آفات على الطريق - الجزء الثاني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
آفات على الطريق - الجزء الثاني

بقلم : الشيخ سيد نوح

محتويات

المقدمة

مقدمة الجزء الثاني

بسم لله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـوعلى آله وأصحابه والسالكين سبيله والداعين بدعوته إلى يوم الدين بعد ......

فإن توضيح معالم الطريق أمام العاملين الفارين بدينهم إلى ربهم كي يعدوا لكل أمر عدته ويأخذوا لكل شئ أهبته فلا ينقطعوا ولا يتوانوا ولا يتأخروا عن ركب النجاة ضرورة لا مفر منها ولا محيص عنها توجبها الدعوة إلى الله والجهاد من أجل التمكين لدينه في الأرض .

ولعل من أهم هذه المعالم :أن هناك آفات يمكن أن يصاب بها بعض العاملين بل قد تصيبهم بالفعل فتقعد بهم عن أداء دورهم والقيام بواجبهم .

وقد استعرضنا في الجزء الأول من الكتاب سبعاً من هذه الآفات وهي :

- الفتور - الإسراف - الاستعجال - العزلة - الإعجاب بالنفس - الغرور - التكبر

ونستعرض في هذا الجزء ( الثاني ) من الكتاب سبعاً أخر من الآفات هي :

الرياء أو السمعة - واتباع الهوى - و التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة - وضيق الأفق أو قصر النظر ، وضعف أو تلاشى الالتزام - وعدم التثبت أو التبين ، و التفريط في عمل اليوم و الليلة .

ويطيب لنا في هذا المقام : أن نعرض لهذه الآفات بشيء من التحليل و البيان كي يحذرها العاملون ويتطهروا منها .

وعلى الله قصد السبيل

أبو عبد الرحمن

الآفة الثامنة - الرياء أو السمعة

أولا : مفهوم الرياء أو السمعة

والآفة الثامنة التي يبتلى بها بعض العاملين والتي تعد من أخطر الآفات وأشدها فتكا بهم وعليهم أن يجاهدوا أنفسهم فورا للتخلص والتطهر منها وإلا ضل سعيهم في الدنيا والآخرة إنما هي : الرياء أو السمعة .

ولكي يكون لدينا تصور واضح أو قريب من الواضح عن هذه الآفة وآثارها وسبيل الخلاص منها فإننا سنتناولها على النحو التالي :

أولا : مفهوم الرياء أو السمعة :

الرياء والسمعة لغة : الرياء في اللغة مشتق من الرؤية تقول : أ رأي الرجل : إذا أظهر عملا صالحا ليراه الناس ومنه قوله تعالى : { يراءون ويمنعون الماعون } { بطرا ورئاء الناس }

والسمعة مشتقة من سمّع يقول : سمّع الناس بعمله أي أظهره لهم بعد أن كان سرا .

الرياء والسمع اصطلاحا : أما مفهوم الرياء أو السمعة في اصطلاح الدعاة وعلماء السلوك والأخلاق : فهو إطلاع المسلم الناس على ما يصدر منه من الصالحات طلبا للمنزلة والمكانة عندهم أو طمعا في دنياهم فإن وقعت أمامهم ورأوها فذلك هو الرياء وإن لم تقع أمامهم لكنه حدثهم بها فتلك هي السمعة ، وفرق العلامة عز الدين بن عبد السلام بين الرياء والسمعة قائلا :

الرياء :( أن يعمل لغير الله والسمعة أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس ) وكأنه يرى أن الرياء كله مذموم أما السمعة فقد تكون مذمومة إذا قصد بالحديث عن عمله وجه الناس ، ومحمودة إذا قصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته وذلك الذي قاله ابن عبد السلام هو ما تصدقه النصوص الشرعية إذ يقول الله عز وجل :{ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس } وإذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به ) ، ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا : هل تجدون عندهم الجزاء ؟ ) وإذ يسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ ويرفع صوته بالذكر فيقول : ( إنه أواب ) فإذا هو المقداد بن الأسود .

ثانيا : أسبابه أو بواعثه

هذا وللرياء أو السمعة أسباب أو بواعث توقع فيه وتؤدى إليه نذكر منها :

(1) النشأة الأولى :

إذ قد ينشأ الولد في أحضان بيت دأبه وديدنه الرياء أو السمعة فما يكون منه إلا التقليد والمحاكاة وبمرور الزمن تتأصل هذه الآفة في نفسه وتصبح وكأنما هي جزء لا يتجزأ من شخصيته ولعل هذا هو السر في وصية الإسلام بأن يكون الدين هو أساس اقتران الرجل بالمرأة إذ يقول صلى الله عليه وسلم ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ( وإذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه ).

(2) الصحبة أو الرفقة السيئة :

وقد تحتويه صحبة أو رفقة سيئة لا هم لها إلا الرياء أو السمعة فيقلدهم ويحاكيهم لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية شديد التأثر بغيره وبتوالي الأيام يتمكن هذا الداء من نفسه ويطبعها بطابعه وذلك هو سر ما قدمناه فيما مر من آفات من ضرورة أن تكون الصحبة طيبة تحترم شرع الله وتعمل به .

(3) عدم المعرفة الحقيقة بالله عز وجل :-

وقد يكون عدم المعرفة الحقيقة بالله عز وجل هو السبب أو الباعث على الرياء أو السمعة إذ أن الجهل بالله أو نقصان المعرفة به يؤدى إلى عدم تقديره حق قدره : ومن ثم يظن هذا الجاهل بالله الذي لم يعرفه حق المعرفة ولم يقدره أن العباد يملكون شيئا من الضر أو النفع فيحرص على مراءاتهم وتسميعهم كل ما يصدر عنه من الصالحات ليمنحوه شيئا مما يتصور أنهم مالكوه ولعل ذلك هو السر في دعوة الإسلام إلى المعرفة بالله أولا : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } بل وتطبيقه ذلك حيث دار القرآن المكي وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم طوال المرحلة المكية حول التعريف بأصول العقيدة وتأكيدها وترسيخها في النفس .

(4) الرغبة في الصدارة أو المنصب :

وقد تدفع الرغبة في الصدارة أو في المنصب إلى الرياء أو السمعة حتى يثق به من بيدهم هذا الأمر فيجعلوه في الصدارة أو يبوئوه المنصب ولعل ذلك هو السر في تأكيد الإسلام على اختيار أو ابتلاء الناس قبل الوثوق بهم أو الركون إليهم لا سيما إذا كانوا على حال تدعو إلى ذلك إذ يقول الله عز وجل : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } { يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن }

(5) الطمع فيما في أيدي الناس :

وقد يحمله الطمع فيما بين أيدي الناس والحرص على الدنيا على الرياء أو السمعة ليثق به الناس وترق قلوبهم له فيعطونه ما يملأ جيبه ويشبع بطنه وفي سؤال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم ( والرجل

يقاتل للمغنم ) وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ( من غزا لا يبغي إلا عقالاً فله ما نوى ) ما يشير إلى هذا السبب.

(6) إشباع غريزة حب المحمدة أو الثناء من الناس :

وقد يدعوه حب المحمدة أو الثناء من الناس إلى الرياء أو السمعة حتى يكون حديث كل لسان وذكر كل مجلس فتنتفش نفسه وتنتفخ بذلك والعياذ بالله وإلى هذا السبب يشير بقية الحديث المتقدم : ( .... والرجل يقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه من في سبيل الله ؟ ...)

(7) شدة ذوى المسؤلية في المحاسبة :

وقد تكون شدة ذوى المسئولية في المحاسبة هي السبب في الرياء أو السمعة لاسيما إذا كان هناك ضعف في الإرادة وفتور في العزيمة وكأنه يحاول بهذا الرياء أو بهذه السمعة ستر ضعفه وفتوره وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إذ يقول لعائشة ( إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه ولا ينزع من شئ إلا شانه ).

(8) إظهار الآخرين إعجابهم به وبما يصدر عنه من أعمال :

وقد يكون إظهار الآخرين إعجابهم به وبما يصدر عنه من أعمال هو الباعث على الرياء أو السمعة كي يكون هناك مزيد من هذا الإعجاب .

وحتى يحمى الإسلام البشر من هذا الداء منع إبراز هذا الإعجاب فإن كان ولا بد فليكن معه الاحتراز والحيطة بان

يقول : (( أحسب فلانا كذا والله حسيبه ولا أزكى على الله أحدا )).

(9) الخوف من قالة الناس لا سيما الأقران :

وقد يكون الخوف من قلة الناس لا سيما الأقران هو الباعث على الرياء أو السمعة حتى يظهر أمامهم بالصورة التي ترضيهم وتسكت ألسنتهم عنه وإذا ما خلا بنفسه انتهك محارم الله { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا }.

(10) الجهل أو الغفلة عن العواقب أو الآثار الناجمة عن الرياء أو السمعة :

وأخيرا قد يكون الجهل أو الغفلة عن العواقب أو الآثار الناجمة عن الرياء أو السمعة هي السبب في مراءاة الناس أو تسميعهم فإن من جهل أو غفل عن عاقبة شئ ما لاسيما إذا كانت هذه العاقبة ضارة تعاطى هذا الشيء ولازمه حتى يصير خلقا له .

ثالثاً : سمات أو علامات الرياء أو السمعة

وحتى يدرك المسلم موقعه من الرياء أو السمعة فإن هناك سمات أو علامات يعرف بها وهذه السمات أو تلك العلامات هي :

(1) النشاط في العمل ومضاعفة الجهد إذا كان هناك ثناء أو مدح والكسل والتقصير إذا كان هناك عيب أو ذم .
(2) النشاط في العمل ومضاعفة الجهد إذا كان مع الناس والكسل والتقصير حال التفرد أو البعد عن الناس وإلى هاتين السمتين أو يشير سيدنا على رضى الله تعالى عنه : فيقول :
(( للمرائي علامات : كسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثنى عليه وينقص إذا ذم )).
(3) الحفاظ على محارم الله ورعايتها إذا كان مع الناس وانتهاك هذه المحارم والتطاول عليها إذا كان وحد أو بعيدا عن الناس وإلى هذه السمة أو العلامة يشير النبي صلى الله عليه وسلم قائلا :

(( لأعملن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) .

رابعا : آثار الرياء

وللرياء أو للسمعة آثار ضارة وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي وإليك طرفا من هذه الآثار وتلك العواقب :

أ- آثار الرياء على العاملين :

فمن آثاره على العاملين :

1 - الحرمان من الهداية والتوفيق :

ذلك أن الله عز وجل هو وحده الذي يملك الهداية والتوفيق وهو وحده الذي يمن بهما على من يشاء ويمنعها ممن يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمة وقد مضت سنته وجرى قضاؤه أنه لا يمنحهما إلا لمن علم منه الإخلاص وصدق التوجه إليه { ويهدى إليه من أناب }. { ويهدى إليه من ينيب } والمرائي أو السمع بدد هذا الإخلاص وضيع ذلك الصدق فأنى له الهداية والتوفيق ؟ وصدق الله الذي يقول : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ولله لا يهدى القوم الفاسقين }.

2 - الضيق أو الاضطراب النفسي :

ذلك أن المرائي أو المسمع إنما يفعل طلبا لمرضاة لناس وطمعا فيما بأيديهم وقد يحول قضاء الله وقدره دون تحقيق ذلك نظرا لأن الأمور عنده سبحانه تجرى بالمقادير : { وكل شئ عنده بمقدار }. وحينئذ يعتريه الضيق والاضطراب النفسي فلا هو الذي ظفر برضا الله عز وجل ولا هو بالذي حصل ما كان يؤلمة ويرجوه من الناس : { ومن أعرض عن ذكرى الله فإن له معيشة ضنكا } { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } .

3 - نزع الهيبة من قلوب الناس :

ذلك أن الله وحده هو الذي يملك غرس هذه الهيبة في قلوب من يشاء من عباده بيد أن ذلك مرهون بتقديم الإخلاص بين يدي كل سلوك أو تصرف والمرائي أو المسمع أضاع هذه الرهينة فيضيع الله عليه الهيبة ونزعها من قلوب الناس فصار هينا عليهم :{ ومن يهن الله فما له من مكرم }.

ولقد وعى السلف ذلك فكانوا أحرص الناس على الإخلاص العمل لله حتى تبقى هيبتهم ومكانتهم مستقرة في الصدور أو في القلوب والأخبار الواردة عنهم في ذلك اكثر من أن تحصى وحسبنا منها ما أوصى به عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه أبا موسى الأشعرى إذا قال له :(( من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس )).

وما أثر عن الحسن البصري من كثرة مجاهداته لنفسه بالليل والناس نيام ثم محاولة إخفاء ذلك عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا حتى هابه ذووا السلطان والجاه .

فقد نال من الحجاج - ذات مرة - لظلمة وطغيانه فوجه الحجاج بعض شرطه وأمرهم أن يأتوه به ليقتله وما هو إلا قيل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار ووجفت عليه القلوب واقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية فلما رآه الحجاج على حاله هذه هابه أشدد الهيبة وقال له : هاهنا يا أبا سعيد ......... هاهنا ...... ثم مازال يوسع له ويقول : هاهنا .....والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين والحسن فقال له الحجاج يجيبه عن كل مسالة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع فقال له الحجاج : أنت سيد التابعين يا أبا سعيد ثم أذن له بالعودة إلى بيته معززا مكرما .

4 - الإعراض من الناس وعدم التأثر :

ذلك أن القلب هو محل التأثر من الإنسان والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء ومن راءى أو سمع بعمله فقد قطع ما بينه وبين الله وأنى لذلك أن يمنحه الله إقبالا من الناس أو تأثيرا فيهم لذا تره إذا تكلم لا يسمع وإذا عمل لا يحرك والحوار التالي يكشف لنا عن حقيقة ذلك بجلاء ووضوح :

كان عمر بن هبيرة الفزارى واليا على العراقين في عهد الخليفة الأموي : يزيد بن عبد مالك وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في هذه الكتب ولو كان مجافيا بحق أحيانا فدعا ابن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي يستفتيهما في ذلك وهل له من مخرج فيدين الله ؟

فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر ابن هبيرة إلى الحسن وقال : ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله ، واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد ، وأن يزيد لا يمنعك من الله ... يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ لا يعصى الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وغنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد ... يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة ، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى فإن الله يكلك إلى يزيد .

واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً ما كان في معصية الخالق - عز وجل - فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه وإكرامه ، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما الناس ، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين ، فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله - عز وجل - على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله ولكنى أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجه الله ، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه.

5- عدم إتقان العمل :

ذلك أن المرائي أو المسمِّع إنما يراقب الخلق لا الخالق ، و الخلق مهما كانت طاقاتهم وإمكاناتهم ، عاجزون عن المتابعة في كل بيئة وفي كل وقت ، وفي كل ظرف أو ملابسة ، لذا فإن عجزهم هذا ينتهي بالمرائي أو بالمسمِّع إلى عدم إتقان العمل ، الأمر الذي يفقده ثقة الناس ويكون بذلك قد ضيَّع نفسه من حيث أراد مصلحتها أو منفعتها ، وصدق الحق - تبارك وتعالى - إذ يقول { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله }، ولقد أشار المولى - عز وجل إلى هذا الأثر وهو يتحدث عن المنافقين فقال :{ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً } .

6- الفضيحة في الدنيا وعلى رؤوس الأشهاد يوم القيامة :

ذلك أن المرائي أو المسمع إنما يقصد بعمله هذا خداع غيره ليعطيه هذا الغير زمامه ، وليسلم إليه قياده ، ويأبى الله - عز وجل - ذلك نظراً لما يمكن أن يصنعه هذا المرائي أو المسمع من إفساد في الأرض وإهلاك للحرث و النسل { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث و النسل والله لا يحس الفساد } .

لذا فإنه يفضحه في الدنيا ولو بعد حين ، حتى يحذره الناس ، ولا يغتروا به ، أما في الآخرة فإن الفضيحة تكون مزيدا من الانتقام و العذاب .

وقد سبق التصريح بهذا السبب في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد سأله عن الجهاد و الغزو :( يا عبد الله بن عمرو إن قاتلت صابراً محتسباً ، بعثك الله صابراً محتسباً ، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً ، بعثك الله مرائياً مكاثراً ، يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال ).

7- الوقوع في غوائل الإعجاب بالنفس ، ثم الغرور ثم التكبر :

ذلك أن المرائي أو المسمع يخدع كثيراً من الناس فترة زمنية معينة ، وخلال هذه الفترة تلهج ألسنة الناس وأفئدتهم بحمده و الثناء عليه ، وقد يحمله ذلك على الإعجاب بنفسه ، ثم الغرور ، ثم التكبر ، ثم يعيث في الأرض فساداً ، ويؤكد ذلك ما نشاهده في الوقت الحاضر من أن كثيراً من ذوى القيادة في أمتنا ، يسلكون سبيل الرياء و التسميع حتى إذا انخدع بهم الدهماء و العامة ، وسبحوا بحمدهم انقلبوا إلى معجبين بأنفسهم ، ثم مغرورين ، ثم متكبرين ، ثم سلطوا على الذين يفهمونهم منذ اللحظة الأولى يسومونهم سوء العذاب ، وأخيراً يسلطون على أولئك الذين ضيعوهم ، فيأكلونهم ، وصدق الله العظيم الذي يقول { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار }.

8- بطلان العمل :

ذلك أن الحق - سبحانه - مضت سنته في خلقه ألا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له ، وابتغى به وجهه { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } .

و المرائي جعل لنفسه وللناس حظاً من عمله ، وأنى لذلك أن يقبل الله منه عملاً ، أو أن يثيبه عليه ، وصدق الله { وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلماً } { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا : هل تجدون عندهم لجزاء ) ، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي :( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك ).

وهكذا ينتهي الرياء أو السمعة بصاحبه إلى بطلان العمل ورده وعدم قبوله .

9- العذاب الشديد في الآخرة :

وأخيراً ... فإن من حبط عمله على النحو الذي قدمنا ، ليس له من جزاء إلا العذاب الشديد في الآخرة ، ولذلك العذاب صور أبرزها صورتان :

الأولى : أنه يكون أول من تسعر بهم النار ، فإن وقودها كما قال الله في كتابه ، الناس و الحجارة ، { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة } ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم - إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ، رجل استشهد ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جرئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم و علَّمه وقرأ القرآن ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال إنك عالم ، وقرأت القرآن ليقال : قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى به في النار ).

الأخرى : الإلقاء في النار بحيث تخلع مفاصله وتتفكك أوصاله ، وتسقط أمعاؤه ، ويدور بها على مشهد ومرأى من أهل النار جميعاً ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع عليه أهل النار ، فيقولون يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ؟ فيقول : بلى ، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهي عن المنكر وآتيه ).

ب- آثار الرياء على العمل الإسلامي :

وإذا كان للرياء أو للسمعة تلك الآثار التي قدمنا على العاملين ، فإنها بدورها تنعكس على العمل الإسلامي ، وتتلخص هذه الآثار المتعلقة بالعمل الإسلامي فيما يأتي :

طول الطريق وكثيرة التكاليف :

ذلك أن قوماً أخلاقهم الرياء ، وصفاتهم التسمّع لا يمكن أن يُمَكَّن لهم إلا بعد طول ابتلاء وكثرة تمحيص :

{ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ... } ، { ... أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }، { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون } .

