إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

أرغمت فاروق على التنازل عن العرش

من Ikhwan Wiki

(الفرق بين المراجعتين)
اذهب إلى: تصفح, البحث
Rod (نقاش<pipe-separator>مساهمات)
(الفصل الثانى والعشرون : لقاء مع آل الوزير)
Rod (نقاش<pipe-separator>مساهمات)
(الفصل الرابع : اللقاء مع حسن البنا)
سطر ٤٧٩: سطر ٤٧٩:
  
  
'''بيعة وفســم'''
+
'''بيعة وقســم'''
  
 
استدعانى وصلاح خليفة الصاغ محمود لبيب, وعرفنا بالمرحوم عبد الرحمن السندى الذى شرح لنا متى وكيف سيتم أخذ العهد وحلف اليمين, وقد تم ذلك على النحو الآتى:
 
استدعانى وصلاح خليفة الصاغ محمود لبيب, وعرفنا بالمرحوم عبد الرحمن السندى الذى شرح لنا متى وكيف سيتم أخذ العهد وحلف اليمين, وقد تم ذلك على النحو الآتى:
سطر ٥٣١: سطر ٥٣١:
 
وكان كلما اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين وقد حددوه بيوم 15 من مايو 1948 اشتد القتال ضراوة بين أشقائنا الفلسطنيين وبين العدو الصهيونى , واجتاحت المظاهرات جميع أقطار العالم العربى تطالب حكوماتها بالتطوع والسفر للجهاد فى فلسطين, وتحول مكتب الدكتور حسين كمال الدين فى  دار الإخوان إلأى خلية نحل.
 
وكان كلما اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين وقد حددوه بيوم 15 من مايو 1948 اشتد القتال ضراوة بين أشقائنا الفلسطنيين وبين العدو الصهيونى , واجتاحت المظاهرات جميع أقطار العالم العربى تطالب حكوماتها بالتطوع والسفر للجهاد فى فلسطين, وتحول مكتب الدكتور حسين كمال الدين فى  دار الإخوان إلأى خلية نحل.
  
وتشكلت الكتيبة الأولى من متطوعى الإخوان المسلمين .  
+
وتشكلت الكتيبة الأولى من متطوعى الإخوان المسلمين .
 
+
 
+
  
 
== الفصل الخامس : سفر متطوعى الإخوان المسلمين إلى فلسطين ==
 
== الفصل الخامس : سفر متطوعى الإخوان المسلمين إلى فلسطين ==

مراجعة ٢٠:٠٤، ٢٨ مايو ٢٠١٠

أرغمت فاروق على التنازل عن العرش .... مذكرات الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف


محتويات

ملحوظة هامة

يوجد بعد الاختصارات فى الكتاب عبارة عن أسماء شخصيات كانت على قيد الحياة ومازال بعضها على قيد الحياة وقد خشى المؤلف ان يذكر اسمها خشية التعرض للاضطهاد من قبل الأمن وقت تأليف الكتاب لكن الوضع اليوم قد تغير.

ولذا رأت إدارة موقع إخوان ويكي [ويكيبيديا الإخوان المسلمين] ترجمة هذه الرموز لمعرفة دور هذه الشخصيات .. والرموز وترجمتها هي :

  • أ ع (أحمد عيد ... وهو واحد من إخوان القاهرة)
  • م م ع ( محمد مهدي عاكف ... المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين وأحد الرعيل الأول للإخوان وقائد معسكر الفدائيين في حرب القنال عام 1951م)
  • ع ن (علي نويتو ... واحد من الرعيل الأول للإخوان وقد حكم عليه بالإعدام بعد حادث المنشية ثم خفف الحكم للمؤبد)

إهـداء

إلى المخلصين فى أعمالهم الذين يريدون بها وجه الله ،

إلى الجنود المجهولين فى جميع الأعمال وجميع المواقع,

إلى الشهداء الأبرار الأحياء عند ربهم,

أقدم هذه المذكرات
عبدالمنعم عبدالرؤوف

مقدمة

بقلم الأستاذ أحمد عيد موجه اللغة العربية بالمعاش

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , الصلاة والسلام على اشرف المرسلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

فهذه المذكرات التى نقدمها اليوم إلى القراء والتى نفسح لها مكانا فى سجل التاريخ كل ما فيها حقائق ثابتة – حرص صاحبها – رحمه الله – حرصا شديدا على تعميها بالوثائق والمستندات. فمنذ بدأ فى تدوينها كان يجمع – كل ما يدونه – الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية, فجاء كل ما فيها من وقائع وأحداث وتفاصيل مؤيدا بالدليل والبرهان.

وتعود قصتى مع هذه المذكرات إلى صيف عام 1979, حين طلب صاحبها أن نقوم معا بقراءتها ومراجعتها, على ضوء ما أشرت إليه من وثائق كان يحتفظ بها, وعلى ضوء ما نشر بعد ذلك حين امتد بنا هذا العمل إلى سنوات صدرت خلالها عدة مذكرات وكتب لأصحابها أمثال ( اللواء محمد نجيب) ( والسادات) (والبغدادى)(وصلاح شادى) ( وحسين حمود) مع حفظ الألقاب لهؤلاء السادة جميعا.

وعكفنا على العمل نقرأ ونكتب ونمحص, وكان يمتد الوقت بنا شهورا متواصلة, ثم ينقطع أو يتوقف أحيانا حسب الظروف والأوضاع. فكان – رحمه الله – يمتلىء بالعزم والتصميم حين يشرع فى عمل ما – على ما كان يعانى من أمراض – حيث كان يحضر إلى منزلى فى الصباح الباكر, ولا ينصرف إلا بعد صلاة العشاء.

وفى فترات كنا نجمع مل ما أعددناه, وما كان بأيدينا أيضا من كتب ووثائق ثم نخفى ذلك كله عرضة للمساءلة والاعتقال فيما كان يمر بالبلاد من أحداث نضطر معها إلى هذا الإجراء .

وقد حكى لى المرحوم الفريق عبد المنعم عبد الرءوف كيف استطاع أن يحتفظ بكل هذه الوثائق والصحف والصور رغم ما مر به من ظروف الاعتقال والسجن والهرب والسفر إلى الخارج, وهى فترات طويلة, إلى أن أستقر به المقام أخيرا على أرض الوطن.

وحكى كذلك أن كثيرا من المذكرات والكتابات انتزعت من أصحابها ولم يستطيعوا الحصول عليها مرة ثانية, حين كانت تفتش بيوتهم, وهى لا شك كانت عزيزة عندهم

ولمست أنه كان حريصا على مذكراته, حتى لا تكون عرضة للضياع أو الإهمال.

وأذكر أنه عقب أحداث سبتمبر 1981 حضر إلى منزلى سريعا ومعه بعض الأشخاص, وحملوا كل ما عندى مما يتصل بهذه المذكرات, وذلك حين استشعر ما نحن قادمون عليه, أو ما قد يحدث لنا حين تتابع الأحداث.

وحين هدأت الأحوال عاودنا الكتابة والمراجعة حتى أتممنا ما كان يريد, وكان ذلك قبل وفاته بقليل .

ثم أخذ يفكر: كيف تنشر هذه المذكرات؟ وهل الظروف الحالية مواتية؟ وهل تنشر بالداخل ؟ أم ترسل إلى دور النشر بالخارج ؟ وهل تصدر فى كتاب؟ أم إلى الصحف لنشرها فى حلقات؟.

ثم حدثت وفاته – رحمه الله – يوم الأربعاء 31 يوليو 1985, ولم تنشر مذكراته بعد.

وقد كان لزاما أن تعود هذه المذكرات إلى ورثته, فأعادها إليهم دار الطباعة والنشر الإسلامية, ليكون لهم فيها حق التصرف من جديد.

ومنذ فنرة عادت المذكرات إلىّ مرة ثانية , حيث حضرت بها منزلى زوجته وأولاده, وطلبوا منى إعدادها كتابا للطبع.

وما إن شرعت فى هذا العمل حتى جاءوا بكتابات ووثائق أخرى, سلمت إليهم من أشخاص كان المرحوم قد أودعها لديهم, وأحضروها لهم حين علموا بوفاته.

وكان لزاما علىّ أن أقرأ هذه الكتابات وأن أضعها مواضعها من تسلسل الأحداث فى ثنايا المذكرات. وكنت كلما سرت فى هذا لعمل وتقدمت فيه كتابات أخرى فأتوقف وأراجع وأضيف تلك الكتابات, حتى أستغرق منى هذا العمل وقتا طويلا مع قلة الجهد وظروف المرض.

وتبين لى أن المرحوم الفريق عبد المنعم قد نسخ من مذكراته نسخا متعددة وأودعها عدة أماكن فى مصر وفى لبنان, ثم تبين لى أن بعض النسخ بها زيادات كان يتذكرها أثناء النسخ.

وكان من الضرورى أن أقرأ جميع النسخ لأضع كل ما فيها فى هذه النسخة التى تقدمها اليوم إلى القراء الكرام أمانة للتاريخ, ووديعة فى سجلاته الخالدة, وليرى فيها المتسائلون عن عبد المنعم عبد الرءوف من يكون؟

وقد شاءت إرادة الله أن يكون ( عبد المنعم عبد الرءوف ) هو كل شىء فى الإعداد والإنشاء, وأن يكون القوة الدافعة لما قبل 23 يوليو من أحداث , ولما وقعت قام فيها بأخطر دور, على نحو ما سيرى القارىء فى هذه المذكرات.

وقد تعمد الخاطئون وراغبوا الزعامات والمزيفون للتاريخ ان ينسبوا أعماله لأنفسهم, وذلك بعد أن أبعدوه عن الأنظار, واطمأنوا أنه (خلف الشمس) بعيدا عن الناس, وعن ذاكرة التاريخ. وقد شاءت إرادة الله كذلك أن تنشر هذه المذكرات بعد وفاته , ليطالع الناس ما فيها من بطولات خالدة, وأعمال فريدة بعيدا عن ضوضاء الشهرة , وأضواء التاريخ, ليكون عبد المنعم عبد الرءوف جنديا مجهولا احتسبناه عند الله فى حياته وبعد مماته. ويكون دورنا فقط مع هذه المذكرات, أن نسجلها لتكون ومضات مشرقة يراها الناس على صفحات التاريخ الخالدة, بعد أن غاب صاحبها فى التراب وذهب ‘لى ربه بعيدا عن دنيا الناس ليلقى عنده سبحانه أوفى الجزاء فتطيب نفسه وتقر عينه هناك, إن شاء الله, بما حرم منه فى دنياه الناس.

أهمية هذه المذكرات :

حين تكون هذه المذكرات بين أيدى القراء – إن شاء الله – سيعرفون مكانتها كما عرفت ويدركون أهميتها كما أدركت, وقد لا حظت أمورا منها ما يلى:

1- أن صاحبها قد تحرى الصدق والأمانة فيما ذكر فيها من وقائع وأحداث إنصافا للحق, وأنه لم يسلك فيها طريق غيره ممن تعرضوا للكتابة عن هذه الفترة من التاريخ, وأنه حاول فى حياته تصحيح بعض الوقائع, وأرسل فى هذا لشأن عدة كتابات فلم يلتفت إليها, حيث كانت الرغبة فى الزعامة وحيث كانت الأوضاع حينذاك, تحول بينه وبين ما كان يريد.

2- أن التنظيم الوحيد فى الجيش كان تنظيما إخوانيا قام به عبد المنعم عبد الرءوف حيث أنشأه عام 1942 بع أن انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين, وشكل أول خلية فيه من جمال عبد الناصر وآخرين, وكان يسمى تنظيم ( الضباط الإخوان) وأخذ هذا التنظيم يمتد ويتسع ليشمل أسلحة الجيش المتنوعة كما سيرى القارىء.

وفى عام 1949 أطلق على هذا التنظيم اسم (الضباط الأحرار) وذلك بعد مصادرة الأجهزة الحاكمة حينذاك لأنشطة الإخوان المسلمين, وبعد عودة الجيش المصرى من حرب فلسطين, وكان هذا التغيير لظروف وأسباب سيعرفها القارىء من خلال هذه المذكرات.

3- أنه قد وقع خلاف بين صاحب المذكرات وبين جمال عبد الناصر, وكان من أسباب هذا الخلاف أن الأخير بعد عودته من حرب فلسطين كان قد انتوى ان يحدث انقلابا لنظام الحكم فى مصر, فكان يجمع حو التنظيم أشخاصا لا يرضى عنهم وعن أخلاقهم عبد المنعم عبد الرءوف, كما كان يقوم ببعض الأعمال التى لا تتفق مع أهداف التنظيم, بل وتعرضه للأخطار, وتعرض أفراده للانكشاف والاعتقال ثم التحقيق والاستجواب.

4- أنه حين وقع الإنقلاب فى يوليو عام 1952 كان لعبد المنعم عبد الرءوف الدور الرئيسى والأساسى فى هذا الإنقلاب حيث قام هو بمحاصرة قصر رأس التين وإسقاط عرش الملك فاروق, وأن هذا العمل قد ادعاه لنفسه أفراد كذبوا على الله وكذبوا على الناس والتاريخ.

ولا أحب أن أمضى بعيدا فسيطالع القراء ما ذكرت وما لم أذكر فى هذا الموضوع.

وقد يتساءل القارىء لهذه المقدمة, ما علاقتى بما ذكرت؟ وما علاقتى بصاحب هذه المذكرات ؟ فأجيب بأنها مسئولية دفعنى إليها الوفاء لصاحب هذه المذكرات, حيث ربطتنى به أحداث وظروف وفترات عشناها سويا كنا نعانى فيها الالآم, وتداعينا خلالها أعظم الآمال.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحقق ما كنا نصبوا إليه, وأن يهدينا إلى الحق وإلى سواء السبيل, إنه نعم المولى ونعم المجيب.

أحمد عيد الألف مسكن فى 23 يوليو 1986


الفصل الأول : نشأتي

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين, وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف وعمرة 11 سنة

ولدت فى 16 من مايو 1914 بحى العباسية فى مدينة القاهرة, من والدين تربطهما صلة القرابة, ومن بلدة صفط الحرية بمحافظة البحيرة, وكان والدى رحمه الله ضابط فى الجيش, حارب ثورتى بالسودان, وكثيرا ما قصّ علىّ ما كان يحدث فى المعارك الحربية التى خاضها بجنوب السودان فى جوبا ودنقلة وبحر الغزال وواو, ووادى مدنى, وما عاناه فى هذ ه الحروب, لدرجة أنه شرب وجنوده بول الدواب من شدة الظمأ أثناء المعارك حتى يتم لهم الحصول على موارد المياه, كما كانوا يلبسون حلالا من الجلد لا يظهر منها إلا عيونهم اتقاء لدغات البعوض التى تسبب الحمى, بينما كان أنصار التعايش يقاتلون عرايا إلا من ستر العورة, وبأيديهم حراب مسمومة لا تخطىء الهدف إلا نادرا, ويهجمون ليلا ويخطفون نهارا من يضل الطريق.

وكان يشرح لى التكتيكات العسكرية, وكيفية حماية العتاد والنفس والمؤونة أثناء الخطر, فلكى تدافع أى قوة عن نفسها عليها أن تتشكل بأسرع ما يمكن على شكل هندسى ( مربع أو دائرة أو مستطيل) حسب طبيعة الأرض بقدر الإمكان, وتوضع الذخيرة والجرحى والتموينيات فى الوسط, وحولها على مسافة منها يصطف المدافعون من الجنود على شكل ثلاثة خطوط, فيكون الخط الأول من الداخل واقفا يطلق النار واقفا, ويكون الخط الثانى مرتكزا, أما الخط الثالث وهو الذى يكون فى الأمام – أى أقرب ما يكون للخصم – فيطلق النار راقدا .


المرحلة الدراسية :

توفى والدى رحمه الله عام 1928 وهى نفس السنة التى حصلت فيها على شهادة الإبتدائية, وقد وعدتنى امى قبل وفاته بأنها ستشترى لى دراجة إذا نجحت, فلما نجحت وظهرت النتيجة, أسرعت إلى أمى فأخبرتها بالنتيجة, وطلبت منها الدراجة التى وعدتنى بها, فربتت على كتفى وقد أدارت وجهها حتى لا أدرى دموعها تنهمر وقالت إن الذى كان سيدفع لك ثمن الدراجة قد مات.

فشدتنى هذه العبارة شدا إلى ضرورة التفكير فى مستقبلى, وتذكرت قصة حياة أبى المليئة بالمتاعب, وقوله لى قيادة لواء محارب لطردت الإنجليز من مصر وألغيت النظام الملكى! مظاهرات ألهبت حماسى:

وكان للمظاهرات العارمة, والتى كانت تمر كل يوم أمام منزلنا بحى اليدة زينب وكذلك للأحداث التى اعتقل فيها خالى ( فضلى عبد الحليم) حيث نفى إلى جزيرة سيشل مع الزعيم الراحل( سعد زغلول) أثر كبير فى إذكاء الروح الثورية العسكرية فى نفسى. انتهت المرحلة الإبتدائية بعد أن رسبت فى السنتين الأولى والرابعة, فقد أمضيت فى كل منهما سنتين, وذلك بسبب عدم إشراف والدى على دراستى, فهو وأقرانه الضباط كثيرو التنقل من وحدة عسكرية إلى وحدة عسكرية أخرى, بين مصر والسودان وباقى المحافظات المصرية, وهذا التنقل يضيع من وقت التعليم الكثير وأذكر أننى التحقت فى المرحلة الإبتدائية بمدارس محمد على بحى السيدة زينب فى القاهرة ومدارس أخرى فى طنطا وأسيوط وقنا والأنفوشى بالإسكندرية , وعلاوة على ذلك كثرت المظاهرات والاضطرابات ضد الحكومة والإنجليز للمطالبة بإعادة المنفيين من جزيرتى سيشل ومالطة, ومن الهتفات التى لا تزال ترن فى أذنى حتى الآن)( الاستقلال التام أو الموت الزؤام), ( نموت ويحيا سعد)

انتهت المرحلة الابتدائية وكان على أن أعد نفسى للمرحلة الثانوية بعدها مباشرة. ففى اوائل عام 1929 بدأت مرحلة التعليم الثانوى, فالتحقت بمدرسة بنباقادن الثانوية التابعة للأوقاف الملكية , وكان ناظرها يسمى الأستاذ محمد على رحمه الله وكان يتعرض فيها التلاميذ لأساليب تربوية منفرة كالجلد بعصا خيرزان على الأقدام وهى عارية, والضرب بالمسطرة على ظهر الأيدي, وفى بعض الحالات عندما يرتكب التلميذ جريمة الغش, أو الهرب من المدرسة كان يضرب علنا أمام أقرانه .

كان صراخه وعويله يفتت الأكباد. وكان لا يسمح للطالب بأن يشترك فى المظاهرات, ولا يكون له صلة بالعمل الوطنى, كما كان يعمل بالمدرسة بعض المدرسين الإنجليز, وكان لأقل واحد منهم ميزات تفوق سلطات ناظر المدرسة ماديا وأدبيا.

وبعد ثلاثة شهور دراسية فى هذه المدرسة حدث نقاش بينى كلاعب كرة وبين مدرس اللغة الإنجليزية كملاكم, تحول إلى تبادل اللكمات والمقصات والروسيات, وتم فصلى من المدرسة, وتذكرت قول أمى رحمها الله أن أعتمد على نفسى فبدأت استذكار دورسى وحدى فى الشهور الباقية من العام الدراس والعطلة الصيفية.

وفى عام 1930 دخلت امتحان الدور الثانى ونجحت وقبلت فى السنة الثانية الثانويى بمدرسة السعيدية بالجيزة, وكانت تعتبر مدرسة خاصة لأبناء الذوات, وفى هذه الفترة من عامى 1930 – 1931م كانت المظاهرات التى آثارها حزب الوفد المصرى ضد وزارة المرحوم إسماعيل صدقى على أشدها, وقام طلبة السعيدية بمظاهرة ضخمة وتصدت لها الشرطة والتحم الطلبة بالشرطة, فسلطوا عليهم خراطيم المياة المخصصة للحريق, ورموهم بالحجارة ووضعوا فروع الأشجار على الأبواب والمداخل التى توصل إلى داخل المدرسة, وتمكنوا بذلك من منع الشرطة من الدخول, وبعد فترة من الوقت عاد الهدوء, وعدت إلى الفصل وما إن دخلت حتى استقبلني الطلاب بالهتاف, فحضر وكيل المدرسة ليستطلع المر, فقال له المدرس الموجود فى الفصل:إن السبب فى هذه الضجة هو دخول الطالب عبد المنعم عبد الرءوف فى هذه الآونة.

وكان هذا الحادث سببا فى طردى من مدرسة السعيدية, ولما خرجت من المدرسة إلى الشارع, وجدت مجموعات من الطلبة على جانبى الطريق, ومجموعات أخرى ماضية فى السير, فوقفت برهة لأفكر فيما وصل إليه حالى, ووجدت نفسى قد انضممت إلى مجموعة من الشباب الوطنى الساخط على الإستعمار الإنجليزى وعلى حكومة صدقى وعلى الملك فؤاد, وبعد فترة فكرنا فى الدخول إلى المدرسة فمنعنا ضابط المدرسة .


الجمعيات السرية:

وتعرفت وأنا فى الطريق إلى منزلى على الطالب محمد أبو المجد التونى, وكان والده يدعى مصطفى بك التونى عمدة قرية إتليدم مركز " أبو قاص" محافظة المنيا حالي, وهو شقيق الأستاذ محمد شوكت التونى المحامى, فدعانى إلى منزله بالجيزة, الواقع على الطريق الزراعى المتجه إلى الصعيد فذهبت معه, وأخذنا نتحدث عن الوضع السياسى فى البلاد , وإصرار صدقى باشا على توقيع المعاهدة مع الإنجليز, وكان الشعور العام ساخطا على هذه المعاهدة, وتطرق بنا الحديث إلى تكوين جمعية سرية لأرهاب الإنجليز وإسقاط وزارة صدقى, وأخذنا نردد أسماء متعددة للجمعية, وأخيرا استقر رأينا على تسميتها ( جمعية اليد الخفية)


توزيع المهام على الأعضاء:

وفى عام 1932 التحقت بمدرسة الإسماعيلية وحصلت على شهادة البكالوريا وتعددت الزيارات بينى وبين ( أبو المجد التونى), وعرف كل منا الكثير عن حياة الآخر وأسرته.

وبدأنا تنظيم وتوزيع التخصصات على أعضاء ( جمعية اليد الخفية) وكان كالآتى:

- التمويل : مصطفى بك التونى عمدة إتليدم.

- الدراسات السياسية وتوجيه الضربة المناسبة: محمد شوكت التونى المحامى وشقيقه محمود التونى القاضى فيما بعد.

- شراء البارود والفتيل والمواسير: محمود مرسال وشهرته أبو الغيط, ومحمود هلال وهما سائقان تربيا فى بيت التونى.

- وضع القنابل فى المكان المتفق عليه: محمد أبو المجد التونى خريج كلية الزراعة وتاجر فيما بعد.

- مسئولية مراقبة القنابل ثم تفجيرها: عبد المنعم عبد الرءوف.


نشاط الجمعية:

وعلى هذا النحو بدأت الجمعية نشاطها وفجرت عدة قنابل منها:

الأولى فى دار المندوب السامى البريطاني بجاردن سيتى بتاريخ 16/12/ 1932( عدد المصور رقم 427), وأعقبها قنبلة أخرى فى المدرسة الإنجليزية على شاطىء النيل قرب كوبرى الملك الصالح, والقنبلة الثالثة تحت أقواس النصر التى أقامتها الحكومة بمناسبة افتتاح الملك فؤاد لكلية الهندسة بالجيزة, والقنبلة الرابعة بجوار قصر محمد على بالمنيل.

وكان وضع تفجير هذه القنابل يتم فى أوقات متفاوتة, وقد انفجر بعض من هذه القنابل ولم يتم انفجار الباقى لشدة الحراسة, وخاصة بعد نجاح تفجير قنبلة دار المندوب السامى البريطانى


حيلة ناجحة :

ورصدت الحكومة مكافأة مالية قدرها ثلاثة آلاف جنيه مصرى لمن يدلى بمعلومات عن الفاعلين, وفى أحد الأيام زارنى محمد أبو المجد التونى وأبلغنى أنه مطلوب لشرطة الجيزة لأخذ بصمات أصابعه, ويخشى أن تكون إحدى القنابل التى وجدت ولم تنفجر قد وجد عليها بصمات أصابعه, وقال لى : إن شقيقه الأكبر الأستاذ محمد شوكت التونى المحامى سيرسل شقيقه محمود إلى الشرطة على أنه هو محمد, على ان أذهب أنا - عبد المنعم – مع محمد أبو المجد إلى بلدتهم إتليدم للإختفاء هناك, وإذا اكتشفت الحيلة فسيكون هناك تصرف آخر, ولكن الحيلة نجحت وأخذت بصمات محمود على أنه محمد أبو المجد وعدت أنا ومحمد إلى القاهرة.


كيفية تجهيز القنابل:

كنت أنا ومحمد أبو المجد نجتمع فى بدروم ( سلامليك) بيت التونى بالجيزة لتجهيز القنبلة, وكانت عبارة عن ماسورة مصنوعة من حديد الزهر قطرها خمسة سنتميرات وطولها خمسين سنتميترا, نسد إحدى فتحتيها بالأسمنت ثم نملؤها من الفتحة الثانية بخليط البارود وقطع الزجاج الصغير والرش الذى يستخدم فى صيد الطيور ثم نغلق هذه الفتحة بقطع من القماش مفتوحة من الوسط, يتدلى منها فتيل بطىء الاشتعال, وبهذا يكون جاهزو للتفجير إذا أشعلنا الفتيل


ذكريات غالية:

وفى إحدى زياراتي للأستاذ محمد شوكت المحامى فى عام 9175, فى مكتبه أى بعد انقضاء ثلاث وأربعين سنة على حوادث التفجير لتلك القنابل, أبلغنى أنه استطاع أن يطلع على ملف القضية بمساعدة صديقه وزير العدل( لم يذكر اسمه) وتم له سحب الجزء الخاص ببصمات شقيقه محمود التونى, الذى مثل دور شقيقه محمد.

وقد ورد فى كتاب ( محاكمات الدجوى) لمؤلفه الأستاذ محمد شوكت التونى المحامى ذكر موجز لحوادث هذه القنابل فى صفحتى 156, 157 وفيها النص الآتى:

(... فحيوا معى ومع التاريخ محمد ابو المجد التونى ومحمود التونى واللواء طيار عبد المنعم عبد الرءوف وسائق السيارة محمد سعيد مرسال الشهير بأبى الغيط وسائق السيارة عبد الكريم هلال).


تحذير ونصيحة لمندوبى الطلاب:

وفى المدرسة الإسماعيلية انتدبت لحضور اجتماع بمقر جريدة الجهاد. التى كان صاحبها الوفدى الكبير المرحوم توفيق بك دياب, وكانت البلاد فى حالة اضطرابات ومظاهرات ضد حكومة إسماعيل صدقى باشا, وعند وصولى مع بعض المندوبين عن المدارس الأخرى إلى مقر الاجتماع حاول أحد الجنود نصحنا بالعودة وعدم الدخول لأن الإجتماع كان مراقبا , وسوف تحدث( كبسة) من الشرطة., ولكننا لم نأبه لنصيحته, وبعد دخولنا اقتحمت الشرطة المبنى وبدأت عملية القبض على الموجودين من الطلبة, وفى لحظات الهرج والمرج أسرعت إلى إحدى الغرف الخالية بالدار فوجدت بها بعض الدواليب والمكاتب, ففتحت أحد الدراج فوجدت بعض الجرائد والمجلات الأجنبية, فأخرجتها وأخذت أتصفحها وحاولت التمثيل لدور المترجم ودخل أحد الضباط الشرطة وأخذ يحوم حولى ويقلب فى الجرائد وينظر إلىّ ثم فتح أدراج المكتب وانصرف بعد ذلك, وبعد أن انسحبت الشرطة بحوالى ساعة تقريبا خرجت من الدار.


أطعمة للمقبوض عليهم:

وذهبت من فورى إلى قسم شرطة السيدة زينب فوجدت الطلبة المقبوض عليهم يصرخون من الجوع, فأسرعت إلى منزلنا القريب من قسم الشرطة , وتكلمت مع والدتى – رحمها الله – عن حجز الطلبة الجائعين, فجمعت كل ما فى بيتنا من خبز وجبن وناولتني إياه, فعدت به سريعا إلى قسم الشرطة وأعطيته لأحد المحامين من حزب الوفد وكان قد أرسل للدفاع عن الطلبة والإفراج عنهم.

وكنت أنا الوحيد الذى لم يقبض عليه ! الأمر الذى جعل بعض الطلبة يساورهم الشك فى أمرى, ولم أجد من يدافع عنى سوى صديق الصبا حسن فتحى عطية الذى كان محل ثقة الجميعة والذى شرح للطلبة ما فعلته حتى أفلت من قبضة الشرطة وهم يعمل الآن مدير للإدارة المالية بإستاد القاهرة بمدينة نصر, وكان من زعماء الطلبة الوفديين المعدودين, ومن ذوى الأخلاق العالية.


الفصل الثــانى : فى المدرسة الحربية

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف فى المدرسة الحربية
وفى عام 1935 حصلت على شهادة البكالوريا, وما إن قرأت إعلانا نشر فى الجرائد عن حاجة المدرسة الحربية الملكية ‘لى طلاب جدد, حتى سارعت بتقديم أوراقى راجيا الله سبحانه وتعالى ا، يحقق ما كان يرجوه أبى لى.

وكانت سنى تزيد على سن طلبة الكلية الحربية, ولكنه مناسب للإلتحاق بدفعة طلبة حفر السواحل, فكنت ضمن أحد عشر طالبا التحقوا بكلية الحربية على قوة خفر السواحل .

وبدأت الحاية بالكلية قاسية شديدة, أو ما يسمونه بالضبط والربط, ورسبت فى السنة الأولى لأن معركة حامية الوطيس نشبت داخل نفسى بين حياتين: حياة طالب يقول رأيه بصراحة ويناقش آراء الآخرين, وحياى طالب ينفذ كل ما يطلب منه دون تردد.


الانتقال إلى مدرسة الطيران:

وقد أنقذنى من هذا الموقف ان صدر إعلان للمدرسة الحربية عن الراغبين فى الالتحاق بمدرسة الطيران العالى بألماظة, وكنت مازلت راسبا فى السنة الأولى وتقدم عدد كبير من طلبة الكلية الحربية وخفر السواحل للكشف الطبى ولم ينجح إلا ثلاثة من دفعى خفر السواحل رغم كبر سنهم وكنت أحدهم, والإثنان الآخران هما الطالبان محمد سعيد الشال وجمال صبرى الذى توفى أثناء تعلمه الطيران , وقد أدى نجاحنا نحن الثلاثة فى امتحان القبول فى مدرسة الطيران, وتفوقنا فى الألعاب الرياضية إلى تقدير مدير وأساتذة الكلية لنا, وأصبحنا نقف دائما فى أول الطابور بعد أن كنا نقف فى آخره مع طلبة خفر السواحل مما رفع من معنوياتنا.


نشاط وحيوية:

وقد أثبت خلال دراستى فى المدرسة الحربية جدارة عالية فى النشاط الرياضى حيث كنت أجيد ألعاب كرة القدم والملاكمة والعدو ورمى القرص والرمح وسباق الفرسان كان يلقبنى بالسد, وذلك بسبب استحالة تمكن أى لاعب فى الوصول إلأى مرمانا من جهتى, وظل هذا اللقب ( الأسد) يلازمني بين زملائى الضباط حتى بعد انقلاب 1952, وكان يكتفى مدرب الكرة بكتابة اسم الأسد دون ذكر اسمي الأصلي على لوحة الإعلانات.

وكانت إدارة المدرسة الحربية تخصص للرياضيين المتفوقين درجات تضاف إلى مجموعهم الكلى فى العلوم العسكرية الأخرى, تؤهلهم بالفوز والأقدمية على غير الرياضيين.


مقالات فيها خطورة : وفى سنة 1937 كان قد صدر عفو عام عن كل من ارتكب اى جريمة سياسية قبل معاهدة 1936, فبدا الأستاذ محمد شوكت التونى المحانى فى كتابة مذكرات جمعية ( اليد الخفية) ونشر ها فى مجلة كل شىء الأسبوعية. تحت عنوان: كيف كنا نصنع القنابل ؟ ونشر صورتى على إحدى صفحات المجلة, ولكنه ثبت على عينى شريطا أسود حتى لا يتبين للقارىء شكلى بالضبط, ولكنه أشار قائلا: وهو الآن طالب فى الكلية الحربية.

فكان لهذا التصرف وقع سيىء على نفسى كطالب بالمدرسة الحربية, واعتبرته تسرعا منه فى اختيار الوقت المناسب. ولأسباب لا اعرفها حتى الآن لم يستكمل نشر المذكرات, وايضا لم يكن لما نشر أى أثر, فلم يستدع الجيش أو الشرطة أحدا ممن جاء ذكرهم, وربما كان ذلك بسبب قرار العفو العام بعد معاهدة 1936.

التخرج والزواج :

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف بعد تخرجه من المدرسة الحربية

وفى فبراير عام 1938 تخرجت فى مدرسة الطيران العالى, وبدأت عملى كطيار فى محطة الدخيلة الجوية القريبة من ثغر الإسكندرية, وكان كل اهتمامى أن أمتاز كطيار. وتزوجت فى أغسطس 1938, كما حصلت على أول مرتب لى, فذهبت من فورى إلى أمى لزيارتها, ففتحا ففتحت سترتى وأخذت جزءا من مرتبى قائلة: إنها ستوزعه على الفقراء, وكان من عادتها – رحمها – أن تفعل ذلك فى كل مناسبة دينية.

وبدأت الحرب العالمية الثانية فى سبتمبر 1939, وتعرفت على كثير من الطيارين الشبان وكنا نتحادث كثيرا عن الحرب الدائرة, والاستعمار البريطانى, وتبلور هذا فى أذهاننا على شكل السؤال التالى:

لماذا لا ننتهز فرصة نشوب الحرب, ونعمل على طرد الإنجليز من بلادنا؟ فإذا هزمناهم يكون موقفنا قد أصبح مشرفا أمام العالم, وتحقق أملا وواجبا وطنيا كبيرا, وفى نفس الوقت نقف بالمرصاد موقف المفاوض ضد الغزاة

وفوجئت بتعيينى مع ضباط إنجليز فى غرفة العمليات الجوية, والتى كانت تخت الأرض فى الإسكندرية, وهى معدة لتحديد اتجاه الغارات على أنحاد أرض مصر, وكنا نلتقط الإشارات التليفونية واللاسكلية من نقاط الحدود المصرية المنتشرة على حدود ( مصر وليبيا), وساحل البحر الأبيض المتوسط لنبلغها بدورنا سلكيا ولاسلكيا إلى المدفعية المضادة للطائرات وللمطارات.


عوامل وطنية:

أحسست وأنا فى هذه الغرفة بضيق نفسى شديد. لأنى كنت أنفذ أوامر الضابط الإنجليزى المستعمر, وأعمل على حماية الإنجليز فى بلدى فقررت ألا أتعاون مع قائد غرفة العمليات الإنجليزى, فشكانى إلى قائدى فى القوات الجوية المصرية الذى نقلنى بدوره إلى القاهرة.

وفى القاهرة ألحقت بالعمل فى محطة ألماظة الجوية , ومن أول يوم التقيت فيع مع زملائى الطيارين, وجدت تذمرا منهم ضد البعثة الإنجليزية, وليدة معاهدة 1936 والإستعمار الإنجليزى.


لقاء وبداية:

وفى أوائل عام 1940 بينما كنت أسير فى شارع مراسينا بحى السيدة زينب ( عبد المجيد اللبان الآن) التقيت بالملازم ثانى محمد أنور السادات وتصافحنا وتعانقنا وهو من دفعنى فى المدرسة الحربية, وكان من دعتنا أيضا الشهيد الفريق أركان حرب محمد عبد المنعم رياض, وعضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد البكاباشى أركان حرب (مقدم) زكريا محيى الدين, أما زملائي الذين تخرجوا قبلى لأنى رسبت فى السنة الولى الفريق أركان حرب محمد حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومى لرئيس الجمهورية عام 1973, والمرحوم الأستاذ يوسف السباعى وزير الثقافة والإعلام عام 1973 الذى اغتيل فى مؤتمر الوحدة الإفريقية الآسيوية فى قبرص.

ودعوت محمد أنور السادات إلى منزل أمى, وهو على بعد خطوات, وهناك تناول الحديث عدة موضوعات منها:

من كان وراء إخراج الفريق عزيز المصرى رئيس هيئة أركان حرب الجيش؟!! وهل يوجد من سد هذا الفراغ فى الجيش حاليا؟ ومن هو؟

خرجنا من هذا الحوار بأن السبب فى ذلك هو تسلط وسيطرة البعثة البريطانية والتى تعمل وتحرص على أن يظل الجيش المصرى ضعيفا حتى لا يفلت من قبضتم.

وتكررت اللقاءات مع الملازم ثاني محمد أنور السادات فى بيتى بجوار سينما الهلال بالسيدة زينب بعمارة رأفت على ناصية شارع الخليج المصرى بشارع محمد قدرى باشا, وصاحبه فى إحدى هذه الزيارات اليوزباشى أركان حرب ( نقيب) محمد رشاد مهنا الوصى على العرش بعد انقلاب 1952, وهو أول دفعته فى الكلية الحربية وخريج كلية ساند هجرست بانجلترا, ومن الشخصيات المرموقة فى سلاح المدفعية المصرى, وهو رئيس مجلس إدارة نادى ضباط الجيش قبل الانقلاب فى يناير 1952,وقد أودع الاعتقال مرتين فى 23/ 7/ 1965 وأفرج عنه فى 23/ 1/1967,وهو المتهم الأول فى قضية المنشورات عام 1946 ضد الفريق إبراهيم عطا الله.


طريق الكفاح:

وفى أحد الأيام دعانى الملازم أول محمد أنور السادات لزيارة الفريق اركان حرب عزيز المصرى, الذى عينه المرحوم محمد محمود باشا رئيس الوزراء عام 1929 مديرا لمدرسة البوليس الملكية, وتقلد بعد ذلك منصب رئيس هيئة أركان حرب الجيش عام 1939.

وفى إحدى الزيارات للفريق عزيز المصرى قال لنا: إن المرحوم الملك فؤاد كان قد هينه رائدا لابنه الأمير فاروق, وحاول أن يجعل منه حاكما عادلا أمينا محبوبا من الشعب, ولكن للأسف الشديد كان الإنجليز يحيطونه بالبطانات العفنة ليسوء سلوكه, وينحرف عن الطريق السوى, وذلك بإغراقه فى الملذات من نساء إنجليزيات وخمر, وكان ممن شاركوا فى هذا الانحراف عمر فتحى باشا وأحمد حسنين باشا ومستر بوللى, وكلهم من رجال الحاشية.


ذكريات واعية:

لم يزد عدد الضباط الذين رايتهم عند الفريق عزيز المصرى على بضعة ضباط أذكر منهم : ملازم أول محمد أنور السادات, وملازم أول محمد وجيه خليل والطيارين الأوائل حسن هزت وحسن إبراهيم.

ومما رواه لنا فرادى ومجتمعين أنه كان ضابطا فى الجيش التركى,وحارب فى جبهة البلقان كما حارب فى الجبهة الغربية, وكان يخصص بغلا ليحمل عليه ما لا يقل عن أربعمائة كتاب فى مختلف اللغات والدراسات , وأنه يجب ان يتوافر فى الشباب الصدق والأمانة والجرأة والذكاء والقوة البدنية, وأن يختار الزوجة المتعلمة الذكية وكان يحذرنا من الخونة سواء كانوا سياسيين أو عسكريين, وأن الإنجليز أفسدوا جزءا من أجهزة الشرطة وجعلوه يعمل بأوامر لحماية مخططهم الاستعمار, وتنفيذ السياسات الخاصة بضرب الحركات الوطنية والمناهضة للمللك والاستعمار, بدلا من أن تقوم بواجبها الأمني ومطاردة الانحرافات الخلقية, ثم قال: لقد عانيت الكثير من ضابط المباحث فكانوا يراقبون تليفونى, ويتنصتون على محادثاتي, ويراقبون بيتى ويفتشونه من حين لآخر. وفى إحدى المرات التى فتشوا فيها بيتى وبعد أن غادرت الشرطة منزلى وجدت أن مذكراتى التى أعددتها عن تاريخ حياتى ودراساتي فى ألمانيا ومشاهداتى فى أنحاء العالم,ومذكراتى فى الجمعيات السرية مثل جمعية العهد, وجمعية الإصلاح والترفى, واشتراكي فى حرب البلقان قد سرقت. وقال: إنه صاحب فكرة تحويل سيارة مدرعة فى الجيش المصرى إلى قوة نيران بأن تدافع وتهاجم وتنسحب, وذلك كله بأن ركّب عليها رشاشا فوق أسطوانة دائرية بحيث يستطيع الجندى الذى يستخدم الرشاش أن يطلق نيرانه فى دائرة 360 درجة ضد الطائرات وضد الأرض, وقد تم الاستعانة بعمال ورش الصيانة لأعداد هذه السيارة, وبذلك ثبت أن الصانع المصرى يستطيع أن يطور الأسلحة بدلا من شراء أسلحة بريطانية بمبالغ باهظة.


دروس وثقة غالية:

كان اهتمامي بتاريخ عزيز المصرى وكثرة زياراتي له وضبط مواعيدى معه كفيلة بأن تجعلنى محل ثقته, الأمر أذى جعله يختار لى اسما حركيا غير اسمي الحقيقي للتعاون معه وهو اسم (نبيل) ولما كثر استعمال هذه الاسم استخدمت صناعة السباكة والحلاقة والتجارة لتحديد موعد اللقاء. وكان يشدد علينا بعدم ترك بصمات على القنابل والأسلحة بارتداء قفاز (جوانتى) وضرورة إتقان التمويه من حيث الشكل والزى, مع إضافة بعض الأشياء المستعارة كالشارب واللحية حسب ظروف كل مناسبة وكل موقف, كذا استخدام قطع اللحم المغموسة بالفلفل وبعض التوابل لاستعمالها ضد كلاب الأثر لإضعاف حاسة الشم عندها وجعلها تسعل وتتعثر فى المتبعة, ووضع قطع من القماش لإخفاء آثار الأقدام عند التسلل لاغتيال الخونة أعداء الوطن .

نتيجة لهذه التصفيات الشاذة ضد أرفع رتبة فى الجيش وأعظمها حنكة حربية, قرر الفريق أ{كان حرب عزيز المصرى الرحيل إلى خارج البلاد, فقدم طلبا باستخراج جواز سفر فقوبل بالرفض, وتوجه مستفسرا لرئيس الوزراء ( حسين سرى باشا) شاكيا فلم يعبأ به, وأحس بعيون التحرى والمخابرات تراقبه أينما ذهب مما زاد غضبه ضد بريطانيا والحكم المصرى القائم وقتئذ. وكنا نحن أحباءه ومرءوسيه نزداد غضبا فوق غضبه, وعشنا معه فى محنته.


إرادة وتصميم:

فكر فى الهرب, وفكرنا معه بعزيمة الشباب فى أن نساعده دون كلل, فتصل بالألمان بطريقته الخاصة, ونفذنا ما أمرنا به خطوة بعد الأخرى.

طلب منا استكشاف جبل رزة والطريق إليه, وهما يقعان غرب فرع رشيد بالقرب من بلدة الخطاطبة, فذهبت أنا وأنور السادات فى سيارة قادها أنور لاستكشاف الطريق, وسرنا فى طريق مصر الصحراوى حوالى خمسين كيلوا مترا, ثم انحرفنا جهة الغرب داخل الصحراء , ولم نكد نسير بضعة أمتار حتى اكتشفنا أن الطريق غير صالح لسير السيارة, وأن أى تقدم فى هذا الإتجاه سينتهى بغوص عجلات السيارة فى الرمال, مما يجعل عودتنا إلى القاهرة أمرا مستحيلا. فقمنا بدفع السيارة للخلف مستين مجهودا بدنيا كبيرا, وآثرنا العودة. وكان ذلك فى أبريل عام 1941.

نقل أنور السادات إلى مكان للخدمة خارج القاهرة, ولكنه تمارض واستبقى نفسه فيها بضعة أيام ونحن على اتصال دائم بعزيز المصرى بأسماء ومواعيد سرية, وقال لى أنور السادات: لابد من عمل ما يمكن عمله لإخراج عزيز المصرى من مصر, وحدد لى عزيز المصرى اليوم والساعة التى ستحلق فيها الطائرة الألمانية فوق جبل رزه لالتقاطه, وأخذت أفكر بعمق كى أصل إلى حل سريع , واهتديت إلى حل, فاتصلت بصديق الكفاح فى مرحلة الدراسة الثانوية. والذى سبق الحديث عنه وهو أخى وصديقى محمد أو المجد التونى شريكى فى تفجير قنابل ( جمعية اليد الخفية) الذى أعد بدوره سيارة كبيرة ذات إطارات متخصصة فى عبور الأراضى التى بها عمق رملى, وذهبت إلى صديق عرفته من خلال لدراسة بالمدارس الحربية يمتاز بالجرأة والشجاعة, وهو الملازم ثانى أحمد مظهر من سلاح الفرسان واجتياز الحواجز , ونال كثيرا من الجوائز, علاوة على أنه سباحا وملاكما, فقصصت عليه الأمر وأخذته إلى عزيز المصرى وعرفتهما ببعضهما, واستمع إلى رغبته فتجاوب معنا بحماس, واتفقنا على أن يقود احمد مظهر السيارة.

وفى هذا اليوم المحدد تسلمنا السيارة من أبى المجد دون أن يرى أحمد مظهر وأبو المجد كليهما, وكان أحمد مظهر قد تعين فى نفس اليوم مراقبا فى امتحانا ت الكلية العسكرية فذهبت أنا إلى رئيس اللجنة وقلت له: إن إحدى قريبات أحمد مظهر قد توفيت فسمح له بالانصراف, واصطحبته إلى حيث ينتظرنا عزيز المصرى فى المكان المتفق عليه, وركبنا ثلاثتنا سيارة النقل, ثم اتجهنا إلى طريق مصر إسكندرية الصحراوى , ما إن أخذنا فى السير فى هذه الطريق مسافة أقل من مسافة الأولى حتى فوجئنا بوجود نقطة حدود هجانة منعتنا من الاستمرار فى مواصلة السير بالرغم من الكشف عن شخصيتنا العسكرية, وطلبت منا تصريحا من مصلحة الحدود, الأمر الذى اضطررنا معه للعودة وسرعة التفكير فى وسيلة أخرى.


محاولات نحو الهــدف

وبعدها قال لى عزيز المصرى كلاما ينوه فيه باستعمال طائرة فقلت له : إن الطائرات التى فى سربى صغيرة, ولا تستطيع الطيران إلا لمسافات قصيرة وتحمل اثنين فقط, والواحد خلف الآخر ثم فكرت فى جس نبض الطيار أول حسين ذو الفقار صبرى أحد طيارى سرب المواصلات والطيارات ماركة( أنسون) حيث تستطيع طائرات هذا السرب الاستمرار فى الجو أربع ساعات وهى حاملة مائة طن وتناقشت معه فى موضعات كثيرة ومنها زيارة عزيز المصرى, وتم اللقاء وخرج من الزيارة مهتما بضرورة مساعدة عزيز المصرى للسفر للخارج .


التنفيـذ :

وفى يوم الخميس 16 من مايو 1941 حضر حسين ذو الفقار بعربة ضابط عظيم المطار, وأخذنى من مكان قريب من منزلى, واتجهنا إلى مكان قريب من فندق فينيواز وأخذنا عزيز المصرى, ودخل ثلاثتنا المطار موزعين واجباتنا كالآتى:

1- يقوم حسين ذو الفقار بإخراج الطائرة إلى مكان التحليق بمساعدة ميكانيكى الطائرة واختبارها, وعليه بعد ذلك إعطاء إشارة لركوب عزيز المصرى وأمتعته وفى تلك الأثناء كان يوجد بقاعدة ألماظة بعض صف الضباط من أفراد البعثة البريطانيى, وتركنا أمر التصرف فيهم لحسين ذو الفقار, إذا حدث أن تدخلوا فى الأمر فعلى حسين ذو الفقار إعطاء إشارة للتصدى لهم حتى ولو أدى الأمر إلى قتالهم . وتم والحمد لله كل شىء بسلام.


أحداث لم تكن فى الحسبان:

وعندما ارتفعت الطائرة اسر حسين ذو الفقار فى أذنى بأن عزيز المصرى طلب منه أن يتجه إلى جبل رزة وليس إلى بيروت التى سبق ان طلب منه دراسة الطريق لها على الخريطة ومنها على العراق لينضم الى حركة (رشيد عالى الكيلانى) ضد الإنجليز, وبعد حوالى عشر دقائق, سمعنا صوت انفجارات وتلاها مباشرة اندلاع النيران فى احد الجناحين, فأسرعت بتقديم مظلة الهبوط إلأى عزيز المصرى للقفز بها من الطائرة, ولكنه أخذها وألقاها بعصبية على أرض الطائرة, فتركته وجلست بسرعة بجوار حسين أراقب محاولة النزول مستعينين بضوء القمر, وهبطنا فوق بستان يوسفى مغمور بالمياه فساعد ذلك على إطفاء النيران, وخففت الأشجار من حدة الارتطام بالأرض ولما حاولنا الخروج من الطائرة وجدنا أنه من الصعب فتح بابها فكسرنا النوافذ وغصنا فى الوحال والمياة حتى منتصف السيقان, إلى أن وصلنا إلى الطريق الزراعى, وعرفنا من بعض الفلاحين الطريق إلى مركز الشرطة, اسم المأمور الذى أعار عزيز المصرى سيارة أوصلتنا من قليوب إلى ميدان الأوبرا, ومنه ركبنا تاكسى إلى إمبابة حيث كان عزيز المصرى يعرف أحد المثالين, وهو الأستاذ عبد القادر رزق, وكان مدرسا بمدرسة الفنون الجميلة, واستضافنا عنده وكانت شقيقته تقوم على خدمتنا.

وبعد مرور يومين أعلن عن مكافأة قدرها ألفا جنيه لمن يرشد عن ثلاثة من الضباط الهاربين, وهم الفريق أركان حرب المتقاعد عزيز المصرى باشا, والطيار أول حسين ذو الفقار, والطيار أول عبد المنعم عبد الرءوف ابو الفضل, وقيل: إننا كنا فى طريقنا إلى ألمانيا, علما بأن الطائرات المصرية لا تستطيع أن توصلنا أكثر من بيروت, وقد كان فى نيتى ونية حسين ذو الفقار العودة إلى مطار ألماظة مباشرة بعد تزويد الطائرة بالوقود, وتحمل أآ جزاء يوقع علينا. تحريات:

فى القوت الذى كان يجرى فيه استجواب بعض من كانت لهم صلة بعزيز المصرى, كانت الشرطة قد يئست من العثور على أثر لنا, ولكن حدثت مفاجأة فبينما كان اليوزباشى شرطة( نقيب) محمد إبراهيم إمام, ساعيا فى البحث عن الأستاذ أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة, الذى كان هاربا ومطلوب القبض عليه , وكان على صلة وثيقة بالأستاذ محمد مرزوق المدرس بمعهد التربية – أدرك محمد إبراهيم إمام أن مراقبة تحركات محمد مرزوق سوف تقوده إلى اقبض على أحمد حسين, فراقبوه مراقبة دقيقة , ووجدوه يتقابل بشخص آخر بطريقة مريبة, ثم راقبوا الشخص الآخر وكان هو المثال عبد القادر رزق, وعرفوا البيت الذى يذهب إليه, وبمراقبة المنزل استنتجوا أن به أحد المطلوب البحث عنهم.


إلقاء القبض والاعتقال:

وفى يوم الجمعة 6 من يونيو عام 1941 بينما كنت أنظر من ثقب فى شيش النافذة المطلة على الشارع العمومى شاهدت رجل مرتديا جلبابا ينظر فى اتجاه البيت والنوافذ, فأسرعت إلى عزيز المصرى وأبلغته أن البيت مراقب, فطلب منا ألا نطلق النيران إذا هوجمنا, وبعد دقيقتين دق جرس الباب, فذهبت شقيقة المثال عبد القادر رزق لاستطلاع الأمر, فرد عليها رجل من خلف الباب يسأل عن الأستاذ عبد القادر رزق, فردت عليه بأنه ذهب للصلاة, فقال لها: خذى هذه البطاقة وأعطيها له, ولما فتحت الباب وضع الرجل قدمه بين ضلفتى الباب, ومنعها من إغلاقه, وبأسرع ما يمكن وجدت شخصا طويلا ممتلىء الجسم فى غرفتنا وقال بصوت هادىء: عزيز المصرى أرجو ان تأمر الضباط ألا يستخدموا طبنجاتهم, فرد عليه عزيز المصرى بأنه أمر بذلك, وكان خلف هذا الشخص شخص آخر فى نفس الشكل والطوال, ولكنه مستعدا لاستعمال السلاح فى أى لحظة. لأن طبنجته كانت مصوبة إلينا, فقمنا بارتداء ملابسنا وذهبنا إلى سجن الأجانب, وهناك وضع كل منا فى حجرة, وسمح لنا بإحضار الطعام من منازلنا, وكانت زوجتى الأولى – رحمها الله – حريصة على إحضار الطعام والملابس وما يلزمنى بنفسها.


المحاكمة:

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف أثناء محاكمته عام 1941

تشكل مجلس عسكرى عال برئاسة اللواء عبد الحميد حافظ باشا, وعضوية اللواء عبد المجيد فؤاد وآخرين, والمدعى العميد عباس حلمى زغلول,

وكانت هيئة الدفاع مكونة من:

- الأستاذ محمد حافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطنى.

- الأستاذ مصطفى الشواربى احد أقطاب الحزب الوطنى.

- الأستاذ فتحى رضوان

- الأستاذ محمد صبيح وآخرين.

ومن الشخصيات التى طلبت للإدلاء بشهادتها الطيارون عبد اللطيف بغدادى, ومحمد مدكور أبو العز من سلاح الطيران المصرى, وقائد كتيبة الكلاب البوليسية بكلية الشرطة النقيب سعيد الألفى, والدكتور سيد شكرى احد أفراد الهلال الأحمر فى بنى غازى, وهو صديق الفريق عزيز المصرى باشا عندما كان قائدا للجيوش التركية فى الحرب العالمية الأولى, والدكتور عبد الغفار الساعى, والأستاذ فتحى رضوان المحامى .

وفى 15 من مارس عام 1942 استدعانا نحن الثلاثة مصطفى النحاس باشا رئيس حزب الوفد المصرى ورئيس الوزراء وقتها إلى جناحه الخاص بفندق مينا هاوس. وبحضور أحمد حمدى سيف النصر باشا وزير الدفاع, والفريق إبراهيم عطا الله رئيس هيئة أركان الجيش المصرى, والضابط العظيم الآمر بتشكيل المجلس العسكرى, الذى تولى محاكمتنا.

وفى هذا الاجتماع , أبلغنا الرئيس مصطفى النحاس باشا نبأ الإفراج عنا فورا اعتبارا من هذا اليوم على أن نكون تحت الرقابة العرفية .

فشلت محاولة هروب الفريق عزيز المصري إلى جبل رزة, ومن ثم , ومن ثم إلى قوات المحور بقيادة الفيلد مارشال روميل فى الصحراء الغربية, وبالتالى نجونا من الموت حرقا, أو التهشم عند الاصطدام بالأرض.

ولم تكبدنا قيادة الجيش قيمة الخسائر المادية التى حدثت بالطرائرة التى سقطت بنا فى بستان اليوسفى, واصطدمها بأعندة وأسلاك الهواتف التى حطمتها الطائرة, إلا أننى عندما أفرج عنى أحسست بتغيير كبير قد حدث فى أسلوب حياتى, فقد نقلت زرجتى أثاث شقتها إلى بيت أبيها, واعتمدت عليه فى مصاريفها, لأن وزارة الدفاع أوقفت صرف مرتبى, ولم يكن فى مقدورها دفع إيجار الشقة ولم تجد من يساعدها ماليا بأى صورة من الصور, وانقطعت زيارة الأصدقاء والأقارب لى خوفا على أنفسهم من عيون جنود التحرى.


انفراج الأزمة:

وفى مارس عام 1942 جاءنى خطاب من وزارة الدفاع لمقابلة احد المسئولين فيها, الذى سلمنى إذن صرف (شيك) بمبلغ من المال قيمة راتبى عن المدة التى قضيتها بعيدا عن الجيش منذ أن ألقى القبض على ثلاثتنا بتاريخ 6 من يونيو عام 1941 حتى تاريخ الإفراج عنا فى مارس 1942. وأريد أن أذكر للقارىء ما حدث لى فى صباح ذلك اليوم قبيل تسلمى الخطاب فقد حدث نقاش بينى وبين زوجتى رحمها الله على النحو التالى:

عبد المنعم: إن البطالة تؤرقنى, والسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة, فما العمل ياربى؟!.

زوجتى: الصبر وعليك السعى بدون كلل لا ملل, هل قرأت الحديث الشريف كعادتك هذا الصباح؟.

عبد المنعم: أخذت اقرأ الحديث بصوت خافت" بسم الله الرحمن الرحيم, لا إله إلا أنت رب العرش العظيم... ما شاء الله كان ولم يشأ لم يكن, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم, أعلم أن الله على كل شىء قدير, وأن الله قد أحاط بكل شىء علما, اللهم إنى أ‘وذ بك من شر نفسى ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم."

فلم أكد أنتهى من قراءة الحديث حتى جاءنى خطاب وزارة الدفاع المشار إليه:


الفصل الثالث : مصادفة حددت الهدف ورسمت الطريق

Ikhwan-logo1.jpg

أثناء جلوسى إلى جوار الموظف المسئول الذى سلمنى إذن الصرف, وقعت عيناى على مجلة تحمل اسم( الإخوان المسلمون) وعلى غلافها شعار مكون من هذه الكلمات: دعوة الحق والقوة والحرية ورسم عليها القرآن الكريم فوق سفين متقاطعين, الأمر الذى دفعنى إلى السؤال عن هذه الجماعة وأين مقرها؟ وكيفية الانضمام إليهم؟ وكم يكون اشتراك العضو؟ ولمذا اختاروا هذه الشعارات؟ وما معنى هذه الشارة ( القرآن فوق سفين)؟.

لم تشف غجابات المسول غلتى, وأحسست برغبة عارمة لزيارة هذه الجماعة وفى مقرها, ومقابلة رئيسها, والتعرف على أفرادها عن كثب.

وحدد لى أحد أيام الثلاثاء للإلتقاء عند مراقب المركز العام للإخوان وإسمه الأستاذ الطوبجى, وذهبت إلى المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين, وسألت عن سكرتير الدار وكنت عنده فى الموعد المحدد, ورأيت مالم أره من قبل فى حياتى, وشاهدت مواقف لم أعهدها من قبل.

فعند مدخل الدار, رأيت شابا قد استقل بركن صغير رص فيه عشرات من الكتب الإسلامية للبيع, ورأيت مجموعة من الشبان منهمكة فى إخراج مقاعد من مخزنها وإزالة ما عليها من أتربة وغبار, وتنظيمها فى صفوف متراصة فى فناء الدار, بينما آخرون كثيرون يتوضئون للصلاة, وكنت لا أسمع إلا أدعية واستغفار وذكرا, ثم أذن مؤذن من فوق سطح الدار لصلاة المغرب, فاقبل ما يزيد على ثلاثمائة مصل, وأدوا الصلاة جماعة, وبعدها جلسوا لسماع حديث الثلاثاء – كما يسمونه – فى إنصات تام, ولا يتخلل هذا الهدوء سوى هتافات قوية – الله أكبر ولله الحمد .. الله غايتنا... والرسول زعيمنا... والقرآن دستورنا.... والجهاد سبيلنا... والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا.

وبعد انتهاء المحاضر من محاضرته بدأت الأسئلة والاستفسارات من المستمعين فأجاب عنها المحاضر دون كلل أو ملل.

وانتهى الدرس الذى كان موضوعه ( ألا إن حزب الله هم الغالبون) وانقض الجمع فى هدوء وسكينة, وبعد انتهاء الدرس أعد بعض الشبان الأرائك والمقاعد إلى مخزنها دون جلبة أو ضوضاء, ونظموها بحيث يسهل إخراجها وتصفيفها مرة ثانية بسرعة عند الحاجة إليها.

وتكررت زياراتى لدار ( جماعة الإخوان المسلمون) مدة شهر مساء كل يوم ثلاثاء وفى كل مرة كنت أزداد إعجابا بما رأيته من روح جماعية, وما سمعته من افكار إسلامية, ومناقشات صريحة ومفيدة. ولم استطع خلال هذا الشهر مقابلة مرشد الجماعة ( فضيلة الشيخ حسن البنا طيب الله ثراه, وذلك لسفره فى جولة عمل بالأقاليم.


العودة إلى العمل:

ثم وصلنى خطاب من قيادة الجيش, أفادنى بأنه تقرر نقلى من القوات الجوية إلى القوات البرية, على أن أقدم نفسى فى الثامنة من صباح يوم 20/5/1942 إلى رئاسة الكتيبة الثالثة بنادق مشاة فى أبى زعبل, وستقلنى مع بعض الزملاء سيارة جيش من تحت الساعة محطة مصر.


الكتيبة الثالثة بنادق شاة:

خدمت فى أبى زعبل, وفيها كل شىء موحش حتى الطقس, فهو قارى شديد القيظ نهارا, وشديد البرودة ليلا, وممازاد من متاعب الأفراد مضاقيات الذباب ولدغات البعوض وكثرة الفئران وانتشار الرمال, والنوم تحت الخيام.

وعيننى قائد الكتيبة قائدا ثانيا لسرية الرئاسة, وكانت تتكون من خمس فصائل هى الحمالات, والسيارات , الهاونات 60 ملليمتر, ومادافع البويز المضادة هى للدبابات, والتعينات من مأكل و مشرب .

ولم أكن أعرف شيئا عن كل هذا ما اضطرنى لن أقضى ساعات العمل اليومى مرتديا بدلة التدريب ( الأفرول) متنقلا بين الفصائل الخمس لمعرفة الكثير عنها وخاصة استخدامها التكتيكى أثناء القتال.

أرسلنى قائد الكتيبة لمدرسة الأسلحة الصغيرة لأتعلم استخدام البندقية الآلية وشاش البرن والتومى جن والقنابل اليدوية.

وخلال سنوات 1943 – 1944 – 1945 تعلمت كثيرا من الفرق الأخرى كقائد الفصيلة, والسرية, والكتيبة المشاة, والمدافع المضادة للدبابات والهاونات الخفيفة 2 رطل و60 مم.

أحسست بثقة فى نفسى كضابط مشاة لما تعلمته وأتعلمه وأتدرب عليه يوميا من دروس عسكرية جديدة, وكان كل شىء يسير فى هذه الكتيبة من حسن إلى أحسن, وإلا أن شيئا واحدا أقض مضجعى وهو إدمان قائد سريتى لشرب الخمر, مثل كثيرين من الطيارين المدنيين, ولعب الميسر, والفرق شايع بين شباب (جماعة الإخوان المسلمين) المستمسكين بمبادىء الدين وقيمة أخلاقه , وبين كثير من الضباط المفرطين فى دينهم!! نسيت أن اقول: إننى فى اليوم الذى ذهبت فيه لتقديم نفسى إلى الكتيبة الثالثة مشاة ودخلت على اركان حرب الكتيبة وقدمت له نفسى, أفهمنى أن عنده خبرا بنقلى, وبدوره قدمنى إلى قائد الكتيبة الذة أخذ يحثنى على أن أعمل فى المشاة بنفس الروح القديمة التى كنت أعمل بها فى الطيران, ثم أمرنى بالانصراف,وعدت إلى مكتب أركان حرب الكتيبة الذى قدم لى نفسه, وأنه الملازم أول جمال عبد الناصر حسين, وبدأت أعمل فى هذه الكتيبة.


مدرسة المشاة:

عينت مدرسا فى مدرسة المشاة لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من 1946, لتدريس فن التكتيك من مستوى جماعة المشاة إلى مستوى كتيبة مشاة وما يلحق بها, وتيعاونها من أسلحة أخرى, كمدافع الماكينة, والمدافع المضادة للطائرات وللدبابات وبطاريات الميدان, والسيارات المدرعة.

وكنت أكثر سعادة لكونى ضابط مشاة مما كنت طيارا, وذلك للأسباب الآتية:

-يتحتم على ضابط المشاة الإلمام التام بجميع خواص الأسلحة البرية والبحرية والجوية ليسهل التعاون معها بسرعة وإتقان.

- مطلوب من ضابط المشاة قوة بندية ليستطلع أرض المعركة قبل بدئهاو قوة اعصاب ليتحمل حجمها.

- أن يكون ضابط المشاة سريع التفكير, حاضر البديهة لأقصى حد, ليستغل نقاط الضعف فى عدوه ويحولها إلى هزيمة نكراء .

- سلاح المشاة هو الذى يحرز النصر فى النهاية.

وفى نفس العام عينتنى رئاسة الجيش ضمن عدة بعثات لمدرسة المشاة البريطانية فى الشرق الأوسط , المتمركزةفى مياءى صور وصيدا اللبنانيين, وعين معى كثير من لضباط من مختلف الرتب والأسلحة , وتدريبات مشتركة بالذخيرة الحية تشمل الضرب مع الحركة للمشاة والدبابات تحت ستار كثيف من نيران الطيران والمدفعية, ولفتح الثغرات فى حقول الألغام, يليها تسليط قاذفات اللهب على المواقع الحصينة واقتحام مواقع العدو وإجراء تعزيز بسرعة ودقة.


تحرشات واستجوابات:

وبينما أنا سعيد بدراستى وفنى الجديد بعد عودتى من البعثة فاجأنى كبير المعلمين العقيد محمود سيف اليزل خليفة بزيارة طالبا منى فتح مكتبى لتفتيشه, ولما لم يجد شيئا أرسلنى موقوفا مع ضابط آخر أقدم منى رتبة إلى ثكنة بمنشية البكرى وقضيت ثلاثة أيام دون أن أعرف السبب لذلك.

وفى اليوم الرابع انضم إلىّ سبعة عشرا فردا بين ضابط وصف ضابط, وكان من بين الضباط العقيد أركان حرب محمد شاد مهنا ( الوصى على العرش بعد انقلاب 1952), والرائد محمد محمد حبيب والملازم اول مصطفى كمال صدقى من المخابرات وسمحوا لنا بالتحدث معا, وعلمت من اللغط أن سبب حجز هذه المجموعة هو وصول منشورات انتقاديه إلى رئاسة الجيش, تحض بالذكر رئيس هيئة أركان حرب الجيش وقتئذ محمد إبراهيم عطا الله باشا. ولما لم تعرف رئاسة الجيش المسئولين عن هذه المنشورات أخلت سبيلنا, وعدنا إلى وحداتنا.


الفصل الرابع : اللقاء مع حسن البنا

المركز العام بالحلمية

فى أواخر شهر مايو عام 1942 أبلغنى الأستاذ الطوبجى مراقب المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين أن فضيلة المرشد العام الشيخ حسن البنا عاد من رحلته فى الأقاليم, وسيلقى حديث الثلاثاء وفى إمكانى اللقاء به.

ذهبت إلى المركز العام, وأدخلنى الأخ الطوبجى غرفة فضيلة المرشد فوجدته ومعه رجلان, هما المرحوم الصاغ محمود لبيب , والدكتور مهندس حسين كمال الدين .

استقبلنى الثلاثة بحرارة واستفسروا عن صحة الفريق أركان حرب عزيز المصرى باشا, وسألونى عن الأسباب الحقيقية لاندلاع النيران فى جناح الطائرة, فأجبتهم بما أعرف فى اختصار, ثم قلت لهم: " لو أن الروح الإخوانية التى لاحظتها فى دروس الثلاثاء تسود الجيش المصرى لعاد ذلك عليه بالخير الكثير, وأ، أول شىء يجب البدء فيه هو تكوين مجموعة من الضباط تعتنق مبادىء جماعة الإخوان المسلمين, وهى الحق والقوة والحرية , لتكون نواة تنب منها خلايا تعم كل وحدات الجيش". الانضمام إلى الإخوان:

استحس فضيلة المرشد العام الشيخ حسن البنا ذلك الكلام وقال لى:إن إخاك الصاغ محمود لبيب سيعينك على تحقيق هذه الفكرة, وسيكون المشرف على تكوين هذه المجموهة, وتمنى لنا التوفيق.


من هو الصاغ محمود لبيب:

كان الصاغ محمود لبيب ضابطا بالجيش المصرى عام 1914, وكان يخدم فى سلاح الهجانة بميناء السلوم بالصحراء الغربية, على شاطىء البحر الأبيض المتوسطمع الملازم صالح حرب, الذى اصبح فيما بعد وزيرا للدفاع فى مصر 1936, وأنهما عندما علما بنبأ إعلان الإنجليز الحماية على مصر عام 1914 وخلع الإنجليز للخديو عباس حلمى ثارت نفسيهما على الاحتلال البريطانى وصمما على عمل شىء لإنقاذ مصر, وكانت مصر وقتذاك تابعة لدولة الخلافة العثمانية الإسلامية,ومحتلة فعلا بالقوات البريطانية منذ عام 1882.

وكان السنسيون فى ليبيا يقاتلون الإيطاليين الذين استطاعوا أن يحتلوا شواطىء ليبيا عام 1911, فتصدى لهم السنوسيون. وكانت الدول العثمانية تمد السنوسيين بالأسلحة والأموال والمؤن والعتاد الحربى والصباط التراك عن طريق الغراصات الألمانية, وكانت تركيا دولة الخلافة حليفة لألمانيا فى الحرب العالمية الأولى 1914 – 1981.

واتفق السنوسيون بزعامة السنوسى زعيم ليبيا مع الأتراك على مهاجمة مصر فى الغرب أثناء زحف القوات التركية من الشرق على مصر عبر فلسطين وسيناء. نخابر الصاغ محمود لبيب وصالح حرب ومن معهما من الضباط المصريين مع السنوسى واتفقوا على أن ينضموا بقوات مصرية للسنوسى, ويشتركوا معه فى الهجوم على مصر عن طريق ساحل البحر الأبيض المتوسط والواحات.

وفعلا انضم الصاغمحمود لبيب بقواتهما للسنوسى وشنوا الحملة المعروفة فى التاريخ بالحملة اسنوسية على مصر 1915, ولكنها منيت بالفشل , وبع أن فشلت الحملة سافر الصاغ محمود لبيب فو غواصة ألمانية إلأى استانبول عاصمة دولة الخلافة العثمانية الإسلامية, وبقى هناك إلى أن سقطت الخلافة العثمانية وأعلن مصطفى كمال أتاتورك تخلى تركيا عن زعامة العالم الإسلامى , فهاجر الصاغ محمود لبيب من تركيا إلى ألمانيا, وظل هناك إلى أن صدر عفو عام سنة 1924 عن كل المنفيين والمسجونين السياسيين, وعاد محمود لبيب إلى مصر وعين بوظيفة ضابط بمصلحة خفر السواحل, ولكنه اختلف مع عقل باشا مدير مصلحة خفر السواحل, فطلب تسوية حالته فأحيل إلى المعاش برتبة صاغ.

والتقى الصاغ محمود لبيب بالأستاذ الشيخ حسن البنا حيث كان الإمام البنا يخطب فى أحد المساجد بالقاهرة وقال له:

إننى صاحب فكرة وقد جاهدت فى سبيلها, وإنى مستريح لفهمك للإسلام وطريقتك فى نشر هذه الدعوة وأريد أن أعمل معك فى هذا المجال, وقص عليه قصته.

فرحب الشيخ حسن البنا بالصاغ محمود لبيب, وصارا يعملان معا فى حقل الدعوة الإسلامية إلى أن أصبح الصاغ محمود لبيب وكيلا لجماعة الإخوان المسلمين.


تكوين الخلية الولى لضباط الإخوان المسلمين :

استطعت فى شهر اكتوبر عام 1942 ان أدعو ضابطا من الكتيبة الثالثة لحضور درس الثلاثاء بدار المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين, وهو النقيب جمال عبد الناصر حسين, ثم اتبعته بضابط ثان وهو الملازم أول حسين أحمد حمودة الذى نقل على قوة الكتيبة, ثم دعوت ضابطا ثالثا هو الملازم كمال الدين حسين من سلاح المدفعية, وكان منزله قريبا منمنزلى بحى السيدة زينب, وكثيرا ما تجاذبنا أطراف الحديث أثناء ركوبنا ( الترام) صباحا متوجهين إلى وحدتنا. ثم دعا الملازم أول حسين أحمد حمودة ضابطين أولهما شقيق زوجته الملازم أول سعد توفيق من سلاح الإشارة( توفى إلى رحمة الله عام 1962), وثانيهما الملازم أول صلاح الدين خليفة زميلا له من سلاح الفرسان هو الملازم أول خالد محيى الدين , واكتمل عددنا سبعة عام 1944, وواظبنا على اللقاء أسبوعيا فى بيت هذا مرة, وفى منزل ذاك مرة أخرى, وهكذا, ولم يتغيب الصاغ محمود لبيب عن هذا اللقاءات إلا فى النادر.

وكانت احاديثنا فى هذه اللقاءات تتناول ضعف عتاد الجيش وتصرفات الملك فاروق الخليعة, وحوادث الصهاينة المتصاعدة ضد الفلسطنيين, وتكالب الأحزاب على الحكم, وكيفية تقوية خلايانا داخل صفوف الجيش.


تنظيمات:

واتفقنا على دفع اشتراك شهرى قدره خمسون قرشا, وتكوين مكتبة إسلامية للضباط الإخوان, وكانت أمانة الصندوق طرف الصاغ محمود لبيب, وكان المسئول عن المكتبة الملازم أول حسين حمودة وكنا كلما حل مساء الثلاثاء التقينا لنستمع إلى رأى الإخوان المسلمين فى مشكلات الساعة داخليا وخارجيا, أو نستمع إلى محاضرة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية بين هتافات الإخوان التى تهز وجدان كل مسلم. وكنا حريصين على أن يكون ذهابنا إلى درس الثلاثاء, وجلوسنا وعودتنا متفرقين, اتقاء لعيون المخابرات.

وازداد عدد خلايانا فى أسلحة الجيش, فمن سلاح الطيران انضم إلى تنظيمنا الطياران حسن إبراهيم مصطفى ومصطفى بهجت, ومن سلاح خدمة الجيش المرحوم معروف الحضرى وعبد الرحمن محمد أمين ومجدى حسنين وإبراهيم الطحاوى, ومن المشاة فؤاد جاسر وجمال ربيع وأحمد حمدى عبيد ومحمد امين هويدى. ومحمد كمال محجوب ووجيه خليل, ومن مدافع الماكينة وحيد جودة رمضان. الجهاد ضد الإحتلال.

وفى سنة 1946 بدأت مظاهرات الطلبة تطالب بالجلاء ووحدة وادى النيل واحتك المتظاهرون بقوات الاحتلال التى أخذت تصليهم وابلا من الرصاص دون شفقة ولا رحمة, وكنا نحن الضابط السبعة فى حالة غليان شديد ضد المحتلين الإنجليز فطالبنا الصاغ محمود لبيب بضرورة تنظيم سباب الإخوان المسلمين تنظيما عسكريا وتدريبهم على استعمال السلحة وحرب العصابات, فقال لنا المرحوم الصاغ محمود لبيب:

إذا أردتم أن تسهموا معنا بجهودكم فى هذا السبيل فلابد من أخذ عهد وميثاق وقسم على هذا. فوافقنا وأبدينا استعدادنا جميعا.


بيعة وقســم

استدعانى وصلاح خليفة الصاغ محمود لبيب, وعرفنا بالمرحوم عبد الرحمن السندى الذى شرح لنا متى وكيف سيتم أخذ العهد وحلف اليمين, وقد تم ذلك على النحو الآتى:

ذهبنا نحن السبعة فى ليلة من أوائل عام 1946 إلى المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين بالملابس المدنية حسب اتفاق سابق , وبعد أن تكامل عددنا قادنا صلاح خليفة إلى منزل فى حى الصليبة بجوار سبيل أم عباس, حيث صعدنا إلى الطابق الأول فوق الأرض, ونقر صلاح خليفة على الباب نقرة مخصوصة وسألأ: الحاج موجود؟

وكانت هذه هى كلمة السر ففتح الباب, ودخلنا حجرة ذات ضوء خافت جدا مفروشة بالحصير, وفيها مكتب موضوع على الأرض ليست له ارجل, فجلسنا على الحصيرو ثم قادنا صلاح واحدا بعد الآخر لأخذ العهد وحلف اليمين فى حجرة مظلمة تماما, يجلس بها رجل مغطى بملاءة فلا تعرف شخصيته, وكان سؤال الشخص المتخفى الذى يأخذ العهد:

هل أنت مستعد للتضحية بنفسك فى سبيل الدعوة الإسلامية؟

فكان الجواب من كل منا: نعم.

فقال : امدد يدك لتبايعنى على كتاب الله وعلى المسدس.

ثم قال الرجل المتخفى: إن من يفشى سرنا ليس له سوى جزاء واحد وهو جزاء الخيانة.

وبعد أن أعطى كل منا البيعة, عدنا إلى الحجرة الولى ذات الضوء الخافت فوجدنا شخصا عرفنا بنفسه, وذكر أن اسمه عبد الرحمن السندى, وقال : إنه يرأس النظام الخاص للإخوان المسلمين, وهو تنظيم سرى مسلح يضم رجالا باعوا أنفسهم لله وكلهم مستعدون للموت فى سبيل الحق والحرية.

وكان الذين بايعوا على فداء الدعوة الإسلامية فى هذه الليلة حب الأقدمية فى كشوف الجيش:

1- النقيب عبد المنعم عبد الرءوف من الكتيبة الثالثة مشاة( طيار سابق)

2-النقيب جمال عبد الناصر حسين من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة, ورئيس الجمهورية فيما بعد.

3-الملازم أول كمال الدين حسين من سلاح المدفعية وعضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 فيما بعد.

4-الملازم اول سعد حسن توفيق( توفى إلى رحمة الله عام 1963).

5-الملازم اول خالد محيى الدين من سلاح الفرسان وعضو مجلس قيادة الثورة. فيما بعد ورئيس حزب التجمع الوحدوى الآن.

6-الملازم اول حسين محمد أحمد حمودة من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة.

7- الملازم أول صلاح الدين خليفة من سلاح الفرسان وهو يعمل الان مديرا لشئون العاملين بمحافظة الجيزة.


وسائل وتدريبات:

1-ترجم لنا أحمد الإخوان الضالعين فى الغة الإنجليزية كتيبا عن تنظيمات رجال حرب العصابات والدروس الواجب معرفتها, وقد حصلت على هذا الكتيب من أحد ضباط الكتيبة الهندية التى دربت فيها فى مدرسة الشرق الأوسط البريطانية فى لبنان.

2-اخترنا سطح احد المنازل المملوكة لحد الإخوان بعيدا عن العيون والأرصاد, لالقاء المحاضرات.

3-أعددنا ( تختة رمل) وجميع لوازمها من رمال وهياكل للجنود والسيارات والدبابات والطائرات ومبان وأ‘مدة وبيارق لشرح المسائل التكتيكية.

4-وزعنا المحاضرات علينا نحن السبعة والإخوان المدنيين فى النظام الخاص. قضيت عام 1946و1947 وبضعة أشهر من 1948 فى التدريس للضباط والصف ضباط نهارا وليلا ولمنتظمين من جماعة الإخوان المسلمين من مختلف الأعمار, وكان إقبالالإخوان المسلمين على خفظ واستيعاب المحاضرات عظيما. وظهر ذكاؤهم فى أثناء الإجابة عن أسئلة المشروعات التكتيكية واضحا.

وقد بذلنا نحن السبعة ( جماعة الإخوان الضباط) ومن انضم إلى خلايانا بعد ذلك جهودا كبيرة فى تدريب الإخوان.


كتائب المتطوعين:

وكان كلما اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين وقد حددوه بيوم 15 من مايو 1948 اشتد القتال ضراوة بين أشقائنا الفلسطنيين وبين العدو الصهيونى , واجتاحت المظاهرات جميع أقطار العالم العربى تطالب حكوماتها بالتطوع والسفر للجهاد فى فلسطين, وتحول مكتب الدكتور حسين كمال الدين فى دار الإخوان إلأى خلية نحل.

وتشكلت الكتيبة الأولى من متطوعى الإخوان المسلمين .

الفصل الخامس : سفر متطوعى الإخوان المسلمين إلى فلسطين

إحدي فصائل الإخوان المسلمين المتطوعين في حرب فلسطين بقيادة الملازم أول معروف الحضرى

فى الفترة 25/4/ 1948, 5/5/1948 تم تدريب وتنظيم كتيبة معظمها من متطوعى جماعة الإخوان المسلمين وفى معسكر هاكستيب, بلغ عددهم 280 مجاهدا وأشرف على تدريبهم المقدم أركان حرب حسين احمد مصطفى والرائد أركان حرب على لخضاوى, والملازمون أحمد رأفت بسيونى وأبو بكر المنزلاوى وحسن زكى عليش وغيرهم.

وشمل التدريب السلحة الصغيرة, وطرق النسف والتدمير وضرب النار واختراق الضاحية والمصارعة اليابانية.

أما الضباط الإخوان المتطوعون المدنيون قادة السرايا فكانوا الأخ أحمد حجازى من إخوان القاهرة شعبة العباسية, والأخ أحمد لبيب الترجمان من إخوان القاهرة شعبة الخليفة, والأخ نظيف عبد الحميد من إخوان القاهرة شعبة السيدة زينب والأخ إسماعيل الفرماوى قائد فصيلة النسف والتدمير من شعبة العباسية والأخ محمد نور الدين قائد فصيلة البويز ( مضاد للدبابات) والأخ مصطفى جاد من الإسكندرية من جماعة مصر الفتاة.

كما تم تدريب مجموعة على استعمال اللاسكلى وتليفونات البذر.

وفى منتصف شهر ماس 1948 وصلت كتيبة من إخواننا الليبيين والمراكشيين والتونسيين والجزائريين إلى معسكر هاكستيب بعد تدريبهم فى معسكر أقيم فى مرسى مطروح فى صحراء مصر الغربية, وبعد وصولها تولى قيادتها ضباط مصريون ممن تطوعوا للجهاد فى فلسطين بعد أن قدموا للإحالة إلى الإستيداع وكنت واحدا منهم.

وقد أرسلت الخطاب التالى لقائد مدرسة المشاة وتسلم منى أصل الخطاب النقيب عبد الرءوف نافع بتاريخ 27/4/1948.

صورة خطاب التطوع:

صاحب العزة قائد مدرسة المشاة

حضرة أركان حرب المدرسة

حيث إنه تقرر اشتراك بعض وحدات الجيش المصرى فى القتال بفلسطين القريب العاجل فأرجو من عزتكم الاتصال بالجهات الرسمية لنقلى لإحدى هذه الوحدات ليكون لى شرف الجهاد لتحرير فلسطين. وتفضلوا بقبول الاحترام.

التاريخ 27/ 4/1948

يوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف

مدرسة المشاة

تسلمت الأصل

27/4/1948

توقيع

وقد سمح لى بالتطوع والسفر مع كتيبة المقدم أحمد عبد العزيز, إلا أنه قد تأخر سفرى معها بضعة أيام بسبب مرض المرحومة والدتى, وقد تمكنت من اللحاق بالكتيبة بعد ايام قليلة. وكان ضباط هذه الكتيبة حسب أقديمتهم وأسلحتهم كالآتى:

مقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز من سلاح الخيالة.

مقدم مهندس أركان حرب محمد زكريا الوردانى الأشغال الهندسية.

نقيب عبد المنعم عبد الرءوف من مدرسة المشاة .

م. أول كمال الدين حسين مدفعية هاوتزر 23 رطل.

م. أول حسين فهمى عبد المجيد م/د2 رطل.

م. أول مصطفى كمال صدقى المخابرات.

م. أول معروف احمد الحضرى الإمداد والتموين.

م. أول خالد فوزى من سلاح المدفعية.

م. أول حمدى واصف الإمداد والتموين.

طبيب جراح دكتور محمد حسين غراب.


السفر من العريش إلى خان يونس:

حضر إلى العريش الإخوة الشيخ محمد فرغلى عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين, ( أعدمه جمال عبد الناصر عام 1954) والصاغ محمود لبيب قائد عام جوالة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد, الأستاذ محمود عبده قائد متطوعى الإخوان المسلمين فى بير سبع.

ونصحوا المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز بأن تدخل الكتيبتان فلسطين عند الحدود عبر السكة الحديد مطفئين أنوار السيارات, حتى لا تشعر القوات الإنجليزية بهم فتعرض قوات المتطوعين, وتم تنفيذ العبور مجهود شاق وصمت تام عبر رفح المصرية الفلسطينية, ثم انطلقت قواتنا المحملة بالسيارات متجهة صوب خان يونس, التى وصلناها ليلا, واستقبلنا بحفاوة من هيئة التدريس والسيد الناظر الأستاذ سامى أبو شعبان الذى قدم لنا كل مساعدة ممكنة.

وكثنا يومين فى جمع المعلومات عن العدو بمعاونة شيخ العرب مصطفى أبو مدين.


الاصطدام الأول وأول شهيد :

فى 9/5/1948 أبلغنا الخ الفلسطينى المجاهد عبد الله أبو مدين عن نشاط مصفحات العدو الصهيونى حول خان يونس.

فأمر المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز بتدميرها, وعين طاقما مكونا من خمس بنادق بويز التى تحركت تحت قيادة الأخ فتحى الخولى من لإخوان القاهرة شعبة القلعة, اصطدمت بالمصفحات اليهودية, وعند إطلاق نيرانها لم تحدث أى تأثير فى مصفحات العدو, وأطلق العدو نيرانه فاستشهد القائد الأخ فتحى الخولى, وشعيت جنازته فى خان يونس, وأبلغنى أحد إخوان الشهيد الذين رافقوه أنه سمع الشعيد يتمتم بصوت مهموس – هبى يا رياح الجنة.


