض على عشرات الألوف في تلك الأيام السود.

أين كان هؤلاء أكانوا في صفوف المؤيدين فانقلبوا معارضين؟ أم انشقت عنهم الأرض دون سابق إنذار؟ أن أنه من غير المهم أن تتناقض الأقوال مع الأعمال .

الأمر الذي ينزل المقت الإلهي على فاعليه " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" أم أن الكوكتيل سمك لمك تمر حنا يا لبن، خليط يستسيغه ذوى الأمزجة الهندية ؟؟ إن بديع صنه الله أنها لا تضيق حتى تنفرج " حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا" .

ولا تأخذك دهشة ولا غرابة ، إذا قرأت في صحف ذلك اليوم أن المدعى الاشتراكي قد بدأ تحقيقه السياسي مع المتحفظ عليهم وكأنما القضاء القائم في بلدنا والذي أثبت عدالته وكفاءته ونزاهته، في كل ما عرض عليه من قضايا ، لا يصلح للتصدي لمثل هذه الجرائم إن كانت هناك حقا جرائم ولعلى ولعلكم من الجهل المطبق إلى الدرجة التي لا نعلم معهما، أن هناك شيئا اسمه " التحقيق السياسي" وأجهزة التحقيق في العالم كله معروفة وموضحة ومبينة.

إن الذي اخترع هذا النوع من التحقيق، كان يعلم تمام العلم أن الذين وضعوا تحت التحفظ لا يمكن أن تقام عليهم دعاوى جنائية من الجهات المختصة لأن من قبضت عليهم من أجله لا يرقى إلى مستوى الجريمة التي يعرفها الناس في مشارق الأرض ومغاربها وهنا لا يفوتني أن أنوه بأدب ورقة ولياقة وعواطف المحققين جميعا فقد كانوا بأجمعهم موضع رضاء وتقدير واحترام الذين حققوا معهم، وكان في هذا الأسلوب من التعامل ما خفف الكثير من المتاعب والحسرة على ضياع الخيرات.

وأدخل من هذا في باب الحيرة والعجب بل والسخرية أن يستفتى الشعب في إقرار سلب حرياته، والتضحية بكل حقوقه المادية والأدبية من اجل فرد واحد بذاته ويا ليته يرضى. وضربك شرف يا سيادة شرف الرئيس أليس كذلك يا حضرات ويا إخوتي وأخواتي ويا أبنائي وبنات وعش رجبا تر عجبا أو على حد قول الشاعر:

والليالي من الزمان حبالى
مثقلات يلدن كل عجيبة

ماذا فعلت بشعبك يا سادات؟ وطبعا جاءت نتيجة الطبخة الانتخابية 99.45% كما هي العادة وياله من شعب وفى لك مواطن، حتى من ظلمه، وكل الذي يأتي منك بالمحبوب يعجبني راضيا أو مكرها، إن الرجل إذا حلت بساحته مصيبة قيل له باللغة العامية " خليك راجل"

واقتداء بهذه المثل الدارج أقول للمصريين جميعا وقد حلت بهم كوارث متعدد أقول لهم باللغة العربية الفصحى:كونوا بعرانا أو أبعرة أو أباعر ، يعنى جمالا ومع كل احترامي للناس وبعدى عن الشخصيات ، أذهلني أن أعضاء مجلس الشعب والشورى ، الأمناء على مصالح ناخبيهم وحرياتهم يصفقون لقوانين تسلب حريات المواطنين .

فهل لهم عذر إذا رشحوا أنفسهم مرة أخرى؟ يعتمدون على النسيان الذي هو من طبيعة شعبنا؟ أم غرتهم الأماني، وظنوا بالأقدار الظنون ؟ أنا لا أتدخل في شئونكم ولكنى أشفق عليكم.

ورحت أستعرض أسماء من سموهم أمراء الجماعات الإسلامية فلم أجد واحدا منهم لي بت معرفة، ولكنة حمدت الله فعلا وجودهم في المعتقلات ساعة حادث المنصة ، وإلا كانت داهيتهم سودة " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وكم لله من حك خفية .. بل أنى لم أجد في كل ما نسب إليهم شيئا يستحق المؤاخذة والمضحك المحزن أنه قيل عن بعضهم أنه ينتقد الإذاعة ويالها من جريمة نكراء في تقدير القائمين على رعاية الأخلاق، أن ينتقد الشباب أجهزة الإذاعة وما تؤدى برامجها من فساد؛

يريد هذا الشباب الطاهر أن ينجو من أضراره ويعجب الإنسان أن يقرأ للعديد من الكاتبين والكاتبات انتقاداتهم لهذه الأجهزة ولم يتحفظ عليهم، إن كان من بين أسباب التحفظ انتقاد الشباب المتحفظ عليه، لما تذيعه هذه الأجهزة من برامج مما يدعو إلى التساؤل حقا وكم ذا بعهد السادات من مضحكات ولكنه ضحك كالبكاء.

ولابد هنا من وقفة، قد تبدوا للنظرة العارضة أنها لا علاقة لما نحن بصدده ولكنني أراها في صميمه. لما قامت دعوة الإخوان المسلمين عام 1928 ونجحت فانتشرت تبين لأعداء المسلمين من المستعمرين وأذنابهم المتعاونين معهم مدى ما في هذه الدعوة من خطورة على مصالحهم الخاصة التي يجب أن يدافعوا عنها مستميتين ، بدأوا يحاربون الإخوان المسلمين بمختلف الأيادي والأساليب؛

ذلك أنه لو سادت هذه المبادئ المستمدة من صميم الكتاب والسنة بين شعوب هذه المنطقة فتحولوا من شعوب مستهلكة ضائعة إلى شعوب منتجة ناشطة، لكان في ذلك الخراب الكامل على اقتصادياتهم وكان لطف الله أكبر إذ كلما أمعنت تلك المحاولات في العسف والاستبداد كلما زاد الإقبال على دعوة الإخوان المسلمين..

ولما فشلوا في عدة محاولات رأوا أن يضربوا الإخوان المسلمين بأيدي مسلمة فقامت في مصر جماعات إسلامية لا حصر لها تحت أسماء مختلفة ، وبرامج متباينة ، لا هم لها كلها إلا محاربة الإخوان المسلمين تتهمهم بما لا يتهمهم بت من غير المسلمين أو المتسليمين.

هذه حقيقة عرفها الكثيرون وأرخى الحبل لهذه الجماعات ومدوها بالأسلحة والمعونات المادية والأمكنة لتكون مقرا لها، حتى إذا استفحل أمر هذه الجماعات تنكرت لمن أقاموها ، وكانت النتائج ما نرى ونقرأ ونسمع وكان من وراء هذه الجماعات من يتمنى أن يقابل الإخوان العنف بالعنف فتنتشر الفتن والقلاقل، وتحين الفرصة لضرب الفريقين معا، وكم كان يتمنى ألا يتعرض السادات لما جرى بيني وبينه في الإسماعيلية سنة 1979 م، والذي قال فيه أنه جابهني بأخطائي المدعاة، فلم أجد جوابا، ولم أنكر عليه شيئا مما افتراه ليلة ذاك وأراني مضطرا إلى التعرض لحقيقتها التي يعلمها الآلاف والملايين.

ويحجب أمر ذلك الإنسان في اجترائه على الحق بصورة تدعو إلى الاشمئزاز ، ولكن إذا لم يستح الإنسان من ربه فليقل بعد ذلك ما يشاء، وليتفنن في الأضاليل ما شاء له تفنن بعض ذوى الأمزجة الهندية ذات المغول الأكيد. .

في ليلة 26 رمضان من ذلك العام، طلب منى السيد منصور حسن وزير الثقافة والإعلام أن ألقاه في مقر عمله فذهبت إليه ومعى الأخ الكريم الحاج أحمد حسنين مدير التوزيع بالمجلة وظل الحديث بيني وبين سيادة الوزير من الساعة التاسعة وربع مساء إلى الساعة الحادية عشرة ونصف مساء.

هو يحاول أن يقنعني بحضور اللقاء الفكري وأنا أرفض لأنني أعرف كبرياء السادات الأجوف وحرصه على أن يظهر بمظهر المتعالي على الناس جميعا ولئن قبل منه هذه الصورة كل من تعامل معه، فما كان يريحني أن يتعالى على إنسان مهما كان وضعه وصفته، لأنني لا أفتقر إلا لغنى الله ولا أذل إلا لعزة الله ولا أخاف إلا من بيده ملكوت كل شيء.

وليس في كل هذا قلامة ظفر عند مخلوق مهما ظن بنفسه وظن بت الناس ، فلما مضى بنا الوقت آخذين بأطراف الأحاديث، وتعبت من كثرة الكلام. قلت لسيادته سأقبل الدعوة ولكنني لن أحضر ، فأجابني بأنه رضي القبول لعلمه بأنني سأفي بوعدي، وانصرفنا .

وكنت لا أتصور أن السادات سيخاطبني بالأسلوب الذي يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية توقير الكبير، وأنا في سن والده أو أزيد. ولكنه فعل ما ظن أنه يرضى غروره ، ولكن ساء فأله فما كنت لأسكت على ما قاله في مواجهتي كائنة ما كانت النتائج. ولكنه فوجئ بما لم يكن في حسبانه هو ولا في حسبان المحيطين بت الراضين باستعلائه عليهم.

وفى ليلية 28 رمضان من ذلك العام سافرت إلى الإسماعيلية في صحبة الأخوين الكريمين، الحاج مصطفي مشهور والدكتور عبد العظيم المطعني. وعندما وصلت إلى مكان الاجتماع جلست في آخر الصفوف ، وبعد دقائق جاءني المشرف على تنظيم الحفل وألح وأصر على أن أجلس في الصف الأول وقلت أن ذلك تكريما منهم لي فتفاءلت خيرا، ولعل هناك بدءا لتفاهم جديد، ولكن هذه الجلسة كانت لغرض كشفت عنه أحداث الحفل؛

فقد أجلسني منظم الحفل في الصف الأول على كرسي لو مددت منه خطا مستقيما لوجدته ينتهي عند الكرسي الذي يجلس عليه السادات في المنصة وكأنهم أرادوا بذلك أن أكون أقرب ما أكون من السادات عندما بدأ سيل اتهاماته المنهمر، يترامى من حولي شمالا وجنوبا ويسارا ويمينا، رجاء أن يصيب منى مقتلا.

تهم لي وللإخوان لا حصر لها بتخريب وعمالة وإثارة للطلبة والعمالة والفتنة الطائفية وكل ما في أجواء الخيال والانسجام مع الجو الشاعري الذي كنا نجلس فيهن بين أحضان حدائق الإسماعيلية الندية الوارفة الظلال.

تهم من النوع الذي اعتاد السادات أن يلقيها على كل من لا يرى فيه نابغة الزمان وباتعة العصر والأوان. وصاحب الهوى ما تعدى فالتهيؤات فسيحة الجنبات. وطال السباب وضاق الصدر ونفد الصبر واستثارتني عاطفة الحب للإخوان فقاطعته قائلا " إن هذا كلام يحتاج إلى ردود" فأجابني " لما أخلص كلامي رد كما تشاء" وظل سادرا في غلوائه.

وعاب الحاضرون في أنفسهم والذين سمعوه على أجنحة الأثير أنه كان في نهاية كل مقطع من كلامه يقول ط مش كده يا عمر؟ استنكر الشعب كله حتى بعض من كان معه أن يخاطبني باسمي مجردا، غير مراع في ذلك حرمة السن، ولا طهارة شهر الله ولا الصفة التي منحتني إياها الجامعة عندما أعطتني ليسانس الحقوق ، ولا حرمة المنصب الذي يشغله والذي يجب أن يزداد بكل لياقة وتهذيب ولكن العيار انفلت والبيه صهللت والخيال انفتح ولم يكن في كل عيب من العيب الذي يحلو له دائما أن يردده، وإني لأحمد الله عل أن أسلوبه لم يسؤنى كما أساءه ولم ينل منى كما نال منه ، أليس البغي مرتعه وخيم؟

وكان طوال مدة حديثي يشد الأنفاس الملهلبة من بيبته الأنيقة، حتى ظننت أنها تدانيه بكل ما أراد وتوحي إليه بما شاء من نسج الخيال ن كان الله في عوني وعونه.. عوني على الصبر ، وعونه على الابتداع وما أن انتهى من حديثه حتى وقفت أمام الكرسي الذي كنت اجلس عليه، ولم يكن أمامي مذياعا ولا مكبرا للصوت، ولم يكن في ذهني ردا معدا؛

ولكن لأن الله سبحانه يدافع عن الذين آمنوا وأسأله أن أكون من بينهم ، ألهم منظمي الحفل أن يأتوني بمكبر للصوت أتحدث من خلاله ولعلهم حرصوا من وراء ذلك أن يسمعوا العالم اعتذاري وأسفي وحسرتي على ما بدر منى ، فيبعث ذلك الراحة إلى صدره المثقل بعدوانه للإخوان المسلمين .

ولكن أراد عمرا وأراد الله خارجة فكان في تصرفهم ما أوضح للناس جميعا، أن من بين من في مصر من يقول للظالم لقد جرت وتعديت.. فندت كل التهم التي وجهها إلى وإلى الإخوان واحدة واحدة، بالدليل والبرهان وختمت ردى بالعبارات الآتية: " لو أن غيرك وجه إلى مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها ، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين . لقد آذيتني يا رجل وقد ألزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعت منك"

وأشهد صادقا أن البيبة ارتعشت بين شفتيه وقال "إنني لم أقصد الإساءة على الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين .. اسحب شكواك بقى " فأجبته بأنها رفعت إلى من لا أستطيع استرداد ما وضعته بين يديه.. وكانت أول مرة يخاطبني فيها بكلمة أستاذ ، طوال خطابه الممل الطويل وانتهى الاجتماع وأرسل لي في أعقابه فورا وزير الأوقاف الدكتور عبد المنعم النمر، والأستاذ منصور حسن وزير الثقافة والإعلام ، يبلغاني أمام من كان موجودا أن سيادة الرئيس لم يقصد الإساءة إلى وأنه سيحدد موعدا لمقابلتي.. هذا اللقاء الذي لم أطلبه في يوم من الأيام والذي زعم في خطاب 5 سبتمبر سنة 1981 أنني طلبته ورفض .

وياله من رجل يستطيع أن يقلب الحقائق في غير أثم ولا تحرج . ثم انصرف كل منا إلى شأنه ،وإني لأحمد الله ليل نهار على ما وفقني إليه من قول ، ما كان له سابقة إعداد في خاطري . إن ما حدث درس لي وعظة ، ذلك أنى ما مسست السادات بسوء طوال معارضتي له .

كنت موضوعيا صرفا، لا شأن لي بالشخصيات . وكان هذا إحساس نحوه حقا، لأننا في مدة حكمه أعدنا إصدار مجلة الدعوة في ثوبها القشيب ، وكنا نقيم الاحتفال في المناسبات الدينية وغيرها.

نقول فيها ما نشاء في جرأة ووضوح، لا نخشى فيما نقول إلا الله ، ولعلها كانت أمنية خاطئة فقد لقيت من السادات حسن ظني بت. ومن ذا الذي لا يخطى الظن وبعض الظن إثم.

هذه الوقائع التي ذكرتها على الصورة الموضحة آنفا، سجلها التليفزيون الذي وضعوا جهازه أمامي دون قصد منى، والذي سمعه العالم كله عن طريق التلفاز ويشهد بصحتها كل الحاضرين ،فمن المدهش أن يقول السادات مجترئا أنه واجهني بأخطاء الإخوان المسلمين ، ولم أستطع إنكار ما وجهه إلى ولم أتصور أنه سيتعرض لهذا الموقف على الشكل الذي صوره في خطاب 5 سبتمبر سنة 1981 ، وهى بعيدة كل البعد عما حدث في ذاك اللقاء.

ترى ماذا يقول المنصفون عن مثل هذه التزييف في الوقائع الثابتة كل الثبوت، بمختلف الأدلة والبراهين. ولكن على من نعتب؟ على من قلب الحق باطلا؟ وإذا لم يتحرج عن مثل هذا الأسلوب في أحاديثه مع الشعب، فما الذي يمنعه أن يقول ، وإذا لم يكن لك من نفسك واعظ لا تنفعك المواعظ، هل يمكن أن يكون في مخ الإنسان خليتان، إحداهما تعده لذكر الحقائق، والأخرى تهيؤه لغير ذلك؟ جايز.. فمن الناس من تحمله جبلته على ناحية، ومنهم من تحمله جبلته إلى اتجاه آخر.. حاجة تجن.. وسلامتكم جميعا من الجنون.

وإذا كانت الحقائق تروى على هذا الأسلوب ومن الرئيس المؤمن ، فعند من نلتمس الأمان؟ وإذا كان هذا هو الحرص على التزام جانب الصدق فيما يعلمه الملايين من البشر ، فما مدى الالتزام بالصدق في اللقاءات الجانبية أو الانفرادية أو الملحقات الخفية بالمعاهدات السلمية، والصداقات الحبية ، التي لا يعرفها إلا أقل القليل، أو لا يعرفها أحد؟

ومت تطارد الظنون والشكوك أحاديث مثل هذا الصنف من البشر؟ يا للهول يا أبا حجاج، وما كان لي أن أشغل أحدا بمثل هذا لولا أنه جزء من تاريخ هذا الوطن، حتى لا ينساه الأحياء أو تجهله الأجيال القادمة، وعلى مثل هذا النمط كانت تجرى الأمور في مصر.

ومن المحزن أن أعضاء مجلس الشعب والشورى يعرفون هذه الحقائق ولكن واحدا منهم لم يتفضل بتصحيح الوقائع وإلا دخل في باب السخرية ، إنهم صفقوا له تصفيقا حادا متواصلا وملحنا.

واعذرني إذا قلت أنني في عجب هائل من قدرة السادات، على إخراج اللقاءات والمقابلات والمفاوضات والواقعات، هذا الإخراج الذي يعجز عن الإتيان بمثله جهابذة المخرجين السينمائيين والمسرحيين إخراج محرف، لا صلة له بأي شيء مما حدث، الله إلا قبلنا قول من يقطف من القرآن جزءا من آية، ويقسم على أنها من القرآن وهى حقيقة من القرآن ولكنها سيقت تحريفا، كقول القائل " لا تقربوا الصلاة" أو " إني كفرت" وما إلى ذلك مما اعتاده المحرفون .

إنها مقدرة ولكنها ليست في الخير. أهي تكوين شاذ في طبيعة إنسان؟ أهي ضعف في الذاكرة ؟ أهي استهانة بعقول السامعين؟ أهي استهتار بالغ في التجني على الحقائق الواضحة؟ أهي متعة نفسية عند الخطيب أو المتحدث؟ أهي ثقة كاملة في عدم قدرة أحد للمجابهة بالحقيقة؟ أهي اعتماد على سرعة نسيان السامعين، لأن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا .. أهي رغبة في التعويض؟ أهي تنشئة يعرفها الناس عن أخرم؟ أهي إعجاب بالقدرة على الكلام.. أي كلام؟

أهي حب " لفقع " مرارة السامعين؟ أم هي إشعار للعالم الخارجي بأنه ليس في مصر ، من يستطيع أن ينكر ما يقول وما يفعل، والقول ما قالت حزام؟ أهي موهبة فائقة على الكلام عن الحرية ألفاظا وشعارات وبين القهر فعلا وواقعا ؟ أهي ارتداء لجلد التمساح بين صغار الأسماك من البلطي والشنار والشخرم؟ أم هي ما يقول الناس. زلا أرضى لنفسي أن أكتبه أو أقوله؟ الله ورسوله أعلم ولا أزيد.

ويقضى على المرء في أيام محنته أن يرى حسنا ما ليس بالحسن

وفوق كل ذي عقل عقيل. إذا أضفنا إلى هذا ما سبق ذكره عن لقائي بت في القناطر الخيرية، وما أفاض فيه من ثناء على وعلى الإخوان المسلمين، علم الناس إلى أي مدى يمكن تغيير الحقائق بلا حرج، ومهما تبطن تظهره الأيام.. إن مصر بلدة طيبة، ولها رب غفور.

وإن تعجب فعجب قدرة صحافة ذلك اليوم مهللة مكبرة خاشعة عاملة ناصبة ، إن الشعب كله قال نعم لكل ما أعلنه السادات من قرارات مصيرية حفاظا على وحدة الأمة. أليس فيما قاله السادات مخاصمة لفريق من الشعب؟ أليس المخاصمة لفريق للوحدة الوطنية؟ ألي في الشعب من يحب الإخوان، وفيه من يحب البابا شنوده، ولا يرضيهم ذلك السباب ؟ من إذا الذي يفرق الوحدة ؟ خصوم السادات أم السادات نفسه؟ "عجب عجب .. قطط بيض ولها ذنب" لقد بلغت القلوب الحناجر والله ولى الصابرين.

وتزيد هذه الصحف أن الإسكندرية سادتها موجة من الارتياح لخطاب الرئيس وقراراته ولماذا الإسكندرية بالذات؟ هل أصابت غيرها موجة من العم والغم والحزن.. وتصيدت تلك الصحف بعض الناس ليقولوا أنهم راضون كل الرضا عن قرارات سيادته.. هل كانت تظن هذه الصحف أنهم سيقولون لمندوبيها غير ذلك؟ ليه؟

هم مستغنون عن أرواحهم، وقد تعلموا الحكمة من رأس الذئب الطائرة.. ترى أكانت تلك الصحف تؤمن بصدق ما تكتب، أم أنها أخذت بالمثل العامي " إذا رأيت بلدا تعبد العجل فحش وارميله" لقد كان 3 سبتمبر سنة 1981 من أسود أيام مصر وأحزنها؛

فقد سادتها في ذلك اليوم رياح الوجود والتوجس والكآبة والقلق، وعمت المصائب وتلبد الفزع واكفهر القلق والهلع، حتى بلغ الأمر أن يقول الرجل للرجل " انج بنفسك سعد هلك سعيد" وهناك حكاية قديمة تقول إن عصابة سرقت ثمن جاموسة من فلاح مسكين وحكمت بإعدامه ، فلما تظلم أمام رئيس العصابة ، حكم بإلغاء الإعدام واحتفظ بنفسه وللعصابة بالمال المسروق .

فانصرف الفلاح ليصيح بأعلى صوته: فليحيا العدل. ولولا أن في وجوهنا ماء للحياء، لصحنا مع تلك الصحف ومنها لله فليحيا العدل .. عدل السادات الذي ملأت أبخرة أنفاسه صفحات الأهرام والأخبار والجمهورية وزعيط ومعيط ونطاط الحيط، ومن غاب عن وعيه بفتلة خيط.

وانتشرت إشاعة في مصر أن السادات، أمر بإصلاح الأماكن التي كان ينزل بها الحجاج في الطور، وقيل أنه حضرت فيها سرادب أنشئت بها زنازين إذا صدرت أحكام التحفظ على المتحفظ عليهم، رحلوا إلى الطور حيث يقضون سنوات الحكم القابلة للتجديد، حتى يعتدل مزاج السيد الرئيس وتسلطن العدالة في خياله وإلا فليبق من يبقى حتى يموت وشكر الله السادات أنه كان يطعمهم ويسقيهم هناك .

أتريدون رحمة "وروقان" مزاج ألطف وأرق من هذا المزاج؟ ولكن العبد في التفكير والرب في التدبير . وتقدرون فتضحك الأقدار ضحكا رهيبا يزلزل الأقدام، ولن يكون إلا ما شاء الله ، مهما اغتر البغاة بما خيل لهم أنهم على قدرة واقتدار أنه لا دخان بغير نار، ولا زمر بغير مزمار، ولا طبل بغير طار، ولا قيثارة بغير أوتار ، ولا عربية كارو بغير حمارين أو حمار، ولا جوزة بغير أحجار.

وحقيقة هذه الإشاعة أن السادات أمر فعلا بإجراء إصلاحات في الطور ذكرها بعض العمال والمهندسين الذين باشروا تلك العمليات بأنفسهم، أما الغرض الحقيقي من هذه الإصلاحات فقد ذهب مع السادات إلى مثواه الأخير وإن كان الأحياء المعنين بهذا الأمر يستطيعون ذكر الحقيقة لابتغاء وجه الله ، وإبراء لذمتهم.

أرأيت إلى أي حد بلغ الفزع والهلع بهذه الشعب، الذي ابتلى بمثل هذا الحاكم؟ لقد كان الناس معذورين في تصديق مثل تلك الشائعات، لهول ما رأوه من فظيع التصرفات.

ومن دعا الناس إلى ذمه
ذموه بالحق وبالباطل

وعلى نفسها جنت براقش. ماذا يقول الوزراء والنواب الذين سكتوا على تلك التصرفات؟ ثم نرى أى عذاب كان يلحق بالمتحفظ عليهم مع هذه الأساليب الأباليسية؟ لولا رحمة الله التي أدركتهم وفى الوقت المناسب. ترى هل يستطيع نصر رمضان الذي تتمايل أعطافهم عجبا بت وخيلاء والله أعلم بأسراره وخفاياه هل يستطيع هذا النصر أن يكفر عن هذا الروع الرهيب المريع؟

لو أتيح للواقفين على بواطن الأمور، ومجريات الأحداث أ يبحثوا عن الفتنة الطائفية المزعومة لعلم الناس على وجه القطع واليقين من أين جاء هذا الشعار؟ ومن هم صانعوه؟ ولماذا فكروا فيه ودبروه؟ وما هي الدوافع التي حملتهم على ذلك وضد دعاة الدعوة الإسلامية بالذات؟

إن رجل الشارع لم تخف عليه أهداف اصطناع تلك الفتنة المزعومة .. التي أرهبوا بها الشعب كله حتى تمر مخططات السادات مع إسرائيل والولايات المتحدة، في هذا الجو الرهيب والشعب يرى ويسمع بل إنه كان يخشى عنه أن يرى ويسمع لأنها جريمة في ظل حكم السادات وهكذا يصمت كل من ينكر هذا العبث بمقدرات هذا الشعب وإلا كان نصيبه التحفظ والاعتقال.

هذا إن نجا مما يجرى في معتقلات السادات، هكذا يفكر بعض الحكام في تثبيت حكمهم وما هي إلا معاول تحطيم تناول حكمهم من أعماق الحقائق فإني أخشى عليهم أخذة العزيز المقتدر الذي يمهل ولا يهمل حتى إذا أخذ لا يفلت من أخذه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ولا يعذب عذابه أحد وويل لهم من يوم التغابن .

8 سبتمبر سنة 1981

وسارت صحف 8 سبتمبر سنة 1981 في نفس الأسلوب الإرهابي "يا ودن طنى ، كل يوم خبر جديد" بشرتنا صحافة ذلك اليوم إن المنشورات التي ساهمت في إشعال الفتنة الطائفية قد كشف مصدرها. ولم تتحرج تلك الصحف من القول بأن مصدر هذه المنشورات، أستاذ جامعي ظل ثلاث سنوات كاملة يرسل إلى مشايخ الأزهر وبعض الشخصيات العامة هذه المنشورات .

نعم ثلاث سنوات لماذا صبرت جهات الأمن المسئولة ثلاث سنوات؟ المباحث وأمن الدولة والمخابرات العسكرية والأمن القومي.. أين كانت طوال هذه السنوات الثلاث الكاملة؟ إذا كان المتكلم مجنونا أو مخبولا ، فلابد وأن يكون السامع عاقلا ..

يا للسخرية بالعقول والافهام؟ وتضيف صحف ذلك اليوم، أنه ستعقد مؤتمرات شعبية في المحافظات لشرح أبعاد تلك القرارات الواردة في ذلك الخطاب، الذي أنقذ بت السادات ، الشعب منذ لك المصاب ؟

ولكنها لم تعقد إلى اليوم بل وأظنها لن تعقد لأن اليوم يخالف الأمس ن والذي كان شجاعا أو لأمس ذهبت شجاعته فلا يستطيع أن يتبجح وقد وهى ظهره الذي كان يحتمي بت، ثم ما الداعي لهذه المؤتمرات بعد أن اهتمت بدراسته دول العالم المتقدم والمتأخر؛

وارتاحت إليه ولماذا هذه المؤتمرات لشرح هذه الأبعاد " التورللى" ألم يقولوا أن 99.45% يؤيدون القرارات: أما أن الاستفتاء كان بعيدا عن التزوير والتهريج فلا داعي للمؤتمرات ، نشرح أبعادا أقرها الشعب ورضي عنها " عميانى" وأما أن الاستفتاء كان خافيا عليهم، وسواء أكان هذا أو ذاك فقد لطف الله بعباده الذين كانوا يساقون لتلك المؤتمرات سوقا، إما بملابسهم المدنية أو بإلباسهم ملابس يسترون وظيفتهم الرسمية وثوب الرياء يشف عما تحته.

كما حرصت تلك الصحف على أن تبعث الهدوء والاستقرار في نفوس الشعب القلق المتقلب على جسر التلفيق والاصطناع فإن السادات قد وضع الأمور في نصابها ولم تصف الصحف هذا النصاب الذي وضع السادات فيه الأمور. أهو نصاب الحق والعدل؟ أم هو نصاب فصل تفصيلا على قدر مقاسات تلك الأحداث.

كما أكدت تلك الصحف أن الفتنة الطائفية دخيلة على مصر .. الله أكبر ولله الحمد.. أليس ما قلناه وقررناه وأكدناه .. لا شك أنها دخيلة ومصطنعة في نفس الوقت.. هي أراحتنا تلك الصحف بذكر من أدخلها ومن اصطنعها؟يكاد المريب أن يقول خذوني.

ثم إذا كان الرئيس المؤمن قد وضع الأمور في نصابها، فلماذا إذا ، وإذا لماذا ، تعلق الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ ؟ قالوا السمك يخرج نار، قيل لهم كان البحر يطغيه قالوا إنه كلام لا تهتم بت ولا تخليه.. وإذا كانت الفتنة الطائفية دخيلة، فكيف رجال الأمن تسلل إلى داخل البلاد؟

أليس من مهمتهم المحافظة على الأمن الداخلي للوطن؟ أليس في هذا الكلام دليل على براءة المصريين ، مسلمين ومسيحيين من مثل هذا الاعوجاج في الفهم؟ ثم لماذا لجأ السادات إلى هذا الاعتقال الجماعي "بطال على عمال"؟ أليس الأصابع كلها إلا صباعا واحدا، يشير على الغرض من التهويل بتلك الفتنة المدعاة، وتخفى وراءها أمورا، ما عادت تخفى على أحد بعد أن انكشف الغطاء عن البنود السرية في معاهدة السلام؟ ألا يدهشك أن بعض من وردت أسماؤهم، في إشعال الفتنة الطائفية لم يعتقلوا ولم يتحفظ عليهم لماذا ؟

ومن ذا الذي يحميهم ما دامت الكلمة كلمة السادات والإدارة إراداته وهو غاضب عليهم بدليل ترك صحفه تنهش فيهم؟ يا له من عهد سعيد غير أنه لم يطل بت العمر المديد، ولئن أنكرنا على عهد جمال عبد الناصر مظالمه وبطشه فمن الإنصاف أن نقول كان يتحمل مسئوليتها في جرأة ، ولم يتنصل منها وكان يقوم عليها باسمه علانية أما الإجراءات المماثلة لها تماما، والتي اتخذت بدءا من 3 سبتمبر 1981؛

فما بعد فقد كانت تغلف في البرشام الاستثنائي، لتستر كل ظلم واجتراء على نغمة سيادة القانون وألحان احترام الدستور " يا ليل يا عين" ليقال أنها اتخذت باسم الشعب وشتان بين من يعمل العمل ويحمل مسئوليته وبين من يعمل نفس العمل متظاهرا بالحرص على الحرية وإكبار القانون وإجلال الدستور.

ثم لا تحزن إذا قرأت في صحف ذلك اليوم أن السيد حافظ بدوى رحمه الله عضو مجلس الشعب ير أنها قرارات دستورية وثورية وعادلة، وأمثاله كثيرون أو كلهم ذلك الرجل. نعم دستورية لأنها أجيزت برأي الشعب، في استفتاء رائه نظيف؟ رحم الله من مات وغفر لمن بقى على قيد الحياة، والمؤمن لا يحمل لهم حقدا، ولكنه يحزن عليهم، ويأسى من أجلهم.

لما ذهب عمر بن الخطاب إلى الشام، أتوه براهب متقهل أي مرهق من طول ما تعبد فبكى عمر فسئل عن سبب بكائه فقال له لقد أراد هذا أمرا ولكنه ضل الطريق.. إن المؤمن لا يكره ولا يحقد ولكنه يأسى ويأسف ولا يرضى ولا يحب.

9 سبتمبر سنة 1981

ويستمر اختلاق المؤامرات والاتفاقات الجنائية، تبريرا لما حصل، فتقول صحف 9 سبتمبر 1981 بأنه قبض على تنظيم سرى في الإسكندرية ، يعمل لحساب دول الرفض وأن التقارير والأدلة تؤكد عمليات التمويل الخارجي.

ثم لا يعلم أحد عما تم بخصوص هذا التنظيم السري الاسكندرانى، هل قدم أفراده إلى النيابة؟ هل حققت معهم؟ هل قدمتهم للقضاء؟ هل حكم بإدانتهم أو براءتهم؟ لا شيء بالمرة عن ذلك ، وحسب ذلك العهد أن يقبض على معارضين بلا دليل، ويظلون في السجون بين إرهاب وتعذيب، ثم يفرج عنهم بعد عام أو عامين ذاقوا فيه الأمرين، وكان الله بالسر عليما.

إن شباب الإسكندرية كان فعلا يتوقد حماسا لدينه، وكان دائم السخط على مظاهر الفساد والانحلال، ولهذه حظيت الإسكندرية بقسط كبير من اهتمام ذلك العهد العظيم وإذا كان الوفديون خصوما لذلك العهد ، وكذلك الشيوعيون والناصريون وحزب العمل والإخوان المسلمون والجماعات الدينية، مسلمة ومسيحية ، إذا كان هؤلاء خصوما للسادات، فمن بقى معه؛

وكيف جاءت نتيجة الاستفتاء على إجراءات ظلمه وطغيانه 99,45% ألا تبدو الطبخة " مزبوطة" والتلفيق سقيم؟ أليس القذافى وحافظ الأسد وصدام حسين يشتطون بدورهم في إيذاء الإخوان ومطاردتهم؟ فكيف يمولونهم ؟ اللهم رفقا بالعقول.. أنا هنا لا أدافع عن موقف دول الرفض كلا لا يقال كما قيل من قبل أنني استعديهم على مصر.

ولكن العجب أن أمر هذا التنظيم لم يكتشف، إلا مع هذه الإجراءات التي يحاولون كل يوم تصديع رؤوس الشعب بها، ترى هل صرف النظر عن ذلك التنظيم الذي حارت البرية فيه؟ من يدرى ؟ هل علمت أن رئيس تحرير الأهرام في ذلك اليوم أوتى من الشجاعة النادرة ما مكنه من أن ينتقد السادات؟ أتدرى فيما انتقده ؟ انتقد السادات لأنه تأخر في اتخاذ تلك الإجراءات ؟

عفارم عليك، هل رأيت آدميا يستعجل إنزال الشر بمواطنيه كما فعل هذا الرئيس لتحرير الأهرام؟ لقد سبقهم من قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا صخورا أو أحجارا وألوانا من العذاب.. ولكن ماذا نملك لصحفيين أرادوا لأنفسهم ما لا يرضاه لهم أحد. ولكن ما لنا وما لهم ، هل نحن أعلم منهم بمصالحهم ؟أم نحن نضع أنوفنا فيما ليس من شأننا؟

وفى نفس التاريخ وفى جريدة الأهرام، يقول مدير إذاعة القرآن الكريم إن قرارات السادات، كانت ضرورية لإعادة الوحدة الوطنية.. ما هي جنازة وكل واحد يريد أن يستوفى نصيبه فيها من اللطم.

ولما تقع البقرة تكثر السكاكين ولكنها سكاكين متلمة تقتل مستعمليها قبل أن تؤثر في ضحاياها. من كان يظن أن مدير إذاعة القرآن يقول هذا الهراء الذي ينهاه عنه القرآن الكريم؟ هل في القرآن الذي يتولى إدارة إذاعته أن تزر وازرة وزر أخرى ؟ هذا إن كان هناك وزر؟ هل في القرآن الذي يتولى إدارة إذاعته انتهاك الحرمات دون دليل ؟ أيها الناس لماذا تضعون أنفسكم هذا الوضع المشين؟

والله إنه لأعز علينا أن تكونوا كذلك.. إذا كان القوى القادر الذي لا راد لمشيئته يقول للمفسدين المنحرفين " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" فكيف تجمع بين إدارتك لإذاعة القرآن الكريم وبين تعاليم هذا الكتاب العظيم؟ كان الله في عونك.. هل يبيح القرآن الذي تذيعه أن من حق الحاكم أن يصف الناس بأنهم كلاب وسفلة وأراذل، دونهم أراذل بني إسرائيل وترى سيادتك أن إجراءاته كانت ضرورية؟ يا لك من مدير ضرير ، تستحق الشيء الكثير..

هل في القرآن الذي تتولى إدارة إذاعته أنه مباح لأحد أن يتدخل بين فريقين متخاصمين ليحرض أحدهما على الآخر، أم يكون التدخل لإصلاح ذات البين؟ عجيب والله أمر هذا المدير، الذي يستعدى الحاكم الظالم على المظلومين؟ ألا يعلم هذا السيد المدير أن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، وحكم وقضاء، وعدل وإنصاف، ونصفه ولا إجحاف؟ أم أنه مشايع للقائلين بألا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟

ماذا نقول لهذا السيد المفضال الذي ينهاه دينه عن إفساد ذات البين، لأنها الحالقة التي تحلق الدين لا الشعر؟ هل طلب منه أن يتدخل في هذا العدوان؟ أنه يتدخل ليسمع عنه السادات، وفى ذلك ما فيه من الفائدة الزلفى؟ ألم يعلم بالمثل العامي القائل " طلب الغنى شفقة، كسر الفقير زيره" لماذا كل هذا، وأضعف الإيمان أن يصمت في وقت الفتنة؟

إن من التهم الموجهة إلى المتحفظ عليهم يا سيادة المدير الهمام، الذي إذا قعد قام، وإذا تحدث رص الكلام، أن من بين تلك التهم أن فلانا ترافع في قضية كذا، وأن هذا ألقى محاضرة في الحرية يوم كذا وأن ذاك عارض معاهدة السلام وهى الجريمة الكبرى، عند ما يحرقون البخور بين يديه، أما كان من واجبه أن يسأل الحاكم لماذا سكت عما اعتبره جرائم منذ سنوات؟

هل من المتعارف عليه بين كل ذي فهم وبصرية أن يبادر المسئول إلى قطع دابر الجريمة حين وقوعها؟ أم أنه يسكت عنها حتى إذا هم بشيء فتش في دفاتره القديمة، وأخرج منها ما ليس بجريمة ليجعله جريمة.؟ لقد سكت السادات عن كل ما ادعاه في 5 سبتمبر 1981 سنوات طويلة فلما عن له أن يبطش بخصومه لأسباب لا تخفى على أحد أرغى وأزبد، وهاج وهدد وكال التهم كيل المطففين " الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون"

إن أمامك يوم لا ينفعك حاكم ولا سلطان ولا تقرب ولا قربان " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه " يوم يقول المفرطون المتحسرون " يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " "وإن تلك مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين"

إنك ومن نحا نحوك لكم يوم تصفر منه الأنامل، والظريف في هذه الكارثة أن كتابنا الأمثل، وصحفيينا الأجلاء، قطعت أقلامهم بأنه لا يوجد في مصر معارض واحد لما فعله السادات فلماذا أعلنت الأحكام العرفية، وكل الأشياء والعملاء والسفهاء والبذءاء قد أودعوا المعتقلات ، اللهم أنه لا تضل الأقلام ولكن تضل الأصابع الملتصقة بالكفوف التي تناول ما فوق الرفوف من خفايا وظروف.

لماذا يشتط خصوم الإخوان في محاربتهم دون غيرهم ؟ لماذا هذا اللدد في العداء؟ إننا لا ننافس أحدا حكما ولا رئاسة ولا وظيفة ولا زعامة. نحن لا نطالب الأغنياء بالتخلي عن ثرواتهم بل العكس هو الصحيح .

إننا نطالب المسئولين أن يوفروا دواعي الألفة والمودة فيما بينهم وبين شعوبهم، وإذا سلمنا لهم جدلا بأننا نسعى لإحداث انقلاب، فقد يكون لنعدل المقلوب إلى وضعه الصحيح السليم، حتى تنظيم شئون الحكم، ويحدث التدعيم والاستقرار لهم ولشعوبهم، ونقول للأغنياء بارك الله لكم فيما رزقكم وزادكم بسطة في الرزق ودعوا الفقراء من جيرانكم ومعارفكم يحسون بعطفكم عليهم ومعاونتهم إذا ما قسا وجه الحياة.

