أحمد عبد الرحمن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:٥٧، ٢ سبتمبر ٢٠١٨ للمستخدم Man89 (نقاش | مساهمات) (السنوات الأخيرة)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا والفتح الرباني

بقلم: جمال البنا

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

النشأة والصبا

إن العلماء ورثة الأنبياء فقد ورثوا العلم عنهم فأصبحوا كالمصابيح التي تنير الطريق للحيارى.

ولد الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا فى قرية شمشيرة مركز فوة محافظة الغربية, وهى قرية صغيرة لا تختلف عن قرى الدلتا ولا تتميز عنها باستثناء وقوعها على ضفة النيل مباشرة – وإن المركز الذى تتبعه " فوة" له تاريخ عريق.

وكان الشيخ رحمه الله يقول انه ولد سنة 1300هجرية, ويبدو أنه تاريخ سهل على الشيخ حفظه, وهناك ما يؤيد هذه الرواية, فإن الشيخ كان قد استخرج بطاقة من بطاقات إثبات الشخصية حدد فيها سنة ميلاده بأنها سنة 1882 وهى توافق سنة 1300هـ .

وكانت أسرة الشيخ تمتلك عدة فدادين من الأرض تقوم بزراعتها ويعمل فيها أخوه الأكبر " محمد" وكان محمد فلاحا ماهرا يحسن زراعة أرضه, بل يستصلح بعض الأراضى البور التى كانت شائعة وقتئذ. ومن المحتمل أن أحد أسلاف الأسرة كان يعمل بصناعة البناء ومن هنا لحق بالأسرة لقب البنا. وهى نقطة لم نحققها.

وكان الابن الأكبر فى الأسرة (محمد) هو الشخصية البارزة فهو الذى يتولى زراعة الأرض أو استصلاحها. وقد أراد أن يساعده أخوه (أحمد) فى عمله الزراعى. ولكن أمه كانت قد رأت فى منامها وهى حامل به أنها ستلد طفلا وعليها أن تسميع أحمد وتحفظه القرآن. فأصرت على أن يذهب إلى الكتاب وأيده أبوه وكان رجلا صالحا – هذا الاتجاه وذهب به فى سن الرابعة إلى الكتاب.

وقبل شيخ الكتاب أو كما يطلقون عليه فى قرى مصر ( سيدنا) الطفل رغم أن سنه كان اقل ممن يذهب إلى الكتاب عادة, ويذكر الشقيق الأستاذ عبد الرحمن أن اسمه كان الشيخ محمد أبو رفاعى " وكان كفيفا تقيا يفيض وجهه إشراقا وبشرا" فحفظ القرآن على يديه وتلهم أحكام التجويد.

ونمت بسرعة مدراك الصبى, ومع تقدمه فى الدراسة كانت فكرة العمل الذى يمكن أن يحترفه دون أن ينقطع عن العلم والمذاكرة أو جهدا – وفكر أن يجعل من هوايته صناعة, وكانت تلك الهواية هى تصليح الساعات – وهى هواية صناعة.

وكانت تلك الهواية هى تصليح الساعات – وهى هواية غريبة فى هذه القرية الصغيرة, وكان قد ذهب فى إحدى المرات إلى " مطوبس " ليصلح ساعة عند صانع كان يحضر مطوبس يوم السوق – يوم الخميس. تطورت إلى صداقة أدت به لأن يذهب إلى رشيد ليتلقى أصول الصنعة على صانع محترف فى دكانه.

ولكن مهارة الصانع لم ترضه, وفى إحدى المرات كان يصلى بالمسجد والتقى بعد الصلاة بإمام المسجد الشيخ أحمد الجازم وكان رجلا ذا مروءة. فأخبره بقصته وانه يريد أن يجمع بين العلم والعمل, وأنه لم يجد طلبته لدى صانع رشيد.

فطيب الشيخ خاطره وأرشده إلى محل كبير للساعات فى الإسكندرية يملكه الحاج محمد سلطان وأعطاه توصيه له, كما عرفه أن الإسكندرية جامع الشيخ إبراهيم باشا, وهو فى الإسكندرية كالأزهر فى القاهرة, وبهذا يمكنه مواصلة علومه واستكمال حرفته.

وعاد الفتى إلى شمشيره. وقد عقد العزم على السفر إلى الإسكندرية وعارض ذلك أخوه الأكبر, ولكن أباه قبل وتحمست أمه, وكانت أسرة علم ودين وكان أبوها صالحا تقيا, وأخوها فقيها يحفظ القرآن ويظفر بتقدير واحترام أهل قريته " سنديون" وهيأت له أمه " الزوادة" التى تكفيه حتى ينظم أموره.. وهكذا ذهب الفتى إلى الإسكندرية فقابل الحاج محمد سلطان وأبلغه تحيات الشيخ الجارم وتوصيته, فأكرمه وأفسح له مجال أحكام اصنعه. ثم ذهب إلى جامع الشيخ إبراهيم باشا وانتظم بين طلابه حتى أتم الدراسة به.

وبعد بضع سنوات عاد الفتى إلى شمشيرة شيخا شابا, وخطب الجمعة فى مسجد شمشيرة وقرت به عين أمه وأخذ يمارس تصليح الساعات فى شمشيرة ومطوبس وذكر له أحد إخوانه اسم " المحمودية" وأنها أولى اهتمامه, فزارها وسر بها وقرر أن يركز العمل فيها...

وكان عليه أن يتم أمرين: الأول أن يؤدى امتحان القرعة ليخلص من شبح التجنيد وفيما بعد كتب الشيخ فى أحد دفاتره " فى أول ديسمبر سنة 1902 موافق شعبان سنة 1320هـ أديت امتحان القرعة العسكرية فى القرآن. وكان سنة 19 سنة. ونجحت نجاحا باهرا" والأمر الثانى أن يتزوج. وهذا أيضا ما تم فى يوم الأحد 89 صفر سنة 1322 الموافق 25 أبريل سنة 1904.

وكانت " عروسه" الشيخ فتاة فى الخامسة عشر من عمرها هى الابنة الصغرى لإبراهيم صقر تاجر مواشى القرية, ويمكن أن يعد أكثر ثراء شيئا ما من أسرة الشيخ . وكان فتاته على جانب من الجمال. بيضاء البشرة – متناسبة الملامح و" التقاطيع" دقيقة الأطراف : اليدين والقدمين.

أسنانها مفلجة, وحواجبها مفروقة وقد تصور بعض أتراب هذه الريفية الجميلة الصغيرة التى لم تكدح كالفلاحات فى الحقل وكانت تحمل اسما " رومانتيكيا" وأعدا " أم السعد" أنها تستحق عريسا أفضل من " المجاور" الذى لم يكن يفخر بطول أو عرض, مال أو أرض . ولكن الله تعالى كان يدخر لها ما يفضل هذا. وما يجعل لها من اسمعا نصيبا, وليحفظ ذكرها فى الحافظين..

وكانت أم السعد على صغرها, ذكية مدبرة, واعية, كما كانت على جانب كبير من العناد, فإذا انتهت إلى قرار, فمن الصعب تتنازل عنه, وهى صفة ورثها,كما ورث ملامح الوجه, ابنها البكر الإمام الشهيد ولكن العناد عنده تحول إلى صورة سوية أصبح معها " قوة إرادة". وعندما تزوجها الشيخ جعلها تصلى, ومع كل فرض فرضا أهملت فى أدائه لمدة سنة أو أكثر – أى منذ أن بلغت الحلم.

سنوات المحمودية

وفى السنة التالية 1903 انتقل الشيخ بأهله إلى المحمودية التى, أخذت اسمها من اسم السلطان محمود سلطان تركيا عندما شق محمد على ترعة تبدأ منها, وأطلق عليها المحمودية وهى الترعة التى تزود الإسكندرية بالماء العذب من النيل وأقيم بجوارها مشروع كبير لمياه الصرف – كان الأهلون يسمونه – المشروع..

وإن حمل اسم محطة طلمبات العطف القريبة من المحمودية, والتى يحدث تبادل فى الأسماء ما بينهما, ولهذا لم تكن المحمودية قرية, مغمورة كانت " بندرا" نشطا وهى تواجه شمشيرة على الضفة الثانية للنيل. ولا يكون على من يريد أن يذهب إليها من شمشيرة إلا ركوب " المعدية" والنيل هناك واسع, عريض, كأنه البحر.. لأنه على مقربة من المصب فى رشيد..

وفى هذه الأيام لم تكن المركزية الحضرية قد وصلت إلى الدرجة التى وصلت إليها أيامنا (1990) وكان للبنادر شأن وحياة اجتماعية نشطة نشأت من ملازمة الطبقة الوسطى من صغار الملاك أو التجار لها. كما لم تكن الخصائص التى تميز المدينة وتجعلها قوة جذب بالدرجة التى أصبحت بها الآن.

وقد تحدث العقاد عن قنا فى شبابه باعتبارها مركزا للآداب يلى القاهرة, وكانت الفرق المسرحية والغنائية تحيى بعض حفلاتها فى العطف أو المحمودية. كما نجد أسم عبد الحميد العتال رئيس نقابة العطف من القيادات البارزة فى الحركة العمالية فى العشرينات.

كانت السنوات الأولى فى المحمودية رضية سخية. كان الشيخ " عريسا" شابا. وكانت المحمودية نافذة إذا قيست بشمشيرة. وكان هو وعروسه فى ريعان الشباب, فوطن نفسه على الإستقرار بها واشترى بيتا صغيرا آوى إليه هو وزوجته.

كما اشترى " دكانا" على النيل مباشرة لتصليح و بيع الساعات, ثم توسع مع ظهور " الجراموفون" والصورة الأولى للإسطوانات وكانت وقتئذ أشبه فى تجارته, ولم يكن هذا مستنكرا لأن معظم ما كانت تنطبق به هذه الإسطوانات كان تواشيح ومدائح. وكان معظم الملحنين من المشايخ.

على أن هذه اللفتة تكشف عن ناحية خافية فى شخصية الشيخ هى وجود الحاسة الفنية . وكانت هذه الحاسة مغروسة فى الشيخ ومعظم أبنائه وقد كان الشقيقان عبد الرحمن وعبد الباسط شاعرين مع ميل خاص للموسيقى وكان لدى الأول حيناما " ربابة" وهى الصورة الساذجى للكمان.

كما لدى الثانى " عودا" وألف الأستاذ عبد الرحمن مسرحيات إسلامية يمكن أن تجعله رائدا للمسرح الإسلامى, كما ألف الأستاذ عبد الباسط بعض الأغانى وكان الشقيق محمد. وهو طالب فى الأزهر, يتغنى بين زملائه ببعض أغانى عبد الوهاب الأولى.

وضمت مكتبة الشيخ مجموعات من مجلة " اللطائف المصورة" كما كان يجمع الروايات المسلسلة التى كانت تنشرها الأهرام أسفل إحدى صفحاتها وكانت هذه الروايات من تأليف شارلس جارفس, وآخرين, وكانت غرامية أو بولسية.

وقد قطع الشيخ القصاصات التى كنت تنشر فيها يوما من يوم وجلدها, بل أغرب من هذا كان لديه مجموعة كاملة من مجلة " الأمل" التى كانت تصدرها منيرة ثابت, وهى أول سيدة أصدرت صحفا. وكانت مجموعات اللطائف المصورة والأمل هما أول ما وقع عليه بصرى فى مكتب الوالد عندما كان يصحبنى إليه..

وأنا فى الخامسة أو السادسة, وكان تصفح صفحاتها والنظر فى صورها هوايتى, وفى فترة لاحقة كانت هى أول مطالعاتي, ولا أزال أذكر بعض الروايات المسلسلة التى كانت تنشرها هذه الصحف, وق كانت وفدية متعصبة إذ كانت تلك أيام سعد زغلول, فكان فى اللطائف لمصورة رواية بعنوان " زغاليل مصر" وأخرى بوليسية " الشبح" وكانت الأمل تنشر رواية مسلسلة بعنوان " قمر بنى إسرائيل" عن تاريخ مصر فترة ظهور موسى.

وبالطبع فإن الشيخ رحمه الله قرأ هذا كله فى شبابه وكان له أثر فى تخليص أسلوبه عندما كتب شرح المسند " بلوغ الأمانى" من الركاكة والتكلف التى كانت سمة كتابات الفقهاء وقتئذ وجعله أسلوبا سهلا سائغا, وهذا ما نجده أيضا فى أسلوب الإمام الشهيد رحمه الله فإنه من السهل الممتنع.

ولم يكن تصليح الساعات أو بيع الإسطوانات ليمنع الشيخ مواصلة هوايته العظمى – الإطلاع المذاكرة وتحصيل العلوم الإسلامية وكان من حسن حظه أن التقى وقتئذ بالشيخ محمد زهران. والشيخ محمد زهران كالشيخ البنا نفسه, أحد الأمثلة البارزة على علو الهمة. وقو الإرادة فقد كان كفيفا, ولكن ذلك لم يقعده بجانب نشاطه العلمى والعملى اليومى. من أن يصدر مجلة باسم " الإسعاد" كانت تصدر على غرار مجلة المنار الشهرية. وكان يقوم بإدارتها وتحرير معظم مادتها.

ونشأت علاقة وثيقة بين الشاب القادم من شمشيرة, وبين عالم المحمودية وفقيهها, بدأت أولا بتلميذة ثم انتهت إلى صداقة حميمة وأخوة كريمة. فكان الوالد رحمه الله يقرأ للشيخ زهران ويكتب ما يمليه عليه, ويدور بينهما خلال ذلك حوار مثمر وحديث مفيد.

وبعد فترة قصيرة أصدر الشيخ الوالد أول مطبوعاته وهو " شرح وظيفة سيدى أحمد زروق والمسمى بالفوائد اللطيفة, فى شرح ألفاظ الوظيفة تأليف العالم العلامة. العارف بربه سيدى أحمد السجاعى رضى الله عنهما " وطبع " على نفقته ملتزمة الفقير إليه تعالى أحمد عبد الرحمن الساعاتى " فى مطبعة النجاح لصاحبها إبراهيم خليل بدمنهور.

وكان دور الشيخ هو تحقيق النص المنسوخ – وليس المطبوع – وكانت النسخة المخطوطة فيها شىء من التحريف فعرضها - كما قال " على أستاذى الهمام وشيخى الفاضل المقدام – العالم المحقق والبحاثة المدقق. محيى السنة ومعديها ومميت البدعة ومبيدها, خادم السنة والقرآن الأستاذ الشيخ محمد زهران فساعدنى على تصحيحه.." ووقع الشيخ على المقدمة" أحمد عبد الرحمن الساعاتى. طالب علم ومقيم بالعطف".

والشىء الذى لفت نظرنا, وقد عملنا فى صناعة الطباعة ردحا من الدهر أن هذا الكتاب الذى طبع سنة 1330 (أى 1913) فى إحدى مطابع دمنهور كان متقنا للغاية . فليس هناك " كبسة" كما يقولون للحروف, أو تباين فى توزيع الحبر ما بين الصفحات أو عدم التطابق ما بين " الجداول " التى كانت تطوق كل صفحى. وهذا أمر قلما يتوفر إلآ للمطابع الكبيرة.

وصدر شرح الوظيفة فى 100 صفحة 14× 21 سم وكان ثمنه خمسة وعشرين مليما خالصا أجر البريد...

ولك يكن شرح الوظيفة إلا " بروفة" صغيرة ومتواضعة للعمل الذى سيأخذ الشيخ نفسه به بعد ذلك.

وجاء الأبناء

بمرور الزمن داء الأبناء, متواترين... كل عامين تقريبا ابن أو بنت وكان الأبن البكر هو الإمام الشهيد رحمه الله. وتلاه البقية وكان الشيخ يكتب فى دفاتره تواريخ الولادة ابنا... وكانت بنص ما كتبه:

  1. فى 25 شعبان (1324) ولد نجلى حسن يوم الأحد ضحى موافق 14 أكتوبر (1906)؟.
  2. فى 2 رمضان (1326) ولد نجلى عبد الرحمن موافق 28 سبتمبر 1908 يوم الأحد.
  3. فى 3 فبراير (1911) ولدت فاطمة (1) بنتى يوافق شهر صفر (1329) .
  4. فى 2 ربيع الأول (1331) يوافق 10 فبراير 1913 ولد محمد ابنى.
  5. فى 16 أغسطس 1915 يوافق 16 شوال 1334 ولد عبد الباسط نجلى .
  6. فى 14 ربيع الثانى 1337 يوافق يناير سنة 1919 ولدت لنا بنت سميناها زينب.
  7. فى الأربعاء 2 ربيع الثانى 1338 موافق 24 ديسمبر سنة 1919 توفيت زينب بنتى.
  8. ولد لنا أحمد جمال الدين يوم 5 ربيع الثانى 1339 موافق 15 ديسمبر سنة 1920.
  9. فى يوم السبت 22 رجب 1341 موافق 10 مارس سنة 1923 ولدت لنا ينت اسميناها فوزية.

الشيخ البنا إماما ومأذونا بالمحمودية

كان الشيخ قد عقد – منذ أن انتقل إلى المحمودية – صداقات عديدة مع رجالاتها وفضلائها وتجارها أمثال " على بك العشرى عمدتها إذ ذاك والشيخ أحد ربيع ومحمد بك القماعى من كبار التجار والأعيان, والشيخ عبد الرحمن موافي من أعيان التجار ومن المتفقهين فى الدين.

وكان الشيخ عبد الرحمن مغرما بتفسير القرآن فهو يلتقى بالشيخ احمد فيتناقشان فى التفسير ومسائل العلم, ويشترك معهما من عساه أن يكون موجودا, وأعانهما على ذلك أن الشيخ أحمد كان قد أقتنى مكتبة نفيسة جمعت كثيرا من الكتب القيمة التى يحتاج إليها العلماء والباحثون من مختلف العلوم والفنون, وتوثقت العلاقة بينهما واشتدت فصارا لا يفترقان, وتصادق كذلك مع الشيخ محمد زهران من رجال العلم وفقهائه.

وفى يوم استصحب الشيخ عبد الرحمن معه رجلا وقورا من كبار الموظفين المتقاعدين ومن ذوى الأملاك أسمه أحمد أفندى الصفتى له نظارة على مسجد فطلب إليه أن يكون إمامه وخطيبه, فرفض الشيخ أحمد هذا العرض إذ أن للمسجد إمامه.

وما ينبغى – وليس من خلق الرجال – أن يزاحمه ما دام يؤدى واجبه كاملا, ولكن الرجل ألح حرصا على إفادة الناس من علمه فقبل, غير أنه اشترط أن يعمل متطوعا له وللعلم, وأن يبقى الإمام حيث هو بمرتبه, وأن يستشار أيضا, فيتحقق بذلك الغرضان واتفقا على ذلك ورحب إمام المسجد بالفكرة, وسر لها.

وفى سنة 1332هـ ألح عليه عمدة البلدة وأهلها وأولوا الرأى فيها أن يكون مأذونا ثانيا للمحمودية فما وسعه إلا القبول.

وكانت وظيفة المأذون تقف ما بين الترشيح والتعيين. إذ كان يجب القيام بإجراءات . إذا كان يجب القيام بإجراءات عديدة من قبل أعيان البلد ووجهائها لترشيح من يرون. وكان يجب أن يتقدم بعضهم بضمان المرشح لمدة معينة ويصدق على هذه الضمانة العمدة وأعيان الناحية ويعتمدها المعاون أو مأمور القسم.