معركة كيفار ديروم أو خان يونس :

فى فجر 14 / 5/ 1948 أراد المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز مهاجمة مستعمرة كيفار ديروم والتخلص منها نهائيا فكلفنى باستكشافها وتقديم تقرير بذلك.


وصف المستعمرة:

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف أثناء حرب فلسطين

تقع كيفار ديروم على قطعة أرض زراعية مسطحة مساحتها 200× 150 مترا مربعا شرق سكة حديد رفح غزة, وكذلك شرق الطريق الزراعى الذى بينهما والمسافة بين هذين الطريقين والمستعمرة حوالى 800 يوجد خزائن للماية وثكنتان للجنود من ثلاثة طوابق.

وفى المستعمرة خنادق مواصلات تربط جميع أجزاء المستعمرة وفى منتصف المسافة مابين المستعمرة يوجد واد طويل يربط غرب المستعمرة بشرقها وتوصل إلى مستعمرات يهودية أخرى, ويمكن التقدم فى هذا الوادى حتى الوصول لمسافة 100 ياردة من قوات العدو ومنع أى إمدادات تأتى للعدو من مستعمرات أخرى.

ويوجد حول المستعمرة ثلاثة احزمة اسلاك شائكة.

واشتمل التقرير على خطتين ليختار إحداهما:

الخطة الأولى: حصار مستعمرة كيفار ديروم ومنع أى إمدادات تصل إليها أو تخرج منها حتى نضطرها للتسليم.

الخطة الثانية: اقتحام واحتلال مستعمرة كيفارديروم.

واختار المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز الخطة الثانية, وأثناء الاقتحام استشهد ثمانية وأربعون متطوعا, وذلك للأسباب الآتية:

1-سوء التدريب على جميع المستويات.

2-ضعف تأثير مدفعيتنا الهاوتزر والهاونات والمدافع 2 رطل على دشم أومدرعات العدو الإسرائيلى.

3-تفوق العدو الإسرائيلى على قواتنا فى حرب العصابات , وتمسكنا بالعمليات الحربية النظامية.

وعندما مرت قوات الجيش المصرى على الطريق الزراعى القريب من مستعمرة كيفاديروم صبت عليها فصيلو الهاون 3 رطل بقيادة محمد على عبد الكريم نيرانا مركزة بامر من قائد الكتيبة المقدمة العقيد أركان حرب سيد طه ( الضبع الأسود) ولكن المستعمرة لم تستسلم لصلابة دشم العدو.

وبنظرة فاحصة لضباط كتيبة المتطوعين يتضح أن أغلبهم من أسلحة معاونة وليس منهم من درس كطالب بمدرسة المشاة حيث تلقى احدث أساليب الحرب العالمية الثانية, كالإعداد لمهاجمة وتدمير الدشم الحصينة وقتال المنازل, وتطهير القرى والتسلل ليلا ونهارا.

أصدر المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز أمرا بسحب وإنقاذ المصابين حول مواقع العدو, ونقل جثث الشهداء, فتحركت بفصيلتين بقيادة الملازم أول معروف الحضرى,والأخ حسن الجمل قائد جماعة الهاون وهو من متطوعى الإخوان المسلمين ومن إخوان القاهرة شعبة منيل الروضة, واستطعنا بتوفيق الله وعونه سحب عدد كبير من المصابين وعدد قليل من الشهداء, وكان الطبيب المعالج والمشرف على تضميد جراح المصابين النقيب الجراح الأخ الطبيب محمد حسين غراب, رحمه الله , الذى أنشأ نقطة إسعاف فى أول الخور تحت سقف السكة الحديد.

وقد حدث أثناء سيرى فى الوادى للإشراف على عملية سحب الجرحى للخلف, أن سمعت صوتا يصم الآذان, صحبة وهج شديد بهر نظرى فالتفت مناديا حارسى, فسمعت أنينا وتوجعا, فرجعت إلى الخلف قليلا فوجدت حارسى الجندى المتطوع الفونس جيد فانوس من القاهرة ملقى على الأرض وقد تمزقت قدمه بسبب انفجار لغم, فأسرعت لنقطة الإسعاف وأحضرت الطبيب ليعمل له الإسعافات اللازمة .

لم يتم الاستيلاء على مستعمرة كيفار ديروم, ولكن تم سحب جميع المصابين وكان من بينهم الملازم أول معروف الحضرى, الذى أصيب بعدة طلقات نارية فى رقبته وكنفه من الأمام, كما أصيب الملازم أول كمال الدين حسين قائد مدفعية الهاوتزر من اثر دانة فاسدة على بعد ياردة, وتم ترحيل الضابطين, وباقى المصابين من الإخوان المسلمين إلى مستشفى غزة.

وبعد أسبوعين عاد الينا الملازم اول كمال الدين حسين لاستئناف القتال, أما الضابط معروف أحمد الحضرى فقد تم ترحيله إلى القاهرة حيث استغرق علاج جراحه حوالى شهرين عاد بعدها للقتال مع المتطوعين الفدائيين فى بيت لحم.

وفى اثناء وجودنا فى معسكر النصيرات قرر المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز تنفيذ الخطة الأولى التى سبق أن عرضتها عليه, وهى عملية حصار المستعمرة(كيفاديروم) ومنع وصول أى إمدادات إليها.

وأثناء حصارنا للمستعمرة شوهد شخص يخرج من شمال المستعمرة مرتديا ملابس بدوية, وبالقبض عليه واستجوابه اتضح أنه يجيد اللغة العربية ويشبه اليهود اليمنين, فجىء له بجهاز لاسلكى, والتقط لقواتنا إشارة فهمنا منها أن نجدة ستصل إلى المستعمرة حوالى الساعة الحادية والعشرين صباح اليوم التالى, فأمر المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز بالاستيلاء على القافلة فتحركت مجموعتان من الإخوان المسلمين ومدفعان 2 رطل, بقيادة الملازم أول حسن فهمى عبد المجيد , الذى صوب قذيفتين على عجلتى الونش الأمامي فتعطل الونش وتعطلت القافلة. وقفز جميع الراكبين اليهود محاولين الفرار إلأى المستعمرة ولكن قوبلوا بنيران الحامية وأبيدوا عن آخرهم وتم سحب جميع العربات المصفحة والونش إلى معسكر النصيرات ومن هذا المعسكر تحركنا إلى معسكر البريج بغزة, وهناك تم توزيع الفدائيين إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول بقيادة المقدم أركان حرب محمد زكريا الوردانى ومعه النقيب عبد المنهم عبد الرءوف, فاختار المقدم أركان حرب محمد زكريا الوردانى موقع القيادة لنفسه فى العوجة وأرسلنى لاحتلال العصلوج, واستخدامها قاعدة للقيام بعمليات فدائية ضد مستعمرات العدو وطرق تموينه, وكان عدد قواتى فى العصلوج 74 متطوعا منهم 20 جزائريا و19 ليبيا والباقى من متطوعى الإخوان المسلمين.

وكان من بين هذا العدد طباخان وخبازان وسائقان, ولم يكن فى هذا العدد أى ضابط مسئول آخر, ولم يكن لدينا أى مدفع مضاد للدبابات والمصفحات والدشم الحصينة.

أما الاتجاه الثانى فكان بقيادة المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز ومعه جميع ضباط الجيش المتطوعين وهم ملازم أول كمال الدين حسين وملازم أول خالد فوزى والاثنان من مدفعية الهاوتزر والملازم أول حسن فهمى عبد المجيد والملازم أول حمدى واصف للشئون الإدارية, ومصطفى كمال صادق للمخابرات.

ومن ضباط متطوعى الإخوان المسلمين الأخ حسين أحمد حجازى والأخ أحمد لبيب الترجمان, والأخ قطنى عبد الحميد والأخ محمد كمال عامر والأخ مصطفى جاد, وقد تحركوا جميعا إلأى بير سبع. وهناك عهد إلى المجاهد الكبير الأستاذ محمود عبده قيادة الإخوان, والقيام بأعمال حرب عصابات ضد العدو فى منطقة بير سبع وما حولها, وواصل المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز السير إلى بيت لحم ولحقه معروف الحضرى وكانت معه جميع مدافع الهاوتزر وعددها أربعة, وجميع المدافع المضادة للدبابات وتمركزوا جميعا هناك.


معركة العصلوج:

تقع قرية العصلوج ( نسبة إلى بئر العصلوج) فى وسط صحراء النقب الجنوبى, ويؤم هذه البئر رعاة الأغنام وافبل للشرب وملء القرب والفناطيس, وهى غير آهلة بالسكان مع وجود مسجد صغير بمئذنة, وكل ما عدا ذلك تلال وجبال ورمال وبقايا ثكنات الانتداب البريطانى .

وتأتى أهمية هذه القرية من بئر المياة, والطريق البرى الذى يمتد فى وسطها إلى بير سبع, والخليل والقدسى ونابلس وصفد حتى الناقورة, ويمتد منها غربا وادى غزة حتى البحر الأبيض لمتوسط وشرقا إلى وادى الأردن, ولذلك فهى تمثل موقعا استراتيجيا هاما.

وكان موقع قواتى فى العصلوج يبعد خمسين كيلومترا عن العوجة على الحدود المصرية, حيث موقع المقدم أركان حرب ( زكريا الوردانى القائد الثانى الحدود المصرية, حيث موقع المقدم أركان حرب زكريا الوردانى القائد الثانى للمتطوعين, وكل ما كان معه إسعاف واحدة وبعض الجنود للصيانة ولوريان لنقل التموين والميا كل أسبوع لنا, وليس معه أى قوات مقاتلة, كما تبعد العصلوج 65 كيلو مترا عن ميناء غزة, وتبعد أيضا عن مدينة بير سبع مسافة 25 كيلو مترا وعن مدينة بيت لحم حيث توجد القيادة العليا للمتطوعين بقيادة المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز مسافة 120 كيلوا مترا, ولم تكن لدى قواتى اجهزة اتصال لاسكية بينى وبين القيادات العليا فى بيت لحم, وبمجرد وصولى فى 10/5/1948 إلى منطقة العصلوج قمت باحتلال موقع دفاعى وإجراء استكشاف فى جميع الاتجاهات لمعرفة المستعمرات اليهودية القريبة وطرق الاقتراب للعدو. وخرجت من هذا الاستكشاف بوجود أربع مستعمرات معادية,وكثرة الحركة حولها, وتفوق العدو فى المصفحات والأفراد وسهولة إمداداته وتموينه.

أما قواتى فلم يكن لديها مدفعية مضادة للدبابات أو الطائرات أو مدفعية ميدان, وكانت حاجتى للألغام سواء المضادة للأفراد او الدبابات ملحة, والمتيسر قليل جدا.

وواجتنى صعوبة كبيرة فى أعمال الصيانة وتوفير المواد التموينية, ولذلك قمت بإرسال 6 تقارير كتابية إلى المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز عن طريق القائد الثانى الموجود بالعوجة, وكان كل ما وصلنى من القيادة النقيب حسن فهمى عبد المجيد, الذى حضر ومعه مدفعان للدبابات, وهما كل مالدى قيادة المتطوعين, وأمضى معى أربع ساعات فى استكشاف الطرق المحيطة بنا وشاهد بنفسه سير مصفحات العدو. وعاد القيادة فى بيت لحم ومعه المفدعان.

وفى أحد الأيام جاءنى رجل بدوى فلسطينى اسمه عقيل ومعه أربعة ألغام مضادة للمصفحات, وابلغنى انه وجدها مبثوثة فى الرمال التى جرفتها الرياح عن الطريق القادم من العوجة, وقد تمكن من إبطال مفعولها, فشكرته ووعدنى بأن يبذل كل ما فى وسعه لمساعدتى.


مع قائد سلاح الحدود:

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف أثناء مناورة على حدود فلسطين

وكنت أعلم مسبقا أن قائد سلاح الحدود أحمد سالم باشا, ومعه المقدم أركان حرب محمود رياض ( الأمين العام لجامعة الدول العربية فيما بعد) سيمران بى فى اليةم التالى فأخبرتهما بقصة ذلك الأعرابى فرغبا فى زيارته, وأعطانى محمود رياض مبلغا من أمال لكى أعطيه لذلك الأعرابى , وقمت بشؤح جميع جوانب موقفى العسكرى واحتياجات قواتى الضرورية, وقد وعدانى بإبلاغ ذلك إلى القيادة. وكانت خطتى لمقاتلة العدو والدفاع عن العصلوج كالآتى:

أ-كمائن ليلية ضد دبابات ومصفحات ومشاة العدو.

ب- نقطة ملاحظة للإبلاغ عن تحركات العدو أولا بأول لمعرفة نواياه.

جـ-احتلال الموقع الحيوى فى العصلوج المشرف على الطريق البرى شمالا إلى بير سبع وجنوبا إلى العوجة.

د- احتلال مئذنة مسجد العصلوج بحملة القنابل اليدوية للضرب على اية تجمعات للعدو تنجح فى التسلل إلى العصلوج.

وفى أحد اليام من شهر مايو 1948 فوجئت بوصول سيارة من قيادة المتطوعين تحمل إمرا بإرسال المتطوعين الجزائريين وعددهم عشرون جنديا إلى مقر قيادة المقدم أركان حرب احمد عبد العزيز, وبمجرد تنفيذى لهذا الأمر طلب منى الجنود الليبيون اللحاق بإخوانهم الجزائريين بحجة أن احتمال مقاتلة العدو اليهودى هناك فى بيت لحم اكثر مما هو فى العصلوج. فكان ردى أن مقاتلة العدو هنا او هناك قد تحدث فى أى لحظة, وأن حاجتى إليهم الآن خصوصا بعد سفر الجنود الجزائريين هى بالتأكيد أكثر ضرورة, وأن أجرهم عند الله سيكون أكبر , نظرا لقسوة الحياة فى العصلوج.

ولكن نصائحى لم تلقى عندهم آذانا مصغية وامتنعوا عن الإشتراك معنا فى أى شىء بما فيه أداء واجبهم فى خطة الدفاع وهو اختلال الموقع الحيوى للدفاع عن العصلوج.


اشتباك واستشهاد :

وفى الساعة الثامنة من مساء يوم 11/6/ 1948, وهو يوم الهدنة الأولى, عدت من المرور على الكمائن فسمعت أصوات انفجارات, وأصوات رشاشات وجاءنى احد المراقبين من المئذنة وأخبرنى ان هذه النيران هى من مواقع كمائننا, وتلاه آخر من أحد الكمائن يؤيد ذلك فتيقنت أن المعركة مع العدو قد آذنت, وبعد عدة ساعات اشتبكت قواتى القليلة العدد بقواته الكثيرة العدد والعتاد وقد شاهدت بنفسى استشهاد الجنود الليبيين عندما اطلق عليهم المتسللون النار من الخلف. كما شاهدت عشرات القتلى من العدو الذين لقوا مصرعهم من اثر القنابل التى قذفت عليهم من المئذنة, وكان آخر موقع انتقلت إليه أثناء المعركة هو بقايا جدران غرفتين من ثكنات الجيش البريطانى, وقد حدث أثناء وجودى داخل إحدى الغرفتين أن دخل احد جنود العدو ليفتش المكان, فألقى قنبلة يدوية أثارت بعد انفجارها سحابة من الدخان, وبالتالى أخفتنى ومعى جنديان أحدهما يدعى محمد منصور من متطوعى الإخوان المسلمين شعبة العباسية. وبعد انفجار الفنبلة دخل اليهودى وفتش الغرفة الأولى بإطلاق طلقات سريعة فى كل اتجاه من رشاشه, ثم خرج وسمعته يعيد تعمير رشاشه ويتكلم مع بعض زملائه.

وقد بزغ الفجر حينئذ قرأيت أشرء لقتلى للعدو تحت المئذنة, ورأينا جنود العدو يخلون المكان ويحملون جرحاهم فى سيارات الإسعاف, ةرأينا عشرات العربات المعادية تملأ أرض العصلوج.

وقد استشهد ثلاثة من قواتى التى كانت بالمئذنة وهم:

الأخ عبد الوهاب البتانونى من إخوان طنطا

الأخ محمد زكى من إخوان حلوا

والأخ محمود حامد ماهر من إخوان القاهرة.


الانسحاب من العصلوج

من بقايا ىخر موقع انتقلت إليه حددت طريق الانسحاب للجنديين اللذين كانا معى, وهو التحرك على وثبتين, الوثبة ألولى على مسافة 200 ياردة منى, والوثبة الثانية على مسافة 300 ياردة من الوثبة الأولى على أن نزحف على بطوننا بفاصل خمس دقائق بين كل واحد والآخر مبتدئا بنفسى. وبدأنا التنفيذ بعد غروب الشمس مباشرة, وقبيل وصولى للوثبة الأولى – وهى عامود تليفون – شاهدت على يمينى شخصين يتحركان, وكانت طبنجتى فى يدى, فحولت فوهتها ببطء وحذر نحوهما, وضغط على التتك فلم تنطلق الرصاصة ( اسلحة فاسدة) فأخرجت خنجرى بسرعة واندفعت بقوة نحو أقربهما منى لأقتله, وإذا بصوت باللغة العربية يستنجد مناديا: يا حضرة اليوزباشى! لتعريفى با،ه محمود منصور الذى كان معى فى الموقع, فخارت قواى وحمدت الله كثيرا.

ولما سألته: لماذا تحرك هو ورفيقه قبل مضى الدقائق الخمس كان جوابه هو أنهما خشيا أن يضلا الطريق, لأننى الوحيد الذى على دراية كاملة بمسالك المنطقة, وقد نفذا الانسحاب للوثبتين الأولى والثانية حسب الأوامر الصادرة إليهما منى فى البداية, وبعد أن تجمعنا عند الأسلاك زحفنا مسافة أخرى حتى ابتعدنا تماما عن العصلوج.

وأكملنا السير بعد ذلك فى اتجاه العوجة ختى بزوغ فجر اليوم التالى, فوجدنا ا،فسنا قريبين من أحد مضارب البدو الذى كان مهجورا من صاحبه الذى تركه وبه أناء من الصفيح به نصف كوب من الماء, وكان العطش قد بلغ بنا أشده وكنا اثناء انسحابنا ليلا وقبل وصولنا لهذه الخيمة نرطب ألسنتنا بطل الندى الذى كان يكسو الزلط عند الفجر فاقتسمنا الماء نحن الثلاثة.

ثم أكملنا السير بعد ذلك, وعند أذان العصر وصلنا إلى خيمة بدوى فلسطينى آخر رحب بنا وذبح لنا دجاجة, وأرسل ابنه على جواد إلى قائد ثانى المتطوعين بالعوجة الذى أرسل لنا سيارة نقلتنا إليها .


إستجواب:

توافد إلأى العوجة وبير سبع جميع أفراد الكمائن الذين حاربوا معى فى العصلوج, بعد أن استطاعوا تدمير إحدى عشرة مصفحة بأفرادها , وأما الجنود الثلاثة الذى كانوا فوق المئذنة فقد استشهدوا كما ذكرت بعد أن أنزلوا بالعدو خسائر كبيرة بالأفراد من أثر القنابل اليدوية التى ألقوها عليه.

وقد وجه لى قائد الجيش اللواء المواوى بك السؤال التالى:

ما أسباب هزيمتك فى العصلوج؟!

فكان جوابى ما سبق أن كتبته فى تقاريري الستة, وما قلته لمدير الحدود أحمد سالم باشا عند مروره بى فى العصلوج قبيل المعركة, وألخصها فى الآتى:

1-وجود عدة طرق مؤدية إلى العصلوج خالية من الكمائن لقلة الأفراد خاصة بعد سحب القوات الجزائرية وإضراب القوات الليبية.

2-عدم وجود قوات خاصة مزودة بأسلحة خفيفة مضادة للمصفحات للقيام بالهجوم المضاد.

3- سوء الشئون الإدارية بمعنى نقص المياه للاستحمام والشرب والغسيل, , وعدم وجود نظارات لوقاية العيون من العواصف الرملية , فضلا عن تعرض الجنود طوال النهار للهب الشمس الحارقة, كذلك عدم وجود أطعمة طازجة مطهية.

4- خفة حركة العدو مع البط الشديد فى حركتى.

وكذلك أبلغت سيادة اللواء أحمد على المواوى القائد العام للقوات بأن قائد قوات المتطوعين فى بيت لحم العقيد أ{كان حرب أحمد عبد العزبز بالرغم من علمه بسوء موقفى من واقع التقارير التى أرسلتها إليه ( والتى قدمت منها نسخا إلى المواوى بك) فإنه لم يزرنى مرة واحدة للتأكد من خطورة موقفى, ولهذه الأسباب اقتنع المواوى بك بسلامة موقفى.

وقد طلبت من سيادته إعادتى إلى الجيش قتم نقلى إلى الكتيبة الرابعة مشاة بقيادة العقيد أركان حرب محمد كامل الرحمانى بطل معركة نيتسليم.


شهادة للتاريخ:

وأستطيع أن أشهد حق وبأمانة أن متطوعى الإخوان المسلمين كانوا هم أعظم جنود مصر وأنهم كانوا يمتازون بالفضائل الآتية:

1-الإيثار

2- الطاعة.

3- الكتمان.

4-الشورى

5 – ثم عندهم عقيدة لا تتزعزع.

وأنهم لم ينقصهم لإلحاق الهزيمة باليهود إلا التدريب الجيد والسلاح الحديث.


وقد أرسل لى الملازم أول خالد محيى الدين خطاب تهنئة بمناسبى معركة بئر العصلوج هذا نصه: عزيزى منعم الأسد.

خطاب من خالد محي الدين لعبدالمنعم عبدالرؤوف

تحياتى وأشواقى الرائعة الزائدة عن الحد, مرسل لك سلامى وتحياتى وتمنياتى الطيبة, وإننى متتبع أخبارك, وإننى فى غاية السرور لجميع الإخوان. هاكستيب فى 28/ 6/1948

أخوك

خالد محيى الدين


نشيد ثوار فلسطين :

فلسطين هبى ولا تجمـــدى
وبالسيف والنار هيا احصدى

أتتك الجحافل فى الموعـد

تصب الهلاك على المعتــدى

إذا لم يثب للرشاد العــدا

جعلنا المنايا لهم مــوردا

دوى المدافــع أحلى نشيد

وصوت البنـادق لحــن فريد

فهيا لسحق العــدو العنيد

ففى مصــرع البغى للحق عيد



الفصل السادس : مــع السادات مــرة أخرى

كان النقيب محمد أنور السادات قد فصل من الخدمة فى الجيش بتاريخ 5/10/ 1942 وقد أعيد إليها مرة ثانية فى يناير 1950.

وجاءنى مرة عام 1944 فى صحبة الطيار أول حسن عبد العظيم عزت, وكانا هاربين من معتقل الزيتون, وطلبا الإختفاء عندى كما طلبا قرضا من المال, وقد تم تدبير المال لهما واستفادا به, ولم يعد إلى جيبى جزء كبير منه حتى الآن , أما عن اختفائهما فقد أعددت لهما غرفة فى شقتى تطل على السلم وأعطيتها مفتاحها وبقيا مختفيين عندى قرابة خمسة أشهر, ,كانت زوجتى الأولى – رحمها الله – تؤدى واجب الضيافة خير أداء, ولم ينس لها أنور السادات هذا الصنيع الجميل, فلما صدر عفو مجلس قيادة الثورة عام 1962, اصر على أن يعقد زاوج ابنتى بحضوره وحضور جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم, وان يكون هو والرئيس جمال عبد الناصر شاهدين على العقد, ولما توفيت شعيت جنازتها عسكريا حتى دفنت.


خطة لتهريب السادات:

وفى عام 1946 أرسل لى ضابط شرطة يطلب منى وضع خطة لتهريبه خارج القطر من معتقل ماقوسة قرب مدينة المنيا,وفعلا أرسلت له الخطة, وقد عاوننى فى وضعها الطيار أول حسن إبراهيم عضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد. ولكن انور اسادات رفضها لأنهامركبة من بعض المجازفات وغير مضمونة مائة فى المائة.


يوسف رشاد:

وفى عام 1949 كنت أقضى فترة نقاهة مرضية فى القاهرة مرسلا من مستشفى العريش فحضر الملازم سيد مرعى طالبا منى الاتصال بطبيب الملك الخاص ( الدكتور يوسف رشاد) فاتصلت به على العنوان الذى أعطاه لى الضابط.

وفى بيت الطبيب يوسف رشاد التقيت بأنور السادات وببعض الضباط الشبان, وكان من بينهم من اشتركوا معى فى الحرب الفلسطينية, تحت قيادة المقدم أركان حرب أحمد عبد العزيز, ومنهم من اعتقل معى ومع المقدم أركان حرب محمد رشاد مهنا عام 1946 فى قضية توزيع منشورات ضد رئيس هيئة أ{كان حرب الجيش إبراهيم عطا الله باشا, مثل الرائد محمد أحمد حبيب, وهناك مساعد واحد وضابطان نسيت اسميهما.

لم يتحدث معى الدكتور يوسف رشاد حديثا خاصا على انفراد, وانما كان كثير المديح والثناء على شخصه جلالة الملك الجالس على العرش, وأن الملك فاروق لا يألو جهدا للعمل لمصلحة الشعب المصرى, وكان كل من ذكرتهم ورأيتهم عنده حاضرين.

وأثناء حديثه أشار إلى التخلص من رئيس الوفد المصري المرحوم مصطفى النحاس باشا, ومن المرشد العام للإخوان المسلمين الشهيد حسن البنا, متهما الأول بأنه عميل انجليزى قبل أن يكون رئيسا للوزراء بأمر من قوات الاحتلال الإنجليزى للملك يوم 4 من فبراير 1942 عندما حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين.

ومتهما الثانى بخطورته على القائد الأعلى للجيش, وعلى الأمن فى البلاد, ونسب للإخوان المسلمين عدة حوادث منها: مظاهرات الطلبة على كوبرى عباس عام 1946 ومقتل حكمدار الشرطة اللواء سليم زكى فى 4 من ديسمبر 1948 ورئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى فى 28/ 12/ 1948. وقد امن الحاضرون على حديث الدكتور يوسف رشاد, بينما غمرنى الاضطراب وصعد الدم إلى رأسى وبادرت بالانصراف مستأذنا.


الإبلاغ عن خطة الحرس الحديدى:

ذهبت فورا إلى الصاغ محمود لبيب وأبلغته بما سمعته فى هذه الجلسة,وتوقعت إلغاء إجازتى المرضية,وفعلا ألغيت, ووصلنى فى اليوم التالى إشارة تأمرنى بالعودة إلى وحدتى فى أول قطار إلأى العريش, وبعد أسابيع قليلة من هذا اللقاء اغتيل المرشد العام لجماعة افخوان المسلمين الإمام حسن البنا فى مساء 12/2/1949.

وقبل ذلك كانت قد انفجرت عبوة ناسفة عند جدار منزل المرحوم مصطفى النحاس باشا مساء يوم 30/4/1948و فعرفت من هم المدبرون لهذه الأحداث.


تنظيم الضباط الأحرار:

نقلت من الكتيبة الرابعة مشاة بعد تمضية عدة شهور فيها بمركز شرطة عراق سويدان الذى اتخذته الكتيبة مركزا لقيادتها, وخلال المدة ما بين عامى 1949, 1950 رقيت إلى رتبة رائد ثم مقدم وخدمت فى كتبتين هما الكتيبة العاشرة والكتيبة الثالثة عشرة متنقلا بين غزة ورفح والعريش والشط( شرقى السويس) وأبو عجيلة وكانت خدمتي طيلة هذه السنوات شرق القناة بعيدا عن القاهرة وعن قيادة تنظيم الإخوان الضباط التابع لجماعة الإخوان المسلمين داخل الجيش, وكنت أمنح سبعة أيام أجازة كل ثلاثين يوما.

وقد وقعت عدة حوادث خلال تلك السنوات أثرت تأثيرا كبيرا على تنظيم الإخوان الضباط بالجيش, وعلى مصر بصفة خاصة, ففى عام 1949 اغتيل المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين , وظهرت حركة عصيان وتفكك فى النظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين بقيادة عبد الرحمن السندى, وعادت قواتنا المحاصرة فى الفالوجا يوم 11/3/ 1949 إلى القاهرة حاقدة على الملك فاروق وحاشيته هيئة أركان حربه, وكان المقدم أركان حرب جمال عبد الناصر حسين وبعض الضباط المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين من بين المحاصرين العائدين الثائرين فعقدنا عدة اجتماعات برئاسة الصاغ محمود لبيب انتهينا فيها إلى النتائج الآتية:

أولا: الثأر لمقتل الشهيد حسن البنا بعد التأكد من معرفة القتلة .

ثانيا: الحذر من أفراد الحرس الحديدى, وبذل الجهود لمعرفة كل شىء عن أفراده

ثالثا: التخلص من النظام الملكى واستبداله بنظام إسلامى.

رابعا: الاستمرار فى تدريب ومد الإخوان المسلمين بالذخائر والأسلحة والمفرقعات لطرد الإنجليز من بلادنا.


وفى 25 من مايو 1949

استدعى جمال عبد الناصر لمكتب رئيس الوزراء إ[راهيم عبد العادى بحضور رئيس هيئة أركان حرب الجيش عثمان المهدى, ووجهت إلى جمال عبد الناصر تهمة الإنتماء إلى الإخوان المسلمين وتدريبهم, ولكنه استطاع أن ينفى هذه التهمة عنه. وأسر ع الصاغ محمود لبيب المسئول عن تنظيم الإخوان الضباط بإرسال مرتب شهر لزوجة جمال عبد الناصر , وإبلاغها اهتمام إخوانه الضباط بموضوع التحقيق وأنهم لن يتخلوا عنه, مما أثبت قوة ارتباطنا ماديا.

وبمناسبة هذا الحادث اقترح علينا الصاغ محمود لبيب استبدال اسم تنظيم الإخوان الضباط باسم( الضباط الأحرار) لإبعاد اسم جماعة الإخوان المسلمين المكروهة من الملك والأحزاب العميلة والإنجليز.


وجهة النظر وبداية الخلاف:

وفى شهر سبتمبر 1949 أبلغنى جمال عبد الناصر عقب حضوره إلى القاهرة فى إجازة ميدان أ،ه يريد عمل انقلاب, ولا يستطيع تجميع الضباط حول مبادىء جماعة الإخوان المسلمين واتباع هذا الأسلوب المتزمت فى اختيارهم المتمثل فى أن يشترط, فى الضباط الذى يراد ضمه للتنظيم اجتناب الخمر والميسر والنساء الساقطات, وضرورة المواظبة على الصلاة ومحبة الجنود له. والتزام النساء من أهله بالزى الإسلامى, والطاعة لقرارات مكتب الإرشاد وضرب لى مثلا بقوله: إن خالد محيى الدين تركنا عام 1947 واعتنق المبادىء الماركسية, وانضم إلأى منظمة أسكرا الشيوعية.

وطال الجدال بينى وبين جمال عبد الناصر, واستغرق عدة ساعات, وظل كل منا متمسكا برأيه, جمال عبد الناصر يريد ضم أكبر عدد من الضباط بصرف النظر عن التسيب الخلقى والتحلل من الزى الإسلامى لنساء عائلة الضابط, كما عارض بقوة طاعة الضباط لمكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين ووصفهم بالتزمت.

قلت له: إن التسيب فى اختيار الضباط سيوقعنا فى طبات المخابرات, كما أن عدم ارتداء زوجاتنا للزى الإسلامى سيجعلنا أضحوكة أمام جنودنا فى المناسبات الدينية والوطنية والطريق العالم. وأما قرارات مكتب الإرشاد فلا تصدر إلا بعد تمحيص من خبراء الجماعة , وقد أثبتت الحوادث صحة قرارات مكتب الإرشاد, كما أن تاريخ الجماعة الإخوان المسلمين ناصع من جميع الوجوه السياسية والاجتماعية والعسكرية, فمبدأ التكافل يطبق على كل أخ محتاج يقع فى ورطة وللجماعة أربعمائة شعبة فى أنحاء القطر, يجد فيها الأخ علاجا ورياضة.

وقد انتهى النقاش بينى وبين جمال عبد الناصؤ بأن نستنير برأى الفريق عزيز المصرى, وابلغت وجهة نظر جمال عبد الناصر للصاغ محمود لبيب.

ثم ذهبت أنا وجمال عبد الناصر إلى الفريق المصرى, وبعد أن استمع لكل منا قال: اعملا معا لطرد الإنجليز من مصر, ثم تابعا الكفاح لالغاء النظام الملكى وإياكما والخصام لنه يشتت قواكما, وإذا لم تستطيعا العمل معا, فسيرا نحو الهدف متوازيين كقضيبى السكة الحديد.

قلت: إننى سأعمل بهذه النصيحة فى إطار ما تسمح بع أوامر قيادة الإخوان المسلمين .

وقال جمال عبد الناصر: إن هدفى الأول هو إلغاء النظام الملكى وقد انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار ضباط حوصروا معى فى الفالوجا, مثل صلاح سالم, ويعمل معنا عبد الحكيم عامر, وخالد محيى الدين.

وبعد ذلك ذهبت إلى الصاغ محمود لبيب وحدثته بكل ما قاله جمال عبد الناصر وعزيز المصرى وما قلته أنا فقال: قل لجمال إن الجماعة الإخوان المسلمين متزمتة متزمتة!!

وبعد بعة أشهر أصيب الأخ الكبير الصاغ محمود لبيب بالفالج ولزم الفراش وبد عليه الهزال, وكانت شقيقته تقوم بخدمته وتمريضه, وكان يستخدم الإشارة فى طلب ما يريد.

وقد أنهيت آخر زيارة بأن قبلته على جبينه وكانت قبلةالوداعو فبعدها بأيأم قرأت خبر وفاته فى نعى نشر بالصحف وكنت فى الشط عام 1950 رحمه الله رحمة واسعة.

عبد الناصر يستولى على أسرار التنظيم:قرأت فى مذكرات الرائد أركان حرب حسين حمودة وهو أحد الضباط السبعة الذين أسسوا تنظيم جماعة الإخوان الضباط وهى بخط يده يقول:

فى عام 1949 وقبل وفاة الصاغ محمود لبيب, وكان قد دهمه المرض, فزرته أثناء إجازتى الميدانية فوجدت عنده جمال عبد الناصر حسين, وكانت حالة الصاغ محمود لبيب متأخرة ولكنه كان صافى الذهن, وكان راقدا على فراشه وقال لنا: إنى سأموت وسأكتب مذكرة بأسماء الضباط الذين يشملهم تنظيم الإخوان الضباط, والمبالغ المتقية من الاشتراكات وسأسلمها لجمال عبد الناصر لتستمروا فى تحقيق الرسالة من بعدى.

وطلب منى أن نكون يدا واحدة وأن يتعاون جمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرءوف.

ونظرا لانشغالى بموعد آخر فقد انصرفت وتركت جمال عبد الناصر مع الصاغ محمود لبيب ولما توفى الصاغ محمود لبيب شاركت فى جنازته وشارك فيها أيضا جمال عبد الناصر, وبعد انتهاء الجمازة سألت جمال عبد الناصر: هل سلملك المرحوم الصاغ محمود لبيب ورقة الأسماء والنقو؟

فأجابنى جمال عبد الناصر بأنه لم يخرج من بيته يومها إلا ومعه الورقة بالأسماء والنقود. وفى عام 1950 أفهمنى جمال عبد الناصر أنه سيعيد التنظيم السرى لضباط الجيش الذى بدأ عبد المنعم عبد الرءوف ومحمود لبيب عام 1944 وتوقف فى مايو 1948 بسبب حرب فلسطين.

وقال عبد الناصر: إنه سيضم إلى هذا التنظيم عناصر أخرى من غير الضباط الإخوان, وخاصة الذين قاسموه محنة الفالوجا وغيرهم ممن يلتمس فيهم صفتى الشجاعة والكتمان, وقال جمال لى فى هذه الجلسة:إنه بموت حسن البنا ومحمود لبيب انقطعت صلة الإخوان الضباط بضباط الجيش, وأنه يرى لدواعى المن قطع الصلة بعبد الرحمن السندى رئيس الجهاز السرى المدنى للإخوان, وخاصة بعد الحديث الذى دار بين عبد الناصر ورئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادى , فلما حذرت عبد الناصر من أن إدخال عناصر فى تنظيمنا السرى غير متدينة قد يجر علينا ويلات لا يعلم مداها إلا الله, اجابنى: أن التدين الكامل غير متوافر حاليا فى أغلب الضباط بالجيش, وكانت الحالة السياسية فى مصر خطيرة ولابد من عمل إيجابى فى القريب ,وإذا دققنا الاختيار بمواصفات الإخوان المسلمين فسيتأخر تنفيذ الثورة, وربما لا تحدث على الإطلاق.

وقال عبد الناصر: يكفى فى العناصر عند تنظيمها للتنظيم صفتى الشجاعة والكتمان وهى كافية فى نظرى للقيام بالثورة على أساس أن زمام الأمور سيكون فى يده بعد نجاح الثورة, وهو مقتنع بأن الحكم بالقرآن هو الحق وأنه ينوى أن يكون العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام حسين حمودة

المقدم أركان حرب أبو المكارم عبد الحى يحل مكانى فى قيادة التنظيم:

هزت وفاة الأخ الكبير الصاغ محمود لبيب تنظيم الإخوان المسلمين الضباط (الضباط الأحرار) هزا عنيفا, لأنه لم يوجد فى صفوفهم من يحل محله ممن فى مثل سنه وخبرته وعلمه بكل صغيرة وكبيرة من لحظة بدايتها.

ولما كنت دائم الخدمة فى فلسطين وسيناء وشرق القناة من عام 1947 إلى يوم 17/ 7/ 1952 فقد عين مكتب الإرشاد ضابطا ممتازا هو المقدم أركان حرب أبو المكارم عبد الحى من خريجى كلية أركان حرب وأستاذ فى الكلية الحربية ومن أحباء جماعة الإخوان المسلمين منذ حياة والده المرحوم الشيخ عبد الحى سعد.

وشغلت انشغالا كليا عامى 1950 – 1951 فى تدريب وحدتى العسكرية وإمداد فدائيى الإخوان المسلمين على طوال القناة بالذخيرة وأدوات النسف, لشن حرب العصابات ضد الإنجليز.

كان الإخوان المسئولان عن تسلمها منى وتوزيعها هما: مأمور القنطرة شرق النقيب عبد الفتاح غنيم, وكامل الشريف وزير الأوقاف فى حكومة الأردن فيما بعد.

وفى عام 1955 أصدر الأستاذ كامل الشريف كتابا اسمه ( المقاومة السرية فى قناة السويس 1951 – 1954) اشتمل على دقائق وعمليات النسف والتدمير وحرب العصابات التى شنها المصريون ضد البريطانيين.

وقد أفرد الكاتب دورى فى هذه العمليات تحت عنوان: ( عبد المنعم عبد الرءوف فى السويس) فى فصل كامل من صول الكتاب.

الفصل السابع : أجازة سعيدة

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف مع أولاده

منحت إجازة ميدان تبدأ يوم 18 من يوليو 1952, على أن تنهى يوم 26 من نفس الشهر لأقضيها مع أسرتى فى القاهرة.


نقلتنى إلى العريش عربة من أبى عجيلة ( شرق سيناء) مع زملائى الضباط الممنوحين إجازات, وركبنا قطارا إلى القنطرة ومنها إلى القاهرة.


وكان حديث الضباط المرافقين لى يدور حول حريق القاهرة يوم 26 من يناير 1952 من دبره؟ وما أسبابه؟, وعن اللواء محمد نجيب فى انتخابات رئاسة نادى ضباط الجيش وسقوط مرشح القصر الملكى اللواء حسين سرى عامر, لأن الأكثرية العظمى كانت تحب محمد نجيب لشجاعته فى حرب فلسطين إذ أصيب بجرحين فى كتفه وصدره وأطلق عليه بطل معركة التبة 76.


لقاء مع عبد الحكيم عامر:

وصلنا القاهرة وذهبت إلى بيتى حيث زرت زوجتى وبنتى, وفى يوم 19/7/1952زرت شقيقىّ الكبيرين, ثم توجهت صباح نفس اليوم إلى منزل عبد الحكيم عامر للسؤال عنه, لأننى قرأت فى أوامر المحطة العسكرية بالعريش نبأ مرضه, وظهر لى من حديثى معه أنه بحالة جيدة, ودعانى لزيارته فى منزله بالعباسية الساعة 1000 يوم 20/7/1952, فذهبت إليه فى الموعد المحدد, وأبلغتنى فتاة فى سن الشباب وكبيرة الشبه بعبد الحكيم عامر بأنه غير موجود, ولم يترك موعدا لى فانصرفت.


أنباء الانقلاب:

وعلى بعد خطوات من منزل عبد الحكيم عامر التقيت مصادفة بالصاغ أركان حرب صلاح محمد نصر( رئيس جهاز المخابرات فى الانقلاب) الذى بادرنى بالسؤال : إلى أين ذاهب؟ ومن أين أنت قادم؟ فأجبته : إننى قادم من منزل الصاغ عبد الحكيم عامر الذى لم أجده.

فقال لى: إننى ذاهب إليه لأننى على موعد سابق معه,و قد ادعى المرض ليحضر إلى القاهرة لوضع الخطوط الأخيرة للحركة.

فقلت لصلاح نصر مستدرجا كأننى أعرف معنى عبارة( وضع الخطوط الأخيرة للحركة): الحركة تحتاج إلى سرعة ودقة أكبر مما تتصور, فكيف تكون السرعة والدقة والصاغ أركان حرب عبد الحكيم يخلف الميعاد؟!!

فقال صلاح نصر:إننى باعتبارى قائد جناح التدريب فى كتيبتى ونقلت مع الفرقة الأولى مشاة منذ أيام من سيناء إلى القاهرة ومن الضباط الأحرارو فقد أعددت كل شىء لتوزيع الذخيرة على جنودى وقادم الآن لعبد الحكيم عامر لأعطيه تمام.

فقلت لصلاح نصر:اذهب قبل فوات الأوان لتعطى تماما, وأنا ذاهب للإستعداد.

وانصرفت قاصدا المهندس حلمى عبد المجيد( يعمل حاليا فى شركة المقاولين العرب) والمقدم أركان حرب أبو المكارم عبد الحى المسئول عن جماعة الإخوان الضباط الذين كانت تميزهم الصفات الخلقية, وظلوا على المواصفات السابقة قبل أن يضم عبد الناصر إلى تنظيمه كل من هب ودب, والدكتور المهندس حسين كمال الدين عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين, وأبلغتهم ما قاله لى الصاغ أركان حرب صلاح نصر.

ثم عدت إلى منزلى مترقبا ومنتظرا أوامر مكتب الإرشاد والجيش.

وفى يوم 21/7/1952 دعيت والدكتور مهندس حسين كمال الدين , والمقدم أركان حرب أبو المكارم عبد الحى سعد للذهاب إلى دار الأخ صرح شادى الذى لم يسبق لى رؤيته من قبل أو معرفة أى شىء عنه, وكل ما خرجت به من هذه الزيارة أنه استقبلنا وودعنا بحفاوة, وبالنظر لوجود ضيوف عنده فى غرفة ملاصق ة لم نطل الزيارة( علمت فيما بعد أن الضيوف كانوا جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وآخرين) وعلمت كذلك انهم جاءوا يطلبون من الإخوان مؤازرتهم عند بدء الانقلاب. ثم سافر فور المهندس حلمى بد المجيد إلى الإسكندرية ليبلغ فضيلة المرشد حسن الهضيبى آخر الأنباء( وأهم هذه الأنباء كان ما دار بينى وبين صلاح نصر).

وذهبت إلى دارى أنتظر وأترقب أوامر من قيادة الجيش أو من مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين, فلم يتصل بى أحد مطلقا لا من هؤلاء ولا من أولئك ايام 22/7 إلى صباح 23/7/ 1952 عندما سمعت إذاعة القاهرة تعلن نبأ الانقلاب واحتلال مبنى الجيش بكوبرى القبة ولم أبارح منزلى بقية نهار يوم 23/7/1952.


لقاءبعد الغروب:

وبعد غروب الشمس لذلك اليوم ذهبت على مركز قيادة الجيش مرتديا الزى العسكرى لسببين: أولهما تهنئة قيادة الانقلاب, وثانيهما تلقى الأوامر الخاصة بى كضابط فى إجازة ميدان, وإجازتى تنتى بعد باكر لأعود إلى مقر عملى فى ابى عجيلة.

صعدت إلى الدور الأول, وقد ساعد معرفة الضباط لاسمى ووجود بطاقتى الشخصية معر على وصولى إلى غرفة القيادة الجديدة, حيث وجدت على بابها الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين , وسألته عن جمال عبد الناصر, فأشار لى إلى مكانه, وكانت غرفته تقع فى نفس الصف الذى نتحدث عنده , وتفصلنا عن هذه الغرفة أربع غرف اتجهت نحو الغرفة, فوجدت جمال عبد الناصر يغط فى نوم عميق, فهززته عدة مرات وناديته باسمه كاملا يا جمال عبد الناصر... وباسمه المدلل مرة(جيمى) وقلت له: أنا عبد المنعم عبد الروءف.. اصح وكررتها عدة مرات ولكن دون جدوى, ولكنه كان يقاطعنى بكلمات متقطعة: الملك! الملك! اسكندرية.. اسكندرية.. رأس التين.. المنتزة.. رأس التين المنتزة!!.

فتركته دون أن أهنئه وعدت من نفس الطريق فاستوقفنى الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين,وقائد الأسراب حسن إبراهيم عضو مجلس قيادة الثورة عند غرفة القيادة الجديدة وسألنى الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين: إلى أين أنت ذاهب؟

فقلت له: إلى منزلى استعدادا للعودة باكر للعريش, ومنها إلى أبى عجيلة حيث توجد كتيبتى.

قال لى كمال : لا تسافر وستصلك أوامر عند الفجر عن تحركات جديدة نظرت بسرعة داخل غرفة القيادة الجديدة فرأيت اللواء أركان حرب محمد نجيب جالسا والباقين متوازين ولم يدعنى أحد لدخول فلم أدخل,واستنتجت من زياراتى أشياء هامة.

1-أن الملك فى أحد قصريه بالإسكندرية يشغل بال عبد الناصر ويقلقه أثناء نومه.

2-أن الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين أبلغ اللواء محمد نجيب نبأ حضورى لزيارة عبد الناصر واقترح عليه وعلى الذين كانوا معه فى الغرفة تعيينى فى إحدى الواحدات المسافرة إلى الإسكندرية لتنفيذ باقى الانقلاب.

3-أن هذا الاقتراح قوبل بالموافقة الفورية منهم, بدليل أننى لم أمكث أكثر من ثلاث دقائق لمحاولة إيقاظ جمال عبد الناصر لتهنئته.

4-أن انضمام حسن إبراهيم إلى كمال الدين حسين ليبلغانى عدم العودة إلى أبى عجيلة, وترقب أوامر عند الفجر كان ليفهمني صورة الجدية للأوامر بأنها صادرة من قيادة الإنقلاب, فالأول كان زميلا لى فى سلاح الطيران, وشاهدته عدو مرات فى بيت الفريق أركان حرب عزيز المصرى, الثانى العضو الرابع فى الخلية الأولى لجماعة الإخوان المسلمين الضباط, الذين أقسموا يمين البيعة لفداء الدعوة الإسلامية عام 1946.

5-أن الأوامر التى ستصلنى عند الفجر ستكون السفر إلى الإسكندرية .

انصرفت مسرورا تجاه منزلى وأبلغت زوجتى بأنى مسافر باكر غالبا إلى الإسكندرية وليس لأبى عجيلة, وطالبتها بتجهيز حقيبة صغيرة بها غيارات وملابس وعرفتها أن سيارة ستمر لتأخذنى عند الفجر.


مهمة خطيرة كلفت بإنجازها:

عند صلاة الفجر دق باب شقتى بالسيدة زينب الصاغ أركان حرب عبد الوهاب جمال الدين, هو زميلى فى كتيبتى فى أبى عجيلة, وزاملنى فى نفس القطار لقضاء أجازة ميدان فى القاهرة, وأبلغنى بأننى عينت قائدا للكتيبة 19 مشاة, وهى فى انتظارى عند فندق مينا هاوس بالهرم على طريق مصر إسكندرية, وأ،ه عين أ{كان حرب مجموعة اللواء السابع الواقفة هناك أيضا, استعداد للتحرك معا إلى الإسكندرية.

ودعت زوجتى وركبت السيارة بصحبة الصاغ أركان حرب عبد الوهاب جمال الدين إلى حيث نشطت كتيبتى الجديدة 19 بنادق مشاة وقفمت بالتتميم عليها فوجدت أن عدد ضباطها تسعة وكلهم برتبة ملازم أول, ما عداى فأنا برتبة مقدم, وكان هناك نقص كبير فى الصف ضباط والجنود, فعينت الملازم أول محمد كامل سليم أركان حرب لى, ووزعت الضباط الباقين على السرايا بمعدل واحد لكل سرية وضابط للشئون الإدارية , وسادس للمخابرات .


قبل المهمة:

وعند وصول مقدمة مجموعة اللواء السباع بقيادة العقيد أحمد شوقى لميدان المنشية أرسعت بسيارتى إلى محل تجارى يعمل فيه صديق لى منذ كنت طيارا فى محطة الدخيلة اسمه علىّ الدين زكى, وكلفته بتوصيل رسالة كتبها ألخ عبد الرحمن السندى( قائد النظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين) إلى أخ اسكندرانى يبلغه فيها الثقة بى والتعاون معى فى جميع المجالات إذا تأزمت الأمور.

طلبت من علىّ الدين زكى أن يؤكد على الأخ القارقصى ان يمر بى عند معسكر مصطفى باشا اليوم. 26 يوليو اليوم السعيد:

أيقظنى نوبة صحيان قبل صللاة الفجر بقليل واستدعانى قائد مجموعة اللواء السابع العقيد أحمد شوقى وسلمنى قطعة من ورق النشاط كتب عليها الغرض المطلوب منى تنفيذه, وكان الغرض محاصرة قصر رأس التين, ومنع دخول وخروج أى شخص ومنع الاحتكاك.

يتم ذلك قبل س ع ت 730 اليوم 26/7/1952 تحت قيادتك جماعة مدافع ماكينة, فى معاونتك تروب مدفعية متوسطة.

ابلغت أن هذا الغرض متضارب فى الفقرتين الثانية والثالثة! إذ كيف يمكنى منع الدخول والخروج للموظفين وغيرهم على اختلاف رتبهم ووظائفهم وأعمالهم من إلى القصر دون حدوث احتكاك؟

أجاب: تصرف بما تراه مناسبا.

كان الوقت حينئذ سعت 600 من يوم 26 / 7/1952 وكان جنودى راكبين جاهزين للحركة فاتجهت بهم صوب قصر رأس التين, وعلى يعد 300 ياردة ترجل الجميع وجمعت ضباط والصف ضباط والجنود المعينين بدل الصف ضباط كل سرية على حدةو وقائد مدافع الماكينة وقائد تروب المدفعية, وشرحت لهم خطتى لمحاصرة القصر وهى لا تختلف عن تقريرى المدون بتاريخ 27/7/1952 وهذا نصع ليقف القارىء منه على تلك الخطة:

تقرير عبدالمنعم عبدالرؤوف بعد حصار قصر رأس التين أثناء الثورة
تقرير عبدالمنعم عبدالرؤوف بعد حصار قصر رأس التين أثناء الثورة 2
ك19 مشاة.

رقم القيد.....

التاريخ 27/7/1952.

حضرة صاحب العزة قائد اللواء المشاة السابع القائمام أحمد شوقى.

أتشرف بأن أرفع تقريرى هذا لعزتكم للتكرم بالنظر:-

فى يوم 24/7/1952 س ع ت2130 كنت بزيارة لهيئة أركان حرب الجيش للقوات المسلحة فقابلت عزتكم, وأصدرتم لى أمرا بتعييني قائدا للكتيبة 19 مشاة وحوالى سعت 455 يوم 25/7/1952 وصلتنى إشارة بمنزلى مع مخصوص بأن الكتيبة المذكورة تحركت من ثكانتها وطلب منى مقابلتها عند مينا هاوس, وقد قمت فورا بالتنفيذ, وقابلني حضرة الصاغ إسماعيل السيد عبد الوهاب حيث سلمنى الكتيبة واتخذت قيادتها إلى الإسكندرية وقد أعطى للكتيبة واجب محاصرة قصر التين ومنع دخول وخروج أى شخص إليه, فى سعت 710 تحركت الكتيبة من ملعب البلدية متجهة نحو القصر وصلتها سعت 740 وقد قمت فورا بتوزيع القوة حول القصر بعد استكشاف سريعو وقد وجدت أن الجانب الأيسر منطقة هامة حيث انها مشرفة على الميناء مباشرة,فأمرت بتكثيفها بنيران مدافع الماكينة, وفعلا وضعت بها فصيلة مشاة وجماعة مدفع وجماعة مدفع فيكرز, وقد تم الحصار فعلا سعت 755, فى سع800 وأثناء وجودى بتنظيم مواقع هذه المنطقة أطلقت طلقات نارية من جهة السراى على قواتى وشاهدت مدفع فيكرز ينصب فى حديقة القصر للإستعداد لفتح النيران على قواتى , فوجدت أنه من الضرورى سرعة تأمين قواتى, خاصة وقد ابتدىء بفتح النيران من ناحية الحرس, فأمرت بإطلاق النيران على مواقع الحرس وفعلا تم ذلك, وترك طقم المدفع موقعه ودخلوا القصر, وخرج خمسة من ضباط الحرس على رأسهم اللواء عبد الله باشا النجومى معلنين الاستسلام, وقدموا سلاحهم, إلا أنه فتحت نيران سريعة وفردية من مبانى الحرس بالقصر من جهات عدة وخاصة من أعلى المبانة على مواقعنا فجاوبناها بالمثل وأسكتناها, وخرج ضابط برتبة اليوزباشى (نقيب) حاملا علما أبيض معلنا الاستسلام كل من فى القصر, وبعد فترة حضر حضرة القائمقام عبد الله رفعت من حرس القصر, وأخذ على عاتقه عدم إطلاق أى طلقة من ناحية القصر, وعليه امرت بوقف النيران فى الحال, وقد أصيب فى هذه المعركة كل من الجندى حميدة أبو سريع من ك2.م.م والجندى سعد الدين عطية من ك19 مش, ولا يفوتنى ان أقرر ما قام به كل من حضرات الضباط والصف والعساكر الآتية أسماؤهم بعد لما أبدوه من شجاعة وثبات وتنفيذهم لأوامري بحماس وإيمان تحت وابل من النيران السريعة, مما أثار إعجابى, كما أنهم يستحقون تقدير عزتكم وهم:

حضرة الصاغ إسماعيل السيد عبد الوهاب من ك19 مش.

حضرة اليوزباشى مدحت زكى شعيب من ك19 مش.

حضرة ملازم أول حسين على حافظ من ك 2 م.م.

حضرة ملازم ثانى محمد كامل سليم من ك19 مش.

حضرة ملازم ثان عبد المحسن أبو زهرة من ك 19 مش.

وأمباشى ميخائيل فرنسيس.

وعسكرى محمد عبد الحليم إبراهيم ... طقم رشاش فيكرز

وعسكرى محمد إبرهيم جاد الله ... من ك 2م.م

وعسكرى محمد أحمد على.

عسكرى سيد محمد سيلمان

عسكرى محمد البيومى أبو شهاب ... طقم رشاش براوتتج من ك 2م.م

وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.

تسلمت عدد 3 صور

بكباشى عبد المنعم عبد الرءوف

قائد ك19 مش

تسلمت الأصل 31 /7/1952

استلمت صورة من هذا التقرير للاستعانة به فى سرد هذه الحقائق بالسجل التاريخى للكتيبة التاسعة عشرة بنادق كشاة

يوزباشى مدحت زكى

7/8/1952

وكان قد جاءنى خطاب من العقيد شوقى للتحرك إلى الإسكندرية للقيام بواجب خاص( وكان الواجب الخاص محاصرة قصر رأس التين) وهذا نصه.

إدارة قسم القاهرة

القيد طوارىء تطهير 10/52

التاريخ 18/7/1952

سرى وعاجل ومع مخصوص

حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف قائد ك 19 بنادق مش.

ردا على كتابكم رقم( 4/1952/2183)

بتاريخ اليوم وبناء على تعليمات القيادة العامة قد تعينتم حضرتكم قائدا للكتيبة التاسعة عشرة بنادق مشاة يوم 25/7/1952 للتحرك إلى الإسكندرية يوم 26 منه للقيام بواجب خاص, وهذا تأييدا للأوامر الشفوية التى صدرت فى حينه.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

قائمقام / أحمد شوقى

قائد قسم القاهرة

خطاب شكر من القيادة بعد الثورة

وجاءنى فى خطاب شكر من مدير مكتب القائد العام لشئون الجيش البكباشى أركان حرب ( وكان فى ذلك الوقت جمال عبد الناصر حسين) نصه:

القيادة العامة للقوات المسلحة

مكتب القائ العام

التاريخ 9/8/1952

رقم ق.ع 12/1/22/76

حضرة قائد قسم القاهرة

بالإشارة للتقرير من حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف قائد ك 19 مشاة المرسل لنا رفق كتابكم رقم طوارىء تطهير 2/52 بتاريخ 2/8/1952

يرجو سعادة القائد العام أن تنوبوا عنه فى إبلاغ جميع ضباط وصف وعساكر الكتيبة المذكورة والقوات التى عاونتها وشكره وتقديره كاملين.

وتفضلوا بقبول وافر الاحترام

بكباشى أ.ح

إمضاء

مدير مكتب القائد العم لشئون الجيش

إدارة قسم القاهرة

رئاسة قوات الطوارىء

القيد طوارىء تطهير 2/52

العباسية فى 18/8/1952

حضرة قائد ك 19 بنادق مشاة

المسطر عاليه صورة ما ورد لنا من القيادة العامة للقوات المسلحة مرسل لإبلاغه لجميع الرتب. وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.

قائمقام

قائد قسم القاهرة وقوات الطوارىء

صورة إلى حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف قائد ك 17 ب. م


ثم تمضى الأيام

وبعد ثمانية عشر عاما قضيتها هاربا خارج الوطن ( نوفمبر 1954 – نوفمبر 1972) ومحكوما علىّ بالإعدام رميا بالرصاص, عدت إلى أرض الوطن, وفى الأول من سبتمبر 1975 زرت العقيد عبد الله رفعت قائد الحرس الملكى يوم محاصرتى قصر رأس التين يوم 26 / 7/1952 وكان بصحبتى فى هذه الزيارة السيد العقيد أ{كان حرب رشاد مهنا ( الوصى على العرش أثر الانقلاب 23 يوليو 1952) وطلبت من السيد العقيد عبد الله رفعت أن يكتب لى مادار بينى (كقائد قوة الحصار) وبينه كقائد قوة الحرس الملكى فتفضل بالكتابة ووقع الإثنان العقيد عبد الله رفعت والعقيد أركان حرب محمد رشاد مهنا بالتوقيع على ما كتبه الأول.

وهذا نص الحديث الذى دار بيننا كما سجله العقيد عبد الله رفعت:

بعض ذكريات يوم 26/7/1952 يوم تنازل الملك فاروق عن العرش بينما أنا جالس فى مكتبى برئاسة الحري الملكى بقشلاق رأس التين حوالى الساعة 745 أبلغنى الضابط النوبتجى بوجود قوات من الجيش تحاصر مدخل قصر رأس التين, ولما خرجت وجدت قوات المدفعية والمشاة بمداخل الطرق المؤدية للقصر, وكان الحرس الملكى يحتل مواقع الحراسة منذ 48 ساعة, وأثناء مرورى على القوات سمعت طلقة لم أتبين مصدرها هل هى من الحرس أم من قوات الجيش, كانت هذه الطلقة إيذانا بفتح النيران بين قوات الجيش والحرس, واتصل بى الملك تليفونيا فى الحال وقال لى ما نصه:

اوقف النيران فورا, إنت بتحارب الجيش الإنجليزى!!! دول أولادك وإخوتك هم الذين أمامك, أوقف النار حالا.

وفعلا أمرت بوقف إطلاق النار وخرجت من باب القشلاق الواجة لقوات الجيش حيث توجهت إلى مكان وقوف ضباط الجيش, وقابلت البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف قائد القوات التى تحاصر قصر رأس التين, ودار بينى بينه الحوار الآتى:

عبد الله رفعت: ما المطلوب؟

عبد المنعم عبد الرءوف: الخلاص من الملك وحكمه.

عبد الله رفعت: لا داعى لأن نتقاتل!

عبد المنعم عبد الرءوف: أنا موافق على شرط أن يوقف الحرس إطلاق النيران, وتتعهد حضرتك بالتزام ذلك مع سحب الذخيرة.

عبد الله رفعت: أتعهد بذلك. وأين اللواء عبد الله النجومى, والبكباشى عبد المحسن,والبكباشى محمد صادق؟!

عبد المنعم: قبضت عليهم وأرسلتهم إلى معسكر مصطفى باشا.

وفعلا أوقفت النيران فورا, وأذكر للتاريخ الآتى:

بعد أن ظهر الموقف على حقيقته وجديته وتنازل الملك عن العرش, توجهت إلى قصر رأس التين حوالى الساعة 1000 من نفس اليوم, وقابلت حضرة صاحب جلالة الملك فاروق, حيث كان مجتمعا مع رجال الحاشية يتحدثون فى الموقف, قال الملك فاروق إنه قد وافق على التنازل رغبة فى إنقاذ الموقف, لأنه يعتقد أن حكم البلد فى صورة الأحزاب القائمة لا يأتي بخير ولم يتمكن هو من توجيه التوجيه السليم وأنه لو كان راغبا فى المحافظة على عرشه لقبل عرض الأسطول الإنجليزى, الذى كان مرابطا على مدخل الميناء من حوالى الساعة 600 من نفس اليوم , للسماح لهم بالنزول إلى الإسكندرية لحماية البلد, ولكن أنا أضحى بألف عرش ولا أسمح لكلب إنجليزي أن يضع قدمه على أرض مصر ثانية.

وحوالى الساعة 1245 حضر المستشار سليمان حافظ ومعه ورقة التنازل لإمضائها من الملك. وأثناء خروج سليمان حافظ من القاعة التفت إلينا اجلالة الملك قائلا هذا الثعلب هو الذى سيخرب البلد) مشيرا إلى المستشار سليمان حافظ

25من شعبان 1395 - أول سبتمبر 1975

عبد الله رفعت

قائد الحرس المشاة الملكى برأس التين سابقا

توقيع / محمد رشاد مهنا


دليــــل آخر:

وبتاريخ 1/1/1978 ذهبت إدارة المشاة بالعباسية فى موضوع خاص فالتقيت مصادفة العقيد محمد كامل سليم الذى عرفنى بنفسه, وذكرني انه أحد الضباط الذين حاصروا وهاجموا معى القصر رأس التين صباح 26/7/ 1952.

ثم قدم لى تقريرا بتاريخ 1/1/ 1978 يطالبنى بإضافة اسمه إلى كشف الضباط الأحرار, وكل ما أستطيع أن أفعله لهذا الضابط هو أن أنشر تقريره فى مذكراتى.

ولقد سبق لى أن ذكرت اسمه فى أول تقرير بتاريخ 27/7/1952 مع الضباط الذين أبدوا شجاعة وثباتا.

وأريد أن ألفت نظر القارىء إلى ما جاء فى تقرير الضباط ابتداء من (وبعد سعت 1800 إلى تسجيل هذا الموضوع) فسوف يلاحظ أن السيد زكريا محيى الدين مزق كشفا بأسماء الضباط الذين اشتركوا فى تنفيذ عملية الحصار.

فلماذا مزق زكريا محيى الدين هذا الكشف؟!!

السبب هو أن قائد الكتيبة هو البكاشى عبد المنعم عبد الرءوف حيث كان اسمى اول الأسماء. ولقد أثبتت الظروف والملابسات إصرار مجلس قيادة الثورة, وجهاز مخابرات الجيش على طمس اسمى وتاريخى من أى عمل مجيد, وتشويهه فى بعض الحالات بينما يذكرون اسمى عند الاستفادة منه فقط. وهناك حالة مشابهة آخرى لحادثة تمزيق كشف أسماء الضباط, الذين شاركوا فى حصار قصر رأس التين, ولكنها كانت من الصحفى الأستاذ حلمى سلام الذى كتب ما قاله عن قصة الثورة ( من المهد إلى المجد) فى مجلة المصور العدد 1464 بتاريخ 31/10/1953 ابتداء من العنوان التالى:

(موعد فى جزيرة الشاى) وقد جاء فى المقال المذكور العبارة التالية:

وفى الترام التقى العملاق بصاحب له, وأخذ الاثنان ينظران فى عينى بعضهما....) إلى آخر العبارة التى انتهت بقوله( وراح يهمس فى أذنه) والمقصود بكلمة ( العملاق) هو جمال عبد الناصر حسين والمقصود( بصاحب له) عبد المنعم عبد الرءوف.

كما اكتفى الصحفى بذكر الحرفين (م.ل) إشارة إلى اسم الصاغ محمود لبيب وقد سبق أن ذكرت أن فضيلة المرشد العام حسن البنا هو الذى عين الصاغ والأخ الأكبر محمود لبيب عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين, ليكون الصلة بين تنظيم جماعة الإخوان الضباط ( الضباط الأحرار فيما بعد) وبين جماعة الإخوان المسلمين.

وهذا هو نص الخطاب الذى قدمه لى العقيد محمد كامل سليم:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد اللواء طيار متقاعد عبد المنعم عبد الرءوف بسيم أبو الفضل

بعد تقديم وافر التحية أتشرف بعرض الآتى:

صدر العدد رقم 46 من الجريد الرسمية بتاريخ 20 من نوفمبر 1972 ويحتوى على القرارين الجمهوريين رقمى 1386و1387 الخاصين بتنظيم الضباط الأحرار ولما لم أجد اسمى بهما فقد بادرت بكتابة تقريرى هذا على سيادتكم بعرض الآتى:

تخرجت من الكلية الحربية دفعة 11 من فبراير 1952 على قوة ك19 مشاة إحدى وحدات اللواء السابع المشاة, وخدمت بهذه الكتيبة من ذلك التاريخ حتى قيام الثورة, وفى مساء 22 يوليو 1952 اشتركت فى عمليات تأمين القاهرة التى كلفت بها الكتيبة وحتى فجر الجمعة الموافق 25 يوليو 1952 تحركت الكتيبة على منطقة التجمع من المدفعية والمدرعات, وتحرك القول بقيادة القائمقام أحمد شوقى إلأى الإسكندرية ووصلنا الإسكندرية مساء ذلك اليوم , وقامت كتيبتى ك 19 بالمبيت ليلتى 25 , 26 يوليو فى إستاد الإسكندرية.

وزارنا فى مساء ذلك اليوم السيد محمد نجيب وفى فجر يوم السبت 26 من يوليو 1952 تحركت ك 19 إلى قصر رأس التين حيث اشتركت س1,س2 من الكتيبة فى حصار القصر من الخارج مع وحدات من المدفعية والمدرعات, وكنت أنا قائد السرية الثالثة من الكتيبة, وأمرنى السيد البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف 0 الذى تولى قيادة الكتيبة عند تحركها من القاهرة) بأن أدخل إلى القصر من الباب الجانبى الموصل إلى الحديقة المواجهة للقصر من الجهة الجنوبية, وعند محاولتى إدخال السرية إلى المنطقة المحصورة ما بين رصيف القطار الخاص بالملك وبين الميناء أطلق الحري الملكى النيران ( رشاشات فيكرز, أسلحة صغيرة) وتمكنت من الدخول بالسرية , واستمر الاشتباك ساعة ونصف الساعة بين سريتى وبين قوات الحرس الملكى المخبأة فى القصر, وأوقف إطلاق النار مدة ساعة تقريبا استغلها الحرس فى تحسين مواقعه. فقد قاموا بتركيب عدة رشاشات فيكرز فوق السطح القصر, واستأنفوا إطلاق النيران علينا من الخلف, وفى ذلك الوقت انضم لتعزيز قوة نيرانى ملازم حسن حافظ بفصيلة مدافع ماكينة (مدافع فيكرز) للرد على رشاشات الحرس, واستمر الاشتباك مدة ساعة أخرى تقريبا. وأصيب جنديان من السرية أوقف بعدها إطلاق النيران نهائيا. وانسحبت بالسرية إلى خارج القصر لتعزيز الحصار من الخارج لمواجهة ضغط الجمهير المتزايدة ومنع الدخول والخروج من وإلى القصر.

وبعد سعت 1800 من نفس اليوم 26 من يوليو 1952 بعد أن غادر الملك السابق الميناء حضر إلينا فى موقع الكتيبة السيد زكريا محيى الدين, وتفقد أحوال الكتيبة, وطلب كشفا بأسماء الضباط الذين اشتركوا فى تنفيذ العملية وقدم إليه حسب ما سمعت كشف يحتوى على أسماء عدد كبير جدا من الضباط فقام سيادته بتمزيق الكشف وانتهى بذلك أى تسجيل لهذا الموضوع .

ولما كان هذا الموضوع من الناحية التاريخية والأدبية يشرفنى بأن أكون أحد الذين ساهموا فى تحرير بلادى من رق الملكية, وأحد الذين صنعوا التاريخ المعاصر لمصر الحديث: مصر الثورة. فإننى أرفع تقريرى هذا لسيادتكم برجاء التفضل بإضافة إسمى إلأى كشف الضباط الأحرار.

وتفضلوا بقبول فائق الإحترام.

عقيد / محمد كامل سليم

إدارة المشاة

1/1/1978


مهمة آخرى فى القاهرة:

وفى 28 من يوليو 1952 بعد نجاخى فى محاصرة قصر رأس التين, وتنازل الملك عدت إلى القاهرة واشتركت فى محاصرة قصر عابدين.

بقيت حتى نهاية شهر يوليو 1952 قائدا للكتيبة 19 التى قمت بها بشرف الهجوم على قصر رأس التين, ومحاصرة قصر عابدين.

ولا يفوتنى ان أذكر أنها كتيبة ضعيفة التسليح فليس بها حمالات او مدافع 6 رطل أو مدافع ماكينة, كما أنها ضعيفة التدريب, لأنها كانت كتيبة خدمات وحراسات, مع ذلك لم أتردد فى القيام بواجبى.


المؤامرات على تاريخى ومستقبلى:

نقلت من هذه الكتيبة إلى الكتيبة 17 بتاريخ 1/8/1952 وهى مدة قصيرة تدل على أن هناك يدا بدأت تعبث بمستقبلى وتبعدنى عن هذه الكتيبة 19 التى قامت بعمل خالد فى تاريخ الجيش المصرى الحديث.

توليت قيادة الكتيبة 17 مدة شهر واحد وخلال هذه المدة الوجيزة حدث الآتى:

1-أشاعوا عنى أننى رجل خطير وأعمل مع الإخوان المسلمين ومن الضرورى إبعادى.

2-قرر اليوزباشى شمس بدران باننى سأنقل فورا إلى فلسطين للتخلص منى.

3-قال اليوزباشى بدران لليوزباشى عبد الكريم عطية: إننا نتوجس خيفة من عبد المنعم عبد الرءوف, لأنه صرح بالنقل من الكتيبة 19 إلى الكتيبة 17 وهى كتيبة مسلحو ومدربة.

4-ابلغني اليوزباشى عبد الكريم عطية بأنه سمع فى مركز القيادة العامة للقوات المسلحة من بعض ضباط القيادة التفكير فى إبعادي عن القاهرة.


محادثات ومهمات آخري:

وفى أحد الأيام حضر عندى الصاغ وحيد جودة رمضان, والصاغ طعيمة, وأخذ يرجوانى فى أمر الموافقة على السفر لسيناء لتولى قيادة الكتيبة الفلسطينية.

فقلت لهما إننى أحب فلسطين وأهلها وأريد أن أخدم هذه البلاد المقدسة, ولكن توليتى قيادة هذه الكتيبة لا يتناسب مع رتبتى وسمعتى, لأن كتائب المشاة المصرية وهى الأعظم تسليحا وتدريبا يقودها صاغ أو بكاباشى حديث, لإارجو إعفائى من هذها الرجاء, ولكنهما اصرا وألحا علىّ بشدة فوافقت بشرطين:

1-أن يطلب منى ذلك وبخطاب رسمى من المسئولين.

2- أن أعود إلى القوات الجوية بعد أن تسير الكتيبة الفلسطينية على قدميها.

وقد أرسل لى جمال عبد الناصر خطابا بتوقيعه باعتباره مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة بتاريخ 26/8/1952, ولم يمر على هجومى ومحاصرتى قصر رأس التين اكثر من شهر, موجها لى شخصيا كى أتولى قيادة وتدريب قوة بوليس حدود فلسطين هذا نصه:

القيادة العامة للقوات المسلحة

مكتب المدير العام

حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف

أرجو أن أنبىء أن حضرة القائد العام رأى بعد عودته من المرور على وحدات الفرقة الولى مشاة بسيناء وفلسطين أن يعهد إليكم بقيادة وتدريب قوة بوليس حدود فلسطين.

ويرجو ان يتم لكم إعدادها على وجه السرعة لتقوم بالمهمة التى توكل إليكم فى المستقبل القريب.

وللقائد العام عظيم الثقة فى أنك ستبذل الهمة لإتمام هذه المهمة.

وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.

بكباشى أ.ح

جمال حسين

مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة.

26/8/1952

وأرسل خطاب آخر إلى الصاغ أحمد فهيم الغنام موضوعه تسلم قيادة وأعمال وعهدة ك 17 ب م من حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف هذا نصه:

الموضوع / رئاسة اللواء السادس مشاة

القيد 1/11 سرى 52

تسلم فيادة وأعمال وعهدة ك17 ب .م

من حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف

ألماظة فى 27/8/1952

حضرة المحترم الصاغ أحمد فهيم الغنام.

حيث إنه تقرر نقل حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف قائد ك 17 بنادق م لقيادة وتدريب قوة بوليس حدود فلسطين فعلى حضرتكم تنفيذ الآتى:

1-إخلاء طرف حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف اليوم من جميع الموضوعات والمسائل الخاصة بالكتيبة, أو أى عهدة مسلمة لحضرته حتى يمكنه تسلم أعماله الجديدة.

2-تسلم قيادة وأعمال الكتيبة من حضرته اعتبارا من اليوم ولحين صدور اوامر أخرى.

3-تسلم عهدة الكتيبة من واقع الدفاتر بعد التتميم عليها بمعرفة اللجنة المخصصة لذلك, برئاسة حضرة الصاغ محمد عماد الدين ثابت, على ان تصلنا إجراءات هذه اللجنة فى ظرف أسبوع من تاريخه.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

بكباشى

قائد اللواء السادس المشاة

وقوات طوارىء الأزبكية

صورة إلى الفرقة الثانية ومعها صورة من كتاب القيادة العامة لحضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف.


الفصـل الثامن : حركة التطهير

أثناء قيادتى للكتيبة 17 المعسكرة بأرض المعرض ذهبت لرئاسة سلاح المشاة فشاهدت مؤتمرا مكونا من حوالى عشرة ضباط تتراوح رتبهم ما بين اليوزباشى والبكباشى, منهم البكباشى أحمد حمدى عبيد, والصاغ وحيد رمضان, واليوزباشى محمد محمود عطية.

وبدءوا يتصوفون فى مستقبل ضباط المشاة يشطبون من شاءوا ويزكون من شاءوا فحز فى نفسى التصرف فى مستقبل ضباط الجيش الأكفاء بمثل هذه الطريقة الظالمة, ومن هؤلاء الضباط الأكفاء: أمير ألاى محمد كامل الرحمانى.

- أميرالاى صادق على السيد

- قائد أسراب صلاح مصطفى

- قائد لواء جوى إبراهيم جزارين, وغيرهم.

لذلك كتبت مذكرة بهذا الموضوع بحضور البكباشى حمدى عبيد والبكباشى إبراهيم نظيم ( قائد السجن الحربى) وقد وافقوا على ما جاء بها, وكتبتها على الآلة الكاتبة فى الكتيبة 20, وذهبت لمبنى القيادة حيث شرحتها لكل من اللواء عبد الحكيم عامر والصاغ أركان حرب صلاح سالم: وقد علق عليها صلاح سالم بقوله: إن عبد المنعم عبد الرءوف يطعن فينا!!

فنفيت ذلك فورا وقد كان موجودا فى الحجرة كل من الصاغ عاطف سعد واليوزباشى بوليس عبد الفتاح غنيم.

ولم أكتف بذلك بل اتصلت تليفونيا بجمال عبد الناصر, ذاكرا له مراعاة العدالة فى التطهير, وقلت له: إن شقيقى الأمير ألاى عبد القادر عبد الرءوف مظلوم ولا يستحق التطهير. وأذكر أن القائمقام محمود الشاذلى قابلنى فى مبنى المنطقة المركزية وشكا لى إخراجه من الجيش, كما أن الأمير ألاى أحمد سالم رجانى الاتصال بالمسئولين لتخفيف حدة التطهير, ومراعاة العدالة, وكذلك القائمقام كامل نور الدين قابلنى فى مكان لا أذكره وهو يبكى خشية التطهير.


مساومات:

أ-أثناء قيادتى الكتيبة 17 زارني صديقى الأستاذ محمد أبو المجد التونى, وطالبني بالاتصال بجمال عبد الناصر لتحديد مقابلة بينهما, وأثناء المحادثة كنت أحادث جمال عبد الناصر بدون تكليف لصداقتنا وإخوتنا السابقة.

وذهبنا انا والأستاذ محمد أبو المجد التونى فى الموعد الذى حدد لنا حيث تمت المقابلة , وانصرف الأستاذ محمد أبو المجد التونى واستبقاني جمال وقال لى :

إنه على استعداد لضمان نجاحى فى كلية أركان حرب للإستمرار فى الجيش أو العودة للطيران بشرط الابتعاد عن جماعة الإخوان المسلمين.

وأخذ يهاجم المرشد حسن الهضيبى وعبد الحكيم عابدين, فرددت عليه بالرفض وقلت له: إنه صاحب فكرة وجندى دعوة لن أتخلى عنها.

وقد شاهدنى معه فى هذه المقابلة الأخ المدنى المسلم لبيب الترجمان, والصاغ كمال الدين حسين, والبكباشى حسين الشافعى.

وفى أحد أيام شهر سبتمبر 1952 حضر إلى مكتبى بأرض المعرض قائد السرب حسن عزت واللواء صلاح حتاتة وتحدث الأول مزكيا عودتى للقوات الجوية, وأن قادة الثورة لن ينسوا جهادى وتعاونى معهم, وخاصة عبد اللطيف البغدادى ثم تدخل اللواء حتاتة مؤازرا له فقلت له:

إنهم مسئولون أمام ضمائرهم عن عودتى للقوات الجوية, ولأن أبدأ بالكلام أو الكتابة فى هذا الموضوع.

وأصر حسن عزت أن يأخذنى معه فذهبت إى رئاسة القيادة العامة, وهناك دخل بمفرده حجرة قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى وبعد قليل خرج وصحبني إلى الداخل وأثناء دخولى قابلنى صلاح سالم قائلا لى: أنا زعلان منك!!

فاستحلفته بأن يخبرنى بالسبب فلن يجب.

فدخلت الحجرة حيث وجدت البغدادى وحسن إبراهيم وأنور السادات وعلى صبرى ( شقيق حسين ذو الفقار صبرى زميلى فى حادث الطائرة مع عزيز المصرى) وبدأ حسن عزت يوجه كلامه للبغدادى عن ضرورة رجوعى للقوات الجوية, فقال البغدادى موجها كلامه لى: لا... لأنك متغيب عن القوات الجوية سنين!

فقلت له: ولماذا ستعيدون زميلى فى نفس الحادث حسين ذو الفقار صبرى للطيران ؟!!

فرد البغدادى بقوله: لأنه لا يزال يقرأ كتب الطيران.

فقلت له: إن الطيران لا يحتاج إلى قراءة فقط, وإنما يحتاج إلى لياقة صحية وأعصاب وتدريب وأنا أحس بقدرتى فى هذا المجال.

وهنا تدخل قائد السرب على صبرى شقيق حسين ذو الفقار صبرى قائلا: إننى سأنسحب من لجنة الضباط بالقوات الجوية عندما ينظر موضوع شقيقى,

وبعد قليل تكلم صلاح سالم قائلا: إننا لا نستغنى عنك فى سلاح المشاة.

فعقبت على كلامه وقلت له: أشكرك, ولكن حرمانى من العودة للقوات الجوية فيه مساس بكرامتى, بل أرى أنكم لابد أن تعيدوا لى اعتبارى بإرجاعى, كما أن أقدميتى فى القوات الجوية السابع, وهذا فيه امتيازات ادبية ومادية, فحرام عليكم ان تحرمونى من كل هذا, وكل القادة يعرفون كفاءتى ووطنيتى وتدينى, ولم أبخل على الضباط الأحرار بالمساعدات المالية وتوزيع المنشورات.

وهنا قال قائد الجناح العسكرى جمال سالم: على العموم اللجنة هى التى ستقرر كل شىء. ثم تحولت إلى أنور السادات أطلب منه أن يقول كلمة طيبة فى هذا الموضوع, فرد علىّ قائلا: نعما لك إيه!! إحنا ماشيين يمين وأنت ماشى شمال!!

فسكت, واستأذنت فى الإنصراف, ,معى قائد السرب حسن عزت.

وبينما أنا خارج رآنى جمال عبد الناصر, وكان واقفا مع اليوزباشى شمس بدران فنادانى, ولكننى كنت متأثرا مما سمعت, فأعتذرت لجمال عبد الناصر واستمررت فى السير إلى الخارج.


مساومات أخرى:

طلب منى ابو المجد التونى مرة أخرى تحديد موعد لمقابلة جمال عبد الناصر للتحدث فى موضوعات خاصة لا أعرفها.

فاتصلت بجمال عبد الناصر تليفونيا وتحدد الموعد, وذهبنا معا فى الوقت المحدد, وحدثت بينهما الأحاديث الخاصة التى لا أعرفها, وبعد الانتهاء منها خرج أبو المجد التونى, واستدعانى جمال عبد النار وأبلغنى أنه سيؤلف حزبا جمهوريا, وأنه بمجرد حدوث الانقلاب أمر بجراء تحقيق فى موضوع مقتل الشيخ حسن البناو ثم بدأ يهاجم حسن الهضيبى ويصفه بأنه رجل ضعيف, وأن عبد الحكيم عابدين لا ينبغى بقاؤه فى الإخوان.

فرددت عليه بأننى صاحب فكرة ولا أسير خلف الأشخاص.

وأعاد على الكرة فى ترك جماعة الإخوان المسلمين فسكتو ثم انصرفت ولحقت بأبى المجد التونى الذى كان ينتظرنى فى الخارج.


الفصل التاسع :السفر إلى فلسطين

سافرت إلى فلسطين بتاريخ 2/10/1952 أى بعد الانقلاب بحوالى شهرين تقريبا, وسافرت وأنا على يقين من أن الهدف من وراء ذلك هو إبعادى عن القاهرة جاحدين كل ما قدمته من أعمال, خاصة العمل الذى قمت به فى مهاجمة وحصار قصر رأس التين, الذى يعتبر أخطر عملية فى الانقلاب. ولقد دربت قوة بوليس حدود فلسطين مدة عام وبضعة أشهر بإخلاص وحماس ومن جنود هذه القوة وصف ضباطها المسرحين فيما بعد استعانت حركة فتح ببعضهم لتنفيذ الأعمال الفدائية داخل الأرض المحتلة والتحق كثير منهم فى الجيش لتحرير الفلسطلينى.

لقد قبلت هذا العمل حبا منى لفلسطين وأهلها وتشريفا لى بأن أكون مؤسسا للنواة الأولى لجيش الخلاص, وقمت بواجبى, وتخرج فى هذه الكتيبة أربع دفعات بلغ عددها ألفين, ظهرت تضحياتهم وحسن تدريبهم وتنظيمهم قبيل الأعتداء الثلاثى على مصر عام 1956, وقاموا بأعمال فدائية داخل الأرض المحتلة.


عودتى إلى القوات الجوية:

شكوى عبدالمنعم عبدالرؤوف للنقل للقوات الجوية
شكوى عبدالمنعم عبدالرؤوف للنقل للقوات الجوية 2

لم يمض على إبعادى إلى فلسطين سوى ثلاثة أشهر حتى صدرت النشرة العسكرية العدد 18 فى 12 ربيع الثانى 1372 الموافق 29 من ديسمبر1952, تضمنت شطب اسم البكباشى حسين ذو الفقار صبرى من عداد ضباط الجيش, على أن ينقل نهائيا إلى القوات الجوية اعتبارا من 10/11/1952 برتبة قائد الجناح , وفى أقدميته الأصلية.

فأحسست بالظلم الفادح الواقع علىّ, لأن البكباشى حسين ذو الفقار كلن زميلى فى حادث سقوط الطائرة مع الفريق عزيز المصرى.

ونقلنا معا من القوات الجوية إلأى سلاح المشاة بسبب ذلك الحادث. وحين أعادوه إلأى القوات الجوية بسلاحه الصلى برتبة قائد جناح وفى أقدميته الأصلية, أوكلوا لى قيادة قوة حدود فلسطين التى لا تتناسب مع رتبتى.

بالإضافة إلى أنها أبعدتنى عن القاهرة , وقدمت إلى قائد الفرقة الأولى المشاة بشكوى بخصوص هذا الموضوع بتاريخ 6/1/1953 هذا نصها:

قوة بوليس حدود فلسطين

مكتب الرئاسة

رقم القيد 1/1 سرى 53

تاريخ 6/1/1953

الموضوع: شكوى حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف

قائد قوة بوليس حدود فلسطين.

حضرة قائد الفرقة الولى المشاة

تقرر فى النشرة العسكرية العدد 18 الصادر فى 12 من ربيع الثانى 1372 الموافق 29 من ديسمبر 1952 البند 8 شطب اسم حضرة البكباشى حسين ذو الفقار صبرى من عداد ضباط الجيش على أن ينقل نهائيا إلى القوات الجوية اعتبارا من 10/11/1952 برتبة جناح وفى أقدميته الأصلية.

