أضرار المقامرة ومشروع ساحل الفيروز

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أضرار المقامرة ومشروع ساحل الفيروز

الإمام الشهيد حسن البنا

مقدمة

محاضرة ألقاها فى نادى جمعية الشبان المسلمين مساء السبت الماضى حضرة الأستاذ المخلص العمل لله والفضيلة والإصلاح حسن أفندى أحمد البنا

بسم الله الرحمن الرحيم

.. المحمود جلّ جلاله .. والمصلى عليه محمد وآله .. والمدعوُّ له الوطن ورجاله.

سادتى الفضلاء..

بالأمس كنا نتمنى أن يهيئ الله لنا تلك الأمة التى تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعين على نوائب الحق، وتكون مثابةً لتلك القلوب الخافقة إشفاقًا على الدين والفضيلة، ورابطة لتلك الأرواح التى تهفو إلى الحق والاستقامة عن طريقه، واليوم نحمد الله سبحانه إذ حقق تلك الأمانى فى "جمعية الشبان المسلمين"، وجعلها رمزًا لتلك النهضة الدينية، وإنى لأراها أفصح معبر عن عواطف الداعين إلى الله، ومحقق لما يرجوه المصلحون الحقيقيون لهذه الأمة، والله نسأل أن يمدها بروحه ويؤيدها بتوفيقه.

سيتناول كلامنا الليلة -إن شاء الله- موضوع "أضرار المقامرة"، وهو موضوع حدا بى إلى اختياره -على جفافه- أمور: أولها مشروع ساحل الفيروز الذى تكلمت عنه الجرائد فى هذه الأسابيع، ذلك إلى ما نشر من تصريح الحكومة بفرع "للتيرو" بمصيف رأس البر، إلى ما نشر أيضًا من ضبط محال للقمار كانت تضم كثيرًا من الموظفين وذوى المكانة بالأقصر، إلى ما نشر من أن حكومة لبنان عينت مفتشين للتفتيش عن أماكن المقامرة، وما أذاعه مكاتب المقطم الإسكندرى اليوم عن سرقة 13ألف جنيه من محل معروف من محال البورصة مدفوعًا إلى ذلك بجريمة المقامرة، كل هذه الحوادث حركتنى إلى أن أتكلم عن بعض أضرار القمار بين شبابنا، وعلى مسمع الشبان المسلمين، لا لأنهاهم، بل لينهوا غيرهم، وسيدور كلامنا إن شاء الله حول النقط الآتية:

الدوافع النفسية إلى القمار، أضراره الخلقية، أضراره الصحية، أضراره المالية، أضراره الاجتماعية، أضراره الدينية، المشروع الجديد وخطره، واجب الأمة نحوه، الوقاية ضد القمار.

الدوافع النفسية إلى القمار

يقول النفسيون: إن كل عمل من أعمال الإنسان نتيجة ميل خاص وغريزة معينة تدخل فى تكوين النفس الأساسى، فإن كان هذا الميل صالحًا وهذه الغريزة مهذبة كان العمل شريفًا نافعًا، وبالعكس إذا كان هذا الميل وضيعًا والغريزة إلى الحيوانية الأولى أقرب منها إلى الإنسانية كان العمل دنيئًا ضارًا كثيرًا ما يدفع صاحبه إلى الهلاك والإجرام، مثال ذلك أن الإحسان إلى الفقير عمل شريف؛ لأنه ينبعث عن غريزة الرحمة وهى غريزة إنسانية شريفة، والسرقة عمل حقير؛ لأنه ينبعث عن غريزة الطمع والشَّره وهى غريزة حيوانية ممقوتة.

وإذا علمنا ذلك فما هى الدوافع التى تدفع إلى المقامرة؟

اللاعب أيها السادة يبتدئ اللعب مدفوعًا بغريزة الأثرة والطمع، ويستمر فى لعبه متأثرًا بغريزة حب القهر والغلبة، ويعاود اللعب مسوقًا بغريزة حب الانتقام، وكل هذه الغرائز سافلة وضيعة، لا تمتُّ إلى الشرف بصلة، ولا تعرف لها الإنسانية رسمًا، فاللاعب فى كل أدواره خاضع لدافع وضيع، فعمله لذلك وضيع يدفعه إلى الهلاك وإلى الجريمة، ويقتل فى نفسه عواطف الإنسانية والشرف.