وفيما يلى صورة للضمانة التى وجدت بين أوراق الشيخ " نقلا عن منشور الداخلية":

أنا الموقع أدناه فلان القاطن بجهة كذا أقر وأعترف بأنى قد ضمنت للحكومة المصرية فلان بوظيفة مأذون بناحية كذا فى مبلغ 50 جنيه ضمان غروم وإلزام بوجه التضامن والتكافل عن المدة من أبريل سنة 1921 لغاية مارس سنة 1924 فى تعاطيه أشغال وظيفته المذكورة أو ما يماثلها بأى مصلحة من مصالح الحكومة ولو كان بطريق النقل أو الانتداب وذلك فى قبض أموال الحكومة بسائر أنواعها واستلام وحفظ الودائع والأشياء والأوراق ذات القيمة وغير ذلك بما يعهد به إليه سواء " انكان" مقيدا بالدفاتر او غير مقيدا وأقر أيضا بأنى مسئول عن أى إهمال أو عمل يتسبب نمنه ويترتب عليه خسائر أو ضرر على الحكومة بدون إبداء أى هذر أو الإحالة على مضمونى بوجه ما.

كما وأنى أعترف بهذه الضمانة صادرة منى برضاى واختيارى بدون إجبار ولا إكراه وضمانا لذلك قد أمنت الأطيان الآتى بيانها تفصيلا وأعطيت هذه الضمانة منى وهى نافذة على وأقر أن هذه الأطيان هى ملكى وهى خالية من الرهن ومن الإيقاف وكافة الحقوق العينية وأتعهد أن لا أتصرف فى شىء منها سواء " أنكانت" بعقود مسجلة أو غير مسجلة إلا بعد انتهاء مدة الضمان وثبوت خلو طرف مضمونى فى أثنائها.

قيمة الأطيان

مقدار الأطيان المؤمنة ش.ق.ف

الأحواض س.ق.ف

النواحى التى بها الأطيان

يكتب عند الأطيان " انكانت" غير مشتركة بالميراث أو غيره فيوقع عليها الشريك أو الورثة. أقرار العمدة والمشايخ والصراف.

نحن عمدة ومشايخ وصراف ناحية كذا " نقروا: إقرارا صريحا بأن الضامن كفؤ بالضمانة وأن الأطيان الموضحة للضمان ملكا له بطريق الميراث الشرعة, أو خلافه ولا منازع له ولا شريك وهى ليست أطيان جزائر وخالية من كافة الموانع التى تحول دون تأمينها وليس موقعا عليها أى حق من الحقوق العينية وأن توقيع الضامن هو المتعامل به فى بهذه الأطيان من التصرفات.

عمدة الناحية

شيخ الناحية

صراف الناحية

قد اطلعت على إقرار العمدة والمشايخ والصراف الموقعين أ‘لاه وتأكدت من صحة توقيعاتهم وأنها بذاتها المستعملة فى الشغال الرسمية فتعتمد تحت مسئوليتهم.

المعاون أو مأمور المركز

واتخذت هذه الإجراءات كلها وقدمت وفى 27 شعبان سنة 1322 الموافق 21 يوليو سنة 1913 جاء خطاب قاضى محكمة رشيد الشرعية.

" إلى الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتى مأذون ناحية كفر مليط بمركز رشيد. بناء على انتخابك مأذونا لناحية كفر مليط بمركز رشيد . وبناء على أوامر نظاره الحقانية الصادرة فى شهر يوليو سنة 13 بشأن تعيين المأذون وبعد اختيارك قد عيناك مأذونا للجهة المذكورة. فيقتضى أن تباشر الأعمال التى تطلبها الحكومة بكل همه ونشاط"

قاضى محكمة رشيد

21 يوليو سنة 13 قضاء

كما أرسل إلى الشيخ فى التاريخ نفسه خطابا آخر

" يقضى قانون الانتخاب الجديد بتشكيل لجان فى المدن والقرى لتحرير جداول كشوف الانتخاب. وقد قررت الداخلية فى منشور الذى ستصدره للمديريات بوجوب البدء حالا بتشكيل تلك اللجان. ولما كان مأذون كل مدينة أو قرية معينا بنص القانون عضوا فى لجنتها فيجب عليكم متى دعيتم أن تباشروا مأموريتكم هذه فى لجنة الانتخاب وأن تتفرعوا للعمل فيها وتواظبوا على الوجود مع بقية الأعضاء فى جميع أوقات العمل, لو دعت الحالة لاستمراره حتى يتم إنشاء الجدول والكشوف المذكورة فى الميقات المحدد لذلك فى القانون وهو خمسة عشر يوما من تاريخ صدوره, وحاذروا من التأخير مهما كان عندكم من الأعذار. تحريرا فى يوم الاثنين 21 يوليو سنة 13 – 27 شعبان سنة 1332".

وكتب الشيخ فى دفتره العتيق " فى 27 شعبان 1332 موافق 21 يوليو سنة 1913 عينت مأذونا شرعيا بالمحمودية" والحقيقة أن مأذون البلدة كان بحكم الأمر الواقع والمناخ العام شيخ البلدة, وإمام مسجدها, ومفتيها , ومستودع أسرار أبنائها وهى صفات قلما توفرت للمأذونين فى المدينة.

بيد أن المأذونية , وتصليح وبيع الساعات لم يكفيا لمد حاجة الشيخ بعد قدوم الأبناء وزيادة الأعباء . وزين له البعض أن يفتتح محل بقالة وشجعه على ذلك بتيسير بعض ما يلزم. ولكن التجربة كانت فاشلة وخسر الشيخ معظم ما أنفقه. فهذا العمل يتطلب التفرغ كما لا يكون فيه مناص من قبول البيع بالأجل, والإلحاف فى الطلب.

ولم يكن لدى الشيخ استعداد للتفرغ, أو الإلحاف فى طلب تشديد المدينين, أما الأبناء فبدلا من أن يساعدوا , فقد عاثوا فسادا لعدم خبرتهم, وأغلق المحل وكان المحل وكان المستفيد الأكبر منه هو الشقيق الأستاذ محمد رحمه الله الذى كان يحمل إلى الدكان فى طفولته الأولى ليأكل من الحلاوة الطحينية التى يحبها ما يشاء! وقنع الشيخ من الغنيمة بالإياب.

وعندما فكر مرة أخرى فى عمل إضافى اختار عملا لا يعطله ويمكنه القيام فى ساعات فراغه – وتجليد الكتب – وكانت الوالدة رحمها الله تساعده فيه. وكان يمارسه فى البيت. وظلت بعض بقايا " عدة" هذه الحرفة مختزنة فى البيت القديم لسنوات عديدة.

وقد تعمدنا الإشارة إلى هذا الجانب من جوانب حياة الشيخ لأنه يمثل قضية هامة فى حياة طالب العلم, فهو اما أن يقبل الطريق " المؤسساتى" المقرر , فيلتحق بكلية أزهرية, ليتعين بعد ذلك فى إحدى الوظائف التى تربطه بالنظم المقررة وتخضعه لضروراتها بحيث لا يستطيع الاستقلال عنها أو التحرر منها, فإذا أراد الاحتفاظ باستقلاليته.

فلابد أن يمارس عملا حرا كأن يكون محاميا أو طبيبا ويغلب أن تستحوذ عليه المهنة, فلا تدع له وقتا أو اهتماما, أو تجعل اهتمامه العلمى على هامش عمله المهنى. فليس فى هذه كلها ما كان يحقق للشيخ غايته.

وكان لابد أن يسلك ما سلكه بالفعل, وإن لم تسغه العقول " البرجوازية" التقليدية وكان الشيخ أهدى سبيلا , وأخذ بما كان يأخذ به أئمة السلف من الاحتراف بحرفة ما تحقق له الكفاف من العيش, ولكنها تتيح له الحرية والوقت, وهما جوهر وأداة رسالته..

كانت أقامة الشيخ فى المحمودية رضية, وقد تكيف معها واطمئن إليها وكون عددا من الصداقات الوثيقة التى ظلت قائمة حتى مات أصحابها. وحفظ هؤلاء الأصدقاء الود للشيخ. وحفظ الشيخ ودهم. وعندما انتقل الشيخ إلى القاهرة اتصلت الخطابات بينهم, وبوجه خاص الشيخ أحمد الطباخ الذى كان بمثابة وكيله فى المحمودية.

والشيخ محمود دويدة و عوض الباسوسى وغيرهم.وقد احتفظ الشيخ بهذه الخطابات. ولفت انتباهنا أن الشيخ كتب على" ظرف" أحدهما (وكان يحتفظ بالخطابات داخل ظروفها) " تذكار – رحم الله صاحبه" وصاحبه هو عوض الباسوسى. وجاء فيه:

أستاذى الفاضل :

أفكر ليل ونهار فيما صنع الدهر معنا, ففرق بين جسمانينا ولم يفرق بين روحينا, وانتهى من التفكير حزينا منقبض الصدر لعدم التمكن من أشفاء الغليل برؤية الحبيب الأنور. أمنيتي فى الحياة أن أراكم وأعاشركم كما كنا فى غابر الزمن المنير, فنعم هو من زمن وأنت لى فيه السادة بأسرها وخضعت لى فيه هامة البهجة والسرور فاللهم رضاء بحسمك العدل وخضوعا وتصديقا لقولك الحق" وتلك الأيام ندوالها بين الناس " فلا أجد مسليا إلا قولك الحكيم, وقول رسولك العظيم وقول الشاعر الحكيم:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

وعوض الباسوسى الذى أرسل هذا الخطاب بقال بحكم المهنة. ولكنه بفضل مصاحبته للشيخ, وإلمامه بالثقافة الإسلامية, واستطاع أن يدبج هذا الخطاب ليبث فيه لواعج شوقه ونفثات قلبه..

ولم تقتصر صداقات الشيخ على أهل المحمودية, أنها امتدت إلى النواحى المجاورة حتى الإسكندرية و القاهرة. وقد كان بعض هؤلاء من كبار الكتاب الإسلاميين. مثل الأستاذ محمد فريد وجدى, الذى يعز وجود مثيله فى خلقه النبيل وعلمه الغزير وثقافته الشاملة وانكبابه على التأليف. ويبدو أنه وكل الشيخ فى إحدى عملياته المالية. ووجدنا بين أوراق الشيخ خطابا بخطه ( أى خط الأستاذ فريد وجدى رحمه الله) يرد فيه على وشاية أحد الأشخاص بالشيخ جاء فيه:

حضرة الأستاذ المبجل :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد حظيت بكتابكم الكريم وأعجبت برفائكم وذكركم لهذا المبلغ التافه طول هذه المدة وأنى ما ذكرتها قط, وما عولت على مطالبتكم بها فهى جنب فضلكم لا تعد شيئا. فثقوا يا حضرة الأستاذ أنى تجاوزت عن هذا المبلغ عن طيب قلب ولا أحب أن تزعجوا أنفسكم بالفكر فيه. وقديما حصل مثل ذلك بين أهل الفضل, فهم إخوان حيث كانوا وأنى وجدوا..

سنرسل لكم أجزاء من مطبوعاتنا هدية لكم

وتفضلوا بقبول احترامى

محمد فريد وجدي

معركة "الفتح"

أشرنا إشارة عابرة إلى العلاقة التى نشأت ما بين الشيخ الوالد والشيخ محمد زهران, ومع مرور الأيام توثقت هذه العلاقة . وفى الوقت نفسه كان الشيخ قد كطون مكتبته الخاصة, واطلع على كثير من المراجع فى التفسير والحديث وكان أبرزها مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى الذى كان مطبوعا فى يتى مجلدات كبيرة.

وقف الشيخ أمام المسند, كما يقف المستكشف أمام قارة عذراء مترامية الأطراف. ووصف هو نفسه تلك اللحظات, وعندما اطلع فيها على المسند سنة أربعين وثلاثمائة وألف. وهى نهاية الحلقة الرابعة من عمره وكيف أنه وجده" برحا خضما يزخر بالعلم ويموج بالفوائد بيد أنه لا فرضة له ولا سبيل إلى اصطياد فرائده واقتناص شوارده فخطر بالخاطر وناجتنى نفسى أن أرتب هذا الكتاب.

وأعقل شوارد أحاديثه بالكتب والأبواب, وأقيد كل حديث منه بما يليق به من باب وكتاب. وأقرنه بقرينه وأنيسه, وأجلس كل جليس مع جليسه, فاستصغرت نفسى هنالك, واتسعجزتها عن ذلك, ولم يزل الباعث يقوى والهمة تنازعنى والرغبة تتوافر وأنا أعللها بما في ذلك من التعرض للملام, والانتصاب للقدح والأمن من ذلك جمعية مع الترك, ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

فتحققت بمعونة الله تعالى العزيمة وصدقت النية وخلصت بتوفيقه الطوية في العمل." وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" فأخترت له وضعا يزيد بيانه حسبما أدى أليه اجتهادى وانتهى إليه عرفانى هذا بعد أن أخذت فيه رأى أولى المعارف والنهى.

وأرباب الفضل والحجى وذوى البصائر الثاقبة ونصيحة وعرضت عليه الوضع الذى عرض لى واستأنست به في هذا الصنع الذى رسخ عندى فكل أشار بما قوى العزيمة. وحقق إخراج ما في النية إلى الفعل في هذه الدرة اليتيمة: فاستخرت الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ويتقبله ويعين على نجزه بصدق النية فيه.

ويسهله وهو المجازى على مودعات السرائر وخفيات الضمائر, هذا مع كثرة العوائق الدنيوية, وازدحام العوارض الضرورية, وضيق الوقت عن فراغ البال, لمثل هذا المهم والغرض الشريف النادر المثال.

وأنا أسأل كل من وقف عليه ورأى فيه خلالا أو لمح فيع زللا أن يصلحه حائرا به جزيل الأجر وجميل الشكر. فإن المهذب قليل والكامل عزيز عديم, وأنا معترف بالقصور والتقصير مقر بالتخلف الكبير..."الخ..

وأعتقد أن الشيخ رحمه الله – رغم كل ما ذكره – لم يعرض كافة أبعاد هذه المهمة, مهمة ترتيب المسند, لأن انغماسه في الفكرة حال دون أى يرى هذه الأبعاد طبقا لما يقال من ان العين لا ترى نفسها ولعلنا , ونحن خارج الحلبة, وبعد انتهاء المعركة – أقدر على تقييم الوضع .

فهنا – في المحمودية – وهى بندر يتبع مركزا , والمركز يتبع مديرية , والمديرية بعيدة عن القاهرة حيث الفقهاء والأئمة. والشيوخ والسلطة. رجل محدود الموارد, مغمور الذكر, ليس له إيراد خاص ومما هو يعيش على ما يسره الله له من رزق يوما فيوما, وعليه إعالة أسرة كبيرة.

أن رجلا في هذه الأوضاع لهو آخر واحد يمكن أن يتصدى لعمل يستغرق عشرات السنين, ويتطلب التفرغ والتركيز, وقد عجز عن أن يقوم به أئمة الأمة منذ أن وضع الأمام أحمد مسنده في القرن الثالث الهجرى حتى القرن الثالث عشر, أى طوال عشرة قرون كاملة. وقد حاول الإمام ابن كثير هذه المهمة دون توفيق, وقال كلمة تصور " فدائية" من يتصدى لها " ما رأيت هذا الرجل القادم من شمشيرة والذى يشتغل بتصليح الساعات لهذا العمل الذى عجز عنه ابن كثير ولم يتصدى له احد من الأئمة؟؟

ولكى تكون الصورة كاملة, نقول أن الشيخ لابد وأن ساروه مصير ما سيقوم به, وما سيأخذ منه عشر سنوات أو أكثر, وماذا سيفعل به؟ إن المؤلف انما يؤلف ليطبع وينشر ما يؤلفه, وإلا فلا قيمة لما أضاع فيه عمره. فكيف يمكن أن يطبع وينشر مثل هذا العمل...؟ أى مطبعة – أو بمعنى أصح أى دار نشر – تقبل كتابا لا تكون له قيمة تجارية مجزوم بها إلا بعد طبع كل أجزائه, وقد تكون عشرين جزءا وأين هى هذه الدار, وكم سيأخذ هذا العمل أيضا من السنوات... ومن المال ... ومن عمر الشيخ.

وكان كل هذه المثبطات لم تكن كافية, فقد قرر الشيخ أن يضيف إلى الترتيب والتصنيف, وهى المهمة الأصلية, والتى عجز عنها الأئمة, شرحا مسهبا لكل حديث. واستخلاص الأحكام الخ.. مما سيرد بيانه, فتضاعف العمل حجما وازداد صعوبة وفنية. خاصة عملية التخريج المعقدة أو استخلاص الأحكام, وما تجعله يعرض فقها جديدا هو " فقه السنة" أى الأحكام المستخلصة من الحديث, وليس من المذاهب. وهو ما تبعه بعد ذلك بصورة مختصرة, الشيخ سيد سابق في كتبه " فقد السنة".

هذه الأبعاد تصور لنا المهمة التى تصدر لها الشيخ وملابساتها وكانت كلها مثبطة, كلها تجعل هذا الرجل آخر يتصور أن يقوم بها, ومع هذا فما قيمة هذه المثبطات كلها أمام الهمة والإرادة والعزيمة؟... ما قيمتها أم توفيق الله واصطفائه عبادا لا يتصور الناس أنهم الأمثل " قالوا يا شعيب لا نفقه كثيرا مما تقول , وإنا لنراك فينا ضعيفا, ولولا رهطك لرجمناك!! " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه, ولم يؤت سعة من المال".وانه ليطيب للنفس أن تقرأ ما كتبه الشيخ عن عمله في المسند, وما لابسه أو تعرض له خلال ذلك.

" أعلم رعاك الله أنى ابتدأت العمل في ترتيب المسند سنة أربعين وثلاثمائه وألف من الهجرة فقرأته للمرة الأولى حتى انتهى تسويده في يوم الإثنين التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاثمائه وألف وكنت في أثناء عملى في المسودة أجمل الأبواب في الكتب أعنى لا أكثر من ذكر الأبواب لأن غرضى كان إذ ذاك حصر الأحاديث في كتبها ككتاب الوضوء مثلا أجعل كل حديث يتعلق بالوضوء في هذا الكتاب مع ذكر أبواب قليلة عازما على تفصيلها في التبيض.

فما انتهت المسودة وشرعت في التبيض وجدت صعوبة شديدة في تفصيل الأبواب وتراجمها لأنى أريد وضعها بحكمة, وازدادت الصعوبة حينما تذكرت أن في المسند زوائد لعبد الله بن الإمام احمد غفلت عن تمييزها من أحاديث المسند أثناء العمل في المسودة وهى لا تظهر إلا من السند فكل حديث يقال في أول سنده حدثنا عبد الله حدثنى أبى فهو من المسند.

وكل حيث يقال في أول سنده حدثنا عبد الله حدثنا فلان( بغير لفظ أبى) فهو من زوائد عبد الله وكل حديث يقال في أوله حدثنا فلان غير عبد الله وأبيه فهو من زوائد القطيعة فهذه قاعدة عظيمة ينبغى أن تعرفها. فبقيت بين عامين, أما أن أسير في العمل مع ترك تمييز الزوائد والتساهل في وضع الأبواب. او أترك العمل فيه خوفا من التساهل ففضلت الترك وتركت العمل مدة وجيزة لا تزيد عن شهر واكتفيت بالمسودة وقلت تنفعنى في المراجعة.

وفى يوم سألنى بعض العلماء عن حديث في المسند لم يهتد إلى مكانه فيه فراجعت المسودة واستخرجته بسرعة مدهشة فسر بذلك الرجل سرورا عظيما وبعد ذهابه اعترانى أسف شديد لعدم إتمام هذا العمل الذى تعبت فيه تسع سنين وكان بيدى الجزء الأخير من المسودة فتصفحته حتى آتيت على آخره كل ذلك وأنا غارق في بحار الأسف والغم الشديد.