وبما أننى وحضرة قائد الجناح المذكور زميلان فى حادث سقوط الطائرة مع الفريق عزيز المصرى( السفير الآن بوزارة الخارجية), ونقلنا معا من القوات الجوية إلأى سلاح المشاة بسبب ذلك الحادث ثم ها هى ذى السنوات تمر ويعود حضرته لسلاحه الأصلى, وفى نقس الوقت أحرم من نقلى إلى القوات الجوية أسوة بهذا الزميل ولا شك فى أن عدم مساواتى بهذا الزميل يعتبر ظلما لا أقبله ما حييت.

لهذا فإننى أقدم هذه الشكوى راجيا ان تتخذ طريقها القانونى حتى تصل للقائد العاو للقوات المسلحة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

بكباشى

عبد المنعم عبد الرءوف

قائد قوة بوليس حدود فلسطين

تسلمت أربع صور من ذها التقرير لإرسالها إلى جهة الاختصاص

6/1/53

يوزباشى أحمد رجب

وجاءنى الرد من القيادة العامة للقوات المسلحة وبخطاب من مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة أ/ ح جمال عبد الناصر هذا نصه:

القيادة العامة للقوات المسلحة التاريخ 21 /3 1953 مكتب القائد العام رقم 1/20/9/2612 حضرة رئيس هيئة أركان حرب الجيش

ابلغنا حضرة رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية ا،ه يسره أن يعود حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف إليها, حيث كان قد نقل منها فى ظروف وطنية, على أن يقوم حضرته بتمضية الكشف الطبى للطيارين بنجاح , كما يقوم بالتدريب على الطائرات أسوة بزملائه.

وإنه ليسر القائد العام أن السلاح الجوى قد قدر أبناءه المجاهدين فالرجاء إخطار حضرته بذلك. بكباشى أ/ ح

مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة.

صورة إلى إدارة الجيش لاتخاذ اللزم بالمر

كاتم أسرار حربية

بكباشى أ /ح

11/2/1611 فى 23/ 3/1953


مدير مكتب رئيس هيئة أركان حرب الجيش

رئاسة إدارة الجيش المستخدمين العسكريين القيد 21/1/2 فى 26 /3/1953 قائد الفرقة الأولى المشاة.

المسطر بعاليه صورة ما ورد لنا من رئاسة هيئة اركان حرب الجيش, برجاء اخذ رأى البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف فى شأن عودة حضرته إلى القوات الجوية والإفادة.

صورة رئاسة هيئة أركان حرب الجيش للعلم

كاتم أسرار حربية للعلم

أميرالاي أ/ح

رئيس إدارة الجيش بالنيابة

لحضرته الإفادة بوجهة نظره فيما جاء بكتاب رئيس أركان حرب القوات الجوية أعلاه.


وقد وصلنى كتاب من رئاسة الفرقة الأولى المشاة حول ذات الموضوع هذا نصه:

رئاسة الفرقة الأولى المشاة

رقم القيد 1/4/53/516

رفح فى 4/4م1953

حضرة قائد قوة بوليس حدود فلسطين

أرسل لكم صورة كتاب مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة إلى حضرة رئيس أركان حرب الجيش والمبلغ لنا بالكتاب إدارة الجيش رقم 12/1/2 بتاريخ 26/3/1953 بشان موافقة حضرة رئيس أركان حرب القوات الجوية على عودة حضر البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف إلى القوات الجوية. رجاء الاطلاع وموافاتنا برأيكم

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

قائم مقام أ/ح

قائد الفرقة الأولى مشاة


وبعد أن أرسلت برأيى فى النقل على القوات الجوية ردا على الخطاب الذى أرسلته لى رئاسة الفرقة الأولى المشاة, تطلب فيع رأيى والمؤرخ بتاريخ 4/4/1953.

أرسلت رئاسة إدارة الجيش إلى قائد الفرقة الأولى المشاة الكتاب الآتى وقد وصلنى بتاريخ 3/5/1953.

رئاسة إدارة الجيش المستخدمين العسكريين رقم 21/1/2 بتاريخ 27/4/1953 بخصوص عودة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف للقوات الجوية.

قائد الفرقة الأولى المشاة

بالإشارة إلى كتابكم رقم 1/4/53 بتاريخ 11/4م1953 الوارد معه رأى حضرة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف فى عودته للقوات الجوية.

الرجاء الإحاطة بأن إدارة كاتم أسرار حربية أخطرتنا بكتابها رقم ب/ 2263 بتاريخ 25/4/1953 بان هذا الموضوع عرض على لجنة شئون الضباط للقوات الجوية, وأن اللجنة رأت انتداب حضرته مؤقتا بالقوات الجوية, على أن يكشف طبيا للطيران ويحضر فرقه إعادة الطيران بكلية الطيران الحربى, وعلى ضوء التقرير النهائى لهذا الفرقة ينظر فى أمر نقله نهائيا للقوات الجوية ويفاد بتاريخ القيام.

صورة إلى رئاسة القوات الجوية للإفادة بالوصول

رئاسة أركان حرب الجيش للعلم

إدارة كاتم أسرار حربية للعلم وتعييين

محلة بقوة حدود فلسطين

إمضاء

رئيس إدارة الجيش


وقدد أرسلت إلى قائد الفرقة الولى المشاة كتابا بتاريخ 24 / 5/ 1953 تظلمت فيه من التباين فى المعاملة بينى وبين قائد اللواء الجوى حسين ذو الفقار الذى له نفس ظروفى وهذا نصه:

قوة بوليس حدود فلسطين

رقم القيد 1/1 سرى /53

الموضوع عودة البكباشى عبد المنعم

رفح فى 24/5م1953

عبد الرءوف إلى القوات الجوية

حضرة قائد الفرقة ألولى المشاة

ردا على خطابكم رقم 1/1/53 / 11/ بتاريخ 3/5/1953 وأوامركم الشفهية لى أفيد باننى قدمت نفسى لرئاسة القوات الجوية يوم 16/ 5/1953

وعرضت نفسى على اللجنة الطبية وقد نجحت فائقا كما هو مبين فى الخطاب اللجنة رقم 58/2 بتاريخ 5/ 1953 وقد فهمت من القوات الجوية أنها ستطلب منى إجراء (فرقة إعادة طيران) بينما لم تطلب ذلك من زميلى حضرة قائد اللواء الجوى حسين ذو الفقار صبرى, ولم يجر بينه وبين القوات الجوية مكاتبات طويلة ومتكررة بخصوص موضوع رجوعه, بل استدعى من السودان وتسلم عمله وترقى فى غير دوره.

وهذا التباين فى المعاملة يحز فى نفسى خصوصا أن القيادة العامة للقوات المسلحة قد ساعدت كثيرين من الضباط سواء منهم المشاة أو الطيارون لمجرد المساعدة وليس فى تاريخ حياتهم شىء يذكر, بينما يشهد التاريخ ويعلم قادة الحركة مواقفى من أجل بلادى قبل وأثناء وبعد حركة الجيش.

أرجو من القوات الجوية والقيادة العامة للقوات المسلحة معاملتى بمثل ما عاملت به زميلى حسين ذو الفقار صبرى وغيره.

أما التفاوت فى المعاملة فليس من طابع العهد الجديد الذى جاء ليعطى كل ذى حق حقه , ويميز الحبيث من الطيب, ويظهر الكفاءات من أبناء هذا الوطن العظيم.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

بكباشى عبد المنعم عبد الرءوف

قائد قوة بوليس حدود فلسطين

صور إلى:

• القيادة العامة للقوات المسلحة

• القوات الجوية

وبعد إرسالى كتاب تظلمى السابق بخمسة أيام فقط 29/5/1953 حضر إلى مكتبى فى الأمن اليوزباشى شمس بدران وأفهمته أن هناك ثلاثة حلول لمشكلتى.

1-إما إعادتى للقوات الجوية بدون قيد ولا شرط.

2-وإما وضعى ومعى حسين ذو الفقار صبرى تحت الاختبار بمدرسة الطيران.

3-وإما إحالتى للمعاش برتبة قائد لواء جوى.


جلسة مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر:

يوم 17 من اكتوبر 1953 قابلت نائب رئيس مجلس الوزراء جمال عبد الناصر والقائد العام للقوات المسلحة عبد الحكيم عامر, وجلسنا نحن الثلاثة حول نفس المائدة التى كنا نجلس حولها قبل المعركة , فى بداية الحديث فقل لى جمال: ننى لم أكن أعرف أنك موجود هنا, وق حضرت بناء على مكالمة من عبد الحكيم, سألته عن هدى ومنى ابنتيه وعن ابنه خالد.

فقال: إننى أود أن تزورمى مع زوجتك.

فلما كلمته عن شدة الحراسة وصعوبة الوصول إلى منزله قال عندك عباس رضوان يدلك على الطريق. بدأنا مناقشةة موضوع رجوعى إلى القوات الجوية, فتحدثت عن موقفى من الضباط الأحرار قبل وأثناء وبعد قيام الحركة, وما قدمته لها من خير وتضحية وذكرت جمال بموضوع مبايعته جماعة الإخوان المسلمين عام 1942 بجهة الطليبة وأن الإخوان هم اصحاب الفضل الأول فى هذه الحركة. وقد اعترف لى جمال عبد الناصر أمام عبد الحكيم عامر قائلا: أشهد ان الحركة حركتك وأنك مؤسسا الأول. فعاتبته عن إغفال اسمى فى مذاكراته التى نشرها!!

فقال: إنى لم أكتب سوى المقال الأول ثم استأنف الكتابة شخص آخر غيرى( ولم يرد أن يذكر اسم ذلك الشخص)

أكد لى جمال أنه لا يزال يتمسك بصداقته لى, ولمعروف الحضرى, وأنه حريص على الود القديم.

قلت له:إن من حقى الدخول معك فى مجلس قيادة الثورة.

فرد علىّ قائلا: أنا موافق على هذا.

ومن خلال الحديث , فهم جمال عبد الناصر أنى مديون, فعرض أن يسدد كل ديونى, ولكننى رفضت ذلك, وفهمت منه أننى لست وحدى المديون وأن عبد الحكيم عامر وصرح سالم مديونان لعبد الفتاح فؤاد, الأول بمباغ مائتى جنيه مصرى والثانى بمبلغ ثلاثمائة جنيه مصرى.

وأثناء جلستنا الثلاثية دخل علينا الطيار قائد السرب على صبرى وصاغ أركان حرب صلاح نصر ويوزباشى عباس رضوان كما أطلعنى جمال على مذكرة تعد عن ( النشاط السرى للإخوان المسلمين) ولم أقرأ منها إلا العنوان.

وفى نهاية الجلسة طلب منى جمال زيارته بمنزله لنأكل معا القرع, وسألنى إذا عندك تليفون, فأجبته أن عندى ثلاثة تليفونات, وكرر ذلك مرة أخرى قبيل خروجه.

وعندما هممنا بالخروج قال جمال: غنه سيخرج أولا حتى لا يعرف أحد أننا كنا مجتمعين.

وانتهى الاجتماع بالمصافحة والقبلات والوعد برجوعى للقوات الجوية إن شاء الله.


الرجوع إلى القاهرة:

بعد هذا إلقاء عدت إلى رفح وبقيت هناك حتى يوم 14 من نوفمبر 1953 حيث غادرت رفح ومعى أسرتى إلى القاهرة.

وبعد وصولى للقاهرة تحدثت تليفونيا مع البكباشى جمال عبد الناصر, وشكرته لموافقته على نقلى على نقلى للقوات الجوية ورجوته سرعة البت فى موضوع نقلى, وضرورة ذلك حتى أستطيع البحث عن سكن لأسرتى وتحويل أولاد من مدارس رفح إلى مدارس القاهرة, فأعطانى موعدا للقائه يوم الاثنين 16 من نوفمبر 1953 الساعة 1000, واعتذر عن عدم البت فى موضوع نقلى بأنه كان مشغولا فى السفر, وسرف يسأل القائد العام عن موضوعى وطلبت منه وقف المراقبة علىّ, فضحك ولم يعد بشىء, وسألنى عن أولادى وسألته بدورى عن أولاده.


لقاءات:

ذهبت يوم الأحد 15 من نوفمبر إلى القيادة العامة, وقابلت شمس بدران وعباس رضوان وصلاح نصر, وقد أعارنى شمس سيارة جيب أوصلتني إلى منزلى بالسيدة زينب.

ثم ذهبت يوم الاثنين 16 من نوفمبر 1953 إلى القيادة العامة ولكننى لم أستطع مقابلة القائد العام.

لقاء مع عبد الحكيم عامر:

وفى يوم الثلاثاء 17 من نوفمبر 1953 قابلت القائد العام الساعة 1415 بمكتبة, وعرض علىّ رتبة قائد لواء جوى, ثم انتدابى للطيران المدنى, بشرط ألا ألبس الزى العسكرى, ثم أحال إلى المعاش بعد سنتين.

فرفضت وسألته: لماذا تحرموننى من الزى العسكرى, وتعملون فىّ كل هذا؟!!

فأجابنى بقوله :أنت الذى عملت فى نفسك هكذا.

وأقسم بحياة أمه أن حسين ذو الفقار طار.

ثم طلب جمال عبد الناصر تليفونيا وحكى له ما دار بيننا, وأعطانى سماعة التليفون وكرر جمال على سمعى ما عرضه عبد الحكيم, فرفضت وحددنا ميعادا يوم السبت 21 من نوفمبر 1953.


تحديد الوضع:

استدعانى القائد العام للقوات المسلحة اللواء أركان حرب عبد الحكيم عامر يوم 21 من نوفمبر 1953 وقال لى: ن الجيش لا يحتمل اثنين أنا وأنت!! وعليك أن تختار بين أن تبقى فى المشاة برتبتك هذه ( البكباشى) وتترقى عندما يحل دورك, أو تنقل إلى سلاحك الأصلى الطيران برتبة قائد لواء جوى, على أن تحال إلى التقاعد وتتقاضى أقصى معاش لقائد فرقة جوية.

فآثرت الثانية للآسباب التالية:

• حسست بأننى غير مرغوب فيه من عبارته لى: إن الجيش لا يحتمل اثنين أنا وأنت.

• الرقابة الشديدة المضروبة حولى أينما سرت.

• عدم مساواتى فى المعاملة مع ابن دفعتى وزميلى فى حادث الطائرة مع الفريق عزيز المصرى الطيار حسين ذو الفقار صبرى.

وفى يوم الأربعاء 2 ديسمبر 1953 قابلت القائد العام بمكتبه فقال لى: إنه وقع نشرة ترقيتى إلأى رتبة لواء جوى اعتبارا من 1/12/1953 وسآخذ أقصى معاش لقائد فرقة جوية, حوالى ثمانين جنيها مصريا, وسأعمل فى مصلحة الطيران المدنى بماهية أخرى فى مستوى درجتى, وطلب منى الاتصال بقائد الجناح عبد اللطيف البغدادى بخصوص هذه النقطة.

وطلب منى تهنئة صلاح سالم بخصوص السودان , ثم سألنى: لى جانب من يقف؟!! إلى جانب عبد الرحمن السندى؟ أم إلى جانب الهضيبى؟

فقلت له: ننى محايد...

فرد علىّ: لى متى ستظل محايدا؟!!

وعرضت عليه إبقائى فى الطيران على أن أعمل مع الفلسطينيين, وأعين نائب حاكم إدارى عام بمرسوم جمهورى.

فرفض.

ولما ألححت عليه برغبتى فى العمل عرض علىّ العمل فى هيئة التحرير وقال إنه مسئول عنى لحين تسوية نعاشى, وما يبقى يكون على البغدادى, وأكد أنه من الضروري عملى تحت رئاسة جزارين. وفى يوم الثلاثاء 8 من ديسمبر 1953 الساعة 940 قابلت كاتم أسرار لواء حامد صالح بمكتبه وكان واضعا خلف ظهره لافتة عليها الكلمات الآتية:

احترم حقك وقدس حق غيرك

وأطلعنى على لجنتين اللجنة الأولى بإرجاعى إلى القوات الجوية برتبة قائد لواء جوى اعتبارا من 1/12/1953.

واللجنة الثانية بإحالتى إلى المعاش بنفس الرتبة اعتبارا من 2/12/ 1953 وجرت استفسارات مع القائد العام عن مقدار معاشى فقال:

أقصى معاش لقائد فرقة جوية.

وأخذوا علىّ إقرارا بذلك.

وقال لى كاتم أسرار لواء حامد صالح عندما سألته: ما رأيك فى هذه الحالة؟

فقال لى: ن فاتك فوته... أنت رجل مؤمن وشاب.


الفصل العاشر : رة فضيلة المرشد

ملف:الامام-حسن-الهضيبي.png
المرشد الثانى المستشار حسن الهضيبي

زرت فضيلة المرشد حسن الهضيبى بمنزله فى منيل الروضة, وشكوت له تفاصيل إحالتى إلى المعاش, وشرحت له للمرة الثانية تطور دعوة الإخوان المسلمين فى صفوف الضباط بالجيش, وأكدت له أنهم سيبطشون بأفراد الجماعة عسكريين وخمدنيين, ولن يتورعوا عن إقامة معسكر أسرى وسط الصحراء, ويضعوننا فيه حتى يقضى الله فينا أمره,

واستطيع أن أقرر هنا أن فضيلة المرشد حسن الهضيبى كان صريحا معى لأول مرة مما اثلج صدرى ورفع من معنوياتى.

قال لى فضيلة المرشد:

إذا كان الجيش قد فصلك فالإخوان يرحبون بك.

أما عن نواياهم نحو الجماعة فالله المستعان.

ثم اقترب منى برأسه واستمر فى حديثه لى:

إننى أكلفك بحصر الضباط والصف ضباط والعساكر الإخوان, وتنظيم وتدريب النظام الخاص. فقلت له : فيما يختص بحصر الضباط فأقترح تكوين لجنة منى ومن ابو المكارم ومن معروف الحضرى ومن حسين حمودة لتنفيذ ذلك.

وأما عن التكليفين الثانى والثالث فلقد رفعت لكم تقريرا مفصلا وأرسلته لكم مع الأخ نجيب جويفل وأنا فى انتظار موافقتكم من أسبوعين للتنفيذ. وبعد أن انتهيت منة حديثى مع فضيلته طلب منى الاتصال بالأخ الأستاذ عبد الحفيظ الصيفى على أن أمر بعد ذلك وانصرفت.

خرجت من عند فضيلة المرشد وذهبت فورا إلى منزل الأخ الأستاذ عبد الحفيظ الصيفى الذى لا يبعد عن دار المرشد سوى مقدار ربع ساعة سيرا على الأقدام.

فوجدته, وألقيت على مسامعه كل ما دار بينى وبين المرشد حسن الهضيبى. وكنت حريصا على إبراز خطورة الموقف وضرورة الاستعداد المنظم لتوجيه ضربة قاصمة إلى مجلس قيادة الثورة .

وهنا طلب منى الأستاذ عبد الحفيظ الصيفى تحليل شخصية جمال عبد الناصر.

فقلت له: إن لجمال عبد الناصر مزايا وعيوبا, أما عن مزاياه فهى طموحه وكرمه , وأما عن عيوبه, فهى حقده وخبثه وقسوته, ثم انصرفت على أن نتقابل فى اليوم التالى.


مع الشهيد يوسف طلعت:

عدت إلى منزل الأخ الأستاذ عبد الحفيظ الصيفى حسب الموعد المتفق عليه, وهناك تقابلت مع الأخ الشهيد يوسف عز الدين طلعت.

وتركنا الأستاذ الصيفى مستأذنا لإحضار القهوة, وبدأ يوسف الحديث فسألنى عما إذا كنت أقبل العمل معهم فى النظام الخاص.

فأجبته: لا مانع لدى ما دام ذلك لا يضعف الدعوة داخل صفوف الجيش. ثم طلب منى فى لهفة بيانا بالشروط الواجب توافرها فى أفراد النظام الخاص.

فقلت له: خذ منى الآن بيانا بالشروط الواجب توافرها فى أفراد النظام الخاص لاختيارهم من إخوان الشعبة, وسأنتظرك بعد ظهر الغد عند الأستاذ الصيفى ومعى كراسة عن النظام الذى أقترحه خاصا بالتنظيم والتدريب والتسليح والتشكيل.

وبعد أن حدثته عن الشروط أستأذن وانصرف.

وبعد قليل حضر عند الأستاذ الصيفى أحد الضباط الألمان, كان قد عمل كضابط أركان حرب مع الفيلد مارشال روميل, وبمجرد أن آرانى صافحني بحرارة وقال لى بعد أن تعرف علىّ:

إن الأستاذ الصيفى حدثنى البارحة بهذه المفاجأة السارة, وتحدثنا مليا فى السياسة وقال: لقد التقيت بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة, وأوضحت لهم وجوب الاهتمام بالناحية الاقتصادية للبلد كما تفعل ألمانيا الآن, ولا ينصرفون كلية للجدل السياسى.

ثم انتقل الحديث إلى حادث محاولة الهرب مع الفريق عزيز المصرى عام 1941 وقد عرض علىّ مبلغا من المال نظير تقديم معلومات عن قصة هروبى, فطلبت منه إمهالى أسبوعا , وللآن لم ألتق معه نتيجة الحوادث المتتالية.

وفى اليوم الثانى ذهبت إلى منزل الأستاذ عبد الحيفظ الصيفى حسب الموعد المتفق عليه مع الأخ يوسف عز الدين طلعت, ولكنه لم يحضر فسلمت الكراسة التى كنت قد وعدت بها الأخ يوسف والتى استغرق تجهيزها حوالى 15 ساعة.


هواجس واحتمالات:

اتصلت بابن عمى الشيخ عبد الفتاح أبو الفضل وأبلغته هواجسى عن احتمال اعتقالى وطلبت منه المشورة فقال لى:

إن لى صديقا حميما يسمى الأستاذ إبراهيم أبو زيد أبو دومة, ويمكنك الاختفاء عنده إذا شئت. فطلبت منه ان يعرفنا ببعض قبل البت فى هذا الموضوع فخرج وجاءا معا بعد نصف ساعة, وجلسنا نتحدث وألحق أقول: إننى أحسست براحة تامة عند رؤيتى هذا الصديق الجديد وقد قال لى: إننى فهمت من عبد الفتاح ما تريدهو خذ مفتاح شقتى هذا وأنا وشقتى تحت أمرك فى أى وقت. فشكرته وأخذت منه المفتاح ودسسته فى محفظتى, وأعطيته موعدا نلتقى فيه لاستطلاع مداخل ومخارج وموقع الشقة , وفعلا تم ذلك بعد ظهر نفس اليوم. سلمت إدارة الأسلحة والمهمات جميع العهدة الأميرية التى بطرفى, وقدمت جميع الأوراق الرسمية المطلوبة منى إدارة كاتم أسرار حربية, ولم يبق أى عائق لاستخراج سركى المعاش خشية أن أعتقل فتحار زوجتى هنا وهناك ويتعطل صرف المعاش.


الفصل الحادى عشر : إلى سجن البوليس الحربى

فى حوالى الساعة 11 من مساء يوم 8/1/ 1953 كنت أجلس انا وزوجتي نتجاذب أطراف الحديث, والنعاس يكاد يطبق أجفاننا رويدا وريدا.

وفجأة جلجل صوت الجرس الكهربائى فى أرجاء الشقة, فانتفضت واقفا وأسرعت نحو باب الشقة, وفتحت الباب فإذا بثلاثة من الشبان يرتدون الملابس المدنية يقفون أمامى فى وضع تحفزى وأيديهم داخل جيوبهم يتحسسون شيئا بها سألنى أقربهم منى: أين سكن اللواء الجوى عبد المنعم عبد الرءوف؟

فرددت عليه: أنا عبد المنعم عبد الرءوف الذى تسأل عنه.

فطلب منى ارتداء ملابسى والذهاب معه لمقابلة رئيس الوزراء جمال عبد الناصر ففتحت لهم وأجلستهم فى غرفة الاستقبال وحاولت الاستفهام عن سبب هذه المقابلة!! ولماذا لم يتصل بى جمال تليفونيا ليستدعينى إليه بدلا من هذه الطريقة الشاذة التى لم أتعودها من جمال صديقى حتى ذلك الحين.

ولما سألتهم عمن أرسلهم لى أجابوا أنه قائد البوليس الحربى البكباشى أحمد أنور.

فقلت لهم:إن هذا لشىء غريب!! وما علاقة البوليس الحربى بالمقابلة التى يريدها جمال؟! إننى أخشى أن انقلابا جديدا قد حدث وأراد قائد الانقلاب الجديد اعتقالي مؤقتا حتى تستقر له الأحوال, كما حدث مع بعض الضباط فى المرة السابقة!

فأكدوا لى أن كل شىء هادىء فى الخارج.

فسألتهم:هل أحضر معى ملابس؟

فلم يمانعوا... وهنا فهمت أن اعتقالا قد دبر لى.

فانتابنى رجفة لهذا الظلم وأحسست بالدماء فى كل عروقى. ولكننى تماسكت وتصنعت الهدوء أمام زوجتى , وبعد أن قدمت بنفسى للضيوف مشروب الكراوية, صارحت زوجتى بما دار بينى وبين هؤلاء الضيوف.

فاعترتها دهشة من هذا التصرف الشاذ من جمال عبد الناصر, واستأذنتنى التحدث معه تليفونيا لمعرفة السبابو فرفضت.


وداع:

ثم أعددت حقيبتى بسرعة, وقبلت ابنتى ّ عزة وعبلة التين كانا فى نوم عميق ووصيت زوجتى بهما, ثم تركت شقتى ونزلت مع الضباط الثلاثة.

وسرنا إلأى حيث كانت تنتظرنا سيارة عسكرية من طراز استيشن وجن أقلتنا جميعا إلى سجن البوليس الحربى بمحطة مصر وقتئذ.

وهناك أجلسونى فى غرفة أحد الضباط, وبعد فترة قصيرة شاهدت الصاغ أركان حرب حسين حمودة, فحاولت أن أفهم منه ولو بالإشارة شيئا فلم يجبنى بأكثر من كيف صحتك يا فلان؟

ثم اشار بيده اليمنى حول عنقه إشارة على خطورة الأمر.

وبعد ذلك حضر ضابط النوبة, وطلب منى تسليمه أية نقود أو أية أوراق معى, ففعلت, وأسرعت بتمزيق ورقة بها أرقام تليفونات الأهل والأصدقاء, ولولا ذلك لزج بهؤلاء الصدقاء والأقارب فى غيابات السجون بضعة شهور, ولكن الله سلم.

بعد تسليم كل ما معى, اصطحبني هذا الضابط للدور السفلى, فاستنتجت أننى ساودع زنزانة لا تتفق مع مركزى ووضعى دون ذنب ارتكبته أو جريمة اقترفتها, ولم أكد أعترض على هذا التصرف حتى طمأنني بأن جيرانى فى الزنزانات هم الصاغ أركان حرب معروف الحضرى وغيره من الضباط.

وأودعت الزنزانة رقم 9 وظل النور مضاء طوال الليل, وأعين الحراس لم تنقطع عن مراقبتى من خلال نظارة باب الزنزانة!

مر شهر على وجودى داخل هذه الزنزانة, استطعت خلال هذا الشهر أن أعرف نزلاء الزنزانات المجاورة, ونظمت طريقة لتبادل الرسائل معهم, ودرست نفسية الحراس من الصف والجنود, وتمكنت من الحصول على صورة واضحة عن التحقيقات التى أجريت مع صغار الضباط من مختلف أسلحة القوات المسلحة .

وتدرج التحقيق مع الرتب الكبيرة إلى أن وصل إلى البكباشى أركان حرب ابو المكارم عبد الحى, والصاغ أركان حرب معروف الحضرى, والصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ طبيب محمد حسين غراب, والصاغ فؤاد جاسر.

وفهمت من هذه التحقيقات ما يأتى:

1- أن أعين المباحث العامة والمخابرات لم تنم عن مراقبة تحركات البكباشى أركان حرب أبو المكارم عبد الحى والصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ أركان حرب معروف الحضرى والصاغ طبيب محمد حسين غراب.

2- أن هؤلاء الضباط كانوا دائبى الاجتماعات فيما بينهم وبين صغار الضباط من محتلف أسلحة الجيش بمنازلهم.

3- أنهم كانوا يترددون على المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين, وعلى منزل المرشد العام الستاذ حسن الفضيبى فى فترات متقاربة, مما جعل المخابرات تتخيل أن هناك أمورا تعد نظام الحكم القائم يدبرها بعض كبار الضباط وصغار ضباط الجيش, الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين بالاتفاق مع قادة الجماعة.


رسائل إلى منزلى:

فى خلال هذا الشهر استطعت أن أكتب إلى زوجتى, وكنت قبل القبض على قد اتفقت معها على كلمتى سر عند توقيعها وتوقيعى على الخطابات المتبادلة بيننا, ووصلنى منها الرد بكلمة السر المتفق عليها وبخطها المعروف لى ولون الغلاف وطريقتها الخاصة فى غلق وطى الخطاب, مما طمأننى على أمانة الشرطى الذى حمل خطابى إليها وجاءنى الرد منها, وهو من أقارب أخى الصاغ أركان حرب معروف الحضرى.

أثلج صدرى وملأ نفسى طمأنينة ما قرأت عن صفحة بنتى وارتفاع الورح المعنوية لزوجتى, وأخبرتنى زوجتى أن الفريق عزيز المصرى اتصل بجمال عبد الناصر وأنور السادات وعبد اللطيف البغدادى وعبد الحكيم عامر يسألهم الإفراج عنى فورا خاصة وأنهم أحالوني إلى المعاش منذ شهر واحد وكنت خلال العامين الماضيين منفيا فى أبى عجيلة ورفح بفلسطين مما يدل على ابتعادى كل البعد عن التحقيق الجارى, وعلمت من رسائلها أنها تتردد على طبيب الأسنان بعد ظهر كل يوم.


التحقيق:

فى يوم 8 فبراير 1954 استدعيت للطابق العلوى حيث أدخلونى غرفة قائد البوليس الحربى, وكان جالسا بها وزير الخارجية البكباشى أر:أن حرب زكريا محيى الدين الذة صافحنى بفتور ممزوج بالاستعلاء والكبر.

طلب منى الجلوس على مقعد أمامه ولجهة اليمين, وجلس على يساره اليوزباشى الرافعى من أبطال حصار الفالوجا, أما الملازم أول حليم فقد وقف خلف ستارة ومعه مسدسه, وكان بالغرفة جهاز تسجيل مخفى تحت المكتب. بدأ زكريا حديثه معى بهدوء فسألأنى عن كافة التكتلات التى كنت أعدها بغزة والعريش ورفح؟.

فنفيت له علمى بها.

فقال لى:الضباط يقولون ذلك عنى.

فأبديت كامل استعدادى لتكذيبهم فى مواجهتهم واستطردت قائلا له : إنه يؤلمنى أن أخى وصديقى جمال عبد الناصر يتخذ معى هذا الأسلوب, من إحالتى إلى المعاش فى سن مبكرة دون ذنب ارتكبته, ثم الزج بى فى زنزانة البوليس الحربى وتركى مدة شهر دون تحقيق فر علىّ باسلوب ثعلبى قائلا: نحن على إستعداد لإخلاء سبيلك إذا ساعدتنا!!

فقلت له:إننى أفهم ما ترمى إليه, ولكن لست أنا الذى أبيع فكرتى ومبادىء, لقد أحلتمونى إلى المعاش ظلما, ورميتم فى السجن ظلما رغم كفاحى الطويل الذى تعرفونه جميعا ,وآخرها ما قمت به خلال الثورة من الهجوم على قصر رأس التين وإخراج الملك السابق! إن الإنجليز مازالوا موجودين فى البلد وإننى على استعداد للتعاون مع شباب هيئة التحرير لمقاتلتهم! واستطردت منفعلا :

إنكم تعاملوننى هنا معاملة سيئة قاسية, ولقد منعتمونى من إتمام مهالجة أسنانى عهد طبيبى الخاص!

وهنا رد علىّ قائلا:لقد منعناك من إتمام معالجة أسنانك لأنك كنت تقابل زوجتك هناك وكذلك الفريق عزيز المصرى.

فقلت له:أما عن زوجتى فالصدفة وحدها هى السبب, وأما عن الفريق عزيز المصرى فهو أستاذنا جميعا وأسأل جمال عن ذلك.

كرر علىّ زكريا محيى الدين طلب المساعدة والتعاون معهم, فقمت واقفا مستأذنا فى الانصراف راجيا السماح لى بإتمام العلاج عند طبيب الأسنان. فسمح لى بالاثنين بعد أن أ‘طى أوامر مشددة بمراقبتى أثناء العلاج.

وحقا إنهم سمحوا لى بإتمام العلاج, إلا أن إدارة سجن البوليس الحربى كثيرا ما أرهقت أعصابى بعدم المواظبة على العلاج بحجة عدم وجود سيارة أو انشغال ضباط النوبة, وعدم وصول الأوامر بخروجى, وأ‘تقد أنه كانت هناك خطة مرسومة لمضايقتى.

كان البرد قارسا والجو رطبا فى زنزانات السجن مما اضطر إدارة السجن إلى وضع مدافىء بجوار الزنزانات, ومعاملة إخواننا ضباط الحرس لنا معاملة طيبة, وسمحوا لنا بإحضار الطعام من منازلنا.

لم تنقطع زوجتى يوما واحد عن إحضار طعامى بنفسها فى جميع السجون التى نقلن إليها بعد ذلك, اللهم إلا فى السجن الحربى الغائر فى بطن الصحراء دون وسائل مواصلات تصل إليه.

كما سمحوا لنا بإحضار أى طبيب خاص, وحدث لما مرض أخى معروف الحضرى طلب منى خلسة أم أكتب نيابة عنه إحضار طبيب خاص صديق لى أخصائى فى الأمراض الباطنية وهو الدكتور محمد سويدان, فلما حضر وكشف عليه أخذ معروف بسلامة نية اعتمادا فى هذا الطبيب يسأله عن أحوال البلد والإخوان... وعلمنا يعد أسبوعين تقريبا أن الطبيب محمد سويدان استدعى أمام جمال عبد الناصر نفسه وذكر له كل ما دار بينه وبين معروف.

رأيت فى هذا السجن كصيرا من الضباط والصولات ممن أعرفهم, وممن لا أعرفهم, منهم:

- اليوزباشى محمد جمال ربيع يوسف,والصولات شعرواى ومحمد صلاح الدين وموسى.

وكانت أقصى مدة قضيتها ضابط هى ثلاثة أسابيع ثم يفرج عنه, ولم يبق بالسجن غير شخصى وأبو المكارم عبد الحى وحسين حمودة ومعروف الحضرى وعبد الكريم عطية والصولات. إلى سجن الأجانب:

ذات يوم طلب منى الأومباشى الحرس ارتداء ملابسى, وتجهيز حقيبتى, مهنئا غياى بالإفراج, وكانت علامات الفرح والبشر يطفح بها وجهه.

إلا أن الأيام علمتنى ألا أصدق مثل هذه الأخبار إلا من شخص مسئول , فتريثت وقابلت الخبر بتحفظ شديد مع شكرى للحارس, وسألت عن الصف ضباط فأبلغنى أن شيئا خاصا بهم لم يصل به أوامر, وعلمت منه أن معروف خرج منذ ساعة فكلفت الأمباشى توصيل حقيبة طعام مليئة بالأطعمة المحفوظة إلأى الصول شعراوى الذى ردها ولم يأخذ منها سوى برطمان الدقة.

فدهشت لهذا التصرف العجيب, وأذكر أن الصول شعراوى كان قد بدأ منذ أسبوع يحرر ورقة كبيرة تحوى موضوعات دينية وطرائف وقصصا نتداولها جميعا ويضيف كل منا ما لديه من أخبار, وكان من بينها رسالة وصلتنا من الصاغ أحمد فؤاد جاسر عن نتيجة التحقيقات, مما أفهمنا الكثير عن مضمون التحقيق. خرجت من سجن البوليس الحربى ومعى جندى من المباحث الجنائية, وسرنا على أقدامنا سويا وكنت متلهفا وجهتنا , وعلى بعد حوالى خمسين ياردة تسلمتنى إدارة سجن محطة مصر( الأجانب مسبقا).

وكان ذلك يوم الخامس من شهر مارس 1954.


غرائب ومصادفات:

فى هذا السجن شاهدت حقائق أقرب إلى الخيال, ففى أول دقيقة قابلت مأمور السجن القائمقام أحمد الخضيرى الذى كان باشجاويشا على بالكلية الحربية عام 1936 يجلس بجواره السجين إبراهيم حافظ عاطف المحكوم عليه بالسجن مدة خمس عشر عاما بتهمة قلب نظام الحكم بالقوة, وكان البكباشى إبراهيم حافظ عاطف أمينا علىّ أيضا بالكلية وصحكت من تباين القدار!! وفى الأيام التالية شاهدت معى البكباشى أركان حرب أبو المكارم عبد الحى والصاغ عبد الكريم عطية, والصولات الأربعة الذين أودعوا الدور السفلى. وفى هذا السجن تحسنت لمعاملة تحسنا كبيرا من كافة النواحى, خاصة عندما سمح للأهل والأصدقاء بزيارتنا فحمدنا الله حمدا كثيرا, وقلنا فى أنفسنا هذه مبشرات الإفراج عنا.

وكان من نزلاء هذا السجن أيضا جميع الضباط المحكوم عليهم مع البكباشى إبراهيم عاطف. وفى أوائل شهر أبريل 1954 نزل السجن ضيفان جديدان الواحد تلو الآخر هما القائمقام أ{كان حرب يوسف منصور صديق ثم القائمقام أحمد شوقى. وصدرت الأوامر مشددة بعدم مقابلتهما إطلاقا ولكن لم تتمكن إرادة السجن من تنفيذ هذه الأوامر.


مظاهرات وأحداث:

أثناء وجودنا فى هذا السجن وقعت حوادث مارس 1954 الدامية, وقد رفعت من معنوياتنا كثيرا, إلى درجة فقدت شعورى عندما سمعت أصوات بعض المصفحات سلاح الفرسان تمر بسرهة أمام باب السجن, فأخذت أعدو نحو النافذة لرؤيتها وتحيتها, دون أن آبه باحدم من الحراس, واصطدنت بأمباشى الحرس المعين من قبل البوليس الحربى فقلت له:إن قدمك خير.. وسأرقيك لرتبة البشجاويش إن شاء الله.

وبعد دقائق عاد إلى هدوئى فأحسست بخجل شدييد لخروجى عن حدود الاتزان .

ثم تتابعت الأحداث:

أخذت حوادث مارس تتوالى علينا من الخارج فسمعنا بلموقف الخالد الجرىء الذى وقفه الصاغ خالد محيى الدين هو وإخوانه من قوات سلاح الفرسان والمظاهرات الشعبية التى قادها الشهيد عبد القادر عودة, مما أدى إلى الإفراج عن رئيس الجمهورية اللواء محمد نجيب وعودته إلى رئاسة الجمهورية, وسقوط وزارة البكباشى جمال عبد الناصر, وإالغاء مجلس الثورة, والتصريح بعودة الحياة النيابية, والإفراج عن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الستاذ حسن الفضيبى ومن معه من قيادات الجماعة, ورزيارة جمال عبد الناصر وصلاح سالم للمرشد فى منزله ردا للإعتبار, وتكذيبا لكل التهم التى وجهت إليه والإفراج عن ضباط الجيش المسجونين مع البكباشى إ[راهيم عاطف عدا القائمقام رشاد مهنا.

تحسين المعاملة:

وتحول السجن إلى خلية من كثرة الزوار من اصدقائنا الضباط وأقاربنا وأهلينا, وتبادلنا التهانى بإزالة الكابوس الحكم العسكرى واقتراب الحياة النيابية واحتمال الإفراج عنا. أما عن ضباط الثورة النوبة المعنين من لدن السجن الحربي فقد بدءوا يتوافدون علينا تباعا يصلحون أمورهم معنا ويسرفون فى إحسان التعامل معنا, ويعتذرون عن بعض الهفوات التى صدرت تجاهنا من بعضهم.

حل علينا شهر رمضان المبارك عام 1373 هـ ونحن فى هذا السجن والإخوان يروناا كل يوم فى زيارات من مختلف أنحاء القطر مهنئين بشهر الصيام وبقرب الإفراج عنا.

وكان من بين الزائرين الأخ الشهيد يوسف عز الدين طلعت الذى كان يدير حركة المنشورات السرية من مخبئه السرى, والتى كان لها أثر فعال فى زلزلة أعضاء مجلس الثورة, ويوزباشى بوليس محمد الشاذلى والدكتور توفيق الشاوى والحاج حسنى عبد الباقى والأستاذ رشاد الشريف من العريش والأستاذ صلاح الدين أبو الفضل.


وتغيرت الأحوال:

ولم يمض أسبوعان على هذه الحركة الخالدة حتى بدأ الجو فى الاكفهرار, وعادت الغمة من جديد, وإذا بالمظاهرات تجوب أنحاء القاهرة تهتف مستنكرة عودة الحياة النيابية, وتطالب ببقاء الثورة وسقوط الحرية, وتوقفت المواصلات فى جميع أنحاء الجمهورية نتيجة إضراب العمال بأمر من الحكومة تأييدا لهذه المظاهرات الغريبة التى لم يشاهد تاريخ مصر القديم ولا الحديث مثيلا لها فى تزوير الحقائق وتضليل الناس, وبدأت حركة اعتقالات جديدة, فاعتقل القائمقام أحمد شوقى قائد قسم القاهرة سابقا, والقائمقام أركان حرب يوسف منصور صديق عضو مجلس قيادة الثورة سابقا.

ونفى إلى فرنسا الصاغ البطل خالد محيى الدين ومعه أسرته بعد تأمين معاش مرض له قدره مائتان جنيه شهريا, وقد حاولت إدارة السجن منعنا نحن الضباط الإخوان من الاتصال بعما ولكنها لم تستطيع تنفيذ ذلك إطلاقا.


تبادل الآراء:بدأ رد الفعل هذا يحز فى نفوسنا وأخذنا نتشاور جميعا فى الموقف الجديد, فقال الصاغ أركان حسين حمودة.

إن جمال عبد الناصر لا زال قابضا على زمام الأمور وسيعود إلى رئاسة الحكومة بقبضة حديدية أشد من السابقة.

وقال القائمقام يوسف منصور صديق:إننى أعتبر الإخوان المسلمين وعلى رأسهم حسن الهضييبى مسئولين عن بقاء الحكم العسكرى قائما, فلقد اجتمعت بالهضيبى قبل الزج بى فى السجن, وعرضت عليه القيام بحركة مسلحة من الإخوان والشيوعيين وبعض ضباط الجيش ضد النظام العسكرى القائم ولكنه رفض.

ثم أردف يوسف منصور صديق موجها كلامه لنا:هل أنتم مستعدون لأن ننتزع من حرس السجن أسلحتهم أثناء نومهم ثم نتسلل إلى سجن البوليس الحربى لنحتله فإنا ننال حريتنا وإنا نتموت دفاعا عنها.

لقى هذا الإقتراح قبولا فى نفوسنا جميعا ما عدا البكباشى أبو المكارم الذى لم يبد رايه وظل صامتا, وأخذت أضع خطة لإخراج هذا الرأى إلى حيز التنفيذ يشاركنى فيها كل من معروف الحضرى ويوسف صديق, على أن نفاتح إخواننا الصولات بعد استقرارنا على خطة نهائية , ولكن الأحداث تتالت بسرعة لم تدع لنا مجالا لتنفيذ هذا الرأى.

بلغنى وأنا فى السجن حادث اعتداء القوات الصهونية على مركز حراسة فلسطينى برفح, أسفر عن مقتل ستة من المهاجمين بواسطة جندى فلسطينى من عشيرة أو ستة فأسرعت فى إرسال برقية تهنئة للشيخ عبد الله أبو ستة بخان يونس.

وجاءنى عشرات الخطابات والبرقيات من غخوانى وأصدقائى الفسلطنيين يهنئون بالإفراج ظنا منهم أنه تم فك إعتقالى.


علل وأمراض:

أحسست فى هذا السجن بآلام بالمصران الغليظ, وشكوت لزوجتى حالتى هذه فاتصلت بطبيبى الخاص محمد سويدان وأحضرته معها على أنه صديق زائر وبعد أن حرر لى الدواء اللازم دخل علينا إخوانى الضباط المسجون وأخذنا نتحدث عن متاعبنا فقال اليوزباشى عبد الكريم عطية:

لقد أحالونى إلى المعاش بمقتضى ورقة صغيرة طولها سبعة سنتميترات وعرضها ثلاثة سنتميترات جاء فيها بالحرف الواحد:

السيد اليوزباشى عبد الكريم عطيه موسى.

قرر مجلس قيادة الثورة إحالتكم على التقاعد اعتبارا من ... وشكرا

التوقيع إدارة الجيش

ثم أردف قائلا:وبعد ثلاثة أيام قبضوا على وزجوا بى فى السجن, ولم أتناول معاشى حتى هذه اللحظة.

وكان أغلب الحديث يدور حول اعتقالنا دون ذنب اقترفناه أو جريمة ارتكبناها وكان غرضنا من الحديث فى هذا الموضوع توصيل أصواتنا إلى المسئولين عن طريق الطبيب الصديق لعلهم يأمرون بالإفراج عنا ولكن خاب ظننا!!


الفصل الثانى عشر : المحاكمة أمام المجلس العسكرى العالى

فى صبيحة أول ابريل 1954 استدعيت لمقابلة مأمور السجن, وفى غرفته التقيت باثنين من ضباط السجن جاءا ليعلنانى بالمثول أمام المجلس العسكرى العالى الذى عقد يوم الاثنين 17 من ابريل فقلت لهما:

عن هذا موعد قريب جدا من جهة ومن جهة أخرى إننىمتمسك بالمحاكمة اما محكمة مدنية نظرا لأننى محال على المعاش منذ ثلاثة أشهر, فكيف يطبق القانون العسكرى علىّ؟!! وبعد أخذ ورد بينى وبينهما وتدخل مأمور السجن اقتنعت بان لا مفر من قبول الأمر الواقع وتسلمت منهما صورة الادعاءات ثم انصرفا.

وقبيل العصر زارنى بالسجن نائب الأحكام البكباشى خليل محمد خليل الذى اعتذر لى لكونه مدعيا فى محاكمتى طالبا منى تقدير ظروفه وطالبنى بتقديم كشف بأسماء شهود النفى والأخلاق فقدمت له كشفا بشخصيات مصرية اشتركت معى فى حوادث وأعمال وجهاد ضد المحتلين الإنجليز وضد الحكومات الحزبية الفاسدة التى كانت تعاصرهم.

ومن هذه الشخصيات:

  • الفريق عزيز المصرى.
  • البكباشى أنور السادات.
  • الأستاذ شوكت التونى المحامى.
  • الصاغ خالد محيى الدين.
  • الطيار حسن عبد العظيم عزت.
  • البكباشى جمال عبد الناصر.

وقدمتكشفا بأوراق رسمية تثبت على رأس الكتيبة التاسعة عشرة التى حاصرت وهاجمت قصر رأس التين فى يوليو 1952 والمعارك التى خضتها مع متطوعى افخوان المسلمين فى فلسطين عام 1948. كما قدمت أيضا كشفا بأسماء فلسطينية تشهد بمحبة أهالى القطاع المصرى الفلسطينى لى بسبب ما قمت به من مجهود مضن فى تدريب الكتيبة الفلسطينية على أحدث دروب القتال امثال عبد الرحمن الفرا والشيخ عبد الله أبو ستة والأستاذ هاشم الشوا وغيرهم.

أبلغت خبر بدء محاكمتى لإخوانى الضبط فاعترتهم الدهشة لهذا التحول المفاجىء, وبدأ كل منهم يعرض علىّ خدماته وينظم أقواله لصالحى فى حالة استدعائه كشاهد إثبات ضدى.

انتدبت الأستاذين طاهر الخشاب المحامى واللواء عباسزغلول المحامى للدفاع عنى, كما أن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبى انتدب الأساتذة عبد القادر عودة والأستاذ حسن العشماوى, وتطوع للدفاع عنى الدكتور عبد الله رشوان والأستاذ عبد الكريم منصور.

وفى صبيحة يوم الاثنين 17/ 4/1954 عقد المجلس العسكرى العالى بجهة معسكر العباسية برئاسة الأمير ألاى عبد الجواد طبالة وعضوية القائمقام حسن عبد اللطيف والبكباشى حسن محفوظ ندا والبكباشى يوسف السباعى وقائد الجناح على لبيب ونائب الحكام البكباشى( لا أذكر اسمه) والمدعى العسكرى حسن خليل وأعضاء منتظرون. وكانت الادعاءات كالاتى:

الادعاء الول : افتتح رئيس المجلس العسكرى جلسته الأولى, وعندما سألنى عمن أعارض فيه من هيئة المجلس عارضت فى الرئيس نفسه الذى اصفر وجهه وأخذته المفاجأة, وعارضت فى كل من, البكباشى محفوظ ندا, والبكباشى يوسف السباعى. أما أسباب المعارضة فلم أكاشفهم بها لحين عرضها على المحامين الذين تأخر حضورهم بسبب سوء الموصلات أو أنهم ضلوا طريقهم, ولما عرضت أسبا ب رد الأعضاء على هيئة الدفاع لم يوافقونى عليها وإنى أوجزها فى الآتى:

أما عن سبب ردى للأمير ألاى عبد الجواد طبالة فقد كان مشرفا على هيئى التحرير فى مديريته ومعروفا بعدائه لجماعة الإخوان المسلمين منذ معارك فلسطين, وعين أخيرا مدثيرا للكلية الحربية متخطيا الكثير من ضباط الجيش الممتازين.

أما عن البكباشى حسن محفوظ ندا فلأنى أعرف عنه فظاظة القلب منذ كان صف ضباط على بالكلية الحربية وتسبب لى فى أربعة عشر يوما حجز قشلاق بدون ذنب جنيته مما اضطرنى لأن أقذف البندقية فى وجهه, وكدت أطرد من الكلية ولكن الله سلم.

أما يوسف السباعى فلنى أعرف الكثير عن مؤلفاته الداعرة, فتصورت ام مثل هذا الكاتب لا يستسيغ مبادىء الإسلام التى تجاهد من اجلها الجماعة الإخوان المسلمين, وبالتالى لا يحب شباب الجماعة.

ولقد أكبرت يوسف السباعى عندما تقدم نحوى بعد انتهاء الجلسة وصافحنى متمنيا لى الخير. ماذا يريدون من محاكمتى؟

فى الجلسة الثانية التى عقدها المجلس سمع اعتراضي , وبدأت المحاكمة الجائرة التى لم يشهد القضاء العسكرى أو المدنى مثيلا لها فى التاريخ وسنوجز فى السطور التالية النقاط الهامة الواجب إبرازها:

1- كان غرض مجلس قيادة الثورة من هذه المحاكمة الجائرة إلصاق التهم الباطلة بالإخوان المسلمين الضباط الموجودين بالجيش ثم طردهم من الخدمة كى يطهروا الجيش من كل عناصر المقاومة, ومن ثم يتحول إلى جماعة الإخوان المسلمين ليحلها مرة ثانية, ويلقى بقيادتها فى غيابات السجون, ولقد سبق هذه المحاكمة التخلص من كثير من الإخوان المسلمين الضباط بالبوليس فرفت بعضهم وشتت الآخرون فى أنحاء الوجه القبلى, كما نقل عدد يربو على الستين موظفا من القاهرة ومنطقة القنال إلى الصعيد أيضا, ولا شك فى أن مثل هذه ( الفركشة) فى صفوف الإخوان علاوة على مجهودات جمال عبد الناصر المتواصلة لجذب أنصار من صفوف الجماعة لصفة, من أمثال الشيخ سيد سابق, ومحاولة تشكيك الإخوان فى صلاحية الأستاذ حسن الهضيبى كمرشد للجماعة , وتأليب بعض الشبان من أعوان عبد الرحمن السندى لمحاصرة دار المرشد العام ومحاولة إرغامه على تقديم استقالته, ومحاولة شغل الإخوان فى مناقشات بيزنطية تدور حول التعاون مع الحكومة أو هد التعاون, وأن العداء بين الإخوان والحكومة سببه عنجهية المرشد وعناده إلى غير ذلك من الافتراءات والأباطيل... كل هذا يوحى بسوء نية الثورة نحو الجماعة الإخوان المسلمين.

2- ثبت من سياق التحقيقات والمحاكمة أن نية مجلس الثورة كانت مبيتة لمحاكمتى قبل التحول لمحاكمة أبو المكارم عبد الحى وحسين حمود حمودة ومعروف الحضرى وعبد الكريم عطية والصولات بقصد اعتقالنا أطوال مدة ممكنة, وشغل قيادة الإخوان بنا ومحاولة مساومة الجماعة علينا وعلى حساب الوطن بان لا يعارض الإخوان المسلمون اتفاقية الجلاء.

3- كان شهود الإثبات ضدى فى القضية اثنين وعشرين شاهدا, تحولوا جميعا عدا خمسة إلى شهود نفى, وطعنوا جميعا فى الأقوال الابتدائية التى أخذها منهم الوزير الداخلية البكباشى أركان حرب زكريا محيى الدين , وصرح هؤلاء الشهود بأنها اقوال مزورة لم يسمح لهم بتلاوتها, وأجبروا على التوقيع عليها تحت ضغط التهديد والإرهاب, ولقد اثبتوا ذلك أمام المجلس العسكرى العالى.

4- ثبت أمام المجلس العسكرى أن رئيس الوزراء جمال عبد الناصر وقائد البوليس الحربى أحمد أنور لفقا بينهما قصة انقلاب خيالية ثم اجتمعا بدار الأول بمنشية البكرى بكل من الصاغ عبد الواحد سبل واليوزباشى الموجى والصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ ا{كان حرب معروف الحضرى ليوهموهم بأن هناك قوات مسلحة تريد إحداث انقلاب وتطلب معاونة جماعة الإخوان المسلمين أو على الأقل معرفة موقفهم من الانقلاب وتأييده إن أمكن تأييدا أدبيا.

5- لما وجد عبد الناصر وأحمد أنور أن جماعة الإخوان المسلمين متيقظة لمثل هذه اللعبة الدنيئة أسرع فى القبض على الإخوان الضباط حتى إذا فرغ من محاكمتى بتهمة تكتيل ضباط بالعريش ورفح وغزة بقصد إحداث انقلاب فى القطاع المصرى الفلسطينى وسيناء بدأ فى محاكمة الباقين بنية إحداث انقلاب فى القاهرة.

6- استطاعت هيئة الدفاع عنى وعلى رأسها الشهيد عبد القادر عودة أثناء استجواب الشهود أن تهلهل شهادات شهود الإثبات من واقع كلامهم المتناقض حول أمكنه وأوقات وأسلحة التدريب التى ادعوا أننى كنت أنظمها لجماعة الإخوان المسلمين فى منطقة صحراء سيناء وحول خطة الانقلاب التى أرسلتها مع اليوزباشى سعد الدين صبرى هلى كانت خطة أم تقدير موقف؟ وما محتوياتها فى كل حالة وحجم الورقة التى كتبت عليها ونوع الرصاص والحبر اللذين كتبت بهما, كما أوضح الشهيد عبد القادر عودة لهيئة المجلس أن سعد الدين صبرى كان مدفوعا من جهة المخابرات للإيقاع بى.

7- وبالرغم من أن هيئة لالدفاع دفعت بعدم جواز محاكمتى امام القضاء العسكرى لسببين:

أولا: لمرور ثلاثة أشهر على التهمة الموجهة لى كنص قانون الأحكام العسكرية.

ثانيا: لإحالتى إلى المعاش والإحالة إلى المعاش لضابط فى سن صغيرة مثلى وبدون سبب تعتبر عقابا وجزاء ولا يجوز توقيع جزاءين هلى جناية واحدة كنص القانون العسكرى.

اقول بالرغم من كل ذلك فإن هيئة المحاكمة وبالأخص للأمير ألاى عبد الجواد طبالة والبكباشى حسن محفرظ ندا وقائد الجناح على لبيب عندما رفض طلب الدفاع فى مثول كل من القائمقام أركان حرب يوسف صديق والقائمقام أحمد شوقى والصاغ خالد محيى الدين , وقائد الأسراب حسن عبد العظيم عزت والفريق عزيز المصرى أمام المحكمة كشهود نفى وأخلاق.

وهنا يسجل التاريخ عبارة قالها الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة:

إن الوطن الذى لا عدالة فيه لا أمن فيه!

قالها عندما رفضت هيئة المحكمة مثول الشهود السابق ذكرهم بحجة أن أمن الوطن يقتضى ذلك, ووضحت نياتها السيئة.

كذلك عندما تقدم الدفاع لهيئة المحكمة شاكيا عدم مثول الصاغ أركان حرب معروف الحضرى والصاغ أركان حرب حسين حمودة,واليوزباشى عبد الكريم عطية كشهود نفى, رغم طلبهم بالطرق القانونية عن طريق إدارة الجيش’

لكن الرئيس المحكمة أعلن عدم إمكانية إحضارهم , مخالفا استفتاء نائب الأحكام الذى أعلن احتجاجه كتابة فى محضر الجلسة لخروج الرئيس على قانون الأحكام العسكرية, وأخيرا وافق الرئيس مكرها واستجاب لفتوى نائب الأحكام .

8- كان يبدو على الرئيس وأغلب الأعضاء ضيق صدورهم نحو العدد الكبير من الإخوان المسلمين يزداد عددهم يوما بعد يوما لحضور المحاكمة فأصدرت المحكمة أوامرها للصحف كافة بعدم نشر أى شىء عنها, بل وعطلت جريدة الجمهور المصرى, وحكمت فيما بعد على صاحبها الأستاذ أبو الخير نجيب بعشر سنوات سجن, وحددت عدد المسموح لهم بالحضور لمحاكمة!!

9- الانتاقل إلى السجن الحربى:

فى يوم 28/4/1954, ولم يبق على حلول عيد الفطر سوى أسبوعين تقريبا نقلنا جميعا إلأى السجن الحربى وهناك تعرضنا لمعاملة سيئة وتضييق مؤلم يتنافى مع وضعنا كضباط وأيضا كمواطنين لم تثبت بعدا إدانتنا.

ومن صور هذه المعاملة ما يلى:

• وضع كل منا فى زنززانة انفرادية طوال اليوم.

• لا تفتح الزنزانة فى الأربع والعشرين ساعة إلا ساعة واحدة يتمشى فيها كل منا بمفرده فى حديقة السجن الخالية من الظل وذات الجو الخانق.

• المشى فى أرض الحديقة الجرداء تحت حراسة الجنود شاكى السلاح والسونكى مركب, وفى يوم 7/5/1954 كتبت طلبا لقائد السجن الحربى راجيا منه تنفيذ الطلبات الآتية:

أ‌- السماح لى بالإطلاع على الصحف اليومية.

ب‌- إحضار مذياع لغرفتى.

ت‌- زيادة فترة الفسحة لأربع ساعات يوميا.

ث‌- السماح لأسرتى بزيارتى.

وبينت له فى طلبى أننى كنت متمتها بكافة هذه الطلبات عندما كنت فى سجن المحطة, وأن المعاملة الحاضرة لنا لا يجوز تطبيقها على المجرمين السياسيين, وأن محاكمتى اجتازت طور التحقيق وهى الآن فى المرحلة الأخيرة.


غرائب لم تحدث من قبل:

كان لسوء معاملتنا أثر كبير فى نفوسنا خاصة بعد أن وصل إلى مسامعنا اعتقال زوجة القائمقام يوسف منصور صديق, لأنها عاتبت جمال عبد الناصر تليفونيا وتطور العتاب بينهما إلى تبادل الألفاظ النابية.

والمخجل فى تاريخ جمال السفاح ألا يتسع صدره لإمرأة مناضلة كانت توزع بنفسها منشورات الضباط الأحرار فى الطرقات والدور فيزج بها فى سجن محطة مصر الرجالى, وبذلك فرق بين الزوجة وزوجها وبينها وبين أبنائهما الصغار الذين لم يتعد سن أكبرهم اثني عشر عاما.


الإضراب عن الطعام:

فكر القائمقام يوسف صديق فى الإضراب عن الطعام, ونفذ الإضراب وامتدت العدوى إلى البكباشى أركان حرب أبو المكارم عبد الحى , والصاغ أركان حرب معروف الحضرى والصاغ أركان حرب حسين حمودة , واليوزباشى عبد الكريم عطية وإلىّ أيضا.

فحضر قائد السجن الحربى يرجوننى العدول عن الإضراب مقسما لى بأن المرشد الأستاذ حسن الهضيبى سبق فى محنة مارس السابقة ان زجر الإخوان المضربين هن الطعام لمخالفة ذلك الدين الإسلامى. فصدقته أوقفت إضرابى فورا.

بالرغم من هذا التشديد والتضييق وسوء المعاملة استطعت أن ألتقى فى ممر السجن المؤدى إلى دورة المياة ( خصوصا قبيل الإفطار وبعده وعند الوضوء) بقائد الأسراب حسن عزت والأستاذ المجاهد أحمد حسين.

أما ألول فقد أودع السجن قرابة أسبوع للتحقيق معه فى محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بالاتفاق مع الأستاذ عز الدين عبد القادر ثم أفرج عنه لتدخل البكباشى أنور السادات لما بين زوجة كل منهما والأخرى من صلة نسب.

وأما الثانى وهو الأستاذ المجاهد أحمد حسين فقد أفرج عنه بهد هربى من السجن بشهرين أو ثلاثة بعد وساطة بعض أصدقائه من الأعضاء السابقين فى جمعية مصر الفتاة.

انقطعت الاتصالات بيننا نحن الضباط الإخوان داخل السجن وبين الإخوان المسلمين بمن فيهم المرشد بعد انتقالنا إلى السجن الحربى.

ولم يبق إلا شخصى لأداء هذه الصلة, فسلمت خطابا من أبى المكارم للأستاذ الشهيد عبد القادر عودة ليوصله للمرشد وأبلغت الشهيد عبد القادر عودة سوء المعاملة التى نتلقاها وإضراب إخوانى عن الطعام.

الفصل الثالث عشر : مذكـرة

كتبت مذكرة مختصرة عن حياتى وجهادى قدمتها لهيئة المحكمة للدفاع عن نفسى أثبتها هنا وأقدمها إلى القراء فيما يلى:

مذكرة للدفاع عن قائد اللواء الجوى عبد المنعم عبد الرءوف.

1- النشأة.

نشأت فى وسط يجمع بين التدين والعسكرية, فقد كان لى أربعة أخوال, اثنان منهم شيخان حاصلان على شهادة العالمية من الأزهر الشريف وهما: الشيخ أحمد عبد الحليم أبو الفضل شيخ مسجد السيدة زينب, والشيخ عبد الحليم ابو الفضل من علماء الأزهر.

والخالان الآخران هما اللواء عبد الحليم أبو الفضل مفتش بالسجون سابقا, والمرحوم البكباشى عبد الغنى أبو الفضل.

علاوة على ذلك فقد كان والدى من الضباط العظام الذين حاربوا فى السودان ولى شقيق هو اللواء عبد القادر عبد الرءوف, وحوالى سبعة من أقاربى يعملون للأن بالجيش والبوليس.

2- الجهاد المبكر:

فى ديسمبر من عام 1932 كنت طالبا بالسنة الثانية الثانوية بالمدرسة السعيدية بالجيزة, وطردت من المدرسة بسب اشتراكى فى إثارة المظاهرات ضد حكومة صدقى باشا, وأثناء اليام التى كنت مطرودا فيها من المدرسة السعيدية كونت جمعية سرية مازال أعضاؤها أحياء يرزقون, وألقينا سبع قنابل على السفارة البريطانية والمنشآت الإنجليزية, وقد تمكنا من الإفلات من قبضة البوليس السياسى بسبب رجولة أعضاء الجمعية وحيلة بارعة أجراها أحدنا, وظل أمرنا خافيا لا يعلم به أحد حتى عام 1936, وقامت حكومة الوفد بعقد المعاهدة, ثم اصدرت عفوا عاما عن جميع الأعمال والجرائم السياسية, ولقد نشرت تفاصيل هذه الجريمة فى مجلة الإثنين عام1939. 3- التحقت بالكلية الحربية عام1936 وتخرجت فيها عام 1938 برتبة الطيار ثانى والتحقت بمحطة الدخيلة الجوية, ولما نشبت الحرب العالمية الثانية أحسست بكراهيتى للإنجليز تظهر من جديد, فقد أرادوا تسخير كل شىء فى البلاد المصرية من رجال ومنشآت حربية ومدنية لصالحهم, حتى جيشنا أرادو تجريده من السلاح إن لم يحارب فى صفهم, وقد طلب منى التعاون مع أحد الضباط الإنجليز فى غرفة العمليات بالإسكندرية, فرفضت فصدرت لى الأوامر بالسفر فروا للقاهرة.

4- التنظيم السرى داخل الجيش:

وفى القاهرة وجدت نفسى قريبا من الغليان الفكرى والثورة المضطرمة ضد الإنجليز سواء من الجيش أو الشعب فقابلت مصادفة زميلا لى منذ الكلية الحربية هو البكباشى أنور السادات, وتناول الحديث خطورة دخول مصر الحرب بجانب الإنجليز, وأنه من الضرورى تجنيبها شرور وآثام الحرب, ولابد من مقاومة الرأى القائل بتسليمهم سلاحنا لطعنها فى الوقت المناسب للفوز بالحرية لوطننا.

وافترقنا على لقاء بمنزلى وفى الميعاد المحدد خضر ومعه القائمقام أركان حرب رشاد مهنا ( يوزباشى حينئذ) وتناقشنا كثيرا وتوالت الاجتماعات هنا وهناك وكلفونى بتكتيل ضباط داخل القوات الجوية وبدأت أنشط مبتدئا ببث الكراهية للمحتل وضم المتحمسين منهم فى خلايا صغيرة فى شكل خمسات, بينما نحن سائرون فى هذا العمكل,حدث موضوع استقالة الفريق عزيز المصرى وموقفه المشرف من البعثة الإنجليزية وإدلائه بخطة الدفاع عن مصر بانتخاب منطقة العلمين إنشاء الدفاعات وليس مرسى مطروح, فزاد حب الضباط لعزيز المصرى ودعوناه لحضور اجتماعاتنا السرية طورا عنده, وتارة فى منازل الأعضاء الموثوق فيهم, ولكن عين قلم المخابرات البريطانية والبوليس السياسى لم تنم, ووجد عزيز المصرى نفسه مراقبا مراقبة شديدة كما أن حركة تكتيل الضباط سائرة بحذر وبطء وفى نفس الوقت نشبت حركة رشيد عالى الكيلانى بالعراق فأسر أنور السادات فى أذنى بان عزيز المصرى يريد مغادر ة البلاد, وقد كان وسقطت بنا الطائرة فى قليوب وحدثت المحاكمة إلى آخره.

5- دعوة الإخوان المسلمين:

عندما كنت فى السجن منظرا التحقيق فى حادث الطيران مع عزيز المصرى خرجت بالدروس الهامة التالية:

أ – لا يمكن إخراج الإنجليز من البلاد إلا بتعاون الجيش والشعب.

ب- إن الإيمان والمال عصبا الحركات الوطنية.

ج‌- يجب على كل مكافح الاستناد على هيئة شعبية منظمة قوية.

فلما خرجت من السجن تفاعلت هذه الدروس مع ترتيبتى العسكرية والدينية وشاء الله أن أقرأ على جدران الشوارع لافتات تحمل هذه الكلمات:

انضموا إلى الإخوان المسلمين... دعوة الحق والقوة والحرية.

وكان ذلك عام 1943 فانتابنى شعور قوى جارف للإنضمام إلى هذه الجماعة وفى احد الأيام كنت فة وزارة الحربية وسمعت حديثا من شخصين عن تلك الدعوة فتدخلت فى الحديث وطلبت من أحدهما تقدينى للمسئولين عن هذه الجماعة, وفعلا أعطانى أحدهما – وكان من الإخوان – موعدا فى نفس اليوم والتقيت به وعرفنى بالمرحوم الشيخ حسن البنا الذى قدمنى للمرحوم الصاغ محمود لبيب, والدكتور مهندس حسين كمال الدين عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين.

6- بداية حياة جديدة:

جلس ثلاثتنا المرحوم الصاغ محمود لبيب, والدكتور مهندس حسين كمال الدين وأنا نتحدث , فسألنى الدكتور مهندس حسين كمال الدين:

ماذا ترى فى دعوة الإخوان المسلمين!

فقلت:إنها الفكرة التى أبحث عنها منذ نشأتى, وإنى أصارحكم بما يجول فى خاطرى:

أ-بث دعوة الإخوان فى الجيش المصرى نواة جيش إسلامى شعبى.

ب- تدريب الإخوان تدريبا عسكريا نواة جيش إسلامى شعبى.

ج – طرد الإنجليز من بلادنا.

د –إلغاء الملكية.

هـ - تنصيب حاكم مسلم عادل.


7- الكتيبة الثالثة بنادق عام 1942:

حرمت من الاستمرار فى الخدمة بالقوات الجوية كعقاب بسبب حادث الطيران مع عزيز المصرى فنقلت إلى سلاح المشاة بالكتيبة الثالثة بنادق, وهناك بذلت مجهودا كبيرا فى التحصيل والتدريب على نوع جديد من العلوم العسكرية, وظللت أ‘مل بجد وإخلاص بسلاح المشاة وأتنقل من وحدة إلى أخرى قرابة اثنى عشر عاما كنت فيها مثالا طيبا. وتشهد بذلك تقاريرى السرية المكتوبة بواسطة عدد كبير من الضباط العظام ويمكن الإطلاع عليها.


8- نشر دعوة الإخوان المسلمين داخل صفوف الجيش:

بدأت أنشر دعوة الإخوان المسلمين فى كل وحدة أخدم بها, مبتدئا بالكتيبة الثالثة سالفة الذكر, وكان ممن استجاب لهذه الدعوة فى هذه الكتيبة البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر, والصاغ أركان حرب حسين حمودة, ومن وحدات أخرى الصاغ خالد محيى الدين, والصاغ أركان حرب كمال الدين حسين, والصاغ أركان حرب صلاح خليفة, والملازم سعد توفيق.

وانتشرت الدعوة فى أغلب وحدات الجيش, وكان المرحوم الصاغ محمود لبيب ينتقل من منزل إلى منزل, ليلتقى بالضباط ويدعوهم إلى التدين وقراءة القرآن.


9- القوات الجوية:

نظرا لصلتى القديمة بالقوات الجوية استطعت أن ألتقى ببعض الضباط فيها وعرفتهم بالصاغ محمود لبيب, وبدأ،ا نجرى اجتماعات دورية لنشر دعوة الإسلام ومن بين من استجابوا لهذه الدعوة قائد السرب حسن إبراهيم, وقائد السرب عبد الرحمن عنانى وقائد الجناح عبد اللطيف بغدادى وغيرهم.


10- البيعــــــة

لقد بايع جمال عبد الناصر وكل من ذكرتهم فى هذا البند 8 فى ظرف واحد, وكلهم يذكرون ذلك اليوم جيدا, كانت البيعة تحمل معنى الجهاد فى سبيل الله والعمل للحكم بكتاب الله, وإقامة الدولة الإسلامية, وبعد أن أعطينا البيعة ذهبنا للمرحوم المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الإمام حسن البنا فى داره, وعلم بها بحضور عبد الرحمن السندى, وكتمنا السر لهذه البيعة حتى كشفها أنور السادات فى مذاكراته بجريدة الجمهورية, وطبعا بإيحاء من جمال عبد الناصر.

وأما باقى الضباط فمنهم من أعطى البيعة للصاغ محمود لبيب ومنهم من لم يعط.


11- الاشتراكات:

كان نجمع اشتراكات من الضباط تتراوح ما بين 25 قرشا إلى خمسين قرشا تسلمها الصاغ محمود لبيب من جميع الخلايا وقد بلغت حوالى ثلاثمائة جنيه صرفت على الوجه الآتى:

أ‌- شراء كتب دينية. وكان الملازم أول حسين حموده مسئولا عن المكتبة.

ب‌- مساعدة اسر الضباط الذين استشهدوا فى معارك فلسطين فيما بعد.

ت‌- مساعدة اسر الضباط الذين اعتقلوا عام 1947 فى قضية قلب نظام الحكم (مذكرات جمال عبد الناصر فى مجلة المصور) ولقد اشترك فى الدفع عدد كبير من الضباط من مختلف الوحدات إذ وجدت الدعوة لها مكانا فى قلوب الكثيرين منهم.


12- موقف جمال عبد الناصر عام 1947.

أ‌- نشط جمال فى تكتيل الضباط حول دعوة الإخوان المسلمين, وهو الذى دعا الصاغ معروف الحضرى والصاغ مجدى حسنين.

ب‌- كان يدفع لى الاشتراكات لمن دعاهم.

ت‌- كان يعتبرنى أخاه الأكبر وينفذ كل ما أطلبه منه.

ث‌- كنا نجتمع بداره كثيرا.

ج‌- قال جمال عنى لحسين حمودة: إننى أقدر وأحترم جهاد عبد المنعم عبد الرءوف وتفانيه فى دعوة الإسلام.

ح‌- كنت أثق فى جمال جدا لنشاطه وذكائه, وكنت أعتبره ساعدى الأيمن وعرفته بكثير من الضباط وخاصة الضباط الطيارين, وهم الذين ساعدوه فيما بعد فى انقلاب 23 يوليو 1952 ( البغدادى وحسن إبراهيم – عنانى)


13- قضية قلب نظام الحكم عام 1947:

قبض علىّ وعلى 16 ضابطا على راسهم القائمقام أركان حرب محمد رشاد مهنا, ولظروف سياسية أوقف السير فى المحاكمة, ولقد قام جمال عبد الناصر بدور هام أثناء الاعتقال إذ تسلم مبلغا كبيرا من الاشتراكات ودفعها لأسر الضباط المعتقلين( مذكرات جمال بمجلة المصور).


14- البكباشى أنور السادات وقائد السرب حسن عبد العظيم عزت:

فى أحد الأيام من عام 1943 حضر لمنزلى كل من أنور السادات وحسن عبد العظيم عزت وأفهمانى أن حالتيهما المالية سيئة ويريدان الكفاح من أجل لقمة العيش وطلبا منى إمدادهما بأى مبلغ. فرجعت فورا لدارى واستشرت زوجتى التى أخرجت كل ما معها وكان مبلغ سبعين جنيها , ثم ذهبت إلى الصائغ حيث باعت حليها بمبلغ مائتى جنيه, وسلمت المبلغ بعد يومين لهما معا دون إيصال, راجيا لهما التوفيق من الله, ولقد سدد جزء من هذا الدين بواسطة حسن عزت فى فترة بلغت ثمانية أعوام, ومازال السادات مدينا لى بمبلغ تسعين جنيها.


15 – تدريب الإخوان:

عندما ظهر العدوان الصهيونى على قلب العالم الإسلامى فى فلسطين عزم الإخوان المسلمون على السفر لمقاتلة اليهود, وكنت وقتئذ مدرسا بمدرسة المشاة وطلب منا الإخوان تدريبهم استعدادا للسفر للقتال, فتصلت بجمال عبد الناصر الذى أبدى استعدادا طيبا واستطعنا تدريب عدد كبير منهم فى مكان ما بضواحى القاهرة.


16- التطوع فى كتائب الإخوان فى فلسطين:

قدمت طلبا للتطوع وسافرت فعلا مع الإخوان تحت قيادة المرحوم أحمد عبد العزيز وكثير من الإخوان الضباط, وهم الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين واليوزباشى أنور الصيحى, واليوزباشى خالد فوزى والصاغ حسين فهمى عبد المجيد.

وقد رافقنا – مندوبا عن الإخوان – الشهيد الشيخ محمد فرغلى.


17 – أهم المعارك الحربية:

خضت مع كتائب الإخوان المسلمين عدة معارك أهمها الهجوم على مستعمرة دير البلح والمنشية والعصلوج, وقد استطعت فى معركة دير البلح إنقاذ أرواح خمسة وعشرين متطوعا, على رأسهم الصاغ أركان حرب معروف الحضرىو الذى اصيب فى هذه المعركة برصاصتين فى رأسه وكتفه, أما معركة العصلوج فقد استطعت بفضل نشاط دورياتى المستمرة ليلا ونهارا أن أكون فكرة سيلمة عن نيات العدو باقتراب مهاجمتى, وتحققت معلوماتى, ورغم تفوق العدو فى الرجال والسلاح وخفة الحركة, وبالرغم من اعتصام الجنود المتطوعين من الليبيين فقد دخلت المعركة وحوصرت 48 ساعة ثم انسحبت بما تبقى من قوات بعد أن كبدت العدو خسائر فادحة فى المصفحات والرجال وأجرى مجلس نحقيق معى أثبت براءتى وإدنة آخرين ممن هم أكبر منى رتبة.


18- ترك المتطوعين والعمل بالجيش:

وبعد معركة العصلوح وانتهاء التحقيق قررت العمل مع الجيش للأسباب الآتية:

أ‌- سوء الحالة الإدارية والنفسية لدى المتطوعين بسبب تصرفات القادة من الضباط الكبار.

ب‌- تفشى المحسوبية فى معاملة الضباط الأحدث.

ت‌- امتناع قيادة الجيش عن تزويد المتطوعين باحتياجاتهم من السلاح والذخيرة.

ث‌- وجود سوء تفاهم بين قيادة المتطوعين وقيادة الجيش.


19- زيارات وهدايا

علمت أن جمال عبد الناصر موجود ببلدة أسدود, وكنت حينئذ ببلدة المجدل والمسافة بينهما خمسة وخمسون كيلوا مترا فسافرت لزيارته ونظمنا الاتصالات مع بعض, وقد أهدانى مصحفا شريفا كتب عليه:

( إلى أخى عبد المنعم عبد الرءوف ذكرى نجاته من معركة العصلوج بحمد الله) ومازلت محتفظا بهذا التذكار حتى يومنا هذا, واتفقنا معا أنا وجمال على أن يخبر كل منا زميله قبيل قيامه بأجازة ميدان للقاهرة, وكان أن حمل لدارى بعض الهدايا منى وكذلك فعلت معه, وفى إحدى المرات اوصانى أن ابلغ زوجتى بزيارة زوجته وفعلا أرسلت لزوجتى خطابات بهذا المعنى, وهى موجودة طرف زوجتى حتى الآن.


20 – العودة للوطن وإعلان الهدنة:

أ‘لنت الهدنة بين الجيوش العربية وإسرائيل, وظلت قوات مصرية محاصرة (بالفالوجا), وبعد مباحثات تم الاتفاق على رفع الحصار وانسحاب القوات المحاصرة وكان معها جمال عبد الناصر وآخرون من الضباط الإخوان أمثال الصاغ وحيد جودة رمضان قائد منظمات الشباب سابقا وغيره, ولا يفوتنى أن أذكر الأعمال الرائعة التى قام بها الصاغ أركان حرب معروف الحضرى فى اختراق حصار الفالوجا بقافلة من 110 جمال محملة بالسلاح والذخيرة والأكل والأدوات الطبية لانقاذ الحامية المحاصرة من الموت جوعا وتخفيف آلام الجرحى, وفى المحاولة الثانية, بتزويد الفالوجا وقع معروف الحضرى أسيرا فى يد اليهود, فكان مثالا للضابط الشهم القوى الإيمان, حتى قال عنه اليهود ووصفوه ( بالضابط البطل) ورسموا له صورة كاريكاتورية ووضعوها فى بلدة العوجة, ولكن جمال عبد الناصر لا يعترف بهذه البطولة وهذا الجميل لمعروف الحضرى, فقد قال له فى معرض نقاش قبيل القبض عليه بساعات:

يا معروف إنك جئت للفولوجا لتنفيذ خطة الإنجليز فى تسليم سلاحنا لليهود ( خطة دمشق)!! وهكذا يفترى على التاريخ!!

كما أن صداقتى للصاغ وحيد جودة رمضان بدأت فى المجدل, وعلمت أنه من الإخوان المسلمين فتعانقنا والتقطت لنا صورة معا( مرفقة طيه).


21- تجديد النشاط والدعوة الإخوانية بالجيش:

عندما عادت القوات المحاصرة للقاهرة , وارتاحت قليلا بدأت أنشط فى الدعوة الإخوانية من جديد, ولكن هذا النشاط سار ببطء للأسباب الآتية:

أ – قتل المرحوم الشيخ حسن البنا.

ب- تعرض الإخوان لحركة واسعة من الإرهاب والاعتقالات.

جـ- مرض الصاغ محمود لبيب ثم وفاته بعد فترة مرض طويلة .

خ‌- استبقائى فى فلسطين مع وحدتى بعيدا عن القاهرة وإخوانى الضباط.


22- الخروج على دعوة الإخوان وقيام حركة الضباط الأحرار:

بدأ جمال عبد الناصر يتنكر لدعوة الإخوان المسلمين ويتملص من البيعة التى ارتبط بها وقد وضح ذلك من كلامه للضباط, فقال لكل من الصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ أركان حرب صلاح خليفة: " إننى أكد وأتعب فى تكتيل الضباط الأحرار لإجراء انقلاب عسكرى, ولن أسمح لذوى الذوقون ( أى الإخوان المسلمين) أن يجنوا ثمار تعبى وتولى الحكم!!

وظل جمال يدعو لهذه الفكرة الجديدة سرا بين الضباط وساعده على انتشارها ما يأـى:

أ‌- كراهية ضباط الجيش للحكام الذين تسببوا فى دخوله حرب فلسطين التى انتهت بهزيمته.

ب‌- كراهية الشعب للملك فاروق وحاشيته بسبب مجونه واعتداءات الحرس الحديدى.

ت‌- وجود تجاوب بين الشعب والجيش فى التخلص من الملك والأحزاب القديمة.

ث‌- وجود جمال عبد الناصر مع عدد كبير من الضباط الذين كانوا محاصرين معه فى الفالوجا بالقاهرة مركز النشاط.

ج‌- استجابة عدد كبير من الضباط الذين كانوا بدعوة الإخوان له أمثال خالد محيى الدين, ووحيد جودة رمضان, ومجدى حسنين, وحسن إبراهيم وعبد اللطيف البغدادى وحسين الشافعى.


23- المنشورات:

بدأ جمال عبد الناصر يكتب المنشورات موقعا عليها بتوقيع الضباط الأحرار ويرسلها للضباط سواء على عنوان الوحدات أو المنازل, فأبلغت نبأ هذه المنشورات إلى المختصين فى جماعة الإخوان , وجاء فى الرد يعدم التعرض لهم مع عدم التورط معهم فى أى عمل, ورغم ذلك لم ابخل عليهم عندما حضر لمنزلى الصاغ خالد محيى الدين طالبا منى مبلغا من المال لشراء ماكينة رينو فدفعت له فورا سبعة جنيهات.


24- مضاعفة النشاط الإخوانى:

بدأت منذ حركة المنشورات أضاعف نشاط الإخوانى بالوحدة التى كنت بها وهى الكتيبة الحادية عشرة بنادق بغزة ثم نقلت إلى الكتيبة العاشرة بنادق بالشط فاستمررت فى نشاطى ودعوة اليوزباشى سعد الدين صبرى واليوزباشى كمال الأمين محجوب, وعرفت بين الضباط أننى أدعو للفكرة الإسلامية مما حدا باللواء صلاح حتاتة مدير سلاح المشاة وقائدى سابقا بأن يكتب عنى فى تقريرى السرى السنوى( أننى ضابط أعرف رأيى جيدا) فضلا عن أن جميع تقاريرى السنوية فى الميدان وقبيل الانقلاب تشير إلى امتيازي فى أعمالى العسكرية.


25- مقابلتان وتحديد موقف:

أكرر بأن نشرى للفكرة الإسلامية فى وحدات اللواء الرابع التابع للفرقة الأولى المشاة والتى كان يعمل مع الصاغ أركان حرب عبد الحكيم عامر ( القائد العام للقوات المسلحة) دعت الصاغ المذكور إلى استدعائي لميس الكتيبة الفلسطينية بحضور الصاغ وحيد رمضان, قد بدأ الصاغ هبد الحكيم عامر الحديث قائلا لى:

إننا نعلم مدى نشاطك لفكرة الإخوان المسلمين ونريد منك الانضمام إلينا فى جماعة الضباط الأحرار, ومستعدون لأن نسلمك تنظيمنا السرى الخاص لتدريبه, وبعد مناقشات حول تفيمهما شمول فكرة الإخوان المسلمين بالنسبة لفكرة الضباط الأحرار المحدودة لم يقتنعا , وافترقنا على أن أساعد فى تنظيم الضباط الأحرار فى الحدود التى لا تتعارض مع دعوتى.

أما المقابلة الثانية فقد حدث أن عبد الحكيم عامر نقل الحديث الذى دار بيننا إلى البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر, فأرسل جمال لى بمنزلى كلا من الصاغ أركان حرب خالد محيى الدين والصاغ أركان حرب كمال الدين حسين على انفراد فى أوقات متفاوتة ومتقاربة, وطلب كل منهما منى لى لقائه بى أن أحدد موقفى بالنسبة لدعوة الإخوان, وتنظيم الضباط الأحرار فكررت عليهما ما سبق أن قلته لعبد الحكيم عامر.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت المنافسة بين الدعوتين فى الجيش, ولم يمنعنى ذلك من الإبقاء على صداقتى الشخصية بينى وبين جمال وعبد الحكيم وكمال الدين حسين وخالد محيى الدين فى صورة زيارات ودية وهذا ما أمرنا به الإسلام.


26 – زيارة تتحول إلى مشادة وتهديد وقطيعة:

وفى إحدى إجازات الميدان كنت فى زيارة للصاغ أركان حرب أمين هويدى القاطن بكوبرى القبة, وذهبنا معا لصلاة الجمعة, فإذا بى أقابل البكباشى جمال عبد الناصر ومعه البكباشى حسين الشافعى يرديان الصلاة, وانصرفنا جميعا وبعد توصيل أمين هويدى إلى منزله توجهنا بعربة جمال عبد الناصر إلى المستشفى العسكرى حيث نزل البكباشى حسين الشافعى وواصلت الطريق مع جمال عبد الناصر وقال لى فى معرض الحديث:

إن حسين الشافعى انضم للأحرار وبلاش تكتيل ضباط ضابط لدعوة الإخوان!! مشيرا إلى زيارتى وصلاتى مع الصاغ أركان حرب أمين هويدى, وكنا قد وصلنا لشارع الملك فأوقف عربته وقال لى: إحنا مش عاوزين نضرب فى بعض!!