إن هذا يحفظ عليكم ثراءكم وينميه وتجدون معهم عونا راضيا إذا استعنتم بهم بعد الله سبحانه. إننا لا نضمر للعالم الخارجي شرا ولا نريد أن نحتل مكاننا في الصعيد العالمي على حسابهم. إننا ندعو لهم أن يبارك له فيما رزقهم، ما تركونا نسعى سعيا لنعمر أوطاننا.

إننا لا نريد استعباد أحد إذا قوينا ، فديننا يحرم علينا هذا ، إننا نريد أن نتبادل وإياهم المعاملات المتساوية الأطراف، وأن نتبادل معهم المعلومات والكشف والاختراع وأن يعين الواجد الفاقد، إذا كان هذا واقعنا وهم يعلمون حقيقته تماما، فلماذااهذا الإصرار على الكيد لنا، والتآمر علينا؟ حاولت جاهدا أن أجد اسبابا لنقمتهم علينا، فلم أجد إلا سببا واحدا، هو كراهية هؤلاء وأولئك للإسلام والمسلمين .

وإذا رأوني أطال الله حسرتهم
عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم

وهذا ما لا حيلة لنا فى إنقاذهم منه، مهما طالت بنا المحاولات فى هذا السبيل . إنهم لا يحاربوننا وأشخاصنا ولكنهم يحاربون فينا دعوة الله، ولكن جند الله هم الغالبون بإذن الله " إن ينصركم الله فلا غالب لكم" .

رأيت الله أكبر كل شيء
محاولة وأكثرهم جنودا

وإنها لحرب من طرف واحد، وهم فيها الخاسرون بإذن الله " ولله جنود السموات والأرض" ونحن بذلك مؤمنون. فأين هم من جنود العزيز المنتقم الجبار؟ إذا أيقن المسلمون شعوبا وحكاما بهذا ، واطمأنت بت قلوبهم فليس أمامها إلا العمل الشاق الدائب، يفتحون بت أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا مغلقة وهمما فاترة وإذكاء غيرة قاربت الذبول " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين".

10 سبتمبر سنة 1981

وتأتينا صحف 10 سبتمبر 1981 بنبأ غريب فى إحدى خطب السادات، ذلك أن هناك شريطين أعدا للإذاعة، عند وصوله إلى واشنطن، ولكن الشريطين لم يصلا، وتحدث عنهما السادات فى خطابه بالأمس.

فتساءل كيف اختفى الشريطان؟ وكيف ظهر بعد ذلك أنهم فى حوزة السادات؟ ما معنى هذا ؟ ومن يدلنا على السر فيه؟ أما أنا فليس عندي من إجابة ، إذ لا يخطر على بالى أن يحدث مثل ذلك وفى تلك الأوساط بالذات.. ولكنه حصل وسبحان علام الغيوب ..

لقد أعلن عن هذين الشريطين وفى اجتماع عام، على أنه مفخرة من مفاخر الحكم.. كم تتغير القيم.. وكم تتعثر المثل؟ وكم يصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا .. ولكنه ذلك العهد، وليس على الله بمستنكر ، أن يرى الناس ما لم يتوقعوا رؤيته، وأن يسمعوا ما لا يترقبون سماعه، يا له من عهد راجت فيه بضاعة العجائب مع التصفيق والتهليل .

وزادت صحافة ذلك اليوم أن السادات صرح فى حديث مع صحافة العالم، أن مصر تفخر بديمقراطيتها واستقرارها شيء جميل ونتمناه من كل قلوبنا ، ولكن هذا هوا لواقع حقا وصدقا؟ إذا ما هذا الرعب الذى يعيش فيه المصريون؟ وهذه الأحكام العرفية.. ما بالها، وما واقعها؟

لماذا اعلنت وطبقت فى عنف رهيب؟ إذا استوفت الديمقراطية ومقوماتها، وسعدت الأحوال باستقرارها ولم يعد بها حاجة إلى قوانين استثنائية وإجراءات تعسفية، فهل أعلنت لغير حماية الديمقراطية وحماية الاستقرار؟ هل أعلنت لأسباب أخرى؟ ترى ما هي الأسباب ؟ الجواب على ألسنة الشعب، وليس بخاف على من يضع على عينيه وأذنيه ستارا، حتى لا يرى ولا يسمع.

وإذا كان نظام الحكم أقوى من كل تطرف، فلماذا لا يترك الأمور تسير سيرها العادي، ولماذا يلجأ إلى الاستثناء؟ يا لها من حيرة بين الدردشة والادعاء، وبين الواقع المرير فى تلك الأيام المذكورة.

ولعل ما يلفت النظر فى صحف ذلك اليوم أن السادات نسب تهما معينة ومحددة ضد من تحفظ عليهم أو اعتقلهم، ولكنه لم يستطع أن ينسب إلى الإخوان المسلمين على وجه التحديد، أية تهمة محددة معينة، وكل ما قاله عنهم حواديت فى حواديت، كحواديت الشاطر حسن وأمي الغولة والبردويل بن راشد، كلاما عائما مايعا غير مستساغ .. تخريب ..ماذا؟ إرهاب.. إرهاب من ؟ عمالة .. عمالة لحساب من؟ إثارة .. إثارة لمن؟

فتن ، فتن لأي غرض، ولا شيء غير ذلك، أليس أعلى الأشياء صوتا، أفرغها باطنا، كالطبل الأجوف، والحقيقة أن كل ما حدث لم يكن الغرض منه إلا ضرب الإخوان المسلمين ، ضربة يخفونها تحت ستار القبض على السياسيين والصحفيين والإذاعيين والجامعيين والمسيحيين ، فإذا تم ما بيت له ضد الإخوان أفرج عن الآخرين ولو بعد حين.

ولكنه أمل لم ولن يتحقق، لا لقوة الإخوان المسلمين، ولكن لأن عين الله لا تغفل ولا تنام. إن الإخوان المسلمين كانوا أو لا يزالون وسيظلون بفضل الله شجي فى حلوق أعداء الإسلام، أيا كان اسمهم ووصفهم ووضعهم.

إن الله الذى أفسد على المبطلين كل محاولتهم فى القضاء على الإخوان، هو الله الذى يسبغ عليهم حمايته وستره ومما يقرب هذا المعنى إلى الذهب، أن المحقق الاشتراكي كان من بين ما اتهمني بت أنني أقول إن أمريكا وروسيا أعداء الإسلام والمسلمين .

وأدهشني هذا الاتهام حقا، لأنني ما كنت أعرف أن مصر السادات كانت حريصة على مشاعر أمريكا وروسيا إلى هذا الحد، الذى تعاقب المواطنين من أجله. ويسألني مرة أخرى عن اتهامي بالمطالبة بعودة الخلافة الإسلامية معللا هذا بأن عودة الخلافة الإسلامية تحمل الإطاحة بالنظام القائم..

وكان جوابي أن كل ما تدعيه الإشتراكية من رفض استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وتكافؤ الفرص وإزالة الفوارق الآدمية، كل ذلك وما إليه مستمد من تعاليم الإسلام العالية الرفيعة ويمتاز على ذلك كله بالرقابة الإلهية التي لا تخفى عليها خافية، إن الاشتراكي إذا ما أراد تحقيق مصلحة شخصية، تتعارض مع مبادئه الإشتراكية، فإنه يحققها مرتاحا هادئا، ما دام يأمن عدم وصول يد القانون إليه.

وهنا يتمير المسلم عن غيره، بأن عين الله ناظرة إليه دائما، فى خفائه وعلانيته فأين يذهب من هذه الرقابة الشاملة الدائمة، المحيطة بكل حركاته وسكناته. هذه تهمة من التهم التي بسببها وضعوني وغيري تحت التحفظ.

وكم يسعدنا هذا الاتهام، وإن كنا لا نرحب بلقاء المتاعب، فعافية الله أوسع لنا. إنني ما استعديت الله عليهم ولو فى أشد ساعات الضيق. ولكنى أطلب لنفسى ولهم الهداية من الله دائما وأبدا وإمعانا فى العجب تكتب صحف ذلك اليوم أن جميع الهيئات والجهات تؤيد الرئيس فى قراراته.

طيب الهيئات عرفناها ولكن ما هي الجهات التي سارعت إلى التأييد؟ أهي الشمال والجنوب والشرق والغرب؟ وما دخل هذه الجهات فى التأييد أوالمعارضة؟ أهي تنعم بدورها بحكم السادات ؟

وهل امتد هيله وهيلمانه إلى هناك؟ جايز.. وحتى تسمية الأسود بالأبيض جائز فى حكم السادات.. وكم هو محزن وكئيب أن يكتب عن مصري أنه يفرح لسلب الحرية وتضييق الخناق على مصري مثله.. وكم كان يجب إخفاء هذا حتى ولو كان صحيحا.

والمرزى المخجل أن تكتب صحف ذلك اليوم أن المسلمين والمسيحيين كتبوا تأييدهم لعسف السادات بإخوانهم المصريين بدمائهم، فى محافظة الفيوم. أى والله بدمائهم التي كان يجب الاحتفاظ بها إبقاء على الحياء ودفاعا عنه.. وما له أهي هيصة وطالما سمعنا من بعض المسخرين، أنهم يفتدون السادات بالروح والدم حتى إذا ما دعا داعي الجد الصحيح كانوا أرشق الناس سيقانا فى الفرار، وكانت قلوبهم أكثر ارتعاشا من جناحي صغير يحلق فى الفضاء هروبا من النسور والصقور. ولكن طالب القوت ما تعدى، وحاطب الليل عما قليل يتردى.

ولأقدم دليلا واحدا على فهم السادات فى إدارة أمور الشعب، سأله صحفي أمريكي:

هل استأذنت ريجان فيما اتخذته من إجراءات؟ فى السؤال اجتراء ووقاحة أو علم بكيفية سير الأمور؟ وكنا ننتظر أن يطرده السادات من مجلسه أو يخرجه من مصر، وله العذر . ولكن السادات أجاب بما كشف عن دخيلته فى معاملة المصريين.
كان الجواب: لو كنت مصريا لضربتك بالرصاص. طبعا وهل ترخص عند السادات إلا دماء المصريين .. هذه صورة يقدمها السادات عن نفسه بنفسه، ولم يوصرها له أحد.. أسلوب السادات فى معاملة من يسيء إليه أن يضربه بالرصاص، إذا فشكرا له أن اكتفى بالتحفظ علينا دون ضربنا بالرصاص.

وقالوا لجحا امرأة أبيك ستقتلك. فقال مجنونة وتعملها. هذا أسلوب حكم السادات، الويل وسواد الليل لمن يعارض سيادته، ويضيف إلى تناقضاته أنه لن يتحفظ على الأنبا شنودة، ويكتفي بوضعه فى الدير بوادي النطرون هل هناك خيار وفقوس وإن كنا لا نتمنى لنيافته أى لون من ألوان الشر والإيذاء قول عجيب وتصرف أعجب..

وإذا كان التوتر قد لامس أعصاب الشباب عقب هزيمة 1967 فقد حدث مثله عند الشباب الأوربي عقب الحرب العالمية الثانية فهل عاملت حكوماتها شبابها، كما عامل السادات الشباب فى مصر؟ لقد مر على مصر عيد، ويا له من عيد، جعلته أفاعل السادات موحشا يملؤه التوجس وترقب الكوارث والفجيعة.

ذهبت تنهدات بكل ابتسامات وسالت دموع الحزب والمرارة وظللت أيامه الباسمة سحب الرعب والفزع فما تزاور الناس ولا ملأ صوت الأطفال البرئية جنبات الوادي كما تعود الناس وشغلت الدواهي عن كل ما عداها.

وكيف يفرح الصغار وأبوهم أو أمهم رهن التحفظ ، وكيف يتزاور الناس وفى أعقاب كل تجمع حبس أو اعتقال ، وكيف يرتدون الجديد من الثياب وقد ضاعت كل تجمع حبس أو اعتقال ، وكيف يرتدون الجدي من الثياب وقد ضاعت منهم كل مظاهر الحب والحنان.

ما كان العمل السري يوما هذا إن وجد مبررا للظلم أو سببا للحرمان. لو أن حكم السادات عنى بإيجاد سياسة حكيمة عاقلة عادلة، فى كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية التعبدية، لما وجد لشعار فصل الدين عن السياسة مجالا فى تلك الشعارات الباهتة فرب الدين أعلم بمصالح خلقه وصناعته، تماما كما يعلم مخترع الطائرة ما يصلحها وما يعطلها ولله المثل الأعلى، إذ ليس كمثله شيء.

فنظامه الذى اختاره لكل نشاط البشر هو الذى يجب النزول على حكمه من الجميع حكاما ومحكومين ، طاعة واقتناعا وتنفيذا وما قال الإخوان المسلمون شيئا غير هذا فى كل ما كتبوه أو قالوه أو فعلوه؟ فأين إذا ما زعموه من تخريب وإرهاب وإرغام للناس على الأخذ بهذا الخير الوفير؟إنه لو بقى مسلم واحد على وجه الأرض يدعو إلى الله، وكانت السموات والأرض رتقا عليه من كل مكان، لفتق الله عليه أرجاء الكون كله حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولو كره المفسدون .

ويقولون لماذا يتمسك الإخوان المسلمون ، باسم الإخوان المسلمين ؟ أهم يعملون لله أم للإخوان ؟ لماذا لا يتخلون عن هذا الاسم إلى أى اسم آخر؟ والجواب غاية فى البساطة والوضوح، فالذين بادروا بالاستجابة إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماهم الله فى كتابه بالسابقين.

وظل هذا الاسم تشريفا لهم فى القرآن نتلوه كل يوم، جزاء لهم على مبادرتهم إلى الاستجابة.. " والسابقون السابقون" ثم الذين أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورغم ذلك فقد صنفهم القرآن الذى نصلى بآياته فمنهم المهاجرون ومنهم الأنصار ومنهم الأعراب " ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله .."

ورغم هذه الصفات لم يخدش ذلك من إيمانهم شيئا، فكلهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصروه وجاهدوا معه، وبقيت الأسماء معالم على طريق الإيمان من ذلك اليوم حتى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يقل أحد أن المهاجر كان يعمل للمهاجرين، ولا الأنصاري كان يعمل لحساب الأنصار، بل الكل يعمل للإسلام فلماذا إذا يعجبون من تمسكنا باسم الإخوان المسلمين ويريدون منا تغيير ويلحون فى ذلك إلحاحا شديدا.

ولو رضي واحد من أفراد هذه الجماعة، فلن يكون فى صفوفها حتى ولو كان أعمق منهم يقينا. ولما فصلت الجماعة بعض أفرادها، قال مرشدها الأستاذ الهضيبى رضوان الله عليه، إننا لم نفصلهم طعنا فى دينهم، ولكن لأنهم خالفوا بعض نظم الجماعة التي لن يستوي صفها إلا بالذين يلتزمون نظمها. فلماذا المطالبة بتغيير الاسم؟؟

إنها رغبة دونها خرط القتاد وبرك العماد، لا تعصبا ولا جريا وراء شعارات تافهة, ولا تعاليا على مسلم فى الأرض ولا استئثارا برحمة الله دون غيرهم من المسلمين ، ولكن الأسباب قدرناها فالتزمناها وثبت عندنا مفعولها فاعتنقناها وآتت ثمرها فارتضيناها:

أولا: أصبح اسم " الإخوان المسلمون" مدرسة يتتلمذ فى معاهدها الدعاة العاملون المخلصون المجاهدون.
ثانيا: أصبحت دعوة عالمية، فى مشارق الأرض ومغاربها ، فلو تخلى عنها فى بلد لم يتخل عنها الآخرون فى بلد آخر، وبذلك يصبح تغيير الاسم مدعاة لتمزيق وحدة الصف، وهذا ما لا يرضاه واحد من الإخوان المسلمين لجماعته النقية البرئية. فالتمسك بالاسم خير من المشاحنة عند تغييره.
ثالثا: إ هذا الاسم أغلى علينا من حياتنا، لأن العاملين تحت رايته رووه بالنصب والتعب والاحتساب والاحتمال، والدماء الزكية التي سالت فى سبيل الله استشهادا فمن التنكر للشهداء الأبرار أن نتخلى عن اسم سجلوه فى صفحات الجهاد بدمائهم الطاهرة.
رابعا: الآثار الباهرة التي رسخها ونم هذا الاسم العزيز فى قلوب الشباب الطاهرين، كيف نرضى وببساطة بلهاء، أن تزعزع روعته فى نفوسهم يوم أن دعوناهم إليه فاستجابوا مخلصين عاملين ابتغاء وجه الله العلى الكبير الذى عرفوا الطريق إليه من تضحيات هذه الجماعة.
خامسا: ماذا نقول لإمامنا الشهيد حسن البنا، وقد ضحى بحياته فى سبيل الله استمساكا بهذا المعنى الرفيع، إنها لزلزلة فى جذور هذه الدعوة التي بايعنا الله على الوفاء وأشهدناه على صدقنا فيما بايعنا " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه" ونكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
سادسا: لقد خضنا المعامع أوفياء محتسبين ضد الطغيان بأشكاله المختلفة، وضد الخروج على تعاليم الكتاب، تحت راية هذا الاسم النبيل، فسعدنا وأسعدنا فلماذا نرضى باسم غيره، ونحن نحن بذواتنا وفهمنا، هنا أو هناك؟ لا مبرر إلا كراهية أعداء الإخوان لهذا الاسم، الذى أيقظ الوعي السليم فى نفوس المسلمين ، هذا الاسم إلى يكره المستعمرين عسكريا وفكريا واقتصاديا لبلاد المسلمين؛
وما دام هذا الاسم نكدا على أعداء الله الذين يكرهون عودة المسلمين إلى سالف عزهم ومجدهم، وغصة فى حلوقهم، وزعزعة فى تخطيطاتهم، وهلعا على مصالحهم وفزعا فى نومهم ويقظهم، هذا ونحن مسالمون فكيف بت رعدا و برقا حين يضعون أصابعهم فى آذانهم حذر الموت، إذا بلغ الطغيان حد الانفجار وهدر الدوى الرعيب على أية صورة من الصور، ولن نكون حن حينذاك المعتدين.
سابعا: لقد كان هذا الاسم، بفضل الله ومنته، دفعة لمد إسلامي جليل ، طال اشتياق المسلمين إليه منذ قرون طوال، وها قد أخذ الوعي يثمر ويغذى ويثرى ، وأصبح منارا يهتدي بضيائه الحائرون ، فهل نطفئ هذا المنار،حتى يظل الحيارى فى بيدائهم تائهون؟ إنا إذا لعابثون، كلا بل إنا إذا لمفسدون.
ثامنا: إذا رضينا ولن نرضى بالتخلي عن الاسم الذى عرف واشتهر بالصمود ضد ألاعيب المبطلين، ووضعت له النظم والتشكيلات، ألسنا فى حاجة إلى أن نبدأ من جديد، فى وضع النظم وتعريف الناس، على ما استحدثناه من حدث، الله أعلم بدقته وصلاحيته، إنه إذا لحدث أقذر من الحدثين الأصغر والأكبر، إنه حدث النتن المتصاعد من الجيف المبتذلة فى أكوام النفايات والقاذورات.
تاسعا: من يضمن للإسم الجديد، ما تحقق لإسم الإخوان المسلمين من شموخ وذياع صيت وحسن أحدوثة فى الخافقين . وإذا كنا نقر التقصير فى حق دعوة الإخوان المسلمين ولا نعطيها كل ما يجب أن يعطيه المخلصون لأثمن ما على وجه الأرض . فكيف بحالنا مع الاسم الجديد؟ إنا إذا لمفلسون.
عاشرا: من لنا ملهم أستاذ للأجيال ، بعد الإمام الشهيد وخليفته الهضيبى رضوان الله عليهما، ينشىء ويربى ويرشد ويخطط وينفذ؟ من لنا يضع الأسس، وينشر الرسائل، ويوضح الطريق ويجمع الناس على الكتاب والسنة فى نفس الدأب والإخلاص والوفاء..
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع

12 سبتمبر سنة 1981

هيا بنا لنعود إلى صحف 12 سبتمبر 1981 ، لنتابع أحداث تلك الأيام المنكورة ذات المتاعب والمرهقات. قال صحف ذلك اليوم التعيس الأنكد، إن نتائج الاستفتاء الشعبي، على إجراءات السيد الرئيس السادات تشير على إجماع كامل على تأييد القرارات .. إنهم لا يتورعون عن كتابة المغالطات المكشوفة .. تأييد كامل ؟ هكذا بلا استحياء .. أين أنين آباء وأبناء، وأمهات وزوجات وأخوات، وأعمام وعمات وأخوال وخالات ، وأقارب وأصهار وأصدقاء المقبوض عليهم..

هل دخلوا بدورهم فى هذا التأييد الكامل .. ولماذا لا يدخلون وقد خفف عنهم السادات أعباء الإنفاق على هؤلاء الأشقياء، على رب العائلة الذى أعطاه الله من قدرة الإنجاب ما جعله أبا لعائلة تعدادها خمس وأربعون مليون نسمة؟ يا قوة الله.. ليه؟ أبونا آدم أو سيدنا نوح؟ يا لون الخجل أين ذهبت صفرتك المقيتة المعناه.

وإذا كانوا لم يدخلوا فى هذا التأييد فكيف يكون هذا التأييد التاريخي كاملا؟ يا للجرأة وقد خلا الميدان لأولئك الصحفيين الصادقين؟ ويا للعدالة وقد حرم المعتدى عليهم من عرض قضيتهم فى ذلك الاستفتاء الغبي الظريف.. ولا مانع أن يكون بعض الأغبياء المتلعثمين ظريفا .

فقد كان باهلة الأعرابي من ها النوع. عندما اشترى عنزا من السوق ووضعها على عاتقة وأمسك بيمناه ساقيها، ويسراه ساق المؤخرة كلا لا تفر منه، وصادفه مشاغب فى الطريق فسأله بكم اشتريت العنزة يا باهلة، وكان قد اشتراها بأحد عشر درهما ولغبائه لم يستطع الرد كلاما ففرد أصابع يديه الاثنين وأخرج معهما لسانه ليكون العدد أحد عشر، وترتب على ذلك أن قفزت العنز وضاعت بين الأعشاب.

وهكذا ضاع هذا التأييد الكامل يوم المنصة.. إنها شجاعة ذلك العهد وعدالته وصحفه وصحفيوه، وليس بمستنكر أن يجتمع البلاء كله فى واحد.. يا مصر من وطن يسيء غليه بعض أبنائه ، بأكثر مما يسيء بت خصومه وأعداؤه .

ألم يقولوا فى الأمثال عدو عاقل خير من صديق جاهل ، ثم لا تعجب إذا تمت السخرية بما قالوه من أن رجال الدين من أمثال شيخ الأزهر ووزير الأوقاف والأب صمويل ، كانوا داخل لجان الاستفتاء يؤيدون كل من تلك الأحداث، وكل ما أبيح لنفسى أن أقوله عنهم فى ذلك المقام " إن الله حليم ستار"

وكان مما جاء فى صحف ذلك اليوم، إيجاد هيئات جديدة لا لتخفف من آثار الإجراءات الجائرة كما يظن الناس ولكن هيئات شكلت لتغطى المظالم وتضفى عليها صفة الشرعية فى تكميم الأفواه إلى حد البكم، وخنق الحريات إلى حد الحشرجة، وانحناء الهامات حتى تبلغ حد الركوع لغر خالقها، وتنطلق فيالق الهتافة وألوية المصفقين إلى امتصاص دماء الفقراء بلا حدود، الأمرالذى أراد الله كشفه عن طريق محاكم القيم التي اخترعها منشئها لتكون سيفا على رقاب خصومه ومعارضيه، فجعلها الله نقمة على أقاربه وأنصاره ومحبيه وهكذا يقدر الناس فتضحك الأقدار.

فاللجنة العليا للوحدة الوطنية تبدأ مهمتها.. متى أنشئت؟ دكاكيني أم بقانون؟ أين هذا القانون ومتى صدر ؟ وما هي مهمة هذه اللجنة العليا أو الوطيا؟ ومن أعضاؤها؟ ثم يتفضل السيد رئيس مجلس الشعب بمطالبة وزير الأوقاف بالإشراف على المساجد.

ما هذه الاهانات لرجال الدين الاسلامى؟ ولماذا يتقبلونها دون انتعاض .. هل وزير الأوقاف لا يعرف مهمته كوزير؟ ومن الذى يكلفه بهذا ؟ رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أم رئيس مجلس الشعب؟ ما بال الأمور تشابكت (وتلخبطت) وما بال المسئوليات تداخلت؟ ما هذه الهيصة التي ما لها من قتيل؟

هل كان وزير الأوقاف مقصرا فى إشرافه على دور العبادة، إلى أن يأمره بهذا رئيس مجلس الشعب، الذى لم يتنبه بدوره إلى هذا التقصير إلا بعد أن تحدث رئيس الجمهورية عن الفتنة الطائفية؟ أين كان كل هؤلاء من مهماتهم؟ أى ذعر أصاب الجميع فحملهم على ما فعلوا وقالوا، ولم يكن للناس عهد بمثل هذا التصرف العجيب..

إنه " دربكة" عامة طامة، احوا يلاحقون بها هيجان السادات فى عنفوانه الجامح، والكل يقول لا يدرى لماذا يقول والكل يريد أن ينفد بجلده، خشية أن تصيبه لوثة، من تلك التصريحات الساداتية، والتهافتات الأنورية.. وكل فى دوران يلهثون .. لقد صحا مجلس الشعب ليبحث قضية الوحدة الوطنية، وهى ليست وليدة اليوم؟

كما قال السادات.. أين كان كل هؤلاء قبل يوم 3 سبتمبر 1981، أكانوا على علم؟ فكيف يسكتون؟ أكانوا على جهل،فبم يبررون؟ إنها مباراة فى غير ميدان وسباق فى غير حلبة ، إلا أن كل واحد كان حريصا على أن يسمع السادات فى هذه الداهمة المباغتة، ورحم الله دون كيشوت وطواحين الهواء.

ليس هذا فحسب هو كل ما جاء فى صحف ذلك اليوم، ويا ما فى الجراب يا حاوي.. لقد اتحفتنا بحديث للسادات وما أكثر تحفه العلنية والخفية، نشرته أخبار اليوم 12 سبتمبر 1981 تحت هذه العناوين المهولة

(1) رفض الرئيس استعمال حقه فى إعلان حالة الطوارئ.. فليحيا السادات زعيم الحرية.. أحقا لم يعلن حالة الطوارئ؟ إذا فى ظل أى قانون " تخفو " كلمة التحفظ التي أباحت القبض على الآلاف من شباب هذا البلد ونسائه ورجاله؟ .
(2) أعطى الرئيس الحق للمتحفظ عليهم فى التظلم حفاظا على الديمقراطية.. الله يا حنين يا سادات.. يا بو قلب كبير.. " سا سأسأ" حرية وديمقراطية .. يا قطعة من صميم أعماق محيطات البحرية.. يا مبعوث العناية الإلهية.. يا من أتيت بما لم تأت به الأوائل، من " عكننة" الناس فى عيد من أعياد الله.

إنها عناوين السخرية والاستخفاف بعقول الناس.. عجبا لك يا رجل.. ما أثقل التبعة التي تحملها فوق كتفيك بأقوال ينقصها الأفعال وأرجوك يا رئيس مجلس الشعب ، يا علم الديمقراطية يا صاحب أكثر الناس وعودا بتطبيق الشريعة، فى مفتتح كل دورة برلمانية، حتى قال الناس عنك وعن هذه الوعود ما تعرف أنه قالوه وكرروه وأكدوه..

أرجوك أيها المساهم فى كل ما حصل بسكوتك عليه، باعتبارك رئيس الهيئة التشريعية التي أقيمت فى كل وطن، لترعى حقوق الشعب وتدافع عنها، أرجوك أن تدلني على تظلم واحد، من آلاف التظلمات، التي قدمت للمدعى الاشتراكي أثناء حياة السادات وقضى فيها بالقبول ولكن بعد وفاته، بدأ قبول التظلمات يأخذ وضعه الصحيح بإقراره أنه لا وجه للتحفظ.

وللأسف الشديد أن السيد المدعى الاشتراكي الذى قضى أنه لا وجه للتحفظ هو هو نفسه الذى رفض التظلمات نفسها، لأن فيها مبررا للتحفظ . أنا لا أنتقد المدعى الاشتراكي لأني أعلم كيف كانت تدار الأمور حينذاك ولكنى أقول إن قرارات قبول التظلمات لأنه لا وجه للتحفظ ، كانت إدانة قضائية لعهد السادات، وتبرئة قضائية لكل المتحفظ عليهم ظلما وعدوانا، وإرضاء لعنجهية الرئيس السادات، وكفى بهذه القرارات حسيبا على حكم لف الناس بظلمه من جميع الجهات. وسبحان مغير الأحوال.

وما رأى السيد رئيس مجلس شعب السادات فى قبول التظلمات.؟ أما زال على رأيه من أن قرارات التحفظ الساداتية كانت واجبة لحماية الوحدة الوطنية؟ أم تغير رأيه ذاك؟ أم أن المدعى الاشتراكي أخطأ فى قبول التظلمات؟ أم أن الموقفين على صواب؟ كم يتمنى الواقفون على حقيقة الأمور أن يتفضل سيادته فيعلن رأيه الحر الجريء على صفحات الجرائد بنفس الجرأة التي لابست تصريحاته بالأمس القريب ألا ليته يفعل لينقذنا من الظنون والأقاويل.

يهمنى وأنا أسرد الحقائق التي لا يرقى إليها الشك هنا أنني ما قصدت تجريحا بل ولا أحب التجريح، ولكنى أتعرض لمجرد التصرفات القولية والفعلية مقارنا بين تصرف وتصرف، ولنفس صاحب التصرف، لا أكثر ولا أقل .

هذه ناحية، والثانية أنني أؤرخ مستمدا من الصحف القومية أو الحكومية بالأصح نشرته ورحبت بت، وروجت له ، فإن أحس أحد بجرح فلست فاعله إذ لابد من سرد الحقائق، حرصا على الجهر بكلمة أؤمن بها سواء أرضت أو أغضبت وحسابي فى هذا على الله ، وعزيز على نفس ألا تروج سوق الحق، ونحن فى أدق المراحل خطورة إنقاذا لهذا الوطن العزيز إذا ما تفشت بين رجاله الانقياد للمسئولين أيا كانت تصرفاتهم.

إن استطعت أن تنفرج شفتاك عن ابتسامه، وسط هذه المآسي الدامية، فاقرأ خبرا صغيرا فى أهرام 12 سبتمبر 1981 لتقرأ فيه بالبنط العريض أن مجلس الشوري برياسة السيد صبحي عبد الحكيم، يناقش اليوم تقريرا عن بيان الرئيس .. وأن الإجراءات استهدفت المتآمرين ضد الشعب لحد هنا كويس.

ولكن الذى ليس بالمقبول لمرارة طعمه فى الأفواه السليمة هو بقية الخبر. أتدرى ما هي هذه البقية؟ هي أن المجلس الموقر اقترح مجرد اقتراح تعيين الخريجين فور تخرجهم، وزيادة المرتبات .. إحنا فى إيه ولا إيه .. ما علاقة الاعتداء على الحريات والكرامات وانتهاك الحرمات، بتعيين الخريجين وزيادة المرتبات؟ أرأيت كيف خلط هؤلاء الناس الجد بالهزل، والتافه بالخطير؟

أية رابطة بين استهداف إجراءات السادات القضاء على الفتن، وبين التوظيف وزيادة المرتب ورنين القروش ؟ حتى يأتي الأمران فى عنوان ضخم واحد؟ ما مدى الارتباط بينهما حتى يكتبا فى عنوان واحد؟ أنا لم أتبين، ولكن عفريتا من المتحفظ عليهم قال لي: سلامة عقلك.. الأمر واضح من أن تشغل ذهنك فى البحث عن مبرراته .. إن مجلس الشوري وهو وليد تفكير السادات، رأى بثاقب ذكائه وبديع تفننه وبالغ رحمته أراد أن يطيب نفوس الشباب كي لا يحزنوا على من قبض عليه منهم وضاعت من عمره سنوات.. أنهم شرذمة من الفتانين .

المشاغبين ، أنقذناكم منهم أما أنتم فالسادات مهتم بكم فتكرم وأباح لنا أن نقترح عليه توظيفكم بمجرد تخرجكم مع زيادة مرتباتكم. أتريدون شيئا أحسن من ذلكم، فما لكم والآخرين من المغضوب عليهم والضالين فى رأى السادات المؤمن الأمين .

فاهدأوا خاطرا وطيبوا نفوسا ، فالسادات يسهر على سعادة مستقبلكم وانصرفوا إلى دروسكم فلا سياسة فى التعليم ولا تعليم فى السياسة ، وانسوا أترابكم وما أصابهم وحل بهم وما لنا بركة إلا أنتم يوم تخرجون ويوم توظفون فتقبضون مرتبا أعلى جنيهات معدودة.. هذه صورة لمؤسسات دولة المؤسسات فى ذلك العهد الزاهي النضير ..

كل شيء بالمصلحة الشخصية.. كل شيء بالفلوس.. كل شيء بالسير فى ركاب الرئيس ، أما المصلحة العامة، مصلحة الوطن، أما هذه الصورة المهينة لكرامة الشباب فلا تجروا وراءها ، وبعد رأسيما أشرقت شمس.ولكن الشباب المؤمن استعلى على كل تلك المغريات الزائفة، التي كانت دهانا على وبر، وإذا اشتغل قلب بالله والعمل فى سبيله، واحتقر كل ما عداه وذلك الفضل من الله.

ما هذا يا مجلس شورانا الوقور؟ أهذا هو مدى تقديرك لشباب نعده لحمل أمانة الوفاء لدينه ووطنه؟ وإذا أصبح حال الشباب على مستوى هذه التفاهة التي تتصورونها فإنه لشباب يستحق كل ما ينزل بت من الويلات ، إن الشباب الذى أعد نفسه لدينه ووطنه صادقا مخلصا ، ليحتقر الوظيفة إن كانت ثمنا، ويستهين بالمرتب وعلاوته إن كان مقابلا لما يريده بت السادات.

إن شبابنا المؤمن الطاهر فوق هذا المستوى بمراحل شاسعة، لن تبلغوا شأوها. إن أخذ مجلس الشوري لهذا الأمر على هذه الصورة الباهتة يجعل الرأي سلعة تباع لمن يدفع أكثر، وما أرضى لمجلس الشوري أن ينزل بالشباب إلى هذا المستوى المزرى الحقير؛

إن هذا التصرف جانبه التوفيق فى العرض والزمان والمناسبة، لأنه يحمل صورة الإغراء والاتجار بأغلى ما يحرص عليه الإنسان السوي من رأيه ، وحريته فى إبداء رأيه. وكم كنت أود أن ينجو مجلس الشوري بنفسه م هذه الزحلوقة التي اعتقد أن المجلس على يقين من وصفها وكل ميسر لما خلق له.

13 سبتمبر سنة 1981

ما كنت أظن أنه يمكن تسمية الأشياء بغير اسمها، على هذه الصورة الجريئة فى امتهان كل فهم وعقل، حتى قرأت صحف 13 سبتمبر 1981. فقد تجاهلت صحف ذلك اليوم كل ما يمكن أن يستساغ وما لا يمكن أن يستسيغه حتى البله المفاليك وإن كنت فى شك مما أو قل فارجع إلى المصادر التي أذكرها هنا كي

رص (81) من الكتاب:

كل طفل بريء فى استهانة شائنة، واستهتار بغيض.. كل هذا كان على عهد السادات ولكنكم لم تتحركوا إي بعد أن أسفر السادات عنه، تبريرا للحملة على دعاة الإسلام، أعداء الصهيونية ومن يؤازرها. صبرا ، فلكل نبأ مستقر. ولكل جريرة وقت يحدده الله ، يجنى مجترحها ثمارها المرة المجفوة .

ويمضى سيادته فى مقاله " فما أكثر القوانين واللوائح والنظم والقرارات التي لدينا" طيب يا حضرة ، إذا كان لدينا ما ذكرت مما يمنع التسيب والمجاملات ، فما الداعي لقانون الطوارئ، وما يبيحه من عدم مساءلة الحاكم الفرد عما يفعل ، بحق أو بغير حق؟ لماذا ؟ هل نطمع منك فى جواب على مثل هذه الجرأة والشجاعة..

وإذا كانت هذه القوانين موجودة، وفى ظلها تم ما تنكرون، فمن ذا الذى كان يحمى التسيب والمجاملات على حساب الصالح العام؟ ألم تسمع بأن القانون كانت له سيادة فى تلك الفترة؟ وأن للدستور احترام عند الأفراد والحكام العظام؟ فلماذا لم تستفيدوا من سيادة القانون واحترام الدستور فتهاجموا التسيب والمجاملات على حساب الصالح العام؟ أم للأقلام مواسم، كما للدببة بيات فى الصقيع.

ومقال أطول من الليل شدت نجومه بذيل، وجاء فيه:

" لا يحتاج المسئول عن العمل لأكثر من الغربة الحقيقية فى القيام بواجباته كما يجب إرضاء لضميره وخدمة لبلاده، والقوانين تحت يده، ليحقق بها انتظام سير العمل، ويفرض بنصوصها هيبة الدولة واحترام المواطن"

هكذا وإلا فلا، لا فض فاك، ولا كان من يشنأك ، يا سبع البرمبة.. هل كانت الرغبة الحقيقي تنقص القائمين على ذلك العهد، ما كانوا يقومون بواجبهم إرضاء لضمائر وخدمة للبلاد؟

ولم لا ؟ والقوانين تحت أيديهم والسلطان فى حوزتهم ورجال الأمن طوع رغبتهم، أما كان القائمون على الحكم فى ذلك العهد يحرصون على هيبة الدولة واحترام المواطن؟ هل يمكن لأحد أن ينال من ذلك العهد ، ما نلت منه أيها المؤيد الضليع؟..

لا عجب كل شيء فى ذلك العهد كان على هذا المنوال، حذوك المتسيب بالتسيب، ولا فخر.. هل كانت أيامهم قوة تفوق إرضاء الضمير وخدمة البلد؟ هل كان للحكم فى عهدهم هيبة لم يحترموها؟ على أية حال شكرا لكم أن أنطكم الله بالحق متأخرين ،ويوم أن قررناه سابقين .

فكان جزاؤنا ما تعلمون، وما تهتفون له وتصفقون، ونسيتم كل هذا الذى كتبتموه اليوم منتبهين أو لاهين، أيها السادة.. أين تضعون أنفسكم من تقدير قرائكم؟ أم أن هذا أمرا لا تقيمون له وزنا؟ جريا على ما ذكرتموه من احترام المواطن وخدمة البلد.

وإذا كان منع التسيب ممكنا بهذه السهولة التي قررتها متمكنا ، فما الذى حال دون هذا السهل الممتنع؟ أهو التسيب يقابل بتسيب مثله نكاية فيه؟ قولوا أى شيء فما عاد أحد يصدق من أمعن فى مثل هذه المحاولات الفاشلة.

ولئن كان أى شر لا يخلو فى جوانبه من خير وحكمة، فإن أول خير فيه أنه كشف للشعب المصري، أن المتحفظ عليهم المشتومين المسجونين ، كانوا على حق فى معارضتهم لذلك العهد الغابر، ما ذكرته جريدة الجمهورية من أنه أعد مليونان من الجنيهات، للمذكرات والتكافل الاجتماعي وشغل كل الوظائف الشاغرة فى الجامعة؟ إنهم يظنون أن مثل هذه التوافه تشغل الطلبة والأساتذة عما حل بالأوساط العلمية من بلاء وامتهان.

يا له من ظن آثم، قام على تقدير خاطئ لطلبة متدينين وأساتذة محترمين. إنه ظن من تخيل فخال وتمطى فقال ، ومن سهر ليله فى كل مجال، فى الجنوب من ذرى لبنان أو فى الشمال ما كانت المادة ولا الوظيفة بالصارفة لطالب الحق عن سعيه فى إظهاره والجهر بت ومناصرته، والتضحية فى سبيل الدفاع عنه.

بل لعل التمسك بمثله النبيلة يقوى ويشتد كلما وضعت العراقيل فى سبيله وتوالت المغريات، فقد حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولكن هكذا زين للكتاب ظنهم، لا حجة ولا إقناع ، ولكن إعنات وإغراء .