وبينما أنا كذلك إذ وقع نظرى على آخر حديث في المسودة في باب رؤية الله عزوجل يوم القيامة فقرأته بإمعان وتأمل وإذا نصه " عن صهيب بن سنان رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة, نودوا يا أهل الجنة أن لكم موعدا عند الله لم تروه فقالوا وما هو, ألم تبيض وجوهنا وتزحزحنا عن النار وتدخلنا الجنة, قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم اله شيئا أحب إليهم منه"

وفى رواية من النظر إليه "ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" وما كدت أفزع من قراءته حتى اعترتني غشية تصحبها لذة أعقبها فرح وسرور لم أر مثله فيما مضى من عمرى أتدرى لم ذلك؟ لأن هذا الحديث وقع خاتمة كتابى بطريق الصدفة وبإرادة الله عزوجل لا بإرادتى.

وجاء هذا الحديث نفسه في الجزء الرابع من المسند وقد بقى من الكتاب أكثر من ثلثه أعنى مجلدين فأكثر وكنت أتوقع وجود أحاديث في رؤية الله تعالى في المجلدين الباقيين أضعها بعد هذا الحديث في الباب نفسه ولكن لم أجد بعده حديثا في الرؤية مطلقا فبقى هذا الحديث آخر الكتاب بإرادة الله تعالى واختياره وقد أراد الله جل شأنه أن يختم كتابى بهذا الحديث الصحيح الذى رواه أيضا مسلم والترمذى والنسائى بل بآية قرآنية يؤخذ أعظم تبشير وأحسن فال.

هذا سبب سرورى واغتباطي واستئنافى العمل بكل نشاط واجتهاد لا يعرف الملل فابتدأت قراءة المسند للمرة الثانية لأجل وضع الرموز على زوائد عبد الله وتمييزها عن المسند وفى هذه المرة الهمنى الله تعالى وضع رموز أيضا على زوائد القطيعى وما وجده عبد الله بخط أبيه إلى آخر ما أشرت إليه في المقصد السادس حتى انتهى الكتاب ( ثم قرءته للمرة الثالثة في التبيض) وفى هذه المرة أحكمت وضع الأبواب وترتيب الأحاديث برؤية وإتقان.

وكانت كلما اعتراني ملل أنظر إلى حديث الرؤية فأنشط للعمل, وما زالت كذلك حتى انتهيت من تبيضه في نهاية عام 1351 هجرية وإذ ذاك الهمنى الله تعالى عمل التعليق وذكر السند إلى آخر ما أشرت إليه في مقدمة التعليق وهذا يستلزم قراءته فتكون المرة الرابعة وسأقرؤه إن شاء الله تعالى للمرة الخامسة عند تصحيحه أثناء الطبع والله الموفق".

وعن كيفية ترتيب الكتاب وتقسيمه إلى سبعة أقسام قال الشيخ:

" اعلم أرشدنى الله وإياك إلى ما فيه الخير والصلاح إن الله تبارك وتعالى اختار لهذا الكتاب تقسيما عجيبا ما كان يخطر لى على بال , وكنت قسمته قبل ذلك مرات متعددة لم تطمئن نفسى لواحدة منها فسألت الله تعالى أن يختار لى ما فيه الخير فألهمنى جل شأنه هذا التقسيم العجيب الذى لا أعلم أحدا سبقنى إليه (وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء) فانشرح له صدرى واطمأن له قلبى.

وذلك أنى جعلته سبعة أقسام ولست اقصد بهذا التقسيم تساوى الأقسام في عدد الأحاديث, أو مقدار الكراريس كلا , بل باعتبار الفنون وإن كل بعضها أطول من بعض فكل قسم منها يصلح أن يكون مؤلفا مستقلا مقدما الأهم فالمهم مبتدئا بقسم التوحيد وأصول الدين لأنه أول ما يجب على المكلف معرفته ثم الفقه ثم التفسير ثم الترغيب , ثم الترهيب, ثم التاريخ, ثم القيامة ,أحوال الآخرة.

مراعيا في وضع كل قسم عقب الآخر حكمة عظيمة يدركها المتأمل, وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب , وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب. وبعض البواب يدخل فيها جملة فصول, وفى أكثر تراجم البواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب تسهيلا للمراجع, وتقريبا للمراجع, وما وضعت كتابا أو بابا أو فصلا عقب الآخر إلا لحكمة تظهر للمتبصر".

ولم يتعد الشيخ الواقع فيما قال, فالحق أن الكتابة بتقسيمه وتبويبه وشرحه, واستخلاصه للأحكام جاء نسيجا وحده وجمع ما بين الحديث والفقه بأسلوب سلس بعيد عن التعقيد. كان " فتحنا ربانيا" كما سماه.

ومنذ أن أمسك الشيخ بقلمه ليضع أول سطر في " الفتح" لم يدعه إلا في الأيام الثلاثة الأخيرة في حياته, عندما اشتد عليه المرض, وحتى في هذه لأيام نفسها فإنه عندما نقل إلى بيت الشقيق الأستاذ عبد الرحمن ليكون تحت العناية الطبية أخذ معه بعض المراجع اللازمة لإتمام شرح بقية الجزء الثانى والعشرين الذى كان قد طبع نصفه بالفعل.

وخلال هذه المدة الطويلة تعرض الشيخ لضغوط عديدة, واضطر بعد كتابة شرح الجزء 17, 16, 15 إلى استبعاد هذا الشرح الذى كان مطولا .وكتبه من جديد, مختصرا. وعثرنا بين أوراقه على أربعة "كراريس" كبيرة كتب الشيخ على الأولى منها" هذه الكراريس الضخمة.

هى من كتاب الفتح الربانى مع تعليق وجيز عليه بدون ذكر الأسانيد إلا في مواضع يسيرة كما يرى بالتتبع. وهذا كان مقصدى الأول, ولكن شرح الله صدرى لذكر سند الأحاديث جميعها في الشرح. مع اتساع الشرح أيضا كما ترى في الفتح الربانى مع شرحه بلوغ الأمانى المطبوع. لذلك عدلت عن القصد الأول, وتركت هذه الكراريس والله الموفق".

وكمثال على أهمية تصنيف المسند, وقيمة عمل الشيخ فيه نورد هذا المثال: دارت مساجلة على صفحات العدد الثانى من المجلد الحادى والثلاين من المنار في باب المراسلة والمناظرة بين السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار والشيخ أحمد محمد شاكر حول حديث عن عبد الله بن مسعود في الإعلان عن المنفقين وهل هو في المسند أم لا. وذهب صاحب المنار نقلا عن ط فتح البيان" إلى أن الحديث موجود في المسند بينما نفى الشيخ شاكر أن يكون موجودا في أحاديث عبد الله بن مسعود في المسند.

وطرفا المساجلة كما هو معروف من أعلام الإسلام, فالسيد رشيد رضا رحمه الله هو " وراية" الشيخ محمد عبده وصاحب المنار, والتفسير والمؤلفات العديدة والشيخ شاكر أحد الذين عنوا بتحقيق مسند الإمام أحمد بن حنبل وخدمته خدمة دقيقة, فمن ذا يستطيع أن يتصدى للحكم بينهما.؟

كتب الشيخ البنا رحمه الله في 17 صفر 1350 إلى السيد رشيد رضا بالفصل في الموضوع. فالحديث في المسند فعلا, ولكنه ليس من أحاديث عبد الله بن مسعود, ولكن من أحاديث " أبى مسعود" وقدم نصه والصفحة التى جاء بها الحديث في النسخة القديمة للمسند المطبوع بالمطبعة الميمنة سنة 1313.

وجاء في خطاب الشيخ:

" وعلى هذا فيكون ما نقلتموه عن فتح البيان من عزو الحديث إلى المسند صحيحا والصواب إلى جانبكم من هذه الناحية وإن وقع تحريف في نقل الرواية من أن أبى مسعود إلى ابن مسعود, ويكون ما نقله الشيخ أحمد شاكر من عدم وجود الحديث في مسند ابن مسعود صحيحا أيضا والصواب إلى جانبه من هذه الناحية, وأن وجد الحديث في مسند أحمد من رواية أبى مسعود الأنصارى".

وإلى جانب هذا التحقيق الذى دق على الشيخين الكبيرين وفصل فيه الشيخ البنا, فإن ما يثير الانتباه اللباقة في مناقشة هذه القضية بحيث أن الشيخ رحمه الله جعل كل واحد منهما مصيبا, ولم يخطىء أحدا منهما. وهذه اللباقة هى مما عرف عن الشيخ رحمه الله. ومما ورثه عنه الإمام الشهيد. كما عثرنا بين أوراق الشيخ على بطاقة " كارت" من الشيخ يوسف الدجوى وهو من هيئة كبار العلماء وصاحب مؤلفات عديدة ومن الشخصيات الإسلامية البارزة أرسله إلى الشيخ يقول فيه.

فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ البنا..

سلاما واحتراما, أرجوا إرسال الكراس الذى عندكم لنأخذ منه بعض الموضوعات, وإن شئتم رددناه إليكم هو أو غيره. وإن كنتم قد نشرتم منه شيئا. فأرسلوا لنا لمجلة ولكم خالص الشكر وعظيم الاحترام".

يوسف الدجوي

والكارت غير مؤرخ. وقد كانت شهرة الشيخ الدجوى ونشاطه في العشرينات والثلاثينات , فيحتمل أن يكون قد أرسله قبل قيام الشيخ الوالد بالطبع.

بل وجدنا أيضا خطابا من الشيخ محمد زهران, وهو الشيخ الأول للوالد – كما ذكرنا يقول فيه:

حضرة الأخ في الله الأستاذ الورع الهمام خادم السنة الشيخ أحمد البنا:

السلام عليكم وعلى حضرة الأستاذ المجاهد نجلكم وسائر الأنجال الكرام ورحمة الله.

أما بعد فإنى في شوق إليكم جميعا ولى شغف بأن أزور القاهرة للقائكم وأغراض أخرى ولكنى منذ عام عرانى ضعف قد يمنعنى من ذلك بل ومن مطلق السفر ولى حاجة ملحة أنزلها بفيحاء مكارمكم وعالى همتكم إلا وهى مساعدتى على تعرف درجة حيث جابر رضى الله عنه في أولية النور المحمدى, فإنى لم أجد بعد طول السير من ذكره من المحدثين غير عبد الرزاق إذا لم يوجد في كتابه وليس ممن يخلون كتبهم من الضعيف أو الموضوع ولم أره في كلام متقدمى العلماء الذين لهم قدم في الحديث إنما شاع في كلام المتأخرين وانما يذكر الحفاظ حديث (كنت أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا) وحديث (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد)

هذا إلى أن في حديث جابر إشكالات عدة حاولت بنفسى وبواسطة كثير سألتهم دفعها فلم تندفع حتى لجىء بعض من سألت من العلماء إلى دعوى أن الحديث من المتشابه الذى استأثر تعالى بعلمه. لهذا أرانى مضطرا أن الحديث سنده كى أراجعهم في كتب الجرح والتعديل وما عندى منها سوى الميزان للذهبى وخلاصة تهذيب الكمال. وفى مكنتكم أن تراجعوا سنده في غيرهما أى تتعرفوا حال رجال سنده إن لم يوجد ذلك في أحدهما وذلك بعد أن تعرفوا سنده بمراجعة كتاب عبد الرزاق في دار الكتب ولو بواسطة من تختارونه لذلك.

وحاجة أخرى هامة أيضا ذلك أن السيوطى قال في حديث (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلتها إلا وقى فتنة القبر) أنه حسنه الترمذى وعبارته في شرح الصدور بشرح أحوال الموتى والقبور في آخر صفحة 58 (أخرجه أحمد والترمذى وحسنه والن أبى الدنيا والبيهقى عن ابن عمر) وساق الحديث.

ولكنى رأيت المنذرى في الترغيب والترهيب نقل عن الترمذى أنه قال فيه (غريب ليس اسناده بالمتصل) فراجعت الترمذى فتبينت صحة هذا النقل لفظا ومعنى فدهشت ثم جوزت أن يكون التحسين من ابن أبى الدنيا بناء على زيادة .

الواو في في النسخ أو الطبع فحبذا لو روجعت من (شرح الصدور) نسخة أو أكثر غير مطبوعة بالمطبعة الميمنة على أنكم لابد أن تكونوا بينتم درجة هذا الحديث لالتزامكم بيان درج أحاديث المسند. والقصد أنما هو معرفة حقيقة درجة الحديثين فهل أنتم ملبوا طلبتى هذه ومحققوا أملى فيكم لابد أنكم فاعلون إن شاء الله فقد كرستم حياتكم لخدمة السنة فلكم الهناءة والبشرى بتلكم المنحة العظمى والعناية الكبرى.

هذا ولابن حجر المكى في فتاويه الفقهية أواخر باب الجنائز ج2 كلام يفيد التوقف في ثبوت حديث موت الجمعة وهو ما أميل إليه لمعنى لا يخفى عليكم إذا تأملتم ولكن لابد من تحكيم الحفاظ.

والسلام عليكم ورحمة الله..

20 ربيع الثانى سنة 1358

محمد زهران بمحمودية البحيرة

فهذه الخطابات والتساؤلات توضح كيف أن الشيخ رحمه الله عندما قام بهذا العمل العظيم في تصنيف المسند, أصبح المرجع الذى يعود إليه العلماء فيما يشكل عليهم من معضلات الحديث..

على أن تصنيف وترتيب المسند على أهميته ليس هو أعظم أعمال الشيخ. لأن التصنيف قد يخلو من الإبداع وأن تلب مهارات فائقة وحنكة ودقة, ولكن العمل الذى يمثل عبقرية الشيخ وتتجلى فيه إضافته المبدعة هو شرحه وجهده في استخلاص الأحكام وأسلوبه السهل البعيد عن التكلف والتعقيد, ونحن نؤمن أن هذا العمل لم ينل حقه من التقدير.

ومع أن الموت حاول دون أن يرى الشيخ "الفتح" فإنه قد تذوق الفرحة الكبرى و فرحة إتمام التبويب والتصنيف, وهذا هو المهم , أما الشرح, فقد كان يكتبه في ساعات فراغه قبل الطبع أو عند الطبع بالفعل" ملزمة ملزمة" ولذلك لم يحرمه الله تعالى أن يشهد نجاح نهاية مسيرته الطويلة وقد كللت بالتوفيق. وعمله الضخم وقدتم. وفى مساء يوم الجمعة العاشر من شوال سنة 1352 كتب الشيخ الصفحة الأخيرة من ترتيبه:

" يقول أفقر العباد وأحوجهم إلى عفو ربه يوم التناد أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتى إلى هنا انتهى الكتاب الموسوم بالفتح الربانى لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى غفر الله لى وله وكان الفراغ من تبيضه في مساء يوم الجمعة المبارك العاشر من شهر شوال سنة اثنين وخمسين ثلثمائه وألف من هجرة سيد المرسلين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم وذلك بمدينة مصر القاهرة جعلها الله بالنصر ظافرة والله أسأل أن ينفع به المسلمين, وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وذخيرة لى يوم الدين واغفر اللهم لى ولمن دعا لى بالرحمة والغفران " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" كتبه بيده الفانية مؤلف الكتاب أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتى".

يدوم خطى زمانا في الورى وأنا
تحت التراب ويبقى وجه بارينا

فأعجب لرسم بقى قد مات راسمه

وهذه عادة البارى جرت فينا

فرحمة الله تهدى نحو كاتبه

يا ناظر فيه قل بالله أمينا

وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا".

عود على بدأ: في قبضة المدينة

عندما كبر الأبناء خاصة الأولين – حسن وعبد الرحمن . بدأت فكرة النزوح إلى القاهرة تراود الشيخ, وعندما سافر الإمام الشهيد إلى القاهرة لأداء امتحان دار العلوم والانتظام فيها, وتعرض لاعتداء أحد زملائه عليه .

لم يعد مجال للتردد وأصرت الوالدة رحمها الله أما الإنتقال إلى القاهرة, أو عودة ابنها إلى المحمودية. وكان الشيخ الوالد رحمه الله قد فجع بوفاة والديه سنة 1924 فانقطع بذلك أكبر خيط كان يربطه بالبلد, فلم ير مناصا من الانتقال إلى القاهرة رغم أنه كان قد وطد مكانته في المحمودية واستقرت أموره بها وعقد صداقات وثيقة عديدة وكان الانتقال إلى القاهرة يقوض هذا كله.

وهكذا حمل الشيخ قبيلته الصغيرة, التى كانت تكاملت, إلى القاهرة...

استقرت الأسرة أولا في شقى بشارع ممتاز بالسيدة زينب .. , ولكن لم يطل المقام بها, إذا انتقلت إلى شقة أخرى, ومن هذه " الأخرى " إلى شقة ثالثة.. وهلم جرا. الأمر الذى قد يدهش هذا الجيل..ز فعندما قدم الشيخ إلى القاهرة كانت يافطات " شقة للإيجار" تتدلى من بلكونات بيوت القاهرة, وكان المالك يبذل كل جهده ليظفر بمستأجر... ويقدم له كل التسهيلات والإغراءات...

وفى أحد دفاتر الشيخ وجدنا هذا التسجيل لحركة تنقلات الأسرة :

  1. أجرنا البيت في مصر شارع ممتاز بالسيدة زينب, والدكان في 22 محرم 1343 – 17 أغسطس سنة 1924.
  2. انتقلت العائلة من العطف في يوم الثلاثاء 3 صفر 1343 موافق 2 سبتمبر سنة 24.
  3. انتقلنا من بيت ممتاز في آخر يوم من شهر أكتوبر سنة 1924 (3 ربيع ثان سنة 43).
  4. انتقلنا إلى بيت عطفة مندور بشارع سلامة آخر يوم من شهر نوفمبر سنة 24 موافق 4 جمادى الأولى سنة 1343.
  5. انتقلنا من بيت أحمد أفندى رجب بقسم السيدة إلى بيت درب صبيح بقسم الخليفة في أول شهر مارس 1925 موافق 7 شعبان 1343.
  6. انتقلنا من بيت درب صبيح إلى حارة العسل في أول شهر مايو سنة 1925 موافق 8 شوال 1343.
  7. انتقلنا من طالون إلى حارة العبيد في أول أغسطس سنة 1952 موافق 11 محرم.
  8. ومنها إلى عطفة عطايا في 4 منه سنة 1926.
  9. الملخص أننا مكثنا في شارع ممتاز سبتمبر وأكتوبر, وفى شارع سلامة نوفمبر فقط, وفى بيت أحمد أفندى رجب ديسمبر ويناير وفبراير وفى درب صبيح مارس وأبريل وفى حارة العسل مايو ويونيو وفى طالون يوليه فقط.
  10. وفى حارة العبيد من أول أغسطس سنة 1925 لغاية 3 منه 1926.
  11. ومكثنا في دكان زين العابدين من 17 أغسطس سنة 24 موافق 16 محرم 43 إلى 15 يناير سنة 25 موافق 16 جمادى الثانية 43.
  12. وانتقلنا إلى السيوفية في ذلك التاريخ ومكثنا فيه إلى آخر جمادى الثانية سنة 44 موافق 14 يناير سنة 1926.