فرددت عليه:إن هذا لم يجل بخاطرى أبدا.


27 جمال يطلب منى أن يكون الصلة بين الأحرار والإخوان:

بعد وفاة المرحوم الصاغ محمود لبيب قابلنى الصاغ وحيد رمضان وفهمت منه أنه يظن بأننى خليفة المرحوم محمود لبيب فى القيام بمهمته فى جماعة الإخوان المسلمين, فلم أعر كلامه اهتماما ولم أرد عليه.

ثم زارنى البكباشى أركان حرب جمال عبد الناصر فى منزلى وطلب منى أن يكون رسولا بين جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الضباط الأحرار.

فأجبته : أن هذا التعيين ليس من اختصاصى.

ثم أردف قائلا:إنه زار الأستاذ عبد الرحمن السندى رئيس النظام لجماعة الإخوان المسلمين بالمستشفى وقال لى: إنهما تحدثا بشأن تنسيق العلاقة بين الإخوان الضباط والضباط الأحرار, فسكت.


28- جمال يحاول تدريب الإخوان بدون علمى:

وفوجئت بزيارة عبد الرحمن السندى بمنزلى وإبلاغى أن جمال اتصل به وعرض عليه تدريب الإخوان استعدادا للسفر إلى القنال, وطلب منى مقابلته فى شركة سعد جبر بعد الظهر, وذهبت فى الميعاد فوجدت بعض الإخوان والصاغ أركان حرب كمال الدين والصاغ محمد عبد الله من المدفعية( الذى سجن فى حركة الانقلاب مع القائمقام رشاد مهنا) وشعرت بأن وجودى لم يحز قبولهما وبعد ساعة تقريبا فى تنظيم عملية التدريب وتحديد مكان التدريب انفض الاجتماع وعلمت من عبد الرحمن السندى أن كمال حسين ومحمد عبد الله انقطعا عن الحضور وعزا ذلك أن جمال لا يريد أن أعرف شيئا عن اتصالاته بالإخوان.

استنتاجات:

1- يتضح أن جمال ظن أن لى مركزا مرموقا فى جماعة الإخوان ويريد أن ينحينى جانبا.

2- أنه أراد التسلل لصفوف الإخوان عن طريق التدريب ليضم منهم أنصارا له ويعرف أسرارهم.


29 مقابلة القائمقام أركان حرب يوسف منصور صديق:

كنت بالكتيبة الحادية عشرة بنادق عندما زارنى الصاغ وحيد جودة رمضان ودعانى لداره بالعريش وهناك عرفنى يوسف صديق وفهمت من الأخير أنه انضم للأحرار, وطلب منى توزيع منشورات ودفع اشتراكات, فأجبته بأننى أعلم ذلك وعلى استعداد لمساعدتهم بشرط ألا يتعارض هذا مع مبادئى التى تتمثل فى الدعوة للإخوان وتوالت الاجتماعات فى داره وشاهدت عنده الآتية أسماؤهم:

قائد الجناح جمال سالم, وقائد الجناح بهجت مصطفى, وصاغ أركان حرب صلاح الدين نصر, وقد كلفنى يوسف منصور صديق بالمساهمة فى دفع مساعدات مالية لطبع وتوزيع منشورات ففعلت, واشترطت عليه تمسكى بفكرتى الإسلامية والدعوة لها.


30 – مناقشة حادة بين وبين جمال سالم:

وفى مرة من المرات كنت جالسا ومعنا سويف صديق وجمال سالم وبهجت مصطفى فأخذ جمال سالم يشيد بعظمة أمريكا وشعبها والنظام والأخلاق والحرية فقلت له: إن الأخلاق فى تلك البلاد متدهورة والرشوة متفشية حتى بين أعضاء الكونجرس والعصابات تستطيع فرض إتاوات على الناخبين لتزوير الانتخابات وخطف الأطفال منتشر أما العظمة التى تقول بها فهى عظمة قوة السلاح واختراع!! وقلت له: إن أمريكا عدوة للإسلام وللمسلمين فهى التى أوجدت إسرائيل ونشرت التبشير فى إفريقية.

فقال لى: إن تمسكنا بالإسلام رجعية وتزمت.

وهنا أوقفت المناقشة.

ولم يمر أسبوع حتى طلعت علينا مجلة آخر ساعة ( وكأن بينى وبينها مواعدا) تفضح أمريكا وخطر العصابات على الانتخابات فأطلعت جمال سالم الذى اخذ يكذب ما جاء فى هذا المقال فقلت له: إن المستقبل للإسلام, وكان هذا فى حضور يوسف صديق.


31- أسعد إجازة ميدان والإشتراك

فى 18 يوليو 1952 قمت بإجازة ميدان مدة تسعة ايام من أبى عجيلة للقاهرة وفى 19 من يوليو صباحا توجهت لزيارة الصاغ أركان حرب عبد الحكيم عامر بمنزله أعوده لمرضه وقد استقبلنى وبعد أن عبرت له عن تألمى لمرضه الطويل وغيابه عن سيناء أذكر أننى شاهدت صورة الفريق محمد حيدر( خال عبد الحكيم) فى إحدى المجلات على المنضدة فأبديت رأيى بصراحة فيه بأن من أعوان الملك الذين تسببوا فى حوادث الأسلحة الفاسدة والتستر على جرائم الحرس الحديدى.

وبعد نصف ساعة ودعنى على أن نتقابل فى اليوم التالى الساعة 10 صباحا بمنزله حيث يكون موجودا جمال عبد الناصر.


32- تسلسل الحوادث

أ‌- فى 19 من يوليو 1952 ذعبت لعبد الحكيم بمنزله حسب الموعد الذى اتفقنا عليه فلم أجده, ثم ذهبت لمنزل جمال عبد الناصر ثم لمنزل كمال الدين حسين فلم أجدهما. وفى الطريق قابلت الصاغ صلاح نصر, الذى شرح لى أن انقلابا عسكريا سيحدث فى الأيام القليلة المقبلة وستشترك فيه كتيبة بقيادة القائمقام احمد شوقى. وافترقنا على أن نتقابل فى داره فى مساء اليوم التالى.

ب‌- فى 20 من يوليو 1952 مساء ذهبت لصلاح نصر بداره بشارع الملك ولكنى لم أستطع الاهتداء إليه, وظللت أسأل كل بواب عمارة, ولكن دون جدوى وبعد أن أعيتنى الحيلة رجعت.

ت‌- فى 21 من يوليو 1952 ذهبت لمنزل جمال عبد الناصر فى المساء فلم أجده وبالتالى لكمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر فلم أجد أحدا منهما.

ث‌- وفى يوم 22 من يوليو 1952 حاولت الاتصال تليفونيا بجمال فى الكلية فلم أجده فقررت التريث وانتظار الحوادث.

ج‌- يوم 23 من يوليو الانقلاب التاريخى.

ذهبت فى مساء هذا اليوم لتهنئة جمال وعبد الحكيم وصلاح وحسن إبراهيم بنجاح الانقلاب, وقد لاحظت شدة تعب جمال وذهب لإحدى الغرف ونام على السرير فذهبت معه وأخذ يقول لى:

لقد تركنا ثغرة كبيرة فى خطة الانقلاب فقوات الإسكندرية لا نعرف موقفها ثم راح فى سبات عميق. وفى يوم 24 من يوليو 1952 قابلنى القائمقام أحمد شوقى والصاغ كمال الدين حسين وقال لى الأول: إنك عينت قائدا للكتيبة التاسعة عشرة وستصلك أوامر بذلك ثم انصرف وفى ليلة 24/25 من يوليو حضر لمنزلى حوالى الثانية بعد منتصف الليل الصاغ أركان حرب عبد الوهاب جمال الدين وابلغنى نبأ تعيينا قائدا للكتيبة التاسعة عشرة وطلب منى الذهاب فى اليوم التالى لتسلم الكتيبة ثم انصرف.

وفى حوالى الساعة 400 وصلتنى إشارة بخط الصاغ عبد الوهاب جمال الدين يطلب منى مقابلته عند فندق مينا هاوس فذهبت فى الموعد والتقيت بالقائمقام أحمد شوقى وكتيبتى الجديدة واستأنفنا المسير إلى الإسكندرية.

حـ - صباح يوم 26 من يوليو كان الهجوم على قصر رأس التين.

اصدر لى القائمقام أحمد شوقى بحضور الصاغ عبد الوهاب جمال الدين أمرا بالتحرك لقصر رأس التين لمحاصرته, ومنع دخول وخروج أى فرد ومنع الاحتكاك وقد نفذت الأوامر ونجحت فى إجبار الملك على رفع بيرق أبيض ومغادرة البلاد. وأرسلت تقريرا بتفاصيل ما حدث للرئيس محمد نجيب, فجاءنى خطاب شكر منه .

ملحوظة: لدى أوراق رسمية تثبت الآتى:

1- خطاب من القائمقام احمد شوقى قائد قسم القاهرة,وقائد اللواء الذى سافر معى لمحاصرة قصر رأس التين خاص بواجبى فى 26 من يوليو.

2- تقرير مفصل منى بما حدث أثناء الهجوم على قصر رأس التين.

3- خطاب شكر من مدير مكتب القائد العام ردا على تقريرى.

4- صورة فوتوغرافية عند توقيع الملك السابق.


33- العودة إلى القاهرة:

فى 28 من يوليو عدت للقاهرة واشتركت فى محاصرة قصر عابدين.


34- بداية حكاية الشائعات ثم الإبعاد إلى سيناء:

بقيت حتى نهاية شهر يوليو 1952 قائدا للكتيبة 19 التى قمت بها بشرف الهجوم على قصر رأس التين ومحاصرة قصر عابدين.

ولا يفوتنى أن أذكر أنها كتيبة ضعيفة التسليح, فليس بها حمالات أو مدافع 6 رطل او مدافع ماكينة, كما أنها ضعيفة التدريب لأنها كانت كتيبة خدمات وحراسات ومع ذلك لم أتردد فى القيام بالواجب.

أ‌- نقلت من هذه الكتيبة إلى الكتيبة 17 بتاريخ 1/8/1952 وهى مدة قصيرة تدل على أن هناك يدا بدأت تعبث بمستقبلى وتبعدنى عن الكتيبة 19 التى قامت بعمل خالد فى تاريخ الجيش المصرى الحديث.

ب‌- توليت قيادة الكتيبة 17 مدة شهر واحد, وخلال هذه المدة القصيرة حدث الآتى:

1- أشاعوا أنى رجل خطير وأعمل مع الإخوان المسلمين, ومن الضروري إبعادى.

2- - قرر اليوزباشى شمس بدران بأننى سأنقل فورا إلى فلسطين للتخلص منى.

3- قال اليوزباشى شمس بدران لليوزباشى عبد المنعم عطية: إننا نتوجس خيفة من عبد المنعم عبد الرءوف لأنه صرح بانه طالب بالنقل من الكتيبة 19 إلى الكتيبة 17 وهى كتيبة مسلحة مدربة.

4- أبلغنى اليوزباشى عبد الكريم عطية بأنه سمع فى مركز القيادة العامة للقوات المسلحة من بعض ضباط القيادة التفكير فى إبعادى عن القاهرة.

جـ- فى أحد الأيام حضر لى الصاغ وحيد جودة رمضان والصاغ طعيمة وأخذا يرجوانى فى أمر الموافقة على السفر إلى سيناء لتولى قيادة الكتيبة الفلسطينية فقلت لهما: إننى أحب فلسطين وأهلها وأريد أن أخدم هذه البلاد المقدسة ولكن توليتى قيادة هذه الكتيبة لا يتناسب مع رتبتى وسمعتى لآن كتائب المشاة وهى الأعظم تسليحا وتدريبا يقودها صاغ او بكباشى حديث, فأرجو إعفائى من هذا الرجاء. ولكنهما أصرا وألحا بشدة فوافقت بشرطين:

1- أن يطلب منى ذلك بخطاب رسمى من المسئولين ( معى صورته الآن).

2- أن أعود إلى القوات الجوية بعد أن تسير الكتيبة الفلسطينية على قدميها.

د‌- وثيقة تاريخية يوجد صورة منها طرفى( مذبحة الضباط).

أثناء قيادتى للكتيبة 17 المعسكرة بأرض المعرض ذهبت رئاسة سلاح المشاة فشاهدت مؤتمرا مكونا من حوالى هشرة ضباط,تتراوح رتبهم بين اليوزباشى والبكباشى, منهم البكباشى أحمد حمدى عبيد والصاغ وحيد رمضان واليوزباشى محمد محمود عطية, وأخذوا يتصرفون فى مستقبل ضباط المشاة , يشطبون من شاءوا ويزكون من شاءوا, فحز فى نفس العبث بمستقبل ضباط الجيش الأكفاء بمثل هذه الطريقة الظالمة, ومن هؤلاء الأكفاء:

الأمير ألاى محمد كامل الرحمانى, أمير ألاى صادق على السيد, قائد أسراب صلاح مصطفى, قائد جوى إبراهيم جزارين, وغيرهم.

لذلك كتبت مذكرة بهذا الموضوع بحضور حمدى عبيد, والبكباشى إبراهيم نظيم قائد السجن الحربى, وقد وافقوا على ما جاء بها وكتبتها على الآلة الكاتبة فى الكتيبة 20, وذهبت لمبنى القيادة حيث شرحتها لكل من اللواء عبد الحكيم عامر والصاغ صلاح سالم, وقد علق صلاح بقوله: إن عبد المنعم عبد الرءوف يطعن فينا!!

فنفيت ذلك فورا وقد كان موجودا فى الحجرة كل من الصاغ عاطف عبده سعد واليوزباشى عبد الفتاح غنيم.

ولم أكتف بذلك بل اتصلت تليفونيا بجمال عبد الناصر ذاكرا له مراعاة العدالة فى التطهير وقلت له:

إن شقيقى الأمير ألاى عبد القادر عبد الرءوف مظلوم ولا يستحق التطهير. واذكر أن القائمقام محمود الشاذلى قابلنى فى مبنى المنطقة المركزية وشكا لى إخراجه من الجيش, كما أن الأمير ألاى أحمد سالم رجانى الاتصال بالمسئولين لتخفيف حدة التطهير ومراعاة العدالة وكذلك القائمقام كامل نور الدين قابلنى فى مكان لا أذكره وهو يبكى خشية التطهير.


35- مساومات

-أثناء قياداتى الكتيبة 17 زارنى صديقى الأستاذ محمد أبو المجد التونى وطالبنى بالاتصال بجمال عبد الناصر لتحديد مقالبة بينهما وأثناء المحاولة مع جمال عبد الناصر كنت أحادثه بدون تكليف لصداقتنا وأخوتنا السابقة, وذهبنا معا فى الموعد المحدد حيث تمت المقابلة, وانصرف أبو المجد واستبقانى جمال وقال لى : إنه على استعداد لضمان نجاحى فى كلية أركان حرب للإستمرار فى الجيش أو العودة للطيران, بشرط الابتعاد عن الإخوان المسلمين, وأذخ يهاجم المرشد حسن الهضييبى وعبد الحكيم عابدين فرددت عليه بالرفض وقلت له:

إننى صاحب فكرة ودعوة ولن أتخلى عنها.

وشاهدنى معه الأخ المدنى المسلم لبيب الترجمان, والصاغ كمال الدين حسين والبكباشى حسين الشافعى.

- وفى أحد الأيام حضر لمكتبى بأرض المعرض قائد السرب حسن عزت واللواء صلاح حتاتة وتحدث الأول مزكيا عودتى للقوات الجوية, وأن قادة الثورة لن ينسوا جهادى وتعاونى معهم وخاصة عبد اللطيف البغدادى.

ثم تدخل اللواء صلاح حتاتة مؤازرا فقلت لهما:إنهم مسئولون أمام ضمائرهم عن عودتى إلى القوات الجوية, ولن أبدأ بالكلام او بالكتابة فى هذا الموضوع.

وأصر حسن على أن يأخذنى معه فذهبت إلى رئاسة القيادة العامة, وهناك دخل للداخل, وأثناء دخولى قابلنى صلاح سالم فقال لى:أنا زعلان منك!!

فلما استحلفته بأن يقول سبب زعله منى لم يجب بشىء!!

دخلت الجرة فوجدت البغدادى وحسن إبراهيم وأنور السادات وعلى صبرى ( شقيق حسين ذو الفقار زميلى فى حادث الطائرة مع عزيز المصرى) وبدأ حسن عزت يوجه كلامه عن ضرورة رجوعى إلى القوات الجوية.

فقال البغدادى موجها كلامه لى:لا ... لأنك متغيب عن القوات الجوية سنين.

فلما سألته:ولماذا ستعيدون زميلى فى نفس الحادث حسين ذو الفقار صبرى للطيران؟!!

فرد علىّ:لأنه لا يزال يقرأ كتبا عن الطيران.

فقلت له:إن الطيران لا يحتاج إلى قراءة فقط, إنما يحتاج إلى لياقة صحية وأعصاب وتدريب وأن أحس بقدرتى فى هذا السبيل

وهنا تدخل قائد السرب على صبرى شقيق حسين ذو الفقار صبرى قائلا:إنى سأنسحب من لجنة الضباط للقوات الجوية عندما ينظر فى موضوع شقيقى وبعد قليل تكلم صلاح سالم قائلا: إننا لا نستغنى عنك فى سلاح المشاة.

فعقبت على كلامه قائلا:أشكرك, ولكن حرمانى فن العودة للقوات الجوية فيه مساس بكرامتى, بل أرى أنكم لابد من أن تعيدوا لى اعتبارى, كما أن أقدميتى فى السنوات الجوية السابقة وهذا فيه امتيازات ادبية ومالية, فحرام عليكم ان تحرمونى من كل هذا, وكل القادة يعرفون كفاءتى ووطنيتى وتدينى, ولم أبخل على الضباط الأحرار بالمساعدات المالية وتوزيع المنشورات.

وهنا قال قائد الجناح جمال سالم: على العموم اللجنة هى التى ستقرر كل شىء.

ثم تحولت إلى أنور السادات اطلب منه التحدث بكلمة طيبة فى هذا الموضوع فرد علىّ قائلا: نعمل لك إيه!! إحنا ماشيين يمين وأنت ماشى شمال!!

فسكت وأستأذنت فى الانصراف ومعى قائد السرب حسن عزت.

وبينما انا خارج رآنى جمال عبد الناصر ووكان واقفا مع اليوزباشى شمس بدران فنادانى, ولكنى كنت متأثرا مما سمعت فاعتذرت لجمال عبد الناصر واستمررت فى المسير.

جـ- الأستاذ أبو المجد التونى يقابل جمال عبد الناصر.

طلب منى أبو المجد التونى مقابلة جمال عبد الناصر لموضوعات خاصة لا أعرفها وفعلا اتصلت بجمال تليفونيا وحددت مقابلة, وذهبنا فى الوقت المحدد وحدثت بينهما مقابلة, وبعد خروج أبو المجد استدعانى جمال عبد الناصر وأبلغنى أنه سيؤلف حزبا جمهوريا, وأنه بمجرد حدوث الانقلاب أمر بإجراء تحقيق فى موضوع مقتل الشيخ حسن البنا, وبدأ يهاجم حسن الفضيبى ويتهمه بأنه رجل ضعيف وأن بد الحكيم عابدين لا ينبغى بقاؤه فى الإخوان.

فرددت عليه بأننى صاحب فكرة ولا اسير خلف أشخاص.

وأعاد علىّ الكرة فى ترك جماعة الإخوان فسكت, ثم انصرفت ومعى أبو المج التونى الذى ينتظرنى فى الخارج.


36 – السفر إلى فلسطين:

أ‌- سافرت إلى فلسطين بتاريخ2/10/1952 أى بعد الانقلاب بشهرين واسبوع تقريبا سعيدا ومكتئبا, اما سعادتى فلأنى قمت بأخطر وأهم عملية فى الانقلاب وهى الهجوم على قصر رأس التين, ثم محاصرة قصر عابدين. وأما كآبتى فلموقف قادة الانقلاب وتنكرهم لى.

الفصل الرابع عشر :الهرب

يرجع تفكيرى فى الهرب منذ أبعدت عن الخدمة فى القوات الجوية بعد نقلى إليها بيوم واحد وإحالتى إلى المعاش يوم 17/12/1953 ظلما وعدوانا, فلقد كنت واثقا كل الثقة من أن الطعنة التالية التى سيسددها لى جمال عبد الناصر وعصابته هى إلقائى فى غيابة السجن بأى شكل من الأشكال, وأن هذه الطعنة آتية بسرعة, فهم يعلمون عنى تمام العلم إخلاصى لمبادىء جماعة ( الإخوان المسلمين) وحماسى فى التكتيل حول هذه المبادىء ووفائى للقائمين على أمر الدعوة. لذلك اتصلت بفضيلة المرشد قبل اعتقالى كما سبق أن ذكرت, واتصلت بابن عمى الشيخ عبد الفتاح أبو الفضل وأبلغته هواجسى من احتمال اعتقالى وعرفنى على صديق حميم له يدعى الأستاذ إبراهيم أبو زيد أبو دومة الذى أعطانى مفتاح شقته بالإضافة إلى ذلك اتفقت مع زوجتى على كلمة السر التى يتذيل بها خطاباتنا او نتبادلها فى رسائلنا فى حالة اعتقالى او هربى حتى نكون فى مأمن من أى شرك تنصبه لنا المخابرات او جهاز المباحث.


بين المحاكمة والدفاع:

وكانت المحاكمة تشتد عنفا يوما يعد يوم, والدفاع يصر على إجابة طلباته, من إحضار شهود النفى وأرواق رسمية, وهيئة المحكمة تتبأطأ وتتثاءب عند كل طلب مما اضطر الدفاع لأن يقول على لسان الشهيد عبد القادر عودة فى إحدى الجلسات:

إذا كانت هيئة المحكمة لا تستطيع إحضار شهود النفى من السجن الحربى فإننى على أتم استعداد – بعد إذن المحكمة- لاصطحاب مائة من الإخوان وإحضار الشهود.

وفى جلسة أخرى قال الشهيد عبد القادر عودة:إن الإدعاءات الموجهة إلى موكلنا خطيرة جزاؤها الإعدام, وهيئة المحكمة التى هى ملاذنا الأول لم تقدم لنا أدنى مساعدات لتذليل الصعاب التى تعترض إحضار الشهود.!!


تعاطف أثناء المحاكمة:

كان الذين يحضرون المحاكمة من الإخوان المسلمين يتطوعون فى فترة الإستراحة وعقب نهاية جلسة رغم الصيام وشدة الحرب بنقل صور محاضر الجلسات ليتسنى توزيعها على هيئة الدفاع بعدد متناسب مع عدد المحامين الذين بلغ عددهم سبعة, علاوة على صورتين احتياطيتين, وكان تعاطف الإخوان معى ومشاعرهم نحوى ومساندتهم لى وحدبهم علىّ يزداد كلما سمعوا المناقشات التى تدور بين هيئة الدفاع وهيئة المحكمة, وكانوا يتجمعون حولى فى الصباح قبيل افتتاح الجلسات منهم المشجع ومنهم الثائر على تصرفات رجال الانقلاب معى, وذات يوم من هذه الأيام اقترب منى الأخ محمد شديد مع جمع من الإخوان قائلا فى حماس شديد:

"اتركونا عليهم ونحن نطبق الأرض على رءوسهم"!.

وفى اليوم السابع من شهر مايو 1954 الموافق أول رمضان 1371 بينما كنا أنا وحارسى البكباشى محمد محمد خطاب فى طريقنا معا داخل السيارة من السجن الحربى بالعباسية إلى قاعة المجلس العسكرى العالى بالعباسية إذ عرض على السماح لى بالذهاب لرؤية زوجتى بعد انتهاء جلسة اليوم, وفعلا أوصلنى بالسيارة حوالى الساعة 1530 قريبا من منزل حماى.


المقابلة الأولى مع زوجتى:

ضغطت على الجرس الكهربائى ولحسن الحظ فتحت لى شقيقة زوجتى وبسرعة خاطفة أدخلتنى إحدى الغرف وأمرتها بالذهاب فورا إلى دارى لإحضار زوجتى وتبقى هى هناك فى شقتى لحين رجوع زوجتى على ألا يعرف أى شخص خبر هذه المقابلة.

وفعلا تمت مقابلتى لزوجتى فى جو من الحرية لأول مرة بعد خمسة أشهر من القبض علىّ واعتقالى, والغريب فى هذا الحدث السار أنه فى أول أيام رمضان المبارك. وقد أبلغتها مخاوفى من الطريقة الظالمة التى تسير عليها المحاكمة, غى أنها هدأت من روعى وطمأنتني وأبلغتنى أن الفريق عزيز على المصرى باشا أخبرها أن فى النية سجنى لفترة وجيزة , وأن هناك رايا يميل لإلغاء المحاكمة إذا تم الصلح بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومة, إلا أننى أكدت لها أنهم يكذبون على عزيز باشا وعلينا أن نكون مستعدين لاحتمال السجن وطلبت منها تسليم الشيخ عبد الفتاح ابو الفضل ابن عمى بطانيتين شتويتين وملاءة فرش ولوفة وصابونة وشبشبا وبيجامة وملابس داخلية ليسلمهم بدوره للأستاذ الحاج إبراهيم أبو دومة وهو الشخص الذى قررت الاختفاء عنده بعد الهرب.


المقابلة الثانية:

بعد المقابلة الأولى ببضعة أيام زاد حنينى لرؤية ابنتىّ وزوجتى مرة ثانية فقد أشعلت المقابلة الأولى بركان الشوق المتأجج بين ضلوعى فو قلبى, وبدأت فكرة الهرب تختمر فى عقلى وتسولى على, فصممت على رؤيتهم قبل الهرب, وطلبت من البكباشى محمد خطاب أن يسمح لى بالزيارة فسمح لى بالذهاب لدارى فى هذه المرة, وتوجهت إلى شقتى مباشرة وصعدت مائة وثمانية درجة دون توقف خشية أن يلمحنى أحد من السكان, وعندما وصلت إلى باب الشقة ضغطت على زر الجرس الكهربائى ضطغتى السرية التى سبق أن اتفقت مع زوجتى, ففتحت لى زوجتى الباب , وفى لمح البصر دلفت إلى داخل الشقة واحتضنت ابنتىّ وحملتهما بين ذراعى ودرت بهما مثل البلهوان حول المائدة وفى أنحاء الغرفات, عشت معهن نصف ساعة فى جو عائلى أذهب عنى كل الضيق والآلام النفسية والوحشة من أثر الفراق والمحاكمة. صارحت زوجتى بتصميمى على الهرب من السجن وبالتالى من المحاكمة وجاء ردها حاسما منزنا عندما قال لى:

إذا كنت ترى أنك تستطيع خدمة دعوتك بهذا الهرب فافعل.

فقلت لها:إذن سأفعل وسأحاول أثناء هربى الحضور إليك وعليك أن تحفظى كلمات السر والإشارات التالية:

- سأوقع خطاباتى بأى اسم من أسماء الطيور على أن يتغير فى كل مرة.

- إذا كانت الرقابة شديدة على المنزل فأغلقى النافذة المطلة على الشرفة.

- وإذا كانت الرقابة خفيفة فافتحى مفس النافذة قليلا.

- إذا كنت موجودة داخل الشقة فضعى ملاءة بيضاء وبجوارها فوطة صفراء على حبل الغسيل المطل على الشارع.

وحذرتها من حيل رجال المخابرات والمباحث العامة وأوصيتها بالاعتناء بصحتها وصحة البنتين ومراقبة سلوكهما فى الدراسة وتشجيع والدتى وطمأنتها وألا تنقطع عن زيارتها.

طلبت من ابنتى عزة أن تنتظرنى ومعها حقيبة مليئة بالطعام الإفطار عند إحدى المكتبات القريبة من المنزل فسبقتنى إلى هناك, وبعد لحظات ودعت زوجتى ونزلت درجات السلم بسرعة ورأيت عزة ابنتى تتحدث مع إحدى صديقاتها الصغيرات فأشرت إليها إشارة سريعة وخفيفة فاستأذنت من رفيقتها وأقبلت نحوى وسرنا معا نحو مكان انتظار السيارة ووقفت مع عزة أحدثها وعيناى تترقرقان بالدموع وبعد دقائق أقبلت السيارة فقبلت ابنتى قبلة خاطفة وأخذت منها الحقيبة وطلبت منها أن تعود إلى المنزل.


مقابلات قبل الهرب:

فى أليام الأخيرة من المحاكمة التى لم تتم بسبب هربى زارنى عدد من الإخوان وكان من بينهم الشهيد الشيخ محمد فرغلى والدكتور حسين كمال الدين عضو مكتب الإرشاد, والأستاذ محمود عبد قائد قوات الإخوان فى حرب فلسطين وكانت مقابلتى مع كل منهم على حدة, ولم تتعد بضع دقائق وقلت للشهيد الشيخ محمد فرغلى:

لعلك تذكر تحذيراتى السابقة لك من نوايا رجال الانقلاب تجاه الإخوان!! وهاهى ذى قد تحققت , وسترون منهم طغيانا لا حد له.

بلغ سلامى للأخ سوسف طلعت , متى سيأتى اليوم الذى سنجاهد فيه ضد هؤلاء الطغاة؟

وبعد قليل أ‘لن افتتاح الجلسة فتركته وانصرفت وأذكر أن هذه المقابلة كانت قبيل عربى بأيام قليلة.

أما مقابلتى مع الأخ الدكتور حسين كمال الدين عضو مكتب الإرشاد فكانت أطول قليلا, وتمت فى غرفة المحامين وجلست بجواره وهمست فى أذنه:

إنه لابد من الإسراع فى تنظيم خمسمائة من الإخوان المدربين ويسلحون تسليحا كاملا ويعطون لى قيادتهم وسأكون كفيلا بإذن الله بالقضاء على هذا الحكم الفردى القائم وزعمائه, إذا حدث وفشلت فعلى قيادة الإخوان إلقاء التبعة علىّ باعتباري خارجا على جماعة.

وكعادة قادو الإخوان لم ينبس كل من الشهيد محمد فرغلى والأخ الدكتور حسين كمال الدين بكلمة واحدة عند سماع هذا الكلام!

أما الأستاذ محمود عبده قائد قوات الإخوان فى حرب فلسطين فقد أتى عدة مرات لمشاهدة الجلسات وكان يبدو عليه الاهتمام بمقابلة البكباشى أركان حرب أبو المكارم دون أن يكون لى جانب مشاركة بالرأى فى هذه الأمور فكنت أحس بانقباض وألم نفسى لأن مبدأ من مبادىء الإسلام قد انتهك فى صفوف تنظيم ( جماعة الضباط الأحرار) ألا مبدأ من مبادىء الشورى[ وشاروهم فى الأمر] ولم يتحدث معى الأستاذ محمود عبد بأمر هام إلا مرتين, بعد أن منع أبو المكارم من حضور الجلسات بأمر من مجلس القيادة, الأمر الأول كان دراسة اقتراح قدمه شقيق اليوزباشى عبد الكريم عطية وهو ضابط بالمدفعية ومعين لحراسة بيت جمال عبد الناصر وهذا الإقتراح يدور حول فكرة ضرب بيت الطاغية أثناء وجوده بالمدفعية ونقلت هذا الإٌقتراح إلى أبو المكارم ولم يعطنى ردا عليه! والمرة الثانية التى تحدث إلىّ فيها الأستاذ محمود عبده أنه جاء ليسألنى عن صحة الأنباء التى وصلته عن نيتى فى الهرب فأجبته بالإيجاب.

أما الزيارة الأخيرة من الأستاذ محمود عبده لى. فكانت قبيل هربى بيومين داخل غرفة المحامين, وبحضور الشهيد عبد القادر عودة, ولم يكن بيننا رابع قسألنى الأستاذ محمود عبده: ماذا تريد ياعبد المنهم؟

فأجبت:أريد الهرب ومحاربة الحكم الفردى الحاضر.

وانصرفنا من هذا ان الشهيد عبد القادر عودة كان على علم بنيتى فى الهرب ومع ذلك سلم شقيقى الأمير ألاى عبد القادر عبد الرءوف نسخة كاملة من مرافعته عنى قبل هربى بيوم واحد إمعانا فى تضليل هيئة المحكمة والحكومة.

وقف الأستاذ عبد القادر عودة فى أول جلسة انعقدت بعد هربى وبعد أن نودى على المتهم ( عبد المنعم عبد الرءوف) ولم يجب رفعت الجلسة للانعقاد مرة ثانية لإعلان هرب المتهم, عنا وقف الشهيد عبد القادر عودة وقال:

سواء أكان المتهم غائبا ام هاربا فأنتم مسئولون عنه, ونحمل الحكومة الحاضرة مسئولية غصابته بأى أذى ونطالبها بالبحث عنه ومثوله بيننا سالما معافى.

وانفضت الجلسة لأجل غير مسمى.


استئذان الوالد:

فى جميع المرات التى سمح لى حارسى بالذهاب لمقابلة زوجتى تمكنت فيها من الذهاب إلأى منزل الأح الكريم الأستاذ محمود الجوهرى, الذى كان يسكن فى حى السلخانة ووضحت له خطورة ترك الحكم الفردى يقوى ويمد جذوره فى أرض الوطن, وبينت له أن الضربة القادمة سوف توجه ضد جماعة الإخوان, وأشهدته على صحة تنبؤاتى حول سوء نية جمال عبد الناصر وعصابته وعدم اهتمام قادة الجماعة لتحذيراتى ونصائحى. وطلبت منه إبلاغ الوالد( الإمام الهضيبى) أن محاكمتى ذريعة للزج بى وبجميع الشهود فيها فى السجن, لحرمان الجماعة من العناصر العسكرية فى الجيش بعد أم حرموها من عناصرها من ضباط البوليس, ثم بعد ذلك يطيحون بقادتها إما بالزج بهم فى غيابات السجون او بقتلهم اغتيالا ا, بأى وسيلة اخرى.

وأخبرته أننى قررت الهرب سواء أقرر الإخوان القضاء على الحكم الدكتاتورى ورجاله أم لا, لأننى أفضل أن أحيا حرا شديدا فى أرض الله من أن أسجن مظلوما فى وطنى, إذا وافق الوالد على هربى فأرجو أن ترسل لى عن طريق زوجتى داخل حقيبة الطعام فوطة حمراء, وإذا لم يرافق فوطة صفراء أو زرقاء,وانصرفت فى انتظار إحدى الفوطتين.


ترقب وانتظار:

رجعت إلى السجن وأنا متحرق شوقا للفوطة الحمراء التى ستكون إيذانا بحياة الحرية الحقة والكفاح, واستطعت رغم الحراسة الشديدة والتضييق الفظيع أن أنفرد بأخى فى الله الصاغ أركان حرب معروف الحضرى داخل دورة مياه السجن. وأسررت إليه بموجز حديثى مع الأستاذ محمود الجوهرى , وخاصة حكاية الفوطة الحمراء. وأكدت عليه ألا يبلغ أحدا أيا كان بهذا الحديث, وعرضت عليه الهرب فطلب مهلة ساعة للتفكير, وجاءنى الرد منه كتابة موجزا فى الشروط التالية:

لا مانع لديه من الهرب بشروط:

1- أن يصله مندوب خاص من الوالد (الإمام الهضيبى) يطلب منه استعداد الجماعة للعمل.

2- أن يضمن له الجماعة رعاية شئون أولاد أثناء غيابه.

3- أن يشمل الهرب جميع الإخوان الذين معنا.

وفى اليوم التالى وصلت لى حقيبة الطعام ووجدت بها الفوطة الحمراء فكانت بردا وسلاما على قلبى, وتمكنت بعد وصولها من مقابلة أخى معروف الحضرى وأطلعته عليها وقلت له: اتصل أنت بطرقتك الخاصة بالوالد, أما أنا فلا أستطيع مع السجن صبرا.

وبعد قليل اطلق مدفع الإفطر فى اليوم السادس عشر من مايو 1954 جلست أتناول طعام الإفطار الأخير داخل الزنزانة رقم 21 بالسجن الحربى أو سجن الموت ومن عجائب المصادفات بينما استقليت على ظهرى بعد تناول الإفطار أفكر فى المعركة الخطيرة التى سأجهز لها وأخوضها على بركة الله إذا بالباب يفتح بسرعة مفاجئة ويظهر الصاغ محمد إكراما مأمور السجن على قيد خطوة منى, وسألنى عن صحتى وعن حاجتى لأى خدمة يستطيع أن يقدمها لى ثم قال:لا تفكر فى شىء.. ربك سيفرجها قريبا.

شكرته يحرارة وقلت له:شيفرجها على المصريين جميعا إن شاء الله.

ثم انصرف


التخفف من الأمتعة:

استطعت خلال الأيام السابقة على هربى أن أنقل إلى دارى مع الخادم المكلف بإحضار الإفطار ما استطعت نقله من الأثاث الخاص الذى استحضرته من قبل لاستخدامه فى الزنزانة ولم أبق منه سوى الأشياء التى توحى بالبقاء داخل السجن.

استيقظت مبكرا وقبل أن أركب السيارة قابلت اليوزباشى.. حب الرمان وكنت معجبا بخلق هذا الضباط الشاب, لأنه كان يمثل الذوق المصرى الأصيل ووجدت نفسى أقول له إننى لن أنسى أخلاقك الكريمة ما حييت, وعساى أستطيع رد شىء من خدماتك لى. انطلقت بنا السيارة أنا وحارسى البابكاشى محمد خطاب, ووصلنا بها إلى قاعة المجلس العسكرى فوجدت زوجتى تنتظرنى, فأقبلت نحوها فى لهفة فإذا بها ترجونى أن أعدل عن الهرب لسبب واحد هو الصدمة التى سيحدثها هربى فى والدتى’ فكان جوابى لها:

إنك أقمت بينى وبين الهرب حاجزا مرتفعا جدا وسأفكر.. وتركتها وقلبى يعتصر من ألم الفراق, ولحسن الحظ أن المجلس لم ينعقد فى هذا اليوم بناء على طلبى. ويممنا وجهنا شطر مجلس الدولة بالجيزة لمقابلة الأستاذ عبد الكريم منصور المحامى لإعطائه توكيلا رسميا منى لمقاضاة الحكومة لا حالتى إلى المعاش بدون وجه حق, ولم نجده هناك ووجدت الأستاذ طاهر الخشاب, الذى لم يكن يعرف شيئا عن مجيئى للمجلس, والذى كان قد انقطع عن حضور جلسات المجلس العسكرى الذى أحاكم أمامه فى الأيام الأخير, ولا أدرى سببا لانقطاعه عن حضور الجلسات وربما كان ذلك لأنى لم أتفق معه على الأتعاب؟. أم لخوفه من ظلم الحكام؟ أم لكثرة القضايا التى لديه فجزاه الله كل خير.


حديث مع حارسى:

رجعت مع البكباشى محمد خطاب إلى داره والتقيت بأولاده وقص علىّ قصة وفاة شقيق زوجته وهو فى ريعان شبابه, وما أصاب الأسرة من أحزان.

فقلت فى نفسى محاطبا ربى : اللهم خفف عنه آلام الصدمة الجديدة التى ستحدث له بهربى واغفر لى. وبدأـ أقص عليه قصتى مع دعوة الإخوان المسلمين, وأنها دعوة مبدأ, وأ، أجمع ما توصف به أنها إسلامية بكل ما تحمل الكلمة من معان, وأن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة , وهو خلق وقوة ورحمة وعدالة, وهو ثقافة وقانون وعلم وقضاء, وهو مادة وثروة وكسب وغنى وهو جهاد ودعوة وجيش وفكرة, كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.

وأنهها دعوة سلفية لنهم يدعون إلى الإسلام إلى معينه الصافى من كتاب الله وسنة رسوله.

وطريقة سنية لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة فى مكل شىء وبخاصة فى العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وحقيقة صوفية لأنهم يعملون أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب والمواظبة على العمل والإعراض عن الخلق والحب فى الله والارتباط على الخير.

وهيئة سياسية لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم فى الداخل, وتعديل النظر فى صلة الأمة بغيرها من الأمم فى الخارج, وتربية الشعب على العزة و الكرامة والحرص على قوميته إلى ابعد حد. وحكيت له قصة جماعة الإخوان المسلمين مع رجال الحكم الحاضر التى بدأت عام 1943 وكيف انتهت بالاعتقالات المؤسفة النطاق وطرد جميع ضباط البوليس من الإخوان وإحالتى إلى المعاش والمطالبة برأسى فى المجلس العسكرى والبقية تأتى.

فهز راسه قائلا:كان الله فى عونكم.

قلت:وفى عونك إن شاء الله.

حاولت الاتصال بالهاتف بشقيقى الأميرلاى عبد القادر والأستاذ الأميرلاى أركان حرب عباس زغلول لإبلاغهما عدم مقالبتى للأستاذ عبد الكرم منصور بمجلس الدولة ولكنى لم أجد أحدا منهما, وبعد ذلك انصرفنا أنا وحارسى البكباشى محمد خطاب قاصدين الجيزة عند حماه, وفى الطريق سمح لى بالذهاب إلى منزلى لرؤية أهلى على أن تنتظرنى السيارة فى احد الأمكنة التى عينها و ثم ذهب لاصطحابه من منزل حماه وأعطانى رقم الهاتف.


اللحظة الحرجة:

ذهبت إلى منزل الأستاذ محمد الجوهرى حيث وجدته فى انتظاري فأعدت إليه الفوطة الحمراء وأرسل ابنه الذى يبلغ من العمر أربعة عشر عاما تقريبا إلى فضيلة المرشد فور وصول نجل الأستاذ الدكتور محمد خميس حميدة الوكيل الثانى للجماعة , وانقردت بالمشرد فى غرفته, وبدأ الحديث بأن قدم لى الحطاب المفتوح المقدم من جماعة الإخوان المسلمين إلأى حكومة جمال عبد الناصر بخصوص عودة الحياة النيابية( نص الخطاب)

وبعد تلاوته قلت:إنكم لن تجدوا آذانا مصغية.

ثم سألت فضيلته:هل يحق للحكومة من الناحية القانونية قطع معاشى عن أولادى؟

فأجاب:لا أعرف.

قلت:وما خطتكم التى وضعتموها إذا لم تعد الحياة النيابية وحشرتم زمرا فى السجون؟!!

قال: عندك يوسف طلعت وإبراهيم الطيب اسألهما.

قلت:أننى أريد سماعها من الشخص المسئول عن الدعوة, وهل أعددتم الإخوان لمجابهة الموقف من كافة النواحى السياسية والعسكرية والاقتصادية؟

فهب واقفا دون إجابة, واندفع نحو باب الغرفة يفتحه .

ولا أدرى لماذا لم يجبنى, ولماذا كانت هذه الحركة المفاجئة.

أما أنا فخشيت أن أكون قد اثقلت عليه بالأسئلة فمددت يدى وتناولت طربوشه وناولته له وقلت: هأنذا جاهز للهرب فماذا تأمرون؟

عندئذ قال:من الباب القريب من دورة المياه إلى الباب المؤدى إلى الصالون. وفى الصالون وجدت الدكتور محمد خميس حميدة الوكيل الثانى للجماعة ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب.

تقدمنى يوسف إلى خارج المركز العام وتوجهنا إلى سيارته فركبت وركب هو وانطلقت بنا السيارة التى يقودها هو بنفسه تنهب شوارع القاهرة, وكلما اخترقنا شارا مزدحما بالناس غصت بجسمى كله فى قاع السيارة , فإذا ما سرنا فى شارع خال من الناس ظهرت ثانية .

وفى شارع شبرا طلبت من يوسف طلعت أن يتوقف قليلا حتى أتصل بزوجتى بالهاتف, ولم تكد تسمع صوتى حتى فهمت الموقف وقالت: إنه هنا( تقصد الحارس البكباشى محمد خطاب) أنت عملتها طيب مع السلامة!!

وانطلقت بنا السيارة ثانية نحو أطراف شبرا وأخيرا أوقفت السيارة ونزلنا منها أنا ويوسف طلعت, ودلفنا معا داخل شقة فتحها يوسف طلعت بنفسه, ولم يكن بها أى إنسان وتركنى وانصرف. وبعد حوالى ساعة حضر يوسف طلعت وقادنى إلى منزل أحمد الإخوان ولم أكن أعرفه من قبل, فتم التعارف بيننا بحضور يوسف طلعت, وانصرف يوسف عقب التعارف مباشرة وكان هذا الأخ هو الأستاذ (أ.ع).

وبدأ هذا الأخ يجهز طعام الإفطار إذ كنا مازلنا فى شهر رمضان المبارك. وأحسست من أول استطلاع لمشارف المنزل وموقعه وما يحيط به أنه لا يصلح للاختفاء وبعد تناول طعام الإفطار حضر الأخ(م.ش) رئيس منطقة شبرا وأعطانى ملفحة ومعطفا من الصوف وتقدمنى للخارج حيث سلمنى للأخ( م.م.ع) [محمد مهدي عاكف] فركبت خلفه على دراجته البخارية, وانطلقنا معا يشيعنا الأخ (م.ش) بدعواته الصالحات.


الفصل الخامس عشر : فى حى الجيزة

انطلقنا عن طريق روض الفرج إلى كوبرى أبو العلا ودخلنا إلى حى الزمالك متجهين إلى كوبرى الزمالك, ومنه اتجهنا إلى ميدان الجيزة, فشارع الهرم حتى وصلنا أمام إحدى الفيلات.

كان الطريق من شارع الهرم إلى الفيللا من طرقات الثالثة. كثير المنحنيات مظلما تكثر فيه الكلاب لكثرة ما به من أراض زراعية وفيلات جميلة متناثرة, لذلك كان صوت محرك الدراجة البخارية واهتزازها أثناء السير يختلط مع نباح الكلاب فيحدث ضجة مزعجة, وعند وصولنا إلى الفيلا استقبلتنا زوجة البواب وكلابها عند المدخل الحديدى, وصعدنا نحن الاثنين إلى سطح الفيلا.

وتتكون هذه الفيلا من طابق واحد أرضى وسطوح فسيحة غرفة مع دورة مياه بملحقاتها , وجدت فى هذه الغرفة ستة مخادع مريحة والمطبخ معد بكافة ما يلزمه من أدوات.

كانت هذه الفيلا تتمتع بكثير من المميزات الصحية من شمس وهواء عليل وروائح زكية ومناظر خلابة ومميزات عسكرية , إذ تشرف على جميع التحركات على طريق الهرم وتطل على جميع الدور المجاورة والأراضى المزروعة القريبة ولها بابان كل منهما متصل بطريق فرعى يؤدى إلى شارع الهرم.

وارتفاع الفيلا لا يزيد على الأربعة أمتار تمكن الإنسان المطارد من الهرب من أى مكان يشاء بخفة وبسرعة دون أن يراه أحد.

قمت باستكشاف المكان وأجريت استطلاعا لهذه الفيلا بمجرد وصولنا فى المساء وفعلت نفس الشىء مرة ثانية فى الصباح, ووجدت أنه فى الإمكان صد أى هجوم نهارى على هذا المكان إذا زيد عدد الأفراد إلى أربعة, وزودوا بما يلزمهم من ماء وطعام وسلاح وذخيرة, على أن يتسللوا لمخبأ آخر ليلا.

تفكير وخواطر:

لم أنم هذه الليلة وبقيت ساهرا أفكر فى الإجراءات التى ستتخذها الحكومة للقبض علىّ والخطوات المضادة التى يجب أن أبتعها بدقة إن شاء الله لإفساد خطط أجهزة المخابرات والمباحث العامة, وقد توصلت إلى النتائج التالية:

إجراءات الحكومة:

1- مراقبة جميع منازل أسرتى وأقاربى وصفط الحرية وكذلك منازل أهل زوجتى.

2- محاولة إجراء تحريات واسعة عن أصدقائى من مدنيين وعسكريين ومراقبتهم وتفتيش منازلهم فى أى وقت بحثا عنى.

3- تشديد الرقابة على نشاط جماعة الإخوان المسلمين عامة, وقادة النظام الخاص بصفة خاصة.

4- توزيع صورتى على جميع رجال المباحث والمخابرات ومحطات السكة الحديد ومراكز الشرطة, وفى المقاهى ولدى مشايخ الحارات والعمد وسماسرة البيوت والشقق.

5- تخصيص جائزة مالية لمن يدلى بمعلومات للقبض علىّ.

6- وضع رقابة على المخابرات والأجهزة الهاتفية بدارى ودور أهلى واصدقائى.

7- تهديد ومحاولة استمالة أقاربى الموظفين والضباط للوقوف منهم على معلومات قد تؤدى إلى القبض علىّ ( لاقدر الله).

8- قطع المعاش عن أسرتى ( زوجتى وابنتى) بقصد الضغط إقتصاديا على زوجتى حتى تفوه( معاذ الله) بما يساعد على القبض علىّ.

9- مراقبة بنتى من وقت ذهابهما للمدرسة حتى عودتهما للمنزل خشية أن أتصل واستخدمها فى توصيل وإحضار رسائل وأموال بينى وبين زوجتى وأصدقائى.

10- وضع رقابة على ابواب المساجد يوم الجمعة وهو اليوم الذى تختم فيه على كل مسلم تأدية هذه الفريضة.

11- الاستعانة برجال البوليس السياسى القدماء الذين استغنت عنهم حكومة الانقلاب ليساعدوها فى البحث عنى لما هم من سابق خبرة فى معرفة حيل وأساليب الإخوان فى حوادث 1946 – 1948.


قرارات ضرورية:

لذلك قررت الآتى:

1- تجنب الاتصال بأهلى من قريب أو من بعيد, بل حرمت على نفسى السير بالحى الذى تقع فيه دارى وكذلك الأحياء التى يقيم بها أقاربى أو أصدقائى.

2- استخدام أساليب تنكر متنوعة

3- تجنب التحركات والانتقالات النهارية.

4- الانتقال من مكان لأخر سيرا على الأقدام مع التزام السير فى الأماكن المظلمة.

5- تجنب الانتقال بالتاكسى ( اتخذ هذا القرار مؤخرا) لأنه وصل إلى علم الإخوان أن كثيرا من أفراد المخابرات يعملون سائقى تاكسى ليلا وأن السائقين يقدمون تقارير عن أى شخص يركب معهم ويشتبهون فيه, خاصة إذا لم ينزل الراكب أمام باب عمارة أو مسكن مباشرة لذلك كنت أفضل ركوب العربات التى ترجها الخيل والسيارات العمومية.

6- تجنب ظهورى بأى حال من الأحوال أثناء ساعات النهار أمام الجيران أو البواب وساعى ومحصل الكهرباء حتى لا يكون بقائى بالمنزل طوال النهار مدعاة للظنون والشكوك.

7- اختيار الإقامة فى مسكن يسهل الاختفاء فيه عن أعين السكان والجيران ورقابة رجال التحرى وفى نفس الوقت فرص للمقاومة والهرب.

إلا أننا صادفنا كثيرا من الصعوبات لتنفيذ هذا القرار خاصة بعد صدور الأمر العسكرى الذى طالب المؤجر والمستأجر التبليغ عن السكان الجدد, وازدياد نشاط المباحث العامة, وتعاون أفراد الحرس الوطنى ضد الإخوان المسلمين.

8- إعداد كل مكان أسكنه بما يكفى من الأسلحة والذخيرة الشخصية للدفاع عن النفس.

9- تجنب ركوب المواصلات من المحاط الرئيسية لكثرة رجال المباحث هناك.

10- تجنب النظرات والحركات التى تثير الاشتباه.

قضيت هذه الليلة متحفزا أنصت بأذنى لكل صوت يرتفع أو وقع أقدام, وأراقب من خلال النوافذ كل ما يدور حولى مستخدما أقصى تجاربى العسكرية فى ميادين التدريب والمعارك الحربية ووضعت فى ذاكرتى صورة دقيقة للأنوار والظلال والأشباح وعادات الجيران وأصوات الكلاب الموجودة فى الحى. وكررت هذه التجارب فى الليالى التالية, وطبقت هذه الدروس فى جميع المنازل التى اختفيت فيها, ولم اسمح لفكرى بالتوقف عن التفكير, كان نومى متقطعا وغالبا ما كنت أستيقظ ليلا أو نهارا لأدون رأيا أو فكرة , أو أكمل موضوعا أو منهاجا أو مشروعا, ثم أمر على النوافذ نافذة نافذة أراقب وأرقب كل شىء مراقبة دقيقة.


آذان الفجر:

تناولنا طعام السحور ثم أذن الفجر فقمت وتوضأت وصليت مع الأخ( م.م.ع) وبع الصلاة نمت بضع ساعات استيقظت بعدها لأجد نفسى بعيدا لأول مرة عن زنزانة السجن الحربى, هذا السجن الموحش الضارب فى بطن الصحراء والذى بنى خصيصا من عشرات السنين لإذاقة المجرمين العسكريين الهاربين من الجندية والقتلة والسفاحين أشد العذاب فى قيظ الصيف وزمهرير الشتاء.

قال لى الأخ (م.م.ع) ونحن جلوس والنهار يقترب من منتصفه إن يوسف طلعت وإبراهيم الطيب يهديانك السلام ولقد سميناك منصور عبد الله, وإنى ذاهب لبعض الأعمال التى تخص الدعوة وسنلتقى على طعام الإفطار عند آذان المغرب, فهل لك من رسالة أوصلها إليهما؟.

قلت له: أريد منك ما يأتى:

1- إحضار يوسف طلعت أو أى أخ مسئول ينوب عنه على أن يتم هذا اللقاء خلال الثمانى وأربعين ساعة القادمة على الأكثر.

2- تسليح الشقة بعدد 2 استين و2 طبنجة وبرن و12 قنبلة يدوية ومستلزماتها من الذخيرة.

3- نقل صورة واضحة عن أول جلسة عقدها المجلس العسكرى العالى بعد هروبى.

4- موافاتى يوميا بتقرير عن نشاط الحكومة ضد الإخوان.

5- إحضار الجرائد اليومية.

6- تفهيم البواب أننى منقطع للدراسة استعدادا لدخول امتحان الملحق فى أول العام الدراسى .

انصرف الأخ ( م.م.ع) راكبا دراجته البخارية التى كانت تحدث دويا يصل إلى مئات الأمتار, ويزيد م إزعاجها أيضا أصوات الكلاب التى تنطلق مع انطلاق الدراجة.

عاد الأخ( م.م.ع) قبيل انطلاق مدفع الإفطار حاملا معه مالذ وطاب من خيرات الله من صنع أهله بحى العباسية لكنه لم يتمكن من تنفيذ كل ما طلبته فى الصباح, لذلك خرج بعد تناول طعام الإفطار ثم عاد بعد منتصف الليل وفى جعبته ما يأتى:

وعد با، شخصا مسئولا سيزورني قريبا جدا, وأحضر معه بعض الأسلحة والذخائر والقنابل ولوازمها. وقال عن جلسة المجلس العسكرى العالى : إنها بدأت بالسؤال عن المتهم من قبل الرئيس فلما أجيب عليه انه نائب, وقف الشهيد عبد القادر عودة يتهم الحكومة بالإهمال بالتحفظ على المتهم,وطالبها بسرعة إعادته وحملها مسئولية ما يقع به من سوء.

ورفعت الجلسة إلى أجل غير مسمى.

أما بخصوص الصحف فقد وعدنى بتزويدي بالصحف اليومية وبنشاط الحكومة ضد الإخوان ابتداء من اليوم التالى, وقد بر بوعده طيلة إقامتنا معا, وسلمنى دفترا به منهج كامل لتدريب الجماعة والفصيلة, سبق أن أعددته بنفسى وسلمته ليوسف طلعت قبل محنة مارس 1954, ولا شك أن يوسف طلعت هو الذى أرسله لى معه.


لقارات ومقترحات:

وبعد حوالى أسبوع زارتنا الشخصية الإخوانية المسئولة عقب تناول الإفطار مباشرة وكانت هذه الشخصية هو الأخ (أ.إ.أ) [أحمد إمام إبراهيم] وجلست بجواره ومعنا الأخ (م.م.ع) وبدأ الأخ (أ.أ.أ) حديث بأن حمد الله وأثنى عليه وصلى وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وتابعيه, وتضرع إلى المولى أن يهدينا سواء السبيل وينصر دعوتنا وقال موجها كلامه لى: إنى أبلغك تحيات جميع إخوانك وقد كلفونى بأن استمع لكل أرائك وكل طلباتك لأنقلها إليهم لدراستها, ثم أ‘ود إليك بإجاباتهم وقراراتهم إزاءها.

وقبل أن أسرد ما قلته ردا على حديث الأخ المسئول (أ.أ.أ) أقول إن معرفتى به وثيقة فقد عرفته منذ عام 1945 عندما عرفنى به الأخ عبد الرحمن السندى ببلدة الرقة فى عزبة الأخ (ح.ع) [حسني عبد الباقي] عندما كنت أقوم بتدريب شباب النظام الخاص للإخوان هناك وتعددت مقابلاتى به بين الحين والآخر فى مراكز تدريب فى الشرقية والقليوبية, والتقيت به فى المركز العام, وكنت أشعر دائما بأهمية الدور الموكل إليه تاسيس النظام الخاص للإخوان.

لذلك عندما جلست إليه وسمعت منه ما قال اطمأنت إلى كونى أتحدث مع شخص من أركان النظام. فقلت له:

إننى أشهد الله, وأشهدكما, واشهد التاريخ على كل ما أقوله لك فى هذه الجلسة التاريخية, أعلم يا أخى أنى هربى يفسر لدى الحكومة بأن الإخوان هم الذين شجعونى وسهلوا لى السبيل, وأنهم سيستعينون بى فى تدريبهم سرا توطئة للقيام بانقلاب, ولن تتوانى الحكومة لحظة واحدة فى مراقبتكم مراقبة دقيقة, ثم تتحين القصة للزج بكم مرة ثانية فى غيابات السجون, لهذا فإننى أرجوك أن تبلغ المسئولين من قادة الجماعة إذا كانوا ينوون تغيير النظام القائم فعليهم أن يضعوا أعينهم عامل الوقت بأ، يتفقوا فورا على خطة عمل ويسعوا لتنفيذها بإخلاص وسرعة ودفة وإياكم والتأخير.

فقال الأخ (أ.أ.أ):إن إخوانى المسئولين يطالبونك بوضع خطة لعمل انقلاب إسلامى.

فقلت له:لكى أضع هذه الخطة فإنى أطالبكم بسرعة موافاتى بالمعلومات التالية والتى أرجو أن تكون مطابقة للواقع حتى نستطيع التنفيذ فى حدود إمكاناتنا:

1- عدد أفراد النظام الخاص المدربين وغير المدربين على الأسلحة الصغيرة فى كل مديرية على حدة خلاف العواصم.

2-عدد أفراد النظام الخاص المدربين وغير المدربين على الأسلحة الصغيرة فى القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد والمنيا وأسيوط وأسوان.

3-عدد أفراد النظام الخاص المدربين وغير المدربين على الأسلحة الصغيرة فى كل حى من أحياء القاهرة والإسكندرية.

4- كشف مفصل به جميع الأسلحة الصغيرة الصالحة للإستعمال. رشاشات – بنادق –طبنجات – قنابل يدوية – خناجر – ذخائر فى كل مديرية وعاصمة على حدة.

5- أسماء الضباط والصف ضباط الذين يمكن الاعتماد عليهم بالجيش ومدى المساعدات التى يستطعون تقديمها.

6- أسماء الضباط والصف ضباط الذين يمكن الاعتماد عليهم بالبوليس ومدى المساعدات التى يستطيعون تقديمها.

7- أسماء السيارات والدراجات البحارية والدرجات العادية الموجودة لدى أفراد النظام الخاص.

8- كشف مفصل به المهن الفنية وغير الفنية التى يعرفها كل فرد من أفراد النظام الخاص ودرجة القيادة لمختلف وسائل المواصلات, والدرجة العلمية الحاصل عليها.

9- مدى التأييد الشعبي الذى يمكن الذى يمكن للإخوان المسلمين بالبلاد العربية تقديمه .

10- عدد الإخوان الذين سبق أن أمضوا فترة الخدمة كضباط احتياط والرتب التى رقوا إليها, والمدد التى قضوها فى التدريب, والأسلحة التى خدموا فيها من مشاة ومدفعية إلى آخره.

وبعد أن سلمته هذه الطلبات طالبته بالرد على خلال أسبوع واحد على الأكثر ثم طلبت منه الاتصال بطريقة ما بزوجتى لإعطائها ما يلزمها من مال فوعدنى خيرا وانصرف, وبعد يومين من هذه الزيارة لا حظت أن ضابطا يسكن فى المنزل المواجه للفيللا التى أقيم فيها بدأ يجلس فى حديقة منزله على غير عادة منه, وانه يتطلع بين حين وآخر ناحية فيلتنا التى نقيم فيها فقررت الانتقال من هذا المسكن والانتظار بعيدا عنه بضعة ايام ثم العودة إليه إن سمحت الظروف.

كانت المنطقة المحيطة بالفيلا وفيرة المزروعات والمياه الراكدة مما تسبب عنه كثرة البعوض بشكل بشع. ولما كانت المخادع خالية من الناموسيات فقد كان لزاما علينا قبل النوم أن نرش الغرفة بكمية من السائل المبيد حتى إذا طهرنا الغرفة من البعوض فتحنا النوافذ ثانية وابدأ فى النوم, ولكن لا ألبث إلا قليلا حتى أستيقظ بسبب اللدغات القارصة للبعوض فأبدأ عملية تطهير جديدة.. أما الأخ(م.م.ع) فكان يغطى رأسه تماما ويغط فى نوم عميق فلا يستيقظ إلا عند صلاة الفجر.

عاد الأخ (م.م.ع) قبيل الإفطار وشاهد معى الضباط القاطن أمامنا وأيدنى فى الارتياب منه ووجوب الانتقال من هذا المكان.

بعد تناول الإفطار ذهب الأخ(م.م.ع) يستشير إخوانه فى موضوع تغيير السكن والانتقال إلى مكان آخر وبقيت بمفردى أجهز نداء للإخوان سميته النداء الأول جاء فيه:

بسم الله الرحيم الرحمن

ايها الإخوان.. تتعاون أجهزة المباحث العامة والمخابرات والبوليس الحربى جميعهم للحصول على أكبر قدر من المعلومات عن دوركم ومخازن أسلحتكم وأماكن تدريبكم توطئة للقيام بعمليات قبض واسعة النطاق عليكم أفرادا وجماعات, والزج بكم ثانية فى الزنزانات وغيابات السجون, فعليكم أيها الإخوان أن تتخذوا خطة الدفاع مؤقتا حتى تحين معركة الهجوم التى لن تتأخر طويلا إن شاء الله تعالى, إن اقل مقدار من الأسلحة يلزم للدفاع الشخصى هو طبنجة ومقدار من الذخيرة وقنبلتان يدويتان.

قاتلوا كل من يسعى للقبض عليكم من غرفة إلى آخرى, فإما نصر وإما شهادة, وإذا كنت جارا لأحد إخوانك المهاجمين فاسرع إلى نجدته وقدم كافة المساعدات للقضاء على المهاجمين. انتهى. طلبت من الأخ( م.م.ع) أن يقرأ هذا النداء على المسئولين من قادة الجماعة هكذا دون طبع حتى لا تقع فى يد الحكومة.


إلى مخبأ آخر:

مر يومان من المشاورات بين الإخوان بعضهم وبعض فى أمر نقلى, وفى إحدى الأمسيات أخبرنى الأخ ( م.م.ع) بقرار الانتقال, فنزلنا معا فى اليوم التالى بعد الظهر, وشرنا على الأقدام حتى ميدان الجيزة, ومن هناك ركبنا سيارة أجرة, نقلتنا إلى ميدان الخازندار بشبرا ثم سرنا على أقدامنا حتى وصلنا إلى محل حدايد.

فدخلنا حيث انتظرت أنا فى الغرفة العليا للمحل مدة نصف ساعة ثم جاء أحد الإخوان الذين يعملون فى المحل فانصرف الأخ(م.م.ع) واصطحبنى الأخ الذى حضر وسرنا على الأقدام فى الحوارى والأزقة إلى أن وصلنا إلى منزل عتيق ذى أربعة طوابق فدخلنا إلى شقة فى الطابق الثالث, ولم يكن بها أحد وهى مكونة من غرفتين إحداهما كبيرة والثانية صغيرة وصالة ومطبخ ودورة مياه فهمت من هذا الأخ أن اسمع إبراهيم من أبناء الإسكندرية الذين عملوا فترة طويلة فى النظام الخاص للإخوان, ولما كان جهاز الأمن العام بمدينة الإسكندرية يبحث عنه فقد نزح إلى القاهرة للعمل بها, وكانت أسرته مكونة من زوجته وابنه وحماته وقد سافروا جميعا إلى الإسكندرية لاستقبال عيد الفطر بين أهليهم.

وكان الأخ إبراهيم هذا يذهب إلى عمله مبكرا ليعود مرتين: المرة الأولى للراحة والمرة الثانية آخر النهار, وكنت أنا وهو نتناول طعاما على جانب من الإقتصاد ومن طهو يديه.


لقاء مع الطيب وهنداوى:

بعد ثلاثة أيام زارنى الأخ(أ.أ.أ) حاملا معه حقيبة بها ملابس جديدة اشتراها وبعض الأشياء الضرورية لى طلبتها منه عندما التقينا فى فيللا فى شارع الهرم.

وضع الأخ(أ.أ.أ) الحقيبة واصطحبنى فورا خارج الشقة وعلى بضع مئات الأمتار التقينا بالشهيد إبراهيم الطيب وانصرف الأخ(أ.أ.أ) فى الحال وواصلنا أنا والشهيد إبراهيم الطيب السير فى الحوارى والأزقة إلى أن التقينا بشخص لم يسبق لى مقابلته من قبل وكان الشهيد هنداوى دوير, الذى كان واقفا يدخن لفافة تبغ عند قمة أحد الشوارع مراقبا الطريق بيقظة وعند مرور أول سيارة أجرة ركبناها نحن الثلاثة وعندما وصلت بنا قريبا من كوبرى إمبابة أوقفنا السيارة ودفعنا للسائق أجرة وسرنا على أقدامنا إلى دار الشهيد هنداوى دوير بإمبابة حيث قضيت اليام القليلة الباقية من شهر رمضان.

وقد زارنى الشهيد إبراهيم الطيب عدة مرات: المرة الأولى ليطمئن بنفسه على راحتى من جهة الأمن والتفاهم مع هندواى للبحث عن شقة صغيرة تصلح سكنا لى.

أما المرة الثانية فكانت ليتعاون مع هنداوى فى كتابة منشور عندما قرأته لاحظت هجوما عنيفا على جمال عبد الناصر وفاقه ونظام حكمهم , والروح الإخوانية والأسلوب ظاهران فى المنشور, وهنا نصحت الشهيد إبراهيم الطيب قائلا:

إنه من الخطأ البين مهاجمة الحاكم القائم, لأن فى هذا إعلانا عن نوايانا وتبريرا لبدء هجومه علينا قبل أن نستعد فنفشل فشلا ذريعا, وحملته تبعة سياسة المنشورات هذه. وبعد خروج الشهيد إبراهيم الطيب استمر الشهيد هنداوى فى إعادة كتابة المنشور بعد تعديل اسلوبه.


ذكريات مع هنداوى:

قص على الشهيد هنداوى خلال فترة وجودى عنده قصة انضمامه للنظام الخاص لجماعة افخوان المسلمين, وتفاصيل المعركة التى دارت بينه وبين رجال الشرطة والبوليس السياسى بالرصاص والقنابل عام 1948 بعد اغتيال المرحوم النقراشى باشا, ثم فراره من قبضة البوليس واشتغاله فى أحد مصانع النسيج طيلة عامين دون أن يقطن إليه أحد.

فلما قلت له:إن العسكريين القائمين بالحكم حاليا سيقبضون على زمام الأمور بالبلد من حديد ولن نخيفهم الأعمال الفردية, وهذا يتطلب منا إيمانا وتنظيما وتدريبا وعملا قويا ساحقا.

أجابنى بعصبية ظاهرة قائلا: والله العظيم إن جميع العسكريين سيتفركشون عند سماعهم أول طلقة.

فقلت له:أنت محطىء.. قد يجوز هذا مع شرذمة من الرعاع وليس مع حكومة عسكرية يقظة. ظللت أياما أفكر فى تقدير هنداوى للأمور لأنى وجدت فيه شخصا مسئولا وخشيت أن يكون لمركزه فى صفوف النظام أثر فى تغيير خططى.

وكان هنداوى طيب القلب كثير التدخين, ضعيف الإرادة وعصبى المزاج وثرثارا, قوى التحمل نوعا ما, سريع اليأس وقد تحققت لى هذه الصفات خلال وجودى فى داره وفى ميدان التدريب.

فى إحدى أمسيات شهر رمضان حضر أحد الإخوان وتناول معنا طعام الإفطار وتم تعارفنا معا وكان اسمه عبد اللطيف ولست متأكدا هل هو محمود عبد اللطيف الذى قيل إنه اعتدى على جمال عبد الناصر أم لا؟ وقدمت له نفسى باسم منصور عبد الله وأخبرنى هنداوى إننى وعب اللطيف سنخرج بعد تناول الإفطار لنعاود البحث عن شقة تصلح سكنا لى ومخبأ لمطبعة.

وذهبت فعلا مع عبد اللطيف لرؤية إحدى الشقق, وبعد أن سرنا حوالى كيلو مترين فى الظلام داخل الآزفة والمنعطفات وصلنا إلى منزل قديم تحيط به برك المياه الآسنة وتفوح من حوله رائحة البول والقاذورات فدخلنا إلى الطابق الأرضى فإذا به مكون من ردهة واسعة وغرفتين صغيرتين ودورة مياه بشعة خالية من الأدوات الصحية والشقة فى مجموعها مملوءة بالحشرات والصراصير ورطبة, وذلك واضح على الجدران ونوافذها مكسرة, تسمح للأتربة بالدخول ليل نهار, وتسمح للمارة رؤية من بداخلها ولا تدخلها الشمس لأنها محاطة بالمبانى من جميع الجهات.

لم تعجبنى الشقة وقفلنا راجعين إلى دار الشهيد هنداوى, وأثناء الطريق علمت من عبد اللطيف أن صناعته مطبعجى, وأنه قد استأجر مطبعة ويدفع لها إيجارا شهريا قدره خمسة جنيهات مصرية, وأنه سينقل إليها مطبعة صغيرة ليطبع عليها كافة المنشورات المطلوبة, وليس له أهل فى القاهرة ويقطن وحيدا فى غرفة صغيرة جدا ملحقة بحديقة أحدى المنازل وكانت فى طريقنا, وعندما مررنا أمامها أشار لى نحوها فدهشت لصغر حجمها, ثم أبلغنى أنه قد اختير رفيقا لى فى السكن فسألته: ما نظام عملك؟

فأجاب: إنه يستيقظ فى السادسة صباحا ليذهب إلى عمله ليعود بعد الغروب فاستنتجت أننى سأظل حبيسا بمفردى طيلة اليوم دون حراك, حتى لا يعلم بوجودى احد من السكان وسأفطر وأتسحر يوميا طعاما باردا لأننى لا استطيع إشعال وابور الكيروسين.

وصلنا إلى منزل الشهيد هنداوى وأبلغته ملاحظاتى كلها واتفقنا على استمرار البحث عن شقة أخرى مناسبة.

وفى مساء اليوم التالى ذهبنا أنا وعبد اللطيف لرؤية شقة أخرى بالدور الثالث وتقع تحت سمع وبصر جميع الجيران, ومن بين هؤلاء الجيران فرد من المباحث العامة فعدنا هذه المرة أيضا بخفى حنين, وأبلغنا النتيجة للشهيد هنداوى, وفى العودة أخبرنى عبد اللطيف أنه التحق بالحرس الوطنى وكان مبرزا فى إصابة الهدف ورقى لرتبة أومباشى, ولكنه بناء على تعليمات الإخوان بعدم الاشتراك فى الحرس الوطنى تركه منذ شهور, وهنا فكرت مليا فى هذا الخطأ الكبير الذى ارتكبته قيادة الإخوان عندما اتخذت هذا القرار الذى تسبب عنه أولا حرمان سباب الإخوان من التدريب العسكرى فى وقت هم فيه أحوج إليه, وثانيا فقد عدد من الإخوان لهم تأثيرهم الأدبى والمعنوى والمادى بين غيرهم من شباب الوطن, وثالثا حرمان الإخوان من السلحة والذخائر المسلح بها الحرس الوطنى ممايزيد فى أعبائنا فى سبيل الحصول عليها, ورابعا إبعاد شباب الإخوان من صميم الحرس مما حرمنا من المعلومات التى تكشف نوايا الحكومة وصعب عملية استخدام الحرس,والاستفادة به فى القيام بأى عمل نفكر فيه.

ابلغني هنداوى أنه سيقضى أيام عيد الفطر فى بلدته القريبة من مدينة المنيا ولهذا سيكلف أحد الإخوان الموثوق بهم ليصحبنى إلى منزل آخر كى أقضى قترة العيد فيه. وفعلا استدعى هذا الأخ وكان هو صاحب أول شقة صحبنى إليها الشهيد يوسف طلعت فور مقابلتى لفضيلة المرشد الإمام الهضيبى عقب هربى من المحاكمة العسكرية.

وهذا الأخ هو (أ.ع) وكان قد فرغ لتوه من الامتحان النهائى لدبلوم معهد التربية العالى للمعلمين وأفطرنا معا بمنزل الأخ هنداوى وتركنا الأخ(أ.ع) على أن يعود فى اليوم التالى لاصطحابى إلى مكان آخر.


المسكن الجديد:

وفى الموعد المحدد حضر فعلا وخرجت معه وفى الطريق أخبرنى أنه استأجر شقة قريبة من المكان الذى نسير فيه, ولذا لم يكن هناك داع لأى سيارة تقلنا, فسرنا على الأقدام وأخذ يعرفنى على الشوارع والأماكن حتى انتهى بنا السير إلى عمارة بالعجوزة وهى التى استأجر بها الشقة فدلفنا إليها, فإذا هى فسيحة وصالحة وتطل حجراتها على حديقة ويسهل الانسحاب منها عند الهجوم.

وكان قد نقل إليها أثاث الشقة التى سبق أن ذكرت أنها غير صالحة للاختفاء وأخبرنى أنهه قد كان من المفروض أن تنتظره سيارة محملة ببعض الأثاث لتنضم إلى سيارته التى نقل عليها الأثاث, ولكنه انتظر طويلا فلم تحضر السيارة مما اضطر إلى الذهاب إلى الشقة ووضع الأثاث بها ليسرع إلى موعدى الذى قد اتفق معى عليه. وسمعته يطلب من الأخ هنداوى إبلاغ الأخ إبراهيم الطيب بأن سيارة الأثاث لم تحضر, وقد كان الأخ إبراهيم الطيب على موعد مع الأخ هنداوى لمعرفة ما يتم.

وقد وصف الأخ (أ.ع) للأخ هنداوى الشارع ورقم العمارة وكيفية الوصول إلى الشقة الجديدة, وفعلا بعد وصولنا إليها بساعتين حضر كل من الأخ هنداوى والأخ إبراهيم الطيب وكان الأخ (أ.ع) قد فرغ لتوه من ترتيب الأثاث بالشقة وتصرف سريعا بشراء سرس سفرى صغير وضعه بإحدى الحجرات لأنام عليه.

وحين حضر الأخ إبراهيم شكا إليع عدم حضور سيارة الأثاث, وعرفه بأن الأثاث الذى نقل والذى تصرف فى شرائه لا يناسبان الشقة ومظهرها, إلا أن الليل كان ساترا فلم يلاحظ البواب أو السكان هذه الظاهرة.

وقد تصرف الأخ (أ.ع) فى ترتيب الأثاث بحيث يبدو للرائى أن الشقة عامرة بالأثاث فقد وضع بالصالة أكبر جزء منه حين كانت الحجرات خالية تقريبا اللهم إلا من سرير له فى حجرة , والسريرة الذى تصرف فى إحضاره لنومى فى حجرة أخرى ومكتب فى الحجرة الثالثة, وقد وعد الأخ إبراهيم الطيب بتدارك الأمر وإحضار بعض الأثاث فى فرصة تالية, ولكن ذلك لم يتم لحدوث بعض المفاجآت.


مريض بالنيابة:

مرت اليام الباقية من رمضان فى هدوء وفى آخر يوم فيه شعرت بمغص حاد وشكوت إلى مرافقى الأخ(أ.ع) ما كنت أعنيه, فتركنى ثم عاد ببعض الأدوية التى تناولتها على الإفطار والتى أفادتنى تماما فى زوال ما كنت أشعر به والحمد لله رب العالمين.

وقد علمت أن هذا الأخ قد ذهب إلى طبيب وشكا إليه ما كنت أحس به من آلام متظاهرا بأنه هو المريض فعلا, حتى وصف له الطبيب الدواء فاشتراه من أول صيدلية صادفته وعاد به قبل الإفطار بقيل.

مصادفات فى يوم العيد:

كان الأخ(أ.ع) [أحمد عيد] قد خرج لشراء بعض المتطلبات وعرفنى بأنه سيعود بعد الظهر ليتمكن من إحضار أطعمه تتناسب مع يوم العيد وبعض الفاكهة والحلوى أيضا, وحين عودته وجد أمام العمارة سيارات البوليس الحربى وبها جنود وشاهد سيارات أخرى مما اضطره للتوقف أمام العمارة متظاهرا بشراء بعض الأشياء من بقال يجاور العمارة وأشياء أخرى من كهربائى حتى تتضح الأمور.

وما أن شاهده البواب حتى أسرع إليه فأتحفه ببعض المال كما جرت العادة فى يوم العيد, ودعاه إلى زجاجة غازية باردة ووقفا يشربان ودار بينهما حديث عرف منه أن أقرباء حسين الشافعى يقيمون فى نفس العمارة وقد حضر لزيارتهم فى العيد وهو حاليا عندهم, وأن رجال التحرى سألوه ‘ن أسماء السكان الجدد.

ولما عاد وأخبرنى لم نجد بدا من الانتقال إلى مسكن آخر كان قد أعده الأخ (أ.ع) ليكون مقرا تاليا فيما لو حدث أى طارىء فى السكن الذى نقيم فيه.


استقرار مناسب:

وأقبل الليل وبعد صلاة المغرب مباشرة انتقلنا إلى هذا السكن وكان فى أرض شريف بشبرا على بعد مائة متر تقريبا من المسكن الذى قضيت فيه سحابة يوم واحد عقب هربى من المحاكمة مباشرة. وفى هذا المسكن الجديد رأيت جميع المميزات الواجب توافرها للإختفاء والدفاع والهرب ويمتاز عن فيللا شارع الهرم بقلة الارتفاع مما يجعل عملية الإنصات لأحاديث المارة وسهولة القفز ممكنين.


انتظــــــار:

انقضى شهر رمضان وعيد الفطر ومرت ثلاثة أسابيع بعد العيد ولم يتصل بى الشهيد يوسف طلعت وكذلك لم يحضر الأخ(أ.أ.أ) برد الإخوان على طلباتى, وكان الأخ (أ.ع) قد أبلغ المسئولين بالتطورات الجديدة والإنتقال إلى شقة شبرا التى عددت مزاياها.

وقد أثار التأخير وعدم الحضور قلقى فقد كان مرور الوقت فى غير صالحنا ثم حضر الأخ إبراهيم الطيب بعد أن تواعد مع الأخ (أ.ع) ليصحبه إلى المقر الجديد, وفى مرة تالية حضر معه الأخ يوسف طلعت وانتظمت اللقاءات وسارت الأمور على ما كنت أتمناه.

وكان الأخ(أ.ع) جزاه الله عنى كل خير ساهرا على راحتى ليلا نهارا, فهو الذى يجيب كل سائل, ويستقبل كل طارق ويتصرف معه بلباقة ويشترى الحاجيات من السوق ويقوم بإعداد الطعام ويزودنى ببعض الأخبار التى يسمعها من الإخوان الذين كان يقابلهم مصادفة حيث كان قد قطع صلته بشبرا وغيرها تماما, وكان يتحرى شراء اللوازم من سوق العتبة وكثيرا ما كان يحضر الأطعمة مطهوة ويعود إلى المنزل لتسخينها وتقديمها سريعا, وكنا حريصين على قراءة الجرائد والمجلات.

وكنت إذا شككت فى شخص ما ممكن يتسكعون حول منزلنا أو ينظرون نحو النوافذ فهو أول من أستشيره فأعطيه صورة واضحة ودقيقة عما ألاحظه قيبدأ تحرياته بواسطة أفراد من الإخوان كان قد أعدهم للحراسة من الخارج وأيضا لمراقبة مثل هذه الأمور فلا يلبث أن يعود إلى بحقيقة الأمر.

كانت الأعمال المنوطة بى فى الشقة هى تنظيف غرفتى وترتيبها يوميا وكذلك الصالة والمطبخ ودورة المياه وغسيل ملابسى وغسيل الأطباق والأوانى بعد كل وجبة من الوجبات, ثم حمل السلاح وتنظيفه والإستعداد لكل طارىء.

وكثيرا ما كنت أتألم لتدخل الأخ(أ.ع) فى هذه الاختصاصات حيث كان جزاه الله حريصا على راحتى جدا.


خطة للمقاومة:

وقد وضعنا خطة الإنسحاب من الشقة إذا هوجمنا وتتلخص فى الآتى:

1- إذا استطعنا أن نشعر بالرقابة المبكرة حول المنزل فعلى الأخ (أ.ع) الإسراع فى غلق باب الشقة تماما بالمفتاح والمزلاج وإحداث مواء قط ثلاث مرات لينبهني, فأرد عليه بزقزقة العصافير لإفهامه إدراكى لإشارته, ثم أسرع بحمل السلاح وارتداء أبسط الملابس والتسلل من النافذة إلى فناء ملاصق لشقتنا عبارة عن مخزن يمكن منه القفز إلى الشارع الخلفى.

2- أما إذا هوجمنا فكان عليه أن ينادى بصوت مسموع (رايح على فين يا جدع)؟ ويعمل على عرقلة المهاجمين بشتى الطرق حتى لو تطلب الأمر الاشتباك معهم بالكراسى وبكل ما تصل إليه يداه. وعندئذ أسرع لنجدته بسلاحى الذى كان لا يفارقنى لحظة, فإما أن أنسحب بسلام وإما أن أقاوم حتى أسقط جثة هامدة, أو حتى يتمكن الأخ(أ.ع) من التقاط سلاحه والمقاومة أيضا ليتم انسحابى ثم انسحابه, بعد إطلاق قنابل الدخان وخلافه.

وكنا دائما فى حالة طوارىء, وكنت دائم التفكير بينى وبين نفسى فيما يجب عمله فى كل الاحتمالات بحيث أكون مستعدا لمغادرة الشقة بسرعة دون أن أترك أثرا يدل على وجودى والاستدلال على شخصيتى.

وكنت قد وضعت ملابسى فى حقيبة بداخل غرفة الأخ(أ.ع) ولم أترك بغرفتى سوى منامة موضوعة بطريقة لا تعطى المداهمين للشقة أية علامة تدل على وجود إنسان آخر يسكن مع صاحبها. وكان الشىء الوحيد الذى أحرص عليه هو خريطة القاهرة(250,000:1) وكشوف الفصائل وطبنجتى الموزر ذات الاثنتى عشر طلقة وخزنتها الإضافية وقنبلتين يدويتين وجلبابا وطاقية وحذاء ذا نعل مطاط أبيض.

وسارت الأمور عادية فكنا نخرج مساء للتريض فى شارع شبرا ومنه إلى الساحل على شطها ونعود إلى حدائق ومشاتل فى نهاية شبرا تمر بجوارها ترعة كنا نجلس على شطها للاستمتاع بضوء القمر والنجوم ثم نعود مرة أخرى إلى منزلنا لتناول العشاء ثم النوم.

وجاء يوم الأضحى واتضح أن الأخ(أ.ع) مرتبط مع أهله أيام العيد معهم ببلدته, فطلب من الأخ إبراهيم توصيلى لمنزل الأخ هنداوى الذى اتضح أيضا أنه سيسافر فى العيد فجلس الأخ هنداوى والأخ(أ.ع) يدرسان الموقف, واهتدينا إلى الإستعانة بالأخ(ع.ن) الموظف بالقسم الجغرافى بمصلحة المساحة المصرية, وأرسلا فى إحضاره, وعلمنا منه أن منزل الأخ (م.و) الموظف بالسكة الحديد جاهز لاستقبالى فترة العيد لأن الأسرة كلها سافرت إلى البلدة.

وعرفنى الشهيد هنداوى بالأخ (ع.ن) [علي نويتو] وقال له: إن أخانا منصور عبد الله سيقضى معك فترة العيد بمنزل الأخ(م.و) [مصطفى الورداني] وعليك القيام بخدمته.

وانصرفنا تشيعنا دعوات الأخوين هنداوى و(أ.ع) حتى وصلنا إلى شقة الأخ(م.و) وكانت بالدور الأرضى ناحية منطقة منازل عمال إمبابة وهى صغيرة فى حارة ضيقة متربة وقريبة من المزارع وتتكون من ردهة وغرفتين, إحداهما للنوم والأخرى للطعام ودورة مياه متعبة.


عيد الأضحى:

قضيت يوم عيد الأضحى فى هذه الشقة فى صحبة الأخ(ع.ن) وعرفت أنه يعرفنى من قبل, لتصرفاته معى, فربما يكون شاهدنى أثناء المحاكمة.

وعلمت منه تفاصيل عن فصيلة إمبابة التى كان قائدها هنداوى دوير, وشاويش الفصيلة أحد وكلاء النيابة أما الأخ (ع.ن) فكان قائد الجماعة الأولى والأخ (م.و) قائد الجماعة الثانية أما قائد الجماعة الثالثة فكان أحد المدرسين.

زارنى الشهيد إبراهيم أثناء إقامتى فى هذه الشقة كعادته معى عندما انتقل إلى مكان جديد فطلبت منه الموافقة على الآتى:

أ‌- السماح لى بإعطاء دروس شفهية خلال إجازة العيد فى التكتيك حتى مستوى لشاويش بامبابة, والشقة التى أسكنها حاليا يمكن استغلالها فى ذلك.