وكل قانون يبيح المقامرة أو يعترف بها قانون خاطئ؛ لأنه يشجع الرذيلة ويقتل الفضائل فى نفوس الأمة التى ترضاه، وأين الأثرة والشّره من الإيثار والإحسان؟ وأين القهر والغلبة من التعاون والتناصر؟ وأين الانتقام من العفو والتسامح؟ تلك أدنى مراتب الحيوان وهذه عليا مدارج الإنسان، ولما كانت تلك الغرائز متأصلة فى نفس الإنسان وقليل من يعنى بتهذيبها ومجاهدتها، كان القمار قديمًا فى تاريخ البشر وإن اختلفت أنواعه وتعددت وسائله، ولكنه لم يكن منتشرًا فى أى أمة من الأمم السابقة انتشاره وفظاعته فى هذه الأيام؛ حيث تعدّد لعبه وتنوعت أساليبه فى أسماء خلابة ضخمة، وقصور مشيدة فخمة، وقد بذل مديرو هذه الأماكن مهارة فائقة فى صيد النقود وإغواء النفوس، ونصبوا لكل قطعة نقدية شَرَكًا يناسبها فلا ينجو القرش ولا الجنيه حتى تعم البلوى كبير الأمة وصغيرها.

أضرار القمار الخلقية

يعرفون "الخُلُق" بأنها ملكة نفسية تصدر عنها الأعمال، فإذا كانت تأمر بالخير وتصدر عنها الفضائل سميت خلقًا فاضلاً شريفًا، وإذا كانت تأمر بالمنكر وتصدر عنها الرذيلة سميت خلقًا دنيئًا وضيعًا، وكل عمل من أعمال الإنسان كما أنه يصدر عن هذه الملكات يؤثر فيها كذلك، فمن الأعمال ما يزيد الخلق الطيب قوة ويضعف الخلق الخبيث فيسمى لذلك بالعمل الصالح، ومنها ما يؤثر عكس ذلك فيقتل الخلق الطيب ويظهر عليه الخبيث فيسمى عملاً غير صالح.

والقمار -أيها السادة- يميت فى نفس اللاعب أعز الفضائل، ويقضى على أخص صفاته ومواهبه، فهو سوسة الخلق ومستقر الرذيلة، ولنضرب الأمثلة على ذلك بإيجاز واختصار:

1- ذلك الذى يكسب فى المقامرة ما معنى كسبه؟ أليس معناه أن مدّ يده إلى جيب صديقه أو قريبه أو أحد من يعرف فاختلس منه نقوده التى كدّ فيها وتعب، دون أن يعوضه عنها شيئًا، وتركه يتحرق غيظًا ويتلوى كمدًا وهو ضاحك السن قرير العين لأنه فاز وكسب؟ هو فى هذه الحالة لصٌ ووحشٌ، إن لم يكن فى عرف القانون ففى عرف الحقيقة.

لص لأنه أخذ غير حقه بدون مقابل، بل شر من لص لأن اللص يعتدى على غير أهله وأصدقائه، وكثيرًا ما يكون مضطرًا إلى هذا العدوان. ووحش لأنه يُسر بحزن غيره ويفرح بكمد سواه ويحيا بموت غيره، فأين عواطف الأناس من نفس هذا المجرم الأثيم؟ وكلما تكرر عمله كلما مرن على الشر.

2- تربية الأحقاد والضغائن، فمن ذا الذى يرى غيره يتمتع بما له بدون كدّ ثم لا يحنق عليه ولا يضمر له أشد البغضاء وأفظع الشحناء؟ وحسبكم بذلك قضاء على الفضيلة والشرف.

3- تَعوُّد الزور والكذب والمغالطة، وذلك نتيجة طبيعية لما يريده الخاسر من المدافعة عن نفسه، ويريد الكاسب من تأييد كسبه.