خامساً : طريق علاج الرياء و السمعة

هذا ... و الطريق لعلاج الرياء أو السمعة تتلخص في :

1- تذكر عواقب الرياء أو السمعة الدنيوية والأخروية على النحو الذي قدمنا آنفاً ، فإن ذلك له أثر كبير في تحريك القلوب ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ثم إقلاعها عن هذه الآفة ، أو عن هذا الداء الخطير .
2- الانسلاخ من الصحبة المعروفين بالرياء أو بالسمعة ، ثم الارتماء في أحضان المخلصين الصادقين ، فإن ذلك له دوره في إقلاع النفس عن هذه الآفة حتى تبرأ منها تماماً .
3- معرفة الله - عز وجل - حق المعرفة ، فإن هذه المعرفة تعين على تقدير الله حق قدره ، الأمر الذي يؤدى إلى التخلص من الرياء أو السمعة ، ثم التحلي بالإخلاص ، وسبيل ذلك معايشة الكتاب و السنة .
4- مجاهدة النفس ، حتى تهذب من الغرائز التي تملى على الإنسان الرياء أو السمعة و التي من جملتها الرغبة في الصدارة أو المنصب ، وكذلك الطمع فيما في أيدي الناس ، وحب الثناء أو المحمدة .
5- رفق ذوى المسئولية في المحاسبة ، فإن الرفق ما كان في شئ إلا زانه ، وما نزع من شئ إلا شانه .
6- الالتزام بأدب الإسلام في المعاملة فلا غلو في الاحترام و التقدير ، ولا إهمال ولا تقصير ، وإنما هو الأمر الوسط ، وخير الأمور أوساطها .
7- الوقوف على أخبار المرائين ، ومعرفة عواقبهم ، فإن ذلك مما يساعد على تجنب هذا الداء ، أو هذه الآفة ، لئلا تكون العاقبة كعاقبة هؤلاء .
8- دوام النظر أو السماع للنصوص المرغبة في الإخلاص ، و المحذرة من الرياء ، فإن بداية الإقلاع عن الأخطاء والالتزام بالصواب تكون بوضوح الرؤية ، ودقة التصور ، إذ من جهل شيئاً عاداه ، كما قال الله عز وجل{ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } .
9- محاسبة النفس أولاً بأول للوقوف على عيوبها ، ثم التخلص من هذه العيوب .
10- اللجوء التام إلى الله ، والاستعانة به ، فإن من لجأ إلى الله واستعان به ، وكان صادقاً في ذلك ، أيده الله ، وأعانه ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خطب ذات يوم فقال
( أيها الناس اتقوا هذا الشرك ، فإنه أخفي من دبيب النمل ، فقال له من شاء أن يقول ، وكيف نتقيه ، وهو أخفي من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : ( قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ).
11- التذكر بأن كل شئ يجرى في هذا الكون بقضاء وقدر :

{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } ، وأن الخلق مهما كانت قوتهم ، ومهما كان سلطانهم فإنهم عاجزون عن أن يجلبوا لأنفسهم نفعاً أو يدفعوا عنها ضراً فضلاً عن أن يملكون هذا لغيرهم { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } ، { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً }.

الآفة التاسعة - إتباع الهوى

أولاً : مفهوم اتباع الهوى

والآفة التاسعة التي تصيب بعض لعاملين ويصطلي بناره العمل الإسلامي إنما هي :(( إتباع الهوى )).

وحتى يتطهر منها من ابتلوا وأصيبوا ويتحصن من غوائله وخطرها من عافاهم الله عز وجل منها فإنه لابد من الوقوف على أبعاده ومعالمها وتقديم تصور واضح لها .

ولكي نقف على هذه الأبعاد وتلك المعالم ويكون لدينا تصور واضح أو قريب من الواضح عن هذه الآفة فإننا سنتناولها على النحو التالي :

أولاً : مفهوم اتباع الهوى

اتباع الهوى لغة : لا يمكن أن ينجلي أو يظهر المراد باتباع الهوى لغة إلا إذا فسر المراد بالهوى فماذا يراد بالهوى ؟.... يطلق الهوى على عدة معان نذكر منها :

(أ) ميل النفس إلى ما تشتهي .
(ب) إرادة النفس ما تحب .
(ج) عشق الشيء وتمكنه من القلب .

وحقيقة الحال أن هذه المعاني جميعا متقاربة وإن اختلف العبارة أو اللفظ إذا المعنى الأول والثاني يصوران الهوى في بدايته على أنه مجرد ميل وإرادة قلبية دون تمكن واستقرار أما المعنى الثالث فيصوره في وسطه على أنه حب أو غلبة قلبية يمكن أن تزول بقليل من الجاهدة أما المعنى الرابع والأخير يصوره في نهايته على أنه عشق وهيام يسيطران على القلب ويتمكنان منه ولا يمكن زوالهما بالجاهدة إلا بعد جهد جهيد وزمن طويل .

ولما كان معنى من المعاني المذكورة آنفا صالحا لأن يكون في الخير وصالحا لأن يكون في الشر فقد علماء اللغة : إن الهوى إذا أطلق انصرف إلى ما كان شرا أو ما كان مذموما فإذا أريد به ما كأن يقال : هوى حسن وهوى مواقف للصواب .

وإذا انتهينا الآن من تحديد المراد بالهوى لغة فإننا نقول : أن اتباع الهوى في اللغة هو السير وراء ما تهوى النفس وما تشتهي بل ما تحب .

اتباع الهوى اصطلاحا : أما المراد بتباع الهوى في اصطلاح الشرعي والدعوة فهو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة .

ثانيا : حقيقة اتباع الهوى في الميزان الإسلام

واتباع الهوى ليس مذموما كله في نظر الإسلام بل منها ما هو مذموما وهو المذكور في المعنى الاصطلاحي وهو الذي عناه القرآن الكريم في قول الله عز وجل -:

{ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا }.
{ ولا تتبع الهوى فيظلك عن سبيل الله }.
{ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي }.
{ وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى }.
{ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه }.
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله }.

أخرى كثيرة .

كما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :

( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ).

بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام .....

والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معرفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه .... وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه.

وعناه بعضهم بقوله :

إني بليت بأربع يرمينني

بالنيل من قوس لها توتير

إبليس والدنيا ونفسي والهوى

يا رب أنت على الخلاص قدير

ومنه ما هو محمود وهو الموقف لشرع الله ومنهجه وهديه وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :

لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما جئتكم به كما عنته عائشة رضى الله تعالى عنها بقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله تعالى قوله :{ ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك }:

(( ما أرى إلا يسارع في هواك )).

ثالثا : أسباب اتباع الهوى تؤدى إليه وبواعث توقع فيه

1- عدن التعويد على ضبط الهوى منذ الصغر :

أي أن السبب الأول لاتباع الهوى إنما يدور حول عدم التعويد على ضبط هذا الهوى منذ الصغر :

ذلك أن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حبا مفرطا وحنان فوق المطلوب بحيث يطغى هذا الحب وذلك الحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع وحينئذ يكبر هذا الإنسان ويكبر معه الانسياق وراء العواطف والرغائب حتى لو كانت مخالفة للمشروع إذ من شب على شئ شاب عليه إلا من رحم الله عز وجل .

جاء في منهج التربية الإسلامية قول كاتبه:

والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكى تضره بذلك لأنها لا تعينه على ضبط رغباته ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره فلا يتعوده في كبره ومن منا تتركه ظروف الحياة لرغباته يشبعها كما يشاء ؟ وذلك فضلا عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط ويتعوده منذ باكر عمره لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم في النفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها فتنساق معها وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط في ذاته ولكنه يصبح إثما حين يشغل عن الجهاد في سبيل الله :

{ قل أن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله لا يهدى القوم الفاسقين }.

فكل ما ذكرته الآية ليس محرما في ذاته ولكنه صار فسقا وحراما حين أصبح سببا في القعود عن الجهاد في سبيل الله وحين رجحت كفته في الميزان القلب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.

فما الوسيلة للاستقامة على ميزان الله إلا ضبط هذه الرغبات ، والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله .

و الضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها ، وعادة يتعلمها وكلما تدرب عليها وهو صغير كان اقدر عليها ، واكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث.

2- مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم :

و السبب الثاني لاتباع الهوى ، إنما هو مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم ، ذلك أن العواطف أو الدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة ، وعليه فمن لازم مجالسة أهل الأهواء وأدام صحبتهم ، فلابد من تأثره بما هم عليه ، لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية ، وعنده قابلية التأثر بغيره من أولئك الناس .

وقد وعى السلف - رضوان الله عليهم - هذا السبب ، فأكثروا من التحذير من مجالسة أهل الأهواء ، بل و التعامل معهم أثر عن أبى قلابة قوله :

( .... لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.

وأثر عن الحسن وابن سيرين قولهما :

( ولا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ، ولا تسمعوا منهم ) .

3- ضعف المعرفة الحقة بالله و الدار الآخرة :

و السبب الثالث لاتباع الهوى إنما هو ضعف المعرفة الحقة بالله وبالدار الآخرة ، ذلك أن من ضعفت معرفته بالله ، وأنه وحده له الحكم ، وإليه المرجع و المآب ، وهو أسرع الحاسبين ، كما قال سبحانه عن نفسه { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } من كان كذلك لا يقدر ربه حق قدره ، وبالتالي يفعل ما يفعل غير مبال بما إذا كان ذلك يرضى الله أو يغضبه ، ينجيه أو يهلكه .

وقد لفت الحق سبحانه النظر إلى ذلك وهو يتحدث عن الضالين و المكذبين ، مبيناً أن السبب في ضلال هؤلاء وتكذيبهم إنما يعود إلى عدم معرفتهم بالله حق المعرفة ، وبالتالي عدم تقديرهم له حق قدره ، إذ يقول سبحانه :

{ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ ... } { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ، وغن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ، ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } .

4- تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى :

و السبب الرابع لاتباع الهوى إنما هو تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى ، ذلك أن صاحب الهوى إذ رأي ممن حوله استحساناً لما هو عليه ، أو سكوتاً وعدم إنكار بأي من وسائل الإنكار ، فإنه يمضى ويتمادى فيما هو عليه ، حتى يتمكن الهوى من قلبه ،ويسيطر على كل سلوكياته وتصرفاته .

ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على مقاومة المنكرات ، وعدم السكوت عنها ولكن بالأسلوب المناسب ، ومع التكرار ، نظراً لأن غالبها ناشئ عن اتباع الهوى ، إذ يقول الحق سبحانه { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } ، { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ، { وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } .

ولعله السر كذلك في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مجانبة من لمح فيهم ميلاً إلى الهوى ، وعدم رحابة الصدر لهم ، لعلهم يتوبون أو يذكرون .

جاء عن عبد الله بن كعب أنه قال : سمعت كعب بن مالك ، وذكر ابن السرح قصة تخلفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، قال :

ونهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة ، حتى إذا طال تسورت جدار حائط أبى قتادة ، وهو ابن عمى ، فسلمت عليه ، فوا الله ما رد على السلام ، ثم ساق خبر توبته.

وجاء عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - أنه اعتل بعير لصفية بنت حيى ، وعند زينب فضل ظهر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطيها بعيراً ، فقالت : أنا أعطى تلك اليهودية ؟؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهجرها ذا الحجة و المحرم وبعض صفر .

وجاء عن عمار بن ياسر أنه قال :: قدمت على أهلي ، وقد تشققت يداي ، فخلفوني بزعفران ، فغدوت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فرد على ، وقال :( اذهب فاغسل عنك هذا ).

5- حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة :

و السبب الخامس لاتباع الهوى إنما هو حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة ، ذلك أن من أحب الدنيا ، وركن إليها ونسى الآخرة يتولد عنده سعى حثيث لتلبية كل ما يفرضه هذا الحب ، وذلك الركون ، حتى وإن كان مخالفاً لمنهج الله ، وذلك بعينه هو اتباع الهوى ، وقد لفت المولى النظر إلى هذا السبب في قوله :

{ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، و الذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .

كما لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر في الحديث المذكور آنفاً :( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) .

6- الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى :

والسبب السادس لاتباع الهوى إنما هو الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى ، ذلك أن من جهل عواقب محظور من المحظورات وقع في هذا المحظور دون أدنى اهتمام أو مبالاة ، ولعل هذا هو السر في اهتمام الشارع الحكيم بالتذكير بالعواقب المترتبة على المأمورات و المنهيات ، كما أشرنا إلى ذلك غير مرة فيما تقدم من آفات .

رابعاً : آثار اتباع الهوى

ولاتباع الهوى آثار ضارة ، وعواقب مهلكة ، سواء كانت على العاملين أو على العمل الإسلامي ودونك هذه الآثار :

أ- آثار اتباع الهوى على العاملين :

فمن آثاره على العاملين :

1- نقصان بل تلاشى الطاعة من النفس :

ذلك أن صاحب الهوى أو المتبع لهواه يعز عليه ، بل يكبر في نفسه أن يطيع غيره ، خالقاً كان هذا الغير أو مخلوقاً ، بسبب أن هذا الهوى قد تمكن من قلبه ، وملك عليه أقطار نفسه ، فصار أسيراً لديه ودافعاً له في نفس الوقت إلى الغرور ، و التكبر ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، فإما أن يطيع ربه ، وغما أن يطيع نفسه وهواه ، وشيطانه ، وهو ليس بمطيع ربه ، فلن يبق إلا أن يكون مطيعاً لهواه .

2- مرض القلب ثم قسوته وموته :

ذلك أن صاحب الهوى غارق من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه في المعاصي و السيئات ، وهذه بدورها لها آثار خطيرة على القلب ، إذ أنها تنتهي به إلى المرض ثم القسوة أو الموت ، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن زاد زادت ، حتى يعلو قلبه ذاك الرين الذي ذكره الله - عز وجل - في القرآن { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ، وإذا مات القلب وهو لب الإنسان وجوهره ، فماذا بقى لهذا الإنسان ؟!! إنه لا يبقى له سوى الشحم و اللحم ، أو بالأحرى الجانب الطيني وهو جانب حقير لا قيمة له في ميزان الله ، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :

( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ).

3- الاستهانة بالذنوب والآثام :

وذلك أن المتبع لهواه قد قسا قلبه ومات على النحو الذي قدمنا ، ويوم تقسو القلوب وتموت تكون الاستهانة والاستهتار بالذنوب والآثام كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :

( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا .... ) والاستهانة بالذنوب والآثام هي عين الهلاك ، و البوار و الخسران المبين .

4- عدم جدوى النصح والإرشاد :

وذلك أن المتبع لهواه قد ركب رأسه ، وصار عبد لشهواته ، وأني لهذا أن يستجيب لنصح أو ينفع فيه توجيه وإرشاد ؟!! ولا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة ، { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ... } .

5- الابتداع في دين الله :

وذلك أن صاحب الهوى يميل كغيره من البشر إلى إثبات ذاته ووجوده وهو لا يرضى منهج الله طريقاً لتحقيق هذا الميل ، فلم يبق إلا أن يبتدع منهاجاً يوافق هواه وشهواته ، يقول حماد بن سلمة :( حدثني شيخ لهم تاب - يعنى الرافضة - قال :( كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً ) والابتداع هو الضلال وكل ضلال في النار كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ... إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ).

( ... أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة .)

6- التخبط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم :

وذلك أن صاحب الهوى بعبوديته لشهواته وميوله ، قد أعرض عن مصدر الهداية و التوفيق ، فمن أين يأتيه التوفيق ، و الهداية إلى الطريق المستقيم ؟ وصدق الله - سبحانه وتعالى - الذي يقول :

{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على قلبه غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } .

7-إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق :

ولا تقتصر هذه الآثار الضارة على صاحب الهوى ، بل كثيراً ما تتعداه إلى الآخرين لاسيما السقوط أو البعد عن الطريق سهل مرغوب فيه ، وقد لفت المولى - سبحانه وتعالى - النظر إلى ذلك في قوله :

{ وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم } .

8- الصيرورة إلى الجحيم وبئس المصير :

وأخيراً فإن من عوقب بكل الآثار التي قدمنا فإنما مأواه الجحيم وصدق الله العظيم :

{ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى } .

ب- آثار اتباع الهوى على العمل الإسلامي :

وأما آثار اتباع الهوى على العمل الإسلامي ، فإنها كثيرة نذكر منها :

1- ضعف بل تلاشى كسب الأنصار :

وذلك أن العمل الإسلامي إذا قام على أكتاف ، أو كان في صفه من عرف باتباع الهوى ، فإنه بذلك يسد الباب في وجه الأنصار الجدد ، إذ ليس فيه حينئذٍ أسوة أو قدوة تغرى بالالتحاق به ، وبذل الغالي و الرخيص في سبيل نصرته و المضي به قدماً إلى الأمام ، وهذا بدوره يؤدى إلى طول الطريق مع كثرة التكاليف .

2- تفريق أو تمزيق وحدة الصف :

وذلك أن صف العمل الإسلامي إذا اشتمل على أصحاب الأهواء ، فإنهم ينتهون به إلى التمزيق و الفرقة ، نظراً لضعف أو تلاشى مبدأ الطاعة عندهم ، وحين تقع هذه الفرقة أو هذا التمزق ، فقد صار العمل الإسلامي لقمة سائغة في فم الأعداء .

ولعمري هذا هو أهم ما يسعى إليه هؤلاء ، حتى يصير حقيقة وواقعاً في هذه الأرض ، وحينئذٍ يتمكنون بواسطته من ضرب العمل الإسلامي أو على الأقل إجهاضه و الرجوع إلى الوراء عشرات السنين .

3- الحرمان من العون والتأييد الإلهي :

وذلك أن سنة الله في خلقه مضت أنه لا يمنحهم العون أو التأييد إلا إذا كانوا أهلاً لذلك ، حتى إذا مكَّن لهم يكونون كما قال سبحانه :( الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ... } .

ولعمري فإن صاحب الهوى بمعصيته لربه ولرسوله ولإمارة المسلمين ، يكون سبباً في حجب هذا العون وذلك التأييد الإلهي للعمل الإسلامي .

وما زالت وصايا عمر لأمراء الجيوش الإسلامية وجندها ، أبان الفتوحات الإسلامية ترن في الآذان ، إذ قال لسعد بن أبى وقاص حين أمَّره على العراق :

يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه ، فإنه الأمر ، هذه عظتي إياك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ، وكنت من الخاسرين ).

كما كتب إليه ومن معه من الأجناد :

أما بعد ... فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ، فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بنى إسرائيل - لما عملوا بمساخط الله - كفار المجوس فجاسوا خلال الديار ، وكان وعداً مفعولاً ، واسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم ، واسألوا الله تعالى ذلك لنا ولكم .