وكان غيرهم أشطر.. إننا لن نستطيع أن نحمل هذا الشباب على السير معنا والاستجابة لنا، إلا إذا أعطيناه القدوة الصالحة، قبل الوظيفة المبرقشة، وإلا إذا أعناه على السير فى طريقه بكل تعاليم دينه القويم ، فى غير ما إفراط ولا تفريط . فهل أنتم فاعلون أسأل الله لي ولكم الهدى والرشاد.

21 سبتمبر سنة 1981

لقد كثر ما تقرأه فى صحف تلك الأيام الشاحبة، من التعيينات والمكافآت والترقيات بالخط العريض وفى صدر الصحف، كأنهم يرضون الناس بهذا عن سوء ما يفعلون ، وما دخل فى قلوب المواطنين من توجس وتوقع لشيء بغيض يفاجأون بت فى أية ساعة من ساعات الليل أو النهار.

كما جاء فى جريدة الجهورية يوم 21 سبتمبر 1981، ما اعتاده الناس من صحف تلك الأيام من بشريات، بتعيين خمسة وعشرين ألفا من المتخرجين، ومنع الضوضاء وسرعة الفصل فى القضايا وإعادة النظر فى قانون الأحداث وإطلاق الحوافز للعاملين، وتوفير وسائل نقلهم.. شايف كم خبر سعيد فى نفس واحد.. أين كان هذا كله أيها الساهرون على مصلحة الشعب؟

ألم يفتح الله أعينكم ويحفز هممكم إلا بعد أن بطشتم بفلذات الأكباد وترويع الآمنين .. أتظنون أن فأرا واحدا صدق ما تقولون ،وأمن جانبكن واطمأن إليكم؟ إنكم إذا لواهمون، وما تزال تصرفاتكم فى عالم الوعود والأحلام والتهيؤات، رحمكم الله وأنقذكم من سوء ما تتصورون .. تعيين خمسة وعشرين ألف متخرج.. هكذا مرة واحدة.. أين كانت أجهزتكم وإهمال هؤلاء المتخرجين؟

ومنع الضوضاء ؟إذا كانت هناك ضوضاء تقض مضاجع المرضى ونزلاء المستشفيات .. لماذا تركتموهم فى هذا العناء طوال سني حكمكم العجفاء؟ وكيف تنبهتم إلى هذا مرة واحدة؟ هل كانت غفلة طويلة؟ أم إغفاءة مريحة.. وقانون الأحداث كيف أهملتموه طويلا وبلا مبرر، وإطلاق الحوافز للعاملين.. هل كانت هذه الحوافز معدومة أو معطلة أو مقيدة، ولم يفتح الله عليكم إلا فى هذه الأيام، وتيسير وسائل نقلهم؟ هل أعددتم لهم الأوتوبيسات قبل البدء فى المظالم؟ أو كانت فى مخازن الصيانة فأخرجتموها على عجل؟ يا للهمة التعساء.

صحيح أن الغافل فى ذمة الصاحي.. أؤكد متحديا أن شيئا من هذا لم يحصل، ولكنه إفرازات الدوخان التي تعترى بعض الرؤوس ، إذا تلبست بشيء من الدوران، أثر الأخذ بهذا المجهود الضخم فى ظلم الناس .

ومن هذا كثير. ومرة أخرى وثالثة ورابعة أأنتم تنفضون الغبار عن إهمال طال تمرغ الشعب فى أوضاره؟ أم أنتم تتهمون الحكم بكل ما شكى منه المتحفظ عليهم. وكان سببا فيما حل بهم من المظالم؟ أقطع لو أن السادات تنبه لهذا الهراء، لحاسبكم عليه حسابا عسيرا، ولكنه كان فى شغل بكارتر وكيسنجر وبيجين أصدقائه الأعزاء الشرفاء ولئن فاتكم حساب رئيسكم وحساب شعبكم، فإن حساب ربكم لن يفوتكم ولكم الويل مما تصفون.

أقولها صادقا إذا هذه المبادرات ، شقيقة مبادرة القدس إن صحت وهى غير صحيحة، ما جاءت إلا تغطية لظلم أنتم تعرفون أنه ظلم. وكان دمنا نغطى الظلم بذهان على وبر، فلن يشفى الجربان .

إن نتيجة كل هذه الاختراعات الكلامية هي التي أثارت الناس ، حتى وصل الحال بهم إلى حادث المنصة الحزين، يوم اضطربت فرائص الشجعان ، وترك الحبيب حبيبه وفر الصديق عن صديقه وهو يولول نفسي.. نفسي، ونسى الهتيفة افتداء السادات بالدم والروح.

إن خالدا لم يقتله ،ولكن أنتم الذين قتلتموه . وما أسوأ بطانة تنتهي بحاكم إلى بركة من الدماء يتخبط فيها بمفرده ، ولا مغيث ولا مفتد ولا نصير.. لقد رأى العالم كله هذا المنظر ، الذى وصفه كل من رآه بالوصف الذى كان عليه، إبان ذلك القتام.

من العناوين " الخفاجى" التي كانت تنشرها صحف الأيام الكالحة، ما جاء فى جريدة الأخبار 21 سبتمبر 1981 وبالنبط المهول " قيادات حازمة فى كل موقع" ماذا يفهم أى غبي فى هذا الوجود من مثل هذا العنوان؟ هل كانت المؤسسات كلها وأجهزة الدولة بأجمعها ترأسها قيادات غير حازمة؟

أليس هذا مدلول عبارة "فى كل موقع" كده بالزوفة؟ أى والله فى كل موقع .. وما أتفه حكم تقود مؤسساته وأجهزته قيادات غير حازمة، وما اشد غفلة دولة لا تتبين أن أجهزتها ومؤسساتها ترأسها قيادات غير حازمة فى كل موقع؟ ثم لم تتبين هذه الكارثة إي عندما شرع السادات يضرب الإخوان المسلمين ، تنفيذا لمخطط أعداء الإسلام واسترضاء لهم، خاصة بعدما تجلى هذا فى مذكرات وزيري خارجيته المستقيل احتجاجا على التهاون فى حقوق مصر، من أجل جولدا مائير وبيجين؟

هل كان ذلك فى عمد إلى وضع مؤسسات وأجهزة الدولة فى أيدي فاقدة الحزم؟ هل كان ذلك عن عمد أو غفلة أو لقصد معين؟ هل كان للمسئولين والمسئولات، دخل فى تعيين تلك القيادات عديمة الحزم والمفهوميات؟ ومع ذلك فإنه ليسعد كل مخلص أن تتولى شئون بلده قيادات حازمة، ولئن يصل الإنسان متأخرا خير من ألا يصل أبدا.

أين كان بطل الكر والفر والقيظ والقر والذي رفعوه إلى مرتبة من لا يسأل عما يفعل ؟ والذي وصف بأنه ليس بظلام للعباد.. أين كانت هذه المؤهلات والمؤلهات، يوم أن وضع غير الحازمين فى كل موقع؟ أتدرى ماذا تعنى عبارة غير حازم إذا وصف بها إنسان ما ؟ إنسان متردد.. لا يقطع برأي.. يسهل أن يرى قفاه فى وجهه، ووجه فى قفاه، أنه إنسان يمكن التلاعب بت، حتى ينظر غير محذر ولا نعسان.

كيف يرضى البطل المغوار ، سلطان زمانه، ووحيد عصره وأوانه، أبو الأنوار ، الميت كومي المنوفي، أن يرص غير الحازمين رصا فى قمة الأجهزة والمؤسسات التي يتربع على قمتها؟ هل كان يخمن أن مصلحته أن يكونوا هكذا غير حازمين فى كل موقع؟ أم أنه ظن بهم خيرا فخدموه، وما عادوا يصلحون.

إن أى حاكم يستطيع أن يضع أى موظف فى أى موقع، ولكنه لا يستطيع أن يجعله منتجا. إن كل واحد منا يستطيع أن يسحب برذونه إلى القناة ولكنه لا يستطيع إرغامه على الشرب.. حتى ولو كان ماء جوز هند يملأ أرجاء القناة.

ثم هذا التعديل الطفيف فى الوزارة، إلى ماذا يشير، عل أبت ضمائر المستقلين أن تشارك فى ظلم المصريين؟ أم أنهم أيضا لم يكونوا حازمين، وهل مثل ذلك التعديل وفى تلك الظروف، يدل على الاستقرار؟ بمثل هذه البساطة يخرج وزيرا وأكثر أو أقل وفى تلك الأيام التي تموج بالأحداث الجسام .. يا للشعب المغلوب على أمره بالحديد والنار.

ولابد من فكاهة، سخيفة أو لاذعة بين هذه المتاعب والأحزان والهموم التي أسدلت سحبها السود على مصر هاتيك الأيام، ولست بصاحب فكاهات أو قفشات، ولكنها جريدة الأخبار الحكومية الصادرة فى يوم 21 سبتمبر 1981.

إذ قالت إن السادات المواطن المتواضع الوفي، قد حضر زفاف كريمة سائق لوري، كان صديقا للسادات أيام محنته والذي يضحك مجاملة فى هذا الخبر ما ذكرته تلك الصحيفة من أن السادات ذهب إلى ذلك الحفل فى سيارة مكشوفة، فى طريقه إلى القرية وسط الهتافات المدوية بحياة قائد المسيرة.. شايف الشجاعة؟

واطمئنان البطل وجرأته ، وثقته فى التفاف الشعب حوله.. نعم أيها المعذبون من المعتقلين والمتحفظ عليهم موتوا بغيظكم وعضوا أنامل النكد والحسرة فالشعب الذى أنتم فيه يحيى السادات فى سيارته المكشوفة المحروسة بقلوب المصريين .

إنكم السيخ والمنبوذون من الهندوس لا يشعر بكم أحد أليست كل هذه إعلانات مقصودة وبلا مقابل فى تلك الأنباء التافهة المفبركة؟ التي إن دلت على شيء فلا تدل إلا على تفكير ضحل، فى خداع الشعب والضحك على ذقون أبنائه الملتحين ؟ ماذا يهم الشعب أن يركب السادات سيارة جيب أو سيارة مصفحة؟

وإذا كان هذا الاطمئنان إلى حب الشعب له واقعي صحيح، فلماذا يركب سيارة لا ينفذ الرصاص من زجاجها؟ إنه هو هو السادات إن ركب هذه أو استتر بتلك.. إنه العهد، إنه العهد الذى يمكن أن تحدث فيه العجائب ولا فخر، إنه العهد الذى فاقت مظالمه فى أيام ما فعله عبد الناصر فى سنوات.

زعموا أن أحد القائمين على دفن الموتى كان يسرق أكفانهم بعد انصراف المشيعين ، فكان الناس يلعنونه صباح مساء ، ويدعون عليه بالوبال والنكال فى أعقاب كل صلاة، ومات الرجل وقام ابنه بعمله واستمرت نقمة الناس على أبيه، حتى ضاق صدره واسودت الأيام فى وجهه، فصمم على الانتقام من الناس، بعمل يغيظهم ويصرفهم عن شتم أبيه والدعاء عليه، فكان إذا انصرف المشيعون، سرق الكفن وحرق جثه الميت، وانقلب الدعاء على أبيه ترحما على ذلك الرجل الذى كان يكتفي بسرقة الأكفان، وكان الخلف أسوأ من السلف.

23 سبتمبر سنة 1981

وتوالى صحفنا القومية نشر مسببات الاطمئنان ، ليلتقط الشعب أنفاسه اللاهثة من هول ما حل بت، باستعراض أمور هي من صميم مهمة المسئولين منذ القدم. إن الجو المشحون بالتوتر والتربص والاستنكار ، يستلزم براشيم وبلابيع ومهدئات للتخفيف من ضغط الدم المكبوت، والصداع الفتاك.. ضغط الفزع وصداع الإرهاب؛

فتحكى لنا جريدة الأخبار الصادرة فى 23 سبتمبر 1981 أنه تحددت مواعيد محددة لإنهاء الخدمات للمواطنين ، ومحاسبة المسئولين عن التأخير .. كان " فين كل ده مخبى؟" ما هذا النشاط الباهر؟ ما هذه الصحوة المثالية؟ ما هذا الاهتمام البالغ بمصالح الشعب؟

يقطع هذا بأنه طوال حكم السادات كانت مواعيد إنهاء الخدمات لا توقيت لها، وأنها موقوتة بمزاج القائم على تلك الخدمة، إذا صفا المزاج وراق ، قد تؤدى الخدمة ، وإذا كان المزاج " مش ولابد" فرحم الله مصلحة المواطنين ، آبد الآبدين، ودهر الداهرين..

هل يحتاج أحد إلى التدليل على فساد الحكم، بأوضح من هذه البراهين، التي تخترعها امخاخ المؤيدين من الصحفيين ؟ أكان المعتقلون والمتحفظ عليهم محقين فى التذمر من ذلك العهد أم مخطئين؟ يا أولاد الحلال المتسابقين إلى التشميت كلما عطس سيادة الرئيس .. إني لمشفق عليهم من الوضع الذى ارتضوه لأنفسهم. لماذا لم يسد كل هؤلاء ومولاهم، إلا فى أيام النكد والمصائب.

وإذا أضفت إلى هذه المساخر والأضاليل، أن هذه الجريدة وبنفس التاريخ كتبت وبالخط العريض أيضا، الذى أصبح " موضة" الأخبار " ثلاثة ملايين جنيه مساعدات للطلبة، وأن الصرف فورا وأنه بلا حد أقصى" أى أن هذه الملايين الثلاثة يمكن أن يأخذها طالب واحد، بإمضائه وبطاقته الشخصية، ثم توضع فى أى جيب من الجيوب الخفية، ألسنا فى عهد الذين لا يسألون عما يفعلون؟ ثم تعال حاسبني ..

إن كل هذه الأباطيل الفاشلة لم تزحزح الطلبة شعرة واحدة عن استنكارهم لذلك الحكم، بل لعلها زادتهم بغضا على بغضهم حتى وصلت بهم إلى حادث المنصة، وكان السبب فيه ما يكتبه أولئك الصحفيون متبرعين أو مكرهين، هكذا تنصب بورصات الأسهم والسندات فى سوق إهدار الكرامات ووأد الحريات؟ فهل نجحت هذه المحاولة التعيسة فى تحقيق غرض من أغراض أولئك الكاتبين.

أنهم ظنوا بالطلبة أموار قد يستسيغونها هم فى مثل تلك المواقف، ولكن شتان بين حر صاحب عقيدة، وبين غيره ممن يظنون بت الظنون لقد أثبت هذا الشباب أنه فوق هذا الصغار المشين، وأنهم على مستوى الأحداث وأنهم لن يباعوا فى سوق نخاسة الحريات وتجار الكرامات. إن لله جنودا منها الشباب.

ثم لماذا يتحدث السادات على التليفزيون الأمريكي، أنه عندما بنى الديمقراطية وتعدد الأحزاب تحطمت قيم أخلاقية، وأنه لابد من استردادها، وأنه لن يسمح بتشويه صورة مصر، وأن ما حدث هو ضد كل القيم والتقاليد.

ما شأن أمريكا بنا؟ أهي وصيته علينا؟ ونحن ملزمون بأن نبرر تصرفاتنا أمامها لترضى عنا؟ إن ما حصل شئون داخلية، والقانون الدولي لا يسمح لأية دولة أن تتدخل فى شئونها الداخلية، فهل بلغ من حب السادات للولايات المتحدة ، أن يتنازل عن حق لا تسمح بالتنازل عنه أية دولة تحترم نفسها، حتى ولو كانت دولة نيام نيام أو دولة الأنعام؟

لماذا نغسل فى حماماتها ملابسنا التي يعلم الله بحالها، أن أنه يزيل آثار انتهاك الحرمات؟ أهي مسئولة عنا؟ وهل من اللائق المستساغ أن ينشر رئيس جمهورية بلد ما على الملأ، أن بلاده قد تحطمت فيها القيم والتقاليد؟ ما الذى يحمل إنسانا على تبرير أعماله أمام العالم كله، اللهم إلا إذا كان يعلم تماما أن ما يفعله فوق كل معقول ومقبول، وضده على خط مستقيم؟ ألا أن المريب يكاد يدعو الناس إلى الأخذ بتلابيبه.

إنني مع السادات فى أن كل ما حدث حطم القيم والتقاليد التي تعرف عليها الناس قاطبة، أن القيم والتقاليد التي تحدث عنها شيء لا علاقة له بالتحطيم والاعتداء.

إن الأصابع ما تزال حتى اليوم على الإشارة إلى من حطم القيم والتقاليد دون ميل ولا انحراف ولكن لقد أسمعت إذا ناديت حيا والضرب فى الميت حرام.. قالوا لنا أيام الدارسة أن الكلام صفة المتكلم، فهل تصح هذه الكلمة فى مثل هذا المجال.

وكانت تلك الأيام تتبارى فى التبشير بأخبار الاهتمام بالشعب والحرص على مصالحه، فلا تأتينا جريدة بخبر من القرف إلا جاءت زميلتها بخبر " أجعص" وكأنما لديهم مخازن مضحكات.

نشرت الأهرام الحيزبون الدردبيس الشمطاء، غير متبرجة بالأسلوب الأمريكاني فى يوم الأربعاء 23 سبتمبر 1981 أن السادات فى حديث له إلى شبكة التليفزيون أن . بى. سى. الأمريكية وعلى الهواء " أن حماية أجيال مصر القادمة هي الهدف الأساسي لتلك الإجراءات حماية للوحدة الوطنية"أ.هـ

وهل يهم السادات فى صحوه وغفوته إلا حماية أجيال مصر القادمة.. حمايتها من ماذا؟ من تأصيل الأصول الإسلامية فى نفوس الشباب؟ أو حماية الأجيال القادمة مما جاء فى مذكرات كيسنجر التي كشفت كثيرا من الأمور التي كانت خافية عن الشعب صاحب الحق الأول فيما يجرى فى حناى السراديب.. سراديب الاجتماعات الانفرادية، التي ماتت يوما بخر .. وهل الظلم والاتفاقات السرية والتعذيب والتشريد والتفريط هي التي يريد السادات حماية الأجيال المقبلة منها.. هذا هو منطق السادات فى الحكم أنا ربكم الأعلى.. واستغفر الله العظيم.

أنها عبقرية الحاكم الفذ فى غفلة الزمان. إن الوحدة الوطنية لم يمسسها أى اختلاف منذ دخل الإسلام مصر فى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الأمر الذى اعترف بت السادات فى حديثه هذا، إذ قال أن مصر كانت تعيش منذ 1400 سنة كأمة واحدة، حتى حدثت الفتنة الطائفية، التي ليست من طبيعة مصر ولا شعبها على الإطلاق. أ.هـ

والله قدمك قدم الخير على مصر يا أصبح. وإذا كانت طبيعة مصر وشعبها لا تعرف الفتنة الطائفية، فما اذلى حدا فيما بدا، يا وش الخير؟ هل تغيرت هذه الطبيعة؟ ولماذا تغيرت فى عهدك أنت بالذات.

وما هي الأسباب الخفية أو العلنية التي أتت فى عهد السادات الميمون.. هل كان لأسلوب العهد النضير، دخل فى هذا التغيير من النقيض إلى النقيض؟ إن الناس يعرفون من ابتدع هذا الشعار، ويعرفون دوافعه وتوقيته، إن فى الناس رؤوسا، وفى هذه الرؤوس عقولا، وفى هذه العقول ذكاء، ولك أن تتبين حقائق الأمور من سؤال وجه إلى السادات . س: هل ستتخذ مزيدا من الإجراءات ؟ ج: لا أعتقد أننا بحاجة إلى إلقاء القبض على مزيد من الأشخاص .أ.هـ .

طبعا فالأمر فى القبض وقف على مزاجه. وحتى هذا ليس بالصحيح فقد ظل القبض على الشباب المتدين يسير فى مجراه الأعوج العنيف إلى يوم وفاته والذين عاشوا فى سجون السادات يعرفون القبض اليومي على المئات من الشباب، حيث يحشرون فى زنازين التعذيب والتأديب، بلا ذنب جنوه، إلا أنهم مسلمون يعيشون فى بلد مسلم، حاكمه مسلم اسمه محمد، وعاشت الأسامى..

فى نفس هذا الحديث المتناقض الفقرات الذى استدرجه فيه السائل بخبث، ليكشف سبب هذا العنف، وهذه الإجراءات التعسفية التي لا يقرها عرف ولا رحمة ولا قانون . س: هل قام أى نشاط متطرف باستعمال القوة؟ هل فهمت السؤال وتبينت مراميه ، فاسمع الجواب الذى دفع السادات إلى كل المظالم الجائرة. ج: على الإطلاق.. كانت مجرد اجتماعات ولم يكن هناك أى أسلحة. أ. هـ .

يا للمقدرة الفائقة ، والذكاء الوقاد.. إذا لم يقم أى نشاط متطرف باستعمال القوة، فما الذى أرغم السادات على كل ما جنته يداه فى تلك الآونة؟ وإذا كان أمر النشاط الاسلامى اقتصر كما يقول سيادته على مجرد اجتماعات، فما هو سر هذا البطش الغادر؟ ألمجرد اجتماعات يحشد السادات قواه لحماية الأجيال المقبلة؟

اللهم ألطف بأي اجتماع يعقد فى مصر تحت حكم السادات وإذا كان السادات يقطع نافيا ، وعلى مسمع من العالم كله، بعدم وجود أسلحة فمن أين جاءت الأسلحة التي طنطنت بها وزارة الداخلية؟ وأنها كانت وفيرة وخطيرة على كل من فى مصر، من رئيس الجمهورية إلى عشة فراخ أم بطسويس .؟ من نصدق؟ عصفور الزرزور أم أبو النطيط ؟

ثم إليك سؤال آخر هو فى نفس الحديث يكشف عن حقيقة رأى السادات فى شاه إيران المخلوع، والذي استضافه وأشاد بذكره فى كل المناسبات، والذي كشفت الأيام فى الصحف والمجلات أنه منع مرور الأسلحة المرسلة إلى مصر من روسيا فى حرب 1973، لتعلم إن كان السادات يروى حقائق أو أباطيل أو أن ساعات تجلى يروى عن عقله الباطن ، فإذا عاد إلى الأرض تحدث بعقله الظاهر، وهل كان شعب مصر محقا فى استنكاره لاستضافة ذلك الشاه الظلوم.

س: بعض الدوائر تعقد مقارنة بين الرئيس السادات وبين الشاه؟

ج: إنني حقا فى دهشة لعقد المقارنة التي ليست فى موضعها والتي يرددها بعد الحاقدين .

إنني أتمتع بتأييد شعبي 100% إياك أن تتعجب فما ترك السادات بتصرفاته وأقواله مكانا لعجب ولا طرب.. إذا كان شعبك يؤيدك 100% فمن هؤلاء الذين اعتقلتهم وعذبتهم وتحفظت عليهم ؟ شراذم من شذاذ الآفاق، هبطوا من كوكب آخر فى غفلة منك؟ أم نبت شيطاني انشقت عنه الأرض إثر زلزال خفيف؟ أم بقايا عاد وثمود؟

أبلغت شهوة الظلم بالسادات أن يتحفظ على أناس يؤيدونه؟ حبا فى إظهار قوة العضلات، أم أن الله بقدرته أعلن على لسان السادات نفسه أن شعب مصر لا يؤيده 100% كما يزعم أو يتخيل ؟ تعليل ذلك عند من لا يزالون يتحدثون عن عبقرية السادات "عن عبقريته" عن بطل الحرب والسلام.. ومبعوث اليقظة والناس فى دوامة الأحلام؟

ثم هناك شيء آخر يلفت النظر فعلا فى الإجابة عن هذه المقارنة. ما باله ينفر ويستنكر كل مقارنة بينه وبين شاه إيران؟ ضيفه وحبيبه وجليسه العائلي مع عائلتي البطلين.. إما أن يكون شاه إيران حاكما عادلا فى شعبه، وفى إنكار المقارنة ما يرضى حبايب السادات وينسبونها للحاقدين وأما أن يكون شاه إيران حاكما ظالما، وهذا هو الذى حمل السادات على استنكار هذه المقارنة، ولعل هذا أقرب للعقل والمنطق أى أن السادات على علم بظلم الشاه واستبداده وكراهية شعبه له؛

فكيف أباح السادات المؤمن العادل الديمقراطي أن يستضيف ويتغنى بصداقة حاكم ظالم لشعبه؟ أما كان عليه أن يجرى استفتاءا من الاستفتاءات إياها عل هذه الاستضافة؟ إن رفض السادات المقارنة البسيطة دليل قاطع على التناقض بين ما يعلمه السادات وما يفعله. هذه صورة من صور عهد غابر لا أعاد الله له مثيلا فى حكم مصر.

وغير خاف على أحد ،ولا على السادات نفسه أن شاه إيران كان من أوائل الحكام الذين اعترفوا بإسرائيل، نكاية فى العرب والمسلمين لأنه كان يكرههم، وأنه كان يمد إسرائيل بالبترول فى حرب 1973 وأنه كان قد شرع فى إحياء المناسبات الفارسية المندثرة ويجعلها أعيادا لشعبه تنكرا للإسلام، وأنه كان لا يقيم وزنا لهذه المنطقة ولا لصالح شعوبها، حتى المصالح الحيوية المصيرية.

ألا ليت ضاربة للودع تستطلع لنا مع إنكارنا لهذا سببا واحدا أرغم السادات على إكرام هذا الشاه المتحدى لكل مشاعرنا ومصالحنا وعقيدتنا؟ هل السادات بدوره أخذ هذا الوضع بالنسبة لشعوب المنطقة؟ أم ليحظى بلقب حامى الطغاة والظالمين؟ والأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف؟ هل كان هناك تآلف روحي بين الاثنين ؟

وكل صديق بالصديق يقتدي،أم أن الشاه كان عنده من المغريات المادية ما يحبب فيه الأهل والأقارب والمحاسيب، ويا للشاه من بقرة حلوب، ولا بقر الفريزيان.. إن البقر تشابه علينا.. ثم ماذا علينا إذا لم تفهم البقر. أم أنه كان هناك إيماءات لا يمكن رفضها، هي التي أوحت بهذه الاستضافة الارغامية، فأردنا سترها بالشهامة والكرم والجود.. أما كان المصريون أحق بهذا كله من حاكمهم الفريد.. تفانيه عجب..

ألم يقل السادات أنه حار إسرائيل تحريرا للأرض، وإزالة آثار فضيحة سنة 1967 فكيف يرضى خلقا وتقليدا أن يستضيف من مكن لإسرائيل باعترافه بها، ومن حال دون وصول الأسلحة إلى السادات فى حربه لإسرائيل، نكاية فى السادات وإعانة لإسرائيل؟ ثم ينزله على حساب الشعب فى قصر من قصوه قصور الشعب لا قصور السادات.. فهل هذه صورة من صور احترام السادات لعائلته التي هو كبيرها؟ جايز أخي، هل أنت على علم بضروب الاحترام فى تلك الأوساط العالية.

إحنا فين وهم فين؟ إنها عبقرية ، ويقولون إن كلمة عبقرية منسوبة إلى واد اسمع عبقر، أو إلى شيطان اسمه عبقر، وما دامت المسألة قد وصلت إلى الأودية السحيقة أو عالم الشياطين فلنبق بعيدا أسلم، ويالها من عبقرية حيرت كل عقول العباقرة.. إعجابا أو استخفافا؟ ألم يكن هذا واقع الحال فى بلدنا. وحسبنا الله المنتقم الجبار، الذى إذا أخذ الظالم لم يفلته ولو كان فى بروج مشيدة.

24 سبتمبر سنة 1981

وهلت علينا صحف 24 سبتمبر سنة 1981 ، مزغردة أن هناك لائحة جديدة لانضباط العاملين فى مواقع العمل فاطمئن أيها الشعب الناكر لجمايل السادات، لأنه سيجعل الموظفين تحت أمرك خاصة إذا علمت أن من بنود اللائحة الجديدة " هي فين؟" خصم 10 أيام من مرتب الموظف الذى يسيء معاملة الجمهور.

هل تريد خيرا أكثر من هذا ؟ حرية إيه وكرامة إيه تلك التي تبكى على فقدها، ما دام السادات سيعوضك عنها إخضاع الموظفين لأوامرك.. ويقفون " زنهارا" أمام مكاتبهم لمجرد رؤيتك خشية أن تختفي عشرة أيام من مرتبهم، إن لم يحترموك ويجلوك ويعظموك ويكرموك، كائنا من كان أبوك، وليطمئن أصحاب الكيوف على توفر علبة سجاير الكليوباترا كينج سايز، فما عاد أحد يجرؤ على أخذها منك، بل ولا سيجارة واحد منها، وأنت تقدمها مبتسما فى الظاهر، محروقة أعصابك من الداخل. يا لك من شعب ناكر لجميل السادات، إنك تعرف ما يضرك ولا ينفعك.

ويغار السيد الرئيس على كرامة مصر كما يقول ، فيأمر الصحفيين الأشراف الذين يغارون على كرامة مصر غير الساخنة، يتأمرهم فيمن يشتم مصر محتمين بالديمقراطية وسيادة القانون، وهم آمنون مطمئنون إلى أن يد الحكومة لا ترضى بحرمانهم من هذا .

ما أصدق هذا الكلام فى الوقت الذى ينزل الأساتذة فؤاد نصحى وإبراهيم يونس وهيكل وغيرهم ضيوفا على سيادته فى السجون والمعتقلات أم أن هؤلاء ليسوا بصحفيين وأنا غلطان؟ هيا أيها الصحفيون ضعوا ميثاق الرئيس للمجلس الأعلى عليكم سيادته أو السيد رئيس مجلس الشوري باعتباره الرئيس للمجلس الأعلى للصحافة مستوصيا بنوده من بنيات أفكار السادات الزائفة.

ثم الحذر الحذر من لعن هذا الميثاق الذى يعلمكم النقد البريء والتزام حدودكم.. فاهمين.. أيها الصحفيون أنكم ناكرون للجميل.. ألم يرفع مسئولية المجلس الأعلى للصحافة على مستوى مسئولية رئيس الجمهورية ؟ أى شرف تنالونه ولا تقدرونه.. خاصة وأن القاعدة الشعبية التي أنا وأنت وهو وهى ونحن وأنتم وهم وهن، لم تخطيء فهم أى قرار اتخذه سيادته فى يوم من الأيام.

إن مسئوليتكم خطيرة جدا بعد أن أصبحتم سلطة رابعة، الوضع الذى لم تحظ به أية صحافة فى العالم لقد جاءكم السادات بما لم يأت به الأوائل. ولم يفطنوا له فسبحوا بحمد من جاءكم بهذا المكان الرفيع..

ألم تقرأ مقالا رائعا لدكتور هائل من خيرة الدكاترة يتساءل عن سر اجتماع قوى المعارضة كلها، رغم ما بينها من تناقض مبدئي صارخ.. ولماذا اجتمع الوفديون مع الشيوعيون ، والإخوان المسلمون مع الاشتراكيون،والشامي مع المغربي، وعنب الشام مع عنب اليمن؟ وسهيل والثريا؟ والدب الأكبر مع الدب الأصغر، والنجمة أم ديل مع النجم القطبي.

لقد صح ما تقول أيها الدكتور الباتعة، فقد قال شاعرنا شوقي رحمه الله، إن المصائب تجمعن المصابين، هل أنت لا تعلم فتسأل أم أنت تعلم ورغم ذلك تسأل؟ سبحان الله فى طبعك يا دكتور؟.

للأسف الشديد أن بعض الصحفيين الذين اعتادوا التقلب على فراش الآراء المتضاربة، ساهموا بأقلامهم فى هذا الوباء الصحفي، أخذوا يحثون السيد رئيس الجمهورية على المضي فى هذا التفلت الدستوري، وكان من المنتظر من المجلس الأعلى للصحافة وقد أنشئ لحماية الصحف والصحفيين أن يتدخل ولو " برو عتب" لحماية قاعدته، ولكنه فعل العكس تماما، فقد أوقف السادات بسلطانه المطلق أربع صحف بجرة قلم، ولم ينعقد هذا المجلس بكلمة أو يتحرك بإشارة صامتة، ولو ذرا للرماد فى العيون؛

ولم ينعقد ولو مرة واحدة ليناقش أوامر التعطيل، حتى ولو بالموافقة عليها وتأييدها لإعطائها صفة الشرعية والأدهى من ذلك أن هذا المجلس لم يؤخذ رأيه فى التعطيل ولو من باب المجاملة ، ورضي أن يخرج بجلالة قدره بالصمت عن لا أو نعم.

وهو ما له ولهذه الزلفة " ما تخليك حدق" وقد نقل ثلاثة وستون صحفيا من عملهم الصحفي وبعثروا فى الوزارات ، فأغمض عينيه وسد أذنيه حتى لا يرى ولا يسمع، واللبيب من دار. حياه الله ، إنه يعلم تمام العلم المهمة التي من أجلها نصبه السادات.

عجب أن يرضى بعض الناس لأنفسهم مثل هذا الحال، وبدون سبب معقول. حتى لما أعاد الرئيس محمد حسني مبارك هؤلاء الصحفيين لم يتحرك هذا المجلس لا بشكر ولا باعتراض إلى هذا الحد من الصهينة بلغ الحال بهذا المجلس المنبثق من مجلس الشوري الرصين الرزين، الذى أراد السادات أن يعينني فيه تفضلا فرفضت مترفعا، ولو كنت من هواة التشهير لذكرت ما دار بيني وبينه بخصوص هذا التعيين ولكن الله حليم ستار.

ولو أننا استعرضنا كل رؤساء دول العالم المتحضرة منها والمتأخرة ملكية كانت أو جمهورية، تسلم رئيسها كل رئاسات السلطات . أما فى مصر فقد كان السادات رئيسا للسلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية، كل جهاز فى مصر استنادا إلى منح نفسه ربوبية العائلة المصرية ومن هنا ساء حال كل شيء فى مصر واجتاحته الأزمات من كل جانب..

أزمة مالية.. أزمة غذائية .. أزمة سكنية.. أزمة أخلاقية.. أزمة اجتماعية.. أزمة عقيدية وسيطرة على كل شيء فى مصر، من كان يحب أن يكون بعيدا عن كل شيء لا شك أن حظ مصر من نار بهذه الرئاسة النادرة، وهنا لابد من استطراد يقتضيه المقام.

وله أثر واضح فى كل ما نحن بصدده. هذه الاستفتاءات التي يعرف كل العالم أسبابها ووسائلها وإجراءاتها ونتائجها.. لماذا؟ لماذا كلما أراد السادات أن يسلب الشعب شيئا من حريته ليحقق لنفسه انفرادية واستبداد، لجأ إلى استفتاء؟ استفتاء الشعب المغلوب على أمره، الشعب الذى يستفتى فى نتف ريش حريته، ريشة بعد ريشة ، ويفتى الشعب كأي مفتى بإرضاء السادات بنسبة 99% على الأقل، أضاق الشعب بحريته فملها ووكلها إلى رب العائلة العجيب؟

هل 99% من هذا الشعب الأبي يكره الحرية؟ أم أن السادات يعلم أن ما يريده لا يقره الدستور، فتوارى أمام استفتاء هو مدبره " وموضبه" وياله من شعب، لولا معرفة الناس بحقيقة إجراءات هذه الاستفتاءات.

وباسم هذه الاستفتاءات وفى ستارها الشفاف وقعت كل الكوارث التي كشف عنها القضاء، بعد أن أفضى السادات إلى ما قدم، أن خيرا فخير، وإن غير ذلك فغير ذلك طبعا، ر" وما ربك بظلام للعبيد" وعلى سبيل المثال واستجابة لرغبة المسئول، فرضت الحراسة على أموال الدكتور عبد العزيز سليمان، رئيس جامعة عين شمس.

وجاء القضاء العادل فأنصف الرجل وبرأه من كل ما نسب إليه، بعد أن تداولت مرافعة النيابة والدفاع، أسماء ما كان يليق أن تظهر فى مثل هذه المواقف وكانت لطمة على قرار فرض الحراسة.

ووصمة ظلم فى حكم من أصدر قرار فرض الحراسة لمثل هذه القرارات المتحدية لكل كرامة شعبية، تجرى استفتاءات الـ 99% .. ومثلا قضائيا آخر. فرضت قرارات التحفظ بقرارات من السادات رئيس الجمهورية، وتحدث السادات عن عظمة هذه القرارات لأنها غير دستورية. هل كان مجلس الدولة من الحاقدين ؟ ألم يكن من اللـ 100% المؤيدين للسادات، كما زعم فى خطبه التي أدمت أكف المصفقين بعد أن أدمت قلوب المصريين.

وهؤلاء الذين سيقوا إلى المتعقلات فى ظلام الليل وقضوا فيها شهورا بين ضيق الزنازين وتزاحم النزلاء وسوء التغذية، وفقدان العناية الصحية، هؤلاء الذين امتهنت كرامتهم، ما الذى يعوضهم عما أصابهم؟ لابد وأن يوضع فى الدستور نص على تجريم هذه التجاوزات، ولابد من إصدار أحكام دستورية، يوصم بها من فعلها، حتى بعد وفاته ولابد من أن تتعلق ثروته أينما كانت لتعود إلى أصحابها الحقيقيين من الشعب.

لقد ظلم عبد الناصر وظلم السادات، ولم ينل اسمهم أى جزاء عقابه رادع. إن أبناءهم ما يزالون يتمتعون بوظائفهم التي أسندت إليهم فى ظل حكم آبائهم ولا يزالون يستمتعون بثروات الله وحده يعلم هل كانت تصل إلى أيديهم لو لم يكونوا أبناء عبد الناصر والسادات .. إن هذا أقل ما يجب أن يفعل محافظة على كلمة الشعب، واسترضائه عما أصابه على يد هؤلاء الظالمين.

لو أن أبناء هؤلاء الظلمة أعيدوا إلى وضعهم الحقيقي. وأخذ ما استولوا عليه فى ظل آبائهم، لو حدث هذا لكان فيه بعض الضمان. إي أى تعويض مادي لا يكفى فى غسل الشتائم والاتهامات فلابد من سن قانون وقائي أرجو وألح فى الرجاء، فقد بلغ سوء المعاملة وتحدى مشاعر الشعب حدا لا يجوز السكوت عليه.

فى أيدي الشرفاء، توضع الكلابشات الحديدة الثقيلة، ويسمعون أقذع الألفاظ، ويحقق معهم الساعات بعد الساعات فيما لا جريمة فيه، أجل كل ذلك حدث فى عهد السادات. هل يجرؤ أولئك الصحفيون والكتاب الذين صفقوا لتلك المظالم أن يهاجموا إقرارا ت الإفراج التي أصدرها رئيس الجمهورية الحالي السيد حسنى مبارك وتخطئتها؟ هل يجرؤ على ذلك وهى بمثابة تكذيب وتجريم لكل ما هللوا له وأيدوه أم أنهم يتفون للرئيس الحالي على هذا التصرف السليم.

إن هذه الافراجات وغيرها من الأحكام القضائية أحكام بإدانة أولئك الصحفيين والكتاب؟ لماذا لا يدافعون عن مواقفهم السابقة؟ لماذا لا يعترفون بخطأهم والاعتراف بالحق فضيلة ، أم أنهم لا يستلطفون هذا النوع من علم الأخلاق أو الاجتماع.. لابد من تقنين وقائي يحمى الشعب ويطمئنه على أمنه وكرامته.

جرت العادة فى سجون مصر ألا يزار المحكوم عليه جنائيا إلا بعد أشهر، وسواء أكان هذا الإجراء سليما أو غير سليم، فليس هذا موضوعنا إنما الذى اقصده هو أن المتحفظ عليهم ، بمجرد أن ينتزعوا من بين أهليهم، ويلقى بهم فى أى مستودع، لا يعرف أهلهم عنهم شيئا ويتردد الأهل ما بين سج وسجن دون الوصول إلى ما يطمئنهم أو يدلهم على ذويهم، ثم يقول السادات إن عهد زوار الفجر قد انتهى، وأن المعتقلات قد أغلقت إلى الأبد، دون احترام لهذه التصريحات يعود بنا السادات نفسه إلى زوار الفجر والسجون والمعتقلات إنها مأساة تمثل على أرض مصر ومحزنة للحرية.

ولما أفرج عنا فى بدء حكم السادات أوائل السبعينات ولما نص الدستور فى مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتقنين . ولما جعل مكان شيخ الأزهر، مقدم على رئيس الوزراء فى المناسبات الرسمية ، لما حدث هذا أملنا خيرا واستبشرنا وما كنا نظن أنه تخطيط لما كشفت عنه الأيام فيما بعد.