4- تعود الكسل وإضاعة الوقت سدى، والاتكال على ما فى يد الغير والاعتماد على الصدفة؛ إذ يضيع المقامر معظم وقته على المائدة ويعتمد على كسب ما فى يد غيره، وفى ذلك القضاء على فضيلة الاعتماد على النفس، وفضيلة النشاط والعمل، وفضيلة تثمير الوقت، والذى ينعم النظر يرى أن هذه الفضائل هى أساس رقى الأمم وتقدمها، وما ظهرت علينا أمم أوروبا إلا لأنها قدرتها حق قدرها.

5- ما تولده الخسائر المتوالية فى نفس الخاسر من اليأس والقنوط والتبرم بالحياة، وكم سمعنا بانتحار الخاسر على موائد القمار؛ لأنهم فضلوا الموت على حياة الفاقة والسقوط، ولا حياة مع اليأس، ولا فضيلة تدفع إلى العمل كالأمل.

6- سقوط مركز المقامر الأدبى، ويتبع ذلك فقدان الثقة به، وكم من موظف كبير ووجيه محترم سقطت هيبته بين أهله وذويه وبين مرءوسيه واستخزى أمام أقل منه؛ لأنه عرف بينهم بالمقامرة، والمركز الأدبى حاجز من أمنع الحواجز عن الشر.

7- ما يستدعيه القمار من الموبقات الأخرى، فالرذائل مزلق إذا انحدرت القدم فى أوله هوى إلى قراره، أو هو سلسلة إذا أمسك أحد بأول حلقاتها جذبته إلى غيرها حتى يستقصيها حلقة حلقة، ولذلك قيل: "إياك والكأس الأولى".

والقمار رذيلة تستتبع غيرها وتدعو إلى سواها ولاسيما الشراب، فقد قال النفسيون: إن من دواعى تعاطى المخدرات شعور الإنسان بألم نفسى على أثر عمل يثير توبيخ الضمير، فيحاول الإنسان أن يغيب هذا الشعور المؤلم فيلجأ إلى التخدير، والمقامر إن كسب أغراه المال، وإن خسر حَزَبَه. الضيق، فهو واقع بين مخالب الرذيلة على كلتا الحالتين.

8- تعود إهمال الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية، فالمقامر يستغرق كل وقته منهمكًا فى اللعب لا يفكر فى واجب، ولا يعمل لمهم، ولا يهتم بأى شىء.

ووقت الإنسان -أيها السادة- مهما اتسع ولاسيما فى هذا العصر لا يفى بمطالب الإنسان، فهو إن فرغ من عمله الرسمى فوراءه عمل اجتماعى، فإن فرغ منه فأمامه واجب دينى فإن فرغ منه فأمامه واجب إنسانى: من عيادة مريض، إلى زيارة صديق، إلى مواساة بائس، فإن أدى كل ذلك فأمامه واجب أسرته من إرضاء زوجته، إلى تربية أولاده. وقد يستغرق أحد هذه الواجبات معظم الوقت أو كله، وحرام على من وراءه كل ذلك أن يضيع وقته عابثًا لاهيًا لا يحسب لشىء حسابًا.

سُئلت مرة عن المقامرة بدون عِوَض ما حكمها شرعًا؟ فقلت: الحرمة. فقال السائل: ولِمَ؟ أليس التحريم إنما جاء للعوض؟ فعرضت عليه هذه الواجبات واحدًا واحدًا، وقلت له: ألست تعترف بأن كل هذه الأمور واجب عليك أداؤها وضياعها حرام؟ فقال: نعم. فقلت له: ألست ترى -إن كنت منصفًا- أن اللعب مهما كان مضيع لها؟ فقال: نعم. فقلت: أليس ما يستتبع الحرام يحرم؟ فقال: أسلمت وجهى لله رب العالمين.

وفى الحديث -أيها السادة: "إن الله يحب معالى الأمور ويكره سفسافها"[ أخرجه الطبرانى فى الأوسط].، والنفس الكبيرة ترقى إلى عظائم الأمور ولا تنحط إلى درجة العبث، وهذا أبو الطيب. دعاه شرف نفسه إلى أن يقول:

وما العشق إلا غِرّةٌ وطماعةٌ

يُعرّض قلبٌ نفسه فيصابُ

وللخود. مِنّىساعةٌ ثم بيننا

فلاةٌ إلى غير اللقاء تُجابُ

وللسر منى موضعٌ لا يناله

صديقٌ ولا يفضى إليه شرابُ

وغيرُ فؤادى للغوانى رَميَّةٌ

وغير بنانى للرخاخ. ركابُ

أعزُّ مكان فى الدُّنا سرج سابح

وخير جليس فى الزمان كتابُ

فهو يربأ بفؤاده أن يكون هدف الغانيات، ويدّخره لمعالى الأمور، ويربأ ببنانه أن يكون ركابًا لرخ الشطرنج، ويبقيه للعمل النافع المجيد.