خامساً : علاج اتباع الهوى

وحتى يعالج أصحاب الأهواء أنفسهم ويقيمونها على الجادة فإنه لا مناص من اتباع الخطوات الآتية :

1- التذكير بعواقب اتباع الهوى سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ، فإن ذلك له دور كبير في تخليص النفس من أهوائها وشهواتها ما دامت مخالفة لمنهج الله ورسوله .
2- الانقطاع عن مجالسة ومصاحبة أهل الأهواء ، مع الارتماء في أحضان أهل الصلاح والاستقامة ، فإن ذلك يعين على تحرير النفس من وقوعها أسيرة الأهواء والشهوات .
3- التعريف بالله - عز وجل - حق المعرفة ، فإن ذلك يولد في النفس حبه وإجلاله ، و النزول على حكمه في كل ما أمر به ، وفي كل ما نهي عنه ، بل ويربى فيها كذلك مراقبته وخشيته و الطمع في جنته ، ورضوانه و الخوف من ناره وعقابه .
4- حياطة الآخرين ورعايتهم لصاحب الهوى ، تارة بالنصيحة المقرونة بآدابها وشروطها ، وتارة بإيقاع السلوك الأمثل أمامه ، وتارة بالعتاب وتارة بالتوبيخ و التأنيب وتارة بالهجر و القطيعة إلى غير ذلك من أساليب ووسائل الحياطة و الرعاية .
5- الوقوف على سير أصحاب الأهواء وعاقبتهم سواء أكانوا من هذه الأمة أو من الأمم الأخرى ، فإن ذلك يولد في النفس نفوراً من اتباع الهوى لئلا تكون حديث كل لسان ، ولئلا ينزل بها من العقاب مثلما نزل بهؤلاء .
6- الوقوف على سير وأخبار من عرفوا بمجاهدة نفوسهم وأهوائهم وإلزامها بحدود الله مثل عمر بن عبد العزيز ، و الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، و الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وغيرهم وغيرهم ، فإن ذلك يحمل معنى الإقتداء و التأسي ، أو على الأقل المحاكاة و المشابهة .
7- التحذير من الركون إلى الدنيا والاطمئنان بها مع الربط الشديد بالآخرة بحيث يبتغى المسلم فيما آتاه الله : الدار الآخرة ، ولا ينسى نصيبه من الدنيا إن أمكن ، وإلا آثر الآخرة عن الأولى .
8- الاستعانة الكاملة بالله - عز وجل - فإنه سبحانه يعين من لجأ إليه ولاذ بحماه ، وطلب العون و التسديد منه ، وصدق الله إذ يقول في الحديث القدسي :
( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ).
9- مجاهدة النفس ، وحملها قسراً على التخلص من أهوائها وشهواتها من قبل أن يأتي يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ، والأمر يومئذٍ لله .
10- التذكير بأن السعادة و الراحة و الطمأنينة و الفوز ، إنما هي في اتباع المشروع ، لا في اتباع ما تملى النفس وما تهوى ، وصدق الله إذ يقول :
{ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } ، { فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وفي هذا المعنى يقول القائل :

واعلم بأن الفضل في إيحائه

لا في الذي يوحي إليه هواكا

الآفة العاشرة - التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة

أولا : مفهوم التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة

والآفة العاشرة التي يبتلى بها نفر من العاملين ولا يكاد يسلم من شرها العمل الإسلامي إنما هي : ( التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة ) وحتى يتطهر من هذه الآفة من ابتلوا بها ويتقى شرها من عافاهم الله عز وجل منها فتصفو الطريق أمام العمل الإسلامي فإنه لابد من تقديم أو عرض تصور واضح لها وذلك على النحو التالي :

أولا : مفهوم التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة :

التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة لغة : لا نستطيع تحديد المراد بالتطلع إلى الصدارة وطلب الريادة لغة إلا بعد تحديد المراد بالصدارة والريادة فماذا يراد بهما ؟

تطلق الصدارة في اللغة ويراد بها التقدم أو الترؤس إذ هي مأخوذة من الصدر الذي هو أعلى مقدم كل شئ وأوله ، تقول : صدر النهار والليل وصدر الشتاء والصيف وما أشبه ذلك تعنى أول وأعلى كل واحد منها وتصدر الفرس وصدر أي تقدم الخيل بصدره .

وكذلك الريادة تطلق لغة ويراد بها : التقدم أو السبق للإعداد والتهيئة إذ هي مأخوذة من الرود وهو الترويد أو فعل الرائد تقول : بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ والمنزل ، ويرتاد أي ينظر ويطلب ويختار أفضله .

وإذ انتهينا الآن من تحديد المراد بالصدارة والريادة لغة فإننا نقول : إن التطلع للصدارة وطلب الريادة في اللغة إنما هو الرغبة في التقدم على الغير بل سؤال ذلك صراحة التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة اصطلاحا : أما المراد بالتطلع إلى الصدارة وطلب الريادة في الاصطلاح الشرعي والدعوى فإنما هو تعلق القلب بالإمامة أو الريادة وسؤال ذلك صراحة أو القعود عن القيام بالواجب وأداء الرسالة .

ثانيا : حقيقة التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة في ميزان الإسلام

والتطلع إلى الصدارة وطلب الريادة في ميزان الإسلام شئ مذموم ومنهي عنه بل عليه الوعيد الشديد إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إنا والله لا نولى على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه ).

ويقول عليه الصلاة والسلام - لعبد الرحمن بن سمرة رضى الله عنه : ( يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها ) .

ويقول أبو ذر رضى الله عنه : قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ثم قال : ( يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها ) ويقول المقدام بن معد يكرب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب على منكبه ثم قال له : ( أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً ).

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شئ ) .

وإذا كان هذا هو موقف الإسلام من التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة فما بال نبي من أنبياء الله سألها وزكى نفسه ليعطاها ؟ إنه يوسف عليه السلام إذ حكى القرآن الكريم قوله { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } وما بال المسلم يلح في سؤالها حتى تصبح سمة من سماته وعلامة يعرف بها بين الناس ؟ إذ يقول الحق سبحانه في صفات عباد الرحمن : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } ونقول : لا تعارض ولا تناقض : ذلك أن يوسف عليه السلام سأل وزكى نفسه لأنه رأي خلو المكان من قائم بالحق وداع إليه ومدافع عنه ووجد نفسه أهلا لذلك ولكنه لم يكن معروفا فكان لابد من السؤال والتزكية من باب { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } وكذلك سؤال المسلم الريادة والإمامة إنما هو سؤال لله وليس للبشر والمنهي عنه سؤال البشر وأيضا هناك فرق بين أن يطلب المسلم ذلك من ربه حتى يكون جاهزا ومعدا لسد الفراغ عند الحاجة وبين أن يظل نائما ثم يسأل الريادة ولم يأخذ بسبب واحد من أسباب القدرة عليها والقيام بحقها .

ثالثا : أسباب التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة

وللتطلع إلى الصدارة وطلب الريادة أسباب تؤدى إليه وبواعث توقع فيه نذكر منها  :

(1) الرغبة في التحرر من سيطرة وسلطان الآخرين :

فقد يكون السبب في التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة إنما هي الرغبة في التحرر من سيطرة وسلطان الآخرين ذلك أن بعض الناس قد ينشأ دون أن يذوق طعم الطاعة لأحد ولو مرة واحدة ومثل هذا إذا وضع في محيط جماعي فإنه يعز عليه بل يكبر في نفسه أن يكون فوقه أحد لذلك تراه تتعلق نفسه تعلقا بالصدارة ويسعى جاهدا لسؤال الريادة حتى يتحرر بتصوره من سيطرة وسلطان الآخرين.

(2) الرغبة في تحصيل عرض من أعراض الحياة الدنيا :

وقد يكون السبب في التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة إنما هي الرغبة في تحصيل عرض من أعراض الحياة الدنيا ذلك أن بعض الناس قد يتعلق بالحياة الدنيا تعلقا يحمله على إصابتها من أي باب تيسر له حلالا كان هذا الباب أو حرام ومثل هذا الصنف يتصور أنه إذا كان صدرا أو رائدا فإن الكل سيكون في خدمته من أجل إصابة حظه من أعراض هذه الحياة الفانية لذا تراه متعلق النفس بالصدارة ساعيا بجدية واهتمام لسؤال أو طلب الريادة .

(3) الغفلة عن تبعات الصدارة والريادة :

وقد يكون السبب في التطلع وطلب الريادة إنما هي الغفلة عن تبعات هذه الصدارة وتلك الريادة ذلك أن تبعات الصدارة والريادة ضخمة فصاحبها يجوع حيث يشبع الآخرين ويظمأ حيث يروى الآخرون ويسهر حيث ينام الآخرون ويتعب حيث يستريح الآخرون وبالجملة فإن تبعات هذا الأمر أن يفدى صاحبه الآخرين بنفسه في ساعات الشدة ويقدمهم على هذه النفس في ساعات الرخاء على نحو ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ يقول للبراء رضى الله عنه : ( كنا والله إذا احمر البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ).

وإذ يقول علىّ رضى الله تعالى عنه ( كنا إذا أحمر البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه ).

ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: ( لن تراعوا لن تراعوا ) وهو على فرس لأبى طلحة عرى ما عليه سرج في عنقه سيف ) ويقول أبو هريرة رضى الله تعالى عنه : الله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم بفعل ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال : يا أبا هر فقلت : لبيك يا رسول الله قال : الحق ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال : من أين هذا اللبن ؟ قالوا : أهداه لك فلان أو فلانة قال : أبا هر قلت : لبيك يا رسول الله قال : الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا أحد إذا أتته هدية أرسل إليهم ، وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت فقال : يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال : خذ فأعطهم قال : فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح حتى انتهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلى فتبسم فقال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله قال :بقيت أنا وأنت ؟ قلت : صدقت يا رسول الله قال : اقعد فاشرب فقعدت فشربت قال : اشرب فشربت فما زال يقول : اشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال : فأرني : فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة ).

هذه تبعات وتكاليف الصدارة والريادة ومن غفل عنها فإنه تتعلق نفسه لا محالة بالصدارة ويجتهد في طلب الريادة.

(4) الغفلة عن عواقب التقصير في الصدارة والريادة :

وقد يكون السبب في التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة إنما هي الغفلة عن عواقب التقصير في هذه الصدارة وتلك الريادة وذلك أن عواقب التقصير في هذه الصدارة وتلك الريادة وذلك أن عواقب التقصير في هذا الأمر في الدنيا إنما هي إفساح المجال أمام الباطل وجنده ليفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل وأما في الآخرة فهي التقييد بالأغلال والسلاسل والحرمان من الجنة والإلقاء في النار إذ يقول -صلى الله عليه وسلم -:

( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )

( ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور ).

(من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار ).

ومن غفل عن هذه العواقب فإنما تتوق نفسه إلى الصدارة ويسأل الريادة .

(5) الرغبة في التسلط وإذلال الآخرين :

وأخيرا قد يكون السبب في التطلع إلى الصدارة وطلب ذلك إنما هي الرغبة في التسلط وإذلال الآخرين ذلك أن بعض الناس قد يلقى شدة وضغطا في تربيته أو تخوينا وتسيبا إلى حد حب التسلط والإذلال ومثل هذا يرى الصدارة والريادة باب يلج منه ليتشفى وليشبع غريزة أفرزتها التربية السيئة .... لذا فإن نفسه تتوق إلى هذه الصدارة ويجتهد في طلب تلك الريادة .

رابعا : آثار التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة

وللتطلع إلى الصدارة وطلب الريادة آثار سيئة وعواقب وخيمة على العاملين وعلى العمل الإسلامي ودونك طرفا من هذه الآثار وتلك العواقب :

  • أ- آثار التطلع إلى الصدارة على العاملين :

فمن آثار ذلك على العاملين :

(1) الحرمان من التوقيف والعون لإلهي :

ذلك أن التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة يعنى الوثوق بالنفس والاعتماد عليها وعلى ما لديها من طاقات وإمكانيات دون الحاجة إلى عون وتأييد من الله وقد جرت سنة الله مع خلقه أن يتخلى عمن اعتمدوا على حولهم وقوتهم غير عابئين بحوله سبحانه وقوته ... وما ظنك بمن تخلى عنه ربه أيكتب له التوفيق أو يحظى بأي عون أو تأييد ؟ اللهم لا !!

وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا الأثر في قوله لعبد الرحمن ابن سمرة :( يا عبد الرحمن : لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسالة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسالة أعنت عليها .....)

(2) تعريض النفس للفتنة وبالتالي للغضب الإلهي :

وذلك أن من تطلع إلى الصدارة والريادة فقد جعل نفسه في مهب ريح الفتن إذ ربما ينسى بهذا التطلع وذلك الطلب مراقبة الله والحساب والمساءلة غدا بين يديه سبحانه فيركن إلى الدنيا ويرضى بها أو ينسى تبعات وتكاليف هذا الأمر بل ربما جار وظلم وهذا كله ينتهي به إلى استحقاق الغضب والسخط الإلهي الذي يتمثل في العقاب والعذاب على نحو ما شرحنا آنفا .

وما اجمل وأروع تصوير النبي صلى الله عليه وسلم لمثل هذا الأمر حتى يقول :

( إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة ).

(3) تضاعف الأوزار والأثقال :

وذلك أن من يصل إلى الصدارة و الريادة بعد التطلع والسؤال قد يفتن ويقتدي ويتأسي به من هم دونه فيعرضون أنفسهم للفتنة مثله وحينئذ تتضاعف عليه الأوزار والأحمال فيحمل وزره ووزر من اقتدى وتأسى في الشر به وتصدق الله :{ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم }.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم -:-

( ...... ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ ) ...

من عمل إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا )

(4) القتل أو النفي أو التشريد في الأرض :

وذلك أن التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة قد يؤدى إلى التشاجر أو التناحر وربما أسفر ذلك عن قتل أو النفي والتشريد في الأرض والتاريخ البشرى حافل بآلاف النماذج التي تطلعت إلى الصدارة وطلب الريادة ولم تصل إلى مرادها بل انتهت بها الحال إلى القتل أو النفي والتشريد في الأرض:

  • ب- آثار التطلع إلى الصدارة على العمل الإسلامي :

ومن آثار ذلك العمل الإسلامي كثرة التكاليف وطول الطريق ذلك أن صفا يحوى في طياته متطلعين إلى الصدارة وطالبين للريادة لا يمكن أن يستقيم أبدا وأنى لهذا الصف أن يستقيم وفيه من أغرتهم الدنيا بزخرفها وبريقها وزهرتها وزينتها ممثلا ذلك التطلع إلى المنصب والتعلق به ؟.

وإذا انتهي الأمر بصف إلى الاعوجاج فإن نصر الله منه بعيد إلا أن يكون ذلك مكرا واستدراجا وصدق الله :

{ ولينصرن الله من ينصره } .

{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ..}.

قد فطن إلى ذلك سلف الأمة رضوان الله عليهم أجمعين فكانوا إذا تأخر عليهم النصر يردون هذا التأخير إلى حب الدنيا والتعلق بها ثم يبادرون بالتوبة والرجوع إلى الله فينزل بهم نصره .

والقصة التالية تصوير بديع لما فطن إليه هؤلاء :

لما أبطأ فتح مصر على عمرو بن العاص كتب إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف (تمام ثمانية آلاف ) على ألف رجل منهم رجل كتب إليه : إني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل رجل منهم مقام الألف : الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد واعلم أن معك اثني عشر ألفا ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة .

ولما وصل هذا المدد وتأخر الفتح على عمر كتب إلى عمرو : أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم وقد كنت وجهت إليك الأربعة نفر وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف إلا أن يكون غيرهم ما غير غيرهم فإذا أتاك كتابي فاخب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم في الصبر والنية وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة وليعج الناس إلى الله ويسألوا النصر على عدوهم ......

خامساً: علاج التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة

ويمكن التطهر من هذه الآفة بل وتحصين النفس ضدها باتباع الأساليب التالية :

(1) دوام النظر في السنة النبوية :

فإن فيها تحذيرا شديدا من سؤال الولاية أو تعلق القلب بها بل فيها تصوير بليغ لتبعات وعواقب التقصير في هذا الأمر على نحو ما ذكرنا في الأسباب من قبل .

(2) دوام التذكير بتبعات هذا الأمر وعواقبه الدنيوية والأخروية :

فإن الإنسان بفطرته ينسى ولا علاج لهذا النسيان إلا بالتذكير والتذكير الدائم على منهج القرآن الكريم :{ فذكر إن نفعت الذكرى }. { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }.

(3) التعويد على الطاعة وهضم النفس منذ نعومة الأظافر :

فإن ذلك له أثره فيما بعد فيخلع هذه الأمراض من القلب والرضا بالحال التي يوضع فيها المسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(.... طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعت رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في ساقة كان في الساقة ......).

(4) الرفق في المعاملة :

فإنه ما كان الرفق في شئ إلا زانه وما نزع الرفق من شئ إلا شانه وعليه فإن هذا الرفق سيعين على تخليص القلب من الصدارة بل وحمد الله على المعافاة منها .

(5) التذكير بسيرة السلف وموقفهم من الصدارة والرياء :

فإن سيرتهم طافحة بكراهية هذا الأمر والنفور والتحذير الشديد منه تقديراً لتبعاته وعواقبه فهذا أبو بكر رضى الله تعالى عنه يخطب في المسلمين بعد قبوله الخلافة قائلا :

( يا أيها الناس : إن كنتم ظننتم أنى أخذت خلافتكم رغبة فيها أو إرادة استئثار عليكم وعلى المسلمين فلا والذي نفسي بيده ما أخذتها رغبة فيها ولا استئثار عليكم ولا على أحد من المسلمين ولا حرصت عليها يوما ولا ليلة قط ولا سألت الله سرا ولا علانية ولقد تقلدت أمرا عظيما لا طاقة لي به إلا أن يعين الله ولوددت أنها إلى أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعدل فيها فهي إليكم رد ولا بيعة لكم عندي فادفعوا لمن أحببتم فإنما أنا رجل منكم ).

ولما كان عمر في النزع الأخير جعل الأمر شورى في ستة من المسلمين فأشار عليه المغيرة بن شعبة بابنه عبد الله بن عمر ، ليكون خليفة ، فغضب عمر ورد عليه قائلاً :" قاتلك الله ، والله ما أردت الله بهذا ، لا إرب لنا في أموركم ، وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي ، إن كان خيراً أصبنا منه ، وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منه رجل واحد ، ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أما لقد جهدت نفسي ، وحرمت أهلي ، وإن نجوت كفافاً لا وزر ، ولا أجر إني لسعيد " ، ولما ولى عمر بن عبد العزيز ، جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله ، فقال له عمر :

مالي ولك ؟ تنح عنى ، إنما أنا رجل من المسلمين ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه فقال : أيها الناس قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان منى فيه ولا طلبة له ، ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم ، ولأمركم من تريدون ، فصاح المسلمون صيحة واحدة : قد اخترناك لأنفسنا ولأمرنا ورضينا كلنا بك .... " إلى غير ذلك من الأخبار المشحونة بها كتب التاريخ .

6- التذكير بمكانة ومنزلة الدنيا من الآخرة ، على نحو ما جاء في كتاب الله - عز وجل - وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم:

إذ يقول المولى عز وجل - عن هذه المنزلة ، وتلك المكانة :

{ قل متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ..... } ، { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ، { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الدار الآخرة هي دار القرار } ، { زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة والأنعام و الحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الثواب } .

وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بما يرجع " ، " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " ، فإن هذا التذكير قد يحمل العقلاء على أن يكونوا مغمورين بعيداً عن أي صدارة أو ريادة ، حتى يخرجوا من هذه الدنيا سالمين غانمين فيظفروا غداً برضوان الله سبحانه و الجنة .

الآفة الحادية عشر - ضيق الأفق أو قصر النظر

أولاً : مفهوم ضيق الأفق أو قصر النظر

والآفة الحادية عشرة التي يبتلى بها كثير من العاملين ، ويعانى منها العمل الإسلامي أشد المعاناة ، إنما هي :

ضيق الأفق أو قصر النظر وحتى نسهم في اقتلاع هذه الآفة من النفوس من ابتلوا بها وتحصين الآخرين ضدها ، ويسلم من شرها العمل الإسلامي ، فإنه لابد من تقديم تصور دقيق واضح على النحو التالي :

أولاً  : مفهوم ضيق الأفق أو قصر النظر

ضيق الأفق لغة : الأفق لغة واحد الآفاق التي هي الجهات أو النواحي، قال تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق } و النظر هو تأمل الشيء بالعين ، قال تعالى { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ، وهو كذلك تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته ، قال تعالى { أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ، وما خلق الله من شئ .... } وتبعاً لما ذكرنا ، فإن ضيق الأفق في اللغة ، يعنى انحسار أو انكماش جهة أو ناحية النظر والتأمل وكذلك قصر النظر يعنى ضعف أو اختلال البصر و البصيرة أو هما معاً .