1- تكليف الأخ (ح.ن) الموظف بالمساحة أيضا وهو شقيق الأخ (ع.ن) بشراء مجموعة خرائط القاهرة 1/000/500 بعد عيد الأضحى مباشرة.

وبدأت أفكر فى تجهيز تختة رمل بالشقة فلم أجد أمامى سوى مفرش المشمع الموضوع على المائدة الخاصة بالطعام, فهو يؤدى الغرض لما عليه من مربعات تساعد على الشرح, وأعددنا نماذج خشبية وميزنا القادة بالألوان وجهزنا بعض العربات الصغيرة والأشجار.

وبدأت تدريس اول فرقة للقواد الثلاثة بإمبابة وقضينا يومين منتظمين وفى اليوم الثالث شعرت برعدة تنتابنى وبدأت فى القىء بكثرة وأخذ العرق يتصبب من جبينى وارتفعت حرارتى فلزمت الفراش لا أستطيع حراكا, وفقدت شهيتى للطعام فلم يكن لدى أى قابلية للطعام, وهنا لا يسعنى إلا أن أحيى فى أخى (ع.ن) حنانه وعطفه وإيثاره وحدبه علىّ فلقد ظل بجوارى طوال النهار وطوال الليل يساعدنى فى الذهاب إلى دورة المياه ويعد لى العصير, ويعاوننى فى استبدال ملابسى المبللة بالعرق, ويقيس درجة الحرارة ويعطينى الدواء فى مواعيده.

وأثناء مرضى زارنى أخى الشهيد إبراهيم الطيب, وأبلغنى أننى سأنقل إلى منزل آخر بعد شفائي مباشرة, وطلب منى العرض على طبيب ولكننى رفضت.

وبعد انقضاء أيام العيد استرددت صحتى ولم يكن الأخ (م.و) قد رجع من بلدته بعد, فذهبت إلى دار الشهيد هنداوى بصحبة الأخ(ع.ن) فوجدناه قد عاد من بلدته, وحضر الأخ إبراهيم الطيب واصطحبنى إلى شقة شبرا حيث كان الأخ (أ.ع) قد عاد م إجازة العيد ومعه رقاق وخبز فلاحى وصفيحة صغيرة مملوءة جبن قريش مخزون, وبط ودجاج ولحوم جاهزة للطهى وأحسست بانشراح فى صدرى لقدومه بعد انقباض, لأن وجوده معى فى الشقة يجعلنى أتحرك بحرية وأنا آمن ومطمئن, وبعد أن كانت تحركاتى فى غيابه عنى أحيانا على أطراف أصابعى, وأتسمر فى مكانى إذا دق جرس الباب أو لمحت إنسانا يقترب من زجاج باب الشقة.

إن عودة الأخ(أ.ع) بالنسبة لى أيضا معناها تناول الوجبات فى أوقاتها والخروج يوميا بعد العشاء للترويح عن النفس فى شوارع شبرا, والاطمئنان والراحة إلى حد كبير , فلقد كان جزاه الله عنى خيرا ساهرا على راحتى تماما كما سبق أن أوضحت.

وكثيرا ما كنا نقطع اليوم فى تبادل الآراء ومناقشة الأحداث, والقيام ببعض الأعمال العسكرية المفيدة والمسلية.


الوقت يمضى:

لم يحضر الأخ (أ.أ.أ) برد الإخوان على طلباتى, وبعد يومين من وجودى فى شقة شبرا هذه أحضر لى الشهيد إبراهيم الطيب الخرائط التى اشتراها من مصلحة المساحة وقال: إن قادة النظام سيحضرون عندى مساء اليوم التالى ليناقشوا معى بعض الأمور.

وفى اليوم التالى خوالى السابعة مساء حضر إلىّ قادة النظام وهم: الشهيد يوسف طلعت, والشهيد إبراهيم الطيب وأخوان آخران.

بدأت الحديث بعتابهم على تأخير هذا الاجتماع الذى كان من الضرورى عقدة بمجرد هروبى وإن وقتا طويلا قد ضاع كان من الضرورى الاستفادة منه ثم وجهت كلامى إلى الخارج(أ.أ.أ) أسأله عن أسباب تأخره عن لقائى طيلة هذه المدة منذ أ، التقيت به فى فيلا شارع الهرم . فكان جوابه أنه عرض مادار بيننا على إخوانه لدراسته وهاهم أولاء جاءوا اليوم لإعادة دراسته معى وما منعه عن الحضور سوى مهام أخرى كان يقوم بإنجازها.

وقد تم الاجتماع فى سرية كاملة وأمان, وأثناء اجتماعنا كان الأخ (أ.ع) يقوم بالمراقبة خارج الدار.

مرت بضعة أيام وأنا أترقب يوميا مجىء احد المسئولين لينقل إلىّ ما تم اتخاذه تجاه القرارات التى اتفقنا عليها, وفى اليوم الخامس حضر عندى الأخ الشهيد إبراهيم الطيب وبصحبته الأخ (م.م.ع), وجلسنا معا نتصفح أربعة عشر كشفا كل كشف يحوى أسماء فصيلة كاملة عددها ثلاثون فردا حسب التنظيم الذى وضعته وشرحته له سابقا.

سألت الأخ(م.م.ع) عما أعده لبدء التدريب فأجاب:

إنه فى سبيل إعداد معسكر من الطراز الأول, وسينتهي من تجهيزه بعد أسبوع.

وهنا انفجرت غاضبا موجها لومى للأخ الشهيد إبراهيم الطيب لضياع الأيام والأسابيع دون أن نعد شيئا, والوقت يمر كالسيف القاطع ولكنهما وعدانى خيرا.

طلب الأخ( أ.ع) السفر إلى الإسكندرية لبعض الأمور فأذن له, ولكننى اشترطت على الشهيد إبراهيم الطيب أن يحل محله طيلة غيابه واحد من الإخوان الممتازين وتفاهم الأخ( أ.ع) مع الأستاذ إبراهيم فى هذه الأمور وناقشنا الأمر وتوصلا إلى حل.

وفى اليوم التالى سافر الأخ(أ.ع) تاركا لى أطعمة جافة مثل علب السردين والتونة والجبن والزيتون والبطاطس والمكرونة والأرز والزيت والعسل والمربى.

وبعد الظهر حضر الأخ الشهيد إبراهيم وبرفقته الأخ(ح.ع) الذى لم أكن أعرفه من قبل, ومن خلال التعاون عرفت أنه مهندس لاسلكى ومنتدب للتدريس بالعراق وعاد منها لتمضية الإجازة السنوية بمصر, وقد طلب منه الشهيد إبراهيم الطيب مرافقتى لبضعة أيام, وحضر الأخ الشهيد إبراهيم إلينا فى اليوم التالى للإطمئنان على الأمور وأحضر معه بعض حبات المانجو اللذيذة الطعم, وأكمل التعارف بيننا وانصرف.

علمت من الأخ المهندس(ح.ع) [حلمي عبدالمجيد] أنه يعمل منذ وقت طويل فى النظام الخاص, فقد جهز فى أيام الحكم المرحوم محمود النقراشى باشا محطة لاسلكى ككانت تذيع بيانات الإخوان المسلمين على الشعب ضدالإنجليز المحتلين, وقد داهمه البوليس السياسى فى الدار التى أقيمت فيها الأجهزة, إلا أنه استطاع الفرار فى الظلام مستعينا بالأشجار, التى كانت تحيط بالمنزل تاركا وراءه كل المعدات.

امضى الأخ(ح.ع) معى عدة أيام وكان يعاوننى فى طهو الطعام, وكنا نخرج بعد العشاء للتريض فى شوارع شبرا المظلمة النائية القريبة من الحقول كما كان يفعل الأخ (أ.ع).

ولكنه لم يكن يقضى النهار كله معى, فكان يخرج لرؤية أهله ثم يعود إلىّ حاملا معه بطيخة, وما أحتاج إليه من طعام لليوم التالى وفى أغلب الأحيان لا يبيت معى فى الشقة, كان ذا ذكاء وهدوء إلا أن أعصابه كانت مضطربة, ففى إحدى جلساتنا انتفض واقفا عندما كنا نتحدث عن نشاط الحكومة فى البحث عنى.

وفى اليوم الذى كان مفروضا أن يعود فيه الأخ (أ.ع) استأذننى (ح.ع) فى الصباح الباكر وخرج, وانقطعت عنى أخباره, حتى شاهدته بعد عام تقريبا فى أحد شوارع مدينة الموصل بالعراق, وكنت وقتئذ أجلس وأشرب زجاجة غازية مع السيد نورى الدين الأطرقجى, وهو من أقرباء فضيلة الشيخ محمود الصواف الداعية الإسلامى العراقى الكبير.


طرائف مفاجئة:

لقد كان من الضرورى أن أذهب إلى صالون لحلاقة شعرى وعادة, ما كنت أذهب بجلباب حتى لا يظهر سلاحى الذى كنت أحمله, وقد كان من المتفق أن يجلس الأخ(أ.ع) على باب الصالون, بعد أن يكون قد اكتشف الصالون وسلم على الأسطى الحلاق حيث كان له به صلة, وقد كان مستعدا أيضا استعدادا لللطوارىء بينما يقوم الأسطى الحلاق بحلاقة شعرى.

توقفت سيارة شرطة أمام الصالون تماما, ونزل منها أحد الضباط وبعض عساكر الشرطة, كل هذا لا أعلم عنه شيئا, ولكننى بعد أن انتهيت من الحلاقة خرجت, وقد كنا نتظاهر أمام صاحب الصالون بأنه لا توجد صلة بينى وبين الأخ (أ.ع).

فإذا خرجت سار خلفى حتى نتوارى فى الشوارع الجانبية, ثم نسلك الطريق سويا إلى منزلنا. وفى الطريق أخبرنى الأخ(أ.ع) بمسألة سيارة الشرطة والضباط والعساكر, وأنه أوشك يتصرف واستعد لاستخدام سلاحه, إلا أنه تريث حتى يدخل الضباط الصالون وبعدها يتصرف, لكنه فوجىء بالضباط يدخل حارة جانبية ثم أخذت السيارة تستدير, ووقفت فى الجهة المقابلة للصالون, عاد ضابط الشرطة بعد فترة وركب السيارة وانصرف.


لكن الله سلم:

يخبرنى الأخ(أ.ع) أنه كان على وشك أن يطلق النار على كل هؤلاء حيث ظنهم قد حضروا للقبض علىّ, لكن الله ربط على قلبه وألهمه التريث حتى استبانت الأمور.

وبعد يومين ذهب الأخ (أ.ع) إلى الصالون وأخذ يتناول الحديث مع الأسطى فعرف أن هذا الضباط يسكن فى شقة فوق الصالون, وأن باب العمارة فى الحارة الجانبية وأنه عادة ما يحضر إلى منزله لبعض الوقت ثم ينصرف, وقد استدعى هذا أن نحتاط للأمور مستقبلا عند خروجنا للحلاقة وغيرها.


الفصل السادس عشر : التدريبات العملية

مضى حوالى ثلاثة أسابيع منذ اجتماع قادة النظام,كنت فيها نهبا للغيظ والإنفعال لمرور هذا الوقت الضائع, علاوة على شهر ونصف من قبل, فيكون المجموع شهرين وأسبوعا دون أن نبدأ فى تجهيز شىء عملى, بل على العكس كانت كل الظواهر تدل على مظاهر ضعف كثيرة ومتنوعة تتلخص فى الآتى:

1- الفصائل غير كاملة التسليح والتدريب, وأنه بالكاد يمكن تسليح فصيلة واحدة على الوجه الأكمل, علاوة على بعض الأفراد فى الفصائل.

2- لو تتوقف قيادة النظام عن طبع وتوزيع المنشورات رغم معارضتى الشديدة مما يدل على قصر نظر, عدم تنسيق بين تفكيرى وتفكيرهم

3- يتركز وجود الفصائل فى القاهرة, ويكاد الوجه القبلى يخلو منها تماما أما الإسكندرية والقنال والوجه البحرى فضعاف فيسهل القضاء عليها بعملية اعتقالات عشوائية واسعة النطاق.

4- إن العسكريين من رجال الجيش لم يلتقوا بى حتى الآن, ولم تبدأ أية ظاهرة تدل على أنهم أعادوا تنظيم صفوفهم بعد الضربة التى وجهتها لهم الحكومة, ونجم عنها محاكمتى, وإحالة عدد من الضباط إلى التقاعد ورفت بعض الصولات.


السفر إلى الدقهلية :

وفى صباح أحد الأيام حضر عندى الأخ(م.م.ع) وطلب منى الإستعداد للسفر بعد الغروب لنبدأ التدريب. حددت معه مكان اللقاء فى نفس اليوم عند محطة بترول بالقرب من مدخل شبرا, وفى الوقت المحدد التقينا وركبنا سيارة أعدت لسفرنا يسوقها شخص ترافقه زوجته وابنته الرضيعة.

جلست وبجوارى (م.م.ع) فى الخلف وأخذت السيارة طريقها تجاه بلدة الأخ(م.م.ع) بالدقهلية وكانت الرحلة ميسرة حتى وصلنا بالسلامة الله إلأى دار الأخ(م.م.ع) حيث قضينا فيها أول ليلة.

وفى الصباح اختفت السيارة بسائقها وزوجته وابنته, أما أنا فقد التقيت فى الدار بأربعة من الإخوان هم الأخ (ع.غ) , والأخ(هـ.د), والأخ(ص.ع), وفى اليوم التالى وصل الأخ(م) من الإسماعيلية والأخ (ب) والأخ(...) من بور سعيد والأخ(ن) من العريش يضاف ‘ليهم الأخ(م.م.ع) وقد حضر هؤلاء ليحصلوا على فرقة فى حرب العصابات, استمرت هذه الفرقة أربعة أيام بعد أن كان مقررا لها سبعة أيام, وقد اضطررت تحت ضغط الإخوان أن أعمل ليل نهار لتكملتها فى هذه الفترة القصيرة وقد عاوننى على ذلك إقبال الإخوان وارتفاع معنوياتهم.

كان الغرض من الفرقة إعداد قائد جماعة يستطيع أن يقوم بحرب عصابات وقد استطعت خلال المحاضرات ومشروعات تختة الرمل والتدريب العملى, أن أخذ فكرة عن درجة كفاءة هؤلاء الإخوة, وقد وجدت أن مستواهم جميعا فوق المتوسط, عدا اثنين فهما ممتازان, وواحد ضعيف تماما.

كانت الدار فسيحة, وأعطى لى جناح مكون من قاعة كبيرة للطعام وثلاث غرف وحوش كبير لتخرين الحبوب, وقد استخدمت إحدى الغرف لنومى. والثانية لنوم الطلبة, والثالثة لإلقاء المحاضرات وتدريس مشروعات تختة الرمل وتقع الدار على طريق زراعى فرعى بمحاذاة ترعة صغيرة كانت سببا فى انتشار البعوض الذى أقض مضاجعنا وملأ وجوهنا وأيدينا من لدغاته, زد على هذا الفئران التى كانت تكر وتفر ليلا فوق أرضية الغرفة الخشبية, وأحيانا كانت تمر فوق أرجلنا, وقد آثرنى الطلبة والأخ(م.م.ع) صاحب الدار بأن أعطونى الغرفة التى بها ناموسية, ومع هذا لم أسلم من اللدغات المؤرقة.

وفى دار الأخ(م.م.ع) التقيت بشقيقه(م) ووالده الذين لمست فيهما خلقا إسلاميا وحياة ريفية خشنة, وكرما عربيا.

وفى خلال حديثى مع شقيق الأخ(م.م.ع) طلبت منه أن يشترى لى(صديرى) كالذى يرتديه الشيوخ والفلاحون حول الصدر, ويمتاز بأربعة جيوب أو اثنين كبيرين, فما كان منه إلا أن أهدانى واحدا جديدا استخدمته فى حفظ الأوراق.

كنا نستيقظ فى الفجر للصلاة ثم نبدأ دورسا فى المصارعة اليابانية فمحاضرات أو مشروع تختة الرمل , ثم نستريح مدة ساعتين نتناول خلالهما الطعام الإفطار ثم غسيل الأطباق ونقوم بإعداد وتنظيم غرف النوم, ثم نبدأ تدريبات تكتيكية عملية داخل الغرف والحديقة والفناء حتى الساحة الواحدة بعد الظهر, ثم نستريح استعدادا لتناول طعام الغداء, وبعد الغداء فترة راحة ونظافة غرف الدار من الأتربة وإعداد كافة الاستعدادات للطوابير الليلية, التى كانت تبدأ من بعد غروب الشمس وتستمر حتى منتصف الليل, ولم نتوقف ليلة واحدة عن الطوابير الليلية نظرا لأهميتها. وكان الطلبة أثناء فترات الإستراحة يوزنون المحاضرات ويلخصون كل ما دار من أسئلة وأجوبة حول مشروعات تختة الرمل والطوابير الليلية.

وفى إحدى الاستراحات اقترب منى الأخ (ع.غ) قائلا: أخشى إذا لم يدرس هذا المنهج لجميع الإخوان فى النظام قبل دخول المعركة أن تحدث كارثة!! ولم يجد منى جوابا لأنى كنت أسأل نفسى عشرات الأسئلة حول نفس الموضوع!!

وسألت الأخ (س.ت) من إخوان العريش عن سبب حضوره للفرقة متأخرا يوما كاملا فأجابنى: إن الأوامر صدرت إليه فجأة بالسفر إلى القاهرة وتقديم نفسه لمكتب (ع.غ), فنفذ الأمر ولما وصل هناك أمروه بالحضور لبلدة الأخ(م.م.ع) فنفذ الأمر دون أن يعرف أسباب مجيئه.

والذى أريد أن أنوه عنه فى هذا المجال أن أخانا (س.ت) وإخوان العريش ورفح وغزة وخان يونس ودير البلح, قد أعطيت لهم تدريبا على الأسلحة الصغيرة ومعارة ميدان ألغام, إما بنفسى أو بواسطة معلمين من الكتيبة الفلسطينية التى توليت قيادتها زهاء عامين, لذلك لم تكن الدورس التى درست فى بلدة الخ (م.م.ع) بجديدة عليهم. كما لاحظت أن بعض الطلبة كان يرتدى الجلبات أثناء التدريبات, ولم توجد أسلحة بل استعيض عنها بشومة لكل طالب, وقد تسبب ذلك فى أن ألغيت دروس الأسلحة الصغيرة, وخلع أصحاب الجلابيب جلابيبهم, وظلوا يتدربون بالملابس الداخلية.


نتائج الفرقة:

أ‌- كانت الأغلبية العظمى من طلبة هذه الفرقة من ضباط, وممن قاتلوا فى فلسطين والقنال أو أحضروا معسكرات تدريب إخوانية, فكان حضورهم بمثابة تجديد لمعلوماتهم.

ب‌- بدأت وانتهيت الفرقة دون أن تشعر بها السلطة الحكومية.

ت‌- لم تستخدم أسلحة أو متفجرات, ولم يحضر بعض الطلبة ملابس التدريب.

ث‌- تعتبر هذه الفرقة فى مستوى قادة الجماعات.


العودة إلى القاهرة:

بدأ الطلبة بعد انتهاء الفرقة يعودون إلى بلادهم وعدت أنا والأخ (أ.ع) فى سيارة خصوصية إلى القاهرى متخذين من الليل ستارا وكنت دائم التفكير فى خطط المستقبل سوء من جانبى أو من جانب الحكومة العسكرية, وهل يستطيع إخوانى الذين حضروا هذه الفرقة القصيرة الموجزة تفيهم ما درسوه لإخوانهم بإهتمام وسرعة كما أود؟ أم أن ظروف الأمن ووظائفهم ستعطلهم وبذلك تنتقل ميزة المبادأة والمفاجأة للطرف الآخر( الحكومة العسكرية)؟

ولم يقطع حبل تفكيرى سوى السيارة أمام مزلقان السكة الحديد استعدادا لمرور أحد القطارات. وصلنا مدخل شبرا وهناك افترقت عن الأخ(م.م.ع) متجها نحو المخبأ الذى أقيم فيه ولم يكن الأخ (أ.ع) موجودا فيه وبعد حوالى نصف ساعة من وصولى حضر.

وبعد يومين زارنى الشهيد إبراهيم الطيب, وبدأ يسألنى عن حال المعسكر ومدى نجاحه وأوجه النقص التى لاحظتها, فأوجزتها له فى تقرير – بناء على طلبه – ضمنته كشفا بدرجات الطلاب أيضا جاء فيه ما يأتى:

1- الشئون الإدارية والسرية والأمن ممتازون.

2- ألغيت دروس الأسلحة الصغيرة لعدو وجودها.

3- يجب إجراء فرقة قادة الفصائل.

4- بعض الطلبة ضعيفو الضبط والربط.

أما الأخ هنداوى دوير فلم أذكر اسمه فى التقرير فى كشف كفاءة الطلبة, ولما سألنى الشهيد إبراهيم الطيب عن سبب ذلك أجبته بأننى أرى ألا يتولى أى قيادة عسكرية.

5- أن مدة التدريب كانت قصيرة ويجب ألا تقل عن سبعة أيام.


معسكر كرداسة:

ابلغني الشهيد إبراهيم الطيب أن الطلبة الذين حضروا معسكر الشرقية قد استفادوا كثيرا وسروا من الدروس التى تلقوها, وارتفعت روحهم المعنوية خاصة بعد أن اطلعوا على الكشف الذى به نتائج كفاءتهم, واجتمعوا على هذه الفرقة كانت ضرورية وبالتالى سرت قيادة النظام لهذه النتائج وقرت الاستمرار فى عقد فرق أخرى يحضرها جميع قادة الفصائل, وحتى هذه اللحظة كنت أظن أن قادة النظام هم الشهيد يوسف عز الدين طلعت والأخ(أ.أ.أ) والشهيد إبراهيم الطيب والأخ(م.م) والأخ( ص.س), وكنت أعتقد أننى لا أتعدى كونى أعمل كمستشار فنى أعطى رأيى إذا طلب منى ذلك, وقد لا يؤخذ به حتى ولو كان صحيحا.

وقال لى الشهيد إبراهيم الطيب إنه والأخ (م.م.ع) فى سبيل إعداد معسكر ثان فى كرداسة محافظة الجيزة فى ضيعة أحد الإخوان, وسيحضر الأخ (م.م.ع) بعد يومين على الأكثر لاصطحابى إلى المعسكر وستكون مدة لإقامته سبعة أيام وسيحضره قادة الفصائل والجماعات لفصيلتى العباسية والجيزة ويكون عدد الطلبة فى كل مرة اثنى عشر من الفصيلتين ومن كل فصيلة قائدها وقائد ثان وقادة أربع جماعات.


بدء المعسكر:

وبعد غروب شمس أحد الأيام جاءنى الأخ(م.م.ع) واصطحبنى أنا والأخ( أ.ع) ومن أحد الأزقة المظلمة القريبة من دارنا ركبنا سيارة جيب شطر الجيزة, ومنها إلى الطريق الصحراوى, ثم انعطفت بنا السيارة جهة اليمين فى قلب الصحراء لمسافة ثلاثة كيلو مترات.

ثم وقفت السيارة وترجلنا نحو شيعة يخيم عليها السكون والظلام, وكان يحيط بالضيعة سور عال من الأشجار الكثيفة يحجب كل تحرك داخلها.


تعليمات:

دلفنا إلى داخل الضيعة فرأيت حوالى خمسة خيام مقامة بنظام رتيب, وبعد أن تعرفت على المسئولين عن المعسكر, قادونى إلى الخيمة التى خصصت لى فسألت عن عدد الطلبة والمدة التى سيقضونها فى التدريب, ونظام الحراسة أذى سيتبعونه لإنذارنا إذا ما حدثت ( كبسة) قد يقوم بها البوليس, ووسائل إخفاء معدات المعسكر وطرق الهروب من المنطقة, والأقوال التى يقولها أى فرد يقع فى أيدى البوليس.

وقد وجدت أن جميع مستلزمات التدريب والشئون الإدارية جاهزة بشكل آثار إعجابى, وكذلك ما يختص بالحراسة وإخفاء المهام, وقد أشرت على قائدى المعسكر بإتباع التعليمات الآتية بكل دقة:

1- يعين يوميا(ضابط نوبة) لمراقبة الحراس فى نقاط حراستهم المختارة, وبدء وجبات الطعام والدروس والاستراحة, وتقديم تقرير مساء كل يوم عن الضبط والربط فى جميع أنحاء المعسكر.

2- أن تتم المحادثات همسا أو بالإشارات ولا يسمح لصوت واحد يرتفع بأى حال من الأحوال, سوى اثناء إلقاء المحاضرات, للجندى الحارس عند أداء واجبه فى المعارضة أو إنذار المعسكرين.

3- تمنع منعا باتا الإنارة ليلا ولا يسمح لى كائن لا يعرف كلمة ( سر اليل) من الإقتراب من المعسكر ليلا بل يستجوب خارج المعسكر, ويتم الإنذار حسب شخصية الشخص الغريب.

4- تباد جميع الأوراق السرية والمذكرات الشخصية التى بنبىء عن شخصية صاحبها فورا, ويحتفظ فقط بملخصات عن التدريب وتحرق هذه الملخصات عند الإنذار بخطر.

5- إذا حدثت (كبسة) فيجب على الحراس الاستماتة فى مقاومتها, وعلى باقى الطلبة إخفاء الخيام والمهمات بهدوء تام فى الق من عشر دقائق, فإذا شعروا بان القوة المهاجمة كبيرة وسدت جميع المنافذ فعليهم قبول المعركة والانسحاب فردين بأمر منى.

بلغت الساعة الحادية عشرة مساء عندما انتهيت من إصدارى لهذه التعليمات وشرحها جيدا لجميع الأفراد, وأخذت ومعى الطلبة نطوف بأنحاء المعسكر, واخترت مواقع دفاعية دائرية حول المعسكر وأجريت امامهم بيانا عمليا عن الطريقة الصحيحة للمعرضة ليلا, والحكمة فى ازدواج الحراس ليلا, وواجب كل منهما نحو الآخر, ونحو العدو المتقدم والخصائص التى يجب أن تتوافر لدى الحارس الجيد, كيف يتصنت؟ واين يقف؟ وماذا يلبس؟ وكيف يبلغ الإنذار؟

وأبلغتهم مواعيد العمل وحددت لهم مكان شرح المحاضرات التكتيكية على تختى الرمل والمحاضرات الأخرى, وتركت اختيار مكان التدريب والمهارة فى الميدان لصباح اليوم التالى, ثم استاذنت للنوم بعد أن بلغت الساعة الواحدة والنصف صباحا.


يوم جديد:

استيقظت فى الخامسة صباحا لصلاة الفجر وقد أمنا للصلاة المرحوم الشيخ أحمد نار الذى استمر معنا ثلاثة أيام وزودنا يوميا بدرس دينى كان له أثر كبير فى شحذ عزائمنا, وكثيرا ما كان يشترك معنا فى حل المسائل التكتيكية على تختة الرمل, وكثيرا ما حلفه التوفيق فى إجاباته.

كانت الصحراء والتلال القريبة من المعسكر صالحة جدا للتدريب على المهارة فى الميدان, وقد سارت أيام التدريب الخمسة الأولى على أحسن وجه, نظرا لتواف كل ما يتطلبه التدريب من مهارات وعتاد وأدوات.

كنا نقيم المحاضرات والتدريبات العملية البسيطة داخل الضيعة حتى إذا أقبل المساء خرجنا للتدريب العملى على مهارة فى الميدان فى الأرض الصحراوية المحيطة وأحسست بانطلاق وراحة لن كل شىء سار على ما يرام إلا أننى لاحظت ظاهرتين بين الطلبة هذه المرة.

الأولى : ضعف الضبط والربط بين بعض الطلبة وقد بدأ فى الرغبة فى الضحك, والضعف البدنى, مما حدا باثنين إلى أفستئذان والعودة لمنزلهما ورغبة آخرين فى الزوغان من الطوابير والعمل فى المطبخ, ولقد سمحت لهما بالانصراف فانصرفا ولم يقضيا فى اتدريب سوى أربعة أيام .


فض معسكر كرداسة:

فى مساء اليوم السادس حوالى الساعة الحادية عشرة مساء كنا عائدين من الطابور الليلى وعند وصولنا إلى السور الشجرى المحيط بالمعسكر, لاحظ قائد فصيلة العباسية الأخ(س) أن لمبة الغاز الموضوعة فى مكان مخصص من أحد أركان المعسكر- وهى الوحيدة المسموح بإضاءتها فوق تختة الرمل – مطفأة, وأن الجندى الحارس لم يعارضنا عند دخول المعسكر, فوقفت توا وأرسلته ومعه آخر ليستطلعا الأمر, وبعد دقيقتين عاد وأبلغاني أن شابين قصيرين يرتدى كل منهما بنطلونا طويلا وقميصا أبيض لا يتعدى سن كل منهما الخمسة العشرين عاما, هذان الشابات اقتربا من نقطة مراقبتنا التى تطل على طريق مصر الإسكندرية الصحراوى, وسألا فردى المراقبة عن أسباب وجودهما فى هذه النقطة...

فأجاب عليهما بأنهما من سكان الضيعة ويقضيان فترة نزهة وسيعودان بعد ذلك.

فقال الشابات: ولماذا اخترتما هذه النقطة بالذات؟

ثم انصرف الشابات فى اتجاه الطريق.

استنتجت من هذا الحادث أن هذين الشابين هما من أفراد المباحث العامة وبخاصة أن هذه المنطقة لا يحضر إليها من هم فى مثل سنهما بمثل هذه الملابس. زد على هذا أن السؤال الذى ألقياه يخفى وراءه كثيرات من الاستفسارات فقررت بسرعة فض المعسكر والانسحاب قبل حضور قوات حكومية للقبض علينا.

ترتيبات الانصراف:

جمعت جميع إخوانى الطلبة وشرحت لهم الحادث وطلبت منهم إخفاء جميع أوراق المعسكر من أسلحة وخيام وأدوات طبخ وإزالة تختة الرمل والتجميع خلال ربع ساعة استعدادا للإنسحاب.

وقد تم كل ذلك فى الوقت المحدد, وأرسلت ضابط النوبة ليتأكد من تنفيذ أوامري , وأرسلت فى أعقابه ضابط إحدى الفصائل, وعاد كلاهما يؤكد لى تنفيذ المطلوب. وأثناء ذلك استدعيت أخوين ممن يسكنان هذه المنطقة, طلبت من كل منهما العمل كدليل لإحدى الفصائل, إلى أن تصل كل فصيلة إلى طريق الهرم ومن هناك يعود كل إلى داره بالوسيلة التى يفضلها, وأكدت على الجميع التزام الصمت التام أثناء السير ووجوب السير متفرقين وعلى فواصل طويلة على كلا جانبى الطريق, وفعلا نفذت خطة الإنسحاب, إلا أن بعض الإخوان استقلوا سيارة أجرة من الطريق الزراعى والبعض الآخر استخدم قدميه, وكان من نصيبى أثناء العودة أن أرافق أحد إخوان العباسية وهو طالب من الأزهر الشريف.

وصلنا سويا طريق الهرم بعد مسيرة خمسة عشر كيلوا مترا, وقد نال منا التعب نيلا كبير, وسرنا فى طريق الهرم حوالى ثلاثة كيلو مترات أخرى إمعانا فى التضليل, وفى أول حافلة كهربائية ركبنا, وشاء الله سبحانه وتعالى أننى بمجرد أن وضعت قدمى على درج الحافلة احترقت اللمبة مما ساعد على إخفاء وجهى عن الناس.


الزوجة والبنات:

كان مفروضا أن أعود فى الحال إلى مخبىء فى شبرا, ولكننى خشيت أن تهاجم الحكومة المعسكر ويزداد التحقيق ويلقوا القبض على الأخ (م.م.ع) وعن طريقه يصلون إلى شىء آخر, ودفعنى لئلا أنام فى هذا المخبأ إحساسى بشوق كبير عميق لرؤية زوجتى وبنتىّ عزة وعبلة, وقلت لنفسى: إنه لا يخطر على بال بشر من رجال الشرطة أننى أذهب بعد انفضاض المعسكر إلى منزلى لذلك قررت قضاء أكثر من ليلة فى بيتى حتى ينجلى الموقف.

وصلت الحافلة الكهربائية إلى ميدان الجيزة فنزلنا وسرنا سويا أنا ومرافقى نتجاذب أطراف الحديث وأحسست بالجوع فاشتريت ( أقة) خوخ بعشرين قرشا واقتسمته مع الأخ مرافقى ثم ركبنا سيارة أجرة حتى ميدان السيدة زينب وغادرناها سويا وبعد بضعة أمتار افترقنا.

وجدت قدمى ومشاعرى كلها متجهة نحو بيتى ولما كنت أسكن بالطابق السادس فى إحدى العمارات الكبيرة فى أول شارع قدرى باشا, وهو من الشوارع الرئيسية بميدان السيدة زينب ظلت عيناى ترمقان من بعيد نوافذ الشقة وخصوصا العلامة البيضاء التى كمن متفقا مع زوجتى على وضعها فى الشرفة, ولحسن حظى كانت فوطة بيضاء, ترمز إلى أن الرقابة المحيطة بالدار متوسطة, وبرغم ذلك لم أتردد فى الاقتراب من المدخل العمومى للعمارة.

كنت مرتديا جلبابا, عارى الرأس لابسا حذاء مطاط, وتحت الجلباب ملابس إفرنجية كاملة استعدادا للتغيير وقتما أشاء, وقفت على باب العمارة متكئا بكتفى على الجدار حتى يظننى أى مراقب تابع لتحرى أننى من سكان العمارة أو بواب أو عامل, وظلت هكذا قرابة دقيقتين استطعت خلالها رؤية كل شخص قريب من الباب أو يراقب الشقة من العمارات الأخرى المواجهة لعمارة التى أقيم بعا. وقد لاحظت جلوس أحد المراقبين على مقعد فوق الرصيف المقابل للعمارة مباشرة كما شاهدت شابا جالسا فوق مقعد فى شرفة العمارة التى تواجه شرفة شقتى مباشرة, ولاشك فى أنهما رأيانى جيدا لكنهما لم يتحققا ممن شخصيتى نظرا للحالة التى كنت عليها ولثباتى أثناء الوقوف.

وبعد أن أطمأنت صعدت السلم بسرعة, وأحمد الله الذى عافنى فلم ألتق بإنسان أثناء صعودى, وصلت إلى شقتى ونقرت على زجاج الشقة وفى لحظات كنت فى الداخل وجها لوجه مع زوجتى.

كان أول شىء فعلته هو دخولى مباشرة غرفة الاستقبال حيث حصرت إلىّ عزة وعبلة وغمرتهما بالقبلات ثم غيرت ملابسى واغتسلت لإزالة الأتربة والرمال من اثر الطوابير, وقضيت ثلاثة ايام لم يشعر بوجودى احد وإمعانا فى التضليل كانت زوجتى تخرج كل يوم وتغلق باب الشقة من الخارج بالقفل, ولاحظت أن زوجتى منذ أن هربت أسدلت الستائر على جميع النوافذ, وبذلك أصبح من المستحيل لأى مراقب رؤية ما يدور داخل الشقة, كما أنها كانت تضم الستائر لأحد الجوانب فترة طويلة صباحا للتهوية ودخول الشمس, فاعتاد المراقبون على ذلك,ومن خلف هذه الستائر كنت أراقب الطريق العام ورجال التحرى المنبثين فى الشارع.

أبلغتنى زوجتى أنه من حين لآخر كان يحضر لزيارتها فرد من أفراد التحرى. وكانت تحسن استقباله, ونحدث أن شرحت لأحدهما مدى العلاقة الطيبة اتى كانت بينى وبين جمال عبد الناصر, فتأثر رجل التحرى كثيرا, أو هكذا بدا عليه, ولكى تخفف عبء التحرى عن بيوت أشقائى وشقيقاتى ووالدتى أذاعت بين رجال التحرى والجيران أنها وأنا على غير وفاق معهم, وقد كانت هذه حيلة بارعة منها, إذ استطعت فيما بعد أن أتصل بأخى الأكبر للحصول منه على كثير من المساعدات بالرغم من أن زوجتى وبنتى عزة وعبلة طمأنونى على أن إقامتى هذه المدة القصيرة ستكون هادئة, فقد كنت منزعجا بعض الشىء فكنت دائم التفكير فى أسرع طريقة للاختفاء, ويدى على طبنجتى المحشوة بالرصاص, أما من جهتى فكنت أفكر فى هاتين الفتاتين وأرثى لحالهما أن يريا والدهما وهما لا تزالان فى ميعة الصبا فى هذه الحال, لقد كان واجب أمهما – جزاها الله خيرا – أن تشرح لهما سبب المطاردة, إنهما كانتا ترين والدهما حتى شهرين سابقين يرتدى ملابس العسكرية ويأمر مئات الجنود فى الجيش ويتحرك بعربته فى أى وقت, وفى أى مكان, يحاط باخترام ومحبة العسكريين والمدينيين, شاهدتا جمال عبد الناصر وأنور السادات وخالد محيى الدين وكمال حسين وحسن إبراهيم, وعبد الحكيم عامر وعشرات من كبار وصغار الضباط يزوروننى فى بيتى, فماذا حدث لوالدهما حتى يختفى وبيده أسلحة فتاكة عند سماع جرس الشقة؟!!

حقا لقد كانت مسئولية كبيرة وواجبا على أمهما أن تبين لهما اسباب هذه الاحتياطات الشاذة حتى اقتربت منى ابنتى عزة وسألتنى:

لماذا أنت يا بابا تلبس جلبابا وتسير فى الشارع؟

وأين قضيت كل هذه المدة الطويلة؟

أجبت على أسئلتها قائلا:أسألى والدتك فهى تعرف السبب بدقة .

فقالت عزة : نعم لقد قالت والدتى إنك لم تستجب لطلب عمى جمال بالإنضمام إلى االضباط الأحرار, وبقيت مع الإخوان المسلمين لأنكم تريدون الحكم بالقرآن إننى افتخر بك دائما بين زملائى فى المدرسة وأقول لهن: إن والدى هو الذى حاصر قصر راس التين وأجبر الملك فاروق على رفع راية بيضاء علامة الإستسلام.

ثم استطردت قائلة:لقد أخبرتنى والدتى أن عمى جمال أبو هدى هو الذى أحالك على المعاش بدون سبب

ثم سكتت هنيهة وقالت: لكن لماذا يا بابا ترتدى الآن الجلباب وتخرج به إلى الشارع؟!!

فرددت عليها:سأشرح لوالدتك السبب وهى ستقوم بشرح كل شىء لك ولأختك عبلة عندئذ أقبلت عبلة علىّ وقالت: إن أمى كل يوم تصلى وتدعو ربنا أن يسلمك من كل سوء ويحفظك.

فقلت لها:إن هذه شهادة فى حق أمك سأحتفظ لها بها فى قلبى.

سألت زوجتى عما إذا كانت أرسلت الملابس ومهمات النوم ( من بطاطين وملاءات فرش وخلافه) إلى منزل الحاج إبراهيم أبو دومة.

فأجابت:لا.. لم أرسل شيئا.

فطلبت منها أن ترسلها فى أقرب وقت.

أثناء الأيام الثلاثة التى قضيتها فى شقتى بين زوجتى وابنتى, زار زوجتى ابن خالى الشيخ عبد الفتاح أبو الفضل, ومكث حوالى ربع ساعة ثم انصرف دون أن يحس بوجودى, ثم زارتها شقيقتى أمينة ولم ترنى هى الأخرى, وأبلغتنى زوجتى أن الإخوان أرسلوا إليها بعد هروبى من المحاكمة مباشرة مبلغ خمسين جنيها ولكنها رفضته شاكرة لهدم الحاجة إليه,كما أبلغتنى أن جميع أصدقائي من شباب فلسطين وكثيرا من أصدقائى زاروها بصحبة زوجاتهم أو شقيقاتهم ومنهم من اتصل بها تليفونيا لتشجيعها , وقد سببت هذه الزيارات للزائرين بعض المتاعب من قبل مباحث أمن الدولة.


العودة إلى مخبىء:

عزمت على مبارحة دارى وبعد الغروب ودعت زوجتى وابنتىّ وانتهزت فرصة السكون المخيم على درج النيابة وفتحت باب الشقة بخفة وحذر ونزلت بسرعة مرتديا جلبابا وتوجهت إلى مخبأ شبرا حيث التقيت بالأخ (أ.ع) الذى ابتدرنى قائلا:

الحمد لله على سلامتك !! لقد ظننا أنه قد ألقى القبض عليك!! أين كنت طيلة هذه المدة؟

لقد هاجمت قوات الشرطة معسكر كرداسة فجر اليوم التالى بقوات هائلة, ولكنهم لم يعثروا على شىء إلا أنهم القوا القبض على صاحب الضيعة وغالبا عذبوه ليعترف لهم بما يعرفه عن ظروف المعسكر , وقد فتشوا المنطقة بيتا بيتا لكنهم لم يعثروا على شىء حتى هذه اللحظة, ولا زالت هناك قوات كبيرة تسد المنافذ والطرقات, وتوقف الداخلين والخارجين, وتتحرى عنهم بمعرفة مشايخ القرية لعل واحدا من الذين كانوا بالمعسكر يقع فى أيديهم.

حضر إلىّ الأخ الشهيد إبراهيم الطيب حاملا معه بعض ثمار المانجو وأبلغنى أن حادث معسكر كرداسة قد انتشر فى جميع أنحاء القاهرة, وأن الرقابة قد اشتدت على جميع الإخوان كبارا وصغارا, وأنه وجميع الضباط الإخوان ومنهم الضابطان أركان حرب معروف الحضرى وحسين حمودة, قد قرروا الاختفاء عن أعين التحرى وقد استأجرا الإخوان حسين حمودة وجمال ربيع دارا فى الجيزة منتحلين صفة طالبين يدرسان بالجامعة.


ترقب وانتظار:

كنت قد ذكرت للإخوان عند هروبى من السجن والمحاكمة أن قادة الانقلاب لن يتركوا الإخوان, ولابد سيعملون أى شىء للاحتكاك, واعتقالهم, وبعد انكشاف معسكر كرداسة كان لابد من الترقب وانتظار ما تأتى به الأحداث ونظرا لشدة المراقبة التى ذكرها الشهيد إبراهيم الطيب, فقد قلل حضوره إلى مكان الإختفاء كما عرفنى بأن الأخ(م.م.ع) سوف يكون مندوب الاتصال عندما يريد شيئا.

ومضت بنا الأخوال والأيام لم تتغير الحياة عما اعتدناه وفى أحد أيام سبتمبر أبلغنى الأخ(أ.ع) أن غدا سيكون يوما حرا لكل منا يقضيه كما يريد.

وفى الصباح نشطت مبكرا فى جولة استطلاعية وتفقدية لمعالم القاهرة, وخرج هو كذلك, وعندما عاد آخر النهار كانت تنتظره مفاجأة, فقد أخبره بواب المنزل بأن بعض الأشخاص قد طرقوا باب الشقة وحاموا حول المنزل, ووقفوا أمامه طويلا يتكلمون ولما سألهم ماذا تريدون ؟ سألوا عن الشقة وعن سكانها ووقفوا عند بقال مواجه للعمارة وأخذوا يتشاورون.

ترقب البواب عودة الأخ(أ.ع) وأخبره بما حدث وأنهم كانوا يتكلمون عن شخص يركب دراجة بخارية يتركها بعيدا ويدخل المنزل.

خرج الأخ(أ.ع) لتوه للإبلاغ عن هذه الأمور, وطلب من الشهيدين يوسف طلعت وإبراهيم الطيب عدم الحضور, وأبلغهما بعدم حضور الأخ (م.م.ع) أيضا, وعاد مسرعا خشية أن أعود, وكانت هناك علامة متفق عليها ترفع عند الخطر فرفعها الأخ( أ.ع) قبل مغادرته للمنزل, لكنه عاد ليحدنى بالشقة وقد كنت متحفزا لأى طارئ فما إن وضع المفتاح بالباب حتى وقفت مستعدا لإطلاق الرصاص , ولما دخل عاتبنى: لماذا دخلت؟

وأخبرنى سريعا بما حدث وطلب منى سرعة ارتداء جلباب فوق ملابسى الإفرنجية, وبعد لحظات طلب منى الخروج من المنزل على أن يسير خلفى حتى يأمن عدم المراقبة ثم يلحق بى.

أدركنى الأخ(أ.ع) وطلب منى ونحن نسير صوب شارع شبرا أن أذهب إلى الشقة الاحتياطية, وأترقب فيها حضور الشهيد إبراهيم الطيب وذلك بعد الاتصال به تليفونيا وذكر عبارات معينة كان قد اتفق عليها معه كما طلب منى عدم العودة إلى المخبأ مؤقتا.

ثم حضر الشهيد إبراهيم وعلاقتى بأن الأخ (م.م.ع) قد اعتقل وحدثت اعتقالات أخرى لبعض الإخوان بالقاهرة, ونقل كثير منهم إلى أماكن نائية,واتفق معى على كيف نلتقى حين تتأزم الأمور. أخذت الصحف بعد ذلك تهاجم الإخوان بعنف, وخصوصا جريدة الجمهورية والمجلات التى تصدرها الحكومة والمناصرة لها, وكنت أثناء هذه الفترة أتنقل بين أماكن متباعدة وأفكر فيما يمكن أن يقع من أحداث, وكنت لا استقر فى مكان معين خوفا من الاستدلال على مكانى, فيما لو حدث اعتراف من التعذيب.


حادث المنشية:

سمعت النبأ وكان مفاجأة غير متوقعة, وفى الصباح نشرت الصحف أنباء أدركت حين قرأتها أننى أمام أشياء لا يصدقها العقل’ وتواردت فى خواطرى علامات استفهام كثيرة حول هذا الحادث. ثم سلمت الشهيد هنداوى نفسه وأدلى بكثير من الاعترافات والخطط التى لم تكن فى الحسبان, وتحيرت مع هذه الاعترفات والخطط أيضا, وأخذت أناقش تفاصيلها وأتعجب, ثم بدأت الاعتقالات وأجهزة اتصال لدى أفراد الجماعة وغير ذلك من الأفانين التى كانت تطالعنا بها كل يوم.

كما نشطت الإذاعة فى تحذير الناس من أفراد الجماعة, وضرورة التبليغ عنهم, لتتمكن الحكومة من القبض عليهم, قبل أن يتمكنوا من الإضرار بمصالح الشعب.


حادث شبرا:

وفى صباح الاثنين (15 نوفمبر 1954) نشرت الصحف أن اعتداء وحشيا مسلحا قام به أفراد من الإخوان على البوليس فى شبرا, وبعد معركة حامية تمكن البوليس من مهاجمة وكر الإخوان واقتحامه والقضاء على من فيه, واعتقال أحد الإخوان وكان لا يزال حيا, وكان ذلك عقب الاعترافات التى أدلى بها الشهيد إبراهيم الطيب بعد اعتقاله.

وكذلك أعفى الرئيس محمد نجيب من منصبه حيث ذكر الشهيد إبراهيم االطيب أنه كان متفقا مع الإخوان من إبريل الماضى.

وبدأت الصحف تذكر أقوالا وتفاصيل عن الخطة الدموية التى أحكمت الصحف نشر تفاصليها بما لا يصدقه العقل.

كان ذلك كله يحدث فندور بخواطرى التساؤلات, إلا أننى لم أفاجأ بما كنت أحذره وأخشاه, وقد قامت الحكومة بتنفيذه فعلا ونشطت المحاكمات للقضاء على الجماعة وأفرادها كما سبق أن حذرت. ولم يكن من الممكن إزاء هذه الحملة الضارية أن أتصل بأحد من الإخوان أو يتصل أحد بى, خصوصا وقد نشرت مجلة التحرير فى عددها رقم (84) الصادر (22 من نوفمبر 1954) صورتى واضحة على الغلاف وافترت الأكاذيب علىّ, فذكرت أننى اتصلت بسفارة أجنبية للتآمر معها وكتبت على الغلاف بالبنط العريض ( كل شىء عن الإرهابى الغامض), ونشرت بالداخل عدة صفحات كلها أكاذيب عنى وعن الإخوان.


حادث غريب يحيرنى:

وأذكر أنه فى مساء أحد الأيام التى كانت تتوالى فيها هذه الأحداث كنت على موعد مع الشهيد الطيب, وكنا نتقابل فى أحد الميادين أو الشوارع حيث كان هاربا, ومطلوبا للقبض عليه.

وبينما أنا جالس على أحد الأرصفة فى انتظار الأخ إبراهيم, رأيت من يقترب منى ويقول:( ياعبد المنعم اتلم بقى وروح لحالك وفكر فى وسيلة للنجاة).

فقلت: من المتكلم؟

فقال: ناصح أمين مؤمن وموحد بالله ثم تركنى وانصرف بعيدا ومضى مسرعا دون أن أعرفه أو اتبينمن يكون؟

وكان هذا داعيا إلى أن أتحاشى الظهور بع ذلك أو التفكير فى مقابلة أحد من الإخوان, وأخذت أفكر فى أمري, ماذا أستطيع أن افعل فى تلك الظروف حتى أجد وسيلة للنجاة؟


تنقلات وعدم استقرار:

تنقلت فى أماكن كثيرة عند أقاربى وعند معارفى وأصدقائى وكان منهم من يعرفنى ومنهم من لا يعرفنى, وكانت الضرورة تقتضى أن أتنكر فى صور متعددة وبأى أسماء, حيث بدأت الصحف تنشر عن المطلوبين وأنا من بينهم, كما نشرت عدة صور متوالية لى فى أشكال مختلفة, ووصفتني تماما ورصدت المكافأة لمن يدلى بأقوال أو معلومات تؤدى إلى اعتقالى.

وليعذرنى القارىء فى عدم ذكر الأماكن والأسماء للذين وقفوا إلى جانبى فى لك الظروف, وقد كانوا ولا شك أبطالا مجهولين أتغاضى عن ذكر أسمائهم على الرغم منى, وأدع جزاءهم وحسابهم لله رب العالمين وهو وحده السميع المجيب.


الفصل السابع عشر : إلى خارج البلاد

بدأت أفكر فى الخروج والسفر خارج أرض الوطن, وكانت هناك خطط بدأت افكر فيها وأعدد معها الإحتمالات, وأخيرا تركت الأمر فيها لله وفوضت إليه أمرى فيما يقدر ويختار.

استقر رأى القائمين على خطط تهريبى أن يتم ذلك بطريق البحر من بلدة دمياط, فسافرت إليها من القاهرة خلال شهرى مارس وابريل (1955) بعربة خاصة ثلاث مرات, وفى كل مرة كنت أعود إلى القاهرة لعدم ملاءمة البحر لإقلاع السفينة التى كنت سأسافر بها إلى لبنان.

وفى المرة الثالثة كان الجو صحوا, ونمت ليلة عند البحار المصرى الذى كان صلة الاتصال بين قبطان السفينة اللبنانية التى سأسافر عليها وبين القائمين على خطط تهريبى, ولا أعرف شيئا عن اسم هذا الرجل سوى أنه أبيض الوجه قصير القامة قليل الكلام نشيط الحركة.

وفى وسط الليل أيقظنى وأفهمنى مغادرتى للوطن ستكون فى الصباح المبكر فأديت بعض الصلوات والدعوات, وتممت على أمتعتى, وخاصة الحزام الذى ألبسه فى وسطى وبه مبلغ 500 جنيه.

وعند الفجر ركبت قاربا صغيرا واختبأت فى قاع القارب, بينما بدأ النوتى فى التجديف حتى ابتعد عن منطقة الميناء ثم أوقف التجديف وبدأ يستخدم الشراع فى تحريك القارب مما زاد من سرعته فى عرض البحر مقتربا من سفينة ذات حمولة 600 طن.

ولما وصلت السفينة صعدت إلى سطحها بواسطة حبل على شكل سلم كان متدليا منها وهناك قمت بتحية القبطان الذى رد التحية, وأبلغنى أن السفينة طريقها إلى لبنان وقادنى إلى مخدعى فى أسفل السفينة, وقدم لى السجائر والشاى, ولكن كعادتى رفضاهما شاكرا لأنى لا أتعاطاهما, وكان رفضى أول خطأ ارتكبته فى هذه الرحلة, لأن الفكرة التى كانت لدى القبطان والبحارة عنى أننى تاجر حشيش قادم إلى لبنان لعقد صفقة مخدرات والعودة على نفس السفينة فى اول فرصة, فليس معقولا أن يمتنع تاجر المخدرات عن التدخين والشاى. استلقيت على ظهرى ورحت فى سبات عميق حتى قبيل الغروب, وعندئذ جاءنى بحار مفتول العضلات ضخم الجثة قصير القامة يتحدث بلهجة مصرية طالبا منى مائة جنيه ولم يكن ذلك لسبب واضح, فسألت فأجابنى أنها( حلاوة) ففهمت المطلوب وهو معرفة مكان النقود التى أحملها توطئة لسرقتها أو على الأقل الضغط علىّ لإعطائه المائة جنيها المطلوبة لشعوره بأنى هارب من مصر لسبب ما ولست تاجر حشيش. وفى هذه اللحظة توجهت إلى اله بقلب خاشع متذكرا توصيات المرحومة أمى وقلت: يا بركة دعاء الوالدين.

وانتفضت واقفا لأواجه ذلك الخصم الغريب الذى تحرك نحوى, وإذا بقدمه تنزلق على قشر برتقال, ولما حاول التوازن اندفعت ساقه وارتطمت بقطعة خشب فدخل فى ساقه مسمار طوله 7سم, وأخذ يصرخ بأنين فتقدمت نحوه بسرعة وسحبت ساقه من المسمار وأجريت له الإسعافات الأولية مما معى من سبرتو أبيض وصبغة يود وبودرة سلفادور وغطيتها بشاش معقم ومشمع بعد أن ربطت ساقه من كلا الجانبين لمنع اندفاع الدم, وظل جالسا بجوارى وقال لى:

سامحتى كما طلب منى أن أذهب إلأى القبطان لإعتذر له عما أصابه دون ذكر موضوع الحلاوة) فنفذت ما أراد, وأبلغنى القبطان أن السفينة ستصل إلى المكان الذى سأنزل فيه فى فجر اليوم التالى, وذلك لكى أكون على أتم استعداد لمبارحة السفينة.

وعدت إلى صديقى الجريح لأطمئن عليه وأخفف من ألمه, حاولت أن أعرف منه بلده واسمع وعنوانه حتى أزوره إذا شاء اله وعدت إلى بلدى, ولكنه رفض.


الوصول إلى البحر:

وصلت إلى المياه الإقليمية للبنان, ووقفت السفينة فى أحد الموانىء,وبعد حوالى نصف ساعة اصطحبني شخص قرب الفجر مرورا بنقطة المرفأ, وكان الجميع نياما أو مشغولين فلم يعترضنا إنسان, وتركنا خلفنا نقطة المرفأ تماما وركبنا الأتوبيس وكانت مقاعده مثنى مثنى, وكان مقعدى بعيدا عن النافذة وفى الوسط ملاصقا للممر الذى يسير فيه المحصل, بينما وقف الشخص الذى اصطحبنى من السفينة على سلم الأتوبيس, ليكون مستعدا للفرار فى حالة القبض علىّ ولا سيما لعدم حملى جواز سفر.

وعندئذ صعد رجل شرطة وأخذ ينظر للركاب متفحصا آمرا بعض الركاب بإبراز ما يثبت شخصيتهم ويتغاضى عن الآخرين, حسب ما يتراءى له, وعند وصوله للمقاعد الأربعة التى أمامى مباشرة وقف مادا ساقا للأمام والأخرى للخلف فاردا ذراعية للجانبين مستندا بيده يمينا ويسارا وأخذ ينظر إلىّ وإلى الثلاثة ركاب الجالسين يمينى ويسارى, فلم أبد أى حركة حتى رمشة العين, وكل ما حدثت به نفسى هو الدعاء( يارب).

وهنا أمر الشرطى الراكب الذى على يسارى بأن يبرز هويته, وبعد أن فحصها تحركت قدمه الخلفية, وسبقت قدمه الأمامية متجاوزا مكانى ومتقدما إلى الأمام حتى أكمل التفتيش ونزل من لعربة.

وصعد صاحبى الواقف على السلم وتحركت السيارة بإذن الله إلى المكان الذى لا أعرفه حتى هذه اللحظة.


عمى محمد ياسين الفلسطينى:

وصل الأتوبيس إلى نهاية خط فى بيروت, ونزلت مع صاحبى الذى قادنى إلى أحد المقاهى وتركنى حوالى نصف ساعة ثم عاد ليقول لى: إن عمى محمد ياسين غير موجود فى بيته, وعلينا أن ننتظره مدة ساعة لعله يحضر!!.

وانتظرناه , ولما حان الوقت ذهبت معه هذه المرة فوجدناه فى بيته, وحان وقت الغداء فأكلنا هنيئا وشربنا مريئا وودعنا صاحبى الذى لم أعرف عنه إلا إسمه والمقهى الذى يجلس فيه, وهما من أحلى الذكريات.

أما هو فمن بلدة البطولات ( مرفأ صور ) بلبنان, وكنت كلما طال حنينى إلى وطنى العزيز ذهبت للسلام عليه.

مكثت عند عمى محمد ياسين قرابة شهرين كنت موضع حفاوة وتكريم منه ومن أهله خاصة زوجته وأولاده, وفى أحد الأيام صارحنى بأنه يعرف الكثير عنى, وعلى أن أعتبر بيته كبيتى, وألا أغادره إلا بعد أن أجد مأوى أفضل من هذا.

كان عمى محمد ياسين فلسطينيا من أثرى أثرياء حيفا كريما وفيا شجاعا. هاجر من فلسطين إلى لبنان عام (1948) بسبب حوادث الإرهاب الصهيونى وكثيرا ما كان يكرر على مسامعى حب فلسطين لمصر والمصريين وجبن اليهود ومسئولية الإنجليز فى مد اليهود بالأسلحة والعتاد, بينما تحرم الفلسطينيين من حمل الذخيرة والأسلحة وتزج بهم فى السجون إذا ضبط مع أحدهم ولو طلقة رصاص (فشنكة) وقال لى: إنه لو زود العرب الفلسطينيين بالأسلحة والتأييد الكامل لطرودوا الصهاينة من فلسطين , ومما قاله لى: إن السياسة لا دين لها ولم يسبق لى أن سمعت هذه العبارة من أحد قبله. خلال غربتى مدة سبع عشرة سنة ونصف كنت لا أنقطع عن زيارة عمى محمد ياسين إلى أن وافته المنية رحمه الله عام (1967).


الالتقاء مع الإخوان:

ذهبت مصطحبا ( أبو داود) شقيق المرحوم محمد ياسين لشراء حذاء, وأثناء سيرنا معا أذن المؤذن للصلاة, وكان يوم جمعة فاستأذنت منه للصلاة حيث جلست فى الصفوف الخلفية فى جامع الأمين.

وقبيل انتهاء الخطيب من خطبة الجمعة شاهدت ثلاثة شبان يدخلون للصلاة وكان من ضمنهم الأخ كامل الشريف, فتريثت حتى جلس ثلاثتهم, وعندما انتهى الخطيب من خطبته وأقيمت الصلاة, تحركت من مكانى ووقفت على يساره دون أن يشعر بى, وعندما انتهت الصلاة والتفت إلى يساره قال لى بدهشة: هل أنا فى حقيقة أم خيال؟ لأنه لم يكن يتوقع وجودى!! أما أنا فقلت له: الآن أقول إننى كنت غريقا ووصلت إلى البر فى أمان, وتعانقنا فى لهفة وتواعدنا على اللقاء فى اليوم التالى, وانصرفت لألتقى بأبى داود ورجعنا سويا إلى منزل عم محمد ياسين, الذى أبلغته عزمى على ترك منزله حلال أيام.

والتقيت ثانية بالأخ كامل الشريف الذى تحدثت معه كثيرا وتحدث معى كثيرا, وكان أول شىء قدمه لى الإخوان مبلغ 300 ليرة لبنانية شهريا لكى أستأجر مسكنا مناسبا كما أعطونى مبلغا من المال لشراء أثاث بسيط مثل بوتاجاز وكنبة وسرير ومقعد ومكواة وخلافه.

وكان السكن فى ضاحية قريبة من بيروت تسمى ( الحدث) وهى منطقة يسكنها طائفة المارون, وكنت أكنس وأطبخ وأغسل بنفسى كل ذلك باسم مستعار.

والتقيت بكثير من الإخوان المصريين أمثال المرحوم الأستاذ عبد الحكيم عابدين والإخوة سعيد رمضان وسعد الوليلى وعز الدين إبراهيم وغيرهم كثير, وكلما مرت الأيام والشهور تعرفت بعدد أكبر وممن تعرفت بعم اخوة سوريون وسودانيون وعراقيون وأردنيون وكويتيون وقد لقيت منهم كل حب وأخوة صادقة أدبية ومادية.

ومن الإخوة السوريين التجار الأخ عدنان نحلاوى رحمه الله, الذى كان يملك محلا للأجهزة الكهربائية وماكينات الخياطة, وأذكر أن صاحب المنزل الذى كنت أسكنه كان يراقبنى ليلا من وراء الأشجار, لأنى كنت أخرج من المنزل فى وقت متأخر من النهار ولا أتغيب كثيرا.

وفى أحد الأيام خرج معى وركب الأتوبيس وصاحبنى فى الطريق فاستنتجت انه يريد أن يعرف حقيقة عملى ومكانه, فدخلت محل الأخ المرحوم عدنان نحلاوى وغمزت بعينى قائلا له: أعرفك بصاحب الشقة التى أسكنها السيد إسكندر لعله يحب أن يشترى من عندك أى شىء وأرجو إكرامه.

وأخذت أشرح لصاحب الشقة تفاصيل المحل ومحتوياته وأسعارها وجودتها فطمأن لى وسلم على وتركنى ولم يعد بعد ذلك يراقبنى.


الفصل الثامن عشر : اللجنة الخماسية

بعد أن استقر بى المقام فى بيروت والتقيت مع الإخوان, حصلت على جواز سفر عراقى باسم مستعار( وهو عبد الرحمن أمين) وشعرت بعد ذلك بنوع من الأمان, فقد أصبح معى ما يثبت شخصيتى لأستطيع التحرك كيفما شئت.


اللجنة الخماسية :

تكونت لجنة خماسية من الإخوة سعيد رمضان وكامل الشريف وعبد المنهم عبد الرءوف وسعد الوليلى و....

وبدأنا نجتمع لبحث مشاكل الإخوان والوضع الذى نحن فيه وكيفية الخروج منه وكثيرا ما كنا نختلف لبعد وجهات النظر.

وبدأت الأيام تتوالى من غير أن نصل إلى تقارب, وقد قدمت للإخوة تقارير ومذكرات عن أسباب الفشل و الأخطاء الماضية, وقدمت مقترحات لدراستها والسير على ضوئها مستقبلا, لكننى رأيت بعد فترة أن العمل فى هذه اللجنة لا يسير على خطة موحدة, فكان كل فرد من أفرادها يتصرف بما يراه ويتماشى مع ظروفه ومصالحه, فتقدمت باستقالتي منها وذلك بعد أن لمست كثيرا من التصرفات التى أرجو أن يعذرنى القارىء الكريم من ذكرها.


اللجنة المحايدة:

ثم تكونت بعد ذلك لجنة محايدة مهمتها تلقى التقارير من جميع الأطراف ومحاولة الجمع والتوفيق بين الإخوة المصريين بالخارج, وتقدمت هذه اللجنة بمقترحات اطلعت عليها وتمنيت لها التوفيق.


مفاجأة غير سارة:

فى أحد اليام كنت أسير فى أحد شوارع بيرونت أفكر فى وضعى ماذا أفعل وإذا بى أرى ضابطا مصريا أعرفه جيدا, وأغلب ظنى أنه يعمل فى مخابرات السفارة المصرية بلبنان.

فحاولت البعد عنه ولكنه رآنى وتأكد من شخصيتى, ثم عدت إلى المنزل أفكر فيما عسى أن يكون , وصدق ظنى.


فبعد فترة

من الزمن قرأت فى مجلة الصياد اللبنانية أن الحكومة المصرية تطلب من الحكومة اللبنانية تسليمها بعض الأشخاص الموجودين فى أراضيها والصادر فى حقهم حكم الإعدام, فنفت الحكومة علمها بوجود أحد عندها. ومن حسن الحظ أن كان كميل شمعون رئيسا للجمهورية وقتها, وهو ضد عبد الناصر.

لذا فكرت فى ترك لبنان والسفر إلى بلد أطلب اللجوء السياسى فيه لأكون فى مأمن من عبد الناصر وزبانيته, وأبلغت الإخوان عن عزمى هذا, وكان الأخ كامل الشريف على اتصال بالسلطات الأردنية فوافقت على ذلك.


اللجوء إلى الأردن:

وصلت إلى همان واستضافنى الملك حسين ونزلت فى فندق فيلاديفيا على حساب الحكومة, وكنت أثناء ذلك أحاول الإتصال الإخوان الأردنيين للتعرف عليهم والتعاون معهم ومشاورتهم, وكان يوجد بالأردن كثير من الإخوة الفلسطنيين الذين كنت أدربهم عندما كنت قائدا لجيش تحرير فلسطين بغزة عام (1953) وهؤلاء كانوا خير عون لى أثناء إقامتى فى الأردن وعند خروجى منها أيضا.


ملامح عن إقامتى بالأردن:

كان البكباشى راضى عبد الله هو همزة الوصل بينى وبين الحكومة الأردنية, وفى أحد من الأيام اتصلت به وأبلغنى انه سيرسل لى سيارة ليصحبنى إلى مقابلة الفريق الركن الصادق الشرع, ثم اتصل بى الأخ الأستاذ مح عبد الرحمن خليفة ,أبلغنى ان راضى بك اتصل به هاتفيا وأوعز إليه بالذهاب معى.

حضرت العربة وبها ضابط مرافق وصحبنى الأستاذ عبد الرحمن خليفة لرئاسة الأركان, وبعد فترة أبلغونا أن الزعيم مشغول فى اجتماع هام مع الوزير حابس امجالى, وفى المساء علمنا انه مشغول أيضا فى اجتماع معقود بالقصر الملكى.

وفى يوم ( 5/12/1957) ركبت مع الأخ عبد الرحمن سيارته إلى الأركان وقابلنا صادق بك وقام لأخ محمد بعملية التعريف وسألنى صادق بك عن انطباعاتى فى الأردن الشقيق فأجبت بالآتى: البلد أنظف من بيروت والشعب طيب والمرأة محجبة وهذا شىء حسن والجنود نظيفة وكذلك سيارات الجيش, ومن الضرورى الإهتمام بالدفاع الجوى م/ط لأن البلد مبنية فى واد وتتاثر جدا بالضغط المتسبب عن الإنفجار.

سألنى هل لاحظت أى أثر للمكتب السورى فأجبت :لا!

قال : إن الشعب طيب , وقلت له: إن هذه أول مرة أسمع عن المكتب الثانى هنا.

ثم سأل الزعيم صادق الأخ خليفة عن مكان يوسف العظم, فأجابه لا أعرف, ثم استأذن خليفة للسفر إلى بيروت , وقال لصادق بك وهو يصافحه يجب أن تستفيدوا من الأخ عبد المنعم, لكن صادق بك لم يتكلم!!

وجلست مع صادق بك وسألنى عن هروبى ثم سألنى عن مقابلة جلالة الملك, وسردت عليه شيئا عن حياتى وعن المهام التى قمت بها, واستغرق الحديث حوالى ساعة, ثم انصرفت على أن يتصل بى صادق بك.


ملاحظتى لهذه الزيارة:

صادق بك شخص متكبر, لا يحب أن أدخل الجيش, ولا مانع عنده من دخولى الطيران ولو ناحية إدارية لأنه قال بنفسه: الملك مهتم بالطيران جدا ويمكنك أن تعمل فى ناحية إدارية, وأغلب ظنى أن الحديث كله التقطه مسجل صوت ولم يهتم صادق بك بتوديعى, فلا سيارة أعطيت لى للرجوع ولا وصلنى للباب, أدركت أنه محتمل وضعى تحت المراقبة, وأنه أحس بكفاءتى, وهذا كفيل بأن يبعدنى عن كل عمل قريب منه, ولم يذكر سيرة الحرس الوطنى.


مقابلة مع كامل الشريف:

فى (8/12/1957) حضر كامل الشريف من بيروت فحكيت له ما دار بينى وبين جلالة الملك حسين والبكباشى راضى عبد الله والزعيم, الركن صادق الشرع.

علق كامل على هذا الحديث بقوله: علينا أن نعلن خبر اللجوء السياسى ثم تكون المرحلة الثانية إيجاد عمل.

ثم التقيت مصادفة بالأخ محمد خليفة, وأبلغته ما دار بينى وبين الزعيم الشرع وأبلغته: أرجو أن لا يغير لجوئى السياسى من سياستكم فى إيجاد عمل لى فقال: والله إننى مستعد لأن أتقاسم معك لقمة العيش والملابس التى ألبسها وأن ندفع للفندق كل المصاريف, واتفقنا على ألا يفتح مع جلالة الملك أو أى شخص موضوعى كما أبلغنى أن رئيس الأركان لم يفاتحه فى موضوعى حين التقى به البارحة مدة أربع ساعات.

كان من رأى الأخ كامل أن يتم موضوعى على مرحلتين: اللجوء السياسى ثم يترك العمل للمسئولين بعرض المناصب العسكرية عندهم إما مستشارا فى سلاح الطيران أو المشاة, أو فى الحرس الوطنى. ثم اتصل بى كامل وحضر عندى بالفندق وأبلغنى انه تقابل مع جلالة الملك وعرفنى بأنه موافق على اللجوء السياسى والسكن والأثاث, وأن البكباشى راضى عنده تفاصل هذا الأمر.

أما بخصوص العمل فى الجيش فمن الضرورى أني ضع العسكريون آراءهم وأن جلالته موافق على ما يقرون.


زيارة البكباشى راضى:

فى(14/12/1957) زارنى بالفندق البكباشى راضى وكرر لى ترحيب جلالة الملك بى فى الأردن وأخبرنى بأن العمل سيوفر لى وقال أنصح بان تفتح مصنع موبليات تباع بأثمان معتدلة, فأخبرته بأن البركة فى جلالة الملك وفى شعب الأردن وأننى سأكون وفيا مخلصا, والتقيت بعد ذلك مع الأخ محمد خليفة والأخ كامل ورشاد وراجعنا الكلمة التى سادونها فى سجل التشريفات الملكى, والتصريح الذى سأدلى به للصحف ونبذة عن حياتى وغير ذلك.


زيارة لمجلس الوزراء:

فى (16/12/1957) ذهبت لزيارة مجلس الوزراء ومعى كامل ودخلنا غرفة مدحت جمعة وكيل وزارة الخارجية, ومنها على سيادة سمير الرفاعى نائب رئيس الوزراء ورئيس وزارة الخارجية.

وقام جمعة بعملية التعريف ثم قال سمير باشا: إننا وكل أردنى نرحب بكم بيننا والحمد لله على سلامتك.

فقلت له: إن عطف ورعاية جلالة الملك الحسين المعظم فوق الوصف, وكل ما أود لهذا البلد الكريم ذروة المجد والسيادة ولكافة الأقطار العربية والإسلامية.

فقال: نشكرك على هذه الروح النبيلة, ثم قال: لا أدرى لماذا تسبنا صوب العرب؟ ولماذا تتدخل مصر فى شئوننا الداخلية؟ إننى لا استطيع التدخل فى شئون ابنى ولا شقيقى. لماذا لا يتركونا نعمل ما فيه مصلحتنا؟

إن مصر هى الشقيقة الكبرى ونحن نكن لها كل حب, ولكن لا نريد منها التدخل فى مصالحنا. لقد اعتمدوا على فئة ضالة من الناس وأرادوا هدم العرش وهدم الوطن ولكن الله خيب ظنهم, فلم ترق نقطة دم واحدة , ووضع المتهمون فى السجون بعد المحاكمة العادلة. وذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر يعمل لصالح مصر ولكنه يتعجب كيف يتدخل فى شئون الأردن, وكيف يسنح للمذيعين بأن يطلعوا على العالم بهذا النوع من السباب والأكاذيب. فعلقت على ذلك:

أرجو إن شاء الله إن تعود المياه إلى مجاريها بفضل توجيهات جلالة الملك والمخلصين من قادة الشعوب العربية ورؤسائها.

ثم استأذنت ومررت بسيادة إبراهيم باشا هاشم رئيس الوزراء الذى رحب بى وبدأ يتحدث عن أنه طورد كثيرا أيام الثورة ضد السلطان عبد الحميد وهرب لجبال الدروز,وكان يرتدى ملابس امرأة ويكحل عينيه.

فسألته: هل تعرف عزيز المصرى؟ فأجأب: كلا, لكن عزيز باشا أكبر منا سنا وإننى أحترم جهاده, ثم سألنى عن كيفية هربى فذكرت له بعض النقاط وقد التقطت لى عدة صور فى غرفة مدحت باشا وسمير باشا وكذلك فيلم للتلفزيون وظهر معى فى الفيلم كامل ورشاد الشريف, وأعطيت حديثا لجريدة الديلى إكسبريس, وظهرت نبذة عن حياتى فى جرائد فلسطينية, منها" الجهاد" والديلى.

وفى (17/12/1957) ظهرت الجرائد وبها المؤتمر الصحفى الذى هاجمت فيه حكم عبد الناصر وبذلك انتشر خبر ظهروى فى الأردن, فكان ضربة فوية للمباحث المصرية, لأنها بذلت جهودا جبارة فى محاولة القبض علىّ بعد هروبى من السجن أثناء محاكمتى عام(1954).

وعند الظهر حضر الفندق ضابطا مباحث وأبلغنى أن قائد الشرطة حكمت بك مهيار كلفه بأن يعين (2) مباحث لتناوب حراستى الواحد بعد الآخر, فحاولت الاتصال بحكمت بك تليفونيا لشكره فلم أجده. وفى 18/12/1957 اتصل بى صباحا الرئيس سليمان عبد الصمد وأبلغنى ان العقيد حكمت مهيار فى انتظارى خلال نصف ساعة.


مقابلة مع حكمت مهيار:

ذهبت لرئاسة الشرطة ومعى حارس تحرا اسمه محمد قاسم, فلسطينى, من نابلس فرحب بى سعادة العقيد وكان كريما إذ قدم القهوة والشاى, وكان ممسكا مسبحة وحوله عدة هواتف متصلة بجميع الرئاسات.

أما ملاحظاتى عنه فهو رجل طيب القلب مخلص لجلالة الملك ومخلص فى عمله, مدح كثيرا فى مصر فقال: إنها جنة, ومدح ضباط الجيش والبوليس لأنهم مثقفون تماما, وقال : غ، ضعف الجيش المصرى فى صف ضباطه وجنوده.

حضر فرقة فى إسكوتلاند يارد وزار مدرسة البوليس فى مصر وزار القناطر الخيرية, وشاهد صفحة النيل الزرقاء ووصف الشعب المصرى بالطيبة, ومدح كثيرا فى الملك حسين, وأخبرنى بأنه لم يكن فى نيته تعيين حراسة لولا ظهور صورتى ولجوئى بشكل واضح مما اضطره لهذا. ثم ودعنى حتى باب مكتبه.

ثم ذهبت ومعى كامل إلى القصر حيث جلسنا مع البكباشى عبد الله واتصل هاتفيا بالمسئولين لعمل هوية باسمى, وأخبرنى بانه سيرسل لى الجرائد المصرية يوميا , وقال: إن جلالة الملك امر بتعيين حرس حول دارىو وأن موضوع عملى أصبح فى يد الأركان, وأنه نسى أن يدعونى لحضور حفل تسليم الوسام لكتيبة المدرعاتو وسيراعى دعوتى فى مثل هذه المناسبات,ومنها المناورات, وعرفنى بأننى سأعين فى مركز يتناسب مع مؤهلاتى, وقال له كامل: إن لدى طاقة كبيرة فى العمل.


استقرار وضعى:

عندما شعرت بالإستقرار الوضع طلبت من زوجتى الحضور ومعها ابنتاى وأقمنا فى منزل الأخ محمود الشريف لحين الانتهاء من إجراءات استئجار منزل لنا.

وما هى إلا مدة بسيطة حتى بدأت الحكومة الأردنية تضغط على للعمل معها ضد حكم عبد الناصر, تارة بالتلميح وأخرى بالتصريح.


مصادفة غريبة:

كنت واقفا مع حارسى أمام باب الفيلا التى كنت أقيم بها, وكان الوقت عند الغروب فإذا برجل يسير وصوت حذائه قد أثار انتباهى فتتبعته, وفجأة انقطع الصوت فإذا به ينحرف شمالا بجانب سور الفيلا, فأيقنت أن فى الأمر شيئا, وبسرعة دخلت المنزل وطلبت من زوجتى أن تخرج هى والأولاد لاحتمال أن يكون هذا الشخص قد وضع قنبلة قرب المنزل, وذهبت مع الحارس نبحث عنه فلم نجده ثم استدعينا قوة وأستأذن الضابط المرافق لها فى تفتيش تحديق القصر المجاور, وفعلا وجدوه تحت العريشة, وناداه الضابط فلم يجب ورفض الاستسلام فأطلق النار عليه فى ساقه ونقلوه إلى المستشفى فى سيارة إسعاف, وعثر معه على مسدس كاتم للصوت, وسلسلة مفاتيح , واعترف فى التحقيق بأنه مكلف من قبل المخابرات المصرية بإغتيال عبد المنعم عبد الرءوف.

وقد زارنى مرة أحد الأشخاص المصريين وتعجبت لزيارته وحديثه, وعلمت فيما بعد أنه كان ينوى اختطافي ووضعى فى صندوق وتسفيرى لمصر ولكن الله سلم.


شركة الإستيراد والتصدير:

كثرت المحاولات للضغط علىّ فى ضرورة العمل معهم ضد وطنى فكنت أرفض بحجة أننى لاجىء سياسى, ولكى أتخلص من ذلك بدأت لإى إنشاء شركة استيراد وتصدير وأسميتها ( شركة طالوت للتجارة والقومسيون) لكى أستقل عنهم ماديا, وبعد شهور من العمل بدأت الشركة أولى خطوات النجاح .

ولكن رفضى للعمل ضد وطنى لم يعجب بعض الإخوة الذين كانوا على صلة بالقصر فعملوا على إخراجى من الأردن, وكان ذلك فى منتصف عام 1959 مما اضطرنى إلى تسفير زوجتى وابنتى إلى لبنان, لأننى كنت لا أدرى إلى أين أذهب خاصة أن جواز السفر الذى كنت أحمله عراقى وانتهت صلاحيته بسقوط الملكية فى العراق, وتخل بعض الإخوة الفلسطينيين واستطاعوا إقناع الملك بإبقائى, فطلبت من زوجتى العودة لكنها أخبرتنى أنها وضعت مولودها وستعود بعد فترة وكانت فرحتى بالمولود كبيرة إذ كان أول ولد رزقنى الله به وسميته محمدا.


الطرد من الأردن:

فى (12/7/1959) صحوت على رنين جرس الباب, وكانت الساعة حوالى السادسة صباحا, فإذا بأحد رجال المباحث يدخل ويطلب منى مغادرة البلاد فورا.

فطلبت منه أن يمهلنى حتى أهيىء نفسى, فأبلغني ان كل شىء جاهز وما عليك إلا أن تأتى وتختار البلد التى تحب أن تسافر إليها, فقلت له تركيا.

وظل ملازما لى حتى لبست ووضعت بعض الحاجيات فى حقيبة وخرجت معه, وركبنا سيارة إلى المطار وانتظرنا هناك حتى موعد إقلاع الطائرة, ولم يتركنى هذا الضابط حتى أقلعت.

اما لماذا اخترت تركيا, فأولا: لأنها بلد إسلامى, وثانيا: لأن بها أبناء هم زوجتى, وثالثا: لأن علاقة مصر بتركيا فى هذا الوقت كانت سيئة.

هبطت الطائرة فى بيروت فوجدتها فرصة لكى أتصل بأسرتى, وأخبرتهم بسفرى إلى وأخذت منهم عنوان أقاربهم هناك ثم واصلت السفر.

هبطت الطائرة مرة أخرى فى قبرص وكان الإنجليز لا يزالون بها, وعندما عرفوا شخصيتى رحبوا بى وأبقونى عندهم يومين يحالون إغرائى بالعمل معهم وعرضوا على منصبا عسكريا رفيعا فى كينيا, فرفضت عرضهم بعنف, ولما علموا أنه لا فائدة من التفاهم معى سمحوا لى بالسفر لتركيا.


الفصل التاسع عشر : الوصول إلى تركيا

هبطت الطائرة بمطار إستنبول وكان فى انتظارى عند سلم الطائرة ضابط بربتة عقيد – ولا أدرى من أخبر الحكومة التركية بسفرى إليها أهى الحكومة الأردنية أم الإنجليز – رحب بى وأوصانى إلى أحد الفنادق وتركنى لأستريح من هناء السفر, وفى اليوم التالى حضر لزيارتى وأخبرنى بأن الحكومة التركية ترحب بى على أساس تحملها أى مسئولية مادية أو حمايتى , وفلى أن أتصرف على هذا الأساس, مع العلم بأنه غير مسموح لى بالعمل قانونا.

وسألنى هل أعرف أحدا هنا فأعطيته عنوان أقارب زوجتى فاستطاع أن يتصل بهم, وفعلا حضر الإبن الأكبر واسمه صلاح الدين وتعارفنا وكان يجيد اللغة الإنجليزية مما سهل على التفاهم مع الضابط التركى, ذهب معى صلاح إلأى الأمن العام وأقر على نفسه بأنه مسئول عنى طوال إقامتى فى هذا البلد, ولذلك سمحت لى الحكومة بالبقاء.

ذهبت إلى منزلهم وعرفنى بوالدته وإخوته وساعدنى فى تعلم اللغة التركية, وبعد مدة من إقامتى لديهم طلبت منهم أن يبحثوا لى عن سكن آخر حتى لا اثقل عليهم ففعلوا, وانتقلت إلى المسكن الجديد, وهو عبارة عن غرفة على السطوح, ثم اتصلت بإخوانى بالأردن وأبلغتهم ما حدث وطلبت منهم تصفية الشركة وإرسال نصيبى منها وأبلغنى أحد الإخوة بعد ذلك أنه استطاع تسلم عفش منزلى وبيعه ثم طلبت من زوجتى أن تحضر, ومضت الأيام مملة كنت أدرس خلالها اللغة التركية لأتفاهم مع الناس, وبعد ثلاثة أشهر حضرت زوجتى وحدها وتركت البنتين عند جدتهما, ولم تخبرنى بوفاة ابني الذى توفى بعد مولده بثلاثة أشهر فاحتسبته عند الله.


الحياة فى تركيا:

بدأنا نفكر ماذا نعمل وكيف السبيل لتأمين معيشتنا؟ فاقترحت زوجتى أن أقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لمن يرغب, وأن تعمل هى بلخياطة لنها كانت تجيدها وفعلا تم ذلك. وفى تلك ألثناء كنت قد تعرفت على بعض الطلبة الأردنيين الذين يدرسون فى جامعة إستنبول.

وبعد عشرة أشهر اضطرت زوجتى للسفر, وتناقص عدد الطلاب الذين كنت أدرس لهم فكانت المعيشة صعبة لأن القانون يمنع الأجانب من العمل وكانت هناك بعض المساعدات المالية ولكنها غير منتظمة مما كان يسبب لى كثيرا من الحرج.


محاولات:

اتصلت بالسفارة التونيسية وطلبت اللجوء السياسى وقدمت طلبا بذلك ولكن السفارة تجاهلته ولم ترد على طلبى ومرت الأيام والشهور, وكنت أقاسى فيها البطالة والوحدة, ومما زاد فى ألمى أن أولادى لا يحملون جنسية ولذلك لا يستطعون السفر, ثم حضرت زوجتى ثانية بمفردها ومكثت شهرين فقط كنا خلالهما نناقش الأمر, وكان أمامى أمران: أن أطلب من الحكومة التركية التجنس بالجنسية التركية, وهذا يتطلب بقائى فى تركيا لمدة خمس سنوات, أو أطلب إليها إعطائى هوية مرور تركية أستطيع السفر بها.

ومن ناحية أخرى كنت قد اتصلت بالأخ الأستاذ نجيب جويفل لعله ينهى موضوعى مع السلطات المصرية وجاءنى الرد يقول.

أرجو أن تكون مطمئنا إنى أبذل قصارى جهدى لحل موضوعك, ولا أترك فرصة تمر دون الإستفادة منها, وقد قطعت فى هذا الطريق مرحلة لا بأس بها وأرجو أن يصلك قريبا ما يريحك, أكتب إلىّ بكل ما يلزمك فإنه يسعدنى ذلك. ختاما لك خالص تحياتى وأطيب تمنياتى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحريرا فى (15/4/1960).


أخوك عمر

ورأسلت له الرد وأخبرته بأننى قمت بكتابة خطاب ( لأنور) وسلمته بنفس يوم (3/3/1961) للسيد عبد العظيم مرسى قنصل الجمهورية فى إستنبول طالبا منه إرساله بالطريقة القانونية للسيد أنور السادات, وأعطيته عنوان منزلى وللأن لم يصلنى الرد.

كما أن زوجتى أخذت من الخطاب صورة طبق الأصل وأرسلتها مع والدها الذى سافر إلى القاهرة وسلمها للسيد عبد العظيم سكرتير أنور فى مجلس الأمة. ثم جاء الرد من الأخ نجيب يقول: بخصوص الموضوع فأنور يقول, إنه ينتظر منك برقية بموعد وصولك حتى يكون فى استقبالك فى المطار, ويذهب معك عند الوالد الكبير وينهى الموضوع ولكننى لم أوافق على هذه الفكرة, وأبلغته أننا نريد التأكد أولا من أن الموضوع سينتهى, وطلبت منه أن يبرق لأنور ويطلب جواز سفر أيضا.

وأبلغنى الأخ الأستاذ كمال ناجى فى خطاب بأن السادات عندما حضر إلىّ قطر سأله عنى, وأبدى استعداده التام لتسوية موضوعى, وطلب منى أن أكتب له خطابا موجها إليه شخصيا.

فأبلغته أننى فعلت وأرسلت خطابا إليه بتاريخ (3/3/1961) ووصله فعلا لكنه لم يرد فأرجو إعفائى من الكتابة إليه مرة أخرى.