الأضرار الاجتماعية

الاجتماع -أيها السادة- يراد به تعاون بنى الإنسان وتعاطفهم، ذلك التعاون الغريزى المركب فى طبع الإنسان، والذى به قضاء لوازمه وحاجياته وحفظ حقوقه الطبيعية والمدنية، وكل شىء يكون من شأنه تقوية هذه الرابطة والانتفاع بها يسمى عملاً اجتماعيًا مفيدًا، وكل عمل يكون من شأنه إضعافها وعدم الانتفاع منها يسمى عملاً اجتماعيًا ضارًا، والقمار من هذا الأخير، وبيان ذلك بالأمثلة الآتية:

1-رأينا مما تقدم كيف أن القمار مفسد للخلق الصالح الذى هو مدار تعاطف الناس ومحبتهم، مولد للشحناء والبغضاء التى تجعل التعاون على المنافع محالاً، فأى ضرر بالاجتماع أكبر من إفساد الصلات والروابط، ووقف حركة التعاون الضرورى للبشر؟

2-الدعوة إلى الجريمة والاعتداء، فقد علمنا ما ينجم عن القمار من حقد النفوس وغلها، مما يثير فى كثير من النفوس الحفائظ والغيظ، فيدعوها إلى الإجرام، ذلك إلى أن الولع بالقمار كافٍ وحده لدفع بعض النفوس فى سبيل الجريمة والسرقة؛ إذ يحتال المقامر لجلب المال من حله ومن غير حله، وكم سمعنا أن موظفًا اختلس المال الذى تحت يده، وإذا فتشنا عن السبب الحقيقى وجدناه عدم استقامة هذا البائس، وما حادث موظف البريد عنا ببعيد.

3- الأسرة -أيها السادة- نواة الاجتماع، وأقوى مظاهره، وأشد العوامل فى صلاحه أو فساده، والقمار خطر عظيم على بناء الأسرة، وقضاء مبرم على سعادتها وهناءتها، فهو يدفع الزوج إلى سلب زوجه كل ما تمتلك، وإلى أن يبخل عليها بما ينفق أضعافه على مائدة القمار، وإلى إهمال أبنائه الليل والنهار فلا يقوّم أخلاقهم، ولا يقيم فسادهم، ولا يشعرهم حنان الأبوة وعطف الوالد، إلى ترك زوجه طول الليل فريدة مستوحشة تندب بؤسها وتبكى سعادتها، ولسان حالها يقول: تطاول هذا الليل وازور جانبه.

وقالوا: إن رجلاً تعود المقامرة حتى أتت على جميع ما يملك وتملك زوجه، فمد يده إلى حلى بناته فأعطته زوجه إياه فى علبة صغيرة، ولما فتحها ليبيع ما فيها وجد فى أسفلها بطاقة مكتوباً عليها بخط زوجته: "يا هذا، إنك حين تبيع هذا الحلى تبيع مستقبل بناتك وتقضى عليهن، فانظر ما أنت صانع!"، ويظهر أن الرجل كانت لا تزال له بقية من حياة الضمير، فهاج بنفسه حنان الوالد فثاب إلى رشده ورجع عن عادته، ومن لك بمثل هذا!

ومن هنا -أيها السادة- كان القمار خطيرًا على الأمة؛ لأنه يقطع صلات المودّة فيها، خطرًا على الحكومة؛ لأنه يثير الجريمة التى تحاربها، خطرًا على الأسرة؛ لأنه يصدع بناءها ويهدم كيانها، وتلك أصول الاجتماع، فهو خطر على الاجتماع من جميع نواحيه.