وفى الصفحة التالية:

  1. انتقلنا من بيت الحاج سيد الكائن بعطفة عطايا في أول فبراير سنة 1928 إلى منزل مسعود بحارة الروم ومكثنا به ستة شهور لغاية يوليو 1928.
  2. انتقلنا إلى منزل عباس أفندى عبد المعطى بحارة السنان شهر أغسطس فقط.
  3. ثم أجرنا منزل أحمد أفندى وهبة جميعه بحارة عبد الملك بك في أول سبتمبر سنة 1928 والله أعلم بالمستقبل ومكثنا فيه خمس سنوات وبضعة شهور.
  4. خرجنا من منزل احمد وهبة في آخر يناير سنة 34 وانتقلنا إلى منزل حسن بك لطيف بحارة المعمار 6 بعطفه عبد الله بك في أول فبراير سنة 1934 والله أعلم بما يكون.
  5. خرجنا من منزل حسن بك لطيف في آخر يونيو 34 وانتقلنا إلى منزل أحمد أفندى أيوب في أول يوليو سنة 1934 والله أعلم بما سيكون.
  6. انتقلت من دكان حسن... في آخر شهر أبريل سنة 35 وانتقلت إلى دكان ومدورة وقف حافظ بك السيد في أول مايو سنة 35 والله أعلم بما سيكون".

ونستأنف حركة التنقلات من واقع دفتر الشيخ ( كتاب التوفيقات الإلهامية):

  1. في 14 من رمضان 1355 موافق 30 أكتوبر 36 تركنا منزل أيوب وانتقلنا إلى منزل جنينة ناميش بالسيدة زينب.
  2. في يوم الخميس 25 رجب 1365 موافق 30 سبتمبر 37 انتقلنا من منزل جنينة ناميش إلى منزل عبد العزيز بك شارع محمد على.
  3. في يوم 12ذى القعدة. و15 يناير سنة 28 انتقلنا بالمطبعة إلى منزل ورثة محمد عثمان نمرة 5.

وقد يكون مما تطلع ملل هذا السرد " المنزلى" أن يعلم القارىء أن بعض هذه المنازل كانت يوما ما هى مركز الإخوان عندما انتقلت إلى القاهرة إذ كان المقر الأول لها هو منزل الأسرة بحارة عبد الله بك خلال المدة من سنة 28 يناير 34 ثم منزل حارة المعمار.

وكانت الأسرة تؤجر المنزل "من بابه" وهو عادة من ثلاثة طوابق فالطابق الأرضى (ثلاث غرف وحوش) يعد مركزا للإخوان بينما يستخدم الطابقان الآخران سكنا للأسرة . ولأسرة الإمام الشهيد رحمه الله.

كما كانت مكتب إدارة مجلة الإخوان المسلمون هو مكتب الشيخ الذى ذكر أخير (منزل ورثة محمد عثمان نمرة 5 بحارة الرسام).

وتدل هذه التنقلات المتواليه على أن الأسرة القادمة من العطف لم تستطيع للتو أن تتعرف على المدينة, أو تتكيف مع مناخها ومجتمع " الحارة " و"الشارع" وتطلب الأمر مدة طويلة قبل أن تألف الأسرة المدينة وتستقر لمدة سنوات وليس شهورا, في أحد بيوتها...

وللمرة الأولى يشعر الشيخ أنه أصبح في قبضة المدينة الصماء ومجتمعها الذى يختلف عن مجتمع المحمودية القديم المألوف حيث كان الأطفال ينمون كما ينمو النبات في الحقل ويرتعون في مروجها و" نجيلها" وعلى شطها, وحيث الإقتصاد طبيعيا, منزليا يكفى نفسه بنفسه, فضلا عن أصدقائه وأحبائه الذين عقد معهم وشائح المحبة طوال عشرين عاما..

وكانت الأزمة المالية لا تقل عن الوحشة النفسية, فقد كبر الأبناء ودخلوا السن الحرجة التى يتعين فيها ان يدخلوا المدارس, وما يعنيه هذا من بدل وقمصان وأحذية وطرابيش الخ..

وكان من رحمه الله بالشيخ أنه في هذه الفترة عندما بدأت الضائقة الاقتصادية تطبق عليه أن عين ابنه الأكبر – الإمام الشهيد رحمه الله مدرسا بالإسماعيلية بمرتب خمسة عشر جنيها استطاع أن يمده بمبلغ أربعة أو خمسة جنيهات منها, فضلا عن أنه استقدم إليه بعض أشقائه لمدد طويلة.. وبهذا خلف العب شيئا ما.

كانت مشكلة الشيخ أنه لم يكن مستعدا لتخصيص وقت كبير لكسب المال, لأن هذا سيكون على حساب مشروعه العظيم " الفتح الربانى" ولو تيسر له هذا المال لأنفقه على الطبع الذى كان يبتلع أى مبلغ.

وعندما انتقل إلى القاهرة, فإنه خسر مأذونية كفر مليط ولكنه انتهز فرصة خلو مأذونية بعض نواحى السيدة زينب لانتقال مأذونها الشيخ عبد الفتاح البانونى إلى جزيرة بدران, فكتب إلى قاضى محكمة مصر الابتدائية طالبا تعيينه مأذونا في هذه الناحية وأرفق بطلبه محضر انتاب موقع عليه من أصحاب الشأن, وبيان بمدارس أبنائه وأنها كلها في منطقة السيدة. وأجيب الشيخ إلى طلبه, وأحضر الشيخ أهالى منطقة " زين العابدين" بالسيدة بذلك.

ولم تعرف الأسرة الاستقرار إلا عندما انتقلت من السيدة إلى الدرب الأحمر الذى سيكون " حى الأسرة" وحى الإخوان أيضا لفترة ما كما انتقل الشيخ بمكتبه ومأذونيته إلى حارة الروم... وانتقل منها إلى حارة الرسام, وهى قريبة منها.

وظل بحارة الرسام في المنزل 5 أولا ثم المنزل 9 ثانيا حتى توفاه الله. وقدر للأسرة أن تنتقل من أحشاء الدرب الأحمر إلى حى الحلمية عندما استأجرت بيتا في شارع عبد الرحمن بك ( قريبا من المركز العام للإخوان بميدان الحلمية) ومن الغريب أنها انتقلت من هذا المنزل إلى شقة في حى شعبى هو _ اليكنية) – عودة من الحلمية (الخليفة) إلى الدرب الأحمر.

وهو انتقال إلى أسوأ بكل المعايير وأنقذ الله الأسرة من هذه الشقة عندما استأجر الإمام الشهيد رحمه الله الدور الأول بمنزل كبير على ناصيتى شارع الهامى وتيمور بالحلمية الجديدة وكان له باب على شارع الهامى وآخر على شارع تيمور. وقد خصص الإمام الشهيد رحمه الله غرفتين تطلان على شارع تيمور لمجلة الشهاب.

وأسرة تحريرها وإدارتها وكانت تتكون من الأستاذ سعيد رمضان سكرتير التحرير وكاتب هذه السطور مدير إدارتها والسيد وهبى الفيشاوى للمعاونة. وكان يأتي رحمه الله إليها بعد الاجتماعات. في موهن من الليل. قد يكون الواحدة صباحا ليكتب أبوابه فيها.. بينما احتفظت الأسرة بأربع حجرات كبيرة وصالة يدخل إليها من باب الهامى. وقد خسرت الأسرة هذه الشقة بعد حل الإخوان نتيجة لاعتقالنا جميعا ومضايقة السلطات للوالدة وسيدات الأسرة. وعادت الأسرة إلى شقة " اليكنية " لفترة ما.

وهذا العرض لتنقلات الأسرة يوضح أن القاهرة بالنسبة إليها كانت مثلثا أطرافه الخليفة والسيدة والدرب الأحمر – ولم تخرج أبدا عن إطار هذا المثلث..

خلال هذه الفترة الطويلة من سنة 1924 عندما جاءت الأسرة من المحمودية حتى سنة 1958 عندما توفى الشيخ, كان الشغل الشاغل له أمرين : الأول طبع " الفتح الربانى" الذى كان قد أتمه وهذا ما سنتحدث عنه في فقرة تالية مستقلة, والثانى القيام بشئون أسرته, وأعباء الأولاد. وكانت أسوأ الفترات هى السنوات العشر التى تلت الانتقال 24 -34 تقريبا. ففى هذه السنوات.

لم تكن الأمور قد استقرت, وكانت عملية كتابة الفتح تستغرق معظم وقت الشيخ, وتقلل نسبيا من ممارسته لحرفته في تصليح الساعات.كما ان الحرفة كانت تتطلب " مواصفات" معينة لم تعد تتوفر في الشيخ كحدة البصر.. والتمشى مع التطور الذى بلغته الحرفة الخ... فضلا عن كساد سوقها, انتهى الأمر بأن تخلص منها. وقد يدل على ذلك أن الصفة التى التصقت بالشيخ في ايامه الأولى (المحمودية ثم السنوات العشر الأولى في القاهرة) كانت هى " الساعاتى" ولم يبرز اسم البنا إلا في الفترة اللاحقة. ومن البداية كانت للشيخ الصفتان : البنا والساعاتى.

وقد اختار الصفة الأولى لنجله الأكبر (حسن) والصفة الثانية لنجله الثانى (عبد الرحمن) . وأبرز هو نفسه صفة الساعاتى حتى بداية الأربعينات عندما هجر هذه الحرفة وأبرز صفة " البنا" خاصة وأن هذه الصفة – التى أصفاها على ابنه الإمام الشهيد, أخذت تشتهر. وتكسب ذيوعا.

وقد وجدنا بين أوراق الشيخ خطابا أرسله إلى مجلس محلى بندر المحمودية يدل على الضائقة الاقتصادية التى كان يعانيها وجاء في الخطاب بعد الديبجة " بما أنى أمتلك منزلا ببندر المحمودية مؤجرا لحضرة مصطفى أفندى محمود الجيار تاجر أخشاب بالنبدر المذكور باعتبار ايجار الشهر 50 خمسين قرشا صاغا.

وأنى أستحق عند المذكور لنا حتى مارس سنة 1933 مبلغ 5 83 قرش ونصف صاغا, وإن المجلس يستحق عندى الآن مبلغ 720 مليم 1 جنيه مقسطة على 500 مليما, فقد وكلت للمجلس تحصيل القسط المطلوب منى كل شهر من المتأجر المذكور حتى ينتهى المطلوب منى, لأنى لا أمتلك شيئا بالمرة من القسط غير هذا المنزل وكسبى الشهرى لا يفى حاجاتى الضرورية خصوصا هذه الأيام التى شلت فيها حركة الكسب بالمرة وإن مهنتى أصبحت الآن غير ضرورية عند الناس فرجائى من عزتكم قبول هذا الالتماس.. الخ.

31/3/33

أحمد عبد الرحمن الساعاتى

ولم يكن الشيخ – فيما يبدو – وحيدا في الضائقة إذ يبدو أنها أخذت بخناق عامة الناس والألم يعجز تاجر الأخشاب المستأجر المنزل عن تسديد إيجاره بانتظام... وقد كانت تلك هى الفترة التى انعكست الأزمة العالمية على مصر.

وهناك مؤشر آخر يدل على الضائقة الاقتصادية التى كان الشيخ يعانيها, ذلك هو أننا لا نجد في دفتر الشيخ أو أوراقه أية إشارة إلى دفعة الزكاة قبل عام 1941 عندما تظهر للمرة الأولى جملة ستتكرر دائما كل عام " دفعنا الزكاة والحمد لله على هذا التوفيق"

وقد كانت هذه الجملة هى آخر ما سطره الشيخ في دفتره عام 1957, بينما احتفظ بين دفتره بأوراق دون فيها مفردات الزكاة التى كان يدفعها خلال عام 1958 عندما توفى . قبل أن يتمها," ويرحلها" إلى دفتره. وهذا الحرص على أداء الزكاة بصورة منهجية له دلالته, وهو يتفق مع دقة الشيخ وحسن فهمه للإسلام.

وجاء العون الأكبر في فترة الشدة هذه من الإمام الشهيد رحمه الله, على ما أشرنا.

وقد كان المرتب الذى يتقاضاه (خمسة عشر جنيها) يثير الدهشة بمقاييس أيامه وبمقاييس أيامنا, فقد كان مرتب معلم الالزامى ثلاث جنيهات أو اقل, وفى فترة لاحقة – بداية الأربعينات منح خريجوا الجامعة " الدرجة السادسة" و أصبحوا يتقاضون ما بين 12,6 جنيها.

واعتبر صدقى باشا ممثل أصحاب الأعمال أن الأعمال الحرة " راحت عليها" بعد أن منح خريجوا الجامعة " الدرجة السادسة المحترمة" كما قال وقتئذ. فإن يعطى خريج دار العلوم خمسة عشر جنيها في عام 1927 أمر يثير الدهشة فعلا.

ولمعرفة قيمة هذا المبلغ هذا الوقت تقول أن الرغيف كان بربع قرش صاغ أو كما نقول عشرين تعريفة. وأن أقة السكر, كانت بسبعة وعشرين مليما, وكان الأطفال يذهبون إلى البقال لشراء بتعريفة سركر وشاى, ( أى بنصف قرش) فيفتح البقال درجا كبيرا ويملأ منه قرطاسا, ثم درجا آخر فيه شاى ليملأ قرطاسا أصغر حجما.

وكان هذا السكر والشاى يكفيان عدة مرات , وكان من المألوف فى الأحياء الشعبية أن يطلق الجزار العجل الذى سيذبحه, ويسير به أحد أتباعه وهو يصيح (من دا بكره) فيرد " كورس " الأطفال الذين يسيرون وراءه " بقرشين" أى أن رطل اللحم من هذا العجل بقرشين. وكانت البيضة بمليم وربما اقل.

وفى أيام الحلمية (45-48) افتتح أحد الناس محلا لبيع السندوتش ووضع يافطة كبيرة ( قف هنا لتأكل سندوتش 3 مليم" ولم تكن الحلمية وقتئذ حيا شعبيا. فالمليم كان له قيمة, وكان هناك " النكلة أى المليمين, والعشرين تعريفة أو عشرين خردة أى مليمين ونصف وكانت مضلعة ثم التعريفة, أو مليمات " ثمن الصحيفة هذه الأسعار إلى أسعار سنة 1990, لكانت القيمة الشرائية لخمسة عشر جنيها سنة 27 تماثل ما بين ألف وألف وخمسمائة جنيه.

وهكذا استطاع الإمام الشهيد رحمه الله أن يمد والده بما بين ثلاثة وخمسة جنيهات شهريا و فضلا عن مصروف للشقيق عبد الرحمن كما أخذ معه بعض أشقائه الإسماعيلية لفترات طويلة. وفى سنة 1945 باع الشيخ دكان المحمودية وما حوله من أرض وكان على النيل مباشرة. ومن المحتمل أن تكون وراء ذلك الرغبة في مواصلة طبع الفتح أو لمقابلة تكلفة رحلة الحج الوحيدة التى قام بها الشيخ هذا العام .

بهذه الطريقة تمكن الشيخ رحمه الله من اجتياز هذه الأزمة بدرجة من التقشف وهذا التقشف الذى كان إلى حد ما – ضرورة أصبح خطة مقررة حتى عندما انتفت ضروراته المادية , لأنه يتفق مع التوجيهات الإسلامية والسنة النبوية, كما كان يتفق مع السياسة التى أتخذها الشيخ في البعد عن السؤال وعدم التحايل في طلب الرزق أو جعل الكسب المادى هو هدف الحياة, فهذه كلها كانت بعيدة – حقا وصدقا – عن فكر الشيخ , وعن فكر الإمام الشهيد رحمه الله أيضا فعاش متقشفا وهو ما نأخذ به أنفسنا, خاصة بعد أن اخترنا " العمال " جمهورا نتوجه إليه بدعوتنا.

معركة طبع الفتح

كانت عملية طبع ونشر الفتح الربانى وشرحه بلوغ الأمانى معركة فاقت في شدتها معركة التصنيف والتحرير ففى هذه الحالة الأخيرة – حالة الكتابة – كان المطلوب هو أن يقسو الشيخ على نفسه ليحقق أفضل ما يمكن أن يصل إليه في هذا المجال. وقد أخذ الشيخ نفسه بذلك وووفق فيه والحمد لله .. أما في حالة الطبع فلم تكن المسئولية مقصورة عليه. لأنها كانت تتعلق بأموال ومطابع , ودور نشر وقراء ولم تكن هذه لتتعلق بكتاب من جزء واحد – يطبعه ويخلص منه.

ولكنه كان أمر كتاب من عشرين جزء كما تصور (و24 كما صدر بالفعل) وكان يجب على من يشترى الجزء الأول أن يواصل شراء بقية الأجزاء على امتداد عشرين عاما, حتى لا يخل ذلك بعدد أجزاء النسخ الكاملة. أو أن ينتظر حتى تصدر أجزءاه كلها وأنى يمكن التوصل إلى شىء كهذا.

كانت المهمة ضخمة, ولم يكن يتصور أن يقوم بها فرد واحد دع عنك أن هذا الفرد لا يملك مالا او جاها. وليس له اتصالات أة علاقات بدور النشر أو المكتبات التى كان يرفض التعامل معها ويسرى فيه نوعا من استنزاف المؤلف. إذا عندما يأخذ الموزع 30% ( على الأقل) من تمن الكتاب , و40% في كتير من الحالات فماذا يبقى للورق والطبع والتأليف؟.. ا، مثل هذه النسب توقف المؤلف على شفا الإفلاس, وتحول دون أن يواصل الطبع... فضلا عما في ذلك كله من تعليق الآمر نفسه على غيره, وما قد يضطر إليه من رجاء.. وانتظار الخ..

لهذا قرر الشيخ أن يعتمد على نفسه في الطبع, كما اعتمد عليها في التأليف وهذا من أكبر علامات علو همته وصدق عزيمته.

اشترى الشيخ كمية من حروف الطباعة المشكلة ( أى بالشكل من فتحة وضمة الخ..) تكفى لطبع ملزمتين ( أى 16 صفحة من القطع الذى ظهر به الكتاب) واستأجر لها مكانا بجواره واستخدم عاملا ماهرا أمينا يقوم بجمع الملزمة فيصححها الشيخ ثم ثم ترسل لتطبع في مطبعة قريبة , بعد أن يشترى الشيخ بنفسه الورق اللازم لها.

كان الشروع في طبع الجزء الأول, كما كتب الشيخ في دفتره سنة 1358 – 1934. وفى سنة 1359 – 1940 كتب الشيخ (انتهينا من طبع الجزء الثالث عشر من الفتح الربانى في ربيع الأول) أى أن الشيخ رحمه الله طبع خلال ست سنوات هذه الأجزاء الثلاثة عشر أى بواقع جزئين كل سنة واقعة تثير الدهشة خاصة مع الضائقة المالية التى كان الشيخ يعانيها.

ولابد أن هناك عوامل أخرى مواتيه مكنت الشيخ من أن يمضى قدما لعل منها أنه وإن ظل معتكفا ف مكتبه, معتزلا الناس, بعيدا عن الدوائر " المشيخية" في الآزهر والأوقاف الخ.. فإن صيت ابنه البكر بدأ ينتشر, وأخذت دعوة الإخوان المسلمين تزحف على الريف والحضر.

وعندما أصدر الإخوان المسلمون أول مجلة لهم باسم "مجلة الإخوان المسلمون" جعلوا المسلمون أول مجلة لهم باسم " مجلة الإخوان المسلمون" جعلوا الشيخ مديرا لإدارتها, ومشرفا على طباعتها, وقد وجدنا في مكتب الشيخ عشرات الظروف الحكومية معنون عليها "مجلة الإخوان المسلمون بالقاهرة" وقد أثار عجبنا كيف سلكت هذه الظروف طريقها إلى حارة الرسام دون أى إشارة على الظرف.. هل يعود ذلك إلى أن الخدمة البريدية كانت تؤدى بإخلاص وتفان, أو لآن القاهرة لم تكن قد توسعت هذا التوسع العشوائى, أو لأن شهرة الإخوان المسلمين سمحت بهذا .. وكانت هذه الظروف الحكومية ذات الحجم واللون الواحد تحمل داخلها " الإعلانات القضائية"

التى كانت من أهم موارد الصحف وقتئذ – وكانت الجهات المختصة توزعها على الصحف ولا ريب أن ظهور الإخوان وانتشارهم جعل للشيخ جمهورا لم يسع اليه وما كان يمكن أن يصل إليه بطرقه الخاصة.