ضيق الأفق اصطلاحاً : أما مفهوم ضيق الأفق أو قصر النظر في الاصطلاح الشرعي و الدعوى فهو ضعف أو خلل في البصيرة يؤدى إلى حصر التفكير أو الرؤية في حدود ضيقة لا تتجاوز المكان و الزمان ، أو بعبارة أخرى ، هو ضعف أو خلل في البصيرة يؤدى إلى رؤية القريب وما تحت القدمين فقط ، دون النظر إلى البعيد ، ودون تقدير الآثار و العواقب ، قال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } .

ثانياً : أسباب ضيق الأفق أو قصر النظر

ولضيق الأفق أو قصر النظر أسباب تؤدى إليه ، وبواعث توقع فيه ، نذكر منها :

1- النشأة الأولى :

فقد ينشأ الإنسان في بيئة لا تهتم كثيراً بتنمية الذكاء الفطري أو المواهب لدى أفرادها فتكون العاقبة انحسار دائرة التفكير أو النظر أو التأمل إلا من رحم الله - عز وجل - .

2- صحبة نفر من ذوى الأفق الضيق و النظر القصير :

وقد يحيط بالإنسان صحبة ذات أفق ضيق ، ونظر قصير ، فتسرى آثار ذلك إلى هذا الإنسان ، فإذا به يواجه كل المواقف بنفس النمط ، وعلى هذا المنوال ، إذ المرء على دين خليله .

3- الانزواء أو العزلة :

وقد يؤثر الإنسان العزلة و الانزواء ، إما لعدم القدرة على التوفيق بين الفردية و الجماعية ، وإما إيثاراً للعافية و السلامة ، ومثل هذا وإن جنى كثيراً من ثمار العزلة أو التفرد ، فإنه يخسر أول ما يخسر الخبرة أو التجربة ، تلك التي تستفاد من ملازمة الجماعة والارتماء في أحضانها ، و التي تساعد على اتساع الأفق ، وبعد النظر ، وحين يخسر الإنسان الخبرة ، فإنه يظل ذا أفق ضيق ، ونظر قصير محدود .

4- عدم الفهم لدور أو لرسالة الإنسان في الأرض :

وقد لا يفهم الإنسان دوره أو رسالته في الأرض ، من أنه خليفة فيها { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض

خليفة ..} وأن هذه الخلافة إنما هي سيادة { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } وعبودية { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وإن تحقيق هذا الدور أو الرسالة يقتضي التبصر و التدبر { وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ، و العمل الدائم بالليل و النهار { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله و المؤمنون } ، وقد لا يفهم الإنسان ذلك كله ، فيقعد وينام ، أو ينطلق على غير هدى وبصيرة ، وأنى لهذا أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .

5- عدم الفهم لحقيقة ومضمون الإسلام :

وقد لا يفهم المسلم حقيقة ومضمون الإسلام ، من أنه دين شامل للحياة جميعاً ، وإلى قيام الساعة :{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } وأن الدعوة إليه ، و التمكين له في الأرض يقتضي الحكمة التي من لوازمها اتساع الأفق ، وبعد النظر ، كما قال سبحانه وتعالى { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } ، { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة } وقد لا يفهم المسلم ذلك فيدعو إلى هذا الإسلام ، ويعمل على التمكين له دون أن يجهد نفسه في تحصيل الحكمة ، وأنى لمن حرم الحكمة أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .

6- عدم الإلمام بواقع الأعداء وأسلوبهم في العمل :

وقد يكون المسلم غير ملم بواقع الأعداء ، وأسلوبهم في العمل من أنهم كثرة ، وأن لديهم العتاد و العدد ، وأن أسلوبهم في العمل يقوم على الدهاء و المكر و الخديعة ، قد لا يلم المسلم بذلك كله ، فتضيع عليه فرصة اكتساب الخبرة و الدراية و التجربة ، وأنى لمن لم يكتسب خبرة ولا دراية ولا تجربة أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .

7- الإعجاب بالنفس ، بل الغرور و التكبر :

وقد يكون الإنسان معجباً بنفسه ، مغروراً متكبراً فيحمله ذلك على الترفع ، والاستعلاء أن يكتسب من غيره الخبرة أو مهارة أو تجربة ، فيبقى طول حياته محدود الأفق قصير النظر .

8- الغفلة عن العواقب أو الآثار المترتبة على ضيق الأفق ، أو قصر النظر ، وقد يكون المسلم غافلا عن العواقب أو الآثار المترتبة على ضيق الأفق ، أو قصر النظر ، فيقنع بما هو عليه دون أن يجهد نفسه ، أو أن يعمل فكره في تلاشى هذه العواقب ، أو تلك الآثار ، ومثل هذا يظل طول حياته ضيق الأفق ، محدود النظر .

9- الجهل بأخبار وحوادث الماضين :

وقد يكون المسلم جاهلاً بأخبار وحوادث الماضين وكيف كانوا يتصرفون بإزاء المواقف المباغتة أو المفاجئة ، ومثل هذا يعيش محروماً من الخبرة و الدراية و التجربة ، التي هي أساس اتساع الأفق ، وبعد النظر ، وصدق الله - سبحانه وتعالى - الذي يقول عن أخبار وحوادث الماضين :

{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب } ، { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .

10- ضعف الصلة بالله - عز وجل -

وقد يكون المسلم ضعيف الصلة بالله - عز وجل - بأن يكون غير محترز من المعاصي و السيئات ، لاسيما الصغائر منها ، أو أن يكون مفرطاً في عمل اليوم و الليلة ، أو أن يكون مهملاً لجانب فعل الخيرات ، فيعاقب على ذلك كله بالحرمان من الحكمة التي هي أساس سعة الأفق وبعد النظر .

ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى في كتابه الحكيم :

{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي يقول الله تعالى

" من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ".

ثالثاً : مظاهر أو سمات ضيق الأفق أو قصر النظر

ولضيق الأفق أو قصر النظر مظاهر أو سمات يعرف بها وتدل عليه نذكر منها :

1- التبرم الشديد بالمنهج الدعوى أو الحركي الذي ارتضته الحركة الإسلامية المعاصرة ، من أجل التمكين لدين الله في الأرض ، ووصف هذا المنهج بالتخلف ، وعدم القدرة على مواكبة ظروف ومستجدات العصر ، بل ووصف القائمين عليه بالركون إلى الدنيا إيثاراً للعافية و السلامة .
2- حصر الجهد في جوانب ، وإن كانت مفيدة إلا أنها ثانوية ، تستهلك طاقة كبيرة ، ووقتاً طويلاً ، مثل العمل على بناء مسجد أو إنشاء جمعية خيرية ، أو إلقاء موعظة ، أو تأليف كتاب ، أو قراءة
ومطالعة ، أو عيادة مريض ، أو محاولة جمع الناس على رأي واحد في مسائل الفروع ، أو المسائل المختلف فيها ، وهكذا دواليك .
3- الصلابة أو الشدة عند التقصير في سنة من السنن ، أو هيئة من الهيئات ، و السكوت وعدم تغير القلب أو تمعر الوجه عند تضييع فريضة من الفرائض ، أو واجب من الواجبات ، فتراه مثلاً يقيم الدنيا ولا يقعدها على من لا يهتم بتقصير ثيابه ، أو لا يحافظ على السواك ، أو لا يلبس الساعة في اليد اليمنى ، ولا تتحرك فيه شعرة عندما يرى حكم الله معطلاً في الأرض ، وأهل الباطل يصدون عن سبيل الله ، ويسومون أولياء الله سوء العذاب .
4- علاج المشكلات التي تعانى منها الأمة الإسلامية بطريق تعاطى المسكنات دون البحث عن أصل الداء ، وسبب العلة ، ثم اجتثاث هذا الأصل ، أو هذا السبب من جذوره ، فمثلاً نسمع ونرى علاج مشكلة الحانات و البارات ومراكز الفيديو الداعرة ، إنما يكون بالتكسير وإشعال الحرائق ، وحقيقة العلاج يجب أن ينصرف إلى إيجاد السلطان الذي يقيم شرع الله في الأرض ، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، ثم إحداث وعى في الأمة يغير العرف العام ويجعلها تحمل مسئولية أو أمانة تطبيق شرع الله بنفسها .
5- استعجال النتائج أو قطف الثمار قبل أوانها ن وقد قيل : من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .

رابعاً : آثار ضيق الأفق أو قصر النظر

ولضيق الأفق أو قصر النظر آثار سيئة وعواقب وخيمة على العاملين ، وعلى العمل الإسلامي وهاك طرفاً منها :

  • آثار ضيق الأفق على العاملين :

فمن آثار ضيق الأفق أو قصر النظر على العاملين :

1- تبديد الجهود وإهدار الطاقات

فالأثر الأول : تبديد الجهود وإهدار الطاقات في أمور نافعة مفيدة لكنها ثانوية بل هامشية ، وإذا بددت الجهود ، وأهدرت الطاقات في مثل هذه الأمور ، فإن المسلم العامل سيعجز بعد ذلك ويفقد القدرة على مواجهة المهام الجسام ، و التبعات الضخمة .

ولعل هذا الأثر هو المفهوم من توجيه القرآن للمسلمين أول مرة : أن يقيموا الإسلام في أنفسهم وأن يحسنوا الترابط فيما بينهم { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } ، { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ، دون أن يستجيبوا لأي إثارة أو يردوا على أي أذى أو اضطهاد يوجه إليهم من عدوهم :

{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... } ، { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين }.

كل هذا من أجل أن تنمو طاقاتهم ، وتتضاعف جهودهم بل ويحتفظ بهذه الجهود وتلك الطاقات لتوجه نحو النافع والمفيد في الوقت المناسب وفي اللحظة المناسبة ، وقد كان ... فإن أولئك الذين جاهدوا أنفسهم وترابطوا فيما بينهم ، وأوذوا فصبروا طوال المرحلة في بدر ، رغم عدم التكافؤ بين الفريقين ، لا في العدد ولا في العدة ، وسجلت لهم صور تدل على مدى امتلائهم وشحنهم من داخلهم ضد أعداء الله وأعدائهم ، ولعل من أبرز هذه الصور ما صنعه بلال بن رباح مع أمية بن خلف ، إذ يقول عبد الرحمن بن عوف :

" كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتى ( خاصتى ) بمكة ، وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلما ذكرت الرحمن ، قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته : عبد عمرو ، فلما كان في يوم بدر ، خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس ، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار فقال : أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا أمية ، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا ، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم ، فقتلوه ، ثم أتوا حتى يتبعونا ، وكان رجلاً ثقيلاً ، فلما أدركونا قلت له ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه ، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه.

2- اليأس و القنوط :

والأثر الثاني هو اليأس و القنوط ، وذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر سيواجه في طريقه كثيراً من العقبات و الصعاب ، ولن يستطيع - لضيق أفقه أو لقصر نظره - استيعاب هذه العقبات وتلك الصعاب ، ومحاولة التغلب عليها وتكون النتيجة : اليأس و القنوط ، بله القعود عن أداء الدور والقيام بالواجب ، ولعمري ذلك هو أهم ما يسعى إليه أعداء الله ، ليخلوا لهم الجو ويفسح أمامهم المجال :" خلا لك الجو فبيضي واصفري ".

3- قلة بل تلاشى كسب الأنصار و المؤيدين :

والأثر الثالث إنما هو قلة بل تلاشى كسب الأنصار و المؤيدين ، ذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر نادراً ما يصادفه التوفيق و النجاح ، ومن يفقد التوفيق و النجاح لا يبقى لديه ما يغرى به الناس ، حتى يكسب منهم نصيراً ، أو على الأقل مؤيداً ، و الواقع يؤيد ذلك ، فكم من ضيق أفق أو قصير نظر يعيش ويموت وليس من حوله إلا أفراداً يعدون على الأصابع ، فضلاً عن نفور كثير من الناس منه ، وإعراضهم عنه .

4- الحرمان من التوفيق الإلهي :

والأثر الأخير هو الحرمان من التوفيق الإلهي ، ذلك أن ضيق الأفق أو قصير النظر ، يريد من كل الناس السير وفق تصوره الضيق ورؤيته المحدودة ، ولن يستجيب له الناس ، وحينئذٍ يسلقهم بألسنة حداد ، ويجعل من لحومهم غذاءً شهياً ، وأنى لمن يلغ في أعراض الناس ، ويعيش على لحومهم أن يمنحه ربه توفيقاً أو تأييداً ؟

  • آثار ضيق الأفق على العمل الإسلامي :

ومن آثار ضيق الأفق أو قصر النظر على العمل الإسلامي :

1- التشويه :

ذلك أن ضيق الأفق وقصر النظر سيوجه العمل الإسلامي إلى علاج المشكلات عن طريق المسكنات دون النظر في الأسباب وبترها من جذورها على النحو الذي ذكرنا آنفا ومثل هذه الأسلوب في العمل غير مجد فضلا عما سيصاحبه من طول الطريق وكثرة التكاليف وحينئذ يجدها أعداء الله فرصه للتشويه وتقديم الإسلام وصورة العمل له على أنهما غير قادرين على مواجهة مشكلات العصر ووضع الحلول المناسبة لها .

(2) المصادرة :

وذلك أن العمل الإسلامي يواجه كثيرا من العقبات والصعاب التي يضعها أعداء الله في طريقه وضيق الأفق أو قصر النظر سيؤدى إلى الصدام بهذه العقبات وتلك الصعاب وعدم القدرة على استيعابها أو تحايل عليها وحينئذ تكون المصادرة وعدم السماح بالاستمرار.

(3) الضرب أو على الأقل الإجهاض :

وذلك أن ضيق الأفق أو قصر النظر سيحرم العمل الإسلامي من الأنصار المؤيدين بل من التوفيق والعون الإلهي ويوم يحرم العمل الإسلامي من ذلك فإنه يسهل على أعداء الله ضربه أو على الأقل إجهاضه والرجوع به إلى الوراء عشرات السنين .

خامسا : علاج ضيق الأفق أو قصر النظر

هذا ويمكن علاج ضيف الأفق أو قصر النظر بل والتحصين ضده باتباع الأساليب التالية :

(1) التعويد على حمل المسؤلية في الصغر ومنذ نعومة الأظفار فإن ذلك يكسب الإنسان كثيرا من الخبرات والتجارب وينمى لديه مواهبه أو ذكاءه الفطري فإذا شب بعد ذلك كان واسع التصور بعيد الرؤية .

ولنا في أنبياء الله ورسله لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة إذ حملوا بأنفسهم مسئولية الحياة في الصغر ومنذ نعومة أظفارهم الأمر الذي ساعد على تنمية مواهبهم وقدرتهم على سياسة النفوس وإصلاحها بعد الرسالة وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا الأسلوب التربوي حين قال : ( ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ) فقال أصحابه : وأنت فقال ( نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ).

(2) اقتلاع النفس من بين ذوى الأفق الضيق والنظرة المحدودة والارتماء في أحضان أصحاب الخيرات والتجارب الذين اتسموا بسمة التصور الواسع والرؤية البعيدة وملازمة هؤلاء دوما مع التواضع وخفض الجناح لهم فإن ذلك يؤدى بمرور الزمن إلى تنمية المواهب الفطرية وتعلم الحكمة التي يعد اتساع الأفق أو يعد النظر أمارة من أماراتها وسمة بارزة من سماتها .

(3) الفهم الدقيق لرسالة الإنسان ودوره في الأرض وسبيل القيام بهذا الدور وهذه الرسالة .

(4) الفهم الدقيق لحقيقة ومضمون الإسلام وسبيل العمل أو التمكين له في الأرض فإن هذا الفهم كثيرا ما يحمل على جمع الهمة من أجل التطبيق والتنفيذ الأمر الذي يساعد على سعة الأفق وبعد النظر.

(5) الإلمام التام بواقع الأعداء وسبيلهم أو مناهجهم في العمل فإن هذا الإلمام كثيرا ما يحمل صاحبه على قدح زناد الفكر والاحتيال من أجل إبطال هذه السبيل أو هذا النهج وذلك هو ما نعنيه بسعة الأفق وبعد النظر .

(6) معايشة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته فإنها حافلة بالكثير من المواقف التي تساعد على سعة الأفق وبعد النظر وحسبنا من هذه المواقف ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم من أنه لم يحطم الأصنام الموجودة في جوف الكعبة وعلى سطحها إلا في العام الثامن من الهجرة يوم فتح مكة لأنه كان يرى أن البدء بتحطيم هذه الأصنام قبل تحطيم الأصنام الموجودة بداخل النفوس تلك التي توجه وتدعو إلى الشرك والإثم والرذيلة سيساعد على إعادة بناء هذه الأصنام من الذهب بدلا من الحجارة بل سيضاعف من عددها لذا تركها وعمل إلى إصلاح النفوس من داخلها تطبيقا لقوله تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} حتى إذا صلحت هذه النفوس واستقامت على منهج الله وترابطت فيما بينها قادها صلى الله عليه وسلم وفتح بها مكة وحطم بها هذه الأصنام وكذلك ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية إذ قبل هذا الصلح رغم القسوة التي انطوت عليها شروطه حتى ضايق ذلك كثيرا من الصحابة وعلى رأسهم عمر رضى الله تعالى عنه لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر بعين النبوة وكان يرى أن هذه الشروط وإن بدا أنها قاسية فإنها ستسفر عن خير كثير للمسلمين وذلك هو ما أكده الواقع فقد زاد عدد المسلمين بعد الحديبية إلى أضعاف أضعاف ما كانوا قبله حسبنا أن عدد المقاتلين في غزوة الخندق وهي التي كانت في السنة الخامسة من الهجرة كان ثلاثة آلاف وإذا به يصل يوم فتح مكة إلى عشرة آلاف وما حدث هذا بسبب التزاور والاختلاط بين الفريقين واطلاع المشركين على أخلاق المسلمين وأحوالهم نتيجة الهدنة ووضع الحرب بين الفريقين لعشر سنوات وكذلك جاء المشركون بعد فترة من إبرام هذا الصلح يطالبون بإلغاء شرط ( ومن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما رده إلى المشركين ) بعد ما أذاقهم أبو بصير ورفاقه الأمرين وبعد ما قطعوا طريق تجارتهم حتى اضطروهم إلى أكل الجيف والميتة وأوراق الشجر من شدة الجوع .

هذه المواقف وغيرها تعلم كيف تكون سعة الأفق وبعد النظر.

(7) حسن الصلة بالله عز وجل من ترك للمعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها ومن المواظبة لي عمل اليوم والليلة ومن التفاني في فعل الخيرات فإن ذلك يورث الحكمة التي عنوانها : سعة الأفق وبعد النظر .

(8) دوام الاطلاع على خبرات وتجارب الماضين فإنها مشحونة بالكثير والكثير الذي يكسب الخبرات والتجارب وينمى المواهب والقدرات وحسبنا في هذا المقام ما أثر عن الحافظ أبى الفرج المعروف بابن الجوزى ت 597 إذ سأله رافضي في مجلس وعظ عام قائلا له :(يا سيدي : نريد كلمة ننقلها عنك أيهما أفضل أبو بكر أو على ؟ وأدرك أبو فرج خبث السؤال وخطورته فرد على الفور : (أفضلهما من كانت بنته تحته ).

وهذه العبارة محتملة للوجهين لذا فهي ترضى الفريقين : الرافضة وأهل السنة وما كان هذا الجواب إلا لسعة الأفق وبعد النظر .