الأضرار المالية

المال -أيها السادة- مادة الحياة، وقوام المشروعات النافعة، واعتزاز الأمم، وبخاصة فى هذه العصور المادية إنما ينبنى على ثروتها وشرفها بالأغنياء فيها، هذه الولايات المتحدة إنما تقود العالم بأموالها، وتدير دفته الاقتصادية بأصحاب الأعمال والملايين من أهلها، والقمار عفريت الثروات وخراب البيوت، وأمامنا المشاهد والحوادث:

1- فكم من ثرىّ عظيم كان غنىّ قومه وسيد عشيرته، ساقه القضاء إلى المائدة الخضراء فأتت على ثروته لا تدع منها ذهبًا ولا فضة، ولولا حرمة البؤس والموت لسردنا أسماء كثير من العظماء الذين طبع القمار حياتهم بطبائع الشقاء.

2- وكم من شاب تركه أبواه يتقلب فى أعطاف النعيم، ويمرح فى بحبوحة. الثراء، والتفّ حوله سماسرة السوء ورسل الفقر فساقوه إلى المقمر حيث فقد شرفه وأمواله ووقع فريسة المرابين والدائنين، ثم انفضوا عنه وتركوه ملومًا محسورًا بين براثن البؤس ومخالب الفقر، وعلى نفسها جنت براقش..

3- وكم من موظف يرتع فى رغد العيش سعيدًا بأسرته وأبنائه مغتبطًا بنعمة الله عليه، وما هو إلا أن يسوقه القدر المتاح، إلى المقمر المجتاح، فيستنفذ مرتبه ومثله معه، ويدع أبناءه يتضورون. جوعًا ويتضاغون. ألمًا، ويرقبون آخر الشهر كما يرقب السجين مدته، فإذا جاء ما ينتظرون طار عائلهم بأمنيتهم إلى حيث يسد بها دينه أو يرضى منها شهوة نفسه، ثم يعود إليهم صفر اليدين مقطب الجبين فلا يجد أمامه إلا زوجة باكية وأبناء بائسين.

4- وكم من سيدة ذهبت إلى "التيرو" وما شاكله من بيوت الوبال وبالوعات المال مثقلة بحليها باشة الوجه، وما هو إلا جولة أو جولتان ثم تعود إلى منزلها تندب الحظ والحلى والشرف والسمعة، وكذلك شأن المقامرة لا تشبع ولا تقنع، تحطم الأخضر واليابس، وتلتهم الأبيض والأصفر، ثم تقول: هل من مزيد!

ولو أن هذه الأموال التى تذهب هباءً منثورًا أنفقت فى سبيل المشروعات النافعة لآوت كثيرًا من عاطلى الأمة وأحداثها الذين لا يجدون ملجأ، ولخففت جمّ المصائب والآلام عن المنكوبين الذين لا يرون مسليًا، ولكن هو الشيطان لعنه الله ﴿قَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾[النساء: 118].

الأضرار الصحية

لو علم المقامر ما يجنيه على صحته وبدنه بهذا اللعب لما أجاز لنفسه أن يغشها بقوله: أروح عن نفسى من عناء العمل والكد، فما أبعد الحقيقة من هذا الزعم، وأعرق هذا الخيال فى الوهم، فالمقامر يجنى على بدنه من حيث لا يشعر، ويقامر بصحته وهو لا يدرى، وإلى حضراتكم أسباب ذلك:

1- قرر الأطباء أن الإنسان إذا أفرط فى السهر، وحرم نفسه راحة النوم، ودام الحال على ذلك مدة اختلت أجهزة الجسم، وأدى ذلك إلى فقر الدم واصفرار الوجه، وقال جالينوس.: "إن أكثر ضرر السهر يقع على القلب والدماغ والرئتين"، وهذه هى الأعضاء المهمة، فلو لحق أحدها ضرر تداعت قوى الجسم وهلك، وإليه الإشارة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمر ينهاه عن طول السهر: "إنك إن فعلت خوصت عينك ونفهت نفسك"[أخرجه مسلم].، والأطباء المحدثون لا يقولون بغير هذا، والمشاهد أن الإنسان إذا أفرط فى السهر بعض ليال ولو قبل الامتحان مثلاً ظهرت أعراض ذلك السهر فى وجهه، وعدم النوم نوع من أقسى أنواع العذاب عذب به ديميوس مغتال لويس الخامس عشر.