ويماثل ذلك أن رزقه الله تعالى تأييد اثنين من رجالات " الحجاز" أعجبا بعمل الشيخ إعجابا عظيما, ولأهمية دورهما وتقديرا لهما سنفردهما بالفقرة التالية.

الصاحبان

كان هذان الرجلان هما السيد محمد نصيف. والشيخ عبد الظاهر أبو السمح رحمهما الله.

1- كا ن السيد محمد نصيف رحمه الله هو " عين أعيان جدة"

كما كنا نطلق عليه, وكان الملك عبد العزيز ينزل في بيته عندما يزور جده. وكانت هواية السيد نصيف هى تقصى الكتب وجمعها والتعرف على أصحابها وتشجيعهم, وكان لحظات سعادته هى التى يكتشف كتابا. فيشترى عددا من النسخ منه, ويرسلها هدية لإخوانه وكان طبيعيا أن يعنى هذا الرجل وقلبه معلق بالكتب بالفتح الربانى. وأن يجند نفسه لخدمته. فالفتح الربانى عمل ضخم وهو يتفق مع المذهب المقرر للسعودية المذهب الحنبلى.

ويبدو أن الاتصالات ما بينه وبين الشيخ بدأت بعد ظهور الجزء الأول من الفتح مباشرة. ويحتمل أن تكون قد دارت بعض المراسلات قبل الخطاب الأول الذى عثرنا عليه في أوراق الشيخ وهو بطاقة معايدة صغيرة مطبوعة أضاف عليها بخطه " أقدم مع هذا الكتاب ورد لكم من الرياض من أفضل أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب "الدعوى" الإصلاحية بنجد رحمه الله تعالى آمين الأستاذ الشيخ محمد بن عبد اللطيف, ولذلك اغتنمت شرف الكتابة اليكم وأنى والحمد لله قد اقتنيت مؤلفكم الحديث واشتريت لى ولأصدقائى خمس نسخ وأول من أحضره للحجاز العبد لله" وليس على المعايدة تاريخ ولكن تاريخ خطاب الشيخ محمد بن عبد الطيف 1354.

وطبيعى أن يكون " أول من أحضره للحجاز" وهو السيد محمد نصيف رحمه الله. فمن أولى بذلك منه. أما الخطاب المرفق المرسل من الشيخ محمد بن عبد اللطيف فكان خطابا تقليديا طويلا بخط جميل أشبه باللوحة وقال فيها الشيخ بع ديباجه طويلة "... وبعد فأنا أشرفنا على ترتيبكم لمسند الإمام أحمد فوجدناه وافيا بالمقصود, فحمدنا الله على ما وهبك من هذا المقام الشريف وخدمتك للسنة النبوية وإحياء الملة الحنفية ,وهذه منة جسيمة ونعمة هيأها الله على يديك لأنك لم تسبق إلى هذا الصنيع .

فعلمنا أن في الزوايا خبايا, وأن لأهل العلم بقايا يذبون عنها زيغ الزائغين وانتحال المبطلين. فالذى أوصيك يا أخى تقوى الله تعالى وإخلاص النية والقصد وإمعان النظر في كتب الشيخين الفاضلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية فإن من تبصر فيهما وكرر النظر فيهما.

فلابد أن نفرق ما كان عليه الرعيل الأول, فإن الله جعل كتبهما في آخر هذا الزمان فرقانا بين الحق والباطل, وميزان صدق وعدل بالنظر فيهما تنزاح عن القلب شبهات المبطلين وخيالات الضالين وتسفر لمن وفقه الله عن الحق المبين, وترقى به إلى منازل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين هذا ما نحب لك وندعوك إليه مع أننا نشكرك على صنيعك هذا وبلغ سلامنا من لدنك من الإخوان الذين هم من أهل السنة وأتباع السلف الصالح, وكل من عندنا من المشايخ يشكركم على هذا الصنيع ويدعو لكم بالتوفيق ودمتم سالمين.

وقد وجدنا بمكتب الشيخ الوالد رحمه الله عددا كبيرا من رسائل الشيخ نصيف سنشير إلى بعضها ففى 17 رمضان سنة 1355 أرسل خطابا فيه حوالة على بنك مصر بملبغ خمسة جنيهات (وكان وقتئذ مبلغا كبيرا) ليقيدها الشيخ من قيمة " مصنفكم الجليل الفتح الربانى (حسب البيان الموضح أدناه) ويعلم الله أنى أحببتكم على الغيب لآثاركم النافعة وأى أثر أكبر من خدمة السنة النبوية وإرشاد الأمة الإسلامية بمجلة الإخوان المسلمون وما بها من نصائح غاليه في هدوء وسكون بمجلة الإخوان المسلمون بالباطل فجزاكم الله خيرا أمين,

وجعل الله طريقتكم في الإرشاد وخدمة الإسلام على الدوام موافقة لما يحبه ويرضاه أمين ولا ينبغى أن أنسى تقديم جزيل السلام للأستاذ الكبير والعالم الشهير الشيخ طنطاوى ودمتم سالمين".

والشيخ طنطاوى هذا هو الشيخ طنطاوى جوهري الذى عهد إليه الإخوان برأسه تحرير مجلتهم تقديرا منهم لعلمه وهو صاحب تفسير يدعى " تفسير الجواهر" وكتابات إسلامية عديدة وهو أحد "الجنرالات" المجهولين الذين ظلمهم الفكر الإسلامي الحديث حقه".

ويتلو ذلك قائمة بأسماء المشتركين وهم السادة محمد نصيف عبد الملك بليلا. محمد بن عبد الله. عبد الرحمن الشامى. محمد عبد اللطيف : إبراهيم الضبع. عبد الوهاب الدهلوى.

وفى شوال من العام نفسه أرسل السيد محمد نصيف ثلاثة خطابات أحدهما في التاسع منه. والثانى في السادس عشر والثالث في أخره وفى خطابات أحدهما في التاسع منه. والثانى في السادس عشر والثالث في آخره وفى خطاب 9 يقول بعد الإرشادات المعهودة إلى المشتركين القدامى والجدد يقول" وسلموا على الأستاذ الشيخ حسن البنا حفظكم الله ورعاكم وقد اطلعت على رسائل الإخوان المسلمين المسماه " نحو النور"

وسررت بها كثيرا ولم تغادر صغيرة ولا كبيرة من النصائح الغالية للراعى وللرعية إلا أتت بها بصورة مقولة مقبولة مراعية ظروف الأحوال وحال الناس والله اسأل أن يكلل أعمالكم بالنجاح ويوفق رجال الدولة الإسلامية للعمل بما في الرسالة.

وبغير الشرع الحنيف لا نجاح للمسلمين وأن زين الشياطين لهم أعمالهم الحاضرة ورأوا قيام بعض الحكومات بغير الدين فالعاقبة على المخالفين وخيمة وأن طال الوقت ولا يغرنك تقلب الكافرين في البلاد متاع قليل والعاقبة للمتقين والله تعالى يرعاكم وأهدى جزيل سلامى لحضرات الأفاضل أعضاء الجمعية خصوصا المرشد العام حسن البنا حفظهم الله أمين ودمتم سالمين".

وفى خطاب 16 شوال قال " وق كتبت إلى الشيخ أبى السمح بمكة أسأله عن سبب السكون عن طلب جلالة الملك المعظم وقد أرسلت نسخو من الفتح الربانى إلى صنعاء لأحد أصهار الإمام يحيى لأن الزمان قد استدار فصار بعض علماء الزيدية يقرؤون كتب الحديث لأهل السنة البخارى ومسلم يقولون أن عوامهم إذا حضروا دروس الفقه لا يحبونها لأنهم لا يفهموها وإذا حضروا دروس الحديث يفهمونها ولله الحمد والمنة فطرة سليمة وإيمان يمانى".

وفى الخطاب المرسل آخر شوال طلب إرسال الكتب مع الحجاج ليخفف على المشتركين أجرة البريد ويستطرد" وقد جاءنى الجواب من الشيخ أبى السمح يقول أن المالية استكثرت ألف جنيه وأنه استحى ان يخبركم وأنه يؤمل عند رجوع الملك المعظم للحج فيعيد عليه الكرة مرة أخرى وأنا قد اخترت الأستاذ الشيخ محمد بن عبد اللطيف ليسعى في الشراء ولو الخمسة أجزاء التى ظهرت وبعدها يخلق الله مالا يعلمون. ويحقق المالية شراء الخمسة وكلما صدر جزء يشترونه ويسبب نقص موارد الحكومة وكثرة مصاريفها صارت تصعب الصرف في أمور تجهلها لأن رجال المالية لا يهتمون بأمر الكتب".

وفى 17 المحرم 1356 كتب إلى الشيخ يخبره أن الأمير سيف الإسلام الحسين بن الملك يحيى اطلع على الكتاب في مكتبه فأعجب به ودفع قيمة اشتراكه في نسخة وأرسل مع خطابه حوالى ثلاثة جنيهات مصرية وطلب إرسال النسخة سريعا بعد تجليدها إلى صنعاء والأمل بعد وصول الأجزاء تكثر الرغبة في صنعاء فيطلب بكثرة الهمة الهمة يا أستاذ!!

وفى 9 القعدة هـ اقترح على الشيخ أن يكتب لفضيلة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ليرغب جلالة الملك في الإشتراك في خمسمائة نسخة " لأن جلالته أحق الناس بإشاعته وطبعه ولقلة طلب الناس لهذا العلم النافع ستضطرون في المستقبل لعدم إتمام طبعه ولا يسوغ ذلك في زمن أثار السلف الصالح ومن أحق الفخار بنشر هذه الكتاب غير جلالة الملك فمن مثله في الملوك طبع كتب التفسير لابن كثير والتاريخ له والمغنى والشرح الكبير في الفقه التى عم نفعها الناس وغيرها من ألوف الكتب التى توزع مجانا على أهل العلم" ويوصى الشيخ بكتابة خطابه بخط جميل مختصر وأن ينوه باشتراك جلالته بواسطة الشيخ السمح وأنها قليلة ولا يمكن نشر الكتاب كله إلا بمساعدة جلالته بالاشتراك في خمسمائة نسخة ومسألة الأقساط أنا أهونها على وزير المالية في كل شهر خمسين جنيها.

وليس لدينا ما يثبت أن الشيخ رحمه الله قد كتب إلى الشيخ محمد بن عبد الطيف آل الشيخ ولكن هذا محتما خاصة وإن الشيخ محمد بن عبد اللطيف قرظ الكتاب تقريظا حسنا, ويستبعد أن الشيخ لم يرد تحيته بمثلها – على الأقل – إن لم يكن بأحسن منها .

وهناك عدد كبير من الخطابات عام 1356 لمتابعة تطور اشتراك الملك من ناحية, ولأن السيد نصيف كان يواصل الدعوة للكتاب وللاشتراك فيه, ويفيد الشيخ أولا بأول بالمشتركين الجدد, وإرسال قيمة اشتراكهم . وفى 11 من ذى القعدة 1356 كتب بعد المقدمات المعهودة " وتجد أصحابنا يتألمون من أجرة البريد غاية الألم, وهى أجرة باهظة غير معقولة" وعبر عن أمله في رؤية الشيخ وقال له إن أحد زواره قال إن لحية الشيخ على السنة!

" وإن كانت لحيتى أقل من قبضة, ولكن لحية الشيخ أبى السمح وصهره محمد حمزة زيادة عن قبضة, والأخ الهندى عبد العزيز أكثر من قبضتين وثلاث قبضات تملأ صدره وسلموا, لى على الشيخ حسن وقد رأيت صورته بطربوش ولحية بارك الله فيه, وفينا جميعا آمين ودمتم سالمين".

وكان من عادة السيد محمد نصيف رحمه الله أن يضمن بعض خطاباته شيئا من المداعبة من ذلك ما جاء في خطاب في 29 رمضان سنة 1357 عن إغراء الأخوة النجديين للشيخ أبى السمح على الزواج " مع أن عنده عشرة أبناء كان الله في عونه!".

وفى 7 من ربيع الأول سنة 13 58هـ كتب السيد محمد نصيف إلى الشيخ خطابا مطولا يقول له فيه انه لما بلغه أن جلالة الملك ابن سعود اشترى كتبا منها كتاب ( نصب الراية) ووجد فيها مقدمة الكوثرى في الطعن على علماء الجرح والتعديل وأئمة المذاهب الأخرى تسييرا لمذهب أبى حنيفى وكذبه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتجهيلا له ولغيره من العلماء وللشيخ محمد بن عبد الوهاب مصلح نجد وأنه بين ذلك لجلالة الملك وأن توزع هذه الكتب لا يجوز وأن أحق كتاب فيه فخر الدنيا والآخرة هو الفتح الربانى لو أمر جلالة الملك لخمسمائة جنيه دفعى واحدة لحضرتكم قيمة نسخ من الكتاب المذكور فيصدر الكتاب في أقرب وقت وتوزع النسخ على علماء الجهات الذين يزورون جلالة الملك وقت الحج يكون في ذلك فخر الدنيا والآخرى ومن أحق بهذا الفخر مكن جلالته.. فجاء الجواب كالآتى:

" أما كتاب الفتح الربانى في ترتيب مسند الإمام أحمد فنحن ممنونين من طبعه واشتراكنا بألف نسخة منه يكون معلوم".

والمل أم جلالته يأمر المالية بإرسال مبلغ الخمسمائة جنيه مصرى مقدما وهى ليست بكثير خصوصا وأن معدن الذهب في حره بنى سليم ناجح والبترول ناجح ستكون بعد عشر سنوات وارادات حكومة نحو عشرة ملايين جنيه ذهبا والحمد لله رب العالمين ودمتم سالمين".

ولكن هذا ( النطق الملكى ) لم يتحقق تماما وإما تشترك الحكومة في ألف نسخة ولكن في مائة. وظلت الخطابات متصلة ما بين السيد محمد نصيف, والشيخ وفى كل منها يفيد السيد بزيادة مشترك أو يطلب إرسال أجزاء معينة منها يفيد السيد بزيادة مشترك.

أو يطلب إرسال أجزاء معنية أو تجليدها, أو تتضمن حوالات بقيمة الاشتراكات وفى أحد هذه الخطابات يقول انه اقتنع الشيخ يوسف زينل ونجله الشيخ إبراهيم فاشتريا " نسخة كاملة بواسطة وكيلهم في القاهرة" وأل زينل من كبار ثراة السعودية وقتئذ ويبدو أن السيد نصيف أقنعهم بما هو أكثر من شراء " نسخة كاملة" لأننا وجدنا بين أوراق الشيخ صورة لخطاب شكر للشيخ يوسف زينل.

وكانت القاعدة التى وضعها الشيخ لمن يريد المساعدة وتشجيع الطبع هى شراء عدد من النسخ بقيمة مساعدته. وكان خطابات السيد محمد نصيف رحمه الله تنبض بالعاطفة للشيخ, والإمام السعيد كذلك وفى كثير منها طلب لرسائل المأثورات أو " نحو النور" أو مجلدات من مجلة الإخوان والخطاب الأخير فيما وجدنا بتاريخ 8 المحرم 1373, وهو خطاب مؤثر يبدو أن السيد كتبه في حالة نفسية سيئة لأنه مضطرب الكتابة شيئا ما, وفيه يقول :" البال مشغول بعد وفاة أكبر أبنائى حسين رحمه الله, توفى بمصر وحضرت وفاته بمصر. وكانت إقامتى بمصر للتداوى أحد عشر يوما.

وهو كان بصحة وعافية. فبعد وفاته رجعت إلى جدة وعى أحد ابنيه محمود, كان في مدرسة الهندسة والحربية المصرية. وصل في أول شهر رجب 1372 مع البعثة العسكرية السعودية وفقهم الله لخدمة الإسلام, وقد سرت الحكومة السعودية بذلك وفقها لما يحبه ويرضاه وجعل الخير على يديها, وسلموا لى على الأنجال والأصدقاء من هنا يسلمون عليك.

وعاد حفيدى محمود إلى السعودية بعد أن يلى أمه وأخته وقد قال لى طبيب العيون يكون رجوعى إلى مصر بعد عام واحد حتى يجمد الماء في العين لإجراء العملية.

وختمه " وربنا يحسن الختام ويتوفانا على الإيمان آمين".

رحم الله السيد نصيف, وأثابه عن جهوده الطيبة في خدمة السنة والثقافة الإسلامية خير الثواب.

2- وأما الصاحب الثانى فهو فضيلة الشيخ عبد الظاهر أبو السمح: وهو عالم سلفى من أصل مصرى استوطن مكة وتولى إمامة الحرم الملكى وأسس بها دار الحديث وحظى بمنزله مكينة من الملك عبد العزيز وعلماء السعودية والخطاب الأول الذى عثرنا عليه في مكتبة الشبخ يعود إلى 9 ربيع الآخر سنة 1354 هـ وفيه يقول " فقد أخبرنى صديقى الفاضل محمد أفندى مصطفى الفقيه أنكم تفضلتم بإعدائنا نسخة من كتاب الفتح الربانى فلم يسعنى إزاء ذلك التفضل إلا شكركم والدعاء لكم وأنى منذ رأيت إعلان عن الكتاب وأنا أثنى عليكم وأنوه بعملكم هذا المبرور بين الناس وقد اشترك بعضهم وأملى أن يكثر المشتركون في الحجاز إن شار الله وليس تنويهى بالكتاب ومرتبه وخادمه إلا تنويه بالسنة نفسها ونشرها وقد كتبت كلمة أرسلتها لمحمد أفندى في هذا العدد لينشرها فما أدرى هل قام بذلك أم لا.

هذا وأنكم يا أخى قد رفعتم رأس مصر بهذا العمل الجليل وأقمتم الدليل على أن في الكنانة من يخدم السنة ويعمل على إحيائها فلم يبق الأهل الهند استئثار بهذا الأمر بعد أن ضربتم لهم هذا المثل أعانكم الله وأجزل ثوابكم وأدام توفيقكم وجعلنى وإياكم ممن يحيون السنة ويميتون البدعة والمشتركون عندنا أكثر من 12 مشتركا وإن كانوا يتأخرون أحيانا عن الدفع فنقوم عن بعضهم ولا عجب فإن أكثر محبى السنة إن لم أقل كلهم ليسوا بأهل ثراء وغنى إنما هم من الفقراء.

وأنى أكرر الشكر لفضيلنكم وأسأل أن يجزيكم عن محبكم في الله خيرا وأن يجعل هذا الكتاب رابطة ود في الله وأخاء له تعالى لا تنفصم عراها على مر الليالى والأيام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وعلى هامش كتب:

" وأبشر الأخ بأن الكتاب سيروج جدا بحول الله وقوته,وسأجتهد لدى جلالة الملك ليأخذ منه كمية, وحبذا لو ساعدنى الأخ على هذه المنية بتجليد الجزئين الولين تجليدا حسنا وكتب عليه الاسم وأرسلت إليه هدية وأنا سأكتب إلى جلالته اليوم كتابا وقد ركز الشيخ أبى السمح جهده لخدمة الكتاب في حمل الملك عبد العزيز على الإشتراك في أكبر عدد ممكن وبين يدينا عدد من الخطابات تلقى ضوءا على هذه العملية وتكشف خلالها عن بعض الظروف المالية التى كانت تمر بالمملكة وقتئذ والتى كانت تقضى عليها بأشد الأساليب تقشفا " ولكن المستقبل سيكون أفضل " كما جاء في أحد الخطابات " لأن البترول قد بدأ يظهر وكذلك الذهب في أجياد".