وحسبنا أيضا ما قاله الشيخ حسن البنا ردا على مؤلف كتاب ( أحداث صنعت التاريخ ) وقد حمل إليه مقالا كتبه يبطل فيه المقال الذي نشره سيد قطب في جريدة الأهرام في أواخر الثلاثينات حيث دعا سيد قطب في هذا المقال دعوة صريحة إلى العرى التام وأن يعيش الناس عرايا كما ولدتهم أمهاتهم قرأ الشيخ حسن البنا الرد ثم أطرق طويلا على غير عادته والتفت إلى كاتب مقال الرد واسمه (محمود ) وقال له : يا محمود إن المقال متين الأسلوب قوى الحجة جدير أن ينشر وقد سبق أن أجزت لك بعض ما نشرته في بعض الصحف اليومية ولكن في هذه المرة مرت بخاطري عدة خواطر أحب أن أعرضها عليك فقال:

أولاً : لاشك أن فكرة المقال مثيرة تجرح قلب المؤمن .

ثانيا : كاتب هذا المقال شاب متأثر بالبيئة التي تعرفها ونعرفها وهي التي تغذيه بمثل هذه الأفكار .

ثالثا : إن هدف هذا الشاب من كتابة هذا المقال ليس مجرد التغيير عما يؤمن به وإنما هو محاولة جذب الأنظار إليه على أساس عرفهم من أن الغاية تبرر الوسيلة .

رابعا : إن قراء الأهرام عدد محدود بالنسبة لسكان هذه البلاد يعنى بها مصر وليس كل قراء الأهرام قد قرأوا هذا المقال

فأكثر قراء الأهرام لا يقرأون فيه إلا الأخبار وأكثر الذين قرءوا المقال لم يستوعبوا فكرته لأنهم اعتادوا قراءة المقالات غير الرئيسة قراءة عابرة .

خامسا : إذا نشرنا ردا على هذا المقال في الأهرام كانت لذلك النتائج الآتية :

(أ) سيثير نشر الرد اهتمام الذين لم يقرءوا المقال الأصلي إلى البحث عنه وقراءته كما سيدفع الذين قرأوه قراءة عابرة أن يقرأوه مرة أخرى قراءة متأنية وسيبرز بذلك فكرة المقال في مختلف المجتمعات وتكون موضوع مناقشة واهتمام ونكون بذلك قد عملنا من حيث لا نقصد على تحقيق مأرب صاحب المقال من جذب الأنظار إليه وجعل اسمه على الألسنة .
(ب) نكون من غير قصد قد تسببنا في لفت الأنظار إلى لون من الرذائل ربما علقت به بعض النفوس الضعيفة ولو لم نرد عليه لمرت الدعوة إلى هذه الرذائل في غفلة من الناس غير معارة أي اهتمام ولطمرت في طيات النسيان .
(ج) الرد نوع من التحدي يخلف في نفس المرء المردود عليه نوعا من العناد وهذا العناد يجعله يتعصب لرأيه مهما اقتنع بخطئه ونكون بذلك قد قطعنا عليه خط الرجعة وفي هذا خسارة نحن في غنى عنها .

وهذا الكاتب شاب وترك الفرصة أمامه للرجوع إلى الحق خير من إحراجه وما يدريك لعل هذا الشاب يفيق من غفلته ويفئ إلى الصواب ويكون ممن تنتفع الدعوة بجهوده في يوم من الأيام ثم قال : ما رأيك في هذه الخواطر ؟ قلت - أي كاتب الرد - إنها مقنعة تمام الإقناع ....ومزقت الرد بين يديه.

وتمر الأيام ويصير (سيد قطب ) رحمة الله علما من أعلام الدعوة الإسلامية بل شهيدا من شهدائها .

ولعل السر في ذلك هو توفيق الله أولا ثم هذه البصيرة النافذة والرأي الملهم اللذين كان يتمتع بهما الشيخ حسن البنا رحمة الله تعالى .

وحسبنا كذلك ما قاله داعية ملهم لشابين من شباب هذا العصر الملتزم بالإسلام عن ضيق أفق وقصر النظر وقد رآهما يختلفان على مقدار الممسوح من الرأس أهو شعرات أم الربع أم النصف أم الرأس كله ؟ووصل الاختلاف إلى أحد التراشق بالكلام بل إلى حد الضرب قال لهما : احميا هذه الرأس من القطع أولا فإن هناك مؤامرة من قلب أعداء الله على قطعهما ثم بعد ذلك اختلفا في مقدار الممسوح منها .

(9) النظر في عواقب قصر النظر أو ضيق الأفق سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي إلى النحو الذي شرحنا آنفا فلعل ذلك يشحذ الهمم أو يحرك العزائم فتسعى إلى السعة الأفق ونفاذ البصيرة .

الآفة الثانية عشرة - ضعف أو تلاشى الالتزام

أولاً: مفهوم ضعف أو تلاشى الالتزام

الآفة الثانية عشرة التي يبتلى بها نفر من العاملين وتكون ذا أثر خطير عليهم وعلى العمل الإسلامي إنما هي :ضعف أو تلاشى الالتزام ، وحتى نسهم في اقتلاع هذه الآفة من النفوس التي ابتلت بها وحتى نحمى النفوس الأخرى التي عافاها الله عز وجل منها فإنه لا بد من تقديم تصور واضح أو قريب من الواضح عنها وذلك على النحو التالي :

أولاً: مفهوم ضعف أو تلاشى الالتزام :

ضعف أو تلاشى الالتزام لغة : يطلق الالتزام في اللغة على عدة معان منها:

(أ) الاستمساك أو الاعتناق والالتصاق بالشيء تقول: التزم الشيء وبالشيء تعنى : استمساك به أو اعتنقه والتصق به وفي لسان العرب :( والالتزام : الاعتناق) ومنه في الحديث الشريف : أنه صلى الله عليه وسلم مازال يهتف بربه يوم بدر ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كذاك أو كفاك مناشدتك ربك .....)

ومنه أيضا قول عبد الله بن مغفل في الحديث :( أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال : فالتزمه فقلت : لا أعطى اليوم أحدا من هذا شيئا قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسما ).

(ب) الفرض أو الإيجاب على النفس تقول التزم الشيء أو الأمر : أوجبه على نفسه والتزم فلان للدولة : تعهد أن يؤدى قدرا من المال لقاء استغلاله أرضا من أملاكها فهو ملتزم.

وعليه فإن ضعف أو تلاشى الالتزام في اللغة إنما هو التقصير في الاستمساك بالشيء أو اعتناقه والالتصاق به أو عدم الاستمساك بالشيء والالتصاق به أو اعتناق له بالمرة وهو أيضا التقصير أو عدم الوفاء بالمرة بما يوجبه أو يفرضه المرء على نفسه .

اصطلاحاً : أما ضعف وتلاشى الالتزام في اصطلاح العلماء و الدعاة فهو التقصير أو عدم الوفاء بما يتعهد به المسلم أو يفرضه ويوجبه على نفسه من الصالحات ، حين يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، بل حين يرضى أن يكون في صفوف الدعاة ، وضمن قافلة العاملين من أجل التمكين لمنهج الله في الأرض .

ثانياً : مظاهر الضعف أو تلاشى الالتزام

ولضعف أو تلاشى الالتزام مظاهر تدل عليه ، وسمات يعرف بها نذكر منها :

1- عدم الدقة أو عدم الانضباط في الحديث و الموعد .
2- إصدار الأحكام دون تثبت أو تبين .
3- الفجور في الخصومة أو عدم رعاية أدب الخلاف .
4- الإصغاء إلى الإشاعات والأراجيف .
5- نبذ الطاعة إلا فيما يوافق الهوى النفس .
6- عدم النهوض بالبيت من الأهل و الولد إلى المستوى المنشود .
7- عدم رعاية الآداب أو السلوكيات الاجتماعية .
8- عدم التضحية سواء بالنفس أو بالمال أو بهما معاً .
9- عدم الدقة أو عدم الانضباط في الحركة .
10.- إهمال النفس من التنقية و التزكية .
11- استعجال النصر دون تأن أو ترو أو تأهب .
12- الاجتهاد فيما لا مجال فيه للاجتهاد .
13- عدم الثبات أمام مطامع الحياة الدنيا ، وعند المحن و الشدائد .
14- إهدار حقوق الأخوة .
15- التدخل فيما لا يعنى .

وهلم جراً .

ثالثاً : أسباب ضعف أو تلاشى الالتزام

وهناك أسباب وبواعث تؤدى إلى ضعف أو تلاشى الالتزام نذكر منها :

1- عدم الفهم أو عدم الإدراك لأبعاد ومعالم الالتزام :

ذلك أن عدم الفهم أو عدم الإدراك لأبعاد ومعالم أي أمر من الأمور يؤدى إلى رفضه ، بل ومعاداته كما قال الله عز وجل { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } .

وعليه فإن عدم الفهم ، أو الفهم مع عدم الإدراك القلبي لأبعاد ومعالم الالتزام سينتهي حتماً بصاحبه إلى التقصير وعدم الوفاء بما يقتضيه الدخول في صفوف المسلمين ، بل في صفوف الدعاة و العاملين.

ولعل ذلك هو السر في افتتاح آى التنزيل بالدعوة إلى الفهم ، و الفهم الصحيح الواعي المستنير { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم } .

2- الوسط الضعيف الالتزام أو غير الملتزم :

وقد تلقى الأقدار بالمسلم في وسط ضعيف الالتزام أو غير ملتزم بالمرة ، فيأخذ في الإقتداء و التأسي ، أو على الأقل في المحاكاة والمشابهة، لاسيما إذا كان هذا الوسط ممن يقتدي أو يتأسى به وتكون النتيجة ضعف أو تلاشى الالتزام .

ولعل هذا السبب يكشف لنا عن السر في تأكيد الإسلام على الأسوة و القدوة الطيبة ، وذمِّه للأسوة و القدوة السيئة ، إذ يقول سبحانه { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وكان ذلك على الله يسيراً ومن يقنت منكن لله ورسوله ، وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريماً } .

فيضاعف سبحانه لهن العقاب على السيئة ، و الثواب على الحسنة بسبب جو الطهر و العفاف الذي يعشن فيه و الذي يساعد على الطاعة و التقوى ، وبسبب أن غيرهن يقتدي بهن فيكون عليهن عقاب معصيتهن ، وعقاب معصية من اقتدى بهن ، وكذلك يكون لهن ثواب طاعتهم وثواب طاعة من اقتدى بهن جزاء وفاقاً ، لاسيما وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من دعا إلى هدى كان له من الجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً "

و الدعوة كما تكون بالقول تكن بالسلوك { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ... }

وإذ جاء عن عمر - رضى الله تعالى عنه - أنه رأي على طلحة بن عبيد الله ثوباً مصبوغاً وهو محرم ، فقال عمر : ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنما هو مدر ، فقال عمر : إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ، فلو أن رجلاً جاهلاً رأي هذا الثوب لقال : إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام ، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئاً من هذه الثياب المصبغة.

3- ضعف الإيمان :

وقد يكون ضعف الإيمان ونزول مستواه في نفس المسلم ، هو السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ذلك أن الإيمان هو مصدر الطاقات المتجددة بل هو الحارس و الحامي لصاحبه من أن يهمل أو يقصر ، أو يصر على الأخطاء ، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : إنك تواصل يا رسول الله : " وأيكم مثلى ؟ إني أبيت يطعمني ربى ويسقيني " فقد بين جمهور علماء المسلمين المراد من هذا الكلام قائلين :

" قوله يطعمني ربى ويسقيني مجاز عن لازم الطعام و الشراب ، وهو القوة ، فكأنه قال : يعطيني قوة الآكل الشارب ، ويفيض علىّ ما يسد مسد الطعام و الشراب ، ويقوى علىّ أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس ... " وقال ابن حجر :" ويحتمل أن يكون المراد بقوله :" يطعمني ربى ويسقيني " أي يشغلني بالتفكير في عظمته و التملي بمشاهدته ، و التغذى بمعارفه وقرة العين بمحبته ، والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام و الشراب "

وقال ابن القيم :" ... إن المراد به ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه و الشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ، ونعيم الأرواح ، وقرة العين ، وبهجة النفوس ، و الروح و القلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه ، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغنى عن غذاء الأجسام مدة الزمان ، كما قيل :

لها أحاديث في ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور يستضاء به ومن حديثك في أعقابها حاد

إذا شكت من كلال السير أوعدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد

ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب و الروح عن كثير من الغذاء الحيواني ... ، وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " يعنى : لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان.

وعليه ... فإن المسلم إذا ترك هذا الإيمان بدون تجديد وتعهد فإن جذوته تخبو أو تضعف في النفس وتكون العاقبة ضعف أو تلاشى هذا الالتزام .

ولعل هذا السبب يضع أيدينا على الحكمة من وراء دعوة الإسلام إلى ضرورة تعهد الإيمان في القلب ،وعدم إهماله ولو لحظة من نهار ، إذ يقول صلى الله عليه وسلم :" إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب ، فسلوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم " ، :" جددوا إيمانكم " قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا ؟ قال :" أكثروا من قول لا إله إلا الله " .

4- إقبال الدنيا و التعلق بها :

وقد يكون إقبال الدنيا ببريقها وزخارفها من الأموال والأولاد و الشهادات و الوظائف و المركز و الجاه وتعلق القلب بها هي السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ذلك أنه { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } وعليه فإذا أقبلت الدنيا ، وكان الاشتغال و التعلق بها لم يبق هناك وقت ولا طاعة ولا فكر يساعد على الالتزام والالتزام الدقيق ، وحينئذٍ يكون ضعف أو تلاشى الالتزام .

ولعل هذا هو سر تحذير الإسلام الشديد من إقبال الدنيا و التعلق بها ، إذ يقول الحق - سبحانه وتعالى - { يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } ، { يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } ، وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" .... فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم " ، " وانظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم " ، وفي رواية " إذا نظر أحدكم إلى من فصل الله عليه في المال و الخلق ، فلينظر إلى من هو أسفل منه " ، " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء " ، " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضى ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ... "

5- المحن و الشدائد :

وقد تكون المحن و الشدائد في داخل الصف أو من خارجه هي السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ، ذلك أن المحنة أو الشدة عندما تنزل بالإنسان فإنها تزلزل كيانه ، وتكاد تعصف به إلا من رحم الله ، لاسيما إذا كان نزولها خالياً من الترقب والاستعداد ، ومعرفة طريق الخلاص ، وسبيل المواجهة ، وحينئذٍ يشغل بها عن دوره الحقيقي ورسالته السامية ويكون ضعف أو تلاشى الالتزام .

ولعل هذا هو سر حديث الإسلام المتكرر عن المحن و الشدائد وكيفية التعامل معها ، غذ يقول الحق - تبارك وتعالى - { ولنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع ونقص من الأموال والأنفس و الثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ، { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط } ، { لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } ، { الذين آمنوا وهاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات ترى من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب } .

وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله ليجرب عليكم بالبلاء ، وهو أعلم به ، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ، فذلك الذي نجاه الله من السيئات ، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي افتتن ) ، ( إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ) ، ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه ) .

6- كثرة الأعباء مع طول الطريق :

وقد تكون كثرة الأعباء مع طول ومشاق الطريق هي السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ، ذلك أن الإنسان طاقة ، وإذا حمل عبئاً فوق طاقته ، فإنه ستأتي عليه لحظة يسقط بعضه أو كله عن كاهله ، لاسيما إذا كانت الطريق طويلة وبها كثير من العقبات والمعوقات ، ولعل ذل ك هو سر دعوة الإسلام إلى الأخوة أو الجماعة إذ هي التي تشارك في حمل الأعباء وتجاوز طول ومشاق الطريق .

يقول الحق سبحانه وتعالى { إنما المؤمنون أخوة } ، { رحماء بينهم }، { أذلة على المؤمنين } ، { واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمري } ، { وتعاونوا على البر و التقوى } ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) ، ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ) .

7- الأبوان :

وقد يكون الأبوان هما السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ، ذلك أن بعض الآباء قد تحمله عاطفة الحب لولده على الحيلولة بين الولد والالتزام لاسيما في هذا العصر الذي صار فيه الالتزام بالإسلام بل والالتزام بالدعاة و العاملين لدين الله تهمة ، وتهمة خطيرة تقود صاحبها إلى السجون و المعتقلات ، أو النفي و التشريد في الأرض ، بل الموت أو القتل ، ناسين أو متناسين أن الآجال بيد الله لا بيد البشر { وما كان لنفس أن تمت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً } وأن الله وحده هو الذي يعلم نهاية هذه الآجال ، { وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } وأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر :

{ ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها } ، { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ، { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } ، { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } ، بل ناسين أو متناسين أن موسى - عليه السلام - الذي ألقي في اليم وهو صغير لا حول له ولا قوة نجاه الله ، وكان هلاك فرعون طاغية مصر على يديه { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } ، وأن يوسف - عليه السلام - الذي ألقى به من قبل في الجب أنجاه الله ومكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وقال لإخوته في النهاية { أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } .

8- الاستجابة للوساوس والشبهات الشيطانية :

وقد تكون الاستجابة للوساوس و الشبهات الشيطانية هي السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام ، ذلك أن الشيطان قاعد للإنسان لاسيما المسلم بالمرصاد ، يوسوس بإلقاء الشبهات والأباطيل كي يصرفه عن

طريق الله أو على الأقل يجعل سيره في هذه الطريق محفوفاً بالتضييع و التفريط ، وحين يستجيب المسلم إلى هذه الوساوس وتلك الشبهات يبتلى بضعف أو تلاشى الالتزام .

ولعل هذا هو السر في دوام تحذير الإسلام لنا من الشيطان الرجيم ووسوسته فلا نسمع لها ولا نستجيب ، يقول الحق - سبحانه وتعالى - { يا بنى آدم لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما }، { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } ، { قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس } ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام فقال : تسلم وتذر دينك ، ودين آبائك ، فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : تهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجرين كمثل الفرس في الطول فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : تجاهد فهو جهد النفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك كان حقاً على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة ، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ، وإن غرق كان حقاً على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة ، أو وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ) .

9- عدم المتابعة من الآخرين :

وقد يكون السبب في ضعف أو تلاشى الالتزام إنما هو عدم المتابعة من الآخرين ، ذلك أن الإنسان إذا شعر أن هناك إهمالاً أو عدم متابعة من الآخرين ، فإن همته تفتر ، وعزيمته تضعف ، أما إذا كانت المتابعة المتمثلة في المساءلة و المجازاة ، فإن الهمة تعلو والإرادة تقوى ،و العزيمة تشتد ، ولعل هذا هو سر متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشديدة لأصحابه في كل تصرفاتهم وسلوكياتهم ، وحسبنا هنا هذه الصورة من المتابعة :

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :( من اصبح منكم اليوم صائماً؟ قال : أبو بكر - رضى الله عنه - أنا ، قال : فمن تبع اليوم منكم جنازة ؟ قال أبو بكر - رضى الله عنه - أنا ، قال : فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً ؟ قال أبو بكر رضى الله عنه أنا ، قال : فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكر - رضى الله عنه - أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ".

10- الغفلة عن عواقب ضعف أو تلاشى الالتزام :

وأخيراً قد يكون الغفلة عن عواقب ضعف أو تلاشى الالتزام هي السبب في هذا الضعف أو ذلك التلاشي :

ذلك أن من غفل عن العواقب الخطيرة لأمر ما ، تعاطى هذا الأمر مع تقصير فيه ، أو أهمله وألغاه من حسابه بالمرة ، ولا يفيق ولا ينتبه إلا حين تزول العواقب فيندم حيث لا ينفع الندم ويتمنى حين لا تفيد الأماني .