بعد الكى وذوب الرصاص والزيت فقال قبيل موته: "إن حرمان النوم كان أفظع ما لقى من أنواع العذاب"، وإليه الإشارة بالآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾[الانفطار: 14-16]، ولأحد الأدباء المحدثين:

إياك والسهر الذى

يودى بجسمك والحواس

واجعل له حدًا به

تبنى الجسوم على أساس

وإذا سهرت فلا تكن

ما بين ندمان وكاس

فيضيع عقلك فى الضلال

وتذهب الكأس النعاس

ولاشك أن المقامر يمنعه لهوه بالمقامرة وتأثره بالكسب أو الخسارة راحة النوم، فهو يقضى الليل على المائدة واجمًا متأثرًا نادمًا متحسرًا، ثم لا يألف النوم عينه نهارًا إلا غرارًا.، وباستمرار ذلك ينهار بناء جسمه، ويذوى غصن شبابه، ويختل نظام صحته.

2- قرر الأطباء أن الجهود الفكرية والجسدية تثير الدورة الدموية، والحركة أيًّا كانت يلازمها احتراق الدم المار فى جزئيات الأنسجة البدنية والأعصاب عملاً بقاعدة "الاحتراق البطىء"، وإذا طالت هذه الحركة نفد الدم الصالح بالاحتراق، وازدادت الرواسب الفاسدة الناشئة عن هذا الاحتراق، وهذه الرواسب سم زعاف يمتصها الجسم فيستهدف للخطر فيحس الإنسان حينئذ ما يسمى بالفتور أو الملل أو التعب، ويقول الأطباء: إن هذا الإحساس كصمام الأمن فى الآلة البخارية ينذر الإنسان بضرورة تعطيل العمل، والتماس الراحة بالبعد عن الضوضاء، والتروض فى الهواء الطلق، والابتعاد عن الهواجس والمؤثرات، وإلا سعى فى حتفه وعرض جسمه للتسمم، والمقامر تلهيه شواغل اللعب وترقب النتائج عن الإحساس بالتعب، فيستمر فى عمله غير حاسب للراحة حسابًا حتى تتسمم عضلاته فيجنى على صحته.

3- قرر الأطباء كذلك أن لمفاجأة المؤثرات النفسية وتواليها تأثيرًا عظيمًا على الجسم سواء فى ذلك الحزن والسرور، فهى تهيج الدم وتثير الأعصاب، وقد يؤدى هذا التأثير إلى الصعق والغشية، بل إلى الموت.

يحدثنا التاريخ أن المتنبى لما طالت غيبته عن وطنه بعث إلى جدته يستقدمها إليه ببغداد فقبلت كتابه وحُمَّتْ لساعتها وماتت من شدة السرور، وذلك حيث يقول فى رثائه إياها:

أتاها كتابى بعد يأس وترحة

فماتت سرورًا ومتُّ بها غمًّا

ولاشك أن المقامر بين إحدى الحالتين إما ربح مفاجئ يثير كامن سروره، وإما خسارة تستدعى عظيم حزنه، فهو بينهما فى مد وجزر وطى ونشر، وتعاقب المؤثرات له أثر مضاعف، فما يزال كذلك حتى يضطرب كيان نفسه ويختل ميزان حسه.

4- ذلك إلى المؤثرات الموضعية ككثرة الجلاس واحتباس الأنفاس وفساد الهواء وتخالف الأجواء وفى ذلك البلاء المبين.

