أبو الحسن الطنوبي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:٤٦، ٣ سبتمبر ٢٠١٨ للمستخدم Man89 (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الأستاذ أبوالحسن الطنوبي .. فقيه النفوس


بقلوب موجوعة بألم الفراق.. وَدَّعَت الساحةُ الإسلامية واحدًا من أخلص أبنائها وأعمقهم فهمًا وأشملهم استيعابًا للفكرة الإسلامية، وأثبتهم قلبًا، وأرسخهم قدمًا على طريق الدعوة إلى الله على بصيرة.. فكان مُتَمَيِّزًا في تجسيد مبادئ الإسلام وقِيَمِ عقيدته أحَقَّ تجسيد، على الرغم مِنْ مَحْدُودِيَّةِ عِلْمِهِ قياسًا بغيره مِنَ الذين ملئوا الدنيا ضجيجًا وجعجعة بلا طحنٍ

أولئك إخواني فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المَجامِعُ

وُلِدَ أبُو الحسن سعادة علي الطنوبي مغرب شمس اليوم الأخير من عام 1957م بقرية دفرية مركز كفر الشيخ من أعمال دلتا النيل المصري الأصيل، فنشأ وترعرع في أكناف أسرة ديِّنَةٍ كريمةٍ.. كان لها عميقُ الأثر في سرعة استجابته الدعوة الله والانخراط في سلكها المبارك، وتعرف الدعوة الإسلامية المباركة وهو في ريعان شبابه؛

حيث التحق بركب الحركة الإسلامية مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وَظَلَّ يعمل في دواليبها حَتَّى وافاه الأجل المحتوم ليلة الأربعاء الثامن عشر من نوفمبر 2009م وهو يودِّع مَنْ حوله بابتسامةٍ مُشرقةٍ بالشهادتين.

كان ذا هيئةٍ صوفيةٍ سُنِّيَّةٍ جادّةٍ ومُلْتَزِمَةٍ... على الرغم من بساطتها، بيد أنها كانت مُثيرةً للتأمّلِ والانجذاب الوجداني الذي لا يملك المرء إزاءه حيلةً سوى تحريك لسانه بذِكْرَ اللهِ، وانشداد قلبه لذلك النموذج الذي يملك من فصاحة القلب وبيان المشاعر وإشراق الوجدانِ وسداد الرأي؛ ما كان جديرًا بلقب الأستاذية لدى مُحِبِّيه وعارِفي فضله.

وغير خافٍ على أحدٍ ما تمتاز به دعوة الإخوان المسلمين عن غيرها بفراسة دُعاتها وموهبة روّادِها في استخلاص أنفس المعادن الإنسانية من الجبال الصَمّاء، واستخراج اللآلئ من البحار اللُّجِّيَّةِ الظَلّماء... ولقد كان أبو الحسن من تلك الجواهر التي تُمَثِّلُ إضافةً حقيقية لتلك المُكْتَسَباتِ القَيِّمَةِ للحركة الإسلامية المُعاصرة.

فَعَلَى الرغم مِنْ أنَّ ثقافَةَ التَّجَرُّدِ والاختِفاءِ والتواضع وإنكار الذّاتِ ولين الجانبِ وَخَفْضِ الجناحِ والتي تتوخَّى جماعة الإخوان المسلمين غرسها وتأصيلها في نفوس أبنائها قد صَهَرتهم في بوتقةٍ نفسية وأدبية وأخلاقية واحدة.. حتى صاروا وكأنَّما ينبثقون مِنْ مِشكاةٍ واحدةٍ في رؤاهم وتصوراتهم، وفي مبادئهم وأخلاقهم، وفي سلوكهم وَمُجْمَلِ سعيهم الديني والدنيوي المستند بطبيعة الحالِ إلى قناعاتٍ وَحْيَوِيَّةٍ ومنطَلَقَاتٍ وتوجُّهاتٍ تَتَغَيّا رضوان الله سبحانه وتعالى عنها..