ولكن سرعان ماتبخرت هذه الأحلام الناعمة وبدأت أتربة الأعاصير تغير وجه الحياة، فبدأت مبادرة القدس واكفهر الجو لا لشيء إلا لأن الإخوان وحدهم كانوا أول من سفه هذه المبادرة، فأصبحوا أراذل لأنهم تدخلوا فيما لا يفهمون وأصبحوا سفلة لأنهم أعلنوا عن رأيهم فى جرأة واضحة وصبحوا بذءاء لأنهم معارضة ملائمة؛

ففي انجلترا الملكية شيوعيون يطالبون بزوال الملكية، فلا يعترضهم أحد هنا لم يطالب أحد بخلع حاكم، ولا تغيير نظم ومع ذلك فلا يحتمل السادات أن يقول له أحد هذا خطأ وهذا صواب أليس سخافة من أن أقارن بين الحرية فى انجلترا والحرية فى مصر، الانجليز ودمهم بارد.. يستحملوا ولكن دمنا حار لا يحتمل.. فنطغى ونبطش. كان من الضروري أن نراعى هذا عندما نعارض الغضنفر الموهوب.. وماذا نفعل فى طول لساننا؟ ربنا خلقه هكذا قوالا للحق، فله الحمد وله الشكر.

خلال تدويني لهذه الأحداث نقلا عن صحف ذلك الزمان، وسالف الأوان، خبرا فى جريدة الأهرام بتاريخ الأربعاء 8 يناير 1982 يقول (أن النائب العام قدم مذكرة لوزارة العدل طلب فيها تعديل قانون العيب لمنع الازدواج فى الاختصاصات بين النيابة العامة من ناحية، وجهاز المدعى الاشتراكي من ناحية أخرى، فيما يتعلق بمنع المتهمين من أموالهم وإدارتها وفى إجراءات التحقيق)

وقال الصحفي الأستاذ رجب البنا بنفس التاريخ والصحيفة أن هناك أسئلة تحير الرأي العام منها:

  1. كيف يقف المتهم الواحد أمام ثلاث جهات تحقيق وثلاث محاكم عن تهمة واحدة؟
  2. كيف ترافع النيابة فى قضايا الكسب غير المشروع ولم تحولها للقضاء؟
  3. لماذا تنظر النيابة فى الجرائم ولا تتحرك هنا إلا بطلب المدعى الاشتراكي؟
  4. هل انتهت قضية الدكتور عبد العزيز سليمان أن سيرفع الستار عن فصل جديد؟

وقد يسأل سائل ما علاقة هذا بالثلاثة والثلاثين يوما الغبراء التي انهي بها السادات حياته معك حق، ولم يكن المقصود منها جرائم عادية ولكنك لو " شغلت" فكرك قليلا، لتبينت أن كل هذا لم يكن مقصودا به أحد إلا الإخوان المسلمون، وما عدا ذلك تغطية لمحاربة دعاة الإسلام دون سواهم على التحديد.

يعنى فتح عينيك يا من تكتب أو تتحدث عن هذا الموضوع الذى يثير كل عفاريت الرئيس وأصدقائه من كارتر إلى بيجين.. إنك محبوس.. محبوس، ولو علقوا على رأسك مائة فانوس، وطريقك طريق الندامة وليس بطريق السلامة، وراك وراك، ولو اختبأت فى شجرة الأراك.

إن أفلت من ازعاج المدعى الاشتراكي، ففي انتظارك دواهي نيابة أمن الدولة فإن " فلفصت " منها ففي انتظارك النيابة الجنائية فإن نجوت فأمامك رهبوت القوانين الاستثنائية، التي ليست لهارب منها نجاء لطفك يا خفى الألطاف.

كم كنت أود أن أكتب غير هذا ، ولكنه حق التاريخ وحق الأجيال القادمة، من أبناء الدعوة وغيرهم ليعرفوا أننا إذا ما انتهينا ننتهي واقفين لا راكعين ولا مفرطين. إنه حق علينا فى الشعيرة والتوجيه والتثبيت " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب"

ولن يستطيع أحد أن يقول لماذا لم تقل هذا فى حياة السادات؟ والرد غاية فى البداهة. لقد كنت متحفظا على، ولم أغادر السجن، إلا بعد وفاة السادات. كنت محروما من الورقة ومن القلم، ومن الاتصال بأي إنسان .

وأعتقد أنه لو كان حيا لما ترددت فى مواجهته بكل ما أريد، وقد كنت أكتب فى مجلة الدعوة كل ما جعله سببا فى التحفظ على، بعد أن رفضت كل إغراء يسيل له لعاب الكثيرين والحمد لله.

ولقد قلت لعبد الناصر وفى بيته إنني ولا أقبل التهديد، وما يزال بعض الذين كانوا فى الجلسة على قيد الحياة، وكل ما يؤاخذني عليه معارضو السادات أنني لا أقسو فيما أكتب، ولا أهاجم ولا أحرج ولا أتهم، ولكنني أقول الحق فى أسلوب اسلامى عفيف، وإني لراضى عن ذلك كل الرضاء، فهو فهمي فى ديني، وليس عندي بعد ذلك إلا الوفاء ونظافة القلب من كل ضغن أو أحقاد.

إن مذكرة وزير العدل وثيقة الصلة بتلك الأيام الطافحة بالأرزاء، وفقد كان قانون العيب وأخواته، واحدة من المقاصد تهدف كلها إلى غاية واحدة، تمهيدا لما حصل فى 3 سبتمبر سنة 1981 ما تلاه، والذي أصدر هذه القوانين وأغروه بها، وزينوها له، أو حملوه عليها كل ذلك كان إعدادا لما فعلوه فى 3 سبتمبر سنة 1981 ، إذ كان ذروة التخطيط ونتيجة التي أعدوا لها.

ولو أن العيب هو الذى كان يهم مخترع قانون العيب حقيقة، لما شتموا الإشراف واتهموا الأبرياء ولوثوا المخلصين ،مشنعين على هذه الرزايا، بسلطان الحكم الذى استغلوه فى حرمان المعتدى عليهم من الدفاع عن أنفسهم، بالكشف عما كان يحد فى تلك الأيام التي أصفرت عنها الأنامل.

وقانون العيب الذى يفكرون فى تعديله هو الذى أقره مجلس الشعب وطبقته النيابة ومحزن أن يوافق نواب على تعديل قانون لم يمض على إقرارهم له أسابيع.

هل وافقوا عليه دون أن يدرسوه، أو طلبت منهم الموافقة والإقرار، فأبرموه؟ أين كانت هذه الثغرات التي لم تظهر إلا اليوم؟ أهم الرجال الذين تغيروا ؟ أم هي الأيام التي تجعل الناس يرقصون الرومبا برهة هنا وبرهة هناك.. أين كانت هذه الحقائق قبل التفكير فى التعديل؟

إنها المواقف التي تؤكد كل ما جمعته فى هذا الموجز البسيط، إنها ليست وصمات تدمغ السادات وحده، بل كل من ساروا فى طريقه الموحش الفظيع ، إن دفن الموتى لا يمنع من تقسيم التركة، بما لها وما عليها، وإن عليها أثقال وتبعات لن يتحدث عنها التاريخ بخير.

إن هذه الثغرات الماد سدها كانت معروف واضحة قبل أن توافق عليها حضرات النواب المحترمين؟ أين كان حضراتهم من استبانة هذه المآخذ ؟ أين كان الصحفيون الذين ترنموا وأشادوا وأنين ضحايا القوانين التي أقروها، تقص مضاجع الأفيال والدببة، وحتى وحيد القرن..كيف كانوا يتناولون طعامهم المطهى على نيران القلوب المحترقة فى أتون تلك القوانين؟

كيف كانوا يتناولون شرابهم الممزوج بدموع العيون الوالهة، والأجفان التي قرحها طول البكاء؟ إي الإجابة على هذه الأسئلة ليست فى حاجة إلى ذكاء ولكن أدب الإسلام وعفته يحول دون الجواب الصريح إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه.

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا..
فلا يسع المضطر إلا ركوبها

إن قانون العيب الذى كان مقدمة لما تلاه بعد 3 سبتمبر سنة 1981 ، يوقف الفرد الواحد أمام ثلاثة أجهزة تحقيق، وثلاثة محاكم، فى تهمة واحدة النيابة والقضاء العادي نيابة وقضاء المدعى الاشتراكي، نيابة وقضاء أمن الدولة، ولم يبق إلا نيابة وقضاء الأحوال الشخصية.. ولم لا ؟

ألا تحتمل فى مثل هذه الظروف، أن تطلب بعض الزوجات النفقة أو الطلاق؟ إذا ضاقت بهن الأحوال، وطال بهن المطال، إن ما لم تشهده شعوب العالم كله، كانت بهلوانات التقنين فى عهد السادات ، قادرة على أن تسعد المصريين به، وتمتعهم بالحياة فى أدغاله ، وشر المصائب ما يضحك، لقد أساء قانون العيب إلى وكلاء النيابة، دون أن يكون لهم دخل فى هذه الإساءة، أليس محرجا لوكيل النيابة أن يترافع فى قضية لم يحققها، بل ولم يحلها إلى القضاء.

إن كل المؤسسات والأجهزة التي سكتت على كل ذلك، مسئولة يوما عن صمتها المريب. إن فردا أحدا لا يستطيع أن يظلم شعبا بأسره، وإن سجنوه لا تتسع لملايين المخالفين له. ولكن الشعوب هي التي تمكن للظالمين أن يفعلوا بها ما يشآون فهى تلقى جزاءها على رضائها التعيس، لو كان ملايين الشعب ناموسا من ناموس الملاريا، وطنوا فى أذن الظالمين لما طاق واحد منهم هذا الطنين ومن جعل نفسه " مزبله" بعثرته الدجاجات.

25 سبتمبر 1981

وتتمخطر الصحف ع تباشير يوم 25 سبتمبر سنة 1981 ، لتثبت لك لمن خلا قلبه محو غرض معلوم أو هوى مبروم أن الصحوة الإسلامية التي حمل الشباب المؤمن لواءها صابرا ومحتسبا ومضحيا، قد هزت حكم السادات من جذوره فصحا صحوة ويا ليته ما صحاها، وظل مهموما فى أحلامه يسعدها أطياف كارتر وبيجين ومن إليهما من أصدقاء ذلك الزمان.

لا تتحرج أهرام هذا اليوم من تكرار ما سبق أن قالته هي وزميلاتها ، وبالخط الثلث (إجراءات حاسمة لتحقيق الانضباط والقضاء على التسيب) ترى ما هي تلك الإجراءات الحاسمة التي كان في تقدير السادات أن يرهب بها الناس، لولا أن الموت عاجله ترى أية أسماء كانت ستوضع لها.

كان أحد المحامين قال (إذا كانت المحكمة جازمة بالإدانة فلتعط المتهم حكما صارما وينتهي هذا النقاش) وهذا ما نقوله لحاكم ذلك الزمان، إذا كان جازما بنفور الشعب فليمنحه من القوانين العارمة، ما تجود به قريحته الوقادة، التي ما ضنت عليه يوما بفكرة أو رأى ، أيا كانت صفة ذلك الرأي أو لون تلك الفكرة .

أيعتبر هذا الذي تشنشن به تلك الصحف دفاعا أو اتهاما، تهذيبا أو تحطيما. إن كل من يقرأ مثل هذا الهراء، يؤمن بأن حكم السادات لم يكن قائما على إجراءات حاسمة وأن النفعية والتسيب كانت تملأ أرجاءه، حتى أيقظه الشباب المؤمن على سوء الحال، بدلا من ذلك عاقبة ونكل به لأنه أيقظه من تعسيلة لعله كان يود أن لو طالت بها الأيام والأسابيع.

إن عاشق النوم، لا يستثيره أكثر ما يستثيره من يوقظه من رقدته .. إذا كان التسيب وعدم الحزم هو صفة حكم السادات بشهادة صحفه ومجلاته.. إن جزاء التقصير العقاب، ولكن صحفنا تهنئ المقصر على تقصيره ما دام في يده التمكين من رئاسة الإدارة أو رئاسة التحرير . ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

ثم هل لنا أن نسأله من الذي يعاقب المقصر أو المقصر في حقهم؟ هنا ينقلب الحال تماما، فبدلا من أنتوجه الحملة ضد من انتشر التسيب والإهمال والتسلق والاستغلال كل مدة حكمه، بدلا من ذلك يعاقب الشباب الذي يطالب بالإجراءات الحاسمة والقضاء على التسيب والفساد.

لو كان العدل والحسم مما يحبه السادات، لكان عليه أن يبادر إلى شكر الشباب واسترضائه لأنه نبهه إلى فقدان الحسم وانتشار الفساد ولكن الذي حصل هو عكس ذلك تماما.. مطاردة الشباب المسلم، والتشنيع عليه والتنكيل به، لكنه بفضل الله أعجز من أن يقضى عليه.

وتكرر أهرام ذلك اليوم ما سبق قوله حتى مله من يسمعه أو يقرؤه ولكنها معذورة لأنه لم يكن في برامج تلك الصحف خلال هاتيك الأيام، ما تقدمه أو تقترحه لمصلحة الشعب.

كانت كل جهودها موجهة لاسترضاء السادات، وما ألم به من انزعاج من جراء تلك الصحوة الإسلامية، ولم يكن لديها إلا الترويج لكل ما يقدم عليه من أعمال حتى أوشك الناس وتوقعوا أنتقول تلك الصحف هنيئا في موقف يقال فيه " شفيتم" وأضف إلى ما قالته كلاما آخر، قال ويا شؤم ما قالت "مشروعات قوانين للعقوبات رادعة لمخالفة المرور والنظافة والازعاج والأسعار" هل رأى الناس حكما أسوأ من هذا الحكم.

  1. مخالفات المرور بلا عقوبات رادعة مهما ذهب ضحية لتلك المخالفات أرواح بريئة أو عاهات مزمنة، واليوم فقط يتذكر السادات العقوبات الرادعة لمخالفة المرور.
  2. القذارة التي لا تطاق كانت تشيع في جنبات ذلك الحكم، ولم ينتبه لها الحكم إلا بعد البطش بالشباب المؤمن ومن المحزن أن يترك حاكم شعبه بعيدا أو فاقدا للنظافة طوال مدة حكمه، ما السر حتى تحمله القذارة على وضع قوانين للمحافظة على النظافة. إنها قوانين بحسرة مشرعها وفقدان النظافة بغفلة حاكمها.
  3. شكرا لهذه الصحف التي اعترفت بأن حكم السادات حكما مزعجا، أرغمه على اختراع قوانين تخفف من وقع الإزعاج. وإذا بلغ الحكم المزعج إلى الحد الذي فكر فيه الحاكم أن يضع عقوبة له، فكيف إذا يحاكم الشباب المؤمن الذي يعترض على حكم يعترف صاحبه بـأنه مليء بالإزعاج وعجيب أن يسترنا الله، فنكشف بأيدينا وألسنتنا عن سيئتنا.إن لله في ذلك إرادة ينصف بها الشباب المسلم وأنه كان على حق في مطالبته بالإصلاح.
  4. أما الأسعار، ولم يكن هناك مبرر لارتفاعها المتوالي، فقد بلغت الذي خشي فيه السادات على حكمه ففكر في وضع قوانين تحد من حرقة الأسعار.

أليس من حق كل منصف أن يسأل لماذا لم تضع حكومة السادات مشاريع قوانين لمقاومة هذا الفساد ، إلا في أيام القبض والتعذيب والاعتقال؟ لماذا تركت المرور "هرجلة" وبلا ضوابط؟ لماذا لم يهتم بالنظافة وتركت القذارة المادية والمعنوية تفسد جو البلاد بجراثيمها الفاتكة.

لماذا يترك السادات كل هذه الموبقات التي اعترفت بها صحفه، ولم يفكر في إعداد مشروعات لمقاومتها إلا بعد أن ألح الشباب في المطالبة بهذه النظافة. ويا ليته طبق هذه القوانين أو أصدرها، ولكن كل همته في المحافظة على النظافة، واتقاء القذارة مجرد مشروعات قوانين لا أقل ولا أكثر،وحتى هذه المشروعات لم تقدم لمجلس الشعب ليقرها، فتصبح قوانين منفذة، إن أقصى ما وصلت إليه جهود العهد لمقاومة مخالفات النظافة والازعاج والأسعار، هو مجرد مشروعات قوانين.

أبشر يا شعب فلا تتجاوز معه حدود اللياقة ، وتطالبه بأكثر من ذلك "هو فاضيلك" على كل فإنه نحمد الله سبحانه أن كان هذا المد الاسلامى سببا في انتباه الحكومة إلى ما كانت قد نسيته أو نامت عنه أو أغفلته أو أهملته، وإذا كان جارك في خير فافرح له. فقط نرجو من الله ألا يكون أسبرين وعود، أو اسبو مسكنات، حتى إذا ذهب الأثر انتهى الخبر.

ومن حرص الأهرام، أو من حرص الحكومة عن طريق الأهرام أو من حرص السادات عن طريق الحكومة أو من حرص من نعلم عن طريق السادات، فقد طالعتنا نفس الصحيفة وبنفس الأحرف الكبيرة. التي اعتادت صحف هذه الأيام أن تسوق فيها هذه البشريات التي لم يحقق منها حرفا واحدا.

اسمع يا سيدي " مكتب المتابعة في كل وحدة حكومية أو قطاع عام، للكشف عن القصور أو الانحراف" لا شك أن كل هذا من خير لو صحت الأحلام، ولكن الظروف التي صدرت فيها الوعود. التي لم يتحقق منها شيء، يشير إلى مدى الانحدار التي وصل إليها حكم السادات، في تقدير فهم هذا الشعب الذي كانت محنته في تولى السادات أموره، أقسى محنة مرت به في تاريخه.

إن أكبر خير في هذه الأنباء أنها الأدلة القاطعة على وجود ثقوب في جدار الحكم، باعتراف الحاكم نفسه، ومن هنا يتبين أن الشباب المؤمن كان محقا في المطالبة بإصلاح كل مظاهر الفساد والانحراف عن تطبيق شرع الله. فكان جزاؤه ما علمه العام والخاص.

وخرج الشعب من فوضى الوعود إلى المثل القائل أنا الغنى وأموالي المواعيد وشكر الله لشباب الدعوة الإسلامية ما قدمه من جهود وتضحيات، حركت الحكومة من استهتار بالغ بمصالح الشعب وإهمالها إلى يقظة امتلأت بالمواعيد العرقوبية وكل حركة فيها بركة.

وتستمر الأهرام في استعراض ما تتصوره وسائل إلهاء للشعب عما يعيش فيه ويعانيه فقالت في نفس التاريخ " حظر حمل السلاح في الجامعات واتخذا الإجراءات التأديبية مع المنحرفين" إن هذا الخبر يدل على أن في الجامعات سلاحا، وإن حمل هذا السلاح لم يكن محظورا، وإلا فما الداعي أن تشير الصحيفة إلى الخطر كخبر جديد ، إذا افترضنا أن هذا الخطر كان قائما ولأول مرة تعترف الحكومة بأن الجامعة مباح السلاح للطلبة، إلى اليوم الذي أعلنت فيه هذه الصحيفة بخطر حمل السلاح.

وبمعنى أوضح أن حمل السلاح في الجامعة لم يكن جريمة فما السر في التهويل الضخم عن السلاح ومن يحمل السلاح ومن يخفى السلاح. ومن أين جاء السلاح، تشويه.. وتشويه لطلاب أطهار، لم يطلبوا من الحاكم إلا أن يطبق حكم الله في هذا البلد المسلم...

أمور تضحك السفهاء منها
ويبكى من عواقبها اللبيب

ثم من هم المنحرفون الذين ستتخذ ضدهم الإجراءات التأديبية؟ أهم الشباب المتمسك بدينه، الذي يعتبر منحرفا إذا ما نعادى بالإصلاح في عهود الفساد ، لقد قرأنا في إحدى خطب السادات أنه أمر شباب الحزب الوطني الديمقراطي، أن يضرب مخالفيه في الجامعة، وإذا فشبابه هو الذي كان يحمل السلاح في الجامعة.. وطبعا معروف من سرب إليه هذا السلاح، الذي قيل بوجوده مكدسا عند دعاة الإسلام.

ولست أدرى لماذا طلب السادات من شباب حزبه في الجامعة أن يضرب مخالفيه، وأن يرفه رأسه؟ هل كان هذا الشباب الجريء منتظرا لإذن من السادات حتى يمضى فى ضرب مخالفيه ؟ ألسنا على حق أن سياسة السادات أبعد ما تكون عن احترام الحرية واحترام آراء الآخرين.

كنت أفهم أن يحض شباب الحزب الوطني في الجامعة على إقناع مخالفيه بالحجة والحوار والأدلة والأسانيد ، كنت أفهم ولكن الله أراد أن يكشف السياسة التي تعمل تواليف الحرية والديمقراطية، إخفاء لأبشع وأقذر إفرازات الكبت والعنف والظلم والإرهاب.

لماذا يطلب السادات من شباب الحزب الوطني في الجامعة أن يرفع رأسه؟ هل الإنسان الشريف الذي يقوم بعمل نبيل نظيف في حاجة إلى من يقول له ارفع رأسك يا أخي؟ أم أن الذي يقارف عملا مخجلا، يتحرج معه من رفع رأسه ومواجهة الناس هو الذي في حاجة إلى هذا التحريض المظهر ؟ ولماذا لم يكن شباب الحزب الوطني يرفع رأسه في الجامعة؟ أكان يعرف المهمة التي من أجلها يسروا له كل ما يعينه على تحقيق ما طلبوه منه؟

ألا إن كل حركة في حكم السادات كانت تنبئ عما كان سيعمل بهذا البلد، فوق ما حل به لولا أنتداركه الله بعاجل قضائه. إن شباب الدعوة الإسلامية مرهوب الجانب في الجامعة لرجولته ولا يقوى أي شباب على تحديه لأنه يعلم أن النتيجة ليست في صالحه، وهذا الشباب ليس بالشباب المستضعف ولكن تمسكه بدينه وبتعاليم دينه هي التي تجعله يتصرف التصرف النافع لوطنه ودعوته، والذين يتهمونه بالضعف هم خصوم الإسلام الذين يتمنون أن يقوم هؤلاء الدعاة بحركة محسوسة ملموسة يتخذونها وسيلة لإلصاق التهم والأباطيل.

ولكن هذا الشباب الطاهر الذي يزداد عدده يوما بعد يوم في الجماعة لن يمكن خصوم دعوة الله من إنجاح مكائدها ضده، وسيظل متمسكا بدعوته، داعيا إليها حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من خالفهم.

وكانت أهرام ذلك اليوم زاخرة بهذه المسكنات فقالت وبنفس العناوين الضخمة " ترشيد الدعوة الدينية ، في كافة دور العابدة بما يكفل عدم استغلالها سياسيا" هذا هو كل ما يهم عهد السادات من ترشيد الدعوة الدينية ، لعدم استغلالها سياسيا.. كيف يمكنه هذا الترشيد؟

إذا كان القرآن يلعن الظالمين ، فهل يكون ترشيد الدعوة الدينية بحذف هذا اللعن من القرآن وإذا كانت الدعوة الدينية تقول أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من غيرهم، وإذا كانت هذه الآيات تفسد السادات على انسجام مزاجه مع الصديق بيجن ، فهل يكون ترشيد الدعوة الدينية بحذف هذه الآيات من القرآن؟

وإذا كانت الدعوة الدينية تقوم على الطهر والعفاف والجدية والرجولة وتحريم المنكرات والمخدرات، فهل يكون ترشيد الدعوة الدينية باستبعاد للآيات والأحاديث التي تحض على هذا؟

وإذا كانت الدعوة حريصة على غرس روح الحرية في نفوس الشعب فهل يكون ترشيدها بإغفال آيات الشورى والعدل والقسطاس المستقيم؟ ماذا يعنى ذلك الحكم بترشيد الدعوة منعا لاستغلالها دينيا؟ ألم يكن استغلالا سياسيا للدعوة الدينية أن تفتح الخطب باسم الله والخطب كلها محاربة لدعوة الله؟ ألم يكن استغلالا سياسيا للدين أن تختم الخطب بآية قرآنية، وهى تحارب حملة القرآن؟

هذا وأمثاله ليس استغلالا سياسيا رخيصا لدعوة الله، أما الجدية في الدعوة الإسلامية، تطبيقا وتنفيذا وعملا، لا كلاما وشقشقة وشعارات، هو الاستغلال السياسي للدعوة الدينية.

لقد مضت عشر سنوات على حكم السادات، فلماذا أغفل ترشيد الدعوة الدينية؟ هل كانت رشيدة فلم يكن في حاجة إلى ترشيده أم كان تغير رشيدة فتركها في غفلتها؟ إن الأكل والشرب واللبس والنوم والزواج والبيع والشراء والاقتصاد والحرب والسلام وإدارة شئون العباد؛

كل ذلك ينتهي في الدعوة الدينية إلى نتيجة واحدة وهى إصلاح العباد في كل هذه النواحي، فكيف يمكن استبعاد العنصر الذي يحرق أعصاب العهد من الدعوة الإسلامية، إن الدعوة الإسلامية كالكومبيوتر وإن كانت في غير حاجة إلى هذا التشبيه لو استبعدت منه قطعة في حجم الشعرة من جهازه لتوقف كل الجهاز العجيب.

إن الإسلام كل لا يتجزأ ولن يكون إسلاما بمعنى الإسلام الصحيح إلا إذا أخذناه كاملا غير منقوص. وإلا كان جزاء هذه التفرقة، هذا الترشيد المغرض . الخزي في الحياة الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، فإلى أي مصير كان يريد عهد السادات أن ينتهي بنا أن شعار ترشيد الدعوة الدينية يعرف الناس أهدافه ومراميه ، مهما حرص القائمون على إخفائها فرائحتها النفاذة تدل على ما يقصد منها.

وكيف لا تستغل دور العبادة سياسيا وهى ما أنشئت إلا ليعبد الله فيها، عن طريق توعية المسلمين وإرشادهم إلى الخير في كل مناحي الحياة؟ كيف يرغب الواعظ أو الخطيب مستمعيه في ثواب الله والجنة إذا لم يحدثهم عن القصد والعدل في كل شأن من شئون الحياة، ومن بينها الشورى وعدل الحكام، والطاعة لهم من الشعب والالتزام، ما داموا ينفذون حكم الله فيهم.

هل حرام على الواعظ أن يقترب من قدس الأقداس، وهو كرسي الحكم؟ حتى ولو كان في مكة ما لا يرضى الله ؟ أليس من واجب الواعظ السليم أن يلفت نظر الحاكم إذا ما ارتكب هو أو أحد من أهل بيته وأقاربه محاسبيه ما لا يتمشى مع قواعد الإسلام؟ والإسلام نظام شامل لكل شئون الحياة.

أتظن أن أهرام ذلك اليوم اكتفت يما صدعت به الرؤوس في ذلك اليوم ؟ عيب .. كيف إذا يثبت محرروها إخلاصهم لسيادة الرئيس؟أوردت تلك الصحيفة في ذلك اليوم حديثا للرئيس السادات مع شباب الحزب الوطني في جامعة المنيا أليس من فساد الحكم وإفساده أن يتحدث رئيس الجمهورية إلى فريق من الشباب بعينه؟

أليس هو في موقفه مسئولا عن شباب الجامعات أيا كانت اتجاهاتهم وآراؤهم؟ أم أن هناك ما يميز شباب الحزب الوطني في الجامعة من غيره من الشباب؟ شباب الأحزاب الأخرى أليسوا مصريين؟ وإذا لم يكونوا مصريين أليسوا من أفراد العائلة الكبيرة التي فرض السادات نفسه ربا لها؟

هل من الحكمة أن يفرق رب العائلة بين أفراد العائلة عيانا بيانا.. وكيف يدعو إلى الوحدة الوطنية، وهو هو نفسه الذي يحطم هذه الوحدة بمثل هذه التصرفات الطائشة؟ كيف يتحدث إلى شباب الحزب الوطني في جامعة المنيا عن الحرية والديمقراطية وكيف يمارسونها مع مخالفيه، ويحرم الشباب الآخرين من هذه الدرر التي نثرها داخل الجامعة سياسة؟ لماذا يسمح لشباب المنيا؟

أليس الكلام في الديمقراطية داخل الجامعة سياسة ؟ لماذا يسمح لشباب الحزب الوطني بالاشتغال بالسياسة داخل الجامعة ويحرمها على الآخرين؟ إن خطبه المليئة بتحريم اشتغال الطلبة بالسياسة داخل الجامعة، لم يكن مقصودا بها تحريم السياسة لذاتها ..

أبدا وحياة عينيك .. المحرم من السياسة في الجامعة هو ما عارض السادات وما خالف رأيه، أما إذا اجمع شباب الجامعة على تأييد السادات فقد كانت فرصة نسمع منها من السادات عن شباب الجامعات، ما يضعه على قمة المسئولية..

هل يلام الشباب إذا أغضبته هذه التفرقة لما تسببه بين الشباب داخل الجامعة من عداوة ونفور؟ لقد أصبح المنكر في عهد السادات معروفا والمعروف منكرا، بل تخطى السادات بتصرفه هذا منطقة الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف .

لن يبلغ الناس من السادات، ما بلغ هو بنفسه بمثل هذه التصرفات و" كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" كدت أنسى أو أغفل بعض ما جاء في هذا الحديث الفياض المليء بالحكم والرشاد والسداد.

يقول سيادته في ذلك الحديث الذي عكفت صحف العالم على دراسته، شأنها في كل خطبة تجود بها قريحته الرائقة التمام " إننا لا نريد شبابا خاويا من الداخل، وإنما نريد بناء شباب قوى يستطيع أن يخوض صراع الحياة ، وأن يؤدى فيها الرسالة التي اختصه الله بها".

سيدي الرئيس ما أحلى كلامك، وما أمر مذاقه؟ ما أجمله سمعا وما أفظعه تطبيقا هل تعرف سيادتك من هو الشباب الخاوي من الداخل ؟ أليس هو الشباب الذي يتنكر لدينه فلا يلتزمه خلقا وتعاملا؟ أليس هو شببا الكبريهات والحانات والمراقص والسينما الخليعة والمرسح المبتذل؟

أليس هو الشباب جمهور الحفلات الماجنة، والأوراق المتماوجة وفوازير رمضان التي تقزز كل من بين جنبيه شيء من الفرية على الطهر والعفاف ؟ أليس هو الشباب الذي لا تستطيع أن تفرق بين بعض أفراده، أو شاب أو فتاة؟ أليس هو الشباب الذي تربى على أجهزة إعلامك؟ وخاصة التليفزيون، الخاضعة لرقابة أجهزتك؟

هذا هو الشباب الذي خلا من داخله وخارجه من كل معاني العزة والإباء والتضحية والفداء، أما الشباب الذي امتلأ قلبه بنور الله ، فهو الشباب الذي يلقى من أجهزة أمنك، ما الله سائلك عنه يم لا ينفع جند ولا سلطان، ولا شباب ولا هيلمان؟

لو أنكم تحاربون التطرف حقا، لما شملت تصرفاتكم كل الشباب المسلم الذي أصبح محل الريبة والشكوك من رجال الأمن ، بسبب خطبك وتوجيهاتك؟ إن معاملة الشباب المسلم هذه المعاملة القاسية، تعطى معاني كثيرة ليس من بينها المحافظة على الوحدة الوطنية والتئام الصفوف والتكاتف للعمل الجاد الطاهر النظيف.

نحن معك في وجوب بناء شباب قوى سوى من داخله وظاهره ولن يتأتى ذلك إلا عن طريق تعاليم الدين التي تحاربون دعاته في قسوة رهيبة، تخفى في حناياها الكثير من الدلالات، إن بناء الشباب لن يكون إلا على موائد القرآن ومثله العليا والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أما القبض على الشباب الملتحي، والقبض عليه في المساجد وتتبعه في كل مكان، فلن يؤدى إلا إلى الخواء الداخلي والخارجي.

إن بناء الشباب القوى لا يأتي عن طريق قرارات التحفظ والاعتقالات. مهما انتحلوا لها من أسباب ومبررات. كانت مفخرة السادات أنه أغلق المعتقلات إلى الأبد؟ فهل الأبد بضع سنني ثم تعود المعتقلات إلى الانفتاح التحفظي حذوها بالانفتاح الاقتصادي؟ إن هذا التناقض بين الأبد قولا وواقعه فعلا يكاد يغير معنى الأبد عند الناس ولكن سيادته قادر على أن يعطى أسماء لغير مسمياتها وأن يبتدع للأحداث من الصفات ما لا يتفق مع واقعها من قريب أو بعيد.. وسبحان الخلاق العليم.

ويقول السادات في نفس الحديث والصحيفة والتاريخ " إن واجبنا ونحن نبنى قوتنا، أن تتوافر على ثلاثة أمور وهذه واجباتكم الأساسية" .

  1. بناء السلام.
  2. بناء الرخاء.
  3. بناء الديمقراطية.

فلننظر أي بناء من هذه الثلاثة، بناه سيادته أو أقامه وحققه أو حتى شرع فيه؟

أما السلام فهو سلام في الداخل وسلام في الخارج، ولم يتوافر أحدهما إلا إذا تحقق الآخر. أما السلام الداخلي ، ففي الوقت الذي كان يقول فيه هذا القول كان رجال شرطته ولا أحملهم مسئولية.. لأنهم كانوا ينفذون أوامره الصارمة لتوفير السلام الداخلي بأساليبه التي يمليها عليه فكره أو من معه أو أصدقاؤه ، البيوت تقتحم في ظلام الليل، لانتزاع معارضيه من بين أهليهم، وإلقائهم في رطوبة وفساد زنازين السجون والمعتقلات، ويا له من سلام ، اللهم إلا إذا سمينا الأشياء بأضدادها وبصورة تفقد السلام كل مقوماته ومعانيه.

هل يبنى السلام الداخلي بوصف علماء المسلمين أنه كالكلاب؟ الإنسان خليفة الله في الأرض فأي كرامة لخليفة الله في أرض إذا كان كالكلاب ؟ إن الوضع الذي وضع سيادته فيه معارضيه وضع لا يتمشى مع حرية الإنسان، فلعله أتى بالوصف من تصرفاته ، لا من حقيقة الإنسان المفترضة فيه هذا إلى أن الإنسان يمشى على رجلين بينما يمشى الكلب على الأربع فأين وجه المثلية في هذا التشبيه هل يتحقق السلام الداخلي والشعب يبيت في فزع ويصبح على هلع؟

هل السلام الداخلي يتوفر بحبس كل من معارض سيادته فيخلو له الجو وحده يصول فيه ويجول، ويقول ملا يهيؤ له خياله أن يقول ، دون معارض أو عزول؟ هل يتحقق السلام بخروج المواطنين من وطنه، إلى مهجر غيره اتقاء شره وإيذائه؟ هل يتحقق السلام بإطلاق المخبرين في كل مكان يحصون على الناس تحركاتهم ولقاءاتهم، هذا إن لم يحصوا عليهم أنفاسهم؟

هل يتحقق السلام بتقدر التقارير السرية عن كل شاب ملتحي يغشى المساجد؟ هل يتحقق السلام بتبني طائفة من طلاب الجامعة، دون غيرهم، ويطالبهم سيادته أن يعتدوا على مخالفيهم في الرأي بالضرب والاعتداء؟ هل يتحقق السلام بمنح امتيازات لطلبة وعمال الحزب الوطني الديمقراطي دون غيرهم؟ هل يتحقق السلام بحبس رؤساء الأديان ودعاتهم؟ أي سلام هذا الذي يريد سيادته أن يبنى قوة شعبه على أساسه؟

أما السلام الخارجي فلن يتوفر إلا إذا كانت إرادتنا محترمة، وتصرفاتنا حرة وأوطاننا آمنة، جوا وبحرا وأرضا، هل يتوفر السلام الخارجي لأنه قال لا حرب بعد اليوم في هذه المنطقة .. لا حرب وغزة والضفة الغربية والجولان محتلة احتلالا عسكريا صهيونيا؟

إذا فقد كان عبد الناصر ملاكا عندما نادي بشعار أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.. إنه لم يقبل تصرفات إسرائيل إلا مرغما ولو في المظاهر على الأقل ، أما السادات فقد قبل اغتصاب أجزاء من وطننا وأرضنا راضيا مختارا.. وشتان ما بين الموقفين؟

هل تحقق السلام الخارجي وانتهت الحروب وإسرائيل تضرب المفاعل العراقي، وتقيم المستوطنات في الضفة لتهويدها، وتغزو جنوب لبنان ولن تخرج منه لأنه مجال أمنها كما تدعى؟ هل يتحقق السلام الخارجي بما تفعله إسرائيل منذ عقد معاهدة السلام مع كل دول المنطقة؟ هل يتحقق السلام الخارجي بعد أن انفصلنا عن كل المنطقة، واستفردت بهم إسرائيل واحدة واحدة؟ هل يتحقق السلام الخارجي بعد أن تخلصنا من دولة واستبدلناها بأخرى؟

هل يتحقق السلام بعد أن أعنا دولة مسلمة على دولة مسلمة، بدلا من أن نسعى بينهما بالصلح والوفاق، فإن عجزنا لزمنا جانب الحيدة بين الاثنين ؟ هل يتحقق السلام الخارجي بعد أن أعطينا السلاح لمسلم كي يقتل به مسلما آخر؟؟

هل يتحقق السلام بنوعيه بعد أن أثبت سيادتك في كتابك البحث عن الذات أنك ستحفظ على كل مواطن أمنه كرامته ورفاءه، ثم فعلت ما ينقض ذلك كله تماما؟ يا ريس تحلف لي أصدقك أشوف أمورك أستعجب، بل وأندهش واستنكر، " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" يا رجل .. رحمني ورحمك ارحم الراحمين.

وتوفير الرخاء هل يتوافر بتسعير الخضر والفواكه من منابعها، وقبض كملاكها الأغنياء من المحظوظين بالأسعار التي تشتهوها؟ هل يتوفر الرخاء والميزانية تبشرنا بفائض كل عام، في حين أن العجز يكتسح كل جنباتها؟ أهذا هو توفير الرخاء الذي أفلس كل جيوب المواطنين في شراء حاجاتهم الضرورية بأفحش الأسعار؟

هل يتوفر الرخاء بترك المشرفين على الجمعيات الاستهلاكية، دون أن يتخذ حكمك إجراء حاسما يقضى على كل هذه الانحرافات؟ التي لا يكتوي بنارها إلا الضعفاء الفقراء؟ هل يتحقق الرخاء بهذا الانفتاح الاستهلاكي الترفيهي من أحمر شفاه يجعل المرأة أكثر جاذبية، كما تقول إعلانات التليفزيون والرحيل والجليمو شامبو؟ إن الرخاء يبنى بشد الأحزمة على البطون من رئيس الجمهورية فما دون. الاكتفاء بالضروريات ولن تجد لذلك معارضا .

إذا تمت المساواة بين الجميع وعدم إحضار بوكيهات الورد والأزاهير من باريس رأسا وغيرها بالطائرات؟ والاستفتاء عن الاستراحات والأركان التي تكلف الفقراء منا الملايين، لالشىء إلا استرضاء لمن يجب أن يكونوا محل الرضاء دون أن يرفض لهن طلب، ولو كان من فوق قمة جبال القمر. إن الرخاء لا يبنى بشراء الأصواف والحرير من الخارج، والتهاب أسعار اللحوم بصورة لم تشهد لها مصر مثيلا.

هل يأتي الرخاء مع تلك الحفلات الباذخة في هيلتون وشيراتون وما إليها من صواوين التعزية والأفراح. كل ذلك كان بالإمكان أن يوقف بجرة قلم ودون استفتاء. بل وباستفتاء حر نظيف.

لا تسأم من طول حديث السادات ، فهو مليء بالمفاجآت والمتناقضات والمسليات بل والمشويات والترقيات " عشمني بالحلق خرمت أنا ودانى" فقد قال سيادته في نفس الحديث والصحيفة والتاريخ " وكل ما قمنا به يجعلنا نرفع الناس عاليا ولكننا لن نسمح لأحد أن يخرج على تقاليد .. أو يعرقل مسيرتنا لبناء السلام وتحقيق الرخاء" يا بديع السموات والأرض ألهمنا الصبر على قراءة هذا الكلام الذي يكاد يخرج أعلى الناس أدبا عن كل حدود اللياقة وواجبات الأدب.

إننا حقا لا ندرى ما الذي يقصده سيادته من التصرفات التي تجعلنا نرفع الرأس وما لنا والخجل. هذه لهذه الفضائل معنى عند سيادته غير ما تعرف عليه الناس من كل ما يرفع الرأس ويمنع من الخجل ؟ من الذي لا يسمح لأحد بالخروج على تقاليدنا؟ أهي إرادة الحاكم وحده ، هي التي تقرر أن هذا العمل خروجا على التقاليد، والآخر ليس بخروج على التقاليد؟ إن القيم والتقاليد قررتها أجيال في شعوب ولم يقررها فرد بذاته ، مهما أوتى من ذكاء أو سلطان أو عقيدة.