وفى 23 ذى الحجة 1354 كتب إلى الشيخ .." ثم إن نجلكم الكريم حسن أفندى قد لقينا وزارنا بدار الحديث وقد سررت بلقائه جدا وحمدت الله أن جعله من الدعاة إلى الفضيلة وقد تسلمنا هديتكم بيد الشكر والثناء عن نفسى وعن دار الحديث جزاكم الله خيرا وبارك فيكم وأخلف عليكم.

وقد زرنا جلالة الملك ليلة أمس وذكرنا كتاب الفتح وقد ترجمتكم له ترجمة سر بها وشوقته إلى الاشتراك في مئات من الكتاب وقد أمرنى أن أكلم حضرتكم في ذلك فهو كان يريد 200 نسخة فقط فراجعته ليأخذ 500 فوافق وأمر أن أكتب لكم في ذلك. أفيدونا لعلنا نحصل لكم على شىء من ثمنها يساعدكم على إتمام الطبع".

وهناك خطاب آخر دون تاريخ بهذا المعنى وفيه يقول " والمقصود أننى كنت قابلت جلالة الملك وتذاكرنا في الفتح وما إليه, وكان قد وصله منكم هدية منه فسألنى عن فضيلتكم, وعن الكتاب نفسه فأبديت لجلالته ما بيسركم فرغب في الاشتراك بمائتى نسخة فقلت له قليل يا مولانا حتى أبلغناها إلى خمسمائة ثم طلب منى الاتفاق معكم على اقل ثمن لها من الأبيض والأصفر... الخ.

ولكن يبدو أن الإجراءات البيروقراطية ومشاغل جلالة الملك أرجأت التنفيذ وفى 21 صفر سنة 1356 كتب الشيخ أبو السمح .

" وإنى لخجلان ويعجز القلم عن وصف ذلك الخجل الذى عرانى من أجل تأخير اشتراك جلالة الملك في الفتح غذ بعد ان جاء كتابكم الكريم عرضته على جلالة الملك وبعد أن رد لى الجواب بأنه أمر وزير المالية بما يلزم وكتب لى وزير المالية بعمل الحساب للعدد المطلوب فلما وجده فوق الألف جنيه استمهلنى أياما وما أدرى إلا بالجواب يقول إن جلالة الملك أمر بوقف المسألة الآن حتى يتم الطبع فعرفت أن الملك قد روجع في المسألة الآن حتى يتم الطبع فعرفت أن الملك قد روجع في المسألة ليقفها فوقفت ولكنة عدت فراجعته وقلت لو أن تشتركوا في مائة نسخة... الخ.

وفى 17 ربيع 1356 كتب:

مولاى. لم آل جهدا في الكتابة لجلالة الملك حتى قبل الاشتراك في مائة نسخة كما ترون في كتابة الرسمى لى فأرسلوها مجلدة بالقماش تجليدا ظريفا من الجلد 2 قرشا صاغا مثلا واجعلوا منها نحو ثلاثين نسخة جلد أفرنجى لا يزيد عن 4 قروش صاغ أو 3 مثلا....الخ. وطلب في نهاية الخطاب ان يعيد الشيخ البنا خطاب جلالة الملك الأمر الذى فعله الشيخ بعد أن أشر على الخطاب " وكان مع هذا خطاب رسمى من جلالة الملك".

ومن الواضح أن طلب الشيخ أبى السمح إلى الشيخ البنا إعادة خطاب جلالة الملك ليمكنه المحاسبة والاحتجاج به إذا طرأ ما يتطلب ذلك كان المتلى للمسألة كلها.

وفى 4 رمضان سنة 1356 كتب:

"... ثم معاملة في الإستلام والتلسيم بينى وبين الحكومة كما أريتك في كتاب الملك وفى كتاب آخر منه يقول أمرنا المالية باستلام الكتب منك وتسليمك الثمن وكذلك كان,وصار لى الحق أن أزيد ما أعرفه من جيبى من المصاريف وما أنفقه على العمال طبعا أنا وحظى أن أعطتنى الحكومة فلله الحمد وإن لم تعطه احتسبه في خدمة السنة وقد تكلفنا في تفريق الصندوق الكبير الذى أرسلتموه إلى 6 صناديق ليمكن حمله على الجمال.. الخ. وإن خادمى ليذهب كل ليلة في رمضان إلى المالية بالسند فيعطى مرة 8 جنيه ومرة لا يعطونه وناس يصبرون بالشهور على مالهم عندنا ولولا ما للفقير عندهم وأنها مسألة تتعلق بالملك نفسه ما حصلنا على المبلغ بعد ستة فالحمد لله على أنى إلى ساعة كتابه هذا لم أوف وأثرتك بالذى حضر والرجا قبول عذرى فإن التأخير والله لم يكن بيدى رغم أنفى وإلى الله المشتكى".

وبعد هذا التاريخ بيومين فحسب (أى في 6 رمضان) أرسل إلى الشيخ خطابا جاء فيه بعد الديباجة.ط فإلى الآن لم تصل الكتب من جده وهذا الذى كنت أعمل له ألف حساب فإن الحجاج أخذوا يفدون بكثرة وإذا كثروا وقعت أزمة في الجمال فتغلوا البضائع لذلك وتعطل في الجمرك إلى أن نجد الجمال لحملها وقد أرسلت لمحمد أفندى نصيف منذ جاءنى كتاب المرسل من السويس أى منذ 14 يوما وقد كان صندوقا ضمن بضاعة لتاجر في جده اسمه أحمد باعشن فذهب الأفندى إلى الجمرك ونقل الصندوق إلى منزله ولكنه لم يجد الجمال لنقله.. وقد قسمه إلى ستة صناديق ليمكن حملها. ونسأل الله أن يسلمها من المطر والسيول حتى تصل ونسلمها لوزارة المالية ونسلتم الثمن ثم نرسل لكم ما بقى إن شاء الله. لا يكن عندكم فكرة, الملازم وإنما أرسلت هذا لاطمئنكم وأهنئكم بشهر رمضان".

وهناك عدد من الخطابات كلها تدور حول تسليم وتسلم النسخ والمتعب التى لاقاها مع المالية, وأنهم لا يدفعون إلا بعد استلامهم الكتب. وهناك خطابان يحثان الشيخ على اختصار الشرح سنشير " علم من الأفندى نصيف أن جلالة الملك سلمه الله سيشترك في ألف نسخة من الفتح, ولكن لم يصلنى ذلك من ديوان جلالته رسميا لأنه مسافر إلى الإحياء لأعمال ثم يعود, وسأتصل بجلالته عندما يعود إلى الرياض إن شاء الله وأتحقق الأمر بنفسى.

وفى 2 جمادى الأولى سنة 1958 أرسل الشيخ أبو السمح للوالد يقول بد الديباجة ".. هذا وبلغوا سلامي وعتبى لنجلكم الكريم حسن أفندى وذلك أنه نشر في النذير لولدنا عبد اللطيف مقالا عنوانه " من صعلوك إلى ملك" باسمه الصريح, ولابد أن تقرءوه, إن لم تكونوا قد قرأتموه, وفى المثل العامى المشهور " إذا كان المتكلم مجنونا كان السامع عاقلا" فكان حقا على الأخ حسن أفندى وهو السياسى المحنك والفقيه الدينى أن يلاحظ صلتنا وصلتكم بجلالة الملك العربى المسلم ويحافظ عليها, فلا يترك مجالا لسفيه كهذا يكتب ما كتب مما أساءنا به وأساء الملك وأولاده الأمراء.

ومن جهة الدين فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يكون بهذه الصفة فالأمل أن يكتب الأستاذ كلمة يمحو بها ما تقدم معتذرا وفى الحقيقة أن الملك عبد العزيز لا نجد مثله ينصر السنة وينشر كتبها ويعظم شعائر الله, وهذه سيرته ماثلة لكل من أراد الحقيقة أما من أراد الباطل والصيد في الماء العكر. فهذا مخذول وختاما سلاما.

والخطاب الأخير الذى عثرنا عليه في أوراق الشيخ بتاريخ 14 رمضان سنة 1358 وقد كتبه الشيخ أبو السمح في مجلي حضره السيد نصيف, ولهذا وقع الاثنان عليه وجاء فيه, وبعد... فإنى لم آل جهدا في تفريج كربتك وإجابة طلبتك وإرسال ما بقى لك حتى ييسر الله لى وحولت لك المبلغ وقدره 6,5 جنيها على بنك مصر. ومع هذا الحوالة بالمبلغ المذكور فتفضل بتسلمها.

رحم الله الشيخ عبد الظاهر أبو السمح ونصر ثراه.واستقراء االخطابات التى كتبها " الصاحبان" يوضح لنا كيف إن إحساسهما العميق بالواجب دفعهما للقيام بهذه الجولات والمحاولات التى وصلت إلى درجة الإلحاح والمتابعة مع الملك نفسه ثم مع البيروقراطية التى تنتهى إليها الأمور. كما يكشف عن أن الظروف الاقتصادية القاسية التى كانت تمر بها لمملكة وقتئذ والتى جعلت ألف جنيه مبلغا يعسر على وزارة المالية تيسيره ويتراجع الملك نفسه لم تحل دون أن تقوم الدولة بدور ما.

ونعتقد أن هذه المشاعر لو وجدت اليوم بين ثراة السعودية وأهل العلم والفضل – ولدى المسئولين في الدولة لكان حظ الثقافة الإسلامية أفضل بكثير مما هو الآن أن عهد جمال لم يكن أسوأ – في ناحية ما – من عهد البترول أن الحجاز قد نال شهادة عراقته عندما وضع إبراهيم واسماعيل القواعد من البيت ثم ولد الولادة التاريخية الحية عندما جعل الإسلام هذا البيت بمثابة وأمنا وقبلة, وعندما ثوى جسد الرسول في بقعة منه تنسكب فيها دموع الخشوع وترتفع أكف الضراعة وتتعالى مشاعر الحب والولاء من مسلمى العالم أجمع بما يجعلها روضة من رياض الجنة على الأرض, فأصول هذه البلاد تعود إلى الله والرسول وليس إلى البترول , عليه لعنة الله.

وكان الشيخ البنا رحمه الله عظيم التقدير لما يقوم به الشيخ عبد الظاهر أبو السمح من جهد بحكم صفته كمدير لدار الحديث وإمام للحرم المكى وبحكم اتصالاته بالملك عبد العزيز خاصة بعد أن أصبح الكتاب يدرس في دار الحديث ويقرأ القارىء في الصفحة الأخيرة مع الجزء الثانى من " الفتح الربانى".

" وإنا لنتقدم بأجزل الشكر وعاطر الثناء إلى فضيلة العلامة الأجل مدير دار الحديث بمكة المكرمة زادها الله تشريفا على معاضدته أحيانا واجتهاده في نشر الكتاب وتعميم النفع به حتى صار مقررا على طلبه هذه الدار المباركة تتوالى علينا طلبات الإشتراك فيه من الأرض المقدسة كما أن فضيلته اطرى الكتاب وقدمه لمحبى السنة اجمل تقديم في الصحف السيارة مما كان له أجمل الأثر في نفسنا وحسبنا أن يجد الكتاب من فضلاء المحدثين هذا التقدير ويلقى منهم العناية والكتاب الآن يدرس في الحرمين الشريفين مما يجعلنا نتفاءل بقبوله ونستبشر فيه برضوان الله ورسوله إن شاء الله".

والحقيقة أن الشيخ في اعترافه بهذا التجاوب وشكره له كان يجرى على أدب الإسلام في رد التحية بأحسن منها ومن هنا فقد تكررت كلمات شكره على الصفحات الأخيرة لأجزاء المسند سواء كانت " لعين أعيان جده" السيد محمد نصيف أو تجارها الكرام أو دار الحديث أو غيرها.

مخاوف ومحاذير

مع هذه المعونات, لم يكن الأمر سهلا,وقد اصطدم كفاح الصاحبين بالبيروقراطية وعدم الاكتراث, وتمخضت الألف نسخة إلى مائة ترسل بعناء , وتحصل قميتها على أقساط.وعندما قامت الحرب العالمية الثانية ( 39 – 45) اشتعلت أسعار الورق وخفض الشيخ من حجم الجزء الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر ثم اضطر للتوقف هنيهة.

وأهم هذا كل المطلعين على عمله , المقدرين لدوره. وكتب إليه الشيخ أبو السمح من مكة في 3 من ذى القعدة 1357 خطابا جاء فيها" ونرجو أن تحضروا في الشرح حتى يمكن إتمام الكتاب, لأن الأعمار كما لا يخفى غير مضمونه وإذا أطلتم الشرح احتجتم على مال كثير وعمر طويل, والمال يمكن أن يدرك, ولكن من يضمن طول العمر,وهذا المرحوم السيد رشيد رضا ترك تفسيره ناقصا, وكم من قائل له اختصر.

وقائل له اقتصر, فلم يسمع إلا آخر حياته ولم يدرك ما أمل فلا المطول أكمل ولا المختصر أتم, وترك كليهما ناقصا فلم المسألة ولا تجعل لغيرك فيها بدا, واشرح ما لابد منه وحسبك تخريج الحديث وشرح غريبه. والإشارة إلى ما اختلف فيها العلماء والدلالة على مواضع البحث فيه فمن اكتفى بما بينته فيها ومن لم رجع إلى بسط الموضوع في محله والدال على الخير كفاعله".

وكانت هذه القضية قد شغلت ذهنه قبل ذلك وكتب إلى الشيخ في 22 شوال سنة 1356هـ " ويرى بعض الإخوان انكم توسعتم في الشرح حتى خاف أن يطول الكتاب وأشفق أن تعجز النفقة عن إتمامه ويرى آخرون أن تقليل الملازم عما كانت أولا تخل بنظام التجليد ووزن كل جلج ويقولون أن رفع القيمة لكل جزء ليبقى على ما كان من عدد ملازمه خير من نقص الملازم والنتيجة على كل حال واحدة أما فكل ما ترونه حسنا فهو عندى حسن إن شاء الله".

ولم يكن الشيخ أبو السمح وحده هو المشغول بهذه القضية فالحق إن عدم توفر المال كان تهديدا دائما وقد توقف الشيخ شيئا ما قبل صدور الجزء الخامس فكتب أحد العلماء الغيوريين على السنة هو الشيخ محمود شويل من علماء المدينة المنورة في 12 المحرم سنة 56 " ولقد تأخر طبع الجزء الخامس حتى وضع كل محب للسنة يده على قلبه بما آلمه منه ذلك التأخير الذى ظن أن من ورائه تأخير هذا الأثر الذى جلى للأمة سنة نبيها صلى الله عليه وسلم وجمع لها شتيت هذا المسند الذى أضاع فيها صديق هذه الأمة الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى عمره الثمين".

وتعجب الشيخ كيف لا يفكر أحد أبناء الأمة الإسلامية في مد يد المساعدة والمعونة لطبع هذا (المجهر) الإسلامي الذى عم نوره الأفاق كلها بصدور أجزائه الأربعة الأول " أنى لاستمطر أكف أهل الصدق والوفاء كسعادة الكريم الجواد مغازى باشا الذى حج هذا العام وزار الروضة المطهرة فأغدق على جيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيضا من سماء كرمه جعلهم يهتفون بذكره واستمطر أكف سعادة البدراوى باشا وسيد باشا خشبة وجلال بك محمود القيسى أعضاء مجلس النواب والشيوخ, وقد رأينا كرمهم الحاتمى أثناء حجهم هذا العام بمكة والمدينة ما جعل الألسنة تلهج بذكرهن الثناء عليه.." وبالطبع فإن أحدا من هؤلاء السادة لم يعلم بهذا النداء ولو علم لما فعل شيئا فهناك فرق بين الكرم عند الحج.. وبين المساعدة على إخراج سفر علمى ثمين. ويبدو أن الشيخ شويل رحمه الله - ولعله مصرى الجنسية – لم يتقدم إلى أحد من السعودية لتصوره أن المصريين أقدر على المساعدة وقتئذ.

وجدير بالذكر أن علماء السعودية لم يكونوا وحدهم الذين شغلوا بهذا الأمر فقد كتب أحد علماء مصر المشهورين وهو الشيخ أبو العيون إلى الشيخ خطابا في 4/10/ 40) يقول بعد الديباجة.

سيدى – طالما فكرت في الكتبة اليكم في الشأن الذى أحرر لكم فيه هذه الرسالة حتى وفقنى الله من فضله اليوم فكان فرصة سعيدة لنهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك أطال الله حياتكم النافعة إلى أمثاله.

أما المر الذى غلب الخجل من التدخل فيه الرغبة في نشر فضلكم وعموم النفع بكم وتمام عملكم بالخير فهو الإشارة على حضرتكم بانتهاز فرصة الورق وارتفاع أسعاره الذى يفوق السير في الطبع بالسرعة العادية زيادة على ما عرقل سبل تصريف الكتاب في أقطار الإسلام من عوائق الحرب وانتهاز تلك الفرصة يكون إن شاء الله ببذل وقتكم النفيس في تدوين شرحكم القيم لأحاديث الكتاب المبارك أنى أتمنى لو تفضلتم بتوفيق الله فسبقتم بالشرح والتدوين ولم تنتظروا شرح الأحاديث مع طبعها أو قبيل طبعها فحبذا لو حثثتم نفسكم في ذلك الشرح العظيم جهد المستطاع سرعة وإن كنتم في الطبع وجدتم التأليف أمامكم معدا فتكونون بذلك قد ادخرتم للإسلام والله المسئول بكرمه وجوده أن يمد حيتكم المباركة حتى تروا الكتاب كله مطبوعا مع شرحكم البديع طبعا يقر عينكم وعيون الناس .... الخ. وكتب عبد العزيز محمد باشا , وهو وزير سابق للأوقاف في 10 ذو القعدة 1366 ( 25 سبتمبر 1947).

حضرة الأستاذ الجليل الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا:

جلت أثاره, وعظمت مناقبه وكثرت مآثره, بعد التحية الطيبة والسلام العاطر هل لى أن أسألكم عما تم طبعه من كتبكم الجليل المعنون بالفتح الربانى بعد الجزء الثالث عشر وثمن كل جزء فإنى حريص على اقتناء باقى أجزائه وأرجوا منكم الحرص على إتمامه قبل مفارقتكم هذه الدار بعد عمر طويل إن شاء الله, فإن عملكم هذا عمل مفيد لم يسبقوا إليه فيما ألم, إن كان علمى صحيحا وسيجزيكم الله عنه أجزل المثوبة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وجاءه من أحد أفراد الأسرة " مخيون" في " أبو حمص" وهى أسرة عريقة كان شبابها يرون في الشيخ رحمه الله ابا روحيا.

حضرة المحترم والدنا المبجل الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا بارك الله لنا في حياته ورضى عنه وأرضاه. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد. فلم تردوا على بطاقتنا وقد كررنا لكم الزيارة فلم نحظ برؤيتكم إذ لم نجدكم بالمكتب فرجائى أن تخبرونى بما تم في المسند والفتح وهل استمررتم في الطبع ام لازلتم متوفقين وندعو الله أن ييسر عليكم والإستمرار في الطبع وعلى كل حال لا تحرمونا من بركات دعائكم ومراسلاتكم حتى لا تنقطع عنا أخباركم الطيبة إن شاء الله.

وختاما أكرر سلامى ودعائى أن يمنحكم الله القوة والعافية وطول العمر وحسن العمل آمين.