رابعاً : آثار ضعف أو تلاشى الالتزام

ولضعف أو تلاشى الالتزام عواقب وخيمة ، وآثار سيئة على العاملين ، وعلى العمل الإسلامي ، ودونما طرفاً من هذه العواقب وتلك الآثار :

آثار ضعف أو تلاشى الالتزام على العاملين :

لعل من أبرز آثار ضعف أو تلاشى الالتزام على العاملين :

1- الحيلولة دون العبودية الحقة :

ذلك أن من كان ضعيف أو عديم الالتزام فإنه يفسح المجال أمام الشر ليستشري و الباطل لينتشر ، حتى يصل إليه وإلى ذويه ، وحينئذٍ يحال بينه وبين أبسط قواعد الالتزام الإسلامي كالشعائر التعبدية مثلاً ، وحال المسلمين في الجمهوريات الواقعة الآن تحت نير الشيوعية الحمراء في الاتحاد السوفيتي خير ما يوضح هذا الأمر ،فقد أتى على هؤلاء زمان كان الواحد فيه يكتفي بالالتزام بجزء من دين الله ، وهو ما يخصه في نفسه ، تاركاً ومهملاً الباقي ، قائلاً : علىَّ نفسي في الوقت الذي كان فيه الباطل يواصل الليل بالنهار في تنفيذ خطته حتى أمسك بخناق هؤلاء ، وحينئذٍ حال بينهم وبين أسمائهم الإسلامية ، بل بينهم وبين الأعراف و التقاليد الإسلامية فيما عرف بشئون الأسرة من :الزواج و الطلاق و الحضانة و النفقة ونحوها ، وابعد من ذلك سعى إلى تحويل المساجد إلى دور للخيالة أو اصطبلات خيول ، وحظر على أي منهم اقتناء نسخة بل ورقة من المصحف الذي يضم بين طياته القرآن الكريم ، وكان السبب المباشر إنما هو ضعف أو تلاشى الالتزام .

2- فقد ثقة الناس :

وهذا أمر بدهي ، فإن الناس لا يتأثرون بالكلمات قدر ما يتأثرون بالسلوكيات ، حتى قيل :( عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل ) ، وعليه فإن من كان ضعيفاً أو عديم الالتزام يسحب الناس ثقتهم منه ، وحينئذٍ يخسر كثيراً وتكون هذه الخسارة في الدنيا قبل الآخرة ، وكم قرأنا وسمعنا وشاهدنا أقواماً استهانوا بأمر الالتزام ، فعاقبهم الله بضياع ثقة الناس وجر ذلك عليهم خسراناً مبيناً حتى في وظائفهم ودنياهم ومصالحهم الشخصية.

3- القلق والاضطراب النفسي :

ذلك أن ضعيف أو عديم الالتزام إنما هو عاص لله ، وللمعصية آثار ضارة أشدها القلق والاضطراب النفسي ، ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى :

{ ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ، { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } بل هو المصرح به في قوله تعالى :

{ ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ... } ، { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعدا } .

4- الحرمان من الأجر و المثوبة بل وتحمل الأوزار :

ذلك أن ضعيف أو عديم الالتزام ضيع على نفسه بذلك الأجر وحرمها من المثوبة بل وعرَّضها لتحمل أوزار الذين اقتدوا به في ضعفه أو عدم التزامه ففتنوا وضاعوا ، وصدق الله : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون }.

على العمل الإسلامي :

وأما آثار ضعف أو تلاشى الالتزام على العمل الإسلامي فكثيرة نذكر منها :

1- فتح المجال لمحاولة اختراق هذا العمل لضربه أو على الأقل تطويقه وإجهاضه ، فلا يؤتى ثماره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل .
2- قلة أو انعدام كسب الأنصار و المؤيدين لأن كسب هؤلاء إنما يكون بكسب ثقتهم أولاً ، وضعف أو تلاشى الالتزام يضيع هذه الثقة وبالتالي يضيع منها المؤيد و النصير .
3- منح أعداء الله فرصة التحرش بالعمل الإسلامي لتشويه صورته في عيون العامة ، والدهماء من الناس تمهيداً لضربه و القضاء عليه أو تعطيله على الأقل .
4- الحرمان من العون و المدد الرباني ، ذلك أن من كان في التزامه ثلمة أو ضعف ، فهو مقصر في نصرة دين الله ، وأنى لمن أعرض عن نصرة دين الله أن يمنحه ربه عوناً أو مدداً ؟ وصدق الله { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } .

خامساً : علاج ضعف أو تلاشى الالتزام

وما دمنا قد وقفنا على الأسباب أو البواعث التي تؤدى إلى ضعف أو تلاشى الالتزام فإن طريق العلاج تبدأ بتطبيق ما يلي :

1- الإدراك الذهني بل و القلبي لأبعاد ومعالم الالتزام ، بحيث يخالط هذا الإدراك الأحاسيس و المشاعر بل و الخواطر ويصير سجية للنفس تفرح وتستريح حين تتمثله في داخلها وفي واقع الحياة ، وتحزن وتضيق إذا هي قصرت في هذا التمثيل .

2- التأكيد على دقة الالتزام من ذوى الأسوة و القدوة حتى يكون ذلك دافعاً لمن دونهم على الإقتداء و التأسي ، أو على الأقل المحاكاة و المشابهة .

3- الحرص على تجديد الإيمان وتقويته في النفس ، فإن ذلك يولد طاقات وإمكانات تعين على الالتزام وأبعد من ذلك يكون الحارس والأمين لئلا يكون تقصير أو إهمال .

4-الفهم الدقيق الواعي لحقيقة الدنيا والآخرة وعلاقة كل منهما بالآخر وسبل تحقيق التوازن بينهما

{ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } .

5- إدراك أن طريق الهجرة و الفرار إلى الله طريق كلها أشواك وصعاب ، ولكنها تفضي إلى النعيم المقيم في جوار رب العاملين ، وأنه لابد من حمل النفس على أخذ الأهبة والاستعداد { واستعينوا بالصبر و الصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } .

6- حمل ما بمقدور النفس القيام به حتى لا تضعف أو تنقطع عن ركب العاملين المجاهدين { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ، { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } .

7- التحذير المستمر من كيد الشيطان ووسوسته مع بيان سبيل النجاة من هذه المكايد وتلك الوساوس .

8- الوقوف على سير وأخبار من عرفوا بدقة وكمال الالتزام والتاريخ الإسلامي طافح في ذلك بالنافع المفيد :

حسبنا ما جاء عن حذيفة رضى الله تعالى عنه قال : لق أتينا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر (أي برد ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -:( ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة )؟ فسكتنا فلم يحبه أحد منا ثم قال : (ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ) فسكتنا فلم يحبه أحد منا أحد فقال : ( ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ) فسكتنا فلم يحبه أحد منا فقال : ( قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم)فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال : ( أذهب فائتني بخبر القوم ولا تذعرهم على ) ، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشى في حمام حتى أتيهم فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولا تذعرهم على ) ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشى في مثل حمام فلما أتيته فخبرته بخبر القوم وفرغت قررت فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال : ( قم يا نومان ).

وحسبنا أيضا ما جاء عن أم جميل بنت الخطاب في بداية الدعوة الإسلامية غذ تقول عائشة رضى الله تعالى عنها -:

لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على الرسول صلى الله عليه سلم في الظهور فقال : ( يا أبو بكر إنا قليل ) فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفوق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله وثار المشركين على أبو بكر وعلى المسلمين فضربوا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين لوجهه ونزل على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعدون فأجلت المشركين عن أبى بكر وحملت بنو تيم أبا بكر حتى دخلوا منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا : ولله لئن مات أبو بكر لنقتلن

عتبة ابن ربيعة فرجعوا إلى أبو بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يتكلمون أبا بكر حتى أجابهم فتكلم آخر النهار فقل : م فعل رسول الله صلى لله عليه و سلم فمسوا منه بألسنتهم وعدلوه ثم قاموا وقالوا لأمة أم الخير : انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول : ( ما فعل رسول الله صلى لله عليه وسلم ؟ قالت : ولله مالي على بصحبك فقل : ذهبي إلى أم جميل بنت لخطاب فسأليه عنه فخرجت حتى جاءت م جميل فقلت : إن ب بكر أبن عبد الله وإن يسألك عن محمد بن عبد الله فقالت ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وعن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قلت نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت : والله إن قوما نالوا هذه منك لأهل فيق وكفر وإني لأرجو أن ينقم لله لك منهم قال :فما فعل رسول لله صلى لله عليه وسلم ؟ قالت : هذه أمك تسمع قال :فلا شئ عليك منه قالت : سالم صالح قال : أين هو ؟ قالت : في دار بن الأرقم قال فإن الله على ن ى أذوق طعاما ولا أشرب شرب و آتى رسول لله صلى الله عليه وسلم فأمهلتاه حتى إذ هدت الرجل ومسكن الناس خرجت به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول لله صلى لله عليه وسلم قل فكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله واكب عليه المسلمون ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله : ليس بي بأس إلا ما ناله الفاسق من وجهي وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى لله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار قال : فدعا لها رسول الله صلى لله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت.

وحسبنا كذلك ما ورد عن انس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :

( أتى على رسول الله صلى لله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان قال فسلم علينا فبعثنى إلى حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت : ما حسبك ؟ قلت : بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة قالت : ما حاجته ؟ قلت : إنها سر قالت : لا تحدثن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ).

هذه الأخبار وغيرها كثير في تاريخ المسلمين قديمة وحديثه تعين من سمعها على الإقتداء والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه .

(9) الحرص على لزوم الجماعة وعدم الانفكاك عنها لحظة واحدة إذ فيها يكون التناصح والتواصى بالحق والتواصى بالحق والتواصي بالصبر والتعاون وتجديد النشاط وإعلاء الهمة وغير ذلك مما يعد في الحقيقة جوهر ومضمون الالتزام .

(10) الاستعانة التامة بالله عز وجل فإنه سبحانه يعين من لجأ إليه واستعان به ولاذ بحماه .

(11) محاسبة النفس دوما للوقوف على الجوانب الضعف والخلل فيها ثم

تلا في بالتوبة والإقلاع عن الخطأ وجبره بأنواع من لكفارات كالصداقة والإكثار من النوافل .

(12) الإحسان إلى الأبوين في المعاملة مع لفت نظرهما بأدب ورفق إلى أن الآجال بيد الله وأن ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها .

(13) التذكير الدائم بفوائد وثمرات الالتزام وكذلك بعواقب ومضار إهدار هذا الالتزام أو التخلي عنه فإن هذا التذكير له دور كبير في عودة النفس إلى صوابها ونهوضها من جديد .

(14) معايشة المستمرة لكتاب الله عز وجل فإنه بيان دقيق لحقيقة مضمون الالتزام ولم لا يكون كذلك وهو حكم الله :

{ ومن حسن من الله حكما لقوم يوقنون }.

(15) المسارعة بالانتفاع بالنعم الآنية من الوقت والصحة والمال والعلم والشباب ونحو ذلك قبل زوالها إذ يقول صلى الله عليه وسلم :( بادروا بالأعمال الصالحة سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر

غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر.

(16) المعايشة الدائمة لسنة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيهما الصورة الدقيقة الحية لما ينبغي أن يكوون عليه المسلم من الالتزام .

حسبنا أنه لم يقبل أن يهاجر وأمول الناس عنده أمانات وودائع بل استبقى عليا مكانه في فراشة ليرد هذه الودائع إلى أهلها وليموه على الأعداء وحسبنا أنه لم ينقض عهدا قط لا مع الأعداء ولا مع غير الأعداء فكان بذلك مضرب الأمثال .

والقصة التالية بعض من كل وقليل من كثير : يروى حذيفة بن اليمان رضى الله عنه فيقول : ما ينبغي أن أشهد بدرا إلا أنى خرجت أنا وأبى حسيل قال فأخذنا كفار قريش قالوا : إنكم تريدون محمدا ؟ فقلنا : ما نريده إلا المدينة فاخذوا منا عهد اله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله

صلى الله عليه وسلم فأخبرنا الخبر فقال :( انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم ).

الآفة الثالثة عشرة - عدم التثبيت أو التبين

أولاً : مفهوم عدم التثبيت أو التبين

والآفة الثالثة عشرة التي لا يكاد يسلم من شرها إلا من كان ذا صلة قوية متينة بربه وكان حصيفا : إنما هي عدم التثبيت أو التبين وحتى يتحرر من ابتلوا بها ويتقيها من عافاهم الله عز وجل منها فلا بد من تقديم تصور دقيق عن أبعادها ومعالمها وذلك من خلال الجوانب التالية :

أولاً : مفهوم عدم التثبيت أو التبين :

عدم التثبيت لغة : وحتى نفهم المرد بعدم التثبيت أو التبين في اللغة فإننا فماذا يراد من كل منهما لغة ؟ يطلق التثبيت في اللغة على أمور منها :

(أ) طلب ما يكون به الثبات على الأمر أي لزومه وعدم التحول عنه أو تجاوزه إلى غيره وبعباره أحرى طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر .
(ب) والتأكيد من حقيقة ما يعين على الثبات في الأمر وبعبارة أخرى فحص الدليل الوصل إلى الثبات في الأمر تقول :( أثبت الأمر :
حققه صححه وأثبت الكتاب سجله واثبت الحق أقام حجته واثبت الشيء عرفه حق المعرفة ).
(ج)والتأني أو التريث وعدم الاستعجال تقول تثبيت في الأمر والرأي استثبت : تأنى فيه ولم يعجل واستثبت في أمره : إذا شاور وفحص عنه ).

وكذلك التبين يطلق في اللغة على النفس المعني التي يطلق عليها التثبت فهو :

(أ) طلب ما يستبين به الأمر وتنكشف حاله تقول :( تبين الشيء أي تأمله حتى اتضح ).
(ب) وهو التأكيد من حقيقة ما يستبين به الأمر ونتكشف حاله تقول :( تبين الشيء ظهر واتضح ).(واستبنت الشيء : إذا تأملته حتى تبين لك ).
(ج) وهو التأني أو التريث في لأمر وعدم الاستعجال فيه تقول ( تبين القوم تدبروه على مهل غير متعجلين ليظهر لهم جليا ) وتبين في أمره تثبت وتأنى ).

ويؤكد أن التثبت والتبين معناهما واحد لغة : استعمال القرآن الكريم ، فقد جاء في قوله تعالى { يا أيها الذين إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } أن أكثر الكوفيين يقرأون الآية الأولى وكذلك عامة أهل المدينة يقرأون الآية الثانية ( فتثبتوا ) بدل (فتبينوا ) ، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمة الله : ( والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ لأن المتثبت متبين والمتين متثبت فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك ، كما يقول في موضع آخر ( والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى فبأيتهما قر القارئ فمصيب ) ، ونستطيع أن نقول إن هذه الإطلاقات واحد ألا وهو التأني أو التريث في الأمر وعدم الاستعجال فيه فإن ذلك مطلوب دليله بل وفي فحص وتأمل هذا الدليل وحيث انتهينا من تحديد المراد بالتثبت أو التبين لغة فإننا نقول : إن عدم لتثبت أو التبين لغة يعنى ( السرعة في الحكم على الشيء دون طلب دليله ودون تأمل هذا الدليل ).

عدم التثبت اصطلاحا : أما عدم التثبت أو التبين في الاصطلاح الإسلامي والدعوى فهو :

السرعة أو عدم التأني والتريث في كل ما يمس المسلمين بل الناس جميعا من أحكام أو تصورات ومن تناقل وتداول لهذه الأحكام وتلك التصورات دون فهم دقيق للواقع وما يحيط به من ظروف وملابسات.

وإلى هذا أشار القرآن الكريم في تعليقه على حادثة الإفك حين قال : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم }

لأن من المعلوم بداهة أن التلقي إنما يكون بالأذن ثم يعرض على العقل والقلب وحينئذ يكون الكلام باللسان فإنما هي لفتة إلى السرعة وعدم التأني أو التروي في إصرار الحكم بل في تداوله والتحرك به كأن الإفك عندما وقع من ابن سلول صمت الآذان وسترت العقول وغلفت القلوب فلم يبق إلا أن لاكته الألسن وتحركت به الشفاه دون فهم للواقع ودون معرفة بالظروف والملابسات ولقد يحاكى ويتأسى لا سيما إذا كان ضعيف الشخصية غير واثق من نفسه ومن تصرفاته وسلوكه وهنا يأتي دور الارتماء بين أحضان الصحبة الطيبة الملتزمة بالمنهاج الإسلامي إن هذا لو وقع لصحت الأعصاب ولتنبهت المشاعر والأحاسيس والجوارح .

(3) الغفلة أو النسيان :

وقد تؤدى الغفلة أو النسيان بالإنسان إلى عدم التثبت أو التبين وحينئذ يجب أن يتعلم من ذلك درسا لا ينساه على مدار الزمان فلا يتكرر منه هذا الخطأ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول ( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ).

(4) الاغترار ببريق الألفاظ :

وقد يقرع أذن المرء طائفة من الألفاظ المعسولة والعبارات الخلابة وإذا به يغتر بما لهذه الألفاظ وتلك العبارات من بريق وزخرف وحينئذ يكون منه عدم التثبت أو التبين وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا السبب حين قال : ( إنكم تختصمون إلى

ولعلل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها ).

(5) الجهل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين :

وقد يحمل بأساليب أو طرق التثبت أو التبين إلى السرعة في الحكم وتداوله هنا وهناك ذلك أن للتثبت أو للتبين أساليب أو طرقا كثيرة توصل إليه من بينها :

  1. الرد إلى الله والرسول وذوى الرأي والحجا كما قال سبحانه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }
  1. السؤال أو المناقشة لصاحب الشأن وخير ما يوضح ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبى بلتعة لما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى اله عليه وسلم لهم وأطلع الله عز وجل نبيه على الكتاب وجئ به إليه صلى الله عليه وسلم إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قبل أن يقضى في أمره قائلا :( يا حاطب ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله لا تعجل على إني كنت امرءا ملصقا من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( أما إنه قد صدقكم ) ولما استأذن عمر في ضرب عنقه قائلا : ( وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) .

- الإصغاء الجيد بل و المراجعة إذا لزم الأمر أو أشكل الأمر ، فهذا علىّ- رضى الله عنه - يعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم الراية يوم خيبر ثم يقول له :" اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت " ويشعر علىّ رضى الله عنه - بعد مضيه لأداء مهمته أن التكليف الذي كلف به غير واضح في ذهنه فيعود بظهره امتثالاً للأمر ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : : علام أقاتل الناس ؟ فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ".

- التجربة و الملاحظة من خلال المعايشة و المصاحبة ، فهذا عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يثنى رجل على آخر في مجلسه فيقول عمر للرجل الذي أثنى : هل صحبته في سفر قط ؟ يقول : لا ، فيقول له : هل كانت بينك وبينه معاملة في حق ؟ يقول : لا ، فيقول له :" اسكت فلا أرى لك علماً به ، أظنك - والله - رايته في المسجد يخفض رأسه ويرفعه ".

- الجمع بين كل الأطراف مع المواجهة ، لاسيما في الأمور التي لا يجوز فيها التغاضي أو السكوت ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم عليَّاً لما بعثه قاضياً إلى أهل اليمن ، أسلوب التثبت في القضاء قائلاً له : " إن الله سيهدى قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء ".

- السماع من صاحب الشأن أكثر من مرة ، وعلى فترات متباعدة مع المقابلة و الموازنة فها هي أم المؤمنين عائشة - رضى الله تعالى عنها - يبلغها عن عبد الله بن عمرو ، أنه قادم من مصر للحج ، فتقول لابن أختها عروة بن الزبير ، يا ابن أختي بلغني أن عبد الله لن عمرو مار بنا إلى الحج فالقه فسائله ، فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً قال ، فلقيته فسائلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال عروة : فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً ، ولكن يقبض العلماء فيرتفع العلم معهم ويبقى في الناس رؤساء جهالاً يفتونهم بغير علم فيَضلون ويُضلون " قال عروة فلما حدَّثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته قالت: أحدثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال عروة : حتى إذا كان قابل قالت له : إن ابن عمرو قد قدم فالقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم ، قال : فلقيته فسائلته ، فذكر لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى ، قال عروة : فلما أخبرتها بذلك قالت : ما أحسبه إلا قد صدق ، أراه لم يزد فيه شيئاً ولم ينقص " .