إن القوى القادر يوم اقتضت حكمته أن يكون للناس حاكما يطبق تعاليمه، حدد حدودا فقال هذا حرام، وقال رسول الله صلى اله عليه وسلم إن هذا مباح وهذا مندوب وهذا مكروه، فهل يرى وهو الرئيس المؤمن الذي تزين جبهته زبيبة الصلاة، أن يعدل في تشريع الله؟ أنا ما أظنه أن يقول هذا أو يرضاه لنفسه.

وكذلك فعلت القوانين الوضعية في الأمم الحرة المحترمة، ذات الحكام الين لا يجرءون على تجاوز حدودهم، مهما بلغ حب شعوبهم لهم. هذه هي المصادر التي تحدد وتقرر أما غيرها فهو أهون على الله وخلقه من أن تكون إرادته هي التي تحدد ما يجب أن يكون أو لا يكون أما أن يدعى حاكم لنفسه هذا الحق، فهي الفوضى بعينها وهى فساد الأمر واضطراب الأحوال في الأمم والشعوب. وهذا هو التعنت في أجلى صوره. وما أظنه يقصد هذا .

ثم ننظر في هذا الذي قاله سيادته ومدى انطباقه على الواقع خلال حكمه. هل من تقاليد الحاكم المسلم أن يترك النساء من شعبه يخرجن على الصورة التي نراها في جميع طبقات الشعب؟ هل يرفع المسلم رأسه، وهو يرى زوجته بين يدي أجنبي عندما تراقصه، واليد على الكتف والأخرى على الخصر ..

هل من تقاليدنا إلا نخجل من مثل هذه الصورة إلا أنه شيء يمرغ الرأس في الوحل، ولا يكفى فيه حياء ولا خجل هل مما يرفع الرأس أن تتحدث نساؤنا مع الأجانب في ختان الفتيات أو عدم الختان وما يدل عليه مثل هذا الكلام السافر، من التجرد عن كل تحرج وخجل؟ هل من تقاليدنا أن تحضر نساؤنا أبسط درجات الحياء في المرأة " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن" أين هذا من تقاليدنا وأين تقاليدنا من هذا؟ هل من تقاليدنا ما يعرضه التليفزيون من أفلام ماجنة ورقصات مغرية تخالف الدين في صميمه.

حتى الإعلانات أصبحت مليئة بالمغريات الجنسية ولا رقابة ولا إشراف ولا انضباط، أين الرقابة والمحافظة على التقاليد التي لا يسمح سيادته بالخروج عليها.

إن لدى المصريين من العلم بالخروج على التقاليد، ما يمنعنا من سرده أو تسطيره فقد أمر الله بالستر والزرع أخضر والناس أخبر.

انظر كيف يتحدث سيادته عن الديمقراطية " إننا لم نضرب الديمقراطية كما أشاعوا ولكننا وضربنا الذين أرادوا العبث بالديمقراطية، والذين أرادوا ضرب الوحدة الوطنية" هكذا لا يعرف السادات المحافظة على الديمقراطية إلا بضرب من يخالفون رأيه، وليس بالحوار الحر والدليل والبرهان.. هذه هي ديمقراطية السادات التي يريد حمايتها.. المعتقلات والسجون والتحفظ والإيذاء؟ هذه هي أساليب المحافظة على الديمقراطية .

ثم من هم الذين يعبثون بالديمقراطية وضرب الوحدة الوطنية؟ أهم الوفديون أو الشيوعيون أم المستقلون أم الجمعيات الإسلامية أم الإخوان المسلمون؟ ترى كم عدد هؤلاء بالنسبة لعدد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي ؟ يا لتعاسة هذا الشعب الذي تعبت كل أحزابه واتجاهاته الفكرية، ويضرب الوحدة الوطنية؟

وما هي الوحدة الوطنية بدون هؤلاء .. أي أنهم يضربون أنفسهم بأنفسهم؟ يا لهم من مجانين ، إن من لم ينضووا تحت لواء سيادته ويمجدونه ويبجلونه ويخضعون لما يراه أيا كان هذا الذي يراه.

وفى أى شرع يحكم فرد على غالبية شعبه أنهم يعبثون بمصالح الوطن ويضربون الوحدة الوطنية إنه لم يكلف النيابة حتى تحقق ما ينسبه إليهم، ولم يقدمهم للقضاء ليقول كلمته فيهم . يا عفاريت الأرض وباحنها هل في عالمكم الخفي مثل هذه التصرفات؟ إنه حرمهم من كل حق حتى ما يتمتع به القتلة والنصابون والمزمرون والمختلسون .. يا له من أساس بديع لمقاومة المعارضين والتخلص منهم.

إن هناك ربا لا يغفل ولا ينام، وهناك شعب لا يسمح للطغاة أن يبطشوا بع كما يريدون أنه ضرب معارضيه كما يعترف بذلك في حديثه هذا الظريف اللطيف الخفيف العفيف النظيف، الذي لا يقره منطق ولا عرف ولا تقاليد.

إنه ضرب معارضيه وهذا أقل ما يمكن أن يقال، فهل مما يشرف الحاكم.. أي حاكم .. أجل .. وياليته ضربهم مواجهة، ولكن في سواء الليل، محتميا بعساكره وأجناده ويا لها من صورة من صور الضرب الشريف.. رجل لرجل، أو رأى لرأى أبدا وهو منعم في استراحاته وأركانه المرفهة، صدقت يا سادات..

لقد ضربت المعارضة، وأراد الله أن يدينك بلسانك .. هل يشرف الحاكم أن يضرب أحدا من شعبه ثم يفاخر بذلك.. ولكنه السادات وكفى، من عرفه فقد اشتفى ومن لم يعرفه فما به خفا، وسبحان القادر على كل شيء.. وإذا ضرب الحاكم معارضيه بأجناده، فمن الذي يحميهم؟ ثم كيف تكون نظرتهم إلى حاكمهم، بل إلى وطنهم، هل يعتب بعد ذلك على المواطنين الذي هجروا ونهم، اعتزازا بكرامتهم وحريتهم وحياتهم..

إن الله لابد من غير إلزام عليه أن يضرب الظالم مهما طال أمد الظلم ، يضربه ضربة ما له حيالها من فكاك، وفى الوقت الذي يظن أنه قد تم له الاستواء على كرسي الحكم. وترقب زوالا إذا قيل ثم.

تأتى الضربة القاصمة في الوقت الذي لا يتوقعه الظالم والمظلوم على السواء إذا اغتر الظالم بحراسة أتاه الله من حيث لا يحتسب. أما المظلوم فيأتيه الفرج. وهو ينظر إل السماء ضارعا يسأل .. متى النجاة ؟ وفى أحلك أوقات الظلام يبزغ فجر النجاة ناعما متئدا باسما مشرقا.

ثم كيف ثبت لدى السادات أن معارضيه ضربوا الديمقراطية؟ هل هي مجرد تصورات، حتى إذا رأى غير شيء ظنه شيئا،أم هي أدلة صحيحة؟ فإن كانت براهين قاطعة فلماذا لم يقدمها للإخوة والأخوات، والأبناء والبنات حتى يكونوا على ثقة مما يقول ويصدقوه؟ أم أنها حزام التي يتحدثون عنها في كتب الشعر فيقولون.

إذا قالت حزام فصدقوها
فإن القول ما قالت حزام

وهل الفتنة الطائفية شجار وقع بين مسلمين ومسيحيين، مما يقع عادة في أي مكان في العالم؟ إن الله وحده يعلم أين حكيت أوصال هذا الشعار، ولأي غرض من الأغراض ابتدعوه؟ ولماذا دقت أجراسها في سنة 1981 مع أن سيادته كثيرا ما قال في خطبه وأحاديثه إن نذرها بدأت من سنة 1972 ؟

أين كان الحكم وحراسه طيلة هذه السنين ؟ ولماذا لم يقضوا عليها قبل أن يستفحل خطرها، ويستشرى خطبها ؟أهذا هو الحسم؟ أم أن للحسم مناسبات لا يتحرك إلا فيها وعندها وبسببها؟ لماذا لم يقض عليها وهى ما زالت تحبو، قبل أن يشتد عودها؟ وكان ذلك أيس في العلاج ، وأصلح للوطن والمواطنين ؟ أهذا هو السهر على مصلحة الوطن.

وقد وعد سيادته بإظهار الحقائق أمام الشعب، ثم تمخض هذا الوعد عن شتائم انهالت على أسماء باذلات.. فؤاد سراج الدين وأحمد المحلاوي وعمر التلمساني ؟ وقد أمسك الناس بأنفسهم استعدادا لمسمع تلك الحقائق، ليضعوا مرتكبيها في مكانهم المناسب لجرائمهم ضد الوطن، فإذا بالوعد بالونا منفوخا فإذا خلا من نفخته وضع الشعب الشاتم والمشتوم كل في مكانه الصحيح تقديرا واحتراما وعلى كل فقد كان لكل من تناولهم السادات بشتائمه حاجة في أن يغفر الله سيئاتهم ويرفع من درجاتهم وجاءت عن طريقه فشكرا له ..

وكم رثينا لكل من حضر لقاء السادات بشباب جامعة المنيا ممن تحمسوا له وصفقوا وأيدوا كل ما جاءت به قريحته المجلاة من شتائم واتهامات وقرارات، فقد اختاروا لأنفسهم طريقا كنا نود إشفاقا عليهم ألا يسلكوه والذي يلفت النظر أن كل الذين خطبوا متحمسين ، قرروا أنهم يقفون خلف السادات..

ولم يجرؤ واحد منهم أن يقطع بوقوفه مع السادات أو إلى جانبه أو أمامه لحمايته بالروح والدم؟ هل يظنون أن الوقوف في المؤخرة أسهل في الستر، وأيسر عند الفر.. أم أنها حكمة تعلموها من رأس الذئب الطائرة.

لا شك أن الوقوف عند الذيل يعطى الكثير من الأعذار إذا جد الجد أو حان وقت الحساب وكل أعلم بمصلحته الذاتية هي التي تحركه..

أمور يضحك السفهاء منها
ويبكى من عواقبها اللبيب

ألا قاتل الله الهوى، وخرب بيته ، والبيت الذي جنب بيته وحرق غيطه وأراق زيته، حتى ولو كان زيتا لو كاء..

ومن المؤسف أن النائب العام في ذلك الحين (السيد صلاح الرشيدي) يرضى عن قانون العيب والمدعى الاشتراكي وما إليها من تقنين في التقنين .. يرضى عن ذلك ويؤيده وهو بحكم مركزه في قمة المعنيين والمحافظين على شرعية القوانين، فأي ضمان يرتجى مع هذه الآراء؟

إني لا أريد أن أمس شخصية أحد بسوء، ولكنى أتحدث عن مواقف وملابسات، كنت أود من صميم قلبي، أن يسمو فوق مستواها، كل من شاء الله أن يكون مسئولا في ذلك العهد، أيا كان نوع مسئوليته وقدرها.

إن للعدالة جلالها، وهذا مع تعودناه من رجالها، وهذا ما نتمنى أن يكون ديدنهم كائنة من كانت الأوضاع، ولقد أثبت قضاؤها حتى ذلك العهد أنه فوق مستوى الشبهات إذ قضى بالبراءة في أغلب القضايا التي اتهم فيها معارضو السادات بمختلف الاتهامات.

نسأل الله ألا تعود مظالم 3 سبتمبر سنة 1981 أبدا، مهما اشتدت المعارضة في نقد الوزراء، فآلاف الأخطاء في جو الحرية، خير ألف مرة من خطأ واحد في غير جوها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف عن ظهره وطالب كل من يظن أنه أساء إليه أن يقتص لنفسه، دون أن يجد الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم غضاضة في نفسه لأن العداوة والشحناء ليستا من خلقه، ومن أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم قدرا وجاها؟

لا أحد على الإطلاق ولأن يتسامح الراعي ويعفوا أقرب إلى الله والشعب من أن يحقد ويقسو. وما تزال سيرة العادلين من الحكام عاطرة محببة، ينالهم منها نباهة الذكر وطيب الأحدوثة " ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه" الأشخاص فانون، تبقى أعمالهم وتصرفاتهم ما دامت الحياة وحتى بعد الممات: " إنا نحن نحيى الموتى ونكتب ما قدموا وآثرهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين".

26 سبتمبر سنة 1981

بنفس الأسلوب تأتى جريدة أخبار اليوم في 26 سبتمبر سنة 1981، بنفس الأماني والأحلام التي عشناها في تلك الأيام، التي استمتع فيها شعب مصر بالرخاء والأمن الشامل والديمقراطية، التي كان يستمتع فيها المتحفظ عليهم بكل أنواع الإيذاء وصنوف المضايقات دون أن يسمع لهم أية شكاية أو تظلم مما كانوا يعانون من سوء المعاملة وسوء التغذية وسوء الرعاية الطبية وسوء كل شيء يمكن أن يرد على بال أي إنسان من أنواع البلادة، من أخبار تلك الجريدة في ذلك اليوم " لجان بالمحافظات لحماية الوحدة الوطنية"

ومضمون الخبر أن لجانا ستشكل في المحافظات لمواجهة الفتن والتسيب كما يرى المراقبون أن أعضاء مجلس العشب وأعضاء المجالس المحلية ستشرح أهداف القرارات الأخيرة لاقتلاع جذور الفتنة وضرب التسيب، وأن المقصود من هذا هو حماية الوحدة الوطنية، وليس ضرب المعارضة والأحزاب السياسية القائمة ولابد من التمييز بين المعارضين والمناهضين .

وهذا هو الخبر ، هذا هو مضمونه ، أي أن كل عضو من أعضاء مجلس الشعب، وهم الذين صفقوا لتلك القرارات من تفكير صاحب القرارات وواضحة في تصوره قبل إصدارها؟ ألم يشرح سيادته تلك الأهداف أمام أعضاء مجلس الشعب والشورى، في أكثر من خطبة؟ ألم يفهموا ما قاله الرئيس؟ ألم يسمعها الشعب كله ويقرأها ويتبين مراميها؟ هل يشك سيادته في تفهم الشعب 100 % لها؟

وقد جاءت التأييدات والتهاني من كل قرية وعزبة وكوخ وقارب بالموافق التامة؟ وهذه الاجتماعات التي عقدت من قبل وشرحت فيها أهداف تلك القرارات هل يشك الريس في تقبل الشعب لها.

هل يشك سيادته أن الملايين الـ 100% فرحون آمنون مطمئنون موافقون مبسوطون؟ ولم يرفضها إلا خمسة آلاف مرة وعشرة آلاف مرة على حد قول سيادته؟ هل يشك أحد في صدقه وتحريه للحقيقة في دقه وتأكيد؟ هؤلاء الذين يعيشون في القصور والمكيفات .. ترى أين يعيش سيادته؟ في الأكواخ والجدران الرطبة المتداعية، بلا مكيفات ولا ثلاجات ولا طباخون ولا فراشون ولامربيات ولا .. ؟

لابد أن يكون واقع حياته كذلك، وإلا فما يتصور أحد أن رئيس الجمهورية ينتقد ويعترض ويستنكر نوعا من الحياة هو نفسه يعيشها ويحياها؟ لا يا سيادة الرئيس كأفراد من عائلتك الكبيرة لا نرضى لك أن تقول أقوالا ينقض بعضها بعضا.

إذا كان جزاء بعض أفراد عائلتك الذين يسكنون القصور، إذا كان جزاء هؤلاء المعتقلات، فماذا يكون جزاؤك عند نفسك وأنت تسكن أفخم قصور البلاد كلها؟ أيرضيك هذا أو يرضى أحد عائلتك ؟ أين يسكن رئيس وزرائك ووزرائك ورئيس مجلس الشعب والشورى؟ ليه كده؟ لماذا هذا التورط وهذا الإحراج حتى للذين يؤيدونك ويصفقون لك..

هل نحن عند قول الشاعر: إحدى يدي أصابتني ولم تر؟ وهل بلغت هذه القلة من المناهضين لا المعارضين هذا الحد من الخطورة عليك، حتى ترتكب كل ما فعلته معهم؟ هل كانوا خطرين إلى الحد الذي تجيش ضدهم كل قوى الدولة؟ ألا يبدو الأمر غير معقول عند كل من ينظر إلى أقوالك وأعمالك نظرة سطحية عابرة؟ لقد قررت أكثر من مرة أنهم لا يؤبه لها، وأن الشعب قد لفظهم؟ فلماذا لا نتركهم منبوذين؟ وهذا أقسى عليهم من التحفظ والاعتقال ؟ لماذا إذا هذه اللجان وهذه الشروح والبيانات والإغراءات لشعب لفظ خصومك بمجرد أن أشرت إليهم بحافة قلامة ظفرك التي تقصه بين حين وآخر بالمقصات المعقمة؟ لا يا سيادة الرئس..

لو كان الشعب معك 100% كما أكدت لما كنت في حاجة إلى كل هذه اللجان الاجتماعات والشروحات وبيان الأهداف؟ إنك ترأف بمعاونيك فلا تتعب أعضاء مجالس الشعب والشورى والمحلية بمثل هذه التجمعات لشرح الأهداف لعدة أسباب:

أولا: لأنها أهداف لا يمكن شرحها لأنها صدرت منك في أوقات غير طبيعية والشيء غير المعقول لا تهضمه العقول .
ثانيا: أن شعبك ذكى ونبيه، ولكنه يتغافل أحيانا حتى يقال عنه أنه غافل، قد يبدو من ذكائه ما قد لا يرضى رسلك إليه، فلا تحملهم مشقة هذا العناء في أمور قد لا يكونون هم أنفسهم غير مقتنعين بها في دخيلة صدورهم، وقديما قيل ما الذي حملك على المر قال الذي أمر منه.
ثالثا: أن هذه اللجان قد تكون من وراء شروحها ما يكشف حقيقة الـ 100% وعيب أن يحدث هذا لأن العالم كله يهتم بأحاديثك ويدرسها إعجابا بها، وتقديرا لها، من الذي يرضى بما حدث أو يستطيع تفهمه؟ القضاء.. ؟؟ وقد تعددت جهات الاختصاص فيه إلى حد لم يشهده العالم وفيه أكبر المساس بأسس العدالة ، أساتذة الجامعات.. وقد نقلت العشرات منهم إلى غير ما أعدوا أنفسهم له في مطلع شبابهم ودراستهم .

الصحفيون .. وقد قصفت أقلام العشرات منهم وأبعدهم عن المجال الذي بنوا عليه مستقبل حياتهم. والطلبة .. وقد صادرت إرادتهم وحلت اتحاداتهم التي انتخبوها بمحض اختيارهم الذي عكنن عليك وأغضبك. هدانا الله جميعا إلى الصواب في التفرقة بين الخطأ والصواب، حتى تكون تصرفاتنا موضع الرضاء من الله أولا ثم الشعب ثانيا، وهكذا ترى أنني لا أهاجمك ولكنني أدعو لك.

في نفس هذه الصحيفة وبنفس التاريخ، قرأت خبرا وقفت أمامه بعض الشيء لا لأهميته ولكن لغرابته وعجائبه والقاعدة التي قام عليها.هذا الخبر يقول

" عقب اجتماع الرئيس السادات بالمجلس الأعلى للصحافة وفى طريقه للخروج من القاعدة توجه إلى حيث يقف إحسان عبد القدوس عضو المجلس، وصافحه مبتسما وحياه باعتباره صديقا قديما، عمل مع الرئيس في روز اليوسف وجرى حوار إنساني بين الرئيس وإحسان عبد القدوس حول محمد بن إحسان عبد القدوس الذي تحفظ عليه في الإجراءات الأخيرة"

إياك أن تغضب أو تستنكر هذا العمل غير الانسانى الذي ما كان للسادات أن يقدم عليه مع أب جريح.. أب انتزع ابنه في ظلام الليل.. ابنه المهذب المؤمن حقا لا شعارا.. لا تبتسم ابتسامة صفراء أو زرقاء أو مصبوغة بنيله .. ضع أعصابك في ثلاجة البطاطس الذي أفسدته تلك الثلاجات.

يا لها من مجاملة أو شماته .. يا لها من مجاملة أو إظهار لقوة العضلات وسعة السلطان.. أهي مجاملة أم تقريع لاحسان عبد القدوس أن يترك ابنه يسير في ركب الدعاة إلى الله. يا له من تلطف مع والد مزقت قلبه سكين السادات التي لمترع حتى هذه الصداقة القديمة.. إن لطف سيادته لم يقف عند الابتسام في وجه من حرمه من ابنه، والقي به إلى مصير مجهول، لا .. لم يبتسم في وجهه ولكنه تنازل فحياه هل رأيت تواضعا أظرف من هذا التواضع؟

السادات يتواضع لاحسان عبد القدوس.. ترى كيف العلاقة بينهما وهما يعملان في مجلة روز اليوسف ؟ سبحان مغير الأحوال بهذا الأسلوب الأنورى يعامل الناس ضحاياهم؟ هل اكتفت عواطف السادات الرقيقة عند هذا الحد؟؟ (يا أخي دهده)

وإلا فهو ليس بالسادات،لقد أجرى حوارا إنسانيا عاطفيا رخيا نديا طريا هنيا لوذعيا أنور يا ساداتيا .. كان الله في عونك يا إحسان ، حوار مع رجل وضع السادات ابنه في السجون.

كيف قابل إحسان ابتسامة السادات بابتسامة مثلها أو أوسع منها؟ في وقعها أو خفتها وحنانها؟ إذا فإن قلب إحسان قد من صخره صخور . كيف مرت به الدقائق العصيبة أثناء هذا الحوار.

هل يتصور السادات أن إحسان كان راضيا عما فعله السادات بابنه؟ إن الصورة التي رأيناها في الصحف بعد وفاة السادات صورة إحسان وهو يحتضن ابنه الحبيب بعد نجاته مما كان يبيته له السادات تدلنا حقا وبصورة واضحة كيف تلقى إحسان ابتسامة السادات وكيف قابل تحيته وكيف كانت حالته أثناء ذلك الحوار (الخفافى) لعل السادات أراد أن يريح إحسانا من متاعب ابنه صعب المراس ناشف الرأس ، المناهض لرئيس دولته المعارض لإرادته المثير للفتنة الطائفية، الضارب للوحدة الوطنية.

ولماذا لا يرضى إحسان؟ إنه إذا لمتنكر لجميل الرئيس هل هذا التفضل الهائل الجليل.. هل تدرى لماذا فعل السادات هذه الفعلة مع إحسان ؟؟ لا داعي لأن لعلماء الاجتماع والنفس والأخلاق رأى في هذه التصرفات بمثل هذا النوع من التعامل ، يتعامل رب العائلة وهو في ذروة قوته، مع أفراد رعيته الذين لا يملكون من السلطان ما يقابلون به المعاملة بمثلها. وكان الله في عون عباده الذين يرون في أوقات محنتهم حسنا ما ليس بالحسن.

اتفرج وشوف السادات بيعمل إيه . في نفس الحديث بنفس الصحيفة والتاريخ يرد الخبر:

(مع بداية العام الدراسي الجديد أعدت مجموعات من القواعد لتحقيق الانضباط في جميع المدارس، لن يشهد العام الدراسي أي شكل من أشكال التسيب. اتخذت القرارات التي تضمن ذلك.
وتتسم الدراسة هذا العام بعدة ملامح جديدة منها امتحان شهري لجميع التلاميذ وتقييم سلوكهم أول بأول) يا له من تهديد ووعيد في كل فقرة من فقراته النارية. هذا هو الانضباط وإلا فلا.

وإذا كانت هذه الإجراءات مقصود بها مصالح التلاميذ، فلماذا لم يتخذها السادات من زمن بعيد، أليس يعمى هذا صورة من صور التقصير والقصور في سابق عهد السادات ولم يتبين إلا في سبتمبر 81 .

ولعله لفت نظرك أن من بين هذه الإجراءات الانضباطية، أن هناك امتحانات شهرية أتدرى لماذا ؟ الجواب يعرفه التلاميذ وأهلوهم . وألفت نظرك مرة أخرى إلى أن سلوك التلاميذ سيكون محل تقييم ، سلوكهم فقط وليس سلوكهم وتحصيلهم معا.

هل تبينت لماذا يقيمون سلوك التلاميذ أولا بأول؟ إذا رضي التلاميذ بما يحدث لأهليهم فهم تلاميذ ذو سلوك ممتاز وإذا يرضهم ما هو حادث فسلوكهم سيء.. بذيء .. سافل.. رذل، ومثل هذا النوع لا يجب أن يظل بين الطلبة الطيبين حتى لا يفسدهم هذه الشتائم ليست من جعبتى ولكنها الألفاظ التي وصف بها السادات مناهضيه ومقلقي راحته، ورافضي سياسته الداخلية والخارجية.

ومن لا يعجبه الشرب من البحر الأبيض فليشرب من البحر الأسود أو الأحمر أو بحر القلزم، فمياهها تروى العطشان حتى ولو كانت فى ملوحة البحر الميت.

وتجرى الأيام في سباق محمود إلى مستقر لها والناس يتسآلون متى الفرج؟ متى تنقشع هذه الغمة ، ومتى ينتهي هذا الظلام.. الشعب يئن في صمت لأنه يعلم أن الأنين المرتفع يودى إلى الحديث حيث تهوى الأيدي الباطشة على مكان سحيق.

والباطشون تجتاحهم مظاهر القوة التي يتمتعون بها، غافلين عن تقلبات الزمن، وأنه من مأمنه يؤتى الحذر، وأنه لا حذر ينجى من قدر وإن حب الشعب أعظم وأوفى أمانا من حراسة الجند .

ونسى السادات ومن حوله أن الظلم مرتعه وخيم وأن عين الله لا تنام أبدا، وأن الظلم لو حمى فاروق وعبد الناصر، لما وصلت رياسة الجمهورية إلى السادات ونسوا أن الله في أقرب من ارتداد الطرف يغير من حال إلى حال نسوا كل ذلك وظلت صحفهم تردد أناشيد الإطراء والتبجيل، وتقدم كل صباح أنباء الاستقرار المفتعل وتبشر الناس أن القيود البلاتينية تعد في مصانع التقنين لتكمم فم كل حاقد وتخرس كل حسود.

27 سبتمبر سنة 1981

وتطالعنا أخبار اليوم بتاريخ 27 من سبتمبر 1981 وبالخط العريض وفى صدر صحافتها:

(السادات في سيارة مكشوفة وسط الجماهير، استقبال شعبي للسادات لم يسبق له مثيل) ألم يقولوا قديما إن الكعكة في يد اليتيم عجبه. أية أهمية إخبارية في أن يركب السادات سيارة مكشوفة أو مغلقة؟

ألا يركب كل الناس سيارات مكشوفة فما هو الجديد في أن يركب السادات سيارة مكشوفة مثلهم؟ أهو استفتاء شعبي من نوع جديد ؟ أتريد صحافة السادات أن تؤكد للشعب أنه مهما فعل أو ارتكب فلن يجرؤ أحد على أن يمد غليه يدا بدبوس؟ أم تريد إظهار أن الشعب كله مع السادات فهو يأمن جانب شعبه فهو يركب سيارة مكشوفة دون أن يخشى طلقة طائشة من الطلقات التي تطلق في الأفراح.

وهل من مصلحة الوطن أن يترك الفلاحون والعمال والموظفون والطلبة والتجار، يترك هؤلاء جميعا أعمالهم معطلة لا لشيء إلا ليعطوا السادات استقبالا شعبيا لم يسبق له مثيل؟ أليس هذا بالعبث المحزن؟ وهل شعبية السادات في حاجة إلى التدليل عليها؟

وإذا كان هذا طوفان حب الشعب لسيادته وثقته من مكانته عند شعبه فلماذا يقبض ويعتقل ويتحفظ على بعض أفراد هذا الشعب الوفي الأمين الذي يفتديه بالروح والدم والمال والأهل والولد؟ لأن الروح والدم لا ثمن لهما؟ ربما.. هل الحب أن يضحى الإنسان بالأشياء التي لا ثمن لها؟

هل رخص الحب والثقة إلى هذا الحد في عهد السادات ؟ فهل من جواب شاف للتوفيق بين هذا الإجماع الشعبي وبين إصدار القوانين الاستثنائية والقيود القانونية؟ أظن أن الجواب عند كاتب المقال في جريدة أخبار اليوم بنفس التاريخ بعنوان (الله أكبر) قص فيه علينا انبهاره بالتفاف الشعب حول رئيسه السادات. وهو يخترق الصفوف في سيارة مكشوفة آمنا مظمئنا.

وهل في هذا غرابة ؟؟أليس السادات بطل حروب، طالما اخترق صفوف الإسرائيليين في دبابة مكشوفة ، مال بها على اليمين فقتل الآلاف ثم زاغ بها على اليسار فيتم ورمل الآلاف ، فأية غرابة في أن يخترق صفوف الشعب وإقدامه؟ وهو آمن مطمئن، هل كان أحد يشك في شجاعة السادات وجرأته وإقدامه؟ من كان يشك فهذا هوا لدليل.. سيارة مكشوفة يخترق بها صفوف الجماهير؟ ولماذا يخترق الصفوف ، وفى لفظ الاختراق قسوة وعنت؟

أهي سمه مميزة لذلك العهد؟ أما كان الأليق والأنسب أن يقال سيارة مكشوفة يمر بها بين صفوف المصفقين؟ حتى اللفظ يضنون به على هذا الشعب الذي لا يقف تأييده للسادات عند حد محدود أو معقول ؟ انه كاتب وفى كان قد أعد سلسلة مقالات في موضوع معين، ولكن ذلك المظهر التأييدى والالتفاف الشعبي صرفه عن تلك السلسلة ليكتب ما جعله منبهرا كالمتعنجر عندما يرى الجرو حل وقد ملأه البصاق.

صدقني إن هذا الكلام عربي فصيح ، فإن كنت لم تفهم فقد سبقت في عدم الفهم، واستغلاق في التفكير في نفسية هؤلاء الكتاب.. كتاب آخر الزمان.. وعشنا وشفنا ، ومن يمشى يشف أكثر، ولكنى أقول عشنا وشفنا، ومن يموت يشوف أكثر، لقد هز المشهد الذي لم يشهد العالم مثله في أي مكان من الكرة الأرضية مشهد رئيس جمهورية في سيارة مكشوفة .. وماذا كان ينتظر؟؟

أكان يتصور أن السادات يركب سيارة مغلقة ويقبع في أحد أركانها.؟ أين إذا بطولة الحرب؟ أو في قطار مكشوف؟ هل رأى أحد قطارا غير مكشوف؟ انظر على بلاغة الكاتب، ولا تظن أنه يبالغ (الملايين حوله.. كل الملايين.. الكل في واحد) يا سلام على التفنين .. تفانين عجب.. (يهتز بالحب) شفت الملايين في واحد، وهذا الواحد يهتز بالحب .. كيف ؟ (ينتفض بالحماسة) هل ينتفض الإنسان من الخوف والفزع أم ينتفض بالحماسة .. إنها لغة ذلك العهد الذي يحب أن تصدق كل ما يقال ويحصل فيه.. إنها مباراة تخيلية .. فنية .. زعبلاوية ..

وكل كاتب عليه أن يجرد قلمه لا سيفه ويستفرغ كل ما في قلمه من حبر جاف أو سائل، ليخترع لنا من الأسطورة الساداتيه ما لم تجد به تفانين شهر زاد. والله شهر زاد كانت تسكت حينا عن الكلام المباح، أما كتاب السادات فكانوا لا يسكتون أبدا، لا عن الكلام المباح ولا عن الكلام الذي هو بحسرة قائلة (يصرخ بالنبض)

بربك هل سمعت ولو في المنام أن نبضا يصرخ .. سمعنا أن نبضا يزداد وأن نبضا يبطئ ، أما أن نبضا يصرخ. إنها استعارة ممجوجة أو مجاز ثقيل أو تشبيه نائخ.. هؤلاء هم أنصار السادات ضد الدعاة إلى الله، وخاصة الإخوان المسلمين .

إنه ما كان يضايقه في حياته شيء أكثر مما يضايقه الإخوان المسلمون لأنهم عديمي الأمزجة وليس لهم في التفاريج أو ما يدعوا إليها.. دمهم ثقيل.. (ويرقص بالفرحة) هذا التعبير لا اعتراض لي عليه لأن بعض الناس قد يرقص فرحا، وبعضهم يفرح رقصا والطير المذبوح يرقص من الألم . هل يشرف السادات أن يرأس شعبا من الراقصين والراقصات أيا كانت المناسبات .

هؤلاء هم الذين يحاربون دعاة الإسلام، لا لشيء إلا لأنهم يعكنونو عليهم مزاجهم، ولا يتركون لهم حريتهم في مزاجهم (يغنى بالقسم العظيم.. بالروح بالدم نفديك يا سادات) لقد أصبح هذا الشعار قسما ، وقسما عظيما .. وحتى لو كان قسما فإن الناس لا تتغنى بالقسم، ولكنهم يؤذونه في رهبة وعلى وجل. ولكنه قسم من نوع جديد. هذا الهراء هو الذي ينهى عنه الإخوان المسلمون.

إنهم لا يهتفون باسم أشخاص، ولكنهم يتغنون بالقرآن يزينون به أصواتهم، وأو يزينون أصواتهم به، ولا يمكن الجمع بين الجد والهزل في عهد واحد، إما هذا وإما ذاك. وما دام الإخوان يدعون الشعب إلى الجد والأخذ بمعالي الأمور للدفاع عن حقوقنا المنهوبة المسلوبة ، فلا مكان لهم فى عهد الرقص والأفراح..

وكانت نتيجة هذه الأساليب أنه بعد أن حقق جيشنا نصرا مؤزرا أضاع ثمرته رئيسنا ضياعا مقهقرا، سياسته أضاعت ثمار دماء عشرات الألوف من زهرة جيشنا أضاعها السادات عن طريق صديقه كيسنجر الذي نشرت الصحف أنه كان يهرب من لقاء السادات بعد أن أخذ منه كل شيء، ولم يكذب أحد هذا الخبر، فهو صحيح حتى يصدر هذا التكذيب بالأدلة القاطعة؛

ومن يقرأ مذكرات كيسنجر وإسماعيل فهمي ومحمد إبراهيم كامل التي لم يكذب وقالها أحد من حواري السادات فهي وصمات تجلل ذلك العهد بألوان وصفات لا يرضاها أي رجل شريف نبيل لهى يمكن أن يسيء أعداء الإخوان المسلمين إليهم، بأقسى مما أساء أصدقاء السادات إليه.. ولكنها حقيقة عهد السادات التي طفحت على وجه الأحداث بأسرع مما كان يتصور الناس.

لقد كان لهذه البلاغة في وصف روعة استقبال الشعب للسادات أثر هائل. لقد هزه البديع والبيان الذي جادت به قرائح كتابه النوابغ ، هزته من الأعماق وهذه كان لابد لها من خطبه دونها خطب قس ابن ساعدة الأيادي.

خطبت تزدان بآيات الحب، وقبح الكراهية والحقد، في وقت واحد، وإنها لمن براعات السادات وقد يجمع الفنان بين شخصيتين متناقضتين في مسرحية واحدة، وما قصة دكتور جيكل ومستر هايد بمجهولة من القراء.

فقد جاء في بعض فقرات تلك الخطبة الفريدة (أنمصر بلد الحب والإخاء والرخاء) هل يقصد سيادته الحب من الشعب له، أو الحب من سيادته للشعب؟ أو أنه حب متبادل بين الطرفين ، كحب قيس وليلى؟ أي نوع من هذه العلاقة كان يتحدث عنه سيادته ؟ أي حب من هذه العلاقة ، إن كان هناك حب حقا، كان لابد وأن يؤدى إلى الصفح والعفو والتسامح ، لا السادات يتحفظ ويعتقل، ولا الشعب يعتدي ويقتل.

وإذا كان سيادته يؤمن بأن مصر بلد الحب والنقاء، فما باله يتحدث عن البغض والكراهية والحقد؟ إما أنها بلد الحب ، وإما أنه بلد الحقد، فإذا صح إحداهما فالآخر غير صحيح ، معنى هذا أنه يقول شيئا غير صحيح، فكيف يأمن الشعب جانب من لا يصدق في بعض المواقف.

أليست القوانين تكمم أفواه المحبين والمناهضين فأين هو هذا الحب الذي يتغنى به السادات؟ فإذا هاجم معارضيه يجد من يصفق له ويهتف باسمه وهذا هو كل ما يعنيه.. ثناء الصحف الأجنبية لأغراض ما عادت تخفى على أحد، وشهادات فخرية من جامعات عالمية بعضها معروف من ناحية إغراءه لتدليل إسرائيل، ومقالات مصرية لا يملك أصحابها أن يقولون غير ما يقولون أم أنه ليس على المطرب أن يطرب أم أن له أن يتحدث ويخطب ولا حرج.. وإلا فمن كان يستطيع أن يكشف لنا عن حقيقة السادات إذا لم يقم هو نفسه بهذا الدور الصعب الذي لا يتقنه سواه.

من روائع هذا الخطاب (لا نسمح أيضرب الأخ أخاه) إذا كانت هذه هي سياستك فلماذا ضربت؟ وضربت من ؟ الأشراف الأطهار من أفراد عائلتك الكبيرة.. أليسوا مصريين مثلك وإخوة لك في المصرية، وأنت لا تسمح أن يضرب الأخ أخاه.. أنا في عرض فعل يناقض قولك وقول يناهضه فعلك. يا رجل اتق الله فينا، فإن لم تكن هناك فارحم نفسك من هذا التضارب النيح، الذي نربأ برئيس جمهوريتنا أن يقع فيها.

يا لها من شخصية فئ حاجة إلى فرويد لتحليلها . بنفس هذا الأسلوب يتحكم السادات وبمثله يحبس كل زى رأى حر، وبمثله أنهم الإخوان بما شاءت له تخيلاته أن يتهمهم به ويشاء الله المنصف العادل أن يجرى على لسان وزير الداخلية الحالي (حسن أبو باشا) بأن كل الجماعات المتطرفة لم تخرج من تحت عباءة الإخوان المسلمين ، وأن للإخوان المسلمين اتجاهات غير هذه الاتجاهات.

وإذا وقف الرجلان أمام محكمة التاريخ ما الذي يستطيع أن يقوله السادات لهذه الوزير؟ إن منهاج الإخوان المسلمين ، المفصل في رسائل إمامهم الشهيد حسن البنا، رغم ما كتبه تلاميذه من بعده.

قاطع في الدلالة على بعد الإخوان المسلمين عن فكرة الإرهاب والتخريب، التي أتعب السادات نفسه ليلا ونهارا ومسخرا كل أجهزته الإعلامية للتركيز على هذه الاتهامات غير الصحيحة كل هذا كان جهدا فاشلا غير مشكور ، وكل الين حاولوا أن يتخذوا نفس الموقف من الإخوان المسلمين باءت كل جهودهم بالفشل والخذلان؛

وما ازداد الإخوان على المحن، إلا استمساكا بدعوتهم اعتصاما بربهم، وازديادا في العدد وانتشارا للفكرة، وإقبالا عليها بصورة غير معهودة الأمر الذي أرغم خصوم الإسلام على الاعتراف برجولة الإخوان المسلمين ، وصلابتهم في الحق وقد اقترح هؤلاء الأعداء الحقيقيون على المسخرين من هنا وهناك، أن يعدلوا عن أساليب الإرهاب ووسائل الإغراء فلم ينجحوا في شيء من الإخوان لا إرهابا ولا إغراء .

وظن السادات أن إخراج الإخوان المسلمين من السجون والمعتقلات فيه احتواء لهم، ولكنه كان واهما في تصوراته شأنه في كل ما خاله فتخيله. لقد عارضه الإخوان المسلمون في أسوأ غلظة أساءت إلى تاريخه وهى معاهدة السلام.

عارضوه في مبادرته إلى القدس، ووثيقتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام. وعارضوه وحدهم دون غيرهم من الأحزاب والجماعات ، من أول خطوة خطاها في هذا الطريق الضار الخطير.

وقد أثبتت الإحداث التي تلت المعاهدة أن إسرائيل ضحكت على سيادته وخدعته في هذه المعاهدة، خداعا حمله هو نفسه على الاعتراف ف بأن إسرائيل خالفت هذه المعاهدة نصا وروحا.

وأن هذه المعاهدة كانت أخطر خطوة فرقت وحدة المسلمين . حقا إننا عارضناه بخلق المسلمين وآداب القرآن الكريم فلم نتهمه بالخيانة أو العمالة أو التفريط أو تسليم البضاعة، ولكننا نقول معارضتنا في التزام بقواعد اللياقة والأدب الذي يجب على كل مسلم أن يأخذ نفسه، إذا ما عارض أو خاصم، لأن المسلم لا يفجر في خصومته حتى لقد عبر بعض من لم يعجبه أسلوبنا أننا عارضناه على استحياء ونحن لا ننكر أننا على أدب وذوى حياء، والحياء خير كله.