على الرغم من ذلك فإن كثيرين داخلِ مجالِ الحركة الإسلامية وخارجِها يَكادُ يجهل الكثير عن شخصية أبي الحسن الطنوبي... بَيْدَ أنَّ مآثِرَهُ وآثارَهَ كانت دليلاً على إنسانيته الفاضلة وحكمته العاقلة وَتَمَيُّزِهِ الدَّعْوِيِّ، بل كانت كاشفةً عن سِرِّهِ وبَرَكَةِ سَعْيِهِ وَسِرِّهِ

كان يبدو لوهلة النظر الأولى إليه مقتصدًا في الهَدْيِّ الظاهر.. قليلَ العِلْمِ.. مَحْدُودَ الإمكانات.. ولكن سعة أُفْقِهِ وَثَراءَ تجربَتِهِ وَخِبْرَتِهِ المُتَمَيَّزَةِ بنفوس الناس وفهمه معادِنَهُم كانت مؤشِّرًا على أننا بصَدَدِ رَجُلٍ من طرازٍ فريدٍ؛

ولدينا مئاتُ الأمثلة التي تدل على مواهبه ومهاراته في مجال العمل الاجتماعي والإصلاح بين الناس وإدخال البهجة والسرور على كثير من البيوتات التي أظلمتها الخلافات العائلية، ومزَّقَتْها النزاعات والانشقاقات الزوجية شرَّ مُمَزَّقٍ وَشَرَّدَتْ بهم مَنْ خَلْفَهُم!، كان أبو الحسن ضمادًا لِجِراحِها وَبَلْسَمًا لآلامها، وإكسِيرًا لسعادِتها..

كانَ فقيهًا مُتَخَصِّصًا في مجالٍ قَلَّ أنْ تَجِدَ له فيه نظيرًا، إنه فقه النفوس وفهم طبائع الناس وحيازة مفاتيح قلوبهم... فلم يكن لِيَهْدأَ له بالٌ أو يروق له حالٌ إلاّ والبسمة قد أشرقت بها وُجُوهُ مَنْ حَولَهُ من المُتَخاصِمِين وقد باتوا في وئامٍ وانسجامٍ..

وكان في كُلِّ ذلك مُسْتَودَعًا غائرًا بأسرار الناس.. وكان مقيلاً لِعَثْراتهم، ساترًا لنقائصهم، مشجعًا إياهم على التوبة والاستقامة والارتباط بحبل الله جَلَّ في عُلاه

أُشْهِدُ اللهَ أنَّهُ على الرغم مِنْ حُبِّهِ لِدَعْوَتِهِ وإيثارِهِ إيّاها على ما عداها ثِقةً فيها وإيمانًا بصلاحيتها وَتَمَيُّزِها وَتَفَرُّدِها بشمول الرؤية وعمق الفكرة واتِّزانِ المنهج؛ فإنه لم يتحزب ولم يتعصب، وكان أعَفَّ ما يكون لسانُه عن غِيْبَةِ الهيئات والأشخاص، وكان متسامحًا مع مخالفيه لدرجة أن تسامحه كان مَثارَ لَوْمِ أصحابِهِ

يَوْمَ قَدَّرَ اللهُ لي خَوضَ تجربة الاعتقال في سجونِ حكومة الحزب الحاكِمِ، كانَ رفيقًا لي في كُلِّ مَرَّةٍ... الأمر الذي أتاح لي ملازمته فترة كبيرة من عُمُرنا الدَّعْوِيِّ، فزادت مِنْ ثَمَّ فُرَصُ الإفادةِ مِنْ تَجْرِبَتِهِ في الحياة وخبرته بنفوس الناس؛ يومَها قال لي بِنَبْرَةِ المُلْهَمِ المُشْفِقِ: هذه هي البداية الحقيقية لأي طريقٍ سَوِيٍّ مُسْتَقِيم

كانت فراسته المؤمنة تُدهشني، فلا أملك إزاءها إلاّ الوقوف بين يديه موقف المريد بين يَدَيْ شيخه والمُحِبِّ بين يدي حبيبه.. وكنت أرى مستقبلي العلمي والفكري في مِرآتِهِ رهنًا بالتربية الصحيحة والعبادة الصادقة والعقيدة السليمة والتحصيل العلمي الراسخ المستبين بقوانين السُّنَنِ الإلهية والربانية..