وظل الحال هكذا حتى أوائل (1962) فقررت السفر إلى لبنان لزيارة أسرتى فاتصلت بالأخ أبو المكارم بخصوص هذا الموضوع, فأبلغنى بأنه يحاول الحصول على إذن زيارة أولا, وما بعد ذلك فهو على بركة الله ولا يستطيع أحد أن يضمن شيئا.


مساومات أخرى:

طلب منى رجال الأمن التركى التعاون معهم نظير إيجاد عمل لى بمرتب شهرى والحصول على جنسية تركية فرفضت ذلك, ومن الأشياء الغريبة أنه كان يحضر إلى دارى بين حين وآخر فجأة ضابط أمن ليلقى نظرة على جدران الدار من الداخل بحثا عن وجود أجهزة إرسال.


جواز المرور:

كنت أرغب فى السفر إلى لبنان والإلتجاء إليها حيث العمل الشريف متوافر وكذلك الإشراف على تربية أولادي, فأعطتنى الحكومة التركية جواز مرور صالحا لمدة ستة أشهر, وسمحت لى الحكومة اللبنانية بقضاء شهر واحد فيها لزيارة أسرتى.

ويؤسفنى أن أذكر أن أحد المسئولين الأتراك كلفنى بعمل سخيف فى لبنان فأجبته بأن ذلك من اختصاص سفيرهم بهاو ورفضت شرب قهوته وانصرفت من داره مشفوعا بنظرات الإشمئزاز,


العودة إلى لبنان:

فى تمام الرابعة يوم (23 يوليو1962) هبطت بى طائرة ركاب تركية فى مطار بيروت, وكنت أفضل السفر برا عبر سورية والأردن لكننى خشيت القبض على بالإقاليم الشمالى للإقليم الجنوبى.

اطلع موظف الجوازات على جواز المرور وأشار لى بيده للإبتعاد عنه وأعطانى استمارة لأدون بها البيانات, وتمت الإجراءات الباقية بسهولة ولم أجد معى نقودا لبنانية لدفع أتعاب الحمال فتقدم منى برفق متنازلا لكننى بعد شهر تقريبا زرت المطار وأعطيته أتعابه فلم يأخذ المبلغ إلا بعد إلحاح.

ركبت سيارة إلى منزل عمى, وبالرغم من طول المسافة فلم يأخذ السائق سوى ليرتين فقط, وذلك لأننى مصرى من بلد الرئيس عبد الناصر, ولو علم اننى هارب من بلد الرئيس لكان موقفه الاتناع عن توصيلى طبعا وربما سبنى أيضا.


مشاكل لابد نمن حلها:

كانت أمامى بعد وصولى إلى بيروت بعض المشاكل لابد من حلها, ومن هذه المشاكل:

1- السعى للحصول على إقامة دائمة فى لبنان مستعينا بما كفله قانون الأحوال الشخصية للأجانب المتزوجين لبنانيان من إمكان الحصول على إقامة.

2- اللجوء السياسى إلى لبنان إذا ما فشلت فى الحصول على إقامة دائمة.

3- استخراج هويات شخصية لبنانية لأولادى وكان القانون اللبنانى فى ذلك الوقت يسمح لذلك.

4- مواصلة السهى للعودة إلى الوطن.


صرف المعاش التقاعدي:

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف عند إحالته إلي التقاعد

وفى خلال هذه المدة صرف لى المعاش التقاعدى عن طريق السفارة المصرية وذلك بمساعدة الأخ نجيب جويفل غذ وصلتنى رسالة بتاريخ (27/12)1962) يقول فيها:

أنا يا أخى لا أدخر جهدا فى إنهاء موضوعكم وقد تقدمت لهم بإقتراح صرف المعاش وجواز السفر وقد علمت أن المعاش صرف وعندى موعد معهم السبت بخصوص حواز السفر, فأرجو ألا تقلق ولا تتحرك من عندك حتى يصلك منى ما يفيد.

وذهبت بعد ذلك بصحبة أحد الأصدقاء للسيد شوكت شقير الذى وعدنى بأنه سيتحدث مع وزير الداخلية لقبولى لا جئا سياسي. أو إعطائى إقامة دائمة وعرفنى أن بعض الأصحاب طلبوا منه ذلك, وقد طلب هو من وزير الداخلية إعطائى إقامة شهرين حتى يتم تسوية موضوعى مع بلدى وأعود إليها.


متاعب مع الأمن العام:

انتهت صلاحية الهوية التركية ورفض الأمن إعطائى إقامة دائمة, كما رفض حق اللجوء السياسى ولم تصرف الحكومة المصرية لى جواز السفر, بالرغم من جهود الخ نجيب , ووصلنى منه خطاب أنه يواصل المحاولات.

وبعدها علمت من بواب العمارة التى أسكنها أن رجلين من الأمن العام حضرا وسألا عن شخص اسمه عبد المنعم, فقال لهما: لا يوجد شخص بهذا الإسم يسكن عندنا, وكان البواب يعرف باسم أبو المنتصر, فأبلغت زوجتى بما حدث وعرفتها بأننى سأترك المنزل وأذهب إلى منزل أحد الأصدقاء حتى ينجلى الموقف.

أخذت حقيبتى وذهبت إلى منزل الشيخ(م.ج) وهناك سمحت لى أخته بالصعود للشقة العليا, حيث كانت لديها معلومات بذلك, ثم حضر والدها وأشقاؤها فرويت لهم ما حدث.

وأغلب الظن ان الأمن العام كان مصرا على إخراجى إلا إذا جددت هوية المرور التركية, وكنت قد طلبت من زوجتى أن تقفل الشقة وتذهب مع الأولاد إلى منزل أسرتها, ولو سألوها أحد عنى تبلغه بأنى ذهبت إلى السفارة المصرية لتسفيرى إلى بلدى.


محاولات لتجديد الهوية التركية:

قمت بمحاولات كثيرة عن طريق بعض الإخوة اللبنانيين والمصريين ممن لهم صلة بالطرفين, وفى خلال محاولات تجديد الهوية من السفارات التركية ذهب والد زوجتى إلى مدير المن لإعطائي مهلة من أجل تجديد الهوية . فأخبره المدير بأن مسعى الأستاذ عدنان الحكيم بخصوصى مرفوض, وأنه سيعطينى مهلة احد عشر يوما فقط, فإما أن يأتى بهوية مرور أو يبحث عنى ويودعنى السجن ثم يرحلنى للخارج.

ومن فضل الله انه قبل انتهاء المهلة بيوم واحد جاء الرد من السفارة التركية بتجديد الهوية, وبذلك استطعت الحصول على إقامة لمدة ستة شهور أخرى.

أما عن اللجوء السياسى فهذا مالا تقبله الحكومة اللبنانية, ولا يسمح به وإنما أى شخص يمكنه الإقامة ما دام معه جواز سفر, أو ما يثبت شخصيته ويكون معه بطاقة عمل.


حصول أولادى على الجنسية :

حصل أولادى علىجنسية والدتهم وقد وفقت إلى ذلك والحمد لله, وبذلك زالت عقبة كبيرة من طرقى خاصة أنهم أصبحوا على أبواب دخول المدارس.

أما المشكلة الرابعة وهى عودتى لوطنى فلم أوفق إليها.

ذهبت للأمن العام وحصلت على غقامة خمسة شهور وطلبت من سكرتير مدير الأمن العام إعطائى إقامة دائمة, ولكنه رفض لكونى أحمل هوية مرور وليس جواز سفر.

وفى المساء توجهت للسفارة المصرية لتسليم معاشى وأخبرتهم بما تم بخصوص الإقامة وسألت عن أنباء بخصوصى من القاهرة فلم يصل إليهم شىء.

وفى اليوم التالى التقيت بالأخ عصام ( أبو المكارم) فأخبرنى أنه التقى بمنصور عبد الباقى وأبلغه بأن موقفى مع المن العام متأزم ولابد من مساعدتى.

أما الخطوات التى اتخذها فقد أرسل برقية إلى القاهرة شرح لهم فيها حالتى وعرفنى بأن مسئولا بالسفارة تحدث مع شوكت شقير, والأخير اتصل بوزير الداخلية فأصدر أمره للأمن العام بعدم التعرض لى, واحتفظ شقير بالدوسيه الخاص بى عنده.

وفى أحد الأيام زارنى صديق لبنانى وأخبرنى أنه زار القاهرة وسمع أخبارا عن فساد عبد الحكيم عامر وأنور السادات وأنهما يدخنان الحشيش, أما كمال الدين حسين وجمال فلا غبار عليهما فقلت له: لا أعرف شيئا عن ذلك.

وأخبرنى عن حادث رأه على المركب وهو أن أحد الأجانب كان يلتقط أفلاما فى ميناء الإسكندرية, فأبلغ عنه أحد الضباط الموجودين على ظهر الباخرة فما كان من الضابط إلا أن أخذ الفيلم من الأجنبى وألقى به فى لبحر وكافأ اللبنانى بإنجاز مهمته.


حصولى على جواز سفر مصرى:

ذهبت إلى السفارة فأخبرنى الأستاذ نسيم أن إشارة جاءت من القاهرة ( علم الرئيس جمال ان عبد المنعم سيعود إلى تركيا فقال: اعطوه جواز سفر مصرى فورا).

وفى اليوم التالى تسلمت جواز السفر ووقعت بالجواز تحت صورتى وكتبت إيصالا نصه:

استلمن أنا عبد المنعم عبد الرءوف أبو الفضل جواز السفر رقم (111/1963) الصادر من قنصلية ج.ع.م فى بيروت بإسمى بتاريخ (10 من يونيو 1963) على ألاّ يترتب على تسلمى هذا الجواز أى التزامات أخرى تتعلق بموضوعاتى الرسمية أو الشخصية لدى الجمهورية العربية المتحدة.

المستلم: عبد المنعم فى 11/6/1963

وبع ذلك ذهبت للأمن العام لأخذ إقامة دائمة وأطلعتهم على جواز سفرى وعلى الهوية التركية, فأفادوا بضرورة العرض على مدير الأمن وأعطونى إيصالا بطلب تجديد الإقامة وأن جوازى وأوراقى عندهم.

وعند مقابلتى للسيد مدير الأمن العام قال لقد انتصرت علىّ, وصافحنى وذلك بعد أن علم بحصولى على جواز السفر.

ذهبت إلى السفارة التركية وأبلغتهم بحصولى على جواز سفر مصرى, والتقيت بالقنصل وأبلغته شكرى لجميع المسئولين وحبى للشعب اللتركى فقام وصافحنى وهنأنى وقال: سأبلغ ذلك فورا تستلمى الإقامة.

ذهبت إلى المن العام لأخذ الجواز وعليه الإقامة فأعطونى ثلاثة شهور فقط وهكذا ظللت من سنة 1962إلى 1972 أتردد لأخذ الإقامة بصفة دائمة.


عودة الأخ نجيب:

عاد الأخ نجيب وأخبرنى بأن صلاح نصر أمر بصرف مرتب لى لما بلغه من سوء حالتى المالية وهو مرتب لواء وأبلغنى بأن صلاح نصر يخشى من عودتى لعمل تنظيمات فى مصر, فأجابه نجيب, فليكن حضوره على مسئوليتى وإن فعل شيئا فاضربوني بالرصاص.


اجتماعات مع الإخوان:

اجتمعت مع بعض الإخوة وقال أحدهم: إن اجتماعات كثيرة لإخوان من عدة بلاد عربية عقدت وآخرها فى موسم الحج.

وتقرر إعادة التنظيم وتجنب أخطاء الماضى وهناك تقارب وتعاون كثير بينهم, وسمعت أحاديث كثيرة عن شقاق وخلاف, وضرورة إبعاد أشخاص عن العمل فى صفوف الجماعة حتى يستقيم الأمر وكان من ضمن ما سمعت أننى سرت جاسوسا لعبد الناصر, وتعجبت لذلك فكيف أكون جاسوسا وأنا مشرد مرة فى الأردن وأخرى فى تركيا وحاليا فى بيروت أعانى من الظروف المادية والإقامة والبطالة, وأرجعت ذلك إلى أن هناك أشخاصا يهمهم نشر هذه الشائعات لتغطية تصرفاتهم.


شائعات:

ذكر لى أحد الأشخاص اللبنانيين الذين عادوا من القاهرة أنه سمع هناك أنه جرت محاولات لقلب نظام الحكم, وكان آخرها أنه تقرر وضع مادة "ت.إن.ت" داخل عربة وتفجيرها بجوار منصة الرئيس, وذهب المدبرون لمحمد نجيب وتحدثوا معه فى الأمر, وبعد خروجهم ظهر أنهم من المخابرات المدفوعين, فتصل بجمال عبد الناصر قائلا له: متى ستبطلون أعمال المخابرات هذه؟

فسأل جمال عن الموضوع

فأجابه نجيب: اسأل مخابراتك!

فسأل جمال عن أسماء هؤلاء الضباط وعرفهم من نجيب واتصل بالمخابرات, فعلم أنها لم ترسل هؤلاء الضباط لكنها شكت فيهم وقامت بالقبض عليهم وحاكمتهم.

وقصة أخرى عن سيدة اشتكت زوجها الضابط لسهره كثيرا خارج المنزل وظنت أنه يخونها, فتعقبه أحد رجال التحرى واكتشف أنه يذهب لاجتماعه مع بعض الضباط فقبض عليهم جميعا.


لقاء مع احد موظفى السفارة:

فى مكتب أحد موظفى سفارة فى بيروت وذكر أنه إنضم لجماعة إسمها الإخوان وبقى فيها أربع سنوات وتركها وكان مما قال : إن تخطيط الإخوان للإعتداء على عبد الناصر كان ضعيفا.

فقلت له إن الإعتداء على عبد الناصر لم يكن من تخطيط القيادة ولا علم بها به.


ذكريات وزيارات:

كان يتردد على كثير من الإخوة المصريين, منهم من أعرف ومنهم من لا أعرف, وكانت تدور أحاديث حول الجماعة وأفرادها وضرورة عودتها بعد غربلة الصف, وإحكام صفوفها, وأحاديث أخرى فى الأوضاع السياسية القائمة, وكان دورى هو المستع والإدلاء بالنصيحة وإحقاق الحق حين تذكر بعض التفاصيل الخاطئة.

وزارنى عدد من الإخوان ودار الحديث حول عيوب بعض القادة والمشاكل التى تعترض قيام التنظيم, فأخبرتهم عن اللجنة الخماسية واستقالتى, وأننى حين وصلت الأردن عام (1957) تقدمت بمقترحات للأخ محمد خليفة, منها ضرورة الفصل بين تنظيم الإخوان والمؤتمر الإسلامى ولكن لم يؤخذ بها, وأخيرا علمت أنه منذ عام فقط تم ذلك ولكن بعد فوات الأوان.

وفكر أحد الإخوة السودانيين فى استدعائى لتدريب الصوماليين لمحاربة الحبشيين, ولما سألنى رأيى أجبت بأننى عاهدت الله سبحانه على الموت فى سبيله وهذا العهد قائم الآن بينى وبين الله ولا أريد منكم سوى رعاية أولادى وكفاية أمهم, وأخبرنى أنه بعد عودته سيناقش الأمر مع الإخوان, وحين الموافقة يستدعوننى للتجارة أو التدريس وبعد ذلك يبدأ التدريب.


زيارتى للمرحوم مصطفى السباعى:

قال لى : لقد علمت أنك أبعدت عن الأردن إلى تركيا والسبب كونك هاجمت االملك حسين وامتدحت عبد الناصر.

قلت له:السبب الحقيقى لابتعادى هو أننى رفضت التعاون مع الحكومة وبعض الإخوان الذين لهم صلة بالملك لم يقبلوا ذلك, فأبعدت وقاسيت كثيرا, ولولا بعض الإخوة الفلسطينيين,ممن دربتهم على حرب العصابات وممن يعرفوننى فى حرب فلسطين لساءت حالتى!!

هنا قال المرحوم مصطفى السباعى: إن جماعة الإخوان ينقصها التنظيم, وفى الأردن لم أجد سوى دور فارغة والملك حسين كان إذا رضى عن الإخوان هادنهم وإذا غضب عليهم وضعهم السجون, وفى أيام النابلسى وقفوا لصفة فهادنهم, وفى باقى البلاد العربية لا يوجد للجماعة أى قوة وأنا فى مرضى لم يساعدنى أحد, لولا كتبى التى تدرس بالجامعة لساءت حالتى, وكان فى استطاعة الأساتذة إلغاؤها لكنهم سمحوا باستعمالها لظروفى, وساعدونى بهذا الأمر, وسافرت إلى أوربا ومعى شخص لمعاونتى واجريت عملية فى الدماغ, وصرفت كثيرا ولم يساعدنى أحد والحمد لله.

وذكرت له أننى منذ يوليو ( 1962) معى جواز سفر صالح للإقامة فى لبنان فقط وأحصل على معاشى.


زيارة لفضيلة الشيخ مناع:

توجهت إليه ومعى أخ لبنانى فذكر لى أن بعض الإخوان المصريين ربما يفعلون شيئا ضدى فذكرت له أننى لايمكن أن أكون ضدهم أبدا فقال شهاب الذى كان معى وأظنهم كذلك أيضا. وذكر الشيخ مناع أن السندى كان يظن أن عبد الناصر يحمل الود للإخوان قبيل الانقلاب, وبعد الانقلاب غير السندى رأيه فى عبد الناصر, وكان الأخير يقول لحسن الهضيبى, إن عبد الرحمن سفاك دماء. وتكررت زيارتى لفضيلته وتناقشنا فى أمور كثيرة عن الجماعة وأسلوب العمل واختيار القادرين على التنظيم, وتناولنا الوضع فى قبرص, ضرورة إصدار بيان من الإخوان بخصوصها, حيث كان تحيز عبد الناصر لليونانيين ضد الأتراك واضحا, وحدثنى انه لابد من أن أعمل مع الجماعة ولا أبتعد عن صفها, وأشار بضرورة التحرك والنظر فى منحى جواز سفر كويتيا أوسعوديا أو غير ذلك لإمكان التنقل وعرف منى تفاصيل كثيرة عن مواطن الخلاف السابقة بينى وبين اللجنة الخماسية وغير من موضوعات.


الفصل العشرون : قضية فلسطين

زارنى أحد الإخوة الفلسطينيين وطلب منى أن أقدم له مشروعا هدفه تحرير فلسطين, وأعطانى بعض المعلومات لأستضيىء بها فى وضع المشروع وهى كالآتى:

الهدف: تحرير فلسطين.

المال: اشتراكات منظمة من دخل الفرد من 2% إلى 5%

القسم: أقسم بالله العظيم أن أكون جنديا فى سبيل تحرير فلسطين وأن أكون أمينا على أسرار جبهة التحرير, مخلصا لمبادئها حتى يتحرر آخر شبر من فلسطين , والله على ما أقول شهيد.

الأسلحة: لا توجد.

التدريب: لا يوجد.

قادة عسكريون: يوجد منهم فى العراق منذ تأسس الجيش الفلسطيني وبعضهم فدائيون من عام (1936 – 1937).

لا يوجد قادة فى الأردن ولكن سمح بالاتصال بعسكريين فى الأردن.

متى بدأت الحركة؟ بدأت عام (1962) ,أصبح على كل شخص واجبات نحو نفسه والمسئول عنه.

قواتنا: خيرة الشباب وتشكيلاتها سرية وهم طلاب جامعيون فى القاهرة وبيروت, ولن نتصل بأى دولة عربية حتى نقوى, ويحدد علاقتنا بالدول العربية مدى اهتمامها بقضية فلسطين.

الحركة: جديدة بمعنى أنها لم تضم إليها قادة أو أفراد كانوا فى جماعة وأحزاب قديمة أو موجودة حاليا.

توجد حركات أخرى تعمل لتحرير فلسطين, مثل القوميين العرب والبعثيين والهيئة العربية والإخوان المسلمون. لكنهم الآن فى توقف نظرا لظروف معينة وحركة الشباب العربى وتوجد حركة دعاية وجميع الأموال لفلسطين فى الكويت وقطر.

سألنى الأخ: ما مدى رغبتك للتعاون معنا؟ وكان جوابى أنا معكم بدون قيد أو شرط.

وتناقشنا طويلا فى هذه الموضوعات وتركنى على أن نلتقى صباحا, وفى الموعد حضر اثنان من الإخوة الفلسطنيين, وأبلغانى أن زيارتهما لأحد الإخوة اللبنانيين لم تأت بفائدة.

واستعرضنا الوضع كله على الجبهة الشرقية والجبهة الغربية, وعلمت أن جمهورية مصر العربية وعدتهم بالمساعدة لآخر حد عن طريق مكتب الرئيس جمال.

كذلك اتصلوا بالرئيس بن بيلا, عن طريق رئيس الغرفة التجارية الجزائرية فى مؤتمر تونس فقال إنه مع الحركة قلبا قالبا.

وقررنا الالتقاء بعد أسبوع لبحث الموضوع واستكمال جوانبه, وكانت الفكرة التى أعطيتها أنه لابد من الاستعداد لتحرير فلسطين فى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية , وضمان الجبهات الداخلية فى البلاد العربية لكى تكون فى صف الحركة.

وتحدثنا عن الحاج أمين الحسينى وذكرا أنه لم يعد أحد يعرفه من الجيل الصاعد, لأنه لا يتمشى مع الأحداث, واتخذ لنفسه مساعدين من الجيل القديم أيضا مثل إميل الغورى.


اللواء سعد الدين عاطف:

أبلغنى الشيخ(م .ج) بان اللواء سعد الدين عاطف سكرتير المؤتمر الإسلامى سيزورنى بعد صلاة المغرب, فرحبت به وقلت: سأنتظره.

وجاءنى فى الموعد ومعه بعض الأصدقاء اللبنانيين وبعد السلام والترحيب سألته عن اللواء رشاد مهنا, فقال: إنه مدرسة وفى حالة, وسألته عن كمال الدين حسين فقال: طيب.

وسألته هل هناك تجاوب بين مؤتمركم والمؤتمرات الأخرى؟

قال: لاإن أقدم مؤتمر عقد عام (1929) بقيادة مفتى فلسطين فى القدس, ومؤتمر آخر بقيادة رجل هندى,لكن ثبت أن ذلك الرجل عمل بوحى من الغرب وسرق المال.

وذكر أن الاستعمار يحاول إبعاد المسلمين عن بعضهم, وقد فتحت جامعة مكة وجامعة الخرطوم ليحولوا أنظار المسلمين ووجهتهم عن الأزهر, وقال أيضا: إن النصارى أعلنوا أنهم نصروا عشرة آلاف مسلم فى إندونيسيا ولديهم مخطط لتحويل إندونيسيا إلى دولة نصرانية بعد خمس سنوات.

وقال : إن كل ما نستطيع ان نعمله هو إرسال النشرات, لأ،ه لا يوجد تعاون بين الجمعيات الإسلامية الأخرى, وفى إحدى الجزر طلب منى أن أرسل لهم مالا وداعية, ولولا وجود شخص متطوع عازب للسفر لما استطعت عمل شىء!!

إن كل المسلمين فى البلاد النائية محتاجون إلى مال ودعاة, ومصر لا تستطيع دفع دولارات!! قلت: إنى أذكر لأخى عاطف سعد موقفا مشرفا إذ كنت رئيسا لمجلس عسكرى وكان هو عضوا معى لمحاكمة جندى, وأصررت على إعطاء الجندى جزاء, لكن عاطف أصر على تبرئته وكان أن برى, وكلما تذكرت هذا الحادث أنبنى ضميرى.

وفى نهاية الزيارة طلبت منه مخططا مدروسا نعمل معا على تنفيذه, فوعد بذلك, وانتهت الزيارة على أن يحضر لزيارتى, كلما حضر إلى بيروت.


الشيخ الخازندار:

التقيت مصادفة بالشيخ هاشم الخازندار وهو فلسطينى ومن العاملين بالحقل الإسلاى لاسترداد فلسطين.

فأخبرنى بأن الكتيبة الفلسطينية التى دربتها والتى تقدر بخمسة عشر ألف جندى هى التى حمت ظهر الجيش المصرى المنسحب خلال الإعتداء الثلاثى على مصر, وأخبرنى بأن كامل الشريف هو الذى قدم تقريرا إلى الملك الحسن ملك مراكش, طلب فيه ضرورة الإفراج عن الضباط المصريين الذين سقطوا بطائرتهم فى مراكش أثناء النزاع الجزائرى المراكشى قائلا: إن هؤلاء لا ذنب لهم فهم أطاعوا الأوامر, وقتلهم سيرمل نساءهم ويتم أطفالهم.

وفعلا ذكر ذلك وزير خارجية المغرب لسفير مصر فى مراكش, مما جعل الأخير يشكر كامل خلال احد الاحتفالات.

وقال الشيخ هاشم عن نفسه: إنه خلال الإعتداء الثلاثي أجرى اجتماعات فى إحدى الكنائس فى غزة حيث التقى المسلمون والمسيحيون بحضور مندوب صوت العرب الأستاذ أحمد سعيد, الذى قدم الشيخ هاشم بأنه سيلقى كلمة الإخوان المسلمين.

كما قاد مظاهرة كبرى هتف خلالها بحياة عبد الناصر, واستطاع أن يجعل الشعب يختار الحكم المصرى.

وبعد انتهاء الإعتداء استدعاه حسن عبد اللطيف الذى طلب من الشيخ هاشم أسماء جميع أفراد الإخوان الذين يعملون معه, وهدده بالإعتقال بحضور عدد كبير من الضباط.

وأخيرا اتصل الشيخ هاشم بالضابط وحيد وقال: عندما يكون الإنسان غير مرغوب فيه للبقاء فى بلد ماذا يفعل؟

فأجابه وحيد: يخرج من البلد.

فرد هاشم: أنا أريد ترك هذا البلد

فوافق وحيد بشرط أن يدون له عبارة ( تحت الرقابة) ومعنى ذلك أن الشيخ تراقب خطواته مادام هو داخل مصر.


تعرفى على الطنوبى ولقمة:

استدعاني الأستاذ سالم لمكتبه وهناك عرفنى بأحمد الطنوبى وهو بالتالى عرفنى بالمهندس عبد العظيم لقمة, الذى ذكرنى انه التقى بى فى رفح مع الضابط وحيد جودة رمضان وكامل الشريف, والأخير أعطانى بعض أسماء الإخوان لتدريبهم فاستغرب عبد العظيم من إعطاء السماء لى تحت سمع وبصر وحيد فقال كامل عبد العظيم (معلهش)

قلت: اله يسامح وحيد!!

فقال : عبد العظيم:( شوف حدث له إيه)؟!

هنا استرسلت: على الإنسان المؤمن عمل الخير رغم نكران الجميل والمعاملة السيئة من الناس.وهنا سرد عبد العظيم لقاءه بالدكتور عبد العزيز والصحفى القديم قاسم جودة, ودار حديث فسه مساس بالحكم الحاضر قاله القوصى, فلفت عبد العظيم نظر القوصى, ولما عادوا إلى الفندق علم عبد العظيم أن قاسم جودة مات.

وهو الشخص الذى خشى عبد العظيم أن ينقل ما دار من حديث.


حديث مع القنصل المصرى:

قلت: غننا لدينا حساسية قوية تجاه الحوادث التى تمر فى هذا العالم وخاصة التى لها مساس بوطننا, ومثل الخلاف الألمانى وحوادث لبنان الأخيرة.

فقال: والله إن حوادث لبنان الأخيرة مفتعلة, وكانوا يريدون استغلال صورة الرئيس فى المظاهرات وكرر ابتعاد السفارة عن إثارة تلك الحوادث.

قلت : إننا نتوقع حربا بين بلادنا وإسرائيل او فتنة فى لبنان, لذلك واجبنا أن نستعد بأن نكون مدربين على حمل السلاح للدفاع عن بلادنا ومبادئنا.

فقال سأكتب بذلك.

قلت: أنا أعرف أن الكتائب يتدربون, فإن كان المسلمون والدروز لهم تشكيلات وتدريبات فمن باب أولى أننا نستعد, وليكن تدريبنا فى سورية أو العراق أو أى مكان آخر.

فقال: سألكتب عن ذلك, وشكرته ثم ودعنى وخرجت.


قطع المعاش:

علمت بأن السفارة أرسلت برقية إلى القاهرة بخصوص المعاش وجاءها الرد بعدم صرفه, وهذا القطع من رئاسة الجمهورية وبدون إبداء الأسباب.

وحينما كنت أحادث السفارة كان معى أخ سودانى فأخبرته بقطع المعاش وأبديت له مخاوفى من أن هذا الإجراء قد يتبعه إجراء آخر أشد وهو تسفيرى إلى القاهرة عنوة ووضعى فى السجن!!

قال الأخ: إن هذا الموضوع ذو شقين: قطع المعاش وتسفيرك عنوة لتنفيذ الحكم. أما الشق الأول وهو المعاش فأرى مداومة الكتابة والطلب, كما أننى لا أستطيع أن أعدك بإمكان مدك بالمال هنا, لكن إذا سافرت للسودان وهذا سيكون تحت مسئوليتى.

والمهم الآن أننا نضع خطة جاهزة للتنفيذ, إذا شعرنا بأن الحكومة المصرية تنوى نقلك إلى القاهرة للإضرار بك, ثم طلب منى جواز سفرى لمدة يومين ثم يخبرنى هل يستطيع تسفيرى إلى السودان قبل أن يحدث ذلك, وأخذ الجواز وخرج وحضر فعلا ومعه الجواز بإضافة السودان وأعطانى تأشيرة دخول وتعهد بأنه مستعد لتحمل تبعة هذه التأشيرة, لكن هناك مشكلة هى أنك ممنوع نت الخروج من لبنان فإسمك مهمم على جميع مخافر الحدود بذلك, ووجهت إليه عدة أسئلة منها:

1- هل يمكن الخروج من لبنان رغم تعميم الإسم على جميع المخافر؟

2- هل عبد الناصر له علم بقطع معاشى؟

3- هل هناك خطر من السفر إلى القاهرة؟

فقال سأخبرك بذلك يوم (12/6/ 1965), وفعلا فى الموعد اتصل بى الأخ السودانى وطلب منى الحضور إلى منزله فذهبت إليه وقال لى : إنه قد ذهب من عنده مندوب إلى القاهرة. وجاء بالردود وهى : إن عبد الناصر لم يطلع على اسماء الناس الذين قطعت معاشاتهم أو ضمنهم تخيفض المصاريف وهو مشغول فى حوادث الجزائر, وان القاهرة لن لعبد المنعم بدخولها, وأن لا مانع من يكتب عبد المنعم لعبد الناصر بخصوص استرداد المعاش, وقال أيضا: إن المعلومات التى لديه أن الحكومة المصرية أرسلت خطابا لسفيرها فى بيروت بتاريخ (24/4/1965) تطلب منه تخفيض المصروفات بمقدار (40%) وأعطت للسفير حرية التنفيذ على أن يتم اعتبارا من أول مايو, وفعلا نفذ السفير الأمر وقدم(24) اسما تحذف معاشاتهم, وكان اسمى من ضمنهم وقال السفير: إن عبد المنعم لا يفيد السفارة بشىء ولا خطر منه الآن فهو فى خلاف مع قادة الإخوان.

وذكر لى أن السفارة أبلغتنى أنها أرسلت تطلب من القاهرة رد المعاش وهذا كذب, لأنها صاحبة الاقتراح فكيف تناقض نفسها؟

أما عن خطة إخراجى من بيروت فستكون كالآتى: عند التأكد من عزم القاهرة على استدعائى سيصل إلى شخص يبلغنى أنه مصعب بن عمير فأخرج معه فورا وهذا سيوصلنى لبدو من تجار المخدرات, هؤلاء سينقلوننى إلى الأردن ومعى جواز سفرى, ومن هناك بالطائرة للسودان وهناك سيستقبلنى شخص رفيع ويوصلنى إلى مأمن.

وهنا دق جرس الباب ودخل شخصان لا أعرفهما, وجلسنا نتحدث, فقلت: إن حبرتى كفرد عاش فى الحقل الإسلامى تقول بضرورة الآتى:

1- يجب لمن يتصدى للقيادة أن يكون بيته مسلما وبذلك يشب النشء مسلما فالبيت هو الأساس.

2- يجب إشراك المرأة فى الدعوة الإسلامية, فالمرأة إحدى الرئتين.

3- وضع نظام ذى شقين: أولهما نظام مركز دقيق قوى, يهدف إلى تكوين فدائى مطيع مستعدا للعمل فورا.

وثانيهما نظام طويل المدى.

قال الأخ... لن تمضى أيام إلا ونرى عبد المنعم معنا فى التنظيم.

فقال الأخ الزائر: إن الذى يريد افصلاح يجب ألا يخرج من الصف, وهناك عبد المنعم!!

قلت: من قال: إننى خرجت من الصف؟! إننى حضرت إلى هذه البلاد عام (1955) محكوما على بحكمين, ألول: ابلأشغال الشاقة المؤبدة بتهمة محاولة غنقلاب, والثانى: الإعدام بسبب حوادث الإخوان, وحين وصلت, سئلت: هل أنت على استعداد للعمل؟فأجبت بالقبول وتكونت اللجنة لخماسية لكننى شعرت بأنهم يتصرفون بعقول قديمة, كالقائد الذى حضر معارك الحرب العالمية الأولى, فعرضت عليهم إقتراحاتى من واقع تجاربى, فلم يتفاعلوا معى وكنت أشد فيهم شدا دون جدوى, أما العمل والجهاد فأنا مستعد الآن للذهاب فورا بملابسى هذه دون أن أودع أولاد فما رايك؟

إننا منذ تعلمنا فرائض الإسلام مستعدون للاستشهاد فى سبيل الله.

وانفض الإجتماع من غير أن نتفق على شىء.

ومرت الأيام والشهور ولا أمل فى عودة المعاش, والإخوان لم يقرروا أى شىء, وكانت تأتينى مساعدات قليلة من بعض الأصدقاء, كانت تسد بعض الاحتياجات, لأن زوجتى فى بداية عملها, وكان كثير من الإخوان يشكون فىّ, حتى أن أحدهم صارحنى بأنى أتعامل مع المخابرات المصرية, ودليله على حصولى على المعاش وجواز السفر, وحضور عبد الناصر حفل زفاف ابنتى!!

فقلت له هل هذا دليل كاف؟ وأيهما أكثر شبهة.. أنا أم الذى يسمح له بالسفر إلى مصر ومعه أسرته؟


مشوهو حرب اليمن:

حضر عندى أخ مصرى وقال : إن أى انقلاب فى مصر سيؤدى إلى إراقة دماء غزيرة لأن قوة عبد الناصر امتدت للجذور فمثلا هو صاهر عبد الحكيم عامر, وأمر بقتل مشوهى حرب اليمن لكيلا يضعفوا الروح المعنوية, وأن تقريبا له شاهد قوات مصرية على الحدود بين العراق والأردن وسوريا,وأن الشعب المصرى كله غير راض عن أن يحارب عبد الناصر السعودية!!

قلت له: إن عبد الناصر اصطنع المؤامرة الأخيرة التى قيل فيها: إن الإخوان يريدون اغتياله كى يضع الإخوان فى السجن حتى يطمئن على الجبهة الداخلية إذا ما حدث نفسه بمحاربة السعودية, وسبق ذلك قطع معاشى وإن عبد الناصر اتخذ من قضية فلسطين مادة للحصول على شعبيته, وحين كنت قائدا للواء الفلسطينى تحدثت معه لإمداد اللواء بأحدث الأسلحة فقال العبارة التالية:" إن الفلسطينيين خونة".


أنباء المؤامرة:

فى يوم (7 من سبتمبر1965) أعلن راديو لندن أن الإتحاد الاشتراكى العام فى القاهرة كشف عن مؤامرة لجماعة الإخوان المسلمين كان القصد منها اغتيال الزعماء المصريين, وتدمير المنشآت العامة وقلب نظام الحكم, وأنه قبض على حوالى ألف شخص فى القاهرة والإسكندرية وست مدن أخرى.


أثر هذه الأنباء:

اتهم عبد الناصر الجماعة الإسلامية بالتعاون مع المكتب الثانى اللبنانى, لأن المكتب هدد إبراهيم قليلات إذا جرى أى شىء, مخل بالقانون, وأضاف الذى اتهم الجماعة بأن المكتب تابع لفرنسا, إذا فالجماعة تعمل لحساب فرنسا, ويظهر أن عبد المنعم مشترك فى حوادث الإخوان الأخيرة بدليل أن عبد الناصر قطع عنه المعاش, فأجابه الأخ اللبنانى: لو كان ذلك حقيقة لسحب منه جواز السفر على الأقل, كانت كل هذه الأحاديث تدور, وحتى لا ألتقي بهؤلاء الشبان المندفعين –لأن حبهم لعيد الناصر أفقدهم صوابهم – أصبح خروجى من المنزل للضرورة فقط.


اتصالى ثانية بالسفارة :

مر أكثر من خمسة شهور على قطع المعاش ولم يستقر الرأى على شىء... إيجاد عمل أو سفر, مما اضطررت معه للاتصال بالسفارة وتقديم شكوى من عدم صرف المعاش, وإذا بالمسئول يخبرنى بأن هناك تعليمات بوقف المساعدة من ثلاثة شهور قبل الوقف, ولكن الأخ محمد نسيم لم يشأ أن يوقفها واستمر فى الصرف حتى نقل من هنا.

سألته هل يجوز وقف صرف معاش تقاعدى؟ فأجاب: هذه كانت مساعدة ولم يكن معاش تقاعديا. فقلت بحدة: هو أنا بتاع مخابرات؟!! فأجاب على الفور : لا.

قلت أنا أخدم وطنى وبلادى بروحى ودمى بدون قيد ولا شرط.

ووصلتنا أخبار من القاهرة بأن الحكومة تعد تهما لإلصاقها بالإخوان فى الخارج, وتقديم التهم للحكومات التى فيها إخوان بقصد استدعائهم ثم القبض عليهم, وبذلك تسوء سمعة الإخوان وتضمن الحكومة عدم قيام حركة لهم مرة ثانية.


الحاج أمين الحسينى:

زرت الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين فى مقر الهيئة العربية العليا, وذكرته بمقابلتى له مع الإخوان رشاد مهنا وأحمد فؤاد عام 1947 ووضعنا خطة لتحرير فلسطين. سألنى وأين أحمد فؤاد؟ أجبت رحمه الله. سألنى كم مرة التقينا؟ قلت ثلاث مرات. قال : إنه يعرف إننى كنت قائدا للكتيبة الفلسطينية. سألنى كم كان عددها؟ قلت : ألف جندى, وذكرنى أيضا باننى زرته بصحبة الأستاذ حسن عشماوى قبيل ثورة (1952). وقال لى هو يودعنى فى مكتبه أنا موقن بيقينك وإيمانك. وقال: إن العلاقات بين السعودية وجمال تتحسن ثم تركته وانصرفت لكنه لحق لى فى سيارته, ودعانى للركوب معه وأثناء ذلك سألنى كم كان عدد الكتيبة الفلسطينية؟

فقلت : ألف.

قال: إن تعداد الفلسطينيين مليونان ويمكن نجنيد مائتى ألف!!

وسالنى ألا يكفى هذا العدد لتحرير فلسطين؟ أجبت: لقد سبق ان زرتك اول مجيئى لبنان وقلت لك: إن السلاح الرهيب الأول لتحرير فلسطين هو اتفاق الدول العربية فى النواحى السياسية والإقتصادية والعسكرية.

ثم نبدأ حرب العصابات ضد إسرائيل بواسطة الفلسطينيين مع قواعد فى البلاد العربية , وتكون الدول العربية على استعداد لرد أى اعتداء عليها.

وعندما وصلت السيارة إلى المكان الذى أريده نزلت وعندها قال لى: أى خدمة أنا موجود. فقلت له: وأنا كذلك.


الفصل الحادى والعشرون : إنتهاء صلاحية جواز سفرى

فى 28/3/1966 قدمت طلبا للسفارة بتجديد صلاحية جواز سفرى ودفعت الرسوم وأخذ منى الجواز وطلب منى الحضور بعد عيد الأضحى مباشرة.

وذهبت للسفارة بعد العيد فأعاد لى الموظف المسئول الجواز بدون تجديد بحجة أن رد القاهرة بخصوص زيارة بعض البلاد وتجديد الصلاحية لم يأت.

فطلبت مقابلة القنصل فقيل إنه مشغول, وحاولت بعد ذلك فكان يتهرب بإنشغاله دائما.

وفى أحد المرات سألت أحد موظفى القنصلية: لماذا لم يأت الرد من القاهرة؟

فقال: إن وزارة الداخلية هى السبب.


ضياع جواز السفر:

بينما كنت عائدا إلى المنزل لم أجد جواز سفرى فوقفت حائرا... ماذا أعمل؟

لقد وقعت فى مشكلة!! وأول شىء فعلته أننى أعلنت عن فقده فى جريد الحياة اليومية, وعملت محضرا فى قسم الشرطة, ثم ذهبت إلى السفارة وأبلغت المسئول بان حواز سفرى فقد منى بتاريخ 27/4/1966.


البحث عن حل:

اجتمعت مع الإخوة, وكان رأى أحدهم أن أعود إلى الأردن وأطلب اللجوء السياسى خصوصا بعد أن تغيرت الأحوال.

فأخبرته: كيف يحدث ذلك وقد طردت منها وبدون سبب.

كما أرسل احد الإخوة السودانيين خطابا لإخوانه فى الخرطوم عارضا عليهم عرض حالتى على الحكومة السودانية, من أجل قبولى لاجئا سياسيا هناك, ولكن لم يصل الرد. وذهبت إلى السفارة السودانية وطلبت السماح لى بدخول السودان ولكن المسئول قال: إنه لا يستطيع تحمل تبعة هذه المسئولية.

فى هذه الظروف خشيت من الأمن العام أن يطردنى من لبنا فقررت الإختفاء لحين ظهر شىء جديد. وفعلا اتفقت مع بعض الإخوة الشبان الذين يدرسون فى بيروت , بأن أقيم عندهم وبقيت لديهم شهرا بعيدا عن منزلى, وعلمت أن الأمن العام لم يسأل عنى خلال هذه المدة مما دعانى إلى أن أعود إلى المنزل وربما كان السبب فى ذلك, كما أظن, هو لجوء قتلة كامل مروة صاحب جريدة الحياة لمصر ورفض الحكومة تسليمهم,مما أثار رجال الأمن هنا, وبما أننى معاد لعبد الناصر فلم يأمرونى بالخروج, وأيضا لكراهية مدري الأمن ورئيس شعبة الأجانب لعبد الناصر وشعورهم بانى مظلوم. ومن جهة فأنا لم أراجع السفارة المصرية بشان تجديد صلاحية الجواز, لحزنى على إخوانى الذين أعدموا فى المؤامرة الثانية على الإخوان.


السودان ترفض سفرى إليها:

حضر الأخ السودانى وشرح لى محاولاته الكثيرة بخصوص موقفى الحرج فى لبنان فطلب منهم شطب اسمى من قائمة الممنوعين من السفر أو قبولى لاجئا سياسيا وقال: إن الجميع على علم بحالتى لكن لا يستطعيون مساعدنى للسفر إلى السودان الآن لسببين:

الأول: الخوف على من الإغتيال. لأن حزب الشعب الديمقراطى والشيوعيين والناصريين مؤتلفون, والخطر منهم علىّ, وذكر أن مظاهرة من عشرة آلاف شخص قامت فى الخرطوم, تأييدا لمقتل الشهيد سيد قطب ورفاقه الشهداء, إذ أن أعوان عبد الناصر موجودون فى الشمال والشرق من السودان. الثانى: خشية رئيس الوزراء صادق المهدى من أن يفسر وجودى فى السودان على أن حكومته تحتضن المعادين لعبد الناصر, وبذلك يثير ثورة المعارضة المؤيدة لعبد الناصر.

وبذلك سدت فى وجهى جميع البلاد.


الذهاب لمقابلة القنصل:

هذا الحادث دعانى أن أذهب إلى السفارة , وطلبت من الموظف اننى أريد مقابلة القنصل ,بعد قليل قال لى: تفضل.

سألنى القنصل عن طلبى فقلت: أنا عبد المنعم عبد الرءوف ضابط متقاعد مقيم مع زوجتى وابنائى فى لبنان, وقد فقد منى جواز سفرى وأرسلت لكم خطابا بخصوص الرغبة فى السفر لمحاربة إسرائيل, قال: خطابك وصلنى ثم أخرجه من أمامه وأخذه وغاب فليلا وقال: سأعمل لك جواز سفر, وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة وكان اليوم هو يوم السبت, فأجلت ذلك ليوم الإثنين وذهبت إلى السفارة وأتممت الإجراءات وتسلمت جواز السفر وكان ذلك يوم 23/5/1967 وهو بدل فاقد.

وبعدها ذهبت للقنصل وسألته عل هناك ما يمنع من سفرى؟ أجابنى لماذا تستعجل فلتبق (20) يوما أخرى ونحن أيضا نريد الاشتراك فى حرب إسرائيل.

قفلت هذا صحيح لكن بالنسبة للضباط يجب أن يرحل بسرعة.كما أن هذا واجل على كل عربى ومسلم ومسيحى لن تلك البلاد المقدسة.

ثم قلت: إن النقطة الأولى التى تهمنى هى السفر ثم جواز السفر فأجاب: لك أن تسافر لكن خذ تأشيرة من الأمن العام.

ذهبت إلى المن العام وطلبت من الموظف إعطائى تأشيرة خروج ولما فحص الجواز وجد أنه بدل فاقد فسألنى: هل أبلغت عن فقد الجواز السابق أجبت: نعم وعملت كل الإجراءات.

فأعطانى ورقة خاصة بتجديد الإقامة وملأتها فأخذها وأعطانى إيصالا بتسلمه جواز سفرى.

وأحب أن أذكر أن جواز السفر كتب عليه ورود برقية بالتصريح بالتجديد من (9/6/1966) بينما إصدار الجواز (22/5/1967) والسفارة بالرغم من ذهابى إليها مرات ومرات لم تبلغنى, بوصول الرد, وفى هذا دليل على أن هناك من يعمل ضدى.


مكائد وتحريات:

عدت إلى منزلى فأبلغتنى زوجتى أن شخصين أحدهما يدعى عبد الحكيم حاطوم سأل عنى وقال: إنه يريدنى لموضوع شخصى فلما أجابته باننى غير موجود, قال : هل انتظره على المقهى؟ فأخبرته بأننى لا أجلس على المقهى ثم انصرفا.

وفى (30/5/1967) فى السادسة صباحا طرق بيتى تحريات ودخلا إلى غرفة الضيوف وبعد أن قدمت لهما التحية سألانى عن الإقامة وجواز السفر فأبرزت لهما الإيصال المعطى من الأمن العام, ثم سألا عن إيجار الشقة وعن الأطقم التى كانت موضوعة على المقاعد فأخبرتهما عما يريدان وقلت هذه الأطقم من خياطة زوجتى.

سأل هل تخيطون هنا؟ قلت : نعم.

وسأل : هل ما زلت من الإخوان؟ قلت: إننى قدمت إلى هنا وأنا مشغول فى تربية أولادى.

ثم طلبا منى الذهاب معهما إلى الأمن العام, فطلبت مهلة لارتداء ملابسى وتدوين بعض الكتابات, وأخذا يستعجلانى وذهبت معهما فى سيارة خاصة, وكتبا محضرا وقعت عليه وشمل الآتى:

1- إننى لم أمانع فى الذهاب.

2- معى إيصال وجواز سفرى فى الأمن العام.

3- تاريخ المحضر 30/5/1967.

ثم دخل علينا فجأة عمر النويرى وسألنى عمن أكون, فقلت : فلان. فقال أحد اللذين حضرت معهما وهو سعيد بيطار: إن الإخوان فيهم سيئون وطيبون, وثبت أن السيئين تعاونوا مع الإستعمار وهو واثق من ذلك. سألنى عن رأيى فى عبد الناصر : فقلت عبد الناصر قائد عسكرى وسياسى. وبعد قليل أدخلونى غرفة الموقوفين مع المهربين والهاربين وتجار المخدرات.


التحقيق:

حقق معى حبيب مرتضى. الأسم والسكن والمهن والحالة الإجتماعية ومورد العيش فأجبت عن جميع السئلة.

وقلت ليس لى نشاط سياسى لا سابق ولا حاضر ولا مستقبل, وإننى مشغول بتربية أولادى ولن أجيب عن أسئلة خاصة بموضوعات حدثت قبل وصولى إلى لبنان

قرأت ورقة التحقيق وتبين لى فى المقدمة أن إخبارية رقم (33063/ س )بتاريخ17/5/1967) جاءت للأمن العام نصها:

إن السيد عبد المنعم عبد الرءوف يقيم فى لبنان بدون إقامة ولا يحمل جواز سفر, ويؤم بيته أفراد من جماعة الإخوان المسلمين حيث يجرى اجتماعات.

وفى نهاية التحقيق أفرج عنى ووقعت بإمضائى إلا أن المحقق أبلغنى بأن مفوض بيروت عمر النويرى يريدنى.

فذهبت إلى غرفة سكرتيره الذى أجلسنى وأبلغ عمر فاستدعانى فدخلت وبادرته بالتحية فقال: تفضل, فجلست. ثم قال : خلاص ستبل نشاطك؟

قلت: إننى ليس لى نشاط ولم افعل شيئا فى الماضى ولا الحاضر ولا المستقبل!!

فقال: المستقبل عند الله فقلت فى الماضى والحاضر فقال: سأطلعك على نشاط الماضى وخرجت وذهبت إلى المحقق فأجلسنى بجواره وبعد نصف ساعة ابلغني بان المدير أمر بالإفراج عنى.

ثم استبقى معه إيصال جواز سفرى وطلب منى الحضور فى اليوم التالى إلى عمر النويرى فى التاسعة صباحا, ورفض تسليمى الإيصال. فقلت: إن هذا سيعرضنى لمتاعب, كيف أسير بدون إيصال جواز السفر؟ فأصر, ثم التفت إلى المفوض قائلا: (شوف) فقال لى المفوض ممكن وممكن بكره وبعده ويمكنك أخذ تاكسى!! فذهبت لإبراهيم نصر ومصطفى الحاج طالبا جواز سفرى فأخذت إيصالا.

وفى اليوم التالى 031/5/1967) كنت فى التاسعة بمكتب عمر النويرى فاستوقفنى خارج غرفته وفجأة استدعانى حبيب مرتضى وتظاهر با،ه سيحقق معى , لكنه مزق الورق وسمح لى بالإنصراف, فصعدت وأخذت جواز سفرى وعليه إقامة إلى (10/6/1967).


زيارة لمحمد كوثر:

زوت السيد محمد كوثر فى مكتبه بالسفارة برفقة الشيخ محمد الجو زو. بدأ الحديث مزكيا إياى بأننى لم أنحرف وليس لى اتصالات مريبة وأعيش من عرق جبينى وأنه مستعد لأى شىء.

وقال : إن المعلومات التى عندى أنه لا نشاط له, وهذا الوقت هو الوقت الوحيد الذى يستطيع العودة خلاله لبلاده.

قلت: إن كل شىء موجود عندكم, كما أننى واثق بأن لا نشاط لى مطلقا.

فكتب رسالة إلى القاهرة لمكتب الرئيس متضمنة ما يأتى:

حضر إلينا قائد اللواء الجوى المتقاعد عبد المنعم عبد الرءوف برفقة المفتى . وعمره (53) عاما, أحيل للتقاعد عام (1954) متزوج لبنانية وله ثلاث بنات وولد ودخل لبنان فى (23/7/1962) وتسلم مرتب التقاعد 82,5 جنيه مصرى اعتبارا من أول ديسمبر ( 1962 إلى نهاية إبريل 1965) وجواز السفر فى (10/6/1963 إلى 9/6/1966)

سألنى هل أنت مستعد للسفر سواء جاء القبول أو الرفض أو عد الرد؟ فأجبت: نعم. وبعدها أستأذنا وأخذ عنوانى ورقم هاتف أهل زوجتى وانصرفنا.

وبعد فترة حضرت حماتى وأبلغت زوجتى أن محمد كوثر اتصل بهم وابلغهم بتأجيل سفرى إلى القاهرة, وهنا سألتنى زوجتى ماذا ستفعل؟ قلت: لن أسافر مادامت الرئاسة فى القاهرة لم توافق على سفرى. غذ من المحتمل إذا سافرت أن أوضع فى دون الإستفادة بى فى الحرب.

وجاءنى خبر بأن أتصل فورا بالسيد محمد كوثر فى السفارة فاتصلت به وأبلغنى نص الإشارة الواردة من القاهرة, ردا على الإشارة التى أرسلها بتاريخ (3/6م1967) وكان نص الرد: ينبه على السيد عبد المنعم عبد الرءوف بتأجيل سفره وأن الموضوع قيد الدرس فشكرته وقلت: إننى سعيد بمعرفتك.


بدء العدوان:

فى صباح 05/6/1967) بدأ عدوان إسرائيل على مصر وسوريا والأردن فاتصلت الساعة (11) بالسيد محمد كوثر وأبلغته الإشارة التالية:

إن وقتك ثمين جدا وإننى مستعد لأى عمل يطلب منى والله يحفظ الأمة العربية, إن رقم هاتفى وعنوانى معك, وأى شىء إننى فى الخدمة.

قال: أنا عارف كل هذا.


لقاء مع الشباب:

زارنى بعض الشباب وسألنى أحدهم عن الحرب. قلت: إنها هزيمة لا تعادلها إلا هزيمة فرنسا, والمسئول الأول والأخير سياسيا وعسكريا عبد الناصر, لكونه اعتمد على مساندة ورسيا له لكنها خذلته, وتحطم سلاح الجو العربى ومطاردته فى الساعات الأولى من المعركة, واستسلام أربع فرق مشاه و21 فرقة مدرعة, وهذا هو الوقت المناسب للإخوان.

ودافعت عن الجيش المصرى الذى لولا تحطم السلاح الجوى لانتصر, قلت: إن المدفعية المصرية هى أقوى مدفعية فى العالم قارنت بين صحراء سيناء والدلتا المكشوفين وبين مواقع سوريا الجبلية العالية.

فسأل أحدهم: هل هناك خيانة من الضباط الذين استقالوا أو أحيلوا؟

قلت:لا!! إن أكثر من أعرفهم أكفاء حسن الخلق وزكيت صدقى محمود وأنور القاضى وقلت: إن أسباب الهزيمة تخلى الروس ومفاجأة القوات الجوية وتدميرها ومطاراتها وتدخل الطيران الأمريكى والإنجليزى لصالح العدو, وتفكك الدول العربية بين مصر وبين السعودية والأردن وتونس واليمن, وحرب اليمن التى استنفدت قوى مصر من الرجال والسلاح والمال!!.

وبدأ تساؤل من هى الدولة التى وراء إسرائيل؟ قلت: أمريكا!

قال: إن أمريكا سـتأمر إسرائيل بالانسحاب إلى المواقع التى كانت فيها فى (4) من يونيو وقال : إنه كونى بالخير مع شخصية هامة, إذ إن عبد الناصر سجن وشرد الضباط الأكفاء, وأن أسهم عبد الناصر انخفضت جدا بعد الهزيمة الأخيرة فى (5/6/1967) قلت له: إن هناك مؤامرة مبيتة ضد مصر, دفع ثمنها الشعب الأردنى من دمائه الزكية, وموهوا عليها بميثاق الدفاع المشترك ,وارتفعت أسهم الملك حسين, فلم يعلق على هذا إنما كرر أن أمريكا سـامر إسرائيل بالانسحاب.

وقال: إنه يبدو أن هناك حركة تطهير فى الجيش من جذوره وأن هناك انقلابا.

قلت: مادام هناك حركة تطهير فهذا من عمل الانقلابيين لترسيخ أقدامهم وهم لا يريدون الإعلان عن الإنقلاب كيلا يطمع العدو.


من آثار الهزيمة:

انهارت سمعة عبد الناصر فى الصفة الغربية بعد الهزيمة التى حلت بالضفة الغربية والجيش المصرى, والجيش العراقى لم يستطيع التحرك نهارا بسبب شدة الغارات, وعلمنا أن ضابطا فدائيا مصريا قال للفدائيين بالقرب من تل أبيب: إنهم لا يقاتلون فى سبيل عبد الناصر ولا غيره إنما فى سبيل الله, وقام بأعمال مجيدة مما حبب فيه الأردنيين, ودخلت دبابة إسرائيلية من باب الأسباط فى القدس, وقد توقفت الدبابة الأولى مما أعطى فرصة للجنود الأردنيين بالانسحاب من الجنوب. وذهب مندوب عن مجلة الحوادث إلى عمان وجاء بمعلومات منها:

يوجد قوات عائلة عراقية فى الأردن, ولا يزال عبد المنعم رياض قائدا للجبهة, وهو موضع إعجاب الكثيرين والملك, وأن القوات الإسرائيلية غير كافية لملء مواجهة الأردن والحركة قائمة بين عمان وبين الجبهة.

المشاة ركبت سيارات صغيرة برشاش تحمل جنودا وتتسلق الجبال وتهبط وأن العراق أعطت الأردن مائة طائرة بينما مصر أعطتها خمسين طائرة والمطارات العربية كلها الآن فى العراق, قوات جزائرية الآن فى سوريا والقوات العراقية متعطشة للثأر , وهى خشنة الطبع, وأن الهجوم القادم ضد إسرائيل سيكون فى الجبهة الأردنية والسورية, وتحصر القوات الإسرائيلية التى فى سيناء, وأن قوات سورية فى الأردن جار إعادة تدريبها, وأن عقيدا عراقيا اتهم أحمد سعيد المذيع فى صوت العرب ى المذيع فى صوت العرب بالخيانة, لأنه أذاع نبأ تحرك قوات عراقية نحو الجبهة فدمرها طيران العدو فورا إذاعة الخبر.


موقف الإخوان فى السجون:

وعلمت أيضا أن عدد الإخوان فى السجون والمعتقلات يبلغ خمسين ألفا وقد أبرقوا لعبد الناصر برغبتهم فى الإشتراك فى الحرب ضد إسرائيل لكنه رد عليهم رافضا السماح للخونة بالقتال. لقد كان أجدى لجيش مصر التقدم داخل إسرائيل غذ يفصلها (60) كيلو من أن ينسحب (600) كيلو تخت سياط العدو, بينما الضابط المقدم الذى أسرته إسرائيل ومعه ضابطان وجنديان هو من أصل يهودى خدم الجيش المصرى (20) سنة وفر إلى إسرائيل ومعه معلومات خطيرة, وأن اجتماعا سريا جرى بين الملك فيصل وثروت عكاشة فى روما أثناء عودة فيصل إلى بلاده, وطلب ثروت من فيصل المرور بالقاهرة لمقابلة عبد الناصر ولكنه رفض, وكان هناك (1500)) فدائى مصرى رفضوا العودة لمصر إلا بعد تحرير القدس.

لم يأسر المصريون سوى اسير واحد بينما وقع الآلاف فى يد إسرائيل ومما سمعته أيضا أن عبد الناصر كان من رأيه البدء فى عمل هجوم جوى مفاجىء على إسرائيل, لكن عبد الحكيم عامر وشمس بدران كانا معارضين, وسافر إلى روسيا لشكايته للروس وقال لهم: إن المجنون عبد الناصر يريد عمل حرب , لما أجرى اليهود هجومهم المفاجىء أصدر عامر أمرا إلى الفريق عبد المحسن كامل مرتجى بالقبض على جمال, إلا أن صلاح نصر أبلغ الخبر لجمال وطلب منه الاطمئنان وأن قوة من الفدائيين فى طريقها إلى عامر ومرتجى للقبض عليهما, وفعلا أصيب عامر بسبع رصاصات فى جنبه الأيسر ومحاولة قتل عبد المحسن نرتجى.

هناك ثلاث قوى وهى ناصرية ويمينية مع زكريا وإخوانية, وسيعمل الإخوان مقاومة سرية فى القدس, والشعب المصرى صار يحتقر الضباط المصريين بعد هزيمة (1967) ومدكور أبو العز تولى قيادة سلاح الطيران, لأنه أصدر أوامر عندما كان محافظا لأسوان بعمل دوريات جوية فوق السد, وفعلا لم يستطع اليهود اختراق ذلك الدفاع, وصدقى محمود كان ليلة الهجوم سكران مع جميع الطيارين بمناسبة زفاف ابنته, ولأيقظوه من النوم بعد أنتحطم سلاح الطيران والمطارات وعبد الحكيم بمناسبة الزفاف أعطى الضباط إجازة (48) ساعة رغم حالة الطوارىء الموجودة, وعقد اجتماع برئاسة الملك فيصل حدث فى روما حضره جميع سفراء الدول العربية وثروت عكاشة, وأبلغهم فيه أن إسرائيل ستهجم ومن الأخطاء العسكرية المصرية:

1- عدم صلاحية عبد الحكيم عامر لذلك المنصب الكبير بينما يوجد فى الجيش من هم أكفأ منه, ولم يتعين فى هذا المركز عن جدارة ولكن لصداقته لعبد الناصر.

2- انعدام الروح المعنوية فى الجيش المصرى نتيجة حكم الفرد وتعرض أهالى الجيش للإرهاب من قتل وسجن.

3- دخول الملك حسين الحرب مضطرا حتى لا يتعرض لنقمة الجماهير الأردنية والفلسطينية.

4- أن عقد ميثاق الدفاع المشترك بين الأردن ومصر قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية العربية يعتبر مهزلة, إذ إن يومين لا يكفيان لإنجاز متطلبات الدفاع المشترك فى تدريب الوحدات مع بعضها.

5- لم يكن هناك عمق فى الجبهة الأردنية.

6- خشية الملك حسين على عرشه من تسلح الشعب وأكثره من الفلسطينيين الموالين لأحمد الشقيرى العميل الناصرى المسيطر على جبهة التحرير الفلسطينية.


التفكير فى معسكر للتدريب:

زارنى أحد السوريين وعرض على الإستعداد للسفر إلى منطقة بالأردن من أجل إقامة معسكر لتريب الشباب الإسلامى من الحزب الإسلامى والإخوان المسلمين, لغزو سوريا والإطاحة بحكم البعث لأنه حكم أشد كفرا من اليهود لأن اليهود من أهل الذمة أى أهل الكتاب. فلما اعترضت على هذا التعبير بالآية الكريمة[ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا] تمسك براية وقال: إن السوريين يحبون الملك حسين لأسباب منها كره الشيعة وكراهيتهم للبعث, ولأنحداره من البيت الهاشمى. قلت له: وما العمل فى القوات العراقية الموجودة فى الأردن؟

أجاب : إن الملك يستطيع إخراجهم فى أى وقت يشاء, قلت : إن الملك متعاون مع الإنجليز, وقد يستغلنا كما استغل الإنجليز عام(1914) أبان الحرب العالمية الثانية الشريف حسين أجاب فى هذا الحالة نحارب الملك ونوجد فرصة للتخلص منه, وقال: لا تقل إن الملك عميل للإنجليز بل قل: إنه لا إسلامى, سألته: وما رأيك فى الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير؟ أجاب إنها لم يعد لها كيان, وأصبح عبد الناصر لا شعبية له ويمكن للملك بواسطة قوات البدو محاصريهم.

ثم عرض على تولى قيادة الحركة العسكرية أو التسلل والقيام بحركة تطهير تسبق الحركة.

ثم سألنى : هل تستطيع السير؟ قلت: إننى مصاب بالقدم اليمنى إصابة تفوقنى عن الحركة بسهولة, وأظن أنه يمكن ركوب جيب للمرور بها على التدريب.

قال: سنجهز لك جواز سفر لقبرص أو أثينا ومنها للأردن.

قلت له: إنى لا أحب الملك ولا أتعاون معه. قال: لماذا قدمت طلبا للسفر إلى القاهرة ولم ترسل طلبا لجميع الدول العربية؟ أجبته إننى طلبت فى خطابى الإستعداد بالمساهمة الفعلية فى الحرب على أى جبهة.

قال: إن إخوانك الضباط أرسلوا لجميع الدول ,

وقال: إن أحد إخوانك ممن يتعلمون فى أوربا أبدى كامل استعداده للعمل معه, عندما سمع بأنك ستتعاون معنا, وانتهت الجلسة دون الاتفاق على شىء لحضور زائر.

ولكنه بعد فترة طويلة جاءنى وسألني عما إذا كنت مستعدا لتدريب بعض الإخوان فلما أبديت استعدادى تخلص بقوله: إنهم جادون فى البحث عن أماكن للتدريب, وإن ضابطا مثلى إذا ضبط يدرب أحد له تفسير خاطىء, والمطلوب منى إلقاء المحاضرات عن تجاربى لواحد أو اثنين وعن تجاربى فى الحياة, ولم يتم شرح شىء فى هذا الموضوع, وكانت الأسباب التى بنيت عليها رفضى لهذا الإقتراح أن مثل هذا العمل لا يقره شرع ولا عقل فى هذه الظروف.

ووبالتالى يوصم القائمون به بالخيانة, وحسين وغيره سيستغلون بالنجاح لمصلحتهم , وأن العملية آيلة للفشل لعدم كفاءة القوات المستخدمة, وأن صحتى وأحوالى, وأن العملية آيلة للفشل لعدم كفاءة القوات المستخدمة, وأن صحتى وأحوالى تعوقان اشتراكى.


معسكر فى السودان:

كان قد طلب منى أن لأدرب جماعة من الشباب فى السودان, وفى اليوم الثالث من أغسطس (1967) زارنى أحد الإخوان, وسألنى: هل لدى استعداد للسفر للسودان لإقامة معسكر تدريب؟ أجبته بأن نلتقى مساء اليوم لأننى على وشك الخروج مع ابنتى لإجراء تحليل دم كطلب الدكتور المعالج لعا, وفعلا حضر فى المساءو وكنت قد أعددت شروط ذهابى لمعسكر التدريب المزمع إنشاؤه فى السودان وعى:

1- ضرورة موافقة قادة جماعة الإخوان فى كل من العراق والسودان وإخوان مصر فى الخارج, وهنا قاطعنى بأن الجماعة التى تريد التدريب غير منسجمة مع قيادة الإخوان الحاضرة, ومستاءة من أساليبهم, كما أن القيادة ليست موافقة على إقامة المعسكر. قلت: إننى مبدئيا موافق على السفر وأستبدل بالشرط الأول موافقة ثلاثة ممن يرغبون فى إقامة المعسكر.

ثم بدأ يشرح لى طريقة الخروج من لبنان إلى السودان بزى أمراء كويتين وسيرافقنى شخص لنركب الطائرة لجدة وهناك ننتقل إلى منطقة على شاطىء البحر القريب من جدة, وبعدها نستقل مركبا إلى شاطىء السودان والسلاح هناك متوافر.

وسألته: وما الغرض من إقامة المعسكر؟ أجاب تدريب الشباب لمقاتلة الأحباش وتغيير الوضع فى الحكومة الحاضرة فى السودان.

قلت: ألا يكفى أنصار المهدى؟ أجاب: إن صادق المهدى مختلف مع عمه.

قلت: إن الرحلة تحتاج إلى أعصاب, وإننى لا أعمل للإخوان ولا لفلان إنما أعمل لله, وأستطيع تدريب ثلاثين شابا فى ستة أشهر, وهؤلاء الثلاثون يدرّبون, كل منهم يدرب ثلاثين فصير عندنا بعد سنة ونصف (900) شاب وهكذا إلا أننى أريد تقريرا مفصلا عن طبيعى المنطقة التى سيجرى عليها التدريب الذى يجب أن يشمل التالى:

الموقع بالضبط وأقرب موانىء إليه وحالة الموصلات المؤدية إليه, ودرجات الحرارة والرطوبة طوال أيام السنة, ومستوى الأمطار وصلاحية المياه للشرب وكيفية الحصول عليها والزواحف والحيوانات المختلفة, ويجب أن يتوافر ثلاثة أطباء: جراح عام وجراح عظام وباطنى.

و الخيام والأدوية وغرفة عمليات مجهزة, وأكدت له ضرورة توافر شئون إدارية ممتازة حتى لا يتعرض الشباب للأمراض التى قد تكون أشد ضررا عليهم من العدو الأصلى.

كتبت هذه الطلبات ووعد بعرضها والإتصال بى بعد ثلاثة أسابيع, وبعد هذه المدة جاءنى أخ آخر وبدأ حديثه بأن وجه لى عدة أسئلة:

س1: كيف دخلت الإخوان؟

س2: هل هناك عداء شخصى بينك وبين عبد الناصر؟ ولماذا يتتبع أخبارك باهتمام؟

س3: هل بينك وبين أبى المكارم علاقة حاليا؟ وكيف بدأت معرفتك به؟

س4: هل محتمل أن يترك عبد الناصر الحكم؟

س5: هل يستطيع زكريا الصمود؟

س6: هل ما ذكر انور السادات فى كتبه صحيح؟

ج1: دخلت الإخوان عام (1943) بعد عامين من فشل محاولتى الانضمام لثورة رشيد عالى الكيلانى فى ايار (1941) برفقة الفريق أ.ح عزيز على المصرى وحسين ذو الفقار صبرى شقيق على صبرى, واحترقت الطائرة وهبطنا اضطراريا وحوكمنا ونقلت من الطيران للمشاة.

ج2: ليس بينى وبين جمال عداء شخصى, ولكنه يعلم حبى لعقيدة الإسلام وإصرارى على تطبيق المنهج الإسلامى, واستحالة الانحراف نحو اى مبدأ آخر. ولما كان ميالا للإنفراد بالسلطة بينما الإسلام يحتم الشورى فكان لابد من أى يعادى كل من يتمسك بالشورى وأنا منهم, وقد عرض على ترك جماعة الإخوان والإنضمام للضباط الأحرار, وأرسل لى حسن إبراهيم وكمال الدين حسين وأنور السادات وخالد حيى الدين فرفضت ,انا ضممت جمال لجماعة الإخوان عام (1945) وبقى معنا حتى عام (1950) حيث بدأ تكوين الأحرار من كل من هب ودب من الضباط ليعمل بهم الانقلاب, وفعلا عمل انقلابا ولم تكد تمر سنوات حتى ظهرت أفعالهم واختلفوا فيما بينهم وظهرت فيهم الصفات السيئة وكانت الهزيمة.

سألنى: لماذا لا تكتب هذا التاريخ؟ قلت: إننى أكتب حتى هذه اللحظة وقال أيضا: إن جمال عبد الناصر كان يتتبع خطواتك بإهتمام فسألته: إلى متى يتتبع خطواتى فقال حتى أوائل عام ( 1967).

ج3: إن أول مرة التقيت فيها بأبى المكارم كانت فى بيته عام (1949) وعندئذ صرح بأنه عين مسئولا عن حركة الإخوان الضباط فقلت له: إن ذلك أمر شاذ لأنك لم تشترك ولم تحضر أى اجتماع وتكتل للإخوان منذ بدأنا عام (1943) فأنا أول من عرض الفكرة على حسن البنا واستمررت بها واشتركت فى حرب فلسطين والقناة علاوة على تاريخى وسنى, وعرض الموضوع على عبد الرحمن السندى, فأراد تعيينى مسئولا عن الحركة السرية للضباط, بينما يكون أبو المكارم مسئولا عن الحركة العامة, فرفضت هذا ومنذ ذلك التاريخ وعلاقتنا غير طيبة, إنه يعمل باختياره مع المخابرات المصرية.

وسألنى: كيف حضر أبو المكارم لبيروت؟ أجبت جاء لزيارة زوجته الفلسطينية بعد أن استطعت الهروب من المحاكمة, وكنت أنا المتهم الأول فلم تجد المحكمة بعد هروبى مدعاة لمحاكمة الباقين, فسافر أبو المكارم إلى لبنان وما زال بها حتى الآن.

ج4: عبد الناصر لن يترك الحكم مختارا, لأنه لو تركه فلن يتركه الإخوان يعيش لأنه رجل عسكري مارس الحرب وسيقاتل لآخر طلقة وآخر رجل كما يقول المحاربون. لأنه مارس السياسة طيلة خمسة عشر عاما وصار مناورا ماهرا واستطاع الضحك على الملك حسين.

ج5: لا يستطيع زكريا الصمود لأن الشعب يكره نظامه والحكم القائم الآن أصبح حكما مباحثيا خاليا من العدالة والإخوان يتربصون.

وعلق أحدهم بقوله: لقد ثبت لى أن دعوة الإخوان عميقة الجذور بين جميع أفراد الشعب.

جـ6: إن كثيرا مما ذكره أنور السادات مختلف أو محور فبينما حركة عزيز المصرى بدأت عام (1938) من عزيز المصرى وأنور السادات ورشاد مهنا ومنى وحسن إبراهيم والبغدادى,فهو ينسب حركة الضباط الأحرار لذلك التاريخ !! بينما حركة الضباط الأحرار بدأـ عام (1950) بقيادة جمال, كذلك لم يكتب شيئا عن معركة رأس التين.

وقال أحد الإخوة : إنه قرأ فى جريد لا أذكر اسمها أن أنور السادات كتب عن معركة رأس التين بأن عبد المنعم تصرف من عنده بدون أوامر. سألته: هل لديك هذه الجريدة فأجاب بالنفى.

قلت لهم: إن على عامر وحسن صبرى الخولى غائبان عن مسرح الظروف الراهنة فقال أحدهم: إنه سمع بأن على عامر قتله عبد الحكيم.

فقلت: إن على عامر أستاذ جميع الضباط الذين على المسرح الحالى والسابق, وهو قائد عسكرى محترف, أول دفعة أركان حرب, ذو انضباط عسكرى وهو الوحيد الذى أتعبنى. قال : لقد سافرت للقاهرة والتقيت بالشهيد سيد قطب الذى يعرفك ولكنه نسى وجهك وهو مثلك يجيد التنظيم العسكرى والإعداد والعمل.

إن حزب الشعب الديمقراطى بزعامة احمد عبد الرحمن يعمل مع عبد الناصر, كذلك المهدى الكبير فى زيارة للقاهرة ويعمل معه, بينما صادق المهدى يعمل معنا ووجودك فى الخرطوم خطر عليك, لهذا أوجدنا لك عملا فى شركة لعصير السمسم بأجر (120) جنيها شهريا وستعيش فى دار فور حيث منطقة التلال لنا لتدرب الشباب السودانى والمصرى الذى سيفد إلينا وسنوفر ثلاثة ضباط لمعاونتك , وسيخرج عن طريق العقبة ولا نبحث مع احد موضوع خروجك من لبنان. والحمد لله أعدنا تنظيمنا ثانية فى كل مكان بما فيها مصر وصارت عناك قيادات مسئولة عارفة واجباتها.

أننى على قائد الجيش السودانى الفريق الخواص محمد أحمد الخواض لانضباطه العسكرى الذى حرم شرب الببسى كولا والمثلجات على الضباط لأنها تعودهم على الترف وله ابنان ضابطان مع الجماعة.

قلت: ولماذا لا يعمل انقلابا؟ أجاب: إنه جندى محترف لا يميل للسياسة. قلت: إن الإخوان قدموا مئات من الشباب عام (1948) لمعركة فلسطين, أما عام(1967) فلم يقدموا شيئا, هنا رد بسرعة سيقدمون إن شاء الله.

قلت : إن صلاحية جواز سفرى لمدة ثلاثة أعوام فاحصلوا على إجازة عمل فى السودان كى أستطيع الخروج قال: إننى سأمر بك كثيرا لبحث الموضوع .

قلت: ليكن مجيئك ما بين الساعة (10,8) مساء لأنه أنسب وقت.


شائعات الهزيمة:

وصلنى معلومات عن هزيمة (1967) فمثلا عبد المنعم رياض قائد الجبهة الأردنية كانت تصله أخبار كاذبة بانسحابات وتدميرات فى القوات الأردنية, وأن الجيش الأردنى لم يقاتل وانسحب بأمر من الملك.

وفى سورية ضبط ضابط كان يعطى إشارات ضوئية لليهود عن مواقع سورية. وأن أمرا سريا صدر للأسر الإنجليزية والأمريكية بمغادرة الشرق الأوسط قبل يوم (27/5) مما يحتمل نشوب اعتداء جديد.

وأن الملك حسين تخلص من عدد كبير من ضباطه بعد حرب(5) يونيو لعد كفاءتهم وجبنهم بمن فيهم خاله جميل بن ناصر وحابس المجالى, وعين عماشا لمحبته الخاصة للملك وكفاءته العسكرية ونشاطه, وهو لم يتعد (40) عاما وأن المدعو, سليم قائد الجبهة الغربية فى بدء هجوم اليهود انسحب بسيارته محملة أثاث بيته وجهاز اللاسلكى وعامل الجهاز من مكان لآخر, وكلما سمع بسقوط موقع انسحب لموقع خلفى وهكذا حتى سقطت القدس. وهنا لم يجد عامل اللاسلكى إزاء هذا الجبن إلا أن يترك قائده ويذهب لبيته.

إنها لم تكن حربا بل كانت فرارا.

وفى سورية ألقت القيادة العسكرية بالطلبة الذين لم يتعدوا الخامسة والعشرين عاما ولغير المدربين جيدا, وألقوا بهم فى الصفوف الأمامية حيث أبيدوا عن بكرة أبيهم.

واستطاع محمد الكيلانة قائد المخابرات أن يكتشف مؤامرة القوميين العرب قبل هزيمة يونيو لقلب نظام الحكم وتعيين أحمد عسعس رئيسا للوزارة كما اعترفوا بخطئهم وتوبتهم, إذ إنهم تدربوا على استخدام السلاح فى لبنان وأنهم قتلوا شابا وشىء بهم, وكانت جميع الأدلة تشير إليهم لكنهم لم يعترفوا لهذا اعتبرت الجريمة شخصية.

وحين أحس املك حسين بهزيمة جيشه ذهب إلى الإذاعة وارتجل خطبة طلب من جنوده فيها القتال بالأظافر والأسنان.

وأن قاعدة سعودية للصواريخ موجودة الآن فى الكرك, وقد ركبها المصريون وأن ضابطا أمريكيا كان يعمل فى مواقع الجيش الأردنى ثم ركه قبل 5 يونيو دل الطيران اليهودى على النقاط الحساسة فى مواقع الجيش الأردنى لدرجة دقيقة للغاية فمثلا كانت تضرب مخزن الذخيرة المملوء بينما هناك مخزنان فارغان حوله, كذلك ضربت غرفة طعام الملك فى الوقت الذى كان مفروضا فيه تناول غذائه.

وقال لى أحد الضباط السوريين من الإخوان: إن عصام العطار سبب نكبة الإخوان فى سورية, وإنه له ميول بعثية عفلقية, إذ كان عضوا فى حزب البعث ولذلك لما أراد دخول سورية من أجل حضور جنازة المرحوم الشهيد مصطفى السباعى أعيد من عند الحدود ولم يقبض عليه كما قبض على سعيد العبار صاحب دار الإرشاد.

وزارنى شاب مصرى يدى عفيفى عرفنى بنفسه وأنه كان من جماعة الإخوان, وظل مسجونا عشر سنوات ثم أفرج عنه ويعيش الآن فى ألمانيا قال لى : إنه حشر محاكمتى بصحبة محمود سالم عام (1954) بتهمة قلب نظام الحكم, وكان فى نيتهما قتل سعد الدين صبرى وهو الضابط الذى وشى بى وعرفا عنوان بيته منى وحاما حول البيا واشتبه فيهما وقبض عليهما ثم أفرج عهما, وقال : إنه عايش كثيرا من الإخوان فى السجن ولاحظ الآتى:

انقسم الإخوان قسمين عندما حدث الإعتداء الثلاثى: قسم يريد الخروج والمحاربة مع لجيش, وقسم لا يريد معتبر أنن الحكم القائم فى مصر إذ ذاك غير شرعى.

وقد اعتدى على زعيم القسم الثانى فى ساحة السجن ليلا ولم يعرف المعتدى.

ومن أنصار هذا القسم الدكتور حسين كمال الدين, وقال إن الرائد محمد محمد أبو نار نصحهم وهم فى السجن بتقديم التماسات العفو حتى يعيشوا مع أسرهم التى تشردت, وقال: إن أى تصريح من أحد الإخوان خارج مصر ضد الحكام كان ينتج عنه تعذيبهم فى السجون.


الفصل الثانى والعشرون : لقاء مع آل الوزير

فى يوم (10/10/1967) جاءنى يوسف وأبلغنى أن قاسم الوزير ابن زيد الوزير أحد زعماء اليمن الذى أعدمه الإمام يحيى عام (1948) لمحاولة انقلابا ضده, أبلغنى أن قاسم جاءه المكتب اليوم وسأله هل تعرف هذا الإسم مشيرا إلى إسمى على ورقة, فأجابه يوسف: نعم أعرفه إنه عديلى. فقال قاسم: لقد سمعت كثيرا عن الظروف التى مرت بعبد المنعم وأسفنا لأننا لم نقم بالواجب نحوه وأريد أن التقى به.

فقال قاسم: إن عبد المنعم مر بأيام عصيبة, قال القاسم : إننى أعرف عنه كل شىء وأريدك أن تجمعنى به.

سألنى يوسف: متى وأين تريد اللقاء به؟ أجبته بعد تفكير ليكن فى بيتك غدا مساء الثامنة. وفى الموعد حضر الأخ قاسم. قال قاسم: كنت فى شوق بالغ لرؤيتك, من مدة أبلغنى الأخ المصرى محمد صلاح الدين الموجود فى عمان أنك تعبان نفسيا, وخاصة بسبب الوضع الإقتصادى, ويهمنا أن نريحك من هذه الناحية, ونحن قاسينا كثيرا من سوء الناحية المالية عندما خرجنا من بلادنا عام (1948) ونقدر ظرفك إلا أنه عادت أملاكنا لنا فتحسنت أحوالنا بعض الشىء والحمد له, وأن شقيقى الكبير إبراهيم طلب منى الالتقاء بك, وتدمير كل ما تريد بشكل مؤقت حتى نقرر دائما لك. وقال : إن أخى إبراهيم سيحضر قريبا ويسره الألتقاء بك, أما شقيقى زيد فقد عرضت عليه الحكومة اللبنانية الدخول ثانية إليها بمفرده, دون أن تثير وجوب عودة الإخوان الذين خرجوا معه أمثال عصام العطار وشاويش والشاوى, لقد أجرينا مؤتمرا فى صنعاء هاجمنا فيها السلال ونظامه, كما أقنعنا الملك فيصل بتشجيع قيام دولة اليمن بعيدة عن كل نفوذ عربى وأجبنى, وقام بيننا وبين الملك فيصل اتفاق على التخلص من السلال وأعوانه, وأن القبائل كثيرة تؤيدنا وتؤازرنا وهى القبائل التى يستند ظهرها على السعودية, وأشار لى على الخريطة.

سألته كيف نظام القبائل عندكم؟ أجاب: القبيلة – الفخذ – العشيرة والقوة دائما فى القرى وليست فى المدن كما هو الحال فى المدن الكبرى.

سألته وكيف ستدرب هؤلاء ؟ أجاب سنأخذهم من شباب القرى, ويمكننا تدريب ثلاثة آلاف رجل والسلاح من السعودية, لأن بيننا تفاهما على إزالة السلال ونظامه الاشتراكى, ومن خطتنا أن نترك الجمهوريين والإمامين ينهكان بعضهما ثم ننقض على الغالب ونقيم الدول الإسلامية.

قلت: وما موقفكم من الإحتلال الصهيونى للبلاد العربية؟ أجاب:علينا أن نقيم الدولة الإسلامية النموذجية أولا, وبعد ذلك يصبح من السهل القضاء على إسرائيل.

قلت: إنى أرحب بكل عمل فى سبيل الله, قال : إن عبد الناصر اشترط على فيصل قبل حضوره مؤامرة جدة الأخير هذا العام بخصوص تسوية مشكلة اليمن ألا نكون فى جدة, وفعلا أخرجتنا الحكومة السعودية منها, كما أننا عملنا عدة مؤتمرات فى طول اليمن وعرضه هاجمنا السلال ونظامه وفى الوقت الذى جاءت قوات السلال للقبض علينا كان رجالنا المسلحون يطرقون تلك القوات فلم يجد القائد العسكرى بدا من إيقاف أى احتكاك بنا وانفض الاجتماع واتجهنا نحو السعودية فالأردن ولنا فى جدة وهمان مركزان.

قلت له: إن جماعة الإخوان طلبت منى إعداد طائرة لسفر إلى صنعاء لإحضار مصريين محتجزين فيها عقب ثورة والدك على الإمام يحيى ثم عادوا وألغوا السفر, وقلت : أختار أن يكون اسمى ( منصور) وتلغى اسمى الأصلي لأنه مشبوه, وصلتنا ببعض تكون بواسطة الحاج يوسف الذى لا أثق بسواه والاجتماع عنده واللقاء القادم يكون من إعدادك.

وعاد وقال: تأسفنا كثيرا للعسر المالى الذى عشت فيه, ونحن مستعدون لأى شىء تطلبه.

قلت: من هذه الناحة حمدا لله الأمور ميسرة, لقد أقامت زوجتى مشغلا لخياطة الملابس بالجملة, ولكن ما زال علينا بعض أقساط من ثمن ماكينات الخياطة وبسبب الحرب قل عمل المشغل, ولكن الآن بدأ العمل يعود كما كان وهذا من فضل الله.

أثنى على الفضيل الورتلانى بأنه له شخصية قوية, فقد أرسل الإمام يحيى له شخصا كأمين سر (سكرتير) والحقيقة انه أرسله للتجسس على الفضيل ولكنه استطاع اجتذاب ذلك الشخص لجانبه, وصار يعمل لصالحه ضد الإمام يحيى.

كما أثنى على الرائد جميل الذى هرب من العراق لليمن والتحق بالجيش اليمنى , وحاول عمل انلاقب ولكنه قتل, وقال: إنه حاز إعجاب جميع الحاضرين فى المؤتمرات العسكرية وتزوج يمنية ويعيش اولاده فى العراق.

دفعت سفارة مصر مبلغ 60 ألف ليرة لإخراج جماعة الإخوان من لبنان وقد شكر قاسم لتوفيق الشاوى كثيرا وافترقنا على أن نلتقى ثانية.


اللقاء الثانى:

التقيت كالموعد المحدد مع قاسم وقال : إنه استدرك سؤالى له عن مدى علاقة الإخوان بحركة ( القوة الثالثة) فقال: إن البارحة رد على ردا غير واضح بخصوص تعاون القوة الثالثة مع الإخوان, هناك تعاون بينهما وكل ما يهمنا أن تكون نفسيتك مرتاحة, ومادمنا نحن من ورائك فلا تخش شيئا وقد أحضرت لك مبلغا بسيطا كمصاريف إلى أن نبلغ الأخوان ليخصصوا لك شيئا معينا.