وكل الذي يهمنا أننا قلنا الحق، وقلناه في مواجهة وصراحة ووضوح، ودون أن نخشى في الله لومة لائم ، ورغم كل ما فعله بنا فإننا لم نشتمه وإن كان بعضنا قد دعي عليه وكانت دعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب.

ثم وجد سيادته من الجرأة على الواقع أن يقول بين حواريه وأعوانه في نفس الحديث وبنفس الصحيفة والتاريخ (إنه لا عودة بالديمقراطية إلى الوراء) يا عينيك يا جبايرك..

إذا لم يكن السجن وإذا لم تكن التهم مع حرمان المتهمين من الدفاع مما نسب إليهم زورا وبهتانا ، إذا لم تكن القوانين الاستثنائية وإذا لم يكن التحفظ على الأموال، وإذا لم يكن حل الأحزاب والهيئات، وإذا لمتكن مصادرة الصحف والمجلات، وإذا لم يكن هذا كله عودة بالديمقراطية إلى الوراء، بل بإلقائها في قرار سحيق فكيف تكون العودة بالحرة إلى الوراء؟

هل لأحد الذين استفادوا ماديا وإن كانوا قد خسروا معنويا وماديا، هل لأحد من هؤلاء وفاء للسادات، أن يشرح لنا كيف تكون العودة بالديمقراطية إلى الوراء.. إلى الخلف در؟ هل يتشمى كل ذلك مع الديمقراطية عند الوطنيين المتحمسين الدارسين الفاهمين؟ هل يستطيع الناس أن يضعوا في رؤوسهم عقولا هل خير من الصورة التي وضعها الله في الرؤوس .

إن هذا يذكر بأن أحد قضاة عبد الناص طلب من أحد الإخوان يقرأ الفاتحة بالمقلوب .. إنها عهود متشابهة، ولا من يتعظ ولا من يعتب .. ولكن الله أراد إنفاذ قدر من أقداره على أيدي بعض عباه، سلب فهم عقولهم. ولا شك أن يجعله محل إشفاق ودعاء بالهداية والمغفرة.

نهايته على رأى المثل الغامى "العابط في الفايت نقصان في العقل وضياع للوقت" لا تسأم ، فالأحداث التاريخية التي حدثت من 3 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 81 تحملني على تتبعها حدثا حدثا، لأن ما قاله السادات والضاربون على أوتار أقواله وتصرفاته يجب أن تحصر في كتاب موجز خاص بها لمن أراد أن يقف على حقيقة ما ارتكبه ذلك العهد خلال تلك الأيام المنحوسة الممقوتة التي اجتمع فيها المتعوس على خايب الرجا، فجر ما جرى.

ومن يشك في كلمة مما جاء في هذا الموجز فليرجع إلى المصادر التي أشرت إليها، ولم يكذبها أحد حتى اليوم. وليست الأهمية قاصرة على ما حدث في تلك الفترة ما هي مؤشرات على صورة الحكم في ذلك العهد كله، وليعلم الجميع أن حرب أكتوبر 73 كانت ملحمة أسطورية كتبتها أيدي البسالة والتضحية بمداد المسك والكافور بأحرف من نور عن الجيش المصري الذي كان في تلك الحرب في الذروة، من أي جيش في العالم ولكنها كانت كارثة بما فعله السادات سياسيا فقد أضاع أغلى ثمرات تلك الحرب وأدناها بغروره الأجوف ومفاوضاته ما كارتر وبيجن.

إن تلك الحرب لو وجدت حاكما يحسن استثمار بسالة جيشه ، لكان الوضع من أوله إى آخره على غير ما هو عليه اليوم ولكانت إسرائيل عرفت حجمها فوقفت عند حدها، ولكن لحكمت لا يعلمها إلا الله أن مقاليد الأمور في الأيام كانت بين يدي من لا يقدر المسئولية ومن كان لا يهمه إلا ارتداء الملابس المبرقشة والإمساك بعصا المارشالية والاختيال كالطاووس أمام من كانوا إذا رأوه صرخ فيهم واهتز عطفهم وتاهوا في دنيا الانهيار.

ففي نفس الحديث والصحافة والتاريخ، الحديث الذي نافس ليل القطبين في طوله وبرودته، في ذلك الحديث قال سيادته لا فض فوه الذي يتحدر بالدرر الغوالى ( السوفيت حاولا إثارة الفتنة الطائفية، وقيادة الكنيسة أثارت الأكاذيب والشائعات بين ألأقباط في الخارج) فليس إذا هم المتحفظ عليهم الذين أثاروا الفتنة الطائفية ، وكفى بهذا دحضا لكل ما أثير حول الإخوان المسلمين وغيرهم من الانغماس في إثارة الفتنة الطائفية.

وإن ما بين الإخوان وروسيا من التضاد العقيدى كفيل تماما بعدم التعاون بينهما في أي مجال من مجالات الرأي والفهم. وإذا كان بعض الساسة يبيحون التعاون مع الشيطان لتحقيق أهدافهم فإن الإخوان المسلمين يحرمون كل التحريم التعاون مع الشيطان لتحقيق أي هدف من أهدافهم حتى ولو كان تافها وبعيدا عن مجال العقيدة.

ويحير البلهاء والمغفلين بله العقلاء ، في إمكان التعاون بين روسيا والإخوان في إثارة الفتنة الطائفية، لاستحالة التوفيق بين الاتجاهين، فما ينفع الشيوعية يضر بالعقيدة الإسلامية، وما ينفع المسلمين يضر الشيوعيين ، فكيف تبقى النار مع الماء؟ ولكن ذكاء رجال ذلك العهد، قمين أن يجمع بين المتناقضات رغم استمالته .

هذا في حدود فهمنا القاصر، أما في مجال العهد الأنورى فكل شيء جائز، ولقد علم الشاعر القديم بأن المستحيلات ثلاثة.. الغول والعنقاء والخل الوفي، فإن شاعرية العهد الأنورى قد جاءتنا بصواب مستحيل رابع، وهو التعاون بين الإسلام والشيوعية.

ولكن الشعراء لا يتبعهم إلا الغاوون والمستثنى منهم لا يوجد منه شيء في ذلك العهد الشاعري المرهف، ومع كل فإن قدرة الله ليست لها حدود، ونحن لا نفكر إلا في دائرة عقولنا البشرية الصاحية حينا والراقدة أحيانا.

وإذا كانت الكنيسة كما يقول السادات قد أشاعت وأذاعت ما ليس بصحيح، فما دخل الإخوان المسلمين ؟ لماذا لم يرع السادات في الإخوان المسلمين ربا ولا رحمة ؟ هل تراني بعد ذلك متجنيا على الواقع إذا أكدت أن أحداث 3 سبتمبر 1981 لم يكن مقصودا بها إلا الإخوان المسلمين ، ترضية لمن كان السادات يحرص على إرضائهم، رغم ستر تلك الرغبة في غطاء من التحفظ على كل من كانوا يعارضون حكمه أو يناهضوه، كما أن الجمع بين عيشه وأم الخير في تلك المنفجرات العصبية لم يكن مقصودا به إلا إعداد طبخة لا طعم لها ولم ولن تتم مهما حاول لهدم الدعوة الإسلامية؛

ومهما خيل إليهم أنهم واصلون إلى ما يبتغون لقد أفلت الزمام من أيديهم بعد أن أصبحت دعوة الإخوان المسلمين مدرسة إسلامية صميمة في كافة أرجاء العالم. إنها تدرس ف كثير من التخصصات الجامعية في أمريكا وانجلترا وفرنسا وروسيا وغيرها، وكفى بهذا نجاحا لهذه المدرسة العالمية امتدت جذورها في أعماق الفكر الانسانى، وطاولت فروعها وطالت على كل الفكر والأسماء.

إن الإخوان المسلمين لا يهمهم ما يصيب ذواتهم، ولكن يهمهم ويرضيهم ويسعدهم هذا الازدهار الاسلامى الذي ساد العالم كله وأصبح حديث العام والخاص في كل مكان.

ويرى سيادته في نفس الحديث والصحيفة والتاريخ، يرى في قدرة عجيبة على اصطناع ما لا يمكن صنعه من المحاولات لتشويه الدعوة فيقول مؤمنا (وغير مؤمن بصحة ما يقول ولكنه يقول وبس أيا كانت تخريجات هذه البسبسة) ويقول عداه العيب أو لم يعده (الجماعات الإسلامية تريد تقليد الخومينى ومنع المرأة من التعليم وتحريم الراديو والتليفزيون)

ويدهشني ما يعترى السادات من حرارة فوق الـ 50 % إذا ما جاء ذكر الخومينى أمامه أو على لسانه.. فعلا مصدر عكننة لسيادته بصورة مفزعة.. إن الجماعات الإسلامية لا تقلد الخمينى في شيء خاصة الإخوان المسلمون لأنهم متبوعين وليسوا تابعين ، إنهم لا ينقصهم المنهاج ولا الأسلوب ولا الوسيلة فكلها مشروحة في رسائل الإمام الشهيد حسن البنا شرحا وافيا.

والإخوان المسلمون عندما رحبوا بالثورة الايراينة، رحبوا بها لأن قادتها أعلنوا أنها ثورة إسلامية، قامت لتطبيق شرع الله والإخوان يرحبون بكل من يدعوا إلى تطبيق شرع الله، هذا إلى جانب المعنى الانسانى في تلك الثورة.

فالشعب الايرانى كان مقهورا تحت ظلم حاكم عات لا يرعى حرمات الله، فلما هيأ الله للشعب الايرانى أن يتخلص من ذلك الحكم الشيطاني، فرح بذلك كل منصف حر رحيم، لا الإخوان المسلمون وحدهم، فليس في الأمر تقليد يا سيادة الرئيس ولكنه إسلام وعدل وإنصاف ، وحتى لما حسنت العلاقة بين إيران وحافظ الأسد أعدى أعداء الإسلام كان موقفنا من الخومينى موقف العاتب الأسوان، فلم نشتمه ولم نجرمه لأن هذا هو حكم الإسلام الذي دعا إلى عدم الفجور في الخصومة.

إن الجماعات الإسلامية ومن بينها الإخوان المسلمون لم تنه يوما أبدا عن تعليم المرأة لأنه ليس من شرعهم وكل الذي يطالبون بت أن تدخل المرأة عالم العلم من الناحية التي تتناسب وأنوثتها الرقيقة التي لا تحملها المشاق البدنية. فلها أن تكون مدرسة ومشرفة اجتماعية وطبيبة وممرضة وحائكة ومربية.. الخ، على أن تبدو في كل تلك المجالات في ثوب الاحتشام والطهر، الذي يحمل الناس على احترامها ووضعها في المنزلة اللائقة بها.

ألا تقرنا على هذا السمو الانسانى بالمرأة يا سيادة الرئيس المؤمن ؟ إننا لا نرضى للمرأة أن تخرج إلى الطريق حاسرة الرأس في أبهى زينتها المغرية وقد طلت وجهها بمختلف الأصباغ الخداعة، التي إذا ما أزالتها بدت شوهاء النظر كريهة المخبر .

حسن المدنية مصنوع بتطرية أما الطبيعة فحسنها غي مطبوخ، لأن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر.ز ألست معي سيادتك في هذا وأنت الكاشف الذواقة الحساس؟

إن الإخوان المسلمين لم يحرموا أى جهاز من الأجهزة ولن يحرموه، ولكنهم أكثر البرامج التي تذيعها تلك الأجهزة، يحرمون الأفلام الفاضحة الصارخة ، الصارفة عن كل فضيلة والمغوية بكل رذيلة ، يحرمون الإعلانات التي دخلت فيها الكاسيات العاريات يحرمون المذيعات في الصورة التي يظهرن بها على الشاشة وكأنهن في ليلة عرسهن؛

ويستنكر الجهل الفاضح فيهن باللغة العربية، فيرفعون المجرور بحرف الجر الذي يكسر الجبل، يحرمون وضع ساق على ساق فيظهر منهن ما يحرم الله ظهوره أمام من لا يحل أن يظهرن أمامهم على تلك الصورة الممجوجة ولست أدرى كيف يقبل وزير أو ما دونه أن يجلس أمام واحدة منهن في ذلك المنظر الكئيب ..

يحرمون الفساد والإفساد الذي تشيعه تلك البرامج داعية إلى التميع والانحلال ، يحرمون الإعلان عن حبوب الأمان الموضعية، واللولب النحاسي ولست أدرى بما يجيب رب الأسرة ابنه أو ابنته اليافعة إذا ما سألته عن معنى حبوب الأمان الموضعية أو اللولب النحاسي؟ وإذا كان السادات يعلم ذلك تماما وعلم اليقين، فكيف يهاجم الجمعيات الإسلامية إذا ما دعت إلى إصلاح هذه الأجهزة، لا على تحديها؟ أيرضيه ما يعرض في التليفزيون؟

أما أنا فلا أتصور ذلك أبدا، لأنه رب عائلة قبل أن يكون رئيسا للجمهورية ورب العائلة أول من يحافظ على كل ما يقيم عائلته على الفضائل ومكارم الأخلاق. ألا يعطيك كلام سيادته صورة من الصور التي كانت تجرى عليها الأمور في أيام حكمه؟ أمن أجل هذا ضرب وشتت وتحفظ؟ لنا وله الله.

هكذا يعاقب من يشاء ويتهم من يشاء يشتم من يشاء، لأي سبب يشاء، في أى وقت يشاء ، بلا ضوابط ولا قيود .. لماذا ؟ ومن هو؟ إن هو إلا عبد من عبيد الله ولاه حكم مصر ليحكم بما أنزل الله .

ثم بعد هذا كله لا يني متكلما عن الحرية والديمقراطية وحبه لهما، وعمله على توفيرهما وحرصه على الدفاع عنهما، إن حالي مع سيادته في هذا المجال عجيب وأي عجب. ومما لا يكاد أن يتصوره أى عقل قوله: إن التجاوزات الدستورية والقانونية كان الهدف منها التنبيه إلى ضرورة قيام معارضة قوية، وليس الهدف منها إلغاء الأحزاب.. ماذا نقول في مثل هذه المبررات النازية.

هل تقوم المعارضة القوية بإلغاء الأحزاب؟ ماذا يقول سيادته؟ وكيف يتحدث؟ وكيف يبرر، إنها المبررات الأسوأ حالا مما يراد تبريره.. ويا لها من طريقة فذه مبتكرة وليدة رجل فاق كل رجال الأعصر الأول في كل شيء..

هل تقوم المعارضة القوية بوضع رجال المعارضة في السجون أم أن المعارضة القوية لن تقوم إلا بأساليب غير التي يتحدث عنها سيادته تماما؟ يا خلق الله أفتونا مأجورين، تريحونا مشكورين، فقد كادت تلافيف المخيخ الهلامية تسيل مادة متميعة من وحدة الآراء والأفكار والمبررات التي لا نعلم من أى مكان تسللت إلى تفكيره.

إن ما فعله السادات محاولة عابثة شاء الله ألا تتم رأفة بالمعارضين المناهضين . لقد كان الناس في مسيس الحاجة إلى عقول تكنولوجية أو إليكترونية تستطيع أن تجعل هذه المخترعات الحديثة في عالم الأغلبية والمعارضة، وهذا الفتح الرباني في دكان الزلبانى.

ولعلها ديمقراطية آخر الزمان..

28 سبتمبر سنة 1981

فهيا بنا إلى يوم 28 سبتمبر 1981 اليوم الذي خلت فيه الصحف من حديث للسادات، أو شتم للمعارضة أو تجريح للشرفاء أو اتهام للأبرياء، وكنا نظن يوما لا عواصف فيه ولا تعريض ولا إغراء، كنا نظن يوما يريح أعصابنا المعناه، التي عجزت عن ملاحقة سيادته في كل ما يبتكره أو يأتي بت من عالم اللامعروف .

ولكن أملنا خاب ذلك أنه لما أراد سيادته أن يريحنا من سيادته في هذا اليوم، أبت صحفه الحكومية إلا أن تنكد على المواطنين عيشهم ولم لا .. وأو ليس الصدى رجع لصوت صاحبه؟ ليتنا نجد سلما نصعد فيه إلى زحل، أو نفقا نهبط فيه إلى البهموت ، فرارا بعقولنا مما دهاها من كثرة ما سمعت دون أن تعي منه شيئا، فقد تعرضت جريدة الأخبار في ذلك اليوم في مقال لكاتب معروف، لمراسل أجنبي سأل السادات سؤالا محرجا ضغط فيه على جرح غائر.

حمل ذلك الكاتب على ذلك المراسل حملة شعواء نكراء بتراء خرقاء عمياء حماء، كيف يتطاول ليسأل من لا يسأل إن كان الأصدقاء سمحوا بمثل الإجراءات .يا للهول ومعذرة للمرحوم يوسف وهبي صاحب هذه الكلمة التي كانت تتردد في كل مناسبة.

لفظاعة ما تدل عليه وما سيقت من أجله، ولا داعي لأن أزيدك قرفا على ما أنت فيه بترديد ما تبرع به هذا الكاتب الذي راح يبرر ضرب الناس بالرصاص لمجرد سؤال بريء غير خبيث موجه إلى أبى الفوارس الزناتى خليفة.

وطوينا جريدة الأخبار وتناولنا الأهرام الوقورة لعلها تسرى عنا بعض الشيء فإذا بها تحمل تهديدا للسادة المحافظين، وتحملهم المسئولية الكاملة إذا ما تهاونوا في تنفيذ تلك القرارات الحراقة، الخاصة بالتسيب المزعوم أو الموهوم، إذا لم يأخذوها بعزم يتلوه حسم في تنفيذ قرارات الانضباط.

والانضباط الذي لم يفهم في ذلك العهد، إلا على صورة واحدة ومعنى معينا ومحددا بالذات وهو القبض والتحفظ على كل ذي لحية زادت على قبضة أو نقصت عنها أو على كل شاب يدخل المسجد لصلاة الفجر أو العشاء اللتين لا يقعد عنهما إلا منافق، أو على كل شاب يلبس جلبابا أبيضا قصيرا، أو على كل شاب يفش السلام بين الناس أو تبدو عليه سمات الصلاح. وهكذا لم ينج من التهديد حتى كبار الموظفين الذين هم فى درجة وزير.

(والله وغلبت يا روم) وزادت الأهرام أعصابنا إرهاقا بنبأ عقد أكبر مؤتمر في تاريخ الحياة الحزبية في مصر، لأن أربعة آلاف عضو من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي سيناقشون مشكلات الجماهير المعقدة ويضعون الحلول الفعلية، لكل ما تعانيه الجماهير وهكذا يكون الشغل وإلا فلا ، ولأم المعترض الهبل، أين كان هؤلاء الأربعة آلاف حلالين المشاكل قبل اليوم؟ ولماذا كل هذه الهمة، في هذه الأيام المهمة؟ للتغطية أم للترضية، أو للتعنية أم للتسلية؟ على أية حال فهي يفطة المتغطي بها عريان. قالوا لجحا هل تستطيع أن تأتى الغداة وأنت عريان مكسو ؟ قال نعم.

وأتاهم الغداة يلبس شبكة صياد.. وأحب أن ألفت نظرك إلى أن هذه الصحيفة وبنفس التاريخ اشتملت على مقالين مهمين بمقاييس ذلك العهد أما أحدهما فبعنوان (قضية الديمقراطية) تعرض فيه كاتبه لما يجب أن يتناوله حزب الأغلبية على الصورة التي شرحها رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في ضرب الفتنة وتمزيق الوحدة وترسيخ أقدام الديمقراطية في مصر، على النحو الذي تصوره وشكله وآخره السيد محمد أنور السادات فهل يمكن أن يخالف الأعضاء أوامر الرؤساء؟

أما المقال الثاني فإنه يتحدث عن الاستقبال الرائع الذي استقبل بت الرئيس يوم زيارته للمنصورة ومدلولات هذا اللقاء الباهر وما تركه من الحسرة في نفوس الناس الحاقدين اللائمين (إياك أن تنسى أن السادات حددهم بخمسة آلاف ثم تفضل فجعلهم في حديث آخر بعشرة آلاف والآن ينسى هذا الكاتب كلام الرئيس وينقضه من أساسه فيجعلهم ستين ألفا وإذا كانت الزيادة ستسير على هذه الوتيرة فسيأتي اليوم الذي يصبح فيه الحاقدون خمسة وأربعين مليونا ويومها لا يدرى إلا الله ما الذي سيحدث والسبب في هذا السادات وكتابه).

وطمأن هذا الكاتب المصريين المحبين للسادات، بأن الحاقدين لا أهمية لهم وأنهم سيغرقون في خضم الملايين من العاشقين الوالهين المتيمين، الذين قالوا نعم للقوانين الاستثنائية والتحفظ والاعتقال. كان الله في عون الذين في وجوههم دم الحياء في تلك الأيام.

وإذا صح ما يقوله هذا الكاتب الألمعي الحر الصادق الأبي، فلماذا كبد السادات نفسه كل هذا العناء؟ ما دامت هذه الأقلية التافهة في أعماق محيطات الباذلين دماءهم والمضحين بأرواحهم فداء لذيل بدلة البنجور التي يرتديها حبيب الجماهير (اللهم طولك يا روح) ألم يكن من تمام الحكمة الساداتية أن تتركهم يموتوا غيظا وكمدا كلما رأوا هذا التهافت على حب القائد العظيم؟

ألم يكن من المتوقع أن بعض هؤلاء الذين أعمى الحقد قلوبهم أن يهتدوا فيبصروا فيعودوا إلى صفوف المعجبين دعاة الحب والرخاء والسلام؟ لماذا التعجل بالعقوبة يا أرحم الخلق قلوبا والتفافا حول النور الذي قد يبهر العيون فلا ترى ولا تبصر إلا بالتوجيه.

ويوما بعد يوم يذوب هؤلاء الأراذل والسفهاء في حلاوة وخفة دم المعجبين، وبذلك يوجد الحب والتأييد أن أنكم تعجلتم التخلص منهم خشية أن يحدث العكس، إن الناس يعرفون كيف تحشد هذه المظاهرات التي يرقص فيها الراقصون من شدة الفرح بالمنظر البهيج البديع ولست أدرى كيف فقدت منى صحف 29 سبتمبر 81 فلم ألاحق الأحداث في ذلك اليوم لعله خير.. ولو اطلع الناس على الغيب لاختاروا الواقع وما دفع الله كان أعظم.

30 سبتمبر 1981

وجاءت صحف 30 سبتمبر تهنئ الناس بأن الرئيس المؤمن تحركت في حناياه مقومات الإيمان ، فأمر بحل هيئة الصداقة المصرية السوفيتية، لأن السوفيت أناس ملحدون وليس في هذه الهيئة أصدقاء لننتصر لهم أو ندافع من أجلهم، ولكننا نتساءل فقط لا أكثر ولا أقل مجرد سؤال ونسأل الله أن يجعل دمنا خفيفا على قلوب الساداتيين فلا يتهمونا بالعمالة لروسيا.

هذه الهيئة المغضوب عليها قامت منذ سنوات طوال فكيف لم يتبينوا خطرها إلا اليوم؟ هل للصديق الأمريكان دخل في هذا الحل، ولو عن طريق الرجاء والاسترحام؟ ما هذه النهضة العامة الناصبة في أجهزة الدولة.

نحن لا نتدخل في شأن هذه الجمعية ولكن المبدأ في حد ذاته هو الذي يعنينا هل من حق وزير الشئون الاجتماعية أن يحل أية جمعية مشهرة دون سبب؟ حتما إنه سؤال عبيط . إن هذه الجمعية معروفة الأهداف والجهود، لم يتغير فيها شيء ولم يجد عليها جديد. إن كل شيء يسير بالبركة وعلى الله التكلان وقل يا باسط.

وفى مقال ثالث شنع صاحبه على زملائه المعارضين واتهمهم بما لا نرضاه لهم. ولكن ما دخلنا وهم يعرفون بعضهم البعض بأكثر مما نعلمه نحن عنهم بمراحل، فأكف على الخبر ماجور . إن تناول بعضهم البعض بهذه التهم الجارحة، أفقدنا الثقة فيهم جميعا وهم السبب .

وبالخط العريض الذي هو أعرض من الخط الكوفي في العناوين علمنا ما انتهى إليه مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي الطويل العريض، حزب الأغلبية ، الحزب الذي يتولى رئاسته السادات فقد قرر قرارات وليس من السهل أن ينعقد دون أن يصدر قرارات .. يا عيب الشوم.. من الناس من يصوم ثم يفطر على بصلة كيفه كده.. مزاجه هكذا.

قرر هذا المؤتمر الفخيم:

  1. إعداد 38 ألف شقة بريع مرتب الموظف.. ولا بسطة مكسرة.
  2. تعميم الكساء الشعبي.. يمكن في المنام أو الأحلام أما في الواقع فلا شيء.
  3. زيادة الزراعة بنسبة 21% والعكس هو الذي حدث. تراجع إلى الوراء في كل شيء من الحرية إلى الأمنية.
  4. حماية الدخول المحدودة . كيف ؟ لا جواب.
  5. ستمائة مليون جنيه في الأمن الغذائي من أين؟ اسمع وبس.
  6. وظائف لمائة وثلاثين ألف خريج. في اى الوظائف؟
  7. إيرادات مصر من البترول قدرها 2614 مليون دولار حتى ولو كنا نصدره لإسرائيل إنعاشا لاقتصادها الذي قوضه سيادته بفنه وبطولته.
  8. دعم الدولة للدواء ، ويا ليتها لم تقل ، فقد اشتعلت أسعار الدواء.
  9. زيادة إنتاج كل محافظة.. على أى أساس وبأية وسيلة؟

هذا ما انتهى إليه مؤتمر حزب الأغلبية الحاكمة.. كلام في كلام. يستطيع أن يقوله العالم والجاهل. بل لعل الجاهل أقدر عليه من العالم . ذلك العالم لا يتحدث إلا عما يفعله لصالح الناس أما الجاهل فأمانيه أوسع من صحراء كلهارى، وما أضيق العيش لولا سهولة الأماني.

وحتى هذه الخيالات لم تكن مقصودة ولكن لأن العهد وحكامه ونوابه كانوا على ثقة كاملة من سوء ما يعملون ،ومن شر ما هو حادث ومن غليان الرأي العام ضدهم، والذي لا يرغمه على الصمت إلا الإفحاش في الظلم.. ظلم كل من لا يسبح بحمد الحاكم المليان.. أنهم يظنون أن مثل هذه القرارات تهدئ من دوران طاحونة طحن أعصاب المواطنين . إنها حالة هذيان المصروع، تهذى بما لا يحاسبه عليه أحد ولو كان في الصميم .

غنها حالة الفريق يستمسك بالقشة. فيأخذها وينزل بها إلى القاع، إنها الحالة التي وصل إليها العهد، مما قد يسقط عنه التكليف إنها قرارات من أناس هم أول من يعلم أنها قرارات هي البلاهة بعينها، لأنهم يعرفون أن بطلهم لن يحقق منها حرفا واحدا، إنها حالة لابست كل مسئول في ذلك العهد لا يدرى من ابن تأتيه الداهية، لسوء الرؤية وظلمة الطريق وهل الظلم إلا ظلمات بعضها فوق بعض تعمى الكل عن استبانه طريق الهدى والرشاد.

إن العهد كان فقد بدأ ينحدر من القمة انحدارا لم تنفع أية وسيلة من وسائل إيقاف تحدره وكلما اقترب من الوادي كلما ازدادت سرعة الانحدار، وأفلت الأمر من أيدي الجميع فأودت بالعهد كله رصاصات كانت سببا في القضاء على كثير من سيئات ذلك العهد الممقوت، من الله والناس.

كم كنا نتمنى أن يستمع السادات إلى نصح الناصحين الصادقين، إذا لما حصل ما حصل ولكن الهدى والضلال ليس من خلق الإنسان وإن كانا من كسبه " فمن يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم" وقد اختار ذلك العهد طريقه بكسبه فكان ما كان مما يعلمه القاصي والداني.

أول أكتوبر سنة 1981

وانتهى سبتمبر 1981 ودخلنا في أكتوبر شهر البطولة والنياشين، شهر بسالة الجيش وسوء استغلال هذه البسالة سياسيا، شهر آخر الحروب في هذه المنطقة ، شهر السلام والتطبيع والأزمات والتجويع.

الشهر الذي كان نهاية لحكم بغيض، إلى أقصى حدود المهانة والابتذال. ففي أول يوم من أيام شهر أكتوبر تقرأ في جريدة الأخبار، على حسب عادتها ما يراد بت إلهاء الشعب عن الكمد الذي يفرى أكباده ، إلهاؤه عن الفواجع التي تركت من المخلفات ما لا ينسى، إلهاؤه بثمن بخس وعود مكذوبة وأماني غير مقبولة ولا معقولة، ويا ليتها من كاتب لقلنا طالب القوت ما تعدى ولكنها من رئيس الدولة الذي يتملقه الجميع رغبة ورهبة، بالعناوين الضخمة ذات المكعبات والمثلثات، يقول بطل الأبطال (منحة عشرة أيام لكل العاملين . المنحة تصرف فورا بحد أدنى عشر جنيهات وبحد أقصى خمسين جنيها) .

وفى هذا الحد المهين يصبح قدر هذا الشعب في نظر السادات. فلتشغل الشعب بالمنحة وتحديدها وحساباتها والجري وراءها من جهاز إلى جهاز، ولا شك في ذلك شغله. أرادها السادات تغطية لمظالمه، ورآها الشعب جرحا يضم إلى جراحه في صميم مشاعره.

ما رأى أحد استخفافا واستهانة بتفكير وكرامة الشعب، يمثل هذه الأقوال والأفعال، ولكنها نظرة السادات إلى الشعب بأنه شعب يباع ويشترى، كما قال في حديث سابق أثبتناه فيما سبق إن الشباب باع إرادته.هو يبيح الشراء إذا كان هو المشترى. تحبس الأب أوالابن أو الأخ أو الزوج، ثم تظن أن الفرد المبتلى بحكمك ينسى هذا من أجل منحتك.

ما أقساك ظالما ظلما ماديا، وما أفظعك وأنت تجرد شعبك من كل معنى كريم، بمثل هذه الأضاليل ، والضغط الجائر على جرح غائر في كل جزء من أجزاء هذا الشعب الذي فعل خيرا فجزيته جزاء سنمار .. سنمار هذا كان بناء ماهرا، وطلب منه الحاكم أن يبنى له حصنا لا يمكن اقتحامه. فقام سنمار بمهمته قياما أدهش الحاكم.

فسأله ألا يمكن اقتحام هذا الحصن، قال سنمار، أبدا إلا أن فيه موضعا لحجر إذا انتزع انهار الحصن. فقال الحاكم هل يعرف مكان هذا الحجر أحد غيرك؟ قال سنمار لا . قال الحاكم إذا يجب ألا يعرف مكانه أحد وألقى سنمار من فوق الحصن حيث لقي مصرعه.

صورة لكل من يجرى على الخير سترا، والله إن هذا اللون ليس بالمتفشي في صفوف البشر. هذا هو تقدير السادات لشعب سادت عراقته عبر سبعة آلاف سنة كما يقول سيادته؟ لن تنسى منحك كلها، ولن تجد من يرضى لنفسه هذا الهوان. وتعست أموال الدنيا بأسرها إن كانت تعويضا عن فجيعة في الأحباب ، ألا يكفيك ما فعلت حتى تظن أن في مقدورك القضاء على ما يؤمن بت المسلم من صبر واحتساب؟

لا يا سادات، إننا لا نرضى لك هذا الإسفاف مهما عارضناك، إننا نخالفك في الرأي والتصرف والاتجاه مع المحافظة على مستواك الآدمي لأنك مصري على أى حال، وما أظنك جادا فيما فعلت بالنزول بالخلق المصري إلى هذا المستوى المبتذل الرخيص.. إن من يقبل هذه الصفعة راضيا، فبطن الأرض خير له من ظاهرها، لأنه فقد كل مقومات الإنسانية وعلى ذؤابتها الكرامة. وما قيمة حياة الإنسان من غير وجدان. إن الحساب على هذه الاستهانة عسير مرير ، وإن كنت لا تقدره ولا تتوقعه.

وفى نفس الصحيفة والتاريخ والحديث يتمطى سيادته قائلا (إن شعب مصر سيظل قلبا واحدا وجسدا واحدا) وكلنا يحب ذلك ويتمناه ، ولكن هل هذا هو الذي فعلته بشعب مزقته إربا، وفرقته شيعا ثم تدعى أنه ذو قلب واحد وجسد واحد يا رجل إن كنت لا تقيم وزنا للشعب، فهلا اتقيت الله في مثل هذا الكلام الذي ترسله على عواهنه، متناقضا مع كل ما تفعله .

لقد مزقت هذا القلب ، وفرقت بين القلوب فظالم ومظلوم وضارب ومضروب. كيف يمكن أن تكون مصر شعبا واحدا، وأنت تسب وتلقى ببعض في السجون .. هل يمكن للجسد الواحد أن يكون بعضه في ثلاجة والبعض الآخر في غلاية؟

أين هذه الوحدة التي تدعيها؟ وأنت الذي تقطعها بيديك وبلسانك.. إذا كان شعب مصر قلبا واحدا وجسدا واحدا، فما بال هذه الأبعاض التي انتزعتها من الجسد الواحد واتهمتها بالخيانة والعمالة، والبذاءة والسفالة، والكلبية والرذالة .. أليسوا مصريين مثلك؟

ومن الشعب الواحد ذي القلب الواحد.. هل أدلك على التناقض بين ما تقول وما تفعل ، والدليل آخذه من كلامك ولسانك لقد ظللت طوال خطبك تقول إنه لا دين في السياسة ولا السياسة في الدين، وإذا بك فجأة وفى يوم أول أكتوبر 1981 تقول في خطبك إن الإسلام دين ودولة. هل غيرت رأيك؟ وصححت معلوماتك الدينية ، فأيقنت أن الإسلام دين ودولة؟

لقد ظل الإخوان المسلمون يدينون بهذا من أول يوم نشأت فيه دعوتهم منذ أكتوبر من نصف قرن، وكان هذا الفهم الصحيح، سببا في نقمة كل ما عاداهم بسببه وكنت أنت وعبد الناصر وفاروق من بينهم، ترى أى هاتف رباني ألهمك أن تقول بما قالوا؟ أهي حقيقة الدعوة التي تحاربها، أجراها الله على لسانك لتكون حجة داحضة لكل ما افترى بت على الإخوان المسلمين.

ومن لسانك وتدينك.وإذا أحسنا الظن بك وأنك تقول ما تؤمن بصوابه، فيم خصومتك لنا؟ ألا ترى أن محاربتك لمن يؤمن بأن الإسلام دين ودولة ، يحمل التناقض الكامل في خطبك وأحاديثك؟ وإذا كنت تؤمن بهذا فلا خلاف بيننا إذا، وإذا كان القائل بأن الإسلام دين ودولة عميل، ثم أنت تقول الذي قال فما هو الوصف الذي يمكن أن تصف بت نفسك لأننا لا نتبرع بوصف الناس بما يؤذيهم.

أتدرى ما معنى دين ودولة؟ يعنى عبادة ومعاملات. يعنى أن تنفذ كل ما أمرك الله بت وتمتنع عن مقارفة كل ما نهاك عنه، وأن تعامل الناس بنفس الصورة التي تحب أن يعاملوك .

فإن كنت فردا من الرعية وأفزعك أن يظلمك الحاكم. فاعدد نفسك ليوم قد تكون فيه حاكما، فلا تظلم الرعية. أو بالأقل إذا ضايقك ظلم من لاتقدر على دفعه فلا تظلم من لا يستطيع دفعك في كل شيء، ورغم اعترافك بأن الإسلام دين ودولن، فإنك لم تطبق على نفسك ما قلت، ولكن انطلقت هائجا تشتم هذا وتسب ذاك، وتظلم فلانا وتحبس علانا وتعتقل ترتانا ، مع علمك بأن الإسلام دين ودولة، حتى ما تقوله لا تلتزمه .. (أنت إيه) .

وإذا كان من أركان الحكم في الإسلام حرية الكلمة والكتابة والتنقل والنقد المهذب لأنه النصيحة فهل فعلت هذا وأنت تقول إن الإسلام دين ودولة ؟ ألا يمكن أن يطابق عملك قولك ولو مرة واحدة؟ من حق مسلم أن يقول في الحاكم ما يشاء فإن تجاوز منطقة الحق واللياقة ففي البلد قضاء، أما أن تأخذ الناس من الدار إلى النار ، فقد فقدت حقك كحاكم ، ولم تقم بواجبك كمسلم؛

وإذا كان إيذاؤك للشعب انج اعترافك واعتراف كل مسئول أن الإسلام دين ودولة فنحن الرابحون وهذا ما كافحنا في سبيله ، أنك جاد حقا ومؤمنا بأن الإسلام دين ودولة؟ فقد كان لزاما عليك أن تجعل الذين اعتديت عليهم يقتصون منك.

ترى ماذا يبقى فيك (ومنك) إذا اقتص منك كل ذي حق له عندك؟ إن الإسلام عقيدة الدين والدولة يحاسب على الكلمة فأين تذهب إذا ما حاسبك ربك على كل ما قلت وفعلت.

إن صحابيا قال لصحابي: يا ابن السوداء فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال (طف الكيل .. طف الكيل) أى أن المسألة زادت عن حدها، فماذا يمكن أن يوصف ما قلت وما فعلت؟ لا أقل من أن نقول طفح الدم. طفح الدم.

لقد وضعت في أيدينا الكلبشات الحديدة الثقيلة التي لا تحتملها أيدي المرضى والمسنين، كلما خرجنا إلى المدعى الاشتراكي وكلما عدا من عنده. هل كنت تجد في ذلك متعة؟

هل تنقصك المتع وفى يدك كل شيء؟ فأي نوع من المتع كان ينقصك؟ لتستوفيه من الغلظة في معاملة الناس؟ هل كان في ذلك ما يريح أعصابك؟ أو يعوضك عن شيء تحس في دخيلة نفسك أنك في حاجة إلى من يعوضك عنه؟ أهذه هي مثل الإسلام القائم على دين ودولة؟

وإذا كان الدستور الذي أقسمت على احترامه والتزامه يجعل الشريعة المصدر الرئيس للتقنين في هذا البلد، فهل أنت بذلك احترمت الدستور الذي طبلت بت وتغنيت؟ هذا هو تصورك للدين والدولة في الإسلام؟ أتصحو أم فؤادك غير صاحي؟

وإذا كان الله سبحانه على قوته وقدرته ترك الباب مفتوحا لكل من يخطى ليتوب. فإذا فرضنا أن الطلبة الذين لم يخطبوا ودك ولم يحرصوا على إرضاؤك، إذا افترضنا أنهم أخطأوا وهم لم يخطئوا فعلا، فكيف تحرم طالبا لم يرضك اتجاهه ؟ كيف تحرمه من البقاء في الجامعة ؟ في طلب العلم؟ في تكوين مستقبل حياته؟

إنك لم تعاقبه مؤقتا، ولكنك عاقبته عقابا أبديا.. هذه السنوات ذوات العدد العديد التي قضاها الطالب في ابتدائي وإعدادي وثانوي وجامعة كلها تضيع هدرا بكلمة منك لأنه لم يقرك على ما ارتكبت في حق الوطن والمواطنين؟

إنك بحرمانك طالبا من الجامعة، لم تحطمه وحده ولكنك حطمت أباه وأمه وزوجه وإخوته، كيف تحمل كل هذه الأعباء الثقال على كاهلك الواهي من مر السنين ؟ ألم يخطر ببالك أن هذا الطالب وأمثاله قد يقدمون خيرا لوطنهم، فحرمت الوطن بهذا الفعل الأليم ؟ ماذا أنت ؟ لن تكون إلا السادات..

لقد أمل الناس خيرا من انقلاب يوليو 1952 على أنه إنقاذ لهم من فساد فاروق وإفساده، فلما فعلت أنت وعبد الناصر ما فعلتما ترحم الناس على ذلك الزمان الذي لم يعذب فيه أحد حتى الموت ولم يسلط حيوانات الاعتداء على الأعراض والحرمات يفعلون بهن ما يشاءون على مرأى ومنظر من الوحوش أمثالهم.

ولقد كانت قسوة الرومان بلغت إلقاء الآدميين إلى الوحوش ليدخلوا في صراع الموت، فإن إلقاء عبد الناصر والسادات الحرائر إلى دنس الفحش من كلاب أجنادها، أمر لم تشهد له البشرية مثيلا في كل تاريخها.