الخميس 14 من المحرم سنة 1367

27 من نوفمبر سنة 1947

أبو بكر مخيون

بعزبة مخيون بأبى حمص - بحيرة

وأخيرا تلقى الشيخ هذا الخطاب من شخص انتهت به الأيام لأن يقوم بأول حركة مسلحة للتخلص من نظام كان يراه فاسدا ودفع حياته ثمنا لذلك. تولاه الله بعفوه ورحمته :

حضرة أخينا الشيخ الجليل أحمد عبد الرحمن البنا المحترم :

أحييكم بتحية الإسلام الصافية النقية فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته ونحمد الله العلى القدير الذى جمعنا على محبته وربط بين قلوبنا على طاعته فمحبة الله وطاعته هما ملاك الأمر وميزان المؤمنين . ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولقد أحببتك يا شخينا والله يعلم منذ زمن بعيد ولقد كنت حريصا منذ مدة على اقتناء كل ما وفقك الله لطبعه ولقد كنت دائما أطالع ما تكتبونه بمجلتى الشهاب والمسلمون.

ونحمد الله العلى الكبير على أن وصلتنا النسخ الثلاثة من مسانيد الأئمة أحمد بن حنبل والشافعى والطيالسى رضى الله عنهم وقد أخبرنا الأستاذ قاسم صاحب مكتبه المثنى الذى جلب لنا هذه الكتب له جلب ثلاث نسخ أخرى من كل كتاب ولقد حرضت مع أخوى اللين اشترنا النسختين الباقيتين كثيرا من الإخوان على اقتناء هذه الكتب وكثيرا ما كنا نجابه بأن مسند الإمام أحمد غير كامل وحين تمامه فإنهم سينشرونه فنحثكم راجين لكم التوفيق أن تسرعوا في طبع ما تبقى من هذا الديوان الكبير الذى جمع الذى بين دفتيه كثيرا من السنن وبذلك تكونون قد رفعتم للسنة منارا عاليا إن شاء الله. وفى الختام نرجوكم غاية الرجا أن ترسلو لنا رسالة حال الإنتهاء من طبع أى جزء من الأجزاء الباقية وبذلك تكونوا قد أسد يتم لنا فضلا نشهد لكم به عند الله يوم العرض الأكبر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

28 رجب 1377هـ

أخوكم المحب

صالح عبد الله سرية

بغداد – الكرخ – سوق الجديد

مدرسة التربية الإسلامية


السنوات الأخيرة

كان من المحتمل أن تكون السنوات الأخيرة من حياة الشيخ سنوات هدوء ورضا واستقرار. فقد تخلص من أعباء الأبناء بعد أن كبروا وتوظفوا وتزوجوا, واستراح من الساعات وتصليحها بعد وقت طويل واجتاز أزمة الحرب العالمية التى أوقفته حينا عن النشر, فواصل إصدار أجزائه جزءا جزءا, واكتسب الكتاب مع الزمن دائرة محدودة من الإنتشار.

ولكنها كانت تكفى مع اقتصاد الشيخ وضبطه لعملية الطبع – للإستمرار – حتى يحقق أمل حياته في أن يرى الجزء الأخير مطبوعا, لولا أن تطورت الأمور تطورا مأساويا وأصابته – وهو بعيد عنها – في الصميم. فالعداوة التى احتدمت بين الإخوان ووزارة السعديين وصلت إلى قمها في حل الإخوان المسلمين في ديسمبر من عام 1948, وإعتقال الألوف من أعضائها كان منهم أربعة من أبنائه الخمسة. وإغلاق شعبها ومصادرة أموالها, أخذت تتطور من سىء إلى أسوأ, حتى انبعث أشقاها ليغتال ابنه البكر في ظلام الليل.

ولو كان الشيخ يكتب مذكرات لأخذنا فكرة عن اللوعة التى اجتحته, والحسرة التى تملكته عندما اضطرته الليالى السود لأن يحمل بيديه جثمان ابنه العزيز الذى كان ملأ حياته ونور بصره وأن يودعه قبره, وحيدا لا تحضره عشرات الألوف التى كانت تشق بهتافها عنان السماء " الله أكبر ولله الحمد" ولكن تحاصره أسنة حربا البوليس, لا يعلم إلا الله وحدهما انتاب الشيخ هذا اليوم وما تلاه من أيام, وما كان يفكر فيع خلال الليالى الطويلة التى أعقبت هذا الحدث.

وكم سكب من دمع مدرار, وما هى الهموم والآلام والأحزان التى كانت تعصف به وحيدا في مكتبه.. وبأى عين كان ينظر إلى المستقبل القاتم المدلهم. بعد أن قتل ابنه البكر واعتقل بقية أبنائه – واضطروا إلى ترك الشقة الرحبة الواسعة. وما فرضه الحكم العسكرى من إرهاب دخل الحوارى والأزقة والقرى النائبة و" مشط" البيوت بيتا بيتا وأصاب كل من له علاقة بالإخوان.

لكن الشيخ كان رجلا مؤمنا, كان إماما في علمه وفقه وفهمه للإسلام وقيم أذن يفيد هذه المعرفة أن لم يكن في مثل هذه الحوادث الجسام وفى مواجهة الآلام, كان الشيخ يعلم أن البلاء قسمه المؤمنين, وأن الشهادة تاج المجاهدين فحال ذلك دون أن يتهاوى وتماسك, وأخفى ما يحتمل بين جنبيه من لوعات وسجل في دفتره العتيق " في يوم السبت 14 منه (أى ربيه الثانى سنة 1368) موافق 12 فبراير سنة 1949 في الساعة التاسعة مساء اغتيل المرحوم حسن ابنى – فهدم بفقده ركن من الإسلام – رحمه الله رحمة واسعة ".

وأرسل البنا في المعتقل خطابا يواسينا ويوصينا بالصبر والاحتساب, ويذكرنا أن البلاء هو حظ الأنبياء فالأولياء فالأمثل فالأمثل, وقد أخذ الأخ عبد البديع صقر – رحمه الله – يقرأ الخطاب على المعتقلين بالطور , وكان عجبه لا ينتهى من أسلوب الخطاب ودقة كتابته وعدم وجود شطب أو خلل فيه.

وأصاب مقتل الإمام البنا الأسرة بضربة لم تفق منها. صحيح أن الإمام الشهيد رحمه الله لم يكن يؤثر أشقاؤه ولكنه كان للأسرة ذخرها, وفخرها وأملها. وكانت تربطه بكل فرد من أفراد الأسرة وشيجة تضرب في أعمق أعماق النفس, وصلة وثيقة من الطفولة حتى الرجولة فضلا عن الصورة الدراماتيكية والملابسات الإرهابية التى وقع بها هذا الخطب الجلل.

من أجل ذلك فإن الشيخ الوالد لم يعد أبدا ما كان عليه قبله, حتى وإن كان قد استأنف العمل كما سنرى, أما الوالدة رحمها الله فقد كان مصابها يجل عن الوصف وأذكر أنها قبل الحادث كانت تسير بجانبى في شارع الحلمية ودقات حذائها تضرب الأرض بقوة, أما بعده فقد ظلت لمدة طويلة لا تستطيع أن تجلس إلا على عجلة مطاطية منفوخة بالهواء بعد أن أصبحت جلدا على عظم وقد ألفت – حتى بعد خروجنا من المعتقل بعد الحادث وعندما كانت لا تجد وسيلة خاصة للركوب, كانت تنتظر لأكثر من ساعة ظهور أول ترام يذهب إلى الإمام الشافعى, وفشلت كل محاولاتها أثنائها عن ذلك او إقناعها بالانتظار حتى تشرق الشمس أما الشقيقة فوزية فقد كان مصابها مضاعفا إذ أصيب زوجها

وقتل أخوها فأصبحت مثل جليلة في القديم وتمزقت ما بين العناية بزوجها في مستشفى قصر العينى ومواسها أمها. وكان هذا كله لم يكن كافيا, فقد تطرقت إلى الأسرة إشاعة أن الشقيق عبد الباسط فقد بصره اثر علمه بالحادث وكتب البنا الوالد والشقيقة يطلبان خطابا منه بيده ليتأكدا من عدم صحة هذه الشائعة وكان الشقيق عبد الباسط رحمه الله هو أشدنا تأثرا, وكنت الذى يواسيه لأسابيع بعد الحادث وهو يضرب في مجاهل " الطور" ويسير على غير هدى.

لا أعاد الله هذه الأيام السود... أن مجرد تذكرها, يجعل الجلد يقشعر والعين تدمع.كان لابد للحياة أن تسير فتلك سنة الله التى لا نجد لها تبديلا’ فاستأنف الشيخ عمله, وفى النفس ما فيها, ولعل العمل الآن أصبح سلوته الوحيدة التى يدفن فيها آلامه... وينسى بها أحزانه فواصل أسلوب حياته وعمله.

وكان الشيخ قد استقر بسلاملك مستقل في حوش المنزل رقم 9 بحارة الرسام وهى حارة ضيقة في أحشاء القاهرة " الغورية" وعلى ناصيتها مسجد الفكهانى. وكان البيت كالبيوت القديمة رحبا واسعا وكان له حوش أو فناء متسع, وفى مواجهته سلاملك مستقل يرتفع بصف درجات عن مستوى أرض الحوش . وهذا هو الذى اتخذه الشيخ مكتبا ونخزنا للنسخ المطبوعة من " الفتح" ولم يكن حسن الإضاءة أو جيد التهوية, ولكن هذه أمور لم تكن لتشغل الشيخ.

ومن الصباح الباكر حتى منتصف الليل تقريبا كان الشيخ يأوى إلى مكتبه فيجلس القرفصاء – كالكاتب المصرى القديم – على مقعد عريض – مو مربع خشبى , ليس له مسند أو ذراعين, طرحت عليه حشية ( شلتة) وكان أمامه مكتبه وهو " تزجه" صغيرة احتفظ بها من أيام تصليح الساعات وجعلها مكتبا وهى " تزجة" لابد وأن تثير الخجل في نفوس الذين يحرصون على المكاتب الفخمة ذات المحابر والوراقات.. وينفقون عليها مئات الجنيهات, فعلى هذه " التزجة" المتواضعة كتبت أعظم موسوعة اسلامية تضم الحديث والفقه.

وكانت الكتب تحيط بالشيخ من كل جانب وكان فيها الكثير من مطبوعات الهند, التى كانت من أوائل القرن العشرين قد نشرت العديد من أمهات كتب الحديث بفضل عناية حاكم ولاية حيدر إباد الدكن وكذلك ملك بهوبال, وهما من أبرز ملوك الإمارات الإسلامية في الهند وقتئذ.

وكانت مكتبة الشيخ عامرة بالمجلدات والمراجع عن الحديث والتفسير والفقه وبقية العلوم الإسلامية وقد وجدت بين أوراقه ورقة كتب عليها بخطه هذين البيتين:

الا يا مستعير الكتب عنى

فإن أعارتى للكتب عار

فمحبوبى من الدنيا الكتاب

وهل أبصرت محبوبا يعار؟

وظل الشيخ من عام 38 إلى عام 49 يضىء مكتبه بمصباح بترولى, ولكن هذا المصباح كان " نجفة" وإلى حد ما تحفة. فقد كان " لمبة" كبيرة مستديرة لها زجاجتها الطويلة وكانت اللمبة وسط قاعدة نحاسية مستديرة تربطها سلاسل منقوشة بثقل مستدير كان يسمح بأن يرفع اللمبة إلى أعلا أو يخفضها إلى أسفل, وعلى ضوء هذا المصباح, وظل الشيخ عشر سنوات يعمل في الفتح, على أنه كان أسعد حظا من ابن كثير الذى ظل يعمل في المسند" والسراج ينونص" حتى كف بصره , فإن الشيخ رحمه الله أدخل الكهرباء في المكتب عام 1949.

ولم يكن الشيخ ليبرح مربضه هذا إلا لأداء الصلاة في جامع الفكهانى على ناصية الحارة او في مكتبه إذا أحس بتعب. وكان بالمكتب أريكة " كنبة" صغيرة يتمدد عليها في بعض الحالات وقت القيلولة, وكان يؤتى له بطعامه من شقته الخاصة بالمنزل نفسه بالدور الثانى.

فإذا انتصف الليل أو كاد أغلق الشيخ مكتبه وآوى إلى مضجعه في الدور الأعلى وبهذه الطريقة خلص الشيخ من صعوبات " المواصلات" وما تستفيده من جهد ومال ووقت.

وكانت الحالة المالية للشيخ مستقرة, لأنه أخذ نفسه بالاقتصاد وكان شعاره هو الحديث النبوى " ما عال من اقتصد" وقد ابتعد عن كل صور التوسع أو المشروعات التى تجمد ماله القليل أو تبعده عن متناول يده, أ, تشغل فكره به, وكان يؤمن بالكتابة ويقيد كل معاملاته المالية ويقول إن الله تعالى عوده أن لا يخذله, وأن ييسر له ثمن ورق كل جزء من أجزاء الفتح.

وكان ذلك مع مصاريف الطبع هى المشغلة المالية للشيخ , أما الأكل واللبس وتكلفة الحياة اليومية, فلم تكن تمثل شيئا مذكورا. وقد كان مما يثير عجبنا أن يوجد لدى الشيخ دائما مبلغ من المال الحاضر في أى وقت وكنا ملتجأ إليه عندما تمس بنا حاجة فنقترض منه, وعندما توفى إلى رحمه الله, كان دفتره يضم صفحة لكل ابن من أبنائه بها حسابه وكانت كلها مدينة له. وكان قد أدخر قبل أن يموت بفترة قرابة مائتى جنيه في صندوق بريد ( بدون فوائد طبعا) وقد توكأ على ذات يوم ليصرفها من مكتب بريد الأزهر.

ليعطيها للشقيق عبد الباسط عندما ألمت به أزمة خانقة, وقبل أن يموت أشار إلى مكان مبلغ من المال ليصرف منه على تجهيزه. وكان في هذا كالوالدة رحمها الله, فكل منهما ترك ما ينفق على تكفينه وتجهيزه وجنازته.

وكما قلنا في المقدمة. فإن الشيخ لم يكن يزور أو يزار إلا في المناسبات. ولم يكن يقرأ الجرائد, أو يستمع إلى الراديو. وغنى عن القول أنه لم يذهب في حياته إلى سينما أو مسرح, كما لم يخرج طوال الثلاثين عاما الأخيرة منحياته في نزهة أو لرؤية متحف او حديقة.. الخ.

ولعله رأى الأهرام أول قدومه, وقد أمضى حياته القاهرية كلها في مثلت السيدة – الخليفة – الدرب الأحمر.

وكان الشيخ يدخن نوعا من السجاير الرخيصة. وفى بعض الحالات كان يقسم السيجارة قسمين. كما كان يتناول عددا من فناجين القهوة.وكان في متناول يده وابوار سبرتو وعدة القهوة, وقد قيض اله له من كان يعينه في هذا " الأسطى" أحمد الذى تطوع بخدمة الشيخ. فكان يحضر " الخبز" ويغسل فناجين القهوة الخ... رحمه الله.

فقد توفى بعد وفاة الشيخ . ونعتقد أن تدخين السجاير وشرب القهوة إنما كانا اقل ما يمكن أن يفعله الشيخ لدفع الملل الذى كان ولابد يستبد به, عندما تتوالى الساعات, ساعة بعد أخرى , وهو مكب على عمله, ويتكرر هذا يوما بعد يوم.

في مكتب لا تدخله الشمس, ولا يظفر بتهوية و وقد قلنا ان الشيخ رحمه الله لم يكن مجردا من الحاسة الفنية أيامه الأولى , وكان مكتبه في المحمودية على شاطىء النيل, يطل على منظر من أجمل المناظر تحفه الخضرة ويغسله الهواء وتجففه الشمس,و لعله في إحدى ندوات الشباب أمل أن يكون له " كارتة" يجرها حصان مطهم, ويقطع بها طرقات المحمودية...

وكانت تلك هى أعظم وسيلة للاستمتاع وقتئذ, ولكنه أطرح كل هذا وأثر أن يتبتل للعلم في هذا المكتب المقبض الذى لم يكن ليطيق البقاء فيها ساعات وليس أياما أحد غيره... فلا أقل من أن يدخن بعض السجاير... أو يشرب بعض القهوة ولولا إيمانه برسالته, وما كان يلمع وسط ظلمات التنكر والإغفال . من علامات التقدير... لما استطاع الشيخ أن يواصل عمله في هذه الأوضاع.. وقد عثر بين أوراقه على خطاب من أحد شيوخ مكة يطلب منه الإجازة وترجمة حياته الحافلة" فأرسل الشيخ خطابا جاء فيه.

الأخ الصالح سليمان بن عبد الرحمن الصنيع حفظه الله ونفع به أمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد فقد تسلمت خطابكم من فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد الرازق حمزة وامتثالا لأركم وحسن ظنكم بى كتبت الإجازة بخطى وسلمتها لحضرته وتصلكم إن شاء الله تعالى وأنتم متمتعون بالصحة والعافية.

عمم الله النفع بكم وبارك فيكم. أما ترجمتى " الحافلة" فلا يكون في حياتى ولا من صنع يدى" 5 شعبان 1365 ؟ 4 يوليو 46.

وهذا الخطاب يصور أدب الشيخ وتواضعه الحقيقى, وفى الوقت نفسه فإنه يكشف عن أنه كان يعلم حق العلم قدر نفسه وقدر العمل العظيم الذى يقوم به ولكنه كان يتقرب إلى الله بهذا فلا يجد فيه مبررا لزهو أو فخر أو استعلاء وقد قرأنا على غلاف لأحد الأصول بخطه هذا التنبيه " لاسطى المطبعة" " الرجا عدم تكسير الورق كثيرا والمحافظة على نظافته بقدر الإمكان, ولا يصح أن يكتب عليه بالإنجليزى كأنه لعبة. لأن هذه الأصول ستجلد ويحتفظ بها جيدا لأنها خطا المؤلف".

وكان الشيخ يستخدم في كتابته (الريشة) والمحبرة وأنواعا مختلفة من "السن" ولكنه عند ظهور أقلام الحبر استخدم أنواع منها. وكانت أصابعه الطويلة الرشيقة تمضى هونا على الورق فتكتب بخط دقيق, ولكنه واضح, وكان يكتب المتن بخط كبير نسبيا وكان يرقمه ويشكله بحيث أن نصف الصفحة كان يستوعب أربعين سطرا لا يتخللها شطب واحد, ويمكن قراءته على دقته كما كان في مثير من الحالات يملأ هوامش الصفحة أيضا.

وكان الشيخ البنا أقرب إلى الطول منه إلى القصر, وإلى النحافة منه إلى البدانة وإلى البياض منه إلى السمرة... وكانت يداه طويلتين وأصابعه رشيقة. نأتىء الوجنتين, مقرون الحاجبين واسع الشدقين أشم الأنف, ,كان يلبس الجبة والقفطان ويضع العمامة على عادة الشيوخ فى مصر... ,كانت صحى الشيخ بصفى عامة حسنة.

ولا أذكر أنه زار طبيبا أو أن طبيبا زاره قبل مرضه الأخير. وقد أجرى عملية فتق في مستشفى الدمرداش في 4 يونيو سنة 34 أجراها له طبيب انجليزى ماهر. وبعد عشرين سنة ( أى سنة 1954) كتب الشيخ في دفتره " أصيب بفتق في الجهة اليمنى والحمد لله على كل حال" وألف أن يلبس حزاما خاصا كما أنه في السنة السابقة (1953 – 1373) خلع أسنان الفك الأعلى وركب طاقما. ولكنه باستثناء ذلك لم يكن يشكو شيئا. وكان من عجيب أمر الشيخ أنه لم يزر طبيب عيون وأنه كان يختار نظارته حسبما اتفق ثم لا يخلص منها إلا إذا أصابها عطب ليختار أخرى بالطريقة نفسها.