قلت: لا أريد شيئا من الإخوان, لأننا والحمد لله دخلنا من المشغل يكفينا وهذا المبلغ سندفعه لتكملة ثمن ماكينات الخياطة, والإخوان على علم تام بحالتى ولم يقوموا بعمل إيجابى نحوى فليس عندهم غير الكلام, لا بل حاربونى ومنعوا دخولى أى بلد عربى ف وأخرجونى من الأردن, كل ذلك لأننى أواجههم بعيوبهم وأنى أفعل ذلك من أجل تفادى الأخطاء فى المستقبل حتى لا يتكرر الفشل مرة ثانية.

فقال: إننا لا نريد منك شيئا سوى الراحة.

وتم اللقاء الثانى مع محمود الوزير بمنزل الحاج يوسف الساعة 9 مساء وبعد تبادل التحيات قال: إنه سمع عنى كثيرا ولما كان وإخوته قد تعرضوا لظروف قاسية أحبوا الإتصال بى لمساعدتى, وأن الإخوان ليس لهم علاقة بهذا الإتصال, وأنهم كانوا مختلفين,ولم يذكر متى .. والسبب , وأنه وإخوته عاشوا فى القاهرة عام (1954) ولم يساعدهم أحد ماديا, وأن الملكيين وباقى القبائل تحاصر الآن صنعاء حوالى 03) ملايين, وفى استطاعتهم دخولها, لكنهم لا يريدون عودة أسرة حميد الدين فالقبائل تأخذ المال ولا تهجم.

وذكر أنه سيعقد مؤتمر المصالحة برئاسة محجوب, وقد طلبت منه خريطة لليمن مفصلة لدراستها.

وسألته : هل ممكن أن أستعين بضباط سوريين لمعاونتى ؟ أجاب: نعم ونحن أيضا لدينا ضباط, وقال: أية خيانة من أحد جزاؤها الموت.

أبلغته عن حادث هروب يحيى طويلة, والذى كان فى يوم من الأيام إخوانيا وهو ضابط برتبة عقيد, وكان مسئولا عن مكافحة المخدرات بين لبنان ومصر, وقد طلب منه السفر لمصر من أجل تعيينه فى مركز جديد, وكان ذلك عقب انتحار المشير عبد الحكيم عامر, لكنه سفر زوجته وأولاده وسيارته الجكوار لمصر مدعيا أنه سيلحق بهم. إلا أنه استقل مركبا تجاريا برفقة فلسطينى وأبحر لجهة غير معلومة.

وسبب هروبه إما لكونه كان يرسل مواد سامة مخدرة لقائد المخابرات السابق صلاح نصر, وإما لأسباب أخرى سياسية أو مالية مجهولة.


زيارة بعض الشباب:

زارنى مجموعة من الشباب وسألنى أحدهم هل ممكن لمصر فى موقفها العسكرى الحالى والعدو رابض على طول القناة ان تجرى هجوما؟

أجبت: ليس هناك مستحيل والهجوم ممكن, وهذا يتطلب عملية خداه كبرى بإخفاء المعدات الحديثة وطلائها بلون الأرض, وإرسال دوريات كثيرة لتخريب مواصلات العدو فى كل مكان, ثم الهجوم بالسلاح الجوى, إذ إن الحرب الان لابد فيها من اشتراك القوات الجوية والصاروخية.

ثم نعبر القناة ونلاقى العدو منهوك القوى ويساعدنا فى ذلك تفوقنا عدديا على العدو.

وقلت: إن عبد الناصر لن ينتصر فى حرب ضد إسرائيل لفقدان الشعب المصرى الروح المعنوية التى هى أقوى سلاح فى الحرب, إما إذ انتصر فسيكون بقوة الروس ومعنى ذلك انتشار الشيوعية فى مصر.

سألنى أحدهم عن المحاكمة العسكرية الخاصة بقائد سلاح الطيران:

أجبت: إن صدقى محمود وجمال عفيفى ضابطان ممتازان ولا يخونان وطنهما. إلا أنه من المحتمل أن الخيانة تمت من ضابط على علاقة بنساء أجنبيات, وممن يحتسون الخمر ويلعبون القمار وما أكثرهم فى القوات الجوية المصرية, ولقد شاهدت جمال سالم وهو يشرب الخمر ويلعب القمار, رغم أنه تعين عضوا بمجلس قيادة الثورة, كذلك عبد الحميد الدغيدى محتمل أن يخون بلده لسوء خلقه وشقيقه عبد الحكيم الدغيدى كان قائدا لسلاح الطيران ومثالا للفساد, خمر ونساء وقمار!! إن الإخوان هم السبب فى وصول عبد الناصر للحكم, ولقد خذرتهم منه وطلبت من المرشد قتله, ولكنه رفض وجاءت فرص كثيرة للإخوان, ولكنها لم تستغل.


اكتشاف مؤامرة:

علمت ممن صديق أن المخابرات المصرية اكتشفت مؤامرة انقلاب من الجيش والإخوان ليلة( 18/4/1968) وقبض على عدد كبير من المدنيين والعسكريين وربما يذاع هذا الخبر؟ هل عن طريق الإخوان أم الحكومة؟

أجاب: عن طريق الحكومة, وصلت برقية منذ ساعة واحدة فقط, وذكر عن الوضع فى مصر أن الشعب كله يكره الاشتراكية فهى الشيوعية, وعبد الناصر مصر على الحكم البلد بالقوة ويبدل الأشخاص كقطع الشطرنج, ولكن السياسة ثابتة وهى سياسة لا يرضاها الشعب وأن العمال فصلوا رأس مدير مصنع عن جسده لأنهم سمعوه يطلب هاتفيا من الشرطة إطلاق النيران على العمال,وتوالت المظاهرات من الطلبة تأييدا للعمال, وقد حطم الطلبة مبانى المدارس وألقوا الحجارة على الشرطة الذين انسحبوا, وأخذ الطلبة يزيحون رجال المرور والجنود الراكبة وهتفوا بسقوط الطاغية والموت للخونة والمجرمين وسقوط مجلس الأمة والإتحاد الإشتراكى وألقوا أحد عساكر المرور فى النيل وأنزلوا كثيرا من الفرسان من فوق ظهور الجياد والقوا بهم فى النيل.

وذكر أن عبد الحكيم وابنه ماتا قتلا بالرصاص, وبدون احتفال عام أو خاص دفنا, وأن ثلث البلد تحريات ومخابرات, وزكريا كان يريد السير فى اتجاه يمينى, وكل الشهب كان متوقعا قتلة أثناء خطابه فى استفتاء(30 مارس 1968) ولو هناك شخصا واحدا أو جماعة منظمة أثناء تلك الحوادث لأمسك بالحكم.

سألته عن الوفد وجماعة الإخوان فقال, لا وجود لهم وكذلك أعضاء مجلس قيادة الثورة القدامى, ومعلومات الجيش وصلت لليهود عن طريق الروس وأن مطارا تحت الأرض ضرب ودمر تماما, وأن الحالة الإقتصادية سيئة للغاية حتى العمال غير راضيين عن النظام, وأن صلاح نصر دعا حسين الشافعى وجمال عبد الناصر ليقفا معه فى قفص الإتهام لأنه على حد قوله لم يفعل شيئا إلا بإذنهما أما أنور السادات فهو صامت ومطاوع.


عدم الموافقة على التدريب:

فى (25/4/1968) جاءنى رد الإخوان فى سوريا بعدم موافقتهم على التدريب لعدم وجود المكان, قال الأخ أثناء حديثه: إن شيئين اهتمت لهما أمريكا جدا, أولهما إعلان اليمن عام (1948) أنها موطن كل مسلم ودستورها القرآن, وثانيهما عزم الشهيد حسن البنا على ترشيح نفسه للانتخابات, وحضر عندى ثلاثة من الإخوة الفلسطينيين قائلين: نحن جئنا لك بخصوص تدريبات الشباب ولدينا عدد لا بأس به.

وحكيت لهم ما حدث معى وما عملته منذ أن سمعت تصريح أشكول بخصوص سورية, وعزمى على السفر للمشاركة فى محاربة اليهود ورفض حكومتى سفرى وطلبها منى البقاء.

وأخبرتهم بأن جواز سفرى لا يصلح السفر به وليس غير البقاء فى لبنان .

قال أحدهم: ممكن أن نأتى لك بجواز سفر آخر.

قلت: كيف تثبت الدخول للأمن العام؟ قال: سندبر الأمر وسنمر عليك مرة أخرى لأننا مرتبطون بميعاد وقال آخر: ولو... يمكنك الحضور بضعة أيام تحاضر للمقاتلين.

قلت: إن إعطاء محاضرات كمثل المحاضر فى المذياع لن يستفيد منه المقاتلون شيئا, لأن التدريب يحتاج إلى مجهود مضن وتصحيح الأخطاء وتعيين الرجل المناسب فى المكان الأصلح, خاصة بعد حدوث معارك فحص الجنود ومعرفة الصالح للترفيع.

وقال احدهم: إننا سمعنا من فلسطينى كان معك فى الكتيبة الفلسطينية يدعى عبد اللطيف يشكر لك كثيرا, وسأل أحدهم أليس من الممكن التدريب فى لبنان؟

وهنا قاطعه شخص طالبا عدم الخوض فى هذه النقطة.

قلت: إننى مستعد للسفر, ولن يكلفنى ذلك دقائق, ولكننى أريد الاطمئنان على ظهرى من حكومات مصر والأردن ولبنان بمعنى إذا خرجت للتدريب وعرف عنى ذلك يسحب جواز سفرى, وتطلب حكومة مصر طردى من الأردن, ولا يستطع العودة إلى لبنان فالمشكلة هى ضمان الأمن للأولاد, أما عن نفسى فكان لابد من أن أموت أكثر من عشرين مرة, قلت لهم: لا أريد مالا وأشرت إلى بنطلونات كانت على المقعد تمت خياطتها لأن زوجتى هى التى تدير المشغل وأنا أساعدها فى ذلك, ودخلنا لا بأس به, وكررت رفضى لأى مبلغ ودعواتى إلى الله سبحانه أن يستجيب لى بالمساهمة فى هذه الحرب, كما استجاب لى فى أمور أخرى.

قالوا: إنهم جاءوا لعرض هذا اللب علىّ متأخرين وأن (فتح) هى الأولى فى الميدان الآن لكن هناك من يحاول تفويضها بطريقتين:

أولا: دفع عناصر قومية وبعثية للالتحاق بها.

ثانيا: إثارة الشبهات حولها.

سألته: وأين تتدريب؟ أجاب فى سورية, ومن أين تتحرك؟

أجبا: من الأردن, إلا أن هذا التحرك يتم رغم معارضة الحكومة الأردنية.

قلت: نصائحى إليكم: انتخاب الأفراد المؤمنين, والتدريب الممتاز والأسلحة الحديثة, وإذا قدر لى الإشتراك فى هذه الحرب فسأستعين بتلك القوات الصغيرة بادىء ذى بدء, فأرسل مثلا عشرة يموت منهم اثنان أو ثلاثة ويعود سبعة تمرسوا فى الخبرة, فهولاء أعمل منهم قادة وهكذا بالتدريج يصبح عندى قوات مدربة كبيرة ويمكننى التوغل فى أراضى العدو وإقامة قواعد داخلية حتى أصل إلى البحر.

قال أحدهم: يفهم أنك شعرت بأن حربا ستشب قبل حدوثها بعشرين يوما؟

أجبت: نعم وهذه حاسة الحرب, وأننى طلبت الالتحاق بأى جهة ولكنهم رفضوا فلماذا؟

ثم استأذنوا للإنصراف على أن يمروا بى مرة أخرى.


ملاحظاتى:

من وراء هذه المجموعة؟ مصر أم العراق أو سورية؟ وهل هى ضد فتح؟

الجواب: أنها مصر وتريد منافسة فتح وانتزاع القيادة منها.

وهل هم على تصال بنجيب جويفل؟ وهل هو موجود هنا أم فى الأردن؟ ولماذا قال(....) لى إنهم يريدون التعاون معى سرا!!

هل كان مع(.......) جهاز تسجيل؟ ربما لأنه كان مرتديا سترة وصامتا ومرتابا.

قلت لهم: أن يتدربوا مع أية جماعة ولو شيوعية, وضربت لهم مثلا بالعصابات اليهودية التى ساعدت الغرب فى الحرب العالمية الأولى ثم الثانية, ثم انقلبت على انجلترا, ومثلا بديجول الذى كون فرنسا للحرب وعاونته أمريكا وإنجلترا حتى تمت هزيمة ألمانيا وها هو ذا الآن معارض لسياسة أمريكا وترك الخلف الأطلسى ويعارض دخول إنجلترا السوق الأوربية.


معلومات وصلتنى:

حصلت على بعض المعلومات منها أن جميع اليهود مجدون فى اشغالهم, فمثلا الحاكم العسكرى لقليقلية يعمل من السادسة صباحا إلى الثامنة مساء بدون انقطاع, وأنه يضلل الفدائيين بألا يدوام على المجىء والذهاب فى مواعيد منتظمة وكذلك استخدام طرق مختلفة وأن الجنود تسير فى شكل دوريات مكونة من ثلاثة أو أربعة محملين بكامل الأسلحة ومع أحدهم جهاز لاسلكى متصل بالرئاسة وباقى الدوريات, وأنهم يمهدون الأرض مساء كل يوم لتكون ملساء ومستوية وفى الصباح الباكر يفحصونها, ليتأكدوا من وجود آثار وقع أقدام الفدائيين, فإن شكوا فى تسلل الفدائيين طوقوا المنطقة بحثا عنهم, وفى المعركة التى احترق فيها عشرة من الفدائيين حوصرا داخل مزرعة وألقت طائرات حول المزرعة مواد ملتهبة وأشعلتها وكلما أرادوا الخروج من النيران استلمتهم الرشاشات بالرصاص.

لازال هناك حركتان إسلاميتان وهما جماعة الإخوان وجماعة التحرير والثانية هى الأقوى لأنها أقدم فى تلك البلدة من الأولى.

علموا أن الحكومات العربية تحارب سرا الفدائيين, وأن بعض المتخاصمين من العربي يدسون على بعضهم لدى اليهود, وعند ثبوت التعاون مع الفدائيين يقوم اليهود بنسف المتعاونين, وهناك بعض العرب يتعاونون مع اليهود.


طلبات:

عرضت على أحدهم القيام بثلاثة واجبات:

1- إرسال تقارير عن جميع نشاطات العدو فى قليقلية وما حولها مع أشخاص سنرسلهم له بين الحين والآخر.

2- عمل تنظيم فدائى سرى لا يعمل إلا بأوامري.

3- إنشاء مخابىء سرية فى أماكن معينة.

فرفض بلباقة خشية انتقام العدو, كما اعتبر أن المسئول عن هذا الكتيبة هو عبد الناصر وأن التحريريين يشاركونه هذا الرأى.

وأبلغته أننى محارب محترف وأعمل مع كل من يجاهد فى سبيل الله سواء أكانوا الإخوان أم لتحريريين أم غيرهم.


انقلاب العراق:

سألنى أخ لبنانى ما رأيك فى انقلاب العراق الذى حدث يوم (17/7/ 1967)؟ فأجبت: هذا عمل طيب والمهم أن يستفيد منه الإخوان.

قال: إنه كان فى العراق قريبا ويعلم أن رئيس الجمهورية الحالى أحمد حسن البكر يصلى وهو بعثى قومى جماعة البعث التى تحكم سورية الآن, ومن المحتمل أن تبدأ حرب إعلامية بين العراق فى جانب سورية ومصر فى جانب آخر, وسيحاول العراقيون كشف أسباب هزيمة حرب يونيو, والخيانات التى ارتكبت, فمثلا أحمد سعيد كان يشير فى إذاعاته إلأى تحركات وأماكن القوات العراقية, مما أوقع فيها خسائر جسيمة ولم يستطع هذا الجيش الاشتراك فى المعركة, وقال: من المحتمل أن ينسحب الجيش العراقى من الأردن للسباب التالية:

1- أن الجيش موجود الآن فى الرطبة وهة مناطق غير حربية.

2- تصرف عليه أموال طائلة بدون مبرر.

3- لأن فرقتين مازالتا معارضتين للإنقلاب.

4- الحزب الشيوعى له أنصار كثيرون فى البصرة وهؤلاء سيتحركون لمقاومة العهدا الجديدة برئاسة المقدم عبد الرازق النايف التى ستسحب جيش العراق من أمام لعدو؟

أجاب: إن سورية ومصر لا تريدان مقاتلة العدو بدليل أنهما لا يسمحان للفدائيين بالتحرك من عندهما.

قلت: لكن الوزارة العراقية صرحت بأنها ستدعم العمل الفدائى.

أجاب: إن هذا يؤيد معلوماتى بأن العراق ستسحب الجيش.

سألأنى: هل يمكن للفدائيين احتلال فلسطين ثانية؟

قلت: لا وإنما لابد من اشتراك الجيوش العربية.


وفاة عبد الناصر:

فى مساء يوم (28/9/1970) بينما كنت جالسا مع بعض الأصدقاء فإذا بى اسمع ضوضاء وصراخا فى الشوارع وأحدهم يقول:(الأن وقتها).

عندها داخلنى شعور بأن حادثا كبيرا قد حصل للأمة العربية, وأنه من المحتمل أن يكون جمال عبد الناصر قد اصابه مكروه خاصة بعد أن تكرر كلام الناس فى الشارع أنهم فى مصيبة, وأن الوقت غير مناسب لمثل هذا الحدث لأن الشعب اللبنانى كان يعتبر جمال هو الزعيم العربى وأنه منقذهم وأنه.... وحتى أتأكد من ظنى أدرت المذياع فوجدت جميع المحطات تذيع القرآن الكريم وكذلك التليفزيون, وبعد فترة جاء النبأ, وأعلنت وفاة جمال عبد الناصر فاستقبلت النبأ بحزن وذهول وقلت( إنا لله وإنا إليه راجعون) وبدأت أسمع أصوات إطلاق النيران من الرشاشات وضرب الصواريخ وإشعال الحرائق, وكانت ليلة لم يستطع أحد النوم وكان الحزن والحداد فى كل بيت, وعشنا فى هذا الجو الكئيب حتى بعد أن دفن, وظل الشعب اللبنانى يعبر عن حزنه وألمه, ولبست بعض النساء الأسود وبعد فترة هدأت الأحوال.


لقاء مع قنصل مصر:

بعد فترة من وفاة عبد الناصر علمت أن قنصل مصر الأستاذ عبد اللطيف حافظ موجود فى مستشفى المقاصد للعلاج, فذهبت لزيارته وبعد السلام والسؤال عن أحوالى سألنى: من كنت تنتخب لرئاسة الجمهورية؟ واخذ يعدد أسماء حسن إبراهيم – البغدادى – زكريا- أجبت: أنتخب أنور السادات لأنه متدين, حافظ للقرآن, يصلى, وعنده رحمة ومن أسرة متوسطة لا هى غنية ولا هى فقيرة, وأنه أقدم ضابط سياسى بين جميع من عملوا فى محيط السياسة منذ عام (1939) فقد كان الساعد الأيمن لعزيز المصرى, وهو الذى طلب منى تسفيره إلى خارج البلاد عام (1941) ولما كان ملاحقا عام 01945) اختفى عندى بضعة أشهر, وأننى سلمته قصر رأس التين فى ظهيرة (26/من يوليو 1952) وذكرت أن بغدادى كان عضوا معنا لكنه ليس فى تدين أنور ولا يجيد الخطابة, أما زكريا فليس له ماض جهادى وقلت إن أنور استطاع أن يعيش مع عبد الناصر (18) عاما ولم يصطدم به, لأن عنده تجارب ومرونة ودهاء, ول جاء زكريا للحكم فسيجد مقاومة من جماعة الإخوان المسلمين.

قال لى: لقد صوروك وحشا لكن هذا غير صحيح.

قلت: لقد قالوا عنى إرهابي غامض فى حين أننى لم أكن أعلم بموضوع الإعتداء على الرئيس, ولست صاحب فكرة الحزام الناسف, إنما حقا كنت أريد عمل انقلابا لإقامة الحكم الإسلامى.

قال: إن الإخوان عدة فروع ومنهم سعيد رمضان الموجود حاليا فى أوربا ومعه شاب اسمه سيد سالم, والخير يذيع من محطة ألمانيا ضد بلاده وتصلنا خطابات من الخارج ضد عبد الناصر, بعد موته تسبه وتلعنه وتتهمه بأنه تسبب فى موت الكثيرين, ولاشك فى أن هذا بإيعار من سعيد رمصان لأنه لع شخصية وسيطرة على الطلبة المسلمين الذين يذهبون إلى أروبا, وعقد مؤتمرا ضم فى أحد الاجتماعات (800) طالب وكونن رابطة إسلامية.

ثم ذكر أن له أصدقاء طيبيين من الإخوان وقال : إن الإخوان فى مصر قاعدة إسلامية تبلغ حوالى مليون شخص ذوى عقيدة, وهم يشكلون قوة يخاف منها وقال : إن الغرب يريد تحطيم مصر لأنها القلب. قلت: هذا صحيح ومصر زعيمة المسلمين والعرب.

وانتهت زيارتى بدخول زائرين فانصرفت متمنيا له الشفاء العاجل.


العودة إلى الوطن:

بعد أن تولى محمد أنور السادات مقاليد الحكم وقيام ثورة التصحيح أعلن فى شهر أغسطس بأن مصر مفتوحة لكل من يرغب فى العودة إليها

والحقيقة أننى كنت أنتظر هذا القرار منذ أن تولى أنور السادات الرئاسة لأننى أعرف أنه كان يريد أن يبدأ عهده بمحو الظلم وعودة الحرية للشعب الذى حرم منها فترة طويلة فى عهد عبد الناصر, فكانت فرصة لى أن أعود فيها إلى وطنى الذى حرمت من الحياة فيها زمنا طويلا, ولكن عدم إصدار عفو عام كان يقلقنى وجلس مع زوجتي نتشاور فى الوضع الجديد.

فأنا أريد السفر لكننى متردد لعدم سقوط الحكم عنى وهى تشجعني على العود, كان رأيها أنه لا يمكن للسادات أن يعلن للعالم أجمع بأنه يسمح لكل من يرغب فى العودة إلى وطنه, وبعد ذلك يقبض عليه وينفذ فيه حكم الإعدام فهو يريد أن يحبب فيه الشعب بأن يخفف عنه الضغوط التى كانت عليه والدليل على ذلك ثورة التصحيح.

وبع مناقشة طويلة اقتنعت بالعودة لوطنى الحبيب بعد غياب دام ثمانية عشر عاما, وذهبت إلى السفارة وأبلغتهم بأني سأعود لوطنى, كذلك أبلغت المن العام فأعطوني تأشيرة خروج وشكرتهم على ضيافتهم لى فى الفترة التى قضيتها فى لبنان وفعلا عدت لوطنى يوم 12 من سبتمبر عام 1972 على طائرة إلى مطار القاهرة وكان فى استقبالى السيد ممدوح سالم وزير الداخلية.


مقابلة السادات:

فى ليلة (26 من رمضان 1392 الموافق 2 نوفمبر عام 1972) تحدد الموعد لمقابلة الرئيس أنور السادات فى منزله بالجيزة.

استقبلنى بحفاوة وبينما كنا نتحدث فأجابنى بقوله: بأن علىّ حكما بالإعدام وسألنى: ما رأيك؟ قلت : والله اللى تشوفه.

قال: لقد اصدرت قرارا اليوم بإلغاء كافة الأحكام الصادرة ضدك وما يترتب عليها وقرأ علىّ صورة من القرار, وقد صدر بعد ذلك فى الجريدة الرسمية.

عدت إلى النتزل وأخذت أسترجع الذكريات, كانت تمر أمام عينى حافلة بالصور والأحداث وهكذا الدنيا تمضى مسرعة.


المسكن والمعاش:

بعد فترة ذهبت لإدارة المعاشات لتسوية معاشى فوجدت أنه لا يتعدى ثلاثة وثمانين جنيها. ونظرا لأنى عائد لوطنى بعد غياب طويل فيلزمنى مسكن وأثاث له, وخلافه والأولاد كلهم فى مراحل التعليم, لذلك طالبت السيد الرئيس بصرف جميع متأخرات معاشى التقاعدى منذ صدور الحكم الغيابى حتى الآن وقد حولت سكرتارية رئاسة الجمهورية خطابى لهيئة التامين والمعاشات وأبلغتنى الهيئة بأن صرف المتأخر يحتاج إلى قرار من رئيس الجمهورية. لذلك أرسلت برقية للرئيس هذا نصها:

القائد المؤمن محمد أنور السادات رئيس الجمهورية نصره الله.

تقدمت لسيادتكم بتاريخ 013/3/1973) بالتماس للتكرم بالموافقة على صرف المتأخرات من المبالغ المودعة فى معاشى منذ إيقافى فى عام (1954) حتى صدور أمركم بالعفو عنى رقم (1388) بتاريخ (16/11/1972) صفحة (733) العدد (46) وتحول التماسى إلى الهيئة العامة للتأمين والمعاشات بواسطة رئاسة مجلس الوزراء, وعلمت من الشئون القانونية لهذه الهيئة أن صرف المتأخرات يحتاج لصدور قرار من سيادتكم يتضمن الموافقة على صرف مكافأة لى تعادل تلك المبالغ المتأخرة عن المدة سالفة الذكر.

حقق الله فى عهدكم آمال مصر والمسلمي.

أخوكم الوفى

عبد المنعم عبد الرءوف بسيم

وتمت مراسلات بينى وبين الرئاسة فى هذا الموضوع ولكن دون جدوى وبغري نتيجة لصرف متأخر المعاش.

وبعد ذلك صدر قرار بمساواتى بأعضاء مجلس قيادة الثورة, ثم صدر قرار رقم(867 لسنة 1973 بتاريخ 16/6/1973) بمنحى معاشا استثنائيا يتساوى مع مرتب ومخصصات الوزراء.


أمراض تداهمنى

كنت قد أصبت بمرض قلبى أقعدني عن الحركة وهو انخفاض عدد ضربات القلب, وقرر وجوب تركيب جهاز لزيادة عدد الضربات أو أخذ العلاج ففضلت أخذ العلاج, ولكن بعد فترة من الزمن اضطررت لتركيب الجهاز


أداء العمرة ولقاء معروف الحضرى:

الأستاذ عبدالمنعم عبدالرؤوف عام 1978 أثناء تأديته للعمرة

سافرت إلى السعودية لأداء العمرة 01978) وهناك قابلت اللواء معروف الحضرى, وتحدثنا كثيرا وأبلغنى لواقعة اتصال عبد الناصر باليهود أثناء حصاره فى الفالوجا وقال لى:

كنت أمد القوات المحاصرة بالمؤن والمعدات كلما سنحت الفرصة لذلك وأثناء فترة الهدوء قابلت ضابطا إسرائيليا يسأل عن عبد الناصر ولما علم أننى أعمل مع عبد الناصر أعطانى خطابا خاصا بعبد الناصر, وأثناء دخول إلى الحصار فى الفالوجا وقعت أسيرا فى يد اليهود,وأثناء الأسر أرسل لى عبد الناصر وهو محاصر فى الفالوجا ضابطا يهوديا وتضمن الخطاب تطمينى بقرب فك الأسر. وهذا يعزز صلة عبد الناصر الوثيقة باليهود ويشير إلى الارتباطات والمواثيق التى ألفت بظلها بعد ذلك ومنها محاولة التخلص منى قبل الثورة لارتباطى بالإخوان المسلمين, وإدخاله كل من هب ودب فى التنظيم وترتيب الصراعات والتخلص من كل الأشخاص والهيئات القوية إلى أن انفرد بالحكم. وبعد 23يوليو توالت هزائمهم فى عام (67,56) ولم تكنهزائم عفوية ناتجة عن مجرد إهمال القادة العسكريين والسياسيين.

فلقد قرأت لحسن التهامى وهو من أتباع عبد الناصر حتى مات, حيث قال:

إنه سأله عبد الناصر عما إذا كان قد اصدر أمره إلى عبد الحكيم عامر ليطير أثناء المعركة فرد عبد الناصر بالإيجاب.

وسأله عن إصدار أمره بالتسليم والانسحاب إلى الضفة الغربية من القناة فأجابه بأنه أصدر الأمر.

وفى عام (1978) بعد عودتى من أداء العمرة أصبت بشلل نصفى ونقلت إلى المستشفى لمدة أسبوع وعدت إلى منزلى لمتابعة العلاج بناء على نصيحة الأطباء.

ولما علم الرئيس أنور السادات بمرضى أرسل لى طبيبه الخاص ونقلنى إلى مستشفى المعادى وهناك لقيت كل عناية ورعاية من الدكتور مدير المستشفى الأستاذ الدكتور صبرى إسماعيل, والدكتور المعالج صالح ثابت ومن كل إدارة المستشفى.


زيارة السادات:

كان لزيارة الرئيس أنور السادات لى فى المستشفى أثر طيب فى نفسى وكنت وقتها لا أستطيع الكلام فكان حديث مع زوجتى, إذ عتب عليها كيف لا يعلم بحالة عبد المنعم!!

فقالت: إنه عندما مرض عام (1973) طلب من الرئاسة أن يعالج على حساب الدولة, فكان العلاج فى حدود مائتى جنيه فقط, وكانت حالته لا يكفيها هذا المبلغ!!

فقال لها: كيف ذلك؟ عبد المنعم علاجه من غير حدود وأى مبلغ يحتاجه تحت أمره.

وسألأها عن أحوالنا فقالت له: إن عبد المنعم كان قد طالب بمؤخرات معاشه عن السنوات السابقة التى قضاها فى لبنان وحتى الآن لم يحصل شىء وأن المسكن الذى نقيم فيه غير مناسب ونحتاج إلى مسكن أوسع.

فأجابها بأن المعاش لا تبحثى فيه الآن, وأما الشقة فسيتم ذلك إن شاء الله. وخرجت من المستشفى وقد تحسنت حالتى كثيرا.


سفرى للعلاج بالخارج:

فى عام (1979) بدأ جهاز المركب لى فى الإنخفاض, فكان لابد من تغيير بطاريته أو تغيير الجهاز بجهاز يعمل مدة أطول ولما علم الرئيس بذلك أمر بإرسالي إلى فرنسا للعلاج.

وفعلا سافرت, وهناك أجريت لى عملية تركيب جهاز يعمل من (9 إلى 12) سنة, وعدت إلى وطنى ثانية وأنا بصحة جيدة, وعندما وجدت أن الشقتين اللتين قرر الرئيس إعطاءهما لى أصبحتا شقة واحدة فقط, وكان الرئيس قد أعلن فى إحدى خطبه ونشرتها جريدة مايو انه أعطانى شقتين فى مدينة نصر.


زيارة الرئيس نجيب:

ذهبت لزيارته فى عام (1979) فما رآنى رحب كثيرا وقال:

حبيبى يا عبد المنعم عبد الرءوف, كلما أسأل عنك يقولون لى: مت!!

حبيب أنت بطل وكلهم فئران كانوا ( بيهربوا)!!

حبيبى يا عبد القادر عودة قتلوك يا حبيبى.

عبد الناصر أصله يهودى من الشرق الذين جاءوا من اليمن!

أنا سبب البلاء الذى تعانيه وتعيش البلد فيه لأنى...

داك كان اختلاف عسكرى وليس ثورة!!

( موتوا لى أولادي واحد قتلوه فى ألمانيا ولم يمكنونى من استقبال جثمانه أو تشييع جنازته ومكنونى فقط من انتظاره فى الجبانة!)

وآخر تسببوا فى جنونه,والثالث مريض على قيد الحياة متزوج وساكن هو وزوجته فى عشة فوق السطوح.

صلاح سالم لص وحرامى اختلس لنفسه من بلايين الجنيهات التى أعطوها له ليوزعها على السودانيين كى يعطوا رأيهم فى الاستفتاء الخاص بالانضمام لمصر.

الحقيقة كلهم حرامية والذى تقول إنه حرامى يطلع.....

تصور, العربة التى هى العربة الجيش وكانت مخصصة لى سحبوها بحجة حاجتهم إليها فى إحتفالات العريش!

هما الإثنان كانا منذ فترة طويلة على اتصال وثيق بإسرائيل وكان الوسيط حسن التهامى.

وانتهت الزيارة وقد تألمت كثيرا من حال الرجل وآلامه وهمومه التى يعانيها.

الفصل الثالث والعشورن : تسجيل تاريخ حركة 23 يوليو

جاءنى من اللجنة العسكرية تاريخ ثورة (23 يوليو 1952) الخطاب التالى: السيد عبد المنعم عبد الرءوف

تتشرف اللجنة الفرعية العسكرية المنبثقة من اللجنة العامة لتسجيل تاريخ ثورة (23 يوليو 1952) أن تتوجه إليكم باعتباركم أحد صانعى تاريخ مصر المعاصر بهذه المجموعة من الأسئلة التى تتتعلق بدوركم القيادى السياسى والعسكرى الذى ترك بصماته الواضحة على تاريخ مصر .

وإن اللجنة يحدوها أمل كبير فى صدق معاونتكم فى التكرم بالإجابة على هذه السئلة باعتباركم الآن – منقضاة التاريخ – وقاضى التاريخ يسعى وراء الحقيقة وهو الذى يظهرها ويكشفها للناس مهما طال عليها الأمد.

كما أنه تجمعنا وإياكم مسئولية مشتركة.. ودين فى أعناقنا حيال الأجيال القادمة, وهو أن نقدم لهم صورة حقيقية لتاريخ مصر, ليأخذوا منه العبرة ولنضىء الطريق أمامهم...

فالتاريخ هو مرآة المستقبل.

ومن المنتظر أن يتم الاجتماع مع سيادتكم فى مجلس الثورة بالجزيرة فى النصف الثانى من مارس سنة (1977) سيحدد التوقيت قبل موعد التسجيل بعشرة أيام وبالتنسيق مع سيادتكم).

وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام.

لواء محمد حسن غنيم

مساعد وزير الحربية ومقرر

اللجنة الفرعية العسكرية

وقد تتضمن الخطاب ثلاثين سؤالا: أجبت عنها فى حوالى خمسين صفحة وأرسلتها مرفقا بها الخطاب التالى:

السيد اللواء محمد حسن غنيم رئيس اللجنة الفرعية العسكرية لتاريخ ثورة (23 يوليو 1952) بوزارة الحربية – كوبرى القبة – القاهرة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ردا على خطابكم المعطى لى بتاريخ (10/7/1976) من يد السيد العقيد أ.ح مصطفى ماهر أمين فإننى أقدم إجابتى على أسئلتكم بقدر ما عاونتنى صحتى وأسعفتنى ذاكراتى بعد مرور ربع قرن محتفظا لنفسى بحق النشر لمذكراتى لاخاصة عندما تتحسن صحتى وتكون الظروف مناسبة.

رجاء التكرم بالعلم وقبول فائق احترامى

عبد المنعم عبد الرءوف بسيم

وأترك الصفحات التاريخية المرسلة منى إلأ هذه اللجنة أمانة فى أ‘ناقها تتصرف فيها بما تشاء. ولكننى أحب أن ألفت القارىء إلى أننى صححت كثيرا من الوقائع التى حرفها الكاتبون وأوضحت كثيرا من الأحداث التى تغافلها المغرضون الذين نسبوا لأنفسهم أعمالا وبطولات, دون أن يكون لهم فيها أدنى نصيب, وأدون فيما يلى بعض الأسئلة وإجابتى علنها ليعرف القارىء بعض ما هدفت إليه من ذكر الحق والحق وحده إن كنا نود كما ذكرت اللجنة فى خطابها أن نؤدى الدين الذى فى أعناقها للأجيال القادمة أمانة لله والتاريخ.

بقية سؤالكم الأول:

أ‌- ما هو تاريخ بدء تنظيم الضباط الأحرار؟

ب‌- متى وكيف انضممتم إلى هذا التنظيم؟

ت‌- ما هو دوركم والمهام التى كلفتم بها خلال فترة الإعداد للثورة؟

ث‌- ماهى المعلومات التى تيسرت لكم عن باقى أعضاء التنظيم فى ذلك الوقت وحتى قيام الثورة؟ وما هى معلوماتكم عن دورهم فى التنظيم؟

الإجابة:

أ‌- لم تكن فى الجيش خلايا ولا شبه خلايا إنما كان هناك بعض الضباط المعدودين على أصابع اليد من ضباط سلاح الطيران الوطنيين المتحمسين المغامرين كما لم تظهر أية حركة فى الأسلحة الأخرى.

لم يكن لهؤلاء الضباط سند شعبى عميق الجذور , ولكن كان هناك رأى عام يكره الإنجليز ويتمنى الخلاص منهم وانتصار الألمان عليهم, وكانت صيحات ( إلى الأمام يا روميل) التى أطلقها المتظاهرون يوما فى شوارع القاهرة تعبيرا عن ذلك المعنى. وكان المحرك الأول لجميع هذه المغامرات هم الفريق أ.ح عزيز المصرى معتمدا على شخصيته العسكرية الفريدة من نوعها آنذاك, يسانده بعض قادة الحزب الوطنى وجمعية مصر الفتاة وهؤلاء لم يتمتعوا بقوة شعبية كالتى لحزب الوفد, وجماعة الإخوان المسلمين.

بدأت مع بدأت عام (1943) فى إنشاء تنظيم داخل الجيش سميته ( تنظيم الإخوان الضباط) وذلك بعد اللقاء الذى تم بينى وبين المرحوم الشهيد الشيخ حسن البنا, والمرحوم الصاغ محمود لبيب والدكتور المهندس حسين كمال الدين الأستاذ بكلية الهندسة, والذى لا يزال حيا يرزق حتى الآن.

وفى هذا اللقاء أبديت رغبتى فى إنشاء ذلك التنظيم. مبديا الأهداف التى أسعى إليها,وقد عين الشهيد الشيخ حسن البنا الصاغ محمود لبيب ليكون حلقة الاتصال بين جماعة الإخوان المسلمين وبين ( تنظيم الإخوان الضباط). واستمر هذا التنظيم يكبر ويقوى مع الصبر والعمل إلى أن جاء عام 1949 فاقترح المرحوم الصاغ محمود لبيب استبدال اسم تنظيم الإخوان باسم جديد هو ( تنظيم الضباط الأحرار) أما السبب الذى دعاه رحمه الله إلى إطلاق هذه التسمية فهو حرصه على إبعاد نقمة الحكومة والملك لمخلوع عن جماعة الإخوان المسلمين.

فأقول: إننى بكل تواضع أول من أنسأ تنظيم الضباط فى الجيش وكان ذلك فى بداية (1943) وضمت أول خلية فيه سبعة من الضباط وهم عبد المنعم عبد الرءوف, وجمال عبد الناصر حسين, وحسين أحمد حمودة, وصلاح خليفة, وخالد محيى الدين, وكمال الدين حسين, وسعد توفيق.

وبدأ كل فرد من هؤلاء يدعو من يلمس فيه الخير والتمسك بأهداف الدين إلى الإجتماع به فى بيته أو فى حديث الثلاثاء بدار الإخوان المسلمين وانتظمت الاجتماعات, وكان الصاغ محمود لبيب هو المنظم لها وتدور خلالهها موضوعات سياسية واجتماعية وعسكرية كثرت ونشطت الخلايا والمجموعات.

وقد ابلغني السيد اللواء, أ. ح محمد كامل الرحمانى أنه عندما كان يشغل منصب كبير المعلمين فى كلية أركان حرب أن الرئيس جمال عبد الناصر قد هيأ لقاء تم فى دار جماعة الإخوان المسلمين بينه وبين الشهيد حسن البنا.

ومن الضباط الذين اجتمع بهم الصاغ محمود لبيب الصاغ عثمان نورى من سلاح المدفعية وحيد جودة من كتائب مدافع الماكينة وقائد الجناح حسن إبراهيم من سلاح الطيران, والصاغ إبراهيم الطحاوى والصاغ أحمد أنور, والصاغ مجدى حسنين وغيرهم.

وأنشأنا صندوقا للتكافل وكان يشرف عليه الصاغ محمود لبيب كما أنشانا مكتبة زودناها بالكتب الدينية وتطوع كثير من أعضاء التنظيم فى حرب فلسطين عام (1948) وحوصر جمال عبد الناصر فى الفالوجا مع قوات الجيش النظامية بقيادة المرحوم القائمقام أ.ح سيد طه ( الضبع الأسود) وأثناء الحصار كان يقوم بتزويد القوات المحاصرة بالمؤن والعتاد الصاغ أ.ح معروف الحصرى وفى إحدى المحاولات وقع أسيرا, وكان مثالا للضابط المؤمن الشجاع, فأطلق عليه اليهود اسم الضابط البطل ورسموا له صورة كاريكاتورية علقوها فى بلدة العوجة.

كان المخططون للأعمال الفدائية فى قناة السويس هم قادة جماعة الإخوان المسلمين أما المنفذون لها فكانوا الشباب المصرى بوجه عام وشباب جماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص, ولمعرفة دور جماعة الإخوان المسلمين فى معارك القناة, يراجع كتاب المقاومة السرية فى قناة السويس (1951-1954) لمؤلفة كامل الشريف, وقد كان لى دور بارز فى تلك المعارك عام (1951) عندما كنت قائدا ثانيا للكتيبة (11) بنادق مشاه بمدينة الشط شرق ميناء السويس, وقد أفرد الكاتب هذا الدور تحت عنوان: عبد المنعم فى السويس.

وفى يوم (25) من يوليو طلب منى السفر بكتيبتى إلى الإسكندرية لمحاصرة قصر رأس التين, وفى صباح (26) يوليو قمت بأخطر معركة فى تاريخ الثورة وهى محاصرة القصر واقتحامه وإسقاط الحكم الملكى, وإجبار فاروق على لتنازل عن العرش ( يراجع كتاب قصة الثورة ص (132) تحت عنوان, المعركى التى حطمت الملك) والذى تعمد فيه الكاتب عدم ذكر اسمى صراحة لأسباب لم تعد خافية على القارىء الآن.


البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر:

أما ما تيسر لى معرفته عنه فقد التقيت به لأول مرة فى الكتيبة الثالثة بنادق مشاة عام (1942 وعرفته عام 1943) بالصاغ محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان المسلمين, والتقينا نحن الثلاثة فى جزيرة الشاى بحديقة الحيوانات وتحدثنا, عن الدين والوطن والمبادىء, وذكر الصحفى حلمى سلام على لسان ابكباشى جمال عبد الناصر الكثير عن اجتماعاته بالصاغ محمود لبيب وبى فى المقالات التى نشرت بمجلة المصور بتاريخ (13 أكتوبر 1952) تخت عنوان: الثورة من المهد إلى المجد, وتعمد بتوجيهات من جمال عبد الناصر ومراكز القوى عدم ذكر اسمى والاكتفاء بذكر الضمير (له) بدلا من عبد المنعم عبد الروءف وبذكر الحرفين (م .ل) من محمود لبيب لكيلا يعرف دور جماعة الإخوان المسلمين فى التهاون مع تنظيم الضباط الأحرار. بدأ البكباشى جمال عبد الناصر الاستماع إلى محاضرات الثلاثاء بدار جماعة الإخوان المسلمين بمفرده أحيانا. ومعه آخرون مرات أخرى, وساهم فى جمع تبرعات لشراء دار لجماعة الإخوان المسلمين,وكان يدفع اشتراكا شهريا لصندوق التكامل الخاص بتنظيم لضباط الإخوان, والذى أشرت إليه سابقا, وقد دفع هذا الصندق لأسرة البكباشى جمال عبد الناصر مبلغ سبعين جنيها بمجرد استدعائه للتحقيق معه أمام رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادى, متهما إياه بتدريب شباب جماعة الإخوان المسلمين وتخزين أسلحة والإتصال بمحمود لبيب.

أدى البيعة لله ضمن سبعة ضباط كانوا نواة تنظيم الضباط الإخوان,وأمد المتطوعين لحرب فلسطين عام (1948) من شباب جماعة الإخوان المسلمين بكميات من الذخائر,وأهدانى مصحفا شريفا لازلت محتفظا به, وكتب عليه بخطه وتوقيعه ( هدية إلى الأخ عبد المنعم تذكارا لنجاته بحمد الله بعد المعركة العصلوج).

إمضاء: (14/6/1948)

حوصر مع كتيبة القائمقام أ.ح سيد طه ( الضبع الأسود) فى بلدة الفالوجا بفلسطين واستطاع الصاغ أ.ح معرفو الحضرى وهو من تنظيم الضباط الإخوان ومعه متطوعون من شباب الإخوان بسيناء اختراق الحصار بقافلة مكونة من (110) جمال.

قص على البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر أنه استخدم فصيلة حمالات كتيبته فى شن هجوم مضاد ضد اليهود , وبذلك استرد موقعا كان قد سقط فى أيدى العدو, وكان هدفه من استخدام الحمالات هو تقليل الخسائر بين المشاة والسرعة فى احتلاله قبل وصول إمدادات العدو.

منح وسام الحرب الفلسطينية عام (1948) وتعين أستاذا فى كلية أركان الحرب ومن خلال الخحرب والحصار فى الفالوجا واتدريس فى كلية الأركان تعرف بالكثير من الضباط وتوطدت عرقته ببعض الطلبة أمثال زكريا محيى الدين وثروت عكاشة, وفى نهاية عام (1949) أبلغنى عدو رضاه عن الطريقة السلحفائية التى يتبعها تنظيم الضباط الإخوان فى تجميع الضباط وأنه يريد افسراع فى التجميع ليتسنى له عمل انقلاب فى أقرب فرصة.

قلت: إن التأنى واجب والأفضل أن تجرى انقلابا بقلة مؤمنة تستطيع مجابهة الموقف بعد الانقلاب بصلابة ضد اليهود والإنجليز والخونة, ومشاكل بلدنا الداخلية والخارجية, بدلا من أ، نجرى الانقلاب بكثرة ضعيفة الأخلاق ونستغل الإنقلاب لمصالحها الشخصية, لكنه أصر على التعجيل وبدأ يجمع من العناصر من هب ودب, مما جعلنى أعرض عليه الإحتكام إلى الفريق أ.ح عزيز المصرى الذى نصحنا بما يأتى:

أنصحكما بالعمل متكاتفين أزر بعض إلى أن تتخلص البلد من النظام الملكى الفاسد, وبعد ذلك اعملا فى خطين متوازيين ضد المشاكل الأخرى الكثيرة وفى جميع المواقف احذرا العناصر الملتوية وتجنبا التسرع وحافظا على التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين, لأنها قوة شعبية لا يستهان بها وتصافحنا على الأخذ بهذه النصيحة, ومن جانبى لم أحد عنها والأدلة على ذلك كثيرة, زرته فى بيته خلال إحدى اجازاتى الميدانية, وبعد تناول العشاء جذبنى إلى ركن فى غرفة الطعام حيث شاهدت كومة من الكتب أخفى تحتها رشاشا من طراز برن وخزنة بها(28) رصاصة وقال : إنه أعد هذا السلاح لقتل اللواء حسين سرى عامر, وسيشترك معه حسن إبراهيم وحسن التهامى.

لقد حدثنى عبد الناصر كثيرا عن حاجة البلد إلى عمل قلاقل وانقلاب عسكرى , فكان لا خلاف بيننا على أن الملك فاروق وجيشه وأعوانه يقفون عقبة فى طريق كل إصلاح داخل البلد.

وأبلغنى انه سرق من الجيش مادة ت.ن. ت من داخل المخازن بمعرفة بعض أعضاء التنظيمات العسكرية داخل الجيش, وأنه ينوى استخدام هذه المادة فى حرق أجزاء بالعاصمة, فرفضت ذلك وطلبت منه التأخير حتى يتمكن من عمل أجدى وأنفع من ذلك, خشية كشف التنظيم, وأن هذا العمل لا يعود بالفائدة بل إن أضراره كثيرة.

وكانت هذه المواد داخل بيوت عبد الناصر وبعض أعضاء التنظيم, وبعد حريق القاهرة نقلها بسيارته إلى نخزن فى عزبة حسن عشماوى.

وفى حريق القاهرة (1952) اتهمت السفارة البريطانية تارة, والملك فاروق تارة. واتهم آخرون تارة ثالثة. وكان ذلك من أنواع التضليل. أرسل لى خطابا بتوقيعه باعتباره مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة بتاريخ (12/8/1952) ولم يمر على هجومى ومحاصرتى قصر رأس التين أكثر من شهر لأتولى قيادة تدريب قوة بوليس حدود فلسطين, ورمى من وراء ذلك إبعادى عن القاهرة ولم يفكر فى تقدير العمل الذى قمت به فى مهاجمة وحصار القصر الذى يعتبر أخطر عملية فى حركة الإنقلاب, كما لم يفكر ولم يساعدنى فى عودتى لقواتى الجوية والخير فيما أراده الله , فقد دربت قوة بوليس حدود فلسطين مدة عام ونصف بإخلاص وحمس ومن جنودها وصف ضباطها المسرحين من استعانت بهم حركة فتح الفلسطينية لتنفيذ الأعمال الفدائية داخل الأرض المحتلة, والتحق كثيرون منها بجيش التحرير الفلسطينى. سعى البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر حسين لعنل انقلاب لمصلحته الشخصية وليس ثورة شملت جميع أوجه الحياة المصرية.

مثلما حدث للثورات الأمريكية والفرنسية والروسية والصينية, وكان(ميكيا فيلليا) فى تصرفاته والأدلة على ذلك كثيرة منها تعاونه مع الصاغ محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان المسلمين فى الفترة مابين (1943) و1949) ثم ابتعاده عن جماعة الإخوان المسلمين وانفراده فى تجميع الضباط ممن هب ودب مع الإبقاء على شعرة معاوية بينه وبين الجماعة الإخوان المسلمين لعلمه أنها قوة شعبية سيستعين بها ضد الإنجليز.

فلما الانقلاب استعان باللواء محمد نجيب والقائمقام أ.ح محمد رشاد مهنا وبجماعة الإخوان المسلمين لثبيت أقدامه, ثم تخلص من نجيب ورشاد ونكل بجماعة الإخوان المسلمين تنكيلا أشد وطأة من محاكم التفتيش, واختار لنفسه بطانة من العسكريين ممن لا أخلاق لهم وعلى رأسهم الصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر والصاغ أ. ح صلاح وآخرين فسخروا المخابرات والشرطة لمراقبة الشعب والتنكيل به وقد عانيت من هذه الرقابة منذ تعيينى قائدا للكتيبة (19ب م) حتى إحالتى على التقاعد فى (1/2/1954)( وبعدها يسر لى الله سبحانه وتعالى النجاة من الإرهاب بالهروب للخارج.

وفى فترة ولايته للحكم كرئيس للجمهورية هزم الجيش المصرى فى ثلاث حروب أثناء العدوان الثلاثى عام ( 1956) فى حرب اليمن عام (1961)


فى الحرب ضد العدو الإسرائيلى (1967).

أما عن أسباب الهزيمة فكانت كراهية الشعب المصرى للحاكم المستبد والحكم الفردى, ثم وجود المشير أ.ح عبد الحكيم عامر على رأس الجيش وحدوث مذبحة الضباط التى حدثت لعدد كبير من الضباط الممتازين خلقا وانضباطا وإدارة.

كان متوسط الحال ومدمنا التدخين مما جعله مدينا لأحد البقالين المجاورين لبيته الكائن فى كربوى القبة بشارع جلالى’فما إن تولى الحكم حتى اغتنى من مال الشعب.

وكان على علم تام بجميع أنواع التعذيب لكل ناقد أو ناصح, وقد سمعت له خطابا أثناء وجودى خارج الوطن قال فيه: ( إننى أسمع دبيب النمل فى مصر) فكيف لم يسمع عويل الأرامل وصراخ الأطفال وسياط الجلادين؟ وقد أعماه حبه العميق للمشير عبد الحكيم عن رذائل وفضائح الأخير وعدم المقدرة على قيادة الجيش, وفى عام 01951) قلت للبكباشى أ. ح جمال عبد الناصر: إن عبد الحكيم عامر لا يصلح لأن يكون ضمن أن تنظيم فى الجيش لتعاطيه الحشيش فأجابنى إننى ( أى جمال) لو طلبت من عبد الحكيم روحه لأعطاها لى.

لم يتعظ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حسين من نهاية الدكتاتوريين أمثال هتلر وموسولينى وما قرأ عنهم وعن غيرهم فى كلية أركان حرب, فتمادى فى الظلم وهذا يدل على تمسكه بالحكم ولو جماجم الشعب.


البكباشى محمد أنور السادات:

أنا ما تيسر لى معرفته عنه, فقد تخرجنا معا فى الكلية الحربية فى (1938) وعين بسلاح الإشارة والتحقت بسلاح الطيران والتقت به فى حى السيدة زينب فى نهاية عام(1939) وتجاذبنا اطراف الحديث عن أيام الدراسة وعن حالة وطننا وسوء معاملة البعثة الإنجليزية للضباط وتواعدنا على أمل لقاء آخر.

عرفنى بالفريق أ.ح عزيز المصرى, ومن ثم بدأ دورى الذى سبق ذكره.

التقيت به ظهيرة يوم (26 يوليو 1952) فى إحدى ساحات قصر رأس التين ومعه المستشار سليمان حافظ وأحد ضباط كتيبتى (19) بنادق مشاة الذى منعهما من الصعود للقصر وأرشدهما إلىّ وجاء بهما ليستأذننى فى السماح لهما بالصهود, وعندما شاهدنى قدمنى للمستشار سيلمان حافظ, ثم قال لى الأخير إن له ابنا اشترك معنا فى عملية حصار القصر وقال لى السادات ما يأتى:

إنه هو والمستشار سليمان حافظ فى طريقهما لإبلاغ الملك فاروق نبأ خلعه وكان يحمل بيده دفترا كبيرا أسود, وأن مركزا مرموقا سيعده رجال الثورة للفريق أ. ح عزيز المصرى.

لقد ظلمنى البكباشى أنور السادات بعد الثورة,والدليل على ذلك ما كتبه فى كتاب أسرار الثورة من ص(56إلى 157) تحت عنوان ( الشعب لا أولادنا) وذكر كلاما لم يصدر منى على الإطلاق ) واصر عبد المنعم عبد الرءوف على إخضاع الضباط الأحرار لجماعة الإخوان المسلمين) والصحيح أننى قلت: أن يتعاون الضباط الأحرار مع جماعة الإخوان المسلمينو وأنكر كثيرا من مواقفى فيما كتب بعد ذلك.

وضعت خطة بناء على طلبه لاختطافه من معتقل ماقوسة لإنقاذه كمناضل حبيس خلف القضبان الحديدية, ينشد الحرية وآويته فى منزلى مع زميله حسن هزت قرابة أربعة أشهر وقدمت لهما العون المادى. نسب البكباشى محمد أنور السادات إلى الصاغ عبد الحكيم عامر أن الأخير هو الذى اقتحم مستعمرة بيتساليم, وأنه أيضا اقتحم مبنى رئاسة الجيش ليلة (23 من يوليو 1952) فى كتاب قصة الثورة ص 90. والحقيقة ان جميع ضباط الجيش القدامى يعلمون أن القائمقام أ. ح محمد كامل الرحمانى هو الذى اقتحم المستعمرة وأن المرحوم العقيد أ.ح يوسف منصور صديق, هو الذى اقتحم مبنى رئاسة الجيش بكوبرى القبة ليلة (23 يوليو 1952) وقد استمعت منه شخصيا كيف تم ذلك.

ظلم الإخوان المسلمين عندما قال عنهم فى كتابة قصة الثورة كاملة ص (85) إن أهداف الإخوان هى إستغلال الدين لمصالح الرجعيين.

وهذا الكلام يتنافى مع ما كتبه فى كتاب أسرار الثورة.

قبلت وساطة السيدة ناهد رشاد لدى الفريق المرحوم محمد حيدر باشا لعودة محمد أنور السادات إلى الجيش عام (1949) بعد أن ظل بعيدا عنه قرابة سبع سنوات, استاء البكباشى أنور السادات منى لرفضى قبوله فى تنظيم الإخوان الضباط الذى سمى فيما بعد بالضباط الأحرار, وذلك عندما استشارنى المرحوم البكباشى جمال عبد الناصر فى أوائل عام 1949 فى هذا الشأن, أما أسباب معارضتى فهى صداقته للدكتور يوسف رشاد الطبيب الخاص للملك المخلوع وخشيتى من أن يصل نبأ تشكيلاتنا وعلاقتنا بالإخوان للقصر الملكى وقد تحدث أنور السادات فى كتابة أسرار الثورة عن هذه الصلة ص (122).

ومما أوجد عندى حذرا وريبة أنه فى أحد الأيام من عام (1948) وقبيل حادث انفجار القنبلة فى بيت النحاس باشا جاءنى ضابط لا يزال حيا يدعى سيد مرعى, وأبلغنى أنه أحد الضباط العاملين فى سجن (قرة ميدان) القريب من القلعة ومرسل من قبل السجين محمد أنور السادات, ليبلغنى رسالة شفوية مؤداها أن أذهب لمقابلة الطبيب يوسف رشاد بداره فى موعد حدده لى فذهبت فى الموعد المحدد حيث التقيت هناك بالمرحوم الضابط مصطفى كمال صدقى الذى كان سجينا معى, مع الصاغ أركان حرب محمد رشاد مهنا عام (1947) كما وجدت ضابطا آخرين منهم محمد يوسف حبيب, وحسن فهمى عبد المجيد وتحدثوا فى رغبة الملك فى قتل النحاس باشا واقترحوا ملء حقيبة بالمفرقعات لنسف بيته أثناء نومه فقلت للمجتمعين إننى أعترض على هذا العمل واستأذنت فى الإنصراف وأبلغت جمال عبد الناصر ومحمود لبيب بما حدث. وفى صباح اليوم التالى وصلتنى إشارة بالسفر لسيناء خلال (48) ساعة ثم حدث انفجار القنبلة المشهور.

وعندما عدت إلى وطنى بعد غياب دام سبعة عشر عاما ونصف عام طلبت مقابلة السيد رئيس الجمهورية محمد أنور السادات لتهنئته, واثناء حديثى معه قال لى :" إيه الخطاب الذى بعثته لى ؟!! هية الحكاية مزايدة؟".

وكان الخطاب بتاريخ (4 من نوفمبر 1970) وكانت الموضوعات التى به أننى طلبت من الرئيس محمد أنور السادات تربية الشعب تربية إسلامية لمقارعة الصهيونية والإستعمار والمبادىء الهدامة, ونبذ الخلافات بين الإخوة العرب وجمعهم معا حول الدين الإسلامى, وإطلاق سراح جميع المسجونين وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية خطوة بعد خطوة. فهل فى ذلك مزايدة؟

لقد اتبعت مصر سياسة قريبة جدا من اقتراحاتى التى أرسلتها فى خطابى إلأى سيادته.


الصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر:

أما ما يتسر لى معرفة عنه فقد به فى الميدان بفلسطين عام (1948) البكباشى أ{كان حرب جمال عبد الناصر وتبادلنا الزيارات فى المواقع أثناء هدوء المعارك.

وفى إحدى زياراتى له اصطحبنى إلى أرض المعركة التى درات حول مستعمرة نيتساليم وشرح لى دوره فى الهجوم عليها, وقد منح ترقية استثنائية بسبب إصابته أثناء تقدم سرية الإحتياط التى كان يقودها, وقد نجحت الكتيبة فى احتلال المستعمرة تحت قيادة القائمقم أ.ح محمد كامل الرحمانى. وعندما كنت فى العريش دعانى الصاغ وحيد جودة رمضان لزيارة الصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر فى خيمته هناك, فقال لى عبد الحكيم عامر : إننى وجمال عبد الناصر معنا فى تنظيم الضباط الأحرار, ونسلمك تنظيمنا السرى لتدريبه, وبعد مناقشات بينى وبينه عن شمول فكرة الإخوان بالنسبة لفكرة الضباط الأحرار المحدودة افترقنا على أن أساعد تنظيم الضباط الأحرار فى الحدود التى لا تتعارض مع دعوة الإخوان المسلمين, ورفضت عرضهما الخاص بتسلمى التنظيم السرى للضباط الأحرار. زرته فى بيته بالعباسية صباح يوم(19 يوليو 1952) فى اليوم التالى لوصولى إلى القاهرة من أبى عجيلة مستفسرا عن صحته لمرضه, وعلمت منه احتمال حدوث انقلاب خلال بضعة أيام بواسطة الفرقة المشاة التى عادت من سيناء,وطلب منى المرور به فى اليوم التالى للتحدث فى هذا الموضوع, وفعلا مررت به صباح (20) من يوليو حوالى العاشرة ولكننى لم أجده, وأثناء سيرى قريبا من منزله التقيت بالصاغ أ.ح صلاح نصر الذى أبلغنى أنه فى طريقه لزيارة عبد الحكيم عامر فأبلغته أننى لم أجده فى بيته فأسر لى أن انقلابا وشيكا سيحدث, وأنه يسيطر منذ الآن على مخازن الذخيرة التابعة لوحدته وقال لى : إن القائمقام أحمد شوقى سيشترك بكتيبته.

فى يوم (17/10/1953) استدعتني رئاسة الجيش وأدخلونى مكتب اللواء عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة, وبعد قليل حضر نائب رئيس مجلس الوزراء البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر وجلس ثلاثتنا حول منضدة متقاربين وتناولنا موضوع عودتى لسلاحى الأصلى الطيران, فقال الواء عبد الحكيم عامر: إنه سيستدعى فى أول نوفمبر لهذا الغرض, كان أمامهما تقرير بعنوان ( النشاط الشرى للإخوان المسلمين ) ورددا أمامى أسماء مدنيين أمثال فرغلى, وعبد الفتاح غنيم, وكامل الشريف وأسماء بعض الضباط منهم سعد صبرى وجمال ربيع وفؤاد جاسر.

وقد اعترف جمال عبد الناصر بحضور عبد الحكيم عامر بأننى أول من كون تشكيل الإخوان الضباط, فلما عاتبته بأن مذكراته فى مجلة المصور المسماة ( الثورة من المهد إلى المجد) جاءت خالية من اسمى علق على ذلك بقوله إنه كتب المقال الأول فقط ثم أكملها آخر رفض أن يذكر اسمه.

استدعانى القائد العام للقوات المسلحة اللواء أ.ح عبد الحكيم عامر فى أحد أيام شهر نوفمبر (1953) قائلا لى: إن الجيش لا يحتمل اثنين أنا وأنت!!

وعليك أن تختار بين أن تبقى فى المشاة برتبتك هذه البكباشى وتترقى عندما يحل دورك, أو تنتقل إلى سلاحك الأصلى الطيران برتبة قائد لواء جوى على أن تحال إلى التقاعد وتتقاضى أقصى معاش لقائد فرقة جوية, فآثرت الثانية للسباب الآتية:

أ‌- أحسست بأننى ضابط غير مرغوب فيها من عبارته " إن الجيش لا يحتمل اثنين أنا وأنت"

ب‌- الرقابة الشديدة المضروبة حولى أينما سرت.

ت‌- عدم مساواتى فى المعاملة مع ابن دفعتى ورفيقى فى حادث الطائرة مع الفريق عزيز المصرى الطيار حسين ذو الفقار صبرى.


القائمقام أ.ح محمد رشاد مهنا:

اما ما تيسر لى معرفته عنه فلا يمكن لأى محلل عسكرى أو مؤرخ لثورة (23 من يوليو 1952) أن يغفل عن ذكر اسمه لما يتحلى به من خلق إسلامى مكين ولاتصاله بأبرز الشخصيات المخلصة للوطن وإحاطته بجميع تنظيمات ضباط الجيش من أجل مستقبل أفضل لوطننا.

زارنى لأول مرة فى بيتى عام (1940) بالسيدة زينب مع الملازم أول محمد أنور السادات, وكان حديثه عن ضرورة التمسك بالخلق الإسلامى أينما حللنا وعن وجوب الإصلاح فى الجيش والشعب.

والتقيت به عدة مرات عند الفريق أ.ح عزيز المصرى حيث استمعنا إلى آرائه الثورية وتاريخه العسكرى فى البلقان, وشبه الجزيرة العربية وطرابلس الغرب وإلى انتقاداته للبعثة العسكرية الإنجليزية الموجودة آنذاك فى جيشنا لتطويره وللتصرفات المخزية للملك المخلوع وسوء بطانته وحثه لنا لعمل انقلاب.

افترقنا بضع سنين بسبب انتقال وحداتنا هنا وهناك وانشغالنا فى أعمالنا العسكرية, عرفته واللواء محمد إبراهيم فهمى من سلاح الحدود بالصاغ محمود لبيب احتفظا بشخصيتهما المستقلة للعمل الإسلامى فى دائرة اختصاصهما فلم يؤديا البيعة كما فعل الضباط السبعة نواة ( تنظيم الإخوان الضباط) واستمرا مع أمثالهما من الضباط فى الدعوة إلأى الخلق الحسن مع أداء العمل على أحسن صورة.

دعائىوالمرحوم أ.ح أحمد فؤاد من ضباط المدفعية وضباط إدارة العمليات الحربية للجيش المصرى إلى اجتماع فى بيت المرحوم الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين السبق بعد هروب الأخير من ألمانيا إلأى مصر وإعلان بريطانيا نيتها على الإنسحاب من فلسطين, ودارت المناقشة حول استراتيجية العمل داخل فلسطين بمجرد انسحاب الإنجليز وكان رأى الصاغ أ.ح محمد رشاد مهنا واليوزباشى أحمد فؤاد:

أ – إخلاء المدن والقرى التى فيها أقلية عربية كالجزء الواقع ما بين يافا وحيفا على الساحل, كيلا تتعرض للإبادة من الأكثرية اليهودية ولاستخدامها فى القتال ضد اليهود.

ب‌- فصل شمال فلسطين عن جنوبها بقوة عربية تعمل على طوال الطريق الممتد من القدس إلى يافا وتل أبيب كى تحصر اليهود فى الجزء الشمالى من فلسطين توطئة للإجهاز عليهم بواسطة المتطوعين الفلسطنيين والعرب القادمين من الجنوب والشرق. تقدم للتطوع للحرب فى فلسطين كل من الصاغ أ.ح محمد رشاد مهنا وكان فى منصب أ.ح قسم القاهرة واليوزباشى أحمد فؤاد,وكان يشغل منصب ضابط إدارة العمليات الحربية للجيش, لكن رفضها طلبهما بحجة عدم الإستغناء عنهما فى مصر, إلا أن أحمد قؤاد سافر إلى فلسطين وخطط للهجوم على مستعمرة نيتساليم والذى قاد الهجوم عليها هو القائمقام أ.ح محمد كامل الرحمانى وتم له الإستيلاء عليها.

عندما قبض على الملازم أول محمد أنور السادات, والطيار ثانى حس عبد العظيم عزت اشترك الصاغ أ.ح محمد رشاد مهنا فى دفع عشرة جنيهات كل شهر لأسرة الأول من مبالغ كانت تجمعها كل سنة دفعى فبراير عام (1938) ووظابت على تقديمها للمرحوم الحاج محمد السادات الموظف فى المستشفى العسكرى العام بكوبرى القبة, إلا أن الحاج محمد طالب بأن يكون الدفع فى المستشفى وليس فى البيت تجنبا للمشاكل, فتم له ما يريد بدون تردد من الصاغ محمد رشاد مهنا, لما هو معروف أن البيت كان أكثر تعرضا للرقابة من المستشفى.

فى نهاية شهر نوفمبر عام (1947)ألقى القبض على الصاغ أ.ح محمد رشاد مهنا واليوزباشى أحمد فؤاد, وعلى عدد من الضباط منهم اليوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف والملازمون الأول كمال صدقى ومحمد حبيب ومحمد حسن من المدفعية وحسن فهمى عبد المجيد وعبد الرءوف نور الدين, وكانت الدعوى عليهم أنهم يدبرون مؤامرة ضد الملك, وبالتحقيق ظهر بطلانها وكذبها فأطلق سراحهم وعادوا إلى وحداتهم, وأرغم الفريق إبراهيم عطا الله على الإستقالة.

نصح البكباشى أ.ح محمد رشاد مهنا تنظيم الضباط الأحرار عام 01951) بدخول انتخابات نادى الجيش وذلك أثناء اجتماع دعى إليه فى بيت الصاغ مجدى حسنين, وكان الحاضرون جمال عبد الناصر والبغدادى وحسن إبراهيم وزكريا محيى الدين. وبنصيحتة هذه حول تفكيرهم من عمل سيقضى عليهم تماما, فقد كانوا يفكرون فى عمل مظاهرة احتجاج يسير فيها جميع الضباط الأحرار إلى إدارة الجيش للإحتجاج على تصريحات المستر (ايدن) فقال محمد رشاد مهنا للمجتمعين: إنكم بعملكم العلنى هذا ستكشفون أنفسكم كحركة سرية.

فأخذوا بنصيحته ودخلوا انتخابات النادى ونجح أ.ح محمد رشاد مهنا فى انتخابات النادى بالإجماع إذ نال (331) صوتا وإن دل هذا النجاح الباهر على شىء فإنما يدل على تمتعه بتأييد قاعدة عريضة من الضباط فى سلاحه الأصلى وهو المدفعية أما اللواء محمد نجيب فقد نال (278) صوتا.

وقد أشاع الانتهازيون والوصوليون من مراكز القوى عن البكباشى أ.ح محمد رشاد مهنا أنه هو الذى فعل ودبر ( مذبحة الضباط) قاصدين بذلك إيغار صدور الضباط المحالين على القتاعد واقاربهم من الضباط العاملين ضده لينالوا من محبة القاعدة العريضة له, وإثارة الرأى العام والتشنيع عليه.

والحقيقة أن الذى أمر بها فى الدرجة الأولى البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر والصاغ أ.؛ عبد الحكيم عامر والصاغ ا.ح صلاح سالم, وغيرهم من المتسلفين كى تقفز أقدميتهم للأمام, ويتولوا مناصب قيادية قبل تكامل تدريبهم وإعدادهم لها, والثلاثة الذين أداروا( مذبحة الضباط) هم أحمد حمدى عبيد ووحيد جودة رمضان وإبراهيم نظيم.


القائمقام أ. ح يوسف منصور صديق:

أما ما تيسر لى عن معرفته عنه فحينما كنت أعمل فى الكتيبة الحادية عشرة بنادق مشاة فى العريش عام (1952) دعانى الصاغ وحيد جودة رمضان لداره حيث عرفنى بالقائمقام أ.ح يوسف صديق, الذى أبلغنى أنه انضم لتنظيم الضباط الأحرار بواسطة الصاغ وحيد رمضان, ثم طلب منى دفع اشتراكات وتوزيع منشورات فقلت له: إننى علمت نبأ انضمامك وأبديت استعدادا لدفع الإشتراك وتوزيع المنشورات, أما علاقتى بجماعة الإخوان فستظل على ما هى عليه لأننى أؤمن بمبادئهم فلم يبد المرحوم يوسف صديق اعتراضا على كلامى.

زوته فى منزله بالدقى إثر عودتى بعد غياب دام أكثر من سبعة عشر عاما, وزاره معر الأستاذ أحمد عيد موجه اللغة العربية وكان مستلقيا على فراش المرض قبيل وفاته بحوالى ثمانية أشهر, واستطاع التحدث معنا قرابة ثلاث ساعات عن ظروف تعارفنا فى العريش والتقائنا فى السجن بمحطة مصر ثم انتقل إلى الحديث عن احتلاله لمبنى رئاسة الجيش ليلة 023 يوليو 1952) قال: إنه قد وصل معسكر هاكستيب مع كتيبته وقبل الثورة بيومين زاره فى منزله جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر, وكان صدره ينزف دما وابلغاه أنهما حضرا ليبلغاه دوره فى الانقلاب ولكن لا داعى لذلك لما لمساه من حالته المرضية, فذكر لهما أنها مسألة طارئة وقد أخذ العلاج وهى عادية جدا وكثيرا ما تحدث.

كانت المهمة أن يتحرك بعدد (12) لوريا من معسكر هاكستيب إلى مكان بالقرب من المستشفى العسكرى العام فى كوبرى القبة, ليعمل كنقطة (تجمع للأسرى) والذى سيسلمه هذه اللوريات الضابط عبد القادر مهنا وسوف يحضر إليه ضابط آخر لتحديد ساعة التحرك بهذه اللوريات, والتواجد عند المستشفى العسكرى العام.

وعندما ذهب إلى معسكر صباح (22) من يوليو وجد أن أحد الضباط النوبتجية لم ينم فى المعسكر فانتهزها فرصة وجوع الضباط وأبلغهم أنه تكفيرا عن هذا الخطأ سوف ينام الجميع بالمعسكر الليلة, وفى نفس اليوم حضر ضابطان مستجدان ليتسلما عملهما وحدثته نفسه بأن يعطيهما إجازة لمدة 24 ساعة ولكنه لم يفعل, وقال : لعلهما فيما بعد يفخران بأنهما فى أول يوم من خدمتهما اشتركا فى الانقلاب.

وفى المساء وصله خبر من الضابط عبد القادر مهنا بأن اللوريات جاهزة لكى يمر ليتسلمها, ثم حضر الضابط زغلول عبد الرحمن حوالى التاسعة مساء وأبلغه أن ساعة (س) هى (12) مساء وأن كلمة السر هى (نصر), ولكنه حوالى 11 مساء أبلغ بأن قائد الفرقة اللواء عبد الرحمن مكى طلب عربته وسوف يحضر إلى المعسكر لوجود حالة طوارىء فعجل بالخروج من المعسكر قبل مجىء قائد الفرقة وكان عدد الجنود ثلاثين جنديا كلهم شئون إدارية وزعهم على ثلاث عربات بكل منها عشرة جنود,وأمر الضابط زغلول عبد الرحمن بالركوب معه فى العربة الأمامية, وعند تحركه حوالى الساعة الثانية عشرة مساء إلا ربعا تقريبا وأمام معسكر ( هاكستيب) ظهر اللواء عبد الرحمن مكى وأراد إعادة العربات لكن سارع إليه ضابطان وشهرا فى وجهه لسلاح فاستسلم وقال لهما: إنه سوف يزوج ابنته غدا وانضم إلى ركب السير معتقلا, استأنفوا السير مارين بأماكن عسكرية حساسة, فلم يعترضهم أحد ولم ينضم إليهم أحد مما جعل الشك فى الأمر يلازم القائمقام يوسف صديق, وعند مشارف مصر الجديدة توفقت اللوريات, وكان الذى أوقفهم قائد ثانى الفرقة العميد عبد الرءوف عابدين الذى سبق أن تلقى أوامر من السيد اللواء عبد الرحمن مكى بضرورة التوجه إلى معسكر هاكستيب لوجود حالة الطوارىء لما وصل هاكستيب أبلغه أحد الجنود أن هناك حالة طوارىء وتحرك لذلك السيد قائد اللواء.

فأسرع العميد عبد الرءوف عابدين ليلحق بالعربات فلحقها,وعند وصوله إلى جهة المقدمة ليكلم اللواء نادى عليه اللواء عبد الرحمن مكى وأمره بالإنضمام بعربته وفجأة وجد نفسه محاطا بالمسدسات من كل جانب ولم يستطع المقاومة واتجهت العربات إلى وسط مصر الجديدة, دون أن نشاهد أى تحركات مما أدخل الشك فى يوسف صديق مرة أخرى.

لإامر السائق بالتزام طريق جانبى ليتصل هاتفيا بمنزل البكباشى جمال عبد الناصر ليستطلع جلية الأمر, وما إن اصطفت العربات فى الطريق الجانبى حتى سمع جلبة ونقاشا فنزل ليتبين ما حدث, فإذا بالضابط والجنود يحيطون باثنين يرتديان الملابس المدنية, كانا قد اقتربا من ( القول) فى حركات مريبة, وما أن اقترب منهما يوسف صديق حتى تبين أنهما البكباشى أ. ح جمال عبد الناصر والصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر,فأعلن لهما تعجبه من عدم تحرك أى قوات فأبلغاه أنهما كانا يريدان الذهاب إليها فى معسكر هاكستيب ليخبراه بإيقاف التحرك لمنا أعلنت حالى الطوارىء حيث علمت رئاسة الجيش بنية الضابط بعمل الانقلاب.

وهنا سألهما يوسف صديق وماذا أفعل الآن وقد قبضت على اللواء عبد الرحمن مكى والعميد عبد الرءوف عابدين؟

فأجابه جمال عبد الناصر بأنه أطلعه على ما حدث وانصرفا مما جعل يوسف صديق يقرر شيئا واحدا وهو التقدم بمن معه من جنود إلى رئاسة الجيش, وأمر الجنود فى اللورى الأول بسد الطريق الموصل إلى العباسية فانبطحوا على الأرض وسدوا الطريق, ثم سد طريق كوبرى السيوفى وطريق مصر الجديدة بعشرة جنود أخرى, وبدأ هجومه بالعشرة الباقين على رئاسة الجيش وتبادل مع حراسها النيران فاستسلموا فورا واعتقلهم جميعا لكنه لم يستطع الصمود.

وفجاة شاهد جنود شرطة عسكرية قادمين من اتجاه العباسية فاعترضهم الضابط عبد المجيد شديد بالجنود المشرة المنبطحين واستطاع القبض على الضباط أما الجنود فاستخدمهم يوسف صديق فى اقتحام مبنى رئاسة الجيش, فتم له ذلك وصعد إلى الدور الثانى, وفى غرفة رئاسة الجيش أبصر الزجاج سعادة الفريق حسين فريد, وهو يستعد للدفاع عن نفسه, فأمره ومن معه بتسليم ما معهم من أسلحة ففعلوا.

وكان مع حسين فريد ضابط من ضباط نائب الأحكام لإجراء محاكمة سريعة للمتمردين فتحفظ على جميع الموجودين, ثم نزل حديقة الرئاسة يعتصر قميصه المبلل بالعرق, وبدأ يدخن بشراهة ويفكر فيما يفعل بعد ذلك.

ثم استطرد قائلا: إن البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر حضر فى الصباح بعد عملية احتلال مبنى رئاسة الجيش ومعه مجموعة من الضباط الشبان, وحملوا يوسف صديق على الأعناق وأخذوا يهتفون بحياته ثم عقد اجتماعا فى نفس المبنى خطب فيه قائد الجناح جمال سالم واشاد بشجاعة يوسف صديق, وقال : إن الضباط المجتمعين كانوا قد ارتضوا أن يكون البكباشى جمال عبد الناصر على رأسهم ,هنا لم يمانع يوسف رغم أن جمال عبد الناصر كان أقل منه رتبة, وسواء أكان هو على رأس الحركة أم غيره فالمهم أنها تقوم بإبلاغ مطالبها للمسئولين.

ثم توجه جمال عبد الناصر إلى يوسف صديق وقال له: هؤلاء هم الضباط الأحرار الذين كنت تسأل عنهم وكنت أجبيك إنك سوف تعرفهم فى الوقت المناسب فلما تفرس يوسف صديق فيهم لم يجد بينهم شخصية معروفة لها وزنها يمكن أن يلتف حولها الجيش.

فاقترح إحضار اللواء محمد نجيب فأرسل فى طلبه وحضر محمد نجيب وبعد ذلك أعد البيان الأول, وتوجه البكباشى محمد أنور السادات مع مجموعة من السيارات المدرعة إلى الإذاعة لإذاعة بيان الثورة الأول.

وتم تشكيل مجلس قيادة الثورة برئاسة محمد نجيب وأخذت البيانات العسكرية تتوالى بالإذاعة.

ولكن مجلس الثورة لم يكن واضحا أمامه تماما ماذا يفعل؟ وكيف يتحرك؟ وهنا التفت القائمقام يوسف صديق إلى الزائرين: عبد المنعم عبد الرءوف والأستاذ أحمد عيد وقال موجها العبارة التالية للأول:

أنت تعلم بعد ذلك ما حدث إلى أن تم طرد الملك, ثم نادى على ابنته الصغرى, وطلب منها إحضار شراب واستأنف الحديث قائلا:

إنه بعد أن أتم عملية احتلال مبنى رئاسة الجيش بلقيل شاهد االبكباشى محمد أنور السادات ينادى باسم الصاغ عبد الحكيم عامر , وهو يقترب من المبنى وهذا يدل على أن جمال عبد الناصر بعد أن شاهدت ما حدث طاف عليهم بالحضور حتى تجمعوا وفى الصباح دخل بهم كما أسلفت.

وقال يوسف صديق إن البكباشى أ. ح زكريا محي الدين بعد فترة أبلغه بأن مجلس قيادة الثورة سيتولى الوزارة وسيعين يوسف وزيرا, فتعجب يوسف من هذا الرأى لأن الضباط لا دراية لهم بأصول الحكم, ولأنهم لم يذكروا ذلك فى منشوراتهم ولم يتفقوا عليه!

فعقب زكريا بقوله: إننا لسنا أقل كفاءة من الوزارة وأننا سوف نحصل على الأموال الطائلة وتتحسن أحوالنا المالية.

وطلب من يوسف إخراج ما فى جيبه من نقود فأخرج يوسف من جيبه أربعة قروش هى كل ما كان معه ثم قال يوسف.

إننا لا صلة لنا بالسياسة وعلينا أن نسلم البلد للسياسيين ثم ذكر يوسف أنه كانت تصدر قرارات من مجلس قيادة الثورة لم يتفق عليها بالرغم من خطورتها. فطالب بعمل مضبطة لاجتماعات مجلس قيادة الثورة, لأن التاريخ سيضع يوما ما هؤلاء الضباط أمام المسئولية والمحاسبة.

ولما لم يجب إلى طلبه تقدم باستقالته وامتنع عن حضور الجلسات, وظلت الإستقالة معلقة إلى أن أودع السجن مع عدد من الضباط منهم محمد رشاد مهنا وعبد المنعم عبد الرءوف وحسين حمود وغيرهم.

ذكر يوسف صديق أن الضابط زغلول عبد الرحمن أبلغه أنهم تحركوا من معسكر هاكستيب قبل الموعد بساعة ليعلل له عدم وجود تحرك للقوات فى الطريق ولكن يوسف لم يقتنع.

وفى نهاية حديثه تنهد يوسف صديق وتحسر ما أى إليه الأمر فى الجيش والبلد, وتمنى لو كان يعرف ذلك المصير الذى وصلنا إليه عن طريق الثورة والثوار!!

سألته: إنك تتحسر على الثورة والثوار فلماذا تصورت مع الرئيس جمال عبد الناصر وممسكا بيده فى الصورة المعلقة فى مدخل بيتك؟!

فأجبا بأن جمال هو الذى أمسك بيده.

ثم سألته: إنك من جماعة (حدتو) الشيوعية فكيف تفسر لى وضعك لعبارة (الله) فوق مخدعك الآن؟ أجاب بأ،ه يؤمن بالماركسية فى الاقتصاد فقط, وفى نفس الوقت يؤمن بالله الواحد الأحد.


قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى:

أما ما تيسر لى معرفته عنه فإننا لم نخدم معا فى سرب واحد, ولم أشاهده عام 1940 فى شقة منشية البكرى التى استأجرها قائد الأسراب حسن عبد العظيم هزت التى استخدمها كمخزن لحفظ الذخيرة والقنابل وتصليح البنادق والمسدسات وتعبئة زجاجات مولوتوف.

التقيت به عام 01951) فى بيت قائد الأسراب حسن إبراهيم فى مصر الجديدة بناء على دعوة من صاحب الشقة وعرفت حينذاك أنه ضمن العناصر التى بدأ البكباشى أ.ح جمال عبد الناصر يضمها إلى تنظيم الضباط الأحرار, ,:أنت مفاجأة لى حيث سألنى: هل تبقى معنا فى تنظيم الضباط الأحرار ولا شأن لنا بجماعة الإخوان المسلمين؟

فأجبته على الفور سأظل أ‘مل فى تنظيم الضباط الأحرار بالتعاون الوثيق مع جماعة الإخوان المسلمين.

التقيت به بعد الثورة فى مناسبتين:

الأولى : عندما اصطحبنى قائد الأسراب حسن عبد العظيم هزت لرئاسة الجيش كى يقنع قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى بعودتى لسلاحى الأصلى وهو الطيران فلن يقبل.

الثانية : فى ردهة مجلس الثورة وسألنى بدون مقدمات (هو هانت الذى عملت الثورة)؟ فأجبته: إنه سؤال سيجيب عنه التاريخ.

فهل تذكر قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى انه كان عضوا فى العصابة التى كانت تحكم مصر؟ ( كتاب الصامتون يتكلمون عبد الناصر ومذبحة الإخوان ) ص(100).

وهل يتذكر قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى أنه قال فى نفس الكتاب ص(101) إن قائد الجناح على صبرى كان جاسوسا عليه, ينقل كل حرف قاله إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الموجود فى الغرفة المجاورة؟

وهل يتذكر أنه تعاون مع مراكز القوى فى إلحاق الضرر بى حينما أعاد زميلى فى حادث الطائرة حسين ذو الفقار صبرى لسلاح الطيران, ولم يقبل إعادتى وقد حاق بى الظلم بعد ذلك حينما حوكمت غيابيا أمام محكمة الشعب برئاسة أحد أصدقائه المقربين, وهو المدعو قائد الجناح عبد الرحمن عنان, الذى حكم على غيابيا بالإعدام رميا بالرصاص؟


قائد الجناح جمال سالم:

أما ما تيسر لى معرفته عنه, فقد كان يلعب بالميسر ويحتسى الخمر, خدمنا معا كطيارين فى محطة ألماظة الجوية ورأيته بعينى يلعب القمار بورق الكوتشينة مع زملائه المقامرين من الطيارين, كما شاهدته يحتسى الخمر حتى الثمالة وفجأة أفرغ ما فى بطنه على أرض مقصف نادى ضباط محطة ألماظة الجوية.

وحدثت مشادة بينى وبينه عن أمريكا قبل الثورة حينما كنت فى العريش حيث اجتمعت به ومعنا القائمقام يوسف صديق, وقائد الجناح مصطفى بهجت وقد استمعت لجمال سالم يشيد بعظمة أمريكا وشعبها والنظام والأخلاق والحرية!