إنها الوصمة التي لن تذهب بها شعارات 1956 المزعومة، ولا نكسة 1967 المتعوسة، ولا حرب أكتوبر 1973 التي لا علاقة للسادات بها إلا أن القدر شار أن يكون رئيسا للجمهورية في ذلك الحين، وكل الناس تعرف دور السادات في تلك المعركة التي سما فيها جيشنا إلى القمة؛

والتي قضى السادات بسياسته الرعناء على كل الثمار التي كان من الممكن أن تعود بالخير على أهل هذه المنطقة، ولست أدرى كيف يحترم الناس إنسانا يقول الإسلام دين ودولة، ثم بعد دقائق وفى نفس الحديث لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.

ألا يكون مما يسعد السادات ويعوض عن الكثير مما قاساه ، أن يهزأ بالمستمعين إليه ممثلين للشعب. يقول الإسلام دين ودولة فيصفقون له، وفى التو يقول لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة فيصفقون ، بربك هل رأيت استخفافا بأحلام الناس أكثر من استخفاف السادات بسامعيه؟

أى سخرية بإنسان أن توقفه مثل هذه المواقف التي لا يرضاها لنفسه أى حر كريم؟ أنى أتصوره يستمتع بهذا الذي يراه من الذين لم يشعروا بمأساته يوم أن كانوا في حاجة إلى من يشفق عليه ويأويه؟ وليس الذنب ذنب السادات ولكن ذنب من رضوا لأنفسهم هذا الوضع العجيب.

إن حديث ذاك اليوم له أهمية فعلا لا لما اشتمل عليه من حقائق ، أبدا فحد الله بيني وبين الحقائق ولكن كشف في ألفاظه وعباراته. كيف يحكم السادات مصر ، حكم من ليس له معلم يحاسبه، يقول سيادته في غطرسة وفيها غطرسة الطواغيت، وفى اعتداد من يرى أن الزمان طوع يديه، وتحت أمره.

يقول سيادته (سنسحق أية محاولة ضد الاستقرار والأمان) أين هو هذا الاستقرار الذي ستسحق من يعمل ضده؟ في الفزع والهلع الذي ساد كل طبقات الشعب خلال تلك الأيام القاتمة الظلال؟ وأين الأمان الذي تريد أن تحميه من العاملين ضده؟ إن عهدك لم يشهد استقرارا ولا أمانا من يوم أن ابتلى الوطن بحكمك .. إن الناس جميعا حرمت الأمان حتى الذين كانوا يحيطون بك.

ليس لدى السادات إلا السحق، السحق الذي أنسانا كلمة السحل في العراق، وتكاد الكلمتان تأتيا من مخرج واحد، وإن كانت القاف أثقل قطعا من اللام. أى أن السادات سيجعل خصمه في الرأي مسحوقا، كمسحوق العرقسوس مثلا إنه لن يذهب بالاستقرار إلا تصرفاته، ولم يذهب بالأمان إلا قوانينه الشاذة فمن يسحق من ؟ ولكن رحمة الله طاحت بالعهد الساحق، قبل أن يبطش بالشعب المسحوق .

إن الديان لا يموت. ففي الوقت الذي كان السادات يعتقل خصومه في الرأي ثم ينهال عليهم باتهاماته غير الصحيحة، سلط الله عليه بعض الصحفيين المصريين المقيمين في الخارج فرارا من ظلمه، سلط الله هؤلاء عليه فقالوا فيه أقذع ما قاله في خصومه المعتقلين، وهكذا كما يدين يدان .

وكان الجزاء من جنس العمل ، لأن ما قاله السادات في المعارضة لا يقدر أن يقوله أو يستسيغه سواه، وطهر الله ألسنتنا وأقلامنا من كل ما قالوه عنه، مما يعف عنه كل مسلم أمين، والمرء حيث يضع نفسه ، وبعد وفاته قال فيه بعض الصحفيين المادحين له في حياته، قالوا فيه ما لم نقله عنه.

سأسرع بك من أول أكتوبر 81 إلى 26 يناير 1982 لتقرأ وبالخط العريض كذلك (وقف النفقات المظهرية في الدولة وتحويلها إلى مشروعات أخرى) نفس الصحف التي وصفته بالحكمة والسداد والبطولة في أقواله وتصرفاته بالأمس هي التي تقول بعد وفاته؛

إن عهده كان معروفا بالتبذير في أموال الدولة بالنفقات المظهرية فقد كان سوء تصرف في أموال الدولة بتبذيرها في النواحي المظهرية التي تعطى دويا وهى أفرغ من فؤاد أم موسى ، النفقات المظهرية التي تبعثر الملايين فيما لا طائل من ورائه إلا إظهار الحاكم في مظهر الطاووس.

ويكفينا أن يكون مظهر السادات مبرقشا، ولو أنفقنا في هذا السبيل الملايين التي نحن في مسيس الحاجة إلى آحادها لا إلى عشراتها. ومن يصف عهد السادات بالسفه في الإنفاق المظهري؟ إنها نفس الصحف التي كانت تسيل رقة وعذوبة إذا ما تحدثت عنه، وتدوي وعودا ومغرضات إذا ما تحدثت عن خصومه.

يا له من حكم، حكم رب العائلة..حكم الذي أغرقنا استثناءات في الهايفة.. حكم لا يكفيه من معارضيه إلا أن يجعلهم مسحوقا كالزنجبيل الذي يستطيبه بعض الناس، والناس أمزجة. هل تريد مثلا على التصرفات المظهرية هذا المثل ليس من عندي.

الاحتفالات العسكرية التي كانت تكلف الأمة الملايين من الجنيهات، لا لشيء إلا ليظهر سيادته على الشاشات والصحف مزدان الصدر بالأوسمة والنياشين والقلادات، وافرحي يا مصرنا وماذا يهم السادات إذا أهدر أموال الشعب في مثل هذه المظهريات التي كانت لها حساسية حساسة في كل تصرفاته. وبعد وفاته صدرت الأوامر بتوجيه الاعتمادات المالية المخصصة لها إلى مشروعات خاصة بالعسكريين .

أتريد مثلا آخر على الإنفاق المظهري، تقدمه لك نفس الصحف التي صدعت رؤوسنا طوال تلك الأيام بكل ما لا يتفق مع حقيقة الواقع في شيء. وإليك مثلا آخر من تبذير العهد لأموال الشعب، فيما لا فائدة له بالمرة من صور الغرور والتعالي والتعاظم في ذلك العهد، أن السادات أحاط نفسه في جملة ما أحاطه بلجنة سماها اللجنة الاستشارية ولو أن من طبعه أن يستشير أحدا فيما يقدم عليه من تصرفات غريبة، لوجد من يلتمس له في ذلك عذرا؛

وهو صاحب الرأي ومخرجه ومنفذه فلم تكن تلك اللجنة إلا صورة من صور المظهرية التي كان يهواها من أعماق قلبه، فلما جاء العهد الذي خلقه ألقى هذه اللجنة التي لك يكن لها من عمل، إلا التوقيع على دفاتر استلام المرتبات وكان الله بالسر عليم، وسلام عليكم.. عليكم السلام..

هل تريد صورة من صور الخلل في ذلك العهد اقرأ جريدة الأهرام الصادرة في 26 من يناير 1982 والتي كانت من بيارق زقة العهد الساداتي ، وطبعا بالعناوين الكبيرة والمجمل أن مجلس الشعب بدأ يضع يده على مواطن الخلل، وبدأت صحوة من بعض النواب، فبدأوا يصرخون عند اكتشاف مواطن الخلل، وبدأوا يتساءلون لماذا هذا الرصيد الهائل من المتأخرات المستحقة للحكومة؟ ولماذا التمويل بالعجز؟

ولماذا بعض تصريحات بعض الوزراء كانت تشير إلى أن هناك فائضا؟ ولماذا تطلب بعض الوزارات اعتمادات إضافية ولديها فائض، ولماذا تحدث تجاوزات في التراخي في تحصيل الضرائب ومستحقات الحكومة؟ ولماذا عدم التصدي للاعتداءات على أراضى الدولة؟ ولماذا لا يحاسب بسرعة كل من ثبت أنه بدد المال العام أو أثرى ثراء غير مشروع؟ ولماذا لم تعالج مظاهر الاختلاس والسرقة في بعض الوزارات رغم استمرار الاختلاسات والسرقة سنوات وسنوات؟

ورغم تكرار طلب جهاز المحاسبات بضرورة وضع حد لذلك ؟ ولماذا يتأخر عرض الحساب الختامي للميزانيات؟ وكيف يعرض على المجلس الآن، ونحن في عام 1982 تقرري الحساب الختامي لميزانية 1979؟ هذه مصائب فادحة عرضتها الجريدة التي كانت في مقدمة الهاتفين المجندين للتنكيل بعباد الله المؤمنين ..

وكل مصيبة منها كافية لتلويث سمعة أى عهد بأبشع التهم والصفات، وما أجمل صورة مجلس الشعب، الذي بدأ يتنبه لهذه الكوارث على حد قول تلك الجريدة. أين كان حضرات النواب؟ هل كانوا مشغولين بالقوانين الاستثنائية والفذلكات الأنورية؟ هل كانوا مشغولين بالقوانين بالتنقل كل في دائرته لإعداد الاستقبالات المنقطة النظير عند زيارة سيادته؟

تلك كانت حالة الحكم في عهد الرئيس المؤمن التقى الورع، بطل رمضان وأكتوبر، وزعيم الأمة العربية الذي رمى كل حكامها بالجهل والسطحية والحقد والحسد، ورب الأسرة الحازم الحاسم، المفدى بالدماء والأرواح كلما جاء أو راح، حيثما هبط أو انزاح، كلما غاب أو لاح، والذي مجدته صحف الشرق والغرب ومنحته وأهله الجامعات العالمية أبهج الشهادات.

ومن الأمانة أن نستعرض تلك البلايا واحدة واحدة، منقولة عن صحيفة قومية كانت في طليعة المتيمين بذلك الحاكم العجيب..

أولا: بدأ مجلس الشعب يضع يده على مواطن الخلل.. بدأ ، أى أنه قبل ذلك لم يكن قد فعل شيئا.. فلماذا بدأ اليوم؟ هل كان هناك مانع من البدء؟ وما هو ؟ من الذي كان يعرقل هذا البدء؟ طبعا لن نتهم المجلس بأنه كان مهملا أو منصرفا عن أداء الأمانة التي وضعت في أعناق أعضائه.
حاشانا أن نتهم وحاشاهم أن يكونوا كذلك وكل ما يمكن تصوره، أنه لما زال المانع من البدء، بدأ وضع اليد على مواطن الخلل. لمن يوجه الاتهام في هذا ؟ ألا يضع ذلك الوزراء الذين كان في وزارتهم خلل، موضع المساءلة والحساب؟
فهل فعل مجلس الشعب ذلك، وهو صاحب الحق فيه؟ وما قيمة وضع اليد على الخلل دون مؤاخذة فاعلية؟ وما يزال البعض منهم في وزارته؟ أليس هذا اتهاما للعهد كله، كل من أحدث خللا، وكل من سكت على ذلك؟
أما أنا فلا أعرف سبب السكوت فإن كنت تعرف فأحطني علما يسعدك الله، حتى تنكشف الحقائق لكل ذي عينين مبصرتين، لا مفتوحتين فحسب، ألم يكن الإخوان المسلمون بل المصريون جميعا الـ 100% على حق في معارضة ذلك العهد وتمنى زواله؟ وعلى هذا الأساس هل كانت الإجراءات التي اتخذت بدءا من 3 سبتمبر 1981 إجراءات عادلة أو ظالمة؟ إن كانت عادلة فرحمة الله على الجميع وإن كان كانت ظالمة فالبقاء لله.
ثانيا: بدأت صحوة من بعض النواب التعبير من عند الجريد لا من عندي، هل لنا أن نقول أن الجميع لم يكونوا صاحيين، فلما نبا بهم المضجع، لم يصح إلا البعض؟ طيب والبعض الآخر ما شأنهم؟؟
أما زالوا على حالهم من عدم الصحيان؟ ماذا يقولون لناخبيهم إذا رشحوا أنفسهم مرة أخرى وتقدم مناقشوهم في الدوائر بتلك الجريدة تحمل صحيفة الاتهام؟ لماذا لم يقاضوا تلك الصحيفة إذا كانت متجنية عليهم وذلك أكرم لهم؟ هل لنا أن نقول أن السكات علامة الرضاء والاعتراف بصحة الاتهام؟
لماذا لا يصحو هذا البعض؟ هل هناك حكمة تخفى على غير الواقفين على بواطن الأمور؟ أم أن هناك توجس وترقب وتربص لحساب في المستقبل القريب أو البعيد؟ أم أنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت في بعض المواقف من ذهب؟ وفوق كل ذي علم عليم.. عونك يا إله السماء.
ثالثا: هناك رصيد هائل من المتأخرات المستحقة للحكومة كما تقول تلك الصحيفة. وكان هذا الرصيد الهائل من المتأخرات المستحقة للحكومة، وفى عهد السادات ولا شك كيف غاب أمر هذا الرصيد الهائل على حضرات السادة النواب المحترمين؟ عمدا أو سهوا أو عدم اهتمام؟ أم رضاء أو كرها؟ أو حرصا على التعرض لما يجلب دوشة الدماغ، والوضع في قائمة عدم الرضا عنهم..
إن كل هذا الذي بدأوا يصرخون منه، كانت مستندات ووثائق تحت أيديهم حينذاك، أم أنها لم تقدم لهم إلا خيرا، وكانت سببا في هذه الصحوة التي لم نر لها نتيجة على الإطلاق.
ثم لماذا يصرخون؟ أما تزال عدوى الصراخ هتافا وترحيبا لاصقة بالأذهان؟ ما كان يجمل بهم أن يصرخوا ولو مجازا ولكن الأجدر بهم أن يأسوا ويحزنوا ويعملوا عمل التائبين الذين يستغفرون لذنوبهم بالإقلاع عنها وعدم العودة إليها.
ما فائدة الصراخ وهو إقلاق وإزعاج وليس من شيم الحكماء والعقلاء؟ حقا إني لا أفهم سبب استعمال الجريدة لكلمة الصراخ، إلا إذا كان لها من وراء ذلك هدفا، تريد أن تلفت الأنظار إليه، ترى ما هو هذا الهدف.
إنه ليس فزورة من فوازير التليفزيون ولكنه بحث عن حقيقة من الحقائق ما تزال معماة عن الشعب حتى اليوم، وستبدى لك الأيام ما كان خافيا ويأتيك بالأخبار من لم تزود. أو المثل الهام (يا خبر بفلوس قالوا بكرة يبقى ببلاش) .
رابعا: هناك عجز في تحصيل متأخرات الدولة زاد على الستمائة مليون جنيه بكثير، هكذا قالت الصحيفة ناشرة هذا الخبر. لماذا لم يحصل هذا العجز وهو معروف ومحدد عند الأجهزة المكلفة بت، أليس من حق الشعب أن يطلب تحقيقا في أسباب هذا العجز والإهمال في تحصيله حتى تراكم على هذه الصورة الضخمة، إن الأيدي العاملة ما كانت تنقص ذلك العهد الذي قيل أن فيه بطالة مقنعة.
هل كانت المعارضة على حق في مناهضة ذلك العهد.. أم الفتك بالمعارضة كان لأسباب بعيدة كل البعد عما اتهمت بت من قيادة ذلك العهد وأتباعه ومريديه؟ الحق لو بحثنا عن أسباب التراخي في تحصيل تلك المتأخرات لظهرت حقائق تحمل الشعب كله على الصراخ، لا الذين صحو من النواب وحدهم.
خامسا: لماذا التلويح بالعجز، وقد كانت تصريحات بعض الوزراء أمام النواب وفى الصحف تباهى بأن هناك فائضا في الميزانية؟ وهل من أمانة أى وزير وهل من ضميره الحي، أن يصرح بأن هناك فائضا في الميزانية وهو على ثقة من وجود عجز فيها؟ أية صفة يمكن أن تضفى على مثل هذه التصريحات الرسمية، وهى صادرة من أناس في أعلى مستويات الدولة.. أهذا هو الحكم الذي كان يقوم على مواجهة الأخطاء، ومحاسبة المقصرين؟
الحكم الذي جاءت بت الاستفتاءات النزيهة .. ألا إن كان هذا هو الفهم في النزاهة والمواجهة والمحاسبة، فبئس الفهم هو، ضلة لمن يأخذ الأمور على مثل هذه الفهوم . إن العهد الذي اختصه الله بالتناقض وإعطاء المسميات غير أسمائها وإذا القط فليلعب الفار.
سادسا: لماذا تطلب الوزارات اعتمادات إضافية، فائض هكذا تقول الجريدة التي طبلت لكل ما فعله السادات، بلا تحفظ ودون الاعتراض على إجراء من إجراءاته وكأنه لا يخطى مع الكمال لله، والعصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الكاتب يسأل هذا السؤال الاستنكاري واعتقد أن الجواب عنده، ولكن لن يجد الجرأة على الجواب لأن قلمه لا يستجيب له لأسباب عدة.
ما دلالة هذا التصرف إذا علمنا أن طلب اعتمادات إضافية في حالة وجود فائض، لا يخرج من الوزارة إلا ممهورا بإمضاء الوزير، فلماذا يفعل الوزير مثل مثل ذلك وهو الأمين على مال الشعب، أو المفروض فيه أنه كذلك، لماذا لا ينتفع بالفائض في الأزمة التي من أجلها طلب الوزير اعتمادات إضافية؟ سؤال في الإجابة عليه حرج كبير.
لماذا أخلد النواب إلى الهجوم منذ بدء تلك الصحوة التي أشارت إليها هذه الجريدة؟ لماذا لم يدفع الوزراء عن أنفسهم هذا الاتهام غير المباشر؟ ترفعا أم عدم قدرة على النفي؟ ما أسوأ ما كان يجرى في ذلك العهد ، الذي لم يتورع عن رمى مناهضيه بكافة الاتهامات الباطلة منها وغير الصحيحة أليس حقا أن ذلك العهد كان يخطئ دائما ولا يصيب مرة واحدة؟
سابعا: لماذا تحدث تجاوزات في صرف المكافآت دون وجه حق؟ والسؤال لنفس الصحيفة. متى علمت بكل هذه الأوزار هل ظهرت فجأة ؟ أم أنها كانت معلومة، ولكن دون الكلام فيها محاذير وأخطاء؟
وتعجب الصحيفة لأن هذه التجاوزات تحدث في نفس الوقت الذي يدعون فيه، أنهم يعملون لترشيد الإنفاق .. ماذا تريد بهذا السؤال ؟ أتريد أن تقول أن المسئولين كانوا يقولون ما لا يعلمون، تحذيرا للشعب وسترا لكثير من مثالب الحكم؟ وهل مال الشعب كلأ مباح لكل من يشاء؟ أيمكن أن نعتبر هذا التصرف مبالغة من الوزير في المحافظة على مال الشعب ، اعتقادا منه أن وزارته آمن على مال الشعب من غيرها؟ هل يشك في احد أو في جهد
أو في جهد؟ أإذا كان تصرف الوزير حازما، ورقابته دقيقة، وجهده متواصل، أكان من الممكن أن يحصل التجاوز في المكافآت ودون وجه حق؟ أليست جريمة إدارته تستوجب التحقيق والإدانة؟ ومن البديهي الذي لا يستدعى تعميقا في الفهم، أن صرف المكافأة دون وجه حق، ينصرف إلى الأقارب والأنسباء والمحظوظين والقائمين على خدمة المسئولين في كل شيء بهمة وإخلاص؛
إن المجد المخلص من الموظفين إذا رأى أن المكافأة لا تصرف إلا لنوع معين دون وجه حق، فليس أمامه إلا أن يسلك طريقهم الذي ينكره ، أو يتكاسل في القائم بواجبه، أو يندب حظه يائسا محزونا، وهكذا يكون الحكم الصالح الذي يريد السادات أن يحميه.
أكان هذا يقع عمدا أو مصادفة أو استهتارا؟ أما كان يحتم على أعضاء الحزب الوطني وزراء ونواب أن يلزموا جانب الصمت لعل فيه ما ينجيهم من حساب الشعب بدلا من الإعجاب بشتم الناس بأنهم كلاب؟ ترى من الذي أحيا عوامل الجرأة في هذه الصحيفة حتى تقوم على مثل هذه التساؤلات في غير تهيب ولا وجل الله أعلم.
ثامنا: التراخي في تحصيل الضرائب، ومستحقات الحكومة.. وهذه مثلبة أخرى تلصقها الجريدة بالعهد الذي لم يترك إلا واتهم بها خصومه، ولكن الفارق بين ذلك العهد وبين معارضيه، أن صحفه القومية هي التي تتهمه بهذا ، أما صحف المعارضة فلم تتهم أحزابها ولا هيئاتها بشيء من ذلك السوء على الإطلاق، وإذا أراد الله نشر نقيصة أتاح لها قلم صديق مع الاعتذار للشاعر.
متى كان هذا التراخي؟ إن الذين يدفعون الضرائب ومستحقات الحكومة هم أصحاب الجيوب المريضة بالورم، والانتفاخ ألهذا معنى معينا؟ ولماذا لم يقولا للشعب هذه السيئات إلا اليوم يا محترمين يا أعضاء مجلس الشعب وكبار الموظفين؟ هل كان محال بينكم وبين هذا ؟
ومنذا الذي يحول بينكم وبين تقصى الحقائق والمحاسبة على التقصير فيها، وأنتم أمناء الأمة وأعلى سلطة فيها؟ أم سكتم لأنه يكفى العايب عيبته، والله حليم ستار؟ يل ليتنى أجد لكم عذرا، فأعتذر بت للناس عنكم. أم أن هناك ما لا يعلمه الناس ولا يرضيكم أن يعرفوه؟
ومن دعا الناس إلى ذمه
ذمه بالحق وبالباطل.
تاسعا: عدم التصدي للاعتداء على أراضى الدولة.. من الذي كان يعتدي على أراضى الدولة؟ أية قوة كانت تحميه ؟ القرابة؟ المصاهرة؟ شيلنى وأشيلك؟ ما الذي يحمل الناس على أن يرضوا لأنفسهم بمثل هذا السوء ؟ أم أن المغتصبين كانوا لا يفرقون بين أراضى الدولة وأراضى غيرها؟ ألأن أراضى الدولة ليس لها من يهتم بها أو يحميها أو يدفع عنها؟ هؤلاء المغتصبون أكانوا يحكمون الدفاع عن أنفسهم ، بالوسائل التي تسكت المسئولين عنهم.
عاشرا: لماذا لا يحاسب وبسرعة كل من ثبت أنه بدد المال العام أو اثري ثراء غير مشروع؟ أنا عارف؟ سل نفسك تجد عندها الجواب الكافي الشافي الكاشف لكل ما تتساءل عنه؟ يا عماه.. أولئك الذين تتعجب لعدم مساءلتهم عن تبديد المال العام، كانت تحميهم قوى من تحت الأرض ، أو من فوق سطح المريخ، وإن كان لم نصل إليه بعد.
خليك في حالك كما كنت أيام الهيصة الهوجاء. وإياك أن تظن أن هذا ينفعك أمام المحكمة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها . هل كنت نائما كالذين قلت عنهم أنه بدأت صحوة عند البعض منهم؟
حادي عشر: لماذا لم تعالج مظاهر الاختلاسات والسرقة في بعض الوزارات رغم استمرار الاختلاسات والسرقة سنوات وسنوات، رغم تكرار طلب جهاز المحاسبات بضرورة وضع حد لذلك هذا اتهام صريح بوجود اختلاسات وسرقات في بعض الوزارات منذ سنوات وسنوات، وهذه الاختلاسات والسرقات كانت معروفة لدى المسئولين، وعلى رأسهم السادات ،ورغم أن ديوان المحاسبة قد طالب مرارا وتكرارا بوضع حد لهذه الجرائم المالية.
ما هي مسئولية المسئول إذا علم بوجود اختلاسات وسرقات وطلب منه أن يضع حدا لذلك، ثم لم يفعل؟ هل كان مشغولا بما هو أهم؟ أم أن المال العام لا يعنيه وهو مسئولية الوزارة كلها مجتمعة؟ أم.. أم ماذا؟ .. أنت فاهم وأنا فاهم طبعا رغم سفالتنا ورذالتنا وبذاءتنا .. إن السفالة والرذالة والبذاءة أرحم بكثير من موازين الأخلاق، من علم الوزير بوجود اختلاسات وسرقات في وزارته ويسكت.
ثاني عشر: لماذا تأخر الحساب الختامي للميزانيات؟ وكيف يعرض على المجلس الآن ونحن في 1982 تقرير الحساب الختامي لسنة 1979؟ لماذا تحشر نفسك فيما ليس من شأنك؟ ولماذا تسيء الظن بالناس؟ ألا يمكن أن يكون هذا التقرير مدفونا في درج من أدراج مجلس الشعب ولم ينتبه له أحد؟ كان الله في عونك إن قلت أن هذا ليس بالأمر الممكن.
أليس من الجائز أن تكون هناك أسباب مشروعة في ماكينات الطباعة، فتأخر طبع التقرير وبالتالي تأخر طبعه؟ أم تريد أن يطبع هذا التقرير بالرونيو؟ أليس من الجائز أن يكون في التقرير أمورا تستعمل التوضيب، وتأخر الطبع حتى تتم التسوية؟ ألا يمكن أن يكون للنسيان دخل في هذا ، وشرع الله لا يؤاخذ في حال النسيان.. ألا يمكن هذا التقرير موضوعا في شنطة دبلوماسية والشنطة الدبلوماسية لا تفتح؟
(أنت محموق كده ليه) والأعذار مثل الرز الصيني الذي يؤكل بالعصي الرفيعة. صعبان عليك حال الأمة في ذلك العهد؟ يا سيدي (ما يصعبش) عليك غالى (ما تروق) .

هذه هي الاتهامات التي أتيح لهذه الصحيفة القومية أن تنشرها على الملأ ولعل ما خفي كان أدهى وأمر. هذه بعض سمات حكم السادات ولسنا نحن الذين تولوا نشرها، ولكنها صحفه القومية التي أصاب بعض كتابها الازدراء والاصفرار من روعة استقبال الشعب لحبيبه المرموق.

إن عهد السادات كان يشغله أمر واحد هو احتواء المعارضة أو التنكيل بها، وباذلات الدعاة الإسلاميون خاصة الإخوان المسلمون. وكانت كل جهوده وقواه وأجهزته لا عمل لها إلا الوصول إلى تحقيق أمنية السادات.. إنما الأماني والأحلام تضليل .

ولئن كانت هذه الأيام الثلاثة والثلاثين قد نغصت عيش الشعب وسودت أيامه ، وأقتمت ظلام لياليه، إلا أن الكشف عن هذه الحقائق الموجعة كان فيه تسرية عن كل هاتيك الآلام ونسأل الله أن يكون العهد الجديد عهد حرية فعلا، وانطلاقا للدعوة الإسلامية حتى تؤدى رسالتها.

وما أكثر ما في جراب الحواة. ففي صحيفة الأخبار بتاريخ 26 يناير 1982 كشف عن سيئات أخرى لذلك العهد الميمون. اسمع (بدأ تنفيذ وقف استثناءات السفر على طائرات مصر للطيران) .

كان فين كل ده مخبى؟ حتى تذاكر السفر على طائرات مصر للطيران كان فيها استثناءات ؟ هل كان المسافرون على هذه الطائرات فقراء، فتأثر بفقرهم ضمير العهد، فحنا عليهم بتذاكر مستثناة من الدفع، حتى لا يحرمهم متعة السفر إلى بلاد الله خلق الله؟ لقد فسد كل شيء في ذلك العهد وها نحن نجنى مصائب ذلك الفساد . إن مهمة الإصلاح عسيرة عسيرة بشكل غير معقول . وليس لها إلا يد الله القادر على كل شيء والأمل في وجه الله كبير.

في نفس الصحيفة وبنفس التاريخ جاء مقال بعنوان (كلمة اليوم) " تلقت وكالات الأنباء برقية تحمل اعتزاز السعودية بدور مصر العربي، وأن وزير الإعلام السعودي أشاد بقرار الرئيس حسنى مبارك، وقف الحملات الإعلامية ضد الدول العربية"

لقد كانت مهاجمة الدول العربية من الإعلام المصري سقطة من سقطات عهد السادات، وقد كتب له الإخوان المسلمون أكثر من مرة أن يوقف هذه الحملات، ولم يع هذه النصائح التفافا ونحمد الله أننا كنا على صواب تام في المطالبة بوقف تلك الحملات الجائرة الخارجة عن حدود اللياقة.

وقد جاء الرئيس حسنى مبارك مثبتا لصحة تلك النصائح. وما زال الناس يذكرون أن مجلة الدعوة لما توجهت بهذه النصائح إلى السادات ، اتهم الإخوان المسلمين بأنهم يستعدون الدول العربية على مصر، وكانت هذه النصائح من بين الأسباب التي استند عليها السادات في مصادرة مجلة الدعوة وسحب ترخيصها .

ولا شك أن قرار إيقاف الحملات على الدول العربية قد أصاب بعض كتاب السادات بالكمد والنكد والابلاس، لأنه كان يجد في تلك الحملات التي كان يتولى كبرها طريقا سهلا لتنفيذ مخططات يعلم أصحابها وما يرمون إليه ولكن الله لا يصلح عمل المفسدين أبدا.

3 أكتوبر 1981

وتقترب الأيام الثلاثة والثلاثون من نهايتها، فنرى حرصا ملحوظا في نشاط الأجهزة الحكومية على تبنى سلوكيات جديدة ، يقصدون بها كما يدعون مواجهة المظاهر الفردية والاهتمام بالمظهر دون المخبر والروتين وتعدد الإجراءات.

جاء الأخبار عن ذلك في أهرام 3 أكتوبر 1981، سترا للإجراءات القاسية الظالمة التي تتخذ ضد كل من يقول للسادات لا .

ولكنها كانت في نفس الوقت اعترافا من المسئولين في ذلك العهد، بالتهاون الفاحش في رعاية مصالح الشعب وتستر على ما ارتكبه المحاسيب والمقربون والأقربون أولى بالستر والحماية.

وجاء في أهرام 3 أكتوبر ما كنا نود أن نسكت عنه، إذ قالت (صرح المستشار احمد عبد القادر أحمد على المدعى الاشتراكي بأن الاتجاهات الأولية للتحقيق أثبتت أن هناك رابطة قوية، بين الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين والطوائف الأخرى، في أهدافهم المشتركة والتي بدأت تأخذ صورة التعاون في خلال المرحلة الأخيرة) إن الله وحده يعلم ما نكنه للقضاء والقضاة من احترام وتقدير.

وكنا نود من أعماق قلوبنا ألا يتورط مستشار في مثل ما تورط فيه سيادة المدعى الاشتراكي. إن التحقيق يجب ألا يعلن على الملأ ما لم ينته المحقق فيه، فكيف أباح سيادته لنفسه ولمهنته المقدسة أن يصدر رأيا في اتجاهات أولية لتحقيق ما يزال في أول خطواته؟ كيف رضي لنفسه هذا الذي ما كان يقوم عليه معاون نيابة يدرج في أول مراحل وظيفته السابقة.. هكذا تستباح حرمات الناس ومن مستشار.

ما أشد هذا إيلاما للنفوس.. لماذا يسبق الأحداث، والتحقيق ما يزال في مراحله الأولى كما ذكر سيادته ذلك؟ لمصلحة من هذا التسابق في اتهام الناس؟ أهذه هي العدالة المفترضة ؟ هل من تمام وظيفة المحقق أن يكشف عن اتجاهات التحقيق وهو في أولى خطواته؟ ثم ماذا يقول هو لنفسه، وهو الذي حفظ تلك التحقيقات التي دلت اتجاهاتها الأولى على كيت وكيت؟ أى التصرفين من تصرفاته كان صوابا؟ إلقاء التهم قبل انتهاء التحقيق، أو حفظ التهم بعد الانتهاء من التحقيق ؟

ما الذي يحمله على أن يضع نفسه على هذه الصورة أمام الرأي العام وأمام زملائه ومرؤوسيه خاصة ؟ وإذا كان المشرف على التحقيق يصدر رأيا في مجموع التحقيقات فماذا يفعل مرؤوسوه الذين يتولون التحقيق مع المتهمين الذين يتولون التحقيق مع المتهمين الذين يحققون معهم؟ إن اللياقة واحترام القضاء والقضاة تلزمني السكوت على إبداء رأيي في هذا الذي فعله المدعى الاشتراكي متبرعا أو ..

في حدود معلوماتي القانونية الضئيلة إن هذا لا يصح عرفا وقانونا، ولكن حصل وما كان يليق أن يحصل وأنا هنا أدافع عن نفسي لأني كنت واحدا من الذين حقق معهم وكلاء المدعى الاشتراكي.

وكل ما أهدف إليه من إثبات هذه الواقعة، هو التدليل على ما كان يحصل في ذلك العهد، من الحرص على إحاطة الإخوان المسلمين بالشبهات ، حتى من الذين كنا نظن أنهم آخر من يتورط في تلك المحاولات، التي اشتركت فيها كل القوى المضادة للإسلام والمسلمين .

لقد فشلت جميعها، وما تزال دعوة الإخوان المسلمين تأخذ طريقها السوي السليم في جميع أنحاء العالم، تزداد يوما بعد يوم، وتنتشر عاما بعد عام، بكل ما لديها في الدفاع عن المسلمين في أية بقعة من بقاع الأرض. إن العالم كله المحبين لدعوة الله والكارهين لها، لا يعرفون من الجمعيات الإسلامية ، إلا جماعة الإخوان المسلمين ، لأنها الدعوة التي يقترن فيها القول بالعمل في سبيل الله، وكفى بهذا عزا عند الله.

أما آن لخصوم الإخوان المسلمين أن يعتبروا بما حدث لكل من تصدى لهذه الدعوة بسوء أو بيت لها مكيدة " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".

وبنفس التاريخ، وفى نفس الصحيفة، تبشر المصريين بـأن السادات يفتتح مدينة السلام، ويعطى غدا الإشارة بإصلاح ثلاثمائة ألف فدان. هكذا مرة واحدة، (ويا أرض إتهدى ما عليك أدى).

أرأيت كيف تكون العظمة الساداتية وإيراداتها الماضية السحرية .. مجرد إشارة من خنصر يده اليسرى ،انتهت الأزمة الغذائية ، إصلاح ثلاثمائة ألف فدان، فور إعطاء الإشارة الحاكمة يا سلام.. لماذا يقولون أن عصر المعجزات قد انتهى، مع أن سحريات السادات لا توقف فيها، كحبات سبحة في خيط تدور ثم تدور، وتنتهي من حيث بدأت إلى ما لا نهاية .

ماذا تريدون أيها المصريون المكابرون المناهضون للحكم، يأتيكم كل يوم بما لا يخطر لكم على بال ، مما تكرهون اصرفوا عن أذهانكم وأعصابكم ما يحطمها في هذه الأيام، فالساحر العجيب أعطى إشارة البدء في إصلاح ثلاثمائة ألف فدان، وما دام قد بدأت فلابد وأن تنتهي من حيث بدأت ، حتى ولو كانت وعودا براقة أو حبرا على ورق، إنكم جهلاء لا تعرفون ما يجرى خارج أنوفكم.إن رئيس وزراء فرنسا المهولة يحيى ويقدر جهود السادات .

إنه ليس من بلدنا ولا من بلدكم والفضل ما شهد بت الفرنسيين وما داموا يحيون ويقدرون فلا أهمية لكم إن حييتم أو لم تحيوا، إن قدرتم أو لم تقدروا.أين أنتم من فرنسا التي قتلت مليونا من شهداء المسلمين على أرض الجزائر، طبعا نحن قوم طيبون لا نحقد ولا نكره.

غير أن هذه الجريدة الماكرة لم تتركنا نتهنا بتحية فرنسا وتقديرها لرئيس جمهوريتنا السادات ولكنها تسرع فتحرمنا هذه السعادة بحديثها عن الازدواجية وعدم التنسيق بين ألأجهزة وسوء العرض وعدم انتظار الخطوط البحرية. وكل ذلك كان يحدث في عهد السادات، وباعتراف صحفه الحكومية التي يوجهها كيف يشاء .

أى شيء لم يصبه الخلل والعطب في ظل حك السادات وكان نتيجة ذلك كله أن انتهى عهده بمأساة كان هو ضحيتها. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.يا للمعارضين المناهضين من قوم ظالمين ، سفلة وأراذل وبذءاء .. العالم كله يرى في الحاكم المصري.. السادات عظمة وذكاء ومقدرة . والمصريون وحدهم دون العالم المتحضر، لا يرون هذا الرأي . ليس القابض على الجمر كالذي يده في الماء.

تقول جريدة الأخبار في 3 أكتوبر 1981:

(صدى عالمي قوى لنداء السادات، عواصم العالم تقول أن الرئيس السادات قدم أقوى تأييد، لبيع الطائرات أواكس للسعودية. لندن تؤيد نداء مصر .باريس تقول أن المعاهدة فتحت آفاقا جديدة، وفى واشنطن نتائج إيجابية في الكونجرس)

داهيتك سوداء يا إسرائيل.. أمريكا وانجلترا وفرنسا تخلت عن إسرائيل ، بعد أن وجد نداء السادات صدى في الالزاس والتيمز والمسيسبى. ولكن أين هو هذا النداء الذي لم يعلم عنه إلا رجع الصدى الذي حدثتنا عنه ألأخبار، ولولاها ما علم الناس شيئا عن هذا الصدى الموجع الرنان.. ما هي الآفاق الجديدة التي فتحتها القاهرة ، أى السادات. هل وحدت كلمة المسلمين ؟ هل أعادت للفلسطينيين حقوقهم السليبة؟

هل حررت مصر من الاستثمار الاقتصادي الأمريكي؟ هل أعادت الأمن والرخاء إلى بلد الأمن والرخاء؟ ما هي النتائج الايجابية التي قدمها لنا الكونجرس؟ هل أعاد إلينا حقوقنا التي اغتصبها بمساعدته لإسرائيل؟ هل ساوى بيننا وبين إسرائيل في المعاملة؟

هل امتنعت أمريكا عن استعمال الفيتو في مجلس الأمن، كلما بدا في الأمر اتجاه لإنصاف مصر وإدانة إسرائيل؟ هل منعت إسرائيل من استهانتها بكل الحقوق الإنسانية في هذه المنطقة بحجة المحافظة على أمن إسرائيل؟ هل حالت بين إسرائيل وبين خرقها لكل بنود المعاهدة نصل وروحا؟

هل سلمت السعودية طائرات الأواكس بعددها وميزاتها كاملة، أم بعد أن نزعت منها كل ما فيه مساس بأمن إسرائيل، إذا لم يبق لهذا التهويل العالمي تصفيقا للسادات إلا أنه ذهب إلى القدس متحديا مشاعر المسلمين كافة بضياع ألأرض .

ذهب إلى القدس ليعطى إسرائيل حقا شرعيا مكافأة لها على اغتصاب فلسطين وتقتيل وإذلال أهلها بكافة الطرق اليهودية البربرية. وماذا تريد أمريكا وانجلترا وفرنسا، أصدقاء إسرائيل ومحبوها ومعانوها على تفريق وحدة المسلمين أكثر من هذه المبادرة المشئومة التي كانت فاتحة الكوارث التي حلت بهذه المنطقة. صنيعة أمريكا وانجلترا وفرنسا، لأنه قصم ظهر الوحدة الإسلامية بوثيقتي كامب ديفيد.

ولأنه عقد القضية الفلسطينيةتعقيدا شنيعا زاد القضية خطورة على خطورتها، بما نسأل الله أن ينجينا من عواقبه، ولأنه جاء بمعاهدة السلام التي حققت لإسرائيل أمنا ما كانت تحلم بت، فانطلقت تعبث بكرامة الدول الإسلامية في المنطقة كما تشاء فضربت المفاعل العراقي آمنة، واغتصبت الجولان آمنة، وهودت الضفة الغربية وغزة آمنة، وغزت جنوب لبنان آمنة، كل ذلك فعلته إسرائيل آمنة مطمئنة في حماية معاهدة السلام؛

زد على ذلك توحيدها للقدس، واعتبارها عاصمة لإسرائيل في احتقار بشع لكل مشاعر المسلمين ، فلماذا لا يحيى العالم الصليبي السادات، هذا إلى تبنيه والسيدة زوجته لدعاية تحديد النسل الذي لا يعرفه الإسلام، وما ينفق في سبيله من أموال الشعب بلا حدود وفوق هذا كله عداؤه الحاقد المرير لكل داعية إسلامي، فلماذا لا تحييه الصليبية والشيوعية والصهيونية معا.