وإذا قدرنا الحياة الروتينية والحبسة في المكتب المقبض ليل نهار, والواحدة الكئيبة التى كان يعيش فيها والسجاير والقهوة وعدم عنايته عناية خاصة بالغذاء, وما تعرض له من شدائد ومحن في الثلاثينات ثم النكبة المدلهمة باغتيال ابنه المأمول وما سحبته من آلام وهموم على قيد حياته وإن هذا الحدث قد أصاب أسرته كلها بضربة قاضية أخرت تقدمها... تقول إذا قدرنا هذا كله لأدركنا أن الشيخ رحمه اله كان يدافع كل هذه القوى الهدامة الميئسة لكى يحقق أمله العظيم في اتمام " الفتح" كان الفتح هو الذى يمسكه على قيد الحياة ويعيطه القوة التى استطاع أن يغالب بها عوامل كان يمكن أن تجعل غيره يتهاوى قبل الوقت الذى اسلم فيه الشيوخ الروح.

وحتى الأيام الأخيرة من عمر الشيخ لم ييأس أو يتوقف عن العمل وكان قد وصل إلى منتصف الجزء 22 وهو عن تاريخ ,لما أحس بهجوم المرض, حاول أن يعرفنى بأسرار عمله, وقال إن الجزء 22 عن التاريخ. وإن شرحه لن يحتاج إلى فنية وأستاذية كبيرة, ونصحنى بالرجوع إلى البداية والنهاية لابن كير لأن تاريخه يعتمد على الحديث , كما يتضمن التخريج, وهو محك الخبرة والأستاذية.

ويحدثنا الشقيق الأستاذ عبد الرحمن البنا عن الأيام الثلاثة الأخيرة للشيخ عندما رأى أن ينقله من مكتبه إلى منزله ليكون تحت الرعاية" وبكرت صبيحة الاثنين 6 جمادى الأولى 1378 هـ بعربة ركبها ومعه الأصول الباقية من الفتح الربانى بخط يده وبعض مراجع الحديث التى كان يعمل فيها في الجزء الثانى والعشرين ثم جلس في حجرة النوم وأشار بان نصف المراجع في الشباك القريب بالحجرة ومعها الأصول وجعل يشير إليها ويتحدث عما أنجزه حتى الآن.

وطيلة يوم الاثنين وهو يحدثنا حديث الواثق المؤمن وعرض لنشأته وصباه وبلدته وكان أصح ما يكون صحة وأتم عافية حتى نسبت ما دخل نفسى من شعور يوم الأحد مساء وقلت لقد من الله على الشيخ بالعافية وظننته سيمكث معنا طويلا يمنعنا بهذا الحديث وبهذا العلم ولكن قدر الله كان سابقا وأمره نافذا. وفى يوم الثلاثاء انشغل بربه وانصرف عنا وكان يطلب الوضوء وينظر في ساعته إذا حضر وقت الصلاة فيؤديها حيث استطاع.

وفاته

  • وقبل يوم ظهر يوم الأربعاء من جمادى الأولى سنة 1387 هـ (19 نوفمبر سنة 1958) لقى ربه راضيا مرضيا عن شاء الله عن سبع وسبعين سنة وبضعة شهور".أهـ.
يا صاحب " الفتح" كم في " الفتح من باب
يكسبك فخرا على الأجيال والسلف

ولم يكن ذاك كافيكم, فجدت لنا

بمرشد الدعوة السمحاء في الخلف

الله أكرمكم, والله ألهمكم

أنعم بكم , وبمن أودعت في النطف

الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا يكتب: "ولدي الشهيد"

عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بالصبي فضمه إلى صدره قال أنس فدمعت عينا رسول الله وقال "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل، والله أنا بك يا إبراهيم لمحزونون".

تتمثل لي يا ولدي الحبيب في صورتين .. صورة وأنت رضيع لم تتجاوز الستة شهور، ولقد استغرقت مع والدتك في نوم عميق، وأعود بعد منتصف الليل، من مكتبي إلى المنزل فأرى ما يروع القلب ويهز جوانب الفؤاد .. أفعى مروعة قد التفت على نفسها وجثمت بجوارك، ورأسها ممدود إلى جانب رأسك وليس بينها وبينك مسافة يمكن أن تقاس.

وينخلع قلبي هلعاً فاضرع إلى ربي وأستغيثه فيثبت قلبي، ويذهب مني الفزع، وينطلق لساني بعبارات واردة في الرقية من مس الحية .. وما أفرغ من تلاوة حتى تنكمش الحية على نفسها وتعود إلى جحرها، وينجيك الله يا ولدي من شرها لإرادة سابقة في علمه، وأمر هو فيك بالغة.

وأتمثلك يا ولدي وأنت صريع وقد حملت في الليل مسفوكاً دمك ذاهبة نفسك، ممزقة أشلاؤك، هابت أذاك حيات الغاب، ونهشت جسدك الطاهر حيات البشر! فما هي إلا قدرة من الله وحده تثبت في هذا الموقف، وتعين على هذا الهول وتساعد في هذا المصاب .. فاكشف عن وجهك الحبيب فأرى فيه إشراقه النور وهناءة الشهادة، فتدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا عز وجل "إنا الله وإنا إليه راجعون".

وأقوم يا ولدي على غسلك وكفتك وأصلى وحدي من البشر عليك، وأمشي خلفك، أحمل نصفي، ونصفي محمول، أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

أما أنت يا ولدي فقد نلت الشهادة التي كنت تسأل الله تعالى في سجودك أن ينيلك إياها فهنيئاً لك بها، فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وان له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة".

اللهم أكرم نزله، وأعلي مرتبته، واجعل الجنة مثواه ومستقره، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

وأما أنتم يا من عرفتم ولدي واتبعتم طريقه .. إن خير ما تحبون به ذكراه أن تنسجوا على منواله، وتترسموا خطاه، فتتمسكوا بآداب الإسلام وتعتصموا بحبل الأخوة، وتخلصوا النية والعمل لله.


الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا .. بقلم د. عمرو الشيخ

  • بقلم: د. عمرو الشيخ ...المدير التنفيذي لمؤسسة نور للتنمية البشرية

هل كان يدرى ؟؟

وأما أنتم يا من عرفتم ولدي واتبعتم طريقه .. إن خير ما تحيون به ذكراه أن تنسجوا على منواله، وتترسموا خطاه، فتتمسكوا بآداب الإسلام وتعتصموا بحبل الأخوة، وتخلصوا النية والعمل لله.

كانت هذه نصيحته لمن عرف ولده واتبع طريقته

فهل كان يدرى ؟؟

أن ولده سيكون ملء السمع والبصر وأن يكون له أتباع ومريدون ؟؟

و هل كان يدرى أن تلك النطفة الطاهرة التى قذفها يوما فى جوف أم السعد ستخرج للعالم إنسانا قل أن يجود الزمان بمثله

وهل كان يدرى حينما دعا الله أن يحفظ ولده من الحية التى كادت أن تفتك به وهو طفل رضيع

أن تنهشه حيات البشر وتتركه ينزف حتى الموت ؟؟

هل كان يدرى ؟؟

ربما

فهيا بنا نقترب من هذا الإنسان العظيم

الذي أنجب الإمام الشهيد

هيا بنا نتعرف على

هذا الرجل صاحب الإنجاز المبهر

الذي حال ضعف البصر بين ابن كثير أن يتمه فأنجزه هو رغم فقره وقلة حيلته

البداية

ولد الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في قرية شمشيرة في مركز فوه، محافظة كفر الشيخ في العام1882، وحفظ القرآن الكريم في طفولته في القرية، ثم ذهب للإسكندرية لإكمال دراسته في مسجد القائد إبراهيم، الذي درس فيه العلوم الشرعية، وامتلك مفاتيحها، الأمر الذي ساعده على مواصلة الدراسة بنفسه - كان نظام الدراسة هذا هو المعمول به، آنذاك

وفي 25 أبريل سنة 1904 تزوج من إحدى فتيات القرية تدعى «أم السعد»، وكانت على صغرها ذكية، مدبرة واعية، كما كانت على جانب كبير من العناد، فإذا انتهت إلى قرار، فمن الصعب أن تتنازل عنه، وهي صفة ورثها، كما ورث ملامح الوجه، ابنها البكر - الإمام الشهيد حسن البنا - ولكن العناد عنده تحول إلى صورة سوية أصبح معها قوة إرادة وفي السنة التالية (1905) انتقل الشيخ بأهله الى المحمودية، التي أخذت اسمها من اسم السلطان محمود ، سلطان تركيا، كانت السنوات الأولى في المحمودية رضية سخية، واشترى الوالد محلاً صغيرا على النيل مباشرة لتصليح وبيع الساعات - هذه المهنة التي تعلمها في صباه أثناء دراسته في الأسكندرية - ثم أدخل «الغراموفون» والاسطوانات إلى تجارته، ولم يكن هذا مستنكرا، لأن معظم ما كانت تنطق به هذه الاسطوانات كان تواشيح ومدائح، وكان معظم الملحنين من المشايخ.

على أن هذه اللفتة -كما يفسرها جمال البنا - تكشف عن ناحية خافية في شخصية الشيخ هي وجود الحاسة الفنية، وكانت هذه الحاسة مغروسة في الشيخ ومعظم أبنائه، وقد كان الشقيقان عبد الرحمن وعبد الباسط شاعرين، مع ميل خاص للموسيقى، وألف الأستاذ عبد الرحمن مسرحيات إسلامية، يمكن أن تجعله رائدا للمسرح الإسلامي، وعبد الباسط الذي كان ضابطا بالبوليس، كتب العديد من الأشعار والقصائد المتنوعة

إلى القاهرة

لم تستمر العائلة في المحمودية وانتقلت للعيش في القاهرة وكانت فكرة النزوح للقاهرة تراود الشيخ الوالد، وعندما سافر الإمام حسن البنا الى القاهرة لأداء امتحان دار العلوم والانتظام فيها، وتعرض لاعتداء أحد زملائه، والذي سكب على الامام وهو نائم زجاجة صبغة يود، ولم يصب الإمام الشهيد بسوء لأنه تنبه وقام فورا وغسل وجهه، هذا الحادث عجل بانتقال الأسرة للعيش في القاهرة، حيث أصرت الوالدة وألحت على الشيخ، اما الانتقال للقاهرة، أو عودة ابنها الى المحمودية، وفي تلك الأثناء كان الشيخ الوالد - رحمه الله - قد فجع بوفاة والديه سنة 1924، فانقطع بذلك أكبر خيط كان يربطه بالبلد، فلم ير مناصا من الانتقال الى القاهرة.

استقرت الأسرة في شقة في شارع ممتاز في حي السيدة زينب، وفي الوقت الذي كان يذهب فيه الاخوة لدراستهم، كنت أذهب مع والدي الى مكتبه وأنا ما زلت حديث السن، - هكذا يحكى جمال البنا - وما ان تعلمت القراءة والكتابة حتى وجدت مجموعات من مجلة «اللطائف المصورة،» كما كان الوالد يجمع الروايات المسلسلة التي كانت تنشرها «الأهرام» وكانت هذه الروايات من تأليف عدد من الروائيين الغربيين أمثال شارلس جارفس، وديكنز، وآخرين، وكانت درامية أو بوليسية، وحرص الشيخ على جمعها وحفظها في مجلدات خاصة، بل أغرب من هذا كانت لديه مجموعة كاملة من مجلة «الأمل» التي كانت تصدرها منيرة ثابت، وهي أول سيدة أصدرت صحفا، وكانت مجموعات «اللطائف المصورة» و«الأمل» هما أول ما وقع عليه بصري في مكتب الوالد عندما كان يصطحبني معه، وحتى بعد أن التحقت بالمدرسة الابتدائية ثم الخديوية الثانوية، كنت أقضي معظم أوقاتي في مكتبة والدي، حيث كنت ضعيف البنية وهزيلاً، ولا أستطيع اللعب مع أقراني في الحارة، ولاشك أن هذه الفترة نفعتني واطلعت خلالها على عيون التراث العربي وحفظت دواوين من الشعر الجاهلي وقرأت التاريخ الاسلامي.

الإنجاز العظيم

منذ أن وضع الامام أحمد بن حنبل مسنده في الحديث في القرن الثالث الهجري حتى القرن الثالث عشر لم يتوصل أحد من العلماء الى ترتيبه وشرحه، وقد بدأ الامام ابن كثير ذلك من دون أن يتمه، وقال:

«مازلت أقرأ فيه والسراج يضعف حتى كف بصري معه»

فظل المسند على ما هو عليه عشرة قرون.

وكان التصدي لهذا العمل من الشيخ أحمد البنا عملا تستبعده كل المعايير، إلا رجل قروي لم يتم تعليمه،ولم يحصل على العالمية من الأزهر الشريف، وليس له دخل خاص يمكن أن يساعده للتفرغ, وحتى لو أتمه،

فما قيمة هذا العمل من دون أن يطبع وينشر ؟

وهذا المسند هو أكبر كتب الحديث قاطبة ويضم قرابة ثلاثين ألف حديث مسردة تبعا لرواياتها من دون ترتيب موضوعي، فنجد حديثا عن الصلاة يتلوه مباشرة حديث عن الزواج أو التوحيد, وحال ذلك من دون أن يستفاد بهذا المرجع الأعظم في استخراج الأحكام الفقهية التي تعود أكثر ما تعود الى الحديث النبوي، وتحمل الشيخ قراءة مسند الامام أحمد وقام بتصنيفه وترتيبه وشرحه، وخرج هذا العمل في 24 جزءاً، على نفقته الخاصة، أما عملية الطباعة، فقد اشترى الشيخ وقتها كمية من حروف الطباعة المُشَكّلْة «أي بالشكل من فتحة وضمة,, الخ» تكفي لطبع ملزمتين «أي 16 صفحة من القطع الكبير» واستأجر لهما مكانا بجواره واستخدم عاملا ماهرا أمينا يقوم بجمع الملزمة، ثم يصححها الشيخ، ثم ترسل لتطبع في مطبعة قريبة، بعد أن يشتري الشيخ بنفسه الورق اللازم لها.

وكان الشروع في طبع الجزء الأول، كما كتب الشيخ في دفتره - الذي اعتاد أن يدون فيه كل الأحداث المهمة في حياته، وحياة العائلة سنة 1934،

وفي سنة 1940 كتب الشيخ «انتهينا من طبع الجزء الثالث عشر من «الفتح الرباني» في ربيع الأول»، أي أن الشيخ - رحمه الله - طبع خلال ست سنوات هذه الأجزاء الثلاثة عشر، أي بواقع جزءين كل سنة، وهي واقعة تثير الدهشة مع الضائقة المالية التي كان الشيخ يعانيها،

ولابد أن هناك عوامل أخرى مواتية مكنت الشيخ من أن يمضي قدما، لعل منها أنه وأن ظل معتكفا في مكتبه، معتزلا الناس، بعيدا عن الدوائر «المشيخية» في الأزهر والأوقاف.

كما أن الشيخ رزق بتأييد اثنين من رجالات «الحجاز» أعجبا بعمل الشيخ اعجابا عظيما، هما السيد محمد نصيف، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح - رحمهما الله - كان الأول هو عين أعيان جدة، وكان الملك عبد العزيز ينزل في بيته عندما يزور جدة، وكانت هواية السيد نصيف هي تقصي الكتب وجمعها والتعرف على أصحابها وتشجيعهم، وكانت لحظات سعادته هي التي يكتشف فيها كتابا جديدا وكان طبيعيا أن يعنى هذا الرجل - وقلبه معلق بالكتب - ب«الفتح الرباني» وأن يجند نفسه لخدمته، فـ «الفتح الرباني» عمل ضخم، وهو يتفق مع المذهب المقرر للسعودية - المذهب الحنبلي, ويبدو أن الاتصالات ما بينه وبين الشيخ بدأت بعد ظهور الجزء الأول من «الفتح» مباشرة ،ويحتمل أن تكون قد دارت بعض المراسلات قبل الخطاب الأول الذي عثرنا عليه في أوراق الشيخ.

أما الصاحب الثاني، فهو فضيلة الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وهو عالم سلفي من أصل مصري استوطن مكة وتولى إمامة الحرم المكي وأسس بها دار الحديث وحظي بمنزلة رفيعة من الملك عبد العزيز وعلماء السعودية.

قام الصاحبان (نصيف وعبد الظاهر) بالترويج لعمل الشيخ في المملكة السعودية، بل إن الشيخ عبد الظاهر حدث الملك عبد العزيز في الأمر واشترى الملك عددا من النسخ سهل في طباعة الأجزاء الباقية.

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية «39 - 1945» اشتعلت أسعار الورق وخفف الشيخ من حجم الأجزاء الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ثم اضطر للتوقف لفترة، ثم أكمل بعد ذلك عمله وأتمه في 24 جزءاً، في ظل ظروف عصيبة للغاية، بعيد اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا 1949.

عمله فى هذا الكتاب

مسند الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله كتاب نفيس من كتب السنة النبوية جمع فيه مؤلفه قرابة الأربعين ألف حديث بالمكرر، ورتبه على مسانيد الصحابة؛ فيذكر الصحابي ثم يسوق تحته ما عنده من أحاديثه غير مرتبه وهذه الطريقة تعرف عند أهل الحديث بالتصنيف على طريقة المسانيد.

وهو ثلاثة أقسام: قسم رواه الإمام أحمد بسنده الثاني: قسم زاده ابنه عبدالله ويسمى زيادات عبدالله الثالث قسم زاده القطيعي. والكتاب في جملته من المصادر الهامة من مصادر السنة حيث إنه يحتوي على كثير من الآحاديث الصحيحة ومعظم الضعيف الذي فيه مما ينجبر, وندر فيه الموضوع.

أما مؤلفه: فهو الإمام العلم إمام أهل السنة وحامل لواء الدين في عصره "أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل" وقد صنف الإمام ابن حجر العسقلاني كتابًا في الرد على من طعن في آحاديث المسند وأسماه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد" و شـَرَح َ مسند الإمام أحمد الشيح أحمد عبد الرحمن البنا رحمه الله وأعاد ترتيبه وتصنيفه وجعله على سبعة أقسام تحت كل قسم كتب وتحت كل كتاب أبواب. والأقسام كما ذكرها الشارح هى:

  1. قسم التوحيد: وذكر فيه ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم من أحاديث تختص بأمور العقيدة.
  2. قسم الفقه بفروعه المختلفة.
  3. قسم التفسير وما يختص بالقرآن وفضائله.
  4. قسم الترغيب وأحاديث الفضائل والمرغبات.
  5. قسم الترهيب والتخويف مما يفعله الإنسان من الكبائر والذنوب.
  6. قسم التاريخ وما كان من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، والكلام عن سيرة النبى صلى الله عليه وسلم ومناقب الصحابة وغيرها.
  7. قسم ذكر أحوال الآخرة والفتن والملاحم والجنة والنار.
  • ومنهج الشيخ أحمد البنا أنه يذكر الأحاديث ثم يذكر شرحاً بسيطاً لمعانى الكلمات المشكلة أو بعض الفقه الموجود بها على اختصار، وتوفى رحمه الله قبل إكماله شرح الأجزاء الأخيرة من الكتاب .. رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين.

دمعة ولوعة

وقبل أن نودعه

دعنا نرى دمعته ولوعته تلك عن اللوعة التي اجتاحته والحسرة التي تملكته عندما اضطرته الليالي السود لأن يحمل بين يديه جثمان ابنه العزيز الذي كان ملأ حياته كان نور بصره وأن يودعه قبره، وحيدا لا تحضره عشرات الألوف التي كانت تشق بهتافها عنان السماء «الله أكبر ولله الحمد» ولكن تحاصره الأسنة وحراب البوليس