فقلت له: إننى أخالفك فيما قلته عن أخلاق الشعب الأمريكى! فالرشوة منتشرة حتى بين أعضاء الكونجرس والعصابات هناك تفرض إتاوات على الأثرياء والنواب لخطف الأطفال, وأن أمريكا عدو للإسلام والمسلمين, فهى التى تمد إسرائيل بكل ما تطلبه ولأمريكا جمعيات تبشير فى أفريقيا لفصل الجنوب عن الشمال العربى المسلم توطئة لتحويل وسط وجنوب أفريقية إلى مناطق نفوذ لا دين لها. قال جمال سالم وردا على كلامى: إن تمسكنا بالإسلام رجعية وتزمت!!

فأوقفت المناقشة, ولم يمر أسبوع حتى طلعت مجلة آخر ساعة علينا بمقال فضحت فيه أمريكا وخطر العصابات على الانتخابات فأطلعت جمال سالم على المقال لكنه بدأ يكذبه فقلت له: إن المستقبل للإسلام إن شاء الله.

وقد التقيت به بعد الثورة فى مناسبتين: الأولى عندما تعين وزيرا للموصلات فطلبت منه مساعدتى فى إدخال هاتف لمنزلى فاستجاب وتم تركيب الهاتف خلال أسبوع, والثانية حينما شاهدته غاضبا فى رئاسة القوات يرفع المقاعد لأعلى ويحطمها على الأرض, كما كانت معه بعض الدوسيهات فألقى بها هى الأخرى.


الصاغ أ. ح كمال الدين حسين:

أما ما تيسر لى معرفته عنه فقد كان يقطن فى حى السيدة زينب عام (1943) وتعرفت به فى الحافلة الكهربائية التى كانت تنقلنا كل صباح إلى العباسية لنركب سيارات الجيش إلى وحداتنا, وأعطتنا الأخبار الداخلية والخارجية والأحداث المعاصرة فى ذلك الوقت فرصة لتبادل الآراء فلمست فيه فزارة المعلومات والوطنية المتأججة, وتوطدت بيننا أواصر المحبة والصداقة وتزاورنا فوجدته متمسكا بأهداب الإسلام وبسيطا فى معيشته.

وقد لبى كمال الدين حسين دعوتى لحضور اجتماع ضمنى وجمال عبد الناصر ومحمود لبيب, مخرج من الاجتماع مقتنعا بمبادىء الإخوان المسلمين, وأدى البيعة مع ستة ضباط آخرين, وقد نوه إلى ذلك فى كتاب ( الصامتون يتكلمون) عبد الناصر ومذبحة الإخوان.

تطوع مع أول كتيبة تحت قيادة المرحوم القائمقام أ.ح أحمد عبد العزيز وسافر إلى فلسطين بتاريخ (25/ 4/ 1948) ووقع اختيار المرحم أحمد عبد العزيز علّ لأكون أركان حرب له, ولكننى رفضت مؤيدا الصاغ كمال الدين حسين لنه قبيل سفره لفلسطين كان قد قدم طلبا للإلتحاق بكلية أركان الحرب, لأننى كنت مدرسا بمدرسة المشاة , وبالإضافة إلى أعمال كأركان حرب لقائد المتطوعين كان يقود مجموعة من المدفعية الهاوتزر التى استطاع بواسطتها ضرب المستعمرات ومنع قوافل التموين عنها, وأنه بعد إعلان الهدنة بين الدول العربية العدو الصهيونى وعودة المتطوعين عاد إلى سلاح المدفعية والتحق بكلية أركان الحرب ونال فيها إجازة ماجستير ليصبح ضابط أركان, وهناك التقى ثانية بالبكاشى جمال عبد الناصر بعد عودة الأخير من بلدة الفالوجا التى كان محاصرا فيها, توطدت بينهما العلاقات لأن جمال كان يساعده فى شرح بعض المشروعات , وخاصة بعد ان استاجر الصاغ كمال الدين حسين منزلا فى مصر الجديدة وصار قريبا من منزل جمال عبد الناصر ونشطا معا فى تكتيل وتجميع الضباط الأحرار.

زارنى الصاغ أ.ح كمال الدين حسين فى منزلى خلال إحدى إجازاتى الميدانية عام (1951) مرسلا من قبل البكباشى أ. ح جمال عبد الناصر وطلب منى أن أحدد موقفى إزاء جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الضباط الأحرار, فقلت له كلاما مطابقا لما قلته للصاغ أ.ح عبد الحكيم عامر والصاغ وحيد جودة رمضان وهو : إن تنظيم الضباط الأحرار هو اسم جديد لتنظيم الإخوان الضباط وسيان عندى العمل فى أى منهما, واشترطت ان يكون العمل بالتعاون الوثيق مع جماعة الإخوان المسلمين لأسباب لمستموها قبل وبعد حرب فلسطين , كما أكرر ضرورة انتقاء الضباط بالنظام الذى كنا نتبعه خشية اندساس ضباط لا أخلاق لهم وقلت للصاغ كمال الدين حسين: لقد زارنى الصاغان عبد الحكيم عامر ووحيد جودة رمضان وأبلغتهما ما قلته لك الآن, إلا أنهما طلبا منى شيئا لم تطلبه أنت منى , وهو أن الصاغ عبد الحكيم عامر عرض علة إشرافى على النظام السرى لتنظيم الضباط الأحرار, بشرط أن أترك الجماعة ولا أقوم بأى نشاط آخر فرفضت .


الصاغ خالد محيى الدين:

أما ما تيسر لى معرفته عنه فقد تعرفت به لأول مرة بواسطة الصاغ صلاح خليفة شقيق الدكتور كمال خليفة من جماعة الإخوان المسلمين وقد أدى البيعة مع سبعة من الضباط والتقى مرات كثيرة بالمرحوم محمود لبيب, واستمر وثيق الصلة بى عدة سنوات من عام (1944 إلى1948) وهو قوى الجسم يميل لممارسة لعبة كرة المضرب هادىء الطباع قوى الإرادة حاد الذكاء, حصل على ماجستير فى الإقتصاد من جامعة القاهرة خلال خدمته كضابط, وهو صديق حميم لقائد الأسراب حسن عبد العظيم عزت, وقد تعرفا ببعضهما عندما كان الأول سجينا فى إحدى ثكنات سلاح السوارى.

يؤمن بتحضير الأرواح التى كان يجريها فى عدة بيوت منها بيته وبيت جمال عبد الناصر, ولست أعرف هل كان عندما أدى البيعة لله فى شارع شيخون أم أنه اعتنق المبدأ الشيوعى فيما بعد؟ وعلى يد من؟

وفى أوائل عام (1950) بدأ تنظيم الضباط الأحرار فى طبع منشورات وجاءنى الصاغ خالد محيى الدين بمنزلى بالسيدة زينب طالبا منى التبرع لشراء ماكينة ( رينيو) فأعطيته مبلغ سبعة جنيهات.

وقد أرسل لى خطابا وهو فى هاكستيب يهنئنى فيها بما فعلته فى حرب فلسطين عام (1948).


قائد الأسراب حسن إبراهيم:

أما ما تيسر لى معرفته عنه فقد كان زميلا لى فى سلاح الطيران, وقد عرفنى به قائد السرب حسن عبد العظيم عزت. وكان له نشاط قوى فى حركة الفريق أ.ح عزيز المصرى عام (1940), وقد تأخرت أقدميته بسبب ذلك النشاط. ثم عرفته عام (1943) بالصاغ محمود لبيب والبكباشى أ. ح جمال عبد الناصر خلال نشاطى من أجل إنشاء تنظيم للضباط (الأخوان الضباط), وقدم قام بدور إيجابى بأن عقد فى بيته سلسلة من الاجتماعات حضرها الصاغ محمود لبيب وقائد الجناح عبد اللطيف البغدادى وآخرون.

الفصل الرابع والعشرون : رسائل إلى السادات

صدرت عدة كتب ومذكرات لأصحابها بعد عودتى إلى مصر, بدأ الصامتوت يتكلمون, وعرفت بعض الحقائق وتعجب لها الناس, وصدر كتاب البحث عن الذات للرئيس محمد أنور السادات, ونسب إلى كلاما لم أقله. كما ذكر بعض الأحداث التى جاءت غير مطابقة للحقيقة خصوصا ما كان منها متصلا بتنظيم الضباط وما كان متصلا بأحداث شاركت فيها وعلى غير وجهها.

وقد كان لزاما أن أكتب لسيادته مطالبا بتصحيح الوقائع ونسبتها لفاعليها إحقاقا للحق وإنصافا للتاريخ بدلا من نسبتها إلى الذين يبحثون عن ذاتهم.

بتاريخ (17/1/1976) ذهبت إلأى منزل الرئيس محمد أنور السادات وسمت السكرتير محمود أبو الخير تقريرا بخطى وإمضائى عن حصار قصر رأس التين وهذا نصه:

السيد محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الموضوع / حصار قصر رأس التين يوم خلع الملك السباق فاروق.

تمهيد:

لكى يكون هذا التقرير موضوع الثقة وصورة أمينة لتاريخ ذلك اليوم الخالد فى تاريخ أمتنا أستمد حديثى عنه من واقع المستندات الموفقة بهذا التقرير

الواقعة الأولى:

أننى تعينت قائد للكتيبة (19 ب. م) بناء على تعليمات القيادة العامة للتحرك إى الإسكندرية للقيام بواجب خاص ويؤكد ذلك:

المستند الأول: وهو خطاب السيد القائمقام أحمد شوقى قائد قسم القاهرة بالنيابة والذى كان قائدا للواء السابع يوم 026 من يوليو 1952), ورقم قيد الخطاب طوارىء/ تطهير (10/52) والخطاب موجه لى شخصيا سرى وعاجل ومع مخصوص بعد أن نقلت من الكتيبة (19) بنادق مشاة إلى الكتيبة (17) بنادق مشاة.

الواقعة الثانية:

1- أننى توليت قيادة الكتيبة (19 ب .م الساعة 2130 مساء 24 / 7/ 1952) بأمر شفهى من السيد القائمقام أحمد شوقى.

2- أننى تحركت بالكتيبة من فندق مينا هاوس على الطريق الصحراوى مص – الإسكندرية إلى ملعب البلدية فى الإسكندرية يوم 025/7/ 1952).

3- أننى تلقيت امرا صباح يوم ( 26 / 7/1952) من السيد القائمقام أحمد شوقى وكان نصه كالآتى:

محاصرة قصر رأس التين ومنع دخول وخروج أى فرد ومنع الإحتكاك وفى سبيل تنفيذ هذا الغرض:

1- أجريت استكشافا سريعا ووضعت الخطة بنفسى دون الإستعانة بقيادة أعلى رتبة منى وقررت التقدم من الجهة اليسرى.

2- إن قواتى تبادلت إطلاق النيران مع قوات الحرس الملكى أثناء تقدمى من جهة اليسار فى طريقى على ( مرسى يخوت وزوارق القصر) كما استطعت التفوق على النيران المصوبة إلى قواتى بواسطة ( جماعة رشاشات الفيكرز) التى جنبا إلأى جنب معى.

3- نتيجة لتقدمى على رأس قواتى رغم النيران المضادة ولتفوقى فى النيران ولأسباب اخرى لم أذكرها فى هذا التقرير الموجز) استسلم لى عدد من ضباط الحرس الملكى على رأسهم اللواء عبد الله النجومى.

4- أننى أوقفت النيران بعد أن تقدم نحوى احد الضباط رافعا علما أبيض ةبعد أن تعهد لى السيد القائمقام عبد الله رفعت قائد الحرس المشاة الملكى براس التين بإيقاف النيران.

5- أن عددا من جنودى أصيب كما أبدى بعض الضباط وضباط الصف والجنود ثباتا وشجاعة ويؤيد ذلك المستند الثانى وهو تقرير منى ( البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف) قائد الكتيبة(19 ب.م) إلى السيد القائمقام احمد شوقى قائد اللواء المشاة السابع وتاريخ التقرير (27 من يوليو 1952) أى فى اليوم التالى لحصار قصر رأس التين وق سلمت ثلاث نسخ منه إلى السيد أركان حرب اللواء المشاة السابع اليوزباشى مدحت كى شعيب أركان حرب الكتيبة (19ب.م) بتاريخ (30/8/1952) كى يسجل الحقائق المدونة فى التقرير فى السجل التاريخى للكتيبة.

الوقائع التى لم أذكرها فى المستند الثانى سالف الذكر نظرا لضيق الوقت وسرعة مرور الحوادث آنذاك:

1- أننى كنت فى إجازة ميدان مقدارها تسعة أيام بينما كانت كتيبتى الصلية وهى الكتيبة (11 ب.م) فى أبو عجيلة بسيناء, ولما علمت قيادة الثورة بوجودى فى القاهرة استدعتنى من بيتى لأتولى قيادة الكتيبة (19. ب.م).

2- إن الغرض الذى أعطى لى لتنفيذه كان شفاهة ومكونا من ثلاث فقرات كالآتى:

( محاصرة راس التين ومنع دخول وخروج أى فرد ومنع الاحتكاك).

فلما بينت للسيد القائمقام أحمد شوقى التعارض بين الفقرتين الأخيرتين إذ كيف يمكننى منع دخول وخروج ضباط وصف ضباط وجنود وموظفى القصر الملكى بدون احتكاك.

أجاب هذا هو الأمر الصادر إلىّ من القيادة وعليك أن تتصرف.

3- أعطيت الواجبات التالية لمدفعية الميدان التى كانت فى معاونتى:

أ‌- إسكات أى أوكار مدافع ماكينة تطلق نيرانها على مدفعيتنا من فوق أسطح القصر أو من نوافذ طوابقه الثلاثة.

ب‌- تدمير أية قوات بحرية تفتح نيرانها على قواتى المتقدمة لحصار القصر.

4- تحفظت على ضباط وصف ضباط وجنود حسب تطور تقدمى كالآتى:

أ‌- تحفظت على (19) جنديا من جنود الحرس المشاة ببنادقهم كانوا مختفين فى مبنى منعزل يهدد ظهرى أثناء تقدمى نحو الباب الأرضى للقصر والمواجه لمرسى يخوت وزوارق الملك, وأمرت بترحليهم فورا إلى معسكر مصطفى باشا, واختلت مكانهم فصيلة من كتيبتى لتحمى ظهرى. ب‌- تحفظت على شاويش (رقيب) حاملا طبنجة وكان وافقا معترضا طريقى بواسطة (سيمافور) سكة حديد قطار الملك وأمرت بترحيله.

ت‌- ظهر ثلاثة ضباط من غرفة موجودة على يسارى أثناء تقدمى وتقدموا نحوى وبعد حوالى دقيقة ظهر يوزباشى حاملا رشاشا من نوع ( البرن) وكتجها بسرعة نحو باب الطاق الأرضى للقصر, خلال هذه الدقيقة كان الجرس من جنودى يتأهبون ووصل إلى الضباط الثلاثة فقال لى أحدهم وهم اللواء عبد الله النجومى العبارة التالية ( إن المرحوم والدك كان صديقا لى ومثالا للإنضباط العسكرى) فلم أعره التفاتا أما الضابط الثانى فكان البكباشى أ. ح عبد المحسن كامل مرتجى الذى تربطنى به صلة صداقة وزمالة منذ الدراسة فى الكلية الحربية, فقلبته فى جبهته قائلا له: (إننى أنفذ الأوامر) ثم سلمتهما مع ضابط ثالث لم أكن أعرفه وقتها إلى القائمقام أحمد شوقى قائد اللواء.

وبسرعة عاجلت اليوزباشى حامل رشاش البرن ببضع طلقات من رشاشى الأستن الذى ابنطح على الأرض وهنا انفلت البرن من بين يديه وسقط بعيدا عنه, فأمرت أحد الجنود بالإستيلاء على الرشاش بينما عيناى تراقبان هذا اليوزباشى الذى أخذ يزحف للخلف إلى أن دخل القصر.


الواقعة الثالثة:

الواقعة الثالثة والرابعة بخط يد الأستاذ عبد المنعم عبد الرؤوف

بعد أن أتممت عملية حصار قصر رأس التين أرسلت القيادة العامة إلى السيد قائد قسم القاهرة خطابا وفيه تعرب عن شكر وتقدير السيد القائد العام للقوات المسلحة ( اللواء أ.ح محمد نجيب وقتئذ) ليجمع ضابط وسف وعساكر الكتيبة 19ب.م والقوات التى عاونتها وقد أثبت على نفس الصفحة من الخطاب السالبف الذكر خطاب آخر بإمضاء السيد القائمقام قائد قسم القاهرة وقوات الطوارىء بالنيابة مرسل من إدارة قسم القاهرة برئاسة قوات الطوارىء العقيد طوارىء تطهير (2/52 العباسية فى 18/8/1952) إلى السيد قائد الكتيبة 019 ب. م) ومؤاده إبلاغ جميع رتب هذه الكتيبة شكر وتقدير السيد القائد العام للقوات المسلحة.

وفى ذيل نفس الخطاب المذكور عاليه صورة إلى حضرة البكباشى عبد المنعم عبدالرءوف ويؤيد تلك الواقعة المستند الثالث وهو خطاب بتوقيع بكباشى أ.ح مدير مكتب القائد العام لشئون الجيش, وكان وقتئذ (جمال عبد الناصر حسين) والخطاب وارد من القيادة العامة للقوات المسلحة مكتب القائد العام بتاريخ ( 9/8/1952 رقم ق. ع 12/1 – 22/76) إلى حضرة قائد قسم القاهرة.


الواقعة الرابعة:

أننى سلمت القصر لسيادة الرئيس محمد أنور السادات ظهيرة يوم 026 من يوليو 1952) عندما حضر سيادته للقصر مع المستشار سيلمان حافظ لتبليغ الملك نبأ خلعه, ويؤيد ذلك المستند الرابع وإننى أرفق صورة برقية على نموذج رقم (698 -14/2,33) مرسلة منى إلى السيد محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية بالقاهرة عندما كنت مقيما فى بيروت بلبنان وتاريخ البرقية (31/3/1971), وعليها ختمان للجمهورية اللبنانية احدهما بتاريخ (8/8/1971) مطبوع بداخلها عبارة ( نسخة طبق الصل) وعبارة ( البرق المركزي) والختم الثانى بتاريخ (14/4/1971) والبرقية تتضمن سيارتكم بالواقعة


الواقعة الخامسة:

الواقعة الخامسة بخط يد الأستاذ عبد المنعم عبد الرؤوف

يروى شاهد حى أنه شاهدنى أثناء حصارى لقصر رأس التين وحدث بينى وبين سيادته حوار هام, وكان أهم ما جاء فى هذا الحوار على لسانى ردا على أسئلته: أ‌- الخلاص من الملك وحكمه.

ب‌- استعدادى لإيقاف النيران. بشرط أن يوقف الحرس إطلاق النيران وسحب الذخيرة منه.

ت‌- استسلام ثلاثة ضباط عظام لى أثناء تقدمى لحصار القصر.

ث‌- إخلاء هؤلاء الضباط فورا لمعسكر مصطفى باشا ويؤيد ذلك المستند الخامس وهو إقرار عن ذكريات يوم 26 من يوليو 01952) من السيد القائمقام عبد الله رفعت حرس المشاة الملكى برأس التين بخطة وتوقيعه.

السيد الرئيس:

لقد ذكرتم سيادتكم الشىء الكثير عن معركة قصر التين فى كتابكم (قصة الثورة كاملة) مما دل على أهميتها.

فجاء فى الصفحة رقم (118) أن الغرض من تحرك القوة إلى ثغر الإسكندرية هو إسقاط الملك وطرده, وجاء فى الصفحتين (130,129) أن سيادتكم قابلتم مستشار السفارة الأمريكية فى ردهة مبنى مجلس الوزارة فى برلكلى وكان فى حالة يرثى لها.. كان يرتعش... وكان قد فقد أعصابه تماما وقال موجها حديثه إليكم: إنه قادم الآن من رأس التين. إن هناك معركة.

وجاء فى الصفحة (131) أن القوات التى تقرر اشتراكها فى عملية الطرد للملك فاروق قد أقامت حصارا على سراى قصر اليتن, وقد احتلت المدفعية منذ الصباح موقعا يتحكم فى سراى رأس التين, بحيث يمكن هدمها إذا ما استدعى الأمر ذلك.

جاء فى الصفحة رقم (133) أنها المعركة التى حطمت الملك فاروق وجعلته يفقد أعصابه ويتهاوى كالحطام, وأنها بالرغم من أنها كانت معركة صغيرة فإنها كان لها وقع الصاعقة على فاروق والحاشية وأصيب بحالة هستيريا.

السيد الرئيس:

لقد تكررت كلمة قائد الثورة المحاصرة للقصر فى الصفحة (132) أربع مرات وقلتم سيادتكم فى صفحة (135) إنكم شاهدتم السيد سليمان حافظ واقفا مع الضباط الذى كان يراس قوة الحصار لقصر راس التين, وكان الضابط قد منعه من دخول السراى وطلبت سيادتكم من الضابط ان يتركه ,ظل الضابط معه حتى فتحوا له الباب الخارجى للقصر.

سيادة الرئيس:

لقد تحاشيتم سيادتكم ذكر اسمى كقائد لهذه القوة فى كتابكم رغم أهمية المعركة, ورغم مشاهدتكم لى على رأس القوة ومعرفتكم, بأننى الذى قمن بعملية الهجوم ورغم لقائكم عندئذ وتحدثنا سويا بخصوص هذا الموضع وموضوعات أخرى, بحضور المرحوم المستشار سليمان حافظ وبعض السادة الضباط الذين اشتركوا معى, وذلك عند حضور كما كى يوقع الملك وثيقة التنازل عن العرش. بالإضافة إلى ذلك فلقد دأب بعض الكتاب ومنهم الكاتب الصحفى صلاح حافظ على القول بأن فلانا من الضباط كان قائد لسرية الإقتحام المكلفة بالقبض على الملك!... قبل أن تقرر القيادة الاكتفاء بتنازله عن العرش ومغادرة البلاد- مجلة روز اليوسف العدد 2478 بتاريخ 8/12/1975م) .

لذلك:

فإننى التمس من سيادتكم أن يكون لكم الرأى الأول والأخير فى إيضاح تاريخ هذا الموقف المصيرى الفاصل, ولذلك بوضوح اسم القائد الذى قاد الكتيبة (19 ب.م) والأسلحة المعاونة يوم (26 يوليو 1952) لحصار قصر رأس التين بالأسكندرية والذى تذكرونه فى كتابكم (قصة الثورة كاملة) لظروف كانت قائمة وقت طبع الكتاب.

وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الإحترام

(15/1/1976)

عبد المنعم عبد الرءوف بسيم

العنوان:

القاهرة – مدينة نصر- حى الزهرر المنطقة 6 شارع محمد حسين هيكل - رقم 27 شقة 3

استلمت الأصل والمرفقات

المستلم

محمد أبو الخير

(17/1/1976)

ملحوظة:

ويؤسفنى أن ارئيس محمد أنور السادات لم يشر من قريب أو بعيد فى خطاباته أو مؤلفاته الكثيرة بعد ذلك عن الضابط الذى هاجم وحاصر قصر رأس التين.

وبتاريخ (1/1/1978) ذهبت إدارة المشاة بالعباسية فى موضوع خاص فالتقيت مصادفة بالسيد العقيد محمد كامل سليم الذى عرفنى بنفسه وذكرنى بأنه كان أحد الضباط الذين حاصورا وهاجموا معى قصر رأس التين صباح (26/7/1952) ثم قدم لى تقريرا بتاريخ 01/1م1978) يطالبنى بإضافة اسمه إلأى كشف الضباط الأحرار وكل الذى استطعت أن أفعله لهذا الضابط أن نشرت تقريره فى مذكراتى ولقد سبق لى أن ذكرت اسمه فى أول تقرير بتاريخ (27/7/1952) مع الضباط الذين ابدوا شجاعة وثباتا, وألفت نظر القارئ إلى ما جاء فى تقرير هذا الضابط إبتداء من ( وبعد سعت 1800 إلى تسجيل هذا الموضوع) فيلاحظ أن السيد زكريا محيى الدين مزق كشفا بأسماء الضباط الذين اشتركوا فى تنقيذ العملية!!

فلماذا مزق زكريا محيى الدين هذا الكشف؟

السبب هو : أن قائد الكتيبة البكباشى عبد المنعم عبد الرءوف حيث كان اسمى أول الأسماء ولقد أثبتت الظروف والملابسات إصرار مجلس قيادة الثورة وجهاز مخابرات الجيش على طمس اسمى وتاريخى من أى عمل مجيد وتشويهه فى بعض الحالات, بينما يذكرون اسمى عند افستفادة منه: وهناك حالة مشابهة لحالة تمزيق الكشف ولكنها من الصحفى حلمى سلام فى مقالاته عن قصة الثورة ( من المهد إلى المجد) بعنوان موعد فى جزيرة الشاى وقد يبق الإشارة إلى ذلك:

ولما لم يصلنى رد خطابى الذى سلمته للسيد محمد أبو الخير بسكرتارية رئيس الجمهورية فى 017/1/1976) أرسلت خطابا للسيد الرئيس محمد أنور السادات بتاريخ (31/12/1980) هذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ألتمس من سيادتكم الاتى:

أولا: تسجيل اسمى كقائد لعملية محاصرة ومهاجمة قصر رأس التين والتكرم بإصدار امركم إلى اللجنة العسكرية الفرعية المنبثقة عن اللجنة العامة لتاريخ ثورة (23 يوليو 1952) بذكر اسمى كقائد للكتيبة التاسعة عشرة بنادق مشاة التى حاصرت وهاجمت قصر رأس التين بالإسكندرية فى يوم (26 يوليو 1952) وكذلك فى كتب سيادتكم:

1- قصة الثورة كاملة.

2- البحث عن الذات.

3- وثائق السادات.

4- علما بأننى قد سلمت تقريرا مفصلا مدعما بخمسة مستندات عن هذه المعركة ليد السيد محمد أبو الخير بسكرتارية رئيس الجمهورية بتاريخ 17/1/1976 ولم يصلنى الرد إلى اليوم.

ثانيا: صرف معاشى عن المدة من ديسمبر (1954 حتى 12/11/1972) والتكرم بإصدار أمركم لصرف معاشى الذى أوقف منذ شهر ديسمبر 01954) إلى (12/11/1972) علما بأن إدارة الفتوى والتشريع لوزارة التأمينات قد انتهى رأيها بالفتوى رفم 016/1/9152 بتاريخ 7/9/1975) إلى الآتى: أ‌- أنه يترتب على صدور قرار العفو رقم 1388 لسنة 1972 إعادة صرف المعاش من تاريخ صدور القرار المشار إليه فقط.

ب‌- أنه يجوز لقرار من رئيس الجمهورية رفع الحرمان من المعاش عن الفترة الماضية على صدور فرار العفو.

ثالثا: زيادة معاشى الشهرى الحالى لارتفاع تكاليف الحياة, والتكرم بإصدار أمركم بزيادة معاشى الشهرى الحالى وذلك لارتفاع تكاليف المعيشة.

رابعا: تعويضى عن الضرار المادية والأدبية التى لحقت بى بعد فشل حادث الطائرة مع الفريق عزيز المصرى , والذى تم تدبيره فى (16 مايو 1941) لتهريبه إلى خارج الوطن, وكانت إرادة الله أن فشلت المحاولة وأودعت وسيارته وزميلى الطيار حسين ذو الفقار صبرى سجن الأجانب لمدة عامو ثم مجازاتى بنقلى إلى سلاح المشاة الذى خدمت فيه مدة (10 سنوات من سنة 1943 حتى 3 نوفمبر 1953) وقد نتج ذلك ما يلى:

1- حرمانى من مرتب وعلاوة الضابط الطيار هذه المدة.

2- حرمانى من المركز الأدبى كضابط طيار خاصة أن ترتيبى فى القوات الجوية كان متقدما, ويؤهلنى للمراكز القيادية الهامة ولبعثات فى الخارج.

خامسا: ترقيتى إلى رتبة فريق طيار, ففى الوقت الذى قمت فيه بأداء الأعمال الوطنية الجليلة منذ عام (1939) والإعداد لثورة (23 يوليو 1952)وتنفيذى أوامر الثورة بمحاصرة ومهاجمة قصر رأس التين فى (26 من يوليو 1952).

فإن كل ما فعلته لى الثورة أن أن أعادتنى إلى سلاحى الأصلى وهو سلاح الطيران برتبتى الحالية ( قائد لواء جوى) فى (1/12/1953) وقد رقى إلى رتبة قائد لواء جوى كثير من الصولات الذين كانوا يعملون تحت قيادتى! ولم يدرسوا مثلى فى الكلية الحربية كما أن بعض الضباط الطيارين الذين كانوا أحدث منى رتبة وعملوا تحت قيادتى قد رقوا إلأى رتبة فريق طيار مثل الفريق طيار محمد نبيه حشاد والفريق طيار مدكور أبو العز, والأخير رقى إلى هذه الرتبة لنه أنقذ خزان أسوان من احتمال حدوث عدوان جوى عليه من العدو.

باعتبار ما ذكرته ألتمس من سيادتكم الموافقة على ترقيتى إلى رتبة فريق طيار.

حفظكم الله دائما ناصرا لحق, وأجرى على أيديكم الخير للإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمد الله وبركاته

القاهرة (31/12/1980)

لواء طيار: عبد المنعم عبد الروءف بسيم أبو الفضل


فجاءنى خطاب من إدارة شئون الضباط للقوات المسلحة هذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

وزارة الحربية

إدارة شئون ضباط القوات المسلحة

القيد : س.ص( 81/425/421)

التاريخ (15/4/1981)

السيد الفريق فخرى عبد المنعم عبد الرءوف بسيم أبو الفضل

(27) شارع محمد حسين هيكل مدينة نصر – حى الزهور

تحية طيبة وبعد:

يسعدنى إبلاغ سيدتكم بصدور قرار السيد رئيس جمهورية مصر العربية والقائد الأعلى للقوات المسلحة رقم (218 لسنة 1981 بتاريخ 9/4/1981) بمنح سيادتكم رتبة الفريق الفخرى.

ومع تمنياتى بموفور الصحة ودوام التوفيق أرجو أن تتقبلوا وافر التحية.

التوقيع

لواء محمد نور الدين عفيفى

مدير إدارة شئون الضباط للقوات المسلحة.


ماذا تعنى رسائلى إلى السادات:

خطاب مرسل للسادات من عبدالمنعم عبدالرؤوف

نشر السادات فى كتابه ( البحث عن الذات) كثيرا من المغالطات خصوصا ما كان منها متصلا بالتنظيم داخل الجيش, وادعى لنفسه أنه صاحب أول تنظيم حيث جاء فى صـ(30) ما يلى:

هكذا قام أول تنظيم سرى من ضباط الجيش وكان ذلك فى سنة (1939) كان ضمن أعضائه عبد المنعم عبد الرءوف, وكان يعتبر الرجل الثانى بعدى

وفى صـ (34) " ولم يمض بعد ذلك وقت طويل حتى كان قد جند لحساب الإخوان عبد المنعم عبد الرءوف الرجل الثانى بعدى فى تنظيم ( الضباط الأحرار)"!!

وجاء فى صـ (38) " كان عبد المنعم عبد الرءوف نائبى وكنا نعقد الاجتماعات فى بيته بالسيدة زينب أو عندى فى كوبرى القبة, أو فى فيلا حسن عزت وسعودى بكوبرى القبة أيضا. وفى هذه المرحلة بدأنا فى عمل اللجان, فكانت هناك لجنة للاتصالات السياسية, ولجنة للإتصال بالضباط المنتمين للتنظيم فى الأسلحة المختلفة ولجنة ثالثة لا أذكر الآن ماذا كانت مهمتها بالضبط , وفى نفس الوقت داومت على اتصالى بافخوان المسلمين وعزيز المصرى.

فوضعت خطة هروب عزيز المصرى بين عبد المنعم عبد الرءوف وذهبت إلى الجراولة حيث التقيت لول مرة بالدكتور يوسف رشاد طبيب الملك بعد ذلك.

ثم استطرد السادات فى صـ 0113) يقول: كان الرجل الثانى بعدى فى ذلك الوقت هو عبد المنعم عبد الرءوف الذى ظل على اتصال بالشيخ حسن البنا رائد الإخوان المسلمين, الذى كان على اتفاق تام معى فى أن تنظيم الضباط الأحرار يجب ألا يخضع لأى هيئة أو لأى تنظيم حزبى لأن الهدف منه هو خدمة مصر بأجمعها لا فئة معينة. وعندما دخلت المعتقل كان عبد الناصر مازال فى السودان ولكن بمجرد نزوله بكتيبته ووصوله إلى مصر أواخر (1942) اتصل به عبد المنعم عبد الرءوف لضمه إلى التنظيم فقد كان عبد الناصر من الضباط الممتازين, وكانت هذه هى القاعدة التى أرسيتها, أى أنه لا ينضم إلى التنظيم إلا من كان متميزا فى عمله بالقوات المسلحة, فالضابط الممتاز موضع ثقة الجميع ومن السهل أن ينقاد إليه الآخرون.

واستجاب عبد الناصر على الفور, ولم يكن من الصعب عليه بعد ذلك أن يزيح عبد المنعم عبد الرءوف من طريقه,وأن يتولى هو قيادة التنظيم بدلا منه".

وقال فى صـ 0114):" لذلك كان الحرص مطلوبا فى تكوين الهيئة التأسيسية فبدأ عبد الناصر فى اختبار أعضائها ممن احتك بهم هو شخصيا فى حرب فلسطين مثل كمال الدين حسين وصلاح سالم, وممن له صداقة عمر معه كعبد الحكيم عامر, ثم ممن كانوا أصلا قادة التنظيم قبل أن يتسلمه, وهو عبد المنعم عبد الرءوف وعبد اللطيف البغدادى وحسن إبراهيم وخالد محيى الدين وأنا..."

ولم يكتف السادات بذلك بل نشر كثيرا من الأحاديث الصحفية التى تدور حول ما كتبه فى البحث عن الذات, وطالع الناس ما نشره, ولعلهم تعجبوا كما تعجبت, وعادت بهم الذاكرة إلى ما كتبه السادات فى حياة عبد الناصر وتأكدوا بعد ذلك من التناقضات الواضحة فيما رغمه وادعاه.

وقد كان لزاما أن أعرفه بأن ما ذهب إليه فيما كتب وفيما نشر هو من محض الخيال الذى أراد به أن ينسب لنفسه كثيرا من الأعمال التى تتناسب مع هالة الحكم وسطوة السلطان!!

فذكرت له فقط بعض الوقائع التى أخفيت فيها الحقائق عن الناس ونسبت إلى غير أصحابها كما يفعل السادات الآن!! واتبعت كتابتى إليه بالوثائق والأدلة التى لا تدع معها مجالا للمتشككين عن الوقائع التى أشرت إليها فى رسائلى غليه.

ولا أظن أن السادات لم يدرك ما قصدت إليه, ولكنه تجاهل ذلك تماما وافادنى فقط عن طريق إدارة شئون الضباط بخطاب الترقية الفخرية إلى رتبة فريق الذى عرضته فيما سبق على القارئ الكريم وأعرض عليه الآن ما ذكره البغدادى فى مذكراته خاصا بهذا الموضوع.


من مذكرات عبد اللطيف البغدادى صـ24:

وضم إلى هذه المجموعة قبل نهاية (1951) الطيار جمال سالم, وكان قد عاد لتوه من لندن بعد قضاء ثلاث سنوات بها تحت العلاج, ولإجراء بعض العمليات الجراحية هناك, وكان ذلك على اثر حادث الطائرة حربية كان يقودها.

وكنت قد اصطحبته معى لحضور لمجموعتنا بعد عودته ثم رئى بعد ذلك ضمه إلى المجموعة. كما أنه قبل انتهاء عام (1951) أيضا وبعد انضمام جمال سالم اقترح جمال عبد الناصر ضم أنور السادات إلى هذه اللجنة بعد أن سألنا عن رأينا فيه لسابق اشتراكه معنا فى التنظيم السرى عام (1940) ولم يكن جمال مشتركا معنا فى هذا التنظيم السرى بسبب وجوده فى السودان حتى عام (1943) كما سبق أن ذكرت. وكان أنور قد أعيد إلى الخدمة بالجيش من فترة ليسا بالطويلة عام(1950) وقد وافق على انضمامه الجميع, ولم يعترض عليه إلا عبد المنعم عبد الرءوف. تعليق: سبب اعتراضي هو تأكدى أن أنور السادات كان مشتركا الحرس الحديدى الذى كان يخدم الملك حينذاك.

ويستطرد عبد اللطيف البغدادى القول فى صـ(35)

" وقد أطلقنا على مجموعتنا هذه اسم اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار, وهى التى أطلق عليها بعد قيام الثورة فى يوليو (1952) (مجلس قيادة الثورة) وكان قد سقط من هذه المجموعة قبل قيام الثورة بشهور قليلة عبد المنعم عبد الرءوف وذلك بقرار من اللجنة التأسيسية, لنشاطه ومحاولاته المتعددة لضم بعض الضباط الأحرار إلى جماعة الإخوان المسلمين, التى كنا نرفض الاندماج فيها, وأن تقتصر علاقتنا على التعاون دون الاندماج.

ولكن عبد المنعم قد تخطى هذا القرار بتصرفه, فقد كان عضوا سابقا بالإخوان, وكان دائم التحمس لهم ومؤمنا بهم, وقد سمح له أن يظل عضوا بها حتى عضو فى منظمتنا".

والحقيقة التى يجب ألا تغيب عن ذهن القارئ أن التنظيم الذى يتحدث عنه البغدادى وذكر أن أنور السادات كان مشتركا فيها, لم يكن هو تنظيم الضباط الأحرار الذى زعم السادات أنه أنشاه عام (1939) وأننى كنت الرجل الثانى فيه!!

وواقع الأمر أنه كانت هناك أعمال وطنية ولقاءات كان يغذيها الفريق أ.ح عزيز المصرى فيمن كانوا يتصلون به من ضباط الجيش. ودون أن يكون لها صفة التنظيم.

أما التنظيم الحقيقى فهو ما سبق أن أشرت إليه عندما تكونت أول خلية وكانت تضم سبعة من الضباط الأحرار فيما بعد. وبدأ الناس يتساءلون:

ففى أول عدد من جريدة مايو نشرت بعض الوقائع التى ذكرها الرئيس السادات عن تكوين ( الضباط الأحرار) وذكر بعض الأمور المتصلة بى, وكان ذلك مدعاة لأن يتساءل الناس عنى وعن ذلك الإسم الجديد الذى سبق أن عرفوه من قبل ولم يتحدث عنه أحد منذ قيام حتى الثورة التصحيح, وأثبت للقارىء نص خطاب أرسله احد القراء لجريدة مايو:

السيد الفاضل والصحفى الجليل رئيس تحرير جريدة مايو الغراء تحية طيبة من عند الله مباركة

وبعد:

فى آخر صفحة فى أول عدد لجريدتكم يتكلم السيد الرئيس المؤمن محمد أنور السادات عن شخصية يعرفها وطالما تكلم عنها فى مناسبات كثيرة وخاصة فى كتابه " البحث عن الذات"وفى جميع المناسبات كان يقول: أخى عبد المنعم عبد الرءوف مما شوفنا لمعرفة الكثير عن هذا الرجل.

ولذلك نريد إلقاء الضوء هلى هذا الرجل, وما هى علاقته بالضباط الأحرار؟ حيث قال عنه السيد الرئيس إنه سلمه القيادة, ولم نسمع عنه عند قيام الثورة! فما هو دوره فى الثورة؟ وبعد قيام الثورة؟ وخاصة أن هذا الإسم لم يظهر إلا بعد ثورة التصحيح الغراء. وبعد أن من الله على شعب مصر بالحرية والعزة والكرامة الحقيقية فعلا, ولا يشعر ويحس بها إلا من عرفها وله قلب وألقى السمع بعد أن جاء محمد. ليكمل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأسأل الله لكم التوفيق

محمد فرج

40 شارع أبو حشيش حلمية الزيتون

18/4

ولست أدرى من محمد؟ الذى جاء ليكمل رسالة محمد كما يتحدث صاحب الخطاب!!

أقول: إن الناس قد خدعوا فى بعض الأفراد وأنزلوهم مكانه النبيين والصديقين, دون أن يعرفوا شيئا عن حقيقة أمرهم وأحوالهم.

وأعود إلى مذكرات عبد اللطيف البغدادى وهو شاهد من أنفسهم على ما كلن يجرى ويدور.


يذكر عبد اللطيف البغدادى فى مذكراته صـ(146):

" وفى يوم الأحد(21) كارس وبعد أن تم استعراض الجيش بمناسبة زيارة الملك سعود, ذهبت مع كمال الدين حسين وحسن إبراهيم لزيارة جمال عبد الناصر بالمنزل لمرضه, فأبلغنا أن الإنفجارات التى كانت قد حدثت فى اليوم السابق وأشار إليها فى اجتماع المؤتمر إنما هى من تدبيره! لأنه كان يرغب فى إثارة البلبلة فى نفوس الناس, ويجعلها تشعر بعدم الأمن والطمأنينة على نفوسهم وحتى يتذكروا الماضى أيام نسف السينمات إلى آخره, ويشعروا بأنهم فى حاجة إلى من يحميهم على حد قوله...."

هذا ما كان يحدث عام (1954) بعد أن جاءت الثورة , وهذه تصرفات بعض القائمين بها لسيطرتهم على الأمور!! وقد كانت ستة انفجارات متتالية فى اماكن متفرقة من العاصمة!!

وهذا يؤكد أن حادث المنشية هو من تدبيره أيضا حتى يكون له عذره فى القضاء على جماعة الإخوان المسلمين القوة المناهضة له, فهل يدرك الناس خطورة هذه الأمور الآن؟


نشر المذكرات:

حيال ما نشر من مذكرات وأحاديث صحفية وأذيع على الناس من موضوعات تجاوزت الحقيقة, رأيت أنه من الضرورى أن أقوم بعرض مذكراتى على الناس وكانت هذه مهمة شاقة جدا على نفسى, حيث كان بعضها فى لبنان وبعضها قد أخفى قبل اعتقالي ومحاكمتى ثم هروبى خارج البلاد. فأخذت أجمعها وأراجعها وقد استغرق هذا منى جهدا متواصلا وورقتا طويلا.


ثم مات السادات:

ومات السادات ومضت الأيام وعادت الصحوة للصحافة والصحفيين وتذكروا ما كتبه وما نشره السادات عن إنشائه تنظيم الضباط الأحرار وأخذوا يتساءلون ويثيرون أمام الناس أمورا ويضعون كثيرا من علامات الإستفهام أمامهم, وكان الهدف من كل ذلك أن يشك الناس فيما ذكره السادات.

فنشرت مجلة المصور عام (1982) فى الأعداد المتتالية من (3015 إلى 3018) تفاصيل جديدة تذاع لأول مرة عن تنظيم الضبط الأحرار بقلم جمال حماد, وسرد الكاتب الوقائع وتساءل على الغلاف وعرض صورة عبد الناصر والسادات وتحدث عن أطول يوم فى التاريخ وقال: من الذى أسس تنظيم الضباط الأحرار جمال عبد الناصر أم السادات؟ وكثرت المقالات وحدثنى نفسى أن أجيب ولكننى أحجمت , فما سبق أن ذكرته للجنة تاريخ ثورة 023) يوليو لم يكن فى تقديرى أن يكتب لحجب عن الناس!!


الأمراض ومشاغل الحياة:

أخذت الأمراض تعاودنى فكنت أتردد لإجراء الفحوص وأستشير فيها الأطباء المتخصصين, وأجريت بعض الجراحات فى المثانة تارة وفى عينى تارة أخرى.

وأخذت أفكر فى جهاز تنظيم ضربات القلب وكفاءته بعد هذه الفترة وهل الموضوع, ومضت بى الحياة وانتقلنا إلى المنزل الجديد خلف المخبز الآلى بمدينة نصر ونادرا ما كنت أغادر المنزل إلا للضرورى من الأمور.

وتزوجت ابنتان من بناتى وخطبت الثالثة وهى ما تزال فى كلية الطب وعقد قرانها بمسجد السيدة رابعة العدوية بمدينة نصر, وكان كذلك فى مساء اليوم الذى شيعت فيه جنازة المرحوم الرئيس محمد نجيب صباح اليوم نفسه من المسجد.

وحضر عقد القران الأستاذ عمر التلمسانى وجمع من الإخوة الفضلاء وبعض أفراد مجلس الشعب, والسيد رشاد مهنا الوصى السابق على العرش.


خاتمة

بقلم رئيس التحرير بدار الطباعة والصحافة والنشر الإسلامية 1 شارع سوق التوفيقة بالقاهرة.

فى يوم الأربعاء الموافق (13 من يوليو 1885 – 14 من ذى القعدة 1405) مات الفريق عبد المنعم عبد الرءوف بعد حياة حافة بالكفاح والتضحيات والمتاعب, على أثر نوبة قلبية بينما كان يتحدث مع نجله الصغير مصعب.

وشيعت جنازته إلى مثواه الأخير من مسجد (رابعة العدوية) بمدينة نصر إلى مدافن الأسرة بالقاهرة.

وأذاعت الصحف نبأ وفاته فكتبت جريدة الأهرام فى عددها الصادر يوم الجمعة الموافق (2 من أغسطس 1985) ما يلى:

وفاة عبد المنعم عبد الرءوف أحد الضباط الأحرار

توفى أمس السيد عبد المنعم عبد الرءوف (71) سنة أحد الضباط الأحرار لثورة (23 يوليو 1952) وقائد الكتيبة التى هاجمت قصر رأس التين.

وكان عضوا فى اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار التى أطلق عليها فيما بعد مجلس قيادة الثورة.

وكان عبد المنعم عبد الرءوف من المجموعة الأولى فى التنظيم السرى بين الطيران والجيش الذى تشكل لمقاومة الاحتلال البريطانى فى بداية عام (1940) وقد هرب من مصر عام (1954) وصدر الحكم عليه بالإعدام غيابيا لاتهامه فى قضية الإخوان المسلمين, ثم وصل إلى الأردن فى ديسمبر (1957) وطلب اعتباره لاجئا سياسيا حتى تم الإفراج عنه.

كما نشرت جريد الأخبار فى صفحتها الأولى أيضا:

وفاة عبد المنعم عبد الرءوف الرجل الثانى فى تنظيم الضباط الأحرار.

توفى أمس اللواء طيار متقاعد عبد المنعم عبد الرءوف عن (71) عاما بعد إحساسه بأزمة قلبية حادة, وقد شيعت جنازته أمس وتقدمها الرئيس حسنى مبارك.

وعبد المنعم عبد الرءوف أحد قادة الضباط الأحرار قبل (23) يوليو وكان أول ضابط ارتبط بجمال عبد الناصر فى التنظيم, ونجح فى ضم عبد الناصر إلى الإخوان, وظل عبد المنعم عبد الرءوف يعمل مع عبد الناصر حتى اشتد الخلاف بينهما قبل الثورة, فقد كان عبد المنعم يريد من تنظيم الضباط الأحرار أن يكون مرتبطا عضويا بجماعة الإخوان المسلمين, بينما كان جمال عبد الناصر يصر على أن يكون التنظيم مستقلا عن كل الأحزاب والجماعات وأن يستقيل كل ضابط ينضم إليه من الحزب أو الجماعة التى كان مرتبطا بها من قبل.

وقد رفض عبد المنعم عبد الرءوف ذلك وأصر على عضويته بجماعة الإخوان, فأسقط عبد الناصر عضويته فى تنظيم الضباط الأحرار.

وقامت الثورة فى 23 يوليو, يوم 26 حاصرت قوات الجيش قصر رأس التين لإرغام الملك فاروق على التنازل عن العرش.

ولكن عبد المنعم عبد الرءوف لم يجعل من فصله حاجزا بينه وبين هذا الحدث التاريخى, واشترك مع القوات فى حصار قصر الملك.

والمعروف أن عبد المنعم عبد الرءوف قدم للمحاكمة أمام دائرة الثالثة بمحكمة الشعب بتهمة ترتيب عملية الحزام الناسف لقتل جمال عبد الناصر فى المنشية بالإسكندرية كأحد قادة التنظيم السرى للإخوان المسلمين.

وحكمت عليه المحكمة بالإعدام غيابيا لأنه كان قد نجح فى الهرب خارج مصر, ثم ظهر عام (1957) بالأردن ليمنحه البرلمان الأردني حق اللجوء السياسى, ويعين نائبا لرئيس الحرس الوطنى الأردنى.

وبعد سنوات طويلة عاد إلى الوطن.

ولد عبد المنعم عبد الرءوف بمصر عام (1914) وتخرج فى الكلية الحربية فى فبراير (1938).

وفى مساء نفس اليوم أقيم سرادق بجوار منزله بمدينة نصر وتحدث عن مآثره كثير من إخوانه وأصدقائه ومعارفه.

رحم الله الفقيد رحمة واسعة ونسأله سبحانه وتعالى أن يلحقه بالشهداء والنبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ثم تابعت الصحف نشر حياة الفقيد وكفاحه وجهاده ومآثره فكتب عنه الأستاذ جمال حماد والأستاذ كامل الشريف فى جريدتى أخبار اليوم ثم الأخبار كما كتب أيضا الأستاذ إسماعيل النقيب كلمة بعنوان" عبد المنعم عبد الرءوف سؤال بلا جواب" وذلك فى صحيفة الأخبار الصادرة يوم (25/8/1985) وذكر سيادته أن عبد المنعم عبد الرءوف" وظل فى منزل الأستاذ محمد شديد أربعة أشهر ولم يعلم بمكانه أحد حتى زوجة الأستاذ شديد كانت لا تدرى شيئا من أمر ذلك الضيف, والذى لا يغادر الغرفة المخصصة له فى حى شبرا بمسكن الرجل, وفجأة اختفى عبد المنعم من مسكن صديقه واكتشف الأستاذ شديد ذلك عقب عودته من المسجد بعد صلاة الفجر, واختفى مع عبد المنعم عبد الرءوف مسدس الستا محمد شديد, وظل هروب عبد المنعم عبد الرءوف لغزا محيرا للرجل, حتى ظهر عبد المنعم عبد الرءوف فجأة فى جنيف بسويسرا, فكيف هرب من مصر؟ وكيف عرف الذين ساعدوا على هروبه مسكن محمد شديد؟ والأكثر من ذلك إثارة للسؤال ان المسدس الذى عثر عليه مع محمود عبد اللطيف الذى اتهم بإطلاق الرصاص على عبد الناصر وأعدم بعد ذلك, هو نفس مسدس محمد شديد الذى اختفى مع عبد المنعم عبد الرءوف وكان قد شاع بين الناس عقب هروبه أن جمال عبد الناصر هو الذى قام بتهريبه من السجن وأخفاه فى منزله, حتى هربه إلى خارج البلاد.

ونشر الأستاذ فتحى رضوان بمجلة الهلال عدد سبتمبر (1985) أيضا مقالا بعنوان عبد المنعم عبد الرءوف وأكبر قضية عسكرية فى تاريخ مصر الحديث.

وجاء فى المقال" واختلف عبد المنعم عبد الرءوف مع إخوانه من اليوم الأول كما أسلفنا, وحكم على عبد المنعم عبد الرءوف بالموت, ولكنه لجأ إلى الأردن, وهناك عينه الملك سفيرا للأردن فى الهند, سافر جمال عبد الناصر إلى الهند زائرا لنهرو, وفى المطار اصطف سفراء الدول ليحيوا الضيف العظيم القادم ووقف فى مقدمتهم عبد المنعم عبد الرءوف سفير الأردن فى الهند وصافحه عبد الناصر دون أن يلتفت جيدا إلى شخصه ثم عاد فدقق, وإذا به يفاجأ و بأنه يصافح صديق العمر وزميل الجهاد وعدوه أخيرا, وأضحكته المفارقة ثم تعانقا".

وكان لزاما أمام ما نشر أن نتحرى الحقيقة لنعلنها على الناس أوللا ثم نثبتها فى ملف الفريق عبد المنعم عبد الرءوف الموجود لدينا ثانيا فقامت دار الطباعة والصحافة والنشر الإسلامية بإيفاد الأستاذ جابر رزق الكاتب والصحفى والأستاذ أحمد عيد موجه اللغة العربية بالمعاش إلى الأستاذ محمد شديد المقيم حاليا ببلدته بهناى منوفية, وأطلعاه على جاء على لسان الأستاذ إسماعيل النقيب , فذكر لهما أن المرحوم الفريق عبد المنعم عبد الرءوف لم يدخل بيته إطلاقا, أما فيما يختص بواقعة لقائه مع المرحوم الرئيس عبد الناصر بالهند, فقد قاما بسؤال السيدة حرمه فذكرت أنه لم يعين سفيرا للأردن بالهند,كما أنه لم يكن سفيرا لها أبدا, وذكرت كذلك أنه لم يعين فى أى وظيفة بالأردن لا فى الحرس الوطنى ولا فى غيره, وإنما طرد من الأردن, لأنه رفض ما طلب إليه وهو أن يقوم بحملة ضد عبد الناصر بالإذاعة والتلفزيون الأردنى,والقارئ لهذه المذكرات يتأكد تماما مما كتبه سيادته عن فترة وجوده بالأردن ويتأكد من صدق ما ذكرناه وأنه لم يسافر إلى سويسرا أيضا.

أما فيما يختص بواقعة التهريب خارج القطر فقد قام الأستاذ جابر رزق بإجراء حديث صحفى مع السيدة حرم المرحوم اللواء عبد القادر عبد الرءوف نورده فيما يلى:

س: اذكري لى متى التقى بك المرحوم عبد المنعم عبد الرءوف أثناء فترة هروبه؟

ج: هذا الكلام من سنين طويلة وليس من المعقول أن أتذكر اليوم أو الشهر إنما السنة ممكنة وأظن ذلك كان عام (1954).

فقد اتصل بى بعد اتفاق سابق مع أخيه ولم أكن أعرفه من قبل فاتصل بى تليفونيا , وكان الاتفاق أن يقول لى أنا من غير ذكر اسمه, فأخبرته أننى سأنزل وأقابله وذهبنا إلى المكان الذى تقابلنا فيه مع أخيه.

حيث كان أخوه يمتلك قطعة أرض على ترعة المنصورية والذهاب إليها يكون من قبيل التمويه, وعاد والتقينا فى منطقة كلية الطب السنان وتوجهنا إلى منزل بشارع التلول, ووجدنا أن هناك صندلة فوق الباب ليست مطروقة فمكث فيها إلى الصباح, وكان هذا المنزل مملوكا لنسايب المرحوم اللواء عبد القادر.

وفى اليوم التالى ذهبنا بسيارة المرحوم اللواء عبد القادر إلى منزل ابنته بالدقى وكان لابسا جلبابا بلديا وفوقه بالطو ورأسه عاريا, ومكثنا بعض الوقت وعند خروج المرحوم الفريق عبد المنعم من منزل ابنه أخيه, هوجم المنزل بحثا عنه بقيادة الملازم حسن أبو باشا

وزير الداخلية فيما بعد, وكان وقتها يقيم فى منزل خاله زوجها المجاور لمنزل ابنة شقيقه

وذهبت به إلى منزل قريب لى فى مصر الجديدة وهو رجل كبير فى السن وكان يقيم فى عمارة بآخر دور ولا يصعد إلى الشقة إلا الساكن فقط,وكنا موفقين فى ذلك, وذكرت لقريبى أنه ضابط فى الجيش ومن المنشقين وضد الثورة وأنه لا يريد الظهور, ومن حسن الحظ كان قريبى هذا رجلا مثقفا ومتفتحا لكنه بعيدا عن السياسة والإخوان المسلمين, لذلك أخذ كلامى ثقة على أنه ضابط منشق وليس له صلة بالإخوان المسلمين لأن الحكومة كانت قد بدأت تتصرف ضد الإخوان.

وكان صاحب الشقة يريد الخروج وكنا نتحايل عليه للبقاء ونتفنن فى تسليته فكان يقول: يا ابنى عايزين نخرج نشم هوا لأنه رجل كبير ومسن, ويريد الخروج دائما , وكانت الجرائد قد بدأت تكتب وتنشر صور المطلوب القبض عليهم, فبدأ قريبى يشك فى الإنسان الموجود عنده, ذكرت له أن هذا عبد القادر عبد الرءوف وله أخ اسمه عبد المنعم عبد الرءوف هو الذى يبحثون عنه أما عبد القادر فهو مختف هنا خوفا من القبض عليه وإن عبد المنعم الحكومة تتعقبه وستقبض عليه.

ثم اتصلت بعبد القادر وأبلغته بأن قريبى بدأ يشك وأعصابه الآن متعبة و فسألنى: وما العمل : وما العمل؟ فقلت: إننى سأكلم أختى التى تسكن فى روض الفرج, ولما سيطر الشك على زوج أختى نزل إلى الشارع ليأتى بالجريدة فإذا مكتوب فيها بالخط العريض( الهجوم اليوم بالدبابات والسلحة النارية والمدرعات على شبرا وروض الفرج لوجود الإرهابى عبد المنعم عبد الرءوف فى هذه المنطقة ).

وبمجرد أن قرأ هذا الخبر وقع على الأرض أمام ترام رقم 030) لأن منزلهم فى روض الفرج بعد الدوران بقليل, فنزل أخوه وأحضره إلى البيت, وبدأنا نفكر فى نقله إلأى مكان آخر, وكانت لى أخت أخرى تسكن فى مصر الجديدة فى أول شارع برس غالى فى أول دور, وكان زوجها الأستاذ وجدى عنايت – رحمه الله – صديقا لرجال الثورة, وهو منتج سينمائى ومنزله غاص بالزائرين طول اليوم منهم ضباط شرطة وضباط الجيش, وأكثرهم من رجال الثورة ولا يفكر أحد فى أن يكون عبد المنعم عبد الرءوف موجودا فى هذا البيت, وذهبنا به إلى هذا المنزل فى تاكسى, فرحب به زوج أختى المرحوم الأستاذ وجدى عنايت, ودخلنا غرفة الأولاد وكان المنزل غاصا بالزائرين ولا يفكر أحمد منهم أن القادم عبد المنعم عبد الرءوف.

وطبعا الناس الذين يعملون فى السينما سعرفون كثيرا من الأوساط منها الصالح ومنها المنحرف, فكان زوج اختى يعرف رجلا يعمل فى التهريب اسمه الشريف, هو الآخر توفى أيضا.

قال له: أنا عندى واحد من المنشقين على الحكم من غير أن يذكر له الأسم يريد السفر إلى الخارج, وكان أيامها عائلة لملوم ضد الثورة, وعائلة سراج الدين ضد الثورة, وعائلة بدراوى وبقايا من العائلة المالكة ضد الثورة مجاميع من الأسر تريد الخروج من البلد وترغب فى تهريب أموالها كذلك, فقال له:

عندى شخص ولم يذكر الأسم وأريد أن نسفره للخارج على أحد المراكب التتى تذهب إلى لبنان أو سورية أو تركيا أو أى بلد آخر.

فقال له : لا مانع عندى ولكن المبلغ الذى سيطلبه القبطان ستدفعه.

فقال له: ليس لدى مانع ولم يسأل المهرب عن اسم الشخص ولم يذكر زوج اختى من يكون؟

وما حدث بعد ذلك أن الرجل لما ذهب إليه المرحوم عبد المنعم عبد الرءوف فى المنصورة من مصر الجديدة اكتشف شخصيته, فبدأ يطلب المزيد من المال, لأن المهربين يتعاملون مع لمادة ولا يهمهم غيرها, وطلب المبلغ الذى يرضيه نظير الإقامة عنده فى المنصورة وليس من أجل تهريبه للخارج.

ولما وجدنا الموضوع تأخر وأنه لم يسفره للخارج, كلفنى أخوه بأن أذهب إلى المنصورة وأحضره ثانية إلى القاهرة , على أن يعطيه خريطة الصحراء يوصله,وكان أخوه يعمل فى سلاح الحدود وكان يعرف الصحارى مصر كلها ومعالمها, وكان لفترة طويلة محافظا لسيوة, وفى يوم من الأيام قال: نطلعه مع قافلة جمال ويمشى ويتوكل على الله, وفعلا ذهبت وأحضرته من المنصورة وذهبت به إلى أول مكان أخفيته فيه وهو قريبى فى مصر الجديدة, وكان لا يعرفه وعنده شك فقط فى أنه عبد المنعم, وعندما ذهبنا إليه ومكثنا عنده مدة ثم بدأ يعاملنا بلؤم ويهاجمنا ويقول: هذا ليس عبد القادر بل عبد المنعم, ويحضر الجرائد ويقول هذه صورته فأقول له كلا هذا عبد القادر وأما عبد المنعم فلا نعرف طريقه وهما شديدا الشبه لأنهما أخوان, فرفض أن يصدق وقال: إذا كان كلامك صحيحا فلنذهب إلى السينما ونروح المسرح أو نقعد فى محل ولو أحد سأله يخرج كارنيه ويثبت أنه عبد القادر.

ثم فكرنا فى الرجوع للمنصورة لأن الهروب عن طريق الصحراء صعب وغير مأمون فى هذه الفترة, فاتصلنا بزوج أختى المنتج السينمائى لنضعه أمام الأمر الواقع وقلنا له: إن الرجل الذى اتفقت معه لم ينفذ وعده وأخذ يتسلى علينا فبقى عنده عدة أيام, فأحضر زوج أختى الرجل من المنصورة وقال له: قل لنا بصراحة ماذا تريد من النقود؟ فطلب الرجل (350) جنيها وطبعا قال هذا المبلغ سيعطيه لقبطان المركب وليس له.

وفى ذلك الوقت حين يريد أخوه أن يرانى كان يذهب إلى الإسكندرية ويعمل تمويها ويغير الاتجاهات ليبلغنى رسالة أوصلها له حتى لا يعرف أحد بأن لى علاقة بأخيه فيمشى ورائى والأسرة كلها كانت مراقبة وتهاجم فى أى وقت بالليل وبالنهار.

وفكرنا فى العودة إلى المنصورة حين ذكر الرجل ما يريده, وفعلا عدنا إلى المنصورة من مصر الجديدة بتاكسى, وأخذ الرجل يقول اليوم نوة وتمضى الأيام لينتفع بالمصاريف التى كان يتقاضاها نظير الإقامة بمنزله, إلى أن هداه الله وقرر تسفيره فأعطيناه المبلغ المطلوب وأكثر, أخذت الفلوس من المرحوم اللواء عبد القادر فأخذ منها الرجل ما أراد والباقى تسلمه المرحوم عبد المنعم وسافر من المنصورة إلى دمياط, وركب الباخرة وكانت من البواخر التى تحمل الملح وأشياء بدائية وتوكل على الله ووصل إلى لبنان بسلامة الله.

وكان زوج أختى له أسر ( معرفة) هناك فاستقبلوه وبقى عندهم فترة حتى التقى بإخوانه هناك. س: حضرتك تعتبرى شاهدة فى هذا الموضوع فهناك كلام, يقال: إن عبد الناصر يسر له الهروب من مصر!!

ج: أنا مستعدة أحلف على المصحف إن هذا الكلام كذب مليون فى المائة لأن هذا كان نوعا من أنواع الدعاية, فقد كان يريد أن يشعر باقى أعضاء مجلس الثورة وزملاءه بأنه رجل كبير القلب وأنه يسر له السفر وأخرجه من مصر بالرغم من أن عبد المنعم كان يريد اغتياله, فهذا كلام غير معقول ولن يصدقه إنسان عاقل , فقد كان يمكنه بجره قلم لن يلغى حكم الإعدام الذى صدر ضده.

س: طبعا هذا الكلام مقصود به تشويه صورة عبد المنعم؟

ج: هو ليس تشويها فقد كان يرغب فى مجد شخصى, عبد الناصر عايز يشعر الجماعة التى حوله بأن قلبه كبير وصاحب فضل, بدليل أن الرجل الذى أساء إليه يسر له الهروب من مصر.

س: الناس ظنوا هذا لمشاهدتهم حضور عبد الناصر زفاف بناته؟

ج: لما المرحوم عبد القادر زار السادات فى منزله لأنه كان يتولى البنات فى صورة توصيل نقود إليهن من المؤتمر الإسلامى, وكان أيامها رئيس مجلس الأمة فمن ضمن الحديث قال له, تعرف يا عبد القادر بدون تكليف مع أن الناس قديما كانت تحترم الرتب فقد كان المرحوم عبد القادر برتبة الأمير ألاى وكان السادات برتبة البكباشى. فقال له : تعرف يا عبد القادر(كدة أخوية) – فقال له : خيرا وكان المرحوم رئيس محكمة عسكرية طويل البال ( ورجل محنك) وعلى علم ومثقف ومحارب وله أمجاد وكان متزنا جدا وليس متهورا وقى الإسلام, فقال خيرا, فقال له السادات: لو كنت شفت عبد المنعم كنت رصصته بالطبنجة بتاعتى, تتصور إن عبد الناصر هو الذى هرب عبد المنعم من السجن وأسكنه فى بيته مع أولاده لغاية ما أحضر له طائرة هليكوبتر وطلعه على الحدود وبعدها استريح كده وعرب.

فطبعا عبد القادر ضحك لأنه أمام أسطورة دخلت التاريخ من ضمن أكاذيب الثورة التى كانت لا تنتهى, وقد كان المرحوم عبد القادر هو صاحب المشكلة ويعرف الموضوع من أوله لآخره, وقد كان هذا الكلام من تأليفهم وهو متأكد من ذلك طبعا.

س: أنت حكيت أن هذا الكلام قيل وأن السادات قاله لعبد القادر فهل اختلقه السادات؟

ج: لا! السادات لم يختلفه إنما جمال عبد الناصر هو الذى اختلقه شخصيا وأن عبد الناصر قال للسادات: أنا خليته فى بيتى وطلعته خارج مصر وأنور السادات بيقول نقلا عن لسان جمال عبد الناصر وأنه قال كنت رصصته بالطبنجة بتاعتى بالرغم من كل الذى عمله لى فى حياتى أيام ما كنت طريدا, وقال: أنا كنت أدخل بيت عبد المنعم لو كان فيه آخر رغيف فى بيته كنت أنا الذى آكله بالرغم من كل هذا كنت ضربته بالطبنجة بتاعتى وبالرغم من كل ما حدث منه فقد أخذه جمال عبد الناصر إلى منزله وأخفاه حتى هربه إلى خارج مصر!.

س: هناك احتمال أن أنور السادات قال هذا الكلام تمجيدا لعبد الناصر.

ج: لا يا فندم عبد الناصر قال هذا الكلام لزملائه ليكتسب مجدا ويظهر بينهم بأنه رجل كبير القلب ليحصل على شعبيه فى محيطه.

س: إنه كان يريد ان يكتسب شعبية ويظهر للناس أنه ذو القلب الكبير وأنه لم يظلم أحدا؟

ج: حتى الذى أساد إليه أراد أن يظهر للناس أنه غير مسئول عن الذى حدث له, لأن الذى حكم على عبد المنعم هو رئيس المحكمة, إنما هو أراد أن يظهر بأنه صاحب فضل , فقد أراد عبد المنعم اغتياله لكن جمال أواه بعد أن أخرجه من السجن ثم طلعه إلى بر الأمان.

س: إن عبد الناصر لم يكره أحدا بمثل كره عبد المنعم ولم يعامل أحدا بهذا السوء إلا عبد المنعم حتى معروف وهو الثانى بعد عبد المنعم وقد كان يكرهه ولكن الباقين من أعضاء مجلس الثورة كان يبعدهم فقط مثل خالد محيى الدين فقد سفره إلى الخارج مع زوجته وقرر له راتبا شهريا ليعيش فى فرنسا.

ج:لأن عبد المنعم له الفضل الأول على جمال, وأنه كان أستاذه وفى مقابلة تمت بينه وبين جمال بحضور صلاح سالم وعبد الحكيم قال جمال لعبد المنعم : إنك صاحب هذه الثورة.

س: هل حدثت صلة بالأستاذ عبد القادر قبل الاشتراك فى عملية التهريب؟

ج: نعم فقد كنت أذهب إلى مكتبه بالسفارة الأمريكية للإطلاع والترجمة, وكان هو يذهب لعمل دراسات عسكرية ويستعير كتبا, فعرفنا وذكر أنه شقيق عبد المنعم عبد الرءوف, وعبد المنعم فى ذلك الوقت كان بالنسبة لى أسطورة فكنت على استعداد للقيام بأى خدمات من أجل أخيه, فقمت قبل هروبه من السجن بنسخ القضية على الآلة الكاتبة , وكانت سرية طبعا لأنه راجل عسكرى والقضية عسكرية, وليس من المصلحة معرفة أسماء الضباط فأعطاني المرحوم عبد القادر القضية, قمت بنسخها له كنوع من أنواع الخدمات التى كان يجب أن أقوم بها.

وانتهت المقابلة على ذلك.


عبد المنعم عبد الرءوف وأكبر قضية عسكرية فى تاريخ مصر الحديث

بقلم / فتحى رضوان

غاب عن دنيانا فى هذه الأيام الضابط عبد المنعم عبد الرءوف وهو اسم نجده فى كل مذكرات أو كتب تناولت تاريخ ثورة 23 يوليو.

ولم تعرف مصر عبد المنعم عبد الرءوف بوصف ضابطا من تنظيم الضباط الأحرار, بل عرفته فى مناسبة أخرى هزت مصر والوطن العربى هزا عنيفا وبقيت تشغله فترة طويلة, وتبعث فى الوقت نفسه آمالا فى نفوس الوطنيين الذين كانوا يمنون أنفسهم بقيام حركة تمرد أو مقاومة تقف فى وجه الإنجليز, وكان الأمل الأكثر أن تنبعث هذه الحركة من صفوف العسكريين المصريين, أى ضباط الجيش, ولا سيما الشبان منهم. فالجيش هو المنظمة التى تضم أقدر المصريين على مقاومة الإنجليز لأنها: أولا: تتكون من مجموعة غير قليلة من المصريين أصحاء البدن,المدربين على حمل السلاح واستعماله, وهى فى الوقت نفسه أكثر المصريين إحساسا بما يلحقه الجيش البريطانى من العار والإهانة بشرف مصر, وبجيشها.

ثانيا:

لأن اتفاق الضباط المصريين, بحكم كونهم مقاتلين على رفض الإحتلال وكراهيته يهيئهم لأن يكونوا طلائع المقاومة, ومصدر الروح الوطنية فى البلاد واجتماعهم فى أماكن مشتركة لأوقات طويلة يتيح لهم تبادل الرأى والتحضير للعمل الوطنى الشامل.

وكانت المناسبة التى عرفت فيها مصر, حدثا ضخما تمتزج فيها المجازفة المتسمة بالبطولة والشجاعة والمناداه بالعمل السياسى المخطط له والدبر ففى مايو سنة 1941, علمت الدنيا كلها أن رئيس أركان حرب الجيش المصرى الفريق عزيز المصرى حاول الخروج من مصر فى طائرة عسكرية, تولى قيادتها اثنان من ضباط سلاح الجيش العاملين.

وأن هذين الضابطين هما النقيبان: عبد المنعم عبد الرءوف, وحسين ذو الفقار صبرى وأن الطائرة سقطت بركابها فى ناحية قليوب بعد أن اصطدمت بأسلاك كهرباء فى هذه المنطقة.

ولم يعد لمصر شغل يشغلها إلا التحدث عن هذه الحادثة التى لم يسبقها شىء مثلها, وتردديد أسماء أبطال هذه المجازفة عزيز المصرى باشا, والضابطين عبد المنعم عبد الرءوف وحسين ذو الفقار صبرى, ثم متابعة تحريات المحاكمة العسكرين أمام المجلس العسكرى العالى الذى شكل من خمسة من كبار الضباط لمحاكمة هؤلاء الضباط وحفظت هذه القضية العسكرية بعد ذلك. وأفرج عن الضباط الثلاثة وعاد الضابطان الشابان إلى عملهما بالجيش ولكن فى غير سلاح الطيران.

ولم يعد اسم عبد المنعم عبد الرءوف يذكر, حتى فوجىء المصريون فى صباح 23 من يوليو 1952, بثورة عسكرية, اقتلعت الملك ثم الملكية من جذورها. ثم استقرت الثورة وأخيرا أتت الكتب والمقالات والبحوث تظهر لتروى وقائع ميلاد الحركة التى دبرت للثورة ونفذته, وقد أجمعت كل هذه المراجع على أمر واحد, هو أن عبد المنعم عبد الرءوف, كان ضمن أعضاء الخلية الأولى من خلايا الثورة, وأنه كان الرجل الثانى بعد جمال عبد الناصر, وأنه كان مثال الضابط الثائر, استقامة وامانة, وإليك الأمثلة على ذلك.

كان أول كتاب يروى قصة الثورة هو كتاب أنور السادات الذى جمع فيه مقالات كان ينشرها فى جريدة الجمهورية بعنوان " قصة الثورة كاملة" واختار للكتاب نفس الإسم. فذكر عبد المنعم عبد الرءوف كثيرا, فقال:" تكونت الهيئة التأسيسية فعلا وكانت تضم فى البداية جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم وخالد محيى الدين وعبد المنعم عبد الرءوف".

ثم قال: بينما نحن نعد خطتنا لقلب نظام الحكم على أساس تقديرنا لموقف البلاد فى ذلك الوقت فوجئنا بالبكباشى عبد المنعم عبد الرءوف وهو ينادى بضم تنظيم الضباط الأحرار كله إلى الإخوان المسلمين.

ولم يجد عبد المنعم هبد الرءوف من يستمع إليه. وأصر عبد المنعم عبد الرءوف على إخضاع الضباط ألأحرار لجماعة الإخوان المسلمين وقال وهو يحاول إقناعنا بوجهة نظره إن جميع أعضاء تنظيم الضباط الأحرار يمكن أن يقبض عليهم قبل أن يتمكنوا من عمل شىء, من يرعى أطفالهم وزوجاتهم وأهلهم؟ .وقلنا له جميعا, إننا مثله لنا زوجات وأولاد , ويهمنا أن نطمئن عليهم وعلى مصيرهم, ولكن المسألة ليست مسألأة شخصية فنحن نعد ثورة لا مؤامرة.

وقد تحدث جمال حماد عن عبد المنعم عبد الرءوف فى كتبه " 23 يولية أطول يوم فى تاريخ مصر". فقال:

" تخرج عبد المنعم عبد الرءوف فى الكلية الحربية عام 1938 فهو من نفس دفعة السادات وعين ضابطا طيارا بسلاح الطيران وعرفت فيه الاستقامة والصلابة وصدق الوطنية, وقد حذا عبد المنعم حذو الكثرين من الضباط الشبان المتحمسين الذين اجتذبهم شخصية عزيز المصرى فبدأ يتردد على منزله بالمطرية, تولدت نتيجة لذلك رابطة قوية من المودة والثقة إلى الحد الذى جعل عزيز المصرى يصارح عبد المنعم برغبته الملحة فى السفر إلى بيروت, ويسأله المعونة, وكان عزيز المصرى يهدف من وصوله إلى بيروت ان يساعده عملاء الألمان على السفر إلى العراق للمساهمة فى ثورة رشيد عالى الكيلانى التى قام بها ضد الإنجليز.

واستطاع عبد المنعم عبد الرءوف بدوره إقناع زميله" فى الكلية والدفعة" حسين ذو الفقار صبرى للإشتراك فى نقل عزيز المصرى إلى بيروت بطائرة من السلاح الجوى المصرى بحكم وجود حسين ذو الفقار فى سرب المواصلات .

ولكن المغامرة التى وقعت يوم 16 من مايو سنة 1941, لم يتيسر لها النجاح فإن حالة الإستعجال تسببت فى أن يغلق الميكانيكى مفتاح الزيت بدلا من ان يفتحه مما أدى إلى هبوط الطائرة اضطراريا بالقرب من قليوب. ورغم اختفاء عزيز المصرى والطيارين لمدة 12 يوما فى حى إمبابة عند احد أصدقاء عبد المنعم عبد الرءوف تمكن البوليس من القبض عليهم يوم 6 من يونية سنة 1941 وأجرى التحقيق معهم بعد اعتقالهم, وقدموا للمحاكمة, واستمروا معتقلين حتى أفرج عنهم فى مارس 1942 فى عهد الحكومة لنحاس. ولم يعد عبد المنعم عبد الرءوف إلى سلاح الطيران بطبيعة الحال بل نقل إلى الجيش وانضم لقوة الكتيبة الثالثة المشاة بمنشية البكرى بالقاهرة, وهناك جمعته الأقدار بضابط شاب تعرف عليه لأول مرة, ولعب بعد ذلك دورا خطيرا فى مجرى حياته.

وكان ذلك الضابط هو جمال عبد الناصر الذى كان يعمل وقتئذ مساعدا لأركان حرب الكتيبة الثالثة,وكان من ضمن قوة الكتيبة التى نقلت من الصحراء الغربية إلى القاهرة فى مارس سنة 1942 وهو نفس الشهر الذى أفرج فيه عن عبد المنعم عبد الرءوف وانضم فيه إلى قوة الكتيبة هو الآخر.

كما تحدث عن عبد المنعم عبد الرءوف كثيرا حمدى لطفى فى كتابه الذى صدر ضمن سلسة كتاب بعنوان : " ثوار يولية – الوجه الآخر" فقد ورد على لسان عبد اللطيف البغدادى أسماء أعضاء لجنة الضباط الأحرار, فقال عن قسم الطيران فى هذه المنظمة:

من الطيران حسن إبراهيم وجمال سالم ووجيه أباظة والمرحوم محمد شوكت وعمر الجمال السفير بعد ذلك, ثم انضم إلينا على صبرى ,وشقيقه حسين ذو الفقار صبرى, ثم عبد المنهم عبد الرءوف, ثم قال:

لقد اكتشفت فى جولة بحثى بين ثوار يوليه أن بين زملاء دفعة الرئيس السادات الضابط الثائر بكباشى عبد المنعم عبد الرءوف زملاء دفعته إلى لقاءات تعددت, وكانوا جميعا يؤمنون بفكر واحد وآمال واحدة فضلا عن تقارب أعمارهم واحلامهم وهم المرحوم أحمد سعودى وحسن إبراهيم وعبد اللطيف بغدادى وحسن عزت, وكانت بداية التجمع الثورى, ونشوء الفكر الوطنى المتحرر الرافض لمقاييس الحكم الملكى وأعمدته التى تسانده وهى فى الدورة الأولى قوات الاحتلال البريطانى فى مصر, وكان هولاء الثوار من صغار الضباط خلف فكرة الاتصال بالفيلد مارشال روميل, وإرسال صور المواقع العسكرية الإنجليزية المنتشرة فى أنحاء المملكة المصرية إليه عن طريق الطيار أحمد سعودى الذى سقطت طاشرته قبل أن يصل إلى القوات الألمانية فى الصحراء الغربية, بينما نجح الصول محمد رضوان سالم فى اليوم الثانى من الوصول إلى الألمان وقاد طائرة استكشاف للبحث عن طائرة سعودى.

وقد قال كمال الدين ضابط المدفعية فى هيئة الضباط الأحرار عن عبد المنعم عبد الرءوف." فى حى السيدة زينب, كنت أسكن, وفى الحى نفسه يسكن الضابط عبد المنعم عبد الرءوف, والتقينا, وكنا نستخدم تراما واحدا فى الذهاب والعودة ونتحدث فى كل شىء...

وذهبنا معا إلى اجتماع الإخوان المسلمين بشجيع من المرحوم محمود لبيب, ومحمود لبيب هو ضابط مصرى بدأ جهاده فى عهد الحزب الوطنى الأول حزب مصطفى كامل ومحمد فريد, وقد هاجر إلى ليبيا فى فترة الغزو الإيطالي لها سنة 1911 وزامل فى هذه الحرب عددا من الضباط والمجاهدين المصريين كل منهم صالح حرب باشا رئيس جمعيات الشباب المسلمين" وعبد الرحمن عزام باشا أمين عام الجامعة العربية.

وجاء فى كتاب " ثوار يوليه" ما نصه:

" وتولى كمال حسين قيادة مدافع الميدان( فى فلسطين) ومعه المرحوم نور الصيحى, وخالد فوزى, وتولى حسن فهمى قيادة المدافع المضادة للدبابات, وذهبوا إلى فلسطين ومعهم أيضا الشهيد سالم عبد السلام, وعبد المنعم عبد الرءوف.

وجاء فى كتاب [ صفحات من تاريخ مصر] تأليف حسين محمد حمودة, عن عبد المنعم عبد الرءوف. قدمت نفسى يوم 28 – 6 – 1943 للكتيبة الثالثة مشاة بألماظة وكنت وقتئذ ضابطا برتبة ملازم أول. وتصادف أن نقل إلى ذه الكتيبة اليوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف بعد أن أفرج عنه فى مارس سنة 1942 وحل المجلس العسكرى الذى انعقد لمحاكمته هو وزميله حسين ذو الفقار صبرى والفريق عزيز المصرى.

وحدث أثناء تناول الطعام مع الضباط فى الميس" قاعة الطعام" فى يوم لا أذكر تاريخه بالضبط فى الشهور الأخيرة من عام 1943 أن كان يجلس بجوار اليوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف, فأخذت أتجاذب معه أطراف الحديث وما لبث أن همس فى أذنى أنه يريد التحدث معى على انفراد فى موضوع بعد الغداء.

وانفردت معه" بالميس" بعد انصراف الضباط, فقال عبد المنع م عبد الرءوف لى أنه لاحظ اهتمامي الزائد بعملى, وحرصى على تفوق سريتى فى التدريب, وتمسكى بمبادئ الأخلاق الكريمة وأنه يود أن أزوره فى منزله ليتحدث معى حديثا أكثر حرية, وأعطانى موعدا مساء الجمعة, ذهبت إلى منزل عبد المنعم عبد الرءوف بالسيدة زينب وتحدث معى حديثا خلاصته أن مصر حالتها لا تسر أحدا, فالاحتلال البريطانى جاثم على صدر البلاد يحنق أنفاسها ويحول بينها وبين أى تقدم.. والفساد يضرب أطنابه فى كل أجهزة الحكم...

وتلاقيت مع عبد المنعم عبد الرءوف كثيرا حتى اطمأن لى واطمأنت له.

هذا هو عبد المنعم عبد الرءوف الذى تجمع المصادر جميعا أنه صاحب دور هام فى تأليف جمعية الضباط الأحرار, وأنه الرجل الثانى فى مؤسيسها.

وإن بعضهم قد حاول أن يجعله المؤسس الأول. وقد كانت مجازفته الضخمة بالإشتراك مع زميله حسين ذو الفقار صبرى فى نقل عزيز المصرى باشا بطائرة حربية, وخلال فترة أكبر حرب عرفتها الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى – ضربا من الفدائية التى لا ينكر أحد أنها عنوان الشجاعة التى لا تهاب شيئا ولا شخصا, ولا تفكر فى مصيرها, ولا تبقى على حياتها. وقد كانت هذه المحاولة التى تمت فى 16 من مايو سنة 1943, دوريا أيقظ كل النائمين, وحرك كل المستسلمين للأمر الواقع والراضين به.

وقد كنت أعرف أطراف هذه المغامرة الكبرى على درجات من التفاوت... وكانت معرفتى لعبد المنعم عبد الرءوف تجعله قريبا منى, دون أن تنشأ بيننا صداقة حميمة, فقد جمعتنا الظروف فى مدينة أسيوط, وأنا فى السنة الأولى الثانوية, فقد كان أبوه قائد ما يسنى – سنة 1924 وما بعدها – بالأورطة التى كانت تعسكر فى الصعيد , وكان أبى مهندسا للرى, وكان بيتابنا متجاورين فى هذه المدينة, وقد لعبنا معا كثيرا, ولكن بقيت علافتنا سطحية , حتى وقعت طائرته هو وزميله حسين ذو الفقار صبرى فى قليوب, ولجأ إلى صديق من أصدقائى هو المثال العظيم عبد القادر رزق الذى كان آنذاك مدرسا لفن الحفر فى مدرسة الفنون الجميلة...

وكانت أجهزة الأمن تبحث أصلا عن المرحوم احمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة, وكانت صلتى به معروفة, فراقبت أجهزة الأمن مكتبى, وشاء الحظ أن يزورني ذات يوم زميلى فى الحزب الوطنى أحمد مرزوق" أستاذ الرياضة فى معهد التربية البدنية العليا آنذاك" فتتبعوه حتى قابل بطريق الصدفة المحضة فى شارع عدلى المثال عبد القادر رزق وكان شخصية مجهولة للشرطة ولكن المخبر الذى كان يراقبنى بدا له أن يتعقب هذه الشخصية المطاردة وهو يمنى نفسه أن تقوده إلى حيث يختبىء أحمد حسين, وسار وراءها حتى وصلت إلى منزلى فى حى إمبابة فأبلغ رؤساءه الذين داهموا هذا المنزل وهم يعتقدون أنهم سيجدون أحمد حسين فإذا قائد الشرطة السياسية اللواء محمد إبراهيم إمام يرى نفسه أمام الفريق عزيز المصرى ومعه الضابطان عبد الرءوف وذو الفقار, وأمامهم أسلحتهم, فصرخ فزعا خشية أن يقتلوه بهذه الأسلحة ولكنهم لم يفعلوا, وألقى القبض عليهم وسيقوا للمحاكمة, أمات مجلس ضم خمسة من ألوية الجيش, وترافع عنهم عدد من أكبر المحامين كان على رأسهم حافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطنى, ورأت بريطانيا أنه ليس لها مصلحة فى استمرار القضية فحفظوها, وأفرج عن المتهمين. ثم ما لبثت الثورة أن قامت واختلف عبد المنعم عبد الرءوف مع إخوانه من اليوم الأول, كما أسلفنا, وحكم على عبد المنعم عبد الرءوف بالموت, ولكن لجأ إلى الأردن وهناك عينه الملك سفيرا للأردن فى الهند, وسافر جمال عبد الناصر إلى الهند زائرا لنهرو, وفى المطار اصطف سفراء الدول ليحيوا الضيف العظيم القادم, ووقف فى مقدمتهم عبد المنعم عبد الرءوف سفير الأردن فى الهند, وصافحه عبد الناصر دون أن يلتفت جيدا إلى شخصه, ثم عاد فدقق وإذا به يفاجأ بأنه يصافح صديق العمر وزميل الجهاد, وعدوه أخيرا... وأضحكته المفارقة, ثم تعانقا.