لماذا لا يحيونه ويقدرونه ويفخمونه وينفخونه، إغراء له على السير في هذا الطريق يرضيهم ويضر الإسلام والمسلمين . إن هذه القوى ما كانت لتحلم أن هناك مسلما يفعل بالمسلمين ما فعله أنور السادات، إنه تولى عنهم تنفيذ كل مخططاتهم ضد الإسلام مستعينا بأجهزة إعلام الدولة المسلمين وبالجيش والشرطة ولئن عميت هذه الحقائق عن هذه القوى حينا، فسيأتي اليوم الذي يعرفون فيه أن السادات لم يبق على شيء من مصالح هذا البلد إلا مسه بعذاب.

وتزيدنا نفس الصحيفة وبنفس التاريخ ، تزيدنا أمنا واستقرارا بما ذكرته من مواجهة حاسمة لحالات التسيب في كل مجالات الأمور، مع تدعيم أجهزة التموين وإذا لم يكن كل هذا الاهتمام مجرد شعارات يقصد بها التهوين من سوء ما يفعل ،فلماذا لم يهتم بت السادات وقد مضى عليه في الحكم عشر سنوات . فتعقدت فيها الأزمات، وكان كل يوم يطلع بأسوأ مما كان عليه سابقه بشكل أذاع القلق في نفوس المواطنين .

إن السادات في تصرفاته منطقي مع نفسه، لأننا لا ننتظر من زرع الحنظل روحا وريحانا، ولكن الشعب كله ينكر هذا المنطق المعكوس، لأنه صامت على كره منه، وليس هذا حال الشعب المصري وحده، فكل الشعوب الحية المتحضرة، تجرعت كؤوس المر من فقد حريتها تحت حكم القهر في ظل النار والحديد، فهذه ألمانيا وهتلر ، وإيطاليا وموسولينى، وأسبانيا وفرانكو ، وروسيا والكرملين، وتركيا ومصطفى كمال، وانجلترا وكروميل ، وفرنسا والإقطاع .

وغيرها ، كلها أخضعها القهر والسلاح إلى أن قيض الله لها من أمرها فرجا، ودولة الظلم قصيرة الأجل ولو تطاولت بها الأعوام فقد ظل سلازار يحكم البرتغال أربعين عاما حكنا فرديا استبداديا وانتهى بت ألمر إلى الزوال.

إن هذه الدعوة الخادعة لم تغير من رأى الشعب المصري في حكم السادات فما أن ذهب حتى تبخر الطلاء وظهر وجه العهد الشائه على حقيقته المنفرة.

وفى نفس الصحيفة والتاريخ (وأكد عدد من المحامين لأخبار اليوم أن الأشخاص المتحفظ عليهم يلقون معاملة طيبة وينامون على أسرة) من الذي أخبرك أنها سكينته؟ لقد علم الشعب كله ما يجرى داخل المعتقلات من الحرمان من كل حق آدمي، وعرفت الصحف هذا بدورها، فراحت تهون من الأمر ولو على غير أساس .

إن المراتب على الأسرة التي ينام عليها المرضى من المعتقلين ، تتقزز من النوم عليها الكلاب الضالة في الأزقة والطرقات. ملوثة بالدماء والقيء والصديد، وتمرح فيها فيالق القمل والبق، وتتصاعد منها أنتن الروائح، هذا على أنها كلها (مكلكعة) لا يذوق النائم عليها طعما للراحة أو فترة للنوم.

إن هذا الخبر غير صحيح في أى حرف من حروف كلماته وإلا إذا كان المألوف في السجون المعاملة الطيبة، والنوم على الأسرة، فما الداعي لتحصيل الحاصل، ثم من هم المحامون الذين تبرعوا بالذهاب إلى دار أخبار اليوم لتنوب عنهم في تطمين الشعب على أحوال بنية المعتقلين.

إن آلاف المعتقلين ينامون على الأرض وتتسلل مياه الدورة الموجودة داخل الحجرة إلى الحجرة فتتشبع المراتب بالماء، والذين ينامون على ما يسمونه سريرا لا يزيدون على العشرة وهم من هدهم المرض هدا، رحم الله المهندس عبد العظيم أبو العطا الذي ذهب ضحية الإهمال في الرعاية الصحية، لمن كان في مثل سنه وصحته.

إنهم يعلمون أن الشعب كله عالم بالحالة داخل السجون وهو من ذلك ساخط عليهم، وهم من أجل ذلك يخترعون المخدرات العاطفية، لعل فيها ما يخفف من سخط الشعب عليهم. ولقد بلغ من سوء الحالة الغذائية أن بعض المتحفظ عليهم كسروا أبواب زنازينهم احتجاجا على ما يقدم من غذاء لا يكفى أطفالا بله شباب مستوين.

كل ذلك كان يتم والسادات على علم به، رغم الإخطار المصيرية التي تحيط بالوطن وتحتم التكاتف بين بنيه جميعا، لدفع عادية تلك الأخطار والسادات لا يهمه إي تثبيت دعائم حكمه مضحيا في سبيل ذلك بكل شيء مهما بلغت خطورته على مصر.

في نفس الصحيفة والتاريخ، تصحيح من ألأستاذ إحسان عبد القدوس لما نسبته إليه تلك الصحيفة من حديث دار بينه وبين السادات خاصا بالأستاذ المجاهد محمد عبد القدوس نجل إحسان، والذي كان متحفظا عليه لأنه من الإخوان المسلمين ، وكان الحديث المنسوب إلى الأستاذ إحسان عبد القدوس ما يوحى بالوقيعة بين الابن وأبيه، في محنة ما كان يليق أبدا، بمن عنده ذرة من آدمية، أن يعبث بمشاعر الأبوة والبنوة إلى هذا الحد، إرضاء لغرور المغرورين ؛

وكان من آثار إرهاق المشاعر أن انتشرت المخدرات في مصر انتشارا ما سبقه من مثيل، وإنها لمظاهر تلفت النظر حقا، لعل الكثيرين يريدون الهروب من قسوة الواقع،إلى التحليق في أجواء الأوهام والخيال إراحة لأعصابهم، لأن الواقع كان أرهب من أن تتحمله أعصاب العاديين من الناس. علم ذلك عند الله، وعند الواقفين على حقائق الأمور من عامة الناس وخاصتهم.

وتستمر الصحف الحكومية في الدفاع عن استبداد العهد بمختلف الأساليب المباشرة منها وغير المباشرة، خشية الانفجار الذي يعقب الغليان في الوعاء المكبوت.

4 أكتوبر 1981

تقول جريدة الأخبار في يوم 4 أكتوبر 1981 أن سيادة الرئيس صرح بأننا بدأنا عهد الانجاز .. إذا فماذا كان عهد العشر سنوات الماضية؟ ألم يكن هناك إنجاز؟ أكان عهد الاستجمام وراحة البال من متاعب الانجاز؟ كما صرح سيادته بأن مدينة السلام التي يفتتحها في ذلك اليوم، تعطى الشباب شققا تمليكيه للشباب دون مقدم ولماذا دون مؤخر كذلك؟ أليس عهد الانجاز والإجهاز؟

مئات الألوف من الشباب تحتويهم مدينة الشباب في شقق بلا مقدم.. أهذا حقيقة أم خيال؟ وإذا أبيح للوزراء أن يعطوا وعودا بلا تحقيق فهل يليق برئيس الجمهورية أن يقرر وقائع لا تتفق مع الحقائق الملموسة؟ حقا هناك مدينة تبنى وما زالت إلى اليوم تستكمل اسمها مدينة السلام، ولكن كيف يجزم سيادته بأنها للشباب ، والشباب بلا تحديد، تعطيه شققا بلا مقدم، لقد صدق كلام العامة من أن هناك كلاما يفقع المرارة، ولكن ماذا نقول وكلام الرئيس ، رئيس الكلام..

ويستمر سيادته في مثل هذا الكلام العجيب قائلا إن جيل أكتوبر نقل مصر على عهد الانجاز وتحقيق المعجزات. حقا ومن غير السادات يستطيع العودة بمصر على عصر المعجزات، بعد أن انتهت بوفاة خاتم الأنبياء والمرسلين.

المعجزات يا سادات خبط لزق.. ماعلينا إنه كلام، والكلام بلا ثمن، وحتى ولو كان بثمن فالسادات الذي أنهى أزمة الإسكان لا يعجزه أن يأتي بمعجزة التمويل، أليس له ملك مصر ونهر النيل يمر من تحت شرفات قصره المنيف.

وما أصدقه وهو يقول: انتهت المعاناة ،وبدأنا مرحلة جني الثمار. يا حسرة مرة.. الواقع يقول أن المعاناة اشتدت وتضاعفت ، ولكنه يقرر غير ما يعيش فيه الناس. الواقع أن الثمار التي يتحدث عن البدء في جنيها، أخذها الغراب وطار، قبل أن تصل على أفواه الصغار والكبار.

الواقع أن عهد الظلم قد أقحل الأشجار فما عادت تأتى لا بثمار ولا بنوار. ولكنه يقول ، فليقل لأن مساحة الفضاء أوسع من مساحة الحلقوم واللهاة، إنها معجزة حقا أن يقول سيادته هذا الكلام في قمم الهملايا وهضبة التبت ، أما في مصر، ومن الذين يعيشون فيها، تطحنهم المعاناة فإنها.. معجزة أيضا، فمن يستطيع أن يقول لسيادته... مهلا أو على رسلك.

ما أشقاك يا جيل أكتوبر.. يا جيل السادات، صانع المعجزات، وما هو أبعد من المعجزات، إن كان في طاقة البشر شيء من هذه الخيالات. هل صدق الشعب هذا ؟ أم تلقاه كعادته بالملح والفكاهات .

لقد عشنا وشفنا عهدا لا تقتصر المعجزات فيه على يد بطل السلام، ولكنها أصبحت تجرى على أيدي جيل أكتوبر كله وهنيئا له من جيل .. وسبحان وهاب العقول . أنه لم ينه بمعجزاته المعاناة ولكن ما تزال تعايشنا كأثر من رواسب عهده ، عهد المعجزات.

وتنافس الأهرام زميلتها الأخبار في ميدان الإشادة بعبقريات السادات، لا عبقريات العقاد، فتزف إلينا إنشاء 75 خمسا وسبعين ألف وحدة سكنية في مدينة السلام. ليس هذا فحسب بل إن هذه المدينة سترتبط بالقاهرة بسكة حديد مشمشية وعشرة خطوط أتوبيس .

أين هي يا همام، يا صانع المعجزات والأوهام.إن القاهرة في حاجة إلى خط أتوبيس واحد جديد في عهدك، فهل تتركها في غلبها وزحمتها وتعطى مدينة السلام عشرة. هنيئا لك يا فاعل الخير.. أليست الحسنة بعشرة أمثالها ومن غيرك لا يجاهد في ميدان الحسنات؟ ومع ذلك فالشعب ضائق متبرم، لأنه لم ير مما قيل له شيئا.

وتمضى جريدة الأهرام في الطريق الذي ارتضته لنفسها، فتعلق أن الرقابة شدت على الأسواق، ولماذا لم تشدد الرقابة على الأسواق قبل اليوم، لست أدرى، ولكنى أظن أن الأسافل الذين كانوا يملأون البلد، لم يكن من حقهم أن تكون هناك رقابة على الأسواق ، صفا بالهم على مناهضة معجز المعجزات، أما الآن وقد أودع أولئك الأراذل داخل السجون فقد تحركت عوامل الشفقة عليهم، فشددت الرقابة على الأسواق.

إن الدفاع عن حكم السادات تجعل هذه الأساليب هي الأدلة القاطعة على ما يتميز بت ذلك الحكم من إهمال وانصراف عن كل ما ينفع الشعب إلى كل ما يكفل للحاكم (روقان) المزاج وراحة البال ، ولن يستطيع أحد أن ينال من عهد السادات بمثل ما نالت بت الصحف القومية، التي مدحته بما كشف عن فساد ذلك الحكم، من حيث تدرى أو لا تدرى.

وهكذا إذا أتعب العسف راحة الشعب، ففي الوعود والأماني ما قد يريحه من الناحية الأخرى، وهذه أمام تلك ويا لها من سياسة حكيمة طافحة بالمعجزات وسد كليب في الناقة.

وراحت الأهرام تزايد على زميلتها الأخبار ، فقالت أنه تقرر أن تعمل المجمعات الاستهلاكية حتى الساعة الثانية عشر مساء، من الذي يستفيد من هذا الوقت المضاف؟ الذين يكدون طوال النهار ويريدون أن يأووا إلى بيوتهم مبكرين، ليستيقظوا مبكرين لمباشرة أعمالهم؟

لن يستفيد من تأخير الوقت إلا الذين يقتنصون غذاء الشعب من تلك المجمعات في الخفاء. وليس أستر من الليل في ارتكاب المنكرات، والإتيان بالمعجزات. وأتانا الأهرام في ذلك اليوم ببشرى جديدة (تطور أساليب التدريس بالاعتماد على وسائل الإيضاح ،وأن هناك وحدة طبية كاملة في كل مدينة جامعية تعمل أربعا وعشرين ساعة بأطباء مقيمين)

ماذا تريد يا شباب المقاوم للسادات وهو يقدم لك كل هذه الخدمات الهائلات؟ ألا يرضيك ذلك عنه؟ إنك إذا لعاق حقود، هيا هيا وصفق معي لهذه الصحوة الوهمية، ولا تكن من المناهضين ، ترى هل أنس ذلك الفيض من الوعود المتبخرة مع طلعة الشمس، هل ألهته عما هم فيه؟ إنها لم تزد إلا نفورا ، ذاق المر من ثمره، ولا تنسى هذه الصحيفة أن تتمادى في الخيال فبشرت بأن السادات أعطى إشارة البدء في استصلاح 823 ألف فدان غرب النوبارية قبل عام 1985.

هل رأيت الدقة في تحديد عدد الأفدنة التي أعطى السادات إشارة البدء في استصلاحها؟ أى الجريدتين نصدق؟ وكلاهما موحى إليه بهذه الأعداد من مصدر واحد، هو جهاز إعلام السادات؟ هل تصدق أم تكذب ؟ أنت حر .

ومن لم يصدق فليذهب إلى غرب النوبارية ليرى بعيني رأسه (والمية تكذب الغطاس) إن بطل المعجزات (شريخ مريخ يضرب الأرض تطلع بطيخ).

5 أكتوبر

لا تتضايق فقد اقتربنا من النهاية، ويا لها من نهاية.. إننا في اليوم الخامس من أكتوبر 1981 ، فقد كذبت الأهرام نفسها بنفسها إذ ذكرت أن عدد الأفدنة الذي ذكر بالأمس أنه 823 ألف فدان، حقيقته ثلاثمائة ألف فدان فقط.

حقا إنها صحيفة لا تنشر إلا الخبر الصادق، فإذا ذكرت بالأمس أن الأفدنة 823 ألف فدان، ولست أدرى من أين جاءت بذلك العدد المحدد المساحة، أهو من اختراعها أو من وحى أوحى بها إليها، فإنها اليوم تعود إلى الواقع المتضائل فتقرر أنه ثلاثمائة ألف فدان فقط، والحق لا ثمانمائة ألف فدان ولا قيراط ولا قصبة، ولكنه (نخعة) غطى بها السيد مراسل الصحيفة مستندا إلى ما عرف عن هذا الشعب من أنه سريع النسيان..

حتى إنك إذا سألت واحدا عما تعيش بت بالأمس كان جوابه والله إني لا أذكر بماذا أفطرت اليوم، وقد نسأل لماذا تنصرف إلى المخدر قال لك لأنسى، فإذا سألته ماذا تنسى قال لك واله (ما أنا فاكر) والحسبة قريبة ما بين الثمانمائة والثلاثمائة ، وما بين الخيرين حساب، ثم ليس المهم هنا بالتناقض فقد اصطبغ ذلك العهد بالمتناقضات في كل شيء ولكن المهم هو ما تكشف عنه هذه الصحف، من طرائف ذلك العهد الوردي المشمشي.. فلا تشغل بالك بالمقارنة فذا شرح يطول.

وهل لدينا والمصائب تنصب فوق رؤوسنا مع صبيحة كل يوم من أيامه السعيدة، هل لدينا وقت للمقارنة؟ لا أظن ولو كان هما واحدا لاحتملناه ، ولكنه هموم وهموم وهموم والذين ينشرون هذه السفاسف لا يقيمون وزنا للمعارضين المناهضين.

وفى نفس الصحيفة والتاريخ، ما يطمئن المصريين على اللحم في العيد الكبير. فهناك ثلاثون ألف خروف ستباع بسعر 105 قرشا للكيلو الواحد، ولحوم بلدية بسعر 250 قرشا للكيلو ، فاشحذوا أسنانكم، وأعدوا معدكم لهذا الخير الوفير .

فما في النكد من فائدة، ولن يدفع تحفظا ولا اعتقالا فتلك مصائب ليس لها من دون الله كاشفة. إن العهد يريد أن تمتلئ البطون حتى لا تضطرب العقول، بأكثر مما هي عليه من فزع واضطراب. هيا استعدوا لعيد التضحية والفداء، فلابد وأن يكون فيه ضحايا من الأضاحي.

وخذ عندك (كمان) لقد أعد الحاكم مائة وعشرين مليون من الجنيهات، لتنفيذ عاجلة لتطوير تليفونات الأقاليم وستنتج ستمائة عربة سكة حديد لاستكمال القطارات في العام القادم.

ويطول عمرك وكل سنة وأنت طيب يا طويل العمر ويا طويل اللسان كما أعددنا مائة وخمسين مليون جنيه لرصف الطرق الرئيسية والإقليمية في الريف، وطبعا من بينها طريق ميت أبو الكون، وهذب مسألة ليست في حاجة على تفكير لا طويل ولا قصير.

إذا لم تصدق فقدم الدليل على كذب ما تقرأ أو ما تسمع.طلعت مسألة كهذه يوما في رأس أبى نواس، فصاح قائلا : إنني اليوم أقف في منصف الأرض تماما. قالوا وما دليلك . قال قيسوا الأرض من يمنى، ثم قيسوها من يساري يثبت لكن إنني أقف في منصف الأرض تماما.

هذا هو حالنا مع ذلك العهد ، يقول ويقول، ويعد ويعد، ويبشر ويبشر، ومن لا يصدق من الحاقدين فليقدم دليلا يدحض ما ندعيه. فهل عدنا إلى عهد حمار أبى نواس وبحبح بيه؟ ألا تصدق ما قيل لك عن مدينة السلام ومعجزاتها .

إذا إليك الشركات التي ستتولى إنجاز هذه المعجزة:

  1. شركة النيل العامة للطرق والكباري.
  2. الشركة المصرية المساهمة للمقاولات.
  3. شركة الإسكندرية العامة للمقاولات.
  4. شركة الدلتا العامة للمقاولات.
  5. الشركة المصرية.
  6. شركة ببكو
  7. شركة النيل العامة للمقاولات.
وغيرها.

هل اقتنعت وهنا لاتفوت الفرصة رئيس تحرير الأخبار الأستاذ موسى صبري يتعرض بالإخوان المسلمين ، ابتغاء الحظوة عند الرئيس. إنه عظيم كتاب الإنس والجان، صاحب القصص الملاح الحسان، الله يسامحك يا أبا صبري.

تقول الصحيفة إن كل القرارات التي صدرت والقوانين الاستثنائية لن تترك دون متابعة، فقد أنشأ العهد ثلاثين مجموعة عمل، من خبراء الجهاز المركزي للتفتيش على تنفيذ قرارا ت الانضباط في المحافظات والجهاز الادارى والقطاع العام.

نعم أنا متوقع أن تضبط في أية لحظة بغاية الدقة وأن يتحفظ عليكن فقد أقام لك السادات ثلاثين مجموعة كل مجموعة تنطح مجموعة، من خبراء الجهاز المركزي للتفتيش على تطبيق قرارات السيد الرئيس .

ثلاثين مجموعة.. يعنى أن الذي ينجو من متابعة مجموعة لابد وأن يطب في مجموعة أخرى.. واقع واقع. ونرجو ألا تنشا مجموعات أخرى لمتابعة نشاط هذه الثلاثين مجموعة في تنفيذ قرارات الانضباط وهكذا .

ولك أن تتصور مدى سيطرة هذه المجاميع على جميع موظفي الدولة، وما سيكون لها من سلطان وسلطات في انتهاك حرمات البيوت وتقييد الحريات، أو لا تتصور شيئا من ذلك فهو أريح لك من التفكير في هذه الهموم ، فرحمة الله قد وسعت كل شيء.. يا لها من دولة بوليسية.

وأنت تعلم طبعا حجم المصروفات السرية التي ستنفقها هذه المجموعات التي لن يحاسبها أحد طبعا لما هو من إخفاء المصروفات السرية، إنها محاولات لتمرير هذه الأعمال الجهنمية ، وزحلقتها في مشاعر الشعب وعواطفه.

ومع كل هذه المبالغة في الاحتياط، فإنها فشلت في مهمتها فشلا ذريعا عندما حم القضاء، وجاء أمر الله الذي لا مفر منه، وكان أيسر من هذا كله أن يسود الحب والثقة بين الحاكم والمحكوم، فذلك هو الدرع الواقي من كل ما فكر فيه ذلك العهد من احتياط وحراسة وانضباط.

ثم لا ننسى أنه جاء في صحف ذلك اليوم 5 من أكتوبر 1981 أن سيادة الرئيس التقى بمزارع أصلح ثلاثين فدانا، فعينه رائدا لتلك الثورة الزراعية العارمة.

ثم لا ننسى كذلك أن جريدة أخرى من جرائد ذلك اليوم ذكرت أن رائد الإصلاح هذا أصلح ثلاثمائة فدانا وليس ثلاثين كما ذكرت بقية الصحف الجاهلة، ولا عجب فالحسنة بعشر أمثالها.. ماذا يهم أليس النشر، والتنافس بشيء طريف وفيه طرافة.

6 أكتوبر 1981

وطلعت علينا صحيفة الأخبار في 6 أكتوبر 1981، وهى لا تعلم مفاجأة الأقدار طلعت علينا بمقال تحدث فيه رئيس تحريرها عن هلوسة العقاقير. أى والله وأن كل المعارضين والمناهضين للسيد الرئيس مصابون بهلوسة العقاقير، ولكنه لم يوضح لنا نوعية هذه العقاقير، أهي عقاقير طبيعية كالمارجوانا والحشيش والأفيون، أم صناعية كاماكسون وما إليها.

وكل إناء بما فيه ينضح من عسل أسود أو شهد، ولماذا لا يقال للشعب أننا نريد إنقاذك من المعارضين المناهضين، الحاقدين المدمنين لعقاقير ، وأبناء شداد ،المستعملين للجوزة المركب عليها غاب، وهى في نفس الوقت مجمعة للأحباب ويا عين صل. يا ناس والله أن ما تقولونه شيء لا يليق، ولكن ماذا بقى مما لا يليق ولم يرتكب في تلك الأيام الغبراء..

ولم تنس صحف 6 أكتوبر 1981 ذلك اليوم المعروف، لم تنسى أن تبشرنا باستعداد المحافظات بتسيير وتشغيل 42 قطارا إضافيا ، مع إلغاء إجازات العاملين بمرافق الخدمات. هكذا الدقة في الأخبار والا فلا.. 42 قطارا بالعدد المحدد، لماذا لا تكون 40 أو 45 مثلا؟ لا لا .. إنهم قوم يلتزمون الدقة والتحديد في كل شيء، ليصدق الناس كأي وعد أو وعيد في كل عيد . ليس هذا فحسب بل على المصريين أن ينسوا الكرب الذي يبيتون ويصبحون عليه مع كل يوم جديد.

إن المحافظات تستعد في عيد ألضحى برقابة على الأسواق والمجمعات الالتزام بالأسعار التي لم يلتزم بها بائع في أى يوم من أيام ذلك العهد المريع. ولكن هل أحس المصريون بمقدم العيد؟ لقد كانوا ما بين باك على فقد حبيب وشاك من ظلم الرقيب، ومتوجس من كل شاويش ونقيب، وحزين حرمه الحاكم من كل حبيب ،فأنى لهم أن يطمئنوا أو يسعدوا بعيد، تكتنفه الأهوال من كل مكان، ولكن المسئولين في واد والشعب في واد، وما أبعد الشقة بين الواديين ،عيد.. بأية حال عدت يا عيد؟

أيها الشعب .. افرح ففي 6 أكتوبر 1981 ستقام احتفالات رائعة، فيها عروض، من أمجاد السادات، وابك من الفرح الذي ستسعد فيه بأمجاد البطل المهيب، ابك فكلها دموع، للفرح دموع، ولكنها عذبة المذاق ، فاترة الحرارة، وللحزن دموع ولكنها مرة الطعم، مرتفعة الحرارة.

والإنسان في حاجة إلى الحوادق، حاجته إلى الحلويات، وما تزال الشركات إياها توالى نشر إعلاناتها في إتمام المنشآت التي أعطى إشارة البدء فيها السيد السادات.

وجاء يوم 6 أكتوبر 1981 ، وكان فيه ما كان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ولا راد لقضاء الله مهما حاول الإنسان المسكين الذي لا يدرى ماذا سيكتب اليوم أو غدا، ولو أن ذلك العهد اتخذ طريقا سهلا غير مليء بالأشواك لما كانت النتيجة كما رأينا، ولكن العبد في التفكير والرب في التدبير. والله غالب على أمره.

لقد عشنا ثلاثة وثلاثين يوما من القبض والتحفظ والسجن والاعتقال والتعذيب. كانت كريهة حقا، ولكن عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. وإذا كنا قد تجرعنا مرارة الآلام فقد تذوقنا الصبر والاحتساب، راضين غير متسخطين، فما عند الله خير مما عند الناس، وما عندكم زائل وما عند الله باق لا يزول، ولو أن الذين صفقوا وهللوا، كانوا يقدرون حريات الشعوب، لما صفقوا لتصرفات سوف ينقلب عليهم يوما من الأيام والبغى مرتعه وخيم ولكنهم ساهموا في وأد الحريات وظنوا أن القوة والسلطة مانعتهم من حساب الله .

ألا فليعلم الذين يمشون في ركاب الظالمين أنهم أدنى إلى بطشهم، من الذين لا يمشون في الركاب، وهكذا ستظل سيرة الشعوب في صفحات التاريخ دون عبرة ولا اتعاظ، ولذلك خلقهم وحكمه فوق كل علم وإدراك.

ما كتبت تشنيعا ولا تشفيا، ولكن أثبت أحداث تلك الأيام في هذا الموجز حتى لا تذهب مبعثرة في فدارج النسيان، وحتى تقرأ من بعدنا كيف كان عهد السادات. وليحكموا عن بينة أين كان الحق حينذاك؟ مع السادات أم مع معارضيه ومناهضيه.

وثمة دافع آخر. أن السادات رمى دعاة الإخوان المسلمين بكل نقيصة ولم يستبق شيئا لغيرهم. فكان لزاما أن يعرف الناس ذلك العهد تماما فإذ ما ثبت للناس مظالمه، أيقنوا وبلا عناء، أن معارضي ذلك العهد كانوا على حق واضح وأنهم أطهر مما دار في خلد ذلك الحاكم متجنيا.

إن الإخوان ما نافسوا يوما حاكما على حكم، وما طلبوه يوما لذاته، إنهم كانوا دعاة إصلاح، ومجاهدين في سبيل تطبيق شرع الله، حريصين على إقامة الخلق السوي والبعد عن التحلل والانحراف وإيجاد نوع من الشباب توفرت فيه كل مقومات الرجولة والحاكم الظالم يفرغ من رجولة الشعب، لأنها تنكر الظلم والانصياع لضغوطه، فهو حرب دائما على هذا الصنف من الشباب النظيف الذي لا ترهبه القوة ولا تغريه المادة.

إذا ظهر العهد الساداتي على الصورة المصغرة من عمره الطويل في هذه الثلاثة والثلاثين يوما، تبين كل ذي فهم منصف أن بضدها تتميز الأشياء، فبسواد الليل يعرف بياض النهار، وبالحكم السىء الظالم المتهاون تعرف حقيقة المعارضين لذلك الحكم، وبكراهية حكم السادات للإخوان المسلمين يعرف الناس من هم الإخوان المسلمين، ولماذا يكرههم أنور السادات ومن ينحو نحوه في هذه الكراهية.

الحاكم المستبد يكره من يطالبه بالعدول عن استبداده، والحاكم الفرد يجب أن يحتوى كل الاتجاهات في سلطانه، فإذا استعصى عليه قوم، كان أول تقدير عنده أنهم أعداؤه وهم في الحقيقة ناصحوه ومحبوا الخير له.

والحاكم المستبد حريص على إخضاع الشعب كله له إغراء وإرهابا ، دعاة الإسلام يقولون له إن الرأي في الإسلام شورى، كذلك علمنا القرآن وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإخوان المسلمون لا يعدلون بشرعهم حكما ولا رأيا.

إذا كثر الخبث في الناس، ظلت فيهم طائفة على الحق لا يضرهم من خالفهم، إنهم الغرباء وطوبى للغرباء قوم قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.

لقد فسد الناس فحاول الإخوان المسلمون أن يعيدوهم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم سوء فهم بعض الناس لهم فإنهم لم يستوحشوا ولم يشعروا بالوحدة، ولم يعتزلوا المجتمع، وكيف يستوحشون وهم يعلمون أن الله جليس من ذكره وهم يذكرون الله كثيرا.

الإخوان المسلمون عرفوا الله قادرين له حقه ما استطاعوا وهم أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من حبهم لأنفسهم، وكان هداهم تبعا لما جاء بت، وقرأوا القرآن قراءة التفهم فلم يكفروا أحدا ولم يتعالوا على أحد ،ولم يقولوا أنهم وحدهم على حق وأن غيرهم مخطئ أو خاطئ عملوا بما في قرآن ربهم فظن البعض أنهم قصروا الإسلام على أنفسهم وهذا خطأ محض.

إنهم يخطئون ما من ادعى أنه المسلم وحده، لأنهم على ثقة من أن المدعى ما يزال يتخبط في ضلال ادعائه، بل لعله أسوا حالا من العاصي الذي يحالون أن يتعرف إلى أبوبا التوبة والإنابة.

أنهم لما استمتعوا بنعم الله أدوا شكرها تواضعا ولينا وجهادا في سبيل الله ، واحتسابا لكل ما يلقون من الناس وهم يدعونهم إلى الهدى، ولما تبينوا أن الشيطان عدو لهم أخذوا أنفسهم بمخالفته، وسدوا عليه كل المنافذ التي قد تتسلل منها رغم أنه يجرى منهم مجرى الدم في عروق خلق الله من إنس وغيرهم.

وأيقنوا أن الجنة حق، فشمروا وحذروا وسلكوا الطريق الموصل إليها فكانوا قمما في كل وسط عملوا فيه .في التجارة أمناء، في الوظائف مخلصين ، في الكليات جادين مجتهدين، في العلم متفوقين، في السلوك مرشدين . وفروا من طرق النار السليم من ألجرب وهجروا أماكن اللهو الماجنة وبؤر الفساد، فما عرف عن واحد منهم أنه منحرف أو منحل، بل الجد والاستقامة والنقاء.

مؤمنون بأن لكل أجل حد محمد لا تقديم فيه ولا تأخير ن فلم يرهبوه إلا من ناحية العظة والاعتبار ، بادروا إلى الأخذ من دنياهم الخاطفة الفانية، إلى ما يعمرون بت الدار الآخرة الباقية من هذه الناحية، وبهذا الفهم هانت عليهم الدنيا بكل أطماعها وتطلعاتها ، يسعون في مناكبها من رزق ربهم وربها، ويكتسبون لا ليكتنزون ولكن ليكفوا عن الحاجة وسؤال الناس، وليتصدقوا ولينفقوا في سبيل الله.

يصبرون على كل ما يصيبهم من أذى في أموالهم وأهليهم وأنفسهم ابتغاء وجه الله وحرصا على الأجر والمثوبة، ممن له خزائن السموات والأرض. يتمسكون بدينهم ويدعون إليه في تضحية وفداء لا مثيل لها إلا في سلفهم الصالح الأمين.

إذا أصابتهم محنة ودخلوا السجون أو عذبوا ، خرجوا منها أصلب عودا، وأصفى قلوبا، واشد تصميما لأنهم علموا أن المحن طريق الدعوات، وأنهم على طريق الحق، لأن الجنة حفت بالمكاره لأمر يعلمه الله. إذا سجنوا فهي خلوة، وإذا طوردوا فهي سياحة، وإذا قتلوا فهي شهادة وما أوفى هذا من جزاء.

لقد أخطأ الكثيرون في فهم هذه الجماعة ،قالوا أن الإخوان المسلمين لما بدأوا دعوتهم تربية دينية وتقويما إسلاميا، نجحوا وتقدموا وانتشروا، فلما اشتغلوا قامت فيه دعوتهم ،ونادى على رؤوس الأشهاد مرشدهم الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليهم، إنهم ليسوا ذوى أطماع في حكم، ولكنهم ذوو سعى في سبيل إصلاح كل حكم.

إنهم ليسوا ذوى رغبة في مكانة أو جاه، فإنهم بدعوتهم وبتمسكهم والعمل من أجلها، والتضحية في سبيلها، أعلى الناس قدرا، وأوسعهم جاها وأهنأهم حياة، إنهم أغنى من على ظهر الأرض، باستغنائهم عن كل ما في أيدي الناس طواه بما أفاءه الله لهم من رزق، إنهم لا يسألون الناس شيئا لأنفسهم ومن لا يسأل الناس فهو الغنى حقا وصدقا.

فهل آن للناس أن يفهموا هذا؟ أم يريدون أن يبقوا على جهالتهم بتعاليم هذا الدين وسواء أصر البعض على أن لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، أو أخذوا بمفهوم الإخوان النابع من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الاسم دين ودولة. سواء أفهم الناس هذا أو ذاك فليس هذا بمغير شيئا من منهاجهم وعملهم حتى يلقوا الله عذرين.

فليرح خصوم دعوة الإخوان المسلمين أنفسهم، أو العاطفون المحبون للإخوان، ليريحوا جميعا أنفسهم من اللجاج في هذا الأمر، لأن الإخوان المسلمين إذا صحبوا الناس بأبدانهم فإن نظرتهم وتطلعهم وأملهم، متعلق بالملأ الأعلى، بمن أحصى كل شيء عددا، فهم المطمح وهو المرجى، وهو المقصود، وهو المعبود بحق وهو العليم بالنوايا وما تخفى الصدور، أما الناس فلا دراية لهم إلا بالظاهر من الأمور "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير" .

جسمي معي غير أن الروح عندكم
فالجسم في غربة والروح في وطن

من أجل هذا سيظل الإخوان المسلمون أحياء بدعوتهم، لأنهم حملة هذه الدعوة إلى الناس. أنهم أحياء ولو انتقلوا إلى جوار ربهم، في حين أن خصومهم أموات ولو كانوا يسيرون على أقدامهم. إن الفناء في الله لهو الحيوان الأكيد.

كم من ظالم أو متزلف لطاغية ، آذى الإخوان المسلمين ، ثم ذهب واختفت آثاره وذكراه، أما الإخوان المسلمون، فما يزالون يحملون هذه الدعوة مسلما عن مسلم، ويملأون طبقا الأرض هتافا بأن الله غايتهم ويا لها من غاية، والقرآن بالسياسة ، تنكبوا وتعثروا ووضعت في طريقهم العقبات وما أبعد هذا الفهم ، عن الصواب.

إن الهدف الأول والأخير لجماعة الإخوان المسلمين لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا، أنهم يشتغلون في السياسة في مفهومها الذي تعرف عليه الناس في هذه العصور الأخيرة من تاريخ البشر.

إن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لنا:" لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وكل مؤمن صحيح الإيمان يحب أن يعيش حرا أبيا كريما، آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه. هذا الذي يحبه المسلم ويحرص عليه، ويجاهد لتحقيقه ، هو نفس ما يلزمه دينه أن يحبه للمسلمين . المسلم لا يحب أن يستعبد فهو من تمام إسلامه لا يسعى لاستعباد أحد.

المسلم لا يرضى أن يظلمه أحد فمن تمام إسلامه ألا يظلم أحدا، فإذا تسلل هذا المعنى في طبقات الأمة وفئاتها حتى وصل إلى الحاكم فلن تجد حاكما مسلما يظلم، لأنه لا يحب أن يظلم ولا تجد حاكما مسلما يؤمم ما يملكه الناس، لأنه لا يحب أن يؤمم ملكيته أحد.

ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" فاستمساكا من المسلم بتعاليم دينه لا يبطش ولا يشتم، والحاكم مسلم فعليه ألا يبطش ولا يشتم، فإن فعل فعلى المسلمين جميعا حمله على ترك البطش والسفه بكل الوسائل التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغيير المنكر باليد فمن لم يستطع فباللسان فمن لم يستطع فبالقلب وليس وراء ذلك ذرة من إسلام، أو إيمان، أو إحسان.

فالإخوان المسلمون يدعون إلى كل ذلك باعتباره عنصرا أو جانبا من تعاليم دينهم، لا على أنه سياسة بالمفهوم الدارج لهذه الكلمة فى هذه الأيام. يقومون بهذا على أنه تخصص أو ممارسة ولكنهم يقومون بت تلقائيا، كما يدخل الهواء أنوفهم لإصلاح رئاهم، تنقية لدمائهم دون أن يكون لهم دخل إداري في هذا

أو كما تتحرك حراشيف المعدة انقباضا وانبساطا لتهضم ما فيها من غذاء، دون أن يطلب الواحد منهم عناء في هذا المجهود وإذا كان شرع الله الذي يطالبون بتطبيقه قد تحدث عن العدل والحرية والإنصاف من يوم أن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛

وإذا كان الإخوان المسلمون من دعاة هذا الدين فهم بديهيا لم يدخلوا على منهاجهم شيئا جديدا بالحذف أو الإضافة، ولكن هذا هو طريقهم الذي تخيروه لأنفسهم، من أول يوم دستورهم دون دساتير الأرض مجتمعة، وأن الرسول زعيمهم، مهما تعلق الناس بقيادة وزعماء غيره، والجهاد سبيلهم لا ينظرون إلى سواه ولا يظن الناس أن الجهاد طلقة مدفع أو أزيز نفاثة فحسب، ولكن ما عليه الإخوان المسلمون من دعوة ومصابرة وإعداد واستهانة بكل قوى الأرض واحتساب ، فإنه جهاد وفى صميم الجهاد، بل وبدونه لن يكون جهاد.

إن الإخوان لا يخافون مخلوقا أيا كان موقعه، إذ ليس من دنياهم ما يخافون عليه من أحد، فالرزق ليس على الأرض " وفى السماء رزقكم وما توعدون" والأجل هو الدرع الحقيقية التي يدعون بها، إذا هددهم الطغاة والظالمون "لكل أجل كتاب" كذلك ليس عند الظالم من شئون الآخرة ما يرجوه الإخوان له. فما الذي يخيفنا من الناس أو ما الذي يطمعنا فيهم. فليربع خصوم الإخوان على أنفسهم، فالموقف قد تحدد والأمر قد استبان.

إنني يوم أن تصديت لهذا الموجز ، لم أرد أن أعدد أخطاء العهد الماضي، فقد تصدى لذلك غيري ممن يجيدون مقابلة السادات بمثل أسلوبه الذي لا أحسنه. إنني أردت أن أعرض أحداث ثلاثة وثلاثين يوما من حكم السادات الذي زاد على العشر سنوات. فيعلم المخدوعون كيف كان حكم السادات .

إن كل ما ينسبون للسادات من أمجاد، حتى ولو كان صحيحا، فإنه لا يساوى رزقة عصفور، إذا ما صفع أعوان السادات إنسانا على خده. ليس أسوا عند الله من حرمة الإنسان الذي فضله على كثير ممن خلق.

إن مكة بلد الله الحرام، وإن رمضان شهر الله دون حرمة الآدمي ودمه عند الله. هذه هي الموازين القسط التي يلجأ المنصفون ، إذا ما أرادوا وزن أى أمر من الأمور، أو إنسانا من الأناس ، أما وصف امتهان خلق الله، وانتهاك حرمات المسلمين ، بأنها سلبيات ، فوصف خادع مخادع وتهرب من إعطاء المسميات أسمائها الصحيحة التي علمنا الله إياها.

ومع كل ما أصابني وأصاب الإخوان معي، فمحتسب عند الله وأطلب المغفرة لمن اجترحه وجناه. فالنتيجة الكبرى، والمطلب الأسمى أن تنجو يوم الحساب مما جنيناه عن عمد أو خطأن وأما غيرنا فليس لنا معه إلا أن نردد قول الله تبارك وتعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"

اللهم تقبل وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك الأعز الأكرم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

أفقر الفقراء إلى الله رب العالمين
عمر عبد الفتاح التلمساني
10 عن رمضان سنة 1403ه
20 من يونيو سنة 1983م