هذه الطرق أو الأساليب وغيرها كثيرة قد يجهلها كثير من الناس وحينئذٍ يتناولون الأمر بغير تثبيت ولا تبين .

6- الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة :

وقد يؤدى الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة المتأججة إلى عدم التثبت أو التبين ، ذلك أن هذا الحماس أو هذه العاطفة ما لم تكن موزونة بميزان الشرع ، ومحكومة بلجام العقل ، فإنها تسلب صاحبها الإدراك ، وإذا به يخطئ كثيراً ويضيع في بيداء هذه الحياة .

ويمكن أن نستشف هذا السبب من حديث أسامة بن زيد التالي إذ يقول :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقن أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذاً ، فما زال يكررها حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ".

أجل لقد كان الحامل لأسامة على قتل الرجل مع نطقه بلا إله إلا الله تلك التي تعصم الدم إلا بحقها إنما هو الحماس أو العاطفة الإسلامية الجياشة التي انطوى عليها قلب أسامة بن زيد - رضى الله عنه - بحيث حالت بينه وبين الاقتناع بما صدر عن الرجل من الإسلام ، و النطق بالشهادة واتهمه بأنه يظهر خلاف ما يبطن ناسياً أن الله وحده هو المطلع على ما تكنه القلوب ، وتخفيه الصدور { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله } ، { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } { والله يعلم ما في قلوبكم } ، { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .

7- التعلق بعرض زائل من الدنيا :

وقد يكون التعلق بعرض زائل من أعراض هذه الحياة الدنيا هو الحامل على عدم التثبت أو التبين ، وذلك أن حب الشيء يعمى ويصم ، ويحول بين الإنسان وبين استطلاع الموقف وتبين الحقيقة ولعل هذا السبب هو المشار إليه في قوله سبحانه :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } .

8- الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على عدم الالتزام بهذا الخلق الإسلامي إلى السرعة أو العجلة في الأمر ، وعدم التريث أو التأني فإن من غفل عن عاقبة أمر ما وقع فيه لا محالة إلا من عصم الله - عز وجل .

ثانيا : مظاهر عدم التثبت والتبين

ولعدم التثبت أو التبين مظاهر تدل عليه وأمارات يعرف بها نذكر منها :

(1) معاداة كثير من الأفراد والهيئات العاملة للإسلام استجابة لحملات التشويش والدعاية المغرضة دون مخالصة هؤلاء ومعرفة أحوالهم وأخلاقهم عن قرب ومشاهدة .

(2) التركيز على المظهر والشكل مع إهمال المخبر والجوهر فإن كثيرا من الهيئات العاملة للإسلام تهتم كثيرا بالمظهر والشكل من اللحية والسواك وقصر الجلباب وإرخاء العذبة وحمل العصا والعمامة مع الإهمال التام للمخبر والجوهر الأمر الذي يجعلهم لا يميزون بين الصالح والطالح وبين الصادق والكاذب

ولا يفهم ذلك أنه استهانة أو تحقير لتلك الأشياء ، فقد وردت

بذلك أحاديث تتفاوت صحة وضعفا وليس هنا مجال تحقيقها الآن ولكننا نريد من المسلم أن يكون لديه ترتيب الأولويات وتقديرا لمخبر الإنسان وجوهره وإن قصر في بعض الشكليات فإن ذلك لا يضره .

(3) عدم التماس المعاذير وعدم السماع للحجج والآراء برغم أنه لا عقبات ولا صعوبات في حياة الناس.

(4) المبادرة بالتفوه ، والرأي ، لمجرد السماع والتلقي أو لمجرد الرؤية والمشاهدة .

(5) المبادرة بالتنفيذ لمجرد صدور التكليف دون إحاطة تامة بكل ظروفه وملابساته ودون معرفة دقيقة بمن له حق التكليف والإلزام.

ثالثا : آثار عدم التثبت أو التبين

ولعدم التثبت أو التبين آثار سيئة وعواقب وخيمة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ودونك طرفا من هذه الآثار .

* آثار عدم التثبت على العاملين :

فمن آثار عدم التثبت أو التبين على العاملين :

(1) اتهام الأبرياء من الناس زورا وبهتانا :

فقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زورا وبهتانا بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد إذ أعزها الله بالإسلام وصارت زوجة لإمام المسلمين وأفضل النبيين ورسول الله للعالمين الأمر الذي أقلقها وأقلق أبويها ورسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها والمسلمين جميعا شهراً كاملاً حتى نزلت البراءة بشأنها من فوق سبع سموات .

وكان السبب هذا الاتهام هو عدم التثبت أو التبين حتى قال الله لهم :{ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون }.

وحسب العامل هذا الأثر إذ هو مجلبة للشر والإثم - والعياذ بالله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( خيار عباد الله الذين إذا رُءوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ).؟

(2) سفك الدماء وسلب الأموال :

فقد قَتل أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنه أو غيره نفراً من الناس وسلب ماله بغير تثبت ولا تبين وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة

الدنيا فعند الله مغانم كثيرة .......}.

فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا من غير تثبت ولا تبين من أمثال حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثه وغيرهما وكذلك الذين قتلوا الرجل وأخذوا ماله بعد أن أسلم وشهد أن لا إله إلا هو من مثل أسامة بين زيد - رضى الله تعالى عنه - كل أولئك أصابتهم الحسرة وعمهم الندم لما نزل الوحي من السماء يكشف الموقف ويضع النقاط على الحروف وتمنوا أن لم يكونوا أسلموا قبل ذلك اليوم بل ظلت الحسرة والندامة شبحا مخيفا يلاحقهم حتى لقوا ربهم .

ولعل هذا الأثر هو ما يشير إليه قوله تعالى في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط مع بني المصطلق الواردة في سورة الحجرات: {...... فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .....}.

(3) فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية :

فمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم منه بل وينفرون منه ويكرهونه بشدة وإذا ذهبت الثقة وكان النفور والكراهية لم يعد في يد المسلم ما يكسب به الأنصار أو المؤيدين .

(4) التعرض للغضب الإلهي :

فمن تجرد من التثبت أو التبين كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته من ثم يستوجب غضب الله وسخطه ومن حل عليه غضب الله وسخطه فقد ضاع دنيا وآخرة وخسر خسرانا مبينا وصدق الله :{ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }.

*آثار عدم التثبت على العمل الإسلامي :

ومن آثاره على العمل الإسلامي :

(1) خلل أو اضطراب الصف :

فإن عدم التثبت أو التبين من شأنه أن يؤدى إلى خلل أو اضطراب في الصف على نحو ما صوره صاحب الظلال - رحمه الله - إذ يقول :" كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته ، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة قد تحدث إشاعة الخوف فيه خلخلة وارتباكاً ، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف وقد تكون كذلك القاضية ".

وعلى نحو ما وقع بين الأنصار بين أوسهم وخزرجهم حين استمعوا إلى هذا الدخيل الذي بثه بينهم أحد اليهود في ساعات الصفاء ، و الحب في الله ليذكرهم بيوم بعاث ، وثاراتهم القديمة ، لقد تنادوا قائلين :

السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ( أي الحرة ) وخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، و الخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، ولولا رحمة الله ولطفه بهم ، ثم خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وتذكيرهم بنعمة الله عليهم وهدايته لهم بعد الكفر و الضلالة قائلاً :" يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر ، وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ، لولا ذلك لعادوا- كما كانوا في الجاهلية -شيعاً وأحزاباً .

وعلى نحو ما وقع للحركة لإسلامية في مصر في الخمسينات حيث استمع نفر من أبنائها لوشايات الواشين وافتراءات المغرضين ، وأراجيف المبطلين دون تثبت أو تبين ، الأمر الذي أدى إلى خلل في الصفوف لبعض الوقت ، وكاد يعصف بهذه الحركة لولا لطف الله ورحمته ، وعنايته وتثبيته لبعض الصادقين المخلصين من أبنائها .

2- الفتور أو التراخي في العمل :

فإن عدم الالتزام بالتثبت أو التبين من شأنه أن يؤدى إلى الفتور أو التراخي في العمل مباشرة ، أو بعد سلسلة من المكدرات

و المنغصات كما يصوره صاحب الظلال إذ يقول :" .... فإن إشاعة أمر الأمن مثلاً في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة العدو ، إشاعة أمر الأمن في هذا المعسكر تحدث نوعاً من التراخي مهما تكن الأوامر باليقظة النابعة من التحفز للخطر ، غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر ، وفي ذلك التراخي تكون القاضية.

3- إفساح المجال للأدعياء و الدخلاء :

فإن عدم الالتزام بهذا الخلق الإسلامي جعل أكثر الجمعيات و الجماعات العاملة للإسلام مخترقاً ومكشوفاً من قبل الأدعياء و الدخلاء وهذا فيه من الخطورة ما فيه ، حسبنا أن هذه الجمعيات و الجماعات يكاد لها بواسطة هؤلاء الأدعياء و الدخلاء ، و المنشئون أو المؤسسون الحقيقيون لها ، نائمون غافلون لا يدرون من أمرها شيئاً .

4- خسارة بعض الأنصار و المؤيدين :

وقد يخسر العمل الإسلامي بسبب عدم التثبت أو التبين بعض الأنصار و المؤيدين ، وربما انقلبوا رأس حربة على العمل الإسلامي و العاملين لدين الله ، بعد أن كانوا مرجوا منهم أنهم مساندون أو مؤيدون .

5- الانطلاق من الخيال لا من الواقع :

فإن من كان من شأنهم عدم التثبت أو التبين سينقلون الأمور

على غير وجهها ويحكون الواقع بصورة غير صورته الحقيقية التي هو عليها ، وعليه فإذا كانت خطة أو منهاج أو رأى فإنما يكون مصدره أو منبعه الخيال لا الواقع ، وتلك أولى عوامل الفشل و الخسران .

6- الحرمان من العون و التأييد الإلهي :

فإن عدم الالتزام بهذا الخلق ... أعنى التثبت أو التبين ... سيؤدى إلى دخن في القلوب وغل في الصدور ، فضلاً عن باقي الآثار و السلبيات التي ذكرنا آنفاً ، وهذا بدوره يؤدى إلى الحرمان من العون و التأييد الإلهي ، إذ أنه عونه - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لنا ذلك كله مقرون باستقامتنا وثباتنا في الطريق { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } .

رابعا : علاج عدم التثبت أو التبين

وما دمنا قد وقفنا على أبعاد ومعالم عدم التثبت أو التبين على النحو الذي قدمنا ، فإن علينا أن نعرف سبيل العلاج وتتلخص في الأخذ بالوسائل التالية :

1- تقوية ملكة التقوى و المراقبة لله - سبحانه وتعالى - :

فإن هذه إن تأكدت في النفس ، فسوف تحمل صاحبها حملاً على

التأني و التروي والإنصاف ، ونقل الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقص ، بل ستكون سبباً في نور القلب ، ونفاذ البصيرة كما قال سبحانه { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } ولعلنا نلمح هذه الوسيلة العلاجية من قوله صلى الله عليه وسلم :" التثبت من الله و العجلة من الشيطان ".

2- التذكير بين يدي الله - سبحانه وتعالى - للمساءلة و الجزاء :

{ وقفوهم إنهم مسئولون } ، { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ، { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً } ، { إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } .

فإن هذا إن تمكن من النفس ، وخالط القلب ، فإنه سيقود حتماً إلى التأني أو التروي .

3- معايشة الكتاب و السنة ، من خلال هذه النصوص المتصلة بقضية التثبت أو التبين ، كما في آيات " النساء " : { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ... } ، وآيات الإفك في سورة النور ، وآيات سورة الحجرات ، { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... } ، وآيات سورة " ص " داود مع الخصمين :{ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب } وآيات سورة " النمل " سليمان مع الهدهد إذ قال له { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين }.

فإن هذه النصوص جميعاً مدعاة إلى تربية ملكة التثبت أو التبين في النفس .

4- دوام النظر في سير وأخبار السلف فإنها طافحة بالنماذج الحية التي تجسد هذا التثبت ،وتجعله ماثلاً أمامنا كالعيان وحسبنا من هذه السير وتلك الأخبار :

قصة عمر بن الخطاب مع سعيد بن عامر الجمحى واليه على حمص إذ قدر الله لعمر أن يزور هذه البلدة ، ويسأل أهلها كيف وجدتم عاملكم ؟ فيشكونه له ، وكان يقال لأهل حمص : الكوفية الصغرى لشكايتهم عمالهم قائلين :

نشكو أربعاً : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، قال : أعظم بهذا ، وماذا ؟ قالوا : لا يجيب أحد بليل ، قال وعظيمة وماذا ؟ قالوا وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا ، قال عظيمة ، وماذا ؟ قالوا يغنط الغنطة بين الأيام ( أي يغمى عليه ويغيب عن حسه ) فلم يفصل عمر في الأمر ، إلا بعد أن جمع بينهم وبينه ودعا ربه قائلا : ( اللهم لا تفيل رأيي فيه ) وكان عمر حسن الظن به وبدأت المحاكمة فقال عمر لهم أمامه : ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار قال : ما تقول ؟ قال : والله إن كنت لأكره ذكره : ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم فقال : ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يجيب أحدا بليل قال : ما تقول ؟ قال : إن كنت لأكره ذكره : إني جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل قال : وما تقول ؟ قال : ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها فأجلس حتى تجف ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار قال : ما تشكون منه ؟ قالوا : يغنط الغنطة بين الأيام قال :ما تقول ؟ قال : شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش من لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا : أتحب أن محمدا مكانك ؟ فقال : والله ما أحب أنى في أهلي وولدي وأن محمدا صلى الله عليه وسلم شيك بشوكة ، ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة فقال عمر بعد أن أظهر براءته أمامهم الحمد لله الذي لم يفيل فراستي وبعث إليه بألف دينار وقال : استعن بها على أمرك ففرقها ) .

وقصة الوزير أبى القاسم بن مسلمة أحد وزراء بنى العباس مع اليهود الخيابرة في القرن الخامس الهجري إذ رفع إليه هؤلاء اليهود كتابا زاعمين أنه كتاب نبوي فيه إسقاط الجزية عنهم فلم يبادر بالفصل في المسألة دون تثبت أو تبين وإنما رد الأمر إلى أهله ، لقد دفع الكتاب إلى الحافظ الخطيب البغدادي ت 463هـ شيخ علماء بغداد ومؤرخها ومحدثها في عصره فنظر فيه ثم قال :هذا كذب فسأله الوزير : وما الدليل على كذبه ؟ فقال لأن فيه شهادة معاوية بن أبى سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر وقد كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة وإنما أسلم معاوية يوم الفتح وفيه شهادة سعد بن معاذ وقد مات قبل خبر عام الخندق سنة خمس فأعجب الناس ذلك وتوقف الوزير عن العمل بالكتاب .

أرأيت لو أن هذا الوزير استعجل ونفذ ما في الكتاب من غير أن يرد الأمر إلى أهله فماذا تكون النتيجة ؟ إن النتيجة هي تعطيل نص صريح من كتاب الله عز وجل بغير دليل ولا برهان إذ يقول الحق سبحانه { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون }

5- التربية على ذلك من خلال الأحداث والوقائع على نحو ما جاء في : قصة أسامة بن زيد مع الجهنى في سورة النساء وعلى نحو ما جاء في : حادثة الإفك في سورة النور وعلى نحو ما جاء في قصة داود مع الخصمين في سورة النمل وعلى نحو ما جاء في : قصة الوليد بن عقبة مع بنى المصطلق في سورة (الحجرات )فإن هذا اللون من التربية يثبت في النفس ولا ينسى نظرا لارتباطه بالحدث أو بالقصة .

6- التذكير بقواعد ومعالم وطرق التثبت أو التبين فإن الإنسان مجبول على النسيان وعلاج هذا النسيان دوام التذكير :

{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين }.{ فذكر إن نفعت الذكرى }.

7- تقدير العواقب المترتبة على ترك التثبت أو التبين في الدنيا والآخرة فإن هذا التقدير من شأنه أن يبعث الإنسان من داخله ويحمله على التروي أو التأني أو التريث .

8- معايشة أو مخالطة من اشتهروا بخلق التثبت أو التبين فإن هذا يفيد الإنسان كثيرا ويدعوه إلى محاكاتهم والنسج على منوالهم لتقل العثرات وتسلم الخطوات .

9- الحكمة في التعامل مع الناس فلا تخدعنا الظواهر والأشكال والصور ولا نبالغ في البحث والتفتيش عن البواطن وخفايا الصدور وإنما ندع الواقع ليحدد كيفية وأسلوب التعامل .

10- محاولة الإفادة من مناهج أهل الأرض بشأن هذا الخلق ..أعنى التثبت أو التبين شريطة ألا يتعارض ذلك مع الإسلام فإن لدى هؤلاء رصيداً لو أمكن استغلاله وتوجيهه التوجيه السليم لعاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير .

11- أن يتصور المسلم نفسه في موطن من يؤخذ بغير تثبت أو تبين فإن ذلك يحمله على تعديل خطواته في الطريق إذ مالا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره .

12- التعويد على إحسان الظن بالمسلمين إلا أن يقع منهم ما يوجب غير هذا :

{لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا }.

الآفة الرابعة عشرة - التفريط في عمل اليوم والليلة

أولاً : مفهوم التفريط في عمل اليوم والليلة

والآفة الرابعة عشرة التي يبتلى بها الكثير من العاملين إنما هي (التفريط في عمل اليوم والليلة ).

وحتى يتخلص منها من ابتلوا بها ويتقيها من عافاهم الله عز وجل منها فإنه لابد من تقديم تصور يكشف عن أبعادها ومعالمها وذلك على النحو التالي :

أولاً : مفهوم التفريط في عمل اليوم والليلة :

التفريط لغة : التفريط في اللغة هو : التقصير في الأمر وتضييعه حتى يفوت قال في اللسان ( وفرط في الأمر يفرط فرطا أي قصر فيه وضيعه حتى فات كذلك التفريط ) وفرط في الشيء وفرطه ضيعه وقدم العجز فيه والتنزيل :{ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله }.

أي أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له مخافة أن تصيروا إلى حال الندامة للتفريط في أمر الله ، وعمل اليوم والليلة في اللغة هو الوظائف أو الواجبات التي ينبغي للمرء الحفاظ عليها أعم من أن تكون دنيوية أو أخروية وعليه فإن التفريط في عمل اليوم والليلة لغة هو : التقصير أو التضييع للوظائف أو الواجبات التي ينبغي للمرء الحفاظ أو المواظبة عليها دنيوية كانت أو أخروية أو هما معا حتى تفوت.

التفريط في عمل اليوم والليلة اصطلاحا : أما مفهوم التفريط في عمل اليوم والليلة في اصطلاحا العلماء والدعاة فإنه التقصير أو التضييع للوظائف العبادية التي ينبغي للمسلم الحفاظ والمواظبة عليها في اليوم والليلة حتى يخرج وقتها وتفوت مثل النوم عن الصلاة المكتوبة ومثل إهمال النوافل الراتبة أو ترك قيام الليل أو صلاة الوتر أو صلاة الضحى أو تضييع الورد القرآني أو الأذكار أو الدعاء أو المحاسبة للنفس والتوبة والاستغفار أو التخلف عن الذهاب إلى المسجد وعدم حضور الجماعة بغير عذر ولا مبرر أو عدم فعل الخيرات الأخرى أو إهمال الآداب الاجتماعية : من عيادة المرض وتشييع الجنائز والسؤال عما في الناس ومشاركتهم أحوالهم في السراء والضراء ..... إلى غير ذلك من الطاعات أو العبادات .