الأضرار الدينية

الميسر -أيها السادة- جزء من تاريخ العرب الاجتماعى كانوا يلعبونه فى جاهليتهم يقصدون بلعبه العطف على الفقراء ومساعدة الضعفاء، فكان الكاسب لا يطعم ما يكسب وإنما يفرقه على ضعفة قومه وفقراء عشيرته، ولذلك عدُّوه من مفاخرهم وذكروه بين مآثرهم، قال النمر بن تولب. يصف مجلس لعب وما ولّده من الحقد فى نفس الخاسر:

ولقد شهدت إذا القداح توحدت

وشهدت عند الليل موقد نارها

حتى إذا قسم النصيب وأصفقت

يده بجلدة ضرعها وحُوارها

ظهرت ندامته وهان بسخطه

سبًّا. على مربوعها وعذارها

ويقول الأعشى. ذاكرًا تفضلهم بكسب الميسر:

المطعمو الضيف. إذا ما شتوا

والجاعلو القوت على الياسر

ويقول عمرو بن قبيصة. أو ابن قميئة:

بأيديهم مقرومة ومغالق

يعود بأرزاق العيال منيحها

والمنيح: قِدْح. من قداح الميسر عندهم.

ويقول عنترة. مفتخرًا:

ربذ يداه بالقداح إذا شتا

هتاك غايات التجار ملوّم

ويقول النابغة. فى هذا المعنى:

إنى أتمم أيسارى وأمنحهم

من. الأيادى وأكسو الجفنة الأدما

ولابن قتيبة الدينورى. مؤلف جامع لأشتات أحوال العرب فى "الميسر والقداح" وقد نشر فى السنوات الأخيرة.

ولكن الإسلام رأى فى أضرار القمار ما يقضى بتحريمه ولا توازيه تلك الغاية الشريفة غاية نفع الفقراء فسلك سبيل التدريج فى هذا التحريم فنزلت الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾[البقرة: 219]، ثم نزلت بعد ذلك الآية الحاسمة آية التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾[المائدة: 90] الآية، والمتأمل فى هذه الآية يرى أن النهى فيها جرى على أسلوب لم يعهده القرآن من قبل فى منهياته من الحماسة والشدة والوعيد بأشنع الموبقات من الخمر وآثار الشرك فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ﴾[المائدة: 90]، ثم وصفها بالرجس، ووصف هذا الرجس بأنه من عمل الشيطان، فزاده رجسًا إلى رجسه، فذلك قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[المائدة: 90]، ثم طالب المؤمنين باجتناب هذا الرجس المضاعف مبينًا لهم أن الفلاح موقوف على هذا الاجتناب فذلك قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة: 90].

ثم أخذ يعدد مساوئ هذه المناكر القبيحة فبين أن ما ينجم عنها كله شيطانى؛ لأنه إرادة الشيطان ورمز إلى الأضرار الاجتماعية بالعداوة والبغضاء، ورمز إلى إهمال الفروض والواجبات بالصد عن ذكر الله وعن الصلاة فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾[المائدة: 91]، ثم أراد تكرير النهى، وعدل عن صيغته إلى صيغة الاستفهام الإنكارى لما يفهم عنها من الإنكار الشديد والتوعيد والوعيد فذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ﴾[المائدة: 91]، ثم عدل بعد النهى إلى الأمر بالطاعة مؤكدًا مكررًا لفظ الطاعة لله وللرسول، محذرًا لهم عواقب المخالفة فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾[المائدة: 92]، ثم يبين لهم واجب الامتثال ولا حجة لهم فى المخالفة، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾[المائدة: 92].

فأى زجر أو تشديد، وأى نهى أو توعد، وأى تخويف أو تحذير بعد هذا النهى الصارخ والزجر المقنع والحجة البالغة، وكأنها كسف. من القوارع تساقط من السماء إلى الأرض، وصواعق غضب الله على المخالفين تلمع فى فم جبريل حين يبلغ محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو صوت الإرادة الإلهية المسموع دوى فى أذن عمر رضى الله عنه فصرخ قائلاً: "انتهينا يا رب".

وأى مؤمن تدوى فى أذنه صيحة ربه فلا تأخذ قلبه الرجفة، ولا تهز جوانب نفسه الخشية، ولا يتملك فؤاده الفزع الأكبر، ومن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك من فى الأرض جميعًا.