لم تكن دروسًا ولا توجيهاتٍ تقليدية، وإنما كانَتْ معاني ومواقف تربوية وأنفاسًا طاهرةً زكية.. كانَ لا يَكُفُّ عن وَعْظِي وَنُصْحِي وَزَجْرِي أحيانًا كُلَّما اقتضى الموقف واستوجب المقام.. وَكان مَنْ حَولِي يستغربون لاستجابتي واستقبالي ذلك بالسرور والنقاش الهادِئ الوَدُودِ

مِمّا تَعَلَّمْتُه في مدرسته؛ أنَّ مِنْ آثارَ نعمة الله عَزَّ وجَلّ على الإنسانِ أنْ يكون وفِيًّا لدعوته، مُخْلِصًا لأصحابِ السَّبْقِ فيها مهما أخطئوا الفهم أو التقدير في بعض الأمور.. فليس لَهُم مِنّا إلا البنُوَّةُ البارَّةُ والتَّأدُّبِ الوقور.

وأنَّ مِنْ الوُدِّ والإخلاص والبِرِّ بِمَنْ رَبَّوْنا وأدَّبُونا وَعَلَّمُونا وأسلمونا إلى أقدار الرقي في مدارِجِ الفلاح بَذْلَ النصيحة بِأدَبٍ وَرَحْمَةٍ ثم التسديد والمُقارَبَةِ ثم الدعاء بالتوفيق والسداد إلى الخير الذي يرتضيه الله ويرضى عنه

إنني لَم أزل أتذكَّرُ كُلَّ ذلك وَغَيْرَه داعيًا له بالرحمة والمغفرة وَحُسْنِ المَثُوبَةِ مِنَ الله الرحمن الرحيم.. كيف لا وقد أرشدني الله به الطريق إلى الهداية، وأبعدني عن الضلال والغواية؟

كيف لا وأنا أدين له بولاء التلميذ لأستاذِهِ واحترام المتأدب على يديه؟! كيف لا وقد علمني من فنون الدعوة وأرشدني إلى مفاتيح القلوب وأسرار النفوس وفتح الله به عَلَيَّ مِنْ أبوابِ كُلِّ خير؟!... كان لا يرى كتابًا فيه نَفْعٌ لي إلاّ وَبَادَرَ بِشرائه لي كي أواصل مسيرتي على درب العلم والفكر.. لِذَلِكَ، لم أكن متجاوزًا الحقائق عندما ذهبت إلى أنَّ أبا الحسن الطنوبي كان مدرسة وَكُنْتُ واحدًا مِنْ تلاميذها.

يشهد له رفقاؤه على طريق الدعوة وعارفو فضله من عامَّةِ الناس بأدبه الجَمِّ، واستغراقه في الحياءِ حتى يبدو وكأنه كالعذراء في خدرها.. وبإخلاصه المتفاني في خدمة دعوته وإخوانه الذين ما عهدوا بَيتَهُ إلاّ مفتوحًا لهم؛ إكرامًا وإطعامًا واستجمامًا بروح الأخوة الفياضة وروحانيتها الآسِرَةِ...

التي ظَلَّتْ ترفدنا حنانًا.. وَتَملؤنا دفئًا... وتعبقنا نسيمًا حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.. ولسوف يحيا مُحِبُّوه على تلك الذكريات الجميلة حَتَّى يأذَنِ اللهُ بلقائنا في ظلال رضوانه إخوانًا على سُرِرٍ مُتقابِلِين

ألا فليرحمه الله رحمة واسعة، وليجْزِهِ عَنِّي خيرًا، وَعَنْ كثيرٍ من خلقِ الله خير ما جَزَى أستاذًا عن تلميذه، وأخًا وفيًّا بحقوق أخيه.

إقرأ المزيد