ثانيا : أسباب التفريط في عمل اليوم والليلة

وللتفريط في عمل اليوم والليلة أسباب تؤدى إليه وبواعث توقع فيه نذكر منها :

(1) التلطخ أو التدنس بالمعصية :

بأن يكون المسلم غير محترس أو متحرز من المعصية لا سيما الصغائر تلك التي يستهين بها كثير من الناس ولا يولونها رعاية أو أهمية وحينئذ فلابد من العقاب ويكون العقاب بأمور كثيرة من بينها التفريط في عمل اليوم والليلة وصدق الله العظيم : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } وجاء عن الحسن البصري مرسلا قوله : لما نزلت هذه الآية { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وقرأ : { وما أصابكم من مصيبة } ..

وقد وعى السلف مثل هذا السبب وأثره على عمل اليوم والليلة ونبهوا إليه كثيرا :

هذا الضحاك يقول : ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ثم يقول الضحاك : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن وهذا الحسن يسأله رجل قائلا : ( يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهورى فما بالى لا أقوم ؟ فقال ذنوبك قيدتك ).

وهذا الثوري يقول : ( حرمت قام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل : وما ذاك الذنب ؟ قال : رأيت رجلا يبكى فقلت في نفسي : هذا مراء ) ، وهذا كرز بن وبرة يدخل عليه بعض الناس وهو يبكى فيقول له : أتاك نعى بعض أهلك ؟ فيقول : أشد فيقول له : وجع يؤلمك ؟ فيقول : أشد فيقول له وما ذاك ؟ فيجيبه : بابي مغلق وسترى مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته .

وهذا أبو سلمان الدارانى يقول : (لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب ) وهذا عابد عالم يقول : ( كم من أكلة منعت قيام الليل وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات ).

وقد بين الحافظ ابن القيم كيف يؤدى هذا السبب إلى مثل هذا التفريط فقال ( ومنها أي من آثار المعاصي حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان ).

( 2) التوسع في المباحات :

وقد يكون التوسع في المباحات من الطعام والشراب واللباس والمراكب ونحوها هو السبب في التفريط في عمل اليوم

والليلة ذلك أن هذا التوسع يورث الركون والنوم والراحة الأمر الذي يمكن أن يؤدى إلى مثل هذا التفريط وقد سبق أن بينا ذلك بالتفصيل عند الحديث عن آفة الإسراف وحسبنا هنا قول الغزالى :( لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتتحسروا عند الموت كثيرا ).

(3) عدم إدراك قيمة النعم وسبيل الدوام :

وقد يكون عدم إدراك قيمة النعم وسبيل الدوام هو السبب في التفريط في عمل اليوم والليلة ذلك أن من لم يدرك أن نعم الله على العباد الظاهر منها والباطن والمعلوم منها وغير المعلوم شئ لا يكون ولا يحصى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }

ومن غفل عن أن دوام هذه النعم إنما يكون بالشكر : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ومن الشكر المواظبة على عمل اليوم والليلة من العبادات والطاعات من لم يدرك هذا كله وغفل عنه فإنه يقع منه لا محالة التفريط فيعمل اليوم والليلة وصدق الله { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون }.

قال الحسن البصري وأبوا العالية والسدى والربيع بن أنس :

(إن الله يذكر من ذكره ويزيده من شكره ويعذب من كفره ) .

وقال الحسن البصري أيضا في قوله { فاذكروني أذكركم }. قال :( اذكروني فيما أو جبت لكم على نفسي) .

وقال سعيد بن جبير :( اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ) وفي رواية (برحمتي) .

(4) الغفلة عن الحاجة إلى عمل اليوم والليلة :

وقد تكون الغفلة عن الحاجة إلى عمل اليوم والليلة هي السبب في التفريط في هذا العمل فإن من غفل عن أنه بحوله وقوته ضعيف وإنه بحول الله وقوته قوى وأنه لابد له كي ينجح في أداء دوره والقيام بواجبه في هذه الأرض لابد من عون الله وتأييده ونصره وأن المواظبة على عمل اليوم والليلة هي التي تستجلب هذا العون وذلك التأييد والنصر :

{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }

‎{وتزودا فإن خير الزاد التقوى }.

{يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا }.

( وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذنى لأعيذنه .....ـ}.

بل إنها هي التي تكون سببا في سكينة النفس وطمأنينة القلب :

{ ولقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا }

{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن }.

{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ....}

من غفل قلبه عن كل ما قدمنا فإنه سيفرط لا محالة في عمل اليوم والليلة .

5- ضعف أو تلاشى التصور الصحيح لحقيقة أجر المواظبة على عمل اليوم والليلة .

وقد يكون ضعف أو تلاشى التصور الصحيح لحقيقة أجر المواظبة على عمل اليوم والليلة هو السبب في هذا التفريط فإن الاستمساك بالشيء والعض عليه بالنواجذ مرتبط بالتصور الصحيح له وللمنافع أو الفوائد المرتبطة به.

وعليه فمن لم يكتمل عنده التصور الصحيح لحقيقة الأجر المرتبط بعمل اليوم أو الليلة من أنه نجاة من أهوال وشدائد يوم القيامة .

{ وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }.

{ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا }.

بل من أنه أي الأجر جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفوق هذا رؤية الله ، و التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم :

{ وعد الله المؤمنين و المؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ، { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ، { وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة } ، { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } .

من لم يكتمل عنده التصور لحقيقة هذا الأجر فإنه يستلذ النوم و الراحة ويضن بالتعب و المجاهدة في سبيل الله و بالتالي يفرط في عمل اليوم و الليلة .

وصدق العلامة ابن الجوزى حين قال :" من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف ".

6- نسيان الموت وما بعده من أهوال وشدائد :

وقد يكون نسيان الموت وما بعده من أهوال وشدائد هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن من نسى أنه ميت لا محالة وإن طال الأجل :

{ كل نفس ذائقة الموت ... }، { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } .

وأن هذا الموت أقرب إليه من شراك نعله :

{ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون }

وأنه سيكون بعد هذا الموت شدائد وأهوال يشيب من هولها الولدان وتنخلع لها القلوب ، ولا نجاة منها إلا بالمواظبة على عمل اليوم و الليلة :

{ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً السماء منفطر به كان وعده مفعولاً } ، { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ، { وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع }

من نسى ذلك كله كان منه هذا التفريط ولا شك .

وقد ألمح إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل مصلاه فرأى ناساً كأنهم يكتشرون فقال :" أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى : الموت فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول : أنا بيت الغربة ، و أنا بيت الوحدة ، وأنا بيت التراب ، وأنا بيت الدود ..... ".

7- ظن بلوغ الكمال :

وقد يكون ظن بلوغ الكمال هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن الإنسان قد ينسى نفسه وينسى أنه مهما عمل وأطاع بالليل و النهار ، فلن يستطيع شكر نعمة من نعم الله - تعالى - عليه ، ويحمله هذا النسيان مع عوامل أخرى على ظن بلوغ الكمال ، وحينئذٍ يقع منه التفريط في عمل اليوم و الليلة .

ولعل هذا هو ما نفهمه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :( الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) .

ومما جاء عن عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - إذ كان يقول :" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر ، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا " .

ومن قول لميمون بن مهران :" لا يكون العبد تقياً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه " .

8- كثرة الأعباء و الواجبات :

وقد تؤدى كثرة الأعباء و الواجبات إلى التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن الإنسان في زحمة العمل ، وفي إلحاح الأعباء

و الواجبات قد يهمل في عمل اليوم و الليلة بحجة ضيق الوقت وضرورة الفراغ من هذه الأعباء وتلك الواجبات ، ناسياً أو متناسياً أن زاده على الطريق للخروج من كل ما هو مطلوب منه إنما يكون بالمواظبة على عمل اليوم و الليلة ، إذ الوقت و الطاقات والإمكانات كلها ملك لله ، وبيده سبحانه ، وحين يرى من العبد إقبالاً عليه وتلذذاً بطاعته وذكره يمتن ويتفضل عليه بالبركة في الوقت و القوة في الإرادة و المضاء في العزيمة و السداد في الرأي :

{ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } ، { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدراً } .

9- التسويف :

وقد يكون التسويف هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن من تعود التسويف أو التأجيل تتراكم عليه الواجبات أو الأعباء ، وحين يريد الخلاص أو الخروج منها تصبح ثقيلة أو شاقة عليه ، وحينئذٍ لا يكون منه إلا التفريط أو التضييع ولعل هذا هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم :" بادروا بالأعمال الصالحات سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال

فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ".

وقد وعى ذلك سلف الأمة - رضوان الله عليهم - فحرصوا على اقتناص الفرص واغتنام العمر قبل أن يضيع ، وحسبنا هنا مقالة عمر - رضى الله تعالى عنه - " القوة ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد ".

ومن وعظه صلى الله عليه وسلم لرجل بقوله :( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ).

10- مشاهدة بعض ذوى الأسوة على حال من التفريط :

وأخيراً ... قد يكون مشاهدة بعض ذوى الأسوة و القدوة على حال من التفريط هي السبب في عدم المواظبة على عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن المسلم أحياناً ينظر إلى ذوى الأسوة و القدوة على أنهم نمط فريد من الناس ، لا يمكن أن يقع منهم تفريط أو تقصير ، وحين يطلع منهم أو من بعضهم على شئ من التفريط ، فإن هذه النظرة قد تحمله على محاكاتهم ، ناسياً أنه لا طاعة ولا محاكاة في المعصية ، وإنما في المعروف فقط .

ولعل هذا السبب هو المفهوم من تشديد الإسلام على عدم المجاهرة بالإثم ، إذ يقول صلى الله عليه وسلم :( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول : يا فلان : عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ).

ثالثاً : آثار التفريط في عمل اليوم و الليلة

وللتفريط في عمل اليوم و الليلة آثار ضارة وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي ، ودونك بعض هذه الآثار :

أ- آثار التفريط في عمل اليوم و الليلة عل العاملين :

من آثار التفريط في عمل اليوم والليلة على العاملين :

1- الاضطراب و القلق النفسي :

ذلك أن غذاء القلب وراحة النفس وسمو الروح إنما يكون في المواظبة على عمل اليوم و الليلة ، وعليه فإن من فرَّط في عمل اليوم و الليلة ، فقد قطع عن القلب غذاءه ودواءه ومصدر سعادته وطمأنينته ، وتكون النتيجة القلق والاضطراب النفسي وصدق الله العظيم { ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً } ، { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً } .

2- القعود عن أداء الواجب أو على الأقل الفتور :

وذلك أن زاد المسلم على الطريق إنما هو في المواظبة على عمل اليوم و الليلة ، وعليه فمن فرط في عمل اليوم و الليلة فقد بقى بغير زاد ، ومثل هذا تنتهي به الحال إلى القعود عن أداء الواجب ، أو على الأقل الفتور ، وذلك فيه من الخطورة و الضرر ما فيه ، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال :( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد ، يضرب كل عقدة ، عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ، وإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً

طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان ) .

3- الجرأة على المعصية :

وذلك أن الطاعة الحقة بمثابة حاجز يحول بين الإنسان وبين المعصية { وأقم الصلاة ، إن الصلاة تنهي عن الفحشاء و المنكر ولذكر الله أكبر } وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن فلاناً يصلى بالليل فإذا أصبح سرق ، فقال :" إنه سينهاه ما تقول " ، وعليه فإنه إذا فرط فيها وضيعها أو أداها بشكلها لا بجوهرها وحقيقتها ، فقد هدم هذا الحاجز وصارت الطريق مفتوحة أمامه للوقوع في المعاصي و السيئات ، بصورة فيها جرأة أو لا مبالاة ، ولعل هذا هو ما يشير إليه قول ابن عباس :" من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر ،لم يزد بصلاته من الله إلا بعداً ".

4- الضعف أو الانهيار البدني :

وذلك أن المواظبة على عمل اليوم و الليلة تكسب الجسم مناعة وقدرة على التحمل ، كما قال - سبحانه - على لسان هود

عليه السلام { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم } ، وكما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم - علياً وفاطمة - عليهما السلام ، إذ قال علىّ  : إن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى ، وبلغها أنه جاءه رقيق ، فلم تصادفه ، فذكرت ذلك لعائشة ، فلما جاء أخبرته ، قال : فجاءنا ، وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال :" على مكانكما " فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني فقال :" ألا أدلكما على خير مما سألتما ؟ ، إذا أخذتما مضاجعكما ، أو أويتما إلى فراشكما ، فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم " ، وعليه فمن فرط في عمل اليوم و الليلة فسيعتاد الاسترخاء و النوم ، وذلك لا يعود على الجسد إلا بما فيه ضعفه وانهياره .

5- الحرمان من العون و التوفيق الإلهي :

وذلك أن عون الله وتوفيقه لا يظفر بهما العبد إلا إذا كان على صلة طيبة بربه تتجلى في المواظبة على عمل اليوم و الليلة { إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون } ، { و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } ، وإذا حدث وفرَّط المسلم في هذا العمل ، فقد قطع نفسه عن ربه وحينئذٍ يحرم العون و التوفيق ، ولعل ذلك هو ما نفهمه من قوله سبحانه { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون }.

6- فقد الهيبة أو التأثير في الناس :

وذلك أن من فرط في عمل اليوم و الليلة فقد ضيع أعظم سلاح يؤثر به في الناس ، وسبى قلوبهم ، وهذا بدهي لأنه بهذا التفريط ضيع منزلته عند ربه ، ومن ضاعت منزلته عند ربه فقد ضاعت منزلته عند الناس .

وقد أشار إلى ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تدعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ) .

آثار التفريط في عمل اليوم و الليلة على العمل الإسلامي :

ومن آثاره على العمل الإسلامي :

1- طول الطريق مع كثرة التكاليف :

ذلك أن عملاً يضيِّع المنتسبون إليه حق الله - تبارك وتعالى - عليهم ستطول به الطريق وتتضاعف عليه التكاليف وتحيط به المحن و الشدائد من كل ناحية ، لاسيما وأعداء الله ماضون في تنفيذ أساليبهم ومخططاتهم ، ولا يتوانون عن ذلك لحظة من ليل أو نهار ، وصدق الحق سبحانه حين قال على لسان نبي الله صالح عليه السلام { ... فمن ينصرني من الله إن عصيته } .

2- عدم الثبات في ساعات المحن و الشدائد :

وذلك أن المحن بطبيعتها قاسية وشديدة ، لا يطيقها البشر بحولهم وقوتهم ، وإنما لابد له من العون و التأييد الإلهي ، وأنى لمن فرَّطوا في جنب الله أن يرزقهم الله تحملاً أو ثباتاً ، ولعل هذا هو المفهوم من قوله تعالى { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، ومن قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس :( يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .

رابعاً : علاج التفريط في عمل اليوم و الليلة

وبعد هذا نستطيع علاج التفريط في عمل اليوم والليلة باتباع ما يلي :

1- معايشة الكتاب و السنة ففيهما صورة صادقة لثواب الطائعين ، وعقاب العاصين ، وماهية هذا الثواب ، وذلك العقاب بل فيهما تحريض على ملازمة الطاعة وترك المعصية ، من خلال التذكير باطلاع الله - سبحانه - وإحاطة علمه بكل شئ و الرجوع إليه و المساءلة بين يديه و الجزاء وحسب المسلم أن يقرأ هذه الآيات { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم

العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } .

2- التحرر من المعاصي و السيئات لا سيما الصغائر فإنها سم قاتل ، ونار محرقة وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :( إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجئ بالعود حتى جمعوا سواداً فأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها ".

3 - التوسط في تعاطى المباحات لاسيما المطاعم و المشارب ، فإنها أساس كل بلية وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) .

4- إدراك دور المواظبة على عمل اليوم و الليلة في النجاح و القدرة على القيام بالأعباء و الواجبات ، فإن ذلك يحرر النفس من التفريط ويحملها على المواظبة و الملازمة .

5- تقدير النعمة وإنها لن تدوم إلا بالطاعات ، فإن ذلك يحرك النفوس المستقيمة للمواظبة على عمل اليوم و الليلة ، وفاء بحق الله وطمعاً في الاستمرار و الزيادة .

6- محاولة التوفيق بين المواظبة على عمل اليوم و الليلة و القيام بالواجبات الأخرى :( إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ، فأعط لكل ذي حق حقه ) .

7- مجاهدة النفس وأخذها بالحزم و الشدة ، مع اتهامها بالتقصير ومع ترك التسويف ، ومع تمنيتها بأنها إن تعبت اليوم ، ستتمتع غداً بالنعيم المقيم ، وتتلذذ بالنظر إلى وجه الله الكريم .

8- تقدير العواقب والآثار المترتبة عل التفريط في عمل اليوم و الليلة ، فلعل ذلك يحرك القلوب وتنعكس هذه الحركة على الجوارح فتكون المواظبة على عمل اليوم و الليلة .

9- ملازمة الجماعة ، و العيش في وسط صالح مستقيم ، فإن ذلك يذكر بالله ويشحذ الهمم و العزائم ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألا أنبئكم بخياركم ؟ ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : خياركم الذي إذا رُؤوا ذكر الله عز وجل ) .

10- الاستعانة التامة بالله - عز وجل - فإنه سبحانه يعين من استعان به ولجأ إلى حماه ولاذ بجنابه ، لاسيما في ساعات الاضطرار و الشدة { وقال ربكم ادعونى استجب لكم } ، { أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله قليلاً ما تذكرون } .

11- إدراك أن الدنيا دار عمل وغرس وزراعة ، وغداً سيكون الحصاد ، ومعرفة النتائج ، ولئن ضاعت الدنيا بغير طاعة ، كانت الخسارة التي لا خسارة بعدها :{ ... إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين } .

{ وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } .

12- مواظبة ذوى الأسوة و القدوة على عمل اليوم و الليلة حتى لا يكونوا سبباً في فتنة وضياع غيرهم من الناس ، فيحتملون إثم أنفسهم وإثم اقتداء غيرهم بهم :( ... ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ).

13- معايشة النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته ، وكيف كان يصوم النهار حتى يقال إنه لا يفطر ، ويقوم الليل حتى يقال إنه لا ينام ، ومثل ذلك كان يصنع في باقي الطاعات ، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، إن هذه المعايشة تحمل كل مفرط في عمل اليوم و الليلة على المواظبة ، من منطلق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصنع ذلك ، وقد وعده الله المقام المحمود فكيف بمن لا يعرف عاقبته ، وهل سيكون في الجنة أم مع أهل النار ؟.

14- دوام النظر في سيرة وأخبار السلف ، فإنها مليئة بصور حية مشرقة في المواظبة على عمل اليوم و الليلة ، تحمل كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد على الاقتداء و التأسي ، أو على الأقل المحاكاة و التشبه .

15- تذكر الذنوب والآثام الماضية ، فإن ذلك يحمل على المواظبة في عمل اليوم و الليلة تداركاً لما فات ، وطمعاً في تكفير هذه الذنوب ، وتلك الآثام ، وخير ما يصدق ذلك موقف السحرة من تهديد فرعون حين خالطت حلاوة الإيمان قلوبهم وردهم عليه :

{ قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات و الذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ، إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى } .

16- تذكر أن الموت يأتي بغتة ، وإذا لم يأت بغتة فسيسبقه المرض ثم يكون الموت ، ويكون الندم ولكنه بعد فوات الأوان وضياع الفرصة .