وكل ذلك النهى والوعيد -يا سادتى- فى لعبة بسيطة لا يتجاوز وزر ربحها جزءًا من جزور فكيف بما انتشر بيننا من مختلف اللعب ومتعدد الموبقات؟

ولكأنى بقائل يهمس لنفسه أو لجاره: وماذا عسى أن يبلغ هذا الحكم الدينى وهذا الزجر القرآنى من قلوب طال عليها الأمد فقست، وبعد عنها النور الإلهى فأظلمت؟ وذلك حق -أيها السادة- فقد أصبحت الموعظة لا تجدى فتيلاً، ولا الوازع الدينى لا ينال من النفس إلا قليلاً، ولكن ذلك لا يمنعنا البيان لعل فيه تبصرة وذكرى، ولا يسكتنا الإنذار بالوحى فلأن يمتثل المسلم أمر ربه أولى وأحرى.

وإلى حضارتكم الحادثة الآتية لنتبين منها مبلغ الفرق بيننا وبين سلفنا المجيد فى التأثر بأمر الله والنزول على حكمه، والخوف من عقوبته، مع احتقار هذه الزواجر الدنيوية إلى الزواجر الأخروية: رجل من فرسان المسلمين وكبارهم أولع بالخمر فى جاهليته حتى كان يقول:

إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة

تروى عظامى بعد موتى عروقها

ولا تدفنونى فى الفلاة فإننى

أخاف إذا مت ألا أذوقها

وجاء الإسلام بتحريم أم الخبائث فانصاع لأمره ونزل على حكمه، ولكن عادة الشرب المتأصلة فى نفسه أرغمته على أن يحتسى جرعة يرد بها ظمأته، فجاء إلى أمير المؤمنين الفاروق مقرًا بجريرته فحده، وتكرر الأمر فنفاه إلى القادسية وسجنه أميرها سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه.

وفى يوم القتال سمع صليل السيوف وصهيل الجياد فهاجت نفسه إلى ميدان الجهاد، وهو الفارس لا يهدأ أو تقوم قيامة فيها الدماء على الدماء تصيب.، فعاهد زوجة الأمير. إن أعطته فرسًا وعدة ليعودن إن سلم، وإن استشهد فهى الأمنية، فأعطته ما طلب فنفذ كالسهم مهللاً مكبرًا ورآه سعد من منظرته فعرفه، ولما أن وضعت الحرب أوزارها عاد أدراجه إلى سجنه بعد أن أبلى بلاءً حسنًا لا يريد من الغنيمة إلا أن يرضى الله عنه.

استجوبه الأمير عما دفعه إلى مبارحة سجنه فقال: حب الجهاد والرغبة فى الشهادة فى سبيل الله، وعما دفعه إلى العودة بعد أن كان سبيل النجاة أمامه سهلاً ميسورًا؟ فأجاب: الوفاء بالعهد، فقد عاهدت ولا أغدر.

وسأله: ماذا ترى أن يكون جزاؤك؟ فأجاب: ليقضى الله أمرًا كان مفعولاً. أكبر الأمير هذه النفس المؤمنة فأمر بإطلاقه وحلف ألا يحده فى الشراب.

وكان المنتظر بعد ذلك أن يمرح هذا الفارس فى غيه ولكنه فعل غير ذلك، إنه فكر قليلاً ثم حلف على نفسه ألا يذوق الخمر وإن أدّى ذلك إلى هلاكه، ولما سئل فى ذلك أجاب هذا الجواب الذى تتجلى فيه قوة النفس الإسلامية وعظمتها ومبلغ إيمانها عند ربها حيث قال: "كان جزائى أولاً تلك العقوبة الدنيوية وهى شىء لا أهتم له، فلما أن وكلت عقوبتى إلى الله فأنا أستحى أن أبارزه بالعصيان ولا طاقة لى بغضبه وعذابه".

ذلك الفارس المعلم هو سيدنا أبو محجن الثقفى رضى الله عنه، وحيا ذلك الإيمان المكين والدين المتين. فأين نحن أيها السادة من التأثر بكتاب الله ورهبة ما عنده والخوف مما لديه؟ أولئك قوم تملكتهم شهامة الإيمان فكانوا يستحيون ولا يخافون، أما نحن فنخاف ولا نستحى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾[الحديد: 16].

المصدر : مجلة الفتح، العدد (105)، السنة الثالثة، 2صفر 1347ه/ 19يوليو 1928م، ص(1) وما بعدها، واستكملت المقالة فى العدد (106)، 9صفر 1347ه/ 26يوليو 1928م

للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.

للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg